حكم رواية الفاسق المبتدع
Oخالد القريوتي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار العثمانية - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
دراسات حديثية
1. يبين هذا البحث مدى الجهد المتواصل والحثيث من قبل علماء الحديث لصيانة حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه من عبث العابثين.
2. أن العدالة والصدق والأمانة والثقة والضبط هو كل ما يوجبه علماء الشريعة وعلى رأسهم علماء الحديث الشريف فيمن يروي أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وجعلهم يتشددون في تتبع أحوال الرواة ودراسة صفاتهم لمعرفة من تقبل روايته ومن لا تقبل.
3. أن مرتكب الكبيرة تسقط عدالته ولا تقبل روايته حتى يتوب إلى الله عز وجل توبة صادقة وينقطع عن ارتكاب المعاصي نهائيا وتحسن توبته بشهادة أهل العلم بذلك.
4. استثنى العلماء – وبالإجماع – عدم قبول رواية الكذاب حتى وإن تاب وحسنت توبته وعلى ذلك حفاظا على حديث وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم.
5. إن انتشار البدع والأهواء يؤدي إلى كثير من الأمور السلبية على المجتمع والدين والحياة.
6. تضافرت النصوص الشرعية من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين في التحذير من البدع والأهواء وعدم مجالسة ومخالطة أهل الأهواء والبدع، لأن ذلك يؤدي إلى ما لم يحمد عقباه.
7. أن هناك فروقا كثيرة وكبيرة بين أوجه الاختلاف بين الرواية والشهادة، ومن أهمها التوبة، والعدد.
8. إن قبول رواية المبتدع قائم على عدم منافاة العدالة والأمانة والصدق والضبط في الرواية، وبغض النظر عما يعتقد الراوي، فلنا صدقه وأمانته وعليه ما يعتقد.
9. ولهذا لم يجز العلماء رواية المبتدع إذا كان ممن يسب الصحابة رضوان الله عليهم. أو ممن يستحل الكذب على الله ورسوله وعلى الدين، أو ممن ينكر أمرا معلوما من الدين بالضرورة.
10. إن الخوارج – رغم عقائدهم التي خالفوا فيها أهل السنة والجماعة – إلا أنهم لم يحاولوا المساس بالسنة النبوية الشريفة، ولم ينقل عنهم أنهم كذبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نقل عن البعض لا يرقى للاحتجاج به، أو الالتفات إليه.
تم البحث ولله الحمد والمنة.(3/94)
صحيفتا عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عند المحدثين والفقهاء
Oمحمد علي ابن الصديق
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
دراسات حديثية
خاتمة
هذه أيها القارئ الكريم خلاصة جهدي المتواضع التي أمكنني الوصول إليها، بعد عناء طويل ودراسة وافية، اقتضت منى بذل كل ما استطعت من جهد ووقت في البحث عن مراجع الموضوع ومختلف المظان التي ترتبط به، أو لها به علاقة من قريب أو بعيد. ولم آل جهداً في توثيق النصوص والرجوع بها إلى مصادرها الأصلية، ثم المقارنة بينها واستخلاص ما يمكن استخلاصه منها من آراء وأحكام تعبر عن وجهة نظر أصحابها مع الاستدلال والتعليل، عازياً كل قول أو رأي إلى مصدره.
وتكمن أهمية موضوع البحث من حيث تناوله لدراسة وثيقتين هامتين، قد تساعد على تغيير بعض المفاهيم وترفع بعض اللبس الحاصل في مسألة تدوين السنة في الصدر الأول للإسلام.
فإذا كانت صحيفة عبدالله بن عمرو هي بحق أول تدوين في الإسلام، بحيث كتبت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبإذن منه، فإن هذه الصحيفة لم تصلنا إلا عن طريق ابن حفيده عمرو بن شعيب. ولم يهتد كثير من العلماء إلى أن لهذه الصحيفة طريقاً آخر، هو طريق حسين بن شقي بن ماتع الأصبحي، مما نقل ذلك المقريزي في خططه. وقد أخرج روايته أبو داود في سننه، وهي متابعة جيدة.
كما أن صحيفة معاوية بن حيدة لم تصلنا إلا من طريق حفيده بهز، ولهذه الصحيفة أيضاً متابعة جيدة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن رجال سند الصحيفتين هم ثقات. فكان بالتالي جمع نصوص الصحيفتين وتوثيقهما في مكان واحد أمراً له أهميته من حيث التدليل على أن حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب بعضه في الصدر الأول للإسلام. وأن التدوين الفردي الذي لم تكن له تلك الصفة الرسمية التي ألصقت به في مستهل القرن الثاني الهجري، كان شائعاً ومتداولاً بين القدماء. وكانوا يستعينون على تقييد مروياتهم بالكتاب ليرجعوا إليها كلما دعت الضرورة إلى ذلك زيادة في الضبط والإتقان.
على أن التعويل عندهم في أداء الحديث كان على الرواية الشفوية وحدها لأنها أنجع طريق لتحمل الحديث وأحوط لهم من الوقوع في التدليس والوضع والتحريف والتصحيف.
وما تدوين الصحف التي وصل إلينا بعضها مثل الصحيفة الصحيحة لهمام بن منبه إلا دليل على ما ذهبنا إليه من انتشار التدوين وذيوعه في القرن الأول الهجري.
وفي هذا السياق وتتميماً للفائدة، درست نماذج لصحف مشهورة مثل صحيفة علي ابن أبي طالب وجابر بن عبدالله وهمام بن منبه، فترجمت لأصحابها وعرفت برواتها ومروياتهم، وتعمدت في ذلك الاختصار خشية الإملال والتطويل ...
ثم انتقلت إلى الصحيفتين موضوع البحث، فتتبعت أحاديث عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عن أبيهما عن جدهما من مختلف مظان السنة النبوية، فاستقرأت بشمول أحاديثهما، معتمداً في ذلك منهج الإحصاء، مع التدليل على مكان ورودهما في كتب السنن والصحاح والمسانيد والمصنفات والمعاجم والمستخرجات وغيرها من الأصول المسندة. ثم جمعت طرق هذه الأحاديث وميزت المكرر منها مع النص على الزيادات والمخالفات في المتن والسند.
وبعد هذه العملية، تجمعت لدي نصوص الصحيفتين بكاملهما، وهو ما يمكن أن يكوّن نص صحيفة عبدالله بن عمرو وصحيفة معاوية بن حيدة.
وأردفت إلى هذه النصوص نصوصاً أخرى موقوفة بسند الصحيفتين ليتكون من ذلك كله نسختا عمرو وبهز، وهما موافقتان ـ حسب اصطلاح المحدثين ـ لمسند عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم عن أبيهما عن جدهما.
وتبين لي من خلال هذا البحث أن ما رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير لا يمثل الصحيفتين بكاملهما، كما يوهم كلام بعض المعاصرين ـ وإنما يمثل الجزء الأكبر منهما.
هذا إلى ما أجملته من آراء لعلماء الحديث حول الصحيفتين رداً وقبولاً مع بيان آراء الفقهاء فيهما وموقعهما منهم.
ومع هذا كله فلا أدعي أنني ألممت بجميع جوانب الموضوع، وإنما هي جهود مُقِلٍ تحتاج إلى تضافر جهود أخرى من الباحثين والمختصين، خصوصاً وأن الموضوع بِكْر لم يُطْرق بعدُ، وما وصَلَنا عنه ما هو إلا إشارات من بعض القدماء الذي تعرضوا لجوانب محددة في أحاديث عمرو بن شعيب وبهز بن حكيم.
ومؤلفات هؤلاء وبحوثهم مفقودة لا وجود لها، كمسند عمرو بن شعيب الذي هو من تصنيف الإمام مسلم صاحب الصحيح.
وشرف عظيم لي أن "أوافق" الإمام مسلم فيما قام بتصنيفه.
وفي نهاية هذا البحث، أتقدم بشكري الجزيل، إلى أستاذي المشرف العلامة الدكتور فاروق حمادة، الذي تتبع باهتمام وعناية مراحل هذا البحث فجزاه الله خيراً.
وبهذا تم البحث على قصور فيه، ولله الكمال وحده، والحمد لله أولاً وأخيراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.(3/95)
ضوابط الرواية عند المحدثين
Oالصديق بشير نصر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
منشورات كلية الدعوة الإسلامية - طرابلس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1401هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
منهج النقد عند المحدثين - سند ومتن
الخاتمة
الحمد لله الذي أنعم علي فكان هذا من نعمائه.
والصلاة والسلام على النبي الكريم، الذي بلّغ عن ربّ العالمين فأحسن البلاغ، وعلى آله وصحبه الأماجد الذين نقلوا لنا هذه الشريعة فصانوها من كيد الكائدين، وتربّص المتربصين وبعد،
فقد ضبط المحدثون روايات الحديث، ووضعوا لها أصولها وقواعدها، ولزموا صحيحها وطرحوا سقيمها، ولم يقنعوا إلاّ بمنهج كامل متفرد، وكان حالهم كما قال أبو الطيب المتنبي:
إذا غامرت في شرف مروم فلا تقنع بما دون النجوم
لذلك لا يملك الناظر في منهجهم إلاّ الإكبار والإعجاب.
وقد حاولت جهدي أن أظهر مواطن العبقرية والتفوّق في هذا المنهج الفريد. ورددت من خلال عرضي لهذا المنهج على بعض الافتراءات والأباطيل التي رمي بها هذا المنهج، وسعيت لأن يكون جادًّا بعيداً عن الردود العاطفية التي لا تجدي في هذه المواقف فتيلاً، وبذلك ظهر هذا البحث وقد امتلأ بالمناقشات والردود التي أحسب أنها سيستمتع بها القارئ الكريم.
ـ ففي الفصل الأول من الباب الأول بينت تهافت قول المستشرقين إنّ المحدثين لم يشغلوا أنفسهم بنقد المتون، وانصرفوا إلى نقد الأسانيد فقط، بحيث صار همهم النظر في الأسانيد لا المتون وأتيت على هذه الفرية بأدلة قاطعة لا يمكن ردّها وجعلت ذلك في عدة وجوه منها: أنه لا تلازم بين صحة السند وصحة المتن، وذلك ما قرره علماء الحديث، ومنها: أن أهل الحديث لم يفرقوا هذا التفريق الظاهر بين صحة السند وصحة المتن، وذلك لأنهم يعالجون السند والمتن معاً، وبسطت الكلام في بيان تهافت هذه الفرية في إحدى عشر دليلاً. وفضلاً عن ذلك فقد بيّنت أن المحدّثين اهتموا بالمتن أيضاً، ويظهر ذلك في وضعهم بعض الضوابط التي يعرف بها الحديث الموضوع دون النظر في سنده أوصلها ابن القيم رحمه الله في (المنار المنيف) إلى ثلاثة عشر ضابطاً.
ـ ثم عرجت على شبهتين أخريين، الأولى: دعوى أن مخالفة النص للعقل تقدح فيه مطلقاً، فبينت فساد هذه الشبهة في سبع نقاط لا أظن أنّه يبقى معها شك لشاك أو ريبة لمرتاب، والثانية: قول بعض المستغربين من أبناء أمّتنا: إن خير مقياس يقاس به الحديث، وتقاس به سائر الأنباء التي ذكرت عن النبي صلى الله عليه وسلم هو العرض على القرآن فما وافقه فهو منه صلى الله عليه وسلم، وما خالفه فليس منه، مستدلاً على ذلك بحديث موضوع، فبينت فساد هذا الزعم وإنه لا يستقيم مع النظر.
ـ وفي الفصل الثاني من الباب الأول رددت على الافتراء القائل بأن الصحابة قد ساهموا في وضع الأحاديث، وبينت فساد هذا الادعاء الذي روّج له جولد تسيهر ومن جاء بعده.
ـ وفي الفصل الثالث من الباب الأول تكلمت عن ظاهرة الحفظ عند العرب والمسلمين، وبينت أسبابها ورددت من خلالها على من ينكر هذه الظاهرة.
ـ وفي الفصل الأول من الباب الثاني تكلمت عن الرحلة في طلب الحديث وأهميتها وآدابها، ورددت من خلال ذلك بشكل مطوّل على أباطيل جولد تسيهر في الرحلة، وتتبعت كل شبهة قالها في الفصل الذي عقده لذلك من كتابه دراسات محمدية.
ـ كما عقدت فصلاً كاملاً للمستشرقين والحديث الشريف، وهو الفصل الأول من الباب الثالث، وفي هذا الفصل عرضت كتاب جينبول (توثيق الأحاديث) وتكلمت من خلاله على منهج المستشرقين في كتابتهم عن الحديث النبوي، وقصدهم من وراء تلك الكتابات، وبينت تحامله على المنصفين العدول من علماء المسلمين في هذا العصر لذبّهم عن سُنّة المصطفى، وكيله الثناء والإطراء للمستغربين المسلمين من صنائع المستشرقين.
ثم عرضت كتاب جولد تسيهر (دراسات محمدية)، وبينت فساد بعض مفاهيمه التي أوردها فيه، وكانت لي بذلك وقفة نقدية طويلة معه، وحرصت على نقده في المواطن التي لم ينتقد فيها، وأمّا المواطن الأخرى التي اشتهر انتقاده فيها فقد كفانيها بعض علماء هذه الأمة الغيورين.
ـ وفي الفصل الثاني من الباب الثاني كانت لي عودة إلى جولد تسيهر، مبيناً فساد قوله ونقله فيما يخص الصحيحين.
وأخيراً، لولا ضيق الصدر وانقطاع الصبر لتتبعت هذا المستشرق في كل مواطن كتابه لأبين هزيل فكره وسقيم رأيه، وإنه لا يعدو سقط المتاع، وأسأل الله أن يمكنني منه في موطن آخر من مواطن الفكر والمعرفة.
وفي الختام. أسأل الله الصفح والغفران، فيما زلّت فيه قدمي، وانحرفت فيه عن جادة الحقّ قلمي، فهو وحده جابر العثرات ومبرئ العلاّت.(3/96)
ضوابط قبول عنعنة المدلس دراسة نظرية وتطبيقية
Oعبدالرزاق خليفة الشايجي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مجلس النشر العلمي - جامعة الكويت
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2002م
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
تدليس
نتائج البحث
أنواع التدليس كثيرة، منها الظاهر ومنها الخفي.
ـ بعض المدلسين يتفننون في ابتكار أنواع جديدة لتدليس أحاديثهم إذا انتبه التلاميذ لتدليسهم.
ـ التدليس والإرسال بينهما عموم وخصوص، فكل تدليس إرسال، وليس كل إرسال تدليساً.
ـ يختلف حكم المدلس باختلاف غرضه وسبب تدليسه.
ـ إن اصطلاح التدليس عند المتقدمين ليس على معنى واحد.
ـ قد يطلق المتقدمون التدليس ويراد به الإرسال الخفي الصيغة المحتملة للسماع.
ـ الصيغة المحتملة للسماع ليست دائماً صيغة المدلس، بل قد يكون في صيغة التحديث تدليس من الراوي.
ـ صيغة العنعنة ليست من صيغ الراوي لكن هي من صيغ تلاميذه.
ـ يعدل كثير من المحدثين عن صيغة التحديث إلى صيغة العنعنة للتخفيف والاستعجال في الكتابة.
ـ الأخذ بالضوابط فقط دون نظر في الطرق والأسانيد واعتبار الروايات ومقارنتها في الحكم على رواية المدلس خطأ.
ـ هناك عدة طرق يمكن بها معرفة التدليس، منها ما يتعلق بالمدلس أو بالحديث المدلس، وهي لا تخفى على أئمة الحديث.
ـ الرواة الذين وصفوا بالتدليس ليسوا على درجة واحدة، فهم مراتب: منهم المكثر، ومنهم المقل، ومنهم من يروي عن الضعفاء، ومنهم من احتمل الأئمة تدليسهم لقرائن لاحت لهم.
ـ قد يحمل المدلس على التدليس النصح للأمة، إذ إن شيخ المدلس غير مقبول في بلدة فلربما وقعت فتنة بذكره، فيدلسه حفظاً للسنة.
ـ الأسباب الحاملة على التدليس كثيرة، منها ما هو مقبول، ومنها ما هو محرم غير مقبول.
ـ للتدليس مفاسد كثيرة، منها أنه يشبه الكذب في التمويه في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ـ رواية المدلس الثقة كرواية الثقة الذي عليه أخطاء، فكما أنه لا ترد روايته فكذا لا يتوقف في روايته العنعنة لاحتمال التدليس.
ـ إذا عرف أن المدلس الثقة لا يدلس إلا عن ثقة فتدليسه لا يضر.
ـ من وصف بتدليس الشيوخ لا يشترط في روايته أن يصرح بالسماع كما اشترط في مدلس الإسناد.
ـ إذا صرح الراوي المدلَّس بالسماع قُبل حديثه.
ـ إذا صرح الراوي المدلِّس بأن عنعنته عن راوٍ معين تفيد السماع قُبِلَ حديثه.
ـ إذا عُرف من الراوي المدلِّس أنه يدلس بعبارة معينة قُبِلَ حديثه في غير ذلك.
ـ إذا عُرفت الواسطة بين المدلِّس والمدلَّسَ عنه قُبِل حديثه.
ـ ترتفع شبهة التدليس إذا تابع المدلِّس راوٍ ثقة غير مدلس.
ـ قد يُنسب راو إلى التدليس وهو منه بريء.
ـ إذا كان الراوي نادر التدليس قُبلت عنعنته.
ـ ما كان من رواية المدلسين في الصحيحين أو أحدهما فهو مقبول صحيح متصل محمول على معرفة أصحاب الصحيح بسماعهم.
ـ ما كان من رواية المدلسين في صحيح ابن حبان فهو مقبول صحيح متصل محمول على معرفة ابن حبان بسماعهم لتصريحه بذلك.
ـ من عرف بالتدليس وكان له تلاميذ يميزون حديثه قُبِل ما رووه عنه.
ـ من عرف بالتدليس وكان له شيوخ لا يدلس عنهم فحديثه عنهم متصل، كأن يكون المدلس من أثبت الناس في شيخه.
ـ رواية المحققين عن المدلسين من أمثال الإمام شُعبة بن الحجاج في حكم المتصل.
ـ كون المدلس من المرتبة الأولى من مراتب المدلسين يجعله ممن لا يفتش عن سماعاتهم لأنهم لا يوصفوا بالتدليس إلا نادراً.
ـ كون المدلس من المرتبة الثانية من مراتب المدلسين يجعله ممن لا يفتش عن سماعاتهم.
ـ لا تدخل أحكام تدليس الرواة على الصحابة ـ رضي الله عنهم وأرضاهم ـ، لأن عملهم ليس تدليساً وهو في حكم المتصل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(3/97)
تاريخ تدوين السنة وشبهات المستشرقين
Oحاكم عبيسان المطيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مجلس النشر العلمي جامعة الكويت
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2002م
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
تدوين السنة - وكتابة الحديث في العهد النبوي
نتائج البحث والتوصيات:
1 - أن عدم فهم عبارات ومصطلحات أئمة الحديث أدى إلى الخطأ في النتائج التي استنتجها المستشرقون حول تاريخ تدوين السنة؛ حيث فهموا من لفظ (التدوين) معنى (الكتابة).
3 - أن (موطأ) الإمام مالك، و (جامع) معمر بن راشد – وكلا الكتابين مطبوع – تم تأليفهما في مرحلة التصنيف أي: قبل النصف الثاني من القرن الثاني.
4 - كما أن صحيفة همام بن منبه – وهي مطبوعة – تمت كتابتها في آخر المرحلة الأولى، وهي مرحلة الكتابة.
5 - أنه ما زال هناك الكثير من المخطوطات التي لم تطبع بعد تمثل مرحلة الكتابة ومرحلة التدوين، وقد بدأ المحققون والباحثون بالعناية بها وإخراجها.
6 - أن من أسباب عدم العناية بكثير من الصحف والكتب القديمة: ظهور الكتب المصنفة والموسوعية التي اشتملت على كثير من المؤلفات التي سبقتها فأقبل العلماء على اقتناء هذه الموسوعات والمصنفات وهجروا الصحف والكتب الصغيرة التي أصبحت ضمن الكتب الموسوعية، كمسند أحمد ومصنف عبد الرزاق، ومصنف ابن أبي شيبة.
7 - كما أدى ظهور كتب الصحاح والسنن إلى إقبال العلماء على العناية بها، وهجر ما سبقها من مؤلفات.
8 - أن وجود مصطلح (حدثنا) و (أخبرنا) أدى إلى اعتقاد أن السنة ظلت تروى مشافهة، مع أن أئمة الحديث يستخدمون هذه المصطلحات في إثبات تحقق سماع التلميذ لكتاب شيخه مباشرة من فم الشيخ أو إثبات قراءته للكتاب على مؤلفه أو على من أخذه عن مؤلفه، فوجود مصطلح (حدثنا) و (أخبرنا) لا ينفي وجود الكتابة.
9 - ولهذا يوصي الباحث بأهمية عمل دراسات وبحوث لمعرفة المصادر الحديثية القديمة التي استقى منها أصحاب المسانيد والصحاح والسنن مادة كتبهم.
10 - كما يوصي بأهمية الاطلاع على الدراسات الاستشراقية حول السنة النبوية ودراستها دراسة موضوعية علمية، والتواصل مع مراكز الدراسات الاستشراقية لإطلاعهم على هذه البحوث، وعقد المؤتمرات حول الاكتشافات العلمية الجديدة في هذا المجال.(3/98)
عناية السنة النبوية بحقوق الإنسان - الدورة الأولى فرع السنة النبوية
Oحكمت بشير ياسين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جائزة نايف بن عبد العزيز آل سعود العالمية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
الإنسان - حقوقه وحرياته
الخاتمة: بعد هذه الدراسة أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها ثم بعض التوصيات، ومن تلك النتائج ما يلي:
أولا: لم يترك النبي صلى الله عليه وسلم، حقا من حقوق الإنسان إلا وأتى به مجملا أو مفصلا، بأقواله وأفعاله، فاستوعب مفردات حقوق الإنسان، وأرشدنا إلى قاموس حقوق الإنسان، وقد بلغ عدد الآيات القرآنية في هذه الدراسة (230) آية، وبلغ عدد الأحاديث الشريفة (502) حديثا، وكلها ثابتة الأسانيد، منها (244) حديثا فعليا، والبقية أحاديث قولية، مما يدل على كثرة تطبيق حقوق الإنسان في السنة النبوية وقد بلغ عدد المفردات المذكورة لحقوق الإنسان بعدد المسائل وعددها (288) مسألة وكل مسألة من هذه المسائل هي حق من حقوق الإنسان، بينما نجد إعلان حقوق الإنسان العالمي يحتوي على (30) مادة فقط، ومن أراد أن يحيط علما بحقوق الإنسان فعليه بالسنة النبوية.
ثانيا: كل من حقوق الإنسان في الإسلام هو حكم من أحكام الشريعة الإسلامية، فالفقهاء المعتبرون هم الحذاق في حقوق الإنسان.
ثالثاٌ: بالسنة النبوية تتجلى وتتبين المبهمات والعموميات المذكورة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي بيان حقوق الإنسان في الإسلام.
رابعا: برزت في السنة النبوية تشريعات حقوق الإنسان لم تذكره الهيئات المعاصرة المعنية بحقوق الإنسان.
خامسا: ظهر الفرق جليا بين الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبين عناية السنة النبوية بحقوق الإنسان أن الإعلان العالمي عبارة عن آراء وأقوال فيها الخير الكثير لكنها لم تدخل في حيز التطبيق، ثم هي لا تخلو من مسائل تحتاج إلى إعادة نظر لأنها صادرة من رجال متخصصين في القانون وخبراء في حقوق الإنسان إلا أنهم مجتهدون والمجتهد قد يخطئ ويصيب، أما السنة النبوية فهي وحي لا تعرف الخطأ والخلل فهي صادرة من رسول أمين، لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. وهذه السنة لم تقتصر على الأقوال بل ترجمت بأعمال وإنجازات تجريبية تفصل لنا كيفية أداء حقوق الإنسان بعدة أساليب، فالسنة ميدان عملي تنفيذي لحقوق الإنسان، وهكذا منهاج بقية الأنبياء فهم خير من قام بحقوق الإنسان، لأنهم كانوا يحافظون على التوازن بين حق الله تعالى وحقوق الإنسان.
سادسا: كل ما ورد في السنة النبوية من مسائل حقوق الإنسان فإنها تتضمن ما في القرآن الكريم وبيانه.
سابعا: حظيت حقوق غير المسلمين بالتطبيق العملي في السنة النبوية، وكذلك حقوق التعليم كادت أن تكون كلها بالتطبيق العملي.
ثامنا: لمعرفة حقوق غير المسلمين فإن المطالب كلها مشتملة على (13) مطلبا وهي كما يلي: مطلب النهي عن تكفير المسلم، ومطلب النهي عن الإكراه في الغزو في الباب الأول، ومطلب حق الأولاد في الباب الثاني، ومبحث حق الإمام، وفيه أربعة مطالب في الباب الثالث، ومبحث الحقوق المالية في الجهاد المالية في الجهاد، وفيه ثلاثة مطالب والمبحث الثاني حقوق الأقارب في الميراث وفيه ثلاثة مطالب وكلا المبحثين في الباب الرابع.
تاسعا: من رام الاطلاع على حقوق المرأة العامة في الإسلام فإن جميع المفردات المذكورة في هذه الدراسة تنطبق عليها سوى حقوق الإمام، ومطلب حق الأنبياء ومطلب حق الزوج في القوامة وما ذكرته من حقوق المرأة فهو من قبيل الخاص بها وقد ورد في هذه الدراسة حقوق للمرأة لم تذكر في الإعلان لحقوق الإنسان ولا في بيان حقوق الإنسان في الإسلام.
عاشرا: حقوق الإنسان درجات في الثواب والعقاب تتفاوت فيما بينها، فبعضها من الواجبات التي يثاب فاعلها ويعاقب تاركها، وهذه الواجبات بعضها فرض عين وبعضها فرض كفاية، وبعضها الحقوق من المندوبات والمستحبات التي يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.(3/99)
في حوار هادئ مع محمد الغزالي
Oسلمان بن فهد العودة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
نقد وتوجيه
وفي ختام هذا الحوار الهادئ مع الغزالي نستطيع أن نصل إلى النتائج الآتية:
1 - مدى صلته بعقيدة الأشاعرة سلباً أو إيجاباً، ومعنى ما يقوله من اتباعه لعقيدة السلف.
2 - مدى صلته بالمدرسة العقلية، ومدى توافق منهجه وآرائه معها.
3 - مدى الاتفاق والاختلاف بين منهجه النظري والتطبيقي. 4 - موقفه ممن يخالفهم سواء كانوا من سلف الأمة أو علمائها، أو شباب الصحوة.
5 - أنه يتكئ على أقوال أهل العلم إذا ظن أنها تظاهر قولا يميل إليه، ويطعن بها في نحور مخالفيه، لكنه يتخلى عن هذه الأقوال ويضرب بها جانبا بل ويشنع على أصحابها إذا خالفت رأيه.
6 - مخالفته للإجماع، وشذوذه في عدد من المسائل الفقهية. 7 - الاستجابة للضغوط العلمية والحضارية المعاصرة، ومحاولة تطويع بعض الأحكام الشرعية لها.
8 - اختلاف منهجه في أحاديث الآحاد، حيث يقبلها أحيانا، ويرفضها أحيانا أخرى دون اطراد.
9 - يغلب على حديثه الأسلوب العاطفي الخطابي المجرد أكثر من الأسلوب العلمي.
10 - تناقض آرائه وأطروحاته الفكرية بحيث لا يمكن سبك آرائه في منظومة فكرية واحدة، ولعله راجع إلى الفقرة التي قبلها(3/100)
كيف ندرس علم تخريج الحديث
Oحمزة عبدالله المليباري - سلطان العكايلة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم – بيروت
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة:
لعل من المفيد في نهاية جولتنا العلمية عبر ثلاث مراحل من التخريج مصحوبة بالتمارين المتنوعة أن نلخص للقارئ الكريم المحور الأساس الذي دار حوله محتوى الكتاب كي تترسخ لديه فكرة منهجية حول التخريج العلمي وهدفه وأهميته في معرفة الحكم على الحديث صحةً أو ضعفاً، وحول ترتيب خطوات البحث في ذلك المجال.
ومن البديهي أن الطالب لن يبقي في ذهنه بعد دراسة المادة سوى الفكرة المنهجية حول أهم قضاياها الجوهرية، وأما ما يحفظه من معلومات ونظريات، فإنه يكاد ينساه، لكن ذلك غير ضار، إذ بإمكان الطالب أن يستدرك ذلك كله على الوجه الأكمل أثناء ممارسته البحث والتخريج.
إن التخريج مجرد وسيلة لمعرفة حالة الرواية من حيث التفرد أو المخالفة أو الموافقة، وهو بذلك يكون مرادفاً بـ (الاعتبار) المتمثل في سبر المرويات للنظر في المتابعات والشواهد، غير أن (الاعتبار) يقوم على استحضار المحدث الناقد أحاديثه المسموعة بروايته المباشرة، في حين يعتمد التخريج على البحث في كتب المحدثين لتحقيق الغرض نفسه دون أن يكون للباحث المهتم به نصيب في الرواية المباشرة.
وإذا كان التخريج وسيلة لتحقيق هذا الغرض فإنه يجب على الباحث أن يقوم بالمقارنة بين الروايات التي جمعها، بحثاً عن حالة الاتفاق أو التفرد أو الاختلاف في هذه الروايات حول القضايا الجوهرية، مثل: الإرسال والاتصال، أو الوقف والرفع، أو زيادة كلمة في المتن تفيد تخصيصاً أو تعميماً، وتقييداً أو إطلاقاً أو نحو ذلك، دون أن تستوقفه الأمور الشكلية التي لا يكاد يخلو منها حديث، مثل ترادف الكلمات، أو إيراد القصة بطولها أو مختصرة، أو طول الحديث وقصره، وغيرها من الأمور التي أوضحناها أثناء إجراء المقارنة الجماعية في المرحلة الثانية، ولا تكون تلك المقارنة منهجية إلا إذا أجريت بعد معرفة مدار الروايات.
وليكون الباحث دقيقاً في بحثه ومصيباً في استنتاجاته فعليه أن يستعين بنصوص النقاد للتأكد من صواب ما رصده أثناء المقارنة من التفرد أو المخالفة أو الاتفاق فيما يخص المسائل الجوهرية، وأن لا يستعجل في إصدار الحكم على الحديث بتفرد الراوي به أو مخالفته غيره، وذلك نظراً لعدم استيعاب الباحث في تخريجه كتب الحديث، وعدم تأهله للخوض في غمار النقد.
ومن هنا تأتي مرحلة جديدة يتأمل الباحث من خلالها في أسباب تفرد الراوي أو أسباب مخالفته، وهل ذلك ناتج عن توهمه أو كذبه، أو عن تفوقه في الحفظ والضبط والفهم؟ إذ أن التفرد والمخالفة يظهران في الحديث بسبب من هذه الأسباب الآنفة الذكر.
وأهم ما يساعد في البحث عن تلك الأسباب وتحديدها بدقة متناهية هي المعرفة الحديثية التي تكسب صاحبها ذوقاً حديثياً رفيعاً يستطيع الاطمئنان إليه فيما يرى بقناعة تامة، وإذا لم يتوفر له ذلك فعليه أن يسلك الطريقين التاليين أو أحدهما:
1 - البحث عن نصوص النقاد حول ذلك.
2 - الترجمة لذلك الراوي الذي انفرد بالحديث أو خالف فيه غيره، أو ترجمة سلسلة من الرواة الذين يدور عليهم الحديث. ويجب أن يكون ذلك بالشكل الذي أوضحناه سابقاً في المرحلة الثالثة.
وحين يستوفي الباحث جميع هذه الأمور وصل مرحلة تبييض المعلومات ليتسنى له تصنيف ما استنتجه تصنيفاً علمياً واضحاً وموثقاً بحيث يصبح القارئ مقتنعاً بما يقدم له من ملابسات الرواية لذلك الحديث الذي قام بتخريجه.
تلك هي خلاصة التخريج العلمي وفقهه الذي كنا نصبوا إليه، وأسس فكرته المنهجية، وطريقة ترتيب خطوات البحث في ذلك.(3/101)
وإذا استطعنا أن نغرس هذه الفكرة المنهجية لدى الطالب بشكل جيد فإنه يكون قادراً على توظيف التسهيلات التي يقدمها الحاسب الآلي في مجالات البحث العلمي خير توظيف في تحقيق الهدف من التخريج، بدل أن تكون وظيفته مقصورة على إخراج ما قد أدخل في برامج الحاسب الآلي من الأحاديث.
لقد كان من أهم العوامل التي دعتنا بإلحاح إلى تأليف هذا الكتاب، وطرح مادة تخريج الحديث بأسلوبها الجديد موزعة على ثلاث مراحل، رغبتنا في معالجة ما آلت إليه الأبحاث في ميدان التخريج والتحقيق من الفوضى العلمية التي جرت أصحابها إلى اهتمامهم بالأمور الثانوية دون معالجة المسائل الأساسية، وقد سعينا لتحقيق هذه الرغبة من خلال بناء فكرة منهجية سليمة تعين الطالب والباحث على توظيف المعلومات التي يجمعها سواء كان عن طريق التخريج المباشر أم عن طريق برامج الحاسب الآلي في الأحاديث النبوية توظيفاً مناسباً فيما يقتضيه البحث ويتطلبه المقام.
إن تطورات العصر في مجال الأبحاث العلمية يجب أن تواكبها العلوم الشرعية التي تبقى محل بحث وجمع وغربلة ومقارنة واستنتاج، وذلك من خلال تطوير مناهج دراستها بالتركيز على القضايا المنهجية التي تحتاج إلى تأصيل فهمها، والتي تعين الطالب في بناء ثقافته وتكوين شخصيته على أسس علمية قوية، ومنهج مرن يمكنه من إفهام الناس ما قد فهمه واقتنع به على ضوء الأدلة والبراهين، دون إثارة ما من شأنه حجب القارئ عن الاستماع إليه بوعي وصفاء، علماً بأن المرحلة الزمنية التي نمر بها هي مرحلة تنقيب وتنقية لما جمعه سلفنا، وما يجب علينا هو أن نستمد من قواعد النقد عند المحدثين ما نستطيع معه القيام بالتنقية والتنقيب، وبذلك نكون قد أدينا الواجب العلمي وفق مقتضيات المرحلة. وأما أن ننشغل بجمع ما قد تم جمعه فذلك المضحك المبكي، والله المستعان.(3/102)
مصطلح منهج المتقدمين والمتأخرين - مناقشات وردود
Oمحمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الآثار - مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
دراسات حديثية
الخاتمة: تلخيص مجمل الكتاب وما جاء فيه:
فأقول:
المشكلة:
صعوبة دراسة علم الحديث، إذ طالب الحديث المبتدئ يعسر عليه ما يلاحظه من المفارقة بين الدرس النظري والتطبيقي.
كما أن مخالفة أحكام الأئمة ليست بالأمر السهل، إذ حقيقة شمولية وعمق ومباشرة أئمة الحديث للرواة، وواقع الرواية يجعل لأحكامهم من المزية ما ليس لغيرهم، فما بالك بمخالفتهم في التصحيح والتضعيف؟!
وهذا بدوره يؤدي إلى عدم وضوح النتيجة العملية في التصحيح والتضعيف، فهل يعمل بالحديث الذي صححه الأئمة وضعفه من جاء بعدهم، وهل يترك العمل بحديث ضعفه الأئمة وصححه من جاء بعدهم؟
أسباب المشكلة:
1 - مفارقة القواعد المقررة في علم الحديث نظرياً عن الواقع في تخريج الحديث في أحيان كثيرة.
2 - وجود عبارات لأئمة الحديث لا تتطابق في الظاهر مع ما هو مقرر في علم الحديث عند تعريف الأنواع ومصطلحاتها.
3 - وقوع تساهل في تقوية أحاديث هي معلولة عند أئمة الحديث، أو تضعيف أحاديث هي صحيحة عند أئمة الحديث.
4 - إدخال كلام الأصوليين وترجيحاتهم أثناء عرض مسائل علم الحديث، بل وتبني بعض أهل الحديث لما هو راجح عند الأصوليين لا ما هو راجح عند المحدثين، مثل مسألة زيادة الثقة.
حل المشكلة:
سلك الدارسون لهذه المشكلة عدة اتجاهات لعلاجها، أجملها في مسلكين:
المسلك الأول: مسلك الدفع والمفاصلة.
المسلك الثاني: مسلك الاحتواء والتوجيه.
ولنشرح هذا نقول:
شرح المسلك الأول: مسلك الدفع والمفاضلة
رصدت في هذا المسلك اتجاهين متوازيين، ينتهيان إلى ما سميته بـ: (الدفع والمفاضلة)، وهما:
الاتجاه الأول: طرح كلام المتأخرين جملة وتفصيلاً، لأنه لا يمثل ما عليه أهل الحديث المتقدمون، ولأنه يفارق عباراتهم وكلامهم على الحديث وتعليله جملة وتفصيلاً، ويدعو إلى إعادة كتابة علم الحديث، ونبذ تقريرات ابن الصلاح ومن بعده إلى ابن حجر، بل حتى ما كتبه ابن حجر العسقلاني رحمه الله في (نزهة النظر) يمثل خطرا شديدا على علم الحديث، فهو قد جرى في بعض مباحث كتابه (نزهة النظر) على منهج خطر على السنة وعلومها، وهو ما عبر به عنه بـ: (منهج تطوير المصطلحات).
ومن نافلة القول: إن هذا المنهج يجري على دفع أحكام المتأخرين على الأحاديث، وإعادة النظر في كل كلامهم على الأحاديث تصحيحا أو تضعيفا، فما وجد من كلام المتأخرين موافقا لكلام الأئمة المتقدمين فهو مقبول، وما لا فهو مردود، لا التفات إليه أصلا.
الاتجاه الثاني: يقرر أن هناك منهجا للمحدثين ومنهجا للفقهاء والأصوليين، لكنه يتحكم في هذه القضية، فهو يخرج من أهل الحديث من عرف بالتساهل أو التشدد، ويرى أنه لا يمثل أهل الحديث وإن كان متقدما بالزمن، فابن حبان والحاكم ومن قبلهم الترمذي وقس عليه من عرف بالتساهل من أهل الحديث هم عندهم ليسوا من أهل الحديث، ولا تعد أقوالهم التي يظنون أنهم تساهلوا فيها ضمن أقوال أهل الحديث المتقدمين. وقد يغلو بعض هؤلاء فيردون أحكام المتأخرين على الأحاديث بلا تفصيل.
ويختلف هؤلاء عن من قبلهم في أنهم لا يدعون إلى إعادة كتابة علم الحديث، إنما ينبهون إلى حصول تساهل فيها من جهة إدراج بعض أقوال الفقهاء والأصوليين فيها، أو أنها تضمنت في مواضع ترجيحات في مسائل لا تمثل أهل الحديث.
شرح المسلك الثاني: مسلك الاحتواء والتوجيه:(3/103)
يقرر هذا المسلك حصول مفارقة بين التطبيق والدراسة النظرية في بعض الأحيان، كما يقرر أن بعض عبارات الأئمة غير منطبقة تماما مع تعريف بعض الأنواع والمصطلحات في كتب علم الحديث، ويبرر هذا بأمور:
- أن لكل حديث نظرا خاصا به.
- أن مصطلحات كل إمام من أئمة الجرح والتعديل تحتاج إلى دراسة يتبين منها مراده، وما زال الأمر بحاجة إلى مزيد من الدرس والتدقيق؛ للوصول إلى برد اليقين في ذلك.
- أن عامة كلام الأئمة إنما خرج تعليقا على حال راو، أو على حديث، مما يبعد معه الجزم أن مراد الإمام بتلك العبارة التقعيد العام، بل الظاهر بقرينة الحال وملاحظة مخرج الكلام أن مراده بعبارته كشف الحال المعين الذي يتكلم فيه، إما الراوي أو الحديث، لا غير ذلك.
وهذا والله أعلم أوجد نوعاً من الصعوبة توجب التريث والتأني قبل الجزم بأن هذا هو مراد الإمام بعبارته هذه دون غيره.
يقرر هذا المسلك أن للمحدثين منهجا في دراسة علم الحديث يختلف عن منهج الفقهاء والأصوليين، لكن لا يلزم من ذلك أن كل ما عند الأصوليين والفقهاء يخالف ما عند المحدثين، فقد لوحظ أن جملة كثيرة من أقوال الفقهاء والأصوليين ترجع إلى أقوال لبعض أهل الحديث، وإن كانت مرجوحة عند المحدثين. وأن ليس كل ما هو راجح عند الفقهاء والأصوليين يخالف ما عند المحدثين. بل قد يؤدي اجتهاد فقيه أصولي إلى ترجيح قول في المسألة هو كقول أهل الحديث، والعكس صحيح.
وبناء عليه؛ فإن باب التدقيق والنظر والاجتهاد مشرع، فلا يحصر الصواب مع أحد دون الآخر، والعبرة في النظر إلى الدليل، أو على الأقل ملاحظة منهج الفريقين عند التعامل معه.
ويقرر أن علماء الحديث منهم المتشدد ومنهم المتساهل ومنهم المعتدل، وأن الكلَ من أهل الحديث، والعبرة إنما هي في الدليل، فلا يقال عن المتساهل أنه على منهج الفقهاء والأصوليين، بل العبرة كما سبق هي بالحجة والدليل.
ويقرر أن ما صنعه ابن الصلاح هو محاولة تقريب العلم وتقعيده، وقد نبه رحمه الله في أغلب الأنواع الحديثية التي أوردها على مواضع الاختلاف، بل ونبه إلى التعاريف الأخرى التي تخالف التعريف الذي قدمه أو اعتمده، وأن مرجع ذلك أنه رحمه الله كان يتقصد إيراد التعريف الذي يتناسب مع مقصده من تعريف الصحيح الذي أورده بحسب ما عليه جمهور أهل الحديث.
فهو لم يزعم في موضع من هذه المواضع المشار إليها أن ما ذكره هو المعتمد عند جميع أئمة الحديث.
وقرار أصحاب هذا المسلك أن من أسباب المشكلة طريقة تدريس كتب علم الحديث، فإن من لم يلاحظ هذه المقاصد المشار إليها قبل قليل يقع في تحكم يوقع في هذه المفارقة، وأن الواجب عند تدريس هذا العلم تنبيه الطالب إلى هذه الأمور التي أشار إليها ابن الصلاح ومن بعده.
ومن أسباب المشكلة أيضاً: أن بعض من اختصر كلام ابن الصلاح أو نظمه اقتصر على ذكر التعريف الذي اعتمده ابن الصلاح دون الإشارات التي أشار إليها ابن الصلاح من وجود مخالف، أو أن هذا التعريف لا يمثل كل أهل الحديث، وهذه أمور توقع في الشعور الزائد بهذه المفارقة المشار إليها، والواجب تجنب ذلك، والتنبيه على ما فيها.
ويقرر هؤلاء أنه لا يوجد استقرار نهائي للمصطلح بحيث نقول: إن جميع أهل الحديث على هذا التعريف، أو على هذا المصطلح بحرفيته، لما قدمته لك من أن مصطلحات الأئمة نفسها بحاجة إلى درس لمعرفة حقيقة مرادهم.
ملاحظاتي:
1 - إن منحى (الدفع والمفاصلة) لم يظهر إلا في هذا الوقت، مع قدم المشكلة بحسب توصيفها! مما يدل أنه لا توجد مشكلة أصلا، وإلا لتكلم عنها العلماء وبينوها!(3/104)
غاية ما في الأمر أن هؤلاء القائلين بمنهج المتقدمين لم يفهموا كلام المتأخرين ولم يستوعبوه، ورأوا أن طلب كلام المتقدمين أولى، مع ما فيه من تعدد الألفاظ وتنوع المصطلحات، وخصوصية المحل غالبا، فليست أحكامهم عامة إلا في القليل النادر، فلما استحكمت الحلقات على هؤلاء قالوا بهذا المنهج، فلا لكلام المتأخرين فهموا، ولا بكلام المتقدمين أخذوا.
2 - ارتبط ظهور هذه الدعوى بالهجوم على الألباني رحمه الله على الأقل من بعضهم، مما يشعر بأن سمة هذه الدعوى أنها ردة فعل.
3 - أن علماء الحديث المعاصرين لم يتبنوا هذا المنهج، فالشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز والشيخ حماد الأنصاري والشيخ الألباني والشيخ ربيع – رحمهم الله – وهم من كبار أهل الحديث لم يتبنوا هذا المسلك، بل وقفوا ضده، وحذروا منه.
4 - ضبابية الرؤية لدى القائلين به، وذلك يظهر في جوانب منها:
أ- في بيان حد (المتقدمين) و (المتأخرين)، ففي أول الأمر جاء في عباراتهم ما يشعر أنهم يحدون ذلك بالزمن، ثم تطور الأمر فصاروا يحدون ذلك بطريقة التصنيف والاعتماد فيها على الأسانيد والرواية، ثم تطور بهم الحال، فجاء في عباراتهم ما يشعر بأنهم يفرقون بين المتقدمين والمتأخرين بمنهج التعليل، فمن جرى في كلامه إيراد العلل والطرق وإيراد كلام المتقدمين فهو من المتقدمين، ومن لا فلا! ثم استقروا أخيرا على أن المتقدمين هم أهل الحديث الذين لم يوصفوا بالتساهل، والمتأخرين هم من كان على طريقة الفقهاء والأصوليين والمتساهلين من أهل الحديث منهم.
ب- ضبابية الرؤية عندهم في تحديد طريقة أهل الحديث، فهم تارة يجعلون أهل الحديث مقابلاً للفقهاء والأصوليين، وتارة يخرجون المتساهلين والمتشددين من أهل الحديث!
ج- ومن ذلك أنك تراهم يبيحون لأنفسهم ما يمنعون غيرهم منه، فلهم الحق في التقعيد على كلام المتقدمين وفهمه، وغيرهم لا حق له، وما يقررونه هو الصواب الذي لا معدل عنه، وكلام غيرهم لا التفات إليه، حتى لو كان هذا الغير من العلماء الكبار، كابن الصلاح ومن جاء بعده إلى ابن حجر وإلى يومنا هذا، رحم الله الجميع!
د- لم يتحرر لدي موقفهم من كلام أئمة الحديث إذا اختلفوا في الحكم على الرجل أو الحديث، ماذا يصنعون؟ هل يقبلونه على تعارضه، أم يردونه؟ وإذا رجحوا فعلى أي أساس؟ وهل كلام الأئمة عندهم من الأخبار التي يجب قبولها؟ أو هي من الاجتهاد الذي ينظر فيه؟ أو بعضه كذا وبعضه كذا؟
هـ- أن الدعوة إلى المتقدمين والمتأخرين على هذا المسلك (مسلك الدفع والمفاصلة)، وبخاصة الاتجاه الأول منه يترتب عليها ويستلزم منها أمور باطلة؛ من ذلك:
- أن في هذه المقالة خروج عن سبيل المؤمنين الذي سلكوه من زمن ابن الصلاح إلى يومنا هذا.
- ومنها: أن في هذه المقالة: مخالفة الحديث الوارد في أن الأمة لا تجتمع على ضلالة.
- ومنها: أن في هذه المقالة منابذة للعلم والعلماء في شتى الفنون، وخاصة علوم الشريعة، بل وإساءة الظن بهم – رحمهم الله -.
- ومنها: أن محصلة هذه الدعوى أنها تحصيل حاصل.
- ومنها: أن تأخذ في بعض أوضاعها موقف التقليد المتعصب المذموم، لا الجائز.
- ومنها: أن في هذه الدعوى ما يؤدي إلى رفع منار أهل البدعة والضلالة.
- ومنها: أن فيها هدم للحديث، بل وللدين!؛لأن معنى هذا أن جميع الأحكام على الأحاديث تصحيحا وتضعيفاً التي بنيت على تقعيد ابن الصلاح ومن بعده بحاجة إلى إعادة نظر، فانظر هل يبقى من أحكام الشرع بعد هذا شيء مستقر في مكانه؟!
والذي يظهر لي أن حل المشكلة بما عليه المسلك الثاني هو المتفق مع قواعد العلم المتقررة عند العلماء، إذ حقيقة الحال: أن العلماء استوعبوا كلام المتقدمين في مسائل علم الحديث، وفهموه ودرسوه وقعدوا هذه القواعد لتقريب العلم، وتسهيل السبيل أمام الطالب ليرقى فيه، ولا ضير عليهم إذا جاء هؤلاء ولم يفهموهم، ولم يحسنوا الظن بهم!!(3/105)
مقاييس نقد متون السنة
Oمسفر غرم الله الدميني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة
استعرضنا في هذا البحث مقاييس نقد المتن عند الصحابة رضي الله عنهم حيث تأكد لدينا تأصيلهم لمقياس: عرض الحديث على القرآن، فإذا خالفه مخالفة لا يمكن معها الجمع ـ في نظرهم على الأقل ـ حكموا برده إذا لم يمكن تأويله أو توجيهه، كما كانوا يعرضون ما يبلغهم من حديث على ما يعرفه بعضهم أو جميعهم، ويرجحون ما يرونه صحيحاً في نظرهم، والمقياس الثالث الذي لم يتأكد استعمالهم له هو النظر العقلي، وقد تابع المحدثون والفقهاء الصحابة في الأخذ بالمقياسين الأولين وإن كان اتجاه كل فريق منهم إلى ما يناسب تخصصه، فالمحدثون قد يرجحون بقوة الأسانيد أو باعتبارات أخرى في المتن، والفقهاء يقسمون الخبر إلى قسمين متواتر وآحاد، أو قطعي وظني وبعضهم يقدم هذا على ذاك، وآخرون لا يفرقون.
والمحدثون يعرضون الروايات الواردة في حديث واحد بعضها على بعض ويظهر لهم من هذا العرض عدة نتائج مهمة ذات أثر كبير في تصفية الحديث مما يمكن أن يعلق به من زيادات الرواة أو إدراجاتهم، كما كان من مقاييسهم استعمال المعلومات التاريخية في نقد ما يرد في متن الحديث، وهذا من أقوى المقاييس صدقاً في نتيجته خصوصاً إذا كانت تلك المعلومات يقينية ثابتة.
كما نظر المحدثون في متن الحديث فإذا كان لفظه أو معناه ركيكاً لا يقول مثله رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ذلك دليلاً على عدم صحته، وكذا إذا كان مخالفاً للأصول والمفاهيم الشرعية المعلومة عند الناس، أو يشتمل على أمر منكر أو مستحيل فكل ذلك لا ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويبدو من الأمثلة التطبيقية التي أوردناها استعمال المحدثين للمقاييس الأربعة الأولى كثيراً عند نقد كتب السنّة بغض النظر عن مصنفها سواء من أهل الصحاح أو غيره، وهذا يعطي تلك المقاييس قدرها بحيث لا يستثنى عند تطبيقها أي كتاب من تلك الكتب، أما الثلاثة الأخيرة فلم تحظ بمثل ذلك القدر، ولم تطبق على الكتب جميعاً بل هي غلباً ما تستعمل عند ضعف الأسانيد أو عدم وصفها بالصحة ولا تكفي تلك الأمثلة النادرة التي ذكرناها دليلاً على القول بأنهم استعملوها في نقد جميع الكتب المصنفة في الحديث، وفي نظري يجب تطبيقها بشكل أوسع على جميع المصنفات دون استثناء، فالحديث الذي يشمل أمراً منكراً أو مستحيلاً، أو معنى ركيكاً هابطاً، أو يخالف أحد التصورات والمفاهيم الإسلامية يجب الحكم عليه بعدم الصحة، ولا تغرنا صحة إسناده عن نكارته فقد أصَّل المحدثون ذلك الأصل العظيم وهو إن صحة الإسناد ليست موجبة لصحة الحديث، وانطلاقاً من هذا الأصل نبني حكمنا على تلك الأحاديث المنكرة حسب تلك المقاييس المتقدمة فيقال عنها ما تستحقه بالنظر إلى متونها وعدم إغفال ذلك عند الحكم عليها.
أما الفقهاء فلعل الحنفية قد بعدوا عن الصواب في عدم تخصيص القطعي بما أسموه ظنياً، وفي عدم الزيادة به أيضاً، وما انتهينا إليه من جواز ذلك ووقوعه عند الحنفية ـ أنفسهم ـ والجمهور هو الصحيح إن شاء الله، وقد كانت تلك المقارنات بين أحاديث ـ ضعيفة ـ زادوا بها على النص القطعي وبين أحاديث ـ صحيحة ـ لم يقبلوا الزيادة بها من أقوى أدلتنا في الرد على الحنفية ونقض ذلك الأصل الذي أصَّلوه.
أما المالكية فقد أوضحنا موقفهم من رد بعض الأحاديث وعدم تخصيصها لبعض العمومات القطعية، أو مخالفتها لعمل أهل المدينة أو إجماعهم، وأن الإجماع الصحيح هو ما أجمعت عليه الأمة كلها، وأن الحق هو فيما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن خالفه أهل الأرض كلهم.(3/106)
أما الاحتجاج بعمل الصحابة في خلاف الحديث، فقد فصَّلنا القول في ذلك وانتهينا إلى أن الحجة على الناس هي في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمله، ولا حجة في قول أحد غيره ولا عمله سواء كان من الصحابة أو الفقهاء أو غيرهم من الناس، ولم يتعبدنا الله إلا بطاعته وطاعة رسوله فقط، وإذن فمخالفة الصحابي ـ أو كبار الصحابة ـ للحديث ـ سواء كان هو الذي رواه أو غيره ـ يجب حملها على عدم علمه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه لما علم الحديث ترك ذلك العمل وأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمل به بل وحدَّث به أيضاً.
أما مخالفة الحديث للقياس فلا شك أن الأخذ بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الواجب وترك القياس، وليس لنا إلا التسليم لذلك وإلا وقعنا في مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
وفي مخالفة الحديث للأصول العامة للشريعة المعلومة لدى الكافة ما يكفي لرده على راويه، واتهامه بالوهم والخطأ فيما يرويه، وذلك أولى الأمرين، لأن شريعة الله لا تتناقض ولا تختلف، وهنا يجب أن يُعْلَمَ أننا نقصد بأصول الشريعة تلك المبادئ العامة التي بنيت عليها الشريعة والتي لا يمكن أن تُنْسَخ أو تتغير، وتلك الأصول إذا جاء حديث يناقضها لم نقبله لأنه قطعاً ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو من تخليط الرواة.
أما المقياس السابع والأخير فهو منظور فيه إلى طبيعة ورود الحديث والملابسات المحيطة به والمعنى الذي يؤديه، فإذا كان يحمل حكماً يحتاج إليه الناس جميعاً فالطبيعي أن ينقله جمع كثير، وإذا كان حكماً ليس كالأول فلا مانع أن ينقله العدد القليل، فإذا جاء حديث يحتاج إلى ما فيه الناس كلهم كان الطبيعي أن ينقله عدد كبير فإذا نقله الواحد كان دليلاً على زيافته، هذه دعوى أصحاب هذا المقياس، ومن ينظر إليه هكذا يحسبه حقاً، لكننا إذا علمنا أن الأحكام الشرعية التي تعبد الله بها الخلق ليس فيها ما يحتاج إليه بعض الناس وما يحتاج إليه كل الناس، بل هي جميعاً مما يُحْتَاج إليها ومما تعم بها البلوى، ولا يجوز إغفالها ولا التهاون فيها، كذلك نجد أكثر الأحكام قد وردت عن طريق خبر الآحاد، والرسول صلى الله عليه وسلم يبلِّغ الناس جميعاً رسالة ربه وهو واحد، ويبعث رسله وجباته وهم آحاد، ويأتيه الوفد من قومهم فيعلمهم دينهم ويأمرهم بتبليغ من وراءهم وهم آحاد أيضاً، وإذن فالأمر الطبيعي أن تصلنا أكثر سنّته عن طريق الآحاد، وكل ما جاءنا عنه بطريق صحيح ليس لنا مخالفته لأنه آحاد بل يجب علينا الالتزام به والوقوف عنده وعدم رده أو الحكم عليه بعدم الصحة لتلك الشبهة، هذا ما انتهينا إليه من نتائج هامة في هذا البحث.
وبعد/ فإنني أرجو أن أكون قد قدمت بهذا العمل إجابة شافية عن ذلك السؤال الذي طرحه بعض الأخوة وأنا أُفكر في موضوع لرسالة الدكتوراه، وهو: هل هناك مقاييس لنقد متون السنّة غير تلك الموجهة إلى الأسانيد؟، وعلم الله أنني بذلت قصارى جهدي في هذا البحث، وإن كنت قد أصبت فهذا هدفي وأملي وإن كنت قد أخطأت فالله أسأل أن يغفر لي وأن يهديني إلى الصواب، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.(3/107)
مناهج المحدثين في تقوية الأحاديث الحسنة والضعيفة
Oالمرتضى الزين أحمد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
أصول تخريج وتصحيح وتضعيف وجرح وتعديل
الخاتمة والتوصيات
إن أهم النتائج التي توصلت إليها ـ بحمد الله وتوفيقه ـ من خلال هذه الدراسة تنحصر في الأمور الآتية:
(1) أولاً: العواضد التي تعضد الأحاديث الحسنة لذاتها هي: اعتضاده بمثله ـ الحسن لذاته ـ، وبما هو أعلى منه ـ بالصحيح.
(2) ثانياً: الأحاديث الضعيفة التي تتقوى وتقوي غيرها هي الأحاديث الضعيفة بسبب سوء حفظ أحد رواتها، أو بسبب جهالة فيها. فمن الأول تقوية حديث المختلط، والمتلقن، وغيرهما ممن وصف بسوء الحفظ، ومن الثاني تقوية الأحاديث الضعيفة التي فيها سقط ظاهر وهي: المرسل، والمنقطع، والمعضل. وتقوية الأحاديث الضعيفة التي فيها سقط خفي وهي: المدلس، والمرسل الخفي، وكذا تقوية الأحاديث الضعيفة بسبب الجهل بعدالة أحد رواتها وهي: حديث مجهول العين، ومجهول الحال، والمبهم. فجميع هذه الأنواع تشتر ك في الجهل بحال رواتها.
(3) ثالثاً: ربما يوجد في الحديث الضعيف أكثر من سبب من أسباب الضعف المنجبر فلا يمنع ذلك من قبوله للاعتضاد والتقوية.
(4) رابعاً: هنالك عواضد ذكرها بعض الأئمة ظهر لي أنها لا تقوي الحديث فيرتفع بها من مرتبة إلى مرتبة أخرى، وتلك العواضد هي: (اعتضاد الحديث بالقياس) أو (بالانتشار) أو (بفتوى أكثر أهل العلم به) أو (بعمل أهل العصر به) أو (بتلقي الأمة له بالقبول) أو (بموافقة ظاهر القرآن له) أو (باستدلال المجتهد به) أو (عن طريق رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام) أو (عن طريق الكشف الصوفي) أو (عن طريق المكتشفات العلمية).
ولا يمنع ارتفاع ضعفها أو تقويتها بواحد من هذه العواضد أن يعمل بها فكم من حديث ضعيف عمل به الأئمة؟
(5) خامساً: أن التقوية بالأدنى التي نفاها بعض الأئمة المراد بها رفع الحديث من مرتبة إلى مرتبة أخرى، أما إذا كان المراد بالتقوية بالأدنى زيادة قوة الحديث الثابت فليس هنالك ما يمنع من وقوعها، ومن هذا الباب تقديم الأئمة الحديث الذي له إسنادان (مسند ومرسل) على ماله إسناد واحد، لأن كثرة الطرق يتقوى بها الحديث بلا شك.
(6) سادساً: لعل من الواجبات الهامة التي ينبغي على أصحاب الفضيلة الأساتذة والمشايخ القيام بها جمع الرواة الذين يقبل حديثهم في المتابعات والشواهد، وفي ذلك محاولة لإحياء كتاب الإمام علي بن المديني: (من لا يحتج بحديثه ولا يسقط).
(7) وختاماً فالحمد لله على توفيقه وهدايته وإعانته لي في هذه الرسالة التي أرجو أن تكون قد حققت بعض أهدافها وغاياتها، وإلا فحسبها أن تكون مقدمة لبحوث ودراسات جديدة يكون فيها مزيد إيضاح وبيان لمباحثها ولما له صلة بها من مباحث لم أتعرض لها بالبحث والمناقشة. والحمد لله رب العالمين.
د. مرتضى الزين أحمد
المدينة النبوية
1/ 12/ 1412هـ.(3/108)
منهج الإمام أحمد في إعلال الأحاديث
Oبشير علي عمر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
وقف السلام الخيري - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
علوم حديث - علل
الحمد لله أولا وآخرا حمدا يليق بجلال ربنا وكماله وكما يحب ربنا ويرضى، فقد يسر الله بمنه وكرمه وفضله علي بإتمام هذا البحث الذي عشت فيه فترة من الزمن مع إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل في ظل كلامه في علل الأحاديث المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواتها.
إن الإمام أحمد من الأئمة الذي خاضوا في مجال إبراز الأخطاء والأوهام التي وقع فيها رواة الأخبار، وكيف وقعوا فيها، والخطأ مما جبل عليه البشر، وأسباب طروه لا تنحصر، فكان من الصعوبة بمكان وضع قواعد جامدة لا مرونة فيها تكون هي المعولة في الحكم على الراوي بالخطأ في روايته، ومن أجل ذلك كان من أبرز سمات منهج الإمام أحمد العمل مع القرائن في كل حديث حديث.
ومع تلك الصعوبة فلا يستحيل على من درس منهج الإمام أحمد من الاطلاع على أهم الأصول التي بنى عليها الإمام أحمد كلامه في الإعلال، ولا يقال إنها قواعد بل هي قرائن كادت لكثرة استعمالها أن تكون قواعد في هذا العلم، ومن خلال هذه الدراسة تكاد تنحصر في عشرة أمور:
1. التفرد ممن لا يحتمل تفرده وبخاصة عن حافظ مكثر ذي تلاميذ كثر.
2. المخالفة لرواية الأوثق أو الأكثر عددا.
3. مخالفة الراوي لمقتضى ما رواه.
4. مخالفة الرواية للثابت المعروف.
5. سلوك الجادة عند بعض الرواة في حالة الرواية.
6. معرفة الملابسات المتعلقة بمجالس التحمل والأداء.
7. معرفة ما ينفي السماع الموهوم في السند.
8. معرفة من ضعف من الثقات تضعيف مقيدا، إما في بعض شيوخه، أو في بعض الأوقات، أو الحالات أو في حديثه في بعض البلدان، أو في حديث بعض أهل البلدان عنه.
9. معرفة مراتب الرواة عن الأعلام المكثرين في الرواية وعدد التلاميذ.
10. الفهم الخاص بأن هذا الحديث يشبه حديث فلان ولا يشبه حديث فلان.
ولا ينفرد الإمام أحمد في أغلب مسائل هذا العلم بما لا يوافقه عليه غيره من أقرانه أو شيوخه، ففي عدم اعتبار عدد محدود لرفع الجهالة حيث جعل الضابط في ذلك شهرة الراوي، فقد وافقه غيره من أقرانه. وكذلك في اعتبار ثبوت السماع للحكم بالاتصال على السند المعنعن، وفي ضابطه في الحكم بالنكارة على ما تفرد به الراوي الذي لا يحتمل منه ذلك التفرد وإن كان ثقة.
ومصطلحاته في هذا العلم أكثر شمولا من المصطلحات الموضوعة عند المتأخرين. وقد تكون مواقفه في بعض مسائل هذا العلم تعكس منزلته من الإمامة في هذا الدين، فلا تكون نظرته من مجرد منظار أهل الاختصاص بعلم الرواية، مثل موقفه مع المشتهرين بالبدعة والهوى الداعين إليها، وكذلك الذين أجابوا في محنة خلق القرآن، حيث ترك الرواية عنهم ونهى غيره عن ذلك، لا لعدم صحة الاحتجاج بمروياتهم لكن لواجب الديانة المقتضي هجران أصحاب الفرق المخالفين للسنة والجماعة.
والعمل في دراسة منهج الإمام لم يكن أمرا سهلا، فدراسة المناهج أمر يحتاج إلى استقراء تام، ويزيده صعوبة الوقوف على ما يصححه من الأحاديث والذي يمكن أن يجعل أصلا لوضع شرطه في القبول، فمثلا ليس كل حديث في مسنده صحيحا عنده، كما هو الحال في الجامع الصحيح بالنسبة للإمام البخاري، وليس كل مسألة فقهية استدل لها بحديث يستنتج منها صحة الحديث عنده، الأمر الذي يلزم على الباحث أن يستنير بما وضعه أهل الاستقراء التام لأقوال الإمام أحمد.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/109)
منهج المتقدمين في التدليس
Oناصر بن حمد الفهد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
أضواء السلف - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
تدليس
وأختم هذا البحث بذكر خلاصة مفيدة إن شاء الله تعالى لما ذكرته في الأبواب السابقة:
1ـ أن أساس منهج المتقدمين في أحكامهم على الحديث في الجملة قائم على الاستقراء الواسع والتتبع والسبر والمقارنة مع طول اشتغال بهذا العلم وحفظه ومذاكرته ومدارسته الأئمة.
2ـ أن التدليس له عدة صور، وكل صورة لها حكم خاص، بل لكل مدلس حكم خاص تقريباً. فهناك من التدليس ما يلحق بالإرسال.
وهناك من التدليس ما لا ينظر فيه إلى (الصيغة) وذلك مثل (تدليس الشيوخ) و (الأخذ من الصحيفة).
وهناك من التدليس ما يكون عاماً وهناك ما هو خاص براوٍ معين، وهناك من الروايات ما يؤمن فيها من التدليس، لأنها من رواية المدلس عن شيوخ معينين أو من روايات شيوخ معينين عن المدلس، وكل هذا يعرف بدراسة حال المدلس وأقوال الأئمة فيه واعتبار رواياته.
3ـ أن (صيغ التحديث والأداء) يلحقها (التغيير) كثيراً، فالعنعنة في الغالب تكون ممن دون المدلس أو الراوي عموماً، كما أن التصريح بالتحديث أحياناً قد يكون وهماً ممن دون المدلس، فالحكم بالتدليس بناءاً على العنعنة فقط خطأ، والحكم بالاتصال بناءاً على وجود طريق فيه التصريح بالتحديث فقط ـ مع مخالفتها جميع الطرق ـ خطأ، ومعرفة هذه الأمور تكون باستقراء الروايات مع معرفة حال الرواة بدقة.
4ـ أن طريقة المتقدمين في حكمهم على روايات المدلسين المعنعنة تنقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الرد، وهو في حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون قام الدليل على أن حديثه هذا بعينه مدلس: وهذا يعرف بعدد من الوجوه ذكرتها في الفصل الرابع.
الحالة الثانية: أن لا يعلم وجود التدليس ولكن تكون في الحديث علة فتحمل هذه العلة على احتمال وجود التدليس.
القسم الثاني: القبول، وهو فيما عدا ذلك.
وهذا ما ظهر لي بعد طول بحث وتأمل في طريقة السلف والأئمة في هذا الباب، فإن يكن ما ذكرته صواباً فذلك فضل من الله ونعمة فله الحمد والشكر وله الثناء الحسن، وإن تكن الأخرى فأسأل الله تعالى أن لا أعدم الأجر على الاجتهاد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/110)
نظرات جديدة في علوم الحديث
Oحمزة بن عبدالله المليباري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
دراسات حديثية
الخاتمة
نستخلص من البحث أهم النقاط العلمية، وهي أن علوم الحديث قد تناولتها مجموعتان كبيرتان، تتميز كل منهما عن الأخرى بالمناهج والمفاهيم والأعراف العلمية. إحداهما تمثل الجانب العملي التطبيقي، والثانية الجانب النظري.
أما المجموعة التي عالجت علوم الحديث عملياً فهم المعنيون بـ "المتقدمين"، وهم نقاد الحديث، وعنهم انبثقت معظم المصادر الحديثية التي تعطي لنا صورة واضحة لمحتوى علوم الحديث المتداولة بينهم، وفي طليعتها الصحيحان: صحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم.
وميزة هذه المجموعة أنها لا تتلقى الأحاديث والآثار ولا تتداولها إلا عن طريق الرواية الشفهية المباشرة، ولهذا يدعى عصرها "عصر الرواية"، ويمتد من القرن الأول الهجري إلى منتصف القرن الخامس الهجري تقريباً.
وأما المجموعة الثانية فتناولت هذا العمل نظرياً باستخراج المصطلحات ووضع التعاريف، وتنظير القواعد اعتماداً على ممارسات المتقدمين في مجال النقد، وهم المعنيون بالمتأخرين، والأمر الذي يميزهم عن المجموعة الأولى ظاهرة الاعتماد على الكتب والمدونات في نقل الأحاديث والآثار، مكان الرواية الفردية المباشرة، إضافة إلى ظهور المبادئ المنطقية وتغلغل آثارها في كافة العلوم الشرعية، لا سيما في التعاريف والحدود.
ومن خلال التأني في تتبع المظاهر العلمية التي كانت تسود هاتين المرحلتين، وبعد إجراء المقارنة بين الجانب التطبيقي لمحتوى علوم الحديث المركز عليه في عصر المتقدمين، وبين الجانب النظري عند المتأخرين تبين لنا خلاف جوهري، وتباين منهجي بينهم في كثير من المصطلحات الحديثية، والقضايا النقدية، يجب على المشتغل بالحديث وعلومه التفطن إليه، كي يتحاشى الآثار السلبية المترتبة عن الخلط بينهم، وهي كثيرة، وإن كافة المعضلات العلمية التي تثير الاضطراب في ضبط مبادئ علوم الحديث ومصطلحاته هي من نتائج هذا الخلط.
ومن أخطرها ما راج بين الكثيرين من "أن نقدة الحديث إنما عنوا عناية فائقة بنقد الأسانيد والرواة، وأما المتون فليس من شأنهم النظر فيها، لكونهم قليلي الفقه"، مما دفع ببعضهم إلى تبني محاكمة الأحاديث إلى القرآن والعقل كمنهج علمي، بديلاً عن منهج المحدثين، إضافة إلى مفاهيم خاطئة، ومناهج مختلطة ترسخت في دراسة الكثيرين من أهل الحديث المعاصرين، وكل هذا وقع في غياب الجوانب العملية التطبيقية في المرحلة الأولى، وفي ظل الاتكال على الجانب النظري عند المتأخرين.
إن المظاهر العلمية التي تميز عصر الرواية تقطع بأن علوم الحديث تضم جانبين: الجانب الأول ما يتعلق بمعرفة الصحيح والسقيم، والجانب الثاني: ما يتصل بفقه الحديث وفهم معناه. لهذا قال علي بن المديني: "التفقه في معاني الحديث نصف العلم، ومعرفة الرجال نصف العلم".
وقال الإمام أحمد: "إن العالم إذا لم يعرف الصحيح والسقيم والناسخ والمنسوخ من الحديث لا يسمى عالماً". وهو الذي يؤكد عليه جميع الكتب الحديثية التي ظهرت في عصر النقاد، كالجوامع والسنن التي روعي في ترتيبها النسق الفقهي، وفي مقدمتها "الجامع الصحيح" للإمام البخاري، وقد ركزنا على هذا الجانب، وأفضنا فيه.(3/111)
والذي أود إبرازه هنا هو الناحية النقدية التي تشكل أهم جوانب علوم الحديث، والسبيل الوحيد للتعرف عليها هو دراسة صحيح الإمام البخاري، وصحيح الإمام مسلم دراسة تحليلية معمقة، باعتبار أن كليهما ميدان تطبيقي لذلك، وفضلاً عن دراسة الصحيحين يجدر بالباحث المدقق أن يقارن "بالتاريخ الكبير" للإمام البخاري، و "كتاب العلل الكبير" للإمام الترمذي الذي جمع فيه نصوص شيخه البخاري، وكتاب "التمييز" للإمام مسلم، وسائر كتب العلل التي تحتوي على القدر الأكبر من الروايات المعلولة، والتي تعتبر من بقية المرويات التي اصطفى منها الإمامان تلك الأحاديث الصحيحة على أسس علمية متينة، بحيث تبرز الدراسة ما أودع كل منهما في تضاعيف الصحيحين من الفوائد الإسنادية، والنقدية، وتبلور المنهج العلمي المتبع لديهما في معرفة الصحيح والسقيم، وكشف أوهام الرواة، وحتى أغلاط الأئمة الأجلاء، وافتراءات المغرضين وحيلهم وانتحالاتهم.
بعد دراسة تحليلية في كتب العلل، وكتب الضعفاء، والصحاح، والسنن وغيرها من المصادر الحديثية التي وضعت في ضوء قواعد التصحيح والتعليل، أو الجرح والتعديل، في المرحلة الأولى، وبعد التتبع العلمي لها عن كثب، استطعنا ـ بفضل الله تعالىـ أن نستخلص طبيعة مسلكهم في نقد الأحاديث كما يلي:
يصحح الإمام البخاري وغيره من النقدة أصناف الأحاديث متى تأكدوا، وتحققوا من صدق كل راو من رواتها في سلسلة الإسناد، وإصابته في عزوها لمن فوقه كما سمعها منه، سواء رواها الثقات أو الضعفاء غير المتهمين، كما يردونها عند شعورهم القوي بخطأ أحدهم ووهمه، سواء كان ثقة أم ضعيفاً، أو قد كذب وافترى. وهناك أمور كثيرة تعتبر أساساً في تحري صدق الراوي فيما حدث به، وإتقانه له، أو خطئه ووهمه فيه، أو كذبه ووضعه له.
وأما بخصوص تحري الصدق والإتقان فكأن يروي الراوي حديثاً يوافق المعروف عن شيخه، أو عمن فوقه، أو عن الصحابي، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يوافق ما كان عليه عمل الصحابة، فإن موافقته للواقع دليل على صدقه وحفظه وضبطه، وحين تصبح الموافقة سمة بارزة له فإن نقاد الحديث يصفونه بما يدل عليها بدقة، ويصنفونه في زمرة الثقات.
فمعرفة حال الراوي ومستوى ضبطه وإتقانه متوقفة إذن على تقييم أحاديثه ورواياته، والأول تابع للثاني، وبالتالي لا يمكن أن تصبح صفته وحاله منطلقاً رئيسياً للحكم على حديثه في منهج المتقدمين، ومن هنا نلفيهم يصححون الأحاديث من مرويات الضعفاء متى أصابوا فيها ويحتجون بها، وصحيح الإمام البخاري وصحيح الإمام مسلم يؤيدان ذلك، وقد جمع الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري أسماء الضعفاء والمتكلم فيهم الذين أخرج لهم الإمام البخاري ما صح من أحاديثهم.
فهذه الحقيقة العلمية الملموسة في نقدهم تفند ما راج بين الكثيرين من أن المحدثين صححوا الأحاديث بالنظر في سلسلة الإسناد دون المتن، حيث إن علم الرجال ثمرة لجهود المتقدمين في نقد المرويات.
أما معرفة خطئه ووهمه، أو كذبه وافترائه، فكأن يروي حديثاً يخالف الثابت عن شيخه، أو عمن فوقه، أو عن الصحابي، أو عن النبي صلى الله عليه وسلم، أو يخالف الواقع المعمول به لدى الصحابة، أو أن ينفرد في حديثه بشيء ليس له أصل عند شيخه، أو عند من فوقه، أو عند الصحابي، أو عند النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يؤيده عمل الصحابة والتابعين.
فإن هذا النوع من المخالفة والتفرد دليل قاطع على خطأ الراوي ووهمه أو كذبه ووضعه، لأنه من كذب وافترى فمصيره أن يخالف الواقع، أو أن ينفرد بما لا أصل له، وكذا الأمر إذا أخطأ ووهم، وبقدر وقوع المخالفة والتفرد، ونوعية كل منهما يقع تصنيف الرواة، إما في الضعفاء أو المتروكين، أو الكذابين.(3/112)
وجدير بالذكر إن المخالفة والتفرد على الصور المذكورة هما المقصودان في مفاهيم الشاذ والمنكر، وليس كل أنواع المخالفة والتفرد داخلة فيها، فإن منها ما هو ناتج عن كثرة الضبط والإتقان، وهذا النوع من المخالفة والتفرد لا يكون شاذاً ولا منكراً ولا مردوداً، بل يكون صحيحاً مقبولاً، وإن كان ظاهر القول الذي يربط الشذوذ بهما يوهم الإطلاق فيها فإن الأمثلة التي ساقوها وقرائن أخرى تؤكد ذلك الذي ذكرناه.
في ظل هذه الحقائق العلمية الملموسة فإن الحكم على الحديث تصحيحاً وتضعيفاً، قبولاً ورداً، لم يقع من المحدثين النقاد بالاعتماد على صفة الراوي، بغض النظر عن المتون والأمور المحيطة بها، وإنما يقع ذلك بناء على معرفة موافقة راويه للواقع، أو مخالفته له، أو تفرده بما لا أصل له، حتى ولو كان الراوي إماماً جليلاً.
وإن كانت الركيزة الأولى الأساسية للحكم على الحديث هي معرفة موافقة راويه للواقع أو مخالفته له أو تفرده بما لا أصل له، فإن الناقد ينبغي أن تتوفر فيه من الأمور ما يؤهله لمعرفتها، من أهمها الفقه وحفظ الأحاديث وضبطها واستيعاب طرقها ومعرفة رواتها، وإلا فإنه لا يعرف الواقع، ولهذا فإن النقاد كانوا يهتمون بشقي علوم الحديث، وهما: الجانب الفقهي وجميع ملابساته والجانب النقدي وسائر ما يتصل به، كما سبق تفصيله.
ويلاحظ مما ذكرنا: أن ما يتجه إليه اهتمام الناقد في نقده بداية هو ما ذكره الراوي عن شيخه: هل حدث شيخه بهذا السند هذا الحديث؟ أو حدث بسند آخر؟ أو حدث بهذا السند متناً آخر؟ أو لم يحدث به أصلاً؟.
والنقد الذي يرتكز أساساً على هذه المحاور لا يتم في حالة ما إذا فصل الإسناد عن المتن، وغض النظر عنه، إذ الإسناد لا يتحقق له وجود إلا باعتبار متنه، وبالتالي لا يستحق أي حكم، إلا إذا صار النظر شكلياً، كأن يدرس تراجم رواه الإسناد، وإمكانية اللقاء بينهم، دون ربطه بالواقع الجزئي الذي بصدده هذا الإسناد، فعندئذ يصبح الحكم الذي صدر عن الباحث حكماً عاماً لا علاقة بما وقع، وهذه دراسة المعاصرين خاصة والمتأخرين عامة إلا المحققين.
وإذا صدر عن الناقد حكم بأن الإسناد صحيح فمعناه أن كل راوٍ من السند صادق ومصيب في قوله، وعزوه لمن فوقه، وبذلك يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قاله، ولا يصح القول أبداً إن السند صحيح والمتن ضعيف، أو موضوع، لأن الخلل الوارد في المتن إنما هو من جهة أحد رواته، فيصبح تصحيح الإسناد حكماً مناقضاً للواقع الذي يقضي بوجود خاطئ أو كاذب في ذلك الإسناد، وإلا فإن الخطب جلل لما يلزم منه نسبة الخطأ أو الكذب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما ما شاع لدى المتأخرين من ذلك الإطلاق فإنه لا يعدو كون الرواة ثقات فقط، لا أكثر ولا أقل.
وصفوة القول فإن نقد المحدثين في المرحلة الأولى نقد علمي متكامل بجميع عناصره، لا يفصل الإسناد عن المتن، حيث يقوم أساساً على المعرفة الحديثية والفقهية، ومن ثم أصبحت علوم الحديث تحوي هذين الجانبين دون فكاك.
إضافة إلى قضايا أخرى تطرقنا إليها نظراً لأهميتها البالغة، مثل مسألة تدوين السنة، ومحاكمة الأحاديث إلى القرآن بغرض معرفة صحتها وكذبها، وضرورة التفريق بين الغريب الشاذ وخبر الآحاد، وسر إهمال النقد لبيان الوضع في الأحاديث بياناً مفصلاً، في حين أنهم نشطوا في كشف عللها، وعناية المحدثين النقاد بنقد المتون، ورد الشبهات حولها، وغيرها من الأمور التي وجدناها بحاجة إلى إبراز الواقع فيها.
كتبت لك ـ يا أخي العزيز ـ هذا البحث، بفضل من الله سبحانه وتعالى، ولا أريد به إلا أن أرسم لك منهج المحدثين النقاد، الذي تسعى إليه من وراء دراسة مصطلح الحديث، وأن أحملك على أن تحذو حذوهم في نقد الأحاديث. والله الموفق.
رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً. والحمد لله رب العالمين.
ـ تم بعون الله ولله الحمد والشكرـ(3/113)
نقد مجازفات حمزة المليباري
Oأحمد بن صالح الزهراني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الإمام مالك - أبو ظبي
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
علوم حديث
تصنيف فرعي:
نقد كتاب أو فكر
رأينا فيما سبق أن الدعوى العريضة التي ينادي بها الدكتور المليباري ومن يشايعه دعوى لا تستند إلى واقع علمي، ولا إلى معطيات تاريخية، وكل ما هنالك أن هذه الدعوى اتسعت لتخدم أغراضا لأكثر من اتجاه، وكلهم وظفها لتمرير ابتكاراتهم ومخترعاتهم، التي ما كان لها أن تروج وأن تلقى قبولا لدى بعض الطلبة، لولا أنها استخدمت عنصر المتقدمين، فإن المتقدمين أو السلف لهم في ذهنية أهل السنة مكانة عظيمة من التوقير والاحترام، والرجوع إليهم وإلى مناهجهم وأصولهم يعتبر ركيزة في التلقي والاتباع، لهذا فقد وظف هذا المصطلح بقوة غاب معها عن ذهن المتلقي ماذا يعني السلف للسلفيين، وماذا يعني التقدم الزماني بالنسبة لأهل السنة؟
الإجابة على هذا السؤال هي حقيقة منهج السلف في الإيمان والتلقي والاتباع، إن السلف بأشخاصهم وأفرادهم واجتهاداتهم لا يشكلون صورا نمطية يجب على اللاحقين لهم تكرارها واستنساخها، أبدا، بل هذا هو لب خلاف أئمة السلف مع المتعصبة والمقلدة، حتى أعلنها أئمة المذاهب الأربعة صريحة: لا تقلدني. و: خذ من حيث أخذنا. نهي عن التقليد، وأمر بالأخذ من حيث أخذوا، فمنهج السلف إذن أن نأخذ من حيث أخذوا، وبالطريقة والمنهج الذي به أخذوا، ولا يهم بعد ذلك أن نوافقهم في النتيجة أم نخالفهم، وهذا هو الأصل في كل مجالات الاتباع، سواء في ذلك مجال المنهج والاستنباط، أو مجال العلم والاتباع.
ولهذا كان الواقع التطبيقي والتاريخي في العلم والمنهج والتلقي هو هو عند السلف وأتباع السلف، أيا كان العلم الذي هو مجال البحث.
ففي الفقه مثلا والأحكام العملية: المصادر واحدة، ومنهج الفهم والتلقي واحد، بينما الأحكام مختلفة
وهنا في علوم السنة: المصادر واحدة، ومنهج الفهم والتلقي واحد، بينما الأحكام مختلفة.
ثم ماذا بعد؟
لكن الاجتهاد واتباع الدليل والبرهان أمر مزعج غاية الإزعاج بالنسبة لمن عاش بين ركام الروايات، والأوجه، والتخريجات، والتفريعات. لا أقول على ما جاء عنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإنما على ما جاء عن إمام المذهب أو المشايخ.
تصور أن عشرات التفريعات والأقوال والخلافات تنتهي عن المحدثين بإبطال النص الذي قامت عليه لأنه ضعيف لا يثبت.
تصور أن عشرات المنكرات والعظائم في مذهب ما تمارس علنا عند المحدثين؛ لأن النص الذي جاء بالمنع منها لا يثبت.
تصور عشرات البدع عند أئمة المذاهب، يمارسها المحدثون؛ لأنه جاء بها الأثر الثابت على أنها سنة متبعة.
تصور عشرات السنن عند المذاهب ينكرها المحدثون؛ لأنها قائمة على الرأي الباطل.
إن هذا يقرب للناظر سبب تلك الهجمة الشديدة الطاحنة على السلفية كمنهج متحرر من قيود التبعية والتقليد، يأخذ بالدليل عن الله وعن رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأصحابه الميامين، فمن وافق الحق من الأئمة والعلماء عرفناه بالحق، واتبعناه؛ لما معه من الحق والبرهان الملزم.
ومن خالف الحق من الأئمة والعلماء اجتهادا، خالفناه وعذرناه واحترمناه، وأحببنا فيه اجتهاده وحرصه على الحق، فنحن وإن خالفناه في النتيجة، إلا أننا نوافقه في المنهج والطريقة، مادام متبعا للسلف.
وأما من خالف الدليل الساطع والحجج والآثار لقول إمام المذهب وشيخ الطريق ومفتي البلد ومعلم الحلقة، فهذا نخالفه ولا نعذره ولا كرامة ولا نعمة عين.
وهذا الصنف هو الذي يؤلب على أهل الحق، ويرميهم بالعظائم التي من أعظمها كذبا وأكثرها رواجا عدم تقدير السلفيين للأئمة والعلماء المتقدمين، لماذا؟ لأنهم لا يقلدونهم؟!(3/114)
لقد كانت تلك دعوى المقلدة من قديم ضد السلفيين وأهل الحديث، لكنها مع تقادم العهد أصبحت حجة بالية، خصوصا في البيئات العلمية التي تأثرت بالدعوة السلفية. لكن الباطل له تلون، ففي كل مكان يظهر بلون لا يتميز به عما حوله.
فظهرت نعرة التقليد والدعوة إليها، لكن الآن من عمق منهج السلفيين ومنهجهم، وبلباس عجيب: لباس نبذ التقليد!!
وجاء أصحابها بعنوان جميل براق: العودة إلى منهج المتقدمين في الحديث. وهذا يعني أمورا عدة: أهمها أن المتأخرين والمعاصرين ليسوا على هذا المنهج القديم.
وبناء عليه فإن النتائج الإصلاحية للمتأخرين والمعاصرين من سنن أحيوها، وبدع أماتوها تحتاج إلى مراجعة ونقد.
ثم بعد تفتيش تجد هذه الدعوى ومن ينادي بها لا يخرج عن أطر:
فإما هو من متعصبة المذاهب أو الطرق الذين أعياهم القدح في منهج التلقي والاتباع الذي انتشر وطغى على طرائق الصوفية والمذهبيين في تبجيل وتقديس الأئمة والعلماء فوق النص.
وإما هو للأسف ممن أعماهم الحسد لبعض العلماء والأئمة الذين كتب لهم القبول، كالشيخ ناصر الدين ـ رحمه الله ـ فلم يجد في نفسه من الثقل العلمي ما يؤهله للقدح في الشيخ ومنهجه، فاستعان بالمتقدمين والتباكي على منهجهم، وبعض هؤلاء للأسف من أهل العلم!
وإما هو جاهل مغرر به، دفعه شيوخه وأصحابه دون وعي لتبني هذه الفكرة وترويجها، ووضعوه في الواجهة لتلقي صدمة الإنكار الأولى من رموز السلفيين وشيوخهم، وعلى رأسهم الشيخ ناصر الدين رحمه الله.
وبطبيعة الحال فإن دعوة وتسهل وتسهم في الطعن بمنهج أحد أئمة السلفية في العصر الحديث، وهو الشيخ ناصر الدين ـ رحمه الله ـ ستكون موجة يركبها كل من يريد الوصول بها إلى هدف له، وفعلا تجد أصحاب هذه الدعوى أخلاط من شتى الاتجاهات، وكثير منهم للحق والحقيقة غوغاء دهماء لا وزن لهم، وإنما سمعوا بهذه الدعوى، ووظفوها كأصحاب منهج التكفير والخروج، وكبعض الصوفية وشيوخ الطرق، وبعض متعصبة المذاهب. نسأل الله العافية.
ومن هنا حرصت في هذا الكتاب على بيان وهاء الأسس التي بنى عليها المليباري ومن معه هذه الدعوى، خصوصا وأنه من أجلها بدأ يخلط ويهدم ويبني، فهو يخلط الحق بالباطل، وهو يهدم الحق إذا خالف توجيهه، ويبني باطلا ويؤسسه؛ نصرة لنظرة معينة تؤيد فكرته، ولهذا وقع في التناقض العجيب، وساعد على ذلك اجتهاده وحرصه، لكنه اجتهاد وحرص في غير محله، وأظن الدكتور وقع ضحية توجيه من أحد شيوخه، أو ممن استفاد منهم وأقنعه بالفكرة، خصوصا وأنه يخالف منهجه الحالي صراحة في رسالته الدكتوراة، وبيننا وبينها سنوات معدودة فقط، مما يدلل طراوة الدكتور وفكرته التي لا أظنها تيبس أبدا، فما بني على باطل فهو باطل.
أعود لأقول: إننا لا نتحفظ أبدا على نقد الشيخ ناصر الدين الألباني، ولا أي شخص نقدا بناء هدفه الحق، والوصول إلى الحق، فليس عند السلفيين وأهل الحديث معصوم إلا أن يكون رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ، لكن هذه الهجمة لم تستهدف الشيخ ومن قبله من الأئمة في مسائل تفصيلية جزئية، مما نختلف نحن أيضا مع الشيخ فيها.
وإنما استهدفت الطعن في منهج الشيخ في التصحيح والتعليل، بل سحبت هذا الحكم ـ مبالغة في البغي ـ على عدة قرون ممن تطلق عليهم مصطلح المتأخرين، تحكما وتصنيفا لا مستند له.
وإن كان علي من شكر أتقدم به، فإني ـ بعد شكر الله تعالى ـ أشكر من قرأ الكتاب وشجعه من الإخوة والمشايخ الفضلاء، وأخص بالشكر الشيخ علي رضا، وفقنا الله وإياه الذي كان بحق أسرعهم استجابة وبذلا لوقته، وأفادني بملحوظاته القيمة التي انتفعت بها حقا، فجزاه الله خيرا، ونفع الله به.
ورجائي ـ كما دعائي ـ أن ينفع الله بهذا الكتاب الموافقين والمخالفين، وأن يغفر لنا الزلل والخطأ، فوالله ما تعمدته، إلا أن تكون غفلة البشر ونقصهم وعجزهم، فما فيه من خطأ وعيب فعيبي ونقصي وعجزي، ونفسي هي سولت لي والشيطان، وما فيه من صواب فهدى الله هداني إليه، وبتوفيقه وفقني وأعانني عليه، فله الحمد أولا وآخرا، وله المنة من قبل ومن بعد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.(3/115)
علوم قرآن(3/116)
اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري
Oفهد بن عبدالرحمن الرومي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
علوم قران - مناهج ومدارس تفسير ودراسات قرانية
الخاتمة
وبعد:
هذه أهم الاتجاهات لتفسير القرآن الكريم في القرن الرابع عشر الهجري، وتلكم هي أسسها التي قامت عليها. لها ما لها وعليها ما عليها. ولا أجد حاجة لتكرار ممل ـ حتى ولو كان مختصراً ـ للأبحاث التي تناولتها فدون من أراد ذلك المقدمة فقد أجملت فيها ما تناولته من أبحاث ودونه الكتاب كله ففيه التفصيل ودونه الفهارس ففيها الدلالة وإنما يهمني ويهم غيري فيما أرى أن أخص الخاتمة بالحديث عن النتائج التي توصلت إليها بعد هذه الدراسة وفيها أمور ما كنت أتصور حدوثها ووقوفي عليها. وعلى كل حال فسأقدم النتائج بقدر من الاختصار الذي يعطي الثمرة ولا يؤدي إلى الملل.
فمن النتائج:
أولاً: في العصر الإسلامي الأول لم يكن ثم إلا فرقة إسلامية واحدة وإلا أمة إسلامية واحدة هي خير القرون وهي قدوة المسلمين ولم يكن بينهم شقاق في العقيدة أو خلاف وكلما ظهرت شرارة من هنا أو هناك هيأ الله لها من أمة المسلمين من يطفئها أو من يضرب صاحبها بدُرَّتِه ضربة يعيد بها صاحبها إلى رشده، ولم يكن لهذه الحالات الشاذة أثر يذكر في التفسير سلباً أو إيجاباً فلم يحوج الأمر المفسرين إلى الرد عليهم أو على شبهاتهم إلا النادر الذي لا يشكل منهجاً.
ومضى حين من الدهر نشأت فيه مذاهب وفرق أخرى هيأ الله ـ سبحانه وتعالى ـ لهم من يرد عليهم في مؤلفات مستقلة أو عند تفسير القرآن الكريم.
ونظرة سريعة إلى التفاسير في تلك الفترة يظهر فيها حجم المعركة.
فرق تؤلف تفاسيرها على قواعد أصولها التي أنشأتها من قبل، وتبث شكوكها وشبهاتها.
وفرقة أخرى تكابد بين أمرين أمر تقرير عقيدتها واستخراجها من نصوص القرآن الكريم والسنّة النبوية وأمر الرد على شبهات الخصوم وأوهامهم.
قامت فرق المعتزلة والشيعة الاثني عشرية ... والباطنية والزيدية ... والخوارج ... والأباضية ... والصوفية ... والفلاسفة وأمثالهم يفسرون القرآن الكريم وفق أصولهم.
وقام أهل السنّة والجماعة يقررون عقائدهم ويردون على خصومهم فلم يهملوا آية فيها تقرير لعقيدتهم إلا وبينوه ولا آية فيها رد على خصومهم إلا وأظهروه.
وفعلوا ذلك إظهاراً للحق وتبرئة لذممهم وذوداً عن عقيدتهم وأمراً بالمعروف ونهياً عن المنكر فما زالوا ظاهرين.
وقد كان الاتجاه العقائدي في التفسير في القرن الرابع عشر أول أبحاث هذه الدراسة ـ وإن أنس لا أنس ـ صدمة تلقيتها وأنا أكتب عن تفاسير أهل السنّة والجماعة.
فقد عانيت كثيراً في الحصول على نصوص تقرر عقيدة أهل السنة والجماعة بكل تصريح ووضوح بل تسوقها بإشارة عاجلة وكأنها مقررة عند قارئ التفسير ومعلومة.
وليتهم حين يفعلون هذا يتجاوزونه إلى الرد على شبهات الأعداء وكيد الخصوم والتأويلات الباطلة ... ليتهم يبرزون الرد على الشيوعية والرأسمالية والاشتراكية أو القومية الترابية أو اللسانية ليتهم يردون على البابية أو البهائية أو القاديانية أو يردون على عصابات الانحلال الفكري أو شبهات المستشرقين أو انحرافات المنحرفين أو حتى ليتهم يردون على الفرق المعاصرة كالشيعة التي جعلت همها في العصر الحديث مواجهة أهل السنة والجماعة ومصادمتهم ليس في داخل بلاد المسلمين فحسب بل حتى في الدول الأوروبية والأميركية وكم سمعت من الدعاة إلى الإسلام في تلك الأنحاء من نشاط أولئك ضدهم وكأن هؤلاء يدعون إلى الشيوعية والإلحاد لا إلى الدين الإسلامي.(3/117)
ليت أصحابنا ردوا على الشيعة هؤلاء أو ردوا على الأباضية وبينوا لهم الحق ... أو ردوا على الصوفية التي عششت على أنحاء كثيرة في العالم الإسلامي وقاد العوام فيها والجهال بعض العلماء كما تقاد الشياة ... يذودون عن أفكارهم ويدافعون عن أفعالهم ويبررون منكراتهم وهم يعلمون أنهم يقولون غير الحق ... ؟.
ليت أصحابنا ردوا على النصرانية وما تقوم به من نشاط كبير لتنصير المسلمين في أرجاء العالم مستغلة أوضاع العالم الإسلامي الاقتصادية والسياسية ...
ليتهم ردوا على اليهودية ومنظماتها ... الصهيونية والماسونية وأندية الروتاري وغيرها من وسائلهم الماكرة للاستيلاء على قيادة العالم كله وتوجيهه أو جعله تحت سيطرتهم إن استطاعوا ولن يستطيعوا بإذن الله.
بحثت عن هذا كله أو عن بعضه في تفاسير أهل السنّة والجماعة في العصر الحديث فلم أجد فيها بغيتي ولا بعضها.
وكل ما وجدته نصوصاً من هنا أو هناك الصريح الواضح منها قليل وما سواه التمس منه ما أردت التماساً.
يمرون غفر الله لهم ولمن سبقنا بالإيمان ـ على الآية وقد زعمتها ـ طائفة قديمة أو حديثة دليلاً على مذهب ضال أو فكرة خبيثة فلا يعرض أولئك للرد عليها.
يمرون غفر الله لهم على الآية تستدل بها فرقة على ما يزعمونه حكماً شرعياً خالفوا فيه الفهم الصحيح للنص وما يؤيده من السنّة والإجماع فلا يكلف أحدهم نفسه بيان ذلك ... وكأنه يكتب لا يخفى عليه الحق في ذلك.
ولعلي ألتمس لهم عذراً أنهم يقررون التفسير الحق ويقدمونه ميزاناً أصيلاً يوزن به كل قول سواه وكل شبهة وكل بدعة.
لكني مع هذا لا أرى الحق ـ في هذا فالقضية أكبر من أن نجمل الحديث عنها أو نوجزه والقضية أكبر من أن نجعل الحق في أيدي الناس وَيَزِنُون به ... فما زال في الناس كثير من لا يحسن استعمال الميزان وما زال في الناس من يعجز عن استعماله وما زال في الناس من يطلب الطعام وأن يوضع له على المائدة وإن لم نفعل نحن ـ أهل السنّة والجماعة ـ فسيجد من يقدم له هذا الطعام بكل سرور ... ولعلي قد بلغت.
ثانياً: وحين اتسعت العلوم الإسلامية عامة، واتسعت العلوم القرآنية خاصة وأفرد من العلماء السابقين آيات الأحكام بتفاسير مستقلة لم يكن أحدهم يكتب التفسير لهذه الآيات بمعزل عن مجتمعه وقضاياه، بل كان يعطي صورة كادت أن تكون كاملة عن بيئته ... حتى المذهب الفقهي الذي ينتحله كان له أثره في تفسيره.
ففسر كثير منهم آيات القرآن حسب مذاهبهم الفقهية فكان تفسير للمذهب الحنفي وتفسير للمذهب المالكي ... وهكذا.
وإذا عطفنا النظر إلى القرن الرابع عشر الهجري وجدنا الأمر جد مختلف فقد تخلى عن كثير من صفات التفاسير القديمة بحسناتها وعيوبها.
كان على من أراد أن ينهج منهج تفسير آيات الأحكام أن ينظر إلى ناحيتين .. ناحية عطاء النص ... وناحية حاجة المجتمع ... وواقعه ويوازن بينهما ...
لا ... لست أريد أن يهمل نصاً لأنه غير واقع في المجتمع ولا أريد أن يؤجل البحث فيه إلى أن يقع ... لا أريده أن يفعل ذلك ما دام النص القرآني عليه صريح ... لكني أيضاً لا أريد منه أن يسترسل في بحث قد أشبعه العلماء من قبله ... ولم يتركوا له فيه من عراش أريد منه أن يترك لهذا مباحث جدت من بعد في عصرنا هذا من غير أن يعطيها حقها من البحث.
يخطئ أولئك الذين ينظرون إلى آيات في القرآن الكريم وهم يحسبون أن الفقه ليس إلا معرفة أحكام الطهارة والإرث والوقف والهبة وينسون أنه هو نتاج دين شامل كامل أيضاً.
إن الفقه يشمل ما أسلفت ويشمل غيرها ويشمل أيضاً كل المناهج والأنظمة في كل مجالات الحياة ما يجد فيها.(3/118)
يشمل النظام الاقتصادي الإسلامي بأوسع معانيه وإيجاد الحلول لمشاكل العالم المعاصر الاقتصادية ويشمل النظام الاجتماعي والنظام الجنائي والنظام الدولي والنظام المدني والنظام العسكري في أوسع مجالاته نظام العلاقات الدولية والسفارات وأخلاقيات الدولة الإسلامية يشمل كل أشكال المعاملات المالية في نظام البنوك المعاصر يبين حلالها وحرامها وحقها من باطلها. وحين يقصر مفسر أو فقيه في جانب منها فإن القصور من جهده وليس من النصوص فليعتر أولئك الذين يصرفون جهودهم إلى ما نضج واحترق من المسائل الفقهية ويتركون عجزاً أو تهاوناً أو كسلاً عن الأبحاث الأخرى التي ما تزال بحاجة إلى أن يخرجها العلماء للناس ويقولون لهم بأعلى صوت هذا نظام دينكم فخذوا به ...
نظرت في كتب تفسير آيات الأحكام في العصر الحديث وهالني ما رأيت ... رأيتها تكرر ما قاله الجصاص وابن العربي والشافعي والقرطبي وأنعم بهم من رجال وأنعم بها من كتب ... لكنهم كتبوا لأبناء عصرهم وعالجوا قضاياه وأشبعوا الموضوع درساً وبحثاً حتى كادت كتب بعضهم أن تكون كتب فقه لا تفسير.
ومع هذا كله فإن كتبهم موجودة لم تفقد حتى أصولها، ومنتشرة في الأسواق أكثر من كتب من نقل عنها فأي فائدة نرجوها من جديد لم يأت بجديد؟!.
وليت أصحابنا ـ غفر الله لنا ولهم ـ وهم يكتبون في التفسير الفقهي ولا يعالجون قضايا مجتمعهم المعاصر ليتهم عالجوا بعض الاختلافات الفقهية بين أهل السنّة والجماعة وبين الفرق الأخرى ليتهم نقضوا ما يستدل به الشيعة في تفسيرهم لإباحة نكاح المتعة ليتهم أظهروا مواطن الخطأ في الاستدلال عند هؤلاء ـ ليتهم ردوا على الذين يزعمون إباحة الربا غير المضاعف ويبثون الشبهات في تحريمه ويدعون إباحته ليتهم ردوا على الذين يرون أن فرض الرجلين في الوضوء المسح ـ أو ردوا على تفسيرهم للخمس وتوزيعه، أو ردوا على الذين يعطلون الجمعة أو الجماعة بمزاعم باطلة ... ليتهم وليتهم. هل التمس لهم في هذا ما التمسته آنفاً لمفسري أهل السنّة والجماعة في العقيدة من عذر، وهل ينفع العذر إذا رأيت فيه ما رأيته في ذاك ... !!.
ونظرت أخرى في كتب التفسير الفقهي فوجدت أصحابهاـ أو هكذا خيل إلى ـ يكتبون لتلاميذهم ولا يكتبون لزملائهم وإخوانهم العلماء وظهر أثر ذلك فيما يكتبون.
أما أنهم يكتبون لتلاميذهم فكل ما اطلعت عليه من كتب التفسير الفقهي إلا القليل منها ألفه أصحابه لتلاميذهم في المعاهد والجامعات فكانوا لذلك يسيرون وفق منهج خاص لا يتجاوزونه يسيرون معه وليس مع النصوص ومدى دلالتها يسيرون مع النص وينظرون إلى الخلف إلى المنهج المقرر خشية أن يكونوا قد ابتعدوا عن حدوده ومنطقته فيعودون فجأة وتكاد تحس بأن الموضوع مبتور وتكاد تحس بقوة النقلة تهزك، وكانوا لذلك يقتصرون على سور معينة هي تلك السور التي حددها المنهج وعلى آيات معينة من السورة هي كذلك.
لا شك أن مثل هذا لالتزام سيؤثر على عطاء المؤلف وعلى نتاجه ولذلك نرى صغر حجم المؤلفات في التفسير الفقهي في العصر الحديث عنها في القديم.
ليس لأنهم اكتفوا بما قاله السابقون وليس لأنهم اقتصروا على ما جد في الحديث ... ولكن لهذا الالتزام فحسب.
كلامي هذا ـ أيها الأحبة ـ يشير بأصابعه العشرة إلى بعض المؤلفات في العصر الحديث، وببعض أصابعه إلى بعضها ... لكني لا أجد تفسيراً فقيهاً معاصراً إلا ويشير إليه إصبع منها.(3/119)
نحن أيها الأحبة بحاجة إلى تفسير فقهي معاصر يعنى بالشمولية والاستيعاب، فيجمع آيات الأحكام الفقهية كلها لا يتقيد بمنهج دراسي، ثم يتناول هذه الآيات كلها بالتوضيح والبيان، لا يقتصر في بيانها على الوجه الذي أشبع بحثاً ولكنه مع هذا يلتمس من مدلولاتها علاج المجتمعات الأمية المعاصرة بشتى أشكالها وألوانها ويظهر فيما يظهر العلاج الإسلامي لكثير من قضايا العصر الشائكة، لا يلتزم مذهباً بعينه يلوي النصوص لتوافقه، ولا يدخل النص بذهن مشبع بالقواعد يلتمس لها أدنى مبرر في النصوص؟!.
ينظر في النص فيستخرج منه دلالته الصريحة الواضحة مستنداً إلى الكتاب والسنّة ثم ينظر بعد ذلك في الأفكار والمذاهب الأخرى يرد عليها ويبطلها ..
منطلقاً من النص القرآني الكريم ـ ما أحوج الأمة في عصرنا هذا إلى هذا الدستور القرآني ... ولعلي بلغت.
ثالثاً: ولا شك أن أفضل طرق التفسير تفسير القرآن بالقرآن فإن لم تجد فعليك بالسنّة فإنها شارحة له مفسرة وهذا ما اصطلح عليه بالتفسير بالمأثور.
وهذا النوع من التفسير كان هو السائد في صدر الإسلام لأنه أصح أنواعه.
ثم نشأ التفسير بالرأي المحمود وانبثق التفسير بالرأي المذموم ودخل التفسير علوم شتى فتعددت مذاهبه وتعددت طرقه ومناهجه، فقلت العناية والاهتمام بالتفسير بالمأثور وكاد أن يندرس في كثير من التفاسير القديمة والحديثة.
وعجبت ثالثة وأنا أنظر في كتب التفسير في العصر الحديث أبحث فيها عن تفسير أولى بالمأثور اهتماماً كبيراً أو أختص به فما وجدت ووجدت فيما وجدت تفاسير تتعامل مع التفسير المأثور كما تتعامل مع علوم أخرى حيناً تورده وحيناً تهمله أو تنساه أو تجهله ... وهل يجهل المفسر السنّة!! هذا ما حدث ... !!.
ووجدت فيما وجدت تفاسير تأتي بما يخالفه ... ووجدت فيما وجدت تفاسير تفسر بمعناه من غير أن ترويه ... ووجدت ووجدت أشكالاً وألواناً من التعامل مع التفسير بالمأثور ـ لكن لم أجد من يوليه حقه من الاهتمام ويلتزمه في كل موضع من مواضعه التي ورد فيها.
حتى تلك التفاسير التي تحمل عناوين التفسير بالمأثور لا نراها تلتزمه حتى وإن سميت بـ "التفسير القرآني" للقرآن بل جاوز هذا أحدهم فبث إلحاده في تفسير سماه ـ كيداً ومكراً ـ "الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن" وتعلق بهذه التسمية بعض أرباب المذاهب والفرق الضالة ليموهوا على الناس الحق فسموا تفسيرهم "الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنّة" وما حشاه صاحبه إلا بالآراء المبتدعة والروايات الموضوعة!!.
وأكثر من رأيته يهتم بهذا المنهج في التفسير الشيخ محمد الأمين الشنقيطي ـ رحمه الله تعالى ـ في تفسيره "أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن" فقد أولاه عناية واهتماماً كبيرين وفاق بهما أقرانه ... ويليه بفارق كبير الأستاذ محمد رشدي حمادي في تفسيره "الموجز في تفسير القرآن الكريم المصفى: الجامع بين صحيح المأثور وصريح المعقول" كما وصفه صاحبه في عنوانه.
والأمة الإسلامية في العصر الحديث بحاجة إلى تفسير يعني بالتفسير بالمأثور ... بالقرآن وبالسنّة ... يورد الآية القرآنية ويورد بعدها ما يفسرها من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وينطلق بعدهما لبسط ما تدل عليه من معان وما ترسمه من حقائق ...
الأمة الإسلامية بحاجة إلى هذا النوع من التفسير يورد فيه ما صح من الأحاديث ويبين درجته، ويرد ما ضعف منها، أو ما هو موضوع ويحذر من القول به ... فقد انتشرت في كتب التفسير أحاديث يرددها الناس ويحسبونها صحيحة ويقفون عندها لا يتجاوزونها وإذا جئت بتفسير آخر أصح منه نظر إليك من طرف أو صوب عليك بصره ... وكأنك أتيت بالجرم الكبير الذي لا يغتفر.(3/120)
نحن ـ أمة الإسلام ـ بحاجة إلى تفسير ينشر التفسير الحق ويظهره ...
ويورد التفسير الضعيف أو الموضوع ويرده ويبطله حتى لا تقوم قائمة إلا للحق وحتى ينمحي الباطل. اللهم هل بلغت.
رابعاً: قلت ـ فيما قلت ـ في النتيجة السابقة أن التفسير قد اتسع بعد صدر الإسلام فدخلت فيه علوم شتى.
وأقول إن من بين هذه العلوم، العلوم التجريبية كالطب والفلك وعلم طبقات الأرض وعلم الحيوان وعلم النبات و ... و .... إلخ من تلك العلوم، فاهتم بعض العلماء آنذاك بهذه العلوم فأدخلها بعضهم في التفسير وأكثر منها فيه حتى قيل عنه فيه كل شيء إلا التفسير.
كان هذا في وقت لم تكن فيه تلك العلوم إلا وليدة تحبو على يديها وقدميها ... ومرت قرون وترعرعت فيه وشبت فقامت تثب على قدميها وتعدو ... حتى حسبها بعضهم قد نضجت واكتملت وانتهت إلى أوج نشاطها حسب مدلولاتها ... وما عرفوا أنها مازالت تنمو وأنها ما زالت تتغير وتتبدل ...
وبلغ من عناية أبناء القرن الرابع عشر الهجري بهذه العلوم واهتمامهم به أن كان أول تفسير كامل للقرآن الكريم يتم في هذا القرن هو ذلك التفسير الذي حشاه صحابه بتلك النظريات والحقائق العلمية صغيرها وكبيرها فلا يكاد يمر بكلمة فيها ذكر لآلة أو نبات أو حيوان أو خلق إنسان أو ريح أو مطر أو سحاب أو سماء أو أرض ونحو ذلك إلا وأحال تفسيره إلى بحث علمي بحت خاص بما عرضت الإشارة إليه في الآية وملأه بالصور الموضحة والتجارب العلمية والشواهد من كلام أهله وخبرائه وعلمائه الجديد منها والقديم حتى تشك وأنت تقرأ فيه فيما بين يديك فتطويه وتنظر إلى غلافه فإذا هو فعلاً كتاب الجواهر في تفسير القرآن الكريم ويأخذك العجب والدهش بين مسماه وما تقرأ فيه، فتسأل أهل الذكر فيشيرون بالصمت ... بالصمت لتسمع كلمة جاءت من عمق القرون السالفة تجلجل ... فيه كل شيء إلا التفسير ... فما زالت تلك الكلمة منذ قيلت تشق مسارها في التاريخ راسمة أحرفها على كل من سلك هذا المسلك المتطرف في التفسير حتى وإن كان فيه تفسير. لأن هذا طغى عليه فأفسده فلم يعد تفسيراًَ.
وكم أشفق على تلك الكلمة: "فيه كل شيء إلا التفسير"، فقد مكثت سنوات منذ قيلت معطلة لم تجد لها عملاً لكن العمل المرهق جاءها جملة في هذا القرن، حيث نشأت تفاسير كثيرة فيها كل شيء إلا التفسير، فذهبت ترسم نفسها على الأغلفة لا يراها إلا أصحاب البصيرة وأهل العلم والذكر ...
لست من أعداء التفسير العلمي كما تحسبون ولست من أنصاره ومؤيديه كما تظنون. أنا ـ أيها الأحبة ـ إن سألتم عن موقفي وسط بينهما ... لست من أولئك الذين يرفضون التفسير العلمي حتى حقائقه ولست من الذين يتحمسون له حتى نظرياته وتصوراته.
كما شكوت من أولئك الذين يقحمون التفسير العلمي التجريبي فإني أتضايق من أولئك الذين يرفضونه كل الرفض.
ليته ينفر منا طائفة من شتى أصحاب العلوم والمعارف يستفيد من خبراتهم نفر من أهل العلم الشرعي يسألونهم عن حقائقه فيستشهد بها هؤلاء في التفسير ... ولا يفسرون بها النص.
ويسألونهم عن نظرياته فلا يوردونها لا تفسيراً ولا استشهاداً لأنها ما زالت متأرجحة لا تستقر ومن يستمسك بمتأرجح فإنه لا بد متأرجح معه وإن سقط سَقط معه ...
أعرف أن هناك من سيرفض قولي وأعرف أن هناك من سيعدله ويقوم ما يراه معوجاً ولعل فيهم من يقبله ويراه حقاً ... وهذا رأيي والله أعلم.
خامساً: أنزل الله سبحانه وتعالى هذا القرآن الكريم لحكم عظيمة غايتها تصحيح العقائد وتقويم السلوك.(3/121)
وعلى المفسر أن يجعل هذا الأمر في ذهنه عند تفسيره ثم عليه وهو طبيب عقول أن يكون كطبيب الأجساد ينظر في مريضه ويشخص داءه ثم يصف له الدواء، وعلى المفسر أن ينظر إلى مجتمعه فيحدد أمراضه ويظهر مواطن ضعفه وتفككه وانحلاله ثم يصف له الدواء القرآني ... سواء كانت علله في العقيدة أو في السلوك.
كم يسرني ذلك المفسر الذي أراه يفسر الآية القرآنية ثم أراه يضرب الأمثلة من مجتمعه ـ في غير تشهير ـ ويلتمس لها العلاج القرآني وكم يسرني ذلكم المفسر الذي يرى عادة ذميمة في مجتمعه أو تحللاً أو إهمالاً لواجب أو انتشاراً لبدعة ... فلا يمر بآية هي علاج لهذا أو ذاك إلا ويربط بينهما ويشير إلى علاجها ويأمر به.
يهمل كثير من العلماء مسألة الربط أوالتشخيص الدقيق وهم يحسبون أن لدى مستمعيهم ـ كلهم ـ القدرة على الاستنتاج والتطبيق.
تجد المفسر مثلاً يتحدث عن الربا وتحريمه ويشرح آياته مفردة مفرَدة ومواطن البلاغة ومحاسن التعبير ويبلغ في ذلك شأواً، ثم ينتقل إلى آية أخرى بعدها وهو يحسب أنه قد أشبع الموضوع حقه، وما درى ذلك الرجل أنه أخذ جانباً وترك الآخر ... كان عليه ـ مثلاً ـ أن يضرب أمثلة للربا من مجتمعه فيشير نصاً إلى البنوك الربوية معاملاتها ومواطن الخطأ فيها ومواضع الربا وآثار ذلك في الاقتصاد ... كان عليه أن يعطي المثال المستقيم فيذكر البنوك الإسلامية وما يجب أن تتعامل به ولا ضير أن يذكر أسماءها وأنواع معاملاتها.
ستقولون ـ أيها الصحاب ـ أنه خرج عن التفسير فأقول على فرض أنه خرج أليس خروجه هذا أفضل من خروجه عنه إلى الأساليب البلاغية والمسائل اللغوية والتغني بحسن التعبير والوقوف عند معالم الجمال إن صح تسمية كل ذلك خروجاً!!
ثم إني لا أعتبر هذا ولا ذاك خروجاً عن التفسير إذا ناسب المقام، فإذا كان المقام مقام حديث مع العلماء والأدباء فليكن كذلك وإذا كان حديثاً موجهاً للعامة أو للإصلاح الاجتماعي فليكن بأسلوب آخر وبأهداف وطرق أخرى، ليوجه همه إلى تلكم القضايا الاجتماعية ويبسطها للناس فلا يجعل التفسير بمعزل عمن أنزل القرآن لإصلاحهم وإصلاح عقائدهم.
حين نزل القرآن الكريم أصلح كثيراً من البدع والمنكرات التي تحدث في مجتمع الجاهلية وخصها بالذكر فحرم وأد البنات والربا وشرب الخمر وعبادة الأوثان وما زال القرآن يقوم الأخلاق ... حتى النداء من وراء الحجرات ...
فما بال أقوام منا يهملون جانب الإصلاح الاجتماعي في تفسير القرآن الكريم ويظنونه ـ مخطئين ـ خروجاً بالتفسير عن حده.
إن الأمر هنا يختلف عن المناهج الأخرى، الأمر هنا يتطلب تفاسير عدة لا تفسيراً واحداً، حيث يقوم من كل بلد من بلاد العالم الإسلامي عالم عارف بأمراض مجتمعة يفسر القرآن فيعرض لها ويحذر من خبيثها ويحمد حسنها.
أقول هذا لأن العالم الإسلامي مترامي الأطراف .. مختلف العادات، وقد ينتشر في مجتمع من المنكرات ما لا وجود له في مجتمع آخر ... فقد يوجد الربا في بيئة ويستفحل ولا يكاد يوجد في أخرى، وقد تنتشر حانات الخمور ودور الرذيلة والملاهي وأندية القمار في بيئة ولا يعرفها آخرون، وقد ينتشر الاختلاط والتبرج والتعري والفسق والفجور في مجتمع ولا يعرفه آخر، وقد تنتشر بدعة التصوف وطقوسها في بيئة دون بيئات، وقد تشتهر بعض المحرمات وتصبح عادة مألوفة في مجتمع تحتاج إلى أن ينص العلماء عليها ويحذرون منها كالشغار والنجش وبعض أنواع الربا والإسراف والتبذير و .. و .. إلخ.
وهذا يوجب أن يقوم من كل مجتمع عالم يكتب علاجاً قرآنياً لأمراض مجتمعة فما زالت المنكرات منتشرة وما زالت البدع سائدة، نسأل الله سبحانه الإصلاح والتوفيق.(3/122)
سادساً: قام في القرن الرابع عشر الهجري رجال علماء بذلوا وسعهم حسب مفهومهم وحسب قدراتهم للإصلاح سياسياً واجتماعياً وكان لهؤلاء جوانب مشرقة وكان لهم أخرى ونال هؤلاء الرجال منزلة كبيرة في مجتمعاتهم بين العلماء والعامة. ونفذ بعض المغرضين وذوي النحل الباطلة من هذه "الأخرى" فأمسوا يبثون شكوكهم وأوهامهم وبدعهم ومنكراتهم فإذا قام معترض عليهم قال لهم إنكم تردون اليوم ما كان يقرره فلان منذ 42 عاماً؟.فيطرق القوم وكأنه قال لهم قول معصوم.
تقولون وما دخل هذا في التفسير؟! فأقول إن بعض هؤلاء كان لهم نشاط في التفسير منه ما أبدعوا فيه ومنه ما جانب الصواب و ... أخشى ـ وقد حدث فعلاً ـ أن يستدل رجل بالجانب الذي وقع فيه الخطأ فيحسبه آخرون قد أتى بالحجة القاطعة.
علينا إذاً أن نقيم رجال التفسير فنظهر ما لهم ونظهر ما عليهم أين كتب الرجال في القرن الرابع عشر؟
حقاً إن كثيراً منهم ما زال حياً يرزق وحقاً إن بعضهم قد انتشر صيته؟ ولكن أقولها عن تجربة إذا ما أردت ترجمة قصيرة عن حياة أحدهم فضلاً عن الجرح والتعديل فإني لا أجد له رائحة.
حبذا لو قام أحدنا بالكتابة عن مفسري القرن الرابع عشر وليس عن اتجاهات التفسير فحسب.
يكتب تراجم لحياتهم العلمية ومؤهلاتهم للتفسير ومن تتوفر فيه شروط المفسر منهم ومن لا تتوفر فيه، ثم يكتب ما له في التفسير وما عليه ويرد أو يناقش بعض أخطائه الظاهرة في التفسير.
وبذلك ننقي ساحة التفسير وساحة المفسرين من زغلها وزيغها ونكشف للناس حقيقتها فلا يجرؤ مجترئ بعد ذلك أن يستدل بهفوة، ولا يطأطئ أحدنا رأسه مسلِّماً باحتجاج زائف.
علماً أن الأمر لا يقتصر على ذوي الهفوات من المفسرين، بل سلك بعضهم طريقاً خاصاً ونهجاً إلحادياً علانية يسعى لأن يُرَدَّ عليه فيشتهر ويرى ـ لضعف إيمانه أو عدمه ـ إن الإلحاد هو اقصر طريق إلى الشهرة.
فعلينا أن نقف لتلك الزمرة بالمرصاد دفاعاً عن كتاب الله عز شأنه، نقف لهم فلا نحقق مأربهم ولا ننشر كتبهم بشتى الوسائل ونسعى أن يكون موقفنا منهم درساً رادعاً لمن يقف خلفهم أو ينتظر فرصة ليفعل فعلهم. اللهم هل بلغت.
سابعاً: اختلاف أساليب التعبير عبر القرون ظاهرة واضحة لا شك فيها وكم من قصيدة سمعناها فأدركنا من مفرداتها ونغمها وجرسها أنه شعر جاهلي أو شعر إسلامي أو شعر حديث أو حتى شعر أندلسي ونحو ذلك ... وقع هذا لأن لكل مجتمع ما يناسبه من الألفاظ والعبارات.
وهذا يوجب على المفسر أن يتحدث بأسلوب عصره فلا يأتي ـ وهو يفسرـ بغريب الألفاظ ولا يتكلف الحديث ولا يمعن في عويص المعاني ولا يتشدق في التعبير.
لا يعلو حديثه عن درك العامة ولا يهبط إلى وضيع القول عند العلماء فليحاول جهده في التعبير بحيث إذا سمعه غير المتخصص أدرك أبعاده وشده أسلوبه وإذا سمعه العالم شده حسن التعبير وطلاوة الأسلوب ... والموازنة هذه يهبها الله لمن يشاء من عباده.
أما التبسيط العميق للتفسير، فإنه يحيل التفسير إلى كتاب مدرسي يوضع للناشئة إن لم يكن وضع لهم أصلاً، مثل هذا يبعد كل البعد عن الإتيان بجديد في الفكر أو في التدبر أو في التأمل.
ولهذا لم يكن لهذه المؤلفات أثر في دراستنا هذه عن مناهج التفسير الجادة.
والإغراق في العبارات أيضاً يقصر القائدة منه على المختصين والعلماء ويحرم سواهم من الانتفاع به، والقرآن الكريم لم ينزل لهؤلاء وحدهم ولا لهؤلاء دون سواهم، بل نزل للجميع فليكن التفسير للجميع أيضاً.(3/123)
لا أريد من هذا أن أمنع التفاسير الموسعة العميقة الأبحاث لكني أريد تبسيط أسلوبها حتى إذا ما أراد أن يسلكها غير العلماء سلكها وكانت له كالمعلم يخاطبه ويوجهه ويسأله ويجيبه بأسلوب لا يهبط إلى ذلك ولا يعلو عن مداركهم ... اللهم هل بلغت.
وبعد:
ليست هذه خلاصة البحث وليست كل ما أريد قوله، فقد بثثت فيه وبين مناهجه ملاحظاتي في مواضعها ولكني أشرت إلى ما أشرت إليه للتأكيد ليس إلا.
أما الأساس السليم والمنهج القويم في التفسير الذي يجب أن نسلكه فيه فقد بينت أسسه وقواعده في حديثي عن منهج أهل السنّة والجماعة ولا أظن أني في حاجة إلى تكرار القول إني قد وضعت منهجهم أول المناهج ليكون ميزاناً بيد القارئ يزن به كل ما يصادفه في طريقه فبه يأخذ وبه يرد.
ولهذا فلا أرى موجباً لإعادة هذه الأسس مرة أخرى فهي أيضاً الأسس الفضلى وهو أيضاً المنهج الحق.
لكن هذا لا يمنع من التجديد.
التجديد في الأسلوب الملائم لأبناء العصر والذي أشرت إليه آنفاً والتجديد في التحذير من العقائد الضالة والفرق المنحرفة المعاصرة والقديمة وبيان مواضع ضلالهم وانحرافهم.
والتجديد في تفسير آيات الأحكام ببيان ما جد من الأحكام الشرعية والمعاملات المالية والاقتصادية والعسكرية ... إلخ.
والتجديد في علاج القضايا الاجتماعية، فقد جد في هذا العصر من المشكلات الاجتماعية ما يحتاج إلى علاج وبيان.
والتجديد في التحذير من التفاسير المنحرفة والضالة ومجاهدة أصحابها وبيان ضلالهم وكشف زيفهم للناس.
كل هذا وسواه أكثر من معالم التجديد في التفسير الذي يطلبها أبناء القرن الجديد في التفسير وهذا يحمل علمائه أمانة القيام به فهم يوم القيامة مسؤولون وعلى أعمالهم محاسبون ومجزيون.
وأوصي أخيراً أولي الأمر وذوي العلم والجامعات الإسلامية وفيهم نفر من العلماء الصالحين أن يسعوا للقيام بتفسير يشترك فيه نخبة مختارة من العلماء البارزين في مختلف التخصصات الشرعية في العقيدة .. والفقه .. والتفسير .. والأدب .. والإصلاح الاجتماعي .. والعلوم التجريبية ... إلخ.
يجتمع هؤلاء يتلون آيات الله فيما بينهم ويتناولونها بالتفسير والبيان، ثم تصاغ كلها بأسلوب ملائم يجمع فيه كل ما يحتاجه عصرنا من إصلاح عقائدي وفقهي واجتماعي وعلمي وأدبي يعنى فيه بما أسلفنا الإشارة إليه تفصيلاً ... والحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات.
"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير* لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليه ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا اصراً كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين".(3/124)
الأحرف السبعة ومنزلة القراءات منها - دراسة في أحاديث الأحرف السبعة - مذاهب الأئمة فيها - ضرورتها والحكمة منها - دحض التخرصات عنها
Oحسن ضياء الدين عتر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البشائر الإسلامية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
قرآن - قراءته ومشكله وغريبه ولغاته وإعرابه
خاتمة الكتاب
لقد جبنا أنحاء البحث، وناقشنا فيه معظم وجوه النظر في المسائل الهامة المتعلقة به. وأيدينا رأينا فيها مدعوماً بالدليل النير الواضح. ولتمام الفائدة نرى عرض نتائج ما سبق عرضاً سريعاً يجمع أطراف الموضوع للقارئ، ملخصاً فيما يأتي:
أولاً: إن القبائل العربية ـ لعوامل عديدة ـ تخالفت في استعمال لغتها تخالفاً بيِّناً. وهم أميون يتعذر على معظمهم التكلم بما ليس في استعمال قبائلهم. لكن برزت من لغة القبائل جميعها لغةٌ واحدة امتازت باستعمال المنتخب من الكلام العربي هو أفصحه وأبلغه، ألا وهي لغة قريش.
على أن الأعم من الكلام العربي مجمع عليه بين القبائل، لا اختلاف فيه في بناء الكلمة أو حركات إعرابها. لكنه قد يختلف في صور النطق والأداء اختلافاً يسراً، إلا أنه كان متحكماً في ألسن العرب الأميين تحكماً شديداً. لقد نزل القرآن عربياً خالصاً لا شية فيه. وقد نفينا وَهْمَ مَنْ توهم وجود كلام أعجمي في القرآن. ورأينا أن الكلمات المشتركة بين العربية وغيرها من اللغات، التي ورد بعض منها في القرآن، ترجع فيما توصلنا إليه بعد التحقيق الدقيق إلى أحد عوامل ثلاثة:
الاشتقاق من أصل لغوي واحد قديم، أو الاتفاق بين اللغات في وضع اللفظ، أو التعريب.
ثانياً: ولما كانت لغات القبائل العربية متفاوتة في الفصاحة وكان أفصحها إطلاقاً لغة قريش، قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم. نزل القرآن بلسانهم أولاً. وكان طبيعياً أن يصعب على كثير من أبناء القبائل الأخرى قراءة القرآن بلسان قريش، لأنهم ألِفوا غيرها، إذ استحكمت فيهم لغات قبائلهم، وقد يتعذر بعض ألفاظ القرآن على عامتهم في كثير من الأحيان لأنهم أميون، وما تزال فيهم بقية من العصبية للقبيلة ولموروثاتها، فلو كُلفوا الخروج عن عاداتهم في صور نطقهم وأساليب كلامهم لكابدوا في ذلك حرجاً ومشقة لا مثيل لهما. لذلك قضت الحكمة الإلهية بإنزال القرآن على سبعة أحرف، فقرؤوا القرآن بلغاتهم بيسر وبسهولة.
ثالثاً: وقد تبين أن إنزال القرآن على سبعة أحرف ليس أمراً ضعيف الثبوت، كما توهم المستشرقون وأذنابهم. وليس أمراً ظنياً يحتمل الأخذ والرد، بل هو أمر قطعي لما بيَّنا من تواتر الحديث والقراءات المتداولة بالتواتر من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا. ولقد حكم الرسول على منكر الأحرف بالكفر إذا بلغته بصورة تفيد العلم اليقيني.
رابعاً: وقد بينت لنا دلالات الأحاديث أن الأحرف سبعة على الحقيقة. وأنها منزلة من الله تعالى، وأن على المؤمن أن يقرأ ما تيسر له منها، غير مجادل من خالفه في قراءته، إن كان يقرأ بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
خامساً: إن من معاني الحرف في اللغة الجانب، وقد أُطلق على حرف الهجاء، كما استُعمل في الدلالة على وجه من الكلمة التي تقرأ على عدة وجوه في القرآن الكريم.
وتعددت المذاهب في معرفة المراد من الأحرف بالحديث النبوي. وقد عرضناها وميزنا منها الخاطئ الذي لا يقوم على دليل مقبول اَلبتة، مما يعتمد على دليل مقبول في الجملة، وبينا أن القول الفصل هو أن الأحرف السبعة لغات سبع هي أشهر وأفصح لغات العرب أنزل الله القرآن بها، رحمة بعباده وتيسيراً عليهم.(3/125)
سادساً: لقد اشتملت الأحرف السبعة على أكثر لغات العرب جميعها على ما بينها من فوارق. وبذلك حصل تذليل النطق بالقرآن للعرب جميعاً. ولو فُرض أن هناك بعض الفارق في اللغات لم تشملها الحروف السبعة، كان قدراً ضئيلاً يمكن التغلب عليه بجهد يسير، أو كان من مستقبح اللغات التي أبى فصحاء العرب النطق بها.
على أن هذه الأحرف السبعة المنزلة لم يكن بينها من تضاد أو تناف، إنما كانت في الأمر الواحد الذي لا يختلف في حلال أو حرام.
سابعاً: لقد حققت الأحرف السبعة للعرب حِكماً عظيمة وأغراضاً هامة. إذْ ذَللت نطق أَلسنتهم جميعاً بالقرآن، فحفظوه ونشروه، ومن وراء ذلك تدارسوه وفهموه. كما يسرت على المسلمين حفظه وتناقله فيما بينهم. وذلك مما ساعد على نجاح الدعوة الإسلامية واستقرارها. كما أدتْ الأحرف غرضاً من أهم مقاصد القرآن وهو الإعجاز فكانت فيها آية جديدة من آيات العجز البشري عن الإتيان بمثل كلام الله العلي القدير. فأثبتَتْ بذلك أيضاً أنه وحي من الله يوحى.
ولما كان القرآن نازلاً بلسان قريش أولاً، فقد بقيتْ لغتهم رغم نزول الأحرف أكثر اشتهاراً في قراءة القرآن وبقي منها في القرآن النسبة الكبرى لأنها أصل التنزيل ولم يعدل عن الأصل إلا فيما كانت الحاجة إليه ماسة. فأدَّى ذلك التدريج وبسبب العرضة الأخيرة أيضاً إلى وحدة اللسان العربي. وهو من أهم عناصر تكوين الأمة العربية ووحدتها.
كانت الأحرف السبعة خصيصة لأمة محمدٍ صلى الله عليه وسلم من بين الأمم. ومزية للقرآن على جميع الكتب السماوية.
ثامناً: تضافرت دلالات الأحاديث على أن الأحرف السبعة منزلة من الله، وأنها كانت توقيفية، وأن الرسول لم يُعمل فيها رأياً ولم يغير حرفاً، إنما بلغ ما أمر الله به فأدى رسالة الله حق الأداء. وهذه الحقيقة الواضحة الهوية طود شامخ في وجه الهجمات الاستشراقية السخيفة، ومضاعفاتها التقليدية الصماء، التي يقوم بها أُناس فقدوا المقدرة على الفهم السليم والاستنتاج الصحيح، وتعاموا عما وضح رغبة في مسايرة الركب المنجرف في هذا العصر.
تاسعاً: لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم يأمر كُتّاب الوحي بكتابة كل ما ينزل من القرآن حين نزوله. ولقد قام أبو بكر بجمع القرآن بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقام عثمان باستنساخ صحف أبي بكر على مصاحف كثيرة. وحرص الكاتبون على أن تَجمع مصاحف عثمان كل ما يمكن من الأحرف السبعة، بجعل الخط محتملاً لأكثر من قراءة وساعدهم على ذلك أن النقط والشكل لم يكن معروفاً. فتركوا كتابة الألفات المتوسطة ووزعوا ما لا يحتمله الخط من الأحرف على المصاحف، كالواوات والهاءات .. إلخ.
لذلك لا يمكن القطع بأن مصاحف عثمان قد فاتها بعض ما في الأحرف السبعة. فهذا أمر لا سبيل إلى القطع فيه. والأصل في عمل عثمان ألا يفرط في شيء من كتاب الله تعالى ولكن لا سبيل إلى القطع باستيعاب مصاحفه كافة الأحرف السبعة، فذلك أمر ظني لا يقطع بشيء فيه. على أن الذي يحتمل أن يكون ترك من الأحرف ليس مختلفاً في حلال أو حرام عما كُتب وليس فيه معنى إضافي. كما أنه لا يخرج عن كونه من الأحوال اللفظية المختلفة بين اللغات العربية السبع التي بها نزل القرآن. وقد بينا كذب زعم (تسهر) ومن والاه، بأن القرآن كان مضطرباً، ثم اتفق المسلمون على نص موحد .. لمخالفة هذا الزعم للأحاديث الصحيحة والحقائق التاريخية الدامغة.
عاشراً: انتشرت قراءات كثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم نتيجة لنزول القرآن على سبعة أحرف. وقد بينا أنواعها حسب أسانيدها. وأن القراءة تصح بالمتواتر، وبقطعي الثبوت منها فقط، وهو الذي ينطبق عليه ضابط القراءة المقبولة فيما حققناه.
وهذا الضابط هو:(3/126)
1ـ صحة السند.
2ـ موافقة العربية ولو بوجه.
3ـ موافقة خط المصحف العثماني ولو تقديراً.
وقد بينا أن القراءات المقبولة أكثر من سبعة حتماً، وعلى الرغم من شيوع فكرة تواتر السبعة وحدها لدى عامة الناس، فإن التحقيق يُثبت أن القراءات العشر متواترة.
والقراءات المتواترة إنما تواترت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لا إلى أئمة القراءة فحسب. وليس هناك مجال للاجتهاد في القراءة بل هي توقيفية. وهذا نقيض ما افتراه "تسهر" وتابعته عليه طالبة الماجستير. إذ القراءات من الأحرف، والحروف توفيقية. وسيرة العلماء والسلف الصالح وتوقفهم في قبول القراءة على قوة إسنادها أكبر دليل على ذلك، بالإضافة إلى الأدلة الكثيرة السابق سردها.
الحادي عشر: لقد تلقى القرآن بأحرفه السبعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع من الصحابة وتلقاه عنهم جمع غفير من التابعين، وهكذا إلى عصرنا هذا. ولقد اشتهر كثيرون من الصحابة بإقراء القرآن، منهم: أُبيّ بن كعب، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مسعود .. إلخ.
واشتهر من التابعين سعيدُ بن المسيب، وعروةُ، وسالم، وعطاء وسليمان ابنا يسار .. إلخ. وأناس كثيرون في كل بلدة من بلاد الإسلام. واشتهر بعد ذلك قراء كثيرون منهم السبعة وباقي العشرة، وغيرهم. وقد لقيَ بعضُ السبعة الصحابة والتابعين، مثل ابن عامر وابن كثير وعاصم .. إلخ.
وهذا كله ساعد على نقل القرآن بقراءاته إلينا متواتراً.
الثاني عشر: لم يقل أحدٌ من العلماء أن الأحرف السبعة هي القراءات السبع المنسوبة إلى ابن عامر وابن كثير .. إلخ. إنما كان ذلك وهماً توهمته العامة من عدد السبعة الموجود في كل من القراءات السبع والأحرف. وليست القراءاتُ السبع إلا بعضَ ما تواتر واشتهر من الأحرف. لأن الأحرف السبعةَ لما نقلها الصحابة إلى من بعدهم تداخلت في بعضها، حتى غدا القارئ المتلقي عن عدد من الصحابة يقرأ بقليل من حرف هذا وبعض من حرف ذاك .. فتعددت القراءات المتلقاة عنهم، لكن جميعها لا يخرج عن الأحرف السبعة.
والحكم الاجتهادي العام هو أن الأحرف أعم من جميع القراءات الثابتة عموماً مطلقاً وأن القراءات أخص منها، فالنسبة بينهما العموم أو الخصوص المطلق. والله أعلم.
مقترحات تتصل بالموضوع:
لما كان القرآن الكريم المعجزة الخالدة وكتاب الهداية الإلهية، فقد وجب على المسلمين أن يبذلوا كل ما في وسعهم للحفاظ عليه، وتقوية الصلة به والاستزادة من الثقة فيه. فبذلك يعزهم الله كما أعز آباءَهم، وبتركه ينخذلون ويتفرقون. فمن الواجب على الأمة الإسلامية التماسك والوسائل الكفيلة بذلك. ونحن نقترح بهذا الصدد ما يلي:
أولاً: يجب على المسلمين أن يلقنوا أولادهم القرآن، وأن يُعوِّدوهُم العناية به. لأنه المصدر الإسلامي الأول، الذي به تعرف الشريعة الإلهية الخالدة. ويجب على الناشئة من أبناء المسلمين أن يتلقوا القرآن من أفواه القُراء، وأن يقرءوا عليهم ما تلقنوه ـ على النحو الذي حصل في معارضة القرآن بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبين ملك الوحي جبريل عليه السلام. فإنْ لم يكن ذلك فلا أقل من تتبع القارئ في المصحف أثناء الاستماع إلى التلاوة في المذياع ـ لأن القراءة بالمصاحف حسبما يُعرف من الخط، وبدون تلقٍ من قارئ، غير جائزة، لا فتراق الخط المتداول عن خط المصاحف العثمانية. ولأن القراءة طريقة مأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتقيُّد بها واجب شرعاً.
بل يجب الحرص على وجود فئة من كل جيل تحفظ القرآن بقراءاته غيباً، تلقياً عمن قبلهم من القراء، لتتصل سلسلة التواتر في حفظ القرآن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.(3/127)
وبهذا وغيره من وسائل حفظ القرآن، تثبت أقدام الأجيال الإسلامية المتعاقبة على الحق الذي أنزله الله، ويُحال دون انسلاخهم من الدين، وانغماسهم في الحياة البهيمية التي جلبها الكفر والضلال لغيرهم من الشعوب.
ثانياًُ: ينبغي على المؤتمر الإسلامي الذي تشترك فيه كافة الدول الإسلامية، أن يُعنى بدراسة الوسائل الناجعة لنشر القرآن بين المسلمين على نطاق واسع، لأنه السبيل الوحيد لرأب الصدع وتوحيد الصف وجمع الكلمة .. إلخ. ومن ذلك أن يتبنى أعضاؤه السعي لدى حكوماتهم لتخصيص ساعتين أسبوعيتين ـ على الأقل ـ للقرآن الكريم فقط، في كافة المدارس والجامعات، الحكومية والأهلية. وأن توضع لذلك مناهج جيدة. تُعنى بالقرآن الكريم تلاوة واستحفاظاً وتفسيراً وبياناً لأهم مسائل علوم القرآن.
ولا غنى للناشئة عن ساعة أسبوعية ثالثة لمعرفة واجباتهم الإسلامية ودراسة أهم الموضوعات التي يحتاجها الفرد والمجتمع المسلم.
ثالثاً: ونقترح على المجلس الإسلامي الأعلى بالقاهرة أن يواصل باهتمام بالغ نشر الكتب التي تبين عقيدة المسلمين وما يتصل منها بالقرآن الكريم وعلومه. وفق المستويات الثقافية المتنوعة. وذلك صيانة للدين وللإيمان في صدور المسلمين.
رابعاً: أن تتولى أجهزة الإعلام إذاعة بعض القراءات المقطوع بصحتها سوى القراءات السبع، وهي القراءات الثلاث المتممة للعشر., حتى يتلاشى من أذهان العامة مفهوم القراءات السبع كتفسير للأحرف السبعة التي أنزل الله القرآن عليها.
خامساً: لما كان القرآنُ عمادَ الإسلام فقد وجب على علماء المسلمين أن يتنبهوا إلى ما يشاع حوله من أراء وما يثار من مشكلات، وأن يُحكموا الإجابة ويخرسوا أصحاب الأهواء، فقد أوجب الله عليهم أن لا يكتموا ما علَّمهم.
ولما كان الحديث عن القرآن بهذه الدرجة من الأهمية والخطورة فقد وجد فيه المستشرقون كما وجد فيه أهل الإلحاد من قبل توطئة الطريق ليدخلوا على المسلمين في عقيدتهم ودينهم ما يُحلون به عرى الإسلام. وليس في هذا المقام أجود من قول أحد علماء القرن الهجري الماضي ـ رحمه الله تعالى ـ إذْ قال:
"ونرى في المدة الأخيرة اهتماماً خاصاً لمستشرقين الغرب بنشر مؤلفات علماء الإسلام الأقدمين مما يتعلق بالقرآن وعلومه، من كتب القراءة وكتب الرسم وشواذ القراءات وكتب الطبقات، بل يواصلون سعيهم في ذلك وفي نشر ما للأقدمين من المؤلفات في الحديث والفقه واللغة، إلى غير ذلك من المشرقيات. ومسعى أغلبيتهم ينم عن قصدهم لإحياء عهد الصليبيين بطريقة أخرى في الحملات الممتلئة تعصباً وجهاً نحو النور الوضاء الذي أشرق من القرآن الكريم على هذه الكرة المظلمة، حتى استنارت البصائر بذلك النور الوهاج. فدخل الناس في دين الله أفواجاً. فتبدلت الأرض غير الأرض. وغاية هذا الفريق مكشوفة جداً مهما تظاهروا بمظهر البحث العلمي البريء كذباً وزوراً وخداعاً".
ولقد نبهنا من قبل على أن الطعن بالقرآن خطة استشراقية مرسومة يُعمل بها منذ القرن الماضي. وهي تستهدف القضاء على الإسلام في قلوب أهله. وطالما افتتح المستشرقون المعركة على هذه الجبهة، فقد وجب أن يقوم علماء أشداء على سد هذا الثغر الخطير، للدفاع عن حمى الإسلام، وأخذ الطريق على العدو وإحباط خططه الماكرة في الحرب الفكرية الاعتقادية.
لذلك اقترح على هيئة التدريس في كلية أصول الدين أن تُكلف طلابها بتحضير رسائلهم في الموضوعات التي تطرق إليها المستشرقون "تسهر" وغيره. وليبالغ أساتذة الكلية الأفاضل في الاهتمام بالإشراف على هذه الرسائل وتوجيهها، صيانة للإسلام وذوداً عن حياضه.(3/128)
سادساً: لما كان الطعن في القرآن وقراءاته يخدم ذلك الغرض الصليبي الاستعماري الخبيث. فإنا نستبعد أن يرتضيه لنفسه عالم أزهري ملم كالأستاذ المشرف على رسالة الماجستير المردودة. ولا شك أنه كان خاطئاً في موافقته على الرسالة والرضا بها وتقييمها ثم الدفاع عنها. على أن بوادر تراجع مباركة قد بدت أخيراً في موقفه من الرسالة وفي كتبه الشخصية إلى بعض العلماء المخلصين. لكن هذا غير كاف لغسل الحوبة. بل لا بد للأستاذ الكريم ـ بعد أن أخلص وجهته لله تعالى ـ أن يتولى بنفسه إصدار كتاب يدافع فيه عن القرآن وعلومه أو الإشراف على رسالة أخرى تظهر وجه الحق في الموضوع.
كما لا بد للآنسة المسلمة الحريصة على دينها وأمتها "كاتبة الرسالة المردودة" أن ترقب الله تعالى في كتابه وعماد شريعته الخالدة، وأن تستوفي الموضوع بحثاً ودراسة مستعينة بالمختصين من العلماء، مما يهيأ لها الفرصة الطيبة للإقلاع عن آرائها بقناعة ذاتية. وعندئذ فقد لزمها أن تصدر بحثاً تعلن فيه عما توصلت إليه.
هذه هي السبيل القويمة في العودة إلى الحق، فالحق أحق أن يُتبع، والرجوع عن الخطأ فضيلة. والتوبة إلى الله كرامة. قال الله تعالى: "وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون. ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله، والكافرون لهم عذاب شديد" "سورة الشورى: آيتا 25ـ 26".
وفي الختام أحمد الله تعالى حقّ حمده، أن وفقني لتأليف هذا الكتاب من نيفٍ وعشرين سنة، ثم أذن بفضله وكرمه أن يخرج ـ من رفوف مكتبة كلية أصول الدين بالأزهر ومكتبات بعض العلماء الفضلاء ـ إلى رحاب النشر الإسلامي العام، فأحمد الله على جميع ألوان إكرامه وإنعامه.
وأسأل الله العظيم رب أن ينفعني وأولادي وأهلي والمسلمين بالقرآن العظيم، ويجعله نوراً لنا في الدنيا ويوم الدين، وأن يوفقنا دائماً لخدمة القرآن العظيم وسنة النبي الكريم وعلومهما، وأن يفتح لي في ذلك فتحاً مبيناً قريباً "وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإله أُنيب".(3/129)
الحقيقة الشرعية في تفسير القرآن العظيم والسنة النبوية
Oمحمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الهجرة - الخبر
الطبعة:
الخامسة عشرة
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
منوع
الخَاتمَة
وبعد:
فتلك جملة من الألفاظ التي جاءت في القرآن العظيم والسنة النبوية وجرت على لسان السلف الصالح بمعان؛ شاع عند بعض الناس استعمالها في غير ما أراده الله عزَّ وجلَّ ورسوله صلى الله عليه وسلم منها، فاستعملوها على غير وجهها المراد شرعاً، وفهموا كلام السلف على غير وجهه.
وقد وضح لك كيف يحاول إبليس صرف الناس عن مراد الشرع والتلبيس عليهم!
وإليك الخِيَرة في أن تنظر لنفسك، فتقتدي بالسلف في فهم نصوص القرآن العظيم وحديث الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه، لك الخيرة في ذلك، أو تتدلى بحبل الغرور، وتتبع ذلك السبيل، الذي هو باب من أبواب الشر والضلال.
ولا شك أن غياب المعاني الشرعية عن ألفاظ القرآن العظيم والسنة النبوية عند بعض الناس هو من الغربة, التي قال فيها صلى الله عليه وسلم: " إن الإسلام بدأ غريباً، وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء ".
وسئل صلى الله عليه وسلم عن الغرباء؟ فقال: " الذين يصلحون إذا فسد الناس ".
وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: " طوبى للغرباء! أناس صالحون في أناس سوء كثير، من يعصيهم أكثر ممن يطيعهم ".
وقد صارت تلك العلوم غريبة، بحيث يمقت ذاكرها، وقد قال الثوري رحمه الله:" إذا رأيت العالم كثير الأصدقاء؛ فاعلم أنه مخلط؛ لأنه إن نطق بالحق؛ أبغضوه ".
وقد ألقيت إليك بالأمر؛ فانظر لنفسك!(3/130)
التكفير في القرآن والسنة قديما وحديثا
Oنعمان عبدالرزاق السامرائي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
التكفير - ضوابط وشروط
الخاتمة
إن الله تعالى أرسل نبينا عليه الصلاة والسلام داعيا لا قاضيا وهاديا لا جابيا ومبشرا وليس منظرا وحين امتدحه قال {وإنك لعلى خلق عظيم} [سورة القلم الآية: 4]
وبين له بوضوح سر اجتماع القلوب عليه، فقال: {ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} [سورة آل عمران، الآية: 159]
وأود أن يعلم الشباب أن الإخلاص ضروري لنجاح العمل وحصول الأجر، ولكن كما قيل: ليس بالخبز وحده يعيش الإنسان، وأقول: ليس بالإخلاص وحده ينجح العمل، والحق تعالى يقول: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أنا من المشركين} [سورة يوسف: الآية: 108]
ومعلوم أن من يريد تغيير مجتمع، فعليه أولا معرفة قوانين التغيير، والسنن الكونية والبشرية، وإلا فسيتكلف الكثير، ثم لا يربح القليل.
على الشباب أن يدرس بعمق وعناية لماذا تفلح أحزاب هزيلة منبوذة في الوصول إلى الحكم أولا، والاستمرار فيه عشرات السنين ثانيا، بينما حرم ذلك على أي جماعة مسلمة؟!
أريد من الشباب أن يتركوا خطابهم الوعظي " الفوقي" ويتعلموا كيف يخاطبون مجتمعاتهم على اختلاف تنوعها.
أريد أن يعلم الشباب أن نقل مجتمع من وضع إلى آخر، يوازي نقل جبل من مكانه، وأن الأمة التي أمضت قرونا ـ وهي تبتعد عن دين الله ـ فلن تعود بيوم وليلة، ولا بخطبة حماسية، ولا بتكفير الناس حكاما ومحكومين.
وأخيرا هناك قوى كبرى لا تريد الإسلام، ولا ترضى أن نتمسك به، وهي
متحالفة مع قوى في الداخل، ويسرها جدا تنطع بعض شبابنا، وإطلاق بعض التشنجات، كي تستعمل ذلك في التخويف. منذ أيام رأيت مستشرقا فرنسيا
على شاشة فضائية عربية، يسأل: لماذا هذه الحرب على الإسلام، ومن خلفها؟
قال الرجل: خلفها ثلاث جهات؛ هي: الحكومات الغربية، الإعلام الغربي،
والجماعات المتطرفة، ثم شرح ما يعنيه؛ فقال: إن الإعلام يترك المعتدلين، ويتوجه
لهؤلاء المتطرفين، يستفزهم ليستخرج منهم تصريحات متشنجة، ثم ينشرها
ليخوف العالم بها.
ومثل هذا " بالضبط" حصل أيام السادات؛ إذ جمع كل أعداء الإسلام، وعلى رأسهم ممثل لإسرائيل وأمريكا، ليستشيرهم في حربه للإسلام، والإسلاميين،
فكان مما أشاروا: السماح لبعض الشباب بجمع قطع من السلاح، ثم ضبطها
وإحالتهم للمحاكم، واستفزازهم للحصول على تصريحات سيئة، ثم نشرها في الصحف، فإذا أضيف لكل ذلك تحريف ما يقال والتلاعب به، علمنا كيف
يحارب الإسلام، وما خفي أكبر وأعظم.
إن تكفير الناس حكاما ومحكومين: لن يخدم الإسلام في شيء، ومن قبل
قامت الكنيسة الكاثوليكية بتكفير كل من خالفها ـ بالحق والباطل ـ فاضطرت لإقامة "محاكم التفتيش " وهي أسوأ محاكم عرفها العالم، وعلى منوالها تجري بعض المحاكم العربية، لتحكم ـ السنين ـ بقوانين الطوارئ " القرقوشية".
ويقدر من عرض على محاكم التفتيش بأكثر من 350 ألف إنسان، بينهم الكثير من مسلمي الأندلس، وقد حكم على أكثر من 150 ألف بالموت، بعضهم عن طرق الحرق أحياء، ولكن النتيجة كانت فاجعة للكنيسة، حيث ألحد العلماء، ورفعوا شعار " المتدين لا يكون عالما، والعالم لا يكون متدينا" وهكذا ساقوا شعوب الغرب نحو التفرق؛ ففي أمريكا اليوم أكثر من مائة كنيسة، كل واحدة تعد دينا مستقلا، ثم انزوى الدين وتحجم، فصار محصورا بين جدران الكنيسة، التي لا يزورها إلا قلة قليلة من الشيوخ والعجائز.(3/131)
إن الدين يقوم على القناعة الكاملة، والله تعالى أعلم حين قال: {لا إكراه في الدين} ولو علم أن الإكراه ينفع لم يمنعه، بل لأباحه.
فعلى الشباب أن يستوعب ذلك جيدا ولا يعيد لنا سيرة " الخوارج" مرة ثانية،
فالتجربة الأولى مرة كمرارة " الحنظل" أو أشد، وحرام أن نعيد تجارب فاشلة، وقد قال الشاعر ابن دريد:
من لم تعظه عبرا أيامه كان العمى أولى به من الهدى
من قاس ما لم يره بما رأى أعجزه نيل الدنى بله القصى
إن أمتنا تعاني من أمراض كثيرة، كثيرة تطاول عليها الزمن، فأفرزت أمراضا جديدة، فلا نضيف أمراضا أخرى، ومصائب جديدة.
لن ينفع الأمة أن يتحول شباب، في عمر الزهور إلى قضاة، يحكمون لهذا بالإسلام، ولذلك بالكفر، ليس هذا عملهم ولا ميدانهم. المطلوب من شباب الأمة أن يحمل هموما، ويعمل على الدفاع عنها، ومحاربة الفساد فيها، وليس أن يتحول إلى مجرد قضاة، يحكمون بإسلام فلان وكفر فلان.
قد يقول البعض: ومن للفساد والحكام الفاسدين المفسدين؟!
فأقول: فساد الحاكم ونفاق المنافقين لا يفلة ولا يقتله " التكفير" بل العمل الجاد الواعي، الذي يعرف قوانين " اللعبة" ويجيد قواعد التغيير والتحالف، ويعمل على جمع الأمة حوله، والعمل بدأب وعدم استعجال.
أقول هذا وأنا أعلم جيدا أن الحاكم الفاسد يشد أزره طبقة من المثقفين المنافقين، وتأتيه
النصائح والخبرات من وراء البحر، كما يأتيه الدعم من هناك وكم من حاكم في البلاد
العربية والإفريقية والآسيوية، ليس له من مقومات الحكم قليل أو كثير، لكنه باق بفضل الملايين التي تدفع له ولحكومته، والنصائح الغالية والخبرات العالية التي تقدم له.
لقد صار من قوانين عالم اليوم: " اخدم اليهود، وامدح إسرائيل، وتحالف مع أمريكا، وسب واشتم الإرهاب يوميا، والمطالبين بتطبيق الإسلام، ثم افعل ما شئت فأنت باق" هذه قوانين عالم اليوم ـ ولو في نظري المتواضع ـ فهل يستوعب ذلك الشباب أم يخترعون واقعا، ويرسمون حلولا، فتكون كمن يعالج " الإيدز" بحبة "بنادول"؟!!!!(3/132)
القرآن الكريم ومنزلته بين السلف ومخالفيهم
Oمحمد هشام أهري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار التوحيد للنشر - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
قرآن - فضائله وخصائصه وآداب أهله
الخاتمة
وأذكر فيها أهم النتائج التي توصلت إليها في البحث، وبعض التوصيات:
بعد حمد الله عز وجل والثناء عليه بما هو أهله، فإني أسأله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العلم _ كما سهله علي _ خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجعلني من الذابين عن كتابه المبين، وكلامه المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل الأمين عليه السلام.
وبعد البحث والعناء والجهد والعطاء، يسر الله عز وجل إتمام هذا الموضوع، وقد توصلت من خلاله إلى أمور كانت عندي من المسلمات _ إما اتباعًا أو تقليدًا _ ثم أصبحت عندي من اليقينيات _ دلالة وترجيحًا _ وخلاصة نتائج البحث ما يأتي:
1 - القرآن كلام الله عز وجل غير مخلوق فمنه بدأ وإليه يعود بدلالة الكتاب والسنة.
2 - تكلم الله عز وجل بالقرآن فمنه بدأ وإليه يعود بدلالة الكتاب والسنة.
3 - إن الله عز وجل يتكلم متى شاء إذا شاء مع من شاء.
4 - الكلام من صفات الذات باعتبار وصف الله عز وجل به أزلاً، وهو صفة فعل باعتبار آحاده.
5 - كلام الله عز وجل لا يشبه كلام المخلوقين.
6 - القرآن منزل على محمد صلى الله عليه وسلم بواسطة جبريل بالوحي الجلي بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة.
7 - من عقيدة أهل السنة أن جبريل سمع القرآن من الله عز وجل، والأدلة على ذلك كثيرة.
8 - أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا، وأنزل على محمد صلى الله عليه وسلم منجمًا، ولا تنافي بين النزولين.
9 - نزل القرآن من الله عز وجل حقيقة، والنزول حقيقي، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
10 - يتعبد بالقرآن الكريم كما أنزله الرحمن الرحيم بصور مختلفة كما جاءت في السنة، ومن ذلك قراءته وتدبره، والعمل به والتحاكم إليه، والتداوي به، وجعله سببًا لدفع الشرور، وهذه من المقاصد العظيمة التي من أجلها نزل القرآن الكريم.
11 - القرآن الكريم هو الموجود في المصحف، وهو كما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم لم يتغير ولم يتبدل، وإن القراءات الموجودة الموافقة تصح القراءة بها.
12 - أن أسماء القرآن الكريم كثيرة، ومما يدل على كثرة أوصافه، وجميل خصاله، وعظيم نفعه.
13 - أن للقرآن ذكرا في كتب الأولين، كما أن لمحمد صلى الله عليه وسلم ذكرا في كتب الأولين، ولا يعني ذلك كونه هو المنزل من قبل.
14 - ما يخالف المصحف من القراءات لا تجوز القراءة بها، ولا الصلاة به، والقراءة سنة متبعة.
15 - القرآن كلام الله عز وجل فهو صفة من صفاته، ويجوز الحلف بصفة من صفات الله سبحانه وتعالى.
16 - الترجمة اللفظية الحرفية غير جائزة، ولا واقعة، والترجمة التفسيرية هي المطلوبة، وكلا الأمرين لا يعدان قرآنًا، وإنما يعدان تفسيرًا للقرآن بلغة أخرى.
17 - التفسير تبيين لكلام الله عز وجل ولا يعني ذلك أنه عين المفسر.
18 - وجوب تعظيم المصحف، كما دل على ذلك الكتاب والسنة ومنهج سلف الأمة.
19 - أن القرآن الكريم آية لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وأنه دل على الإعجاز بمختلف الدلالات.
20 - أن المخالفين للسلف الصالحين مختلفون فيما بينهم في حقيقة القرآن الكريم ومصدريته، وجميع أقوالهم باطلة بدلالة الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.
21 - القول بالفيض من الأقوال الباطلة في القرآن، وهو يعني حقيقة إنكار الوحي ولكن بطريقة خفية.
22 - القول بأن القرآن يحل في المخلوقين عند قراءة العبد له، قول للحلولية، وأخطأ فيه بعض العلماء.
23 - القول بخلق القرآن قول شؤم لا دليل عليه، ولا أثارة من علم.(3/133)
24 - زعم بعض أهل الكلام التوسط بين قول المعتزلة وقول أهل السنة، فقالوا: بالعبارة والحكاية!! من غير دليل ولا أثر.
25 - القول بأزلية القرآن يرده صريح كلام الرحمن.
26 - التوقف في مسألة القرآن طريقة بدعية.
27 - مسألة اللفظ في القرآن من المسائل الجهمية التي فرقت السلفية.
28 - اختلف المخالفون في نزول القرآن الكريم بناء على اختلافهم في علو رب العالمين، وأنكروا سماع جبريل القرآن من الله العظيم.
29 - اختلف المخالفين في التعبد بالقرآن، سواء في قراءته أو في التبرك به.
30 - تفرق أهل البدع في بيان إعجاز القرآن الكريم؛ فمنهم من ظنه في المعنى، ومنهم من ظنه في اللفظ، ومنهم من ظنه في الأخبار، ومنهم من ظنه في التشريعات، وأهل السنة قالوا بجميع ذلك على الوجه الصحيح.
31 - السلف الصالح هم الذين عرفوا حقيقة القرآن الكريم، وأنه كلام رب العالمين، ولذلك كان لهم الحظ الوافر في تعظيمه وبيان فضله، واعتقاد أنه أعظم كتاب على وجه البسيطة.
32 - بناء على الأدلة الشرعية قال السلف بتفاضل آيات وسور القرآن الكريم بعضها على بعض.
33 - السلف أعظم الناس تعظيمًا للقرآن الكريم، ولذلك حذروا من الاستهزاء به.
34 - تبرك السلف بالقرآن الكريم على ما ورد عن النبي الكريم، من دون ابتداع، ولكن باتباع.
35 - أن للقرآن الكريم خصائص عظيمة.
36 - طريقة أهل السنة في فهم القرآن الكريم هو أنهم يعتقدون أنه يُستغنى به عن غيره من الكتب مع السنة الشارحة له، ويرون التلازم بين القرآن والسنة، ويحملون النصوص الشرعية على الحقائق المرعية، والظواهر اللفظية مع اعتقاد معانيها السنية، مستعينين بفهم السلف الصالح في ذلك كله.
37 - السلف الصالح يرون أن القرآن الكريم كتاب عظيم، ولذلك يرون أنه أعظم حجة في جميع أبواب الدين، وأن براهينه أدل البراهين، وأنه مصدر التشريع، وأنه ناسخ للكتب السماوية فضلاً عن غيرها من كتب البرية، وأنه محكم لا ينسخ بعد موت سيد البشرية محمد صلى الله عليه وسلم.
38 - اهتم السلف بالقرآن الكريم تعظيمًا له وتبجيلاً، ومن ذلك عنايتهم بكتابته، وحفظه، والاهتمام بعلومه، ونشره، وينهون عن المراء والتكلف فيه.
39 - أن المخالفين للسلف ومنهم الفلاسفة لا يعظمون القرآن حقيقة، ولا يصدرون عنه.
40 - أن الصوفية لما قالوا بالظاهر والباطن، والحقيقة والشريعة، نظروا إلى ألفاظ القرآن فأولوها على ما رأو من الباطن، ولم يلتفتوا إلى فهم السلف، ولذلك أصبح تعظيم القرآن عندهم رسمًا، ولا يصدرون عن القرآن الكريم حقًا.
41 - الرافضة الغوية يعتقدون على اختلاف مللهم تحريف القرآن الكريم، متقدموهم ومتأخروهم، ولهذا لم يعظموا القرآن الكريم، ولم يعتمدوا عليه في باب العقائد على وجه الخصوص.
42 - الباطنية نحل شتى، وفرق تترى، وهم لا يعتقدون انقطاع الوحي، ومنهم من يعتقد بأن القرآن منسوخ، وأنه شريعة العرب، ويحرفون نصوص القرآن، ويستهينون بالقرآن الكريم، ولا يعتمدون عليه، ويفضلون كتبهم عليه، ويحفظون كتبهم دون القرآن الكريم.
43 - أهل الكلام بمختلف طوائفهم لم يعطوا القرآن حق قدره، ويتبين ذلك من خلال أمور: منها عدم تعظيمهم كما ينبغي، وعدم الاعتماد عليه في باب الاعتقاد، وعدم حفظهم له.
44 - أن لكل قوم وارثًا، وقد وجد المعتزلة وأهل الكلام وارث يدعون الناس إلى تعظيم العقل، وإنكار ما خالف عقولهم ولو كان قرآنًا فيأولونه، أو سنة فيردونها، ومن هؤلاء قوم أنكروا السنة بالكلية، وانتسبوا إلى القرآن زورًا.
45 - وبعد بيان موجز وخلاصة البحث، فإنه من خلال بحثي كانت المسائل تمر علي؛ فأرى أن أبينها في هذه الخاتمة لعلها تجد آذانًا صاغية وأفكارا نيرة، وهي:(3/134)
1 - إن موضوع أسماء القرآن الكريم مهم، وجدير بأن يبحث فيه طالب العلم، لما لهذه الأسماء من دلالات على القرآن الكريم، ولهذا أرى أن يكتب فيه بحث بعنوان "أسماء القرآن الكريم، وأوصافه، والدلالات العقدية فيها".
2 - إن احترام القرآن الكريم أمر مهم اهتم به الأولون، وسار على دربهم المتبعون، وخلف من بعدهم خلوف، تركوا توقير الكتاب، كما جاء عن الوهاب، وزعموا أنهم يحترمونه ولكن بالبدع والخرافات، ولو كتب موضوع حول "ما يخالف توقير الكتاب العزيز" لكان بحثًا مهما جدا.
3 - إن موضوع الآيات سواء الآيات القرآنية، أو الآيات الكونية لجديرة بالاهتمام من قبل الباحثين، فلو كتب موضوع حول "الآيات الدالة على نبوة الأنبياء من خلال نصوص القرآن الكريم" لكان بحثًا قيمًا _ إن شاء الله _.
4 - تبين مما سبق _ ولو إشارة _ شدة التلازم بين الكتاب والسنة، وإني من هذا المنطلق أحث الباحثين على كتابة موضوع، حول التلازم بين الكتاب والسنة، من حيث الأدلة على ذلك، والأمثلة عليها من باب العقائد والعبادات والمعاملات، وهو بحث جدير بالاهتمام، وخصوصًا في هذا الزمان، مع وجود أعداء السنة.
5 - الأدلة القرآنية فيها الحجج القطعية في المسائل العقدية، ومن جملة ذلك دلالتها على الخالق جل جلاله، وقد دل أكثر من (500) آية في القرآن على صفة الخالقية لله سبحانه وتعالى، ولو بحث هذا لكان جديرًا.
6 - أن الروافض خالفوا في الاعتقاد في القرآن الكريم، وفي العمل به، بل وحتى في العقيدة، ولو ألف مؤلف مستقل في مخالفة الرافضة لنصوص القرآن الكريم الصريحة لكان بحثًا جديرًا بالاهتمام.
7 - وأرجو الله الملك إذ وفقني لخدمة كتابه، أن يجعلني مباركًا أين ما كنت، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا وإخواننا المسلمين ببركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم نفع هذا لجميع إخواني المسلمين، ,أن يجعلهم مباركين بعملهم بالقرآن الكريم، وسنة نبيه الكريم، إنه قريب مجيب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.(3/135)
القراءات وأثرها في التفسير والأحكام
Oمحمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الهجرة - الثقبة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
قرآن - قراءته ومشكله وغريبه ولغاته وإعرابه
الخاتمة
تتضمن الخاتمة أهم النتائج التي توصل إليها البحث، مع جملة من المقترحات التي يوصي بها الباحث.
وتتلخص أهم النتائج التي توصل إليها البحث فيما يلي:
1 – بيان معنى نزول القرآن العظيم، وأن الاستعمال الشرعي لكلمة نزول لم يخرج بها عن حقيقتها اللغوية، وأن القول فيه كالقول في سائر الغيوب، والصفات الإلهية.
2 – بيان أن للقرآن العظيم بعد إثباته في اللوح المحفوظ، وجود ونزولين، وجود في اللوح المحفوظ، ونزول في بيت العزة في السماء الدنيا، ونزول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم منجما مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة.
3 – تقرير تكرار نزول القرآن العظيم، والتدليل عليه مع بيان حكمته.
4 – المصحف العثماني يشتمل على الحرف الذي جمع عثمان رضي الله عنه الناس عليه، وعلى ما يوافق رسمه من سائر الأحرف السبعة.
5 – تحديد زمن جمع عثمان رضي الله عنه للمصحف الشريف.
6 – بيان أن رسم المصحف العثماني يشتمل على الحرف الذي جمع عثمان رضي الله عنه الناس عليه، وعلى ما يوافق رسمه من سائر الأحرف السبعة.
7 – أن التمييز بين القراءات التي تعود إلى الحرف الذي جمع عثمان رضي الله عنه الناس عليه وبين ما يوافقه من سائر الأحرف إنما هو بالنقل؛ فذاك الحرف خطي بالتواتر في النقل، وما وافقه نقل على غير طريق التواتر، لكن توفرت له شروط القبول من موافقة الرسم والعربية وصحة النقل وتلقاه العلماء بالقبول.
8 – تقرير أن القراءات سنة متبعة، تؤخذ عن طريق التلقي والرواية، وليست رأيا ودراية.
9 – بيان أقسام القراءات من جهة النقل، ومن جهة القبول، مع بيان الفرق بين القرآن والقراءة والرواية والطريق والوجه.
10 – تقرير أن القراءات لا تنحصر في السبع أو في العشر، إنما هذا هو المشهور في العصور المتأخرة، أما في الأعصار الأول فهذا العدد قل من كثر، ونزر من بحر.
11 – تقرير أن التلقي بالقبول مع موافقة الرسم والعربية وصحة السند يفيد العلم ويقوم مقام التواتر في ثبوت القراءة.
12 – بيان أنواع الاختلاف الواقع بين القراءات، وفوائد تعدد القراءات.
13 – بيان أن التصنيف في القراءات وما يتعلق بها لم ينقطع في عصر من الأعصار وأنه مستمر ولله الحمد إلى زمننا هذا.
14 – بيان أن موقف بعض النحاة من بعض القراءات لم يقم على أساس عدم الاعتداد بالقراءة أو عدم الاحتجاج بها، إنما كان نتيجة لأحد أمرين:
إما لعدم ثبوت القراءة لديهم، ثبوت الحجة.
وإما لقيام مانع – بحسب اجتهادهم – منعهم من الأخذ بها وهم في اجتهادهم مأجورون أجراً واحداً.
15 – رد الشبه التي جاء بها المستشرقون بالنسبة لاختلاف القراءات ولرسمها، وأنها في حقيقتها تطوير للشبه القديمة التي جاء بها المبطلون وردها عليها أهل العلم.
16 – تأكيد أن القراءات جميعها حق، واختلافها حق، لا تضاد فيه، ولا تناقض، لأنه اختلاف تنوع، والاختلاف الذي نفاه الله عز وجل عن القرآن العظيم هو اختلاف التضاد والتناقض، وهذا لا يوجد في الشرع بله في القرآن العظيم، ولله الحمد والمنة.
17 – بيان منزلة القراءات من التفسير، وأنها تارة تكون من باب تفسير القرآن بالقرآن، وتارة تكون من باب تفسير القرآن بالسنة أو بقول الصحابي.
18 – بيان أن تنوع القراءات من جهة أثره في التفسير على قسمين:
الأول: قراءات لها أثر في تفسير الآية وبيان معناه.
الثاني: قراءات لا أثر لها في تفسير الآية ومعناها، وإنما هو أمور ترجع إلى اللغة نحواً، وصرفاً ونحو ذلك.
19 – تقرير أن الاهتمام بأثر القراءات في التفسير كان منذ عهد الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين.
20 – حصر الآيات الكريمة الذي أنتج تنوع القراءات فيها أثراً في معناها وتفسيرها من قبيل الجهات التالية:
أ – القراءات التي بينت معنى الآية.
ب - القراءات التي وسعت معنى الآية.
ت – القراءات التي أزالت الإشكال عن معنى الآية.
ث - القراءات التي خصصت عموم الآية.
ج - القراءات التي قيدت مطلق الآية.
ح - القراءات التي بينت إجمال الآية.
21 – ثم أوردت الآيات الذي أنتج تنوع القراءات فيها تنوعاً في الأسلوب، دون كبير أثر في معنى الآية وتفسيرها.
22 – تقرير أن تعدد القراءات هو ضرب من الإعجاز القرآني، لا يستطيع أن يأتي به بشر قط من عنده، ثم لا يستطيع أن يبلغه على هذا الوجه الشامل إلا رسول من عند الله حقاً، لذلك لم يحط بعد ذلك إمام واحد بكل القراءات.(3/136)
المحرر في أسباب نزول القرآن (من خلال الكتب التسعة)
Oخالد بن سليمان المزيني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
قرآن - أسباب نزوله وترتيبه
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
فلقد عشت سنوات عديدة مع هذا البحث، أقلب مسائله، وأعالج إشكالاته وأحل غوامضه فظهر لي نتائج أبرزها ما يلي:
• أني لم أجد تعريفا علميا دقيقا لأسباب النزول، يوضح مصطلحه ويدل على معناه، وإن ظهرت بعض التعريفات لأنها لا تدل مباشرة على معناه ولعل ذلك يعود إلى عدم تتبع النصوص – أسباب النزول – واستقرائها على نحو عميق، فوضعت تعريفا جامعا لها أخرجته من رحم النصوص.
• أن قواعد السبب وأركانه التي يقوم عليها أربعة:
1. الحدث الجديد فلا بد من تصور أمر جديد قد وقع، سواء أكان قولا أم فعلا، ولا بد أن يكون الوقوع بعد البعثة، فإن كان قبل البعثة كان نزول القرآن وحديثه عنه من باب إبطال ما كان يفعله أهل الجاهلية ويعتادونه، لا من باب أسباب النزول.
2. الموافقة بين لفظي الآية النازلة، والسبب الذي نزلت لأجله، وهذا بدوره يقتضي اتفاقهما في المعاني.
3. مراعاة التاريخ بين السبب والنزول، فلا بد أن يكون قبل الهجرة معا أو بعدها معا، وكذا لا بد أن يكون في أوائل البعثة معا أو قرب الهجرة معا، أو في أوائل الهجرة معا أو في أواخرها معا.
4. سياق الآيات التي تسبق موضع النزول وتتبعه، فلا يصح أن يخالف سبب النزول في موضوعه وخطابه.
فهذه القواعد والأركان حتمية في أسباب النزول قبولا وردا.
• أن صحة سند الحديث، وذكر النزول فيه، لا تعني القطع والجزم بأنها سبب النزول، لكنهما قويتان يستدل بهما على السببيه عند انضمامهما للأركان الأربعة السابقة. أما إذا كان انفراد بالحديث فليس سببا للنزول.
• أني لم أجد لأسباب النزول صيغة محددة فضلا عن كونها صريحة وغير صريحة وقد تتبعت الأسباب وبينت بالدليل ضعف هذا التقسيم، غاية الأمر وجود مادة النزول وبصيغ شتى.
• أني لم أجد شيئا من كتاب الله قد تكرر نزوله, وما ذكره بعض العلماء من الأمثلة في هذا لا يثبت عند المناقشة العلمية, ولعل الذي حملهم على القول بهذا أن أسباب النزول لم تنل حظها من التحقيق والتدقيق رواية ودراية.
• أن العلماء ذكروا أن السلف حين يطلقون النزول قد يريدون به شمول لفظ الآية لهذه الصورة الحادثة , وقد تحققت من هذا وبينته بالمثال , وأن قولهم نزلت في كذا تارة يراد به النزول المصطلح عليه، وتارة يراد به دخول الصورة تحت لفظ الآية.
• أن عددا من الأحاديث التي أدخلت في أسباب النزول تعود في أحد عواملها إلى الالتباس في التعبير عن أسباب النزول، فتارة يعبر عن قوله فتلا بأنزل وتارة يعبر عن التفسير بأنزل، ولا ريب أن هذا قد أوقع إشكالات كثيرة في تحديد أسباب النزول.
• أني لم أجد ضوابط منصوصة عند العلماء في شأن الترجيح بين أسباب النزول بخصوصها , فاستفدت من قواعد الترجيح عندهم بين الأحاديث عامة , وأعملتها في هذا الباب باعتبار أن الجميع أحاديث.
• أن العلم بقواعد الشرعية، ومصطلحاتها الشرعية، والهدي النبوي، وهدي الصحابة – رضي الله عنهم – يفيد كثيرا في تحديد الصواب من الخطأ في الأسباب.
• أن حاجة أسباب النزول إلى التحقيق والتحرير ماسة جدا , فجميع من ألف في أسباب النزول كان جهدهم منصبا على جمع الروايات، دون دراستها دراسة تطبيقية باستثناء جهد يسير، وفي أسباب معدودة، وهذا بلا ريب نقص كبير أدى لبقاء هذه المؤلفات محلا للشك، وعدم الثقة.(3/137)
• بعد قراءتي لمصادر البحث – الكتب التسعة – استخرجت منها مائتين وخمسين حديثا تقريبا في أسباب النزول. ثم قسمت هذه الأحاديث على مواضع آيات القرآن الكريم فخرج منها مائتا موضع.
منها ثمانية وستون موضعا ترجح لدي أنها ليست أسباب نزول لأسباب مختلفة فبقي للنزول مائة واثنان وثلاثون حديثا (132).
منها ثمانية وعشرون حديثا ضعيفا، ثلاثة عشر حديثا مرسلا، وخمسة عشر حديثا موصولا، لكن في بعض رواتها كلام.
وسأضع أرقام هذه الأحاديث في جدول مستقل بعد الخاتمة
المقترحات والتوصيات
من خلال معايشتي الطويلة للبحث في أسباب النزول تبين لي أن الموجود في الكتب التسعة لا يشكل إلا جزء يسيرا منها، وإذا كانت أسئلة القرآن بضعة عشر سؤالا فأنا لم أجد منها ضمن بحثي إلا السؤال عن الحيض فقط. وكتب التفسير بالمأثور كتفسير الطبري، وابن كثير يحتوي من الأسباب خيرا كثيرا.
لذا فإني أقترح توجيه الجهد إلى العناية بدراسة أسباب النزول الواردة في كتب التفسير، خصوصا التي تعتني بالمأثور على أني أحبذ لمن رام خوض هذا البحر أن يتوفر فيه القدرة العلمية على دراسة الأسانيد، والحكم على الأحاديث، وكذا الملكة العلمية التي تمكنه من التحليل والمناقشة والاستنباط، والمعين.
وفي الختام فإني أسأل الله تعالى أن ينفع بهذا الجهد كاتبه وقارئه وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم، ثقيلا في ميزان الفقير إلى الله , وأن لا يجعل لأحد فيه حظا أو نصيبا، وصلى الله وسلم على البشير النذير والسراج المنير، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، ومن اهتدى بهديهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين.(3/138)
الناسخ والمنسوخ في كتاب الله عز وجل واختلاف العلماء في ذلك
Oأحمد بن محمد بن إسماعيل النحاس
المحقق/ المترجم:
سليمان بن إبراهيم اللاحم
الناشر:
مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
ناسخ ومنسوخ
الخاتمة
الحمد لله الذي بمنه تتم الصالحات، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف رسله نبينا محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلم تسليماً كثيراً.
وبعد:
فإنني لأتوجه إلى الله العلي القدير بالشكر والثناء على أن وفقني للانتهاء من دراسة وتحقيق كتاب "الناسخ والمنسوخ" لأبي جعفر النحاس ـ رحمة الله عليه ـ.
ولقد جنيت بفضل الله وتوفيقه من هذا العلم أطيب الثمار من خلال دراسة هذا الكتاب وتحقيقه، مما دفعني إلى قراءة كثير من كتب التفسير وعلوم القرآن والحديث وعلومه والفقه وأصوله واللغة وعلومها وكتب الرجال والتاريخ والسير وغيرها، مطبوعها ومخطوطها.
وقد صرفت جميع وقتي منذ أن سجلت هذا الموضوع في العمل في هذا الكتاب، ولم أدخر وسعاً من أجل خدمته وخدمة القارئ، فقدمت دراسة وافية عن عصر المؤلف وحياته وطلبه العلم ومكانته العلمية وشيوخه وتلاميذه مؤلفاته وآثاره العلمية، وأتبعت ذلك بدراسة للكتاب بينت فيها المصادر التي اعتمد عليها المؤلف في هذا الكتاب وطريقة استفادته منها، ومنهجه في هذا الكتاب، وقيمته العلمية وما له من مزايا ومميزات، ومدى استفادة من جاء من العلماء بعد المؤلف من هذا الكتاب.
كما قدمت دراسة لمنهج كل من مكي بن أبي طالب في كتابه "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" وابن الجوزي في كتابه "نواسخ القرآن" وتوصلت من خلال المقارنة بين هذه الكتب الثلاثة إلى أنها تأتي في مقدمة كتب الناسخ والمنسوخ، وأن كتاب أبي جعفر النحاس يأتي في الدرجة الأولى من بينها من حيث قيمته العلمية، بل إنه يحتل الدرجة الأولى بين عامة كتب الناسخ والمنسوخ مما ألف قبله وبعده ـ فيما أعلم ـ.
كما ذكرت في مقدمة قسم التحقيق وصفاً لنسخ الكتاب مخطوطها ومطبوعها وصحة تسمية الكتاب ونسبته إلى المؤلف.
وحيث اشتمل الكتاب على ما يزيد على تسعمائة ما بين حديث وأثر وعلى أكثر من ضعفي ذلك من الأقوال المنسوبة للصحابة والتابعين مما لم يذكر المؤلف نصها مثل أن يذكر قولاً ثم يقول: وممن قال به ابن عباس وابن مسعود .. من الصحابة، وسعيد بن المسيب ومجاهد وفلان ... من التابعين ومن الأقوال غير المنسوبة، فقد التزمت بتخريج ذلك كله ما استطعت إلى ذلك سبيلاً، وقد أحسست بثقل هذا المنهج أثناء عملي في الكتاب إلا أنني آثرت المضي فيه خدمة للكتاب.
كما اشتمل الكتاب ـ أيضاً ـ على نقول ومناقشات وآراء كثيرة جداً ليست في الناسخ والمنسوخ فحسب بل في التفسير والحديث والفقه والأصول واللغة والتاريخ وغير ذلك، وقد قمت بتوثيق هذه النقول وتحقيقها والتعليق على ما تدعو الحاجة للتعليق عليه بحسب الاستطاعة.
كما قمت بالترجمة والتعريف بجميع أعلام الكتاب بما في ذلك رجال الأسانيد الذي بلغ عددهم نحو ألف علم، وعرَّفت بما يحتاج إلى تعريف من الغريب والقبائل والأماكن وغير ذلك.
وإتماماً للفائدة رأيت أن أضع جدولاً يحتوي على الأحكام والآيات الناسخة والمنسوخة في القرآن الكريم حسب ما ترجح لي. وقد تبين لي من خلال دراسة هذه الآيات والتأمل في معانيها عند المفسرين من الصحابة والتابعين وغيرهم من محققي المفسرين والأصوليين والفقهاء أن الأحكام التي تحتمل النسخ لا تتجاوز تسعة أحكام فقط، وفيما يلي في هذا الجدول بيان لهذه الأحكام مع بيان الآيات المنسوخة والناسخة، وما ترجح لي في ذلك مع الإحالة إلى مواضع بسط الكلام على هذه الآيات في أماكنها من هذا الكتاب.(3/139)
تعليم تدبر القرآن الكريم أساليب عملية ومراحل منهجية
Oهاشم بن علي الأهدل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مركز الدراسات والمعلومات القرآنية بمعهد الإمام الشاطبي - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
تدبر القرآن
الخاتمة:
النتائج والتوصيات:
أولاً: النتائج:
أهم نتائج الفصل الأول:
- التدبر هو النظر في عاقبة الأمور والتفكر فيه، وتدبر القرآن تفهم معاني ألفاظه، والتفكر فيما تدل عليه آياته، وهو وسيلة مهمة في زيادة التقوى والإيمان في القلوب.
- تبين لنا من خلال هذا الكتاب ضرورة تعليم التدبر للأجيال كي يظهر في سلوكهم وأخلاقهم، ويكونوا حقاً من أهل القرآن. وعلى جميع المربين أن يبذلوا له الجهود والأوقات، وأن تستخدم الأساليب التربوية لغرسه في نفوس المتربين.
- إن التدبر يستحق أن يكون علماً منفصلاً من علوم القرآن، بل من العلوم المعاصرة التي تفرد لها المؤلفات والكتابات الخاصة، ويستحق أن تنشأ له المؤسسات التربوية، وتكون مستقلة عن غيرها من الجهات التعليمية، شأنه في ذلك شأن حلقات التحفيظ القرآنية، وهو أيضاً علم يستحق أن يطبق عليه منهج المواد الدراسية المنفصلة.
أهم نتائج الفصل الثاني:
- طرق التعلم تيسر وتفيد في تحصيل التدبر، وتعين في اكتساب أحد أشكال التعلم الثلاثة، وهذه الأشكال هي: اكتساب سلوك جديد، التخلي عن سلوك، تعديل السلوك.
- من القواعد الأساسية لتعليم التدبر ما يتعلق بطرق التدريس ما يلي: العناية بالتمهيد التربوي، مراعاة التدرج في تعليم التدبر، التحضير الجيد للدرس القرآني، استخدام أسلوب التعلم التعاوني، استخدام الوسائل التعليمية المناسبة.
- من القواعد الأساسية لتعليم التدبر ما يتعلق بالمحتوى التدريسي ما يلي: أهمية الاستعاذة للتدبر، شرح الكلمات والجمل والآيات، ربط أحكام التجويد بالمعاني، الموعظة والتحذير من الذنوب الصارفة عن التدبر، إدراج حصة التدبر في الدرس القرآني، التربية على شكر نعمة التدبر.
أهم نتائج الفصل الثالث:
- من القضايا التعليمية المهمة تعليم الاستماع والإنصات لتدبر القرآن، وتضمن الكتاب التأكيد على مهارة الاستماع وأهميتها، ووسائل تعليمها وتدريب المتعلمين عليها، وكيفية تنميتها.
- أسس الاستماع التربوي، هي: التهيؤ الذهني والنفسي قبل الاستماع، عدم انشغال المتربي بما حوله، التفكر أثناء الاستماع، الخشوع والبكاء أثناء الاستماع، التفاعل الحسي والمعنوي.
- من آثار الاستماع التربوي للقرآن: الفهم الصحيح، والثواب الجزيل، وتحصيل الهدى والبركة والرحمة.
- من وسائل تربية ملكة الاستماع لدى المتعلمين: مراعاة المتعلم لأسس الاستماع، تعويد الطلاب على جلسات الاستماع من الآخرين، استثمار بعض أوقات الفراغ، المناقشة والمحاورة بعد الاستماع.
أهم نتائج الفصل الرابع:
- تعليم التدبر وتدريسه ينقسم إلى ثلاثة مراحل: التهيئة القلبية، ومرحلة الممارسة العملية، ومرحلة التدبر المتقن، وتختلف هذه المراحل حسب مراحل النضج التعليمية والتربوي للمتعلمين.
- تشمل مرحلة التهيئة القلبية ما يلي: تعريف المتربين بمفهوم تدبر القرآن وأهميته، الترغيب في التدبر، التشجيع والتحفيز التربوي على التدبر، الترهيب من ترك التدبر، التعويد على الترتيل والتغني بالقرآن وتحسين الصوت به، عرض القصص القرآني بأسلوب ميسر، إلزام الطلاب بمصحف المتدبرين، والرحلات والبرامج الترويحية الهادفة المعينة على التدبر.(3/140)
- تشمل مرحلة الممارسة العملية ما يلي: استخدام أسلوب التكرار، استخدام أسلوب ضرب الأمثال، التعريف بأسماء الله الحسنى، ربط الآيات القرآنية بالسيرة النبوية، الترغيب في قيام الليل، إبراز القدوات والنماذج (للمتدبرين)، استثمار الأحداث والمناسبات، تعريف المتعلمين بكيفية التدبر وأحواله.
- تشمل مرحلة التدبر المتقن ما يلي: تعليم قواعد التفسير، تعليم حسن الابتداء والوقف، التوجيه للتعمق في علوم اللغة العربية، القدرة على استخراج الحكم والاستنباطات، التربية على نشر مفهوم التدبر والعلوم المستنبطة منه، تعليم مهارات التفكير.
أهم نتائج الفصل الخامس:
- يعد مفهوم التعلم الذاتي من أساليب اكتساب مهارة التدبر، وعلى المربي أن يوجه طلابه لهذا المفهوم.
- الطرق الذاتية التي يستخدمها المتربي مع نفسه ليكون ممن يتدبر كتاب الله الكريم ما يلي: الإخلاص، الاستعداد النفسي للتدبر، الدعاء بأن يرزقه الله التدبر، مراقبة الإنسان لنفسه، ومحاسبتها أثناء القراءة، تعويد النفس على التأني في قراءة القرآن وعدم العجلة، اعتبار الفرد أنه المقصود (وليس غيره) بكل خطاب في القرآن، ملازمة الورد القرآني.
ثانياً: التوصيات:
- من المناسب وضع مفردات تفصيلية خاصة لكل مرحلة، تصلح منهجاً متبعاً يأخذ منه معلم القرآن مباشرة ويطبقه مع طلابه، ويستفاد في ذلك من الوسائل المقترحة، ومن عناوين الموضوعات.
- إلقاء موضوعات هذا الكتاب على المهتمين بتربية الأجيال، ففي ثناياه تنظير علمي يعين المشرف والمربي والمعلم على وضع مفردات مناسبة للطلاب، فيختار منها ما يرى إمكانية تطبيقه، وما يظن أنه الأحوج لمن يدرسهم ويربيهم.
- عقد جلسات خاصة بين الوالد وأبنائه لتطبيق ما ورد في هذا الكتاب من أساليب تعينه في تربيتهم على تدبر كتاب الله الكريم.
- إجراء المزيد من الأبحاث والدراسات التربوية النفسية في الموضوعات التي أشير إليها، أو لم تفصل في هذا الكتاب.(3/141)
علاج القرآن الكريم للجريمة
Oعبدالله بن محمد الشنقيطي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة ابن تيمية - القاهرة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
مشاكل وحلول
خاتمة البحث
وتشمل مقارنة بين الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية، ثم بيان شمول القرآن لمصالح البشر بأمثلة منه، ثم توصيات، ونتائج البحث.
أولا: المقارنة بين الشريعة الإسلامية وبين القوانين الوضعية:
تمهيد:
من المعلوم أن القائلين بأن الشريعة الإسلامية لا تصلح للعصر الحاضر - وأن التطور الحضاري والرقي المتمثل في الاكتشافات الحديثة والمهارات الصناعية مما أنتجته المدنية الحديثة من تشطير ذرة وزرع لقلب وصعود للسماء وإيجاد آلات دقيقة تصنع في الغالب ما يصنعه الإنسان مع سرعتها وجودة عملها - لا يبنون رأيهم هذا على دراسة علمية متعمقة ولا على حجج منطقية قائمة على مقدمات يقينية صادقة في الربط بين تلك المقدمات لكون الدراسة العلمية والمنطق يقتضيان الحكم بتفوق الشريعة الإسلامية على القوانين الوضعية في جميع المجالات التي تخدم الأمن والاستقرار وتقليل الإجرام ومكافحته. وفي وضع العقوبة المناسبة لكل جرم وفي مراعاتها لظروف الجريمة والمجرم وفي سموها، ومن تدبر في واصمي الشريعة بالقصور في علاجها للجرائم وفي وضعها للقوانين المسيرة لشؤون الأمة، فإنه يرى الواصم أحد فريقين:
فريق درس القانون ولم يدرس الشريعة الإسلامية قط.
وفريق لم يدرس القانون ولا الشريعة الإسلامية.
وكلا الفريقين ليس أهلا للحكم على الشريعة لجهله أحكامها جهلا مطبقا، والجاهل بالأمر لا يصح حكمه عليه.
وفي الحقيقة أن الجاهلين للشريعة الإسلامية بنوا حكمهم عليها بعدم صلاحيتها للعصر الحاضر بقياس فاسد وليس على دراسة منظمة، لكون الشريعة قديمة، والقوانين الوضعية المستحدثة لا تمت بصلة إلى القوانين الوضعية القديمة، لأن القوانين الحديثة مبنية على نظريات محدثة واعتبارات اجتماعية وإنسانية لم تكن لها وجود في القوانين القديمة.
ويظنون أن الشريعة الإسلامية من جملة تلك القوانين القديمة، فيدمجونها في تلك القوانين زعما منهم أن الجميع سواء ولا يصلح للعصر الحاضر.
وهذا خطأ فاحش ووجه خطئهم أنهم سووا بين شيء من وضع البشر وبين شيء من وضع رب البشر. فهم في قياسهم هذا يقيسون بين أمرين مختلفين تمام الاختلاف.
وبالنظر لنشأة كل من الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية تظهر الفروق جلية بينهما.
وبذلك يتبين عدم صحة القياس بينهما لاشتراط المساواة في القياس بين المقيس والمقيس عليه.
فإذا انعدمت المساواة والتشابه فلا قياس وإن حصل قياس فهو باطل لعدم مشابهة الأصل بالفرع ولعدم وجود علة رابطة بينهما ولاختلاف الحكم.
فتبين بذلك الخلاف بين الشريعة والقانون وبعد تبيين الفروق بينهما أبين ما لكل منهما من ميزات على الآخر وأيهما أكثر حلا للمشاكل. وأعدل في أحكامه وأجمع لمصالح البشر.
أهم الميزات بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي:
الشريعة لم تأت لزمن دون زمن وقد وضعت للاستمرار والدوام وجاءت من عند الله كاملة، أما القانون الوضعي فوضع لا للاستمرار ولا للدوام وإنما وضع لزمن محدد يتغير بعد مدة لكونه وضع حسب حاجة جماعة، لذا ينشأ ضئيلا محدود الفقرات لا يسع إلا قليلا من الأحكام، ثم بعد ذلك يتطور شيئا فشيئا حتى يشمل كثيرا من أحكام الناس، ولكن بعد مدة لابد من تغييره وذلك للأمور التالية:(3/142)
أولا: كون الجماعة الواضعة له تراعي غالبا في صياغتها للقانون مصالحها الشخصية، فإذا ما تغيرت تلك الجماعة وجاءت بعدها أخرى لابد من تغيير القانون حسب مصلحة الجماعة الجدد وهكذا، بخلاف الشريعة الإسلامية فإنها لم تولد طفلة، وإنما جاءت من عند الله كاملة لا ترى في أحكامها عوجا ولا نقصا، قال الله في حقها: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِينًا} [المائدة: 3]. ولم تأت الشريعة لجماعة دون جماعة أو لدولة دون دولة أو لقوم دون قوم أو للرؤساء دون المرؤسين، وإنما جاءت من عند الله للناس كافة على اختلاف مشاربهم وتباين عاداتهم وتقاليدهم.
ثانيا: ولقصر إدراك الواضعين للقانون تظهر تناقضات في كثير من فقراته ويهمل كثيرا من الأحكام.
والذي تخيله رجال القانون ولم يستطيعوا إدراكه هو الشريعة الإسلامية، وأكبر دليل على ذلك أنك لا ترى حكما فيه نوع من العدالة والمعقولية إلا والشريعة سبقت في الحكم به والدعاء إليه ومن درس نشأة القوانين الوضعية يجدها متأثرة بالشريعة الإسلامية وبالأخص القانون الفرنسي الذي اعتمد فيه واضعه، على تبصرة الحكام لابن فرحون المالكي. وإن كانوا غيروا كثيرا من الأحكام المأخوذة من التبصرة.
ثم إن الجماعة هي التي تلون القانون بأعرافها وتقاليدها وعبادتها أما الشريعة فلم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها وإنما هي ثابتة، ومن أهم الفوارق بينهما لمن درس القانون والشريعة وتدبر في دراسته:
أ - الكمال: فالشريعة فيها جميع ما من شأنه أن يصلح العالم محببا فيه وموصوفا بأجمل صفاته وفيها جميع ما من شأنه يفسد العالم محذرا منه وموصوفا بأبشع صفاته. أما القوانين الوضعية فهي قاصرة في ذلك كله. وتتشدد في غير محل الشدة وتلين في غير محل اللين.
ب - الدوام: فنصوص الشريعة الإسلامية لا تقبل التغيير ولا التبديل، والأمثلة على ذلك كثيرة: منها نظرية المساواة {إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى} الآية. ((لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)) الحديث. وقوله تعالى {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} الآية. إلى غير ذلك من الأدلة الكثيرة المبينة أن الشريعة الإسلامية جاءت للاستمرار والدوام بخلاف القوانين الوضعية.
ج- السمو: فالشريعة في قواعدها ومبادئها أسمى من المجتمع مهما تعلم وتمدن لكون واضعها علمه محيط بكل شيء، وفيها من النظريات ما يكفل لها المستوى اللائق. بخلاف القوانين الوضعية فإنها لم توضع بهذا الشكل.
والآن وقبل الإتيان ببعض الحدود الإسلامية لأبين الحكم في تشريعها وعدل مشرعها، أقول هذا البيت، ووجه الشاهد منه مقارنة الشريعة بالقانون الوضعي:
ألم تر أن السيف ينقص قدره إذا قيل هذا السيف خير من العصا
قد يقول شخص دارس للقوانين الوضعية ومثقف ثقافة عصرية ليست مدعمة بالشريعة الإسلامية: إن استشهادك بهذا البيت ومقارنتك بين الشريعة التي أنزلت قبل أربعة عشر قرنا. وبين قوانين وضعت في عصرنا الحاضر بعد كثير من الرقي والازدهار وبعد تطور العلم وفهم كثير من ظواهر هذا الكون التي كانت تخفي علينا، لهو نوع من الجمود الفكري وعدم وعي لأحداث العصر الحاضر ومتطلباته.
والرد على هذا الاعتراض من أوجه:(3/143)
- الأمة الإسلامية تحكم بنظام لا دخل لها في شيء من تشريعاته وليس لها إلا السمع والطاعة لكون نظامها منزلا من عند الله وجعل الحكم له وقرنه بالعبادة حيث قال جل وعلا {وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا} وقال جل وعلا {وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} وقال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ} وقال جل وعلا: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللهُ} وقال تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}.
فالذي يحكم بغير ما أنزل الله، إما أن يرى أن غير الإسلام أحسن من الإسلام وهذا كفر بالله تعالى لوصفه قانون الرب بعجزه عن حل مشاكل عبيده.
وإما أنه عاجز عن تطبيق الشريعة وهذه لن تكون خصوصا في حكام دهرنا لكونهم يقتلون كل من خالفهم، فتبين أن إعراضهم ليس لخوفهم من المعارضة، وإنما يخافون لو طبق الإسلام حقا لأخذهم الإسلام بذنوبهم فهم لمعرفتهم بالإسلام لا يستطيعون تطبيقه خوفا على مراكزهم الدنيوية وهذا ذنب عظيم وضعف إيمان حيث يفضلون دنياهم على دينهم وتقويته.
والآن أعرض لك مقارنة بين عقوبة السرقة في الإسلام والقوانين الوضعية، وكذلك عقوبة الزنا، في كل من الشريعة الإسلامية والقوانين الوضعية، وأيهما أردع للمجرم وأكثر تمشيا مع العدل والإنصاف، ومع اتجاه العقوبة إلى الجريمة حيث تقطع من قطع وتقتل من قتل .. الخ.
أما السرقة فهي معروفة وقد تقدم في فصل خاص تعريفها وشروط عقوبتها.
ولكن أبين هدي القرآن في ذلك بقوله تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} الآية. وذلك أن هذه اليد الخبيثة الخائنة التي خلقها الله لتتصرف وتكتسب في كل ما يرضيه من امتثال أوامره واجتناب نواهيه، والمشاركة في بناء المجتمع الإنساني - مدت أصابعها الخائنة إلى مال الغير لتأخذه بغير حق، واستعملت قوة البطش المودعة فيها في الخيانة والغدر، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح، يد نجسة قذرة ساعية في الإخلال بنظام المجتمع إذ لا نظام له بغير المال، فعاقبها خالقها بالقطع والإزالة، كالعضو الفاسد الذي يجر الداء لسائر البدن، فإنه يزال بالكلية إبقاء على البدن وتطهيرا له من المرض، ولذلك فإن قطع اليد يطهر السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة، مع الردع البالغ بالقطع عن السرقة، وتطهيره بذلك النبي صلى الله عليه وسلم عليه البخاري في صحيحه بقوله: " باب الحدود كفارة " ثم ساق السند إلى عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلس فقال: ((بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا)) وقرأ هذه الآية كلها ((فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا وعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه إن شاء عذبه وإن شاء غفر له)).
وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث الصحيح: ((فهو كفارة له)) نص صريح في أن الحدود تطهر المرتكبين لها من الذنب.
فإن قيل: أخرج الشيخان في صحيحيهما وأصحاب السنن من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم.
وفي رواية أخرى في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقطع في ربع دينار فصاعدا.
والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدا، مع أنه علم من الشرع أن اليد فيها نصف الدية، ودية الذهب ألف دينار فتكون دية اليد خمسمائة دينار. فكيف تؤخذ في مقابلة ربع دينار، وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك.(3/144)
وكأن روح الإلحاد في بني آدم من قديم: {وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا}، فالمعري وغيره ممن كان يطعن فيهم كانوا يعترضون على شرع الله تعالى ومن جملة ما ذكر عن أبي العلاء المعري قوله:
يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار
وللعلماء في هذا الاعتراض أجوبة عديدة منها:
أن هذا الاعتراض ملحد كما قدمنا من أن الشرع توقيفي.
ومنها ما رد به القاضي عبد الوهاب:
عز الأمانة أغلاها وأرخصها ذل الخيانة فافهم حكمة الباري
ومن المناسب أن تلك اليد لما احتملت رذيلة السرقة وإطلاق ذلك عليها في شيء حقير كثمن المجن كان من الواضح المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل الذي تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى.
أما القوانين الوضعية فلم تستطع أن تصل إلى هذه العقوبة وهي في عقوبتها على السرقة بين إفراط وتفريط، لذلك لم تستطع مكافحة جريمة السرقة لعدم اتجاه العقوبة وبعدها عن الجريمة.
فجرائم السرقة في البلاد التي هي صانعة المدنية الحديثة لا تكاد تحصى، مع أن هناك دولا أقل رقيا ومع ذلك فقد حققت بعقوبة القطع في جريمة السرقة انعدام وجود تلك الجريمة إلا في النادر.
والمال شقيق النفس وبه قوام الحياة الدنيا فإذا ما تركت أيدي المجرمين تبطش به وتعبث لأصبح آلاف الأيدي عاطلا بدون مأوى وبدون مأكل وبدون مشرب، فرحمة بأولئك جعل على تلك الأيدي المحاولة شل حركة آلاف الأيدي القطع بشروط مخصوصة في المال والمجرم - وتطهيرا له من أدناس ذلك الذنب العظيم.
فظهر بذلك أن القطع في السرقة عقوبة ليست مجحفة، والله بين ذلك في كتابه العزيز بعد أمرنا بالقطع في السرقة، فقال: {جَزَاء بِمَا كَسَبَا} أي هذا القطع هو الذي يناسب ذلك الجرم الذي هو السرقة.
وليس بعد بيان الله من بيان: {أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ} {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} الآية.
وبعد الكلام على عقوبة السرقة وتبيين كونها مناسبة لجرم صاحبها، أنتقل إلى عقوبة الزنا.
والزاني إما أن يكون بكرا أو ثيبا ولكل عقوبته المناسبة لجرمه وقد قدمنا ذلك في الفصل الأول من الباب الثاني فلا داعي لتفصيله هنا. وإنما المقصود هو تبيين اعتراض الملحدين على هذه العقوبة ورده.
فالملحدون يقولون: إن القتل بالرجم وحشي لا يناسب الحكمة التشريعية ولا ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة التي يعامل بها الإنسان، وذلك لقصور إدراكهم عن فهم حكمه البالغة في تشريعه جل وعلا.
لكون الرجم عقوبة سماوية معقولة المعنى لأن الزاني حين ما يعمل جريمته يكون بذلك ارتكب أكبر جريمة عرفتها الإنسان، بهتك الأعراض وتقذير الحرمات والسعي في ضياع أنساب المجتمع بأسره، ومن كان كذلك نجس قذر لا يصلح للمصاحبة، فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل لدفع شره البالغ غاية الخبث والخسة وشر أمثاله عن المجتمع وتطهيره من تلك القاذورة التي ارتكبها.
وجعل جل وعلا قتله أفظع قتل، لأن جريمته أفظع جريمة، والجزاء من جنس العمل.
وتشريع الحكيم الخبير جل وعلا اشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح والجري على محاسن العادات، ولا شك أن من أقوم الطرق وأعدلها معاقبة فظيع الجناية بعظيم العقاب جزاء وفاقا.
بخلاف القوانين الوضعية فإنها لم تراع هذه القاعدة بل أهملتها في كثير من الجرائم تأثيرا لرغبات المجتمع الفاسد، وتحقيقا لشهواته.(3/145)
لذلك لا يعتبرون الزنا جريمة في حد ذاته، إلا إن حصل بغير رضا أحد الطرفين أو في بيت الزوج مثلا، وإن اعتبرته بعض القوانين الوضعية جريمة فلا يعاقبون عليها معاقبة تردع، وعدم الجزم من القوانين في مثل هذه الجرائم سبب للعالم كثيرا من الويلات والدمار من تفكك أسر وضياع شعب وتفشي الأمراض الجنسية يعلمها كل من درى عن تلك البلاد، حتى إنه في إحدى الدول الأوربية سوق لبيع اللقطاء، فيأتي الرجل أو المرأة فتشتري منه ما تشاء من الأطفال كأنه سوق غنم.
تلك نتائج المدنية الحديثة التي لم تأخذ بنظام السماء.
فالحاصل أن الشريعة الإسلامية وهي من قبل أربعة عشر قرنا لم تكن فيها ما يناقض العقل السليم والأصلح للأمة، ولم يكن في القوانين الوضعية فكرة إصلاح أو تقعيد قاعدة ذات شأن في رقي المجتمع إلا والشريعة سبقت لذلك.
والمشاهدة دليلنا، ولكن الأيدي الخائنة جادة في إبعاد المسلمين عن الإسلام لخطورة ذلك على الأعداء. وهو تمسك المسلمين بدينهم، فلو تمسكوا بنظام القرآن في جناياتهم لعمهم الأمن والرخاء ولسادوا العالم أجمع.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
ومع الأسف إنا كما قال الشاعر:
كفي حزنا أن لا مهاة لعيشنا ولا عمل يرضى به الله صالح
والآن أوان الشروع في تبيين كون القرآن شاملا لمصالح البشر.
وذلك لكون المصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة:
الأول: درء المفاسد المعروف عند الأصوليين بالضروريات.
الثاني: جلب المصالح المعروفة عند أهل الأصول بالحاجيات.
الثالث: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات المعروف عند أهل الأصول التحسينيات والتتميميات.
وكل هذه الأمور الثلاثة هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق ...
فالأولى من المصالح: هي المحافظة على الجواهر الستة التي هي الدين والنفس والعقل والعرض والنسب والمال.
فجعل من بدل دينه يقتل ومن قتل يقتل ومن تعرض للعقل بإزالته يحد أو ببعض منه بقدره وعلى النسب والعرض الحد المناسب وعلى السرقة كذلك وكل في الآيات.
والثانية وهي جلب المصالح: كقوله تعالى: {فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} وقال تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ}. وقال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ}. وقال جل وعلا: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ}.
ولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع على الوجه المشروع ليستجلب كل مصلحته من الآخر، كالبيوع والإيجارات والمساقاة والمضاربة ونحو ذلك.
والثالثة الجري على مكارم الأخلاق: قالت عائشة رضي الله عنها: أن خلقه صلى الله عليه وسلم القرآن. وقال تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ} يدل مجموع الآية وحديث عائشة أن المتصف بما في القرآن يكون في خلق عظيم وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق، فمن ذلك قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} الآية.
والله جل وعلا قال في سورة النحل: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} وقوله تعالى: {مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} على أنه القرآن لا اللوح المحفوظ.(3/146)
فالقرآن العظيم اشتمل على جميع أنواع العلوم ونبه على عجائب المخلوقات وملكوت السماوات وما قبل خلق البشر وما بعده وقصص الرسل وأممهم ودخول الجنة والنار وما فيهما، ومراحل الإنسان وأطواره، ولو تتبعنا ذلك بالتفصيل لوجدنا كل شيء مبينا في القرآن بنوع من أنواع البيان المعروفة.
وذلك إما بالنص أو بالإيماء والتنبيه أو بالمهفوم أو بغير ذلك من أنواع البيان التي تضمنها كتابه والسنة النبوية كلها دخلت في قوله تعالى: {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} والحلال كله دخل في قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ}. والحرام كله دخل في قوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}.
وعلى كل حال فالقرآن العظيم أمر المسلم بكل خير ونهاه عن كل شر فعلمه كيف يعامل أمه وأباه وكيف يعامل أعداءه وكيف يبيع ويشتري وكيف يكون الإنفاق وكيفية الأكل والشرب والتوسط في ذلك حتى أنه علمه كيف يمشي في الطريق وعلمه الصدق والشجاعة وكيف تنظم الجيوش وكيف المعاملة مع الرب جل وعلا. وكيف تكون المحاورة والإقناع وطرق ذلك بأحسن ما يكون.
قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} ثم أتبع حق الله بحق الوالدين لأنهما السبب بعد الله في إيجاده. ثم قال: {وَالَّذِينَ إذا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}. وقال تعالى: {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. وقال في حق معاملة الأعداء: {وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ}. وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. وبين أن خطره على الأمة جمعاء، وأذن بالحرب لمتعاطيه فقال تعالى: {فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ} الآية. أي ترك الربا، وقال في حق المسلم {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ثم علل لذلك بقوله تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً} الآية. إلى غير ذلك من الآيات المبينة لكل ما يصلح المجتمع ويدعو لرقيه في الدنيا والآخرة.
وعلمنا أن الإقناع بالأدلة الواضحة والبراهين الساطعة لا بالقوة والقهر. قال تعالى: {اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ} ثم بين أنه المعبود هو وحده المستحق للعبادة بالأوصاف التي وصف بها نفسه بعدها، علما بأن هذا الأمر أول أمر في القرآن الكريم، وأتبع ذلك الأمر بعد البراهين الساطعة على ألوهيته بالنهي عن الإشراك به، وأتى بين هذين الإنشاءين أعني الأمر والنهي بالبراهين الدالة على قدرته. ثم قال جل وعلا {وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا} الآية. أي إن كنتم مكذبين فيما جئتكم به على لسان نبيي فأتوا بمثله، ولم يقل: لهم إن لم تؤمنوا به فأقتلكم أو فأعذبكم بكذا، ولكن قال جل وعلا: فإن عجزتم عن الإتيان بمثله مع فصاحتكم وبلاغتكم وقدرتكم على التفنن في جميع الأساليب فأنتم ملوك ذلك.
فاعلموا أن الأمر ليس كما زعمتم وأنه من عند خالق هذا الكون وقد أوعد المكذب بالنار فاتقوا النار وصدقوا بهذا القرآن والنبي الكريم فلم يبق لكم عذر بعد هذا.(3/147)
إن في طريقة القرآن هذه لسمواً لا يفهمه إلا الذين لهم أذواق سليمة وثقافة عالية. فالقرآن دائما يخاطب أصحاب العقول النيرة والأبصار النافذة والأذواق الرفيعة. لكونه جاء من عند من أحاط علمه بكل شيء ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين. تعالى الله علوا كبيرا، فالقرآن أمره عجيب!.
ومما يدل على شمول القرآن رده في سورة الرعد على الطبائعيين أو أصحاب نظرية داروين وغيرهم ممن ينكرون أن يكون للعالم فاعل مختار، والله جل وعلا في هذه السورة يقطع عليهم جميع الطرق والأدلة التي يحتجون بها حتى يتركهم في موضع المعاند.
اعلموا أن البستان الواحد الذي حفرت فيه بئر واحدة وسقيت أشجار تلك البستان من ماء البئر المحفورة فيه تكون ثماره مختلفة في الطعم واللون فبعضها حلو لذيذ الطعم وبعضها مر خبيث الطعم لا يذاق وبعضها ثمره أحمر وبعضها ثمره أصفر.
وخوفا من أن يقول أولئك النافون: إن تلك الأرض بعضها غني بالمواد العضوية وبعضها فقير منها أو يقولوا: إن في بعض التربة ملوحة وفي بعضها الآخر عدم ملوحة، بين أن الأرض مع اختلاف الثمار واحدة.
وكذلك بين أن الماء المسقي هذا البستان به ماء واحد حتى لا يقال: إن العلة في جودة بعض الثمار عن بعض عائدة إلى اختلاف ماء السقي.
قال تعالى مبينا ذلك ومعلمنا أن ذلك دلالة واضحة للعقلاء خاصة.
{وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}. لاحظ أنه قال: متجاورات خوفا من التفريق في التربة وقال: يسقى بماء واحد خوفا أيضا من التفريق في الماء. فبين أن ذلك من قدرة الخالق وحده لا شريك له وأنه دلالة على قدرة الله لقوم يعقلون الأدلة، وأن هذا العالم لم يخلق صدفة وإنما له خالق مختار هو الذي سير أمره.
وكذلك إخباره جل وعلا في أول سورة الروم، بعد ذكر الروم وفارس أن بعض الناس سيصلون إلى علم بظواهر الحياة الدنيا، ومن الغريب في ذلك أن الزمخشري في كتابه الكشاف أعرب هذا العلم بدلا من منفي فقال: لكونه علم تعلقه بظواهر الحياة الدنيا فهو كالعلم.
ولو نظرنا في الاكتشافات الحديثة كلها لوجدناها تتبعا لظواهر الحياة الدنيا، ولا تعدو ذلك. أما ما وراء ظواهر الحياة الدنيا فلا علم لهم به ولذلك كان علمهم بدلا من منفي قال تعالى: {الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} فيعلمون الأخيرة بدل من لا يعلمون.
وهذا الإعراب في غاية الجودة والدقة عندي لما فيه من البلاغة.
وأكتفي بهذا القدر وأنتقل إلى توصيات عامة.
" التوصيات التي لاحت لي أثناء بحثي كثيرة جدا "
" وأقتصر من تلك التوصيات على ثلاث "(3/148)
الأولى: تقوى الله تعالى ومراقبته فإن ذلك أساس النجاح والفلاح للأمة والأفراد، قال تعالى: {يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ} وقال تعالى {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ} وقال تعالى {وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ} فبالتقوى تصلح الأمة وتزدهر بها شعوبها. وحقيقتها أن لا ترى حيث نهيت ولا تتخلف حيث أمرت.
الثانية: الوحدة، فالوحدة هي التي بها تتكون الأمة وتقوى والمشاهدة في ذلك دليلنا فكم من دويلات صغيرة ضعيفة أصبحت دولة تهز العالم بأسره لاتحادها واجتماع كلمتها. والولايات المتحدة ليست ببعيدة عنا، فأصبحت بالاتحاد دولة من أقوى دول العالم. ودويلات أمريكا الوسطى في غاية الضعف والخذلان لعدم اتحادها، مع أن القارة واحدة والمناخ واحد، ولكن بالوحدة قويت تلك وبالتفرقة ضعفت تلك. قال تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}. وقال تعالى {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} الآية. فتبين أن بالنزاع الفشل وذهاب القوة وبالوحدة القوة والرقي والازدهار.
الثالثة: الحذر من الابتعاث للدول الخارجية غير الإسلامية بحيث لا يترك طالب يذهب لإكمال دراسته هناك إلا بعد التأكد من فهمه للدين الإسلامي وتسليحه بالعلم الشرعي بحيث إن لم يدخل أفرادا من تلك الدول في الإسلام يبقى على الأقل متمسكا بدينه.
أما إرسال من ليست عندهم حصانة علمية ولا معرفة بالدين للخارج فهو ضياع لدينهم لكون تلك الثقافة مملوءة بالسموم المميتة للروح الإسلامية وتعاليمها.
فالحذر الحذر من إرسال الشباب غير المتعلمين للدين إلى الخارج. فإن هذا في غاية الخطورة.
وقد خلصت من خلال بحثي إلى أمور أهمها ما يأتي:
أولا: كون الجريمة: هي المعصية عند الفقهاء وأما القانون الوضعي فالجريمة فيه هي أيضا مخالفة القانون.
وأما القرآن فالجريمة فيه أكثر من ما تطلق على الكفر وقد وردت لمجرد الذنب أيضا، فالاتفاق حاصل في تعريف الجريمة، إلا أن القوانين الوضعية والشريعة الإسلامية مختلفان فيما يسمى جريمة وما لا يسمى جريمة.
ثانيا: كون المسلم لا يقتل بالكافر قودا لوجود النصوص بذلك.
ثالثا: عدم وجود أدلة صريحة في القود بين الأحرار والعبيد وبعد بحث خلصت إلى عدم القود بينهما.
رابعا: عدم القود من السكران فيما جنى حال سكره شريطة كونه فاقد العقل بالكلية.
خامسا: عدم قتل الوالد بولده إلا في حالة لا تحتمل أي لبس بأن يذبحه.
سادسا: عدم الجمع بين الجلد والرجم والاكتفاء بالرجم فقط للثيب الزاني.
سابعا: عدم قبول شهادة القاذف مطلقا ولو تاب بالقرآن الكريم.
ثامنا: كون حد الخمر أربعين فقط لثبوت الضرب عن الرسول صلى الله عليه وسلم وتحديد أبي بكر لذلك.
تاسعا: عدم القتل بالتعزير مطلقا مهما كانت الجريمة.
عاشرا: عدم جواز التعزير لغير المعاصي وتسمية ذلك أدبا لكون التعزير لا يطلق إلا على عقوبة معصية.
الحادي عشر: كون الضرب في التعزير لا يزاد فيه على عشرة أسواط.
وفي الختام أسأل الله جل وعلا أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يكون مرضيا، وأطلب من الله أن يعلمني ما جهلت ويرزقني العمل بما علمت، ومن رأى خطأ في هذا البحث فإني شاكر له أن يبين لي ذلك الخطأ لأتداركه. وعلى كل حال فلا يخلو بحث ولا كتاب من أخطاء مهما كانت جودة الكاتب. قال تعالى: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} وقال تعالى {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا}. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/149)
قواعد التفسير جمعاً ودراسة
Oخالد بن عثمان السبت
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن عفان - الخبر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
تفسير - قواعد تفسير وفهم وتدبر كتاب الله
الخاتمة
- تبين لنا من خلال هذه الدراسة أن علم القواعد من العلوم الضرورية لطالب العلم، إلا أن القواعد المتعلقة بالتفسير لم تحظ بالعناية المطلوبة، فمع سعتها، وتعدد جوانبها، لا تكاد تجد كتاباً يجمع شتاتها، ويلم أطرافها ولذا بقيت تلك القواعد منثورة في بطون الكتب، ومتفرقة فيها.
- ضم هذا الكتاب ما يقرب من ثمانين وثلاثمائة قاعدة، منها قواعد أصلية، وأخرى تبعية، تم استقراؤها من نحو خمسة وعشرين ومائتي كتاب، مقسمة على ثمانية وعشرين مقصداً.
- ليس هناك فرق يذكر من الناحية الواقعية – بين الضوابط والقواعد، إذ أن العلماء الذين يفرقون بينهما يذكرون أشياء كثيرة – هي ضوابط حسب اصطلاحهم – على أنها من القواعد وليست كذلك.
- عرفنا من خلال البحث أن هناك فرقاً بين قواعد التفسير، وبين التفسير من جهة، وبين قواعد التفسير وعلوم القرآن من جهة أخرى، وبين قواعد التفسير وقواعد الأصول واللغة من جهة ثالثة.
- ظهر جلياً من خلال البحث أن قواعد التفسير تُستمد من كتب الأصول واللغة وعلوم القرآن، إضافة إلى مؤلفات أخرى من فنون شتى.
- تطبيق القواعد في استنباط المعاني والأحكام من كلام الله عز وجل لا يعد من قبيل إعمال الرأي المذموم.
أسأل الله تعالى أن ينفع به من كتبه، أو قرأه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/150)
كليات الألفاظ في التفسير دراسة نظرية تطبيقية
Oبريك بن سعيد القرني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الجمعية العلمية السعودية للقرآن الكريم وعلومه
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
تفسير - قواعد تفسير وفهم وتدبر كتاب الله
الخاتمة
وبعد: فإني أحمد الله وأشكره أن وفق وأعان على إتمام هذه الرسالة بعد ما عشت مع كتاب الله وتفسيره، وفي رحاب هداياته وأنواره.
وهذه نتائج الرسالة وتوصيات الباحث، بها يتم عقد نظامها ويفوح مسك ختامها:
1 - أن موضوع الكليات قديم النشأة أصيل الظهور، بدأت بواكيره منذ عهد الصحابة والتابعين، حيث احتفوا بهذه الكليات التفسيرية وأكثروا من ذكرها.
وهذا نتيجة لعلمهم الواسع بمعاني التنزيل، وفهمهم الثاقب لحقائق التأويل، بل ورد في الكليات حديث مرفوع، لو صح لكان أصلا لهذا النوع.
2 - برز اهتمام السلف الأوائل بكليات الألفاظ ثم علوم القرآن ولم يتضح الاتجاه إلى كليات الأساليب، بل إن هذا كان متأخر الظهور.
3 - التزام السلف من المفسرين بصيغة محددة غلبت في تعبيرهم عن اصطلاحات القرآن وهي ما صدر بلفظ "كل"، حتى إنه قلما يعبر عن الكلية بصيغة أخرى، بينما تنوعت وتكاثرت الصيغ لدى من جاء إثرهم، وهي مفهومة العبارة واضحة الدلالة على القاعدة الكلية.
4 - ظل جانب الاستقراء ومعرفة اصطلاحات القرآن في ألفاظه وأساليبه هو السائد عند أهل التفسير وكبار المتأولين، بمعنى أن الجانب التأصيلي والنظري وإظهار هذا النوع نوعا مستقلا من أنواع علوم القرآن ظل غائبا لم يطرق إلى وقت قريب فكان أن ظهرت مباحث مختصرة ضمن دراسات في أصول التفسير من قبل بعض الباحثين، ولا ضير أن يدخر الله للمتأخرين ما لم يكن عند الأولين، فكم ترك الأول للآخر.
5 - يعد ابن عاشور أول من عقد للكليات عنوانا مستقلا وسماها "عادات القرآن" وأفردها بحديث مختصر، نبه على أهميتها للمفسر، وحقها من الاهتمام والعناية وأورد شيئا من المأثور عن بعض المفسرين , وضمن كلامه الإشارة إلى أن معرفة مصطلحات القرآن لا يحد بزمن ولا يختص بطائفة، بل هو حق مشترك لمن أعطي فهما وعلما في كتاب الله، وفهم هذا من قوله: "إنه استقرأ بنفسه كثيرا من عادات القرآن في ألفاظه وأساليبه".
6 - كان مقاتل بن سليمان (ت150هـ) صاحب شأن وريادة في هذا الميدان التفسيري إذ نالت الكليات من اهتمامه جانبا كبيرا وحظا وافرا وتمثل هذا في أمرين:
أ- كثرة إطلاقاته، ووفرة كلياته، وفيما نقل عنه "الملطي" خير شاهد.
ب- إفادة العلماء بعده من كلياته، ونقلهم عنه بعض إطلاقاته وما فعله "ابن فارس" و"رسالته الأفراد" أوضح دليل.
7 - رسالة "الأفراد" لابن فارس (ت395هـ)، تعتبر أول مؤلف خص الكليات الأغلبية بتصنيف منفرد، وتمثل هذا في جمع وتحصيل ما يقرب من أربع وثلاثين كلية لفظية على نحو مختصر، وهي بحاجة إلى تقص أوثق لمعانيها وأفرادها.
8 - ظهر مبكرا عند الأوائل بدءا من ابن عباس رضي الله عنهما توظيف الكليات التفسيرية في الاحتجاج للمعاني، والترجيح بين الأقوال، وهي قاعدة ترجيحية اعتمدها المفسرون في تصحيح معنى على معنى عند الخلاف.
والمفسر الشنقيطي هو من قرر هذه القاعدة نظريا حينما عد هذا نوعا من أنواع البيان في مقدمته ..
وهذا التوظيف للكليات أبرز فوائد معرفة الكليات وتحصيلها.
9 - هناك نوع من الصلة والارتباط بين الكليات الأغلبية والوجوه والنظائر، فمن ينظر إلى الكليات بكون أحد المعاني قد غلب على مواضعه في القرآن بينما خرجت أفراد معدودة عن ذلك المعنى يجعلها من نوع الكليات الأغلبية، ومن ينظر إلى تعدد معانيها المفردة وتنوع تفسيراتها يجعلها من نوع الوجوه والنظائر.(3/151)
وبهذا يفهم عد الزركشي والسيوطي رسالة "الأفراد" لابن فارس من مؤلفات الوجوه والنظائر، وسردهم لها في آخر نوع الوجوه والنظائر.
10 - أما الكليات التامة المطردة فهي نوع مستقل مقابل للوجوه والنظائر، وحقه أن يفرد بالبحث والدراسة وأن يبرز كنوع هام من أنواع علوم القرآن.
11 - أن الكليات التفسيرية وإن كانت قديمة الظهور إلا أنها متجددة لا تنتهي، مستمرة لا تنقطع، فالكشف عن طرائق القرآن وعاداته مجال رحب لكل من وهبه الله علما في كتابه، ومن هنا يعلم صعوبة أن تستقصى، وظن إمكانية أن تحصى بما لا مزيد عليها.
12 - يمكن أن ينسب علم الكليات إلى علوم القرآن، وإلى التفسير الموضوعي في آن معا.
فبالنظر إلى استقلاليته، وتنوع أقسامه، وثماره وفوائده، فهو من علوم القرآن.
وبالنظر إلى أنها قاعدة استخلصت من استقراء مواردها وتقصي أفرادها وضم النظير إلى نظيره للتقعيد لمعنى أو طريقة قرآنية، أو للتأكد من صحة الكلية وانضباطها فهي من نوع التفسير الموضوعي، أما بالنظر إلى ثمرة الكليات الكبرى وهي توظيف الكليات التفسيرية في الترجيح بين الأقوال والاحتجاج لصحيحها فإن هذا متعلق بأصول التفسير ويبحثه المفسرون في قواعد الترجيح.
13 - كان لابن القيم – رحمه الله – اليد الطولى والقدح الأعلى في الكشف عن اصطلاحات القرآن وطرائقه المعهودة، فقد أبدع وأمتع في بيان أسرار التنزيل، ولطائف المعاني ودقائق التأويل، وجانب الكليات وعادات القرآن عند ابن القيم وتوظيفها ظاهرة هامة بارزة، تجلى فيها نفس ابن القيم التفسيري البارع، والغريب أن الدراسات حول جهود ابن القيم التفسيرية لم تولي هذه الظاهرة حقها من العناية بل ربما أغفلتها، وهذا الموضوع جدير بأن تكثف حوله الدراسات والرسائل.
14 - ظهر لي أن كثيرا من المعاني التي يذكرها أهل الوجوه والنظائر بحاجة إلى إعادة نظر، فهناك الكثير من الأقوال الضعيفة، والتكثر من تعداد الوجوه بلا موجب، وتشقيق المعاني، مما يتطلب تحريرا أكثر، ونظرة نقدية لهذه الوجوه.
فلا يكتفى بالمقارنة بين ما ورد في تلك المؤلفات من ألفاظ دون التدقيق في وجوهها، وتحقيق معانيها.
15 - بما أن هذه الدراسة تكاد تكون الأولى في هذا اللون التفسيري وبهذه المنهجية الاستقرائية النقدية، فإنها تستلزم الإكمال والتتميم في دراسات مماثلة.
وخاصة "كليات الأساليب" وبيان عادات القرآن وطرائقه المعهودة في كثير من القضايا والمعاني.
فهذا ميدان جم الفرائد، غزير الفوائد، ثمين اللطائف، عظيم الأسرار.
16 - نال كثير من أئمة التفسير عناية الدارسين فخصوهم بدراسات تكشف جهودهم وتبرز مناهجهم وتآليفهم في تفسير القرآن، ولكن بدا أنهم لم يولوا جانب الكليات عند أولئك المفسرين حظا أوفر واهتماما أكبر من شأنه أن يجلي معالم هذا الاتجاه ويسفر عن وجهه، فكان لزاما أن يلتفت لهذه الظاهرة التفسيرية عند أولئك المفسرين، ومن أبرزهم:
الراغب الأصفهاني، ابن عطية، الرازي، ابن القيم، ابن عاشور، الشنقيطي، محمد رشيد رضا.
17 - ما تم دراسته في هذه الرسالة من الكليات قارب الستين كلية، وبقيت كليات وفيرة قد استخرجتها من بطون التفاسير، وأحصيتها ومحصتها، ووثقتها من مصادرها، وسأضمها جميعا – بمشيئة الله، إن فسح الله لي في الأجل – في معجم كبير للكليات، راجيا أن يكون عملا متمما لهذه الدراسة الأولى في هذا الميدان، ومثريا المكتبة القرآنية بعون الله تعالى.
والله أسأل أن يسدد الخطى، ويبارك في الجهود.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
والحمد لله أولا وآخرا.(3/152)
مناهل العرفان للزرقاني - دراسة وتقويم -
Oخالد بن عثمان السبت
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن عفان - الخبر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
علوم قرآن
تصنيف فرعي:
نقد كتاب أو فكر
الخاتمة
أحمد الله تبارك وتعالى على عونه وتيسيره، وأشكره على تفضله وإنعامه وتوفيقه .. وبعد:
فقد تبيَّن لنا جليًّا ـ من خلال هذا الكتاب ـ أهمية هذا الفن (علوم القرآن) ومسيس الحاجة إليه، الأمر الّذي دفع الجم الغفير من العلماء، قديماً وحديثاً، إلى الكتابة والتَّأليف فيه، أو في بعض جوانبه.
وقد جاءت طلائع تلك المؤلفات في وقت مبكر جداً، حيث ظهرت بعض الكتابات في القرن الأول من الهجرة، كما قام بعض الأئمَّة في الكتابة في مجموعة من مهمات هذا العلم (حسب الاصطلاح المتأخر) منذ زمن بعيد، واستمر التَّأليف فيه إلى يومنا هذا.
وكان كتاب "مناهل العرفان" من أهم وأشمل ما كُتب في هذا الموضوع، حيث إنَّ مؤلفه تعرض فيه لأهم مباحث هذا العلم وأكثرها فائدة، كما قام بدمج الموضوعات والأنواع المتشابهة في مبحث واحد، ولم يفرقها كما فعل غيره، مع صياغته لعبارة هذا الكتاب بأسلوب رفيع، ودملجة محكمة، في الوقت الّذي جمع فيه مادته العلمية من مؤلفات كثيرة ومتنوعة، تزيد على المائة ـ حسب عزو المؤلف إليها ـ ولم يكن نقل المؤلف واستفادته منها مقتصراً على بعض دون بعض.
ومع استفادة المؤلف من كلام غيره من أهل العلم إلا أنَّ ذلك لم يحوله إلى مجرد ناقل لما يكتبون، بل له أسلوبه الخاص، ومنهجه المستقل في البحث والنّظر، مع كون بعض مباحث هذا الكتاب تُعَدُّ إعادة صياغة لما كتبه السُّيوطي في الإتقان.
لكنَّ ذلك ليس بغالب على الكتاب ولله الحمد، فإنَّ فيه مباحث ومسائل هامة، بل مباحث كاملة زائدة على البرهان للزركشي، والإتقان للسيوطي، الأمر الّذي جعل من الكتاب مرجعاً مهماً يستقي منه من جاء بعد مؤلفه، ممَّن أراد التأليف في هذا الفن.
والمؤلف رحمه الله وإن لم يكن قد استوعب جميع أنواع هذا الفن إلا أنَّه أحاط بالضَّروري منها تقريباً.
ومع محاسن ومزايا الكتاب هذه إلا أنَّ الكتاب لا يخلو من بعض الملحوظات والمآخذ المهمة، كتقرير مؤلفه لعقيدة الأشاعرة في عامة المواضع ذات التّعلق بموضوع الاعتقاد، مع تلقيب الأشاعرة ـ دائماً ـ بـ "أهل السنة"، إضافة إلى النّيل من أهل السنة والتّشنيع عليهم في بعض المواضع
كما وقع للمؤلف رحمه الله نوع من المجاراة لأصحاب التّصوُّف في بعض عباراتهم ولحونهم ...
هذا مع تأثر ظاهر بالعصر الّذي عاش فيه المؤلف، حيث أصبح المسلك الدِّفاعي ـ عن الإسلام ـ سمة بارزة في ذلك الكتاب.
لذلك نجد المؤلف يكثر من إيراد الشبه بعد كل مبحث ثم يحاول الجواب عنها.
ومن الجدير بالذكر هنا أنَّ بعض الشبه تعتبر من صنع المؤلف وتركيبه والبعض الآخر نطق به أعداء الإسلام، وثالث الأنواع هو عبارة عن أقوال لبعض الأئمة في مسائل متنوعة من أمور العلم الّتي يختلفون فيها.
وقد بَيَّنّا فيما سبق عدم جواز عرض الشبه الّتي تثير الشك في الدِّين والمعتقد، كما بينا موقف أهل السنة من سماعها فضلاً عن محاولة الرَّد عليها، إلا في بعض الحالات الضيقة.
هذا وقد كان لمدرسة الأفغاني وتلميذه محمد عبده أثر بَيِّنٌ في منهج المؤلف.
ومما يُلاحظ على الكتاب غير ما سبق، كثرة الاستطرادات مع شيء من الإسهاب إضافة إلى حاجته إلى توثيق في كثير من مادته، سواء في النُّقولات الّتي يوردها المؤلف، أو في كثير من مسائل العلم الّتي يقررها.
كما أنّه بحاجة إلى صياغة متينة محكمة للتّعاريف الّتي يوردها مؤلفه حيث إنّه يصوغ كثيراً منها بطريقة إنشائية.
وبعد .. فلا يفوتني في أخر هذه الخاتمة أن أثني بالحمد للمولى تبارك وتعالى على عظيم نعمه المتتابعة، وأسأله تبارك وتعالى أن يتقبل هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجزل المثوبة لكل من أعان على إتمامه وإخراجه بهذه الصُّورة.
وصلّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.(3/153)
فرق وملل ونحل(3/154)
آراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويماً
Oعلي بن سعد الضويحي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
معتزلة
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات، والصلاة والسلام على المؤيد بالمعجزات الباهرات، وعلى آله وصحبه أفضل البريات، وبعد:
فله الحمد والمنة، وله الفضل على إتمام النعمة، حيث استكملت هذه الرسالة أبوابها وفصولها ومباحثها ومطالبها ومسائلها، عبر خطة علمية مرسومة ومنهج علمي مدروس.
وإذْ بلغ البحث نهايته، فإن المناسب أن أسرد النتائج التي توصلت إليها على النحو التالي:
1 - كانت نشأة المعتزلة مع بداية القرن الثاني الهجري بالبصرة في أواخر العصر الأموي.
2 - المؤسس الحقيقي لمذهب الاعتزال هو واصل بن عطاء الغزال وصاحبه عمرو بن عبيد.
3 - لا يصح قول من قال: إن المعتزلة سموا بذلك نسبة إلى الصحابة الذين اعتزلوا الفتنة بين علي ومعاوية رضي الله تعالى عنهما، وذلك لأن هؤلاء الصحابة الكرام رضي الله عنهم، لم يسموا معتزلة بالمعنى الاصطلاحي الذي نفهمه من مدلول هذه الكلمة، وإنما سموا بذلك بالمعنى اللغوي الدال على التنحي عن الفتن طلباً للسلامة من الإثم وصوناً للدماء.
والصحيح في ذلك أنهم سمّوا معتزلة لاعتزال واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد مجلس الحسن البصري رحمه الله تعالى.
4 - يتفرع المعتزلة إلى فرعين رئيسين، هما:
(أ) فرع البصرة، ومن أبرز من يمثل هذا الفرع: واصل بن عطاء، عمرو بن عبيد، عثمان الطويل، أبو الهذيل العلاف، أبو بكر الأصم، معمر بن عباد، النظام، الشحام، الجاحظ، أبو علي الجبائي، أبو هاشم الجبائي.
(ب) فرع بغداد، ومن أبرز من يمثل هذا الفرع: بشر بن المعتمر، أبو موسى المردار، أحمد بن أبي دؤاد، ثمامثة بن الأشرس، جعفر بن حرب، جعفر بن مبشر، الإسكافي، عيسى بن الهيثم، الخياط، أبو القاسم الكعبي.
5 - من الأسباب التي دفعت المعتزلة للاشتغال بعلم الكلام معايشتهم للجماعات غير المسلمة التي تكونت داخل المجتمع الإسلامي كالمزدكيين، والإثنينية، والديصانية، والسمنية، وغيرهم، وذلك لدحض شبهاتهم عن طريق مقارعة الحجة بالحجة.
6 - المعتزلة لا يجدون في أنفسهم حرجاً من تسميتهم بهذا الاسم، بل إنهم يفخرون به ويجعلونه وسام شرف لهم، بحجة أن الله تعالى ما ذكره في كتابه إلا في الاعتزال عن الشر.
7 - يطلق على المعتزلة عدة أسماء كالعدلية، والموحدة، والمعطلة، والقدرية، والجهمية، والثنوية، والواردية، والحرقية، والمفنية، والملتزقة، والقبرية، وغير ذلك.
8 - للمعتزلة أصول خمسة عليها مدار مذهبهم ومعتقدهم، لا يستحق أحد من الناس اسم الاعتزال عندهم حتى يستكملها في نفسه، وهي: التوحيد، العدل، الوعد والوعيد، المنزلة بين المنزلتين، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
9 - التوحيد عند المعتزلة يقوم بنيانه على إنكار الصفات، والقول بخلق القرآن، وإنكار رؤية الله تعالى في الآخرة.
وهذا مناف للتوحيد الذي عليه أهل السنة والجماعة، فالتوحيد عندهم يقوم على إثبات الصفات كما يليق بجلال الله من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، وعلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وعلى إثبات رؤية الله تعالى في الدار الآخرة.
10 - العدل عند المعتزلة يقوم على إنكار خلق الله تعالى لأفعال العباد، وعلى إيجاب فعل الصلاح والأصلح على الله تعالى، وعلى ترتيب الثواب والعقاب بمجرد استحسان العقل واستقباحه دون أن يتوقف ذلك على الشرع.(3/155)
وهذا بلا شك يتنافى مع معتقد أهل السنة والجماعة، فمن معتقدهم أن الله تعالى خالق كل شيء ومن ذلك أفعال العباد، وأنه لا يجب عليه شيء إلا ما أوجبه على نفسه بإيجابه هو، وأن الثواب والعقاب على الحسن والقبيح موقوف على الشارع.
11 - يرى المعتزلة في أصل (الوعد والوعيد) أنه يجب على الله تعالى أن يفعل ما وعد به وما توعد عليه، فيجب عليه إثابة المطيع ومعاقبة العاصي، وإلا لزم الخلف والكذب في وعده ووعيده، ولزم منه فساد التدبير.
وهذا مخالف لما يعتقده أهل السنة والجماعة، فهم يعتقدون أنه يجب على الله تعالى أن يفي بما وعد به، لا على أنه من باب الاستحقاق والمعاوضة، وإنما لكونه سبحانه صادقاً لا يكذب في وعده.
ويعتقدون أن عدم معاقبة العاصي لا يعدُّ خلفاً في الوعيد، وإنما هو تكرم وتفضل وإحسان.
12 - حقيقة (المنزلة بين المنزلتين) عند المعتزلة: أن مرتكب الكبيرة لا يستحق أن يطلق عليه اسم الإيمان والإسلام، لأن في إطلاق ذلك عليه تشريفاً له، وهو ليس أهلاً لهذا التشريف بسبب إعراضه وعصيانه، ولا يستحق أيضاً أن يطلق عليه اسم الكفر والنفاق، لأن أحكام الكفار والمنافقين لا تجري عليه، وإذا انتفى عليه اسم الإيمان والإسلام، واسم الكفر والنفاق، استحق أن يسمى فاسقاً.
ولا يختلف أهل السنة مع المعتزلة في تسمية مرتكب الكبيرة فاسقاً، ولكنهم يختلفون معهم في القول بتخليده مع الكفار في النار، لأن معتقد أهل السنة والجماعة أن الفاسق لا يخرج بفسقه من الإسلام ولا يخلّد في النار، وإنما حكمه إلى الله تعالى إن شاء غفر له وإن شاء عذبه ثم يخرجه من النار إلى الجنة.
13 - المعروف عند المعتزلة على قسمين: واجب، ومندوب. فالأمر بالواجب واجب، وبالمندوب مندوب، وأما المنكر فكله عندهم من باب واحد في أنه يجب النهي عن جميعه عند استكمال شروط الأمر والنهي.
وهذا صحيح، لأن المندوب ليس بواجب أصلاً حتى يجب الأمر به.
14 - يجب عند المعتزلة معالجة المنكر بالتدرج من الأسهل إلى الأصعب، ولا يجوز العكس. وهذا مخالف لأمره صلى الله عليه وسلم في تغيير المنكر الذي يدل على البدء بالأشد ثم ما دونه.
15 - لأصول المعتزلة الخمسة العقيدة أثرها الكبير على آرائهم الأصولية، وبخاصة العدل والتوحيد.
16 - يرى المعتزلة أن العقول لا يجوز أن تتفاوت بأصل الفطرة، وإنما تتفاوت بالعوارض، وهذا لا يعتد به.
والصحيح أن العقول تتفاوت بأصل الخلقة، بدليل أن الله تبارك وتعالى جعل شهادة المرأة على النصف من شهادة الرجل، وأن النبي صلى الله عليه وسلم وصف عقل المرأة بالنقصان.
17 - العقل عند المعتزلة يدرك في الأشياء الحسن والقبح، ويرتب على ذلك الثواب والعقاب دون حاجة إلى الشرع.
والصحيح أن العقل يقوى على إدراك الحسن والقبح في الأشياء، وأما الثواب والعقاب على ذلك فهما موقوفان على ورود الشرع.
18 - العقل عند المعتزلة يدرك وجوب شكر المنعم تعالى قبل مجيء الشرع، ومن لم يشكر فإنه آثم.
والحق في ذلك أن العقل السليم يدرك أن الله تعالى هو صاحب الفضل والإنعام على جميع العباد، فيكون مستوجباً للشكر وللمحامد كلها، إلا أن ذلك الإدراك لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب قبل ورود الشرع.
19 - الحق عند أهل السنة والجماعة أن أوامر الله تبارك وتعالى لا تخلوا من مصالح، إلا أنها على سبيل التفضيل والإنعام، لا على سبيل الإيجاب والإلزام.
20 - يرى المعتزلة أن الأمر بالأشياء على طريق التخيير يفيد وجوب جميعها، لتساويها في وجه الوجوب.
والراجح أنه لا يفيد وجوب جميعها، بل يفيد وجوب واحد منها لا بعينه، ويتعين بفعل المكلف.(3/156)
21 - يرى المعتزلة عدم جواز أن يكون المحرم أحد أمرين لا بعينه، فإذا ورد النهي متعلقاً بأشياء على جهة التخيير، اقتضى المنع من الكل، بحجة أن كل واحد منهما إذا قبح، فجميعه قبح لا محالة.
والراجح أنه يجوز ورود النهي متعلقاً بأشياء على وجه التخيير، ويقتضي حينئذ تحريم واحد لا بعينه، ويتعين باختيار المكلف، وليس في ذلك ما يقبح، فالرجل يقبح في حقه الجمع بين الأختين في عقد واحد، لكن لا يقبح في حقه العقد على إحداهما.
22 - يرى الكعبي أن المباح مأمور به شرعاً، وهو وسيلة لترك المحرم، وترك المحرم واجب، فما أدى إليه يكون واجباً.
والراجح في ذلك: أن المباح ليس بواجب شرعاً لكونه مأذوناً فيه ومخيراً بين فعله وتركه من غير إشعار بثواب على الفعل، أو عقاب على الترك، ولو كان واجباً لعوقب على تركه.
23 - لا تصح نسبة القول إلى القاضي عبدالجبار بأن امتثال الأمر لا يدل على إجزاء المأمور به، بل إنه صرح في كتابه (المغني) بأن امتثال الأمر يدل على إجزاء المأمور به.
24 - يرى أبو هاشم أن كف النفس عن المنهي عنه ليس بفعل، مع صرف النظر عن التلبيس بضد من أضداده، لأن تارك الزنا يمدح عند العقلاء على ذلك وإن لم يخطر بباله فعل الضد.
والراجح في ذلك: أن الكف فعل، فيكون التكليف في المنهي عنه تكليفاً بفعل يكون ضد المنهي عنه وهو الامتناع.
25 - يرى المعتزلة أن المكره الملجأ لا يدخل تحت التكليف، لأنه غير مختار لما يفعل، فهو محمول على ما أقدم عليه، والمحمول على الشيء لا يثاب.
والراجح في ذلك: أن الإكراه على الأقوال يكون عذراً في إسقاط الإثم ورفع التكليف.
أما الإكراه على الأفعال، فإن بلغ درجة كون المُكرَه كالآلة في يد المُكرِه، فإن هذا الإكراه مسقط التكليف، لكونه مسقطاً للرضا ومفقداً للقدرة والاختيار.
وإن لم يبلغ هذه الدرجة، وإنما وقف عند حدود التهديد والوعيد، فإنه لا يكون مسقطاً للتكليف، لكونه لم يفقد إلا الرضا فقط مع وجود القدرة والاختيار.
26 - يرى المعتزلة أن الفعل الحادث في حال حدوثه ليس مأموراً به.
وهذا يعني أن الأمر لا بد أن يتوجه قبل المباشرة، ولا فرق عندهم بين أن يكون المأمور متمكناً من الفعل من حين الأمر إلى وقت الفعل أو غير متمكن من حين الأمر.
والراجح في ذلك: أن التكليف بالفعل كما يكون متوجهاً قبل المباشرة، فإنه يكون متوجهاً حال المباشرة أيضاً، لأن المكلف كما صرح السلف مستطيع قبل الفعل وحين الفعل.
27 - يرى أبو علي بن خلاد أن التعبد بالتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يكون في العبادات فقط، لأن ما سوى العبادات يكون له فيها مصلحة من دوننا، فلا يجب علينا التأسي به فيها.
والحق في ذلك: أن الأصل في جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم التعبد باتباعها والتقرب إلى الله عز وجل بالتأسي بها من قبل الأمة إلا ما نهض الدليل على بيان الخصوصية فيه، لكونه عليه الصلاة والسلام لا يفعل إلا الأكمل والأفضل والأرضى لله تبارك وتعالى، لاستشعاره أنه مشرع لأمته.
28 - يرى أبو علي الجبائي أن الخبر لا يقبل إذا كان راويه واحداً، أما إذا رواه اثنان عدلان عن اثنين، فإنه يجب العمل به.
والراجح في ذلك: أن خبر الواحد إذا انفرد العدل بروايته وجب قبوله والعمل به، لأنه يسعنا ما وسع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والسلف الصالح، حيث عملوا بخبر الواحد العدل، ولم يشترطوا التعدد لقبوله والعمل بمقتضاه.
29 - يرى النظام أن الإجماع ليس حجة شرعية متبعة، لجواز وقوع الخطأ من الأمة، ومن يجوز عليهم وقوع الخطأ لا يكون إجماعهم حجة.(3/157)
والحق في ذلك: أن الإجماع حجة شرعية متبعة، إذ الشارع الحكيم قد شهد لهذه الأمة بالعصمة من الضلال، فيكون ما اتفقت عليه كلمتهم حجة قاطعة لأنه حق والحق أحق أن يتبع.
30 - يرى عبد الله البصري أنه لا يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، بحجة أن الإجماع أصل مقطوع به، وخبر الواحد لا يفيد إلا الظن، فلا يجوز إثبات القطعي بالظني.
والراجح في ذلك: أنه يجوز إثبات الإجماع بخبر الواحد، ويكون حينئذ ظناً يجب العمل به، لأنه إذا ثبت وجوب العمل بخبر الواحد فلا فرق بين أن يرد بحصول إجماع يتضمن حكماً من الأحكام، وبين أن يرد بحصول قول من جهة الرسول عليه الصلاة والسلام يفيد حكماً، من حيث وجوب الأخذ بذلك الحكم ووجوب العمل بمقتضى هذا الخبر.
31 - يرى النظام وبعض المعتزلة البغداديين أن القياس ليس حجة شرعية، بدليل أن الشارع فرق بين المتفقين وجمع بين المفرقين، وهذه طريقة يمتنع القياس بها.
والحق في ذلك: أن القياس حجة شرعية متبعة، وذلك لإجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على العمل به في الجملة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون الأربعة، وغيرهم من فقهاء الصحابة وأئمة التابعين وأتباعهم، مما لا يدع مجالاً بإنكار حجيته في بناء الأحكام الشرعية الاجتهادية.
32 - يرى أبو الهذيل العلاف أن القياس لا يسمى ديناً، بحجة أن اسم الدين لا يقع إلا على ما هو ثابت مستمر، وكيف يسمى القياس ديناً وهو من فعل القائس؟
والحق في ذلك: أن القياس من الدين لورود الأمر الشرعي بالتعبد به، وانعقاد الإجماع في الجملة على العمل بمقتضاه، وكل ما كان مأموراً به شرعاً ومجمعاً عليه من قبل الأمة، فهو من الدين.
33 - يرى أبو هاشم أنه لا يجوز إثبات الحكم في شيء بالقياس إلا وقد ورد النص بإثباته فيه على الجملة، فيكون القياس دالاً على تفصيل الحكم، فلو لم يكن إرث الأخ ثابتاً في الجملة، لما جاز إثبات إرثه مع الجد بالقياس.
والراجح في ذلك: جواز القياس على الأصل وإن لم ينص على القياس عليه وذلك لأن الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم كانوا يستعملون القياس في مسائل كثيرة وإن لم يكن عليه نص في الجملة، وعملهم هو الحجة في إثبات القياس.
34 - يرى المعتزلة أن العلة مؤثرة بنفسها، بمعنى أنها الموجب للحكم بذاتها، بناء على جلب مصلحة، أو دفع مفسدة.
والحق في ذلك: أن العلة لا تؤثر بنفسها في الأحكام، وإنما المؤثر الحقيقي فيها هو الشارع الحكيم وحده، بدليل أن قبول ورود الشرع، لم تكن هذه العلل مؤثرة بنفسها، فالإسكار قبل تحريم الشارع للخمر، لم يكن علة موجبة للتحريم ولا لإقامة الحد على الشارب والسرقة قبل تحريمها شرعاً لم تكن موجبة للقطع، وكذلك لم يكن الزنا قبل تحريمه شرعاً موجباً للرجم أو الجلد، وهكذا.
35 - النسخ في اللغة يطلق بإزاء معنيين، هما الإزالة والنقل.
إلا أنه حقيقة في الإزالة لأنها تقتضي تغيير الحكم الأول عما كان عليه، ومجاز في النقل لأنه يبقى الأول على ما كان عليه دون أي تغيير.
36 - النسخ عند المتقدمين يختلف عنه عند المتأخرين.
فهو عند المتقدمين يطلق عليه تقييد المطلق، وتخصيص العام، وبيان المجمل، كما يطلقونه على رفع الحكم الشرعي المتقدم بدليل شرعي متأخر.
37 - لا يصح تعريف النسخ اصطلاحاً بالبيان، إذ لا يلزم من كل بيان أن يكون نسخاً.
38 - لا يصح تعريف النسخ اصطلاحاً بالإزالة لأن النسخ حقيقة في الرفع.
39 - التعريف الراجح للنسخ في اصطلاح المتأخرين هو: رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه.
وذلك لأنه أقل التعريفات مطعناً.
40 - يرى أبو مسلم الأصبهاني أنه لا يحسن نسخ الشرائع شرعاً، بحجة أنه يفضي إلى البداء وهو الجهل.(3/158)
والحق في ذلك: أن النسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً، ولا مانع من نسخ الشرائع بعضها ببعض، فقد حصل إجماع المسلمين سلفاً وخلفاً على أن شريعتنا المطهرة ناسخة لجميع الشرائع السماوية السابقة، وأجمعوا على وقوع النسخ في كثير من أحكام الشريعة الإسلامية.
41 - يرى المعتزلة أنه يمتنع نسخ وجوب معرفة الله تعالى، وشكر المنعم، ونسخ تحريم الكفر والظلم والكذب، لأن الأفعال لها صفات نفسية تقتضي حسنها وقبحها، فلا يمكن نسخها.
وهذا صحيح، لأن شريعة أحكم الحاكمين الصادرة ممن لا يأمر بالفحشاء، تأبى أن تأمر بالظلم والكفر والكذب، وأن تنهى عن العدل والشكر والصدق، بل العقل السليم لا يتصور وقوع ذلك فيها أبداً، فهي شريعة محكمة جاءت من لدن حكيم خبير لا يتعارض فيها نقل صريح مع عقل صحيح.
42 - يرى المعتزلة أنه لا يجوز نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها، لما يترتب على ذلك من الأمر بما لا فائدة فيه وهو عبث.
والحق في ذلك: جواز نسخ العبادة قبل التمكن من فعلها، إذ لا يلزم منه العبث لكون المصلحة متحققة وهي الابتلاء والاختبار.
43 - لا يصح ما نقله أكثر الأصوليين عن المعتزلة أنهم يرون عدم جواز نسخ التلاوة دون الحكم والعكس.
وتحقيق القول في ذلك: أن جمهور المعتزلة يرون جواز ذلك، ولم يخالف منهم إلا النزر اليسير وصفوا بأنهم شواذ.
44 - يرى المعتزلة أنه يشترط في الأمر إرادة الآمر امتثال المأمور للمأمور به، بحجة أن الأمر لا يتميز عما ليس بأمر إلا بالإرادة.
والصحيح في ذلك: أن الأمر يتميز بالصيغة الموضوعية له في أصل اللغة وهي الدالة على الرتبة والاستعلاء.
45 - يرى المعتزلة أنه لا يجوز أن يأمر الله تعالى المكلف بما يعلم أنه لا يمكن منه أو لا يفعله، وذلك لاستحالة وقوع الفعل منه، فيكون التكليف بذلك قبيحاً.
والحق في ذلك الجواز لأنه تكليف مفيد تظهر فائدته في عزم المكلف على الامتثال فيطيع ويثاب، أو الامتناع فيعصي ويستحق العقاب.
46 - يرى المعتزلة أن المأمور لا يجوز أن يكون معدوماً، إذ من شرط الأمر عندهم وجود المأمور.
والحق في ذلك: جواز توجه الأمر للمعدوم لتقدير وجوده على الصفة التي يصح معها التكليف، لثبوت ذلك بالنص والإجماع.
فنحن مأمورون بما أمر به الصحابة الموجودون زمن الخطاب، مع أننا كنا معدومين حين ذاك، إذ لو لم نكن مأمورين بما أمروا به لعدم وجودنا زمن الخطاب، للزم أن يبعث الله تعالى إلينا رسولاً آخر يبلغنا أمره، وهذا محال بالإجماع لثبوت أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم.
47 - يرى بعض المعتزلة أنه لا يجوز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها، لأن في ذلك إعلاماً للمكلف بالبقاء حتى وقت دخول تلك العبادة وهذا إغراء له بالمعاصي فيتنافى مع الحكمة.
والراجح في ذلك: جواز ورود الأمر بالعبادة قبل مجيء وقتها، إذ لا ضرر في ذلك على المكلف بقدر ما فيه من مصلحة له، بحيث يوطن نفسه ويهيؤها لمباشرة العبادة إذا حان وقتها.
48 - يرى المعتزلة أنه لا يجوز تأبيد الأمر إلى غير غاية، بحجة أن إدامة التكليف يفضي إلى جعل المكلف ملجأ إلى فعل ما كلف به وذلك يزيل التكليف.
والصحيح في ذلك: جواز تأبيد الأمر إلى غير غاية، لأن الأصل في أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم وجوب امتثال المكلف لها أبداً ما دام حياً قادراً.
49 - يرى قدماء مشايخ المعتزلة أن الأمر بالشيء ليس نهياً عن ضده، لأنه القول بأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، يفضي إلى أن يسمى الأمر نهياً عن الحقيقة، وهذا باطل.
والراجح في ذلك: أن الأمر بالشيء نهي عن ضده بطريق المعنى لا بطريق الصيغة، بمعنى أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده.(3/159)
50 - يرى أبو هاشم أن الفعل ذا الوجهين لا يصح أن يتعلق به النهي، وإلا لزم من ذلك أن يكون الشيء الواحد مأموراً منهياً، وذلك محال.
والراجح في ذلك: عدم استحالة انقسام النوع الواحد من الأفعال إلى واجب وحرام، بحيث يكون مأموراً به من وجه ومنهي عنه من وجه آخر وذلك لأن الجهة منفكة بين مورد الأمر والنهي، فلا يؤدي إلى التناقض والتضاد.
51 - يرى جمهور المعتزلة أن النهي لا يقتضي فساد المنهي عنه مطلقاً لا في العبادات ولا في المعاملات، بحجة أن لفظ النهي لغوي وفساد العبادة شرعي، فلا يجوز أن يكون موضوعاً له.
والراجح في ذلك: أن النهي يقتضي فساد المنهي عنه في العبادات والمعاملات على السواء، لأن كل ما نهى الله عنه وحرمه في بعض الأحوال وأباحه في حال أخرى إنما كان لمصلحة فيما أباحه أولاً ولمفسدة فيما حرمه ثانياً، وإلا فإن الحرام لا يكون صحيحاً نافذاً كالحلال بحيث يترتب عليه الحكم كما يترتب على الحلال ويحصل به المقصود كما يحصل به.
52 - يرى أبو علي الجبائي أن الجمع المنكر يحمل على الاستغراق من جهة الحكمة، لأن حمله على ذلك حمل له على جميع حقائقه، فكان أولى من حمله على البعض.
والراجح في ذلك: أن الجمع المنكر يحمل على أقل الجمع، لأن الجمع المنكر لا يتبادر منه الاستغراق عند الإطلاق.
53 - يرى بعض المعتزلة أنه لا يجوز أن يسمع الله تعالى المكلف الخطاب العام المخصوص دون أن يسمعه الدليل المخصص، لأنه لو جاز ذلك لكان إغراء للمكلف بالجهر باعتقاد استغراقه، وهذا قبيح.
والراجح في ذلك: جواز إسماع الله تعالى المكلف الخطاب العام المخصوص دون إسماعه المخصص، وذلك لأن كثيراً من نصوص القرآن الكريم قد وردت عامة في لفظها، وتأخر بيان خصوصها عن موردها فترة من الزمن.
54 - يرى أبو علي وأبو هاشم أن النبي صلى الله عليه وسلم، لم يكن متعبداً بالاجتهاد في شيء من الشرعيات، لأن الله تعالى نفى عن رسوله صلى الله عليه وسلم أن ينطق بالهوى، فكان ما ينطق به وحياً منزلاً.
والراجح: جواز تعبد النبي صلى الله عليه وسلم بالاجتهاد في الحوادث التي لم يرد بها نص، لأنه إن كان المانعون من ذلك قد منعوه خشية أن يجتهد صلى الله عليه وسلم فيخطئ، فليس الخطأ في الاجتهاد من الخطأ الذي يتنزه عنه منصب النبوة حتى يقال بعدم جواز تعبده بذلك.
وإن كان منعهم من ذلك حرصاً على حماية مصالح المكلف وصوناً له من الوقوع في المفسدة، فإن ذلك مردود بأن اجتهاده صلى الله عليه وسلم بعناية الله تبارك وتعالى عن الخطأ والزلل.
55 - يرى موسى بن عمران أنه يجوز أن يفوض الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم أو للعالم الحكم بما شاء، لأنه إذا جاز أن يفوض الله المكلف بأن يختار واحدة من خصال الكفارة، جاز أن يفوض إليه الحكم بواحد من الأحكام بحسب اختياره.
والراجح في ذلك: أنه لا يجوز أن يفوض الله سبحانه وتعالى المكلف بأن يحكم بما شاء ويختار ما يريد، لأنه يلزم على هذا التفويض إبطال التعبد بالاجتهاد والتقليد، ويفضي إلى أن يستوي العامي بالعالم.
ولا يصح قياس هذه المسألة على الواجب المخير، فإن الخصال المشتمل عليها الواجب المخير لا تفويض فيها إذ الحكم محدد، وهو مأمور بأن يختار ما شاء مما حدده الشارع. وأما التفويض فمعناه أن تترك الحرية للمكلف بإنشاء ما أراد من الأحكام.
56 - يرى بشر المريسي وكثير من معتزلة بغداد أن المخطئ في اجتهاده آثم، وذلك لأن الحق ممكن التدارك، إذ نصب الله تعالى عليه دليلاً يعرف به فمن أخطأ فليس بمعذور.(3/160)
والحق في ذلك: أن الإثم مرفوع عن المجتهد المخطأ إذا اجتهد في أحكام الفروع التي ليس عليها دليل قاطع من نص أو إجماع، وأنه مأجور على اجتهاده لما بذله من جهد واستفراغ وسع، لثبوت ذلك بنصوص الكتاب والسنة.
57 - يرى أبو بكر الأصم أن قضاء القاضي ينقض بالاجتهاد، لأن على الحق دليلاً فمن أخطأه تجاوز الحق إلى الباطل فينقض حكمه.
والراجح في ذلك عدم جواز نقض قضاء القاضي بالاجتهاد، لأن جواز النقض يؤدي إلى عدم استقرار الأحكام القضائية، فيفضي إلى أن يفقد الناس ثقتهم بالقضاة، فتفوت مصلحة نصب الحاكم.
58 - يرى بعض المعتزلة أنه يجوز للمجتهد الاكتفاء بترجيح مذهب على مذهب من غير تمسك بما يستقل دليلاً، لأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يكتفون في تفاوضهم بمسالك الترجيحات دون أن يمهدوا أدلة مستقلة، وهم الأسوة في ذلك.
والحق في ذلك عدم جواز الترجيح بلا دليل، وإلا لأصبح ضرباً من ضروب الهوى والتشهي، ولو كان الترجيح جائزاً بلا دليل لكان للعامي دخل كبير في مسائل الاجتهاد.
59 - يرى المعتزلة البغداديون أنه لا يجوز للعامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة بل يجب عليه النظر وطلب الدليل، لأن العامي لا يأمن أن يكون من قلده لم ينصح في الاجتهاد فيكون فاعلاً لمفسدة.
والحق في ذلك: أنه يجب على العامي تقليد المجتهد في فروع الشريعة، وذلك لعجزه وعدم تمكنه من معرفة الحكم بدليله، إذ أنه فاقد لأهلية الاجتهاد، وفاقد الشيء كيف يعطيه؟ ولأنه لو كلف العامي بالاشتغال بمسائل الاجتهاد لتعطلت سبل الحياة التي هي قوام الناس.
60 - يرى القاضي عبد الجبار أنه لا يجوز أن يختار المكلف الأخف من فتوى المجتهدين المتساوين، لأن الشريعة قد دلت على أن الحق في الأشد دون الأخف.
والراجح في ذلك: أن المقلد مخير بأخذ ما شاء من أقوال المجتهدين عند التساوي في الأمور المعتبرة، وذلك لأن إلزامه بالأخذ بالقول الأشد لا دليل عليه، بل قد قام الدليل على خلاف ذلك، حيث صح عنه صلى الله عليه وسلم- وهو الأتقى والأخشى لله تعالى- أنه كان يختار أيسر الأمرين ما لم يكن إثماً.
وبعد: فلا أدعي كمالاً فيما كتبت ولكن حسبي من ذلك ما بذلته من جهد لم أدخر فيه وسعاً، فإن كان صواباً فمن الله وله الحمد والمنة، وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله تعالى مما زل به القلم أو أخطأ به اللسان.
وأسأل الله تعالى أن يجزل المثوبة للمشرف على هذا البحث فضيلة الدكتور الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الدرويش على ما أولانيه من رعاية واهتمام وإرشاد وتوجيه حتى استطعت بتوفيق الله تعالى تخطي العقبات وتجاوز العثرات.
كما أتوجه بالشكر الجزيل لكل من أعانني على هذا البحث بإعارتي ما أحتاج إليه من مراجع ومصادر.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.
.........(3/161)
إتحاف النبلاء برد شبهات من وقع في الإرجاء
Oعلي بن عبدالعزيز موسى
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الكيان – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
إرجاء - مرجئة
الخاتمة:
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، وأشكره سبحانه على ما يسر لي من إتمام هذا البحث، وأسأله عز وجل أن يتقبل عملي، كما أسأله سبحانه العفو والمغفرة إن حصل تقصير أو خطأ، إن ربي رؤوف رحيم.
وبعد هذه المباحث في مسائل الإيمان أسجل في هذه الخاتمة أهم النتائج، وهي كما يلي:
أولا: خطورة مذهب المرجئة، والتحذير من الوقوع في شراكه.
ثانيا: تعريف الإيمان عند السلف، وأنه قول وعمل واعتقاد.
ثالثا: وقع خلاف بين السلف في العلاقة بين الإسلام والإيمان، بيد أنه لا يضر؛ حيث إن الجميع يقول بدخول العمل في الإيمان.
رابعاً: أعمال الجوارح ركن في الإيمان، غير أن أفرادها منه ما يكفر تاركه ومنه ما لا يكفر، وذلك حسب النصوص الواردة في تارك كل عمل بحسبه.
خامساً: للمرجئة قديماً وحديثاً شبهات يستدلون بها على نجاة تارك العمل الظاهر، وقد تصدى لهم السلف وأبطلوا استشهادهم بنصوص الكتاب والسنة، فينبغي لطالب العلم أن يقف عليها، لاسيما مع ظهور المذهب الإرجائي في ثوب جديد، يزعم لابسوه أنه قول السلف!!
سادساً: مرتكب الكبيرة عند أهل السنة مؤمن ناقص الإيمان، ما لم يستحلها، وأدلة ذلك كثيرة جدا، وعليه إجماع السلف.
سابعا: ليست – الردة عافانا الله تعالى – بالاعتقاد فقط، وإنما بالاعتقاد أو القول أو العمل.
ثامنا: قد تأثر بعض من يدعو إلى منهج السلف بمذهب المرجئة، وأراد أن يستدل ببعض أقوال أهل العلم على نجاة تارك العمل الظاهر كلية دون عذر، فنسب مذهب المرجئة إلى السلف وهو لا يدري!!
تاسعاً: لزيادة الإيمان أسباب يجب على الناصح لنفسه أن يلتزمها حتى يكمل إيمانه، ويوفق لنيل الدرجات العلى في الجنة.(3/162)
الأحباش رسالة تعريفية بهذه الفرقة الضالة الجديدة
Oعبدالرحمن بن عبدالله
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
أحباش
خاتمة: لقد تبين من خلال هذا العرض المختصر لبعض ضلالات الأحباش، ما هم عليه من انحراف في العقيدة، واتباع للأهواء، وتلاعب بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
الأحباش على سذاجتهم وقلة علمهم ينتشرون بسرعة عجيبة، وقد يكون سبب ذلك ما لديهم من إمكانات مادية، واختيارات واسعة، يأخذ منها كل صاحب هوى ما يوافق هواه، وأيضا ما تدعيه هذه الطائفة من الولاء المطلق للحكومات. ولعل من هذه الطائفة من يأخذ حجمه الحقيقي بين العلماء وخطباء المساجد وأجهزة الإعلام، لما يمثله هذا المذهب من خطر على العقيدة والأخلاق، وما يثيره من خصومات، وجدل في المساجد، وتكفير للمسلمين، وإثارة للفرقة، وبثا للفتنة. وهم يعدون العدة الآن لنشر مذهبهم في بلاد الإسلام بين أهل السنة والجماعة، بل في الجزيرة العربية، نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويذل فيه أهل معصيته، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله.(3/163)
الأشاعرة في ميزان أهل السنة
Oفيصل بن قزاز الجاسم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
المبرة الخيرية لعلوم القرآن والسنة – الكويت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
أشاعرة
الخاتمة
بعد هذا البيان والتوضيح لمنهج أهل السنة والجماعة ولمعتقد السلف الكرام، بات من الواضح لكل ذي عينين مخالفة الأشاعرة لمنهج أهل السنة والجماعة وتنكبهم عن طريقهم إلى طرق أهل الكلام، وطرق أهل الخوض في أسماء الله وصفاته بالعقول القاصرة.
واتضح لنا الخطأ الذي يتكرر على ألسنة بعض الباحثين بل وبعض المنتسبين إلى العلم من عد الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة حتى قال بعضهم: إن مصطلح أهل السنة والجماعة يشمل ثلاث طوائف: أهل الحديث، والأشاعرة والماتريدية.
وهذا لعمري من الجمع بين النقيضين إذ أن تقرير أهل الحديث لمسائل المعتقد ومصادرهم تختلف عن مصادر المتكلمين وتقريرهم.
فكيف يجتمع نكير السلف على أصحاب التأويل للصفات والمخرجين لنصوصها عن ظواهرها اللائقة بالله تعالى مع تجويزه بل مع وجوبه كما هو قول الأشاعرة في كثير من الصفات.
أم كيف يجتمع سعي السلف في تأليف الكتب والمؤلفات التي تبطل التأويل وترد على أصحابه مع تلك التي تدعو إلى التأويل وتجعله أصلا في العقيدة.
وقد تبين لنا أيضا مما سبق نقله أن كثيرا من تأويلات الأشاعرة لكثير من صفات الله تعالى هي عين تأويلات الجهمية والمعتزلة التي تواتر عن السلف الإنكار على أصحابها والنهي عنهم والتحذير منهم كتأويلهم للوجه واليدين والعينين والنزول والمجيء والضحك ونحوها من الصفات.
وأما ما يمارسه بعض الناس من تهويل يريد به إسكات أهل الحق عن رد الباطل وإنكاره فتراه يقول: إن الحكم على الأشعرية بالضلال يستلزم تضليل الأمة وتسفيه علمائها الذين سلكوا هذه الطريقة عبر كثير من القرون، وما إلى ذلك من التهويلات. فهذا مردود عليه من وجوه.
أولها: أن هذا الإلزام إن صح فإنما يتوجه ابتداء إلى السلف والأئمة قبل أن يتوجه إلينا لأنهم أول من أنكر على من تأول الصفات بل واشتد نكيرهم وتغليظهم في ذلك حتى عدوا كل من تأول صفة لله وصرفها عن ظاهرها من الجهمية، وقد مر معنا في ثنايا هذا الكتاب كثير من كلامهم ومنها وصف الإمام أحمد لن أنكر الحرف والصوت لله بالتجهم، وكذلك من تأول صفة الضحك لله وغيرها كثير.
فكيف نلام على ما نحن متبعون فيه، ولا يلام غيرنا على ما هم مبتدعون فيه؟
الوجه الثاني: أن الحكم على الأوصاف بالبدعة والضلالة لا يستلزم الحكم على الأشخاص فقد يقع العبد في معصية أو بدعة ونحو ذلك ولا يكون في الأمر نفسه عاصيا ولا مبتدعا وذلك إما لوجود مانع من إكراه وشبهة ونحو ذلك أو لفقد شرط كعلم ونحوه.
قال تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا} [الإسراء: 15]
وقال عمرو بن العاص رضي الله عنه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر " ()
فمن اجتهد في الوصول إلى الحق وبذل وسعه متجردا لله تعالى مؤثرا للحق على غيره فلم يصب فهو مأجور على اجتهاده في طلب الحق
ولكن، لا يعني هذا السكوت على خطئه، وترك الإنكار عليه فإن إنكار المنكر واجب لعموم قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر} [آل عمران: 110]
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان" ()
والمنكر: هو كل ما خالف الكتاب والسنة وهدي السلف.
ومنه: تسليط سهام التأويل على صفات الله تعالى التي بينها لعبادة وأوضحها في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.(3/164)
وليس مسلك التأويل في صفات الله تعالى من المسائل الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف ولا يتوجه فيها الإنكار إذ أنه مخالف لإجماع الصحابة والسلف والذين لم يصح عنهم حرف واحد في التأويل. وفي مقابله صحت آلاف النصوص التي تنهى عنه وتحذر منه ومن أهله.
وبهذا يتبين أن الواجب على أهل العلم بيان الواجب في صفات الله تعالى والأمر باتباع نهج الصحابة والسلف الكرام والنهي عن كل ما خالف ذلك والإنكار على فاعله مهما كانت منزلته ومكانته مع أنه قد يكون في الأمر نفسه مجتهدا لم يتبين له الحق فيكون عذرا له عند الله بل مأجورا عليه.
ومما ينبغي التنويه عليه أن بيان الحق في أسماء الله وصفاته من الواجبات العظيمة ومن تعظيم الله وتعظيم كتابه وتعظيم سنة نبيه صلى الله عليه وسلم وأن الرد على من خالف في ذلك واجب متعين على أهل العلم وهو من أعظم الجهاد حتى كان يحيى بن يحيى يقول: " الذب عن السنة أفضل من الجهاد".
وليس هذا تفريقا للأمة ولا تشتيتا لها كما يروجه بعض الجهلة لأن قبول كلام الأشاعرة وغيرهم من أصناف المعطلة الخائضين في صفات الله بعقولهم وآرائهم والرضى به أو السكوت عنه وعن بيان خطئة والتحذير من أهله يستلزم أمورا عظيمة:
أولا: مخالفة الكتاب والسنة في أعظم وأشرف العلوم وهو العلم المعلق بذات الرب تعالى وصفاته وجماله وجلاله.
الأمر الثاني: التسلط على آيات الكتاب ونصوص السنة تحريفا وتعطيلا بمحض الآراء الفاسدة والعقول الكاسدة وهذا يفقد الكتاب والسنة الهيبة والتعظيم في القلوب.
الأمر الثالث: أن يلتمس الهدى من غير الكتاب والسنة بل من آراء المتكلمين ونحاتات أذهانهم.
الأمر الرابع: زيادة التفرق والاختلاف بين المسلمين وذلك بالخوض في المعاني المجازية المختلفة فكل يقول: مراد الله كذا والآخر يعارضه ويقول: بل مراده كذا وهكذا حتى تختلف القلوب. والقلوب لا تجتمع إلا على قدم التسليم لنصوص الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة.
الأمر الخامس: أن السكوت عن الإنكار على الأشاعرة ومن وافقهم خروج عن منهج السلف من الصحابة والتابعين وأتباعهم والأئمة بعدهم وتنكب عن طريقهم إذ أنهم لم يقبلوا التعرض لآيات الصفات بالتأويل ولا التفويض والتجهيل ولذا اشتد نكيرهم على أصحاب هذه المقالات، وعظم هجرانهم لهم والتحذير من طريقتهم. وعلى هذا فكل دعوة لقبولهم والسكوت عنهم هي في حقيقتها دعوة لترك منهج السلف ومخالفتهم.
الأمر السادس:
أنه مخالف لما أمر الله به المؤمنين من التواصي بالحق في قوله {وتواصوا بالحق} ومخالف لما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وفي الختام لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر الجزيل لكل من قام بمراجعة هذه الرسالة والتقديم لها. كما أني أدعو مؤلفي كتاب " أهل السنة الأشاعرة " إلى الرجوع عما سطرته أيديهم فيه والعكوف على كتب السلف قراءة ودراسة ليتبين لهما كثيرا مما كان خافيا عليهما.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(3/165)
الإباضية تاريخاً وعقيدة
Oوليد مساعد الطبطبائي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
إباضية
أهم النتائج:
1 - يعتبر المذهب الإباضي في الأصل فرقة من فرقة الخوارج، ولكن بسبب اعتدالهم وحكمة أئمتهم تمكنوا من المحافظة على وجودهم.
2 - تلتقي أصولهم في العقيدة كثيراً مع المعتزلة – وإن كانوا يخالفونهم في بعض المسائل.
3 - يختلف الإباضية كلياً عن أهل السنة والجماعة في موضوع الإيمان بالأسماء والصفات، وفي حقيقة الإيمان، وفي حكم مرتكب الكبيرة، وعصاة المؤمنين يوم القيامة.
4 - يختلف الإباضية عن أهل السنة والجماعة في بعض جوانب عقيدة (السمعيات) حيث تلتقي جوانب كثيرة منها مع عقيدة أهل السنة والجماعة، مثل الإيمان بالملائكة والكتب والرسل والبعث والحساب والحوض والجنة والنار والاستطاعة لكن يتجه منهجهم إلى التأويل في اعتقاد الميزان والصراط والشفاعة للعصاة.
وكذلك الحال في مسألة الإيمان فإن الإباضية يوجبون نصب إمام، غير أنهم لا يشترطونه في قريش.
5 - يتسم الفقه عندهم بنوع من التشدد والتزام النصوص – بخلاف العقيدة التي يعمل فيها بالعقل كثيراً – إلا أن فقههم لا يختلف كثيراً عن مذاهب أهل السنة. 6 - معرفة مناهج التفسير عند الفرق الإسلامية أمر في غاية الأهمية من أجل الوقوف على عقائد ومرتكزات هذه الفرق من خلال تفسيرهم للقرآن الكريم. 7 - يعتبر ميدان التفسير عند الإباضية وسيلة من وسائل نشر المذهب والدفاع عن عقائده وحقائقه.
8 - موقفنا من الإباضية والتفسير الإباضي يمكن تلخيصه – من وجهة نظري – بما يأتي:
أ- يجب على علماء الإباضية إعادة النظر في منهج التأويل وأعمال العقل في منهج التأويل في القضايا التي يخالفون بها أهل السنة والجماعة كي يسلم جميع جوانب الاعتقاد عندهم ويصح في المذهب أنه على صراط مستقيم.
ب- يجب على علماء الإباضية العودة باتباعهم إلى الأصول الأولى التي كان عليها الصحابة الكرام وصولاً إلى توحيد كلمة الأمة قولاً وفعلاً.
ج- يجب على علماء الإباضية تنقية التراث الإباضي وخاصة ميدان التفسير وتصفيته مما علق به من دخيل وشوائب تفقده جماله وروعته، كما يجب أن ننأى بكتاب الله عن الخوض فيه واستغلاله لتأصيل فكرة أو مذهب معين عن طريق لي أعناق الآيات وتطويعها لخدمة مثل هذه الأمور المذهبية.
هذا ونسأل الله عز وجل أن يهدينا إلى سواء السبيل وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين. المؤلف الكويت في 5 رمضان المبارك 1414هـ الموافق 15/ 2/1994م(3/166)
الإباضية في المغرب العربي
Oأحمد إلياس حسين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الضامري
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
إباضية
خاتمة: اتضح من خلال هذه الدراسة أن فرقة الإباضية نجحت في بث دعوتها في المغرب العربي حتى أصبح لها ثقل كبير بين سكانه، وأقامت دولتها منذ القرن الثاني الهجري، ورغم أن عمر هذه الدولة لم يمتد طويلا إلا أن تراث ونظم الإباضية أظل مجموعات كبيرة من أهل المغرب منذ سقوط دولتهم في آخر القرن الثالث الهجري وحتى العصر الحديث.
وقد أسهم الإباضية بدور كبير في تاريخ المغرب الإسلامي في المجالات السياسية والاقتصادية والتربوية وهي المجالات التي تعرض لها البحث. كما قام الإباضية بدور واضح في انتشار الإسلام في غرب أفريقيا وكان لهم فضل السبق على غيرهم في هذا الميدان وكانت للإباضية علاقات طيبة مع الدول الإسلامية في المغرب والأندلس وكانت صلاتهم وثيقة بإباضي المغرب. ويلاحظ أن تاريخ الإباضية لم يجد الاهتمام المطلوب في المعاهد والجامعات العربية رغم ثقله وأهميته ومكانته البارزة في التاريخ الإسلامي فقد طورت هذه الفرقة وجددت كثيرا في مختلف المجالات السياسية والتربوية ولعل نظام العزابة وحده يتطلب جهود مؤسسات مختلفة لدراسته والاستفادة من تجاربه.(3/167)
الإسماعيلية المعاصرة
Oمحمد بن أحمد الجوير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
إسماعيلية
الخاتمة: في ختام هذا البحث أحمد الله عز وجل الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشكره على أن وفقني وأمدني بعون منه حتى قمت بإتمامه على هذه الصورة التي أرجو أن أكون قد وفقت بالوصول إليها. إن سطور هذه الخاتمة تتضمن النتائج الهامة التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، إضافة إلى توصيات في هذا المجال.
أولا: أهم نتائج هذا البحث: بعد البحث والدراسة عن هذه الفرقة المعاصرة وقفت من خلال الباب الأول الخاص بالأصول التاريخية لهذه الفرقة المعاصرة وما اندرج تحته من فصول على أن هذه الفرقة امتداد للفكر الإسماعيلي القديم الذي هو بدوره امتداد للمذهب الشيعي الرافضي الذي بني أساسه على مبدأ النفاق والخداع، ولقد كان للفلسفة الفيثاغورية والأفلاطونية المحدثة الأثر الواضح في مقولات ومصطلحات هذه الفرقة إذ مازالت هذه الفرقة تربط نفسها بهذه الفلسفات، وبغيرها من الأديان والمذاهب المغايرة للإسلام كاليهودية والنصرانية والمجوسية والبوذية والاشتراكية والماسونية.
أما في الباب الخاص بمعتقدات هذه الفرقة وأثرها على بعض المذاهب، فواضح تماما أن القوم يسيرون على نهج أسلافهم في المعتقد، حيث اعتقدوا بإلهين اثنين يقومان بالخلق والتدبير أطلقوا على الأول اسم (السابق) وأطلقوا على الثاني اسم (التالي).
ولم يؤمنوا بعقيدة ختم النبوة في الإسلام، بل ادعو لأئمتهم ودعاتهم النبوة والرسالة مما جعل الإمامة عندهم هي المحور والمرتكز الذي تقوم عليه معتقداتهم وممارسة عاداتهم الاجتماعية فأضفوا عليها هالة من التعظيم والتقديس حتى أصبحت أضرحة بعض أئمتهم ودعاتهم مزارات يقصدونها. وكذلك الحال بالنسبة للعقائد الآخروية من بعث ونشر وحساب وعقاب وجنة ونار ... الخ، قام هؤلاء بإنكارها وتأويلها مع أركان الشريعة عموما لتتناسب مع ميولهم ورغباتهم الشخصية.
ولقد تأثرت بعض المذاهب بهذه الفرقة، ولا نجد لهذا التأثر أية غرابة طالما أنها اعتبرت بذرة من بذورها التي غرستها في المجتمعات الإسلامية تحت مسميات مختلفة بغية التضليل، فهذه المذاهب برمتها لا تعدو من كونها وجهان لعملة واحدة. وهذه الفرقة فرقة باطنية تفتخر بهذا اللقب لإصرارها على تطبيق مبدأي (التقية) والقول (بالظاهر والباطن) فما يقومون به من عبادات وغيرها أمام عامة المسلمين، فهو مجرد عمل ظاهري لا يعبر عن عقيدتهم الباطنية.
أما الباب الخاص بالمظاهر الدينية وما اندرج تحته من فصول، فتوصلت إلى أن هذه الفرقة لها عادات وطقوس واحتفالات تمارس فيها أمورا منافية للشريعة الإسلامية، حيث بنيت على أسس مادية بحته، فالأعياد والاحتفالات والشعائر الدينية لديهم لا تجد لها سندا في الإسلام، إذ أنها مرتبطة بشخصية الإمام والداعي عندهم. كما لاحظت أن أسلوب الدعوة الإسماعيلية المعاصرة قد طرأ عليه التغيير ليتناسب مع متغيرات العصر، فتوصلت إلى أن الإسماعيلية المعاصرين قد تحمسوا في إنشاء المدارس والمعاهد والجامعات والمراكز الطبية في أغلب دول العالم، وهم يبذلون الأموال الطائلة في سبيل نشر دعوتهم تلك، سائرون على نهج النصرانية للتبشير لديانتهم.
كما لفت نظري كثرة الضرائب التي فرضها الأئمة والدعاة على أتباعهم والتي أضفوا عليها صفة الإسلامية لكي تنطوي على أتباعهم، وهم بذلك يهدفون إلى جمع المال لإنماء ثرواتهم التي يسرحون ويمرحون بها في أنحاء أوربا. وأخيرا قد بينت حكم الإسلام في جملة ما ذهبت إليه هذه الفرقة، إذ جاء مكفرا إياها، ومحذرا المسلمين من خطرها(3/168)
الإسماعيلية وفرقها – حقائق ووثائق
Oعبدالرحمن المجاهد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الآفاق
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
إسماعيلية
الخاتمة:
وفي نهاية هذا البحث يمكنني أن ألخص أهم النتائج التي توصلت إليها في نهاية بحثي، وهي كالآتي:
1 - الإسماعيلية: فرقة شيعية، إمامية، رافضية، باطنية، فلسفية، غالية، نادت بإمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وعقبه من بعده.
2 - عقائد الإسماعيلية خليط من عقائد الأمم السابقة كالفرس، والمجوس، ممزوجة ببعض التصورات الإسلامية، والهدف منها طمس عقيدة الإسلام، والتشكيك في الدين.
3 - تنسب الإسماعيلية إلى إسماعيل بن جعفر الصادق.
4 - المؤسس الفعلي للإسماعيلية هو: أبو الخطاب الأسدي.
5 - جعفر الصادق بريء من الإسماعيلية، ومما ينسبونه إليه من الأكاذيب.
6 - يعتبر إسماعيل بن جعفر هو الإمام السادس في عداد أئمة الإسماعيلية، وولده محمد بن إسماعيل هو الإمام السابع.
7 - الترتيب الإمامي الإسماعيلي يبدأ بعلي بن أبي طالب، ثم الحسين بن علي، ثم علي بن الحسين (زين العابدين)، ثم محمد الباقر بن علي بن الحسين، ثم جعفر الصادق بن محمد الباقر، ثم إسماعيل بن جعفر الصادق، ثم محمد بن إسماعيل.
8 - الحسن بن علي لا تعده الإسماعيلية ضمن أئمتها؛ لتنازله بالخلافة لمعاوية رضي الله عنهما، والإمام المستودع لا تعتبره الإسماعيلية إماماً فعلياً.
9 - توفي إسماعيل بن جعفر في حياة أبيه، وذلك عام 145هـ.
10 - إسماعيل بن جعفر، وولده محمد بن إسماعيل شخصيتان تحتاجان إلى مزيد من الدراسة المنصفة، والبحث المتجرد عن التعصب. ولا يثبت ما قاله متأخروا أهل السنة من الطعن فيهما؛ لاعتمادهم على مصادر خصوم الإسماعيلية من الاثني عشرية والمستشرقين في تقييم شخصية إسماعيل وولده محمد.
11 - مات محمد بن إسماعيل مطارداً في البلدان، ولم يكن له عقب.
12 - انتحال ميمون القداح لشخصية محمد بن إسماعيل.
13 - مرت الإسماعيلية بأربع مراحل هي: المرحلة الخطابية، وهي مرحلة الغموض، والمرحلة القداحية، وهي مرحلة الدعوة والانتشار، والمرحلة القرمطية، وهي مرحلة الإباحية، وانتهاك الحرمات علناً، والمرحلة العبيدية، وهي مرحلة الدولة وبسط النفوذ.
14 - العبيديون من السلالة القداحية الفارسية، ولا يمتون إلى آل البيت بصلة، وأدلة من صحح نسبهم كلها عاطفية، لا تعتبر عند أهل النظر.
15 - ميمون القداح يعتبر من أبرز الدعاة والمفكرين، والحجج والأبواب عند الإسماعيلية.
16 - القرامطة على اختلاف مسمياتهم يعتبرون من طوائف الإسماعيلية، وخلافهم مع العبيديين خلاف سياسي؛ من أجل الصراع على منصب الإمامة في الغالب، أو في سياسة إخراج العقائد والإفصاح عنها، وهذا يترتب على اختلافهم في تقدير ما يسمونه بقيام القيامة الذي يزعمون أنه إيذان بإعلان العقائد الباطنية، وإلغاء مبدأ التقية، والإفصاح بوضع الشرائع واستحلال المحرمات والمحارم.
17 - الدروز المعاصرون يعتبرون دروعاً بشرية ضد المسلمين في بلاد الشام، وعمالتهم واضحة جلية.
18 - أئمة المستعلية بمختلف طوائفهم وأطيافهم تعتبر إمامتهم باطلة بحسب الفلسفة الإسماعيلية، لمخالفتها لبعض شروط الإمامة: كالسن، وبقاء الإمامة في الأعقاب. مع وجود هذه المخالفات في كثير من فرق الإسماعيلية قبل وبعد المستعلية.
19 - الدعوة الطيبية المستعلية فكرة صليحية، وأفكار إسماعيلية.
20 - أطلق لقب الهبرة على طائفة الطيبية بعد موت الصليحية، وبسبب اشتغال أبناء الطائفة بالتجارة في الهند.(3/169)
21 - انتقال الصلاحيات إلى ما يسمى بالداعي المطلق في ظل انعدام الأئمة عند الإسماعيلية، وقيام الداعي المطلق بصلاحيات الإمام بعد قتل الآخر، وعجز الإسماعيلية عن إثبات وجود ما يسمي بالطيب بن الآمر.
22 - البهرة السليمانية في اليمن تتوسع بشكل هادئ، وغير ملفت للنظر، بينما وجود الداودية ملحوظ في الأوساط الرسمية؛ بسبب سياستهم، وتحسين علاقاتهم مع الأنظمة القائمة في العالم العربي والإسلامي.
23 - البهرة السليمانية في عراس والمزاحن تتبع القيادة المركزية لطائفة السليمانية في نجران، والتي تشكل خطراً على الفكر السني في الجزيرة العربية عموماً وعلى بلاد الحرمين على وجه الخصوص.
24 - سوف تحظى سليمانية المزاحن بالاهتمام من قبل الداعي الجديد، والذي يعد من أبناء هذه المنطقة، وسبق له أن كان منصوباً للداعي السليماني فيها.
25 - ثبوت قتل نزار بن المستنصر على يد أخيه المستعلي، ولم يكن له عقب.
26 - فرقة النزارية أنشأها الحسن بن الصباح، وهي التي تعرف بالحشاشين، وليس له نسب إلى نزار.
27 - طائفة الآغاخانية تنتمي إلى القاسمية النزارية.
28 - فرق وطوائف الإسماعيلية تيارات متعددة المسميات، متحدة الأفكار والغايات، والخلاف بينها خلاف سياسي في مرحلية الإفصاح عن الأفكار والمعتقدات، ممزوج بصراع المطامع والأهواء الشخصية لدى القيادات الإسماعيلية.
التوصيات:
وفي ختام هذا البحث أضمنه بالتوصيات التالية:
1 - ضرورة البيان حول عقائد فرقة الإسماعيلية، والتحذير من خطرها على الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين.
2 - ضرورة قيام الأنظمة العربية الإسلامية من وضع حد لانتشار مثل هذه الأفكار والمعتقدات، والتي تشكل خطراً على الإسلام والمسلمين، كما تشكل خطراً على الأنظمة في المناطق التي تسيطر عليها مثل هذه الطوائف الهدامة. وإن اعترفت ظاهرياً بالأنظمة القائمة فإنه اعتراف مرحلي ممزوج بعقيدة التقية.
3 - ضرورة الوحدة بين العاملين في الحقل الإسلامي في مواجهة هذا المد بالحكمة والموعظة الحسنة، ونشر الفكر السني الأصيل.
4 - كما أوصي الدعاة إلى الله، والعاملين للإسلام بقراءة كتب هؤلاء والكتب التي تعريهم؛ ليتعرفوا على مدى المؤامرة التي يدبرها هؤلاء على الإسلام والمسلمين.
5 - وأوصي أهل الاختصاص من العلماء والباحثين والسياسيين والمهتمين لعمل مراكز متخصصة للأبحاث حول هذه الفرقة وطوائفها، وإنشاء مؤسسات لدعوة هؤلاء، وإيجاد مرافق لاستيعاب العائدين منهم، وإنشاء مواقع بحثية على شبكات الانترنت لدعوة عوامهم، وإقامة الحجة على دعاتهم، وتوعية أهل السنة بمخاطر هذه الأفكار والدعوات الهدامة، والتي تشكل خطراً على الدين والوطن والقيم والمبادئ، والأخلاق والثوابت.(3/170)
الإنسان الكامل في الفكر الصوفي عرض ونقد
Oلطف الله بن عبدالعظيم خوجه
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
تصوف - صوفية
الخاتمة:
أحمد الله، الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعونه وتوفيقه يتوصل إلى الغايات، وأشكره على ما هيأ من إتمام الرسالة، التي استوجبت بحثا وجهدا، فرضته الطبيعة الفلسفية لهذا الموضوع، وقد خلصت إلى نتائج أهمها:
1 - أن معنى (إنسان) في اللغة: الظهور، والنسيان. وفي الاصطلاح: مرئي عاقل.
2 - أن الإنسان أكرم المخلوقات، وأرقاها، وأجمعها لكثير من الخصائص الكونية، فقد اجتمع فيه ما لم يجتمع في غيره من الأوصاف.
3 - خيرية النبي محمد صلى الله عليه وسلم المطلقة على سائر البشر، وعلو مقامه في الفضل والعبودية، دون أن يتجاوز ذلك إلى مقام الربوبية أو الألوهية.
4 - المسلم خير الخلق، ولا يكافئه أحد في مرتبته أو حرمته، والصالح من بني آدم خير من الملائكة وصالحي الجن.
5 - وضوح الفرق بين الخالق والمخلوق، وأن علو مرتبة المخلوق لا تبلغ به مرتبة الربوبية والألوهية بحال، بل يحرم عليه أن يتطلبها أو يدعيها.
6 - أن سمو الإنسان وارتقاءه إنما يكون بالإسلام علما وعملا، وفق منهج السلف.
7 - أن كلمة (صوفية) أصلها ومرجعها إلى كلمة (سوفية) اليونانية، ومعناها: الحكماء. فإن (سوف) تعني الحكمة، ومنه (فيلسوف) ومعناه: محب الحكمة.
8 - أن حقيقة التصوف وماهيته هو الفناء عن البشرية، والبقاء بالإلهية، إما عن طريق الاتحاد بالذات الإلهية، أو عن طريق حلولها وتجليها في أكمل المخلوقات.
9 - أن التصوف فكرة هو الفلسفة، وأما من جهة المنتسبين، فمنهم السني، ومنهم الفلسفي. فقد قيل في تعريف التصوف أنه: التخلق بأخلاق الله. وفي تعريف الفلسفة أنها: التشبه بالإله على قدر الطاقة. والتعريفات متطابقان.
10 - وجود طائفة من المتصوفة المعاصرين على الاعتقاد الذي كان عليه المتحققين بالتصوف من الأوائل.
11 - أن فكرة (الإنسان الكامل) عند الصوفية محورية، وغاية عليا، يسعى إليها كل من أراد التحقق بالتصوف.
12 - أن أول من أطلق مصطلح (الإنسان الكامل) في المتصوفة هو ابن عربي، أما من قبله فكانوا يستعملون مصطلحات أخرى، لها المعاني نفسها التي للإنسان الكامل.
13 - كثرة مرادفات مصطلح (الإنسان الكامل) وأهمها: القطب، الحقيقة المحمدية، الولي، الكلمة، العقل الأول، العقل الفعال .. إلخ. وكل واحدة منها تكشف عن زاوية من زوايا الإنسان الكامل الكثيرة.
14 - أن (الإنسان الكامل) في رأي المتصوفة، أول موجود في العالم على الإطلاق، وجد نورا، ومن نوره وجدت الأنوار والمخلوقات فبه خلق الله الكون.
15 - أن الإنسان الكامل، في رأي المتصوفة، هو الجامع للأسماء والصفات الإلهية، والحقائق الكونية، وأنه روح العالم، به بقاؤه، وأنه برزخ، وله الوساطة بين الحق والخلق، لإيصال الفيض الإلهي إلى الخلق، والوصول بالخلق إلى الحق، وله بذلك التمكين في الكون، والكشف عن المغيبات، وأنه يظهر في كل زمان ومكان، وأكمل صورة ظهر فيها هي: صورة محمد صلى الله عليه وسلم.
16 - أن الإنسان الكامل، في رأيهم جامع بين الأوصاف الإلهية والحقائق الكونية ولأجله له الوساطة للحق في: التعرف إليهم، وإيجاد العالم، والقيام بخلافته في حفظ العالم، وإفاضة روح الحياة إليه. وله الوساطة للخلق في: التعرف والوصول إلى الحق، والكشف عن المغيبات.
17 - أن علة وساطة الإنسان الكامل، في قولهم، تنزه الحق عن تدبير الكون تدبيرا مباشر، لعدم المناسبة.
18 - جعل الصوفية سبب خلق الكون إرادة الله أن يعرف، وأن (الإنسان الكامل) هو الذي يقوم بمهمة التعريف، لكونه على الصورة الإلهية.
19 - جعل الصوفية صورة (الإنسان الكامل) هو صورة الله تعالى، مِثلا بمثل.
20 - وصف (الإنسان الكامل) بالعصمة المطلقة.
21 - التصريح بسقوط التكاليف في حق الواصل، وانسجام هذا الرأي مع قواعد التصوف ومصطلحاته، واستنكار جمع كبير من المتصوفة الأوائل هذا الرأي.
22 - اختفاء الهيبة والحشمة بين العبد وربه، في منزلة الإنس والتدلل، لتحل محلها معاني العشق والتدلل، والجرأة على مقام الله تعالى.
23 - أن أصول الأفكار الصوفية عن (الإنسان الكامل) ترجع إلى الثقافات: الفارسية، والهندية، واليونانية، مع تطوير قام به المتصوفة في حواشي الفكرة، دون أصلها.
24 - المتصوفة لهم جهد بارز في تضمين نصوص الكتاب والسنة معاني التصوف، متبعين في ذلك نهج إخوان الصفاء.
25 - انتقال فكرة (الإنسان الكامل) خصوصا، والفكر الصوفي عموما، إلى المسلمين عبر مسالك متنوعة، مثل: الترجمة، وفرق الشيعة، ورسائل إخوان الصفا.
26 - مناقضة فكرة (الإنسان الكامل) للإسلام جملة وتفصيلا.(3/171)
البوهرة – تاريخها وعقائدها – دراسة علمية موثقة عن طائفة البوهرة الإسماعيلية
Oقمر الهدى الأثري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عمار – عمَّان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
باطنية
الخاتمة:
الحمد لله الذي بعونه تتم الصالحات وبعد: فإن أبرز ما وصلت إليه بعد البحث والتحقيق ألخصه فيما يلي: أن طائفة البوهرة الإسماعيلية لم تكن من تأسيس أحد من آل البيت، وجعفر الصادق بريء من مثل هذه الحركة الباطنية المضادة للإسلام.
فلسفة الإمامة وما يتعلق بها من الصفات هي من نسج الخيال, لا صلة لها بالواقع والعمل.
إن كبار الدعاة الإسماعيليين المقربين من أئمتهم لم يكونوا مخلصين في عملهم, بل كل منهم كان له هدف معين يهوى الوصول إليه، ولذلك أظهر الأئمة البراءة عنهم, وأوضح مثال لذلك أبو الخطاب, والمغيرة, وعلي بن الفضل.
إن عقيدة النص, وكون الإمام بعد الأب ابنه لا صلة لها بالإسلام, ولم تكن معروفة حتى بين أبناء جعفر الصادق الأربعة الذين قاموا بادعاء الإمامة لأنفسهم.
لم يتفق اثنان منهم على أي أمر من الأمور, مع تحريم الرأي والاجتهاد, واختلفوا فيما بينهم اختلافاً لم يختلف مثله غيرهم قط.
إن القول بالظاهر, والباطن, والتأويل, من أقوال الفلاسفة, والبراهمة, واليهود, ولا يوجد في الإسلام مثل هذه الترهات.
إن خلاصة تعاليم الإسماعيلية البوهرة هي اعتقاد رسول بعد رسولنا خاتم النبيين.
وما صلة البوهرة بالإسلام بعد تفسير كلمة الإخلاص لا إله إلا الله بلا إمام إلا إمام الزمان، والخالق البارئ المصور عندهم هو العقل الأول أو إمام الزمان، وعندهم (عالم الغيب والشهادة) هو القائم الذي يقوم يوم القيام، وقل هو الله أحد هو العقل الأول, أو الرسول محمد, أو آل بيته الطاهرون، والشرك فيها هو شرك في الحدود وليس في المعبود، وفيه رسول بعد رسول الله خاتم النبيين، ويكون عندهم الأنبياء مخطئون، والأئمة من آل فاطمة هم المعصومون، ويكون المراد بأشهد أن محمداً رسول الله شهادته للقائم أو عبيد الله، يعد فيه القرآن الكريم محرفاً من التوراة والإنجيل، الدين الذي أساسه الباطنية والكتمان، الذي تكون حقيقته مأخوذة من الأفلاطونية الحديثة, والنظرات الإيرانية والهندية, الذي أخذ حدوده العشرة من نظام الكاثوليكية، الذي لا ينكر فيه السجود للإمام، الذي يحتم وجود إمام معصوم في كل زمان، وغاب إمامه قبل ثمانية قرون.
وبعد هذا الاستعراض الإجمالي تتضح الصلة بين البوهرة الطيبية والإسلام.
والإسلام دين قيم خالص من غش فلسفة الفلاسفة, وكتمان النصرانية، والمدارج المذهبية، ولا يوجد فيه تصور الحق الملكي الإلهي، وليس فيه الحلول والتناسخ، لا يحتاج فيه إلى وسائط الأولياء، وتعاليمه مبنية على التوحيد, والأعمال الصالحات.
{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5].(3/172)
الخوارج أول الفرق في تاريخ الإسلام مناهجهم وأصولهم وسماتهم - قديما وحديثا وموقف السلف منهم
Oناصر بن عبدالكريم العقل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الوطن - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
خوارج
الخاتمة: تنبيهات ونصائح وتوجيهات:
وفي الختام أحمد الله تعالى على أن وفق وأعان على إتمام هذه الحلقة ولا يسعني في نهايتها بعد شكر الله والثناء عليه بما هو أهله، إلا أن أسدي نصيحة خالصة صادقة إن شاء الله لعامة المسلمين، وشبابهم بخاصة وبصفة أخص أهل هذه البلاد المباركة، حيث لا تزال بحمد الله أسلم من غيرها؛ فأقول: يعيش المسلمون اليوم في جميع الدنيا نهضة إسلامية مباركة، وهي بين الشباب أكثر، وكما أن لهذه النهضة جوانب إيجابية كثيرة، وأنها في جملتها أحيت الأمل بين المسلمين، وتحققت بها، وستتحقق بها كذلك مصالح عظيمة للإسلام بإذن الله. إلا أنها مع ذلك قد يعتريها ما يعتري البشر من النقص والخلل والتقصير، وهذا أمر طبيعي يصاحب كل موجات التطور في التاريخ، ولا أدل على ذلك من آخر عهد الصحابة رضي الله عنهم، فقد صاحب موجات الفتح العارمة التي واكبت الفتح الإسلامي الأول لبلاد العراق والشام ومصر، حيث دخلت الإسلام أمم وشعوب وقبائل كثيرة كلها حديثة عهد بجاهلية وكفر؛ من العرب والفرس والروم والقبط وغيرهم. فقد صاحب هذه الموجات نزعات كثيرة من الأهواء والبدع والأحداث الجسام، كالفتنة على الخليفة الراشد عثمان رضي الله عنه وما أعقبها من فتن، وظهور الفرق الأولى: الخوارج والشيعة (السبئية)، وبدع النساك والعباد، وبدع القدرية، وقد واجه الصحابة رضي الله عنهم والتابعون وأئمة الهدى وولاة الأمر، هذه الظواهر بالحكمة والفقه والعلم والحلم والحزم والقوة، بحسب مقتضيات الحال. ومع ذلك فإن هذه الظواهر الشاذة والنزعات البدعية لم تحجب الخير عن البشرية، فقد صاحب ذلك قيام أعظم حضارة في التاريخ قامت على العلم والجهاد. وكذلك أمر هذه النهضة الحديثة، فإن وجود النزعات الشاذة بين بعض فصائلها لا يعني فقدان الأمل فيها بل العكس، ولا يعني أنها لن تؤتي ثمارها، بل إن هذه الثمار الطيبة قد بدأت بوادرها في كل مكان، لكن ظهورها المفاجئ مع قلة الموجّه والناصح، وبُعد كثير من فئاتها عن توجيه العلماء المباشر، جعلها تعيش مرحلة حرجة هي أشبه بمرحلة الطفولة والمراهقة والتخبط إلى حد ما، ونحن على ثقة بإذن الله بأنها ستتجاوز هذه المرحلة إلى الرشد والتعقل، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. إذن فالواجب على العلماء وطلاب العلم في الأمة أن يسددوا الأمة ويرشدوها ويوجهوها إلى الخير، وأن يعالجوا الأخطاء التي تنشأ كما فعل الصحابة والتابعون وتابعوهم. ومن هذا المنطلق فإني سأذكر هنا شيئا مما ظهر لي من بعض الأخطاء التي تحدث من فئات وأفراد وجماعات وتوجهات، من نزعات وسمات تحتاج إلى نظر وتصحيح ومناصحة. مع العلم أن ذكرها هنا لا يعني الحكم على أصحابها بأنهم أهل أهواء، وأبرأ إلى الله من أن أتهمهم بذلك، لكنها سمات وظواهر ونزعات وصفات وخصال متفرقة قد لا توجد مجتمعة عند طائفة بعينها. كما أني أخشى إن لم تعالج هذه الظواهر ويناصح أهلها أن تتجارى بأصحابها وتتأصل وتتكاثر، حتى تكون بذورا للأهواء (لا قدر الله).(3/173)
هذا ولا يحسن بل وليس من الحكمة أن يدعي المسلم أنه في مأمن من الأخطاء والأهواء كيف لا؟! والنبي صلى الله عليه وسلم المعصوم كان يقول: ((يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)) [أخرجه الإمام أحمد بألفاظ مقاربة 3/ 112، 257 وغيرها والترمذي في كتاب القدر حديث رقم (2290) وحسنه وابن ماجه في الدعاء حديث رقم (3834) وصححه العلامة الألباني - صحيح الجامع الصغير (7987)] إذا كان الأمر كذلك فمن ذا الذي سيدّعي العصمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل، يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك. أما ما تمكنت من استقرائه من نزعات وظواهر وسمات متفرقة يلزم التنبيه عليها والتحذير من الوقوع بها خشية الوقوع بالأهواء، فأمثل لها بما يلي:
1 - تصدر حدثاء الأسنان، وسفهاء الأحلام – أحيانا- لأمور الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بلا علم ولا فقه ولا تجربة، ولا رجوع إلى العلماء وأهل الفقه والتجربة.
2 - هيمنة نزعة الخروج على أذهان بعض الناس، وكثرة الثرثرة بها وإطلاق الأحكام فيها، في حيث إنهم ليسوا من أهل الحل والعقد، ولا من الراسخين في العلم الذين يعنيهم الأمر شرعا.
3 - شيوع ظاهرة التكفير والتبديع بلا ضوابط شرعية، ولا فقه، ولا تثبت بما في ذلك الأحكام على الأشخاص والجماعات والهيئات والأنظمة وغيرها والتكفير باللوازم.
4 - التسرع في إصدار الأحكام والمواقف بمجرد الشائعات، والقرائن والظنون، أو اللوازم، وأغلب ما يحدث بين أبناء الأمة الآن من نزاعات وخصومات هو من هذا الباب.
5 - البراء من المخالفين في الاجتهاديات التي يسوغ فيها الخلاف ويعذر فيها المخالف، وأكثر النزاعات الجارية اليوم بين بعض فئات المسلمين ومنسوبي الدعوات من أهل السنة من هذا النوع.
6 - الحكم على القلوب، واتهام النيات، وتصيد الزلات، وغمط المخالفين حقهم، أو جحد الحق الذي معهم.
7 - كثرة الخصومات والجدل والمراء في الدين، مع قلة العمل الإيجابي المثمر، مع التعالم والتعالي والغرور واحتقار الآخرين من العلماء ومن دونهم.
8 - الخطأ والجهل في منهج الاستدلال؛ ومنه الاستدلال بالنصوص على غير ما تدل عليه وعلى غير القواعد الشرعية، وإنزال النصوص على غير ما تدل عليه، والجهل بفهم السلف وتفسيرهم للأدلة، وعدم مراعاة الاستدلال من حيث: العموم والخصوص، أو الإطلاق والتقييد والنسخ ونحو ذلك، وعدم اعتبار قواعد المصالح والمفاسد ونحو ذلك.
9 - الجهل بالعلوم الشرعية وقلة الفقه في الدين، والتقصير في طلب العلم الشرعي.
10 - أخذ العلم الشرعي على غير أصوله الشرعية، وبغير نهج سليم.
11 - أخذ العلم عن غير العلماء، وتلقيه عن الصغار والمثقفين والمفكرين، الذين هم في العلم الشرعي من فصيلة العوام.
12 - فرض الرأي والموقف على الآخرين، ومصادرة الرأي المخالف، ومحاصرته بكل وسيلة، إلى حد استباحة الوسائل غير الشرعية لمنع الرأي الآخر. مع العلم أن أكثر الأمور التي يدور عليها الخلاف بين أهل السنة هي من الاجتهاديات. كما أن من هذا الصنف من لا يطيق سماع الرأي المخالف وإن كان مما يجوز فيه الخلاف، حتى ولو قامت الحجة واستبان الدليل.
13 - سوء الأدب مع العلماء والمشايخ وطلاب العلم الشرعي ويتمثل ذلك: بلمزهم واستنقاصهم أحيانا، وبإشاعة ما يسيء إليهم وينقص اعتبارهم عند الآخرين، ويشحن قلوب الناس، والشباب والعوام عليهم، والجرأة على الطعن فيهم والتشهير بهم.(3/174)
14 - سوء الأدب والجفاء - تدينا - مع من يجب أو ينبغي احترامهم وتوقيرهم، كالوالدين، والأخوة، وكبار السن، والمعلمين، والجيران، والزملاء، وأهل الاعتبار من الأمراء والولاة وذوي الهيئات والمسئولين. 15 - سرعة الاستجابة للفتن، والتصرفات الغوغائية، والجمهرة والتداعي عند كل صيحة دون الرجوع لأهل العلم والحلم والفقه والرأي، إلا من يوافق هواهم.
16 - استباحة البدع والوسائل المريبة في سبيل تحقيق الهدف.
17 - الولاء والبراء على الأهواء والرغبات، وما يوافق المواقف لا على الدليل والسنة.
18 - الخوض في المسائل الكبرى والقضايا الخطيرة ومصالح الأمة العظمى التي لا يبت فيها إلا العلماء المعتبرون، والراسخون، وأهل الحل والعقد في الأمة، مثل تكفير الأعيان والهيئات، والخوض في البيعة والخروج ونحو ذلك.
19 - غرس الغل، وشحن قلوب الناس على المخالفين، ومن ذلك شحن قلوب الصغار والنساء والعوام والغوغاء الذين ليس لهم حل ولا عقد، مما يفسد ذات البين، ويفتح باب الغوغائية والفتن التي تفسد الدين، وتهلك الحرث والنسل.
20 - إهمال جانب المناصحة لولاة الأمور والتخذيل عن ذلك وتخطئة من يفعله. 21 - إدمان الكلام والثرثرة في ما لا شأن للعامة فيه من السياسة والمظالم والأثرة، ونحو ذلك مما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالصبر عليه، ومما لا يمكن معالجته إلا مع ذوي الشأن وأهل الحل والعقد في الأمة من العلماء والولاة، وأهل الرأي والمشورة.
22 - استحلال الغيبة باسم مصلحة الدعوة، أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن أعظم ذلك غيبة العلماء والولاة أو المخالفين من أهل الاستقامة.
23 - تصيد زلات العلماء وطلاب العلم والصالحين وإشهارها، والسكوت عن أخطاء أهل الفسق والفجور والزندقة وإغفالها.
24 - ضيق العطن وقلة الصبر واستعجال النتائج في أمر الدعوة وغيرها، مما يبعث روح اليأس والتشاؤم والتصرفات المتشنجة.
25 - ضعف الحكمة وقلة التجارب، مما يجعل البعض يقعون في أخطاء وقع فيها السابقون من أمثالهم، فلم يستفيدوا من العبر والدروس فإن السعيد من وعظ بغيره.
26 - نزعة العنف واستعمال القوة، بما في ذلك اللجوء إلى الأعمال غير المشروعة في سبيل النكاية بالمخالف كالوشاية والاستعداء والبهتان والمقاطعة. وقد يصل الأمر عند بعضهم إلى الضرب والإضرار المباشر. 27 - ترك الدراسة في المدارس والمعاهد والجامعات، وتحريمها أو تحريم العمل في الوظائف الرسمية.
28 - تحريم بعض المباحات، والتشدد في ذلك ومنه التوقف في التعامل مع المسلمين أو الحكم عليهم.
29 - الإخلال بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأساليبه، أو سلوك المعتزلة والخوارج وأهل الأهواء في ذلك. وفي الجملة؛ فإن هذه الظواهر إنما توجد عند القليل من أبناء الأمة، وليست في بلد واحدة، ولا في طائفة أو جماعة دون أخرى، لكنها قد تكثر في جماعة أو طائفة أو بلد وتقل في آخر، بل ربما يكون شيء منها في طوائف تدعي السلفية، وأخرى تدعي السنة والجماعة، وثالثة تنتمي إلى فرق هالكة كالرافضة، والخوارج، والمعتزلة، والصوفية، وأهل الكلام، ورابعة تنتمي إلى جماعات محدثة وشعارات.
هذا ... وأسأل الله لي ولجميع المسلمين وأئمتهم وعامتهم وشبابهم التوفيق والهداية والسداد والرشاد، وأن يوفق ولاة أمورنا وعلماءنا وشبابنا إلى ما فيه صلاح الأمة في دينها ودنياها وأن يقينا جميعا الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يوفق جميع المسلمين لسلوك طريق السنة، ويهديهم سواء السبيل، وأن يجمع كلمتهم على الحق وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه. وكتبه ناصر بن عبدالكريم العقل.(3/175)
الخوارج دراسة ونقد لمذهبهم
Oناصر بن عبدالله السعوي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المعراج الدولية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
خوارج
الخاتمة: تم بفضل الله وتوفيقه، ما أردت ذكره في هذه الرسالة، عن موضوع الخوارج ودراسة مذهبهم ونقده.
وقد أشرت في مقدمة هذه الرسالة إلى ما يعانيه المسلمون في هذا الزمان من التفرق والتمزق واختلاف الكلمة، وهذا مرض خطير قد عرض الأمة إلى الهلاك والويلات والدمار والضعف والانهيار حتى أصبحوا لقمة سائغة للأعداء.
وواجبنا نحن المسلمون اليوم أن نبحث عن علاج نستطب به، ولكن قبل ذلك لا بد من معرفة أسباب ذلك الداء وأصوله.
وقد بحثنا عن هذه الأسباب فلم نجدها وليدة هذا العصر بل وجدناها ضاربة في أعماق التاريخ الإسلامي، ومنذ فجر الإسلام، إذ إن من هذه الأسباب: الجهل بحقيقة الدين ومبادئه السامية وتحكيم الرأي وهوى النفس ولو كان مخالفا للشرع وعدم تمكن الإسلام من قلوب كثير من المسلمين مما جعلهم ألعوبة بأيدي أعداء الإسلام الذين يحملون له الكيد والحقد فتظاهروا بالإسلام حيلة لتحقيق أغراضهم وأطماعهم وهذا من أعظم أسباب تفرق الأمة الإسلامية.
وبناء على ذلك ظهرت فرق منتسبة إلى الإسلام وهي مخالفة للمنهج الإسلامي الصحيح بعيدة عن الصراط المستقيم.
(والخوارج) هم إحدى تلك الفرق وقد ذكرت في الباب الأول من هذه الرسالة: نشأتهم وأصل مقالتهم وسبب خروجهم عن جماعة المسلمين، وهو لا يعدو تلك الأسباب المذكورة.
وحتى الخوارج بعد مفارقتهم لجماعة المسلمين لم يسلموا من الفرقة والخلاف بل دب النزاع بينهم فأصبحوا فرقا بينها من الشقاق والنزاع ما الله به عليم، كما بينت ذلك في الباب الثاني.
وإذا تدبرنا أهم آرائهم التي يجمعهم القول بها وجدناها من أعظم أسباب التفرق والانشقاق، وهي قولهم بتكفير صاحب الكبيرة، ورأيهم في الإمامة.
أما تكفير صاحب الكبيرة فعندهم أن من فعل معصية كبيرة فهو كافر خارج من الدين، وتجب البراءة منه،
وهذا من أعظم أسباب التفرق والتمزق حيث إنه لا يسلم من ارتكاب معصية إلا القليل من الناس.
لكن الإسلام قد وضع الحلول العادلة التي تردع العاصي ولا تفرق الأمة؛ فبدعة الخوارج هذه من أعظم الأدلة على جهلهم وخبث مبدئهم.
وأما من جهة الإمامة: فعندهم أنه يجب الخروج على الإمام عند أدنى مخالفة من جور أو ظلم أو معصية أو نحو ذلك، حتى ولو أدى الأمر إلى الشقاق وحمل السلاح وسفك الدماء.
فهذا من أعظم أسباب تفرق الأمة وتمزق شملها وذهاب قوتها. ولذلك حرم الإسلام الخروج على الإمام المسلم.
وإذا تدبرنا حركات الخوارج وجدناها عاملا أساسيا في تفريق كلمة المسلمين وإضعافهم وإراقة بعضهم لدماء بعض، حتى وإن تظاهروا بإرادة الخير ونصرة الإسلام، ولكنهم يحملون أفكارا ليس فيها إلا الضرر والشر المحض.
ولذلك حذرنا منهم الرسول صلى الله عليه وسلم، كما حذرنا منهم الصحابة والسلف الصالح.
فالواجب على المسلمين اليوم أن يأخذوا حذرهم من أعداء الإسلام، وأن تكون لهم عبرة بما مضى.
وأن يتفقهوا أمر دينهم وأن يتمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ففي ذلك السعادة والفلاح والنجاة، في الدنيا والآخرة.(3/176)
الخوارج تاريخهم وأراؤهم الاعتقادية وموقف الإسلام منها
Oغالب بن علي عواجي
المحقق/ المترجم:
بدون مكتبة لينة - مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
خوارج
وقد انتهيت من دراستي للخوارج إلى أهم النتائج الآتية:
في الباب الأول:
1 - تبين لي من دراسة جميع الآراء التي قيلت في التعريف بالخوارج وتحديد نشأتهم، أنهم باعتبارهم فرقةً متميزة لها آراء خاصة معروفة، هم الذين خرجوا على الإمام علي في وقعة صفين بعد قضية التحكيم، وامتد تاريخهم بعد ذلك من خلال فرقهم العديدة وحركاتهم الثورية على الدولة الإسلامية.
2 - تبين لي من دراسة كيفية خروج الخوارج على الإمام علي نتيجةً لقبول التحكيم حسب روايات المؤرخين أنه كان مكرهاً في قبوله (1)، خلافاً لمن ذهب إلى أنه كان برضاه، ونتيجةً لاتصالات شخصية بينه وبين معاوية، وأنه كان مكرهاً كذلك في إنابة أبي موسى الأشعري عنه، وأنه لا يُعدُّ ذلك طعناً منه في دينه، وتبين لي تبرئة الصحابة من الخداع في تلك القضية، وتبرئة الإمام علي فيما اتهم به من العصبية القبلية، والاعتداء على الخوارج في موقعة النهروان بدون مبررات تدعو إلى ذلك.
3 - ظهر لي خطأ من زعم أن الخوارج كاد أن يقضى عليهم نهائياً في موقعة النهروان، حتى انقطعت الصلة بينهم وبين الفرق الخارجية التي ظهرت في العصرين الأموي والعباسي، وبيَّنت أنه بقي من الخوارج بعد موقعة النهروان وفي بقية المناطق الإسلامية الأخرى كثرة عددية جعلت تاريخهم متصلاً، خلافاً لمن شكك في تلك الحقائق.
4 - انتهيت إلى أن ظاهرة الخروج لم ترجع إلى سبب واحدٍ، بل عملت عليها أسباب قريبة مباشرة وأخرى بعيدة، وأنه كان لكل منها أثره في تلك الظاهرة، قوي هذا الأثر أم ضعف.
5 - ظهر لي من دراسة حركات الخوارج أنهم لم يكونوا منظمين في خروجهم، ولم تحكمهم قيادة حكيمة بقدر ما حكمهم التهور والاندفاع.
وأن موقف الدولة منهم على العموم كان يتسم بالعنف وكان ينقصه المعاملة بالحكمة والحسنة حتى للمعتدلين من الخوارج كأبي بلا وغيره، ولو تغيرت المعاملة لكان ذلك عاملاً في صلاحهم، حافظاً لقوة الدولة التي أنهكتها معاركها معهم.
6 - من تأريخنا للفرق الكثيرة التي تشعبت إليها الخوارج يتضح لنا أن كثرة هذه الفرق ترجع إلى سرعة اختلافهم على بعضهم لأتفه الأسباب، وكذلك إلى ما نأخذه على علماء الفرق من ولعهم بتكثير ما يذكرونه من فرق الخوارج ونسبتها إلى زعمائها، حتى ولو لم تستحق تسميتها كذلك لقلتها.
7 - انتهينا من بحث خصائصهم إلى أنهم كانوا أهل شجاعة وسرعة اندفاع، بالإضافة إلا ما تميزوا به من كثرة العبادة والزهد والفصاحة وصدق في الحديث، وصبر على الجدل والمنازعة.
في الباب الثاني:
1 - رجحت أن الخوارج يقولون بالتحسين والتقبيح العقليين، وأنهم لم يكونوا سواءً في تمسكهم بظاهر النص، أو في أخذهم بمبدأ التأويل، ولم يلتزموا بأحد هذين المنهجين، بل أخذوا بكل منهما حسب ما يقتضيه تحقيق أهدافهم.
2 - انتهيت من دراسة آراء الخوارج (ولاسيما الإباضية منهم) في بعض مسائل الإلهيات والسمعيات إلى أنهم ينكرون زيادة الصفات على الذات الإلهية ويؤولون الصفات الخبرية، وينكرون الرؤية، ويختلفون في القول بالقدر، وأنهم ينكرون وجود الجنة والنار الآن، وكذلك ينكرون عذاب القبر والشفاعة، وينكرون الحقائق الشرعية للصراط والميزان يؤولونهما.
_________
(1) لقد اعتمد في هذه النتيجة على روايات أصحاب الفرق والتاريخ، انظر ما تقدم في قضية التحكيم.(3/177)
3 - الخوارج يعتبرون أن العمل جزء من حقيقة الإيمان، فلا يتم إلا به، وأن الإسلام والإيمان عندهم بمعنى واحد، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص إلا عند الإباضية منهم، وأنهم وإن اتفقوا مع السلف في اعتبار العمل جزءاً من الإيمان؛ إلا أنهم اختلفوا في النتائج المترتبة على ذلك فيما يتعلق بحكم مرتكب الكبيرة.
4 - بينت خطأ ما يشاع عن الخوارج أنهم جميعاً يكفرون مرتكبي المعاصي كفر ملة، بل هناك من يفرق بين الصغيرة والكبيرة، وأن الإباضية يكتفون بتكفير العصاة كفر نعمة، وإن اتحدوا مع غيرهم في القبول بخلود العصاة في النار، وبينت مدى اختلافهم في كل ذلك عن موقف السلف في هذه القضية.
5 - بينت أن الخوارج يقولون بضرورة الإمامة العظمى، خلافاً لما قيل غير ذلك، وأن ما نُسب إليهم من القول بعدم ضرورتها ربما كان رأيهم في بادئ الأمر، أو لبعض الغلاة من النجدات، بدليل أنهم لم يعملوا به، بل على العكس من ذلك كان لهم ولاتهم منذ تجمعهم قبل موقعة النهروان، وتبين لي أن شروطهم في الإمامة شروط شديدة معظمها صحيح، وأنهم خالفوا ما ورد من الأحاديث في شرط القرشية دون أن يعتبروا هذا الشرط ولو مرجحاً، وأنهم اختلفوا في إمامة المفضول، ولم يجز إمامة المرأة إلا الشبيبية.
6 - بينت مدى الخلاف بين الخوارج وأهل السنة في غلوهم في الخروج على الإمام لأدنى سبب.
7 - مخالفة الخوارج لأهل السنة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إنما هي في قيامهم بذلك على أي حال ولأي سبب، دون تقدير للعواقب المرتبة على ذلك التغيير، حتى فعلوا من المنكرات باسم تلك القاعدة أكثر مما أرادوا من الإصلاح.
8 - ظهر لي اختلاف الخوارج في حكم التقية والقعدة تحليلاً وتحريماً.
9 - بينت بالدراسة الوافية من واقع مواقف الخوارج وكلامهم غلوهم الشديد في الحكم على مخالفيهم عموماً، ومخالفتهم في ذلك لهدي الإسلام.
10 - انتهيت إلى رفض أقوال المكفرين للخوارج مطلقاً، وكذلك أقوال المكتفين بتفسيقهم أو تبديعهم مطلقاً، ورأيت أنهم جميعاً لا يشملهم حكمٌ واحدٌ، بل يختلفون في ذلك باختلاف فرقهم ومدى قرب آرائهم أو بعدها عن الدين، ومدى اعتدال بعضهم من موقفهم من المسلمين.
هذا وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
10/ 1/1398هـ(3/178)
الخوارج والحقيقة الغائبة
Oناصر بن سليمان السابعي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
خوارج
خاتمة الكتاب: وفي نهاية مطاف هذا الكتاب، يجمل بنا أن نحرر أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة والمتمثلة فيما يلي:
1 - أن في أهل النهروان أو معارضي التحكيم عدداً من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تتفق المصادر على ثلاثة منهم: زيد بن حصن الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي وهو غير ذي الخويصرة وغير المخدج، والخريت بن راشد السامي الناجي.
2 - الصواب في قضية التحكيم مع معارضيه، وما ينسب إلى ابن عباس أنه خصمهم في حروراء غير ثابت.
3 - لم يكن أهل النهروان راضين عن مقتل عبدالله بن خباب، بل قتله أحد الذين انضم إليهم فيما بعد وهو مسعر بن فدكي التميمي، وقد طرده أهل النهروان. نسبة التكفير إلى أهل النهروان غير ثابتة، وإن ثبتت فيحمل على الكفر بمعنى المعصية كما وردت بذلك نصوص القرآن والسنة النبوية.
5 - ظهر مصطلح الخوارج بعد ظهور الأزارقة عام أربعة وستين من الهجرة النبوية، وبرز في عام اثنين وسبعين.
6 - ينحصر معنى الخوارج الاصطلاحي فيمن يحكم على مخالفيه بالشرك أو الكفر المخرج من الملة الذي ترتب عليه جواز الاستعراض؛ أي قتل المخالفين ومعاملتهم بأحكام المشركين.
7 - يجمع المحكمة الآراء التالية:
أ- رفض التحكيم.
ب- جواز أن تكون الإمامة في غير قريش.
ج- جواز الخروج على الأئمة الجورة.
د- الحكم بالكفر على عصاة الأمة، لكن يحمل على كفر النعمة عندهم فيما قبل عام أربعة وستين من الهجرة، أما بعد ذلك فلم يلتزم به سوى الإباضية.
8 - مقتل الإمام علي كرم الله وجهه على يد عبدالرحمن بن ملجم لم يكن بتدبير من المحكمة.
9 - الفرق التي يصح أن تنسب إلى الخوارج هي الأزارقة والنجدات والصفرية دون الإباضية بسبب تبني الفرق الثلاث الحكم على المخالفين بالشرك المخرج من الملة، أما الإباضية فإنهم يعاملون مخالفيهم معاملة المسلمين بكل أوجهها.
10 - حديث المروق حديث صحيح ثبت عن عشر طرق عن الصحابة.
11 - يمكن أن يحمل حديث المروق على الخوارج الذين ظهروا بعد عام أربعة وستين من الهجرة، وذلك لانطباقه على صفاتهم المتمثلة في كثرة العبادة مع الانحراف في توجيه بعض الآيات والنصوص الشرعية المتعلقة بالمشركين بجعلها متوجهة إلى أهل القبلة، فيرتب عليه استباحة القتل مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ هذا الحديث: (يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان).
وينسحب هذا الحكم على كل من يتبنى الفكر الخارجي قديماً وحديثاً.
12 - حديث المخدج لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو زيادة شاذة.
13 - حديث شيطان الردهة حديث منكر.
14 - حديث المتعبد حديث ضعيف.
15 - حديث الإمام علي: "لقد علمت عائشة بنت أبي بكر أن أهل النهروان ملعونون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم" حديث ضعيف.
16 - حديث الإمام علي: "أمرت بقتال الناكثين والفاسطين والمارقين" حديث موضوع.
17 - حديث (تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلها أولى الطائفتين بالحق) صحت بعض أسانيده، لكنه غير صريح في قوم مخصوصين.
وأما إن حمل على أهل النهروان فلا يصح بالزيادة، والصحيح منه بلفظ (لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة).
18 - حديث (الخوارج كلاب النار) لا يصح رفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والأقرب أنه موقوف على أبي أمامة الباهلي صدي بن عجلان.(3/179)
هذا، وقد تجلى للقارئ الكريم أن أهل النهروان ومعارضي التحكيم الذين قيل عنهم ما قيل طوال القرون الغابرة، والذين طالما شوهت حقيقتهم ونالهم من ظلم الفرق الأخرى ومن حيف كثير من المؤرخين والكتاب الشيء الكثير، كانوا – في الحقيقة – طلاب حق أصابوه، وإن قيل عنهم غير ذلك، بل كانوا هم أصحاب الرأي الحازم والنظرة النافذة في أعماق الأحداث، وقد جرت الأمور على ما توقعوه، والمتأمل في المجريات التاريخية يتبين له صدق هذه النتيجة.
ولا غرابة في ذلك، فقد كانوا من أهل الفضل والعلم، وكان فيهم جملة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي الأقدمين منهم. كما وصفوا بأنهم أصحاب البرانس والسواري، وفي ذلك دلالة واضحة على اتصافهم بنعوت الخير والتقى والزهد في الحياة، ووصفوا بالقراء الذي كان لقباً للعلماء والفقهاء يومئذ، وقد تقدم عن ابن عباس ما يكفي للتأكد على صحة هذا الوصف، فقد قال لعتاب بن الأعور التغلبي – أحد معارضي التحكيم – كما سبق إحالته إلى ابن أبي شيبة في مصنفه: "إني أراك قارئاً للقرآن، عالماً بما قد فصلت ووصلت"، الأمر الذي دعا راوي القصة – وهو كليب بن شهاب الجرمي – إلى وصفه بقوله: "كأنما بنزع بحاجته من القرآن في سورة واحدة". إضافة إلى ما سبق ذكره من الأمور الأخرى التي تشهد لقوة ما صاروا إليه في مسألة التحكيم. وبناء عليه فلا مجال لقبول تأويل حديث المروق الصحيح أو غيره فيهم. وقد بان جلياً أن حديث المخدج الذي يقتضي أن يراد به أهل النهروان غير ثابت، بل حكمت عليه السيدة عائشة رضي الله عنها بأنه مكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم حسبما تقدم ذكره وذكر النقاش فيه. كما تجلى أيضاً أنهم بريئون من وصمة الخوارج التي تلصق بهم. والأمر نفسه يجري على من نهج نهجهم دون غلو ولا شطط كما هو حال الأزارقة والنجدات والصفرية الذين حكموا على مخالفيهم بالشرك والكفر المخرج من الملة. ورغم ذلك، فإن ما ينسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم من الأحاديث التي تنص على الذين سموا بالخوارج أو تشير إليهم لا يثبت، وليس كل ما يروى في الخوارج يكون صحيحاً، وذلك كالأحاديث التي مرت في الفصول المتقدمة، وكمثل حديث (الخوارج كلاب النار) الصريح بلفظه، فلا يصح أن يكون من كلام خير البشر صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى وقد أوتي جوامع الكلم وأفانين البلاغة.
ومن الجدير الإشارة إليه أن مثل هذه الروايات تأتي ضمن الحملة التي شنها الأمويون ضد أهل النهروان وأتباعهم والخوارج والمنسوبين إليهم، فقد اتخذوا أساليب عدة للتشنيع عليهم وتشويه صورتهم تجاوزت إلى الأحلام والمنامات.
وأما ما ورد عن الصحابة أو بعضهم من ذم الخوارج – الأزارقة والنجدات والصفرية – فلا يدخل ضمن تلك الحملة، فإنما قالوا بالحق ونطقوا بالصدق.(3/180)
وصدور بعض ألفاظ الذم منهم في حق أناس بعينهم يعطيه بعض الرواة حجماً أكبر ليصير ذلك بعد فترة من الزمن نصاً شرعياً. ويضاف إلى هذه الظاهرة – وهي ظهور روايات ضد مخالفي السلطة الأموية أو غيرهم – الحديث الموضوع المكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم: (المرجئة والقدرية والروافض والخوارج يسلب منهم ربع التوحيد، فيلقون الله عز وجل كفاراً خالدين مخلدين في النار). رواه ابن الجوزي في الموضوعات، وفيه محمد بن يحيى بن رزين قال: حدثنا أبو عباد الزاهد، قال ابن الجوزي: "هذا حديث موضوع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال ابن حبان: محمد بن يحيى بن رزين دجال يضع الحديث لا يحل ذكره إلا بالقدح فيه. قال: وأبو عباد لا يحل الاحتجاج به". [ابن الجوزي "الموضوعات" 1/ 205 في ذم المرجئة والقدرية والروافض والخوارج]. ويقاس على هذا الأمر ما يوجد من الروايات في حق التيارات التي خاضت غمار الصراع السياسي في أدوار التاريخ المتقدمة. ويشمل الأمر الأمويين أنفسهم، فقد وضعت فيهم وفي غيرهم من الذين كانوا يحكمون بمنطق السيف روايات لا تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، كان ذلك المنطق المتعسف سبباً لاختلاقها. وهذا شأن جميع الفرق المنتسبة إلى الإسلام، اللهم إلا الذين أطلق عليهم الخوارج، فقد كانوا أبعد الناس عن الكذب على عامة البشر فكيف بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا أمر يشهد به الكل ويعترف به الجميع وتقره الدراسات.
ومن أبسط الأمثلة عليه وأقربها قول ابن تيمية – وقد تقدم – في حق الذين سموا بالخوارج: "لا يعرف فيهم من يكذب"، وقوله: "ليسوا ممن يتعمدون الكذب، بل هم معروفون بالصدق حتى يقال إن حديثهم من أصح الحديث".
وختاماً ألفت انتباه القارئ إلى أن يمعن النظر في هذه القضية ويكون على حذر من أغراض كثير من الرواة، كما أعطف عنايته إلى موضوع هذا الكتاب ليكون محل تأمل وموضع وقفة متأنية تستجلي من خلالها الحقيقة، من أجل خدمة الهدف المشترك بين أبناء هذه الملة الحنيفية وهذا الدين الناصع.
أسأل الله عز وجل أن يأخذ بأيدينا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، وصلى الله على رسوله الكريم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(3/181)
الصوفية في حضرموت – نشأتها – أصولها – آثارها
Oأمين بن أحمد بن عبدالله السعدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار التوحيد – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
تصوف - صوفية
الخاتمة:
انتهى – بفضل الله وإعانته – ما أردته من هذا البحث، الذي تعرض لدراسة الصوفية في حضرموت (نشأتها وأصولها وآثارها)، فلله الحمد أولاً وآخراً على ما أسبغ علي من نعمه الظاهرة والباطنة، وأجلها نعمة الإسلام والسنة، ثم سلوك طريق علم الكتاب والسنة على منهج السلف الصالح، وفي ختام هذا البحث أسجل النتائج التي أختم بها هذه الرسالة وهي كالآتي:
1 - حضرموت لفظ مكون من كلمتين: (حضر) و (موت) ركبت تركيباً مزجياً فصارت كلمة واحدة، وقد اختلف في سبب تسميتها بذلك على أقوال بينتها في فقرات البحث، وتبين أن حضرموت اسم موضع واسم قبيلة.
2 - تبين من خلال البحث أن حضرموت كانت بها أديان مختلفة قبل دخول الإسلام إليها، فقد وجدت بها عبادة الشمس، وعبادة الأصنام ونحو ذلك، ثم دخلتها اليهودية، ثم النصرانية وبعد ذلك دخلها الإسلام فرحل بعض رجالها إلى المدينة لمبايعة النبي صلى الله عليه وسلم ولتعلم دين الله تعالى.
3 - أن دخول الإسلام لحضرموت كان مبكراً بالنسبة لغيرها من البلدان، وكان لها أثر واضح في نشر الإسلام بعد ذلك، ولكنه عكر هذا الإسلام المصفى ما نشره المتصوفة فيما بعد من الشركيات والبدع.
4 - تعددت الأقوال في أصل اشتقاق التصوف وفي معناه، وقد ذكرنا بعض تلك الأقوال، وترجح أن التصوف نسبة إلى الصوف؛ لأنه كان غالب لباس الزهاد.
وأما معنى التصوف فالذي يظهر أنه يختلف المعنى بحسب العصور التي يمر بها التصوف، فقد نشأ التصوف في بدايته لأسباب أهمها: نزعة الزهد لدى البعض، بالإضافة إلى الظروف الاجتماعية والسياسية التي سادت المجتمع في ذلك الوقت، ثم دخلت عليه نظريات فلسفية أبعدته عن دين الله تعالى، فالتصوف عند بعضهم رياضات يقوم بها السالك لهذا الطريق ليصل من خلالها إلى وحدة الوجود ويشعر أن الكون والله شيء واحد – تعالى الله عن ذلك-.
5 - إن دخول التصوف إلى حضرموت كمنهج له قواعده وأصوله ورجاله كان في القرن السادس، وتمكن في القرن السابع على يد محمد بن علي العلوي الملقب بالفقيه المقدم، وإن وجد قبله بعض الشخصيات التي تشربت بالتصوف إلا أنه لم يكن لها دور كبير في تأسيس التصوف بحضرموت، وكان لدخول التصوف أسباب بينتها في ثنايا هذا البحث، منها: الجهل، ووجود العلويين القادمين من العراق، والاتصال ببعض البلدان التي دخل التصوف إليها مبكراً وغير ذلك.
6 - تبين لي من خلال البحث وجود صلة قوية بين أهل حضرموت وبين صوفية العالم الإسلامي خاصة صوفية المغرب، وصوفية زبيد، وإن كان هناك بعض الغموض في التاريخ الحضرمي حيث لم تعرف تفاصيل تلك الصلات، وتتضح الصلة ببلاد المغرب، وذلك بإرسال مندوبين لحضرموت، من قبل شعيب أبي مدين التلمساني؛ لنشر خرقة التصوف هناك، وتحكيم بعض الشخصيات الحضرمية؛ لنشر الطريقة المدينية بتلك الجهة.
7 - قام الصوفية الأوائل في حضرموت بنشر التصوف بتلك الجهة وإلى جهات أخرى في اليمن وخارجها، وكان لهم تلاميذ نشروا هذا الفكر في مناطقهم بينا أبرزهم ودورهم في ذلك.
8 - إن الطريقة المنتشرة في حضرموت، هي الطريقة العلوية نسبة إلى آل باعلوي، الذين قدموا من العراق واتخذوا حضرموت موطناً لهم، وتبين من خلال البحث أن هذه الطريقة عبارة عن مزيج من الطريقتين الشاذلية والغزالية، لها طقوسها وشعائرها التي يسلكها المريد ليصل إلى الغايات المزعومة التي يروج لها شيوخ الصوفية.(3/182)
وقد تفرعت من الطريقة العلوية طرق كثيرة انتشرت في حضرموت وفي بعض بلدان العالم الإسلامي: كالعيدروسية، والحدادية، والعطاسية وغيرها.
كما وجدت بعض الطرق الصوفية بحضرموت، كالعبادية، والعمودية لها ارتباط بالطريقة العلوية في كثير من طقوسها وأهدافها.
9 - وجد في حضرموت بعض الصوفية الغلاة الذين اعتنقوا فكرة وحدة الوجود وسطروا ذلك في مؤلفاتهم، منهم: عبد الله العيدروس، وابنه أبو بكر، وأبو بكر بن سالم العلوي، وعبد القادر العيدروس، وأحمد باعشن، وهناك بعض المتصوفة لهم إشارات وعبارة توحي بالقول بهذا العقيدة، ويرجع السبب في ذلك إلى التعمق في التصوف بالإطلاع على كتب الغلاة كابن عربي، والحلاج، وابن الفارض، بل قد قام بعضهم بشرح تلك الكتب، كما فعل أبو بكر العيدروس، وأحمد باعشن.
10 - واتضح من خلال البحث أن الصوفية تتواجد بكثرة بمدينة تريم منذ نشأتها إلى اليوم، إذ تعتبر القاعدة التي بث منها المتصوفة أفكارهم المنحرفة إلى بقية مناطق حضرموت، ثم بقية بلاد اليمن, ثم إلى البلدان الأخرى خارج اليمن: كالهند، وأندونيسيا، وماليزيا، وسنغافورة، وبلدان شرق أفريقيا.
وأما ما يتعلق بأصول صوفية حضرموت العقدية وآثارها والجهود المبذولة في مقاومتها فيتضح فيما يلي:
عند دراسة عقائد صوفية حضرموت اتضح لي أن القوم بنوا اعتقاداتهم على القصص والحكايات، ومسائلة مشايخهم ونحو ذلك، فهم ليسوا كغيرهم من الفرق الذين كتبوا مؤلفات مستقلة في بيان اعتقادهم، فهذا أمر قليل عند صوفية حضرموت، وإنما تجد تقرير عقائدها مندرجاً في التراجم، وكتب المناقب والكرامات، وكتب التاريخ، وفي الأشعار والحضرات، وكتب الأوراد والأذكار ونحوها.
وتبين أن صوفية حضرموت اتخذت مصادر للتلقي تختلف عن المصادر التي اعتمدها أهل السنة والجماعة؛ فاتضح انحراف صوفية حضرموت في ذلك وتلقيها من غير الكتاب والسنة، وأما نصوص الكتاب والسنة فقد أولوها وفوضوها؛ بل وفسروها بتفاسير باطنية أبعدتها عن معانيها المرادة.
واعتمد القوم الكشف والرؤى والمنامات في تلقي أمور دنيهم؛ بل ادعوا التلقي من الرسول صلى الله عليه وسلم بعد موته، وكذا من الخضر عليه السلام، ومن مشايخهم الأموات.
وأما التوحيد فقد انحرفوا في جميع أنواعه الثلاثة، ففي توحيد الربوبية: اعتقدوا أن مشايخهم وأولياءهم أقطاب وأغواث يتصرفون في الكون، ويملكون صفات وأفعال الرب تعالى من علم الغيب، والإحياء، والإماتة، والتصرف بالدنيا والآخرة وغير ذلك.
ومن انحرافهم في الربوبية أيضاً: قول كبار مشايخهم بعقيدة وحدة الوجود, وهي الاعتقاد أن الوجود واحد وليس هناك خالق ومخلوق – تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً – وهذه العقيدة نسف لدين الإسلام من أساسه.
وفي توحيد الأسماء والصفات مع قول كبار مشايخهم بوحدة الوجود وجعل صفات الرب للمخلوق فأنهم كذلك اتبعوا منهج المتكلمين – الأشاعرة – وسلكوا طريقهم في هذا الباب، فقالوا بإثبات بعض الصفات دون بعض، وقالوا بالتأويل والتفويض البدعيين في صفات الله تعالى، ونفوا كثير من صفات المولى سبحانه كصفة العلو، والاستواء، والنزول، والكلام. وقالوا في الرؤية أنه تعالى يرى لا في جهة، كما أنكروا صفة الوجه، واليدين، والقدم، والصفات الفعلية – الاختيارية – لله تعالى، كالرحمة، والغضب، والرضا، وقد ذكرت نصوصهم في ذلك ورددت عليها بالأدلة الشرعية وأقوال أهل العلم.
وأنكرت صوفية حضرموت أن يكون القرآن كلام الله تعالى، وقالوا: هو عبارة عن كلام الله؛ لأن كلامه تعالى – بزعمهم – معنى واحد، قديم أزلي، ليس له تعلق بمشية الله وقدرته، ليس بحرف وصوت، وإنما هو كلام نفسي.(3/183)
وتبين أن الإيمان عند صوفية حضرموت مجرد التصديق، فمن أتى بالتصديق عندهم وترك العمل فهو مؤمن عندهم، فهم على مذهب المرجئة في هذا الباب.
وأغفلت صوفية حضرموت توحيد الألوهية فلم يعرفوا معنى هذا التوحيد الذي بعثت به الرسل، ولم يعرف القوم كذلك أول واجب على المكلف، ولا معنى العبادة التي أمر بها العباد، فقادهم ذلك للوقوع في الشرك الأكبر وطلبهم من الأولياء والشيوخ الأموات قضاء الحاجات، ودعاءهم، والاستغاثة بهم، وجعلهم شفعاء عند الله، وكذا توسلوا بهم لعدم معرفتهم بالتوسل المشروع فتوسلوا بذات الشخص وبجاهه، فالتوسل بذات الشخص معناه: جعله واسطة بين الله وبين خلقه، وحرفوا هذه المصطلحات الشرعية ليسوغوا شركياتهم وبدعهم.
كما انحرفت صوفية حضرموت في عدم معرفة نواقض التوحيد, فوقعوا في الشرك, وصححوا شركيات مشايخهم وأوليائهم، وزعموا أن ذلك ليس بشرك, وإنما هم واسطة بينهم وبين الله لا يريدون منهم سوى أن يقربوهم إلى الله تعالى؛ لمنزلتهم الرفيعة عند الله تعالى، فشابهوا في زعمهم هذا قول المشركين تماماً في ذلك، وينطبق عليهم قول الله تعالى: {والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم في ما هم فيه مختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار} [الزمر: 3].
وفي النبوة: انحرفت صوفية حضرموت في هذا الركن الذي يعد الركن الرابع من أركان الإيمان، حيث رفعوا منزلة مشايخهم وأوليائهم إلى مرتبة النبوة، واعتقدوا أن إلهام الولي كالوحي للنبي، وقالوا بعصمة الأولياء، بل وفضلوا علوم أوليائهم على علوم الأنبياء.
واضطربوا في النبوة كذلك، فقال بعضهم بأقوال الفلاسفة من أن النبوة تكتسب بالرياضات والمجاهدات ونحو ذلك، ولم يعبأوا بنصوص الوحي, وإنما اعتمدوا مصادر المكاشفات والأذواق والمنامات ونحوها.
وغلا القوم في شخص النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا بالحقيقة المحمدية، وأنه أول مخلوق، وأن الوجود خلق من نوره صلى الله عليه وسلم، واعتقدوا حياته صلى الله عليه وسلم في قبره كحياته في الدنيا، وتصرفه بالخروج إليهم، ومحادثتهم، والتلقي عنه، كما اعتقدوا تجزؤ جسد النبي صلى الله عليه وسلم، واعتقدوا إحاطة علمه بالأولين والآخرين، وأنه مرسل إلى جميع الملائكة والنبيين ونحو ذلك من مظاهر الغلو التي نهى عنها الشرع.
وفي القدر: انحرفت صوفية حضرموت في باب القدر الذي يعتبر الركن السادس من أركان الإيمان التي يجب الإيمان بها، فتناقضت فيه حيث قررت أن أولياءها يخلقون فعل أنفسهم؛ بل ويتصرفون في الكون كله ومن فيه – كما هي عقيدة القطبية – نجدها في المقابل اعتمدت عقيدة الجبرية، وسموها كسباً تبعاً للمذهب الأشعري، فنفت وجود قدرة للعبد مؤثرة في الفعل، كما نفت الأسباب أن تكون أسباباً، ونفت الحكمة والتعليل في أفعال الله، وقالت بقول المتكلمين في التحسين والتقبيح، وكذا انحرفت في مفهوم التوكل الصحيح حيث دعت لترك الأسباب، وادعت أنهم بترك الدنيا تسخر لهم الأكوان.
كما ادعى القوم معرفة ما في اللوح المحفوظ، وتصرفهم فيه كيف شاءوا.(3/184)
وانحرف القوم في الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر، فتكلموا في أمور المعاد بلا علم، وأولوا بعضها بكلام يشبه كلام الباطنية، وادعوا تصرفهم فيها، فقد زعموا أن أولياءهم يحشرون يوم القيامة أمة لوحدهم، ويتصرفون في الصراط فيمرون عليه, بل وإمرارهم لمن يشاءون من الناس ثم إدخالهم الجنة. في الصراط، ومرورهم عليه بسلام وإمرار غيرهم معهم إلى الجنة. كما ادعوا التصرف في الجنة والنار، وتكلموا في شأنهما بلا علم، وزهد كبارهم في الجنة ولم يبال بالنار، وادعوا معرفة مصير الخلق في الآخرة، وضمان الجنة لمن يشاءون، وإخراج من يشاءون من النار.
وفي عذاب القبر ونعيمه: زعموا أن أولياءهم ومشايخهم يطلعون على أمور البرزخ، ويتصرفون فيه أحياءً وأمواتاً، وخاضوا في الكلام فيما يقع بعد الموت بلا علم ولا دليل، وقالوا بعدم انقطاع عمل الولي بعد موته.
وأما آثار صوفية حضرموت فكثيرة نجملها في الآتي:
الغلو في الأولياء والصالحين: وهذا الأثر أعظم الآثار التي تتميز به الصوفية في كل زمان ومكان، إذ دينهم قائم على تقديس الأشخاص، حيث أعطوا أولياءهم ومشايخهم صفات الرب تعالى، واعتقدوا رعايتهم – أحياء وأمواتاً – للناس، وبالتالي صرفوا لهم أنواعاً من العبادات، ولو لم يكن من آثار صوفية حضرموت إلا هذا الأثر لكفى؛ لكون جل المخالفات والانحرافات سببها الغلو في الذوات والأماكن ونحوها.
وغلت صوفية حضرموت في القبور فصرفت لها كثيراً من العبادات، وسبب ذلك الغلو في الأموات، فقد بنوا قبورهم، واتخذوها مساجد، ووضعوا عليها السرج وزخرفوها وأحاطوها بالتقديس والتعظيم، ونشروا الحكايات في عقوبة من لم يعظمها، وروجوا لزيارة قبور مشايخهم ومعظميهم بوسائل كثيرة، وشدوا الرحال إليها لاعتقادهم بركتها لاسيما قبور كبارهم الذين ادعوا لهم مطلق التصرف في أمور الدنيا والآخرة أحياءً وأمواتاً.
وأما العبادات الشركية والبدعية عند صوفية حضرموت فقد ظهرت عبادات شركية وبدعية كثيرة، مثل: الخلوات الصوفية، والاحتفالات البدعية، والأوراد والصلوات الصوفية بل كثير من تلك الأوراد تحتوي علي الشرك الأكبر.
ومن آثارهم: نشر الفكر الصوفي بوسائل متعددة، منها: التأليف والنشر وهي أكثر الوسائل انتشاراً، كما كان لهم أثر في الرحلات التي يقوم بها مشايخهم إلى مناطق مختلفة لبث عقائدهم وأعمالهم الشركية والبدعية، وكان لانتشار المكتبات والتسجيلات الصوفية ونحوها أثر في بث فكر هذه الطائفة.
ومن آثارهم أيضاً نشر الأربطة والزوايا: التي تعتبر محاضن الصوفية حيث تضم مختلف شرائح المجتمع، فقد بنوا تلك الزوايا والأربطة في مناطق مختلفة من بلاد اليمن بل وخارجها.
ومما تقدم يتضح خطورة الصوفية وعقائدها، ومناقضتها لأصول الإسلام وتأثيرها الهدام على العقيدة والعبادة والأخلاق، وما تركته من انحرافات علمية وعملية في مجتمع حضرموت وفي غيره من البلدان التي هاجر متصوفة حضرموت إليها خير شاهد على ذلك.(3/185)
ورغم تلك الآثار السيئة التي خلفتها الصوفية في بلاد حضرموت وغيرها من البلدان التي وجدت بها إلا أن هناك من قام بمحاربة هذه الآثار السيئة على تلك البلدان، ومن أوائل أولئك أهل حضرموت أنفسهم، فقد وجد بها علماء من العلويين وغيرهم قاموا بمحاربة التصوف بوسائل مختلفة، كما بينا ذلك في مبحث الجهود ضد هذه الطائفة الدخيلة على أرض حضرموت، وتمثلت تلك الجهود بأمور كثيرة، منها: التأليف، والتحذير، والمقاومة لتلك الأعمال بقدر المستطاع، وكذا شاركهم إخوانهم من بلاد اليمن وخارجها، كما كان لبعض الولاة وبعض القبائل جهود مشكورة في نصرة الحق ومحاربة الباطل وأعوانه، واستمر هذا العطاء والبذل من أهل العقيدة الصحيحة إلى يومنا هذا، فقد وجد أهل العلم الذين يدرسون العقيدة الصحيحة، وأنشئت المراكز العلمية لتدريس دين الله تعالى، وانتشر دعاة الحق في بلاد حضرموت، وقام بعض أهل العلم بالرد على مخالفات صوفية حضرموت بالكتب والنشرات، والأشرطة الصوتية، وعبر مواقع الإنترنت وغيرها من الوسائل، فنفع الله تعالى بتلك الجهود حتى عاد الكثير من الناس إلى الحق بعد أن بقوا في شرك التصوف مدة طويلة.
كما تبين من خلال هذا البحث خوف أهل الباطل من الحق وأهله، حيث أدرك متأخرو صوفية حضرموت وأتباعهم الباطل الذي هم عليه ومضى عليه سلفهم، فاضطروا لحذف كثير من الانحرافات التي احتوتها كتب سلفهم؛ كما فعل محمد بن أحمد الشاطري في المشروع الروي حيث حذف كثيراً من خرافاته لأنها – بزعمه – لا تناسب العصر، وكما يفعله هذه الأيام أبو بكر بن علي المشهور في كثير من كتبه من تخريج العبارات الشركية لسلفه.
وكذا اتضح لي من خلال البحث في مؤلفات القوم في هذا الزمان خوفهم من ذكر أسمائهم على مؤلفاتهم وخاصة ما تعلق بالعقيدة، حيث يضعون عليها الأسماء المستعارة ثم ينكشف أمرهم بذكر هذه المؤلفات في كتبهم الأخرى، وقد ذكرنا أمثلة على ذلك في ثنايا هذا البحث، وهذا يبين إدراك القوم خطر ما هم عليه من الباطل وخوفهم من الحق وأهله.
كما يتضح من خلال البحث استعمال متصوفة حضرموت العبارات البراقة – التي تخفي تحتها السموم –،مثل تسمية أنفسهم بدعاة الوسطية والاعتدال، ومحاربة الغلو والتطرف، ودعاة منهج أهل البيت المظلوم في هذا الزمان، وغيرها من العبارات؛ التي تهدف لاستمالة قلوب العوام والجهلة بمذهبهم المنحرف.
إن ما يذكرونه عن مشايخهم وصالحيهم من الكفر والضلال وإقرار المنكرات، إما أن يكون: كذباً عليهم ويلزم الأتباع التبرئة ممن قاله، أو افتري على مشايخهم، وإلا فإنهم مقرون بالباطل، ثم إن هذه ليست بكرامة؛ لأن الوقوع في الباطل أو إقراره ليست كرامة، إنما هي إهانة وضلال، ودليل على عدم اهتداء فاعل ذلك للحق والهدى، فأنت ترى أهل السنة موفقون في أقوالهم وأفعالهم، وإن جهل حال بعضهم فأقوالهم وأفعالهم الحميدة تدل على سلوكهم طريق الهداية، ولكل نصيب من ولاية الله تعالى كل بحسبه؛ فإن الولي هو المؤمن التقي، والله المستعان.
وتبين أن الصوفية في القرنين الرابع والخامس عشر أقل تأليفاً عن سابقيهم، لقلة البضاعة والضعف العلمي، والجمود على بدع وضلالات سابقيهم، والتمسك بها دون الحيدة عنها، بالإضافة إلى الانشغال بالدنيا، وإن تكلموا فيرددون الشبه القديمة التي مضى عليها أسلافهم، كما استغل بعضهم مسألة النسب لنشر باطلهم ودعوة الناس إليه.(3/186)
ينبغي التنبيه أن الصوفية المعاصرين يدعون – كسلفهم –،أن التصوف: هو معالجة القلوب التي أظلمت عليها المعاصي، وزخارف الدنيا ... إلخ، وكذا ادعاؤهم أنهم شافعية، وأن منهجهم منهج الوسطية والاعتدال البعيد عن التطرف، وأن مدرستهم هي المدرسة الأبوية التي يجب الانضمام إليها؛ فبنوا المراكز الصوفية لنشر فكرهم، وساعدتهم على ذلك الإمكانيات الكبيرة، والعلاقة الكبيرة بكبار الأغنياء في بلدان مختلفة أعانوهم على ذلك، وكل ذلك لن يجدي شيئاً؛ فالحق واضح وقوي، وإن رفع الباطل رأسه في بعض الأوقات فلن يستمر طويلاً.
وفي ختام هذا البحث الذي أسأل الله العظيم بمنه وكرمه أن يتقبله، وأن ينفع به فإني أوصي بما يلي:
أوصي نفسي وإخواني في الله بوصية الله تعالى للأولين والآخرين وهي تقوى الله تعالى، كما قال تعالى: {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} [النساء: 131] فمن تمسك بهذه الوصية رزقه الله العلم النافع والعمل الصالح، اللذين بهما سعادة العبد في الدارين.
وأوصي إخواني الباحثين بدراسة الفرق التي ظهرت في بلاد اليمن، ومعرفة أصولها وعقائدها وآثارها السلبية على المجتمع اليمني، وإبراز الجهود ضد تلك الفرق والطوائف، حيث وجدت جهود مشكورة بذلها أهل السنة في محاربة الفرق التي ظهرت هنالك: كالإسماعيلية، والصوفية، والإباضية، والزيدية، والمعتزلة والأشعرية، فينبغي القيام بهذا الأمر واحتساب الأجر من الله تعالى.
كما اقترح دراسة المسائل العقيدة في الكتب التاريخية، فإن تاريخ اليمن عموماً، وتاريخ حضرموت خصوصاً احتوى على كثير من المسائل العقيدة المبثوثة، فحبذا لو جمعت تلك المسائل ودرست في رسالة.
كما أوصي بدراسة تاريخ حضرموت دراسة علمية صحية متجردة، وبيان سبب الغموض الذي ساده، وكذلك إبراز جهود أهل العقيدة الصحيحة الذين حاربوا التصوف الدخيل على بلاد حضرموت من أول يوم، فإن كتب التاريخ وكذا كتب الصوفية أشارت إلى وجود خلاف من بعضهم ولم تفصل؛ لأن بيان ذلك يضرها.
كما أوصي بدراسة أثر الدعوة السلفية على حضرموت خصوصاً وعلى اليمن عموماً، خصوصاً دعوة شيخي الإسلام ابن تيمية وابن عبد الوهاب – رحمهما الله تعالى -.
وأوصي بالبحث في تاريخ حضرموت المشرق، الذي احتضن دعوة أهل السنة منذ فجر الإسلام، وقام أهله بدور بارز في نصر الإسلام والمسلمين داخل اليمن وخارجها؛ فقد كان منهم المجاهدون أصحاب الفتوحات، ومنهم العلماء والمحدثون والقضاة فحبذا لو درس هذا الجانب المضيء من تاريخ هذا الإقليم الكبير من بلاد اليمن.
والوصية أيضاً بالإسهام في إظهار جهود علماء حضرموت السلفيين – الذين تجاهلهم كثير من المؤرخين الحضارمة – سواء بالمحاضرات، أو إصدار الكتب والكتيبات التي تبين دورهم في نصر دين الله تعالى، وتحفيزهم أهل حضرموت للتأسي بمنهجهم الرشيد في بيان التوحيد ومحاربة الشرك والبدع.
كما أوصي القائمين على المدارس والجامعات اليمنية بالتحذير من فرقة الصوفية وغيرها من الفرق؛ وذكرت الصوفية لملاحظة نشاطهم الواضح في الآونة الأخيرة في بلاد اليمن العزيزة.
وينبغي عدم التهاون بشأن هذه الفرقة، بل الواجب التحذير منها ومن شيوخها الذين يبثون شرهم بأسماء براقة، منها: دعاة الوسطية، والاعتدال، ومدرسة أهل البيت ونحو ذلك من التسميات التي لا تغير من الحقيقة شيئاً.
كما أوصي بعقد الندوات والمؤتمرات الإسلامية؛ لتوحيد الجهود ضد هذه الفرقة ومن على شاكلتها، وبيان عقائدها وبدعها لتحذير الأمة من شرها.(3/187)
كما ينبغي تحذير دور النشر من نشر أو طباعة الكتب التي يبثها المتصوفة؛ لإعادة المسلمين إلى عهد الجاهلية الأولى من عبادة غير الله؛ وأتباع غير رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نشر العقيدة الصحيحة بين أفراد الناس بمختلف الأساليب، منها: إرسال الدعاة من العلماء، وطلبة العلم الأقوياء، والدعاة المتميزين؛ لنشر الحق في تلك الأماكن، وكذا إرسال الكتب والأشرطة ونحو ذلك واحتساب المثوبة من المولى جل في علاه.
تكثيف الجهود في القضاء على الجهل الذي وجد في حضرموت في فترات من الزمن، ولا يزال موجوداً في بعض الأماكن التي يندر أو يقل فيها دعاة الحق، كما أن للزيارات الدعوية دوراً هاماً في القضاء على الجهل، وكذلك الواجب على الدعاة نشر الكتب السلفية والأشرطة الداعية إلى التوحيد والمحذرة من الشرك والبدع.
ومن الوصايا الصبر في الدعوة، وسعة الصدر في ذلك، وإظهار صفات الداعية السني الذي يجب أن يتمتع بالخلق الحسن؛ إذ أن صوفية حضرموت تختلف كثيراً عن صوفية البلدان الأخرى، لما يتمتع به متصوفة حضرموت من الأخلاق، والصبر، وطول البال – كما يقال – في دعوتهم، وكذلك السخاء الذي يبذلونه للناس الذي جر الجهال بحقيقة مذهبهم إلى التمسك بما هم عليه؛ بل والدفاع عنهم لاسيما من بعض القبائل الموالية للصوفية.
ومن التوصيات كذلك: السعي لدعم دعاة الحق وتزويدهم بالكتب، والمراجع التي تهتم بمسائل التوحيد، والرد على طوائف الباطل بما فيهم الصوفية، للاستفادة منها من الرد على شبهاتهم التي يتداولها اللاحق عن السابق.
انتهاز الفرصة للحوار مع كبارهم، لاسيما وهم ينادون. بالحوار، ويكون الحوار لمن له أهلية في العلم، ويتمتع بآداب الحوار، ولديه الصبر، بشرط أن يجعل الحكم بين الجميع الكتاب والسنة وفق مذهب السلف دون غيره، مع مراعاة المصالح والمفاسد، ويكون ذلك لأهل العلم الذين يقدرون الأمور قدرها.
تمكين أهل حضرموت من المنح الدراسية في الجامعات الإسلامية في المملكة، لما تلعبه تلك الجامعات من دور كبير في توضيح العقيدة الصحيحة، ومنهج السلف الصالح؛ لينهل الطلاب من معينها الصافي ثم يعودون إلى وطنهم دعاة هدى داعين إلى سبيل ربهم على بصيرة.
الدعوة لفتح معاهد سلفية تتبع المملكة في عموم بلاد اليمن وبلاد حضرموت، لما سيكون لذلك –بإذن الله- من أثر بالغ في المجتمع الحضرمي؛ لاسيما والناس على فطرة ومحبة للتوحيد ودعاته.
الاهتمام بالصحف التي تعالج أوضاع الناس، وتجيب على استفساراتهم، وتبين لهم دينهم، وكيفية التعامل بما يرضي ربنا جل وعلا، وتكون غايتها الاهتمام ببيان العقيدة الصحيحة والتحذير مما يضادها، وتصدر هذه الصحف والمجلات عن هيئة حكومية يقوم عليها أهل العلم السلفيون.
بث العقيدة الصحيحة والمنهج الصحيح وذلك: بالمحاضرات، والدروس بواسطة الوسائل الحديثة في هذا العصر؛ كالأشرطة الصوتية، وأقراص الكمبيوتر، وعبر شبكات الإنترنت في حضرموت وفي غيرها من البلدان الأخرى التي بث فيها المتصوفة شرورهم، وبلغات تلك البلاد؛ كبلاد الهند، واندونيسيا، وماليزيا، ونحوها.
المساهمة في نشر الدورات العلمية الصيفية في حضرموت وغيرها لتدريس كتب التوحيد والسنة والمحاضرات الهادفة لتصحيح العقيدة، والإجابة على استفسارات الناس في أمورهم الدينية والتحذير من الشرك والبدع.(3/188)
وأوصي ولاة الأمور في بلدي – وفقهم الله لما يرضيه – بالقيام بإزالة المنكرات التي خلفتها الصوفية في بلاد الإيمان والفقه، ويكون ذلك بهدم القبور المرتفعة، وتسويتها بالأرض تنفيذاً لوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإزالة المشاهد المبتدعة، ومحاربة الشركيات والبدع التي بثتها الصوفية في أنحاء كثيرة من اليمن، ومنع كتب الصوفية من التداول ومنع تدريسها في المساجد والمجالس والمناسبات؛ لأن ذلك سبب لغضب الله تعالى، وزوال نعمه من بلاد اليمن التي دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم بالبركة، فلا نكون سبباً في إزالة النعم بالسكوت عن المنكرات المخلة بدين الإسلام.
وأوصيهم – مأجورين – بإتلاف كتب المتصوفة وغيرهم من أهل البدع والضلال التي نشروها في بلاد اليمن الغالية؛ لما تحويه تلك المؤلفات من الشركيات والخرافات والبدع.
كما أوصي القائمين على الدعوة في اليمن بعدم إغفال أمر الصوفية والاستمرار في الرد عليهم من بعض أهل العلم؛ لأنه ظهر تهوين بعضهم – في الآونة الأخيرة – من أمر الصوفية في حضرموت، وهذا له خطورته، فلا ينبغي الاستهانة بالخصم، ولعل ذلك من الأسباب التي جعلت القوم ينشطون في الآونة الأخيرة، ليس على مستوى حضرموت واليمن فقط، بل على مستوى العالم الإسلامي.
والوصية بالانتباه لخطر الصوفية والشيعة في اليمن، فهم يتحينون الفرص لينقضوا عل أهل السنة، ويعيدوا الأمة إلى الجاهلية الأولى بتشييد الأضرحة وإحياء الشرك، وطمس التوحيد والسنة – والله المستعان.
الوصية بتدريس كتب الأئمة والعلماء عموماً، وتدريس كتب علماء الشافعية؛ أهل المعتقد الصحيح – خصوصاً – وذلك لإلزام القوم بما عند هؤلاء العلماء من الحق الذي أضاعه المتصوفة، وبيان أن الدين دين الله تعالى وليس دين فلان أو فلان، وإنما العز والتمكين لمن حكم كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم على نفسه ومن يليه ولزم طريق السلف الصالح قال تعالى: {إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين] [الأعراف: 128].
وأخيراً أوصي صوفية حضرموت ومن اغتر بهم أن يتقوا الله في أنفسهم، وفي أبناء المسلمين الذين يجرونهم إلى هاوية الجحيم، فإن الأمر عظيم، وسيقفون غداً بين يدي الله تعالى فعليهم أن ينقذوا أنفسهم وأهليهم من النار، وأن يتبرأوا من التبعات التي ارتكبوها والمخالفات التي جنوها، وينصحوا لأنفسهم وللمسلمين قبل أن يداهمهم هادم اللذات، ولات ساعة مندم.
وأذكر أهل حضرموت أن أسلافهم كانوا على السنة، ولم يعرفوا التصوف ومظاهر انحرافاته إلا في القرن السابع، لذا تقدم في البحث اهتمام سلفهم بالعلوم الفقهية ولم يعرفوا التصوف ورسومه المنحرفة، بل إنكار علماء حضرموت المتقدمين لبدع القبور ورفعها، وقد شهد بذلك الصوفية العلويون فضلاً عن غيرهم، فكيف لأهل حضرموت أن يستبدلوا الخير الذي مضى عليه أسلافهم من العلم النافع والعمل الصالح بالذي هو أدنى وهو التصوف المنبوذ عند كل صاحب عقيدة سليمة.
وأقول أخيراً: إن النهضة الإسلامية التي شهدتها بلاد اليمن في السنوات الأخيرة بعد خروج الشيوعيين من البلاد لتبشر بخير ومستقبل للإسلام، وأن النصر والبشرى لمن تمسك بهذا الدين العظيم، فنسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته.(3/189)
الطرق الصوفية - نشأتها وعقائدها وآثارها
Oعبدالله بن دجين السهلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
تصوف - صوفية
الخاتمة:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أفضل الرسل والنبيين، وعلى آله وصحبه، أما بعد، فيمكن إجمال نتائج البحث في النقاط التالية:
1 - معنى الطريقة اختلف عبر القرون لتطور تطبيق الصوفية له، وبالمعنى المعروف اليوم ظهر بعد القرن السادس أو ما بعده، أما معنى الطريقة في القرنين الثالث والرابع الهجريين هو شيخ له طريقة معينة، يلتف المريدون حوله، أما قبل ذلك فلم تعرف, فهي من البدع المحدثة في الدين.
2 - مفارقة الطرقية لأئمة المسلمين وجماعتهم، بخروجهم عن السنة في أصول الدين الاعتقادية منها والعملية، بل ومخالفتهم لشيوخ الصوفية الأوائل مثل الجنيد بن محمد، وسهل التستري، فضلاً عمن فوقهم مثل الفضيل بن عياض وأمثاله.
3 - من أعظم أسباب ظهور الطرق أخذهم الدين من غير الكتاب والسنة وآثار السلف، وخوارق ظنوها آيات، وحب الشهرة والجاه، وأتباع الهوى، وطمع شيوخ الطرق في الثراء والعيش الرغيد، والمجد الشخصي لشيخ الطريقة من ادعاء الكرامات والمبالغة فيها، وادعاء النسب الشريف، ودعم بعض الدول والاستعمار لهم.
4 - الطريقة عرفت عند الأمم الوثنية السابقة, فيلاحظ الشبه الشديد بين المريد الصوفي، ومرحلة التلميذ ثم البادئ المتميز في الديانة الهندية، وأثبتت البحوث المتخصصة أن لبس الخرقة الذي تعتمده بعض الطرق الصوفية يرجع أصله إلى الديانة البوذية.
5 - يجب بيان الخلاف بين الصوفية في العقيدة، ففي التصوف منهجان مختلفان: أحدهما على اعتقاد أهل السنة والجماعة، والآخر المبتدع المخالف لاعتقاد أهل السنة والجماعة، وهو الذي استمر إلى اليوم، وإن كانا يتفقان في السلوك، كالجوع ولبس المرقعات وغير ذلك، والاتجاه الأول يمثله الجنيد بن محمد ومن وافقه، وقليل من يتابعه اليوم، والاتجاه الثاني يعتبر ذو النون المصري مؤسسه، وتوافقه عامة الطرق الصوفية المعاصرة.
وأوضح مثال المناهج الكلامية المؤدية إلى نفي الصفات، فقد ذمها الجنيد وسهل التستري، وكان السلمي يلعن الفرق الكلامية، بينما ارتبط التصوف بعلم الكلام عند عامة الطرق.
6 - بعض ما ينسبه الصوفية في كتبهم للصوفية الأوائل لا يصح، لذا لابد من أتباع المنهج العلمي في دراسة هذه الأقوال، والتحقق من نسبتها إليهم، والصوفية عموماً يكثر فيهم الكذب، وأما الكتب المنسوبة لشيوخ الصوفية الأوائل فهي من جمع من جاء بعدهم، ولا يصح نسبة كل ما فيها لهم، وبعضها مكذوب عليهم مثل رسالة في الحروف المنسوبة لسهل التستري، والتي اهتم بها الفلاسفة ومن شاكلهم اهتماماً كبيراً، كابن مسرة, وابن عربي لينسبوا باطلهم إليه.
7 - مصادر الصوفية المعتمدة عندهم، لا يمكن الثقة بها، مثل (قوت القلوب) و (إحياء علوم الدين) وهو منقول بحروفه من القوت، و (الرسالة القشيرية) للقشيري والذي زعم أن عقائد الصوفية كلها أشعرية، مع أن فيهم من يلعن الأشعرية ويبدعهم ويضللهم، وفي الرسالة القشيرية الحسن الجميل، وفيها المجمل، وفيها منقولات ضعيفة، وفيها نقول عمن لا يقتدى به، وفيها أحاديث موضوعة كثيرة.
8 - الصوفية يتخذون السرية في عقائدهم؛ ولذا نجد لأئمتهم أكثر من عقيدة: واحدة للعوام، وأخرى عقيدة كلامية، والثالثة وهي المهمة والمعتقد الحقيقي يبثها في كتبه؛ فلا يقف عليها إلا الخواص في زعمهم، فمن لا يعرف القوم يغتر بهم .. ولهذا زعم الصوفية أن التوحيد سر ولا يستطيعون البوح به، وأن من باح به قتل! وهذا الزعم كفر من قائله.(3/190)
9 - من عقائد الطرقية المهمة: الشرك الأكبر في أنواع التوحيد كلها، والقول بوحدة الوجود. هذا المذهب عند البراهمة في الهند، والرواقية اليونانية والأفلوطونية الحديثة، كما ظهر في صورة جديدة كوحدة الوجود الاسبينوزية، ووحدة الوجود المثالية، وتقوم هذه النظرية على أن الكائنات هي عين وجود الله تعالى ليس وجودها غيره، ولا شيء سواه البتة، وينبني على وحدة الوجود وحدة الأديان، وأن الكل يعبدون الله الواحد المتجلي في صور كل المعبودات، قد كان أئمة الصوفية يردون ما هو دونه، فمن مواقف الجنيد المشهورة: رده على الحلولية؛ فإنه لما وقع طائفة من الصوفية في القول بحلول الله تعالى بذاته في قلوب العارفين، حذر الجنيد من هذا فقال: التوحيد هو: (إفراد القديم عن الحديث)، فبين أنه لابد للموحد من التمييز بين القديم الخالق والمحدث المخلوق، فلا يختلط أحدهما بالآخر.
10 - ومن عقائدهم: استمرار تلقي الوحي من الله تعالى أو الرسول صلى الله عليه وسلم، وزعم بعضهم أنه يأخذ علمه من ربه عز وجل أي وقت شاء بلا حظ ولا درس، فيزعمون أن كتبهم المخالفة للنقل وكلِّ العقول من الوحي، وأنها إما بأمر إلهي، أو بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وإملائه! بل ادعى ابن عربي أن خاتم الأولياء أفضل من خاتم الأنبياء، وأن الأنبياء جميعهم إنما يستمدون معرفة الله من مشكاة خاتم الأولياء.
11 - أهم مصادر الصوفية: (قوت القلوب) لأبي طالب المكي، و (إحياء علوم الدين) لأبي حامد الغزالي، والثاني منقول بحروفه من الأول، وأكبر مصدر لما كتب المحاسبي الذي حذر منه السلف، وكان الصوفية على مذهب السلف في الصفات في الجملة، حتى أدخل الحارث نفي الصفات إليهم، لذا نسبه الإمام أحمد إلى قول جهم، وهذا من دقة فهوم السلف، فعند المحاسبي اللقاء الأول للكلام والتصوف، فمن ثم السالمية الصوفية ثم عند الأشعرية اشتد الارتباط بين التصوف والكلام.
والغزالي نقل – أو يكاد – قوت القلوب بنصه في كتاب الإحياء وليس له في كثير من المواطن إلا البسط والمزيد من التنظيم والتقسيم، وقد رد على الغزالي جمع من أهل العلم، أفرد بعضهم رده في مؤلف، وأبو طالب مات مهجوراً، وكذلك المحاسبي، مما يدل على شدة السلف على هذه البدع.
12 - ليس كل الصوفية وقع في هذه الآثار؛ بل علماء الصوفية وشيوخهم الكبار كالجنيد بن محمد وسهل التستري ومن وافقهما من أشد الناس تحذيراً من هذه الآثار، لذا ينبغي جمع أقوال أئمة الصوفية - كالجنيد ومن وافقه - في نقد آثار التصوف المنحرف - وهي كثيرة - ونشرها، وبيان المكذوب عليهم.
13 - ذكر هذه الآثار للطرق الصوفية المعاصرة ليس للتشفي؛ بل هو دعوة لاتباعها للتحرر من العبودية للبشر، ومتابعة المعصوم صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسلف الأمة، بل وسلف الصوفية الأول الجنيد وسهل وأمثالهما، ودعوة للعودة للكتاب والسنة، وترك ما خالفهما.
14 - ضعف آثار الرسالة عند متأخريهم أبرز آثاراً سيئة على الإٍسلام والمسلمين، مثل وقوعهم في الشرك الأكبر، والشرك أعظم الذنوب؛ بل حصل منهم الشرك في الربوبية، حتى وصف بعضهم شيخه بأنه الفرد الواحد الكبير! سبحانه وتعالى عما يقولون، كما انحرفت الطرق في شرك الألوهية انحرافاً عظيماً، ونشروه في الأمة الإسلامية، وحدث منهم الشرك الأكبر في جميع جوانب العبادات، كالصلاة والحج والدعاء، والعبادات القلبية والمالية.
15 - جهل أتباع الطرق أدى بهم إلى متابعة شيوخ الضلال في تعبيد الناس لهم من دون الله عز وجل بطاعتهم في تحليل ما حرم وتحريم ما أحل، وتعليقهم بالجن؛ فقد وردت أسماء الجن في أورادهم صراحة، كما علَّقوهم بالخرافات بدعوى الكرامات، والتي بعضها من تلاعب الشياطين بهم.
16 - من آثار الطرق الضارة: أنها جرَّأت أهل الإلحاد على الدعوة إلى إلحادهم جهاراً، وزعمهم أن الإسلام دين خرافات وأوهام، وأنه لا يمكن أن يرتقي بالأمة، ويستدلون بالضلالات والخرافات الفاشية في الأمة.
17 - للطرق الصوفية تاريخ غير مشرف في التعاون مع أعداء الإسلام؛ كتعاونهم مع التتر، والنصارى قديماً في الحروب الصليبية وفي زمن الاستعمار، ومع الأحزاب العلمانية والملحدة في بلاد المسلمين، فحري أن يجلى هذا التاريخ ليحذره المخلصون.(3/191)
الطريقة الرفاعية
Oعبدالرحمن دمشقية
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرضوان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
تصوف - صوفية
الخاتمة:
وفي هذه الخاتمة أحمد الله تعالى على توفيقه لإنجاز هذا البحث وإنهائه.
وأود أن تشتمل على بعض النتائج العامة فيه وهي:
1 - أن المتأمل لمبادئ الطريقة لا يجد فيها حقيقة التوحيد الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم, فإن الاستغاثة بغير الله لكشف الضر وجلب النفع هو شرك يضاد ما جاء به الأنبياء.
2 - أن الطريقة الرفاعية تصنف مع فرق الغلاة لأنها غلت في شيخها ومشايخها, وتجاوزت بهم حدود المشروع والمعقول، ومن أبرز صور هذا الغلو جعلهم السموات والأرض في رجل شيخهم كالخلخال. وادعائهم أنه صار صفة من صفات الله، وأنه يحيي الموتى بكلمة كن.
3 - أن الطريقة الرفاعية لا يمكنها تعريف الناس بشخصية الشيخ أحمد الرفاعي على حقيقتها, لما تضمن كلامها فيه من تناقضات كثيرة.
4 - أن الكرامات المنسوبة إلى الرفاعي وغيره من المشايخ (كالتصرف في الأكوان, والإحياء, والإماتة, وتأخير الآجال المكتوبة, ونقل المرض من رجل لآخر, وتغيير المكتوب في اللوح المحفظ) لا تليق به ولا بهم.
5 - أن الفصل الذي عقدته في بيان أوجه التلاقي بين الرفاعية والتشيع أظهر اتفاق الفريقين على كثير من الأمور المخالفة بالضرورة لمذهب أهل السنة, مثل موافقتهم لهم في الإمام المهتدي صاحب السرداب, وتعظيم كتاب الجفر، وتقديس الأئمة, وعبادة قبورهم باتخاذها باباً لجلب كل محبوب, ودفع كل مكروه حسب تعبير الصيادي.
6 - أن للرفاعية شعائر, وأحزاب, وأوراد مستحدثة في صيغها, وهيئتها, وتحديد عدد تكرارها، ومما يزيد من بدعيتها أنهم جعلوا خواصاً معينة: فخاصية هذا الورد القضاء على العدو, وخاصية ذاك نيل كل مطلوب، وخاصية الورد الفلاني تعطيف قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
لماذا هذا الكتاب؟
قد يقول قائل: ما جدوى كتابة هذه السلسلة في وقت تحتاج فيه الأمة إلى جمع الكلمة, ونبذ الخلاف؟
أجيب عن ذلك ببيان الأسباب التالية:
1 - إن هذا الكتاب إنما كتب طاعة لله في أداء الشهادة, وتبيين السنة إذا ما ظهرت البدع والمحدثات وظنها الناس هي السنة.
2 - إن هذا الكتاب إنما جاء ليكون نهياً للرفاعية وغيرهم عن منكرات الشرك والاستغاثة بغير الله، ولردعهم عما يعلمون الناس من أصناف البدع، ولقد حذرنا رسول الله أننا إن لم ننته عن المنكر, ونأخذ على يد الظالم فإن الله يوشك أن يضرب قلوبنا بقلوب بعض. وإذا كان الله يضرب قلوبنا ببعض لمجرد منكرات الفسوق والمعاصي التي تظهر بيننا، فما بالك بمنكرات الشرك, كالاستغاثة بغير الله, وطاعة المشايخ في معصيته, واستحداث البدع لهم؟ أليست هذه من أعظم الأسباب التي تضرب قلوبنا بقلوب بعض؟
3 - أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب لضرب القلوب ببعضها: فيكون الأمر بالمعروف, والنهي عن المنكر من أسباب توحد الأمة وجمع شملها. والتخلص ممن يتسببون في أحداث الخلاف.
كلمة التوحيد أساس توحيد الكلمة:(3/192)
3 - أن توحيد الله أولى من توحيد الصفوف، ومنكرات الصوفية تتضمن خلاف توحيد الله, فأيهما نقدم على الآخر: توحيد الله أم توحيد الصفوف؟ والحق الذي أؤمن به أن جمع الناس على توحيد الله ينتج عنه توحيد الناس. ولا يمكن جمع الأمة على خليط من اعتقادات التوحيد والشرك مهما اجتهد المصلحون. لأن الله هو الذي يؤلف القلوب وهو الذي يفرقها إن شاء كما قال: {لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} [الأنفال: 63]. وكان ذلك بعد أن اجتمعوا على التوحيد الخالص, والطاعة المطلقة, ونبذ البدع والشرك التي هي من عوامل التفرق والتشرذم. إذن فتحقيق كلمة التوحيد شرط لتحقيق توحيد الكلمة.
3 - أن الله لا ينصر الأمة وفيها أمثال هؤلاء، وكيف ينصرنا الله على الأعداء المشركين وعندنا نصيب من شركهم؟ إن مخالفات التصوف ممرضة للجسد الإسلامي, تعيقه عن قيامه بوجه أعدائه، فإذا كان الجسد الإسلامي مريضاً فيجب مداواته قبل تكليفه بالقيام في وجوه أعدائه.
4 - إن الذين ينهوننا عن إنكار منكرات التصوف والمحدثات والشرك إنما أخطؤوا حين ظنوا أننا نحن الذين نفرق الوحدة, والحق أن الذين يحدثون البدع والشرك هم العامل الرئيسي في تفرق الأمة, فالواجب وضع حد لهم لا المنكرون عليهم.
5 - أن أهل البدعة صاروا يعملون بين ظهراني المصلحين وعلى مرأى منهم، بلا ردع ولا إنكار عليهم، بل دخل البعض منهم إلى صفوف المصلحين. وهذا ينذر بوقوع اللعنة كما وقعت اللعنة على بني إسرائيل على لسان أنبيائهم, وضرب قلوبهم بقلوب بعض حين كانوا يجالسون أهل المنكر, ويؤاكلوهم من غير إنكار للمنكر الذي كانوا عليه.
6 - أن البدعة لا تعرف حداً تقف عنده، وإنما هي في تطور مستمر، فإن لم نعمل على إنكارها اليوم فسنجد أنفسنا غداً محاطين ببدع أعظم لم نقدر على ردعها وإنكارها.
7 - أننا أمرنا بالتبليغ لنكون شهداء على الناس, ويكون الرسول صلى الله عليه وسلم علينا شهيداً, ونهينا عن كتمان الحق بأي وجه من الوجوه لأن كتمان الحق في عرف الشرع خيانة, وهو خصلة من خصال بني إسرائيل، وأن من العامة من يخدعون بالبدع والضلالات, ولا يدركوا حقيقتها, فمن يكون المسئول عنهم غداً أمام الله إلا المصلحون, الذين يعلمون الحق ويكتمونه لمصلحة المسلمين وصوناً لوحدتهم: (زعموا)؟!
ولئن كان لي من كلمة إلى القراء الأفاضل في ختام هذه الخاتمة فإني أوصي باتباع الكتاب والسنة قولاً وعملاً، فإنهما وسيلة النجاة من فتن هذه السبل المضلة.
فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خط رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، ثم خط عن يمينه وعن شماله خطوطاً ثم قال:
هذا سبيل الله. وهذه السبل, على كل سبيل منها الشيطان يدعو إليه (ثم تلا قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تركت فيكم ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي: كتاب الله وسنتي).
وأن نعمل على إخلاص القول والعمل لله تعالى.
قال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2].
قال القاضي عياض: (أفضل العمل أخلصه وأصوبه. قالوا ما معنى ذلك؟
قال: إن العمل إذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل.
وإذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل أيضاً.
ولا يقبله الله إلا إذا كان خالصاً صواباً.
والخالص أن يبتغى به وجه الله تعالى.
والصواب أن يكون على السنة.(3/193)
التشيع في صعدة - دراسة ميدانية
Oعبدالرحمن المجاهد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الآفاق
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2007م
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخلاصة وأهم النتائج والتوصيات:
الخلاصة:
وتحتوي على أهم النتائج التي خرج بها الباحث.
وفي نهاية هذا البحث يمكننا الخروج بجملة من النتائج أهمها وأبرزها ما يأتي:
1 - الزيدية في اليمن آخذين بأوفر نصيب من الفقه الحنفي والمالكي والحنبلي والشافعي، وكتبهم الفقهية مليئة بنقل أقوال الأئمة الأربعة ومن بعدهم. وتراجمهم لأهل السنة تشهد لهم بالإنصاف والعدالة.
2 - كان الزيدية في القرن السابع وما قبله يدرسون الأمهات الست وغيرها من المسانيد والصحاح علي أيدي أئمة السنة.
3 - أصالة السنة في (صعدة)، ويدلنا على ذلك الكتب الستة التي وجدت في (صعدة)، وعلماء الزيدية الذين رووا عن علماء أهل السنة في (صعدة)، إضافة إلى بقاء بعض الأنساب القبلية ذات الأصول السنية المتدينة بالمذهب الشافعي.
4 - التشيع في اليمن مر بمراحل، وتعتبر الجارودية حلقة الوصل بين الرافضة والزيدية، وهي بوابة الرفض التي ولج منها الإيرانيون ودعاة التشيع باسم المذهب الزيدي فأفسدوا عقائد الزيدية في اليمن.
5 - لا يوجد في (صعدة) زيدية أصيلة، وإنما هما جارودية لا يختلفون عن الرافضة كثيراً.
6 - مع مرور الزمن استطاع الرافضة أن يسربوا الكثير من عقائدهم عبر بوابتهم إلى المذهب الزيدي (الفرقة الجارودية) فأصبح الرافضة يعملون باسم المذهب الزيدي بتخطيط رافضي وتنفيذ جارودي. وهكذا بقيت الصورة العامة عند أتباعهم ومحبي المذهب الزيدي أن هذه العقائد والأفكار من صميم مذهب الزيدية وهي في الحقيقية أفكار وعقائد الجارودية الممزوجة بأفكار الإثني عشرية، وهذا نلاحظه من عدم فك الارتباط بين الدعوة إلى المذهب الزيدي اليوم والأفكار الاثني عشرية.
7 - يتركز الشيعة في المناطق الحية الآهلة بالسكان.
8 - يتركزون في المراكز الرئيسية للمدن كمركز المحافظة، ومدينة (ضحيان) التابعة لمديرية (مجز)، ومراكز المديريات كـ (مجز) و (رازح) و (ساقين)، نظراً لتوفر الخدمات فيها، والتي تمكنهم من القيام بالأنشطة بشكل قوي.
9 - فاعلية تنظيم الشباب المؤمن في مديرية (رازح) على الرغم من أن قياداته فيها ليسوا من الهاشميين.
10 - الدور الإيراني البارز في دعم التشيع في (صعدة) من خلال: العلاقات الشخصية والدعم المادي المقدم من قبل السفارة إضافة إلى ظهور الصبغة الإيرانية في إحياء المناسبات الدينية، وانتشار الأشرطة الشيعية العراقية والخليجية في أوساط الشباب المؤمن، والثناء اللامحدود من قبل حسين الحوثي على إيران وحزب الله والخميني، والقيادات الشيعية الأخرى.
11 - يعتمد الشباب المؤمن في جانب الدعم المادي على عدة مصادر منها: الدعم الإيراني، والدعم الحكومي الرسمي، ودعم شيعة الخليج، ودعم تجار السلاح والذهب والعملة ومهربي القات في (صعدة)، بالإضافة إلى زكاة المال التي يأخذونها من أتباعهم.
12 - يعمل الشيعة في (صعدة) سياسياً على أكثر من صعيد، فمنهم القيادي المؤتمري، ومنهم من يعمل تحت مظلة حزب الحق، ومنهم المنتمي لفصيل الشباب المؤمن المنشق من حزب الحق، والقليل يعمل تحت مظلة الحزب الاشتراكي اليمني المعارض، والجميع وإن تعددت انتماءاتهم إلا أنهم يصبون نحو غاية عقائدية شيعية واحدة.
13 - يقوم الشيعة ببث الشبهات العقائدية والشائعات السياسية ضد السنة لتشويه مذهب أهل السنة واستمالة الناس إليهم.(3/194)
14 - تنوع وسائل وأساليب الشيعة لنشر أفكارهم، واستفادتهم من المناصب والمراكز والمرافق الحكومية التي يسيطرون عليها في التضييق على أهل السنة، وتسخير الوظيفة والمال العام لخدمة أفكار الشباب المؤمن وذلك من خلال: الاستفادة من المدارس الحكومية أثناء الإجازة الصيفية.
15 - يعمل الشيعة في الجانب العلمي وفق منهج مدروس ومقر من قبل لجنة إعداد مناهج، وذلك من خلال ما لمسناه من وحدة مفردات المنهج في المنتديات والمراكز الصيفية.
16 - انعدام تواجد الشيعة في بعض المديريات كمديرية (شدا)، وضعف تواجدهم في البعض الآخر كـ (غمر) و (الظاهر) و (منبه) يعطي مؤشراً إيجابياً لإمكانية العمل السني، ونشر العقيدة الصحيحة وفق منهج أهل السنة، وهذا المؤشر يمكن أن تستفيد منه الجمعيات الخيرية والمنظمات الاجتماعية التي تسعى لإيصال مشاريعها إلى هذه المناطق والعناية بها والحفاظ على ما تبقى من الرصيد السني الفطري في قلوب الناس في هذه المناطق.
17 - وهذا بدوره يضاعف المسئولية الجماعية على الجهات الرسمية تجاه هذه المناطق وإنقاذها من هذا المد من خلال التمكين لدعاة السنة في هذه المناطق في المساجد والمرافق العامة، كما يضاعف المسئولية على العاملين في الحقل الإسلامي للقيام بواجبهم في هذه المناطق من خلال الدعوة إلى الله على بصيرة، بالحكمة والموعظة الحسنة. وهذا لا يتحصل بين عشية وضحاها، وإنما يحتاج إلى جهد مدروس، ومنهج مرسوم، ونفس طويل، وعدم استعجال أو حرق للمراحل.
التوصيات:
وختاماً فإن أبلغ وصية أوصي بها نفسي ومن يطلع على هذا البحث: تقوى الله في السر والعلن، ولزوم إخلاص العمل لله عز وجل؛ فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انقطع وانفصل.(3/195)
التشيع في صعدة – أفكار الشباب المؤمن في الميزان
Oعبدالرحمن المجاهد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الآفاق
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2007م
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخاتمة وأهم النتائج:
ومن خلال ما تقدم من عرض ومناقشة يمكننا أن نخرج بخلاصة لهذا البحث نوجزها في النتائج الآتية:
1 - من خلال قراءة كتب بدر الدين الحوثي، لاحظنا بأن كتاباته قبل قيام الوحدة اليمنية تختلف عنها بعد قيام الوحدة بمعنى أن كتاباته القديمة تنبئ عن فكر زيدي جارودي معتدل، ثم تطور هذا الفكر ليصبح قريباً من الفكر الاثني عشري بعد الوحدة وبالتحديد بعد حرب الانفصال التي كان مؤيداً فيها لمواقف الانفصاليين، ومن ثم هرب إلى إيران وهناك لقي من يحتضنه ويدعمه ويشجعه.
2 - ولا شك أنه أثناء فترة جلوسه في إيران سيلتقي بعلماء الرافضة هناك، وقادة الفكر الخميني، فوجد بدر الدين الحوثي بأن الفروق بسيطة بين الجارودية الزيدية وبين الاثني عشرية من الرافضة، فنهل من معينهم وبقي محافظاً على مسحة زيدية.
3 - ترجح للباحث بأن بدر الدين الحوثي كان جارودياً احتضنته الاثنا عشرية في إيران.
4 - من خلال الاطلاع على ملازم حسين الحوثي واستماع أشرطته تبين بما لا يدع مجالاً للشك بأن حسين الحوثي كان من معتنقي المذهب الاثني عشري، وذلك من خلال:
أ- الآراء الاثني عشرية المنثورة في ملازمه وأشرطته.
ب- تأثره بهم خاصة عند زيارته لإيران وزيارته لبعض العالم في مدينة آمل الإيرانية.
ج- لا تخلو ملزمة مما وقع في يد الباحث من ذكر وتمجيد وتقديس للخميني ووصفه بالإمام المجدد.
د- حملة حسين الحوثي الغير مباشرة على الزيدية وعلمائها ووصفهم بالتدجن.
5 - سعي حسين الحوثي للتمرد وخطط له منذ وقت مبكر وبدعم إيراني؛ ولولا أنه استعجل في تنفيذ مخططه لعجزت الدولة فيما بعد عن أن تقضي عليه، ولو استمر على ذلك الإعداد العسكري والعقدي لعقد أو عقدين من الزمن لاستطاع أن يكون دولة شيعية في جزء كبير من اليمن.
6 - ضلوع عبد الكريم جدبان في التنظيم والتخطيط لحركة الشباب المؤمن التي أشعلت الحرب، والخلاف بينه وبين بدر الدين وحسين الحوثي خلاف في وجهات النظر داخل المدرسة الواحدة، لا يخلو من الحظوظ الشخصية والتمييزات القبلية.
7 - صوابية التقارير ومصداقية ما ذكره قسم الدراسات العليا والعمادة بخصوص رسوب جدبان وعدم استحقاقه الالتحاق بالماجستير في جامعة صنعاء، واستخدامه لنفوذه وحصانته البرلمانية في تجاوزه لقوانين جامعة صنعاء ولوائح الدراسات العليا.
8 - الخلاف الحاصل بين جدبان الذي يمثل فصيل القبائل في تنظيم الشباب المؤمن وبين حسين الحوثي ووالده بدر الدين اللذان يمثلان فصيل السادة (الهاشميين) ليس خلافاً عقائدياً ولا فقهياً وإنما هو خلاف في وجهات النظر ضمن المدرسة الواحدة التي لا تختلف عقائدياً.(3/196)
التشيع في صعدة – شبهات وردود
Oعبدالرحمن المجاهد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الآفاق
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2007م
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخاتمة:
وفي نهاية هذا البحث يمكننا أن نخرج منه بخلاصة نوجزها فيما يأتي:
1 - سخرية الشيعة في صعدة من حديث النزول الإلهي إلى السماء الدنيا، وبأنه ينزل على حمار أعرج، فجمعوا بين قبيحين: الأول: فساد المعتقد، والثاني: الاستهزاء بصفة من صفات الله عز وجل.
2 - ينكر الشيعة رؤية الله في الدنيا والآخرة.
3 - ينكر الشيعة ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ وغرضهم في ذلك الطعن في صحابة النبي صلى الله عليه وسلم متعسفين بالاستدلال بحديث الحوض.
4 - يقول الشيعة بالبداء على الله وهو ما يسمى بخرم القدر.
5 - يقدم شيعة صعدة العقل على النقل، من خلال ردهم للأحاديث الصحيحة بدعوى أنها تخالف العقل.
6 - طعن الشيعة في صعدة في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها والنيل من عرضها يعد تكذيباً للوحي الذي برأها، ونيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفر يوجب ردة قائله.
7 - عدم علم فاطمة رضي الله عنها بحديث (لا نورث)، وهذا مما جهلته هي وعلمه أبو بكر رضي الله عنه.
8 - ما كان في نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم من المال وظن العباس وفاطمة أحقيتهما فيه ينتقل حق التصرف فيه إلى الخليفة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي يقدر المصلحة فيه، وعدم علم العباس وفاطمة رضي الله عنهم بالحديث لا يلغي الحكم ولا يمنحهما رضي الله عنهما ما ليس لهما، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ.
9 - خالف الشيعة مذهب أئمة آل البيت في هذه الأراضي؛ ذلك أن علي بن أبي طالب عمل فيها بمثل عمل أبي بكر وعمر، ومذهب الحسن بن محمد بن علي رضي الله عنه، وهو مذهب زيد بن علي رضي الله عن الجميع، ولو كان الشيعة صادقون في محبتهم لوسعهم ما وسع أئمة آل البيت رضوان الله عليهم.
10 - ما ورد من هجران فاطمة لأبي بكر لم يكن هجراً دينياً ولم تصاحبه بغضاء ولا حقد ولا عصيان له كونه خليفة للمسلمين، ولا يلزم من عدم إعلام علي رضي الله عنه لأبي بكر بدفن فاطمة وجود بغضاء، ولا يفهم منه ذلك البتة.
11 - يفهم الشيعة حديث الولاية لعلي فهماً خاطئاً ويلزمون منه ما لا يلزم ويحملونه ما لا يحتمل.
12 - الصحابة كلهم عدول، ولا يجوز لجاهل أن يخوض فيما شجر بينهم، وهم قوم قد طهر الله ألسنتنا من أعراضهم، وكل له مندوحة فيما رأى ونترضى عن الجميع.
13 - سب صحابة النبي صلى الله عليه وسلم من علامات الرفض، وسيما التشيع المقيت، وهو دسيسة من دسائس اليهود والمجوس في حربهم على الإسلام.(3/197)
الفروق في العقيدة بين أهل السنة والأشاعرة (دراسة مقارنة)
Oصادق عبده سيف حسن السفياني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الإيمان - الإسكندرية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
أشاعرة
الخاتمة
هذه الخاتمة تتضمن أهم النتائج التي تم التوصل إليها في هذه الرسالة وهي:
أولا: صحة مذهب أهل السنة والجماعة للأمور التالية:
1 - أهل السنة والجماعة لا يتجاوزون الأدلة الشرعية، ويعملون بها ويستدلون بموجب نصوصها.
2 - عمق منهج أهل السنة واستقامته مع الفطرة السوية وخلوه من الاضطراب والتناقض.
3 - تقسيم التوحيد عند أهل السنة وتعريفه هو التعريف الصحيح المبني على الأدلة والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة.
4 - مذهب أهل السنة والجماعة في مسائل الصفات قائم على قواعد صحيحة سليمة بعيدة عن التأويل والتشبيه بل على قواعد الإثبات والتنزيه.
5 - قول أهل السنة في القرآن ومذهبهم فيه هو القول الصحيح الذي دلت عليه النصوص وأجمعت عليه الأمة.
6 - صحة تقسيم الإيمان إلى قول وعمل واعتقاد، كما دلت عليه النصوص المتكاثرة من القرآن والسنة وسار عليه سلف الأمة.
7 - إيمان أهل السنة بالقدر ومراتبه، وتفريقهم بين أفعال الله ومفعولاته، وإثباتهم إرادة للعبد مخلوقة لله وقوله بالحكمة والتعليل في أفعال الله وتوسطهم في التحسين والتقبيح وإثباتهم تأثير للأسباب في مسبباتها هو القول الذي دلت النصوص الشرعية من كتاب وسنة.
8 - لم يتعمق أهل السنة في الأمور العقلية التي هي خارج نطاق العقل، والتزموا الأدلة الشرعية فكان مذهبهم وطريقهم وهو الأقرب إلى أفهام الناس وفطرهم.
9 - أن مصادر التلقي والاستدلال عند أهل السنة هي كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة.
ثانيا: يؤخذ على المذهب الأشعري الأمور التالية:
• لا يصح نسبة المذهب الذي استقر عليه المتكلمون إلى أبي الحسن الأشعري لأنه رجع إلى مذهب أهل السنة والجماعة، بل حقيقة مذهبهم كلابي نسبة إلى أبي عبد الله بن كلاب.
• أن المذهب الأشعري سلك في إثبات وجود الله مسالك عويصة، يصعب إدراكها وجعلوا ذلك من عقد الدين وأصل الإيمان.
• أثبت أتباع المذهب الأشعري سبع صفات وأولوا ما وراءها بحجة منع حلول الحوادث في ذات الرب سبحانه وتعالى.
• مذهب الأشعرية في القرآن مذهب غريب وشاذ لم يقل به أحد قبلهم، وأفضى بهم إلى القول بخلق القرآن.
• أصل الأشعرية لمذهب جهم بن صفوان في الإيمان، وساروا عليه وأخرجوا القول والعمل عن حقيقة الإيمان.
• إن الأشاعرة لما التزموا نفي الحكمة والتعليل والتحسين والتقبيح وقالوا بعدم وجود تأثير للأسباب في مسبباتها، مالوا إلى الجبر وقالوا بالكسب الذي لا يثبت أي قدرة للإنسان على الفعل.
• سلم الأشاعرة ببعض أصول المعتزلة، والتزموها، وأطردوها في تأصيل أخطر قضايا العقيدة، وهي التوحيد.
• محاولة التوسط والتوفيق بين مذهب أهل السنة ومذهب المعتزلة جعل المذهب الأشعري مضطرب متأرجح غريب وشاذ كما في قولهم بالكلام النفسي بالنسبة للقرآن.
• أوجب الأشاعرة على الناس ما لم يوجبه الشرع، كقولهم بأن أول واجب على المكلف النظر، هذه أهم النتائج التي تضمنها هذا البحث، وإني لأرجو الله سبحانه وتعالى أن يقيض لهذه الأمة من يفضح عوار أصحاب الضلال ويسير بالأمة على جادة الحق إنه جواد كريم.
والحمد لله رب العالمين(3/198)
الماتريدية دراسة وتقويمها
Oأحمد بن عوض الله بن داخل الحربي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار العاصمة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
ماتريدية
الخاتمة
وفي خاتمة هذا البحث، وبعد دراسة ومناقشة أهم جوانب عقيدة الماتريدية، أذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة، وهي كما يلي:
1 - أن نشأة الاختلاف والتفرق في الأمة الإسلامية كانت لعدّة أسباب ومؤثرات خارجية وداخلية.
2 - أن لأهل السنة والجماعة منهج متميز في تلقي العقيدة وتقريرها، وهو يقوم على أصولٍ راسخةٍ، وقواعد متينة.
3 - ذكرت بعض الأسباب التي يمكن بها تفسير عدم ورود ذكر الماتريدي والماتريدية في كثيرٍ من المؤلفات، ثم ترجمت للماتريدي ولأشهر أعلام الماتريدية.
4 - أن السبب في خلاف الباحثين المعاصرين في تحديد منهج الماتريدية وتمييزه عن منهج الأشاعرة، والمعتزلة، يرجع إلى التداخل بين المدارس الكلامية الثلاث. وذلك أنها جميعاً انطلقت من أصلٍ واحد، وهو جعل العقل أساساً لمعرفة العقيدة.
5 - أن منهج الماتريدية يقوم على قواعد وأسس، أهمها:
أولاً: مصدرهم في التلقي في الإلهيات والنبوات هو العقل.
ثانياً: أن معرفة الله واجبة بالعقل قبل ورود السمع.
ثالثاً: القول بالتحسين والتقبيح العقليين.
رابعاً: القول بالمجاز في اللغة والقرآن والحديث.
خامساً: التأويل والتفويض.
سادساً: القول بعدم حجية أحاديث الآحاد في العقائد.
6 - أن توحيد الله عند الماتريدية ليس هو التوحيد الذي أنزل الله به كتبه وأرسل به رسله، إذ أن مفهوم توحيد الله عندهم: أنه تعالى واحدٌ في ذاته لا قسيم له أو لا جزء له. وواحدٌ في صفاته لا شبيه له، وواحدٌ في أفعاله لا شريك له.
7 - أن الماتريدية اعتمدت في إثباتها لوجود الله تعالى على دليل حدوث الأعراض والأجسام. وهذه الطريقة في الاستدلال طريقة مبتدعة باطلةً، قد طعن فيها السلف والأئمة وجمهور العقلاء من الفلاسفة والمتكلمين.
كما أن الماتريدية استدلت على وحدانية الله بدليل التمانع، وهو دليل صحيح على إثبات امتناع صدور العالم على اثنين، ولكن اعتقاد الماتريدية بأن هذا الدليل هو المقصود بقوله تعالى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (الأنبياء: 22) اعتقاد باطل.
8 - أن الماتريدية تقول بوجوب إثبات جميع أسماء الله، وأن الأصل في ثبوتها السمع. ولكنهم لم يفرقوا بين باب التسمية وباب الإخبار.
وأما بالنسبة لمدلولات الأسماء، فهم إما أن يجعلوا مدلول الاسم هو الذات، وهذا في اسم (الله) فقط. وإما أن يكون المدلول مأخوذاً عندهم باعتبار ما أثبتوه من الصفات.
9 - تُعد الماتريدية من الصفاتية، وذلك لأنهم يثبتون ثمان صفات، وهي: القدرة، والعلم، والحياة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، والتكوين. وهم خصوا الإثبات بهذه الصفات دون غيرها؛ لأن العقل دل عليها عندهم دون غيرها.
وتخصيصهم هذه الصفات بالإثبات دون غيرها تخصيص من غير مخصص، ولا دليل عليه لا من العقل ولا من النقل.
10 - قالت الماتريدية بنفي جميع الصفات الخبرية التي وردت في الكتاب والسنة، وذلك لأن مصدرهم في التلقي هو العقل، ولاعتقادهم أن إثبات هذه الصفات على حقيقتها يستلزم التشبيه والتجسيم، واحتجوا لقولهم هذا بشُبه فاسدة تقدم معنا بيان بطلانها.
11 - ترى الماتريدية أن جميع صفات الأفعال المتعدية ترجع إلى صفةٍ واحدةٍ وهي التكوين. وقالوا إن التكوين غير المكون، وأنه أزلي لا يتجدد ولا تعلق له بالمشيئة والقدرة.
وقولهم بمغايرة التكوين للمكون حق وصواب، وأما نفيهم لتجدد الفعل وتعلقه بالمشيئة والقدرة باطل ترده الأدلة العقلية والنقلية.(3/199)
12 - نفت الماتريدية الصفات الفعلية اللازمة، وذلك لأن الأصل في ثبوتها الخبر، ولأنها صفات اختيارية، وهم يمنعون أن تقوم بالله صفة اختيارية حذراً من التشبيه وفراراً منه، وقولهم هذا باطل عقلاً ونقلاً، كما تقدم بيانه.
13 - قالت الماتريدية في كلام الله: أنه معنىً واحد، قديم أزلي، ليس له تعلق بمشيئته تعالى وقدرته، وأنه ليس بحرف ولا صوت، وأنه كلام نفسي، وأنه لا يسمع إنما يسمع ما هو عبارة عنه.
وقولهم هذا لم يدل عليه الكتاب ولا السنة، ولم يرد عن أحدٍ من سلف هذه الأمة.
14 - يرى جمهور الماتريدية أنه لا دليل على صدق النبي غير المعجزة. بحجة أن المعجزة وحدها التي تفيد العلم اليقيني بثبوت نبوة النبي أو الرسول.
ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء، ولكن القول بأن نبوة الأنبياء لا تُعرف إلا بالمعجزات قول غير صحيح، بل هو باطل عقلاً ونقلاً.
15 - تعريف الماتريدية للمعجزة بأنها: أمرٌ خارقٌ للعادة مقرونٌ بالتحدي مع عدم المعارضة، تعريف غير منضبط، بل هو مضطرب وغير مستقيم.
16 - قول الماتريدية بأن جميع المسائل المتعلقة باليوم الآخر لا تعلم إلا بالسمع قولٌ غير صحيح. بدليل أن العقل قد دل على اليوم الآخر. والسمع قد نبه على دلالة العقل.
17 - أن الماتريدية تثبت جميع المسائل المتعلقة باليوم الآخر كنعيم القبر وعذابه، وأشراط الساعة .. وذلك لاعتمادهم السمع كمصدر للتلقي فيما يتعلق باليوم الآخر.
18 - أن إثبات الماتريدية للرؤية مع نفي الجهة والمقابلة، قول متناقض. فهم بقولهم هذا أثبتوا ما لا يمكن رؤيته.
19 - أن حقيقة قول الماتريدية في أفعال العباد: أن للعباد إرادة غير مخلوقة، وهي مبدأ الفعل. فالعباد على مذهبهم يتصرفون بمبادئ أفعالهم استقلال تام كما يشاؤون، وخلق الله لأفعالهم إنما هو تبع لإرادتهم الجزئية غير المخلوقة.
20 - أن مذهب جمهور الماتريدية في الاستطاعة: أنها تفعل على نوعين: الأول، سلامة الأسباب والآلات وهي تتقدم الفعل، والثاني: الاستطاعة التي يتهيأ بها الفعل، وتكون مع الفعل.
وقولهم هذا هو القول الصحيح في المسألة، وهو الذي قد دلت عليه الأدلة العقلية والنقلية.
21 - أن الماتريدية وافقت المعتزلة في مسألة التكليف بما لا يطاق، وقالوا بعدم جوازه، والصواب في المسألة هو التفصيل وعدم إطلاق القول بالجواز أو المنع.
22 - ذهبت الماتريدية إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب فقط، وقال بعضهم بأنه التصديق بالقلب والإقرار باللسان. ومنعوا زيادته ونقصانه، وقالوا بتحريم الاستثناء فيه. كما أنهم قالوا بأن الإيمان والإسلام مترادفان ولا فرق بينهما.
ولا ريب أن القول الحق هو: أن الإيمان: اعتقاد بالجنان، وقولٌ باللسان، وعملٌ بالأركان. وأنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، ويجوز الاستثناء فيه، والمقصود به عدم تزكية النفس. وأما الإسلام والإيمان فإنهما متلازمان: إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.
23 - أن الماتريدية قالت بصحة إيمان المقلد مع الإثم على ترك النظر والاستدلال وقولهم هذا باطل؛ لأنه بني على أصلٍ باطل، وهو أن النظر والاستدلال أصل الدين والإيمان.
24 - أن قول الماتريدية بأن مرتكب الكبيرة فاسق، وليس بكافر حق وصواب. لكن زعمهم بأن الفسق ليس له أثرٌ على الإيمان، فهو بلا ريب قولٌ باطل ترده الأدلة الصحيحة. والحق أن مرتكب الكبيرة مؤمنٌ ناقص الإيمان، لا يعطى اسم الإيمان المطلق.
25 - أن هناك توافقٌ كبيرٌ بين الماتريدية والأشاعرة، وسر هذا التوافق أن كلتا الفرقتين انبثقتا من الكلابية. وما بينهما من خلاف فإنما يقع في مسائل معدودة.
26 - أن الخلاف بين الماتريدية والمعتزلة خلافٌ كبير. ورغم هذا الخلاف فإن الماتريدية قد تأثرت بالمعتزلة، ووافقتها في عدة مسائل.
27 - أن أهل السنة والجماعة يقولون في الماتريدية بالعدل وينصفونهم، ويعترفون بما معهم من الحق للمجتهد أو طالب الحق منهم، ويذمون الظالم والمتعصب ومن كان متبعاً للهوى.
وبعد: فهذه مجمل النتائج التي توصلت إليها، فإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمني ومن الشيطان. وما توفيقي إلا بالله، عليه توكّلت وإليه أنيب. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/200)
الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات
Oشمس الدين السلفي الأفغاني
المحقق/ المترجم:
بدون مكتبة الصديق - الطائف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
ماتريدية
في بيان أهم نتائج هذه الرسالة وذكر بعض الاقتراحات، والفهارس
الحمد لله تعالى حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشكره سبحانه وتعالى على أن أسبغ عليَّ نعمه الظاهرة والباطنة.
وأهمها هدايته تعالى إياي إلى الإسلام الصحيح المتضمن للعقيدة السلفية، ومنها سلوكه تعالى بهذا العبد الفقير إليه سبحانه طريق العلم النافع ومنها توفيقه سبحانه إياي لإتمام هذا الكتاب وتيسيره علي.
أما بعد: فأقدم بين أيدي القراء الكرام نبذة من أهم نتائج هذا الكتاب مع ذكر بعض الاقتراحات المفيدة، ثم الفهارس.
أولاً: بيان أهم النتائج:
لقد وصلت بتوفيق الله سبحانه وتعالى في كتابي خلال سنتي تأليفه إلى نتائج كثيرة أذكر أهمها:
1 - أن الإمام أبا منصور الماتريدي أحد أساطين الكلام، وقد أعطي مكانة عظيمة في العلوم العقلية بل العربية، ورأيته قوي العارضة شديد المعارضة صاحب ذهنٍ وقادٍ، وقوة البيان وذكاء تام.
2 - لكنه بعيد الصلة عن السنن والآثار وأهلها والعقيدة السلفية (1).
3 - لهذا الإمام مناقب ومحاسن كثيرة: منها ردوده القوية على الفرق الباطلة.
4 - ولكن كثيراً من ردوده وحججه ترتد حجة عليه (2).
5 - إن الماتريدي بسبب ما أكرمه الله من علم وقوة في الجدل ومكانة مرموقة استطاع أن صار إماماً لفرقة كلامية عظيمة من الفرق الكلامية.
6 - الماتريدية فرقة كلامية من أعظم فرق أهل القبلة، ولها دورها ونشاطها وسلطانها على وجه البسيطة شرقاً وغرباً عرباً وعجماً حسب سلطان الحنفية، لأسباب كثيرة ذكرت أهمها (3).
7 - الماتريدية إلى يومنا هذا لهم محاسن كثيرة: من الزهد والتقوى، والتأله والعبادة، والإخلاص للإسلام، والرد على الفرق الباطلة.
وإمامة في العلوم العقلية والنقلية من التفسير والفقه والأصول.
أما الماتريدية الحديثة كالديوبندية- فهم أئمة في علم الحديث أيضاً، ولهم خدمات جليلة في شروح الأحاديث والحواشي على كتب السنة.
8 - غير أنهم أولوا كثيراً من الأحاديث إلى المذهب الكلامي الماتريدي والمذهب الفقهي الحنفي، فلم تكن خدمتهم للسنة مجردة عن شيء من المرض والغرض حتى حرفوا بعض الأحاديث وبعض الآيات للمذهب (4).
9 - كما أن كثيراً من ردودهم على الفرق الباطلة ترتد حجة عليهم فيما خالفوه من الحق.
10 - مرت العقيدة الماتريدية بأدوار ذكرت أهمها، مع بيان ميزات كل دور (5).
11 - الماتريدي والماتريدية فرقة من فرق الحنفية فلا يوجد ماتريدي إلا حنفياً ولا عكس، أعني كل ماتريدي حنفي ولا عكس.
فقد يكون الرجل الحنفي سلفياً أو معتزلياً أو غيره، ولا يكون ماتريدياً، ولكن لم أجد أحداً من الحنفية أشعرياً إلا السمناني (6).
ولهذا السبب يراد بالحنفية في علم الكلام عن الإطلاق هم (الماتريدية) لا غير (7).
12 - اندهشت من نشاط الماتريدية في ميدان التأليف ومناصرتهم لعقيدتهم الكلامية بكل ما يملكونه من القوى (8).
_________
(1) انظر على سبيل المثال صـ: 1/ 490، 3/ 111 - 112، 3/ 133 - 135.
(2) راجع 1/ 209 - 255، بل هو ممن ساير جهماً: 1/ 235 - 253، بل حرّف معنى آية في كتاب الله لكونه عريقاً في التعطيل 2/ 31.
(3) انظر صـ: 1/ 269 - 276.
(4) راجع 1/ 264 - 268، 2/ 529 - 533.
(5) راجع صـ: 1/ 262 - 268.
(6) انظر صـ: 1/ 408 - 410 و1/ 172 - 176.
(7) راجع صـ: 1/ 408.
(8) راجع صـ: 1/ 279 - 376 وفي هذه الصفحات فهرس كتبهم.(3/201)
13 - الماتريدي والماتريدية قد وافقوا أهل السنة المحصنة من سلف هذه الأمة وأئمة السنة في إثبات بعض الصفات، وكثير من مسائل الأسماء الحسنى، ومعظم أبواب النبوة وجميع أبواب المعاد، والقضاء والقدر، وخلق أفعال العباد، وإبطال الجبر.
وهذا من حسناتهم التي لا تنسى والتي يشكرون عليها ونحبهم بها.
14 - فهؤلاء- لما عندهم من الحق- يعدون من أهل السنة بالمعنى العام، وليسوا من أهل السنة المحصنة (1).
15 - للماتريدية موقف خطير من النصوص الشرعية وهو في الحقيقة موقف من لا يؤمن بها حقاً، حيث قدموا عقولهم على النقل الصحيح الصريح، وجعلوا العقل أصلاً ويقيناً وجعلوه مصدراً لتلقي العقيدة في باب صفات الله تعالى.
أما النقل فهم إما فوضوا فيه، أو أولوه لظنهم أنه لا يفيد الظن (2) وقد ناقشناهم في ثلاثة فصول: الثاني والثالث والرابع من الباب الثاني (3).
16 - أما الماتريدية الحديثة كالكوثري والكوثرية ومن سايره من بعض الديوبندية كالبنوري فلهم مقالة خطيرة أخرى وهي: أن كثيراً من أحاديث الصفات وضعتها الزنادقة وروجوها على المحدثين (4).
17 - الإمام الماتريدي والماتريدية قد فهموا من نصوص صفات الله تعالى ما يليق بالمخلوق.
فلذلك هربوا من القول بظاهرها وظنوا أن ظواهرها تستلزم تشبيه الله بخلقه وحقائق تلك الصفات ممتنعة في حق الله تعالى بحجة التنزيه.
فلا بد من التفويض فيها أو تأويلها (5).
وقد أفردت لإبطال هذه الشبهة فصلاً كاملاً، وهو من الباب الثاني (انظر 1/ 478 - 533) فأبطلتها بثمانية وجوه.
18 - موقف الماتريدية من صفات الله تعالى غير ما أثبتوه من بعض الصفات وموقفهم من نصوصها بين تفويض وتأويل (راجع 1/ 473 - 474، 541).
لكن قولهم بالتفويض للتخلص من نصوص السلف القاطعة الصريحة في الإثبات فقط، وإلا مذهبهم الذي استقروا عليه وطبقوه عملياً هو التأويل المبتدع الذي هو عين (التحريف) و (التعطيل) (6).
19 - ادعت الماتريدية على السلف تفويضاً مطلقاً في الكيف والمعنى جميعاً، وهذه الدعوى باطلة على السلف لا حقيقة لها، وأنها خطأ عليهم، وافتراء شنيع وبهتان فظيع وتقول وتقويل (راجع 2/ 127 - 129).
وهذه الدعوى تستلزم عواقب وخيمة ذكرتها بالتفصيل، وأبطلت مزاعمهم وشبهاتهم في فصل مستقل بعدة وجوه وأجوبة (7).
20 - الماتريدي والماتريدية فرقة عريقة غريقة في التأويل المستلزم لتعطيل صفات الله تعالى وتحريف نصوصها، وفتح أبواب الزندقة والإلحاد لأمثال القرامطة الباطنية وغير ذلك من العواقب الوخيمة الذي ذكرت بعضها في فصل مفرد (8).
21 - إن الماتريدية لا يوجد عندهم قانون دقيق، ومعيار صحيح فيما يؤول وفيما لا يؤول.
ولذلك وجد عليهم القرامطة الباطنية طريقاً إلى تأويل الشرائع والمعاد.
وليس عند الماتريدية فاصل صحيح بين التأويل الصحيح وبين التأويل الباطل ليسدوا به طريق القرامطة (راجع 2/ 325 - 339)؛
لأن للقرامطة أن يقولوا: أنتم مهما أولتم نصوص الصفات على كثرتها وتوافرها وعلى قطعية دلالتها على مرادها-
فلنا أن نؤول نصوص الشرائع والمعاد أيضاً.
وليست تأويلاتكم بأحق من تأويلاتنا، كما أن تأويلاتنا ليست بأبعد من تأويلاتكم، مع أن تأويل الشرائع والمعاد أسهل من تأويل الصفات (9).
22 - اشترطت الماتريدية في صحة التأويل شرطاً مهماً:
_________
(1) راجع صـ: 1/ 401 - 406.
(2) راجع صـ: 1/ 537 - 550.
(3) 2/ 5، 133، 211.
(4) انظر صـ: 1/ 252، 545، 549.
(5) انظر صـ: 1/ 465 - 477.
(6) انظر صـ: 2/ 131، 255، 296، 2/ 436 - 455.
(7) راجع صـ: 2/ 133 - 196.
(8) راجع صـ: 2/ 212، 213، 2/ 214، 2/ 215، 2/ 219، 2/ 242، 2/ 255، 2/ 296، 2/ 304، 2/ 340.
(9) انظر صـ: 1/ 304 - 325.(3/202)
وهو أن يكون موافقاً لاستعمال اللغة العربية (1).
ومعنى هذا أن التأويل الذي لا يوافق اللغة العربية هو تحريف محض.
23 - ولكن الماتريدية -مع الأسف الشديد- لم يطبقوا قولهم هذا تطبيقاً عملياً بل عملهم الواقعي في التأويل يخالف الشرط.
فقد ذكرت أمثلة عديدة لبيان أن تأويلاتهم لا توافق اللغة العربية، وإنهم لم يستطيعوا توفر شروط التأويل الصحيح.
إذن تأويلاتهم تحريف محض مستلزم لتعطيل بحت (2).
24 - بل قد صرح كثير من أئمة الإسلام على أن تأويلات المتكلمين تحريف (3).
25 - وأن تأويلاتهم تستلزم تعطيل الصفات حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة، وكثير من كبار أئمة الماتريدية (4).
الماتريدية متناقضون في قضية التأويل حيث أثبتوا بعض الصفات وأولوا بعضها فإما أن يثبتوا جميع الصفات، وإما أن يؤولوا جميعها، لأن الدافع للتأويل- وهو شبهة التشبيه، وتحقيق التنزيه- موجود فيما أثبتوه أيضاً (5).
27 - إن الماتريدية لم يعرفوا حقيقة (التشبيه) الذي يجب نفيه عن الله تعالى، فأدخلوا في مفهوم التشبيه كثيراً من الصفات فنفوها (6).
28 - كما أنهم لم يعرفوا حقيقة (التنزيه) الذي يجب إثباته لله سبحانه، فأدخلوا في مفهوم التنزيه نفي كثير من الصفات فعطلوها (7).
29 - فصار (توحيدهم) ذا صلة وثيقة بتوحيد الجهمية الأولى، والمعطلة الخرقاء والفلاسفة الحمقى.
30 - إن الماتريدية في مقالتهم: (التأويل) قد خالفوا إجماع سلف هذه الأمة، وأئمة السنة، ولا سيما الإمام أبا حنيفة وأصحابه الأوئل (8).
31 - اشتهر على ألسنة الناس أن الأشعرية والماتريدية قد أثبتوا سبعاً من الصفات التي يسمونها (صفات المعاني) أو (صفات عقلية) أو (صفات ثبوتية) أو (صفات ذاتية).
وهي: الحياة، والقدرة، والعلم، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام، وزادت الماتريدية صفة ثامنة، وهي (صفة التكوين) التي هي مرجع جميع الصفات الفعلية عندهم (راجع 2/ 430 - 433).
ولكن الحقيقة أنهم لا يثبتون هذه الصفات كلها جميعاً. وإن تظاهروا بإثباتها.
لأنهم اتفقوا بإثبات أربع منها: وهي الحياة، والقدرة، والعلم، والإرادة. مع تفلسف في إثباتها كإثبات السلف.
واختلفوا في (السمع والبصر).
أما (صفة الكلام) فلا يؤمنون بها، على طريقة سلف هذه الأمة؛ بل عطلوها جهاراً دون إسرار، وأثبتوا لله تعالى- كذباً وافتراءً عليه- ما يسمونه (الكلام النفسي) - الذي لم يعرفه الأنبياء والمرسلون، ولا الصحابة، ولا التابعون، ولا الأئمة الفقهاء والمحدثون، ولا أحد من بني آدم، ولايقره عقل ولا نقل ولا عرف ولا إجماع حتى جاء دور (ابن كلاب) (بعد 240هـ) فأحدث بدعة (الكلام النفسي) وأما صفة التكوين فيرجع الأمر إلى أن الخلاف بين الفريقين لفظي. وأن التكوين يرجع إلى صفتي القدرة والإرادة (9).
32 - الماتريدية حصروا صفات الله تعالى في أربعة أنواع تحتها (21) صفة فقط لا غيرها، وهذا عين الإلحاد وتعطيل صريح لما سواها (10).
33 - الصفات الفعلية عندهم ليست صفات لله تعالى على سبيل الحقيقة ولا قائمة به تعالى، لئلا يلزم قيام الحوادث به سبحانه؛ لأنها حادثة. بل هي من متعلقات صفة (التكوين) عندهم.
وهذا كما ترى تعطيل صريح (11).
_________
(1) انظر صـ: 1/ 209.
(2) راجع صـ: 2/ 255 - 295، 2/ 325 - 339.
(3) انظر صـ: 2/ 285 - 295.
(4) راجع صـ: 2/ 299 - 303.
(5) انظر صـ: 2/ 340 - 353.
(6) انظر صـ: 1/ 484 - 498.
(7) انظر صـ: 1/ 498 - 508.
(8) انظر صـ: 2/ 219 - 241، وانظر صـ: 2/ 476 - 485، وانظر صـ: 2/ 503 - 513، وانظر صـ: 2/ 525 - 542.
(9) انظر صـ: 2/ 431 - 433.
(10) انظر صـ: 2/ 426 - 428، 2/ 430 - 431.
(11) انظر صـ: 1/ 418 - 423، 2/ 425 - 433.(3/203)
34 - إن الماتريدية قد عطلوا كثيراً من صفات الله تعالى الثبوتية. وقد ذكرت لذلك (35) مثالاً وحرفوا نصوصها بالتأويل (1).
35 - وقد ظهر بهذا أن الماتريدية معطلة أكثر من أنهم مثبتة، فصح إطلاق (الجهمية) عليهم (راجع 1/ 401 - 407).
36 - وجدت عند الماتريدية حماقات كلامية كثيرة -مع ادعائهم العقل والنظر- منها حماقات ثلاث لا يقرها عقل ولا نقل ولا فطرة ولا إجماع ولا عرف ولا لغة.
• الأولى: تعطيلهم لصفة (العلو) لله تعالى، وقولهم: إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا تحت ولا فوق، ولا يمين ولا شمال ولا خلف ولا أمام إلى آخر الهذيان (2).
• والثانية: تعطيلهم لصفة (الكلام) لله وقولهم بخلق القرآن، وخلق أسماء الله الحسنى وقولهم ببدعة (الكلام النفسي) (3) (انظر 2/ 73 - 82).
• الثالثة: زعمهم أن الكتب السماوية والأحاديث النبوية جاءت على خلاف الدين الحق- لأن الدين الحق هو نفي (الجهة) عندهم. (أي نفي علو الله تعالى على خلقه) واعترفوا بأن الكتب السماوية أتت بنصوص تدل على (الجهة) وأن الله تعالى فوق العالم. ولكن قالوا في الجواب عن ذلك: إن الكتب السماوية إنما جاءت بنصوص (العلو) لأجل استدراج الناس، لمصلحة الدعوة إلى الدين الحق. لا لأجل تحقيق أن الله تعالى فوق العالم؛ لأن الكتب السماوية لو جاءت بالتصريح بأن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق ولا تحت- لبادر الناس إلى الإنكار ولسارعوا إلى العناد.
ولقالوا: للرسل عليهم السلام: إن الذي تدعوننا إليه هو عدم محض، فاقتضت حكمة الدعوة أن جاءت الكتب السماوية موافقاً لما يزعمونه من أن الله تعالى فوق العالم (4).
وهذا كما ترى ضلال بواح صراح وتعطيل وإلحاد شنيعان فظيعان.
وهذا القول مشتمل على نسبة الكذب إلى الله تعالى وإلى كتبه المطهرة وإلى رسله عليهم السلام لمصلحة الدعوة.
ثم هو تحريف باطني وتخريف قرمطي مأخوذ من القرامطة الباطنية كما صرح به ابن سينا الحنفي المتفلسف القرمطي الباطني (428هـ) (5).
37 - اعتنق الماتريدية عقائد هي كفر صريح عند سلف هذه الأمة، وأئمة السنة.
منها: إنكارهم لعلو الله تعالى؛ فهذا كفر عند السلف حتى عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله (6).
ومنها: القول بخلق القرآن، وهذا كفر صريح عند السلف حتى عند الإمام أبي حنيفة وصاحبيه رحمهم الله تعالى أيضاً؛ وهذا كله باعتراف الماتريدية (7).
ومنها: القول بخلق أسماء الله الحسنى؛ فهو كفر عند سلف هذه الأمة وأئمة السنة أيضاً حتى عند من يعدونه من كبار أئمة الحنفية، كعبد الله بن المبارك رحمه الله (8).
ومنها: تعطيل صفة (النزول) لله تعالى إلى السماء الدنيا (9).
38 - إن الماتريدية قصدوا تحقيق (التنزيه) لله تعالى ونفي (التشبيه) عنه سبحانه وتعالى.
_________
(1) انظر صـ: 2/ 436 - 455.
(2) وقد أبطلنا قولهم عقلاً ونقلاً وفطرة وإجماعاً في فصل مستقل انظر صـ: 2/ 459 - 591.
(3) وقد أبطلتُ (الكلام النفسي) بسبع وعشرين وجهاً، انظر صـ: 3/ 83 - 121، وأثبت أن كلام الله بحرف وصوت وأبطلت قولهم: إن كلام الله لا بحرف ولا صوت انظر صـ: 3/ 122 - 141. وذكرت نصوص السلف في ذم القائل بخلق أسماء الله تعالى الحسنى، بل في تكفير قائله انظر صـ: 3/ 156 - 159.
(4) انظر صـ: 2/ 259 - 266 ومثله تخريفهم في ص 2/ 272 - 277.
(5) راجع صـ: 2/ 266 - 272.
(6) راجع صـ: 2/ 474 - 476، 480، 2/ 483، 2/ 525 - 528.
(7) راجع صـ: 3/ 112 - 116.
(8) انظر: صـ: 3/ 156 - 158.
(9) راجع صـ: 3/ 37 - 40.(3/204)
ولكنهم نزهوا الله تعالى عن كثير من صفات الكمال، وشبهوه سبحانه بالإنسان الأبكم الذي لا يتكلم إلا في نفسه ولا يكون له كلام يسمع كما شبهوه بالحيوانات العجماوات التي لا تتكلم، بل أنزلوه عن منزلة عجل السامري الذي كان له خوار، فشبهوه بالجمادات الصامتات، بل بالمعدومات بل بالممتنعات، حتى نفوا (علوه تعالى) فوقعوا في أقبح (التشبيه) وأوقحه، وخالفوا (التنزيه) مخالفة صريحة. فهؤلاء لا حققوا التنزيه، ولا نفوا التشبيه (1).
39 - بل بعضهم ممن يحمل العقائد الشركية قد شبهوا المخلوق بالخالق، فوقعوا في تشبيهين: -
• الأول: تشبيه الله بخلقه في صفات النقص.
• والثاني: تشبيه المخلوق بالله في صفات الكمال.
وهذا- كما ترى- جمع بين صفتي (اليهود- والنصارى) (2).
40 - الجهمية الأولى، والمعتزلة بل القرامطة الباطنية، المتفلسفة هم مصادر الماتريدية في كثير من أبواب العقيدة.
فكثير من عقائد الماتريدية وأصولها مأخوذ منهم ولا صلة لها بسلف هذه الأمة.
• وفيما يلي بعض الأمثلة: -
أ- تعطيل (الصفات) كلاً أو بعضاً بشبهة (التشبيه) (3).
ب- مقالة (تأويل) (الصفات) كلاً أو بعضاً (4).
جـ- موقفهم من النصوص الشرعية في باب (الصفات) وزعمهم: أنها ظنية؛ وأن البراهين العقلية (قطعية) فتقدم على (الأدلة اللفظية) (5).
د- تعطيلهم لصفة (العلو) لله تعالى (6).
هـ- القول بخلق القرآن مأخوذ من الجهمية الأولى حتى باعتراف الماتريدية أنفسهم (7).
والقول بخلق أسماء الله الحسنى (8).
ز- تأويل صفة (الاستواء) بالاستيلاء (9).
ح- تأويل صفة (اليدين) أو (اليد) مأخوذ من الجهمية الأولى حتى بشهادة الإمام أبي حنيفة رحمه الله (10).
ط- تعطيل صفة (نزول) الله تعالى إلى السماء الدنيا وتحريف نصوصها أو إنكارها (11).
ك- رمي الماتريدية سلف هذه الأمة وأئمة السنة بالتشبيه والتجسيم والحشو (12). (وانظر 1/ 405، وفيها عبرة للفنجفيرية!).
ل- زعمهم أن الكتب السماوية إنما جاءت بنصوص (العلو) وأن الله في (جهة الفوق) لمصلحة دعوة الناس؛ لأن الكتب السماوية لو جاءت بنصوص صريحة (بنفي الجهة) وبنفي أن الله تعالى ليس فوق العالم -لبادر الناس إلى الإنكار، ولقالوا: هذا الذي تدعوننا إليه عدم محض (13).
م- إجمالهم في الإثبات وتفصيلهم في النفي (14).
ن- عامة شبهات الماتريدية حول صفات الله تعالى مأخوذة من الجهمية الأولى (15) (انظر أيضاً 2/ 242 - 254، 259 - 277، 294).
س- لقد دخل على الماتريدية كغيرهم من المتكلمين- كثير من أفكار الفلاسفة اليونانية الكفرة والجهمية حتى باعترافهم (16).
41 - فلهذا كله تعد الماتريدية من فرق أهل البدع من أهل القبلة وليسوا من أهل السنة المحصنة ويطلق عليهم (أهل السنة) بالمعنى العام (17).
_________
(1) انظر صـ: 1/ 489، 1/ 504، 1/ 506، 1/ 516، ولا سيما صـ: 2/ 499، 2/ 512، 3/ 118 - 119 و 1/ 484 - 497، 498 - 507.
(2) راجع صـ: 3/ 288.
(3) انظر صـ: 1/ 465 - 470.
(4) راجع صـ: 2/ 242 - 254.
(5) انظر صـ: 1/ 543، 2/ 11، 2/ 13، 2/ 14، 2/ 71، 2/ 74.
(6) راجع صـ: 2/ 474، وانظر ما قبلها وما بعدها أيضاً.
(7) انظر صـ: 3/ 73 - 78، 3/ 112 - 116.
(8) انظر صـ: 3/ 150، 3/ 153، 3/ 156 - 159.
(9) راجع صـ: 3/ 22.
(10) انظر صـ: 2/ 297 - 300.
(11) انظر صـ: 3/ 32 - 45.
(12) راجع صـ: 3/ 33، 1/ 245، 467، 2/ 176، 273.
(13) انظر صـ: 1/ 295، 2/ 51، 60، 259 - 277.
(14) راجع صـ: 1/ 500، 502 - 503، 505.
(15) انظر صـ: 1/ 245، 250 - 252، 445، 2/ 14، 2/ 71، 175، 235.
(16) انظر صـ: 1/ 232 - 2/ 39، 40، 3/ 194 - 195.
(17) 1/ 401 - 407.(3/205)
42 - الماتريدية فرقة من غلاة المقلدين الجامدين للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، في مسائل الفقه العملية (وفيهم الكوثرية الفنجفيرية والديوبندية).
ومن الغلاة فيه، ومن المتعصبين له تعصباً مقيتاً، كادوا أن يرفعوه إلى منزلة العصمة، فجعلوا كثيراً من الأحاديث الصحيحة (حنفية) بتأويلاتهم، وجانبوا الحق نضالاً عن منهجهم، حتى صرح بعض كبار أئمة الديوبندية في صدد بيان مسألة (الخيار) بأن الحق مذهب الشافعي من جهة الأحاديث والنصوص ولكنا مقلدون يجب علينا تقليد إمامنا أبي حنيفة!.
وقد ذكرت لغلوهم وتحريفهم عدة أمثلة (1).
43 - الماتريدية مع غلوهم في الإمام أبي حنيفة- يخالفونه في كثير من أبواب العقيدة مخالفة صريحة وخرجوا عليه، وعلى أصحابه الأوائل، كالإمامين أبي يوسف، ومحمد رحمهم الله تعالى، خروجاً واضحاً فاضحاً وهو ما يستحي منه من عنده استحياء *وإلا فليفعل ما يشاء*؛
وفيما يلي بعض الأمثلة لذلك:
أ- إن الإمام أبا حنيفة، وأصحابه الأوائل يحتجون بأخبار الآحاد في باب العقيدة، ولا سيما باب الصفات.
أما الماتريدية فقد خالفوهم وخرجوا عليهم (2).
ب- لم يعرف عن الإمام أبي حنيفة وأصحابه القدماء رحمهم الله تأويل الصفات بل قد صرحوا بعدم جواز تأويلها، وأن عدم التأويل وإثبات الصفات هو مذهب أهل السنة والجماعة.
وأن تأويل الصفات إبطال وتعطيل لها، وهو مذهب أهل القدر والاعتزال (3). أما الماتريدية فقد خالفوهم وخرجوا عليهم بتلك التأويلات التي هي تعطيل للصفات وتحريف لنصوصها، كما تقدم في النتائج بأرقام (30 - 34).
ج- إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد أثبت علو الله تعالى وأنه في السماء، وقد صرح بتكفير من أنكر علو الله تعالى، وأنه في السماء، بل كفر من شك في ذلك (4).
لكن الماتريدية أنكروا علو الله إنكاراً صريحاً، وقالوا: (إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل به ولا منفصل عنه، ولا فوق ولا تحت ولا على العرش ولا فوق العرش (5) إلى آخر هذيانهم).
د- إن الإمام أبا حنيفة قد استدل على علو الله تعالى بحديث الجارية (6).
لكن عامة الماتريدية يحرفونه بالتأويل ويصرحون بأنه مخالف للقطعيات (7).
أما الكوثري والكوثرية وبعض الديوبندية فقد طعنوا فيه ظلماً وعدواناً. (8).
هـ- إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد استدل على علو الله تعالى وأنه في السماء بدليل الفطرة وهو قوله: (إن الله يدعى من أعلى لا من أسفل) (9) لكن الماتريدي والماتريدية طعنوا في هذا الدليل الفطري، وحرفوه بتأويل قبيح حتى قالوا: (إن هذا دليل غلاة الروافض واليهود والمجسمة). فسبوا إمامهم الأعظم (أبا حنيفة) من حيث لا يشعرون (10).
وإن الإمام أبا حنيفة وأصحابه الأوائل لم يقولوا: بخلق القرآن، بل قد صرحوا بتكفير القائل بخلق القرآن (11).
لكن الماتريدية قد قالوا بخلق القرآن جهاراً دون إسرار وتقية (الأشعرية) وقالوا: (بدون حياء، ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في خلق القرآن، وإنما الخلاف في الكلام النفسي) (12).
_________
(1) انظر صـ: 2/ 529 - 533.
(2) انظر صـ: 2/ 75 - 79.
(3) انظر صـ: 1/ 466 - 467، 2/ 75 - 79، 2/ 299 - 300، 3/ 37.
(4) راجع صـ: 2/ 75، 2/ 525 - 529.
(5) انظر صـ: 1/ 470 - 471.
(6) راجع صـ: 2/ 75، 2/ 525 - 529، 2/ 549.
(7) راجع صـ: 2/ 529.
(8) راجع صـ: 2/ 550 - 562.
(9) انظر صـ: 2/ 75، 2/ 526.
(10) راجع صـ: 2/ 542 - 543 وبعدها رد عليهم إلى 2/ 546.
(11) انظر صـ: 3/ 112 - 116.
(12) انظر صـ: 1/ 390، 3/ 73 - 82، 108 - 109.(3/206)
ز- لم يعرف عن الإمام أبي حنيفة القول: بالكلام النفسي (بل لا يمكن أن يكون ذلك قوله؛ لأن أول من أحدث القول بالكلام النفسي هو ابن كلاب بعد (1240هـ) (1).
فالإمام أبو حنيفة وأصحابه الأوائل لا يرون الكلام النفسي بل يعتقدون أن هذا القرآن هو كلام الله حقيقة (2) (الطحاوية مع شرحها 179).
لكن الماتريدية قالوا (ببدعة الكلام النفسي) (3).
ح- إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد صرح بسماع موسى عليه السلام لكلام الله تعالى (4).
لكن الماتريدي والماتريدية لا يجوزون سماع كلام الله تعالى لأحد من خلقه لا لموسى عليه السلام ولا لغيره (5).
ط- ى- إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد صرح بأن غضبه تعالى ورضاه صفتان من صفاته تعالى بلا كيف، وهو مذهب (أهل السنة) و (الجماعة).
ولا يقال غضبه عقوبته، ورضاه ثوابه (6).
لكن الماتريدي والماتريدية يعطلون هاتين الصفتين ويحرفون نصوصهما بتأويلاتهم (7).
ك- لقد صرح الإمام أبو حنيف4ة رحمه تعالى بأن لله (وجهاً) و (يداً) بلا كيف، ولا يقال: (إن يده (قدرته) أو نعمته)، لأن هذا تعطيل لها وهو مذهب الجهمية فتأويل صفة بأخرى إبطال لها (8).
ولكن الماتريدي والماتريدية يعطلون هذه الصفة بتأويلهم إلى (القدرة) و (النعمة) وغير ذلك من التأويلات التحريفية الجهمية.
وهكذا عطلوا صفة (اليدين) و (اليمين) و (القبضة) و (الأصابع) وحرفوا نصوصها بأنواع من التأويلات المريسية (9).
ل- كما عطلوا صفة (الوجه) وحرفوا نصوصها بتأويلات جهمية (10).
م- إن الإمام أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد أثبت لله تعالى صفة (استوائه) على عرشه، ويستدل به على علو الله تعالى (11).
لكن الماتريدي والماتريدية قد عطلوها وحرفوا نصوصها بأنواع من المجازات (12).
ن- يصرح الإمام أبو حنيفة، وكبار أئمة الحنفية الأولى، بإثبات صفة (النزول) لله تعالى إلى السماء الدنيا -بلا تكيف، ولا تشبيه ولا تحريف ولا تأويل ولا تعطيل، بل بعض كبار أئمة الحنفية القدامى يكفر من عطل صفة (النزول) (13).
لكن الماتريدي والماتريدية يعطلونها ويحرفون نصوصها بشتى التأويلات (14).
س- فرق الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بين (توحيد الألوهية) وبين (توحيد الربوبية)، وهكذا الإمام الطحاوي رحمه الله (15).
ولكن الماتريدية فسروا (توحيد الألوهية) بتوحيد (الربوبية) (16).
وأفرط بعضهم إلى حد قالوا: (إن تقسيم (التوحيد) إلى (الربوبية) وإلى (ألوهية) من مخترعات (ابن تيمية) مع خرق آخر (17).
وقد أبطلنا مزاعمهم لغة واصطلاحاً وشرعاً في خمس مؤاخذات تتضمن وجوهاً كثيرة (18).
ع- إن الإمام أبا حنيفة، وأصحابه المتقدمين قد جعلوا الإقرار باللسان ركناً من الإيمان (19).
_________
(1) راجع صـ: 2/ 280 - 281، 3/ 85 - 86، 89 - 90، 106 - 115.
(2) انظر صـ: 3/ 112 - 115، 3/ 120.
(3) راجع صـ: 3/ 73 - 82 وقد أبطلناه بعدة وجوه: 3/ 83.
(4) راجع صـ: 1/ 403، 1/ 424، 3/ 135، 138.
(5) انظر صـ: 1/ 423 - 426، 2/ 438، 3/ 80 - 82، 135 - 141.
(6) راجع صـ: 1/ 466، 504، 2/ 452 - 453.
(7) راجع صـ: 1/ 474، 2/ 452 - 453.
(8) راجع صـ: 1/ 403، 466، 496، 504، 2/ 220، 299، 3/ 55 - 56.
(9) انظر صـ: 1/ 390، 402 - 403، 472، 2/ 443، 3/ 51 - 52.
(10) انظر صـ: 1/ 472، 2/ 443.
(11) راجع صـ: 2/ 525 - 527، 3/ 20.
(12) راجع صـ: 1/ 472 - 473، 3/ 7 - 9.
(13) راجع صـ: 3/ 37 - 40.
(14) انظر صـ: 1/ 473 - 474، 3/ 30 - 50.
(15) انظر صـ: 3/ 165.
(16) انظر صـ: 3/ 165، 168 - 170.
(17) راجع صـ: 3/ 165 - 166.
(18) راجع صـ: 3/ 170 - 193.
(19) انظر صـ: 1/ 173، 404.(3/207)
لكن الماتريدي والماتريدية جعلوا الإيمان، هو (التصديق) بالقلب فقط، ولم يجعلوا (الإقرار) ركناً منه. بل جعلوه شرطاً لإجراء الأحكام الدنيوية فقط لا شعر.
حتى إن من صدق بقلبه، ولم يقر بلسانه -فهو مؤمن ناج يوم القيامة (1).
وهذا -كما ترى- إرجاء صريح قبيح ليس لهم في ذلك سلف إلا أهل البدع من المرجئة الغلاة (انظر فرق المرجئة في 1/ 172 - 173).
وقد عرفنا بهذه الأمثلة أن الماتريدية أتباع للجهمية والمرجئة وليست لهم صلة بالإمام أبو حنيفة رحمه الله خاصة ولا بالسلف عامة.
44 - لما ظن الماتريدية: أن (توحيد الألوهية (هو) توحيد الربوبية) - جعلوا (توحيد الربوبية) هو الغاية العظمى (2).
وقد أبطلنا زعمهم هذا، وأثبتنا أن (الغاية العظمى) هو (توحيد الألوهية) المتضمن لتوحيد الربوبية) بأربعة عشر وجهاً (3).
كما أبطلنا زعمهم حول دليل التمانع (4).
45 - لما جعلت الماتريدية (توحيد الربوبية) هو الغاية- أفنوا أعمارهم وأنهوا قواهم لتحقيق هذا التوحيد.
مع أنه لا يحتاج إلى كبير الدراسة وطولها. لأنه أمر فطري وقد اعترف بهم أهل الملل والنحل جميعاً ولم يخالف في ذلك أحد إلا في بعض الحمقى في بعض تفصيله (5).
46 - ولذلك قل اهتمامهم وعنايتهم بتوحيد (الألوهية) فغفلوا، أو تغافلوا عن معرفة ما يضاده من (الشرك) وما يوصل إليه (6)، فوقعوا في كثير من الأفكار الصوفية والخرافات القبورية (7). ولا سيما (البريلوية) من الماتريدية، فإنهم وثنية (8).
وقاربهم (الكوثري والكوثرية)، وقد ذكرنا نماذج من خرافاتهم الشركية البدعية (9). ثم بعض (الديوبندية)، وقد ذكرنا عدة أمثلة خرافية قبورية صوفية بدعية وقعوا (10) فيها وهكذا (التبليغية) منهم (11).
47 - الماتريدية كغيرهم من أهل الكلام المذموم مع سعيهم البالغ في تحقيق وجود الله تعالى وإثبات وحدانيته -لم يستطيعوا ذلك.
لأنهم وصفوا الله تعالى بصفات المعدومات بل الممتنعات؛ فهم -بدل أن يحققوا كون الله تعالى واجب الوجود- جعلوه معدوماً بل ممتنعاً. فهذا هو حقيقة توحيدهم (12).
48 - الإمام الماتريدي، وعامة الماتريدية يرمون (العقيدة السلفية) - بالتشبيه والتجسيم والحشو.
وينبزون أئمة السنة أصحاب العقيدة السلفية- بأنهم (مشبهة) (مجسمة) (حشوية) ونحوها من الألقاب (13).
49 - أما الماتريدية الحديثة، كالكوثري، والكوثرية، ومن سايره من بعض الديوبندية أمثال البنوري.
فهم ارتكبوا -مع ما سبق- جريمة شنيعة أخرى:
وهي: أنهم رموا (العقيدة السلفية) بأنها عقيدة وثنية!!!.
وعقيدة (الشرك) وعقيدة (كفر) ونحوها من البهتان والعدوان والظلم والطغيان على أئمة الإيمان!!! (14).
50 - كما أنهم حكموا على جميع كتب العقيدة لأئمة السنة: ككتب (السنة) للإمام أحمد، وأبي داود، وعبد الله بن أحمد، والخلال، وابن أبي عاصم، واللالكائي وغيرهم.
وكتب (التوحيد) للبخاري، وابن خزيمة، وابن منده، وغيرهم.
وكتب (الرد على الجهمية) للإمام أحمد، والبخاري، والدارمي، وأبي داود وابن منده وغيرهم.
_________
(1) انظر صـ: 1/ 173، 404.
(2) راجع صـ: 3/ 165، 3/ 202 - 228.
(3) انظر صـ: 3/ 202 - 229.
(4) انظر صـ: 3/ 194 - 201.
(5) وقد ذكرنا نبذة عن مبدأ الشرك وتطوره، والتحذير منه وما يتذرع إليه، ووقوع الشرك في هذه الأمة، انظر صـ: 3/ 230 - 280.
(6) انظر صـ: 3/ 315 - 317.
(7) انظر صـ: 1/ 266، 3/ 284.
(8) راجع صـ: 1/ 266 - 267، 340، 376، 3/ 285 - 302.
(9) انظر صـ: 1/ 264 - 266، 3/ 302.
(10) انظر صـ: 3/ 163 - 164.
(11) 1/ 265، 3/ 302 - 303.
(12) راجع صـ: 3/ 215 - 229.
(13) راجع صـ: 1/ 405.
(14) انظر صـ: 1/ 244 - 365، 546 - 549.(3/208)
وجميع كتب أئمة السنة في العقيدة بدون استثاء- بأنها كتب (الوثنية) وكتب (الشرك) وكتب (الكفر) (1)!!!
51 - كما نبزوا كبار أئمة الإسلام: أمثال حماد بن سلمة، والدارمي وعبد الله بن أحمد، وابن خزيمة، والدارقطني، والوائلي وشيخ الإسلام، وابن القيم والذهبي، ومحمد بن عبد الوهاب التميمي، والشوكاني، وغيرهم من الأئمة قديماً وحديثاً بأنهم (وثنية)، ورموا بعضهم بالنفاق، والزندقة، والإلحاد؛ ونبزوا بعضهم باليهودية، وسبوا شيخ الإسلام، وابن القيم، أشنع السباب حتى رموهما بالكفر، والزندقة، والإلحاد حتى أطلقوا عليهما كلمات نابية مثل: الحمار، والتيس، والماجن، والخبيث، والملعون، والملحد، والوسخ، والنجس؛ فضلاً عن التجسيم والتشبيه، وغيرها من الشتائم التي يستحي منها كثير من الشعراء الماجنين المطربين المغنين (2).
52 - رأيت الكوثرية وكثيراً من كبار الديوبندية في عداء شديد ضد الإمام مجدد الدعوة محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى خاصة والمتمسكين بالعقيدة السلفية الذين يسميهم هؤلاء المغرضون الممرضون، (الوهابية) عامة، فنبزوا الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى، بأنه زعيم المشبهة، وأنه من الخوارج، وأنه بليد قليل العلم، وصاحب خيالات باطلة، وعقائد فاسدة. وأنه كان مسيء الأدب في حق السلف، وكان باغياً ظالماً فاسقاً سفاكاً، ونبزوا عامة المتمسكين بالعقيدة السلفية بأنهم من الخوارج وأنهم استباحوا دماء المسلمين وأعراضهم وأموالهم، وأنهم (الخبثاء) و (الخبيثة)، إلى غيرها من العدوان والبهتان (3).
53 - وأما الفنجفيرية فانظر شتمهم لأهل الحديث في (1/ 267 - 268).
54 - مع أن الطعن في أئمة السنة من أبرز علامات أهل البدع قديماً وحديثاً، بشهادة أئمة الإسلام ومنهم إمام أهل السنة الإمام أحمد (4).
55 - وصلت خلال المقارنة بين (الماتريدية) وبين (الأشعرية) ولا سيما (الأشعرية المتأخرة) إلى أنهما فرقتان كأختين شقيقتين.
وكادتا أن تكونا فرقة واحدة لو لم يكن بينهما اختلاف في النسبة، واختلاف في بعض المسائل، وأنهما واسطة بين (أهل السنة المحصنة)، وبين (الجهمية والمعتزلة) (5).
56 - خلافهم في بعض المسائل ليس خلافاً جوهرياً في جميعها. بل خلافهم خلافٌ لفظيٌ في كثير من المسائل، كما أنه خلافٌ غالباً في التفريعات لا في الأصول (6) وهي ثلاث عشرة مسألة (1/ 412 - 456).
57 - تكلمت على غالب تلك المسائل الخلافية بين الفريقين، فوجدت (الماتريدية) في بعضها على الحق (والأشعرية) على باطل (7).
كما وجدت (الأشعرية) في بعضها على الحق و (الماتريدية) على باطل (8).
وفي بعضها قد وجدت الفريقين على باطل محض، ويكون الحق قولاً ثالثاً سلفياً (1/ 420، 424 - 426، 430 - 433، 440 - 441، 451).
58 - وجدت قدماء الأشعرية كالباقلاني (403هـ) - أقرب إلى السنة، ولذلك يثبتون صفتي (العلو) و (الاستواء).
أما المتأخرون منهم، كالإمام أبي محمد الجويني (438هـ) ومن بعده، كالرازي (606هـ) والآمدي (631هـ) والإيجي (756هـ) - فهم أقرب شيء إلى الجهمية الأولى، انظر (1/ 388).
59 - أما الماتريدية فلم أجد فيهم مثل هذا المدِّ والجزر؛
_________
(1) راجع صـ: 1/ 345، 348 - 349، 547 - 550.
(2) انظر صـ: 1/ 345 - 365، 546 - 549.
(3) راجع صـ: 1/ 264 - 266، 339، 363، 3/ 312 - 313.
(4) راجع صـ: 1/ 365 - 2/ 119، 121.
(5) راجع صـ: 1/ 385 - 387، 1/ 391 - 394.
(6) راجع صـ: 1/ 385 - 394.
(7) راجع 1/ 414، 427، 437، 438، 447، 455.
(8) راجع 1/ 416، 423 - 426، 436.(3/209)
فقد رأيت الأولين منهم كالإمام الماتريدي (333هـ) وأبي اليسر البزدوي (493هـ)، وأبي المعين النسفي (508هـ) ونجم الدين عمر النسفي (537هـ) ونور الدين الصابوني (580هـ) هم مثل المتأخرين منهم كحافظ الدين النسفي (710هـ) والتفتازاني (792هـ) والجرجاني (816هـ)، راجع (1/ 247، 283 - 287، 290، 293 - 298).
60 - كما أن المعاصرين منهم: كالكوثرية، والديوبندية وغيرهم لا يختلفون عمن قبلهم في المعتقد إلا في الشتائم، والسباب، وشدة العداء لأهل السنة المحصنة؛ فالمعاصرون أشدهم عداوة. غير أن البريلوية منهم قبورية وثنية أيضاً وقاربهم الكوثرية، وبعض الديوبندية والتبليغية 3/ 284 - 316.
61 - وجدت كثيراً من كبار أئمة الأشعرية قد ندموا على ضياع أعمارهم في العقيدة الكلامية، ورجعوا عنها، كأبي محمد الجويني (438هـ) والغزالي (505هـ) والرازي (606هـ) وغيرهم (1).
ولم أجد مثل ذلك في الماتريدية، إلا من شاء الله.
62 - تعتقد (الماتريدية) أن (الإمام أبا منصور الماتريدي (333هـ) هو (إمام أهل السنة)، و (رئيس أهل السنة)، و (ناصر السنة) و (قدوة السنة)، و (إمام الهدى)، و (علم الهدى) و (رافع أعلام السنة)، (ومهدي هذه الأمة)، و (شيخ الإسلام) وغيرها من الألقاب الضخمة الفخمة (2).
63 - حتى الفنجفيرية مع دعواهم التوحيد! وهذا كذب ظاهر (3).
64 - كما تعتقد (الماتريدية) و (الأشعرية) أنهم هم الذين يمثلون (أهل السنة) وهم المراد من (أهل السنة) عند الإطلاق (كما في 1/ 386). بل هم الفرقة (الناجية)! (كما في 1/ 387).
وأن (الماتريدية) أتباع (الإمام أبي حنيفة) رحمه الله تعالى في المعتقد، وأن (الأشعرية) أتباع الإمام (الشافعي) رحمه الله تعالى، في العقيدة (4). وهذا أيضاً خلاف الواقع، لأنهم معطلة مرجئة، جهمية (5).
65 - وصلت إلى أن (الماتريدية) وإن كانوا من (أهل السنة) بالمعنى الأعم فهم أهل السنة في مقابلة الخوارج والروافض، والجهمية الأولى، والمعتزلة.
ولكنهم ليسوا من (أهل السنة بالمعنى الأخص) (1/ 405 - 407).
66 - وهذا برهانٌ لّمِيٌّ على فساد معتقد الفنجفيرية (6).
67 - لأن الماتريدية مبتدعة من فرق أهل القبلة، وفرقة (معطلة) بل يصح إطلاق اسم (الجهمية) عليهم، فجعلهم كالسلف ضلال وإضلال (7).
كل ذلك لما يلي من الأدلة القاطعة العشرة:
أ- صلتهم الوثيقة (بالجهمية) الأولى في كثير من العقائد التي هم مصدر الماتريدية في تلك العقائد، كما ذكرنا نماذج ذلك في (النتيجة) رقم (40).
ب- خروجهم على سلف هذه الأمة وأئمة السنة ولا سيما الإمام أبو حنيفة وقدماء أصحابه رحمهم الله تعالى في كثير من العقائد، كما ذكرنا أمثلة ذلك في نتيجة رقم (43).
ج- اعتنق الماتريدية عقائد خالفوا بسببها المعقول الصريح والمنقول الصحيح، والفطرة السليمة، والإجماع، بل إجماع جميع بني آدم، وهي حماقات لا يقرها عقل ولا نقل ولا فطرة ولا إجماع ولا لغة ولا عرف، كما ذكرنا في النتيجة رقم (36).
د- الماتريدية قد عطلوا كثيراً من صفات الله تعالى، وحرفوا نصوصها بأنواع من المجازات، كما ذكرنا في النتائج بأرقام (31 - 35).
هـ- وقع كثير من الماتريدية في كثير من الأفكار الصوفية، والخرافات القبورية كما ذكرنا في (النتيجة) رقم (46).
_________
(1) انظر صـ: 2/ 40، 53، 1/ 57.
(2) انظر صـ: 1/ 211 - 212، 237، 255، 386، 3/ 88.
(3) انظر صـ: 1/ 212، 238 - 255، 389 - 390، 402 - 405، 2/ 543، 3/ 31، 88.
(4) راجع ص: 1/ 286.
(5) راجع صـ: 1/ 173، 395 - 407، وانظر: 3/ 326 - 338.
(6) راجع صـ: 1/ 405 - 407.
(7) كما هذى الفنجفيري 1/ 407، 470.(3/210)
والماتريدية قد طعنوا في العقيدة (السلفية) وكتبها، وأئمة السنة ونبزوهم بألقاب سيئة شنيعة بل بالسباب والشتائم الفظيعة. وهذا من أبرز علامات أهل البدع قديماً وحديثاً.
راجع (النتائج) بأرقام (48 - 54).
ز- الماتريدية من فرق (المرجئة) من فرق أهل البدع (1).
ح- هذا الذي وقعت فيه الماتريدية من (تعطيل) كثير من الصفات و (تحريف) نصوصها، وخروجهم على (العقل والنقل والفطرة)، ومخالفتهم (سلف هذه الأمة)، و (أئمة السنة)، ولا سيما الإمام (أبو حنيفة)، وأصحابه القدماء رحمهم الله- لا شك أنه بعد بعيد مديد عن (السنة) وأهلها (2).
وأن هذا عين (البدعة) (3).
ونوع من (الإلحاد) في أسماء الله تعالى وصفاته وآياته (4).
بل نوع من (الزندقة) بمعنى البدعة لا النفاق (5).
ط- إنه لا شك في أن (العقيدة الماتريدية) إنما حدثت في الإسلام في القرن الرابع زمن (الإمام أبي منصور الماتريدي) (333هـ) (6).
ولم يكن قبل ذلك وجود لهذه العقيدة في خير القرون.
فلا ريب في أنها عقيدة بدعية، وأهلها مبتدعون؛ حيث لم يكن (للماتريدية) وجود قبل عهد الإمام أبي منصور الماتريدي وهكذا العقيدة الأشعرية إنما ظهرت في آخر القرن الرابع (7).
ي- اعتقدت الماتريدية عقائد هي كفر صريح عند سلف هذه الأمة وأئمة السنة، ولا سيما عند الإمام أبي حنيفة وأئمة الحنفية الأوائل، كما ذكرنا في (النتيجة) رقم (37).
وهذه الأمثلة حجج قاطعة ناصعة على أن الماتريدية من فرق أهل البدع وليسوا بأهل السنة المحصنة، (تلك عشرة كاملة * ولمعرفتهم ضامنة).
68 - ولكن نحن لا نرمي أحداً منهم بأنه (كافرٌ) أو (مشركٌ) أو (وثنيٌ)، أو (منافقٌ) أو (زنديقٌ) أو (ملحدٌ) أو (يهوديٌ) أو (مرتدٌ) أو (ملعونٌ) أو (ماجنٌ) أو (تيسٌ) أو (حمارٌ). كما هم رموا أئمة السنة بهذه الشتائم وهذا التكفير كما لا نرمي أحد منهم بالكيد ضد الإسلام والبغض والعداوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك معاذ الله من ذلك، ونبرأ إلى الله تعالى من العدوان والبهتان على أهل العدوان والبهتان (8).
69 - بل هم مسلمون، وإخواننا في الإسلام، وأنهم مخلصون للإسلام، ومحبون لرسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما أكرمهم الله تعالى من إمامة عظيمة في العلوم العقلية والنقلية، ونصيبٍ وافرٍ من الإخلاص والنية الطيبة، والإحسان، والقصدِ للوصول إلى الحق؛ وكل ما صدر منهم من بدعة فمن أخطأ في الاجتهاد -إلا من شاء الله من بعض المعاندين منهم -مع محبتهم لله تعالى- ولكتابه ولرسوله صلى الله عليه وسلم،
خدمتهم للإسلام في كثير من الجوانب ومكانتهم المرموقة في الزهد والتأله والعبادة، (راجع ما سبق في ص 1/ 198، 3/ 19).
70 - اللهم إلا أنني قد أطلقت لفظة (الوثنية) على (البريلوية) من الماتريدية: تحذيراً للمسلمين منهم، وهو أمر واقعي ملموس محسوس (9).
ومع هذا لا تقتضي هذه (الكلمة) (تكفيرهم) ولا نقصد بها خروجهم عن الإسلام (9). وهم مع وثنيتهم (جماعة التكفير) بشكل رهيب، حتى كفروا كبار أئمة الديوبندية فضلاً عن أهل الحديث (9) ونحن لا نكفرهم بل نكذبهم، إذ لا نكفر أحداً من أهل القبلة بارتكاب الكفر إلا بعد إتمام الحجة عليه (10).
_________
(1) انظر صـ: 1/ 172 - 174، 404 - 405.
(2) انظر معنى السنة في صـ: 2/ 365 - 369.
(3) انظر مبحث (البدعة) في صـ: 2/ 369 - 372.
(4) انظر معنى (الإلحاد) في صـ: 2/ 379 - 389، 402، 406 - 413.
(5) انظر معنى (الزندقة) وبيان تفاوت أفرادها في صـ: 2/ 372 - 379.
(6) انظر صـ: 213 - 214.
(7) راجع صـ: 1/ 259 - 262، 412.
(8) انظر أمثلة شتائمهم في 1/ 264 - 268، 338 - 339، 344 - 365، 545 - 549، 2/ 119 - 121، 3/ 276، 298، 313.
(9) راجع صـ: 1/ 266، 3/ 284 - 285.
(10) انظر صـ: 2/ 375، 385 - 386، 3/ 117 - 118، 3/ 284 - 285.(3/211)
71 - من الماتريدية جماعة ساقطة من منزلة العدالة، والديانة، والصدق، والأمانة إلى درك الفسق والكذب، والخيانة فلا قيمة لهم، ولا اعتماد عليهم ولا تعويل على عقولهم؛
كالكوثري (1371هـ) والكوثرية، ومن سايره من بعض أئمة الديوبندية، كالبنوري (1397هـ) ومن على شاكلتهم- فهؤلاء عندي كذّابون بهاتون، والكوثري تولى كبره هذه الجريمة وذلك لوجهين:
• الوجه الأول: أنهم تهوروا في تكفير كثير من أئمة الإسلام، وطعنوا في عقيدتهم، وكتبهم وحكموا عليهم بالوثنية، واليهودية، والكفر، والشرك، والارتداد، والنفاق، والمروق، والخروج من الإيمان إلى الوثنية الصريحة، والزندقة، والإلحاد، كما يتهمون أئمة الإسلام بأنواع من العظائم منها ما يلي: الغش في صميم الإسلام، والكيد للإسلام، والتلبيس والتدليس عن عمدٍ في الإسلام، والتلاعب بدين الله، والمخادعة للمسلمين وفساد النية، ومحاولة القضاء على الإسلام إتماماً لما لم يتم بأيدي (المغول)، والحقد والبغض، والضغينة ضد رسول الله، وأن الوثنية إنما دخلت إلى الإسلام بأيديهم - (أي بأيدي أئمة السنة) - تحت خطة مدبرة ضد الإسلام، وأن الزنادقة والملاحدة والطاعنين في الشريعة لم يصلوا إلى عشر ما وصل إليه هؤلاء - (أي أئمة السنة) - وغير ذلك من العظائم والشتائم، كما أطلقوا على (أئمة السنة) الكلمات الوقحة الشنيعة الفظيعة منها (الوثنية) و (الوثنيون) (دعاة الوثنية)، (الكافر)، (اليهودي) و (الملحد)، (المنافق)، (الشرير)، (اللعاب بدين الله)، (الملعون)، (اللعين)، (الطريد)، (المهين)، (الشريد)، (الخسيس)، (الأحقر)، (الأحمق)، (الأخرق)، (الماجن)، (الكذاب)، (الأشر) (الأفاك)، (المفتري)، (المخرف)، (الخاسر)، (الهرم)، (المتسافه)، (الوسخ)، (النجس)، (الوقح)، (الردي)، (الفدم)، (البليد)، (الخبيث)، (الخبيثية)، (الخبثاء)، (الباغي)، (السفاك)، (الفاسق)، (الزائغ)، (الملبس)، (الضال)، (المضل)، (الفاتن)، (المفتون)، (الهذار)، (مهذار)، (البجباج)، (النفاج)، (التيس)، (الحمار)، (الظالم) وغيرها من العظائم؛
إلى غير ذلك من السباب والشتائم التي يستحي منها الماجنون الذين لا حياء لهم فضلاً عمن ينتسب إلى العلم (1).
ولا شك أن سباب المسلم فسوق، فضلاً عن سباب أئمة الإسلام بغير الحق، ولكن الإسلام علمنا الصدق، وتحري الإنصاف، والتجنب، من الكذب، والاعتساف، وحذرنا من العدوان والبهتان، حتى على أهل العدوان والبهتان، فلا يجرمننا شنآن قوم سبوا وشتموا وكذبوا وبهتوا واعتدوا وبغوا علينا -أن نعتدي أو أن نفتري عليهم، أو نُقَوِّلَهُمْ ما هم منه براء.
• والوجه الثاني: أنهم أصحاب الهوى فاقدون للتقوى أهل المرض والغرض، وتلبيس وتدليس؛ فلقد رأيتهم يكذبون ويُقَوِّلُوْن أئمة الإسلام الأبرياء ما هم منه برءاء (2).
ويحرفون نصوص الكتاب والسنة وأقوال أئمة هذه الأمة تحريفين واضحين فاضحين: التحريف اللفظي الشنيع الفظيع (3).
_________
(1) وأيضاً: 1/ 349، 1/ 350، 351، 352، 353، 354، 355، 357، 358، 359، 360، 363، 364، 365، 545 - 549، 2/ 119 - 121، 3/ 77، 276، 298، 313.
(2) انظر صـ: 1/ 267 - 268، 429، 2/ 222 - 224، 2/ 559، 564، 3/ 77، 118 - 119، 130، 131، 244، 282.
(3) راجع: 2/ 220، 2/ 445، 532، 3/ 18 - 19، 3/ 46، 50.(3/212)
والتحريف المعنوي وهو أكثر من أن يحصر والأول أنذر (1).
ويطعنون في الثقات الأثبات، والصحاح الأقحاح (2).
ويدافعون عن الملاحدة الجهميين فضلاً عن الكذابين الوضاعين (3).
ويتشبثون بالموضوعات والمناكير، والواهيات والأساطير (4).
وينكرون الحق بعد ظهوره حتى باعترافهم (5)، ويتلاعبون بالقواعد لمذهبهم (6).
فلهذين الوجهين نقول: إن هؤلاء الكوثرية وبعض الفنجفيرية وبعض الديوبندية أهل فسق وكذب وخيانة * ساقطون عن العدالة والأمانة.
72 - وصلت إلى أن الماتريدية ليسوا سواء من حيث الغلو وعدمه في العقيدة الماتريدية بل هم متفاوتون في العقيدة الكلامية الماتريدية فهم عندي على درجات ثلاث:
• الأولى: الغلاة، المتعمقون، المتكلمون الأقحاح، المؤلفون في علم الكلام، أعداء العقيدة السلفية وحامليها، المعطلون لكثير من صفات الله تعالى من علوه سبحانه وكلامه واستوائه ونزوله وغيرها، القائلون بخلق القرآن؛ الناصبين العداء لأهل السنة فهؤلاء قلة، وهم المقصودون بالرد الصريح البالغ في هذه الرسالة أولاً وبالذات.
• والثانية: المقتصدون منهم، المتأثرون بهؤلاء الغلاة الواقعون في بعض بدعهم، ولم يصلوا إلى غلوهم، ونصب العداء للعقيدة السلفية وحامليها، وهم كثير من العلماء الحنفية، المقلدين للماتريدية الذين أحسنوا الظن بهم وظنوا أن عقيدتهم عقيدة سنية- فهؤلاء معنيون بالرد الخفيف ضمناً، وثانياً تحذيراً لهم من هؤلاء الغلاة، وتنبيهاً لهم على خطئهم نصحاً مع الاحترام.
• الثالثة: المنتسبون إلى الحنفية والماتريدية بالاسم فقط، ولم تخطر ببالهم تلك البدع الكلامية من نفي علو الله تعالى والقول بخلق القرآن، والكلام النفسي وغيرها من الكفريات الجهميات-
ككثير من أهل العلم، وطلابه من الحنفية الذين لا صلة لهم بعلم الكلام، أو العامة من الحنفية كالعوام والفلاحين وأصحاب الحرف والنساء.
فهم في الحقيقة ليسوا من الماتريدية في شيء بل هم على الفطرة كما تقدم (7) (غير أن من وقع في الشركيات القبورية يجب إرشادهم بلين).
لكن انتسابهم إلى الماتريدية بدعة لما في ذلك من توفير أهل البدع (8) وتكثير سوادهم، وليسوا مقصودين بالرد في هذه الرسالة.
73 - وصلت إلى أن غالب الفرق المبتدعة القديمة:
كالروافض، والخوارج، والجهمية، والمعتزلة، والمرجئة، وغيرها، من الفرق المعطلة، كالماتريدية، والأشعرية.
بل الصوفية، ومنهم الحلولية، والاتحادية، وغيرهما من الزنادقة والملاحدة، موجودة في عصرنا هذا، والأرض مكتظة بهم، وقد ظهروا بصور شتى وطرق مختلفة وأساليب متنوعة.
74 - فالرد عليهم من أعظم الجهاد في سبيل الله تعالى (9).
75 - وليس ذلك من قبيل نبش القبور، وطعن الأموات، وتحريك السيوف في الهواء، كما يزعم كثير من يجهل الواقع، أو يغالط، من أعداء السنن وأخلاء البدع الواقعين في الشركيات أو المناضلين عن الضلالات.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
ثانياً: ذكر بعض الاقتراحات المهمة:
_________
(1) انظر: 1/ 268، 431، 432، 2/ 259، 272، 277، 279، 280، 282، 2/ 528 - 529، 543، 3/ 21، 3/ 88، 3/ 110 - 115، 3/ 135 - 140.
(2) انظر 2/ 222 - 224، 2/ 439 - 440، 445 - 448، 550 - 551، 563 - 565، 3/ 65 - 69، 2/ 243 - 248.
(3) راجع 1/ 247 - 253، 300، 334، 337، 340، 366 - 373، 2/ 45 - 61، 2/ 562، 3/ 46، 3/ 48 - 49، وانظر الحاشية الآتية.
(4) انظر: 2/ 530 - 531، 3/ 45 - 50، 66، 296.
(5) راجع 1/ 336 - 337، 2/ 532 - 533، 3/ 195.
(6) انظر: 1/ 365 - 366، 2/ 99 - 101، 2/ 529 - 533، 550 - 562.
(7) في ص: 1/ 272 - 273.
(8) انظر ص: 1/ 380.
(9) راجع ص: 1/ 199، 2/ 290.(3/213)
لي اقتراحات رأيت أهميتها خلال بحثي عن (الماتريدية).
أريد أن أعرضها على أهل العلم، لما أرى في عرضها من فائدة، ولأنها أخوات نتائج بحثي هذا، وأكتفي بالأهم منها: -
1 - إن قوى الإنسان محدودة، فهو مهما حقق ودقق في علمه لا بد من قصورٍ وفتورٍ وخللٍِ وزللٍ فيه، ولا سيما تصنيف مثل هذا الكتاب!
وقد قيل: (من صنف فقد استُهْدِفَ).
وإني -والذي نفسي بيده- ما كذبتُ ولا افتريت ولا اعتديت على أحد، ولا حرفت كلام أحد، ولا ابتدعت مقالة من عند نفسي، عن عمد وقصد، أو فساد نيةٍ. معاذ الله عن ذلك.
بل -والله- تحريتُ الصدقَ والإخلاصَ ونصحتُ لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وللأمة الإسلامية، وناضلت عن السنن وأهلها، ورددت عن البدع وأهلها، واقتحمت البحار لاستخراج اللآلئ، وتحملت عناءً كثيراً وسهرت الليالي، ومع ذلك لابد من أن صدرت مني أخطاء وأوهام لغفلة وغفوة وهفوة، وضيق باع في العلم، وسوء الفهم، ولا سيما في مثل هذه الرسالة الواسعة الأرجاء الفسيحة الأكناف البعيدة الأطراف.
ومن المعلوم أن الإنسان يتمنى بعد التأليف أنه لو قدم وأخّر، وفصل وأجمل، وحذف وذكر، وزاد ونقص أو طول أو قصر.
وقد أحسست أنا أيضاً أشياء من هذا القبيل.
فرجائي الكامل من أهل العلم أن يلقوا على (رسالتي هذه) أضواء أنظارهم، وأنوار أفكارهم لنقدهم نقداً علمياً سلفياً خالصاً؛
وأرجو منهم النصيحة خالصةً من الفضيحة، لئلا يكون الأمر كما قيل:
فعين الرضا عن كل عيبٍ كَليْلَةٌ ... ولكن عينَ السخطِ تبدي المساويا
2 - لو وفق الله تعالى عالماً محققاً يجمع آراء الإمام أبي منصور الماتريدي (333هـ)، ثم ينقدها نقداً علمياً في ضوء الكتاب والسنة وأقوال سلف هذه الأمة.
ويميز ما عنده من الحق مما عنده من الباطل.
3 - نحن في حاجة ماسة إلى مقارنة علمية بين عقيدة الماتريدية وبين عقيدة (الإمام أبي حنيفة) وسائر السلف مقارنة تفصيلية.
ليعرف المسلمون مدى موافقة الماتريدية لهذا الإمام ومدى مخالفتهم له، معرفة تفصيلية.
4 - لو تصدى عالم لبقية عقائد الماتريدية التي لم أتطرق إليها ويزنها بميزان الكتاب والسنة.
5 - أرجو باحثاً متمكناً في العلم أن يقوم بالمقارنة بين الماتريدية وبين الأشعرية مقارنة تفصيلية.
ويذكر جميع المسائل الخلافية بين الفريقين ويزنها بميزان الكتاب والسنة وأقوال أئمة هذه الأمة بالتفصيل ويبين الحق فيها من الباطل.
6 - كما أرجو باحثاً عالماً محققاً يكتب لنا كتاباً عن فرق الحنفية غير الماتريدية يذكر فيه أهم أعيان كل فرقة والعقائد البارزة لها، ويزنها بميزان الكتاب والسنة، ليعرف المسلمون (الحنفية الكاملة) أي (الحنفية السلفية) منهم، و (الحنفية المبتدعة) منهم بجميع فرقهم (وقد ذكرنا فرق الحنفية في 1/ 172 - 176).
7 - لو تصدى غيور على دين الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة وأئمة السنة، والعقيدة السلفية- لكشف الستار عن خيانات الكوثري وكذباته، وشتائمه ولعنه وطعنه في أئمة الإسلام، ودفاعه عن الكذابين، ليعرف المسلمون بالتفصيل أنه ساقط عن مكانة العدالة والأمانة والديانة إلى درك الفسق والكذب والخيانة.
لئلا ينخدع به من يطلب الحق ويتوخى الإنصاف، ويتجنب الاعتساف (وتنكيل المعلمي لتنكيل الكوثري كافٍ شافٍ ولكن في بابه).
(رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) (1).
وصلى الله وسلم على خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أموت وتبلى أعظمي في المقابر ... وسوف أرى ما قد حوته دفاتري
فرمت ادخاراً بعد موتي من الدعاء ... فأبقيت تذكاراً نتاج خواطري
_________
(1) اقتباس من سورة الأنبياء: 112.(3/214)
الموسوعة الشاملة لمذهب الروحية الحديثة وتحضير الأرواح
Oعلي بن سعد العبيدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز أشبيليا- الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
جن وسحر وعين وتنجيم
الخاتمة:
وفيها أهم نتائج البحث:
الحمد لله الذي بفضله تتم الصالحات، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على خاتم أنبيائه ورسله، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فقد انتهيت - بعون الله تعالى وتوفيقه - من إتمام هذا الكتاب وإكماله، وفي ختامه أجمل أهم النتائج التي توصلت إليها في النقاط الآتية:
1 - أن الروح مجهولة الكنه والكيف، وعليه فلا يصح قياس شيء من أحوالها بما هو في الشاهد.
2 - أن صفات الروح وأحوالها وما يتعلق بها من الأمور التوقيفية - التي لا مجال للعقل فيها؛ لأنها لا تعلم إلا بالوحي - فلا يحل للعقل نفي شيء من شأنها أو إثباته أو الاعتراض عليه إلا بدليل.
3 - أن الجهل بالروح قاد أقواماً إلى أنواع من الضلال، مثل اعتقاد رؤية الأرواح يقظة، واعتقاد تناسخها، واعتقاد استحضارها ومناجاتها.
4 - أن الجهل بحقيقة الروح قاد أقواماً إلى ألوان من البدع والضلالات المكفرة، مثل إنكار الآخرة بما فيها من ثواب وعقاب، وادعاء العلم بالمغيبات، وادعاء النبوة بل حتى الإلهية.
5 - ليست الأرواح المحضرة في حقيقة الأمر إلا شياطين، ومدعو تحضيرها مغرضون مخادعون.
6 - الروحية الحديثة في واقعها دين جديد يقوم على مبادئ وعقائد متلقاة في أصولها من الأرواح الشيطانية المحضرة، وهي تخالف الإسلام وتصادمه في أهم قضايا الإيمان والعقيدة، وللروحية صلة مؤكدة بالصهيونية العالمية، وبالأحوال الشيطانية، والطوائف المنحرفة في الإسلام كالصوفية.
7 - خدع طائفة من رجالات الغرب البارزين في العلوم البحتة بالتحضير بسبب جهلهم بحقيقة العوالم الغيبية كالجن والشياطين، وانطلاء أساليب الغش والخداع عليهم، مع جهلهم بحقيقة الروح وأحوالها كما بينها وحي السماء، فظنوا أن المحضر أرواح بشرية، وما علموا أنها أرواح شيطانية.
8 - لم تعد الروحية الحديثة في الشرق - كدين جديد - مؤثرة كما كانت عليه في الماضي - وإن كان هناك محاولات لبعث بعض الظواهر الروحية المدعاة - حيث قوبلت بالرفض لمصادمتها الدين، مع أن بعض دعاواها لازالت قائمة مثل مسألة العلاج الروحي.
وأما في الغرب فتأثيرها أكبر، والاعتناء بدراسة الظواهر الروحية المدعاة محط اهتمام الكثير من الغربيين.
9 - الاعتقاد بتحضير الأرواح والدعوة إليه لازال موجوداً في الشرق والغرب، ويتخذ اليوم صوراً متنوعة متجددة، ويبرز الاهتمام به من خلال منتديات الشبكة العنكبوتية، وبعض المواقع الدعائية المتخصصة، وبعض القنوات الفضائية، ومن خلال الألعاب الإلكترونية، وبرامج الأطفال المسماة بـ (الرسوم المتحركة)، وعشرات الأفلام العربية، وكل تلك الأشياء موجودة في الساحة الإسلامية.
10 - ظهر لي من خلال البحث والدراسة لعشرات الكتب والمجلات والمقالات التي كتبها أعلام الروحية ابتداء من عند أنفسهم أو نقلاً عن غيرهم من الأوربيين أن هناك صفات مشتركة تجمعهم، لعل من أبرزها:
• ضحالة العلم الشرعي عند دعاة الروحية وروادها، وليس فيهم علماء.
• الاستدلال بالنصوص الشرعية في غير موضعها، وتحريفها عن دلالتها الصحيحة، بما يوهم صحة قضاياها التي يطرحونها.
• تزكية أنفسهم، وتفخيم أعضاء جماعتهم ومعتنقي أفكارهم، ووصفهم بصفات العلماء والأدباء والمفكرين، مع الحط الشديد من مخالفيهم من الشرعيين وغيرهم.
• لا يتورعون عن الاستشهاد بالنصوص الضعيفة بل والموضوعة.
• لا يتورعون عن الاستشهاد بأقوال الملاحدة وسائر الكفرة، مقدميها على نصوص الشرع.(3/215)
• يكثر استشهادهم بالقصص للقضايا التي يطرحونها.
• يكثر استشهادهم بأقوال الصوفية وبالقصص الصوفي، خاصة في إثبات الظواهر الروحية، وكأنما الروحية والصوفية وجهان لعملة واحدة.
• يتمسحون بالعلوم البحتة، ويكثرون من الاستشهاد بها ضمن القضايا التي يطرحونها، ويفتخرون بذلك وكأنهم قد جاؤوا بما لم يأت به الأوائل، مع ما في طريقتهم وأسلوبهم من التلبيس والتدليس.
11 - ظهر لي - من خلال البحث والدراسة - أن هناك أسباباً وراء الانخراط في الروحية والتصديق بدعاواها الزائفة، ولعل من أبرز تلكم الأسباب ما يأتي:
• الجهل بالدين: فكثير من المنخرطين في الروحية سواء من العلماء المكتشفين أم المفكرين - فضلاً عن غيرهم من عوام الناس - يغلب عليهم الجهل، وخاصة بالعوام الغيبية.
• الطاعة العمياء للأشخاص وتقديسهم، والانخداع بذوي المناصب الدينية والاجتماعية والعلمية من الروحيين.
• طلب الشفاء من الأمراض المستعصية، ورجاء رد الغائبات والمفقودات.
• حب الاطلاع والاكتشاف، أو حب جمع المال والشهرة.
• الانخراط في المنظمات السرية، وخدمة الأهداف والأغراض الصهيونية.
• الوقوف على الظواهر الروحية الخداعة والانبهار بها، والاعتقاد بصحتها بعد الإلحاد والاعتقاد بالمادية فقط.
12 - التنويم المغناطيسي أحد الفنون المعاصرة التي يعتقد بصحتها ويرجى نفعها - مع ما يكتفه من الغموض - وقد دخله الغش، واستعمله المغرضون من دعاة تحضير الأرواح وأصحاب الأعمال الشيطانية من السحار والمشعوذين، كما استغله أصحاب العقائد الفاسدة كالتقمصيين لإثبات صحة مذهبهم، وحكم الشرع فيه مبني على طبيعة استعماله وكيفيتة.(3/216)
بذل المجهود في إثبات مشابهة الرافضة لليهود
Oعبدالله الجميلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
رافضة
الخاتمة
في نتائج البحث
بعد أن من الله عليّ بفضله وتوفيقه إتمام هذا البحث، جاء دور ذكر النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث، فقد جرت عادة الباحثين أن يسجلوا ما توصلوا إليه من نتائج في بحوثهم في الخاتمة.
وإني إذ أنهي هذا البحث أجد من الصعوبة بمكان حصر كل النتائج التي توصلت إليها أثناء البحث في صفحات كهذه، وذلك لما حتمته طبيعة البحث من إجراء كثير من المقارنات بين أصول العقائد عند اليهود والرافضة، وما دخل تحتها من جزئيات دقيقة.
مما نتج عنه كثير من المشابهات بين اليهود والرافضة في هذه العقائد، الأمر الذي جعلني أفرد ما تحصل من مشابهات في كل عقيدة في مبحث مستقل، وهذه المشابهات في حد ذاتها من أهم نتائج البحث، وعليها مداره. فحصر النتائج هنا يعني إعادة عرض تلك المشابهات في كل عقيدة.
ولكن جمعا بين الأمرين منهجية البحث العلمي التي تقتضي ذكر النتائج في هذا الموضع، وبين ما ذكرت من الأسباب الحائلة بيني وبين ذلك، سأذكر هذه النتائج بما يناسب المقام في غير إجاز مخل، أو تطويل ممل.
وقد رأيت أن أقسم هذه النتائج إلى قسمين:
1 - نتائج عامة. 2 - نتائج خاصة.
وأعني بالنتائج العامة: هي ما توصلت إليه من خلال البحث من نتائج لا تتعلق بموضوع المقارنة بين عقائد اليهود والرافضة.
وبالنتائج الخاصة: هي ما توصلت إليه من نتائج من خلال المقارنة بين عقائد .. ود والرافضة.
وفيما يلي عرض بذلك:
أولاً: النتائج العامة:
فقد توصلت من خلال البحث إلى عدة نتائج. وهي:
1 - أن مكائد اليهود للمسلمين قد بدأت منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم، واستمرت على مدى العصور إلى عصرنا الحاضر، وقد تعددت أساليبهم وطرقهم في الكيد للمسلمين خلال هذا التاريخ.
2 - أن من أخطر الأساليب التي اتبعها اليهود في كيدهم للمسلمين هو زعزعة العقيدة في نفوسهم، والانحراف بهم عن العقيدة الإسلامية، وما ابتلي المسلمون بأعظم ما ابتلوا به من قيام طائفة الرافضة والباطنية اللتين هما نتاج المخططات اليهودية لزعزعة العقيدة في نفوس المسلمين.
3 - ثبوت حقيقة وجود شخصية عبد الله بن سبأ، وأن شخصية عبد الله بن سبأ لم ينكرها أحد من العلماء الأقدمين، لا في السنة، ولا من الشيعة. وإنما أنكرها بعض علماء الشيعة المعاصرين، ومن تواطأ معهم من المستشرقين، ومن سار في ركاب الفريقين من الكتاب المحدثين، ممن تتلمذ على الغرب، وتأثر بمبادئه وأفكاره.
4 - أن الطبري لم ينفرد بروايات سيف بن عمر في أخبار ابن سبأ، كما زعم منكرو شخصية ابن سبأ، بل لروايات سيف عن ابن سبأ طرق أخرى غير طريق الطبري، منها: طريق ابن عساكر، ومحمد بن يحيى المالقي، والذهبي.
5 - أن سيف بن عمر لم يكن المصدر الوحيد لأخبار ابن سبأ – كما ادعى ذلك منكرو ابن سبأ – فهناك روايات أخرى غير روايات سيف تثبت وجود ابن سبأ.
6 - ثبوت دور عبد الله بن سبأ في نشأة الرافضة، وأنه المؤسس لمذهب الرفض، واعتراف كبار علماء الرافضة في الفرق والمقالات بذلك.
7 - أن علماء السنة لم يكونوا متجنين على الرافضة فيما ذكروه من المشابهات بين اليهود والرافضة، وأن كل ما ذكروه من المشابهات بينهما حق تشهد به كتب الفريقين.
8 - براءة أئمة أهل البيت الطيبين من كل ما ألصقه الرافضة بهم، وما نسبوه إليهم من تلك العقائد الفاسدة، كما جاء تصريحهم بذلك في كتب الرافضة أنفسهم.(3/217)
9 - أن كثيراً من عقائد الرافضة إنما حملهم على القول بها هو إيجاد مخرج من فضيحة عقيدة سابقة لها، والاستدلال لصحة العقيدة السابقة بما أحدثوه من عقيدة لاحقة .. وهكذا حتى تكونت هذه العقائد الفاسدة.
فعقيدة تحريف القرآن الكريم جاءت نتيجة حتمية لقولهم بعقيدة الوصية، فهم لما أصلوا أن أصلوا أن وصية عليّ جاءت من الله تعالى، وأن ولايته من أعظم أركان الإسلام، ولم يجدوا النص عليه في القرآن، ولا ذكر ولايته فيه، مع أنه جاء فيه ذكر الصلاة والصوم والحج والزكاة، التي هي عندهم أقل شأنا من الإمامة. قالوا بتحريف القرآن، وأن ولاية عليّ موجودة في القرآن لكن الصحابة أسقطوا تلك الآيات منه.
وترتب على عقيدة الوصية أيضاً غلوهم في عليّ رضي الله عنه وأبنائه، وأنهم هم الأحق بالإمامة من غيرهم، مما نتج عنه عقيدة حصر الإمامة فيهم، وأنها لا تخرج منهم إلى يوم القيامة.
ونتج عن عقيدة حصر الإمامة فيهم عقيدة المهدي، وذلك أنهم كانوا يسوقون الإمامة في نسل الأئمة، ولما مات الحسن العسكري – الإمام الحادي عشر عندهم – ولم يكن له من الأولاد من يخلفه في الإمامة، كان المخرج من هذه الفضيحة، هو القول بإمامة المهدي واختفائه في السرداب.
وترتب على عقيدة المهدي واختفائه في السرداب، عقيدة الرجعة فلما رأي الرافضة أنه لا معنى لاختفائه، ولا منفعة لهم به، قالوا برجعته يوماً من الأيام، لنصرة أوليائه والانتقام من أعدائه، وذلك خروجاً من فضيحة عقيدة المهدي.
ولما رأى الخميني أن زمن غيبة المهدي قد طالت، مما ترتب على ذلك تعطيل كثير من المصالح الدينية والدنيوية عندهم، الذي يفضي في النهاية – بحسب قول الخميني – إلى القول بنسخ الشريعة: لجأ الخميني لحل هذه المشكلة إلى ما أسماء (بولاية الفقيه) وأنه في حالة غيبة الإمام هذه الغيبة الطويلة، لابد أن يقوم من الفقهاء من ينوب عنه في تصريف شئون الرعية.
وهكذا .. يمد الله للرافضة في ضلالهم مدا، كما أخبر {قُلْ مَن كَانَ فِي الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَّكَانًا وَأَضْعَفُ جُندًا}.
10 - ثبوت عقيدة خروج المهدي في آخر الزمان عند أهل السنة، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة التي رواها كبار الصحابة، وأخرجها جماعة من كبار المحدثين في كتبهم، وأن مهدي السنة لا علاقة له البتة بمهدي الرافضة المزعوم.
ثانياً: النتائج الخاصة:
1 – التشابه بين اليهود والرافضة في عقيدة الوصية، وزعم كل منهم أن الله نص على الوصي الذي يدعونه، فقد زعم اليهود أن الله تعالى نص على يشوع وصياً لموسى، وزعم الرافضة أن الله تعالى نص على علي رضي الله وصياً للنبي صلي الله عليه وسلم.
2 – إطلاق لقب (وصيّ) على من يتولى شئون المسلمين بعد الرسول صلي الله عليه وسلم إنما أخذه الرافضة عن اليهود، ولم يطلق المسلمون على أحد من الخلفاء الراشدين ولا على أحد من الخلفاء بعدهم هذا اللقب، بل كانوا يطلقون عليهم لقب (خليفة).
3 – التشابه بين اليهود والرافضة في حصرهم الملك والإمامة في طائفة مخصوصة، فقد زعم اليهود أن الملك لا يخرج من آل داود إلى يوم القيامة، وزعم الرافضة أن الإمامة لا تخرج من أولاد الحسين إلى قيام الساعة.
4 – أثبت الواقع بطلان دعوى اليهود والرافضة في حصرهم الملك والإمامة فيمن زعموا، وأنها لا تخرج منهم إلى يوم القيامة. فقد انقطع ملك آل داود على بني إسرائيل منذ زمن بعيد جدا. أما الحسين وأبناؤه فلم تكن لهم ولاية على المسلمين في يوم من الأيام.(3/218)
5 – التشابه الكبير بين عقيدة المسيح المنتظر عند اليهود، وبين عقيدة المهدي المنتظر عند الرافضة في كثير من الوجوه كالاتفاق بينهما في صفات ذلك المنتظر وكيفية خروجه، والأعمال التي يقوم بها عند خروجه.
6 – تشبث الرافضة الشديد باليهود، وبكل ما يتعلق بهم، وقد برز ذلك في عقيدة المهدي المنتظر عندهم، حيث زعموا أنه عندما يخرج ينادي الله باسمه العبراني، ويستفتح المدن بتابوت اليهود، ويخرج عصا موسى، وقبا .. هارون، وعشرة أصواع من المن، وشرايح السلوى، ويخرج حجر موسى الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وأنه يحكم بحكم آل داود.
7 – الاتفاق بين اليهود والرافضة في عقيدة الرجعة في كثير من الجوانب، وأن عقيدة الرجعة عند الرافضة أصلها يهودي محض، انتقلت إلى الرافضة عن طريق عبد الله بن سبأ.
8 – التشابه بين اليهود والرافضة في تحريفهم كتب الله تعالى، فقد حرف اليهود التوراة وحرف الرافضة القرآن.
9 – أن من أسباب تحريف اليهود والرافضة لكتب الله تعالى، هو الملك والإمامة.
10 – أن الرافضة اتبعوا في تحريفهم للقرآن الكريم أساليب اليهود وطرقهم في تحريفهم لكتبهم التي حكاها الله عنهم في القرآن. وهي: (تحريف الكلم عن مواضعه – تحريف الكلم عن مواضعه – تحريف الكلم من بعد مواضعه – ليس الحق بالباطل – لي اللسان بالكلام للتلبيس على السامع).
11 – التشابه بين اليهود في نسبتهم الندم والحزن لله تعالى، وبين الرافضة في نسبتهم البداء لله تعالى، وأن كلتا العقيدتين تستلزم الطعن في الله ونسبة الجهل إليه تعالى الله عن ذلك.
12 – الاتفاق بين اليهود والرافضة في عدم اعتدالهم في حبهم وبغضهم، وفي توليهم وتبريهم. فإن هم أحبوا غالوا في الثناء والمدح، وإن أبغضوا أفرطوا في الذم والقدح، وهم في ذلك لا يستندون إلى دليل شرعي، بل يتبعون هوى النفس.
13 – أن عقيدة الغلو في الأئمة والطعن في الصحابة عند الرافضة أول من وضعها لهم عبد الله بن سبأ، كما اعترف بذلك كبار علمائهم ومحققيهم.
14 – الاتفاق بين اليهود والرافضة في أن كلاً منهما تدعي أنها الطائفة المقدسة عند الله، وأن عنصرهم من عنصر الله، وأنهم خاصته وأحباؤه، وصفوته من خلقه.
15 – اعتقاد كل من اليهود والرافضة أنه لا يدخل الجنة إلا طائفتهم، وأنهم لا تمسهم النار، وإن مستهم النار فأياما معدودة.
16 – اعتقاد كل من اليهود والرافضة أنه لولاهم لم يخلق الله هذا الكون، ولانعدمت البركة من الأرض، وأن كل ما في الأرض ملك لهم وليس لغيرهم أن يمتلك شيئاً من ذلك.
17 – اعتقاد كل من اليهود والرافضة أنهم أفضل من الملائكة.
18 – اعتقاد كل من اليهود والرافضة كفر مخالفيهم، وأنهم يكونون خالدين مخلدين في النار ولا يخرجون منها.
19 – استباحة كل من اليهود والرافضة دماء مخالفيهم وأموالهم، وأنه ليس لغيرهم عندهم أية حرمة.
20 – اعتقاد كل من اليهود والرافضة نجاسة مخالفيهم، وأن هذه النجاسة لازمة لأصل خلقهم، ولا تنفك عنهم، لأن أصل أرواحهم مخلوقة من طينة نجسة.
21 - احتقار كل من اليهود والرافضة لمخالفيهم ووصفهم لهم بأنهم كلاب، وحمير، وخنازير، وحيوانات.
22 – الاتفاق بين اليهود والرافضة في أن كلاً من الطائفتين تحتقر المسلمين.
23 – يسلك كل من اليهود والرافضة مع مخالفيهم مسلك النفاق، والخداع وإظهار الموافقة لهم ومحبتهم مع مخالفتهم لهم وحقدهم عليهم، وذلك بسبب ما ضربه الله على كل من الطائفتين من الذلة والمسكنة إلى يوم القيامة، وفساد معتقدهما.
وصلى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/219)
جهود أبي الثناء الألوسي في الرد على الرافضة
Oعبدالله البخاري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن عفان - القاهرة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة
وتتضمن النتائج والتوصيات
أسأل الله الواحد الأحد الفرد الصمد أن يختم لنا بالحسنى، ويجنبنا مسالك الردى، ويجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه قريب مجيب سميع الدعاء.
ومن النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث ما يلي:
1 - أن الإمام الألوسي – رحمه الله – كان عالماً فذاً يكاد يكون أعلم أهل زمانه إن لم يكن كذلك فعلاً، من حيث الموسوعية والمشاركة في جميع ضروب المعرفة، وأن من وصفه من معاصريه بأنه (أستاذ الكل في الكل) لم يبتعد عن الحقيقة والواقع.
2 - أن العالم مهما علا كعبه في العلم هو عرضة للخطأ في اجتهاده.
3 - أن الألوسي رحمه الله مع علمه وفضله وموافقته للسنة في كثير من مسائل الاعتقاد كانت عنده بعض الأخطاء العقدية التي لا يوافق عليها ولا ينبغي السكوت عليها.
4 - أن الحكم على عقيدة عالم من العلماء تتطلب دراسة شمولية لكل مؤلفاته، ومعرفة السابق منها واللاحق وهل كان صاحبها يعيش تحت ضغوط اجتماعية وسياسية معينة أم لا؟ وهل كانت الدولة الحاكمة في وقته تدعم الاتجاه المنحرف أم كانت محايدة؟
5 - أن الألوسي رحمه الله كانت عنده غيرة شديدة على أهل السنة ضد الرافضة.
6 - ومما توصلت إليه أيضاً: أن الرافضة لا يجتمعون مع أهل السنة في مصادر التشريع، فهم يقولون بتحريف القرآن ونقصانه وينكرون السنة والإجماع.
7 - أن الرافضة لا يقولون بانقطاع الوحي وإنما يدعونه لأئمتهم، كما يزعمون أن الملك الذي ينزل على أئمتهم أعظم من جبريل عليه السلام.
8 - أن هناك تناقضاً كبيراً بين أقوال الرافضة المعاصرين ومصادرهم المعتمدة عندهم ومن الأمثلة على ذلك قول بعض المعاصرين منهم بعدم تحريف القرآن في حين أن عقيدة التحريف موجودة في مصادرهم القديمة المعتمدة، ولا شك أن ما في المصادر هو المعتمد، وتخرج أقوالهم على التقية.
9 - أن الرافضة ينحون المنحى الباطني في تفسيرهم لشعائر الإسلام.
10 - يزعمون أن أئمتهم يعلمون ما كان وما سيكون في المستقبل.
وأما الله عز وجل فإنه – في عقيدتهم – لا يعلم المستقبل كيف سيكون ولذلك تبدو له البداوات، فبعد أن يخبر الله بالشيء أنه سيكون يبدو له ما لم يكن في الحسبان فيغير ما كان قد قضى به وحكم، وهذا نعوذ بالله هو الكفر بالله والجهل به.
11 - أن الرافضة يحقدون على أهل السنة حقداً كبيرا لا نهاية له.
12 - أن الرافضة جميعا قائلون بارتداد الصحابة – رضي الله عنهم – كلهم إلا أربعة أو ستة، وهو ما جعل طائفة من العلماء تحكم بكفرهم.
13 - أن جماعة من العلماء كفرت الرافضة لقولهم بتحريف القرآن وإنكارهم السنة وإعطائهم صفات الألوهية لأئمتهم.
14 - أن مذهب الرافضة مذهب كفري لا شك في ذلك ولا ارتياب، لكن القول بكفر جميع الرافضة لم يقل به كل العلماء وإنما هو قول لبعضهم.
15 - أن بعض المحققين اشترطوا لتكفير الرافضة أو غيرهم من أهل البدع الكفرية أن توجد شروط التكفير وتنتفي موانعه.
16 - أنهم ينهجون في دعوتهم منهج التدرج، فيبدأون مع السني في ذكر أخطاء بعض الصحابة، فإذا سلم انتقلوا معه إلى تكفير بعضهم، فإذا سلم طعنوا له في الشيخين ثم كفروهم، ثم أخيرا يقنعونه بأن الصحابة كلهم ارتدوا وظلموا آل البيت، وأن مذهب الرافضة هو المذهب الحق الذي تكون به النجاة ويعبرون عنه بمذهب أهل السنة تلبيسا على أهل السنة.
ومن خلال تتبعي لدعوتهم في العالم الإسلامي وبين الجاليات الإسلامية في الدول الكافرة توصلت إلى أنهم قطعوا شوطاً بعيداً في نشر دينهم وبسط نفوذهم.
ومن أكبر الأسباب التي ساعدت على نجاح دعوتهم ما يلي:
أ - الدعم الكبير المادي والمعنوي الذي يجدونه من دولتهم الرافضية وهذا الدعم تراه واجباً عليها ولا تسميه تبرعاً.
ب - استغلال حاجة الشباب وفقره وعطالته فيقدمون له العون ويقضون حاجته ثم بعد ذلك يعرضون عليه مذهبهم تدرجاً.
جـ - يستغلون الأخطاء السياسية والمواقف المتخاذلة التي يقع فيها بعض حكام المسلمين ليقولوا للشباب انظروا إلى أهل السنة ماذا يفعلون ويجعلون ذلك ذريعة إلى الطعن في أهل السنة عموماً، وفي مقابل ذلك يستغلون أيضاً بعض التصريحات الجوفاء التي ظاهرها العداء للغرب وباطنها تبادل المصالح ليقولوا للشباب المغفل انظروا إلى شجاعة حكام الشيعة ضد الكفار، ولو لم يكن الشيعة على الحق ما نصب لهم الغرب العداء، وهكذا لا تمر بهم فرصة دون استغلالها.
17 – ومن أساليبهم أيضاً استخدام الترغيب والترهيب، فمن لم ينفع معه الإغراء أرهبوه وربما قتلوه كما فعلوا ذلك بمجموعة من العلماء في داخل دولتهم وخارجها.(3/220)
خيانات الشيعة وأثرها في هزائم الأمة الإسلامية
Oمحمود محمد عبدالرحمن
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الإيمان - الإسكندرية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2007م
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخاتمة
نسأل الله حسنها في الأمر كله
الحمد لله مذلل الصعاب خالق البحر العباب جعل التذكرة نافعة لأولي الألباب، والصلاة والسلام على خير البرية الذي عم نوره الأرض فأضاءها كالقمر لا كالشهاب، ونال من رحمته كل شيء حتى أمة الكلاب وعلى كل الآل والأصحاب، صلاة وسلاما ننال ثوابها إلى يوم فصل الخطاب.
وبعد،
فهكذا مضينا في جولة مع التاريخ نستقرأ أحداثه ونسجل شهادته ونتتبع مسألة خيانة الشيعة الغالية فوجدناها من الكثرة بحيث لا نستطيع إحصاءها فضربنا أمثلة واقتطفنا من سجلات التاريخ قطوفا، وكيف نستطيع إحصاء خياناتهم والخيانة في دمائهم وعروقهم وهي لهم كالماء والهواء ففي كل يوم لهم خيانات وما ذكرناه من أمثلة ليس إلا بعض ما ذاع أمره واشتهر خبره وخرج من حيز السر إلى العلانية وأما ما يتواصون بكتمانه فالله أعلم بكثرته ... وما كان هذا البحث إلا بمثابة نداء حتى لا يخدع – أو يبقي على خداعه – أحد من أهل السنة وليعرف أن القوم هم سبب انتكاسات الأمة قديما وحديثا في أكثر الأحيان وليفيق من ينادي بالتقريب، وليعلم أن القوم لا يريدون من مؤتمرات الدعوة إلى التقريب إلا تقريب السنة إلى التشيع، ولعل من طريف ما يذكر أنه في مؤتمر التقريب المنعقد بالقاهرة في الفترة من 8 - 11 ربيع الأول 1422هـ قام أحد علماء الشيعة يتحدث عن التقريب فاقترح أن تنزع مصر الحد عن المذاهب الإسلامية التي تعتمد نفس الأصول والمعتقدات بمعنى أنه يقترح نشر المذهب الشيعي في مصر زعما بأنه لا يخالف المذاهب الأربعة السنية في الأصول – وهذا كذب – فالشاهد أن الأمر جد خطير وواضح في ذات الوقت، فأهدافهم من التقريب لا تعدو هدفين
الأول: تخدير أهل السنة وتنييمهم
الثاني: تشييع أهل السنة.
وأظن أن بعد كل لا يصح لأحد ممن يأخذون الأمور بالعاطفة لا بالعقل والحكمة والنظر في عواقب الأمور – أن يقول بإمكان التقارب مع من خانوا الله ورسوله وانتهكوا حرمة الرعيل الأول – الذين نصر الله بهم الإسلام وقدموا للدين والأمة خدمات جليلة لا ينكرها عليهم إلا جاحد – كيف التقارب مع من لم يرقبوا في المؤمنين إلا ولا ذمة، إن أرضونا أرضونا بأفواههم ولكن تأبى قلوبهم، كيف التقارب مع من تحالفوا مع شياطين الإنس والجن قديما وحديثا لإذلال أهل السنة وكم خسرت الأمة الإسلامية وانتكست بسبب غدر القوم وخيانتهم ولم يعد هناك وقت لما يسميه بعض سذج أهل السنة – (حسن الظن) فإننا أمام قوم يتربصون بنا الدوائر، وأظن حتى الذين يدعون إلى حسن النية وإحسان الظن بالشيعة الغلاة لم يعد خافيا عليهم ضلالات القوم وخيانتهم فليقرأو عن أطماع الشيعة في بلاد الخليج بل في بلاد الحجاز بل في مصر على وجه الخصوص التي يرونها مهد الدولة الفاطمية التي أسهمت بأكبر نصيب في تحقيق أمجاد الشيعة وجعلت دولة موحدة من المغرب إلى مصر
وقد يقول قائل: إن هذا يعني الالتفات إلى خطر الشيعة الغالية والغفلة عن خطر الصليبية والصهيونية ... وغير ذلك؟
والجواب على هذا: لا
لأن المسلم المفترض أنه كيس فطن، حذر متيقظ لكل ما يراد به مستعد لكل جبهة وقد يكون في آن واحد وكم خاضت الدولة الإسلامية قديما حروبا فيها عدة جبهات متصلة في آن واحد فلم تشغلهم جبهة عن جبهة ولا عدو عن عدو
وأخيرا أذكر بأن هذا البحث البسيط ما كان إلا من باب ما قاله الإمام أحمد بن حنبل – رحمه الله –
" الكلام في أهل البدع أحب إلي من بعض النوافل " فكشفهم وفضحهم حتى لا يغرروا بالمسلمين هو بإذن الله من القرب.
ومن قبيل ما حكاه الإمام البزار عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال:
" ولقد أكثر رحمه الله من التصنيف في الأصول فسألته عن سبب ذلك والتمست منه تأليف نص في الفقه يجمع اختياراته وترجيحاته ليكون عمدة في الإفتاء فقال لي ما معناه:
" الفروع أمرها قريب ومن قلد المسلم فيها أحد العلماء المقلدين جاز له العمل ما لم يتقين خطأه.
وأما الأصول فإني رأيت أهل البدع والضلالات والأهواء .. قد تجاذبوا فيها بأزمة الضلال وبان لي أن كثيرا منهم إنما قصد إبطال الشريعة المحمدية الظاهرة العلية على كل دين .. فلما رأيت الأمر كذلك بان لي أنه يجب على كل من يقدر على دفع شبههم وأباطيلهم وقطع حججهم أن يبذل جهده ليكشف رذائلهم ويزيف دلائلهم ذبا عن الملة الحنيفية والسنة الصحيحة الجلية "
وفي الختام أحب أن أقول كلمة عمر بن الخطاب رضي الله عنه " إن من عاملنا بخير وأظهر لنا خيرا عاملناه بخير ... " كيف لا والله تعالى يقول حتى في أهل الكتاب {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين}
والله أسأل أن يجعل عملي هذا خالصا لوجهه الكريم وأن ينفع به كل المسلمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/221)
دراسة عن الفرق في تاريخ المسلمين (الخوارج والشيعة)
Oأحمد محمد أحمد جلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية - الرياض
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1408هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
خوارج
الخاتمة
عالجت هذه الدراسة في بدايتها الخلاف حول الإمامة، وما ترتب عليه من ظهور جماعات انحرفت عن المنهج الإسلامي. وقد تبين لنا من خلال ذلك كيف أن الانحراف عن الصراط المستقيم يبدأ يسيراً هيناً ثم لا يلبث أن يتعمق حتى يبعد بالبعض عن الإسلام، الأمر الذي يحتم ضرورة التمسك بحبل الله المتين والاعتصام بالسنة النبوية، درأ للزيغ والضلال ودفعاً للزلل والخطأ. كما تبين لنا أيضاً أن من أخطر المزالق اتباع الهوى وتحميل النصوص ما لا تحتمله تعضيداً لرأي أو هوى خاص، بدلاً من إخضاع الهوى والرأي لميزان الشرع.
وقد أشرنا إلى خطأ بعض المؤرخين الذين تناولوا أحداث ما يعرف (بالفتنة) من غير تمحيص لما ورد فيها من روايات، وبيان صحيحها من باطلها، وكيف أدى بهم هذا الخطأ المنهجي إلى تجريح الصحابة وإصدار أحكام عليهم من غير دليل ولا برهان. وبينا أيضا تهافت المزاعم التي تعلل بها الذين خرجوا على الخليفة عثمان، وأثبتنا من خلال الروايات الصحيحة أنه رضي الله عنه لم يأت منكراً في توليته بعض أقربائه، أو تأديبه لبعض الصحابة، أو شموله بعطفه بعض أفراد أسرته. وأن الصحابة الذين عايشوا أحداث الفتنة بُراءوا من دم عثمان. وأن الفتنة في حقيقتها تولدت من ظروف معينة استغلتها جماعات طامعة وأفراد حاقدون طوروا تلك الأحداث حتى انتهت إلى ما انتهت إليه.
ومن خلال الفتنة وما أعقب مقتل الخليفة عثمان من أحداث ظهر فريقان متقابلان: أولهما جماعة الخوارج التي تمسكت أحياناً بظواهر بعض الآيات وفهمتها فهماً خاصاً مع إهمال لآيات أخرى وعدم ربط الآيات بعضها ببعض، الأمر الذي أدى بهم إلى اتخاذ مواقف معينة تجاه الأمة الإسلامية حكاماً ومحكومين، وفي إطار هذه الظاهرة أشرت إلى مواقف بعض الجماعات المعاصرة التي انتهجت نهجاً يقرب من منهج الخوارج، على اختلاف بين الفريقين في الدوافع والغايات.
أما الفرقة الأخرى فهي فرقة الشيعة التي وُضِعَتْ بذورها ونمت إبان هذه الفترة، حيث حاولت جماعات معينة أن تستغل عواطف بعض المسلمين وحبهم لآل البيت، وأذكت أُوار هذه العواطف حتى طغت على منطق العقل ومسلمات الوحي، وهكذا رأينا كيف أن حب آل البيت أصبح مدخلاً لطوائف غالية حاولت هدم الإسلام وتخريب عقائده وتقويض أركان شريعته. ودفع الولاء لآل البيت جماعات أقل تطرفاً إلى تبني نظريات في الإمام والإمامة تختلف إلى حد كبير عن تصور الإسلام لهذه الوظيفة ومن يقوم بها. كما أن الدفاع عن هذا المعتقد ومحاولة إثباته أدى بفريق آخر من الشيعة إلى الطعن في القرآن والتشكيك في السنة والتهجم على الصحابة رضوان الله عليهم، وتجريحهم. ولم يلبث تيار الغلاة أن قوي عوده وانتظم أمره عند طائفة الإسماعيلية أو (الباطنية) من الشيعة التي مثلت خطراً حقيقياً على الإسلام والمسلمين. وقد استعرضنا نماذج لهذه الحركات الباطنية، كالقرامطة، والفاطميين وما تولد عنهما من حركات ومنظمات علنية أو سرية. وقد بينا كيف أن بعض هذه الجماعات اتخذت من التشيع ستاراً حاولت من خلاله بث أفكارها المناهضة للإسلام واستغلت فكرة الظاهر والباطن الشيعية لإلباس آرائها الهدامة ثوب الإسلام. وبلغ الانحراف عند بعض الفرق درجة أدت إلى خروجها من الإسلام. بل إن طوائف كطائفة الدروز أعلنت في صراحة انسلاخها من الإسلام وأكد أتباعها أن انتماءهم إلى هذا الدين لا يتجاوز أن يكون انتماءاً تراثياً يمثل فيه الإسلام جزءاً من تراثهم العقدي الذي يشمل كل المذاهب والأديان السابقة سماوية وغير سماوية.
وهذا كله يوضح لنا خطر هذا التيار الباطني الذي تجاوزت آثاره دائرة الإسماعيلية وما تفرع عنها، وامتد خطره إلى دائرة الصوفية والفلاسفة، بل إن آثاره لازالت ماثلة في العديد من الحركات المشبوهة والجماعات المنحرفة كالبابية والبهائية والقاديانية، التي تشربت مبادئ الباطنية وحاولت عن طريقها هدم الإسلام والتحلل من أحكام شريعته، وعلى كل فإن آثار التيار الباطني وخطره المعاصر يحتاج إلى معالجة خاصة نأمل أن نتمكن منها في المستقبل القريب بإذن الله.
والله الهادي إلى سواء السبيل(3/222)
تقريرات أئمة الدعوة في مخالفة مذهب الخوارج وإبطاله
Oمحمد هشام طاهري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
غراس – الكويت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
خوارج
الخاتمة في نتائج البحث وهي بمثابة ملخص للرسالة، ثم أتبعت بذكر التوصيات:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأثني عليه بما هو أهله وهو أهل لكل المكرمات، وأسأله أن يجعل هذا العمل – كما يسره لي – خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به الإسلام والمسلمين، وأن يجعلني من الذابين عن علماء الدين، المنافحين عن ملة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم:
وبعد الجهد والعطاء، والبحث والعناء، يسر الله عز وجل إتمام هذا الموضوع، وتوصلت من خلال كتابتي له إلى أمور كانت عندي من المسلمات، وأصبحت كأنها من اليقينيات دلالة وترجيحاً، وخلاصة هذه النتائج والتوصيات هي:
1 - عظم جهود أئمة الدعوة – رحمهم الله – في حفاظ وبيان الإسلام الصحيح، الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وتحملهم كل ما قيل، وفعل، من أجل دين الله تبارك وتعالى، وهذا يظهر جلياً من السهام التي رمُوا بها من كل أهل البدع، ولكنهم كانوا كالطود الشامخ الذي لا يزيده الدهر إلا شموخاً.
2 - أن أئمة الدعوة هم من أعظم العلماء المتأخرين الذين بذلوا الجهد في بيان معتقد الخوارج، وبينوا الفرق الشاسع بين دعوة التوحيد والسنة ودعوة الخروج والبدعة.
3 - الخوارج هم كل من خرج على إمام من أئمة المسلمين، ويرون تكفيره من غير مكفر شرعي، وإن اختلفت مشاربهم.
4 - عرف أئمة الدعوة الخوارج بالاسم، والوصف، وذكر الفرق، حتى يكون أجلى في معرفتهم والبعد عنهم.
5 - بين أئمة الدعوة أسباب خروج الخوارج، وأن منها أسباب دنيوية.
6 - حذر أئمة الدعوة من الخوارج وذلك بذكرهم للنصوص الشرعية المحذرة من أهل البدع عموماً، ومنهم على وجه الخصوص، وذكروا نصوص العلماء في التحذير منهم.
7 - بين أئمة الدعوة – رحمهم الله – مفاسد الخروج على الدين والدنيا.
8 - أجلى أئمة الدعوة – رحمهم الله – الطريقة الصحيحة في الاستدلال، وبينوا خطأ الخوارج في طريقة استدلالهم، سواء بالمتشابهات، أو في تركهم للسنن، أو لعدم التفاتهم إلى العلماء.
9 - أبطل أئمة الدعوة – رحمهم الله – قول الخوارج في الإيمان، بالأدلة من الكتاب والسنة، وبينوا ضلال قولهم في الإيمان، وهذا في نفس الوقت يدل على صحة معتقد أئمة الدعوة، وأنهم على منهج السلف في كل باب، ومنه باب الإيمان.
10 - لازم قول الخوارج منع زيادة الإيمان ونقصانه، وهذا القول باطل بالأدلة الصحيحة الصريحة التي بينها أئمة الدعوة.
11 - لا يرى الخوارج الاستثناء في الإيمان بناء على أن ذلك شك، وقد بين أئمة الدعوة بطلان هذا القول.
12 - تخبط الخوارج في التكفير، وعدم معرفتهم لضوابط التكفير؛ فأصبحوا يكفرون بما ليس مفكراً، وبالكبائر من الذنوب، وقد جلى أئمة الدعوة – رحمهم الله – ما يكفر به المسلم، وأنه لا يكفر إلا بالكفر الصريح، لا باللوازم، ولا بالظنون، ولا بالأهواء.
13 - لم يفرق الخوارج بين الكفر والشرك والظلم والفسوق والنفاق الأصغر والأكبر، وقد بين أئمة الدعوة هذه المسألة أيما بيان.
14 - لم أقف على نص يفرق فيه الخوارج بين التكفير بالأوصاف، والتكفير بالأعيان، فالخوارج وقعوا في التكفير بالعموم، وقد بين أئمة الدعوة – رحمهم الله – بطلان هذا الخلط، ووضحوا الفرق بين التكفير بالأوصاف، وتكفير المعين، وأن التكفير بالعموم من صفات الخوارج.
15 - لا يذكر الخوارج شروطاً في تكفير المسلم، وإنما هو مبني عندهم على الظنون والهوى، فيبتدعون بدعة ويكفرون عليها، وقد نقلت عن أئمة الدعوة ما يعرف به شروط تكفير المعين، وأنه لا يقدم على تكفير المعين إلا بعد وجودها.(3/223)
16 - لم يعرف الخوارج موانع التكفير؛ فهم ما إن يقع الرجل في الكفر إلا ويحكمون عليه بالردة، ولا ينظرون إلى الموانع، وهل هي منتفية أم لا؟ وذكر أئمة الدعوة أهمية النظر إلى موانع التكفير قبل الحكم على المعين، وبينوا بطلان قول الخوارج في هذا.
17 - كثر كلام أئمة الدعوة في بيان أهمية إقامة الحجة على المعين قبل تكفيره، وذلك لكثرة الافتراء عليهم، فكان كلامهم شافياً كافياً في بيان هذه المسألة، وإن كان قد غلط فيه أناس لعدم علمهم بملابسات بعض العبارات.
18 - عظيم جهد أئمة الدعوة البارز في النهي عن تكفير المسلمين، والتحذير من ذلك.
19 - رد أئمة الدعوة قول الخوارج في مسألة تكفيرهم بالكبائر، بالنصوص الشرعية.
20 - بين أئمة الدعوة الصواب في الموقف الصحيح من قضية التحكيم، وأبطلوا قول الخوارج فيها.
21 - قام أئمة الدعوة بالبيان الشافي في مسألة الحاكم بغير ما أنزل الله، ومتى يكون كفراً أكبر، ومتى يكون أصغر، ومتى يكفر الحاكم بغير ما أنزل الله، ومتى لا يكفر.
22 - الخوارج قاموا بامتحان الناس بالموافقة والمخالفة، وقد بين أئمة الدعوة أن الناس لا يجوز امتحانهم على ذلك، بل يكتفون بإظهارهم الإسلام.
23 - اتخذ الخوارج من ولاة الأمور موقف العداء، والمتربص، وقد بين أئمة الدعوة ما يجب اتجاه ولاة الأمور، وبينوا ضلال موقف الخوارج.
24 - كفر الخوارج الولاة بأمور فسقية لا تبلغ مرتبة الكفر، وبأمور هي من لوازم الأفعال، وكفروا الولاة باللوازم، وقد أبطل أئمة الدعوة قولهم في هذه المسألة.
25 - لا يقوم الخوارج بواجب النصح لولاة الأمر، إنما عندهم إما استقامة السلطان، أو السيف، وقد بين أئمة الدعوة أهمية النصيحة لولاة الأمر، وكيفيتها.
26 - لا يرى الخوارج معاونة ولاة الأمر، بل يرون ذلك كفراً، وقد بين أئمة الدعوة أن معاونة ولاة الأمر في الطاعة واجبة.
27 - من سيما الخوارج الدعاء على ولي الأمر، وقد بين أئمة الدعوة أن المنهج السلفي الدعاء لولاة الأمر بالصلاح والسداد.
28 - ينتهج الخوارج في إبعاد الناس عن ولاة الأمر منهج التنفير عنهم بالطعن عليهم، وقد بين أئمة الدعوة أهمية توقير ولاة الأمر، وتحريم غيبتهم.
29 - لا يعرف الخوارج الصبر على جور الولاة، وإنما يفزعون إلى السيف لرؤيتهم الجور، وقد نبه أئمة الدعوة بناء على ما جاء في النصوص على أهمية الصبر على الولاة، وإن جاروا وظلموا.
30 - اشتهر الخوارج بنزع أيديهم من الطاعة، وخروجهم على السلطان، وقد بين أئمة الدعوة شناعة هذا الفعل، ومدى خطورته على الدين والدنيا.
31 - توصلت من خلال البحث إلى معرفة شدة التنازع والاختلاف الذي بين الخوارج، حتى لو خرج اثنان سيختلفون فيما بينهما، وهذا تبين لي من خلال التتبع التاريخي لفرقهم.
32 - قال بعض الخوارج بأن الإمام لو كفر فإن الرعية تكفر بكفره؟ وقد أبطل أئمة الدعوة هذا القول، وبينوا بجلاء أن الكفر لا يكون إلا بالرضا والمتابعة.
33 - ضلال الخوارج في مسألة عدم إيجاب بعضهم لوجود ولي الأمر، وتركهم الأمر سبهللاً، ورد أئمة الدعوة هذا القول، وبينوا أهمية وجود الحاكم المسلم.
34 - ضلال الخوارج في عدم قولهم بأن الولاية في قريش، وتعميمهم القول في ذلك، وقد فصل أئمة الدعوة هذا القول، وبينوا أهمية أن يكون الأمر في قريش لو كان ثمت اختيار، وأن صيرورته إلى غيرهم أمر كائن بالتغلب.
35 - زعم بعض الخوارج جواز تولية المرأة الإمامة!؟ وإبطال أئمة الدعوة لهذا القول.
36 - تحريم الخوارج لإقامة الجماعة والجمع والعيد خلف المخالفين لهم، وقد أوضح أئمة الدعوة أهمية إقامة الصلوات في الجماعات، وخلف ولاة أمر المسلمين، ولو كانوا فسقة فجرة.(3/224)
37 - منع الخوارج دفع الزكاة إلى ولاة أمر المسلمين؛ لأنه ليس منهم، وقد بين أئمة الدعوة أن دفع الزكاة لولاة الأمر مسقط للفرض ولو كانوا فجاراً.
38 - لم ير الخوارج لزوم إمام للمسلمين في الحج، وقد بين أئمة الدعوة وجوب الحج مع الإمام.
39 - لا يرى الخوارج أهمية لعهود الإمام المخالف لهم، وبالتالي ينقضون العهود التي أبرمها الإمام، ولو بالقوة والقتل، وقد قرر أئمة الدعوة أن الوفاء بعهود الإمام واجب ولو كان فاجراً؛ فإن في ذلك مصلحة للمسلمين.
40 - استحل بعض الخوارج دماء أهل الذمة والعهد، وقد شدد أئمة الدعوة في وجوب اعتقاد حرمة دماء أهل الذمة والعهد، وأن ذلك من السنة، وطريقة النبي صلى الله عليه وسلم.
41 - يرى الخوارج أن إقامة الحدود، وجهاد الأعداء، لا يشترط له إذن السلطان؛ فيفعلون ما يرونه هم!؟ وقد بين أئمة الدعوة أن إقامة الحدود، والدعوة إلى الجهاد إنما هي من مهام ولي الأمر.
42 - شدة إفساد الخوارج باسم الجهاد.
43 - ربط الخوارج الولاء والبراء بأشخاصهم، وجماعتهم، ولذلك أخطئوا في مفهومهما، وقد بين أئمة الدعوة مفهوم الولاء والبراء، وأنهما لا يكونان إلا على الإسلام المحض.
44 - قلوب أهل البدع ومنهم الخوارج ممتلئة غشاً وغلاً للمسلمين وولي أمرهم؛ فلذلك تراهم يوالون أهل البدع ضد المسلمين المخالفين لهم، وقد بين أئمة الدعوة خطورة موالاة أهل البدع، وحذروا من ذلك.
45 - أظهر الخوارج شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجعلوه أصلاً في الخروج على الأئمة!؟ وقد رد أئمة الدعوة عليهم.
46 - اهتم أئمة الدعوة ببيان أن يكون المحتسب على درجة كبيرة من الإخلاص، وأن لا يبتغي من وراء احتسابه إلا وجه الله تعالى.
47 - الدعوة عند الخوارج في رفعهم شعار الاحتساب إنما لأجل الوصول إلى الحكم والتغيير من الأعلى، وقد بين أئمة الدعوة أن منهج الأنبياء إنما هو الدعوة إلى التوحيد.
48 - يقيم الخوارج الاحتساب على ما يرون، لا على وفق الضوابط الشرعية، وقد بذل أئمة الدعوة النصح للمسلمين في بيانهم شروط الاحتساب.
49 - لا ينظر الخوارج حين احتسابهم إلى مسألة المصالح والمفاسد، وقد اهتم أئمة الدعوة ببيان أهمية الاهتمام بها.
50 - قال بعض الخوارج بجواز التقية في ما يرونه منكراً، وعدم إظهار المخالفة، وقد رد أئمة الدعوة التقية، وبينوا الحق فيها.
51 - يقوم الخوارج في الإنكار بالسيف، ويرون أن الاحتساب به واجب، وقد أبطل أئمة الدعوة هذا القول.
52 - يلجأ الخوارج إلى الاغتيال للتخلص من مخالفيهم قديماً وحديثاً، وقد بين أئمة الدعوة هذا الأمر ووضحوه.
53 - يرى بعض الخوارج أن التوحيد لا يعرف إلا بالخبر، وقد بين أئمة الدعوة دلائل التوحيد المختلفة.
54 - اتجه بعض الخوارج إلى التشبيه والتمثيل في صفات الله تعالى، وقد أبطل أئمة الدعوة القول في التمثيل، ولأئمة الدعوة جهود مباركة في باب توضيح الأسماء والصفات.
55 - قال بعض الخوارج بأن القرآن مخلوق، متبعين فيها المعتزلة، وقد بين أئمة الدعوة بطلان هذا القول، وأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق.
56 - أنكر بعض الخوارج عذاب القبر، وقد بين أئمة الدعوة بطلان هذا المعتقد.
57 - رد الخوارج جمعاء شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من هذه الأمة، وقد أبطل أئمة الدعوة هذا القول، وبينوا أنه من أقوال أهل الضلال، وبينوا الموقف الصحيح من الشفاعة.
58 - أنكر بعض الخوارج رؤية الله تعالى في الآخرة، وقرر أئمة الدعوة بطلان هذا القول بالأدلة.
59 - يقطع الخوارج لأنفسهم بالشهادة، وأنهم من أهل الجنة!؟ وقد أجلى أئمة الدعوة القول في منع الشهادة لمعين بالجنة والنار من غير نص شرعي.(3/225)
60 - أوجب بعض الخوارج الصلاة والصوم على الحائض حال حيضها، وقد رد أئمة الدعوة هذا القول بناء على الأدلة الشرعية.
61 - أنكر بعض الخوارج المسح على الخفين، وقد أثبت أئمة الدعوة ذلك بالنصوص.
62 - بين أئمة الدعوة أن الخوارج من الفرق الضالة، التي يجب الحذر منها، والابتعاد عن أفكارها، ومعتقداتها.
63 - الحكم على الخوارج بأنهم كفار مسألة مختلف فيها بين السلف والخلف، وقد رجح جل أئمة الدعوة – رحمهم الله – رأي المحققين – وهم منهم – على أن الخوارج ليسوا كفارا.
64 - تبين لنا من خلال هذه الرسالة أن أئمة الدعوة – رحمهم الله – اتخذوا وسائل عدة في بيان ونصح ما ظهر في زمانهم من فكر الخروج والخوارج؛ فنصحوا، وألفوا، وأرسلوا الرسائل، وحذروا من الخوارج وفكرهم.
65 - عظم البون الشاسع بين هذه الدعوة السلفية النقية وأئمتها، وبين الدعوات الخارجية التي ظهرت وتظهر بين الفينة والأخرى ورؤسها.
66 - وبهذا كله يتبين لنا بجلاء مدى علو كعب علم أئمة الدعوة – رحمهم الله -، وهم وإن كانوا متبعين للسلف، ولما كان عليه العلماء السابقون؛ إلا أنهم كانوا أهل علم وفقه ودعوة وجهاد، ومن زعم أن علومهم تابعة لعلم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أو غيره؛ فإن كان المقصود أنهم متبعون لأهل العلم فهذا حق، وإن كان المقصود أنهم مقلدة وليسوا أهل اجتهاد واتباع فليس بصحيح، وتأصيلاتهم العلمية دالة على اجتهاداتهم.
67 - ومن خلال مطالعتي لكتب أئمة الدعوة – رحمهم الله – فإني أوصي الباحثين في مختلف المجالات أن ينشطوا في الكتابة في المواضيع التالية، وقد وجدت فيها مادة لا بأس بها، وبعضها تصلح للماجستير، وبعضها للدكتوراه، وهذه الموضوعات التي أرى أهمية الكتابة فيها هي:
1 - جهود أئمة الدعوة في إبطال التأويل.
2 - جهود أئمة الدعوة في إبطال قول المعطلة في الأسماء والصفات.
3 - جهود أئمة الدعوة في الحث على السنة والتحذير من البدعة.
4 - موقف أئمة الدعوة من مسألة تقليد الأئمة، والتقيد بمذهب معين.
5 - جهود أئمة الدعوة في الرد على الأشاعرة.
6 - جهود أئمة الدعوة في الرد على الرافضة، وهذه كلها تصلح لرسائل علمية مقدمة إلى قسم العقيدة.
7 - جهود أئمة الدعوة في نشر الكتب السلفية.
8 - بيان الصلة الدينية بين أئمة الدعوة والأمراء من آل سعود.
9 - جهود أئمة الدعوة في إسداء النصائح.
10 - قيام أئمة الدعوة بالجهاد، والاحتساب.
11 - نجاح سياسة أئمة الدعوة لأنها قائمة على السياسة الشرعية.
12 - الأسباب الدينية والدنيوية التي بسببها نجحت دعوة أئمة الدعوة، وهذه كلها تصلح رسائل علمية تقدم إلى قسم الدعوة.(3/226)
فرق الهند المنتسبة للإسلام في القرن العاشر الهجري وآثارها في العقيدة – دراسة ونقداً
Oمحمد كبير أحمد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
هند
الخاتمة:
وفي الختام أود أن أدوِّن أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث:
أولاً: لقد كان انتشار الإسلام في معظم ربوع (الهند) عن طريق الدعوة والإرشاد دون الحرب والقتال. وهذا أبلغ رد على أولئك الذين يفترون على الإسلام؛ مرددين أنه لولا الحرب والقتال ما علتْ للإسلام راية، ولا انتشرت له دعوة!
ثانياً: كانت العقيدة الإسلامية صافية نقية تستمد أصولها من كتاب الله –تعالى- وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى منهج السلف الصالح رضي الله عنهم منذ دخول الإسلام في شبه القارة الهندية حتى القرن الرابع الهجري.
ثالثاً: كانت بلاد الأفغان (أفغانستان الحالية) خاضعة للحكم الإسلامي في بلاد (الهند)، وكانت جزءاً منها.
رابعاً: يمثل القرن العاشر الهجري أحلك الفترات وأظلمها في حياة (الهند) المسلمة، لاسيما الحقبة التي ملك فيها الملك (أبو الفتح جلال الدين محمد أكبر) (963هـ - 1014هـ) حيث كانت فتنة مذهبه الذي عرف (بالمذهب الأكبري).
خامساً: اضطلعت (العقيدة الألفية) بأخبث دور قامت به في العمل على نشأة وتعدد الفرق الضالة المنتسبة للإسلام في القرن العاشر الهجري.
سادساً: أثبتت الدراسة أن عقيدة (وحدة الوجود) - التي يعتقد الكثيرون أنها عقيدة خاصة بالصوفية - هي في الواقع عقيدة مشتركة لدى كثير من الفرق الضالة المنتسبة للإسلام.
سابعاً: عقيدة (وحدة الأديان) التي ينادي بها أصحاب بعض المذاهب الضالة - للطعن في الإسلام والقضاء عليه - هي في الحقيقة عقيدة تنبثق من عقيدة (وحدة الوجود)، وتقوم عليها.
ثامناً: تشدقت كثير من الفرق الضالة بحب آل البيت؛ لتتخذ منه ستاراً تنشر من خلاله ضلالاتها. وعقيدة المهدية (أو المهدي المنتظر) تمثل قاسماً مشتركاً بين كل هذه المذاهب.
تاسعاً: الدور الذي قام به التشيع والتصوف كان سبباً رئيساً في صياغة أفكار ومبادئ الكثير من الفرق الضالة والمنحرفة، لاسيما في بلاد (الهند) إبان القرن العاشر الهجري وما قبله وما بعده.
عاشراً: عقيدة (خاتم الأولياء) و (الإنسان الكامل) كانت وراء كثير من الضلالات التي انتشرت بين عامة المسلمين في هذه القارة الواسعة.
حادي عشر: بعض الفرق الضالة المنتسبة إلى الإسلام - والتي شهدها القرن العاشر الهجري مثل: (الروشنية) و (ستيه بير) (الشيخية الصادقة) - وإن اندثرت معالمها كفرق مستقلة إلا أن آثارها ومبادئَها مازالت تعيش في عقول كثير من أصحاب الضلالات والأوهام يبثونها بين الناس.
ثاني عشر: هناك فرق عاشت في القرن العاشر الهجري، ولا يزال وجودها متصلاً، وأتباعها يتكاثرون حتى عصرنا هذا، مثل: فرقة (الذكرية) وفرقة (المهدوية) وغيرهما. وهذا يُلقي عبئاً على علماء (أهل السنة) لضرورة التصدي لهذه الفرق ودعاتها.
ثالث عشر: إن فرقة (الأغاخانية النزارية) (الخوجات) تعد اليوم من أخطر أنواع الفرق الضالة المنتسبة للإسلام، والتي يتسع نفوذها؛ نظراً لنشاط دعاتها، وكثرة أموالها ومراكزها ومساجدها المتناثرة في كثير من بلاد العالم، مما يتسوجب على علماء المسلمين الغيورين أن يتنبهوا لها، وأن يحاصروا مبادئَها وأفكارها التي امتدت إلى كثير من البلاد.
رابع عشر: إن بعض الفرق التي عاشت في (الهند) إبان القرن العاشر الهجري ولاقت أفكارها ومبادئُها ذيوعاً ورواجاً بين الهنود المسلمين كانت وافدة من الخارج، مثل: فرقة (النقطوية) وفرق (الشيعة).
خامس عشر: لم تتصد أية حكومة مركزية من الحكومات التي حكمت بلاد (الهند) في القرن العاشر الهجري لدحض أباطيل هذه الفرق، ولمصادرة أفكارها ومبادئِها؛ بل بعض هذه الحكومات كانت عوناً لهؤلاء المضللين على إفساد عقيدة عوام المسلمين في هذه البلاد.
سادس عشر: تحمَّل عبء الدفاع عن العقيدة الإسلامية الصحيحة في هذه البلاد بعضُ العلماء الغيورين المصلحين، ويأتي في مقدمتهم (الشيخ محمد طاهر الفتني) (ت 986هـ) و (الإمام السرهندي) (ت 1034هـ) و (الشيخ عبد الحق الدهلوي) (ت 1052هـ). فجزاهم الله عما قدموه وما بذلوه من جهد خير الجزاء.
إن على المؤسسات الإسلامية العالمية - التي تُعنى بالدفاع عن العقيدة الإسلامية - دورٌ كبيرٌ في تجلية العقيدة الصحيحة، ومحاربة البدع والأفكار التي توارثها الناس عن هذه الفرق الضالة في هذه البلاد الشاسعة، وعلى رأس هذه المؤسسات: رابطة العالم الإسلامي، والندوة العالمية للشباب الإسلامي، والمؤتمر الإسلامي، والأزهر الشريف، والجامعات الإسلامية التي يجب أن تولي هذه المهمة عنايتها الفائقة.(3/227)
قضية الثواب والعقاب بين مدارس الإسلاميين بيانا وتأصيلا
Oجابر زايد عيد السميري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار السودانية للكتب - الخرطوم
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
حسنات وسيئات
الخاتمة
تبين لنا من خلال البحث ما يأتي:
أولاً:
إن دعوى الصراع بين العقل والنقل في الإسلام مصطنعة، حيث ابتدأه أعداء الإسلام، واستمروا يحركونه خلال العصور الإسلامية المختلفة، وهؤلاء الأعداء ينتظمون في سلسلة تتمثل أطرافها في مستشرقين يهود ومسيحيين وفي أتباع وتلامذة مخلصين لهم من أبناء المسلمين، أما أطراف السلسلة البعيدة فترتد خلال القرون عبر الباطنية والإسماعيلية وإخوان الصفا حتى تصل إلى اتباع ابن سبأ.
والحقيقة أنه ليس بين القرآن الكريم وبين أحكام العقل الصريح الراشد أدنى ذرة من التعارض، كذلك، ليس ثمة أدنى ذرة من تعارض أو إختلاف بين السنة المحققة الصحيحة وبين أحكام العقل الصريح الراشد، وإذا بدأ أي اختلاف أو تعارض بين نصوص الوحي وبين العقل فإنما يكون ذلك لأحد الأسباب الآتية:
1 - تفسير خاطئ للنص يؤدى إلى مفهوم غير صحيح ينسب إليه.
2 - خطأ مقررات العقل التي يحاكم إليها المفهوم الصحيح للنص.
3 - مفهوم غير صحيح للنص يحاكم مقررات عقلية خاطئة.
أما إذا استقام مفهوم النص، وسلمت مقررات العقل وأحكامه فإنه يستحيل أن يند بينها أدنى تعارض أو اختلاف. فالصراع إذن ليس بين النص والمنطق، أو بين النقل والعقل، فهما متفقان تماماً، وهذه إحدى بديهيات الإيمان بالله والرسل، لأن الله – عز وجل – هو الذي خلق العقل السليم الراشد في الإنسان، ووضع فيه أحكامه وقوانين تفكيره بالحق، وهو الذي أنزل الوحي بالحق، والحق واحد لا يختلف ولا يتعدد وهذا يقتضى بالضرورة مطابقة الحق الذي جاء به الوحي على الحق الذي تعرفه العقول.
وأما الصراع الذي نشأ في تاريخ الفكر الإسلامي وفي تاريخ الفكر الديني عامة، فإنما هو بين أهل النقل وأهل العقل، تمسكت الفئة الأولى بالنص من خلال مفاهيم خاطئة لا تعبر عن النص في ذاته، وأهملوا موافقة هذه المفاهيم مع صريح المعقول، والفئة الثانية تمسكت بمقررات عقلية خاطئة مستخلصة من ثقافات أجنبية وعلوم قاصرة غير صحيحة، وجاءوا إلى القرآن والسنة يحاكمون نصوصها إلى هذه المقررات الخاطئة، وهم يعتقدون أنها صحيحة فوجدوا اختلافاً بين العقل والنقل.
فلجأوا – البعض بحسن نية دفاعاً عن الإسلام حسب ظنه، والبعض بسوء نية هدماً للإسلام حسب فهمه – إلى تأويل النص حتى تستقيم مع مقررات العقول الخاطئة، والتي يعتقدون أو يزعمون أنها صحيحة، ومن ثم أولوا فخرجوا من القرآن والسنة مفاهيم باطلة، وأحكاماً خاطئة ليست منها أو فيها ولا تمت إلى الوحي بصلة، أو تمت له بصلة، ولكنها محرفة وليست مطابقة لما جاء به تماماً من هؤلاء الجعد بن درهم والجهم بن صفوان وأصحاب منهج التأويل العقلي بعامة وعند هؤلاء وبهم قامت معركة النقل والعقل.
أما أهل السلف من الصحابة والتابعين وأهل الحديث والفقه فلم يجدوا أدنى تعارض أو اختلاف بين نصوص الوحي ومقررات العقل، وذلك بسبب منهجهم الفكري السليم الذي مكنهم الله به من استنباط المفاهيم الصحيحة من النصوص فجاءت ربانية خالصة، ومن ثم طابقت مقررات العقول الصريحة الراشدة.
ولذلك يمكننا القول: أن الصراع بين النقل والعقل لا يعبر عن حقيقة تاريخية إسلامية خالصة، وإنما هي تعبير عن أحد وجوه الانحرافات في الفكر الإسلامي وهو في نفس الوقت علة كثير من الانحرافات الفكرية التي أصابته.
ثانياً:(3/228)
لا ريب أن العمل الصالح سبب لدخول الجنة، والله قدر لعبده المؤمن وجوب الجنة بما ييسره له من العمل الصالح، كما قدر دخول النار لمن يدخلها بعمله السيء، وليس الجزاء من الله – سبحانه – على سبيل المعاوضة والمقابلة، كالمعاوضات التي تكون بين الناس في الدنيا، فإن الأجير يعمل لمن استأجره فيعطيه أجره بقدر عمله على طريق المعاوضة، إن زاد زاد أجرته، وإن نقص نقص أجرته، وله عليه أجرة يستحقها كما يستحق البائع الثمن، فنفى – صلى الله عليه وسلم – أن يكون جزاء الله وثوابه على سبيل المعاوضة، والمقابلة والمعادلة، وكثير من الناس قد يتوهم ما يشبه هذا، وهذا غلط من وجوه:
الأول: أن الله – تعالى – ليس محتاجاً إلى عمل العباد كما يحتاج المخلوق إلى عمل من يستأجره، بل هو سبحانه كما قال في الحديث الصحيح: (إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني)، والعباد إنما يعملون لأنفسهم، كما قال تعالى {لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ} وقال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا}.
وأما العباد فإنهم محتاجون إلى من يستعملون لجلب منفعة أو دفع مضرة، ويعطونه أجرة نفعه لهم.
الثاني: أن الله هو الذي مَن على العامل: بأن خلقه أولاً وأحياه ورزقه، ثم أرسل إليه الرسل، وأنزل إليه الكتب، ويسر له العمل، وحبب إليه الإيمان، وزينه في قلبه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان.
والمخلوق إذا عمل لغيره لم يكن المستعمل هو الخالق لعمل أجيره، فكيف يتصور أن يكون للعبد على الله عوض وهو الذي خلقه وأحدثه، وأنعم على العبد به؟! وهل تكون إحدى نعمتيه عوضاً عن نعمته الأخرى وهو ينعم بكلتيهما؟!
الثالث: أن عمل العبد لو بلغ ما بلغ ليس هو مما يكون ثواب الله مقابلاً له ومعادلاً حتى يكون عوضاً، بل أقل أجزاء الثواب يستوجب أضعاف ذلك العمل.
الرابع: أن العبد قد ينعم ويمتع في الدنيا بما أنعم الله به عليه، مما يستحق بإزائه أضعاف ذلك العمل إذا طلبت المعادلة والمقابلة، وإذا كان كذلك لم يبالغوا في الاجتهاد مبالغة من يضره الاجتهاد، كالمنبت الذي لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى، وزال عنهم العجب، وشهدوا إحسان الله بالعمل.
الخامس: أن العباد لابد لهم من سيئات، ولابد في حياتهم من تقصير، فلولا عفو الله لهم عن السيئات، وتقبله أحسن ما عملوا – لما استحقوا ثواباً، ولهذا قال – صلى الله عليه وسلم – (من نوقش الحساب عذب، قالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: {فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ {7} فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} قال: ذلك العرض، ومن نوقش الحساب عذب). ولهذا قال في الحديث لما قيل له ولا أنت يا رسول الله؟! قال: (ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بعفوه). فتبين بهذا الحديث أنه لابد من عفو الله وتجاوزه عن العبد، وإلا فلو ناقشه على عمله لما استحق به الجزاء قال الله تعالى: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ}.(3/229)
وإذا تبين ذلك أفاد هذا ألا يعجب العبد بعمله، بل يشهد نعم الله عليه، وإحسانه إليه في العمل، وأنه لا يستكثر العمل، فإن عمله لو بلغ ما بلغ إن لم يرحمه الله ويعف عنه ويتفضل عليه، لم يستحق به شيئاً، وأنه لا يكلف من العمل ما لا يطيق ظاناً أنه يزداد بذلك أجره، كما يزداد أجر الأجير الذي يعمل فوق طاقته فإن ذلك يضره، إذ المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى وأحب العمل ما داوم عليه صاحبه، فإن الأعمال بالخواتيم، بخلاف عمل الأجراء في الدنيا، فإن الأجرة تتقسط على المنفعة، فإذا عمل بعض العمل استحق من الأجرة بقدر ما عمل ولو لم يعمل إلا قليلا. فمن ختم له بخير استحق الثواب، وكفر الله بتوبته سيئته ومن ختم له بكفر أحبطت ردته حسناته، فلهذا كان العمل الذي داوم عليه صاحبه إلى الموت خيراً ممن أعطى قليلا ثم أكدى وكلف نفسه ما لا يطيق، كما يفعله كثير من العمال.
فلابد من العمل المأمور به، ولا بد من رجاء رحمة الله وعفوه وفضله، وشهود العبد لتقصيره، ولفقره إلى فضل ربه، وإحسان ربه إليه.
وقد قال سفيان بن عيينة وغيره: (كانوا يقولون: ينجون من النار بالعفو، ويدخلون الجنة بالرحمة، ويتقاسمون المنازل بالأعمال) فنبه على أن مقادير الدرجات في الجنة تكون بالأعمال وأن نفس الدخول هو الرحمة، فإن اله قد يدخل الجنة من ينشئه لها في الدار الآخرة بخلاف النار، فإنه أقسم أن يملأها من إبليس وأتباعه.
ثالثاً: اتفاق السلف وأهل السنة على مفهوم واحد للكسب، وتبين أن الغموض الذي اكتنف تعريف الأشعري للكسب والذي سبب له اتهامات عديدة، كان سببه:
أولاً: متابعة الأشعري للسلف الأوائل حيث أنه لم يثبت عنهم عند الأشعري أنهم خاضوا في مثل هذه المسألة الدقيقة فلم يثبت أنهم نفوا تأثير قدرة الإنسان في أفعاله بل سكتوا عن الكلام فيها جملة وتفصيلا فوسع الأشعري السكوت عن الكلام فيها.
ثانياً: انتقال الأشعري من عقيدة المعتزلة إلى عقيدة السلف جعله يتحفظ من الخوض في مسائل خاضت فيها المعتزلة، وإن صح بعضها – لأن السلف يكرهون إحداث أمور لم تكن قد حدث فيها الكلام – كقضية تأثير قدرة العبد في أفعاله – وحرص الأشعري على تنقية نفسه مما علق فيها من سمعة الانتماء إلى المعتزلة، فرض عليه السكوت وعدم النفي لقدرة إحداث العبد لأفعاله بإذن الله. أو أنه نفى ما ذهبت إليه المعتزلة من القول بإطلاق قدرة العبد بالأحداث. فعلى الرأيين لم يخالف الأشعري العقيدة الحقة.
ومما يؤكد ما ذهب إليه الأشعري، ما ذهب إليه الإمام الجويني وهو في مدرسة الأشعري.
رابعاً: توسط مدرسة السلف وأهل السنة بين الجبر وحرية الاختيار. فلا هم جبرية خالصة ولا هم مفوضون كل التفويض، هذا الموقف الوسطي صبغهم بصبغة الاعتدال والاتزان حيث أنهم أصابوا في غالب استدلالاتهم بآيات القرآن والسنة والأدلة العقلية فيما راموا إثباته من المسائل العقدية، أو نفيه عنها .. ولهذا جنبوا القرآن والسنة الاختلاف وتضارب بعضه ببعض، وأبقوا للمجتمع مسئوليته التي أناطها الشارع به، فهو مأمور أن يعمل ويكد ويتقدم ويتطور وأنه سيوفق، أما أن آمن بأنه مجبور لا حول له ولا طول، وسلم للأمر الواقع فإنه حتماً مقضياً سيتأخر ويسقط تحت أقدام الآخرين وحينئذ لا يلوم إلا نفسه والله لم يأمره بالخنوع والانطواء بل أمره بالانطلاق والعمل، فإنه إن حوصر وهذه حاله فهذا من إبتلآت خالقه فعليه أن يصبر ويسلم ويعمل جاهداً للتخلص بالعودة إلى الله. فهكذا الإنسان لا هو مجبور مقهور على فعله، ولا هو مفوض مسيب في فعله بل له وجود بين هذين الأمرين فعليه ألا ينسى موطنه فيضل الطريق إما بالإفراط أو التفريط وكلاهما مرض عضال له مثالبه على الفرد والأمة.
خامساً:(3/230)
كثير من الخلافات بين المسلمين قد تكون لفظية، ولكن لسبب ما وغاية غير حميدة، وسوء استخدام لهذا الخلاف. تكبر الفجوة وتتسع بين المختلفين مما يؤدي إلى تسطير الأسفار في التعييب والنقد والنقض مما يؤدي إلى هدر الجهود والطاقات وتمزيق الوحدة، وتجافي القلوب مما يترتب عليه ضعف الأمة وانهيارها ومن ثم تكالب العدو عليها فيستبيح أرضها وأعراضها.
ولهذا ينبغي الكشف عن المعاني الدقيقة، وإقامة الحوار الواضح الهادف الذي من شأنه يجمع ولا يفرق، يقوي ولا يوهن، يكسب المودة، ويبعد التجافي، ويمكن الاستعانة على ذلك بتأصيل ألفاظ القرآن الكريم والسنة حتى تكون العمدة في أي حوار ينشأ بين مدارس المسلمين المتنوعة، والبعد عن استخدام المصطلحات التي قد يشق على الباحث فهم مراميها ومقصدها.
سادساً:
إن ما يمكن أن نجعله علامات للفكر الإسلامي في هذه المرحلة من مراحل تطور مشكلة الحرية، وصراع الإرادة المختارة والفاعلية الإنسانية مع مفهوم القدر في أذهان المسلمين هو الآتي:
أولاً: لجأ ضعيفوا الإيمان وأصحاب القلوب المريضة إلى التمحل بالمشيئة والقول بالجبر المحض مع قلة التقوى وإقبالهم على المعاصي كما هي طبيعة الأمم السابقة حيال المشكلة مع اتخاذ الجبرية قاعدة لمنطلق سياسي.
ثانياً: هناك تيارات مشبوهة بالزندقة من خارج وداخل العالم الإسلامي ساعدت على تقوية هذا الاتجاه، ثم ساعدت على ظهور وتقوية الاتجاه المضاد وهو إنكار القدر، وذلك بين عامة المسلمين.
ثالثاً: كانت نشأة القدرية ومحاولة أصحابها تحرير الإرادات الإنسانية وإثبات فاعلية البشر والعدل الإلهي كرد فعل لانتشار الجبرية بين الناس، فقال به كثير من مخلصي المسلمين هروباً من شناعات القول بالجبر وتبريراً للخروج على السلطان من الخارجين.
رابعاً: لم يعرف القدريون من مفكري المسلمين حتى هذا العهد التفرقة بين الأمر الكوني والأمر الابتدائي، مما جعل أمامهم ذا شقين لا ثالث لهما، إما جبر، وإما تفويض ولا قدر.
خامساً: وقف السلفيون من صحابة وتابعين ومحدثين وفقهاء في وجه الاتجاهين: الجبر والتفويض يثبتون المشيئة الإلهية المطلقة، وأن كل شيء بقضاء وقدر، حتى معاصي العباد، كما أكدوا وجود الذات الإنسانية الحرة الفاعلة متبعين في ذلك الكتاب والسنة مع التوقف عن الجدل والبحث والكلام بإعتباره أمراً مستحدثاً.
سابعاً: أخطأ المعتزلة في تصورهم لعدل الله حين قالوا:
أولاً: إن من يدخل النار لا يخرج منها أبداً مع قولهم: إن مرتكب الكبيرة – ولو كان يشرب جرعة خمر واحدة – إن لم يتب قبل الموت فإنه مخلد أبداً في النار ولا يشفع له نبي ولا ملك مقرب ولا عمل طول العمر، بمعنى أن الكبيرة أحبطت سائر عمله.
ثانياً: إلحاقهم وعيد فساق المسلمين بوعيد الكفار وحملهم آيات الوعيد الواردة في الكفار المشركين على فساق المسلمين، وجعلهم في ذلك سواء فهم في نار جهنم خالدين فيها أبداً علماً بأنهم يفرقون بينهم في أحكام الدنيا فيجوزون لفساق المسلمين مناكحتهم وغير ذلك مما لا يجوز أن يفعلوه.
ثالثاً: تغليبهم عقاب الله – وهو من غضبه – على ثوابه – وهو من رحمته – مع بيان أن الله قد أخبر أن رحمته سبقت غضبه وأن رحمته شملت كل شيء، وإنكارهم للشفاعة المخرجة لفساق المسلمين من النار وكذلك إنكارهم لعفو الله الشامل لمن دخل النار ممن يشاء الله خروجهم منها.
فعدل الله لا يعرف بدلالة العقل فقط بل ينبغي قراءة النصوص وفقه معناها فيها ندرك عدل الله وسعة رحمته وغيرته على أن ترتكب محرماته. فالنقل والعقل وسيلتان متلازمتان لمعرفة عدل الله، فإن عطلت إحداهما حصل الإخفاق وانتكست النتيجة.(3/231)
رابعاً: قياسهم عدل الله على عدل الخلق مع إيمانهم بقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.
ثامناً: صح تسمية النعم التي يجعل الله بها للمؤمنين بسبب إيمانهم ثواباً، والنقم ابتلاء، وكذلك العذاب والهموم التي تصيب الناس عموماً بما كسبت أيديهم عقاباً، ولهذا قال السلف وأهل السنة بجواز حصول الثواب والعقاب في دار الدنيا، وخالف بعض المعتزلة هذا وزعموا أن لا ثواب ولا عقاب إلا في دار الآخرة!! وسبب الخلاف ناشئ عن الاختلاف في تعريف الثواب والعقاب، فمن اشترط خلوص الثواب من الكدر، قال: إن هذه المعاني لا تتحقق إلا في دار الآخرة، ومن لم يشترط ذلك، قال بتداخل الثواب والعقاب.
والذي نراه، أن الإجماع قائم على أن الآخرة بداريها الجنة والنار هي المقر الحقيقي لسرمدية الثواب والعقاب، وأنه لا مانع من تسمية نعيم الدنيا ثواباً، وهمومها وآلامها عقاباً، ومما يؤيد ذلك ويدعمه أن الله سبحانه سماه ثواباً فقال تعالى: {وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ} وقال تعالى: {فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} فسمى الله نعيم الدنيا ثوابا ولم يشترط سرمديته، إلا أن المعتزلة غالباً ما يطلقون الاصطلاحات على معاني تتلاءم مع منهجهم العقلي. ولو أنهم تأملوا معاني القرآن الكريم بجانب ما آتوا من عقول سامية لاتفقوا مع غيرهم، وجنبوا المسلمين بلاء كثيراً.
وكذلك سمى الله ما يصيب الناس في الدنيا عقاباً فقال تعالى: {وَلَقَدِ اسْتُهْزِىءَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} وقال تعالى: {وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} فسمى – سبحانه – ما أصابهم من عذاب في الدنيا عقاباً، وهذا بين ولله الحمد والمنة.
تاسعاً:
ويحق لنا أن نأخذ على جميع المدارس ما عدا السلف طبعاً عدم رجوعهم إلى الوحي بشقيه – الكتاب والسنة – جملة واحة بمنهج علمي أحصائي شامل، بدلاً من أخذه أحياناً وتركه أحايين، أو الرجوع إليه بناء على أصول عقلية سبق تقعيدها قبل النظرة الشاملة فأعطى نتائج غلب عليها الخطأ وعدم النضوج. وهذا ما حصل تماماً، عندما خاضت كل مدرسة غمار المشكلة قاصدة الوصول إلى الحقيقة، فمنهم من أصاب. ومنهم قارب، ومنهم من لم يحصل المقصود، وما سبيل النجاة عنهم ببعيد.(3/232)
ما يجب أن يعرفه المسلم عن عقائد الروافض الإمامية
Oأحمد عبدالعزيز الحمدان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة وهبة - مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخاتمة: وبعد: أخي المسلم فقد تبين لي ولك أن المعتقد لما ذكرنا من عقائد لن نستطيع أن نجتمع معه في أي أمر من أمور الدين، لأن القاعدة التي يتم عليها الاتفاق مفقودة بينهم، والنصوص التي تضبط هذه القاعدة لا يؤمنون بها، بل إنهم يرون أنهم راشدون في مخالفتنا في جميع الأمور الكلية والجزئية. فنحن وإياهم لا نجتمع في الإيمان برب واحد، ولا نبي واحد، ولا بكتاب واحد، ولا بأي شيء. ومما أوردته لك في هذا الكتاب تبين أن دينهم يتلخص في:
1 - التقية واجبة، وتركها كفر، ويجب التزامها في كل وقت، وفي كل مكان، حيث إنها لا تتقيد بظروف معينة، ولا يرفعها إلا المهدي المزعوم إذا خرج من جحره في سامراء، وهي عندهم أفضل العبادات، ويتقربون إلى الله بالتزامها، وكلما كان الواحد منهم ملتزما دينه كلما كان أخذه بالتقية أشد، وهم ينسبون إلى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا أنه أخذ بالتقية، وكذلك الأنبياء عليهم السلام، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يبلغ الرسالة إلا لعلي، وعلي بلغها أبناءه فقط حتى انتهت إلى مهديهم المزعوم الذي أخذ الدين وهرب به إلى سرداب سامراء إلى غير رجعة. والتقية هي السبب الوحيد الذي جعل هؤلاء القوم يعيشون بين المسلمين ولا يعلم أحد بدينهم، وكلما اكتشف أحد شيئا من دينهم بادروا إلى الإنكار، وادعاء أن ما قيل عنهم محض افتراء وكذب.
2 - توحيد الربوبية: يؤمنون أن الله تعالى خلق اثني عشر إماما من نور عظمته، ومن هذه الأنوار فتق جميع مخلوقاته العلوية والسفلية، ثم فوض إليهم أمر خلقه، فهم الذين يصرفون أمر الكون، وهم الذين يعطون ويمنعون، ويضرون وينفعون، ويحللون ويحرمون، ولا وظيفة للرب عندهم إلا تنفيذ أوامر أئمتهم ورغباتهم، وأن كل الدنيا والآخرة ملك للأئمة، والجنة والنار لهم.
3 - توحيد الأسماء والصفات: ينفون عن الباري جل وعلا جميع أسمائه وصفاته، ويقولون: هي مخلوقة، وهي الأئمة، فالأئمة هم عين الله، ووجه الله، ويد الله، وعلم الله، وسمع الله، وبصر الله، وقوة الله، وليس لله أية صفة.
4 - توحيد الألوهية: لا يعرفون عنه شيئا، والشرك عندهم هو القول بإلهين خالقين، وأما ما عدا ذلك من دعاء الأموات والاستغاثة بهم، وطلب المدد منهم، وسؤالهم جلب الحاجات، ودفع الكربات، كل ذلك لا يعد شركا عندهم، بل إن من سجد للصنم وطلب منه قضاء حوائجه فلا يعد ذلك عندهم شركا. مادام أنه لم يقل إن الحجر هو الخالق، وقد اعتنوا بقبور أئمتهم اعتناء فائقاً، فشيدوها وبنوا عليها القباب، وعدوا الحج إليها من أفضل العبادات، بل هو أفضل من حج بيت الله آلاف المرات، لأن قبور أئمتهم - عندهم - أفضل من بيت الله الحرام، بل أفضل من العرش ومن عليه، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
5 - القرآن الكريم: يؤمنون أنه لم يجمعه إلا علي رضي الله عنه، وأنه أراه الصحابة بعدما جمعه ليقم الحجة عليهم فقط، ثم إنه أخفاه عنهم، وورثه لأبنائه من بعده، إلى أن وصل للمهدي الذي أخذه ودخل سرداب سامراء، وأن قرآنهم هذا مثل قرآننا ثلاث مرات، وفيه سبع عشرة ألف آية، وما فيه حرف واحد مما في قرآننا، وأن المهدي سيخرج هذا القرآن في آخر الزمان، وأن الروافض في هذا الزمان يتعاملون مع القرآن معاملة مؤقتة حتى يخرج المهدي بقرآنهم.
6 - الصحابة: كفار عندهم، ولم يبق منهم على الإسلام إلا ثلاثة أو أربعة، وإسلام هؤلاء الثلاثة إسلام متعتع أيضا، وهم بزعمهم يتقربون إلى الله بسب الصحابة وخاصة الصديق والفاروق رضي الله عنهما.(3/233)
7 - البداء: من لوازم دينهم، وما عبد الله بشيء مثله كما زعموا.
8 - الفداء: يؤمنون بوقوعه، وأن إمامهم الثامن فداهم بنفسه.
9 - الغيبة والرجعة: هي أس من أسس دينهم، يؤمنون بأن الأئمة سيعودون في آخر الزمان، ويحيون من محض الإيمان - يعنون بذلك الروافض- ومن محض الكفر - يعنون بذلك المسلمين - وسينتقم المهدي من كل من آذى الروافض، وخاصة قريش وعلى رأسها خلفاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.
• علم الغيب: يؤمن الروافض أن أئمتهم يعلمون الغيب كله ما كان منه وما يكون وما سيكون، وأنهم عندهم مفاتح الغيب، ويعلمون ما يسر الخلق وما يعلنون، وأنهم يعلمون لغات جميع البشر والجن والملائكة والحيوانات والجمادات.
• الموجب لدخول الجنة عندهم والنجاة من النار حب علي رضي الله عنه، والموجب لدخول النار بغض علي، أما توحيد الله أو الشرك به، وفعل الطاعات أو المحظورات فكل ذلك لا يقدم ولا يؤخر عندهم، لأن حب علي حسنة لا يضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة، فمن أحب عليا فليقل ما شاء من شرك وذنوب فإنه محب، والمحب مصيره إلى الجنة عندهم، ومن أبغضه فليفعل ما شاء من توحيد وحسنات حتى لو عبد الله ألف ألف سنة بين الركن والمقام، قائما لا يفتر، صائما لا يفطر، فتوحيده وعمله لا ينفعانه شيئاً، وبغض علي معناه تقديم أبي بكر وعمر رضي الله عنهم عليه في الخلافة، فمن قدمهما فهو مبغض له شاء أم أبى، رضي أم سخط، حتى لو كان من كبار المحبين لعلي رضي الله عنه، لأن الحب عندهم هو الغلو لا غير. وهم يرون أن المسلمين كلهم كفرة فجرة ملعونون، بل هم أكفر من اليهود والنصارى، وأن مصيرهم كلهم إلى النار مهما فعلوا من طاعات.
فهذا أخي المسلم إفكهم وما كانوا يفترون، فعلى أي شيء يمكن أن نجتمع مع هؤلاء القوم؟ إن الإيمان بعقيدة واحدة من هذه التي ذكرت كافٍ لإخراج صاحبه من دين الله، فكيف بها مجتمعة؟ ثم إني أشهد الله الذي لا إله إلا هو أني بلغت، وأديت ما علمت، حتى لا يعتذر معتذر أني لم أبلغ، ولم أنصح، ولم أبين، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.(3/234)
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
Oناصر بن عبدالله القفاري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
تقارب بين الأديان
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من أكمل الله به الرسالات وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد ..
فقد تبين لنا من خلال هذا البحث مجموعةً من القضايا والمسائل المهمة، التي تنير الطريق حول فكرة التقريب بين أهل السنة والشيعة إن شاء الله تعالى فمن ذلك:
1 - أنه من خلال النقل من كتب الشيعة مثل كتاب (غاية المرام) الذي يعتبره كبير شيوخ الشيعة ومراجعهم المعاصرين (محسن الأمين) موضع افتخارهم، وغيره من كتبهم تبين أن أهل السنة قد صورتهم كتب الشيعة على غير حقيقتهم، إذ ذكرت نصوصاً كثيرةً تزعم نقلها عن كتب أهل السنة المعتبر، وكلها تؤيد شذوذ الشيعة الذي تحدثنا عنه. وبنوا على ذلك أنه لا خلاف بين أهل السنة والشيعة بناءً على الصورة المرسومة لأهل السنة في كتبهم وردد هذه المقالة بعض شيوخ أهل السنة رغبةً في الوحدة والوئام، وجهلاً بحقيقة الحال ولم يعرف أن وراء هذه الكلمة ما وراءها من تدبير وتخطيطٍ خطير أمضوا في تطبيقه القرون.
2 - أن من يعتمد في دراسة مذهب الشيعة على كتب الفرق والمقالات أو على كتب الفقه عند الشيعة أو على الكتب التي وضعها الشيعة للدعاية لمذهبهم والتبشير به، فإنه لا يخرج من خلال ذلك بمعرفة حقيقية لما عليه الشيعة، وسيشك بما يقال عنهم من شذوذ. وإذا أراد المعرفة الحقيقة للوضع الخطير الذي عليه القوم، فليقرأ في ذلك كتب الحديث، والتفسير، وكتب الرجال المعتمدة عندهم إلى يومنا هذا، باعتراف شيوخهم المعاصرين، ليقرأ أمثال: (أصول الكافي)، و (البحار)، في الحديث عندهم، ويقرأ: (تفسير إبراهيم القمي)، و (تفسير العياشي)، و (تفسير الصافي)، و (تفسير البرهان) وغيرها. وليقرأ في (رجال الكشي) وغيره. ليحكم من خلال ذلك على بينة وعلى بصيرة.
3 - أن من النتائج الهامة والخطيرة لهذه الدراسة أني رأيتُ أن مدونات الشيعة الإثنى عشرية في الحديث، والتفسير قد استوعبت وجمعت كل شذوذ وغلو الفرق الماضية التي تحدثت عنها كتب الفرق والمقالات .. ؛ ففرية القول بنقص القرآن، ومسألة البداء، وتفضيل الأئمة على الرسل وغيرها، هي من عقائد الغلاة والباطنيين، ومع ذلك هي موجودة في كتب الإثنى عشرية المعتبرة، بل بلغت حد التواتر والاستفاضة .. كما فصلنا ذلك بشواهده.(3/235)
4 - أن كتب الحديث عند الشيعة التي يعتبرونها مقدسةً عندهم ومن علوم آل محمد، والتي ينبغي أن تكون موضع الدراسة والتقويم قبل الحديث عن فكرة التقريب، هذه الكتب قد امتدت إليها يد التحريف والزيادة والنقص فـ (الكافي) في عصر الطوسي (ت460هـ) هو ثلاثون كتاباً (كل كتاب يحتوي على طائفة كبيرةٍ من أحاديثهم) بينما هو في عصر شيخهم الكركي (ت1076) قد بلغ خمسين كتاباً. وكتاب (تهذيب الأحكام) لشيخهم الطوسي يذكر شيوخهم المعاصرون أن عدد أحاديثه بلغت (13590) ولكن مؤلفه نفسه يصرح في كتابه (عدة الأصول) أن الأحاديث أكثر من (5000) ومعنى ذلك أنها لا تصل إلى (6000) على أكثر تقدير، كما رأينا أن السند قد وضع في كتبهم لمواجهة نقد أهل السنة، وأن تقسيم الحديث عندهم إلى صحيح وغيره قد توافق مع رد شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم في كتابه (منهاج السنة) بل إن الذي وضعه هو ابن المطهر الحلي الذي رد عليه شيخ الإسلام. مما يدل على أنهم يطورون (دينهم) ويغيرون فيه لمواجهة النقد الموجه إليهم، وذلك لئلا يفقدوا أتباعهم، كما أنهم يزيدون في كتب الحديث عندهم على مر الأيام من باب الدعاية المذهبية .. بل وصل بهم الأمر إلى وضع كتب بأكملها ونسبتها إلى علماء قدامى عندهم أو شخصيات لا وجود لها وقد بيَّنا بالشواهد أن أوّل كتاب ألّفته الشيعة والذي يُسمى أبجد الشيعة هو (كتاب سليم بن قيس) الذي حوى الطعن في كتاب الله وغيره، أن هذا الكتاب موضوع مكذوب، وأن مؤلفه اسم لا مسمى له، هذا فضلاً عما تحتويه كتبهم في الحديث والتفسير من (نصوص) ظاهرة الوضع واضحة الكذب لطعنها في دين الأمة وكتابها ..
5 - التمسنا آراء شيوخهم المعاصرين الذي يدعون للتقريب لنعرف رأيهم فيما احتوت عليه كتب الشيعة من غلو، فلم نجد من آرائهم ما يخالف هذا الغلو، بل كانت آراؤهم إما صريحةً في الغلو، وهذا ظاهر في الكتب التي كتبها دعاة التشيع في بلد لهم فيه قوة، وإما نفيٌ وإنكار لما هو واقعٌ في كتبهم، سالكين في ذلك وسائل معينة يدرك مراميها من اطلع على أصولهم وكشفنا ذلك بالحقائق والأرقام بلا تجنٍّ أو ظلم.
6 - كانت محاولات التقريب من جانب الشيعة مجرد ستار لنشر التشيع في ديار أهل السنة، وقد استفاد الشيعة من هذه الدعوة في نشر كتبهم وبث دعايتهم وكان لها آثار سلبية كثيرة على أهل السنة يدرك ذلك من وقف على ظواهر المد الشيعي في بلاد السنة .. وفي مؤتمر النجف خضع الشيعة لصوت الحق المؤيد بالحجة والبرهان –تقيةً- ولكن وفاة نادر شاه عطلت الاستفادة من نتائج المؤتمر.
7 - كيف يمكن التقريب مع من: يطعن في كتاب الله، ويفسره على غير تأويله، ويزعم تنزل كتب إلهية على أئمته بعد القرآن الكريم، ويرى الإمامة نبوة، والأئمة عندهم كالأنبياء أو أفضل، ويفسر عبادة الله وحده والتي هي رسالة الرسل كلهم بغير معناها الحقيقي، ويزعم أنها طاعة الأئمة، وأن الشرك بالله طاعة غيرهم معهم، ويكفر خيرة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحكم بردة جميع الصحابة إلا ثلاثة أو أربعة أو سبعة –على اختلاف رواياتهم-، ويشذ عن جماعة المسلمين بعقائد في الإمامة، والعصمة، والتقية، ويقول بالرجعة، والغيبة، والبداء. ومعظم هذه الآراء كانت في نظر السلف من عقائد الباطنية والغلاة الكفرة ولكنها مستفيضة في كتب الإثنى عشرية وقد بينا ذلك بالشواهد.
8 - عرضنا آراء علماء المسلمين ومفكريهم في حل (الخلاف) وبينا الطريق الذي نختاره في ذلك، والله الهادي إلى سواء السبيل.(3/236)
من عقائد الشيعة
Oعبدالله بن محمد السلفي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
وبعد أخي المسلم، لعلك الآن اتفقت معي في أن من يدين بهذه النحلة الفاسدة ليس من المسلمين وإن تسمى بالإسلام، إذن فما الواجب عليك أيها المسلم الموحد تجاه الرافضة، خاصة أنهم يعيشون بين المسلمين وينتسبون إليهم؟ إن الواجب عليك الحذر منهم وعدم التعامل معهم، والتحذير من معتقدهم الخبيث المبني على العداء لكل موحد آمن بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً ورسولا. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " وأما الرافضي فلا يعاشر أحدا إلا استعمل معه النفاق، فإن دينه الذي في قلبه دين فاسد يحمله على الكذب والخيانة وغش الناس وإرادة السوء بهم، فهو لا يألوهم خبالا ولا يترك شرا يقدر عليه إلا فعله بهم، وهو ممقوت عند من لا يعرفه، وإن لم يعرف أنه رافضي تظهر على وجهه سيما النفاق وفي لحن القول" [منهاج السنة النبوية لابن تيمية رحمه الله 3/ 360] إنهم يكنون لنا العداء والبغضاء، قاتلهم الله أنى يؤفكون، ومع هذا نجد المخدوعين بهم من عامة أهل السنة يخالطونهم في أمور حياتهم، ويثقون بهم، وهذا كله بسبب الإعراض عن دين الله ومعرفة أحكامه التي تأمر المسلم بالعمل بعقيدة الولاء لكل مسلم موحد، والبراءة من كل كافر أو مشرك. وبهذا نكون قد علمنا الواجب علينا كمسلمين فهل من مجيب؟ نسأل الله أن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يخذل الرافضة ومن شايعهم، وأن يجعلهم غنيمة للمسلمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وكتبه عبدالله بن محمد السلفي غفر الله له ولوالديه وللمسلمين.(3/237)
موقف ابن تيمية من الأشاعرة
Oعبدالرحمن بن صالح المحمود
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
ابن تيمية - ترجمة كاملة أو دراسة منهجية
الخاتمة
والآن بعد هذه المباحث المتواصلة التي شملت عدة فصول في (موقف ابن تيمية من الأشاعرة) نخلص إلى خاتمة هذه الدراسة باستخلاص النتائج التالية:
1 - أن مذهب السلف يقوم على أساس وقواعد قوية ثابتة، عمادها الكتاب والسنة والإجماع، وكل دعوى في اتباع مذهب السلف لا تقبل ما لم تكن مبنية على منهجهم الواضح المستقيم. ولا تزال – والحمد لله – في كل زمن طائفة قائمة بالحق، تدعو إليه، وتجاهد في سبيله، وتجدد ما اندرس من معالمه، لا يضرها من خذلها ولا من خالف أمرها.
ومن خلال ما كتبه أئمة السنة – وخاصة أصحاب القرون المفضلة – سواء كان شرحاً للعقيدة، أو رداً على خصومها، تكونت معالم بارزة، ومنطلقات واضحة، تحدد المنهج الحق لمن أراد أن يسلكه والطريق الصحيح لمن رام خدمة دينه وعقيدته وابتغاء رضوان ربه.
2 - ومن خلال عرض حياة شيخ الإسلام وعصره، تبين كيف كان ذلك العصر مليئاً بالأحداث الجسام، وكيف كان شيخ الإسلام ابن تيمية علماً بارزا، وإماما عظيما، كان له أثر واضح في تلك الأحداث. السياسية منها والعلمية.
3 - ظهور شيخ الإسلام في ذلك العصر الذي طغت فيه الطوائف المنحرفة من باطنية ورافضة، وصوفية، ومعتزلة وأشاعرة وغيرها – على أنه المدافع والمنافح عن مذهب وعقيدة السلف أمام هؤلاء جميعاً. وقد ترك على إثر ذلك تراثاً ضخماً، تمثل في عشرات المجلدات في شتى الفنون. يجمعها الدفاع عن مذهب السلف والرد على خصومه.
4 - وشيخ الإسلام كان له منهج واضح في عرضه لعقيدة أهل السنة والجماعة أو في الرد على مخالفيها، وأبرز ما في هذا المنهج – إضافة إلى اعتماده على الكتاب والسنة وأقوال السلف، وتأدبه بأدبهم – ثباته على منهج محدد، فلم يتناقض ولم تتغير قناعاته، ولم تختلف به المناهج والسبل كما حدث لغيره، وإنما بقي ثابتا صامدا مع كثرة المحن والأحداث التي مرت به. وهذا واضح جدا في كتبه التي وصلت إلينا، فهي على كثرتها، وتكرار بعض موضوعاتها لم يلاحظ عليه تناقض أو تراجع أو تردد، وهذا راجع إلى سلامة المنطلق والأساس الذي كان يعتمد عليه في كتبه.
5 - أما مذهب الأشاعرة فقد تبين من خلال الفصول المتعلقة به، كيف كانت نشأة المذهب وكيف انتشر وكيف تطور على يد أعلامه لا إلى القرب من مذهب السلف وإنما إلى البعد عنهم، وخاصة قربه من مذهب المعتزلة، والصوفية والفلاسفة.
أما مؤسس المذهب أبو الحسن الأشعري فقد كان أقرب إلى مذهب السلف ممن جاء بعده من أتباعه، وهو وإن كان في الإبانة قرب جدا من السلف إلا أنه بقيت عليه بقايا من مذهب المعتزلة.
6 - أما موقف ابن تيمية من الأشاعرة فقد تبين مما سبق:
أ - أن شيخ الإسلام وهو يواجه أعداء الإسلام من النصارى والتتار والرافضة، إلا أنه لم يقل – كما يدعي البعض – ينبغي أن نتفرغ للعدو الأكبر وندع الخلافات التي بيننا، وإنما رد على هؤلاء وجاهدهم بيده ولسانه وقلمه، كما رد على أشاعرة عصره وفضح ما كانوا فيه من تجهم وتصوف. وبين أن أولئك الأعداء ما تسلطوا على المسلمين إلا لأجل تفريطهم وبعدهم عن مذهب أهل السنة، ووقوعهم في المعاصي والكبائر، والظلم وعدم العدل.
وحين نبدأ ساعة الجد والاجتهاد يركز على العدو الأصلي ويعمل على جمع الصفوف، ولم الشعث، وحث الناس جميعاً على البذل والتضحية في سبيل الله.
ب - ومن خلال ردوده ومناقشاته للأشاعرة برز في منهجه أمران:
أحدهما: إنصاف خصومه الأشاعرة، واعترافه بما معهم من حق.
وثانيهما: الرد عليهم فيما خالفوا فيه مذهب أهل السنة بتقعيد الردود وتأصيلها، إضافة إلى المناقشات المفصلة لكل مسألة من مسائل العقيدة التي جانبوا فيها الحق والصواب.
ومن ثم جاءت ردوده شاملة لمسائل توحيد الربوبية، والألوهية، والأسماء والصفات، والقدر والإيمان وغيرها.
جـ - وردود شيخ الإسلام أظهرت ما في مذهب الأشاعرة من انحرافات شملت أغلب جوانب العقيدة. ومن ثم فكتبهم الكلامية – وإن كثرت وانتشرت – إلا أنها لا يجوز أن تكون مصدر لتدريس عقيدة أهل السنة والجماعة، كما لا يجوز أن تعتبر ممثلة لمذهب السلف، ولو ادعى ذلك المدعون.
وفي الختام فهذا جهد المقل أقدمه، فما كان فيه من صواب فمن الله وهو المحمود على توفيقه، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.(3/238)
موقف الأئمة الأربعة وأعلام مذاهبهم من الرافضة وموقف الرافضة منهم
Oعبدالرزاق عبدالمجيد الأرو
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
أضواء السلف – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
رافضة
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد:
لقد يسر الله تعالى التوصل إلى بعض النتائج من خلال عملي هذا، ومنها:
(1) أن الأئمة الأربعة أبا حنيفة ومالكا والشافعي وأحمد – رحمهم الله -، كلهم من أئمة أهل السنة.
(2) أن التشيع غير الرفض، بل بينهما عموم وخصوص، فكل رافضي شيعي وليس العكس.
(3) أن التشيع ذاته له درجات، كما أن للرفض أيضاً دركات. فأعلى درجات التشيع تقديم علي بن أبي طالب رضي الله عنه على عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا وإن كان خلاف الصواب، إلا أن التأثيم للمجتهد فيه غير محفوظ عن السلف. أما الرفض فأدنى دركاته تقديم علي على الشيخين – رضي الله عنهم جميعا – ولا خير في الرفض أدناه.
(4) غالبية من يسمون أنفسهم بالشيعة اليوم هم روافض، فتسميتهم شيعة كتسمية النصارى مسيحيين. وقد نبه إلى هذا منذ القرن العاشر العلامة ابن حجر الهيتمي الذي قال: "إن الفرقة المسماة الشيعة الآن إنما هم شيعة إبليس".
(5) أن أهم ما يعرف به اختلاف دين الرافضة عن دين بقية المسلمين موقفهم السلبي من أهم مصادر هذا الدين؛ فالقول بتحريف القرآن الكريم هو مذهب جميع علماء الرافضة، والقلة منهم الذين روي عنهم نقيض ذلك، قد تبين عند التحقيق أنهم إنما نفوا التحريف من باب التقية. أما موقفهم من السنة فهو الرد والتناكر لأصح ما فيها، بحجة أنها قد رويت بأسانيد غير رافضية.
(6) وبناء على ذلك، فإن أي محاولة للتقريب بينهم وبين أهل السنة عديم الفائدة والأثر.
(7) قد نجد من أتباع الأئمة الأربعة من هو معتزلي، أو صوفي، أو مرجئ، أو نحو ذلك. إلا أننا لم نسمع قط برافضي حنفي أو مالكي أو شافعي أو حنبلي؛ مما يؤكد بعد الرفض عن طريقة أهل العلم، وكونه نقيضاً للإسلام.
(8) أن الرافضة يحاولون تلبيس الحق بالباطل في أمر التقية، فالتقية الشرعية والتقية الرافضية تختلفان في حقيقتهما، وشروطهما، وظروف استخدامهما.
(9) أن معتقدات الرافضة في بعض المسائل، خضعت لتغيرات وتقلبات عدة، ومن أمثلة ذلك أن قدماءهم – في باب الصفات- مغالون في التجسيم، وأما متأخروهم فمفرطون في التعطيل. وكذلك كان أوائلهم يثبتون القدر. ثم تحول المذهب عندهم في أواخر القرن الثالث، ليصبحوا من نفاة القدر على مذهب أهل الاعتزال.
(10) من الملاحظ أن بعض عقائد الرافضة، إنما تبنوها لحل الإشكالات العقلية الناجمة عن بعض ما سبق أن أصلوه من أصول فاسدة. فعقيدة المهدية والغيبة مثلا جاءت على إثر إشكال لزمهم على قولهم بوجوب نصب الإمام على الله تعالى، وأنه لا يجوز خلو زمان من الإمام، ثم رأوا أن الاثني عشر الذين عينوهم للإمامة قد انقرضوا قبل ثلاثمائة سنة، والدنيا لم تنقرض، فالتجئوا إلى القول بأن الإمام الثاني عشر يطول عمره إلى آخر الدهر. والقول بالبداء، أحدثوه لتغطية ما قد يظهر من كذب علمائهم إذا تنبئوا بوقوع شيء فوقع الأمر على خلافه، فحينئذ يقال قد بدا لله في الأمر، وتعالى الله عن قول الظالمين. وأحدثوا عقيدة التقية للخروج من تناقض فتاوى علمائهم، فحملوا كل ما وافق عليه أهل السنة منها على التقية.
(11) أن تاريخ الرافضة مليء بأخبار تحالفهم مع الكفار والمنافقين ضد أهل السنة.
(12) أن نظرة الرافضة إلى السنة كنظرة المؤمن إلى الكافر، وعليه، فهم لا يرون الصلاة خلف السني، ولا الصلاة على جنازته، وإن فعلوا تقية فيدعون عليه بالعذاب سراً.(3/239)
(13) أن كثيرا من الأحكام ذات الصلة بمعاملة الرافضة، كحكم مناكحتهم، وأكل ذبائحهم، واتباع جنائزهم، وموارثتهم يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحكم على القوم. لذا أصبح من الضروري قبل الحديث عن حكم من تلكم الأحكام بالنسبة لمعين منهم التوصل إلى معرفة حاله من حيث الكفر وعدمه أولاً.
(14) أن الرافضة لم يطعنوا في أحد بعد الصحابة رضي الله عنهم أكثر من طعنهم في الأئمة الأربعة ومذاهبهم. وأن جميع طعونهم في هؤلاء الأئمة وتجريحهم إياهم ومآخذهم عليهم لا تستند إلى أي حجة نقلية أو عقلية ثابتة. بل هم في ذلك كله إما كاذبون أو مخطئون.
(15) تأكد لي من خلال هذا العمل: عدم الثقة بما يذكره الروافض في معارض الدفاع عن عقائدهم أو آرائهم الفقهية من إحالات إلى بعض كتب أهل السنة بزعم أن فيه ما يوافق مذهبهم هذا أو ذاك، ويذكرون الجزء والصفحة، بل وحتى الطبعة أحيانا!! فقد تبين لي عدم أمانتهم في النقل، وخيانتهم المتمثلة في التصرف في المنقول بتحريف أو زيادة أو نقصان، وغير ذلك.
(16) أن أفضل منهج في مناقشة آراء الرافضة، سواء في الأصول أو في الفروع، التعامل المباشر مع مصادرهم المعتمدة، فبمجرد القراءة المتأنية في تلكم المصادر تفتح آفاقا واسعة للطعن في محتواها، وتكشف عن مآخذ عدة عليه.
(17) ثم إن في ذلك دحض شبهة الرافضة المعاصرين، المتمثلة في دعواهم أن أهل السنة إنما يأخذون معلوماتهم عن الرافضة من مصادر وسيطة. كما يقول أحدهم:"نعم، القوم لا علم لهم من الشيعة بشيء، وهم يكتبون عنهم كل شيء".
وقال أيضا: "ومنبع البلية أن القوم الذين يكتبون عن الشيعة يأخذون في الغالب مذهب الشيعة وأحوالهم عن ابن خلدون البربري، الذي يكتب وهو في أفريقيا وأقصى المغرب، عن الشيعة في العراق وأقصى المشرق".
(18) يجب على المسلمين التنبيه إلى مكيدة رافضية جديدة وهي المتمثلة في الدعوة إلى الاعتراف بمذهبهم على أنه خامس المذاهب الإسلامية الأربعة. فالمذاهب الأربعة مذاهب فقه واجتهاد، لا مذاهب عقدية، فالإسلام عقيدة واحدة.
(19) ليس للرافضة قول فارقوا به جميع أهل السنة إلا وتجده إما فاسدا أو مرجوحا.
(20) أن الطعن في الرافضة وبيان بطلان مذهبهم في الأصول أو الفروع قديم، على عكس ما يتوهمه بعض الجهلة من كون شيخ الإسلام ابن تيمية وتلاميذه من بعده، هم من فتحوا هذا الباب.
(21) ظهر لي بعد بحث طويل أن مذهب الرافضة في مسألة الجمع بين أكثر من أربع نسوة بنكاح، هو المنع والتحريم. فلعل ما يوجد في بعض الكتب من أنهم يقولون بالجواز يعد قولا شاذا في مذهب القوم، ولا يوجد في شيء من المعتمد في كتبهم.
(22) أن تهمة تشيع الإمام الشافعي لا صحة لها، وكذلك ما قيل عن الإمام الطبري المفسر بسبب ما نسب إليه أنه يقول بمسح الرجلين في الوضوء. وحققت في الرسالة كون ذلك غير صحيح النسبة إليه.
(23) في مسألة الجريدة والميت تبين عند التحقيق أن للرافضة فيها مذهبا خاصا لم يقل به غيرهم، ألا وهو دفن الميت مع جريدتين؛ إحداهما عن يمينه والأخرى عن يساره. وهذا غير وضع جريدة فوق القبر، الذي قال به بعض أهل السنة، وهو أيضا قول ضعيف.
(24) أن أهل السنة أكثر اتباعا لأئمة أهل البيت وموالاة لهم من الرافضة الذين يغالون في شخصهم ويخالفون أمرهم، ويضعون روايات فينسبونها إليهم، زورا وبهتانا. وهؤلاء الأئمة منهم خليفة راشد رضي الله عنه، ومنهم أئمة العلم والدين، ومنهم من دون ذلك، فهم بريئون عن أكاذيب الرافضة.
(25) أن للإمام أحمد رحمه الله كتابا خاصا في مناقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه. وهذا الكتاب متداول الآن بين الرافضة وبتحقيق عالم من علمائهم.
الأمر الذي يفرض على طلبة لعلم والباحثين التنقيب عن هذا الكتاب في مراكز المخطوطات داخليا وخارجيا، ومن ثم إخراجه إخراجا يليق بالمؤلف والمؤلف فيه، فنحن – معشر أهل السنة – ِأولى بعلي رضي الله عنه وبأحمد منهم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/240)
موقف الرافضة من القرآن الكريم
Oمامادو كار امبيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة ابن تيمية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
رافضة
أحمد الله تعالى على ما وفقني به من إتمام هذا البحث في الوقت المحدد له، أحمده سبحانه، وأثني عليه الخير كله، لا أحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فقد توصلت من خلال دراستي لمواقف الرافضة هذه من القرآن الكريم إلى نتائج عدة أجملها فيما يلي:
1 - أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم هدى ونوراً، وتكفل تعالى بحفظه وسلامته، هو في نظر الرافضة غير كامل، وغير سالم من التحريف، قد أسقطت منه أشياء كثيرة وضاعت، كما حرف بعضه عن وجهه - على حد زعمهم-.
2 - أن هذا القول –أي القول بوقوع التحريف في القرآن الكريم –هو قول جميع الرافضة من أولهم إلى آخرهم، كلهم على ذلك سواء من أظهره علناً وصرح به، أو من أخفاه وستره بثوب التقية، وادعى أنه ينكر القول بتحريف القرآن الكريم مع بقائه واستمراره على عقيدة الرفض وعقيدة الإمامة عندهم.
3 - أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى هادياً إلى الحق لم يعد في نظر الرافضة مصدراً للهداية، واستنباط الأحكام منه؛ لأنه غير موثوق به.
4 - أن القرآن الكريم هدف كل عدو حاقد على الإسلام وأهله، ويسعى للقضاء عليه، عن طريق التشكيك في ثبوت القرآن؛ لأنه مصدر الهدى والنور للمسلمين.
5 - عقيدة أهل السنة والجماعة قاطبة أن القرآن الكريم الذي أنزله الله تعالى على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن الذي بين أيدينا اليوم وهو ما بين دفتي المصحف، أوله سورة الفاتحة وأخره سورة الناس، وأنه هو كل ما أنزله الله تعالى من غير زيادة فيه ولا نقص منه، وهو محفوظ بحفظ الله تعالى وصيانته.
وأن من أنكر حرفاً منه، أو زاد فيه حرفاً، أو اعتقد أنه غير سالم من أي تحريف فهو كافر خارج عن ملة الإسلام مباح دمه إلا أن يتوب ويرجع عن اعتقاده ذلك، بلا خلاف بين المسلمين، هذه هي أهم ما تضمنه هذا البحث من نتائج.
أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه، وأن يقيل عثراتي، ويجنبني الزلل فهو حسبي ونعم الوكيل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.(3/241)
موقف الشيعة الإمامية من باقي فرق المسلمين
Oعبدالملك بن عبدالرحمن الشافعي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرضوان - البحيرة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخاتمة
رأيت من المناسب في هذه الخاتمة أن أنقل بعض ما سطره أعلام أهل السنة حول جيل الصحابة الذي يعد جيلا مثاليا لم يشهد التاريخ له مثيل
1 - السيد أبو الحسن الندوي:
فقد تكلم حول ذلك في كتابه (النبوة والأنبياء في ضوء القرآن) عدة فقرات حول جيل الصحابة نلتقط بعضها فقال: [وقد أحسن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تصوير البعثة المحمدية وفضلها وإنتاجها في كتابه (الجواب الصحيح) يقول رحمه الله: وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم من آياته وأخلاقه وأقواله وأفعاله وشريعته من آياته وأمته من آياته وعلم أمته ودينهم من آياته وكرامات صالحي أمته من آياته ..
ولم يزل قائما بأمر الله على أكمل طريقة وأتمها من الصدق والعدل والوفاء لا يحفظ له كذبة واحدة ولا ظلم أحد ولا غدر بأحد بل كان أصدق الناس وأعدلهم وأوفاهم بالعهد مع اختلاف الأحوال عليه من حرب وسلم وأمن وخوف وغنى وفقر وقلة وكثرة وظهوره على العدو تارة وظهور العدو عليه تارة وهو على ذلك كله ملازم لأكمل الطرق وأتمها حتى ظهرت الدعوة في جميع أرض العرب التي كانت مملوءة من عبادة الأوثان ومن أخبار الكهان وطاعة المخلوق في الكفر بالخالق وسفك الدماء المحرمة وقطيعة الأرحام لا يعرفون آخرة ولا معادا فصاروا أعلم أهل الأرض وأدينهم وأعدلهم وأفضلهم حتى إن النصارى لما رأوهم من حين قدموا الشام قالوا ما كان الذين صحبوا المسيح بأفضل من هؤلاء وهذه آثار علمهم وعملهم في الأرض وآثار غيرهم يعرف العقلاء الفرق بين الأمرين وأمته أكمل الأمم في كل فضيلة فإذا قيس علمهم بعلم سائر الأمم ظهر فضل علمهم وإن قيس دينهم وعبادتهم وطاعتهم لله بغيرهم ظهر أنهم أدين من غيرهم وإذا قيس شجاعتهم وجهادهم في سبيل الله وصبرهم على المكاره في ذات الله ظهر أنهم أعظم جهادا وأشجع قلوبا وإذا قيس سخاؤهم وبذلهم وسماحة أنفسهم لغيرهم تبين أنهم أسخى وأكرم من غيرهم وهذه الفضائل به نالوها ومنه تعلموها وهو الذي أمرهم بها لم يكونوا قبله متبعين لكتاب جاء هو بتكميله كما جاء المسيح بتكميل شريعة التوراة وكانت فضائل أتباع المسيح وعلومهم بعضها من التوراة وبعضها من الزبور وبعضها من النبواءات وبعضها من المسيح وبعضها ممن بعده كالحواريين ومن بعد الحواريين وقد استعانوا بكلام الفلاسفة وغيرهم حتى أدخلوا - لما غيروا دين المسيح - في دين المسيح أمورا من أمور الكفار المناقضة لدين المسيح
وأما أمة محمد صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا قبله يقرأون كتابا بل عامتهم ما آمنوا بموسى وعيسى وداود والتوراة والإنجيل والزبور إلا من جهته فهو الذي أمرهم أن يؤمنوا بجميع الأنبياء ويقروا بجميع الكتب المنزلة من عند الله ونهاهم أن يفرقوا بين أحد من رسله فقال تعالى في الكتاب الذي جاء به {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون}(3/242)
وقال الندوي [إن كل فرد من هؤلاء الأفراد معجزة مستقلة وآية من آيات النبوة ومأثرة من مآثرها الخالدة وبرهان ساطع على أشرفية النوع الإنساني إن مصورا لم يصور بريشته البارعة ومخيلته السخية صورة أجمل وأبدع مما كان عليه هؤلاء الأفراد في عالم الحقيقة والواقع وفي شهادة التاريخ وإن شاعرا لم يتخيل بخياله الخصب وقريحته الفياضة ومقدرته الشعرية أو صافا أجمل وسيرة أعطر وجمالا أكمل مما وجد في هؤلاء الأفراد الذين نشأوا في حجرة النبوة وحضانتها وتخرجوا من مدرستها إن إيمانهم الراسخ وعلمهم العميق وقلبهم البار وحياتهم البعيدة عن كل تكلف وصناعة وعن كل رياء ونفاق وتجردهم من الأنانية وخشيتهم لله وعفتهم ونزاهتهم وعطفهم على الإنسان ورقة مشاعرهم وشجاعتهم وجلادتهم وحرصهم على العبادة وحنينهم إلى الشهادة وفروسيتهم وفتوتهم وإحياؤهم الليل وزهدهم في حطام الدنيا وزخارف الحياة وعدلهم وسهرهم على مصالح الرعية وإيثار راحتها على راحتهم كل ذلك لا يوجد له نظير في الأمم ولا سوالف في التاريخ
وبالجملة فقد كان هذا الجيل الذي أنشأته دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم وأحكمت تربيته من أفضل الأجيال البشرية في تاريخ الإنسان كله وأجملها وأكملها وأجمعها للمحاسن الإنسانية وقد وصفه أحد أفراده عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ببلاغة نادرة وكلمات موجزة عميقة دقيقة زاخرة بالمعاني الكبيرة البعيدة المدى فقال (أبر الناس قلوبا وأعمقهم علما وأقلهم تكلفا اختارهم الله لصحبة نبيه وإعزاز دينه)
2 - العلامة ابن الوزير اليماني:
حيث أثبت عدالة الصحابة بدليل عقلي هو غاية في الجودة والمتانة حيث أخذ شريحة من الصحابة ليست من كبارهم بل من عامتهم ممن فرطوا وضعف إيمانهم فوقعوا في الزنا والسرقة فهؤلاء الذين يعدون أدنى الصحابة إيمانا لنرى ماذا فعلوا بعد وقوعهم في المعاصي فقال في كتابه (الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم) ص 55 – 57:(3/243)
[وأما النظر فلأن العدل من ظهر عليه من القرائن ما يدل على الديانة والأمانة دلالة ظنية إذ لا طريق إلى العلم بالبواطن وهذا ظاهر في الصحابة فإنهم كما قال المنصور بالله لولا ثقل موازينهم في الشرف والدين ما اتبعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومالوا عن ألف دين الآباء والأتراب والقرباء إلى أمر شاق على القلوب ثقيل على النفوس لا سيما وهم في ذلك الزمان أهل الأنفة العظيمة والحمية الكبيرة يرون أن يقتل جميعهم وتستأصل شأفتهم حذرا من أمر عار يلم بساحتهم أو ينسب إلى قرابتهم ولا أعظم عارا عليهم من الاعتراف بضلال الآباء وكفرهم وتفضيل الأنعام السائمة عليهم فلولا صدقهم في الإسلام ومعرفتهم لصدق الرسول عليه السلام ما لانت عرائكهم لذلك ولا سلكوا في مذللات المسالك ومما يدل على صحة ذلك ويوضحه أن أكثرهم تساهلا في أمر الدين من يتجاسر على الإقدام على الكبائر لاسيما معصية الزنا وقد علمنا أن جماعة من أهل الإسلام في ذلك العصر من رجال ونساء وقعوا في ذلك فهم فيما يظهر لنا أكثر أهل الإسلام تساهلا في الوقوع في المعاصي وذلك دليل خفة الأمانة ونقصان الديانة لكنا نظرنا في حالهم فوجدناهم فعلوا ما لا يفعله من المتأخرين إلا أهل الورع الشحيح والخوف العظيم ومن يضرب بصلاحه المثل ويتقرب بحبه إلى الله عز وجل وذلك أنهم بذلوا أرواحهم في مرضاة رب العالمين وليس يفعل هذا إلا من يحق له منصب الإمامة في أهل التقوى واليقين وذلك كثير في أخبارهم مشهور الوقوع في زمانهم من ذلك حديث المرأة التي زنت فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقرة بذنبها سائلة للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الحد عليها فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يستثبت في ذلك فقالت يا رسول الله إني حبلى به فأمر بها أن تمهل حتى تضع فلما وضعت جاءت بالمولود وقالت يا رسول الله هو هذا قد ولدته فقال أرضعيه حتى يتم رضاعه فأرضعته حتى أتمت مدة الرضاع ثم جاءت به في يده كسرة من خبز فقالت يا رسول الله هو هذا يأكل الخبز فأمر بها فرجمت (رواه الحافظ ابن كثير في إرشاده) فانظر إلى عزم هذه الصحابية رضي الله عنها على أصعب قتلة على النفوس وأوجع ميتة للقلوب وبقاء عزمها على ذلك هذه المدة الطويلة ومطالبتها في ذلك غير مكرهة ولا متوانية وهذا أيضا وهي من النساء الموصوفات بنقصان العقول والأديان فكيف برجالهم رضي الله عنهم من ذلك حديث الرجل الذي أتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أنه سرق فأمر بقطع يده فلما قطعت قال الحمد لله الذي خلصني منك أردت أن تدخليني النار أو كما قال وحديث المجامع في رمضان وحديث ماعز بطوله وحديث الذي قال إني أتيت امرأة فلم أترك شيئا مما يفعله الرجال بالنساء إلا أتيته إلا أني لم أجامعها وغير ذلك مما لا يحضرني الآن الإشارة إليه
فأخبرني على الإنصاف من في زماننا وقبل زماننا من أهل الديانة وقد سار إلى الموت نشيطا وأتي إلى ولاة الأمر مقرا بذنبه مشتاقا إلى لقاء ربه باذلا في رضا الله لروحه ممكنا للولاة أو القضاة من الحكم بقتله وهذه الأشياء تنبه الغافل وتقوي بصيرة العاقل وإلا ففي قوله تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس} كفاية وغنية مع ما عضدها من شهادة المصطفى عليه السلام بأنهم خير القرون وبأن غيرهم لو أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد ولا نصيفه إلى أمثال ذلك من مناقبهم الشريفة ومراتبهم المنيفة] انتهى كلامه.
ونحن نقول إذا كان هذا فعل من ضعف إيمانه من عامة الصحابة فوقع في المعاصي بأن سار إلى الموت نشيطا مقبلا طاعة لله تعالى وهو ما لم يفعله أتقى أهل زماننا فكيف بإيمان من لم يكن من عامتهم بل من كبارهم من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار فكيف بإيمان أفضل الصحابة وهم الخلفاء فهل يبقى بعد ذلك عذر لأحد أن يتنكر لفضلهم فيسبهم ويلعنهم ممن استدرجه الشيطان بشراكه فاتبع هواه بغير هدى من الله تعالى {أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا}.
وختاما أسأل الله تعالى أن يتقبل مني هذا العمل الذي أردت الذود به أولا عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين بذلوا أرواحهم كي يوصلوا إلينا هذا الدين فجزاهم الله عنا كل خير
وثانيا عن مذهب الحق مذهب الكتاب والسنة وأهله أهل السنة والجماعة وأسأله سبحانه أن يجعل هذا العمل في ميزان حسناتي إنه ولي ذلك والقادر عليه وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.(3/244)
نقض عقائد الأشاعرة والماتريدية
Oخالد بن علي الغامدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار أطلس الخضراء – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فرق وملل ونحل
تصنيف فرعي:
ردود ومناظرات
الخاتمة:
وفي الختام .. نسوق أقوال ومخالفات الأشاعرة والماتريدية في أبواب العقيدة على وجه الاختصار؛ بقصد التذكير والإحاطة بما عليه القوم، مع العلم بأن الأشاعرة والماتريدية فرقة واحدة ليس بينهما اختلاف إلا في مسائل يسيرة؛ أهمها القدر، وقد ذكرناها في باب التعريف بالفرقتين، فخذ هذه المخالفات، وهي بعد الحصر مائة وأربع وأربعون مخالفة تقريباً، وقد فصلنا بيانها في مواطنها، والله الموفق.
أولاً: مخالفتهم في التوحيد:
1) لا يقولون أن الشهادتين هي أول واجب على المكلف، وإنما النظر والاستدلال على وجود الله تعالى.
2) أنهم يخرجون توحيد العبادة والألوهية من أنواع التوحيد.
3) أن الشرك عندهم: في الربوبية، واعتقاد وجود خالق مع الله ينفع ويضر، وليس في مجرد عبادة غير الله.
4) أن عبادة غير الله لا تعتبر شركاً؛ إلا مع اعتقاد النفع والضر في المعبود.
5) أن معنى الألوهية عند الأشاعرة والماتريدية: القدرة على الاختراع والخلق؛ وليس معناه العبودية!
6) وقوع كثير منهم في شرك الألوهية؛ بل وحتى الربوبية، وتسويغ الشبهات لذلك.
7) زعمهم أن إنكار بعض الصفات الثابتة لله تعالى من التوحيد، وأن إثباتها من الشرك.
8) ومن أخطائهم في توحيد الربوبية.
• إنكار الأسباب.
• إنكار علو الله المستلزم إنكار وجوده.
• مخالفته في تعلق أفعال الربوبية بفاعلها، وهو الرب سبحانه المتصف بها.
• وقوع بعضهم في شرك في الربوبية.
• قول بعضهم بالحلول والاتحاد ووحدة الوجود.
9) زعمهم أن معرفة وجود الله يحتاج إلى الاستدلال والنظر، ثم ضلالهم في عدم الاستدلال الصحيح على وجود الله وربوبيته، كما أن الأدلة التي أتوا بها مستلزمة لإنكار الصفات.
10) إنكارهم أن تكون معرفة الله تعالى فطرية.
ثانياً: مخالفتهم في الأسماء والصفات:
1) أنهم لا يثبتون إلا سبع صفات؛ هي: السمع والبصر، والحياة والعلم، والقدرة والإرادة والكلام، وعشرون عند التفصيل لا يثبتون غيرها.
2) أن الصفات عندهم لا تثبت بأحاديث الآحاد.
3) يعتمدون على العقل في الإثبات، ويقدمونه على أدلة السمع والشرع.
4) يزعمون وجود تعارض بين العقل والنقل.
5) يقولون أن ظواهر النصوص غير مرادة، ويزعمون وجوب تأويلها.
6) تفويضهم لمعاني الصفات، وادعاؤهم أن معانيها مجهولة.
7) وقوعهم في تحريف معاني الصفات باسم التأويل.
8) قولهم بالمجاز في الصفات.
9) يقولون أن آيات الصفات من قبيل المتشابه.
10) أن إثبات الصفات يستلزم عندهم التجسيم والتركيب، وحلول الحوادث بالرب - على حد زعمهم -!
11) وقوعهم في الإلحاد في أسماء الله عز وجل.
12) تسمية الله عز وجل بما لم يرد.
13) قول بعضهم: إن أسماء الله تعالى مخلوقة!
15) قول بعضهم: إن أسماء الله تعالى أعلام محضة لا تدل على صفات!
16) قول بعضهم: إن أسماء الله تعالى وأسماء خلقه من قبيل المشترك!
17) تعطيلهم لكثير من أسماء الله.
18) أن الاسم غير مشتق من السمة والعلامة؛ وإنما من السمو والغلو.
19) أن أسماء الله غير مشتملة على صفات مستقلة؛ وإنما مندرجة تحت التكوين.
20) أن التسمية غير الاسم، وهي مخلوقة.
21) أن أسماء الله ليست أسماء حقيقية.
22) أن الاسم عندهم هو المسمى.
23) أنهم ابتدعوا أنواعاً للصفات، وهي المعنوية والمعاني والنفسية والسلبية.
24) أنهم ينكرون الصفات الخبرية؛ كصفة اليد والساق.
25) أنهم ينكرون الصفات الفعلية؛ كالنزول والمجيء والفرح والبغض.(3/245)
26) أنهم لا يجعلون صفات الربوبية والأفعال قائمة بالله؛ وإنما مخلوقة، وعند الماتريدية أنها قديمة لا تجدَّد ولا تحدَّث.
27) أنهم ينكرون كلام الله عز وجل؛ خلافاً للمتقدمين منهم.
28) أنهم ينكرون الاستواء، ويَحرِفونه إلى الاستيلاء.
29) أنهم ينكرون صفة الاستهزاء والمكر.
30) أنهم يقولون كلام الله بلا صوت ولا حرف، ولا يحدث ولا يسمع؛ بل هو معنوي نفسي، وأنه معنى واحد.
31) أن سمع الله وبصره قديمان لا يحدثان، وعند بعضهم يرجعان لصفة العلم.
32) أنهم أحدثوا تعلقاً تنجيزياً وصلوحياً للإرادة والقدرة.
33) أنهم يخالفون في متعلقات الصفات، فيقولون: أن التعلق عدمي، وأن متعلق السمع والبصر واحد، وأن متعلق القدرة الموجود والممكن؛ دون المستحيل والمعدوم.
34) قولهم بالأحوال؛ وأنها درجة بين العدم والوجود.
35) اعتمادهم على النفي المفصل والإثبات المجمل؛ خلافاً لأهل السنة وطريقة القرآن.
36) ابتداعهم صفات لله لم تثبت له.
37) تناقضهم في الصفات؛ بإثبات بعضها وإنكار الآخر، والجامع واحد.
38) مخالفتهم في التفريق بين الصفة والوصف، واشتقاق الفعل من الصفة.
39) اعتقادهم أن الله اكتسب الكمال من صفاته، وأنه تعالى محتاج إليها.
40) أن التنزيه لله عندهم في عدم إثبات بعض الصفات.
41) أن الصفات لله من قبيل تقابل العدم والملكة.
42) قولهم بالترادف في الصفات.
43) قولهم: إن الصفة هي الموصوف وعينه، وعند بعضهم ليست الموصوف ولا غيره، ولا يفصلون.
44) مخالفتهم في مسألة تسلسل آثار الصفات وأفعال الرب.
45) أن الأشاعرة دون الماتريدية؛ يقولون أن الخلق هو المخلوق.
46) ابتداعهم عبارات مجملة؛ مثل: الحد والجسم والجهة.
47) عدم تفريقهم بين التشابه والتمثيل.
48) وقوعهم في تمثيل الخالق بالمخلوق، والعكس؛ ووجه ذلك أنهم شبهوه بالجماد والمعدوم في إنكارهم صفاته، وشبهوا المخلوقين به عند من جعلهم وسائط يدعونهم ويشفعون لهم.
49) أنهم يستدلون على إنكار بعض الصفات بأدلة هي:
1 - دليل الأعراض وحلولها في الأجسام.
2 - التركيب.
3 - الاختصاص.
ثالثاً: مخالفاتهم في الإيمان:
1) أن الأشاعرة والماتريدية مرجئة في الإيمان؛ بل ومن الغلاة على مذهب الجهمية، وليسوا من مرجئة الفقهاء، وأنه لا فرق بينهم وبين الجهم في قوله: الإيمان هو المعرفة.
2) أنهم يقولون أن الإيمان مجرد التصديق، وهو قول القلب، ويخرجون أعمال القلب من محبة وإقرار وانقياد وخضوع، ويخرجون قول اللسان وعمل الجوارح.
3) أنهم ينكرون التركيب في الإيمان؛ وهذا سبب ضلالهم، ويقولون أنه شيء واحد وليس بمركب، وهذه شبهتهم وشبهة جميع الفرق الضالة في الإيمان، وأصل ضلال الوعدية والوعيدية.
4) أن الكفر والتكفير عندهم في الاعتقاد؛ وليس هناك تكفير بالعمل.
5) يقولون: الإيمان لا يزيد ولا ينقص.
6) أنهم لا يستثنون في الإيمان.
7) مخالفاتهم في علاقة الإسلام بالإيمان، وأن الإسلام عندهم أفضل من الإيمان.
8) قولهم إن الإيمان ليس مركباً من شعب وأعمال؛ بل شيء واحد.
9) أنهم ينكرون العلاقة التلازمية بين الباطن والظاهر.
10) أنهم يجعلون كل كفر سببه التكذيب، وأن ما سوى المكذب إذا كان مصدقا بالله ورسوله - ولو كان يبغضهما - فهو مؤمن، ومن أهل الجنة.
11) أن مرتكب الكبيرة كامل الإيمان.
12) لا يصح إيمان مقلد عندهم.
13) قولهم بالموافاة.
14) تكفيرهم لكل من يخالفهم.
15) أن الإيمان غير مخلوق عند كثير منهم.
رابعاً: مخالفتهم في القدر:
1) أن الأشاعرة على مذهب الجبرية، ويأخذون بأصول مذهب الجهم بن صفوان.
2) أن الماتريدية في القدر على مذهب أهل السنة في الجملة.
3) أنهم يقولون بالكسب؛ وهو وقوع الأمر عند الفعل لا به.(3/246)
4) أنهم يقولون أن للعبد قدرة وإرادة غير مؤثرة ولا حقيقة لها.
5) أنهم ينكرون الإرادة الشرعية، ولا يثبتون إلا الإرادة الكونية القدرية.
6) أن الإرادة عندهم مستلزمة للمحبة والرضا.
7) أن استطاعة العبد عندهم لا تكون إلا مع الفعل، ولا تصلح للضدين، وهي من الله وحده، وينكرون الاستطاعة الشرعية دون الاستطاعة القدرية.
8) ينكرون الحكمة والتعليل في أفعال الله عز وجل.
9) أن التوفيق والهداية خلق الطاعة في العبد، وينكرون أن يكون للعبد اهتداء أو سبب في تحصيل الهداية.
10) ينكرون الأسباب ويكفرون من يثبتها.
11) ينكرون تحسين العقل وتقبيحه وحكمه، والماتريدية في المسألة على مذهب المعتزلة.
12) يجيزون تكليف ما لا يطاق.
13) أن الظلم عندهم: التصرف في ملك الغير، وليس معاقبة المطيع بلا ذنب مثلا، وليس له وجود أصلا عندهم، وعلى مذهبهم هذا: ليس للظلم وجود أصلاً!
14) ينكر بعضهم أن يقدر الله الشر.
خامساً: مخالفاتهم في باب النبوات:
1) أن النبوة صفة إضافية وليست صفة ثبوتية.
2) أن النبوة والرسالة لا تعودان للحكمة؛ وإنما لمحض المشيئة.
3) أن النبوة جائزة، ولا يعرف العقل حسنها وضروريتها، وعند الماتريدية هي واجبة.
4) عند بعضهم: الأنبياء معصومون من الصغائر؛ بل وحتى السهو، وبعضهم على الضد؛ حيث يجوزون وقوع الكبائر والكفر منهم!
5) أن النبوة تزول عن الأنبياء بعد موتهم، وهذا عند ابن فورك.
6) أن الأنبياء أحياء في قبورهم مثل الحياة الدنيا.
7) الغلو في الأنبياء، وإعطاؤهم بعض صفات الإلهية؛ كالاستغاثة بهم من دون الله، وأنهم خلقوا من نور.
8) أن النبوة تحتاج لإثبات واستدلال.
9) أن النبوة لا تثبت إلا بطريق المعجزة.
10) أن دلالة المعجزة على النبوة من طريق القدرة وعدم تعجيز الرب، ولا يثبتون طريق الحكمة والرحمة والعلم الضروري.
11) تسميَتُهم لها معجزة، وهو اسم لم يرد، والوارد تسميتها آيات وبراهين، ولا مشاحة في الاصطلاح.
12) أن دلالة المعجزة وضعية وليست عقلية.
13) أن حقيقة المعجزة في دعوى النبوة والتحدي وعدم المعارضة؛ وليست هي معجزة في ذاتها.
14) لا تكون المعجزة إلا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
15) اشتراطهم شروطاً باطلة في المعجزة، ذكرناها في بابها.
16) لم يفرقوا بين المعجزة والكرامة والسحر.
17) ضبطهم المعجزة بخرق العادة، ولم يضبطوا معنى الخارق.
18) زعموا أن الكرامة لا تحصل إلا لولي كامل الإيمان، وأخرجوا المعونة من الكرامة.
19) الكرامات ليست من جنس آيات الأنبياء؛ لأنها ليست مقرونة بدعوى النبوة.
20) الكرامات ليست من معجزات الأنبياء، ولا تدل على صدقهم.
21) لا يفرقون بين الكرامة والمعجزة في ذاتها؛ وإنما بأمور خارجة عنها كالدعوى والتحدي.
22) زعمهم أن السحر والمعجزة من جنس واحد.
23) أن السحر يمكن أن يقلب العصا حية، ويغير الحقائق.
24) لا يفرقون بين السحر والكرامة.
25) لم يفرقوا بين الرسول والنبي بفرق صحيح.
26) جوَّز بعضهم إرسال النساء والجن.
27) عند غلاة متصوِّفتهم: الأولياء خير من الأنبياء.
28) عند غلاة متصوِّفتهم: النبوة فيض واكتساب، ويحصل للأولياء علم يشابه النبوة.
29) يخطئ بعضهم في مسألة تفاضل الأنبياء.
30) زعموا أن القرآن إعجازه من جهة صرف الناس عنه؛ لا أنه في ذاته معجز.
31) جوزوا عقلاً نسخ كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم حتى التوحيد!
32) جوزوا كذلك إرسال الساحر والكافر، وأن يأمر النبي بالكفر والشرك.
33) أخرجوا أشراط الساعة من آيات الأنبياء.
34) أخرجوا من المعجزة ما يحصل قبل ولادة النبي وبعد موته.
35) وقوعهم في تناقضات كثيرة ذُكرت في بابها.
سادساً: مخالفتهم في أبواب العقيدة الأخرى:(3/247)
أولاً: القرآن والكتب:
1) أن القرآن والكتب قديمة.
2) أن معناها من الله عز وجل، ولفظها من جبريل عليه السلام، وقولهم بالحكاية والعبارة.
3) أن إعجاز القرآن في الصرف عنه وليس في ذاته الإعجاز.
ثانياً: في الملائكة:
لهم مخالفات فرعية ترجع لمخالفاتهم في الصفات وغيرها، ومنها:
1) أن جبريل عليه السلام أخذ القرآن من اللوح، ولم يسمعه من الله.
2) أن الذي ينزل ويجيء هو الملك؛ وليس الرب عز وجل.
3) أن الذي ينادي بصوت هو الملك؛ وليس الرب عز وجل.
4) عند بعضهم: أن الملائكة روحانيات ليس لها أجساد، وهذا عند العقلانية منهم.
5) عند الصوفية منهم: أن الملائكة تنزل على الأولياء.
ثالثاً: في اليوم الآخر:
1) أن الإيمان باليوم الآخر من السمعيات، ولا يعرف بالعقل.
2) مخالفتهم في حقيقة الموت؛ إذ هو عندهم صفة عرضية لا ثبوتية.
3) يخالفون في حقيقة الروح.
4) ينكرون نزول الله تعالى يوم القيامة وأنه يضع قدمه في النار، وينكرون نداء الله وصوته.
5) ينكرون الخوارق التي تحصل على يد الدجال.
رابعاً: رؤية الله عز وجل:
1) أن الله يرى في غير جهة.
2) أن الرؤية عند كثير منهم بمعنى العلم؛ وليس بالعين الباصرة.
3) إنكار التنعم برؤية الله عز وجل.
4) أن الأولياء يرون الله في الدنيا، وهذا عند الصوفية منهم.
خامساً: مخالفات في الصحابة والإمامة، ومسائل الجهاد والسيف، والولاء والبراء، وتقدَّم بيانها.
إلى هنا ينتهي ما أردنا بيانه وكشفه عن مذهب القوم، ولم أترك شيئاً عندهم ولا مخالفة ذكروها في كتبهم - أو ذُكرت عنهم - إلا أوردتها وبينتها، ووجه ضلالهم فيها، وكيفية نقضها، بفضل الله وحده.(3/248)
فقه(3/249)
أثر التحول المصرفي في العقود الربوية
Oعمار أحمد عبدالله
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار كنوز أشبيليا – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ربا وبنوك ربوية
الخاتمة:
توصل الباحث إلى النتائج التالية:
1 - إن السمة الأساسية التي تميز المصرف الإسلامي عن غيره من المصارف هي التزامه بتعاليم الشريعة الإسلامية، وجعلها المصدر الأساس الذي تنطلق منه وتحتكم إليه، وتعتبر استبعاد الفائدة، وجمع المدخرات واستثمارها طبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية من أجلى مظاهر هذا الالتزام.
2 - إن تحقيق التنمية الاقتصادية العامة للمجتمع، ومن ثم ربطها بالتنمية الاجتماعية خصيصة أخرى من خصائص المصرف الإسلامي، الذي يرى ضرورة أن يكون هناك تنمية اجتماعية تساير التنمية الاقتصادية وترتبط بها، من أجل أن يكون هناك تنمية اقتصادية حقيقية.
3 - إن التحول الذي نعنيه في مجال المصارف هو التحول الشامل، الذي يشمل التحول في الصيغ والأساليب المعتمدة في مختلف أنشطة المصرف، وفي مختلف أنواع العقود .. التحول في الأساليب المحاسبية .. التحول في الجانب الإداري والتنظيمي.
4 - إن تحول المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي يتطلب أمرين أساسين، الأول: التدرج في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وتنفيذها، والثاني: توفير البديل الحلال لكل ما هو محرم من أنشطة المصرف وفي كافة المجالات.
5 - إن الودائع التي يعتمد عليها المصرف في مجال استقطاب الأموال هي حقيقتها عقود إقراض مقدمة من جانب العملاء للمصرف، وبالتالي فإن التزام المصرف بردها إلى مالكيها مع زيادة مشروطة هو من قبيل الربا المحرم.
6 - إن القروض الاستهلاكية والإنتاجية وتسهيلات الجاري المدين والاعتماد البسيط والسندات الحكومية هي عقود إقراض يقدمها المصرف لعملائه، وبالتالي فإن الزيادة المشروطة على هذه القروض هي من قبيل الربا المحرم.
7 - إن الخدمات المصرفية كحسم الأوراق التجارية والاعتمادات المستندية وخطابات الضمان هي عقود إقراض، أو يمكن أن تؤول للإقراض، يقدمها المصرف لعملائه، وعليه فإن الزيادة المشروطة على هذه القروض هي ربا محرم.
8 - تلجأ المصارف التجارية إلى الاقتراض من المصرف المركزي بصفته المقرض الأخير، كما في حالات الكساد العام الذي يصيب القطاعات العاملة في مجال السوق النقدية، وذلك إما بشكل مباشر أو غير مباشر، بفائدة معلومة تعرف باسم سعر الفائدة أو سعر الخصم.
9 - إن اقتراض المصرف المركزي من المصارف التجارية هو اقتراض غير مباشر يتمثل في الاحتياطي النقدي الذي يفرضه على المصارف التجارية، وبيع الأوراق الحكومية لصالح الحكومة.
10 - تقوم المصارف التجارية بالاقتراض من بعضها عندما يمتنع المصرف المركزي عن إقراضها، ومن صور هذا الإقراض أيضاً: الحسابات الدائنة التي تحتفظ بها المصارف لدى بعضها، وحسم الأوراق التجارية، والاعتمادات المستندية والحوالات المصرفية، والعلاقة التي تربطها ببعضها في مثل هذه الحالات هي علاقة دائن بمدين مرتبط بعنصر الفائدة، أو قد يؤدي إلى الفائدة.
11 - إذا علم المصرف أرباب الأموال التي أخذها منهم بطريق عقود الإقراض الربوية وجب عليه ردها إليهم إن كانوا موجودين، وانتظارهم إن كانوا غائبين حتى يحصل له اليأس من رجوعهم، ودفعها إلى ورثة من مات منهم.
12 - إذا جهل المصرف أرباب الأموال وجب عليه التصدق بأموالهم نيابة عنهم على الفقراء والمساكن، ويرى الشافعية صرفها في مصالح المسلمين العامة، فإن تعذر ذلك صرفها إلى الفقراء والمساكين، ويتولى جميع ذلك الإمام أو القاضي، وإلا تولى ذلك من كانت بيده هذه الأموال.(3/250)
13 - إن الحكم الشرعي للفوائد المصرفية التي وزعت على أصحاب الأسهم والودائع الرد على أصحابها، ويعتبر المصرف ضامناً لها إلى جانب من وزعت عليهم.
14 - إن الحكم الشرعي للفوائد التي لم يتم تسلمها بعد أن تفسخ عقودها، ولا يسترد المصرف إلا رأس ماله فقط، وما زاد عليه فلا يحل له أخذه.
15 - إن الواجب على المصرف بالنسبة لعقود الاقتراض الربوية المنتهية هو الاستغفار، والعزم على عدم العود إليها مستقبلاً، وأما العقود القائمة فيجب على المصرف إيقافها وإلغاؤها، ورد رأس المال فقط إذا تمكن من ذلك، وإلا كان حكمه حكم المضطر المكره على مخالفة أحكام الشرع الإسلامي.
16 - إن ربح المال المقترض بالربا يملكه المقترض كما يراه الحنفية، وبحسب قواعد الجمهور فإن الواجب على المقترض التصدق بهذا الربح، لأنه نشأ عن التصرف في العقد الباطل.
17 - يرى شيخ الإسلام ابن تيمية أن من اكتسب مالاً حراماً إما بتأويل أو جهل أو مع العلم بالتحريم، فإنه لا يجب عليه التخلص منه بعد التوبة قياساً على الكافر إذا أسلم، بل المسلم في ذلك أولى وأجدر.
18 - إن حسابات التوفير والادخار وحسابات الاستثمار هما أحد المصادر الخارجية التي يعتمد عليها المصرف الإسلامي في الحصول على الأموال، ويقوم باستثمارها من خلال صيغ التمويل المشروعة.
19 - يقوم المصرف الإسلامي باستثمار أمواله من خلال صيغ التمويل المشروعة، كالمرابحة والبيع المؤجل والسلم والاستصناع والمشاركات والإجارة العادية والمنتهية بالتمليك، وهذه بعض البدائل المشروعة في مجال الاستثمار، والتي يقدمها المصرف الإسلامي بديلاً عن عقود الإقراض الربوية التي يطبقها المصرف الربوي، وقد تم ذكرها بتفصيل واف في ثنايا هذا البحث.
20 - إن أقرب الأقوال في تكييف الاعتماد المستندي أنه عقد جديد مستحدث مركب من عدة عقود جائزة، وأنه لا مانع من اجتماع هذه العقود في عقد واحد.
21 - يجوز للمصرف الإسلامي أن يتقاضى أجراً على عملية الاعتماد المستندي في مقابل الجهد الذي يبذله، والمصاريف التي يتحملها في سبيل إتمام هذا العمل، وهذه الأجرة هي عبارة عن أجرة وكالة بالنسبة للمصرف فاتح الاعتماد، ولا يجوز للمصرف أخذ العمولة على الجزء غير المغطى من قيمة الاعتماد، لأنه يؤول إلى قرض جر نفعاً، وهو ربا، وذلك أن الجزء المتبقي من قيمة الاعتماد والذي قام المصرف بدفعه يعتبر قرضاً من جانب المصرف للمشتري، واشتراط الزيادة على القرض لا تجوز بغير خلاف.
22 - تعاملت المصارف الإسلامية مع الاعتمادات المستندية من خلال صيغ التمويل الشرعية، كالمرابحة والشركة والمضاربة، وذلك بحسب حجم التمويل المقدم من قبل العميل أو المصرف.
23 - لا خلاف بين العلماء المعاصرين حول مشروعية إصدار المصرف لخطاب الضمان، طالما أنه لا يخرج عن المعنى الشرعي للضمان في الفقه الإسلامي، وإن أولى الأقوال بالصواب في تكييف خطاب الضمان أنه عقد كفالة ووكالة معاً، وذلك بالنظر إلى حجم الغطاء، فإن كان بدون غطاء من العميل، فهو كفالة من قبل المصرف، وإن كان بغطاء كامل من العميل فهو وكالة من العميل للمصرف بالدفع حين اللزوم، وإن كانت التغطية جزئية من قبل العميل، فيعتبر المصرف كفيلاً للعميل في الجزء غير المغطى، ووكيلا عنه في الجزء المغطى، وبناء عليه يصح أخذ الأجرة على الوكالة دون الكفالة، على أنه إن كان خطاب الضمان ممولاً كليّاً من قبل المصرف، فإنه يحق له أن يأخذ أجراً على ذلك، لكن ليس في مقابل الضمان، وإنما مقابل الأعمال التي يقوم بها لإصدار خطاب الضمان، وهي أعمال يستحق الأجر عليها.(3/251)
24 - إن تعايش المصرف الإسلامي مع المصرف المركزي والمصارف الأخرى ضرورة حتمية وحاجة متبادلة، لا يمكن أن يستغني عنها طرف من هذه الأطراف، ولذا يجب على المصرف المركزي تفهم طبيعة المصارف الإسلامية، وعدم مساواتها مع المصارف التجارية الأخرى في علاقته معها من خلال وظيفتي الرقابة والتمويل، وإن الضوابط التي تجعل تعامل المصرف الإسلامي مع المصرف المركزي مشروعاً ومناسباً لطبيعة أعماله المصرفية هي خلو هذا التعامل عن الفائدة أخذاً وإعطاءً، ويمكن لتفادي الفائدة على القروض المقدمة من جانب المصرف المركزي أن يتم التعامل بينهما على أساس أحد العقود الشرعية؛ كالمشاركة والمضاربة، بحيث يعامل المصرف المركزي معاملة أصحاب الودائع الاستثمارية في الحصول على نسبة من الأرباح إن تحققت، أو أن يتم التعامل بينهما على أساس المثل، أو أن يقدم المصرف المركزي السيولة اللازمة للمصارف الإسلامية من مجموع الاحتياطيات النقدية للمصارف الإسلامية الأخرى، وفي حدود هذه الاحتياطيات المتوافرة لدى المصرف المركزي وبدون فوائد. هذا من الناحية التمويلية.
أما من الناحية الرقابية فيجب أن تكون نسبة الاحتياطي القانوني التي يفرضها المصرف المركزي في أقل معدل لها، بسبب ندرة الحاجة إليها من قبل المصرف الإسلامي، وأن يراعي في تحديد نسبة السيولة القانونية ومكوناتها طبيعة نشاط المصارف الإسلامية، ويلاحظ الفرق في مكونات السيولة بين المصارف الإسلامية والتجارية، وأن يتم تطبيق السقوف الائتمانية على الديون دون غيرها من أنشطة المصارف الإسلامية، وأن يسمح لها بتملك الأصول الثابتة والمنقولة باعتبار ذلك جزءاً هاماً من أنشطتها المصرفية.
25 - يجب أن يتم التعامل بين المصارف الإسلامية والمصارف التجارية وفقا للضوابط الشرعية، وهي أن يتفق الطرفان على إلغاء الفائدة عن جميع المعاملات المتبادلة بينهما، أو أن يكون التعامل بينهما مبنياً على أحد العقود الشرعية، كالمضاربة والمشاركة، أو أن يعامل المصرف التجاري المصرف الإسلامي بالطريقة نفسها التي يعامله بها المصرف الإسلامي، وهو ما يسمى بالتعامل بالمثل.(3/252)
أثر التقنية الحديثة في الخلاف الفقهي
Oهشام بن عبدالملك بن عبدالله بن محمد آل الشيخ
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
اختلاف فقهاء - أصول فقه
الخاتمة
بعد الانتهاء من هذا البحث ظهرت لي عدة نتائج وتوصيات ألخصها فيما يلي:
1 - أن التقنية في معناها الاصطلاحي هي: كل الطرق التي يستخدمها الناس في اختراعاتهم واكتشافاتهم لتلبية حاجاتهم وإشباع رغباتهم
2 - أن التقنية – بجميع صورها – قد تؤثر في الخلاف الفقهي السابق لهذه التقنية مما ينتج رفع الخلاف أو النزول على أحد القولين وإلغاء الآخر، وقد لا تؤثر فيه فيبقى كما كان عليه.
3 - أن الحكم بتغير الحكم الشرعي الاجتهادي منوط بالمجامع الفقهية والهيئات الشرعية المتخصصة
4 - أن التقنية الحديثة سبب من أسباب اختلاف الفقهاء المعاصرين، فمن اعتبر التقنية أخذ بها، ومن لم يعتبرها لم ير أنها مؤثرة في الحكم الشرعي السابق.
5 - أن للمجامع الفقهية والهيئات الشرعية والمنظمات الفقهية الدور البارز في حل القضايا الاجتهادية التي تأثرت بالتقنية الحديثة.
6 - أن الأحكام الأساسية الثابتة بالقرآن الكريم، والسنة المطهرة، وكذا أركان الإسلام وجميع الأحكام التعبدية التي لا مجال للرأي فيها ومسائل العقيدة كل ذلك لا يتغير ولا يتبدل بتغير الزمان والمكان والحال ولا يقبل الاجتهاد أصلا.
7 - أن ما يقبل التغيير والتبديل بتغير الزمان والمكان والحال هو تلكم الأحكام الاجتهادية التي لم يقع فيها إجماع ولم يرد فيها نص يخصها.
8 - أن الفحوصات الطبية المخبرية التي تدل على أن الدم الذي تراه المبتدأة هو دم الحيض إن صدرت من طبيب ثقة فهي معتبرة.
9 - اعتبار رأي الخبير في مسائل الحيض بناء على فعل الصحابيات رضي الله عنهن.
10 - أن طريقة الفقهاء – رحمهم الله – أيسر وأسهل وذلك لتمكن كل الناس من العمل بها بخلاف التقنية الطبية الحديثة التي قد لا تتوفر في كل زمان ومكان.
11 - أن التقنية الطبية الحديثة المتعلقة بإثبات أقل الحيض وأكثره والصفرة والكدرة بعد زمن الطهر أو قبله وأقل زمن النفاس لم تثبت شيئا مستقلا يمكن الاعتماد عليه وإنما هي في قيد البحث والدراسة.
12 - ترجيح قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في عدم تحديد مدة لأقل الحيض ولا أكثره وإنما يرجع في ذلك إلى عادة النساء المطردة.
13 - أثبتت التقنية الطبية الحديثة أن الحامل لا يمكن، ولا يتصور منها الحيض وهو القول الراجح المختار.
14 - أن ما توصلت إليه التقنية الطبية الحديثة في مجال أكثر النفاس، يتفق تماما مع القول الذي يرى أن أكثر النفاس أربعون يوما.
15 - أن التقنية الحديثة المتعلقة بتحديد القبلة إذا تعامل معها الإنسان التعامل الصحيح فإنها تعطي نتائج صحيحة ودقيقة لا لبس فيها وبالتالي يعتمد عليها في تحديد القبلة.
16 - أن التقنية الطبية الحديثة فيما يتعلق بعلامات البلوغ لم تأت بشيء جديد زائد عما عند الفقهاء – رحمهم الله – إلا ما كان من تحليل الدم، والتحقق من وجود هرمون الذكورة بالنسبة للذكر أو هرمون الأنوثة بالنسبة للأنثى.
17 - أن التقنية الحديثة المتعلقة برؤية هلال شهر رمضان المبارك لا أثر لها في خلاف الفقهاء، بل لكل أهل مطلع رؤية تخصه ولا مانع من استخدام المرصد الفلكي في تحديد مكان الهلال ووقت غروبه.
أن العبرة في دخول شهر رمضان المبارك الرؤية بالعين المجردة لا بالحساب الفلكي إذ الحساب الفلكي لا يحسنه كل الناس، والتقنيات الحديثة في هذا المجال لا يمكن أن تستمر في كل زمان، وأيضا لا تتوفر عند كل الناس، والدين جاء شاملا لجميع الأزمان وجميع الأحوال، فالمعول على الضابط الذي لا يتغير.(3/253)
18 - أن التقنيات الحديثة الموجودة لدى مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية لا يمكن أن يعتمد عليها في إثبات دخول شهر رمضان المبارك، إذ العمل عندهم على الحساب الفلكي وهم – أيضا – غير متفقين على طريقة ذلك الحساب.
19 - أثبتت التقنية الطبية الحديثة أن في جسم الإنسان عدة تجاويف وليس المقصود بواحد منها عند الفقهاء – رحمهم الله ـ إلا التجويف البطني وبعبارة أخرى المعدة، فما وصل من الطعام أو الشراب إلى المعدة فهو مفطر.
20 - بينت التقنية الطبية الحديثة أن الفم والأنف منفذان طبيعيان موصلان للجوف، ويحصل التغذية بالواصل منهما.
21 - بينت التقنية الطبية الحديثة أن العين والأذن والدبر لا يصل شيء منهما إلى الجوف، فلا يحصل الفطر منهما.
22 - بينت التقنية الطبية الحديثة أن بخاخ الربو ( ventolin)، والإبر الدوائية التي تؤخذ عن طريق العضل، والتخدير الجاف لا يفسد صوم.
23 - أثبتت التقنية الطبية الحديثة أن الأوردة والشرايين منافذ تمد الجسم بالغذاء عرفا عند الأطباء فيبطل الصيام مما دخل من هذا من المنفذ وكان مغذيا.
24 - مكنت التقنية الحديثة الناس من التعامل بيسر وسهولة في مجال ضمان المثلي بالقيمة والقيمي بالمثل، فالصناعات الحديثة في هذا الزمن لا تؤثر في القيمة، بل يمكن ضمان المثل بطبق الأصل.
25 - أمكنت التقنية الحديثة من ضبط صفات بعض السلع التي قال الفقهاء – رحمهم الله – بعدم جواز السلم فيها وبالتالي جواز السلم ورفع الخلاف السابق.
26 - أمكنت التقنية الحديثة من ضبط المكيلات بالوزن والعكس وبالتالي فإن الوزن والكيل يمكن أن يحل أحدهما مكان الآخر.
27 - ضرورة زيادة البحث والنظر في مسألة الموت الدماغي، والتوسع في بحث هذه المسألة من قبل الهيئات الشرعية المعتبرة، ودراسة المسائل المتعلق بها.
28ـ أن التقنية الطبية الحديثة قد توصلت إلى معرفة الحمل في البطن وجودا وعددا وجنسا وحياة وموتا، ومعرفة وقت الوفاة في لغرقى والهدمى، وتحديد جنس الخنثى المشكل، وبالتالي يمكن قسمة التركة بناء على ما دلت عليه.
29 - أمكنت التقنية الحديثة من التعرف نوعا ما على حال المفقود ومكان وجوده إلا أنها تفتقر إلى المزيد من الدقة.
30 - ضرورة إنشاء مركز وطني لرعاية المفقودين وأسرهم ومتابعة أحوالهم وإصدار نشرة أسبوعية تعنى بشؤون المفقود، سواء كان من البشر أو من غير البشر كالحيوانات والممتلكات التي ضل عنها أهلها.
31 - تمكنت التقنية الطبية الحديثة من التعرف على طبيعة المفرزات التي تخرج من ثدي المرأة غير المرضع، وبالتالي الحكم بكونها حليبا مغذيا ناشرا للعظم منبتا للحم أم لا.
32 - استطاعت التقنية الطبية الحديثة التعرف على العيوب الموجبة لفسخ النكاح، ومعالجتها بما ينهي العيب ويقضي عليه.
33 - لا أثر للتقنية الطبية الحديثة في مسألة أكثر الحمل، لأن مبنى الحكم الشرعي في هذه المسألة على الاحتياط في الأنساب والأطباء لم يجزموا بقول فصل فيها، وإنما هو الظن المبني على عدم الوجود، فيبقى الخلاف قويا في هذه المسألة لم تأثر فيه التقنية.
34 - أن التقنية الطبية الحديثة قد بينت سبب انقطاع الحيض وارتفاعه، ومن خلال ذلك يمكن النظر في مدة تربص المرأة التي ارتفع حيضها.
35 - أن تقنية الطبية الحديثة قد بينت نزول الحيض في غير وقته.
36 - أن تقنية البصمة الوراثية دقيقة جدا إلى درجة أنه يمكن أن تقدم على القرعة والقيافة في إثبات النسب.
37 - يجوز العمل بالبصمة الوراثية في جميع الحالات التي يجوز الحكم فيها بالقيافة، وذلك بعد توفر الشروط والضوابط المعتبرة في خبير البصمة الوراثية وفي معامل الفحص الوراثي فقط.(3/254)
38 - ضرورة الدقة المتناهية في الإجراءات الإدارية المتبعة حال القيام بإجراء الفحص الوراثي في إدارة الأدلة الجنائية التابعة لوزارة الداخلية والسرية التامة للنتائج.
39 - أنه لا قصاص فيما في جوف الإنسان، إلا ما أمن فيه الحيف والتعدي والسراية، وكان مماثلا لجرح المجني عليه.
40 - أصبح من الممكن علميا – من خلال التقنية الطبية الحديثة – مراقبة الجنين، ومتابعة حالة نموه بكل دقة، ويستطيع الأطباء في هذا الوقت تحديد نوع الجناية على الجنين وبالتالي سبب الوفاة.
41 - أن ما توصلت إليه التقنية الطبية الحديثة في الجناية على الجنين في البطن يعتبر قرينة على العدوان على الجنين، وهذه القرينة ينبغي أن تكون مبنية على تقرير طبي موثق.
42 - من الضروري جدا النظر في مسألة الجناية على الجنين – وهو في بطن أمه – من جديد من خلال عرضها للنقاش في المجامع الفقهية المتخصصة والاجتماع مع الأطباء المتخصصين في هذا المجال، للخروج بنتيجة واضحة.
43ـ أن التقنية الطبية الحديثة قد توصلت إلى إمكان قطع الأعضاء الظاهرة من غير مفصل وكذا كسرها، وكسر الأسنان أو بردها، من دون أن يكون هناك حيف أو تعد، بل تحصل المساواة والمماثلة في القصاص بذلك.
44 - أن التقنية الطبية الحديثة قد يسرت استيفاء القصاص من غير خوف التلف أو السراية وهذا أمر يتناسب مع العدل الذي أمر الله عز وجل به.
45 - أن التقنيات الحديثة المتعلقة بآلة تنفيذ العقوبة لا تفي بالغرض، وإنما الواجب تنفيذ العقوبات بالسيف لا غير.
46 - أن الواجب في تأجيل العقوبة بسبب المرض هو الاعتماد على التقرير الطبي الصادر من المستشفيات الرسمية.
47 - اعتبار الفحوص الطبية قرينة قوية على الشراب، وهي أقوى وأولى مما ذكره الفقهاء من اعتبار الرائحة والقيء والسكر قرينة على شرب المسكر، والله أعلم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.(3/255)
أحاديث المعازف والغناء دراسة حديثية نقدية
Oمحمد عبدالكريم عبدالرحمن
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
غناء ومعازف ونشيد
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيه المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فبعد هذه الدراسة الحديثية في المعازف والغناء يجدر بنا أن نذكر أهم النتائج التي توصل إليها البحث:
1 - قد صحت أحاديث – وإن كانت قليلة – تدل على تحريم جملة المعازف، لا كما زعم ابن حزم وابن القيسراني من أنه لم يصح فيها حديث.
2 - تحريم الآلات الموسيقية الوترية كالعود وغيره، والآلات النفخية كالمزمار وغيره، لثبوت أحاديث عامة وخاصة تدل على التحريم.
3 - تحريم الكوبة وهي الطبل بسائر أنواعه لثبوت أحاديث صحيحة تدل على التحريم، ولعدم ورود شيء في جوازه.
4 - إباحة ضرب الدف للجواري وسماعه للرجال والنساء في العرس وفي العيد وعند قدوم الغائب وللوفاء بالنذر.
5 - عدم جواز ضرب الدف فيما عدا ذلك (والحكم يدور بين الكراهة والتحريم).
6 - تحريم ضرب الدف في ما أذن فيه الشارع إذا كان مصحوبا بجلاجل.
7 - أن ضرب الدف هو من أعمال الجواري وقد جاءت الروايات الصحيحة في الإذن فيه للجواري، وأما ضربه للرجال فأقل شيء فيه أنه مكروه وذلك للتشبه بالنساء وقد لعن المتشبهين من الرجال بالنساء.
8 - أن المحرم هو الاستماع لا السماع والفرق بينهما أن الاستماع عن القصد والسماع خال عن قصد.
9 - أن الغناء كلمة تعني رفع الصوت بإنشاد الشعر بتمطيط وتطريب، وهو نوعان:
الأول: الغناء المنهي عنه أو المحرم: وهو الغناء المعتاد عند المشتهرين به الذي يحرك النفوس ويبعثها على الهوى والغزل والمجون الذي يحرك الساكن ويبعث الكامن.
الثاني: الغناء المرخص فيه: وهو الغناء الذي ليس فيه تهييج الطباع إلى الهوى. وقد جاءت الرخصة به في أحاديث صحيحة وذلك في مناسبات معينة.
10 - تحريم الغناء سواء كان بآلة أو بغيرها إلا ما ورد فيه الإذن من الشرع لصحة الأحاديث والآثار الواردة في ذم الغناء والنهي عنه.
11 - جواز غناء الجواري في العيد، وفي العرس، وعند قدوم غائب، وللوفاء بالنذر، وإباحة سماعه للرجال والنساء لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك.
12 - أن الغناء في هذه المواضع هو من أعمال الجواري، وغناء الرجال بين الكراهة والتحريم.
13 - جواز الحداء وهو الإنشاد الذي تساق به الإبل والحداء بالرجز والشعر.
14 - جواز غناء النصب وهو ضرب من أغاني العرب يشبه الحداء إلا أنه أرق منه، ينشد بصوت فيه تمطيط مع رفع العقيرة ويسمى غناء الركبان.
15 - جواز غناء الغزاة وهو ما يعتاده الغزاة لتحريض الناس على الغزو ... وفيه تحريك الغيظ والغضب على الكفار، وتحسين الشجاعة، واستحقار النفس والمال.
16 - جواز غناء الرجال عند التنشيط على الأعمال الشاقة. كما ارتجز صلى الله عليه وسلم هو والصحابة رضوان الله عليهم في بناء المسجد وحفر الخندق وغيرهما كما هو مشهور.
17 - جواز رجزيات الشجعان: وهي الرجزيات التي يستعملها الشجعان في وقت اللقاء، والغرض منها التشجيع للنفس وللأنصار، وتحريك النشاط فيهم للقتال، وفيه التمدح بالشجاعة والنجدة.
18 - تحريم غناء النساء للرجال والرجال للنساء، واستماعه لا مجرد سماعه.
19 - تحريم نصب أحد من الرجال أو النساء للغناء.
20 - إذا حرم الغناء حرمت دواعيه وأحكامه كالإجارة وغيرها.
21 - الإكثار من الغناء سفه وحماقة ترد به الشهادة.
22 - جواز غناء النساء للنساء والضرب بالدف.
23 - حكم استماع الغناء من شريط كحكم استماعه بدونه.(3/256)
أحكام إذن الإنسان في الفقه الإسلامي
Oمحمد عبدالرحيم بن محمد علي سلطان العلماء
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البشائر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة
بعد هذه الدراسة المفصلة لأحكام إذن الإنسان في الفقه الإسلامي يمكن لنا استخلاص النتائج التالية:
ا- تعريف الإذن وماهيته:
1 - الإذن: هو إباحة التصرف للشخص فيما كان ممنوعا منه شرعا لحق غيره.
2 - الإذن أعم من العقد، وأعم من التوكيل.
3 - لا يقوم السكوت مقام الإذن في جميع صوره.
4 - الإذن المطلق يتقيد بالعرف.
ب - الإذن في العبادات:
5 - لا يؤذن غير الراتب إلا بإذنه.
6 - لا يقيم غير المؤذن إلا بإذنه.
7 - يكره التقدم على الإمام الراتب بغير إذنه.
8 - إذن الإمام (السلطان) ليس بشرط لصحة الجمعة.
9 - يشترط إذن الزوج لصوم الزوجة تطوعا.
10 - ليس للزوجة أن تعتكف بغير إذن زوجها.
11 - يجوز للزوجة أن تتصدق بالشيء اليسير من مال زوجها بغير إذنه.
12 - لا يشترط إذن الزوج لأداء الزوجة حجة الإسلام.
13 - يشترط إذن الزوج لأداء الزوجة حجة التطوع.
14 - لا يشترط إذن الوالدين في أداء حج الفريضة.
15 - يشترط إذن الوالدين في حج التطوع.
16 - ليس للوالدين تحليل الولد من إحرامه وإن كان متطوعا.
17 - يجوز الحج عن الميت الذي لم يؤد فرضه سواء أذن بذلك في وصيته أم لم يأذن.
18 - يجوز حج التطوع عن الميت سواء أذن به أم لا.
19 - لا يجوز إستنابة الحي المستطيع في أداء الحج الفرض.
20 - يجوز الحج تطوعا عن الحي القادر إذا أذن بذلك.
21 - يجوز الحج عن المغصوب بإذنه فرضا ونفلا.
22 - لا يجوز للعبد أن يحرم إلا بإذن سيده.
23 - لا يجوز للمدين أن يسافر للحج بغير إذن الدائن إذا كان الدين حالا.
24 - لا يشترط إذن الدائن لسفر المدين للحج إذا كان الدين مؤجلا.
25 - لا يشترط إذن الدائن للمدين المعسر بالسفر إلى الحج.
ج - الإذن في المعاملات:
26 - لا يجوز البيع على البيع بغير إذن البائع الأول، ولكن إن خالف وعقد فإن العقد صحيح مع إثمه.
27 - ينعقد بيع الفضولي مال غيره صحيحا موقوفا على إجازة المالك.
28 - لا تنفذ تصرفات المشتري في مدة خيار البائع بغير إذنه.
29 - ليس للعبد أن يتجر بغير إذن سيده.
30 - ليس للمرتهن أن ينتفع بالرهن بغير إذن الراهن إلا إذا كان الرهن محلوبا أو مركوبا.
31 - يجوز للمرتهن أن ينتفع بالرهن بإذن الراهن إذا لم يكن الدين من قرض.
32 - ينعقد بيع الراهن للرهن موقوفا على إذن المرتهن.
33 - لا يزول الحجر عن المفلس إلا بإذن الحاكم.
34 - تصرفات الصبي غير المميز باطلة ولا أثر للإذن فيها.
35 - لا تنفذ تصرفات الصبي المميز إذا كان فيها ضرر محض ولا أثر للإذن في نفاذها.
36 - تصرفات الصبي المميز النافعة متوقفة على إذن الولي.
37 - تصرفات الصبي المميز الدائرة بين النفع والضرر تنعقد صحيحة موقوفة على إذن الولي.
38 - تصح تصرفات المميز المأذون له في القدر الذي أذن له فيه.
39 - لا تصح تصرفات المجنون أو المعتوه، ولا أثر للإذن في صحة تصرفاتهما.
40 - لا تصح تصرفات السفيه المالية التي تضر به ضررا محضا.
41 - تنفذ تصرفات السفيه النافعة نفعا محضا.
42 - تنعقد تصرفات السفيه الدائرة بين النفع والضرر موقوفة على إذن وليه.
43 - نكاح السفيه موقوف على إجازة الولي.
44 - نكاح السفيه نافذ دون التوقف على إذن الولي.
45 - عتق السفيه باطل، ولا أثر للإذن في صحته.
46 - يصح البيع من السفيه وكذلك الشراء إذا أذن له الوالي في ذلك.
47 - لا يشترط إذن الدائن لسفر المدين المعسر.
48 - يشترط إذن الدائن لسفر المدين الموسر إذا كان الدين حالا.
49 - لا يشترط إذن الدائن لسفر المدين الموسر إذا كان الدين مؤجلا.(3/257)
50 - لا يجوز إجراء الماء في أرض الغير بغير إذنه مطلقا.
51 - لا يجوز للجار وضع الخشبة على جدار جاره بغير إذنه.
52 - يجوز لمن له دار ظهرها إلى الشارع أن يفتح بابا إلى ذلك الشارع ولا يحتاج إلى إذن.
53 - لا يجوز إشراع جناح في الطريق النافذ إذا كان يضر بالمارة، سواء أذن فيه الإمام أم لم يأذن.
54 - يجوز إشراع الجناح في الطريق النافذ إذا كان لا يضر بالمارة سواء أذن فيه الإمام أم لم يأذن.
55 - لا يجوز إحداث باب جديد في الزقاق المشترك إلا بإذن أهله سواء كان فتح الباب للاستطراق أم لغيره.
56 - لا يجوز إشراع جناح في السكة غير النافذة إلا بإذن أهلها.
57 - يصح الضمان وإن لم يأذن فيه المضمون عنه.
58 - لا تجوز الكفالة بغير إذن المكفول.
59 - يرجع الضامن على المضمون عنه إذا ضمن وأدى بإذنه.
60 - إن كان الضامن قد ضمن الدين بإذن المضمون عنه فإنه يرجع عليه وإن كان قضاه بغير إذنه.
61 - إذا قضى الضمان بإذن المضمون عنه فإنه يرجع عليه ولو كان الضامن بغير إذنه.
62 - لا يرجع الضامن على المضمون عنه إذا ضمن وأدى بغير إذنه.
63 - لا يشترط إذن المدين لقيام غيره بسداد الدين عنه.
64 - ليس لأحد الشريكين أن يبيع ويشتري دون إذن صاحبه.
65 - يجوز للوكيل أن يوكل غيره فيما يترفع عن عمل مثله أو يعجز عنه لكثرته، ولو لم يأذن الموكل.
66 - لا يجوز للوكيل أن يوكل غيره بغير إذن الموكل إذا أمكنه القيام بالعمل بنفسه ولا يترفع عنه.
67 - لا يجوز للوكيل أن يبيع لابنه الصغير بغير إذن الموكل.
68 - يجوز للوكيل أن يبيع لأبيه وابنه البالغ بثمن المثل وإن لم يأذن الموكل.
69 - يشترط إذن المعير للمستعير في الانتفاع بالعارية.
70 - ليس للمستعير أن يعير غيره بغير إذن المعير.
71 - للمستأجر استيفاء المنفعة من العين المستأجرة، ولا يتوقف على إذن المؤجر.
72 - ليس للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة لغيره بغير إذن المؤجر إذا كان المستأجر الجديد أكثر ضررا في استيفاء المنفعة.
73 - يجوز للمستأجر أن يؤجر العين المستأجرة لمن هو مثله في استيفاء المنفعة وإن لمن يأذن فيه المؤجر.
74 - يجوز للمالك أن يبيع العين المستأجرة بغير إذن المستأجر.
75 - لا يشترط إذن الإمام في إحياء الموات.
76 - يشترط إذن الواهب لقبض الموهوب له العين الموهوبة.
د- الإذن في العلاقات الأسرية:
77 - يشترط إذن الولي في النكاح ومباشرته أو من ينوب عنه للنكاح.
78 - يجوز للأب تزويج البكر الصغيرة بغير إذنها، وليس لغير الأب أن يزوج الصغيرة بغير إذنها.
79 - لا يجوز تزويج البكر الكبيرة بغير إذنها، سواء كان المزوج أبا أم غيره.
80 - إذن البكر سكوتها.
81 - الثيب الكبيرة لا يزوجها أحد إلا بإذنها سواء كان المنكح أبا أم غيره، وكذلك الثيب الصغيرة.
82 - إذن الثيب لا يكون إلا بالنطق إلا إذا كان قد أزيلت البكارة بغير وطء فإن حكمها حكم الأبكار.
83 - ليس للعبد ولا للمكاتب أن يتزوجا بغير إذن سيدهما.
84 - لا يجوز للمحرم أن ينكح أو ينكح أو يأذن لغيره بالنكاح.
85 - لا يجوز الخطبة على الخطبة حتى يترك الخاطب الأول أو يأذن لغيره لكن إذا خالف فإن عقد النكاح صحيح مع الإثم.
86 - النظر إلى المخطوبة لا يحتاج إلى إذن منها أومن أهلها.
87 - لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها.
88 - يجوز منع الحمل مؤقتا بإذن الزوج.
89 - لا يجوز منع الحمل مطلقا (دائما) وإن أذن فيه الزوج.
90 - لا يجوز إسقاط الجنين مطلقا، سواء كان قبل نفخ الروح فيه أو بعده، أذن فيه الزوج أم لم يأذن إلا لضرورة معتبرة شرعا.
91 - يشترط إذن الزوج لخروج الزوجة من بيت الزوجية.(3/258)
92 - لا يجوز للزوج أن يخرج من عند الزوجة في ليلتها إلى الزوجة الأخرى إلا بإذنها.
93 - ليس للزوجة أن تهب نصيبها في القسم لضراتها بغير إذن الزوج.
94 - للمرأة أن تأخذ قدر نفقتها من مال زوجها بغير إذنه.
95 - للمرأة الرشيدة التصرف في مالها كله بغير إذن الزوج.
96 - يشترط إذن القاضي للاقتراض بالنفقة.
97 - لا تملك المرأة أن تطلق نفسها إلا إذا أذن لها الزوج.
98 - يشترط إذن الزوج لقيام الزوجة بإرضاع ولد غيره.
99 - ليس للحاضنة أن تنقل المحضون بغير إذن الأب.
100 - يجوز للأم أن تأخذ نفقة الولد وإن لم يأذن فيه الولي أو يأمر به الحاكم.
هـ- الإذن في الحدود والجنايات:
101 - يشترط إذن الإمام في إقامة الحدود على الأحرار دون المماليك.
102 - يشترط إذن الإمام لاستيفاء القصاص.
103 - لا يجوز للطبيب أن يعالج المريض بغير إذنه إلا عند الضرورة.
104 - لا يجوز نقل أعضاء يفضي نقلها إلى الموت، أذن المتبرع في نقلها أم لم يأذن.
105 - لا يجوز نقل عضو لا يفضي نقلها إلى الموت إلا بإذن صاحب العضو أو إجازة ورثته.
106 - يشترط إذن صاحب المتاع لإلقاء متاعه عند خوف الغرق ولا يضمنه من ألقاه بإذن صاحبه.
107 - إذن المجني عليه للقاتل في قتله يسقط القصاص.
108 - يشترط إذا الولي للمعلم في ضرب المتعلم للتأديب.
109 - المحبوس لحق غيره لا يخرج من الحبس إلا بإذن صاحب الحق.
والإذن في الجهاد.
110 - لا يجب إذن الإمام في الجهاد.
111 - لا يشترط إذن الوالدين في الجهاد المتعين.
112 - يشترط إذن الوالدين المسلمين في الجهاد الذي لم يتعين ولا يشترط إذن الوالدين الكافرين.
113 - لا يجوز الانصراف من ميدان القتال وإن رجع الوالدان في إذنهما.
114 - لا يشترط إذن السيد للعبد في الجهاد المتعين بخلاف الذي لم يتعين.
115 - لا يشترط إذن الدائن في الجهاد المدين إذا تعين الجهاد.
116 - يشترط إذن الدائن إذا كان الجهاد لم يتعين على المدين سواء كان الدين حالاً أم مؤجلاً، وسواء كان المدين موسراً أم معسراً.
117 - لا يشترط إذن الإمام لأخذ السلب.
118 - لا يجوز للكافر الحربي أن يدخل بلاد الإسلام إلا بإذن الإمام.
119 - لا يجوز لأهل الذمة أن يدخلوا الحرم مطلقاً أذن لهم الإمام أم لم يأذن.
120 - يجوز لأهل الذمة دخول الحجاز - دون الإقامة فيه - بإذن الإمام.
121 - يجوز لأهل الذمة سكنى سائر بلاد الإسلام - ماعدا الحجاز والحرم - ولا يشترط الإذن في ذلك.
122 - لا يجوز لأهل الذمة أن يدخلوا مساجد المسلمين إلا بإذن منهم.
ز-الإذن في القضاء والوصايا:
123 - يجوز لصاحب الحق أن يأخذ من مال من عليه الحق بغير إذنه مطلقاً بشرط ألا يكون من عليه الحق مقراً به باذلاً له.
124 - تصح الوصية بأكثر من الثلث إذا أجازها الورثة.
125 - تصح الوصية لوارث إذا أجازها سائر الورثة.
ح -الإذن في الآداب:
126 - لا يجوز لإنسان أن يدخل بيت غيره بغير إذنه.
127 - يجوز للإنسان أن يدخل بيته بغير استئذان وإن كانت زوجته فيه.
128 - يجب الاستئذان إذا كان بالبيت محارم للرجل غير زوجته.
129 - يجوز دخول الرجل على مطلقته الرجعية بغير إذنها.
130 - يعتبر إذن الصبي في دخول الدار وإيصال الهدية.
131 - تقديم الطعام بين يدي الضيفان إذن في الأكل.
132 - إذن الضيف لغيره يرجع إلى العرف.
والله أسأل أن يلهمنا جميعاً الصواب، ويعيننا على الفضائل والمكرمات ويسهل سبل الخيرات.
اللهم اجعل خير أعمارنا أواخرها، وخير أعمالنا خواتمها واجعل خير أيامنا يوم نلقاك يا ذا الجلال والإكرام. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.(3/259)
أحكام الأجل في الفقه الإسلامي (بحث مقارن)
Oمحمد بن راشد بن علي العثمان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة
الحمد لله الذي أَجَّلَ الأجلَ إلى أجل لا نعرفه إلا بعد انتهاء أجلِه، لأنه من المغيَّباتِ التي استأثر بها في علمه سبحانه فالحمد له الذي أعانني على إنهائه وإظهاره بهذه الصورة التي بين يديك أيها القارئ الكريم… والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
لقد كنا في موعد معك أيها القارئ الكريم في افتتاحية البحث على عرض خاتمة البحث في النهاية… متضمنة أهم نتائج البحث، لأنه من الصعوبة أن يلم القارئ بكل ما قرأه في هذا البحث، لكثرة خلافات الفقهاء التي وردت بها، ولأن ثمرة البحث تكمن في النتائج التي يتوصل إليها الباحث.
وها نحن نسدد لك هذا الدين ونفي بالوعد بعد أن حل أجله، وفي هذا المكان والزمان، فد أسلمتنا وقتك، وها نحن نسلم لك النتائج في أجلها.
وإذا كان خير الناس أحسنهم قضاء، فإنني سأحاول – والتوفيق بيد الله سبحانه – أن أحسن القضاء والوفاء، وأقدم لك أهم النتائج التي تم التوصل إليها في هذا البحث.
من قرأ هذا البحث واستوعبه فإنه سيصل – بمشيئة الله – إلى نتائج كلية ونتائج جزئية.
أما النتائج الكلية فهي عبارة عن فوائد عامة برزت أثناء عرضنا لأسباب اختيار البحث، والمقدمة، وحتى لا نكررها لا داعي لذكرها هنا.
أما النتائج الجزئية فهي عبارة عن خلاصة للآراء التي وردت في مباحث ومطالب البحث. وسأكتفي بذكر خلاصة للآراء التي اتفق عليها الفقهاء، والآراء التي ترجحت في نظري، بعيداً عن ذكر الخلافات حتى يسهل استيعابها. وإن كان في عرضها هنا ما يوحي بأنها مكررة .. ولكن .. لا .. فإن ذكرها هنا يوفر جهداً ووقتاً على القارئ الكريم في استخلاص أحكام المسائل التي ورد ذكرها في البحث. ومن أراد التعمق فليرجع إلى المسألة في موضعها من البحث. ولهذا .. سأذكر النتائج بإيجاز كما يلي:
1 - تعريف الأجل: هو مُدَّةٌ مستقبلةٌ مُحقَّقَةُ الوقوعِ، محددة شرعاً أو قضاءً أو اتفاقاً للوفاء بالتزام معين.
2 - الأجل ثابت في الكتاب والسنة والإجماع.
3 - الحكمة من مشروعية الأجل: هي أنه شرع لأجل الرفق بالناس ورعاية مصالحهم وتقدير حوائجهم.
4 - خصائص الأجل:
أ- الدلالة على الزمن المستقبل. ب- أنه محقق الوقوع.
5 - جواز المسح على الخفين حضراً وسفراً، وقد اتفقتُ في هذا الرأي مع الحنفية والشافعية والحنابلة وأصح الروايتين عن مالك.
6 - مدة المسح على الخفين يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
7 - أقل مدة تحيضها المرأة يوم وليلة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعي وأحمد.
8 - أكثر مدة تحيضها المرأة خمسة عشر يوماً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.
9 - غالب مدة تحيضها المرأة ستة أو سبعة أيام، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعية والحنابلة.
10 - الأحكام المترتبة على الحيض: ترك الصلاة وترك الصيام وعدم قراءة القرآن، وعدم مس المصحف، وعدم الطواف بالبيت، وعدم الاعتكاف وعدم الجماع وعدم سنية الطلاق إذا وقع أثناء الحيض.
11 - أقل مدة طهر المرأة بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أحمد.
12 - لا حد لأكثر طهر المرأة بين الحيضتين، وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
13 - لا حد لأقل مدة النفاس، وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
14 - أكثر مدة النفاس أربعون يوماً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة وأحمد.(3/260)
15 - أن أول وقت صلاة الظهر يبتدئ من زوال الشمس، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
16 - أن آخر وقت صلاة الظهر هو أن يصير ظل كل شيء مثله، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة – في رواية – ومع مالك والشافعي وأحمد.
17 - أن أول وقت صلاة العصر يبدأ من بلوغ الظل مثله وأنه لا اشتراك بينه وبين وقت صلاة الظهر، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعية والحنابلة.
18 - أن آخر وقت صلاة العصر ثلاثة أوقات:
أ- وقت فضيلة: وهو من بلوغ الظل مثله إلى بلوغ الظل مثليه.
ب- وقت جواز: وهو من بلوغ الظل مثليه إلى اصفرار الشمس.
ج- وقت ضرورة: وهو من اصفرار الشمس إلى غروبها.
وبهذا .. جمعت بين آراء الفقهاء المختلفة في هذه المسألة.
19 - أول وقت صلاة المغرب هو غروب الشمس، وقد أجمع أهل العلم على هذا ولا رأي لي بعد هذا الإجماع.
20 - آخر وقت صلاة المغرب هو مغيب الشفق، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ومالك والشافعي – في القديم –
21 - أول وقت صلاة العشاء يبتدئ من غروب الشفق، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
22 - الشفق هو الحمرة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.
23 - أن وقت الضرورة لصلاة العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
24 - أن وقت العشاء المختار إلى ثلث الليل، وقد اتفقت في هذا الرأي مع بعض الحنفية، ومالك، والشافعي، وفي – الجديد – ورواية عن أحمد.
25 - أن وقت صلاة الفجر يبدأ من طول الفجر الثاني وهو البياض المستطير المنتشر في الأفق، ويسمى الفجر الصادق، وأن آخر وقتها المختار إلى أن يسفر، وآخر وقت الضرورة إلى أن تطلع الشمس. وقد أجمع الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الإجماع.
26 - أن الأوقات المنهي عن الصلاة فيها ثلاثة:
أ- بعد صلاة الفجر إلى ارتفاع الشمس قيد رمح.
ب- حال قيام الشمس.
ج- من بعد العصر إلى تكامل الغروب.
وقد اقتربت من رأي ابن حزم في هذا.
27 - يجوز في الأوقات المنهي عن الصلاة فيها أن تقضى الفريضة وتصلى السنة دون النافلة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعي، والحنابلة.
28 - وقت صلاة العيدين وصلاة الاستسقاء يبدأ من طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح إلى زوالها وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
29 - يسن تقديم صلاة الأضحى وتأخير صلاة الفطر.
30 - جواز صلاة الكسوف والخسوف في أوقات النهي وغيرها، وأتفق في هذا الرأي مع الشافعي وأحمد.
31 - وقت الوقوف بعرفة يبدأ من زوال الشمس يوم التاسع من شهر ذي الحجة وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ومالك والشافعي وبعض الحنابلة.
32 - آخر وقت الوقوف بعرفة هو طلوع الفجر يوم النحر، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
33 - من وقف بعرفة ودفع منها قبل الغروب ولم يرجع فحجه صحيح، وعليه دم وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي – في أحد قوليه – وأحمد.
34 - من وقف بعرفة ودفع منها قبل الغروب، ثم رجع قبل أن تغرب الشمس فحجه صحيح ولا دم عليه، وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
35 - من وقف بعرفة ودفع منها قبل الغروب، ثم رجع بعد الغروب وقبل طلوع الشمس فحجه صحيح بلا خلاف، ولا دم عليه عند مالك والشافعي وأحمد – على الصحيح – وأتفق معهم على ذلك.
36 - أن المبيت بمزدلفة واجب وليس بركن، وقد اتفقت في هذا مع بعض الحنفية، والشافعية، على الأصح، والحنابلة.
37 - جواز الدفع من مزدلفة بعد منتصف الليل وقبل طلوع الفجر للضعفة وغيرهم وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.(3/261)
38 - وقت رمي جمرة العقبة يبدأ من بعد نصف الليل الأول من ليلة النحر، وقد اتفقت في هذا مع الشافعي، والصحيح من مذهب أحمد.
39 - أيام التشريق هي ثلاثة أيام تبدأ من ثاني أيام النحر، وهي يوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.
40 - يبدأ رمي الجمرات أيام التشريق من زوال الشمس إلى غروبها، وقد اتفق الفقهاء – عدا أبي حنيفة في رواية – على هذا… ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
41 - يستحب رمي جمرة العقبة بعد طلوع الشمس يوم النحر إلى وقت الزوال وقد أجمع العلماء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
42 - مدة نحر الهدي والأضحية ثلاثة أيام بما فيها يوم النحر، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ومالك وأحمد.
43 - أقل مدة الحمل ستة أشهر، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
44 - أكثر مدة الحمل أربع سنوات، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعي والرواية المشهورة عن مالك والرواية المشهورة عن أحمد.
45 - مدة الرضاع التي يثبت بها التحريم سنتان، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.
46 - علامات البلوغ المشتركة بين الغلام والجارية:
أ- خروج المني: وقد اتفق الأئمة الأربعة على اعتباره من علامات البلوغ، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
ب- نبات الشعر: وقد اتفقت في اعتباره من علامات البلوغ مع مالك ورواية عن الشافعي، وأحمد.
ج- بلوغ خمس عشرة سنة: وقد اتفقت في اعتباره من علامات البلوغ مع الشافعي، وأحمد.
47 - علامات البلوغ الخاصة بالجارية:
أ- الحيض: وقد اتفق الفقهاء على اعتباره من علامات بلوغ الجارية ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
ب- الحمل: وقد اعتبره عامة الفقهاء علامة من علامات بلوغ الجارية ولا رأي لي بعد هذا.
48 - الآيسة – عندي – من انقطع حيضها ولم تدر ما سببه، لمدة تسعة أشهر فأكثر، ولهذا… لا حد عندي لسن الإياس.
49 - أقل سن تحيض فيه المرأة هو تسع سنوات، وهو الرأي المختار عند الحنفية ورأي مالك والشافعي وأحمد، ولا رأي لي بعد هذا.
50 - الإيلاء: هو حلف زوج – يمكنه الوطء – بالله تعالى أو بصفته على ترك وطء زوجته الممكن جماعها في قبل أبداً، أو يطلق، أو فوق أربعة أشهر، أو ينويها.
51 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر فهو إيلاء بالاتفاق، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
52 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء باتفاق الأئمة الأربعة، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
53 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أربعة أشهر فقط فليس بإيلاء، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي والمشهور عن أحمد.
54 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، ووطئها أثناء مدة الإيلاء سقط الإيلاء ووجبت عليه كفارة اليمين، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ومالك الشافعي – في الجديد – وأحمد.
55 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر، ومضت مدة الإيلاء بدون أن يطأها فإنها لا تطلق حتى يوقف: إما يفيء (يجامع) أو يطلق، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.
56 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أربعة أشهر فأقل، ووطئها أثناء المدة التي حلف عليها، لزمته كفارة اليمين.
57 - إذا حلف الزوج على ترك وطء زوجته أربعة أشهر فأقل، ولم يطأها حتى انتهت المدة، فليس عليه كفارة لأنه لم يحنث في يمينه.
58 - أنواع العدة باعتبار ما تنتهي به ثلاثة أنواع:
أ- عدة بالحمل. ب- عدة بالقرء. ج- عدة بالشهر.
59 - المطلقة والمفسوخة والمتوفى زوجها وهي حامل تنقضي عدتها بوضع الحمل. وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا… ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.(3/262)
60 - القرء هو الحيض، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ورواية عن أحمد.
61 - المطلقة والمفسوخة وهي ذات حيض وليست حاملاً عدتها ثلاثة قروء (أي ثلاث حيض) وقد أجمع الفقهاء على هذا… ولا رأي لي بعد هذا الإجماع.
62 - المتوفى عنها زوجها وليست حاملاً فعدتها أربعة أشهر وعشرة أيام، وقد أجمع الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الإجماع.
63 - يثبت الفسخ بالعنة بعد أن يضرب للزوج أجل لمدة سنة منذ مروافعة الزوجة، وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا… ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
64 - اللقطة التي لا تتبعها همة أوساط الناس كالسوط والمسطرة الممحاة والريال .. تملك بدون تعريف ولا خلاف بين أهل العلم في هذا… ولا رأي لي بعد هذا.
65 - الضوال التي تمتنع عن صغار السباع: كالإبل والبقر والخيل والطير لا يجوز التقاطها، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد، أما سائر الأثمان والمتاع، فيجوز التقاطها لمن أراد تعريفها، ويكون تعريفها لمدة سنة.
66 - أن مدة خيار الشرط إذا كانت معلومة يجوز أن تكون أكثر من ثلاثة أيام حسبما يقدره المشترط، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أحمد.
67 - عدم صحة اشتراط الخيار لمدة مجهولة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي، والصحيح من مذهب الحنابلة.
68 - جواز الهدنة بين المسلمين والكفار على الإطلاق (بدون تحديد بعشر سنوات) وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة، والمالكية، وأحمد.
69 - القاضي لا يطلب المدعي عليه إذا كان في غير ولايته، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعية والحنابلة.
70 - ليس هناك مدة معينة يحددها القاضي لإحضار الخصوم، وإنما ذلك يرجع إلى اجتهاده.
71 - إذا طلب المدعي المهلة لإحضار البينة فإن تقدير المدة يرجع إلى اجتهاد القاضي، وقد اتفقت في هذا الرأي مع المالكية.
72 - إذا أعسر الزوج بنفقة زوجته إلى حد لا يقوم البدن بها من قوت أو كسوة لم يجب عليها الانتظار، وحق لها المطالبة بفراق الزوج، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.
73 - إذا أعسر الزوج بنفقة زوجته فإنه يعطى مهلة لإصلاح حاله أو التأكد من إعساره، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي في رواية.
74 - من وجب عليه دين للغير ولم يسدده، وادعى أنه معسر ولم يثبت إعساره ولم يصدقه صاحب الدين في إعساره، وعرف أن له مالاً فإنه يحبس حتى يسدد الدين أو يثبت إعساره، وهذا رأي الأئمة الأربعة، ولا رأي لي بعده.
75 - من وجب عليه دين للغير ولم يسدده، وادعى أنه معسر ولم يثبت إعساره ولم يصدقه صاحب الدين في إعساره، ولم يعرف أن له مالاً، فإنه لا يحبس إنما يحلف ويخلي سبيله، وقد اتفقت في هذا الرأي مع بعض الحنفية، والشافعية، والحنابلة.
76 - من وجب عليه دين للغير ولم يسدده، وادعى أنه معسر وثبت إعساره، أو لم يثبت إعساره ولكن صدقه صاحب الدين، فإنه يخرج من السجن، وقد اتفق الفقهاء على هذا… ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
77 - من وجب عليه دين للغير ولم يسدده، وادعى أنه معسر وثبت إعساره، أو لم يثبت إعساره ولكن صدقه صاحب الدين لا يحق لغرمائه ملازمته ويحول الحاكم بينه وبينهم، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي وأحمد.
78 - يجوز اشتراط تأجيل تسليم العين لمن انتقلت إليه ملكيتها في التصرفات الناقلة للملكية بشرط أن تكون مدة التأجيل معلومة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك وأحمد.
79 - تأجيل الديون ثابت في الكتاب والسنة والإجماع.
80 - يبطل السلم إذا تأخر رأس مال السلم عن مجلس العقد، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي وأحمد.(3/263)
81 - يشترط لصحة الصرف أن يتم التقابض في مجلس العقد، بغير خلاف بين الفقهاء، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
82 - الإقالة فسخ وليست بيعاً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعي – في أحد قوليه – وأحمد في رواية.
83 - يبطل شرط تأجيل بدل الإقالة، وتبقى الإقالة صحيحة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة وأحد الوجهين عن الشافعية، والمفهوم من الحنابلة.
84 - يكون بدل القرض مؤجلاً إذا اشترط الأجل في العقد واتفق عليه المتعاقدان.
85 - يكون بدل القرض حالاً إذا لم يشترط الأجل في العقد، وللمقرض الحق في المطالبة ببدله في الحال، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
86 - دية قتل العمد تكون حالة في مال الجاني، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك – في رواية – والشافعي وأحمد.
87 - دية قتل شبه العمد تكون مؤجلة على ثلاث سنين، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية والشافعية والحنابلة.
88 - دية قتل الخطأ تكون مؤجلة على ثلاث سنين على العاقلة، ولا خلاف بين الفقهاء في هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
89 - أن السلم لا يكون إلا مؤجلاً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ومالك وأحمد – في رواية.
90 - عدم جواز بدل الكتابة حالاً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الشافعي وأحمد.
91 - أن ثمن المشفوع فيه يكون مؤجلاً على الشفيع إلى أجله إن كان ملياً، وإلا أتى بضامن، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك وأحمد.
92 - أن المساقاة من العقود اللازمة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية ومالك، والشافعي، وبعض الحنابلة.
93 - وجوب تحديد المساقاة بمدةٍ معلومةٍ، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة.
94 - وجوب تحديد المزارعة بمدة متعارفة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية، ومالك، والشافعي.
95 - إذا وقعت الإجارة على منفعة مجهولة في نفسها كالسكنى، وجب تحديدها بمدة معلومة كشهر أو سنة مثلاً .. وقد اتفق الفقهاء على هذا .. ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
96 - أن العارية غير لازمةٍ، سواء كانت مقيدة بأجل أو مطلقة عن الأجل، وللمعير أن يستعيدها متى شاء، ما لم يكن في إعادتها ضرر على المستعير وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي وأحمد.
97 - الوكالة عقد جائز بين الطرفين، يحق لكل منهما فسخها متى شاء، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
98 - جواز توقيت المضاربة (القراض) وقد اتفقت في هذا الرأي مع بعض أصحاب أبي حنيفة، وأحمد.
99 - جواز توقيت الكفالة، كأن يقول أن كفيل يزيد إلى شهر، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والمالكية والشافعي – على الصحيح – وأحمد، وهذا يشمل الضمان أيضاً.
100 - لا يصح توقيت ابتداء الوقف، كأن يقول: إذا جاء رأس الشهر فداري وقف، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
101 - لا يصح توقيت انتهاء الوقف، كأن يقول: داري وقف إلى أن يحضر زيد، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية والشافعية وأحد الوجهين عند الحنابلة.
102 - لا يجوز توقيت البيع، كأن يقول: بعتك هذه السلعة سنة، أو على أن تردها لي بعد سنة، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
103 - مسألة العينة: هي أن يبيع سلعة بثمن مؤجل ثم يشتريها نقداً بأقل من ثمنها الأول.
104 - عدم جواز مسألة العينة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ومالك وأحمد.
105 - لا يجوز توقيت الهبة، كأن يقول: وهبتك هذا سنة ثم يعود إلي، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
106 - نكاح المتعة: هو أن يتزوج الرجل امرأة مدة معلومة أو مجهولة، مثل زوجتك ابنتي شهراً.(3/264)
107 - أن نكاح المتعة باطل، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
108 - النكاح المؤقت: هو أن يتزوج الرجل امرأة بشاهدين لمدة شهر مثلاً.
109 - النكاح المؤقت نوع من أنواع نكاح المتعة، وهو نكاح باطل كما سبق.
110 - جواز إضمار الزوج للطلاق من قبل عقد النكاح، بشرط ألا يشعر الزوجة بهذا… أو وليها، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية والمالكية والشافعية وبعض الحنابلة.
111 - عدم جواز توقيت الرهن، كأن يقول: رهنتك هذه السيارة شهراً، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
112 - يتم تحديد الأجل الشرعي أو القضائي أو الاتفاقي بالتقويم القمري سواء كان إياماً أو شهوراً أو سنيناً. ويجوز بما يعرفه المسلمون كالأشهر الإفرنجية، وقد اتفقت في هذا الرأي مع جمهور الفقهاء.
113 - إذا اشتمل العقد على أجل ولم تحدد بدايته في العقد، فإنها تبدأ من حين العقد مباشرة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة، ومالك وبعض الحنابلة ورواية عن أحمد.
114 - الأجل المجهول جهالة مطلقة، هو المدة المضافة إلى أمر لا يمكن معرفته حين العقد، كأن يكون من الأمور الغيبية، كنزول المطر أو هبوب الريح.
115 - عدم جواز التأجيل المجهول جهالة مطلقة، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
116 - الأجل المجهول جهالة متقاربة: هو المدة المضافة إلى أمر لا يمكن معرفته بصورة قطعية أثناء العقد، لكن يحكم عليه بمقدماته، كالحصاد وجذاذ الثمرة وقدوم الحاج.
117 - عدم صحة الأجل المجهول جهالة متقاربة وأنه يستوي في ذلك مع الجهالة المطلقة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد.
118 - الإيجاب المشتمل على صفقتين إحداهما بالنقد والأخرى بالنسيئة، واحدة من صور بيعتين في بيعة، ومثاله: أن يقول بعتك هذه السلعة بعشرين ريالاً حالة، أو ثلاثين ريالاً مؤجلة. ولهذه الصورة حالتان:
الأولى: أن يكون البيع واجباً، بأن تم الإيجاب والقبول قبل أن يختار المشتري أي الثمنين يريد. فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز هذه الحالة وبطلان البيع فيها، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
الحالة الثانية: إذا لم يكن البيع لازماً بأحدهما (النقد أو الأجل) أي بأن يختار المشتري الشراء بالنقد أو الأجل قبل انعقاد البيع. وفي هذه الحالة يجوز البيع، وقد اتقت في هذا الرأي مع مالك وأحمد.
119 - يجوز بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النسأ، كقوله: أبيعك السيارة بخمسين ألف ريال مؤجلة، سنة، مع أنها لا تساوي نقداً سوى أربعين ألف ريال، إذا كان غرضه التجارة أو الانتفاع أو القنية، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
وإذا كان غرضه الدرهم فيجوز أيضاً، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية والشافعية ورواية عن أحمد.
120 - تأجيل الدين لأجل الزيادة إحدى صور بيع الدين بالدين، وقد اتفق الفقهاء على بطلانها، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
121 - عدم جواز تعجيل الدين المؤجل مقابل التنازل عن بعضه، وقد اتفق الأئمة الأربعة على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
122 - إذا اختلف المتبايعان في أصل الأجل، كأن يقول المشتري أنا اشتريت منك هذه السيارة بخمسين ألف ريال مؤجلة، ويقول البائع: بل اشتريتها بخمسين ألف ريال حالة، فلهذه المسألة حالتان:
الحالة الأولى: إذا ثبت بينه لدى أحدهما عمل بها.
الحالة الثانية: إذا لم توجد بينه لدى أحدهما وفي ذلك صورتان:
أ- أن تكون السلعة قائمة أو المنفعة لم تستغل، ففي هذه الصورة يتحالفان وينفسخ العقد، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك والشافعي ورواية عن أحمد.(3/265)
ب- أن تكون السلعة قد تلفت أو المنفعة قد استغلت، ففي هذه الصورة القول قول المشتري مع يمينه، وقد اتفقت في هذا الرأي مع أبي حنيفة ورواية عن مالك ورواية عن أحمد.
123 - إذا اختلف المتبايعان في مقدار الأجل، كأن يقول المشتري: اشتريت منك هذه الدار بمائة ألف ريال مؤجلة لمدة شهرين، وقال البائع بعتك هذه الدار بمائة ألف ريال مؤجلة لمدة شهر فقط. فالحكم في هذه المسألة كما سبق في البند (122).
124 - إذا اختلف المتبايعان في حلول الأجل وانتهائه، كأن يقول البائع: بعتك هذه الدار بمائتي ألف ريال مؤجلة إلى شهر محرم، واختلفا في ذلك، فالبائع يقول: إلى أول محرم، والمشتري يقول: إلى نهاية محرم، فالقول البائع لأن الأجل إذا جعل إلى شهر تعلق بأوله.
125 - جواز إسقاط الأجل من قبل المدين وإلزام الدائن بالقبول إذا لم يكن في ذلك ضرر على الدائن كخوف ونحوه، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
126 - لا يجوز إسقاط الأجل من قبل الدائن إلا إذا وافق المدين، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
127 - يسقط الأجل بانتهاء مدته.
128 - إذا استأجر إنسان أرضاً للزراعة فانقضت مدة العقد، وفيها زرع لم يبلغ حصاده، وكان ذلك بتفريط من المستأجر، فإن مالك الأرض يخير بين أخذ الزرع بقيمته، أو تركه للمستأجر بأجرة المثل، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية والحنابلة.
129 - إذا استأجر إنسان أرضاً للزراعة فانقضت مدة العقد، وفيها زرع لم يبلغ حصاده، ولم يكن ذلك بتفريط من المستأجر، فإنه يلزم مالك الأرض أن يترك الزرع إلى أن ينتهي وله أجرة المثل عن المدة الزائدة، وقد اتفقت في هذا الرأي مع مالك وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي والحنابلة.
130 - إفلاسُ المدين لا يوجب حلول ما عليه من دين مؤجل، وقد اتفقت في هذا الرأي مع الحنفية، وأصح القولين عند الشافعي وأحمد.
131 - جنون المدين لا يوجب حلول ما عليه من دين مؤجل، وقد اتفقا الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
132 - أن تقدير مدة إنظار المفقود يرجع إلى الحاكم، بشرط ألا تقل المدة عن أربع سنوات، وألا تطول إلى حد يترتب عليه ضرر يصيب الزوجة أو الورثة أو أصحاب الحقوق.
133 - من أسر ولم تعلم له حياة ولا موت لا تنكح زوجته حتى يعلم يقين موته، وقد اتفق الفقهاء على هذا، ولا رأي لي بعد هذا الاتفاق.
134 - دين الميت (المدين) يحل بالموت إلا في ثلاث حالات:
أ- إذا كان الدائن قتل المدين أو تسبب في قتله عمداً، فإن الدين لا يحل ويبقى إلى أجله.
ب- إذ كان المدين قد اشترط على الدائن عدم حلول الدين بموته أي (المدين) فإن الدين لا يحل.
ج- إذا التزم ورثة المدين بتسديد الدين في موعده، فلا يحل الدين.
وختاماً الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين.(3/266)
أحكام الأدوية في الشريعة الإسلامية
Oحسن بن أحمد بن حسن الفكي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة دار المنهاج - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أحكام طبية
هذا ملخص لأهم النتائج لما يحتويه هذا البحث:
1. إن الله تبارك وتعالى خلق الأدواء لحكم عظيمة من أظهرها الابتلاء والاختبار. وجعل لتلك الأدواء أدوية تقاومها قبل وقوعها، وتدافعها بعد وقوعها، علم ذلك من علم وجهله من جهله، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا.
2. إن الاحتراز من الداء والتوقي عنه، واتخاذ الحيطة والحذر، وما شرع الله من وسائل، هذا أمر مشروع دلت عليه قواعد الشرع، وقال به أهل العلم.
3. إن القول الوسط في شأن العدوى: أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، فالداء لا يعدي بطبعه كما كان يظنه أهل الجاهلية، وكما يعتقده أهل الكفر اليوم. لكن يمكن أن ينتقل الداء من المريض إلى السليم عن طريق المخالطة ونحوها، وهذا من قدر الله وسنته الكونية، ولو شاء ألا ينتقل لم ينتقل.
4. إن الإسلام جاء بصلاح الأرواح والأبدان. وعناية الإسلام بصحة الأبدان تظهر في كثير من تعاليمها وآدابه وأحكامه، وهي وسائل وقائية، يسعد بها من فقهها. يظهر ذلك جليا في أمره بالطهارة وخصال الفطرة، وإباحة الطيبات وتحريم الخبائث.
5. إن الدواء حقيقة هو: كل ما يستخدمه الإنسان، من عين مباحة نافعة، أو سبب شرعي، لأجل الوقاية، أو دفع المرض أو تقليله. وهذا أولى من تعريفات الدوائيين، الذين أهملوا الجانب الإلهي في الدواء أعني الأسباب الشرعية غير المحسوسة، مع أنها أقوى وسائل لدفع المرض، كما أشرت إليه في موضعه.
6. إن الإنسان عرف الدواء منذ فجر التاريخ بما أودعه الله فيه من فطرة فاحصة، وبما ألهمه إياه ودله عليه، عرف ذلك كل الأمم والشعوب، وإن كانت الأمة الإسلامية لها الريادة في ذلك، وقد خلف المسلمون كثيرا من المآثر التي لا يزال يستقي الناس إلى اليوم من معينها، وأصبحت أساسا لعلوم الطب والدواء.
7. إن الصيدلي المسلم يجب أن يكون قدوة في العلم والعمل، وأن يتحلى بكريم السجايا وجميل الخصال، وأن يجتنب الغش والكذب ونحو ذلك من خصال الشر، وليعلم أنه داعية إلى الله وأنه على ثغرة من هذا الدين الحنيف، وأن الله سائله يوم القيامة عما أسلف في هذه الدار.
8. إن مصادر الدواء المحسوس تتنوع ما بين مباح وممنوع شرعا، والممنوع لا يخلو أمره من إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن يحتفظ بصفاته المحرمة في الدواء المنتج، وهذا إما أن يكون كحولا، أو لا فإن كان كحولا كان هذا الدواء حراما قطعا، لا يتداوى به في اختيار ولا اضطرار، بل لم يكن في الواقع دواء، وإن ظن أنه كذلك، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الخمر: (لا، إنها ليست بدواء، ولكنها داء). وإن لم يكن كحولا، بل كان غير ذلك من المواد النجسة، فهو حرام في حال السعة، لكن يجوز التداوي به عند الضرورة.
الحالة الثانية: أن يتحول المحرم إلى عين مباحة. فالدواء حينئذ دواء مباح، لكن يبقى النظر بعد ذلك: هل يجوز استخدام العين النجسة أو الحرام لتحضير الدواء إذا كانت ستستحيل إلى عين مباحة طاهرة، أو تنتزع بعد تحضير الدواء للاستغناء عنها؟ هذا ينبني على مسألتي: الانتفاع بالنجاسات، وتخليل الخمر. والذي يترجح والعلم عند الله جواز الاستفادة من النجاسات، دون تخليل الخمر، وعليه يبنى الحكم.
9. إن تعاطي الدواء على سبيل الوقاية أو على سبيل العلاج، كل ذلك جائز، وهذا مقتضى الأدلة الشرعية، كما أوضحته في موضعه.(3/267)
10. إن الشرع الحنيف نبه على أنواع من الأدوية، ونوه على فعاليتها، وأرشد إلى الاجتهاد لطلب مكنوناتها، وقد تجلت كثير من أسرار الشرع الحنيف من خلال التجارب والأبحاث التي قام بها بعض الدارسين والباحثين. كما نبه على أنواع منها تشتمل على محاذير شرعية. وقد ذكرت بعضا من هذه وبعضا من تلك.
11. إن الكحول هو روح الخمر وعلة إسكارها، وقد أقحمه من لا خلاق له من الكفار وغيرهم من مصنعي الأدوية في معظم الأدوية دون حاجة لذلك، بل هناك العديد من البدائل الشرعية التي تقوم مقامه، بل وأحسن منه أحيانا.
12. إن مما استجد من نوازل العلاج قضية غرس الأعضاء، وقد عرضت لها وأطلت البحث فيه نسبيا، والذي اتضح لي فيها ما يلي:
أ- إن الغرس الذاتي لا إشكال فيه.
ب- إن الغرس من الغير: إن كان من الأموات فمقتضى الأدلة وقواعد الشرع جوازه، وقد بينت وجه ذلك.
ج- إن الغرس من الغير: إن كان من الأحياء، فالأرجح منعه، وما ذكره المجيزون من حجج فهي ضعيفة.
د- إن موت الدماغ المعروف عند الأطباء ليس موتا شرعيا، ولا تترتب عليه أحكام الموت الشرعي، وميت الدماغ حكمه حكم الحي المعصوم يحرم الاعتداء عليه.
13 - إن الرقى الشرعية أمثل أنواع الدواء وقاية وعلاجا لو أحسن الناس أخذها، بل من الأدواء ما لا يجدي فيه غير الرقى الشرعية، وأن ذلك مما لا يعرفه الطب الطبائعي. غير أن من الناس من غلا في أمرها وفتح أبوابا بدعية، واتخذ الرقى وسيلة للاعتداء على أعراض الناس وأموالهم. وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
14 - إن مدارس الطب النفسي قد فشلت في غالب أحوالها لما عملت بمعزل عن نور النبوة. وأن طريقة الإسلام في معالجة الأدواء النفسية هي الحق الذي لا محيد عنه، وفيها البلسم الشافي للعلل النفسية.
15 - إن الأدوية وخاصة العقاقير تخلف آثارا محسوسة على المكلفين، أي على أبدانهم وأرواحهم، وأخرى غير محسوسة، أعني على طاعتهم. وأن الآثار المحسوسة مضمونة في الجملة. وأما الآثار المعنوية أي الآثار التي تكون على الطاعة، فشملت نوازل فقهية مهمة هذه من أبرزها:
أ- المنظار الذي يكون من أسفل من قبل أو دبر لا ينقض الطهارة لذاته. ومثله الأدوية التي تعطى من أسفل كالتحميل، والحقن الشرجية، ووضع الإصبع للفحص.
ب- سحب الدم من المريض لا ينقض الوضوء.
ج- الدواء الذي يذهب العقل يفسد الوضوء.
د- إعطاء الدم لا يؤثر في صحة الصلاة. وكذا غرس العضو.
هـ- المنظار العلوي أو السفلي لا يبطل الصيام. وكذا الفحص بالإصبع ونحوه.
والأدوية التي تكون على الجراح لا تفسد الصوم، ولو كانت جائفة أو مأمومة.
ز- الغسيل الكلوي (الإنفاذ الخلبي/البريتوني) يفسد الصوم على الأظهر نظراً لدخول الجلوكوز إلى الدم.
ح- الإبر الوريدية إن كانت علاجية لا تفسد الصوم، وإن كانت مغذية تفسده.
ط- إعطاء المريض الدم يفسد صومه. وكذا الغسيل الكلوي (الإنقاذ الدموي) من جهة اصطحاب الدم الجلوكوز معه.
ي- الأرجح في سحب الدم أنه لا يفسد الصوم.
هذا وقد اتضح لي ضرورة اهتمام المسلمين بمجال الدواء، خاصة وهم أهل السبق في كل خير، وفي شريعتهم إشارات عديدة لضروب من الأدوية، فكيف يكون غيرهم أسبق منهم في ما كان كذلك؟ ومع هذا فإن أكثر الاكتشافات والأبحاث في الأدوية الآن تجرى في بلاد الغرب، حتى ما اختص منها بالتنبيه عليه الشرع الحنيف، كالحبة السوداء والعسل وغيرهما كثير.
كما اتضح لي وجوب سعي الأمة لإيجاد مصانع مستقلة تقوم على أساس الشرع حتى لا تدخل على المسلمين المواد المحرمة في أدويتهم، كالخمر والخنزير ضمن الأدوية التي يصنعها أهل الكفر الذين لا يحرمون ما حرم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وحتى لا تكون الأدوية حكرا لأعدائنا فيتخذونها سلاحا ضدنا، وحتى لا تذهب أموال الأمة المصروفة في الدواء إلى خزائن الكفار. والأمة والحمد لله قادرة على ذلك كله بما وهبها الله من خيرات وفيرة، لكنها تحتاج إلى صدق وإخلاص وهمة وعزيمة وإحساس بعظم المسؤولية.
عسى أن يعي أهل الشأن في الأمة الحبيبة هذا ويعملوا لتحقيقه، فيتقي المسلمون شر ما هم واقعون فيه الآن، والله تعالى أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/268)
أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية (دراسة مقارنة)
Oعبدالله بن محمد الطريقي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أطعمة وأشربة
الخاتمة
بعد أن انتهينا من تحرير موضوعات "أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية"، بتوفيق من الله سبحانه وتعالى، يمكننا أن ندون خلاصة أهم ما ورد فيه مستعيناً بالله عز وجل فأقول:
1 - الطعام ينبوع الحياة يحتاج إليه الإنسان كما يحتاج إليه الحيوان وكما يحتاج إليه النبات وسائر الكائنات الحية، فالطعام عامل مشترك بين هذه الأشياء فبدونه لا تكون الحياة. وهو من نعم الله على الإنسانية حيث يسر لها ما لو شاء لمنعه عنها.
2 - أن لإطابة المطعم أثراً طيباً على الإنسان في سلوكه وصفاء قلبه وسريرته وقبول دعائه، كما أن للمطعم الخبيث أثراً سيئاً على الإنسان أيضاً، ويكفي أنه سبب في عدم قبول دعائه.
3 - التكسب وطلب المعيشة من أفضل القرب فالله سبحانه وتعالى لما خلق الخلق هيأ لهم سبل الرزق فالسماء لا تمطر ذهباً ولا فضة، فالطيور من أصغر مخلوقات الله لم تستقر في أوكارها حتى يأتيها رزقها. فقد ورد في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً".
4 - ما من مخلوق إلا وهو محتاج للطعام يأكله ويتغذى منه فالطعام للإنسان كالوقود للمحرك، وقد أودع الله في الأرض خيرات كثيرة للإنسان فما عليه إلا أن يستخرج هذه الخيرات من باطن الأرض لتكون قواماً للحياة وعوناً على طاعة الله سبحانه وتعالى.
5 - أكل الطعام منه ما هو فرض ومنه ما هو مباح ومنه ما هو حرام ومنه ما هو مأجور عليه.
6 - لآداب أكل الطعام صفات مستحبة وآداب مرعية منها ما يتقدم الأكل ومنها ما يكون أثناء الأكل ومنا ما يكون بعد الأكل.
7 - الأطعمة لغة إسم جامع لكل ما يؤكل وما به قوام البدن. وهي في اصطلاح الفقهاء تطلق على معان مختلفة تبعاً لاختلاف مواطنها.
8 - تنقسم الأطعمة إلى حيوانية وغير حيوانية، ثم الحيوان ينقسم إلى مائي وبري. ثم البري ينقسم إلى قسمين حيوان أهلي وحيوان وحشي، ثم إن قسمي الحيوان المائي والبري أنواع منها ما يؤكل ومنها ما لا يؤكل، ثم إن المأكول من الحيوان ينقسم إلى مباح ومكروه وإلى ما تشترط الزكاة في إباحته وما لا تشترط.
9 - الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص من الشارع بالتحريم كما هو مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين عملاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}.
وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ ... } فالأصل الإباحة والتحريم مستثنى.
10 - اختلف العلماء في المراد بالطيب الذي أباحه الله تعالى وفي الخبيث الذي حرمه على أقوال ترجح لنا منها أن المراد بالطيبات هو ما كان نافعاً لأكله في دينه وبدنه. والخبيث ما كان ضاراً له في دينه وبدنه.
11 - اختلفت الملل والجماعات في الأطعمة اختلافاً شاسعاً واضطربوا في شأنها اضراباً فاحشاً حتى وصل بعضهم إلى تحريم الحال الطيب وإباحة الحرام الخبيث.
12 - من أسباب تحريم بعض المحرمات من الأطعمة الضرر اللاحق بالبدن أو الإسكار والتخدير والترقيد أو النجاسة أو الاستقذار أو الافتراس أو عدم الإذن شرعاً في التناول.
13 - المطعومات منها ما أحله الله سبحانه وتعالى بالنص ومنها ما حرمه بالنص وهناك مطعومات أخرى اختلف في حرمتها لعدم التنصيص عليها صراحة وهي ما سبق بحثه مستوفى.(3/269)
14 - من رحمة الله تعالى بالبشرية أن حرم علينا تناول لحوم الحيوانات المفترسة وذلك لما فيها من القوة السبعية التي تورث من أكلها نبات جسمه منها فتصير أخلاق الأكل قريبة من أخلاق السباع. مع ما فيها من خبث مطعمها كالتي تأكل الجيف من الطيور. أو لأنها في نفسها مستخبثة كالحشرات فطيب المطعم يؤثر في الحل وخبثه يؤثر في الحرمة.
15 - العلم الحديث الصادر عن تجارب صحيحة ونظريات واقعية يخدم الإسلام في كثير من المسائل، وذلك أن العلم كلما تمكن أكثر ازداد الناس معرفة بكثير من أسباب تحريم بعض المأكولات، من ذلك لحم الخنزير الذي لا يزال العلم الحديث يكتشف فيه الكثير من الأضرار والأمراض التي لا ينجو منها أي إنسان يأكل لحمه سواء كان في مناطق حارة أو باردة من أنحاء العالم.
16 - هناك بعض الحيوانات حرمها الإسلام لأسباب عارضة، وهذا السبب العارض يصير به الحيوان المباح حراماً أو مكروهاً شرعاً وهذا السبب قد يتصل بالإنسان أو بالحيوان أو بهما معاً. وذلك كالإحرام بالحج أو العمرة والجلالة من الحيوانات ووجود حيوان الصيد في نطاق الحرم وأخذ الطيور من أوكارها، على خلاف بين الفقهاء في هذه الأشياء.
17 - اختلف الفقهاء في حكم أكل حيوان البحر الذي لا يعيش إلا فيه والراجح أن ما لا يعيش إلا في البحر حلال كله لعموم الأدلة في إباحة حيوان البحر.
18 - الحيوان الذي يعيش في البر والبحر هل يعتبر من حيوان البر أو من حيوان البحر؟ في ذلك خلاف بين الفقهاء سبق بيانه مفصلاً.
19 - من الأشياء التي ظهرت في هذا العصر استعمال الجيلاتين في كثير من أنواع الأطعمة.
ومصدر هذا الجيلاتين جلود وعضلات وعظام الحيوانات التي من المحتمل أن يكون بها كثير من أجزاء الخنازير، وعلى هذا فالجيلاتين المتحول عن الكولاجن الذي أصله من الخنزير حرام لأن ذلك مثل انقلاب الخنزير ملحاً.
20 - استعمال الأدهان في الأغذية فيه تفصيل وذلك أن هذه الأدهان أما أن تكون من نبات أو من حيوان.
فإن كانت من نبات فهي حلال بشرط ألا تكون مخلوطة بنجس أو متنجس وإن كانت من حيوان فإما أن تكون من مأكول أو غير مأكول.
فإن كانت من مأكول فحكمها حكم لحمه.
وإن كانت من حيوان محرم الأكل كالخنزير فإما أن تستعمل في مأكول أو غير مأكول.
فإن استعملت في غير المأكول كاستعمال كثير من أدهان الخنزير في الصابون ففيه خلاف الراجح فيه التحريم.
أما إن استعملت في الأطعمة المأكولة كاستعمال كثير من أدهان الخنزير مع الحلويات وغيرها فذلك محرم.
21 - أما الأجبان فإن صنعت من لبن حيوان غير مأكول فلا تؤكل إجماعاً وإن صنعت من لبن حيوان مأكول فإن عملت من أنفحة مذكاة ذكاة شرعية ولم يخالطها نجاسة فتؤكل.
أما إن عملت من أنفحة ميتة ففي جواز أكلها خلاف الراجح تحريم أكلها.
أما إن عملت من أنفحة نجس العين فلا تؤكل.
22 - من رحمة الله بعباده أن حرم عليهم ما فيه ضرر في دينهم أو أبدانهم من مسكر ومخدر وهو ما تعاني منه شعوب العالم الذي حَكَّم القانون الوضعي.
23 - أكل الطين والتراب والحجر وما شابهها محرم لا يجوز تناوله لما فيه من المضرة على الجسم. والإسلام يأمر بحفظ البدن وعدم إلحاق الضرر به. وهذا ما لم يترتب عليه مصلحة محققة كصلاحيته علاج مثلاً لبعض الأمراض ونحو ذلك.
24 - الحشيش نبات مخدر يستخرج من ورق القنب وقد اتفق فقهاء المذاهب على تحريمه لأنه مفسد للعقل ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ولأنه يحتوي على مركبات متعددة أهمها الحشيش الذي يعتبر سماً فعالاً في الجهاز العصبي.(3/270)
25 - أما الأفيون فهو مادة مأخوذة من نبات الخشخاش الأبيض تؤخذ بطريقة الفم، وتتركب من مركبات عديدة أهمها المورفين والكودثين والبابافرين والناركوتين، وهي مواد مسكنة للألم ومنومة ومضادة للتشنج يؤدي الإدمان عليها إلى انسمام عصبي خطير.
وهو محرم لأنه مادة مخدرة يشتمل على مضار كثيرة من مسخ للخلقة وإفساد للعقل وصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
26 - أما القات فيستعمل مضغاً عادة عند المدمنين عليه أو تحت الشفتين ويحتوي على مواد متعددة أهمها مادتي الأفدرين وبالنزيدرين وقد ترجح لنا تحريمه نظراً لما فيه من المضار في الدين والبدن وقد سبق بيانها في موضعها.
27 - ما له رائحة كريهة كالبصل والثوم والكراث مباح ولم يرد دليل في تحريمها بذاتها وإنما ورد الدليل في النهي عن أكلها عند الصلاة خشية تأذي المصلين من رائحتها والنهي لا يقتصر على هذه الأشياء فقط بل يتعداها إلى كل ما له رائحة كريهة وهذه قاعدة عامة عن كل ما يتأذى منه بنو آدم.
28 - الميتة ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح، وما ليس بمذبوح فذكاته كموته كالسباع.
وقد حرم الله الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع لما فيها من الأضرار على أكلها فالإسلام دين الصحة والسلامة لم يبح شيئاً إلا لمصلحة ولم يحرمه إلى لمضرة ظاهرة أو خفية علمناها أو لم نعلمها. لأنه من لدن حكيم خبير يعلم ما يصلح خلقه وما يضرهم لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون.
29 - الدم سائل أحمر يسري في عروق الحيوان وهو محرم بنص القرآن إلا أنه يعفى عن يسيره مما يبقى مع العروق تيسيراً على الأمة ودفعاً للمشقة، والجمهور على تحريم مسفوح الدم فقط.
30 - اتفق الفقهاء رحمهم الله على طهارة البيض إذا صلب قشره واشتد واختلفوا في إباحته إذا لم يشتد قشره والذي ظهر لنا نجاسته لاختلاطه بالنجاسة وعدم انفصاله عنها.
31 - لبن الميتة المأكولة حال الحياة نجس يحرم تناوله لنجاسة وعائه كاللبن في إناء نجس وهذا مذهب جمهور الفقهاء.
32 - للفقهاء في حد الضرورة المبيحة للمحرم أقوال متقاربة أنسبها أنها بلوغ المضطر حداً إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب الهلاك أو خشي تلف عضو من أعضائه. وهذا لأن الأصل في المحرم عدم فعله ولا ينتهك إلا عد الضرورة والضرورة تقدر بقدرها.
33 - مهما بلغت الضرورة فلا يجوز للمضطر أن يأكل إلا بمقدار ما يسد الرمق فقط لأن المحرم أبيح للضرورة والضرورة تقدر بقدرها ولأنه من الممكن أن يجد طعاماً مباحاً وهذا هو الراجح من أقوال الفقهاء.
هذا ما تيسر كتابته في موضوع أحكام الأطعمة في الشريعة الإسلامية فإن وفقت إلى الصواب فهو توفيق منه سبحانه وتعالى وله الشكر على كل حال. وإن لم أوفق فمني وأستغفر الله.
وفي الختام أسأله تعالى أن يوفقنا في جميع الأعمال لما يرضيه وأن يجعل عملنا صالحاً ويجعله لوجهه خالصاً بمنه ورحمته إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، وصلى الله وسلم على البشير النذير والسراج المنير محمد خاتم النبيين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.(3/271)
أحكام الأطعمة والذبائح في الفقه الإسلامي
Oأبو سريع محمد عبدالهادي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الجيل - بيروت
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أطعمة وأشربة
الخاتمة
مما سبق نستطيع أن نصل إلى النتائج الآتية:
1 - إن الإسلام قد عمل على سلامة الروح والأبدان والعقول، فأباح الطيب وحرم الخبيث. {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ}.
2 - أباح الله الحلال بشرط عدم الإسراف {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} ().
3 - الأصل في الأشياء الإباحة إلا إذا ورد ما يدل على النهي. فأباح لنا كل ما سكتت عنه النصوص واستباحته العرب. أما ما لم يرد به نص واستخبثته العرب فهو حرام. والمراد بالعرب أهل اليسار من الحضريين من أهل الحجاز.
4 - أباح الله لنا: الإبل والبقر والجاموس والغنم والماعز والأرانب والخيل. والحيوانات البرية غير المفترسة. كالغزال وبقر الوحش وحماره. وحرم علينا الحمار الأهلي والبغل وكذا كل ذي ناب مفترس. إلا أنه أباح الضبع والثعلب. والدب. وحرم الهر والفيل والقرد وابن آوى. وأحل لنا الحشرات الضب والمقنفذ والنيص والوبر واليربوع والجراد والدود بشروط خاصة. وحرم ابن عرس – العرسة – والحشرات المستخبثة والضارة. كالخنافس والعقارب.
وأحل لنا. ما ليس له مخلب قوى ولا يأكل الجيف الكنعامة والبط والأوز الحمام واليمام والعصافير. أما ما له مخلب فيحرم. كالصقر والنسر والباز والحدأة والبومة. الخ.
5 - حرم الله أكل ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بقتلهم في الحل والحرم. وهم. الحدأة والفأرة. والكلب العقور والحية والغراب الأبقع. وأحل غراب الزرع وكذلك. أحل الله ما حرم الرسول قتله. وهم الهدهد والصرد – طائر فوق العصفور – والنمل السليماني والنحلة. أما الضفدع فحرام أكله.
6 - الجلالة. لا يجوز أكلها حتى يزول أثر ما أكلته من النجاسات ويجوز العلف للحيوانات بالنجاسات إذا استحالت إلى شيء آخر. أما إذا لم يتم ذلك فلا يباح. وإذا أكلت النجاسات قليلا فلا شيء في القليل.
7 - جميع الحيوانات البحرية حلال. ولو كانت ميتة. ولو كان السمك طافيا ولا فرق بين من يعيش في البحر فقط. أو فيه وفي البر. إلا التمساح والضفدع فإنهما يحرمان. ولا تجب ذكاة ما يعيش في البحر فقط. أما ما يعيش فيه وفي البر فيذكى. كما أن السمك المملح حلال.
8 - ما انفصل من الحيوان كالسمن واللبن على أن يكون من حيوان مأكول. ويحل لبن الآدمية ولو ميتة. والجبن بالأنفحة حلال. والبيض الخارج من حيوان طاهر ولو غير مأكول. وكذا من الحيوان المأكول بعد موته.
9 - الخميرة بيرة حلال. والثوم وتوابعه من المكروهات.
10 - تحل الأشربة ما عدا الخمر والمخدرات. أما السجاير فقيل بحلها. وقيل بكراهتها. وقيل بحرمتها لضررها، والأكل والشرب في أواني الذهب والفضة حرام.
11 - الذبائح تذبح بالطريقة الشرعية في الحلق واللبة. يسن نحر ما ينحر كالإبل. وذبح ما يذبح كالبقر. فإن عكس جاز مع الكراهة. وتستحب التسمية في القول الراجح وأن يكون الذبح بآلة حادة وإراحة الذبيحة. وعدم سن السكين أمامها. وأن لا يذبح حيوانا أمام آخر. وألا يذبح من القفا فإن فعل ذلك جار مع الكراهة.
12 - يجوز الذبح بكل محدد. ما عدا السن والظفر والعظم.
13 - لا تجوز ذبيحة الكافر مطلقا. وتجوز ذبيحة الكتابي إلا إذا سمي غير الله وسمعناه. فإن ذبيحته لا تحل.(3/272)
14 - اللحوم المستوردة إذا كانت من بلاد إسلامية حلت. وإن كانت من بلاد كتابية وذبحت على الطريقة الشرعية. حلت. وإن ذبحت على غير الطريقة الشرعية وتأكدنا بما لاشك فيه فلا تحل. أما إن جهلنا كيفية ذبحها حلت لأن الطعام لا يطرح بالشك. واللحوم التي تأتينا الآن من بلاد كتابية حلال. لأن المندوبين ترسلهم الشركات المستوردة يقولون إنها تذبح على الطريقة الشرعية. والعاقبة عليهم.
15 - ذبائح أهل الكتاب المحرمة عليهم إذا كانت تحل لنا. جاز أن نأكلها منهم. والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى. ولو بعد التبديل والتحريف في دينهم.
16 - يجوز الصيد بالكلاب والجوارح المعلمة على أن لا يأكل من المصيد. ويجوز أن يشرب من دمه. ويجوز الرمي بالسهام في الحيوان غير المقدور عليه. في أي موضع من جسده. ولو مات حل. وإن بقيت فيه حياة مستقرة وجب ذبحه. ويجوز الصيد بالبندقية المعروفة الآن.
17 - يجوز بيع واقتناء الكلاب مع الكراهة للحراسة والصيد وما شابههما إذا كان في ذلك منفعة. ويحرم فيما عدا ذلك.
18 - تحرم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ويجوز للمضطر تناول المحرمات. ويجوز التداوي بالمحرمات والنجاسات حتى الخمر إذا لم يوجد من الطيب الحلال ما يحل محلها ويجوز تشريح جثث الموتى للدواء أو لمعرفة سبب الوفاة.
هذا وقد طلب الله من عباده أن يأكلوا من الطيبات وأن يشكروه على ذلك ليزيدهم من هذه الطيبات. والشكر يكون باعتراف القلب أنها من الله. وحرم علينا كل ما هو ضار وخبيث كالميتة والدم ولحم الخنزير لأنها مستقذرة ولما فيها من الميكروبات الضارة التي تؤدي إلى الأمراض الخطيرة.
كما أن الأكل من الطيبات له تأثير حسن على القلب والجسم والسلوك والطباع بخلاف المحرمات والخبائث. فإن فيها الضرر على القلب والجسم والسلوك والعقل. إنه تشريع العليم الخبير. الذي أوجب ما فيه المصلحة لنا. ونهانا عما فيه الضرر والإيذاء. قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} صدق الله العظيم.
وأسأل الله أن أكون قد وفقت في هذا الموضوع. وأن ينتفع به المسلمون في كل مكان. لأن موضوع الأطعمة والذبائح من أهم ما يشغل المسلمين. وخصوصا. أطعمة أهل الكتاب وذبائحهم واللحوم المستوردة وغيرها. ولما كان أهم ما في الأطعمة الحيوانات. فإن معظم باب الأطعمة كان عنها. أما الأضحية والعقيقة فقد فصلنا القول فيهما في كتابنا "أحكام الحج والعمرة في الفقه الإسلامي". والله الموفق. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.(3/273)
أحكام الأعمى في الفقه الإسلامي
Oمحمد بن عمر الشماع
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة:
الحمد لله حمداً كثيراً الذي أعانني ووفقني إلى إكمال بحثي، وأسأله سبحانه أن يجعله عملاً صالحاً مقبولاً حجة لي لا حجة علي في الدنيا والآخرة ..
لقد عشت من خلال بحثي هذا أفضل الأوقات استمتاعاً؛ بما في سمو التشريع الإسلامي من حكم عظيمة بالغة، وبما في ديننا من سماحة ويسر فيما يخص الناس جميعاً، وخصوصاً المكفوفين؛ لأهميتها العظمى في حياتهم.
وبعون الله وتوفيقه، أرجو أن أكون قد وفقت إلى المقاربة من إكمال (أحكام الأعمى في الفقه الإسلامي) - موضوع هذه الرسالة -؛ لأن الكمال لله وحده.
وفي ختامه لابد من إبراز أهم النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث فأقول: لقد سلكت في هذا الموضوع مسلكاً منهجياً اقتضى أن يكون البحث في عشرة فصول، يسبقها مقدمة وتمهيد.
فأما المقدمة؛ فقد تحدثت فيها عن أهمية الموضوع وسبب اختياري له، ومنهجي وخطتي في البحث.
وأما التمهيد؛ فقد تحدثت فيه عن رعاية الإسلام واهتمامه بأصحاب العاهات والمرضى، ومنهم الأعمى.
وبعد ذلك تحدثت عن الأحكام الخاصة بالأعمى، ومن خلال معايشتي للأحكام الخاصة بالأعمى برزت بعض النتائج، ومن أهمها:
1 - بعد تعريف الإشارة؛ خلصنا إلى أنه قد ورد استعمال الإشارة في الشريعة الإسلامية، وأن حكمها هو حكم الكلام في بعض المواضع، وذكرنا أقوال الفقهاء في إشارة الأعمى، وصوراً منها، وخلصنا إلى أن إشارة القادر على النطق لا تنعقد بها العقود، ولا يصح بها شيء من التصرفات، والأعمى أحد القادرين على النطق.
2 - إن الأعمى قد يجتهد في بعض المسائل دون الأخرى؛ فالأعمى يجتهد في وقت الصلاة بالأوراد ولا يجتهد في القبلة، وذكرت مثلاً أنه لو اشتبه عليه الماء الطاهر بالنجس أنه يجوز له الاجتهاد؛ لأن الأعمى يمكنه الاجتهاد والتحري والوقوف على المقصود بالشم والذوق والسمع واللمس، علماً بأن بعضاً من الأمور لا تحتاج إلى أدلة بصرية لكي يجتهد فيها، وخلصت إلى أن الأعمى يملك الكثير من الأدلة غير البصرية، فلماذا يمنع من التحري والاجتهاد طالما أنه لا يفقدها؟ ورجحنا أنه إذا فقد الأعمى جميع حواسه امتنع عليه الاجتهاد.
3 - إن الأعمى يجوز له التحري والاجتهاد في الأواني والثياب؛ لأن التحري والاجتهاد أمر مشروع، وهو ميزة لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، فكيف وهو في أمر هام مثل الصلاة؟ فإذا فعل ذلك يكون قد اتقى الله ما استطاع.
4 - إن الأعمى يجتهد في معرفة أوقات الصلاة كالبصير؛ لأنه يشارك البصير في هذه العاملات، مثل من له صنعة جرت عادته بعمل شيء مقدر إلى وقت الصلاة، أو قارئ جرت عادته بقراءة شيء فقرأه إلى وقت الصلاة، أو بالأوراد والأذكار.
5 - إن الأعمى شخص كامل الأهلية، ولديه من الحواس الأخرى ما يستطيع به معرفة القبلة وإصابة موقعها.
6 - إن الخلاف في حكم أذان الأعمى لفظي؛ فالقول بجواز أذان الأعمى مشروط بجواز ما إذا وجد معه من ينبهه على دخول الوقت ويرشده؛ مثل أن يكون معه بصير يعرِّفه، كبلال مع ابن أم مكتوم، أما في وقتنا الحاضر؛ فإنه يجوز أذان الأعمى بلا كراهة مطلقاً؛ سواء كان معه من ينبهه أم لا؛ حيث تعددت الوسائل الحديثة وكثرت، فما أن يحين وقت الصلاة حتى تسمع النداء من كل مكان، والله أعلم.
7 - إن إمامة الأعمى جائزة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم يؤم بالناس وهو أعمى، أما قول الحنفية بالكراهة؛ فالكراهة هنا هي كراهة تنزيهية، وهذا قد حصل به جمع بين الأدلة.(3/274)
8 - إن العمى مرض من الأمراض، خصوصاً إذا كان صاحبه لا يجد قائداً أو غير حاذق ولا عارف بالطريق؛ فهنا يعتبر المرض مانعاً من وجوب الجمعة، أما إذا وجد القائد وكان هذا القائد سيأخذ أجرة المثل وبشرط أن تكون هذه الأجرة في حدود طاقته ولا تجحف به؛ فإن الجمعة عند ذلك تجب عليه وهذا يتفق مع روح التشريع الإسلامي في التيسير على المكلفين.
9 - إن صلاة الجماعة واجبة على الأعمى؛ وذلك لقوة الأدلة الواردة في ذلك وصراحتها؛ حيث صرح صاحب الشرع بأنه لا رخصة في ذلك، ولو كان هناك تخيير في ترك صلاة الجماعة لكان أولى الناس بهذا التخيير مثل هذا الأعمى.
10 - إن الأعمى يجب عليه الحج إذا وجد زاداً وراحلة وقائداً يقوده متبرعاً أو بأجرة المثل؛ وذلك لأن الأعمى مع القائد لا يعسر عليه السفر عسراً بيناً زائداً على المعتاد في كلف الأسفار، وخصوصاً في زماننا هذا؛ حيث سهولة المواصلات ويسرها من طائرات وسيارات وسواها.
11 - إن بيع الأعمى وشراءه صحيحان فيما لا يحتاج إلى الرؤية؛ لأنه إذا منع الأعمى من البيع والشراء لنفسه لتَرتب عليه حرج ومشقة شديدة تتنافى وروح التشريع الإسلامي الذي جاء بالتيسير على المكلفين.
12 - إن إجارة الأعمى واستئجاره صحيحة ما عدا ما يحتاج إلى رؤية؛ فلا يصح استئجاره.
13 - إن الأعمى يثبت له الخيار؛ لأنه قد يخدع، وذلك لأن ديننا الإسلامي راعى أحوال أتباعه عامة، ويسَّر لهم أسباب الخير والاطمئنان أمام ما يجلب لهم الأسى والندم.
14 - إن السلم من الأعمى يصح؛ سواء ولد أعمى أو عمي بعد سن التمييز أو قبله؛ وذلك لأن السلم عَقْد على موصوف في الذمة يستوي فيه الأعمى والبصير، ولأنه لا يشترط فيه الرؤية؛ وإنما يعتمد الكل على الوصف.
15 - إن الوكالة من الأعمى جائزة؛ وذلك أن الأعمى يحتاج إلى ضروريات الحياة من المأكل والمشرب، ولا يتمكن من شرائها بنفسه؛ فله أن يوكِّل، وإذا مُنع من التوكيل كان عليه من الحرج والمشقة الشيء الكثير.
16 - إن الأعمى يجوز أن يعهد له الإنسان من بعده بوصيته للأعمى برعاية مصالح أولاده؛ وذلك لأن الأعمى تتوفر فيه جميع الشروط الخاصة بالوصية، فلماذا يمنع؟
17 - إنه ينبغي أن يوضع في الحسبان أن الله سبحانه وتعالى تفضل بنعمة الذكاء وتوقد البصيرة غالباً على المكفوفين أكثر من غيرهم، وصدق الله حيث يقول: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} [الحج: 46].
18 - إن العمى عيب يثبت فيه الفسخ لكل من الزوجين؛ لأن العمى يعطل مصالح الزوج، حتى وإن كان مفهوم النكاح أنه يعقد عليها للاستمتاع بها، فعلم أن بيان العيب في النكاح أولى وأوجب.
19 - إن العمى ليس بقادح في ولاية التزويج؛ لأنه لا يمنع من تحصيل المقصود بالبحث والسماع والاستقصاء.
20 - إن خُلع الأعمى صحيح؛ لأنه يصح من كل زوج يصح طلاقه والأعمى يصح طلاقه.
21 - إن الأعمى لا يجزئ عتقه في شيء من الكفارات؛ لأن العمى يضر بالعمل ضرراً بيناً، أما الرقبة العوراء فيجزئ عتقها.
22 - أن الأعمى إذا قذف زوجته لاعن؛ لأن الله لم يخص أعمى من بصير، ولأنه يحصل له التحقق باللمس والسماع فصح لعانه.
23 - إن الأعمى إن وجد امرأة على فراشه أو في منزلة فظن أنها زوجته فوطئها لا حد عليه؛ لأن الوطء حصل بالخطأ فجهله شبهة يُدرأ الحد به.
24 - أن الأعمى إذا جنى على ذي عين سالمة فإنه تجب عليه الدية، أما إذا جنى على عين الأعمى - أي حدقته - ذو سلامة، بأن قلعها؛ فإن السالمة لا تؤخذ بها؛ لعدم المماثلة؛ بل يلزمه حكومة.
25 - إن ذكاة الأعمى جائزة بغير كراهة؛ لأن الأعمى لم يفقد فيه إلا النظر، وذلك لا يوجب الكراهة، وكذلك صيد الأعمى جائز.
26 - إن الجهاد لا يجب على الأعمى؛ لأن الله قد عذره بنص القرآن.
27 - إن الأعمى لا يصلح أن يكون قاضياً؛ لأن القضاء منصب خطير يحتاج إلى قوة الملاحظة ودقتها؛ مما يحتاج معه إلى البصر، وكذلك لا يصلح أن يكون إماماً؛ لأن الإمام يسعى في تدبير مصالح الأمة، والأعمى محتاج إلى غيره في تدبير مصالحه.
28 - إن شهادة الأعمى جائزة متى تيقن الصوت وعرف صاحبه؛ لأن طريقه السماع، والأعمى يستطيع أن يضبط الشهادة ويؤديها كما يؤديها البصير.
29 - إنه لو لم تقبل شهادة الأعمى في بعض الأمور لأدى ذلك لضياع كثير من الحقوق؛ ولربما لا يوجد سواه، وهذا مخالف لسماحة الشريعة وسعتها.(3/275)
أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها
Oأحمد بن عبدالله الفريح
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مطالع الأهلة ومنازلها
خاتمة بأبرز النتائج: الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد: فإني أحمد الله الذي له الحمد في الأولى والآخرة على ما منَّ به وتفضل وأعان، فيسر من إتمام هذا البحث، وجعله الله خالصاً لوجهه مراداً به الوصول للحق لا التعصب للهوى – آمين -. هذا وختاماً لبحثي فإني أذكر النتائج التي استخلصتها من هذا البحث فأقول:
1 - حقيقة الأهلة جمع هلال: وهو غرة القمر حين يهله الناس في غرة الشهر أو لليلتين، وكذا آخره.
2 - العمل بالأهلة هو من شرع من قبلنا، وعليه العمل في شريعتنا، ويدل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
3 - يستحب عند رؤية الهلال ذكر الدعاء المشروع – وقد سبق شيء من هذه الأدعية -.
4 - هناك فروق ظاهرة بين كل من الشهر الشمسي والشهر القمري، وبين الهلال عند أهل الشرع والهلال عند الفلكيين، قد مضى شيء من تبيينها.
5 - الحكمة من خلق الهلال: مواقيت للناس والحج.
6 - طرق إثبات دخول الشهر، طريقان فحسب: الرؤية، أو إكمال العدة، أما الحساب فلا عبرة به ولا يعد طريقاً لإثبات دخول الشهر، دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
7 - يثبت دخول الشهر برؤية الجم الغفير بالإجماع ولا خلاف، أما رؤية العدلين فخلاف، الراجح قبولها، وكذلك رؤية العدل الواحد في رمضان فقط.
8 - إثبات دخول الشهر بالرؤية عبر المراصد الفلكية جائز، وليس بواجب، بمعنى لو ترك فلا إثم على الناس في تركهم له، وإنما الإثم لو تركوا الرؤية البصرية باعتمادهم على الآلة. 9 - إثبات دخول الشهر عبر الطائرة جاز بشروط – مضت أما إثبات دخوله عبر الأقمار الصناعية فلا يجوز ولا يثبت. 10 - يثبت دخول الشهر، إكمال عدة الشهر ثلاثين يوماً في حالتين: الأولى: إذا كانت السماء صحواً ليلة الثلاثين فيكمل الشهر ثلاثون يوماً. الثانية: إذا كان هناك ما يمنع من الرؤية من غيم أو قتر أو نحوهما فخلاف، الراجح أنه يكمل الشهر ثلاثون.
11 - للعمل بالحساب طرق – ذكرت في البحث -، وكذلك هناك فروق بين الحساب والتنجيم.
12 - الراجح في حكم العلم بالحساب عدم الجواز، وعليه يدل الكتاب والسنة وصريح الإجماع – بل إن الخلاف الواقع مفند! 13 - مسألة اختلاف المطالع من المسائل الاجتهادية التي ساغ الخلاف فيها كل بدليله، فلا عتب على من يرجح قولاً دون آخر، والذي أميل إليه هو القول بعدم اعتبارها من حيث النظر، أما من حيث التطبيق فمتعذر ما زالت الأمة الإسلامية على هذا الوضع!.
14 - القول باستحالة الرؤية والقطع بإمكانها حادثان عن القول بالعمل بالحساب، ولكل منهما حالات إذا حدثت قطع بأحدهما؛ أما من حيث الناحية الشرعية فلا عبرة بهما إلا فيما اعتبره الشارع من استحالة الرؤية في حالات قد بينت.
15 - إذا اشتبهت الأشهر على أحد فيجتهد ويتحرى الصوم، ويترتب على صيامه أحد أربع حالات: استمرار الإشكال عليه أبداً، أو موافقة صومه لرمضان، أو تقدمه على رمضان، أو تأخره عنه.
16 - إذا استمر الاشتباه على من اشتبهت عليه الأشهر فيجزئه الصوم بلا خلاف.
17 - إذا وافق صومه رمضان فالصحيح أنه يجزئه.
18 - إذا تقدم صومه رمضان؛ فإن إدراك رمضان كاملاً، فيلزمه صيام رمضان أداء، وإن بان له بعد رمضان، فالصحيح أنه لا يجزئه ويعيد.
19 - أن يتأخر صومه عن رمضان فيجزئه، بشروط ذكرت. 20 - ينبغي للإمام – القاضي أو غيره مما له شأن في رؤية الهلال مراعاة أمور منها على سبيل الوجوب، ومنها على سبيل الاستحباب، ذكرت في البحث.(3/276)
21 - إذا صام الناس بشهادة عدل واحد وتم الشهر ثلاثين يوماً ولم ير الهلال، فإن كان في السماء غيم فيفطرون، وإلا فيزيدون يوماً – على الصحيح -.
22 - إذا صام الناس بشهادة عدلين وتم الشهر ثلاثين يوماً ولم ير الهلال، فالصحيح أنهم يفطرون.
23 - إذا صام الناس ثمانية وعشرين يوماً ثم رأوا الهلال فيفطرون ويقضون يوماً على الصحيح.
24 - إذا وقف الناس اليوم العاشر فيجزئهم الوقوف بلا خلاف، وإن وقفوا اليوم الثامن فيجزئهم – على الصحيح -. 25 - وقت رؤية الهلال من غروب شمس اليوم التاسع والعشرين، فإن رؤي بعد غروبها فالشهر ناقص، وإن رؤي قبل غروبها فهو من الشهر الحالي، وإن رؤي في اليوم الثلاثين بعد الزوال فهو للشهر القادم بلا خلاف – في كل ما ذكر -، وإن رؤي قبل الزوال يوم الثلاثين فهو الشهر القادم – على الصحيح -.
26 - إذا كسفت الشمس في آخر الشهر، فلرؤية الهلال حالات قد ذكرت بالتفصيل.
27 - إذا توالى الغيم أشهراً فالصحيح أنهم يتمون ثلاثين يوماً لكل الأشهر التي فيها غيم. بشرط ألا تتوالى أربعة أشهر كذلك، فإن كان فيحسب أحدهما تسعة وعشرون. رؤية الهلال فرض كفاية، وينبغي للإمام دعوة الناس إليه.
29 - للأهلة تأثير في بعض الأحكام الشرعية التي لها تعلق بالمواقيت، كالزكاة والصيام والحج والأشهر الحرم، والبلوغ والطلاق والعدد والإحداد والحضانة والنفقة والحمل وميراث المفقود، والبيوع والسلم والإجارة والمساقاة والمزارعة والمكاتبة، والإيمان والنذور وكفارة القتل وكفارة الظهار وغيرها.
30 - طريقة العمل في المملكة العربية السعودية قائم على الرؤية الشرعية، مع الاستعانة بالمراصد الفلكية، وذلك عن طريق لجان تشكل لها.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(3/277)
أحكام الأوراق التجارية في الفقه الإسلامي
Oسعد بن تركي الخثلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نقود وعملات وأوراق تجارية
خاتمة البحث
وتشتمل على:
- أهم نتائج البحث.
- التوصيات.
- في ختام هذا البحث أحمد الله تعالى وأشكره على توفيقه وإعانته على إتمام هذا البحث .. ، وأسأله المزيد من فضله والتوفيق لما يحب ويرضى ..
- وتتويجاً لهذا البحث أختمه بخاتمة تتضمن أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، والتوصيات التي يراها الباحث ..
أهم نتائج البحث:
يمكن تقسيم أهم نتائج البحث إلى نتائج عامة، ونتائج تفصيلية .. ، فأبرز النتائج العامة:
- أهمية الأوراق التجارية في الحياة العملية للناس عموماً وللتجار على وجه الخصوص .. ، وتبرز هذه الأهمية بشكل خاص من خلال قابلية الأوراق التجارية لسداد ديون عديدة بعملية وفاء واحدة .. ، فعلى سبيل المثال: الكمبيالة التي يحل موعد وفائها بعد مدة معينة بالإمكان سداد عدة ديون بها عن طريق التظهير حتى يحين موعد سدادها فيقوم المسحوب عليه بوفائها لحاملها الأخير ..
- أن أصول الأوراق التجارية كانت معروفة لدى المسلمين، فقد عرفت المجتمعات الإسلامية التعامل بما يشبه السفاتج منذ عصر الصحابة رضي الله عنهم، وعرفت كذلك: صكوك البضائع ورقاع الصيارفة .. ، ويقال: إن المصطلح القانوني (شيك) (أحد أنواع الأوراق التجارية) منقول عن المجتمعات الإسلامية من مصطلح (صك) ..
- أن نظام الأوراق التجارية السعودي قد أخذ في جملته بأحكام قانون جنيف الموحد للأوراق التجارية (المنعقد سنة 1349، 1350هـ - 1930، 1931م)، مع اختلافات يسيرة في عدة مواضع .. ، لكنه تميز باستبعاد ما كان مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية من ذلك القانون كاشتراط الفائدة في الكمبيالة والسند لأمر .. ، وقد تحرر للباحث أن النظام لا يشتمل على أي مخالفة للشريعة الإسلامية كما يظهر ذلك من خلال هذه الدراسة التفصيلية التي اشتملت عليها هذه الأطروحة ..
- أن المسألة الوحيدة التي تحرر للباحث فيها المخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية هي:
مسألة خصم الأوراق التجارية، فهذه المسألة قد تحرر للباحث – بعد الدراسة المفصلة لها-: عدم جوازها شرعاً، ولكن هذه المسألة لم يتطرق لها أصلاً في نظام الأوراق التجارية، ولم تتعرض لها كثير من الكتب القانونية المتخصصة في الكتابة عن الأوراق التجارية .. لكونها ألصق بعمل المصارف منها إلى التنظيم القانوني للأوراق التجارية .. ، لكنني تعرضت للكلام عنها في هذا البحث لكونها وثيقة الصلة بالأوراق التجارية، ولأهمية معرفة الأحكام المتعلقة بها في الحياة العملية ..
ويمكن تلخيص أهم النتائج التفصيلية فيما يأتي:
- أن قانون الصرف يعني: مجموعة القواعد القانونية التي تحكم الأوراق التجارية، وقد تميز بعدة سمات، من أبرزها: الشكلية التي تعني: تحرير الأوراق التجارية، واشتمالها على بيانات معينة يترتب على إغفالها فقدان الورقة لصفتها التجارية .. ، والكفاية الذاتية بحيث تكون الورقة التجارية كافية بذاتها لتقرير الالتزام الثابت بها، واستقلال الالتزام الصرفي، والشدة في تنفيذه.
- ضابط الأوراق التجارية أنها: (صكوك قابلة للتداول تمثل حقاً نقدياً، وتستحق الدفع لدى الإطلاع، أو بعد أجل قصير، ويجري العرف على قبولها كأداة للوفاء، وتقوم مقام النقود في المعاملات).(3/278)
- أنواع الأوراق التجارية: الكمبيالة، والسند لأمر، والشيك، فالكمبيالة هي: (صك يحرر وفقاً لشكل قانوني معين، ويتضمن أمراً صادراً من شخص (يسمى الساحب) إلى شخص آخر (يسمى المسحوب عليه) بأن يدفع مبلغاً معيناً لدى الإطلاع، أو في تاريخ معين، أو قابل للتعين، إلى شخص ثالث (يسمى المستفيد).
وأما السند لأمر فهو: (صك يتعهد بموجبه محرره بأن يقوم بدفع مبلغ معين في تاريخ معين، أو قابل للتعين، أو بمجرد الإطلاع، إلى شخص آخر (يسمى المستفيد).
وأما الشيك فهو: (صك يحرر وفقاً لشكل معين يتضمن أمراً صادراً من شخص (يسمى الساحب) إلى شخص آخر (يسمى المسحوب عليه) بدفع مبلغ معين من النقود إلى شخص ثالث (يسمى المستفيد) بمجرد الإطلاع.
- أن الأوراق التجارية تختلف عن الأوراق النقدية التي تصدرها الدولة أو إحدى مؤسساتها وتمثل بطبيعتها قيمة حاضرة مستحقة الأداء في أي وقت وتنتقل من شخص لآخر بمجرد التسليم والمناولة .. ، كما أن الأوراق التجارية تختلف كذلك عن الأوراق المالية التي تشمل الأسهم والسندات التي تصدرها الشركات أو المؤسسات أو المصارف أو الدول، وتتغير باستمرار تبعاً لتقلبات الأسعار في الأسواق المالية ..
- تقوم الأوراق التجارية بوظائف اقتصادية كبيرة على مستوى الأفراد وعلى مستوى المجتمعات بصفة عامة .. ، فهي تعتبر أداة وفاء تقلل من استعمال النقود، وتغني عن نقلها من مكان لآخر .. ، وتعتبر كذلك أداة ائتمان إذا تضمنت أجلا لوفاء قيمتها ..
- يشترط لصحة الورقة التجارية مجموعة من الشروط الشكلية والشروط الموضوعية، أما الشروط الشكلية فيراد بها ثبوت الورقة التجارية في محرر، واحتواء هذا المحرر على بيانات معينة، وقد جرى دراسة تلك البيانات دراسة مفصلة .. ، وأما الشروط الموضوعية فيراد بها: رضى المتعاقدين، وأن يكون محل الالتزام فيها مبلغاً من النقود، وأن يكون سبب الورقة التجارية الذي أدى إلى إنشائها قائماً ومشروعاً، وأن تتوفر الأهلية الكاملة في حق كل من يوقع على الورقة التجارية ..
- اختلف في التخريج الفقهي للكمبيالة .. ، والذي تحرر للباحث في ذلك: أنها عقد مركب من عدة عقود، فهي تارة تكون بمعنى السفتجة، وتارة بمعنى الحوالة، وتارة بمعنى القرض أو الوكالة في الإقراض أو الاقتراض .. تبعاً لطبيعة العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه والمستفيد ..
- اختلف في التخريج الفقهي للسند لأمر .. والذي تحرر للباحث في ذلك أنه مجرد وثيقة بدين ..
- يجوز شرعاً التعامل بالكمبيالة والسند لأمر إلا فيما يشترط فيه التقابض، فلا يجوز أن تحرر به الكمبيالة والسند لأمر إذا كانا لا يحلان إلا بعد أجل .. ، ويجوز أن تحرر به الكمبيالة والسند لأمر إذا كانا واجبي الدفع لدى الإطلاع ..
- الشيك الوجه من العميل إلى مصرف له فيه رصيد يعتبر حوالة، المحيل فيها: الساحب، والمحال: المستفيد، والمحال عليه: المصرف .. ، أما الشيك الموجه من العميل إلى مصرف ليس له فيه رصيد يعتبر وكالة في اقتراض، الموكل في الاقتراض: الساحب للشيك، والمستفيد هو الوكيل في الاقتراض، والمصرف هو المقرض، ويجب ألا يتضمن ذلك القرض أية فوائد، وإلا كان من قبيل القرض الذي جر نفعاً ..
- الشيك المسطر هو: شيك يسطر وفق شكل الشيك العادي لكنه يتميز بوجود خطين متوازيين على صدر الشيك، ويفيد هذا التسطير إلزام المصرف المسحوب عليه بعدم الوفاء بقيمة ذلك الشيك إلا لأحد عملائه أو إلى مصرف آخر .. ، والتخريج الفقهي له: أنه حوالة اشترط فيها المحيل (الساحب) على المحال عليه (المسحوب عليه) التحقق من شخصية المستفيد بصفة معينة تتمثل في عدم صرف ذلك الشيك إلا لأحد عملائه أو إلى مصرف آخر ..(3/279)
- الشيك المقيد في الحساب هو: شيك يحرر وفق شكل الشيك العادي يضيف إليه الساحب أو الحامل عبارة تفيد منع وفاء ذلك الشيك نقداً، ووجوب وفائه عن طريق القيود الكتابية .. ، والتخريج الفقهي له: أنه حوالة اشترط فيها المحيل (الساحب) على المحال عليه (المسحوب عليه) ألا يصرف قيمة ذلك الشيك نقداً وإنما عن طريق القيود الكتابية.
- الشيكات السياحية هي: شيكات تصدرها المصارف والمؤسسات على فروعها أو مراسيلها في الخارج لمصلحة المسافر الذي يحصل على قيمتها بمجرد عرضها للوفاء لدى أي فرع أو لدى أحد مراسلي المؤسسة أو المصرف المصدر .. ، والتخريج الفقهي لها أنه سفتجة، وهي جائزة شرعاً على ما ترجح للباحث في ذلك ..
- شيكات التحويلات المصرفية هي: شيكات تحرر من قبل المصرف عندما يتقدم إليه أحد لأجل نقل نقوده – عن طريق ذلك المصرف – إلى مواطن آخر .. ليأخذها هو أو وكيله أو أي شخص آخر يريد أن يوصلها إليه في ذلك الموطن .. ، فإن كان المراد تحويله من جنس النقد المدفوع فهي سفتجة، وهي جائزة – على القول الراجح -، وإن كان المراد تحويله من غير جنس النقد المدفوع فلابد من إجراء الصرف بين العملتين بحيث يقبض المحيل العملة التي يراد تحويلها، ثم يحولها بعد ذلك وتكون عملية التحويل هذه من قبيل السفتجة كما تقدم ..
- التظهير هو: تصرف قانوني تنتقل بموجبه ملكية الورقة التجارية من شخص (يسمى المُظهر) إلى شخص آخر (يسمى المظهر له)، أو يحصل به توكيل في استيفائها، أو رهنها بعبارة تفيد ذلك، وينقسم إلى ثلاثة أقسام: التظهير الناقل للملكية، والتظهير التوكيلي، والتظهير التأميني، أما التظهير الناقل للملكية فينتقل بموجبه الحق الثابت في الورقة من المظهر إلى المظهر إليه بعبارة تفيد ذلك .. ، والذي تحرر للباحث في تخريجه الفقهي: أنه حوالة اشترط فيها المحيل قبل ما يترتب على التظهير من آثار .. ، هذا إذا كان المظهر إليه دائناً للمظهر .. ، أما إذا كان غير دائن له فيعتبر التظهير حينئذ توكيل من المظهر إلى المظهر إليه بتقاضي الدين الذي تمثله الورقة التجارية على أن يتملكه قرضاً ..
وأما التظهير التوكيلي، فهو تصرف قانوني يقوم فيه المظهر بتوكيل المظهر إليه في تحصيل قيمة الورقة التجارية عند حلول ميعاد استحقاقها .. ، وتخريجه الفقهي: أنه توكيل من المظهر إلى المظهر إليه في تحصيل قيمة الورقة ..
وأما التظهير التأميني، فهو تصرف قانوني يتم بموجبه تظهير الورقة التجارية على سبيل الرهن ضماناً للوفاء بدين في ذمة المظهر لصالح المظهر إليه .. ، وتخريجه الفقهي أنه من قبيل الرهن للحق الثابت في الورقة التجارية ضماناً لدين في ذمة المظهر .. ، والذي ترجح للباحث أن رهن الدين بالدين جائز لاسيما فيما يتعلق بالأوراق التجارية.
- من أبرز آثار التظهير الناقل للملكية: قاعدة تطهير الدفوع، وقد أفردت بالبحث نظراً لأهميتها، إذ يعتبرها بعض الباحثين حجر الزاوية في قانون الصرف كله .. ، ومعنى تطهير الدفوع: خلو الحق الثابت في الورقة التجارية، وتطهيره من الحجج التي يلجأ إليها المدين لرد طلب الدائن، أي أن التظهير يترتب عليه نقل الحق الثابت في الورقة التجارية من المظهر إلى المظهر إليه خالياً ومطهراً من جميع العيوب والدفوع التي تتعلق به متى ما توفرت شروط معينة، وهذه القاعدة هي من أبرز آثار التظهير الناقل للملكية الذي سبق تخريجه بأنه حوالة اشترط فيها المحيل قبول ما يترتب على التظهير من آثار بمقتضى عرف التعامل بالأوراق التجارية، وتطهير الدفوع من أبرز آثار ذلك التظهير .. ، فيكون كالمشترط بين المتعاملين بالأوراق التجارية.(3/280)
- المقصود بتحصيل الأوراق التجارية: إنابة المصرف في جمع الأموال الممثلة في الأوراق من المدينين بها وتسليمها إلى العميل (الموكل)، والتخريج الفقهي لهذا التحصيل: أنه من قبيل الوكالة بأجرة، وهي جائزة شرعاً ..
- المقصود بخصم الأوراق التجارية: أنه عملية مصرفية يقوم بموجبها حامل الورقة التجارية بنقل ملكيتها عن طريق التظهير إلى المصرف قبل موعد الاستحقاق مقابل تعجيل المصرف لصرف قيمتها له بعد خصم مبلغ معين نظير ذلك التعجيل .. ، والذي تحرر للباحث في التخريج الفقهي لهذه المسألة أنه لا فرق بين الخصم على المصرف الذي يصفه بعض الباحثين بالمدين والخصم على المصرف غير المدين، إذ أن اعتبار المصرف الذي تحسب عليه الورقة التجارية مديناً بها وقت الخصم غير صحيح .. وبناء على ذلك فالذي تحرر للباحث في خصم الأوراق التجارية مطلقا أنه من قبيل القرض بفائدة، وهو محرم شرعاً، وبناء على ذلك لا يجوز خصم الأوراق التجارية .. ، وقد ذكر الباحث في ختام بحث هذه المسألة حلولاً عملية بديلة لخصم الأوراق التجارية .. ، والذي استحسنه الباحث من تلك الحلول: أن يقوم المستفيد ببيع الورقة التجارية على المصرف بعوض غير نقدي كسلعة من السلع، أو عرض من العروض .. ، ويكون ذلك من قبيل بيع الدين لغير من هو عليه بالعين، وهو جائز شرعاً على الصحيح من قولي العلماء ..
- قبض الأوراق التجارية: إن كانت مستحقة الوفاء بعد مدة معينة فلا يعتبر تسلمها قبضاً لمحتواها، أما إن كانت واجبة الدفع لدى الإطلاع كالشيك مثلاً .. فإن كانت تلك الأوراق في حكم الشيك المصدق أو في قوة التصديق فيعتبر تسلمها في حكم القبض لمحتواها وإلا فلا .. ، وأما شيكات التحويلات المصرفية مع اختلاف العملة فلابد من التصارف والتقابض قبل التحويل .. ، فإن كان المصرف يملك المبلغ المراد تحويله فإن القيد في دفاتر المصرف وتسلم ذلك الشيك في معنى القبض لمحتواه إذا أجرى الصرف بسعر وقته، وإن كان المبلغ المراد تحويله ليس موجوداً في صندوق المصرف ولا في قيوده وإنما سيعمل المصرف على تأمينه مستقبلاً لمن حول عليه، فالظاهر أن تسلم الشيك في مثل هذه الحال ليس في معنى القبض لمحتواه ..
- لا تسمع الدعوى في الأوراق التجارية بسبب التقادم، أو بسبب إهمال الحامل القيام بإجراءات معينة في مدد محددة، وقد حدد النظام مدداً زمنية لعدم سماع الدعوى تختلف باختلاف نوع الورقة التجارية وطبيعة الالتزام المتعلق بها وأطراف الدعوى .. ، وعدم سماع الدعوى لأجل مرور الزمن الطويل عليها له أصل في الفقه الإسلامي على تفصيل جرى بيانه في هذا البحث .. ، مع ملاحظة أن عدم سماع الدعوى في الأوراق التجارية إنما يسقط الحق الصرفي فقط، وبالإمكان أن تسمع الدعوى بعد سقوط الحق الصرفي بمقتضى القواعد العامة إلا إذا مر عليها وقت طويل جداً ورأى القاضي عدم سماع الدعوى فيها مطلقاً، لأجل ذلك فإن عدم سماع الدعوى في مثل هذه الحال متجه على ما جرى بيانه ..
- الضمان بالقبول معناه: تعهد المسحوب عليه بدفع قيمة الكمبيالة لحاملها الشرعي في موعد الاستحقاق، والذي تحرر للباحث في تخريجه الفقهي: أنه تعهد والتزام من قبل المسحوب عليه بوفاء الدين الذي تمثله الكمبيالة، والتعهد والالتزام الذي يوجبه الإنسان على نفسه يلزمه شرعاً الوفاء به ..
- يعتبر جميع الموقعين على الورقة التجارية – بمن فيهم الضامن الاحتياطي – ملتزمين بالتضامن بوفاء قيمة الورقة التجارية، والذي تحرر للباحث في التخريج الفقهي لذلك التضامن: أنه ضمان شرعي، ويعتبر كل موقع على الورقة ضماناً للوفاء بقيمتها عند تعذر الوفاء من قبل المدين بها.(3/281)
- مقابل الوفاء في الكمبيالة أو الشيك (الرصيد) يعتبر ديناً للساحب في ذمة المسحوب عليه، لكنه في الكمبيالة دين مؤجل إذا لم تكن الكمبيالة مستحقة الوفاء لدى الإطلاع ..
- الضمانات العينية هي ضمانات غير صرفية يشترطها حامل الورقة التجارية تأكيداً لضمان حقه المتمثل في قيمة الورقة التجارية، وذلك بتقرير رهن على عقار أو على منقول كأوراق تجارية أخرى يظهرها المدين الصرفي إلى حامل الورق على سبيل الرهن، والتخريج الفقهي لها: أنها من قبيل رهن الدين بالعين، أو رهن الدين بالدين، وكلاهما جائز على ما ترجح للباحث في ذلك ..
- أولى النظام الشيك دون سائر الأوراق التجارية حماية خاصة نظراً لأهميته، ولانتشاره في الحياة العملية .. ، وقد تضمن النظام نصوصاً خاصة تتضمن جزاءات معينة في حق من يرتكب كل ما من شأنه الإخلال بالثقة الواجب توفرها في الشيك .. ، ثم عدلت تلك النصوص بتشديد العقوبة والجزاءات في حق مرتكبي جرائم الشيك، وقد شملت تلك الجزاءات كلاً من الساحب، والمسحوب عليه، والمستفيد أو الحامل .. ، وجرى بيان تلك الجزاءات على وجه مفصل ..
والتخريج الفقهي لتلك الجزاءات أنها من قبيل التعزيز من ولي الأمر، فالعقوبة بالغرامة: تعزيز بأخذ المال، والعقوبة بالسجن: تعزير بالسجن، وكلاهما جائز في الشريعة الإسلامية عند قيام السبب المقتضي لهما ...
التوصيات:
بعد هذه الدراسة المفصلة للأوراق التجارية في الفقه الإسلامي والمبنية على تصويرها من الناحية القانونية قبل ذلك، وبعد إلقاء نظرة سريعة على الوضع القضائي للأوراق التجارية في المملكة العربية السعودية – والتي جعلت أحكام الشريعة الإسلامية هي المرجع في القضاء – يظهر للباحث أن الوضع الحالي للأوراق التجارية يحتاج إلى إعادة نظر ومراجعة .. ، ولتوضيح ذلك لابد من إعطاء لحمة موجزة عن تاريخ الأوراق التجارية في المملكة ابتداء بنظام المحكمة التجارية الصادر بالمرسوم الملكي رقم (32) وتاريخ 15/ 1/1350هـ، والذي يعتبر أول نظام متكامل يصدر في المملكة، وقد تناول هذا النظام أحكام السفتجة في ستين مادة في ثلاثة فصول، وقد اقتصر النظام على معالجة أحكام السفتجة (الكمبيالة) دون إشارة إلى الشيك أو السند لأمر!.
وفي 27/ 6/1374هـ أصدر مجلس الوزراء، قراره رقم (142) والقاضي بإلغاء المحكمة التجارية، ومن ثم أصبحت القضايا المتعلقة بالأوراق التجارية تحال إلى المحاكم الشرعية، وفي 11/ 10/1383هـ صدر المرسوم الملكي رقم (37) بالموافقة على نظام الأوراق التجارية، وقد اشتمل هذا النظام على ثلاثة أبواب، خصص الباب الأول منها للكلام عن أحكام الكمبيالة، وخصص الباب الثاني للكلام عن أحكام السند لأمر، وخصص الباب الثالث للكلام عن أحكام الشيك، وقد تميز هذا النظام بالحرص على استبعاد ما كان مخالفاً لأحكام الشريعة الإسلامية.(3/282)
وفي 16/ 11/1384هـ أصدر وزير التجارة قراراً برقم (262) بتشكيل هيئة فض المنازعات التجارية، وقد نص القرار على أن من اختصاصات الهيئة: توقيع العقوبات المنصوص عليها في نظام الأوراق التجارية، وفي 5/ 2/1387هـ، صدر قرار مجلس الوزراء رقم (186) بدمج هيئة فض المنازعات التجارية وهيئة حسم منازعات الشركات في هيئة واحدة تسمى (هيئة حسم المنازعات التجارية) وعهد إليها بتطبيق العقوبات المنصوص عليها في نظام الأوراق التجارية، وفي 11/ 5/1388هـ أصدر وزير التجارة قراراً برقم (353) بإنشاء لجنة في مدينة الرياض تسمى لجنة النظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق الأوراق التجارية، كما صدرت قرارات مماثلة تتضمن إنشاء لجان في كل من جدة، والدمام، والأحساء، والقصيم، وفي 22/ 9/1403هـ أصدر وزير التجارة قراراً برقم (918) بإنشاء مكتب في مدينة الرياض سمي: (مكتب الفصل في منازعات الأوراق التجارية)، وإنشاء لجنة قانونية بوزارة التجارة للفصل في التظلمات ضد القرارات الصادرة من مكتب الفصل ومن لجان النظر في منازعات الأوراق التجارية، وفي 12/ 11/1405هـ صدر قرار مماثل بإنشاء مكتب للفصل في منازعات الأوراق التجارية في مدينة جدة، وحل هذان المكتبان في كل من الرياض وجدة محل اللجنتين فيهما، بينما بقيت لجان الدمام والأحساء والقصيم على وضعها السابق ..
ويتضح مما سبق أن الفصل في منازعات الأوراق التجارية يتولاه في كل من الرياض وجدة مكتب الفصل في منازعات الأوراق التجارية، بينما يتولاه في كل من الدمام والأحساء والقصيم لجنة الأوراق التجارية .. ، وهذا هو آخر ما استقر عليه الوضع في الفصل في منازعات الأوراق التجارية، ولا يزال هذا الوضع على ما هو عليه حتى تاريخ تحرير هذه الأطروحة ..
وبعد هذه اللمحة الموجزة عن تاريخ الأوراق التجارية في المملكة يتبين أن الوضع قد استقر على تولي مكاتب الفصل ولجان الأوراق التجارية التابعة لوزارة التجارة الفصل في منازعات الأوراق التجارية .. ، وفي نظري أن هذا الوضع يحتاج إلى أن يعاد النظر فيه، إذ أنه لا يتفق مع الأسس العامة في التنظيم القضائي، وفيه إخلال بوحدة القضاء، إذ أنه ينبغي أن يكون القضاء تابعاً لجهة واحدة ممثلة في وزارة العدل من غير منازعة لها من وزارة التجارة أو غيرها .. ، وليس بصحيح ما يذكر من أن هذه اللجان ليست هيئات قضائية وإنما هي أشبه باللجان والهيئات الإدارية .. ، إذ كيف لا تكون هيئات قضائية وهي تملك سلطة الحكم بالغرامة والحبس، وهذه الأخيرة لا تكون إلا من اختصاص القضاء، كما أن القضايا التي تنظر فيها لها أهمية بالغة على الاقتصاد الوطني ..
وفي نظري أن وجود هذه الهيئات واللجان للفصل في منازعات الأوراق التجارية بالوضع الحالي من أبرز أسباب ضعف التنفيذ للقرارات الصادرة عنها، وذلك لنظرة بعض الناس إليها على أنها ليست جهات قضائية وإنما هي جهات إدارة ليس لقراراتها أية قوة إلزامية .. هذا من جهة، ومن جهة أخرى: تشعب الإجراءات الناتجة عن هذه اللجان يؤدي بدوره إلى الضعف في التنفيذ ..
وبناء على ما تقدم فإنني في ختام هذه الأطروحة أوصي بنقل التقاضي في منازعات الأوراق التجارية من وزارة التجارة إلى وزارة العدل ليحكم فيها قضاة متخصصون في العلوم الشرعية، مع الدراية بالأنظمة القائمة، خاصة: نظام الأوراق التجارية، كما أوصى كذلك بأن تولي وزارة العدل الأوراق التجارية – في حالة نقلها إليها – عناية خاصة، وذلك بإنشاء محكمة خاصة بالأوراق التجارية يفرغ فيها قضاة للفصل في منازعات الأوراق التجارية، وتضاف دائرة جديدة إلى هيئة التمييز ويفرغ فيها قضاة للنظر في الاعتراضات الواردة من قبل الخصوم على الأحكام الصادرة من قضاة محكمة الأوراق التجارية ..
كما أوصى كذلك بأن تقوم وزارة الداخلية بتخصيص جهة تنفيذية مستقلة ومفرغة لتنفيذ القرارات الصادرة عن محكمة الأوراق التجارية: ضعف التنفيذ للقرارات الصادرة بحق مرتكبي تلك المخالفات، إذ أن الإجراءات التي نص عليها نظام الأوراق التجارية والإجراءات الإضافية التي اتخذتها وزارة التجارة قوية وصارمة ولكن تأتي الإشكالية من جهة التنفيذ كما سبق تفصيل الكلام في ذلك.
ولاشك أن تخصيص جهة تنفيذية مستقلة ومفرغة لتنفيذ ما يصدر من قرارات في حق مرتكبي تلك المخالفات من شأنه أن يوفر حماية كبيرة للأوراق التجارية، ويشجع على تداولها بين أفراد المجتمع، وينعكس بدوره على الاقتصاد العام للبلاد ..
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات(3/283)
أحكام الأوراق النقدية والتجارية في الفقه
Oستر بن ثواب الجعيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الصديق - الطائف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نقود وعملات وأوراق تجارية
الخاتمة
ظهر من البحث بعض النتائج وفيما يلي عرض لأهمها:
1 - أن بيان حكم كل مسألة استجدت في حياة المسلمين أمر ممكن، وذلك بالرد إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، والاستئناس بأقوال أهل العلم، وما ذكروه من مسائل ليتضح لنا المقصود.
2 - بدأ البحث بذكر النقد، وقد ظهر أن النقود الأصلية عند الفقهاء هي الذهب والفضة، ولكن ذلك لا يمنع من استخدام غيرهما لهذه الغاية إذا تحققت فيهما مقاصد النقود.
3 - أظهر البحث أن الرواج له مدخل في إضفاء معنى النقدية حتى على الذهب، والفضة في بعض الحالات، وأثر الرواج واضح في غيرهما إذ هو الشرط الأساسي لاعتباره نقداً، فمتى وجد الرواج وجدت الثمنية، وإذا انتفى الشرط انتفى المشروط.
4 - أظهر البحث بالأدلة أن الراجح في علة الربا في النقدين هي مطلق الثمنية.
5 - الاستدلال بأقوال بعض الفقهاء الذين نفوا النقدية عن بعض أنواع من النقود استعملت نقداً في عصور مختلفة نفي النقدية، والثمنية عن الورق النقدي استدلال غير سليم.
6 - أظهر البحث أن اختلاف العلماء في الوصف الفقهي للورق النقدي من بعض أسبابه التطور التاريخي للنقد الورق.
7 - الراجح في الورق النقدي أنه نقد مستقل يجري فيه الربا بنوعيه، وتجب فيه الزكاة ما دام ملازماً لوصف الثمنية الذي يكتسبه بالرواج.
8 - أن مجاراة الاقتصاديين فيما ذكروه في تطور النقود يحتاج إلى وقفة، وتأمل وقد بينت المحاذير التي تنشأ عن ذلك من أهمها لوثة نظرية التطور وتحقير الأنبياء والأمم السابقة التي عاشت على هدى، ونور، بوصفهم مجتمعاً بدائياً يتعامل بالمقايضة، أو بالحيوانات نقداً.
9 - الشريعة الإسلامية اهتمت بحفظ الدين اهتماماً بالغاً فحثت على حفظه وتوثيقه، فشرعت العقود المؤدية لهذا الغرض، وحافظت على أدائه فحرمت المطل وحذرت منه، وشرعت الوسائل التي تقضي على تعنت المدين، أو الدائن.
10 - ذكر الفقهاء رحمهم الله ضوابط للوثائق تؤدي الغرض الذي من أجله وضعت كما بينوا الوسائل التي تحمي ما يغض من قدرالوثيقة – كالتزوير وغيره ..
11 - أظهر البحث رجحان مذهب من يقول أن الحوالة لا تنقل الحق، ولا تبرئ المحيل بل هو ما يزال مطالباً بالحق إذا لم يتم الوفاء.
12 - أظهر البحث أن الكمبيالة لا يمكن أن نطلق عليها وصفاً فقهياً عاماً، إذ هي تكون تارة حوالة وتارة وكالة في الوفاء أو القبض وتارة سفتجه، ولأجل ذلك لابد من معرفة وصف كل صورة وإجراء حكمه عليها.
13 - السند وثيقة بدين له وضع خاص تارة تكون حوالة ويقترن بعقود أخرى كالكفالة، والوكالة، والرهن. مع ملاحظة ضرورة تطهيرها مما يعلق بها من الربا.
14 - أظهر البحث أن الأوراق التجارية ذات الأجل – كالكمبيالة والسند – لا يجوز التعامل بها فيما يشترط فيه التقابض من الطرفين كالصرف أو من طرف واحد كالسلم.
15 - الأوراق التجارية إذا اقترن بها اشتراط الفائدة بأي صورة وتحت أي اسم فلا يجوز التعامل بها لأن ذلك من الربا المحرم.
16 - يجري الربا في الأوراق التجارية فيما يسمى خصم الأوراق التجارية كما هو موضح في البحث وظهر ضعف كل التخريجات التي قيلت لتبريره، وإضفاء الشرعية عليه.(3/284)
17 - ظهر أن الشيك كالكمبيالة لا يمكن إطلاق وصف فقهي عام يشمل كل الصور فهو مرة حوالة ومرة وكالة وأخرى إجارة، ولكن يمكن إطلاق وصف النقدية عليه – ويظهر ذلك واضحاً في الشيكات السياحية – لما يتمتع به من ضوابط ولأنه حال الدفع لا يقبل الأجل وليس من طبيعته كما هو الحال في الكمبيالة والسند، وإذا لحقه الأجل خرج من هذا الوصف.
18 - ظهر رجحان قول من قال إن قبض الشيك قبض لمحتواه بضوابط ذكرت هناك ولأجل ذلك لا يصير الصرف باطلاً لأن القبض متحقق بناء على هذا القول.
19 - أظهر البحث أن طريقة الخروج من ريبة الصرف في التحويلات هو فصل العملية إلى عمليتين بحيث يتم الصرف أولاً، ثم يتم القبض أو ما في حكمه، ثم بعد ذلك تتم عملية التحويل – التي يصدق عليها وصف الإجارة.
20 - البنوك الإسلامية تستطيع الاستعاضة عن عملية الخصم ببدائل أخرى بعيدة عن الحرام ذكرت في ثنايا البحث تتلخص في عملية القرض الحسن والتوسع في المضاربات والمشاركات مع الراغب في عملية الخصم.
21 - ظهر أن التظهير يكون وكالة، وحوالة، ويقترن به الضمان كما يقترن تعدد الحوالات أو الوكالات، وكذلك الرهن كما يقترن به مسألة الشروط.
22 - أوضح البحث أن الضوابط التي ذكرها الفقهاء، والتي تفهم من كلامهم على الدين في الحوالة تفوق ما يسمى في القانون بقاعدة تطهير الدفوع لأنها عامة تشمل كل دين بينما تختص القاعدة المشار إليها بالأوراق التجارية فقط.
23 - التضامن لا يخرج عن عقد الضمان المقترن بشرط مع تعدد الضامنين وقد أوضح ذلك الفقهاء مع كيفية التراجع فيما بينهم، ومتى يسقط الحق عنهم جميعاً أو عن أحدهم؟
24 - ظهر أن الضوابط التي اشترطها الفقهاء للدين في الحوالة تفوق ما اعتبره أهل القانون من أحكام لمقابل الوفاء.
25 - أظهر البحث أن من الفقهاء من يقول بسقوط الحق بالتقادم – وهو مضي الزمن دون مطالبة – وهو حكم اجتهادي كما وضح ذلك في الفصل الخاص بالتقادم، وليس هناك مانع من اعتبار ذلك شريطة أن يترك تنفيذ ذلك إلى المحاكم الشرعية لتنظر في كل قضية بخصوصها، ولا أرى من السائغ تحديد زمن معين يسقط الحق أو لا تسمع الدعوى بمضيه قاعدة عامة لأن الوقائع تختلف، وربما أدى إلى تفويت بعض الحقوق.
26 - إذا دخلت مسألة الشروط في التقادم فيمكن إعمالها بشرط توفر الرضا بها من المتعاقدين أو وجود ما يدل عليه من عرف ونحوه.
27 - يجري الربا بنوعيه في الأوراق النقدية، وضابط الجنس فيها اتحاد جهة الإصدار، فالدولار مثلاً جنس، والريال السعودي جنس وهكذا وكذلك يجري الربا بين الأوراق النقدية وبين فئاتها المعدنية أو الورقية.
28 - أظهر البحث أنه لا مبرر لتحديد صرف العملة بقيمة ثابتة إذ ذلك ينشأ عنه مفاسد منها نشأة السوق السوداء كرد فعل للخطأ في هذه الناحية بل ينبغي أن تترك قيمة العملة للعرض والطلب، شريطة أن لا يغفل رأي أهل الخبرة الموثوق بعلمهم ودينهم عن المفاسد التي تنشأ عن ذلك.
29 - أظهر البحث أنه ليس هناك مستند صحيح لمن يرى الربا لا يجري في الأوراق النقدية.(3/285)
30 - أظهر البحث أن نصاب الأوراق النقدية يعرف عن طريق معرفة قيمة النصاب من المعدنين، وقد ترجح قياسه عن طريق نصاب الفضة لأنه أحظ للفقراء، والقاعدة في ذلك أن ننظر كم قيمة النصاب – الذي يقدر بالجرام حوالي 595 جم تقريباً – من العملة الورقية وهو النصاب الذي إذا ملك بشروطه وجبت الزكاة وما دونه فلا زكاة فيه – وهو في حدود 500 ريال، ولا ينبغي التعول على ما ذكره بعض الباحثين من أن نصاب العملة الورقية السعودية يساوى 56 ريالاً لأن ذلك منصب على الريالات الفضة ومنشأ ذلك الوزن، ويكون لهذا القول وجاهته عند وجود التساوي بين الريال الفضة، والريال الورق، لكن المساواة منتفية فلا يعول على ذلك بل التعويل على ما ذكرنا.
31 - أظهر البحث أن تغير النقود بالزيادة، والنقص مع رواج العملة ليس موجباً للتعويض كما قاله بعض الباحثين، لأن التعويض يكتنفه عدة محاذير شرعية من أهمها وأخطرها ربا الفضل والنسيئة وغيرها مما هو موضح في ثنايا البحث كما أن الاعتماد على أقوال بعض الفقهاء التي ربما يفهم منها هذا، تحتاج إلى وقفات ومناقشات لأن لها من وجوه الاحتمال ما يصرفها عن هذا القول كما هو موضح في ثنايا البحث.
32 - التغير في قيمة النقود مع بقاء الشرط الأساسي في العملة وهو الرواج ما يتغابن فيه الناس، وعند حصوله التغير الفاحش ينظر فيه بخصوصه.
33 - المطالبة بتثبيت قيمة النقود عن طريق ربطها بالإنتاج وزيادة عدد السكان وترشيد السياسة النقدية التي تعتبر أن زيادة إصدار النقود عند عدم وجود الداعي لذلك أكلاً لأموال الناس بالباطل.
34 - أظهر البحث تفوق الفقه الإسلامي وقدرته على استيعاب ما يجد من مشاكل الحياة، ووضع الحلول المناسبة لها.
35 - قدرة الفقه وتفوقه المشار إليها لا تعني موافقته على كل شيء دون أن تكون له شخصيته المستقلة في كل مسألة تعرض عليه.
36 - أظهر البحث أن سلوك منهج التبرير للمعاملات التي وقع فيها الناس منهج مرفوض، بل المنهج السليم دراسة الواقعة وإعطاء الحكم فيها بالرفض أو القبول دون اللجوء إلى التبرير أو التكلف في التخريجات.(3/286)
أحكام الإعادة في العبادات
Oسناء محمد عثمان بشير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة
وتشتمل على أهم ما توصلت إليه من نتائج، وهي:
1 - تعرف الإعادة اصطلاحاً بأنها: فعل العبادة في وقتها ثانياً مطلقاً.
2 - هنالك فرق بين الإعادة والقضاء؛ وذلك أن القضاء إيقاع العبادة خارج وقتها الذي عينه له الشارع، أما الإعادة فهي أداء لفعل ثانياً في الوقت.
3 - تدخل الإعادة في جميع العبادات المؤقتة بوقت موسع كالطهارة والصلاة والزكاة والحج وصيام النافلة وصيام النذر المطلق، أما صيام شهر رمضان والنذر المقيد فإنه لا يوصف بالإعادة، وذلك لأن وقته مضيق بحيث لا يسع إلا لأداء الفعل فقط لذلك يوصف بالقضاء فقط ولا يوصف بالإعادة.
4 - تقسيم الإعادة إلى ثلاثة أقسام:
أ- الإعادة الواجبة: وهي إعادة الفعل ثانياً وجوباً لترك واجب من واجبات العبادة لغير عذر وذلك إما ناسياً أو عامداً.
ب- الإعادة المستحبة: وهي إعادة الفعل ثانياً لترك أي من سنن العبادة أو أي من آدابها.
ج- الإعادة المكروهة: وهي إعادة العبادة ثانياً لغير سبب مشروع.
5 - تسقط الإعادة في حالة ترك المكلف أحد واجبات أو شروط العبادة لعذر. عندها لا يكلف الشخص بالإعادة إنما يؤدي العبادة على قدر استطاعته ولا يعيدها.
6 - يشترط للإعادة شروط عامة وهي:
أ- أن تكون العبادة مؤقتة بوقت موسع.
ب- أن تكون العبادة الموصوفة بالإعادة واجبة.
ج- أن تكون العبادة المعادة مماثلة للعبادة التي سبق أداؤها.
د- أن تسبق الإعادة بأداء فيه خلل أو عدم تحسين للفعل المؤدي.
هـ- أن تكون الإعادة في الوقت.
7 - يعاد الوضوء وجوباً لأصحاب الأعذار لكل وقت صلاة، ولمن ترك الموالاة بين أعضاء الوضوء عمداً. وكذلك إذا نسي المتوضئ أحد أركان الوضوء، ولمن نزع خفه قبل انقضاء المدة، ولمن سقطت جبيرته عن برء.
8 - يعاد الوضوء لمن توضأ من المياه العادية المعالجة وذلك لثبوت نجاستها.
9 - يعاد التيمم لمن تيمم قبل دخول وقت الصلاة.
10 - تعاد الصلاة وجوباً لمن ترك أحد واجبات أو أركان أو شروط الصلاة إما عمداً أو ناسياً أو لغير عذر، كما تعاد الصلاة وجوباً إن وقع في أثنائها ما يبطلها.
11 - تعاد صلاة راكب السفينة أو الطائرة وجوباً إن صلى قاعداً لغير عذر.
12 - تعاد الصلاة لمن صلى خلف المذياع أو التلفاز مقتدياً بالإمام وهو جالس في بيته وصلاته غير صحيحة وتجب إعادتها.
13 - تعاد الزكاة وجوباً إذا أديت إلى غير مستحقيها.
14 - تعاد الزكاة إذا احتسبها من وجبت عليه من الضريبة.
15 - تعاد الزكاة إذا احتسبها من وجبت عليه من دين أبرأ صاحبه منه لأنه باحتسابها لا تسقط عنه وعليه إعادتها.
16 - يعاد صوم النذر المطلق وجوباً لمن أفسده سواء لعذر أو لغير عذر.
17 - يعاد الإحرام وجوباً إن أحرم ثم بلغ أثناء أعمال الحج لأن إحرامه قبل البلوغ وقع تطوعاً. كما يعيد الساعي شوطاً من أشواط السعي إن بدأ بالمروة وترك الترتيب الواجب في السعي.
"الحمد لله رب العالمين"(3/287)
أحكام الإعلانات التجارية والجوائز الترويجية
Oمحمد بن علي الكاملي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة الخضراء - مكة المكرمة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مسابقات - جوائز
الخاتمة
أولاً: الإعلان التجاري:
1 - إن الفقه الإسلامي لا يحرم الإعلان التجاري تحريماً مطلقاً ولا يقف ضده بل حدد له منهجاً ثابتاً.
وإن منهج الفقه الإسلامي هو إثبات المنفعة ونفي الضرر.
2 - يجب أن تكون السلعة أو الخدمة المعلن عنها من السلع والخدمات المباحة.
3 - لا يجوز استخدام آلات اللهو والطرب بشتى أنواعها في الإعلان التجاري.
4 - يجب أن يكون الإعلان عن طريق من يوثق بهم، سواء كانوا أشخاصاً أو مؤسسات ونحو ذلك، وأن يكون صادقين فيما يعلنون عنه، بعيدين عن الكذب والتغرير.
5 - لا يجوز استخدام النساء في الإعلان التجاري مطلقاً، وذلك لعدم الحاجة إليهن، ولما في استخدامهن من الفتنة وارتكاب للمحارم، إما بإظهار ما يحرم إظهاره، أو عن طريق تليين الكلام ونحو ذلك.
6 - يجب أن يكون الإعلان متوافقاً مع الأعراف والعادات السائدة لدى المجتمع التي يقرها الشرع ويعتبرها.
7 - لا يجوز استخدام الصور الثابتة لكل ما فيه روح، وكانت هذه الصور مما تتصل به الهيئة، وسواء كانت هذه الصور عن طريق الرسم باليد أو بالكاميرا أو التجسيم.
8 - يجوز استخدام صور الأشياء التي لا روح فيها، كالشجر والجبال ونحو ذلك.
9 - يجوز استخدام الصور المتحركة للرجال والأطفال دون غيرهم، إن أمنت الفتنة من جميع جوانبها.
على شريطة أن يكون المعلن ملتزماً بالصدق في أقواله بعيداً عن الكذب والتميع في الألفاظ، وأن يكون ساتراً للعورة بلباس لا يجسد تفاصيل الجسم أو شفافاً تظهر منه العورة.
10 - أن يكون الإعلان منضبطاً بالضوابط المهنية والأخلاقية، وأن يكون استشهاده بالجهات العلمية مبنياً على الصدق.
11 - أن يكون الإعلان تحت رقابة الدولة، وأن يكون ملتزماً بالقواعد والأنظمة التي حددت له.
ثانياً: الجوائز الترويجية:
1 - إن الوعد بالجائزة إن عري عن جميع ما يضاف إليه من الشروط، كشرط الشراء للسلعة أو للكوبون ونحو ذلك من الشروط، بل كان مجرد تبرع فإنه يأخذ حكم العدة والجعالة والهدية.
2 - يجب أن تكون الجائزة من الأعيان والمنافع المباحة دون حاجة أو ضرورة اقتضت إباحتها.
3 - يجب أن تكون الجائزة معلومة للمشتري، إما برؤية أو بوصف كاف تنتفي به الجهالة والغرر.
4 - لا يجوز أن يكون منح الجائزة عن طريق القرعة أو السحب الذي هي عبارة عن اليانصيب.
5 - يجب أن يكون في منح الجائزة تغرير أو إكراه للمستهلك.
6 - أن لا تزيد الجائزة في سعر السلعة.
7 - أن لا يكون القصد من الجائزة ترويج ما كسد لدى التاجر من سلع.
8 - أن لا يكون في رصد هذه الجائزة إسرافاً من قبل الطرفين.
9 - لا يجوز أن تكون الجائزة من باب المنافسة غير المشروعة بين التجار، لما تحدثه من الضغائن والأحقاد.
هذا والله أسأل التوفيق والسداد، وأن يجعل عملنا خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/288)
أحكام الإمامة والإتمام في الصلاة
Oعبدالمحسن بن محمد المنيف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة الجماعة وأحكام المأموم والإمام
خاتمة
يتبين من العرض الذي حوته هذه الرسالة أن من أهم النتائج التي توصلت إليها بعون الله تعالى وتوفيقه:
1 - أن تارك الصلاة جاحداً لوجوبها كافر وتاركها تهاوناً وكسلاً كافر على الراجح من أقوال العلماء وبناء على ذلك يصبح مرتداً لا يرث أقاربه المسلمين ولا يرثونه ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين.
2 - أن صلاة الجماعة واجبة في أرجح أقوال العلماء.
3 - أن الأذان أفضل من الإمامة في أرجح أقوال العلماء وينبغي لطلبة العلم أن يتولوا الأذان والإمامة ولا يتخلون عنها لأناس غير أهل لها وليكون ذلك احتساباً للأجر من الله سبحانه وتعالى فإن الأجر على قدر المشقة.
4 - أنه لا مانع من أخذ مكافأة من بيت المال لأنه في حكم الرزق الذي صرح العلماء بجوازه.
5 - أنه يجوز الصلاة خلف الفاسق والمخالف في الفروع الصبي المميز وولد الزنا والجندي والعاجز عن ركن فعلي والعبد.
6 - أنه يقدم في الإمامة عند التشاح الأقرأ ثم الأفقه ثم الأقدم هجرة ثم الأقدم إسلاماً ثم الأكبر سنا ثم الأتقى ثم الأشرف ثم باختيار الجماعة ثم القرعة وذلك على ما رجحته.
7 - إن اختلاف النيات بين الإمام والمأموم لا يؤثر ومن ثم يجوز أن يصلي مفترض خلف متنفل ومن يؤدي الصلاة خلف من يقضيها على القول المختار.
8 - أن الاستخلاف جائز ويكون الاستخلاف فيما إذا خاف الإمام تلف مال أو نفس أو عجز عن ركن قولي وكذلك إذا حصل مبطل من مبطلات صلاة الإمام وهو معذور في ذلك بأن سبقه الحدث أو ذكر في أثناء الصلاة أنه محدث وذلك على القول الراجح.
9 - أن موقف الواحد عن يمين الإمام عند الأئمة الأربعة وأنه لو وقف عن يسار الإمام ركعة فأكثر لم تصح صلاته على القول المختار وأن الصلاة قدام الإمام لا تجوز إلا مع العذر على القول الراجح.
10 - أن مصافة الصبي جائزة في الفرض والنفل على القول الراجح وأن صلاة الفرد خلف الصف لا تصح إلا مع العذر على القول الراجح.
11 - أن النساء إذا صلين مع الرجال يقفن خلفهم بلا خلاف بين أهل العلم وأنه لو صلت المرأة بجانب الرجل أو قدامه فصلاة الجميع صحيحة وأن المرأة إذا وقفت منفردة عن صف النساء بدون عذر فصلاتها غير صحيحة على القول المختار، فينبغي على أئمة المساجد تنبيه النساء إلى هذه المسألة فإن كثيراً منهن يصلين مع الإمام في رمضان وفي غيره ويقفن منفردات وأعلامهن بأنه ينبغي عليهن أن يصففن كالرجال وأن صف النساء المؤخر هو الأفضل وأن من صلت منهن منفردة بلا عذر فصلاتها باطلة.
12 - أن الجمعة والجماعة تدرك بإدراك ركعة وأن المأموم يعتد بركعة الإمام الزائدة إذا لم يعلم بها إلا بعد الصلاة على القول الراجح.
13 - أنه إذا صلى المأموم خارج المسجد والإمام داخله فإن كانت الصفوف متصلة فالصلاة صحيحة عند الأئمة الأربعة، وأما إذا كانت الصفوف غير متصلة فلابد من رؤية الإمام أو بعض المأمومين ولا يضر الفاصل من نهر أو طريق وعلى طلبة العلم أن ينبهوا الناس إلى هذه الناحية فإن كثيراً من الناس في مكة المكرمة وغيرها يصلون مع الإمام وهم لا يرونه ولا يرون بعض المأمومين والصفوف غير متصلة فصلاتهم والحالة هذه غير صحيحة في أرجح أقوال العلماء.
14 - أن الاقتداء بالإمام خلف المذياع أو التلفاز غير جائز.
15 - أنه لا يجوز الصلاة في السفينة والباخرة والقطار والطائرة ويفعل ما يستطيع عليه ولا يجوز له أن يؤخر الصلاة عن وقتها المحدد بل يصلي على حسب استطاعته.
16 - أنه لا يجوز للمأموم أن يسابق إمامه فإن سابقه عمدا عالماً بالحكم فصلاته باطلة وإذا كان سهوا أو جاهلا للحكم فصلاته صحيحة وعليه أن يرجع ليأتي به بعد الإمام لكن إذا كان السبق بركنين بطلت الركعة التي سابق فيها وعليه إعادتها وينبغي لأئمة المساجد تنبيه المصلين إلى هذه المسألة في كل مناسبة لأن كثيراً من المصلين يسابقون الإمام في الركوع والسجود وإعلامهم بأنهم مرتكبون أمراً محرما فإن كان عمدا فصلاتهم باطلة وإن كان جهلاً أو سهواً فصلاتهم صحيحة مع الإثم.
وهذا آخر ما تيسر لي جمعه وكتابته في هذه الرسالة وبإعانة الله وتوفيقه فرغت من تحريره وتنسيقه مع الاعتراف بالتقصير، فما كان فيه من صواب فمن توفيق الله علي سبحانه وتعالى، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وصلى الله وسلم على بينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/289)
أحكام الاتصال الجنسي باستخدام الوسائل الحديثة
Oصالح بن سعد الحصان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة: وبها أهم النتائج: وبعد حمد الله على إنجاز هذا البحث فإني أدون ما توصلت فيه إلى أهم النتائج:
1 - أن المراد بالتقاء الختانين ليس حقيقة اللمس ولا الملاقاة بل هو تغييب حشفة الذكر في فرج المرأة. إذ لو وضع ذكره على ختانها ولم يولجه لم يجب الغسل على واحد منهما بالإجماع، ولا شيء من الأحكام.
2 - أن التداوي في الأصل مشروع وتعتريه الأحكام التكليفية الخمسة، من الوجوب والحرمة والكراهة والندب والإباحة.
3 - أن النظر إلى الفرج من أجل التداوي مباح، للضرورة ولابد حينئذ من الاقتصار على قدر الضرورة فقط.
4 - جواز استخدام "الأجهزة التعويضية – المساندة" من أجل الوطء وذلك لمشروعية التداوي وتحقيق مقصد الشريعة من المحافظة على الأسرة والنسل، مع مراعاة الضوابط المذكورة. 5 - أن هذا الجهاز الذي يكون بداخل القضيب الذكري لا يغير شيئاً من الأحكام المترتبة على هذا القضيب فيما لو لم يكن بداخله هذا الجهاز من وجوب الغسل وحصول الإحصان به وتحليله للزوجة المطلقة ثلاثاً وإيجابه للمهر في نكاح الشبهة والزنا، وحصول الفيئة به من الإيلاء وكذا الرجعة، وكون البكر بعد افتضاضها به تكون ثيباً.
6 - أن عنة الزوج تزول عند تركيبه لهذا الجهاز، ومع ذلك يحق للزوجة المطالبة بالفسخ لكونه عيباً.
7 - أنه لا يجوز نزعه من الميت: لأن فيه مثلة وهتكاً لحرمة الميت وإطلاعاً على عورته.
8 - لا يلزم الزوج العنين بتركيبه.
9 - وأن الزوج إذا جنى على زوجته عند تركيبه للجهاز بأن خرق ما بين سبيليها من أول وطء لها فإنه يضمن بخلاف ما إذا حصل بعد عدة مرات من الوطء فإن ذلك يخضع لنظر القاضي.
10 - لا يجوز استخدام "الذكر الصناعي ولا الفرج الصناعي" لأن حقيقة ذلك استمناء وهو محرم في أصح أقوال العلماء، ولما يترتب عليه من مفاسد ومحاذير شرعية.
11 - الراجح عدم ترتيب الآثار الفقهية عند استخدام الذكر الصناعي بالنسبة للمرأة أو الفرج الصناعي بالنسبة للرجل لكونه ليس فرجاً أصلياً. فلا يوجب غسلاً إلا بإنزال ولا يجعل البكر ثيباً، ولا يفسد صوماً ولا حجاً إلا بإنزال ولا يوجب حداً في زنا وإنما التعزير ليحصل المنع من فعلها.
12 - الراجح في تناول الأدوية المنشطة للجنس الجواز إذ تم مراعاة الضوابط المذكورة فيه.
13 - أن تناولها تزيل عنة الزوج، وعليه فلا يحق للزوجة المطالبة بالفسخ، ولا يلزم الزوج العنين باستخدامها.
14 - الراجح جواز استخدام العازل "الكبوت" إذا كان لتنظيم الحمل أو لمنع انتقال أمراض الفرج من الزوج أو الزوجة إلى أحدهما قياساً على العزل وإزالة للضرر المتوقع حدوثه من أمراض الفرج.
15 - يحرم استخدام "العازل" الكبوت لمن يمارسون الشذوذ الجنسي أو الاتصال المحرم؛ لأن فيه إعانة على الفاحشة وتسهيلاً لها.
16 - العازل الطبي المعروف لا يمنع لذة ولا إحساساً لذا فإن جميع الآثار الفقهية تترتب عليه عند الإيلاج به، فوجوده والحالة هذه كعدمه، لأن الشرع لا يفرق بين المتماثلات. فيوجب الغسل ويفسد الصوم والحج ويحد الزاني ويحصن الزوجة والزوج، ويلحقه النسب ويضمن إذا جنى على زوجته بسببه إذا كانت صغيرة أو كبيرة لا تحتمله.
17 - ترجح أن رتق غشاء البكارة يحرم مطلقاً سواء كان زوال البكارة من وطء زنا أو نكاح صحيح أو من غير وطء. لما يترتب عليه من المفاسد والأضرار.(3/290)
18 - ترجح أنه في حالة ما إذا رتق غشاء البكارة امرأة وتزوجت فإنه لا يحق للزوج فسخ النكاح ولا رد المهر إذا كانت المرأة بكراً في الأصل وكان زوال بكارتها بسبب غير الوطء سواء اشترط البكارة أو لا إلا أن يكون قصده اطلاع الطبيب على عورة زوجته المغلظة مما سبب له نفوراً منها فيكون لهذه الحالة حظاً من النظر لدى القاضي.
19 - ويحق له فسخ النكاح إذا كان زواله بسبب زنا أو نكاح صحيح. ويجب عليه المهر لها إذا كان بعد الدخول عليها ويرجع به على من غره من المرأة أو الولي. إما إذا كان قبل الدخول فلا يجب عليه مهر.
20 - لا يتغير وصف المرأة الثيب من كونها ثيباً إلى بكر حتى ولو قامت بعملية رتق بكارتها؛ لأن المقصود من الثيوبة قد حصل لها.
21 - لا يؤثر رتق غشاء البكارة في تغيير صفة الإذن للمرأة، فإن كانت في الأصل بكراً ثم رتقت فإذنها الصمات، وإن كانت ثيباً فإذنها النطق. وإن كانت زانية فإن اشتهر فالصحيح من المذهب أن إذنها يكون بالنطق. أما إن لم يشتهر فحكمها كالبكر بكون إذنها "الصُّمات".
22 - أن ما جاز من هذه الوسائل جاز لدخولها تحت عدد من القواعد الفقهية الكبرى مثل: الأمور بمقاصدها والمشقة تجلب التيسير والضرر يزال ودرء المفاسد مقدم على المصالح، الأمر الذي يعطي جواز استخدامها عند الحاجة إليها.
23 - وآخر النتائج وأهمها "بيان سعة الشريعة وغنى مصادرها وأنها كفيلة بإيجاد الأحكام الشرعية لجميع النوازل أياً كان نوعها. "فديننا الإسلامي أتى بعلاج كل المشكلات بالعلاج الأمثل مهما كان شأنها. وهذا من روائع الإعجاز في هذا الدين وآية من آيات عمومه وخلوده وصلاحيته لكل زمان ومكان. فهو لم يدع جانباً من جوانب الحياة الإنسانية إلا كان له فيه موقف ولم يدع طوراً من أطوار حياة الإنسان إلا ورسم له فيه المنهج الأمثل".
24 - بيان ثراء التراث الفقهي لدى المسلمين، وأنه غني بعبارات علماء السلف مما يمكن الاستفادة منها وتنزيلها على أي نازلة عصرية جديدة خالية من الحكم. وهذا من محاسن الشريعة الإسلامية وكمالها، التي لا يحدها زمان ولا يحصرها مكان.
فلله الحمد من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله(3/291)
أحكام الاكتتاب في الشركات المساهمة
Oحسان إبراهيم محمد السيف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
شركات
الخاتمة
الحمد لله الذي يسر بمنه وكرمه إتمام البحث أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا كما يحب ربنا ويرضى وفي ختام هذا البحث سوف أورد أهم النتائج التي توصلت لها من خلال هذا البحث وهي على النحو الآتي:
1 - إن التعريف الدقيق للاكتتاب في الشركات المساهمة هو أنه (دعوة توجهها الشركة المساهمة إلى أشخاص غير محددين سلفا للإسهام فتعطيه الشركة من أسهمها ما يقابل ما أخذته منه من مال).
2 - إن التعريف الدقيق للشركة المساهمة هو أنها (الشركة التي ينقسم رأس مالها إلى أسهم متساوية القيمة وقابلة للتداول ولا يسأل الشركاء فيها إلا بقدر قيمة أسهمهم ولا يجوز أن يقل عدد الشركاء فيها عن خمسة).
3 - إن السهم هو: (النصيب الذي يشترك به المساهم في رأس مال الشركة ويتمثل في صك يعطى للمساهم يكون وسيلة في إثبات حقوقه في الشركة).
4 - إن للسهم ثلاث قيم القيمة الاسمية وهي: ناتج قسمة رأس مال الشركة على عدد الأسهم والقيمة الدفترية وهي النصيب الذي يستحقه السهم في صافي أموال الشركة بعد خصم ديونها والتزاماتها والقيمة السوقية وهي قيمة السهم في سوق الأوراق المالية وهي خاضعة للارتفاع والانخفاض تبعا لعوامل كثيرة تتعلق بالسوق المالية وحجم العرض والطلب فيها.
5 - إن المؤسسين في الشركة المساهمة مسؤولون بالتضامن عن صحة البيانات الواردة في نشرة الاكتتاب وعن استيفاء البيانات اللازمة عن الشركة.
6 - إنه يترتب على قرار إعلان تأسيس الشركة انتقال جميع التصرفات التي أجراها المؤسسون لحسابها إلى ذمتها وتتحمل الشركة جميع المصاريف التي أنفقها المؤسسون خلال فترة التأسيس.
7 - إنه إذا لم يتم التأسيس وفق نظام الشركات كان للمكتتبين أن يستردوا المبالغ التي دفعوها أو الحصص العينية التي قدموها وكان المؤسسون مسؤولين بالتضامن عن الوفاء بهذا الالتزام وعن التعويض عند الاقتضاء ويكونون مسؤولين بالتضامن في مواجهة الغير عن الأفعال والتصرفات التي صدرت منهم خلال فترة التأسيس
8 - إن الاكتتاب في الأسهم أو تملكها يفيد قبول المساهم لنظام الشركة والتزامه بالقرارات التي تصدر من جمعيات المساهمين.
9 - إنه إذا لم يتم تأسيس الشركة وفق نظام الشركات كان للمكتتبين أن يستردوا المبالغ التي دفعوها أو الحصص العينية التي قدموها وكان المؤسسون مسؤولين بالتضامن عن الوفاء بهذا الالتزام وعن التعويض عند الاقتضاء.
10 - إن المساهم يلتزم بدفع قيمة السهم في المواعيد المعينة لذلك وإذا تخلف المساهم عن الوفاء في ميعاد الاستحقاق جاز لمجلس الإدارة بعد إنذار المساهم بخطاب مسجل بيع السهم في مزاد علني.
11 - يشترط النظام السعودي لصحة الاكتتاب أن يكون منجزا غير معلقا على شرط وأن يتم الاكتتاب بكل رأس المال المطروح للاكتتاب وأن لا يقل المدفوع عند الاكتتاب عن ربع القيمة الاسمية للسهم.
12 - إن التكييف المتوافق مع النظام السعودي للاكتتاب التأسيسي للشركة هو أنه عقد بين المكتتب والمؤسسين بناء على أن الشركة تحت التأسيس لا تكون ذات شخصية معنوية مستقلة حتى يتم تأسيسها.
13 - إن تكييف الاكتتاب اللاحق لتأسيس الشركة هو أنه عقد بين المكتتبين وبين الشركة متمثلة في شخصيتها الاعتبارية المستقلة.
14 - إن المنهج السليم في التكييف الفقهي للشركة المساهمة يكون بعرض خصائصها على أدلة الشرع مع استصحاب القاعدة الشرعية المتفق عليها وهي أن الأصل في المعاملات الإباحة.(3/292)
15 - إن الشركة المساهمة بصورتها النظامية لم تخالف نصا شرعيا ولم تتضمن محذورا شرعيا مجمعا عليه وعلى هذا فالتكييف الفقهي الصحيح لها مماثل للتكييف النظامي لأنها شركة حديثة لا مانع منها شرعا.
16 - يترتب على مشروعية الشركة المساهمة أن على الشركاء فيها الالتزام بالقواعد النظامية المنظمة لأحكامها ما لم تشتمل تلك القواعد على محذور شرعي.
17 - إن التكييف الفقهي الصحيح للاكتتاب هو أنه عقد شركة بين المؤسسين والمكتتبين وذلك في الاكتتاب التأسيسي وأما الاكتتاب اللاحق فهو عقد بيع الشركة المساهمة وبين المكتتبين بواسطة مدير الاكتتاب.
18 - إن الاكتتاب يمر بثلاثة مراحل:
الأولى: العرض: وتتمثل في طرح الأسهم للاكتتاب.
الثانية: الإيجاب: وتتمثل في تعبئة المكتتب لاستمارة الاكتتاب.
الثالثة: القبول وتتمثل في تخصيص الشركة لكل مكتتب نصيبه من الأسهم.
19 - إن الاكتتاب مباح في الأصل لأنه إما عقد شركة أو بيع والأصل في المعاملات والبيوع الحل والإباحة ما لم تتضمن محذورا شرعيا.
20 - إن حكم الاكتتاب في كل شركة على حدة يختلف باختلاف نشاطات تلك الشركة وأعمالها.
21 - إن الاكتتاب مباح شرعا في الشركات التي نصت في نظامها على أنها لا تمارس إلا الأعمال المباحة شرعا ولا تتعامل بالربا إقراضا أو اقتراضا على أن تكون ملتزمة بذلك في الواقع إن كانت شركة قائمة.
22 - إن الاكتتاب محرم شرعا في الشركات التي نصت في نظامها على ممارستها للأعمال المحرمة أو كانت أغلب أنشطتها في الواقع أنشطة محرمة مثل البنوك الربوية ومثل الشركات التي تتاجر في السلع المحرمة كالخمور والملاهي والقمار.
23 - إن الأولى للمسلم عدم الاكتتاب في الشركات التي نصت في نظامها على أنها تمارس أعمالا مباحة شرعا ولم تنص على ممارسة أعمال محرمة شرعا ولكنها في الواقع تمارس بعض الأعمال المحرمة شرعا كأن تقترض بالربا أو تودع بالربا أو تستثمر في استثمارات محرمة.
24 - إن الاكتتاب في الشركات المختلطة يجوز للحاجة إذا كانت نسبة الاستثمارات المحرمة في الشركة قليلة جدا ومغمورة بالنسبة للاستثمارات المباحة فيها مع وجوب بذل الوسع في التخلص من النسبة المحرمة من الربح وعدم الرضى بتلك الممارسات والسعي الحثيث لإيقافها.
25 - إن مدير الاكتتاب يتمثل عمله في تقديم المشورة لجهة الإصدار بشأن حجم الإصدار ومدى مناسبة توقيته إدارة الاكتتاب وما يترتب على ذلك من إتمام جميع الإجراءات الإدارية والقانونية وتسويق الأسهم للجمهور عبر الوسائل التسويقية المتاحة.
26 - إن التكييف الفقهي لصورة العقد بين مدير الاكتتاب والشركة المساهمة أنه عقد إجارة مقدر إما بالزمن وإما بالعمل وهو عقد صحيح شرعا في كلتا الصورتين.
27 - إنه لا يمكن تخريج ضمان الإصدار تخريجا واحدا يشمل جميع صوره وذلك لاختلاف صور ضمان الإصدار وإن اتحدت في المسمى.
28 - إن ضمان الإصدار إن كان التزاما مجردا من قبل مدير الاكتتاب للشركة المساهمة بتسويق أسهمها فهو عقد وساطة بالنسبة لتسويق الأسهم لعامة المكتتبين فإن تبقى من تلك الأسهم أسهم فاشتراها مدير الاكتتاب بلا اتفاق سابق بأقل من قيمتها الاسمية كان ذلك بيع وضيعة بين الشركة المساهمة ومدير الاكتتاب.
29 - إن ضمان الإصدار إن تمثل في التزام مدير الاكتتاب بتسويق الأسهم وشراء ما يتبقى من الأسهم بعد التسويق بقيمتها الاسمية فهو عقد وساطة والتزام بالشراء فإن كان الالتزام دون عوض فلا خلاف في جوازه وإن كان مقابل عوض فهو محرم شرعا لأن فيه غرر ظاهر.(3/293)
30 - إن ضمان الإصدار إن تمثل في التزام مدير الاكتتاب بشراء ما يتبقى من الأسهم بأقل من قيمتها الاسمية دون مقابل لهذا الالتزام فهو جائز شرعا لأنه التزام ووعد مجرد لا مانع منه شرعا.
31 - إن ضمان الإصدار إن تضمن شراء مدير الاكتتاب لجميع الأسهم قبل طرحها للاكتتاب بأقل من قيمتها الاسمية ثم قام بتسويقها لحسابه بالقيمة الاسمية كان ذلك العقد بيع وضيعة محض لا مدخل للوساطة فيه.
32 - إن التكييف الفقهي الصحيح لحق الاكتتاب بالاسم هو أنه حق انتفاع.
33 - إن الأصل في حق الانتفاع أنه يكون الانتفاع به لمن أبيح له لكن إذا علم أن المملك لهذا الحق يبيح لمن ملكه إياه بذله لغيره بعوض أو بغير عوض جاز للمنتفع به بذله لغيره.
34 - إن حق الاكتتاب قد ملكته الدولة للناس بشروط وقيود معينة تهدف إلى تحقيق المصلحة العامة والواجب الالتزام بتلك القيود والضوابط المنظمة لطريقة الانتفاع بهذا الحق.
35 - إن الاكتتاب باسم الغير مقابل عوض محرم شرعا لأنه فيه غرر ظاهر ولأنه سبب لوقوع الخصومات والمنازعات.
36 - إن اكتتاب الشخص باسمه حق له يجوز له بذله لغيره بلا عوض ما دامت الجهة التي أعطته هذا الحق لم تمنعه من بذله لغيره بلا عوض.
37 - إن اكتتاب الشخص باسم غيره على سبيل المشاركة مع صاحب الاسم في الربح جائز شرعا ونظاما بشرط أن يكون تقسيم الربح بين الشركاء على سبيل الشيوع وأن لا يكون تقسيم الربح صوريا.
38 - إن الاكتتاب حق مالي تملكه المرأة ولذلك فلا يجوز للزوج أن يكتتب باسم زوجته إلا برضاها الرضا المعتبر شرعا.
39 - إن الأب له أن يكتتب باسم ابنه إذا كان الابن مستغن عن الربح المتوقع من الاكتتاب على أن لا يبذل الأب ذلك لابن أخر وأن لا يكون في مرض أحدهما المخوف.
40 - إن الواجب على ولي القصر التصرف بأسماء القصر بالأحظ لهم فإن كان الأحظ لهم أن يكتتب بأسمائهم مشاركة معهم وذلك لعدم قدرتهم على دفع المبلغ المحدد للاكتتاب جاز له ذلك أما إن كان الأحظ لهم أن يكتتبوا بأسمائهم بلا مشاركة مع غيرهم وكانوا يملكون المال الكافي لذلك فالواجب على الولي أن يمكنهم من ذلك ولا يجوز له مشاركتهم ولا بيع أسمائهم.
41 - تصح الوكالة في الاكتتاب وإذا انعقدت الوكالة كان الوكيل مؤتمنا على ما وكل عليه فلا يضمن ما تلف بيده من مبلغ الاكتتاب إلا إن تعدى أو فرط ولكل من الوكيل والموكل فسخ عقد الوكالة متى شاؤوا قبل إتمام إجراءات الاكتتاب لأن الوكالة عقد جائز وتنفسخ الوكالة أيضا بموت الوكيل أو الموكل أو فقد أحدهما للأهلية.
42 - إن تمويل الاكتتاب عن طريق إقراض الجهة الممولة للعميل مبلغ الاكتتاب مقابل فائدة نسبية على مبلغ القرض محرم شرعا لأنه من ربا القرض.
43 - إن تمويل الاكتتاب عن طريق إقراض الجهة الممولة للعميل مبلغ الاكتتاب مقابل مبالغ مقطوعة بقدر تكلفة الرسوم الإدارية للقرض جائز شرعا.
44 - إن تمويل الاكتتاب عن طريق البيع بالآجل جائز شرعا بشرط تضمن المعاملة لجميع الشروط المعتبرة للبيع ومن أهمها قبض الجهة الممولة للسلعة قبل بيعها على المتمول وكذلك قبض المتمول للسلعة قبل بيعها ومن أهم الشروط كذلك عدم بيع المتمول للسلعة على الجهة الممولة أو وكيلها أو شريكها.
45 - إن التمويل بالمشاركة بالمال أو بالمال والعمل جائز شرعا وهو أيضا جائز نظاما لأن نظام الشركات يقر اشتراك أكثر من شخص في تملك الأسهم على أن ينوب عن الشركاء أحدهم ليكون مسؤولا في مواجهة الشركة.(3/294)
46 - يوصي الباحث أن تقوم الجهات التمويلية والبنوك على وجه خاص بعمل تعاوني وذلك بتمويل غير المقتدرين ماديا على الاكتتاب من جميع فئات المجتمع وفق مبدأ المشاركة بالعمل (المضاربة) خاصة أن البنوك تستطيع أن تحمي نفسها من تلاعب الناس باستعادة الفائض المسترد بعد الاكتتاب وكذلك ضمان حقها من بيع الأسهم المخصصة لأن كل هذه العمليات لا تتم إلا بواسطة البنك نفسه وبهذا العمل تتحقق مصالح عديدة لجميع الأطراف وتنتفع كافة فئات المجتمع من المشاريع الاستثمارية في البلد.
47 - إن التخصيص في حقيقته هو إعلان الشركة قبول إيجاب المكتتبين المتضمن بيان نصيب كل مكتتب من أسهمها.
48 - إن التكييف الفقهي للتخصيص هو أنه يتضمن أمرين: الأول: قبول من قبل الشركة المساهمة لإيجاب المكتتب الذي تمثل في تعبئته لاستمارة الاكتتاب الثاني: بيان نصيب المكتتب من أسهم الشركة وله حالتان:
الأولى: أن يطابق عدد الأسهم المخصصة للمكتتب لعدد الأسهم التي اكتتب بها ويكون تكييفه في هذه الحالة أنه بيع لسلعة معلوم قدرها وهو جائز شرعا.
الثانية: أن يكون عدد الأسهم غير مطابق لما اكتتب به المكتتب فيكون تكييفه أنه بيع لبعض مبيع مقسم إلى أجزاء معلوم قدر كل جزء منها ومعلومة قيمته غير أن نصيب المشتري من هذه الأجزاء غير معلوم وهو جائز شرعا بناء على أصح قولي العلماء مسألة بيع بعض الصبرة – دون تسمية ذلك البعض – كل قفيز منها بدرهم.
49 - إن يد مدير الاكتتاب على أموال المكتتبين بعد انتهاء الاكتتاب وقبل التخصيص يد ضمان وعلى هذا يكون التكييف الفقهي لهذه الصورة أنها قرض وبناء عليه فإنه يجوز لمدير الاكتتاب استثمار تلك الأموال في مجالات مشروعة وله غنمها وعليه غرمها.
50 - إن الأسهم في حقيقتها عروض تجارة لأنها أصبحت سلعة تباع وتشترى وترتفع قيمتها وتنخفض وفق العرض والطلب لكني أرى أن هذا التكييف خاص بأسهم الشركات المساهمة المتداولة في البورصة دون غيرها من أسهم الشركات التي قد يكون لتقييمها عوامل مختلفة عن هذه الشركات.
51 - إن السهم تطبق عليه أحكام عروض التجارة من حيث البيع فيجوز بيعها وتداولها كغيرها من الأعراض غير الربوية بغض النظر عن موجودات تلك الشركة من نقود وغيرها وكذلك تجري عليه أحكام زكاة عروض التجارة وغيرها من الأحكام التي تجري على العروض.
52 - إن قبض الأسهم الذي يكون عبر القيد المصرفي في المحافظ الاستثمارية قبض معتبر شرعا وتترتب عليه آثار القبض من جواز التصرف وغير ذلك.
53 - لا يجوز للمؤسسين بيع أسهمهم على من سواهم قبل نشر الميزانية وحساب الأرباح والحساب عن سنتين ماليتين كاملتين لا تقل كل منهما عن اثني عشر شهرا من تاريخ تأسيس الشركة إلا في الحالات التي استثناها النظام
54 - لا يجوز تداول الأسهم بعد الاكتتاب وقبل التخصيص لأنه من بيع ما لا يملك.
55 - يجوز للمكتتب الذي قبض نصيبه من الأسهم بعد التخصيص أن يبيع تلك الأسهم قبل إدراجها في سوق التداول ولكن المشتري لهذه الأسهم لا يجوز له بيعها إلا بعد أن يقبضها القبض التام ومعلوم أنه لا يمكن أن يقبضها إلا بعد إدراج أسهم الشركة في سوق التداول.
هذه هي أبرز النتائج أسأل الله أن ينفع بها الإسلام والمسلمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(3/295)
أحكام البحر في الفقه الإسلامي
Oعبدالرحمن بن أحمد بن فايع
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الأندلس الخضراء - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة:
الحمد الله رب العلمين، والصلاة والسلام على رسولنا محمد، وعلى آله وعلى أصحابه أجمعين، وبعد:
فلقد توصلت من خلال هذا البحث إلى نتائج من أهمها ما يأتي:
1 - جواز التطهر بماء البحر، بلا كراهة.
2 - إذا تغير ماء البحر فله حالتان:
إحداهما أن يتغير بنجس فينجس.
والثانية أن يتغير بطاهر، فله ثلاث صور:
الأول: أن يتغير بمخالط يغلب عليه حتى يفقد اسمه فلا تصح الطهارة به.
والثاني: أن يتغير بطاهر لم يسلبه اسم الماء، وهذا على ضربين:
الأول: أن يكون هذا الطاهر مما يشق صون الماء عنه.
والثاني: أن يتغير بما يمكن التحرز منه، وهو باق على طهوريته في الضربين السابقين.
والصورة الثالثة: أن يتغير بسبب غير معلوم، فيحكم بطهورتيه أيضاً.
3 - مياه الصرف الصحي إذا تغير بها جزء من ماء البحر، فإن هذا الجزء المتغير نجس.
4 - دم السمك طاهر.
5 - جواز اتخاذ الأواني المصنوعة من مادة بحرية نفيسة.
6 - جواز اتخاذ الآنية من عظم وجلد الحيوان البحري، أما الحيوان الذي يعيش في البر والبحر، ولا يؤكل لحمه، فلا يجوز اتخاذ الآنية من عظمة وجلدة.
7 - جواز صلاة الفرض في السفينة، ولو أمكنه الخروج منها، إذا استقبل القبلة، وأتم أركانها.
8 - لا يجب استقبال القبلة في النافلة لراكب السفينة.
9 - لا يجوز لمن يصلي الفريضة في السفينة ترك القيام، ما دام يقدر على ذلك.
10 - لا يجوز للمسافر الراكب في السفينة أن يتطوع بالإيماء بدون عذر.
11 - يجوز اقتداء ذوي السفن المتقاربة بإمام واحد، يسمعون تكبيره، أو يرون أفعاله.
12 - يجوز القصر في طويل السفر وقصيره في البحر، ويرجع في تحديد السفر إلى العرف.
13 - يشترط المفارقة للبيوت والقرى عند السفر في البحر، وبالنسبة للسفر من الميناء البحري فإنه ينظر: إن كان الميناء قائماً في البلد، ومتصلاً به، فمن كان فيه لا يعد مفارقاً، وإن كان الميناء منفصلاً عن البلد، بحيث يقال أنه خارجها، فلا مانع من الترخص، ويعد مفارقاً للبلد.
14 - لا يباح القصر للملاح الذي ليس له بيت إلا السفينة إذا كان أهله معه فيها.
15 - إذا مات المسلم في السفينة وهي في البحر فينتظر به إن كان يرجى وجود موضع يدفن فيه، مالم يخش عليه الفساد، فإن خشي عليه الفساد غسل وكفن وصلي عليه، ثم ألقي في البحر، وثقل لينزل إلى القاع.
16 - لا تجب الزكاة في المستخرجات البحرية.
17 - يجب ركوب البحر للحج إذا تعين ركوبه، بشرط أن تغلب عليه السلامة.
18 - يحرم راكب البحر المريد للحج أو العمرة إذا حاذى الميقات وجوبا ومن لم يحاذ ميقاتا، كالآتي من سواكن، فيحرم من جدة.
19 - صيد البحر في الحرم مباح.
20 - إذا صاد المحرم حيوانا يعيش في البر والبحر، فإن كان هذا الحيوان يبيض ويفرخ في الماء، ويتوالد فيه فهو صيد بحر، وإلا فهو صيد بر، أما طير الماء فهو من صيد البر المحرم على المحرم.
21 - الجراد من صيد البر.
22 - إذا ألقى الكفار في سفينة المسلمين نارا، فاشتعلت السفينة، واستوى لديهم جانب الحرق في السفينة والغرق في البحر، فيخيرون بين البقاء في المركب وبين إلقاء أنفسهم في البحر.
23 - التفرق بين المتعاقدين بالأبدان من أسباب انتهاء خيار المجلس، والمرجع في ذلك إلى العرف، ومثاله في السفينة صعود أحدهما إلا أعلاها، ونزول الآخر إلى أسفلها.
24 - اللحم أجناس تختلف باختلاف أصوله، فلحم السمك جنس، ولحم الطير جنس، وهكذا .. فلا يجري الربا بين هذه الأجناس.(3/296)
25 - حيوان البر أجناس، فالحوت جنس، وماعداه مما لا يسمى حوتا جنس، وهكذا كل ما اختص باسم يخالف غيره يعد جنسا أو صنفا.
26 - لا يجري الربا في غير السمك من المستخرجات البحرية كاللؤلؤ ونحوه مما يوزن.
27 - جواز بيع وشراء الحيتان الصغار والكبار جزافا.
28 - جواز بيع الدر في الصدف.
29 - يجوز السلم في السمك عموما، لكن لا بد من بيان جنسه، ونوعه، وصغره، وكبره، وسمنه وهزاله، وهل هو بحري أم نهري، وطري أو مالح.
30 - جواز السلم في صغار اللؤلؤ دون كباره.
31 - عدم جواز التأمين التجاري، ويدخل فيه التأمين البحري ويمكن أن يستبدل هذا التأمين بما أطلق عليه (التأمين التعاوني)
32 - يضمن الناقل للبضائع إذا تلفت في السفينة بتعديه أو تفريطه، فإن لم يكن منه تعد ولا تفريط فيفرق بين التلف الحاصل بسب أجنبي يمكن التحرز منه كالسرقة العادية، وبين السبب الأجنبي الذي لا يمكن التحرز منه، كالحريق الغالب، فيضمن في الأول دون الثاني.
33 - إذا اختلف الناقل للبضائع مع صاحبها في التفريط أو التعدي عمل بقول عدلين من أهل الخبرة، فإن لم يكن فالقول قول الناقل.
34 - لا فرق بين وجود صاحب البضائع مع بضائعه أو عدم وجوده في تضمين الناقل (الملاح) أو عدم تضمينه.
35 - إذا كان تأخير البضائع عن الوصول إلى الميناء ناتجا عن تفريط أو إهمال ضمن الناقل ما يترتب على هذا التأخير وإلا فلا.
36 - إذا اصطدمت سفينتان فغرقتا بما فيها أو غرقت إحداهما فلا يخلو الأمر من حالات ثلاث:
الحالة الأولى: أن يكون التصادم دون تعد ولا تفريط، فلا ضمان.
الحالة الثانية: أن يكون التصادم بسبب التفريط والإهمال، ففي هذه الحالة: إن كانت السفينتان وما فيهما من الأموال ملكا للملاحين المجريين لها، فيضمن كل واحد منهما نصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها، وإن كانتا لغيرهما، وجب على كل واحد منهما نصف قيمة سفينة، ونصف قيمة ما فيها، ونصف قيمة سفينة صاحبه، ونصف قيمة ما فيها.
الحالة الثالثة أن يكون تصادم السفينتين عمدا، فيجب الضمان في الأموال على تعمد. أما بالنسبة لتلف الأشخاص، فإن كان التصادم بدون تفريط فلا ضمان في هذه الحالة، وإن كان التصادم بتفريط: فتضمن عاقلة كل واحد من الملاحين دية نصف ركاب سفينته، ونصف ديات ركاب سفينة صاحبه، إن كانوا أحرارا، ويضمن كل منهما في ماله نصف قيمة ما في سفينته، ونصف قيمة ما في سفينة صاحبه من عبيد، إن كان العبيد لغيرهما.
أما إذا تعمد الملاحان أو أحدهما الاصطدام فهلك به أحد، فيفرق بين ما إذا كان الاصطدام على وجه يهلك غالبا، ففيه القود، وبين ما إذا كان الاصطدام على وجه لا يقع به الهلاك غالبا، فالقتل هنا شبه عمد.
37 - إذا خيف على السفينة الغرق، جاز طرح ما فيها من المتاع، وإن لم يأذن أصحابه، إذا رجي بذلك النجاة، ويكون المطروح بينهم على قدر أموالهم.
38 - وجوب المحافظة على البيئة البحرية من التلوث.
39 - التلوث الناتج عن التعمد يضمن فاعله، وكذلك يضمن من وقع التلوث بسبب إهماله أو تفريطه أو تقصيره، سواء كان الفاعل شخصا بعينه، أو شركة، أو جهة، أو كيانا.
أما التلوث الواقع بغير تعد ولا تفريط، فلا يضمن إذا كان ذلك بسبب خارج عن قدرته، كالغرق أو الحريق، وإلا ضمن.
40 - ينقسم الكراء في السفينة إلى قسمين:
أحدهما: الكراء المعين، بأن يكتري منه سفينة، ويعينها.
الثاني: الكراء المضمون، وهو أن يكتري منه ركوب سفينة أونقلها إلى مكان معين فإذا كتب بينهما عقد، وأعطي بذلك إيصالا، فهو ما يسمى بالمصطلح الحديث (سند الشحن).
41 - ليس لناقل البضائع حبسها من أجل تحصيل الأجر.
42 - يجوز كراء السفينة بجزء مما يحمل فيها.(3/297)
43 - إذا لم تصل السفينة المستأجرة إلى الغاية التي تضمنها عقد الإجارة، ولم يكن ذلك بتفريط ولا تعد، فيستحق الملاح أو القائد للسفينة من الأجر بحسب ما سار.
44 - ليس لأحد إحياء السواحل القريبة من البحر، ولا إقطاعها إقطاع تمليك. أما الجزائر الواقعة في البحر فيجوز إحياؤها وإقطاعها بشرط عدم إلحاق الضرر بالغير.
45 - لا تقطع المعادن البحرية الظاهرة إقطاع تمليك، أما المعادن البحرية الباطنة فيعود الأمر فيها إلى نظر ولي الأمر بحسب المصلحة العامة.
46 - يجوز إقطاع السواحل والجزائر إقطاع استغلال وإرفاق.
47 - يجوز للدولة أن تمنع الصيد البحري في بعض الأماكن أو الأوقات، للحفاظ على الثروة السمكية، عند وجود المصلحة في ذلك.
48 - الضوابط الشرعية لممارسة الرياضة تتلخص في: مراعاة المقاصد الحسنة (الشرعية) عند مزاولة الرياضة، وعدم إلهائها عن واجب شرعي، ووجوب ستر العورات، وعدم اشتمال الرياضة على خطر محقق أو غالب، والبعد عن المكاسب المحرمة، وألا يترتب على مزاولة الرياضة موالاة أو معاداة بسببها
49 - تجوز المسابقة بعوض في كل ما يستعان به على الجهاد في سبيل الله، ومن ذلك المسابقة على السفن الحربية والغواصات والزوارق البحرية.
50 - لا تثبت الشفعة في السفن، ولا في غيرها من المنقولات.
51 - ما يجده الشخص في البحر أو على ساحله فهو له إن كان من المباحات التي لم يسبق عليها ملك، كالسمك واللؤلؤ والعنبر. فإن كان قد سبق عليه ملك فهو لقطة، ومثال ذلك: بقايا السفن الغارقة، ويستحق المستخرج لهذه الأموال أجرة المثل.
52 - الدرة التي توجد في بطن السمكة المباعة لا تخلو من حالين:
أحدهما: أن يكون عليها أثر لآدمي، فهي لقطة.
والثاني: ألا يكون عليها هذا الأثر، فهي للصائد دون المشتري.
53 - تبرع من اشتد عليه عاصف البحر وخشي على نفسه لا ينفذ إلا في الثلث من ماله فقط، ويلحق في هذا بالمريض مرضا مخوفا.
54 - القرصنة البحرية من السعي في الأرض بالفساد وتلحق بالحرابة.
55 - من حلف أن لا يأكل لحما فأكل سمكا فإنه يحنث، ومن حلف ألا يأكل رأسا فأكل رأس سمكة فلا يحنث، إلا أن يكون ببلد تباع فيه رؤوس السمك مفردة.
56 - من حلف ألا يأكل بيضا فأكل بيض سمك لم يحنث إلا أن ينويه.
57 - من حلف ألا يلبس حليا فلبس لؤلؤا حنث.
58 - جميع حيوان البحر الذي لا يعيش إلا فيه حلال، وكذلك ميتته إلا ما كان في تناوله ضرر، فيمنع لذلك.
59 - جميع الحيوانات التي تعيش في البر والبحر مباحة إلا الضفدع والحية والتمساح، وكذا كل ما كان فيه ضرر على الآكل، أو كان يفترس الناس.
60 - تشترط الذكاة للحيوان الذي يعيش في البر والبحر.
61 - المحفوظ من السمك على قسمين:
أحدهما: ما ينظف ويخرج ما في جوفه.
والثاني: ما يترك دون تنظيف، فيبقى بما فيه من الأحشاء والدم وكلا القسمين مباح الأكل.
62 - الطير البحري لا يعد من حيوان البحر بل هو بري، وهو حلال إلا الذي يأكل الجيف.
63 - يحل أكل السمكة التي توجد في بطن سمكة أخرى، ما لم يكن في أكلها ضرر.
64 - لا بأس بتقطيع السمك قبل أن يموت، أما إلقاؤه في النار فيكره.
65 - لا يجوز لبس الثوب المكلل باللؤلؤ للرجال.
66 - المياه البحرية تنقسم بحسب الأعراف الدولية المعاصرة إلى: مياه داخلية تملكها الدولة كباقي أراضيها، ومياه إقليمية تعد بمثابة الحريم للملك، ومياه متاخمة (ملاصقة) ومنطقة اقتصادية، وفي هذين النوعين من المياه تكون الدولة المجاورة أحق من غيرها في استغلال وكشف الثروات في هاتين المنطقتين، أما مياه البحر العالي (العام) فجميع الدول فيه سواء. وهذه الأعراف الدولية ما دامت تحقق المصلحة، ولا مضارة فيها على أحد، فلا مانع من اعتبارها شرعا، والله أعلم.(3/298)
أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها
Oمحمد بن محمد المختار الشنقيطي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الصديق - الطائف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أحكام طبية
فقد توصلت من خلال هذا البحث _ بفضل الله تعالى _ إلى نتائج من أهمها ما يلي:
ا- النتائج الخاصة بموضوع الرسالة:
أولا: الجراحة الطبية مشروعة من حيث الجملة.
ثانيا: أن تعلم الجراحة الطبية، وتعليمها، وتطبيقها، يعتبر فرضا من فروض الكفاية.
ثالثا: أن لعلماء الطب المسلمين فضلا كبيرا في تطوير علم الجراحة والتأليف فيه وأن هذا الفضل يرجع إلى التزامهم بالشرع قولا، وفعلا، واعتقادا.
رابعا: يشترط لجواز فعل الجراحة الطبية ثمانية شروط:
أن تكون مشروعة، ويحتاج إليها المريض، ويأذن بفعلها، وأن يكون الطبيب الجراح أهلا لفعلها، ويغلب على ظنه نجاحها، ولا يوجد البديل الذي هو أخف ضررا منها، وأن تترتب المصلحة على فعلها، ولا يترتب عليها ضرر أعظم من ضرر المرض الجراحي.
خامسا: تشرع من الجراحة الطبية الأنواع التالية:
الجراحة العلاجية، والكشفية، والولادة، والختان، والتشريح، والتجميل، المحتاج إليه.
سادسا: أن الجواز في هذه الأنواع مبني على وجود الحاجة الداعية إلى فعلها، وهي إما أن تبلغ إلى مقام الضروريات كما في الجراحة العلاجية الضرورية، وجراحة الولادة التي يقصد إنقاذ الأم، وجنينها، أو واحدا منهما.
وإما أن تبلغ مقام الحاجيات كما في الجراحة العلاجية الحاجية، وجراحة الولادة الحاجية وجراحة التشريح بقصد تعلم الطب، وجراحة الكشف، وجراحة التجميل المحتاج إليها.
وإما أن تكون دون مقام الضروريات والحاجيات كما في الجراحة العلاجية الصغرى.
وقد يكون جواز الجراحة مبنيا على ورود إذن خاص من الشرع بفعلها كما في جراحة الختان.
سابعا: يحرم على الأطباء ومساعديهم فعل جراحة التجميل التحسينية (التي لم توجد فيها دوافع ضرورية ولا حاجية)، وجراحة تغيير الجنس، والجراحة الوقائية. ويحرم على غيرهم الإذن بفعلها، والمعونة عليها.
ثامنا: أن الحكم بحرمة هذه الأنواع مبني على عدم وجود الحاجة الداعية إلى فعلها، إضافة إلى ما تشتمل عليه من تغيير لخلق الله تعالى، وعبث فيها وتسخط على قضاء الله وقدره.
تاسعا: يشرع للأطباء ومساعديهم القيام بمهمة الفحص الطبي بشرط أن تتوفر فيهم الأهلية المعتبرة للقيام بمهمته، ولا حرج عليهم، ولا على المرضى في الكشف عن العورة، ولمسها، والنظر إليها بشرط وجود الحاجة الداعية إلى ذلك.
وعدم وجود البديل في الجنس والطريقة، وأن تتقيد بقدر الحاجة دون زيادة.
ولا حرج عليهم في الفحص بالأشعة السينية ونحوها من الوسائل الخطرة بشرط وجود الحاجة، وعدم وجود البديل الذي هو أخف ضررا منها، وأن يقتصروا فيها على قدر الحاجة.
عاشرا: يشرع للأطباء الحكم بوجود المرض الجراحي، إذا بلغ علمهم بوجوده مرتبة اليقين أو غلبة الظن.
ويجب عليهم التوقف في حال الشك (استواء الاحتمالين) ...
ويحرم عليهم الحكم بوجوده إذا كان علمهم مبنيا على الوهم (الاحتمال المرجوح).
الحادي عشر:
ا- يستحق الإذن بالجراحة المريض، ووليه، فيعتبر إذنه إذا كان أهلا بأن كان بالغا عاقلا، فلا يعتبر إذن صبي، ولا مجنون، ولا يعتبر إذن الولي إذا أمكن أخذ المريض الأهل، أو امتنع ذلك المريض من الإذن.
ب - ويشترط للحكم بصحة الإذن: أن يكون صادرا ممن له الحق، وأن تتوفر فيه الأهلية، وأن يكون مختارا، وأن يشتمل الإذن على إجازة فعل الجراحة، وأن تكون دلالة صيغته صريحة أو قائمة مقام الصريح، وأن يكون المأذون به مشروعا.
ج- ويستحب للمريض أن يأذن بفعل الجراحة إلا إذا كانت ضرورية فإنه يجب عليه الإذن بها، ولا يعتبر قاتلا لنفسه لو امتنع ومات بسبب المرض الجراحي.(3/299)
د - ويجوز للأطباء فعل الجراحة بدون أخذ موافقة المريض في حالتين:
هـ- إذا كان مهددا بالموت، أو تلف عضو أو أعضاء من جسده ولم تسمح حالته بأخذ موافقته.
وأو كان مصابا بمرض معدي.
الثاني عشر: الأصل في المخدرات أنها محرمة كالخمر، ولكن يجوز استعمالها في الجراحة المشروعة، بشرط أن يتقيد المخدر بالقدر المحتاج إليه دون زيادة عليه، ويتقيد بالحدود الشرعية في طريقة التخدير فلا يلجأ إلى التخدير عن طريق العورة، إلا إذا تعذر التخدير عن طريق غيره.
الثالث عشر:
ا- يجوز قطع الأعضاء والأجزاء من جسم الآدمي عند وجود الحاجة مع وجوب التقيد بها كما يجوز قطع البواسير بلا كراهة خلافا لمن قال بكراهته.
وأما الأصبع الزائدة فيجوز قطعها إن وجدت الحاجة الداعية إلى ذلك كالألم وأما إذا لم توجد فإنه يحرم قطعها. ويجوز قطع العصب في جراحة التغلب على الألم إذا تعذر علاجه وكان ضرر الألم أعظم من ضرر قطع العصب.
ويجوز للطبيب إذا قطع جزءا من الجسم لوجود الحاجة أن يزيد عن الموضع المحتاج إليه على سبيل الاحتياط إذا غلب ظنه سريان الآفة إلى ذلك الجزء المقطوع.
ب - يجوز استئصال الأورام والغدد الملتهبة التي تهدد الجسم بضررها سواء كان خطرها مشتملا على هلاك النفس أو على ما دون ذلك كالآلام والمضاعفات المؤذية في المستقبل.
ج- يجوز الشق في الجراحة سواء كان ضروريا كما في جراحة الولادة التي يقصد منها إنقاذ الأم
وجنينها أو واحد منهما، أو كان حاجيا كالشق عن موضع الداء لمعالجته أو معرفة حقيقته.
ويجوز شق بطن الحامل بعد موتها لإخراج جنينها إذا رجيت حياته على أصح أقوال أهل العلم رحمهم الله.
د - نقل وزرع الأعضاء لا يخلو فيه المنقول منه إما أن يكون إنسانا أو يكون حيوانا.
1 - فإن كان إنسانا فإنه يجوز النقل منه إذا كان كافرا، أما إذا كان مسلما فإنه لا يجوز النقل منه سواء كان حيا أو ميتا، أذن بذلك أو لم يأذن.
وتستثنى من الأعضاء التي يجوز نقلها من الكافر الخصيتان فإنه لا يجوز نقلها.
2 - وأما إن كان حيوانا فإنه لا يخلو أن يكون طاهرا، أو يكون نجسا فإن كان طاهرا كبهيمة الأنعام المذكاة فإنه يجوز نقل العضو منه.
وأما إن كان غير طاهر فإنه يجوز الانتفاع بأجزائه ونقلها إلا عند الضرورة وبشرط أن لا يوجد البديل الطاهر.
هـ يجوز الثقب المحتاج إليه كما في ثقب الفرج المسدود، ويجوز ثقب آذان النساء للحلي على أصح أقوال أهل العلم رحمهم الله.
وتجوز مهمة الكحت وتوسيع الرحم بشرط وجود الحاجة الداعية إلى فعلها ويتعذر البديل الذي هو أخف مفسدة وضررا، كما في حالات النزيف الرحمي الحاد.
ويجب أن يتولى النساء مهمته فإذا تعذر وجودهن جاز للرجال القيام بمهمته ووجب عليهم أن يلتزموا بالحدود الشرعية في النظر والكشف.
ز- يشرع للأطباء أن يقوموا بمهمة إعادة العضو المقطوع إلى موضعه إلا أن يكون قطعه واجبا بحد أو قصاص فإنه لا تجوز إعادته ولو أذن صاحب الحق على أصح القولين في المسألة.
ح - تشرع مهمة زرع الأعضاء المصنوعة في الجسم عند وجود الحاجة الموجبة لذلك.
ط- تشرع مهمة رتق الفتوق ونحوها من الآفات التي يحتاج فيها إلى الرتق إلا أن يكون الموضع المراد رتقه غشاء بكارة فإنه يحرم على الطبيب رتقه، وعلى المرأة طلب ذلك أو الإذن به مطلقا.
ي - يشرع الكي لإيقاف النزف، ونحوه من الحالات التي يحتاج الأطباء فيها إلى فعله.
ك: يشرع خياطة الأجزاء المتمزقة من الجسم عند الحاجة.
الرابع عشر:
ا- المسؤولية عن الجراحة الطبية معتبرة شرعا.
ب - تنقسم هذه المسئولية إلى قسمين:
الأول: يتعلق بالآداب.
والثاني: يتعلق بالمهنة.(3/300)
ج- موجبات المسؤولية الأدبية: الكذب، وخلف الوعد، وعدم الوفاء بالعقد، وغشي المرضى، وكشف عوراتهم والنظر إليها من غير حاجة.
د- موجبات المسئولية المهنية: عدم اتباع الأصول العلمية، والخطأ، والجهل، والاعتداء.
هـ- ادعاء الموجب يفتقر إلى إثبات يشهد بصدقة، كما الحال في سائر الدعاوي، وعلى القاضي أن يرجع إلى شهادة المختصين من الأطباء، ويحكم بما تضمنه إن اتفقوا أو كملت البينة في جانب دون آخر فإن تساوت شهادتهم بحيث كمل نصاب البينة في الطرفين حكم باعتبار الشهادة الموجبة لبراءة الطبيب لكونها معتضدة بالأصل.
والجهة المسؤولة عن موجب المسؤولية الأطباء ومساعدوهم والمستشفيات.
أما الأطباء ومساعدوهم فإنهم يتحملون المسؤولية بنوعيها المباشرة والسببية فمن باشر فعل الموجب تحمل النوع الأول كالمخدر إذا زاد في كمية المواد المخدرة، ومن لم يباشر ولكن تعاطى سببا ترتب عليه وقوع الضرر من غيره، فإنه يتحمل المسئولية السببية كما هو الحال في الطبيب إذا أحال المريض على مساعد لا تتوفر فيه الأهلية المعتبرة فيمن يقوم بمهمته.
ز - تترتب على موجب المسؤولية الآثار التالية:
الضمان، القصاص، التعزيز.
فأما الضمان فإنه يترتب على فعل المهمة في أربع صور:
الأولى: أن يكون الأطباء ومساعدوهم وهم جاهلين بها، وينتفي فيهم قصد الضرر ولا يعلم المريض بجهلهم.
الثانية: أن يكونوا عالمين بالمهمة، ولكن لا يتقيدوا بأصولها المعتبرة عند أدائها.
الثالثة: أن يكونوا عالمين بالمهمة، ويتقيدوا بأصولها ولكن تزل أيديهم خطأ أثناء العمل.
الرابعة: أن يكونوا عالمين بالمهمة، ويتقيدوا بأصولها ولكن لم يأذن لهم المريض ولا وليه ولا السلطان بفعلها على أصح القولين عند أهل العلم رحمهم الله.
2 - وأما القصاص فإنه يترتب على ثبوت قصد العدوان من الطبيب سواء تعلق بالنفس أو بالأطراف.
3 - وأما التعزير فإنه يترتب على موجب الجهل وعدم اتباع الأصول العلمية المعتبر عند أهل الاختصاص.
الخامس عشر:
أ - الجراحة موجبة للترخيص في العبادات: فللمريض أن يعدل إلى التيمم إذا تعذر عليه الغسل لتفشي الجراحة في جسده، وله العدول عن غسل موضع الجراحة إلى مسحه عند خوف الضرر، وله ترك طهارة الخبث لخوف الضرر.
كما أنه يرخص له في ترك القيام والركوع والسجود في الصلاة إذا احتاج لذلك ويرخص له في ترك الصيام لمشقة المرض وخوف زيارته أوعدم البرء.
كما يرخص له في الحج بحلق موضع الجراحة، وفعلها ولو أدى فعلها إلى فوات الحج ما دام قد تعين وتعذر تأخير الجراحة.
ب - 1 - لا يشترط إسلام الطبيب الجراح ومساعديه، والأولى أن يتولى مهمة الجراحة المسلمون وإذا عالجه الطبيب الكافر لم يعمل بقوله في رخص العبادات.
2 - لا يجوز إجراء الجراحة عند استواء الاحتمالين (نجاحها وعدمه) وعلى الأطباء التوقف والامتناع عنها إلى أن يترجح أحدهما فيقدموا على الفعل أو الترك بحسب ما ترجح.
3 - تثبت الحاجة إلى الجراحة بشهادة طبيب واحد عادل، فإن تعذر وجود العدل عمل بشهادة الأمثل فالأمثل كما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أهل العلم رحمهم الله.
4 - يشرع للأطباء الرجوع إلى ولي الأمر أو الجهة المفوضة من قبله لأخذ الموافقة على فعل الجراحة الخطيرة كما قرره الإمام مالك رحمه الله.
4 - لا يجوز أن يقوم الرجال بفعل الجراحة للنساء ولا العكس إلا إذا تعذر وجود النظير من الرجال أو النساء، أو كان ذلك النظير موجودا إلا أنه يخشى على المريض لو انتظر إلى حضوره. وإذا قام الرجال بمداواة النساء أو العكس وجب عليهم التقيد بالضوابط الشرعية في الكشف والنظر واللمس.
ج- 1 _ يجوز نقل الدم والتبرع به وقبوله بشروط أربعة هي:(3/301)
الأول: أن يكون المريض محتاجا إلى نقل الدم، ويثبت ذلك بشهادة الطبيبين العدلين / الطبيب العدل.
الثاني: أن يتعذر البديل الذي يمكن إسعافه به.
الثالث: أن لا يتضرر الشخص المنقول منه الدم بأخذه من دمه.
الرابع: أن يقتصر في نقل الدم على مقدار الحاجة.
ويجوز للإنسان المحتاج للدم أن يأخذه من الغير بعوض مالي إذا لم يجد متبرعا، والإثم على الآخذ.
2 - إذا فتح الأطباء الذي يراد فعل الجراحة فيه وتبين لهم أن الواقع بخلاف التقدير المسبق الذي توصلوا إليه من خلال التشخيص فإنه يجب عليهم الرجوع إلى أولياء المريض لأخذ موافقتهم علي التغيير، فإذا تعذر ذلك أو خافوا على المريض إذا انتظروهم، فإنه يجوز لهم فعل الجراحة الجديدة إذا كان الدواء الموجود فيها أعظم من الداء الذي وافق عليه المريض أو مساويا له، أما إذا كان دونه فإنه يجوز لهم في حالة واحدة وهي إذا خافوا على المريض من ذلك الداء ويعسر فتح موضعه ثانية، وأما ما عداها فإنه يجب عليهم الرجوع إلى المريض أو وليه لأخذ موافقته.
د- 1 - الأعضاء المبتورة يشرع دفنها، ولا ينبغي إحراقها، وإذا خشي من الداء الموجود فيها، فإنه تشرع إزالته بالمواد الموجبة لزواله ثم يدفن العضو بعد ذلك.
2 - لا يجوز بيع الأعضاء الآدمية
هـ_ لا يؤاخذ المريض المخدر بإقراره أثناء التخدير وقبل الإفاقة، ولا يصح طلافه، وعليه قضاء الصلاة الفائتة.
والإجارة على فعل الجراحة جائزة بدون كراهة.
وتجوز على فعل الحجامة مع الكراهة على أصح أقوال العلماء رحمهم الله.
3 - يشترط لصحة عقد الإجارة على فعل الجراحة: أهلية العاقدين، ورضاهما، وأن تكون الجراحة مشروعة، والعلم بالعمل الجراحي، والأجرة المستحقة.
4 - يستحق الأطباء ومساعدوهم الأجرة بانتهاء المهمة المتعلقة بكل واحد منهم بحسب اختصاصه ومجال عمله.
5 - عقد الإجارة على فعل الجراحة عقد لازم، ويجوز فسخه في ثلاث حالات:
أن يتفق الطرفان على ذلك، أو يموت أحدهما، أو يتعذر فعل الجراحة لزوال موجبها.
ب) النتائج العامة:
أولا: ازددت إيمانا ويقينا بصلاحية الشريعة الإسلامية، وكمال منهجها، وأنها شريعة خالدة صالحة لكل زمان ومكان، فقد اتسمت مادتها الفقهية بالثراء والوفاء بجميع متطلبات الحياة.
ثانيا: ازددت إيمانا ويقينا برحمة الله تعالى، وعظيم لطفه بعباده، وذلك من خلال مطالعتي وبحثي في الكتب التي تحدثت عن علم الجراحة وما تضمنته من علوم ومعارف ألهمها الله عز وجل الإنسان لكي تكون سببا في نجاته من ضرر الأسقام ومشقة الآلام.
ثالثا: أدركت عظيم فضل سلف هذه الأمة من الفقهاء والمحدثين والأصوليين وغيرهم من علماء الإسلام، وأنهم خدموا هذه الشريعة خدمة جليلة، فمهدوا بذلك السبيل لمن جاء بعدهم فجزاهم الله عني وعن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير ما جزى سلفا عن خلف.
هذه هي أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال بحثي فما كان صوابا فمن الله وله الحمد والمنة وحده لا شريك له، وما كان خطئا فمني ومن الشيطان، والله ورسوله منه بريئان.
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه وآله وصحبه.(3/302)
أحكام الخلع في الشريعة الإسلامية
Oعامر سعيد الزيباري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - طلاق وخلع وفسخ ونشوز
الخاتمة
وهذه خلاصة ما توصلت إليه وما لمسته من نتائج وهي:
1 - قضى الإسلام على مبدأ التفرقة بين الرجل والمرأة في القيمة الإنسانية المشتركة. وجعل للمرأة مثلما عليها من الحقوق والواجبات بالمعروف.
2 - إن المرأة يكره لها طلب الخلع، إلا إذا رأت من زوجها ما يحملها على كراهته وتيقنت أنها عاجزة عن معاشرته بالمعروف.
3 - إذا طلبت الزوجة الخلع من زوجها ولم تجد نفعاً معها محاولات الإصلاح والتوفيق، وجب على الزوج إجابة طلبها ولعل في تفرقهما يكون خيراً كما قال تعالى: {وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ}.
4 - كل زوج صح طلاقه صح خلعه، لأن الخلع طلق بعوض، فإذا جاز بلا عوض فبه يجوز من باب أولى.
5 - إذا كانت الزوجة بالغة عاقلة مختارة صحيحة، فلا خلاف في صحة اختلاعها والتزامها بدفع العوض إلى زوجها مقابل تملك عصمتها.
6 - أي لفظ يؤدي إلى التفريق بين الزوجين فإنه يكون صالحاً في صيغة الخلع. لأن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني وليست للألفاظ والمباني.
7 - والخلع يمين من جهة الزوج ومعاوضة من جهة الزوجة ولا يجوز بالمعاطاة.
8 - يشترط لجواز أخذ العوض من الزوجة في الخلع أن يكون هناك شقاق بينهما معاً أو من الزوجة وحدها.
9 - ولا يجوز عضل الزوج امرأته حتى تفتدي منه إلا إذا أتت بفاحشة مبينة.
10 - يجوز أن يكون العوض في الخلع ما أخذت الزوجة من مهر أو أقل منه أو أكثر حسب الاتفاق أو حسب ما يقرره القاضي إن لزم الأمر.
11 - يجوز الخلع على عوض مجهول أو على ما يوجد فيما بعد، ويجوز على أن ترضع المختلعة ولد الزوج مدة الرضاعة الشرعية.
12 - إذا اختلف الزوجان في أصل الخلع أو في مقدار عوضه ونوعه أو موعد تسليمه، فالقول للمرأة مادام الزوج لا يملك بينة والزوجة لا تقر.
13 - إذا كان الخلع عن تراض بين الزوجين فالظاهر أنه لا يشترط كونه عند القاضي، وأما إذا كان معه خصام وشقاق فالأفضل أن يكون عند القاضي أو من يقوم مقامه، قطعاً لدابر النزاع وإنصافاً للمظلوم، وخصوصاً لأن الخلع عقد فيه عوض غير محدود.
14 - إن الخلع يعتبر طلاقاً لا فسخاً.
15 - الخلع طلاق بائن تملك المرأة به عصمتها ولا يراجعها الزوج إلا بموافقتها وبعقد ومهر جديدين.
16 - إن عدة المختلعة هي حيضة واحدة لثبوت ذلك عن كثير من الصحابة.(3/303)
أحكام الدين دراسة حديثية فقهية
Oسليمان بن عبدالله القصير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار كنوز إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه على ما أنعم عليَّ وتفضل من النعم الكثيرة التي لا أحصيها، ومنها أن وفقني لإتمام هذه الرسالة التي أرجو أن تكون سببًا في دخولي في زمرة من خدم سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وبعد:
فهذا جهد المقل استفرغته في جمع الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم في الدين من كتب السنة، وبيان شيء من أحكامها وفقهها، وقد بذلت فيها جهدي المستطاع فيما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فيمن نفسي والشيطان، وقد حاولت أن تكون رسالتي جامعة لمعظم أحكام الدين المستنبطة من تلك الأحاديث، وقد زادت الأحاديث المرفوعة في الدَّين عن مائة وخمسين حديثًا وهي ما بين صحيح وضعيف، وما بين أصول وشواهد، والآثار الواردة فيه عن الصحابة كثيرة يصعب حصرها لكني اعتنيت بالمهم منها خصوصًا إذا انعدمت الأحاديث المرفوعة أو قلت في المسألة المبحوثة.
وقد قمت بدراسة الأحاديث الأصول وما يحتاج إليه من شواهدها.
وتبين لي من خلال البحث في هذه الدراسة المتواضعة، والرجوع إلى المصادر الأصيلة بعض الأمور أذكر منها:
1 - أن دراسة موضوع واحد من مواضيع السنة هي طريقة علمية أصيلة، تعود بالنفع على الباحث والقارئ، وأنها تجمع للباحث بين الحسنيين: الرواية والدراية، ولعله إذا انتهج هذا المنهج في كتابة بعض الرسائل فإنه سيقدم للأمة موضوعات عليمة مدروسة دراسة شاملة.
2 - أن كثيرًا من الأحاديث الموجودة في كتب السنة غير المشهورة ضعيفة أو معلة أو غريبة الإسناد أو المتن، وأن أئمة الحديث وجهابذته لم يتركوها ويعرضوا عنها إلا بسبب كونها معلةً أو غريبة، وأعني بالكتب المشهورة: الكتب الستة، ومسند أحمد، وموطأ الإمام مالك.
3 - أن البحث عن ترجمة راو من رواة الكتب الستة سهل ومتيسر، لكن البحث عن ترجمة راو من غيرها شاق في الغالب، فقد مر بي عدد من الرواة من غير رواة الكتب الستة وبحثت عن ترجمتهم مدة أيام في كثير من المصادر والمراجع، واستخدمت جهاز الحاسوب ببرامجه المتعددة ولكني لم أظفر بترجمة لهم، وإن وجدت لبعضهم لم تكن الترجمة وافية فلا تجد فيها حكمًا على الراوي يشفي الغليل أو يبين درجة أحاديثه، فإن رواة غير الكتب الستة لم يعتن بهم العناية المطلوبة، ولم يؤلف في تراجمهم إلا كتبًا قليلة، على أن هذا القليل لم يأخذ سبيله إلى التحقيق والنشر.
4 - أن بعض أحاديث الدين معلة بعلل توجب ضعفها أو التوقف فيها، وقد مر بي أكثر من اثنين وعشرين حديثًا معلاً؛ قد وقع اختلاف في رفعها ووقفها، أو في وصلها وإرسالها، واختلف في أسانيدها من بعض رواتها أو غير ذلك. وفي بعض هذه الأحاديث لم أقف على من بين علتها أو تكلم عليها من الأئمة، مع حرصي الشديد على أن أتوج عملي في كل حديث أدرسه بحكم لأئمة الحديث ونقاده، مستنيرًا بنظرهم الثاقب، وفي هذه الأحاديث المعلة ذكرت ما أعلمه من علتها مع قناعتي التامة بأن ما توصلت إليه لا يخلوا من خطأ أو نقص، وقد أعقب على قول بعضهم مما ظهر لي لا انتقادًا لهم رضي الله عنهم ولكن لأن الحكمة ضالة المؤمن؛ ولأن النتائج التي يتوصل لها الباحثون في مثل هذه المسائل ليست قطعية وحاسمة بل للنظر فيها مجال، وكل يؤخذ من قوله ويترك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان من أسباب وقوفي على هذه العلل –بعد توفيق الله عز وجل- طريقة جمع المرويات الواردة في موضوع واحد والمقارنة بينها، وقد روي عن الإمام علي بن المديني أنه قال: ((الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه)) ().
ولذلك فإني أحث إخواني الباحثين على اختيار مثل هذه الموضوعات التي تعتمد على الاستقراء والمقارنة بين المرويات لما تحققه من فوائد جمة.
وفي الختام أسأل الله تعالى بمنه وكرمه أن يتقبل منا جميع أعمالنا، وأن يسدد خطانا، وأن يجزي علماءنا ومشايخنا عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/304)
أحكام الذبائح واللحوم المستوردة في الشريعة الإسلامية
Oعبدالله بن محمد الطريقي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1403هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أطعمة وأشربة
الخاتمة
في خلاصة أهم ما ورد في هذا البحث:-
1) أن لإطابة مطعم الإنسان أثره الطيب في نفس صاحبه من صفاء قلبه وسريرته وقبول دعائه بخلاف المطعم الخبيث الذي يظهر أثره على العكس من المطعم الخبيث الذي يظهر أثره على العكس من المطعم الطيب. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: "إنه لن يدخل الجنة لحم نبت من سحت".
2) خلق الله الإنسان وجعله محتاجاً للطعام كحاجة المحرك للوقود ليكون هذا الطعام قواماً للحياة ومعونة على طاعة الله عز وجل لا ليستعان به على معصية الله سبحانه.
3) لأكل الطعام آداب كثيرة منها ما يتقدم الأكل ومنها ما يكون أثناء الأكل ومنها ما يكون بعد الأكل.
4) الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص من الشارع بالتحريم كما هو مذهب جمهور الفقهاء والأصوليين عملاً بقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً}.
وقوله تعالى: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} فالأصل الإباحة والتحريم مستثنى.
5) للزكاة معانٍ كثيرة في اللغة منها الذبح وهو المراد هنا.
أما في الشرع فالمعنى الذي اقترحنا أن يكون هو أن الزكاة ذبح في الحلق أو نحر في اللبة من مسلم أو كتابي لحيوان مقدور عليه مباح أكله يعيش في البر لا جراد ونحوه بقطع حلقوم ومريء واحد الودجين أو عقر إذا تعذر.
6) من الحكمة في مشروعية الذكاة إزهاق روح الحيوان بسرعة إراحة له، ولأجل استخراج الفضلات الفاسدة من جسمه فإن من الحكمة في تحريم الميتة احتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها.
7) اتفق الفقهاء على جواز تذكية المسلم العاقل البالغ.
واختلفوا في جواز تذكية أهل الكتاب إذا كانوا من نصارى العرب أو ذكروا على الذبيحة اسم غير الله أو كانت الذبيحة مما حرمت عليهم في التوراة أو حرموها هم على أنفسهم أو لم يذبحوا على الطريقة المتبعة في شرعنا.
وكذلك اختلفوا في جواز تذكية المجوس والصابئة والمرأة والصبي والمجنون والسكران والغاصب والسارق والمرتد.
8) الذكاة نوعان. اختيارية وهي الذبح فيما يذبح والنحر فيما ينحر. واضطرارية وهي جرح الحيوان غير المقدور عليه في أي موضوع من بدنه جرحاً يقضي إلى زهوق روحه إما برمي بسهم أو نحوه أو بإرسال كلب أو نحوه.
9) اختلف الفقهاء في ضابط الحياة التي تؤثر معها الذكاة في المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وكذلك المريضة والذي ترجح لنا أن كل ما كانت حياته مستقرة ظاهرة فذبح حل أكله إذا تحقق أنه يعش زمناً يكون الموت بالذبح أسرع من الموت بغيره.
10) جنين الدابة إن ألقته أمه ميتاً قبل تذكيتها لا يؤكل إجماعاً.
وإن ألقته حياً قبل تذكيتها فهو حلال إن ذكي وهو متحقق الحياة.
وإن ألقته حياً بعد تذكيتها فإن أدركت ذكاته أكل وإن لم تدرك ذكاته فقيل هو ميته وقيل ذكاته ذكاة أمه.
أما إن ألقته ميتاً بعد تذكيتها ففيه خلاف بين فقهاء المذاهب، فقيل لا يؤكل وقيل يؤكل بشرطين أن يتم خلقه وأن ينبت شعره وقيل إن ذكاته ذكاة أمه وهو الراجح.
11) هل للذكاة تأثير في الحيوان المحرم الأكل قيل إن لها تأثير في تطهير الجلود ما عدا الخنزير.
وقيل لها تأثير في طهارة اللحم والجلد إلا الآدمي والخنزير.
وقيل إن ذكاة محرم الأكل لا تؤثر فيه شيئاً وهو الراجح.(3/305)
12) آله الزكاة الاختيارية هي كل محدد يمكن به إنفاذ المقاتل وإنهار الدم، وقد اتفق الفقهاء على جواز الذبح بكل محدد يمكن به إنفاذ المقاتل كالسكين والسيف ونحوهما مما يجهز على الحيوان بسرعة، لأنه قد ورد الأمر بإحداد الشفرة وإراحة الذبيحة.
وقد اختلف الفقهاء في جواز الذبح بالسن والظفر وكذلك العظم ومثله الآلة المسروقة وآلة الذهب.
13) الذكاة ثلاثة أنواع ذبح ونحر وعقر، فلو ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح ففيه ثلاثة أقوال عند الفقهاء أرجحها أن السنة في الإبل النحر وفي غيرها الذبح، فإن ذبح ما ينحر أو نحر ما يذبح حل المذبوح.
14) ما ند من النعم أن تردى في بئر ونحوها فذكاته كذكاة الصيد في أي مكان من جسمه كما هو مذهب الجمهور، لأن ذكاة الاضطرار إنما يصار إليها عند العجز عن ذكاة الاختيار والعجز متحقق.
15) اختلف الفقهاء في حكم التسمية على الذبيحة فمن قائل إنها سنة عند الذبح وإرسال الصيد.
ومن قائل إنها واجبة على الطلاق.
ومن قائل إنها واجبة مع الذكر ساقطة مع النسيان سواء ذلك في الذبيحة أو الصيد. وهذا الأخير هو مذهب جمهور الفقهاء وهو الذي ظهر لنا ترجيحه.
16) رقبة الحيوان تحتوي على الحلقوم مجرى النفس، والمريء مجرى الطعام والشراب والودجين وهما عرقان غليظان يحيطان بالحلقوم. ولا خلاف بين الفقهاء في أن الأولى والأكمل للذابح أن يقطع هذه الأربعة.
وإنما اختلف الفقهاء في القدر المجزئ من هذه الأشياء الأربعة والأظهر أن المجزئ هو قطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين.
17) جمهور الفقهاء يشترطون النية للزكاة، والشافعية يشترطون قصد الفعل دون قصد الذبح، والراجح أن ما ذهب إليه الجمهور من اشتراط النية للزكاة، لأن من شروط الزكاة التسمية وقطع الحلقوم والمريء وبعض الأوداج وهذا لا يتحقق إلا بالنية.
18) الذبح لغير الله محرم وصورته أن يذبح باسم غير الله تعالى كمن يذبح للصنم أو للصليب أو لموسى أو لعيسى أو للكعبة أو للقبر ونحو ذلك. والحكمة من تحريمه صيانة لحمى التوحيد لأنه من أعمال الوثنية.
19) العضو المبان إن كان من حيوان حي فهو كميتته في حل الأكل وحرمته. وكذلك إذا أبين العضو من حيوان ميت فحكمه حكم ميتته أيضاً.
أما العضو المبان من المذكى المأكول بعد تمام تذكيته وقبل زهوق روحه فهو مباح كما هو مذهب جمهور الفقهاء، وإن كان الفعل مكروهاً.
20) أما العضو المبان في الصيد فلا يخلو من ثلاث حالات:-
إما أن يقطعه قطعتين.
أو يبين منه عضو وتبقى فيه حياة مستقرة.
أو يبين منه عضو ولا تبقى فيه حياة مستقرة.
وفي كل حالة من هذه الحالات خلاف للفقهاء في حكم العضو المبان.
21) الدم المسفوح محرم بنص القرآن إلا ما يتبع اللحم من الدم في العروق فمعفو عنه تيسيراً على الأمة ودفعاً للمشقة.
22) من الأمور التي جدت في هذا العصر استعمال الجيلاتين في كثير من أنواع الأغذية. ومصدره جلود وعضلات وعظام الحيوانات التي من المحتمل أن يكون بها كثير من أجزاء الخنازير إذا كانت من بلاد تأكل الخنزير. وعلى هذا فالجيلاتين المتحول عن الكولاجن الذي أصله من الخنزير حرام لأن ذلك مثل انقلاب الخنزير ملحاً.
23) أما استعمال الأدهان في الأغذية ففيه تفصيل، وذلك أن هذه الأدهان إما أن تكون من نبات أو من حيوان.
فإن كانت من نبات فهي حلال بشرط ألا تكون مخلوطة بنجس أو متنجس.
وإن كانت من حيوان. فإما أن تكون من مأكول أو غير مأكول.
فإن كانت من مأكول فحكمها حكم لحمه.
وإن كانت من حيوان محرم الأكل كالخنزير فإما أن تستعمل في مأكول أو غير مأكول.
فإن استعملت في غير المأكول كاستعمال كثير من أدهان الخنزير في الصابون ففيه خلاف الراجح فيه التحريم.(3/306)
أما إن استعملت في الأطعمة المأكولة كاستعمال كثير من أذهان الخنزير مع الحلويات والبسكويت فذلك محرم.
24) أما الأجبان فإن صنعت من لبن حيوان غير مأكول فلا تؤكل إجماعاً.
وإن صنعت من لبن حيوان مأكول فإن عملت من أنفحة مذكاة ولم يخالطها نجاسة فتؤكل.
أما إن عملت من أنفحة ميتة ففي جواز أكلها خلاف الراجح تحريم أكلها.
أما إن عملت من أنفحة نجسة العين فلا تؤكل.
25) اللحوم المستوردة من خارج البلاد الإسلامية أنواع كثيرة ويتوقف حكمها على كيفية الذبح وديانة الذابح. وهي من أهم القضايا التي يجب أن تبحث وأن يتكلم عنها العلماء لأنها مما عمت به البلوى في هذا الزمان ومما كثر فيه القيل والقال وقد سبق أن بينا أنواع هذه اللحوم وحكم كل نوع ثم بينا الحل الذي نقترحه لحل هذه المشكلة.
هذا ما تيسر لي كتابته عن موضوع أحكام الذبائح واللحوم المستوردة في الشريعة الإسلامية، فإن وفقت فيه إلى الصواب فهو توفيق منه سبحانه وتعالى وله الشكر على كل حال. وإن لم أوفق فمني وأستغفر الله عن ذلك.
وفي الختام نسأله تعالى أن يوفقنا في جميع الأعمال لما يرضيه وأن يجعل عملنا صالحاً ويجعله لوجهه خالصاً بمنه ورحمته إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير وصلى الله وسلم على البشير النذير والسراج المنير محمد خاتم النبيين وإمام المتقين وقائد الغر المحجلين وعلى آله وصحابته ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.(3/307)
أحكام الذكر في الشريعة الإسلامية
Oأمل بنت محمد الصغير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أذكار وأدعية - أعمال شاملة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده وأشكره على جزيل كرمه وفضله وتوفيقه، وأصلي وأسلم على خير خلقه المبعوث رحمة للعالمين وبعد:
فلقد كان من أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث ما يلي:
1 - أن ذكر الله تعالى هو: إنشاء الثناء عليه بتلاوة كتابه، وتمجيده، وتوحيده، وحمده، وشكره، وتعظيمه.
2 - يتنوع الذكر باعتبارات ثلاثة:
ا- باعتبار ما ورد به، وينقسم إلى: ذكر بالقلب واللسان، وذكر بالقلب، وذكر باللسان.
ب- من حيث الإطلاق والتقييد، وينقسم إلى: ذكر مطلق، وذكر مقيد.
ج- باعتبار ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وينقسم إلى: أذكار مأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأذكار غير مأثورة عنه.
3 - أن الذكر تجري عليه الأحكام التكليفية الخمسة، فقد يكون واجبا، أو مستحبا، أو مباحا، أو مكروها، أو محرما.
4 - أن لذكر الله تعالى فضائل عظيمة، وفوائد كثيرة تعود على المسلم بالخير في الدنيا والآخرة، فهو أفضل الطاعات بل إن إقامته هو مقصود الطاعات فهو سرها وروحها.
5 - للذكر آداب ينبغي التحلي بها وهي: طلب العون من الله تعالى، وأن يكون الذاكر نظيفا متطهرا، ويتحرى الأمكنة والأزمنة الفاضلة، ويستقبل القبلة، ويتضرع في ذكره ويتدبر ما يقوله.
6 - أن قراءة القرآن أفضل من سائر الأذكار إلا الأذكار المأثورة في مواضعها وأوقاتها فالاشتغال بها أفضل.
7 - جواز قراءة القرآن للمحدث حدثا أصغر دون مس المصحف بإجماع العلماء.
8 - عدم جواز مس المصحف للمحدث مباشرة بدون حائل باتفاق الفقهاء، وجواز مسه له من وراء حائل على القول الراجح لأنه لا يعتبر ماسا له.
9 - جواز النظر في المصحف وقراءته بالقلب أو قراءته من غير قصد القراءة للجنب والحائض والنفساء باتفاق الفقهاء.
10 - جواز قراءة القرآن باللسان للحائض والنفساء، وعدم جوازها للجنب، لأن حدثهما يطول بخلاف الجنب.
11 - عدم جواز قراءة القرآن بغير العربية سواء في الصلاة أو خارجها.
12 - جواز قراءة القرآن في الطريق، وفي موضع الاغتسال، والأولى صيانة القرآن، فلا يقرأ إلا في مواضع شريفة.
13 - استحباب قراءة القرآن للخطيب أثناء الخطبة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم وعدم جوازها للمستمع.
14 - استحباب قراءة القرآن حال الطواف سرا، وهي أفضل من الدعاء المطلق فيه.
15 - جواز قراءة سورة يس عند المحتضر.
16 - إن قراءة القرآن للميت عند القبر بدعة، ولم تكن من عمل السلف.
17 - جواز ذكر الله تعالى غير القرآن للمحدث سواء كان حدثه أصغر أو أكبر، والأفضل له التطهر باتفاق الفقهاء.
18 - لا يجوز كتابة الذكر بشيء نجس أو على شيء نجس باتفاق الفقهاء، وأما كتابته على الحيطان والثياب والدراهم فاتفق الفقهاء على كراهته.
19 - جواز الزيادة في الذكر على المأثور بالألفاظ بشروط هي:
ا- أن تكون الزيادة صحيحة المعنى ولا تستلزم نقصا بوجه من الوجوه.
ب- ألا يكون مما علم أن الشارع أراد المحافظة فيه على اللفظ الوارد كألفاظ الأذان والتشهد ونحوها.
ج- أن يكون بمعنى ما ورد، ويكون مما يليق.
20 - جواز الزيادة في الذكر على العدد الوارد، والأولى الاقتصار على ما ورد.
21 - أن القرآن الكريم وما تعبد به باللفظ كالأذان وأذكار الصلاة من التكبير والتشهد والتسبيح ليس لأحد إبدالها بلفظ آخر، ولا يجزئ غير هذا اللفظ عنه باتفاق الفقهاء.
وأما غير ذلك من الأذكار التي لم يتعبد بها باللفظ فيجوز إبداله بلفظ آخر بشرط كونه عارفا بمعاني الألفاظ وما يحيلها، وكون اللفظ البديل مساويا في المعنى للفظ الوارد.(3/308)
22 - استحباب الاجتماع لقراءة القرآن وذكر الله تعالى ما لم يقترن به بدعة كمصاحبة الذكر بحركات أو دوران أو غيره.
23 - جواز رفع الصوت بالذكر، والأفضل أن يراعي مقدر رفع الصوت فلا يرفع به فوق ما يسمع نفسه إلا في المواضع التي ورد فيها الجهر.
24 - جواز التسبيح بالحصى والنوى والمسبحة إلا إذا اتخذ للرياء، أو اعتقد به كجعله تعاويذ وتمائم ووقاية من الحسد وغيرها، والأفضل ما وردت به السنة من العد بالأنامل.
25 - أن التمايل واستخدام الطبل ونحوه كالدفوف والمزامير، وإفراد الذكر بمكان أو زمان واتخاذ ذلك سنة راتبه مما لم يرد فيه دليل، من البدع المحدثة التي لا أصل لها في الشرع المطهر.
26 - استحباب قضاء الأذكار الفائتة المقيدة بالأوقات كالأذكار التي عقب الصلوات المكتوبة، والقضاء ليس له وقت محدد.
27 - أن التسمية للوضوء والغسل والتيمم سنة غير واجبه على القول الراجح، لأن الله تعالى لم يذكرها في آية الوضوء، ولأن أحاديث وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم لم تذكرها كذلك.
28 - أن الذكر عند غسل كل عضو من أعضاء الوضوء لا أصل له ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من سلف الأمة.
29 - استحباب قول: (أشهد أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) بعد الفراغ من الوضوء باتفاق العلماء لما ورد فيه.
30 - استحباب الذكر عند دخول الخلاء بقول: بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث) لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك.
31 - تحريم الدخول للخلاء بالمصحف لغير حاجة، وكراهية ذكر الله تعالى أو الدخول بشيء فيه ذكر الله للخلاء بلا حاجة، تعظيما لاسم الله وتنزيها له عن هذه المواضع.
32 - استحباب قول: (غفرانك) عند الخروج من الخلاء باتفاق الفقهاء، وأما غير هذا الذكر فلا يستحب لضعف الأحاديث فيها.
33 - مشروعية الأذان والإقامة للصلوات الخمس والجمعة وعدم مشروعيتها للعيدين والكسوف والاستسقاء بإجماع العلماء.
34 - أن الذكر قبل الأذان أو قبل الإقامة أو الزيادة على ألفاظهما المشروعة محدث لا أصل له، فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته ولا عن التابعين.
35 - استحباب إجابة المؤذن لكل سامع له، بأن يقول مثل ما يقول إلا عند الحيعلتين فيجيب بالحوقلة، وأما الإقامة فلا تستحب إجابتها لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
36 - استحباب الذكر بعد سماع الأذان بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سرا، والسؤال له بالوسيلة، والشهادتين وقول: (رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا) لورود الأحاديث الصحيحة في ذلك، أما الزيادة على ذلك فهي إما لم يرد فيها حديث أصلا أو ورد فيها ولكن لم يثبت.
37 - أن تكبيرة الإحرام فرض من فروض الصلاة لا تنعقد الصلاة بدونها، باتفاق الفقهاء.
38 - أن من كان يحسن العربية فلا يجزئه التكبير في الصلاة بغيرها، ومن لم يحسن يلزمه تعلم التكبير بها، وإن عجز عن التعليم كبر بلغته.
39 - أن الأخرس ومثله العاجز عن النطق كمقطوع اللسان يسقط عنه التكبير وينويه بقلبه.
40 - استحباب الجهر بالتكبير للإمام للإسماع والتبليغ، والإسرار لغيره.
41 - أن الاستفتاح والتعوذ والبسملة سنة لكل مصلٍ، ويسن الإسرار بها ماعدا البسملة إذا كان في جهره بها مصلحة كالتعليم ونحوه.
42 - أن قراءة الفاتحة في الصلاة فرض من فروضها ولا تصح إلا بها فإذا لم يحسن قراءتها وجب عليه تعلمها.
43 - أن قراءة السورة بعد الفاتحة في الصلاة مسنون في الفجر والأوليين من المغرب وكل رباعية، وأما الآخرين من كل رباعية، والأخيرة من المغرب فلا تسن.(3/309)
44 - كراهية القراءة من المصحف في صلاة الفريضة، وعدم كراهيتهما في النفل، لأن النفل يغتفر فيه ما لا يغتفر في الفرض.
45 - أن تكبيرات الانتقال، والتسبيح في الركوع والسجود، والتسميع والتحميد من واجبات الصلاة فمن تركها عمدا بطلت صلاته، وتسقط سهوا ويجبرها السجود.
46 - كراهية القراءة في الركوع والسجود، فهو موضع تعظيم الله بالتسبيح والتقديس.
47 - أن الإمام والمنفرد يجمع بين التسميع والتحميد في الصلاة بقول (سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد) أما المأموم فيقتصر على التحميد بقول (ربنا ولك الحمد).
48 - أن التشهد الأول واجب من واجبات الصلاة فمن تركه عمداً بطلت صلاته ومن تركه سهواً يجبره سجود السهو، وأما التشهد الثاني فهو ركن من أركان الصلاة لا تصح الصلاة إلا به.
49 - أن صفة التشهد الأول والثاني واحدة بإجماع العلماء، وهي جائزة بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
50 - أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم واجبة، ومحلها بعد التشهد الثاني، وأفضلها قول: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد).
51 - استحباب الذكر بعد الصلاة قبل السلام بالتعوذ من أربع: عذاب القبر، وعذاب جهنم، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، وبعد السلام من الصلاة المكتوبة بالاستغفار ثلاثا والتسبيح والتحميد والتكبير وبما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم.
52 - استحباب قراءة سورة الكهف، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة وليلتها.
53 - استحباب التكبير المطلق في عيدي الفطر والأضحى، والمقيد لعيد الأضحى وهو: ما كان عقب الفرائض في الجماعات من صلاة الظهر يوم النحر للحاج ومن صلاة الفجر يوم عرفة لغير الحاج إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
54 - صفة التكبير في العيدين هي (الله أكبر الله أكبر لا اله إلا الله، والله أكبر الله أكبر ولله الحمد)، وإذا كبر ثلاثا جاز، وإن زاد (الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا وسبحان الله بكرة وأصيلا) جاز كذلك. والأفضل أن يقول هذه تارة وهذه تارة لأن جميعها واردة.
55 - أن التكبيرات الزوائد، والذكر بينها والجهر بها في صلاة العيدين سنة وليست بواجبة والأشهر في التكبيرات أن تكون سبعا في الأولى غير تكبيرتي الإحرام والركوع، وخمسا في الثانية غير تكبيرتي القيام والركوع.
56 - استحباب الجهر في القراءة في صلاتي الكسوف والاستسقاء.
57 - استحباب تلقين المحتضر لا اله إلا الله لتكون آخر كلامه، ويستحب أن يقول عند إغماض الميت (بسم الله وعلى ملة رسول الله)
58 - كراهية رفع الصوت بالذكر عند رفع الجنازة أو قول استغفروا الله له وغيره
59 - أن التكبيرات في صلاة الجنازة أربع تكبيرات وهي أركان لا تصح الصلاة إلا بهن
60 - أن الاستفتاح في صلاة الجنازة غير مسنون.
61 - وجوب قراءة الفاتحة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة، ولا يسن قراءة شيء من القرآن بعد الفاتحة.
62 - استحباب الجهر بالتكبير في صلاة الجنازة، ولا يستحب بغيره من الأذكار.
63 - استحباب قول بسم الله وعلى ملة رسول الله عند وضع الميت في القبر، والاستغفار له بعد الدفن، وكراهية تلقينه بعد الدفن.
64 - استحباب الذكر لآخذ الزكاة بالصلاة على المعطي، ولدافع الزكاة بحمد الله تعالى على توفيقه لأدائها.
65 - استحباب الذكر عند الإفطار للصائم بقوله: (ذهب الظمأ وابتلت العروق ووجب الأجر إن شاء الله).(3/310)
66 - استحباب الاشتغال بقراءة القرآن والذكر والصلاة للمعتكف، وأما التشاغل بتدريس وإقراء القرآن والحديث والفقه إذا كان أكثر وقته فغير مستحب.
67 - استحباب الذكر عند ابتداء السفر بالتكبير والتسبيح وبما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وفي أثنائه وعند الرجوع منه.
68 - إن التلبية للحج والعمرة سنة مؤكدة لا يجب بتركها شيء، ويستحب الإكثار منها في دوام الإحرام على كل حال.
69 - أن صفة التلبية الصحيحة كما وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم هي: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك ويبدأ وقتها إذا استوى على راحلته، وينتهي إذا استلم الركن عن ابتداء الطواف للمعتمر، وللحاج عند رمي جمرة العقبة، مع أول حصاة.
70 - استحباب الذكر عند دخول المسجد الحرام، بما يقال عند دخول أي مسجد كقول: بسم الله اللهم صل على محمد اللهم افتح لي أبواب رحمتك) وليس هناك ذكر خاص به.
71 - استحباب الذكر عند استلام الحجر وفي بداية الطواف بقول: اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم وعند استلامه وكلما حاذاه بقول: بسم الله الله أكبر.
72 - استحباب الإكثار من ذكر الله تعالى في الطواف والسعي وفي المشاعر المقدسة لأنها من المواضع التي يتأكد فيها الذكر.
73 - عدم استحباب الذكر بالتسمية أو التكبير أو غيرها عند استلام الركن اليماني أو محاذاته.
74 - استحباب التكبير عند رمي الجمار، ولا يجزئ غيره من الذكر.
75 - مشروعية ذكر الله تعالى من تكبير وغيره عند ملاقاة العدو وعند الحرب، وعند الرجوع من الغزو
76 - تحريم بيع المصحف للكافر، وجواز بيعه وإجارته للمسلم للانتفاع به.
77 - جواز بيع كتب الأذكار وإجارتها لما فيها من المنفعة المباحة.
78 - جواز أخذ الرزق من بيت المال على الأذان والإقامة، وعدم جواز أخذ الأجرة عليهما.
79 - جواز أخذ الجعل على الرقية بالقرآن وبالأذكار، وعلى أخذ الأجرة على تعليم القرآن الكريم، وعدم جواز الاستئجار لمجرد التلاوة.
80 - استحباب الذكر في الوصية بالتسمية والشهادتين ثم التذكير بتقوى الله تعالى.
81 - استحباب الذكر عند عقد النكاح بالحمد لله والثناء عليه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والشهادتين، ويكفي ذلك مرة واحدة من العاقد أو غيره من الحاضرين.
82 - استحباب الذكر للزوج عند الدخول على زوجته بقول: بسم الله اللهم إني أسألك من خيرها وأعوذ بك من شرها).
83 - استحباب الذكر عند الجماع للرجل وللمرأة بقول: (بسم الله اللهم جنبا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا).
84 - وجوب التسمية عند الأكل والشرب لكل واحد من الآكلين، للأحاديث الصحيحة التي تأمر بذلك، والأكمل فيها أن يقول: بسم الله الرحمن الرحيم.
85 - استحباب حمد الله وشكره بعد الأكل والشرب بالصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم كقول: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفي ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا).
86 - أن التسمية شرط في حل الصيد والذبيحة فهي واجبة لا تسقط بالعمد ولا بالنسيان والجهل، وأما التكبير فهو مستحب.
87 - عدم مشروعية الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الذبيحة والصيد.
88 - كراهية النوم من غير ذكر الله تعالى، واستحباب الذكر عنده بقول: (باسمك اللهم أموت وأحيا) وعند الاستيقاظ بقول: (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور).
89 - استحباب ذكر الله تعالى عند الخروج من المنزل بقول: (بسم الله توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله) وعند الدخول (بقول اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج بسم الله ولجنا وبسم الله خرجنا).
90 - استحباب الذكر عند رؤية الهلال. بقول اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان والسلامة والإسلام ربي وربك الله.
91 - استحباب الاسترجاع عند فقد إنسان بقول أنا لله وأنا إليه راجعون.
92 - استحباب ذكر الله تعالى عند توافر نعم الله تعالى، فعند لبس الثوب بقول (اللهم إني أسألك من خيره وخير ما هو له وأعوذ بك من شره وشر ما هو له) وعند ركوب الدابة بقول: سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وأنا إلى ربنا لمنقلبون.
وعند رؤية ما يسره بقول ما شاء الله لا قوة إلا بالله وعند سماع البشرى أو عند العطاس بحمد الله تعالى وشكره.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبيا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/311)
أحكام الردة والمرتدين
Oجبر محمود الفضيلات
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار العربية - عمان
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1987م
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حدود - ردة
الخاتمة
مقارنة بين موقف الإسلام من المرتد، وموقف الديانات الأخرى.
عرفنا فيما تقدم المرتد تعريفاً وشروطاً وأحكاماً، ورأيت إتماماً للفائدة أن أجعل الخاتمة تحت هذا العنوان وهو مقارنة ما سبق من أحكام المرتد في الشريعة الإسلامية بما ورد في الديانة اليهودية والديانة المسيحية، إن وجدت نصوصاً تساعدني على ذلك. وبعد البحث وجدت نصوصاً من كتبهم عن الأمور التالية:
أولاً: أثر الردة في عقد الزواج.
ثانياً: أثر الردة في عقد النفقات.
ثالثاً: أثر الردة في عقد الوصية.
رابعاً: أثر الردة في عقد الميراث.
هذه الأمور سوف أكتب عنها وأعقد لها مقارنة لأنني وجدت نصوصاً تساعدني على ذلك. ووجدت لزاماً علي أن أعقد مقارنة في عقوبة المرتد ولكنني لم أعثر على نص صريح يساعدني على ذلك. لذا سوف أسلك في هذه النقطة استنتاج الحكم من مفهوم النص إيحاءً.
أولاً: أثر الردة في عقد الزواج
سبق وأن تكلمنا عن هذا القسم بما فيه الكفاية، ولا مانع من إعادة الحكم مجملاً فلقد اتفقت الفقهاء على أن الردة تبطل عقد الزواج بمجرد ارتداد أحدهما عن الإسلام، ولا يجوز الإبقاء على العلاقة الزوجية بينهما سواء كان قبل الدخول أو بعده.
(على ما أسلفت من خير).
الاستدلال: تدل هذه القصة على أن الكافر الذي كان مسلماً يعلم ما هو الخير من الشر فيعلم الخير ويبتعد عن الشر، فإذا أسلم ينال ثواب ما عمله من خير قبل إسلامه، فكذلك من كان مسلماً ثم ارتد، ثم تفضل الله عليه بالتوبة والإسلام فما لا شك فيه أنه يأخذ نصيبه من الخير جزاءً على ما عمل من أعمال صالحة قبل الردة.
الترجيح:
أقول وبالله التوفيق: إن الإنسان يعرف بخواتم عمله فإن عمل خيراً كان له وإن ختم عمله بشر كان عليه والحديث يقول: (ربما يعمل الرجل بعمل أهل الجنة حتى لا يكون بينه وبينها قدر باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيكون من أهل النار، وربما يعمل الرجل بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها قدر باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيكون من أهل الجنة) أو كما قال -صلى الله عليه وسلم-: والله أعلم.
فأرى أن الردة تحبط العمل إذا توفي الشخص على الكفر وأما إذا أسلم لم يطالب بإعادة ما قدمه من العبادات والله أعلم. لأن الردة حصلت بعد الفراغ من القربة فلا يبطلها، كما لو تيمم ثم ارتد عن الإسلام ثم أسلم.
المطلب الثاني: ما فاته من العبادات خلال الردة
نجد أن الفقهاء اختلفوا هنا كما اختلفوا في المسألة السابقة.
1 - فقالت الشافعية والراجح عند الحنابلة: إذا أسلم لزمه قضاء ما فاته في الردة من عبادات ().
وسبب ذلك أن المرتد في حال الردة مخاطب بجميع ما يخاطب به المسلم ().
2 - وقالت الحنفية والمالكية ورواية عن أحمد وداود: لا يلزم المرتد إذا أسلم قضاء في الردة ولا في الإسلام قبلها ().
سبب ذلك: لأنهم جعلوا المرتد كافراً كالكفر الأصلي يسقط عنه بالإسلام () ما قد سلف. والله أعلم.
الترجيح:
أقول وبالله تعالى التوفيق، أن المرتد مطالب بقضاء ما فاته من العبادات زمن الردة وذلك لأن كفر المرتد ليس كفراً أصلياً بل هو عرف الإسلام وآمن به فترة من الزمن، ولكنه لشك ارتد عن هذا الدين، وهو مطالب بالعودة إلى هذا الدين لأن الكفار مطالبون بأصل الإيمان ومخاطبون أيضاً بالفروع كما يقول الأصوليون والله أعلم ...(3/312)
أحكام الزيادة في غير العبادات
Oمحمد العيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة:
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واقتفى أثره، وبعد:
فإني أحمد الله عز وجل على ما يسر لي من إتمام هذه الرسالة، ورزقني خلال هذه المدة الصحة والسلامة، وأمد لي يد العون والمساعدة، طوال فترة البحث بلا ملل ولا سئامة، ويسر لي الإطلاع على جل مباحثها ومطالبها، والوقوف على العديد من قواعدها وأصولها، والعثور على معظم أدلتها وتعليلاتها، وبذلك ظفرت – بحمد الله ومنه – على مسائل عزيزة، وفوائد غزيرة، وترجيحات سديدة، ونتائج سليمة.
وإن من أهم تلك النتائج التي توصلت إليها – بتوفيق من الله وفضله – ما سأذكره في هذه الخاتمة، التي تضم خلاصة معتصرة، وزبدة مطرة، تكسوها حلة نظرة، لما هو موجود بين دفتي هذه الرسالة المتواضعة، لأضعها أمام القارئ في بعض صحائف معدودة، وأسطر محدودة، يقف عليها بيسر وسهولة، دون كلفة وصعوبة، تكمن في نتائج عامة كلية، تبين لنا عظمة الأحكام الشرعية، وتعلقها بالمقاصد المرعية، المشتملة نفعها في كافة الطبقات الاجتماعية، حاضرة وبادية.
وأخرى نتائج جزئية، تلخص لنا غالب أحكام الزيادة في غير العبادة أو الأمور التعبدية، خالية من أدلتها التفصيلية، سواء كانت نقلية أو عقلية، بعيدة عن ذكر الخلافات المذهبية، مقتصرا على ما ظهر لي – والعلم عند الله – من الآراء الترجيحية، خلال كل مباحث هذه الرسالة العلمية.
أولا: النتائج العامة:
1 - ازددت إيماناً ويقيناً بسعة كمال الشريعة الإسلامية، ومدى صلاحيتها في كل زمان ومكان، وملائمتها لكل إنس وجان، وأن العمل بها يوجب للبشرية، السعادة الدنيوية والأخروية، فلا غرو بعد ذلك أن تكون هي الوحيدة خالدة، وأحكامها سائدة، وعقيدتها ثابتة، وأصولها وقواعدها راسية.
2 - ازددت حباً لله عز وجل، ولرسوله صلى الله عليه وسلم، لما رأيت من سعة رحمته ولطفه جل وعلا بعباده، حين بين سبحانه كل ما تقوم به الحجة، وأوضح الطريق والمحجة، وما هذا البحث والآيات المتناثرة فيه إلا علامة من علاماته.
ولما رأيت من أنه صلى الله عليه وسلم تركنا على المحجة البيضاء، لا يزيغ عنها إلا هالك، وما هذا البحث والأحاديث الواردة فيه إلا أمارة من أمارتها.
وأثلث بالمحبة والعرفان، والشكر الجميل والإمتنان، على الصحابة رضي الله عنهم ومن اتبعهم من أهل المعرفة والإحسان، حيث بذلوا الغالي والرخيص، والنفس والنفيس، من أجل إبلاغ هذا الدين، وإيضاح أحكامه بأحسن تبيين، ومهدوا الطريق لمن بعدهم ممن أراد الفقه في الدين، والاستضاءة بأنوار الوحي المبين، فجزاهم الله عني وعن أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير ما جزى سلفاً عن خلف آمين.
3 - أن علماء الإسلام لم يختلفوا سدى، ولا لأجل حظوظ نفس أو أتباع هوى، ومن اعتقد ذلك فهو على غير هدى، كما أنه لا يعني خلافهم السكوت عن الحق، والجمود والتعصب لأي أحد من الخلق، وأن أقواله صائبة وكلها صدق، وترك ما سطره أهل العلم والفضل والسبق، بل الواجب السعي والجد والاجتهاد بقوة، والبحث عن أقربها للكتاب والسنة، دون انتقاص أحد من علماء السنة، أو إحداث قول لم يكن في سلف الأمة، أو حكم عليه بالشذوذ أكثر أهل العلم وكبار الأئمة.(3/313)
أحكام الزينة
Oعبير بنت علي المديفر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حجاب وتبرج
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آلة وصحبه، ومن اتبع سنته واقتفى أثره إلى يوم الدين.
أما بعد، فلا يسعني بعد ختام هذا البحث إلا أن أتوجه لله عز وجل بالحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه على توفيقه وإعانته لي على إتمام هذا البحث، وأسأله عز وجل المزيد من فضله والتوفيق لما يحبه ويرضاه.
ثم إنه يحسن هنا أن أشير باختصار إلى جملة من النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث:
1 - أن كلاً من التزين وتركه سنة، إن صلحت النية، فمن ترك الزينة تواضعاً لله، فهو على خير، ومن تزين إظهاراً لنعمة الله عليه، فهو على خير.
2 - أن الزينة مباحة وفق ضوابط شرعية، هي: ألا يكون فيها تشبه أحد الجنسين بالآخر، ألا يكون فيها تشبه بالكفار، ألا يكون فيها شهرة، ألا يصاحبها كبر، ألا يقع فيها إسراف.
3 - أنه يستحب للمرأة التزين للصلاة، ما لم تكن بحضرة أجنبي، كما يستحب لها التزين للعيدين إن كانت مقيمة في بيتها أو نحو ذلك، ويحرم عليها التزين للجمع، ولشهود صلاة العيدين.
4 - أن ترك الزينة لمريد صلاة الاستسقاء مستحب، وذلك لا ينافي التنظف لها.
5 - أن التزين في الاعتكاف مباح.
6 - أنه يستحب لمريد الإحرام التزين بقص الشعر أو إزالته، وتقليم الأظفار، إن احتاج إلى ذلك، أو كان الزمن الذي يفصل بين عقد الإحرام والإحلال منه يطول، كما يستحب له التطيب في البدن.
7 - أنه يباح للمحرم التزين بترجيل الشعر ودهنه وخضابه بالحناء ما لم يكن الحناء ثخيناً، يستر الرأس، وكذلك التزين بالحلي.
8 - أنه يكره للمحرم التزين بالاكتحال.
9 - أنه يرحم على المحرم التزين بإزالة الشعر بأي وجه كان، والتزين بتقليم الأظفار وبالتطيب.
10 - أنه يستحب للمرء التزين لطلب العلم، وللأفراح.
11 - أنه يباح للمخطوبة التزين عند رؤية الخاطب، بما جرت به عادة النساء من الزينة في بيوتهن.
12 - أنه يستحب للزوج التزين لزوجته، كما يستحب لها التزين له، وإن طلب منها ذلك وجب عليها.
13 - أن للزوج تأديب زوجته لتركها الزينة.
14 - أنه يجب على الزوج من مؤونة زينة زوجته ما يحصل به نظافة الزوجة، وما تتضرر بتركه، مع حصول النظافة بدونه إن جرت العادة بذلك، أو كانت الزوجة قد اعتادت ذلك في بيت أهلها، ولا يجب عليه ما كان للتلذذ والاستمتاع، ولا ضرر عليها بتركه.
15 - أنه يحرم على المعتدة من وفاة التزين ما دامت في العدة.
16 - أنه يباح للمعتدة من طلاق بائن التزين، ما لم يكن لمطلقها.
17 - أنه يستحب للمعتدة من طلاق رجعي التزين ما دامت في العدة، خاصة لمطلقها، ما لم يكن فيه ريبة كإظهار الفرح بالطلاق.
18 - أن ترجيل شعر الرأس مستحب عامة، وكذلك الفرق.
19 - أنه يستحب للمرء فعل الأصلح من دهن شعره أو تركه.
20 - أن عقص الشعر خارج الصلاة مباح، ومكروه فيها للرجل دون المرأة.
21 - أن نتف الشيب من الشعر مكروه.
22 - أنه يستحب للرجل إعفاء شعر رأسه، إن قصد بذلك الاقتداء بالنبي- صلى الله عليه وسلم –ما لم يكن فيه تشبه بالسفهاء والفسقة.
23 - أنه يباح للرجل حلق شعر رأسه، ويحرم على المرأة ذلك.
24 - أن القزع مكروه بأي صورة كان.
25 - أنه يباح للمرأة قص شعرها وتجعيده، ما لم يكن في ذلك تشبه بالكافرات، ويحرم عليها وصله بأي شئ كان، وجمعه في أعلى الرأس.
26 - أن إعفاء اللحية واجب، وحلقها والأخذ منها محرم.
27 - أن كلاً من قص الشارب وحلقه مستحب، والرجل مخير بين الأمرين، فيفعل ما يراه مناسباً.(3/314)
28 - أن نمص الحاجبين محرم مالم يحصل بالشعر ضرر أو أذية ويلحق بالنمص الحلق والحف.
29 - أنه يستحب للمرء إزالة شعر الإبط بأي طريقة كانت، والسنة في ذلك النتف.
30 - أنه يستحب للمرء إزالة شعر السوءة بأي طريقة كانت والسنة في ذلك الحلق.
31 - أنه يباح للمرأة إزالة شعر جسدها، وكذلك يباح للرجل ما لم يكن فيه تشبه بالنساء.
32 - إن الاكتحال بالإثمد على الصفة المذكورة عن النبي صلى الله عليه وسلم مستحب للرجل والمرأة ويباح ما عدا ذلك ولو كان المرء صائما.
33 - أنه يحرم اتخاذ آلة الكحل من الذهب والفضة ويباح اتخاذها من غيرهما.
34 - أنه يباح للمرأة التزين بأدوات التجميل الحديثة، ما لم يكن على هيئة تحاكي بها الكافرات، أو يكن في هذه المستحضرات ضرر بين.
35 - أن يباح للمرأة خضاب كفيها وقدميها، ولو كانت حائضا أو محرمة، ما لم تشد خرقة على يديها حال الإحرام -ويحرم على الرجل ذلك.
36 - أنه يستحب للرجل التطيب، وكذلك المرأة ما دامت في بيتها، فإن قصدت الخروج منه حرم عليها.
37 - أن تطيب الصائم بما ليس له جرم مباح، وكذلك بما له جرم، إلا أنه ثبت أن ريح ما له جرم يقوي الدماغ ويغذيه، فيحرم التطيب به.
38 - أنه يحرم على الرجل التحلي بالذهب، وكذلك التحلي بالفضة، فيما عدا الخاتم ويباح له التختم بالفضة، والتحلي بالجواهر الثمينة، وبالحديد ونحوه، ما لم يكن في التحلي بها تشبه بالنساء، ويلحق الصبي به في الحكم والإثم على وليه إن خالف.
39 - أنه يباح للمرأة التحلي بشتى أنواع الحلي، دون تقييد بقدر معين ما لم تسرف.
40 - أنه يباح للرجل التختم بأي يد شاء، وبأي إصبع كان، ما عدا السبابة والوسطى فيكره له التختم بهما، وإن تختم بالخنصر فهو الأفضل.
41 - أن من التطبيب لأجل الزينة ما هو محرم، ومنه مباح، فالمباح ما جمع شروطا خمسة، هي:
1 - ألا يكون فيه تغيير لخلق الله.
2 - ألا يترتب على فعله ضرر.
3 - ألا يترتب على فعله ارتكاب محظور.
4 - ألا يترتب عليه تشبه أحد الجنسين بالآخر.
5 - ألا يكون الدواء محرما.
والمحرم ما فقد شرطا من هذه الشروط أو أكثر.
42 - أن زينة الحجاب من الزينة التي يحرم على المرأة إبداؤها، لأنها مما يمكن إخفاؤه.
43 - أن زينة المرأة باعتبار إبدائها قسمان: زينة ظاهرة تبدى لكل أحد، وهي مالا يمكن إخفاؤه كالثياب الظاهرة، وزينة باطنة لا تبدي إلا للزوج والمحارم والنساء على تفاوت فيما يبدي لهم.
44 - أنه يحرم على المرأة إبداء زينتها بالصوت، ومن ذلك الخضوع بالقول، وصوت الخلخال ونحوه، وصوت الحذاء الصرار.
45 - أنه يباح للمرأة الكبيرة التي قعدت عن النكاح وضع الثياب، وهي الجلباب والرداء دون إبداء زينة.
46 - أنه يحرم تزيين المساجد من مال الوقف، كما يحرم تزيينها بالذهب والفضة، سواء أكان من مال الوقف أو من غيره، وتكره زخرفتها.
47 - أنه يحرم تزيين البيوت بأواني الذهب والفضة، وبالمموهة بهما إن كان إن كان يحصل منه شيء بالعرض على النار، وبالمضببة بهما، إلا المضببة بيسير الفضة للحاجة فهو من المباح، ويحرم أيضا تزيينها بالأواني الثمينة غير الذهب، كما يحرم تزيينها بجميع أنواع الصور، باستثناء صورة ما لا روح له، كما يحرم تزيين حيطانها بالذهب والفضة، وفرش أرضها بالحرير، ما لم يكن مفترشها امرأة، وبافتراش جلود السباع، واتخاذ الكلاب فيها للزينة.
48 - أنه يكره تزيين حيطان البيوت بالستائر، ما لم تدع إليها الحاجة من برد أو حر، كما يكره تزيينها بالآيات القرآنية.
49 - أنه يباح تزيين البيوت بأواني الخشب والزجاج ونحوهما، كما يباح تزيينها بصور ما لا روح له، وفرش أرضها بجلود الميتة بعد الدباغ، وباتخاذ الطيور والقطط والأسماك ونحوها.
50 - أنه يباح للمحدة تزيين بيتها بالفرش والأثاث ونحوهما.
51 - أنه يحرم تزيين القبور بتجصيصها.(3/315)
أحكام السجن ومعاملة السجناء في الإسلام
Oحسن أبو غدة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة المنار - الكويت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
خاتمة: أهم ثمرات الموضوع:
لا بأس على أهم الثمرات التي ظهرت في هذا الموضوع، وذلك جرياً على العادة وإليك بيانها:
- الحبس مشروع باتفاق الفقهاء، وهو مقرر في الكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
ومعناه: تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه والخروج إلى أشغاله ومهماته.
وليس له الصدارة والأولوية بين أنواع التعزير الأخرى بل هو أشبه بالعقوبة الاحتياطية الاضطرارية.
ويختاره القاضي عند تعينه بحسب حال المذنب وجريرته. وقد ازداد العمل به في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
– لا يجوز عند أحد من المسلمين تعطيل الحدود والمعاقبة على جرائمها بالحبس، كما لا يجوز المعاقبة به على جرائم التعزير، إذا غلب على الظن حصول الزجر بغيره من أنواع التعزيز.
– الحبس نوعان:
النوع الأول ما كان للتعزير – وهو الأكثر أهمية في موضوع الحبس عامة – والغاية منه – كما يقول جميع فقهاء المسلمين – الردع والتأديب والإصلاح.
والنوع الثاني ما كان للاستيثاق، وتختلف غايته بحسب صفاته الفرعية: فغاية حبس الاستظهار الكشف عن حقيقة المتهم، وغاية حبس الاحتراز التحفظ لمنع وقوع الضرر، وهناك حبس آخر غايته استيفاء الحدود ونحوها. وتختلف معاملة كل محبوس فيما تقدم بحسب نوع حبسه.
– يجوز الحكم بالحبس مع عقوبة تعزير أخرى كضرب المحبوس وحلق رأسه ... ولا يجوز أخذ غرامة مالية من المحكوم بالحبس بدلاً عن مدة حبسه.
– من المقرر في الشريعة تعليق نهاية مدة الحبس على صلاح السجين وتوبته، ولا يمنع هذا من التقنين المسبق لمدد الحبس في بعض الجرائم، على أنه ينبغي إخراج السجين قبل تمام المدة إذا حسنت توبته.
– الحبس كفارة للذنب المحبوس فيه، لأن الله أكرم من أن يعاقب على الذنب مرتين.
– لا يجب حبس المتهم إلا بقيام قرائن قوية على الارتياب فيه، وله حق الطعن في إقراره إذا أكره عليه. ولا يجوز توقيفه أكثر من المدة اللازمة في معرفة حاله، وتتجه الشريعة إلى تعويضه عن الأضرار لحقت به أثناء حبسه الناشئ من تقصير الدولة الواضح ...
– أصل سلطة الحبس لولي الأمر، وهو يحدد الاختصاصات ويوزعها بين السلطة القضائية وبين السلطة التنفيذية بحسب أنواع الحبس – المشار إليها آنفاً – وليس لغير هؤلاء أو يحبسوا أحداً.
مبدأ معلومية جرائم الحبس معروف في الفقه الإسلامي، فقد نص الفقهاء والقضاة على ضوابط ذلك. وقمت بجمع موجبات الحبس الفردية المتفرعة من هذه الضوابط عبر العصور الإسلامية، وبلغ عددها نحواً من 130 موجباً، نص الكتاب والسنة على بعضها، وجاء غيره بناء على اجتهادات فقهية.
– التعريف بجرائم الحبس التي انتشرت في المجتمع الإسلامي منذ عهد النبوة فما بعده، ومقارنتها بالجرائم المعاصرة.
– يجوز باتفاق الفقهاء حبس الممتنع من أداء الحق – إذا قدر عليه – حتى يؤديه.
– العمل بالحبس ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اتخذ مكاناً "حظيرة" بباب المسجد كان يحبس فيه النساء السبايا، أما الرجال فكانوا يحبسون في البيوت والمسجد والخيام كيفما اتفق، من غير أن يعرف أن هذا المكان مخصص للحبس.
– بيان أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من خصص مكاناً للحبس، وذلك حين اشترى داراً بمكة وجعلها سجناً بعد أن اشتدت الرعية وتتابع الناس في المعاصي. أما علي بن أبي طالب رضي الله عنه فهو أول من بنى مكاناً للحبس في الإسلام، وكان ذلك في الكوفة.
– معرفة أماكن بعض السجون الإسلامية القديمة، ومن حبس فيها من المشهورين، وسبب حبسهم.(3/316)
– إن أماكن الحبس في العهد النبوي وأغلب العصور الإسلامية كانت تتصف بالسعة والإضاءة الطبيعية أو الاصطناعية، والتهوية والنظافة، وكانت تتوفر فيها المرافق والخدمات التي تحفظ صحة السجين النفسية والجسمية.
– إبراز اهتمام المسلمين بتصنيف السجون والسجناء مراعين في ذلك الجنس والعمر وتجانس الجرائم مدة العقوبة، ومراتب السجناء القانونية والاجتماعية، وصفاتهم المدنية والعسكرية، وتبعية السجون ...
– يجوز حبس الأحداث في بيوت آبائهم وإلزامهم بتأديبهم، كما يجوز حبسهم فيما يشبه المراكز الإصلاحية ودور رعاية الأحداث.
– بيان مشروعية الإقامة الجبرية وعمل المسلمين بها في البيوت ونحوها.
– التعريف بوجوه إنفاق الدولة على السجون والسجناء وبذلها الغذاء والكسوة والفراش والإنارة والإعانة المالية لمن احتاج إليها ...
– إبراز سياسة علي رضي الله عنه في إنفاق الدولة على المحبوسين العاديين، وإلزامها المحبوسين من أهل الفساد والجريمة بالإنفاق على أنفسهم، وذلك أسلوب مفيد في التقليل من أعداد السجناء ونفقات السجون.
– الإشارة إلى أن الحالات الشاذة التي وقعت في سجون المسلمين لا تمثل الحقيقة الشرعية، لأن الباعث عليها أحقاد شخصية وعداوات فردية.
وقد كان للحكام والعلماء المخلصين في كافة العصور الإسلامية أثر كبير في إصلاح السجون وإعادتها إلى وجهتها الصحيحة. ومع هذا فقد شهد رجال من كبار الغربيين، أن تلك الحالات الشاذة لم تبلغ ما وصلت إليه أحوال السجون الأوربية – في عصر النهضة والاكتشاف – من قسوة مروعة وإهمال فظيع بمباركة "البرلمانات" وحماية القانون، ومشاركة الكنيسة. – إبراز عناية المسلمين بالسجناء المسلمين من العلم ووسائله، وأهمية ذلك في الإصلاح.
– جميع ما ذكره الفقهاء من أحكام العبادات المتصلة بالسجين خاصة، وبيان سمو تفكيرهم في ذلك، وذكر صور من تعبد المحبوسين.
– توضيح حكم إضراب السجين عن الطعام.
– ترجيح جواز تشغيل المحبوس، وذكر ما في ذلك من تطبيقات، وبيان حقوق السجناء الشغيلة.
– جميع ما ذكره الفقهاء من أحكام التصرفات المتصلة بالسجين خاصة، وبيان مدى اهتمامهم بأحوال السجين وتصرفاته حتى الذي يقدم للقتل.
– إبراز اهتمام المسلمين بالإبقاء على صلات السجين الاجتماعية الصالحة في داخل السجن وخارجه. وبيان حكم الشريعة في تمكين السجين من وطء زوجته.
– ضبط موجبات تأديب السجين ومعاقبته، وما يجوز أن يعاقب به وما لا يجوز، ووجوب مراعاة نية الردع الإصلاحي في العقوبة.
– توضيح حكم الإضرار بالسجناء وأثره الجزائي والمدني، ونظر الدولة في ذلك، ومحاسبتها المسؤولين عنه.
– يجوز خروج السجين من حبسه مؤقتا في حالات معينة، فإذا هرب استحق التأديب.
– بيان أهمية تهيئة المحبوس للخروج من سجنه، وإعلاء نفسيته وتزويده بوثائق الخروج اللازمة، وإعانته مادياً أثناء خروجه وبعده حتى يستغني، والتطبيقات المنقولة في ذلك.
– توضيح مشروعية امتناع المحبوس البريء عن الخروج من سجنه حتى تعلن براءته.
– حرص المسلمين على إسناد أمر السجون إلى الأكفاء الصالحين، الذين يعتبرون وظيفتهم قربة دينية وخدمة اجتماعية عظيمة الأهمية ...
– إبراز جهود المسلمين منذ العهد النبوي في اتخاذ ما يعتبر نواة شرطة السجن، وتطوير ذلك فيما بعد، وإفراده بإدارة خاصة.
– اتجاه الشريعة إلى وجوب تزويد السجن بطبيب ومرشد ديني ومشرف اجتماعي ومدرس ومعلم حرفي وموظف مسؤول عن تسجيل ما يطرأ على أحوال السجناء.
– قيام الجهات القضائية ونحوها بتفتيش السجون الإسلامية، ومتابعتها أساليب معاملة السجناء، والكشف عن المظلومين.
وبعد: فيتضح من مجموع ما تقدم مدى رقي الفقه الإسلامي ونضجه، وأصالة الروح الإنسانية الواقعة فيه، وأن كثيراً من المعاني الصالحة التي ينشدها رواد المدنية المعاصرة في إصلاح السجون، قد سبق الإسلام إلى تقريرها وأفضل منها بأسرع الخطوات وأسمى الصور، وإن وثيقة أبي يوسف القاضي وغيرها لا تزال تمثل تلك المعاني الإصلاحية.
ولقد شهدت المؤتمرات الدولية بكفاءة الفقه الإسلامي عامة وعبرت عن إعجابها به، ورغبت في اعتباره مصدراً من مصادر التشريع العام، وأوصت بتبني دراسات مقارنة في المذاهب الفقهية الإسلامية، لأنها يمكن أن تعتبر أساساً تشريعياً يفي بحاجات المجتمع العصري المتطور.
وصدق الله العظيم القائل: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} [الإسراء: 9].
والحمد لله رب العالمين.(3/317)
أحكام السجود
Oياسين ناصر الخطيب
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - أعمال منوعة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على من ختم الله به النبوات، وعلى آله وصحبه الهداة، وتابعيهم بإحسان إلى دخول الجنات.
وبعد:
فهذا هو بحث (السجود في الصلاة) قد استوى على ساقيه، ووقف على قدميه، وأسال الله تعالى أن يسيره على قدمين، وأن ينفع به في الدارين، وهو جهد مقل، وبضاعة مبتدئ، فإن يك صوابا فمن توفيق الله وإحسانه، وإن يك غير ذلك فمني، وأستغفر الله الكريم.
وقد توصلت إلى جمل نتائج، أراها جديرة بالتسجيل، وهي:
1 - إن نصوص الشريعة الإسلامية واضحة جلية سهلة يستطيع الإنسان استنباط الأحكام منها بيسر وسهولة متى تعلم ذلك، وتوفرت فيه الشروط.
2 - وجدت أن الفقهاء الأفاضل، بحثوا المواضيع الفقهية بحثا مستفيضا، بصبر وأناة، ودونوا كل صغيرة وكبيرة، حسب وسعهم البشري.
3 - إنه ليس هناك أحد من أئمة الفقه يريد مخالفة النص، بل إن الكل يريد تحقيق مراد النص ما وسعه ذلك.
4 - وجدت أن الكثير يخطئ: إما بالاعتماد على المعنى اللغوي، أو بالاعتماد على أصل من أصول الفقه غير مقبول لدى الجميع.
5 - إن النبي يعمل – توسيعا على الأمة – بالعمل الواحد على هيئات مختلفة، ويسبح بألفاظ مختلفة، فهذا مما جعله الله تعالى على الاختيار، فلا نحاول أن نرجح حالة على حالة ما دامت الأحاديث في ذلك صحيحة.
فالنبي – عليه الصلاة والسلام – وضع ركبتيه قبل يديه، ووضع يديه قبل ركبتيه، وسجد على الأرض وعلى الحصير وعلى الخمرة وعلى الفراش.
وكان صلى الله عليه وسلم يسبح الله في الركوع والسجود ويقول: " سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي، يتأول قوله تعالى: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا}.
وكان يقول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أستغفرك وأتوب إليك)).
ويقول: ((سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي)).
ويقول: ((سبحانك الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)).
وكلها صحيحة يختار الإنسان منها ما شاء.
وكذلك في الدعاء فقد كان يدعو بدعوات مختلفات الألفاظ، متباينات المقاصد.
وفي كل ذلك توسيع على الأمة، وتيسير لها، وتسهيل لعبادتها، وبذلك نعلم أن الصحابة الذين نقلوا أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم لم يخطئوا في نقلهم، إنما هي حالات وحالات، نقل كل منهم الحالة التي رآها، واللفظة التي سمعوها رضوان الله عليهم أجمعين، وجزاهم خيرا عن المسلمين.
6 - بالنسبة للسجود: وجدت أن الشريعة اهتمت به كثيرا، فقد بينت الأحاديث كل ما يتعلق به، وذلك لأهميته بالنسبة للصلاة، فهو أهم أركانها.
7 - أما حكم السجود، فهو ركن من أركان الصلاة، بل هو أفضل أركانها، وأقرب ما يكون العبد إلى الله وهو ساجد.
8 - إن السجود بالاستقرار وتمكين الجبهة والأنف واليدين والركبتين والقدمين واجب لا شك فيه، بذلك أمر الله نبيه، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وفعل ذلك بنفسه.
9 - ينبغي للمصلي أن يسجد على كفيه، مكشوفتين، ممدودتين، مبسوطتين، مضمومتي الأصابع، موجهة أصابعهما إلى القبلة، وبطون الأصابع والكفين على الأرض، ويكون وجهه بين كفيه.
10 - ينبغي أن يجافي مرفقيه عن جنبيه، ويرفع بطنه عن فخذيه، وعلى المرأة أن تضم بعضها إلى بعض، وكذلك الخنثى والعاري.
11 - ينبغي أن يضع ركبتيه على الأرض مستورتين، وأن يفرج بينهما، وأن ينصب قدميه، مكشوفتين، وأن يوجه أصابعهما إلى القبلة، وأن يرفع أسافله.
12 - لا يجوز أن يضع بعض الأعضاء على بعض، فلا يسجد على ركبته، ولا على يده؛ لأن في ذلك تداخل الأعضاء.
13 - إن التكبير والتسبيح والدعاء، كلها من سنن السجود.
14 - إن قراءة القرآن في السجود حرام؛ لأنه ينقل ركنا من مكان إلى مكان آخر.
15 - إن الخشوع روح الصلاة فعلى المصلي أن يطمئن بحيث تستقر أعضاؤه، ولا ينبغي له أن يشغل باله بمسح الحصا وتسويته، وكف الثوب، وعقص الشعر، وعليه أن ينظر إلى موضع سجوده، وأن يتم الأركان، ويعدلها، وأن لا يسجد في مكان شديد الحر أو شديد البرد، إلا لضرورة.
16 - لا يجوز السجود بلا سبب، ولا يجوز السجود بين يدي المشايخ ولو كانوا محدثين، وأن السجود لغير الله كفر، وقد عصم الله نبيه صلى الله عليه وسلم من السجود لوثن.
17 - إن السجود جائز على الأرض وغيرها من كل طاهر تستقر الأعضاء عليه.
وفي الختام نقول: اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، وصل على محمد مجتباك.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.(3/318)
أحكام السترة في مكة وغيرها
Oمحمد بن رزق الطرهوني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - سترة
الخاتمة
- السترة شيء يجعله المصلي أمامه بينه وبين من يمر بين يديه.
- مقدار هذا الشيء ذراع فما فوق طولا، أي نحو من 45 سم، وبأي عرض كان، فإن عجز عن هذا المقدار بعد بذل كل ما في وسعه في تحصيله، أتى بما يستطيعه ولو كان أقل من ذلك ولو كان خطا.
- ولا يبتعد المصلي عن سترته أكثر من ثلاثة أذرع، فإن زاد عن ذلك أثم وصحت صلاته، إلا أنها عرضة لأن يبطلها الشيطان بمروره في تلك الفجوة.
- اتخاذ السترة على ما ذكرنا واجب على كل مصل إمام أو منفرد، وأما المأموم فلا يجب عليه اتخاذ سترة، لأن الإمام هو المسئول عن ذلك، فإن لم يتخذها المصلي أثم وصحت صلاته إلا أنها عرضة أيضا لأن يفسدها الشيطان، وهذا الحكم عام سواء كان في الصحراء أو في غيرها، وسواء أمن المرور بين يديه أم لم يأمن.
- يحرم المرور بين يدي المصلي، وهو من الكبائر الموجبة للنار، سواء كان المصلي كبيرا أو صغيرا، مستترا أو غير مستتر، فإن كان مستترا حرم المرور بينه وبين سترته، وإلا حرم المرور على بعد منه أقل من ثلاثة أذرع من موضع قدمه، ولا عبرة بكون المصلي يصلي في الطريق أو عند الباب، وسواء وجد المار متسعا أم لم يجد. ويستثنى من ذلك كله إذا كان المصلي مأموما.
- لا فرق بين الفريضة والنافلة في ذلك كله على الإطلاق.
- يجب على المصلي المفترض والمتنفل دفع من يحاول المرور بين يديه، سواء كان إنسانا أو حيوانا، كبيرا كان أو صغيرا، فإن لم يفعل أثم، ويتدرج في الدفع حتى إذا أدى إلى مقاتلته قاتله لأن معه شيطان، أما إذا حاول دفعه فغلبه فلا شيء عليه إن شاء الله تعالى إن كان بذل وسعه.
- إذا مات المار في أثناء دفعه فدمه هدر لا قود فيه ولا دية ولا كفارة.
- إذا نجح المار في مروره نقص من أجر المصلي إلا إذا كان المار كلبا أسود أو حمارا أو امرأة بالغة، فإن كان أحد هؤلاء الثلاثة بطلت صلاته ولا يعتد بها.
- لا فرق بين مكة وغيرها في وجوب اتخاذ السترة وفي حرمة المرور بين يدي المصلي وفي وجوب دفع المار.
- لا فرق بين المرأة والرجل في شيء من هذه الأحكام.
- الشياطين منها ما يقطع الصلاة ومنها ما ينقص من أجرها، ورد الشيطان يكون بالدنو من السترة.
- ولا تجوز الصلاة إلى قبر، وتكره إلى ما يلي كالأشياء الملونة ونحوها، وأما إلى غير ذلك فمباح إذا لم يختلط بما يحرم.
هذا وهناك مباحث هامة يراجع لها فهرست الموضوعات للاطلاع عليها في البحث.
وأستغفر الله من أن أقول ولا أعمل، أو أعمل ما لا أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/319)
أحكام السوق في الإسلام وأثرها في الاقتصاد الإسلامي
Oأحمد بن يسوف الدريويش
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عالم الكتب - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة
أهم النتائج والتوصيات
وبعد فإني أحمد الله الذي وفقني، حتى فرغت من هذه الدراسة عن: (أحكام السوق في الإسلام وأثرها في الاقتصاد الإسلامي) والتي بذلت فيها كثيراً من الجهد، مع أنني لا أدعي أنني أوفيت على الغاية، أو بلغت النهاية، ولكن أرجو أن يكون في هذا الجهد ما يفيد ويضيف إلى المكتبة الإسلامية شيئاً من الجديد، كما أحمده سبحانه أن وفقني للخروج منه بمكاسب عظيمة، وثروات ضخمة، والتي أهمها ما سطرته بين ثنايا هذا البحث.
هذا ومن خلال هذه الرحلة الطويلة التي أمضيتها في ظلال أحكام السوق في الإسلام، فإني قد خرجت منها بنتائج وتوصيات جديرة بأن أشير إليها وأسجل خلاصة لها في هذه الخاتمة.
ومن أهم النتائج والتوصيات ما يلي:
1 - للسوق في الإسلام مكانة عالية، ومنزلة سامية، وذلك نظراً لأهميته المالية والاقتصادية في حياة الناس، حيث إنه موضع التعامل والمبادلات فيما بينهم، وعن طريقه يحصل كل فرد على أموره المعيشية، وحاجاته الضرورية، ومستلزماته الخاصة والعامة.
2 - إن السوق الإسلامي قد حظي بعناية الرسول - صلى الله عليه وسلم - واهتمامه، حيث تعهده بالإشراف والمراقبة، ووضع له ضوابطاً، وسن له آداباً، وطهره من كثير من المعاملات المحرمة كالغبن والتغرير والخداع وبخس المكيال أو الميزان والنجش والاحتكار والربا، وغير ذلك من المعاملات التي تؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل.
3 - المال في نظر الإسلام وسيلة لا غاية، والناس فيه خلفاء لا أصلاء، وقد أمروا باكتسابه من حله وإنفاقه في محله، فلا يجوز لهم تملكه إلا بالوسائل المشروعة: كالزراعة، والصناعة، والتجارة وغيرها من الوسائل الجائزة والناتجة عن العمل وبذل الجهد في تحصيله واقتنائه، أما اكتسابه عن طريق الصدفة أو الانتظار أو الربا أو القمار أو الغرر ونحوه فلا يجوز شرعاً.
4 - إن الصاع الشرعي الذي تخرج به الزكاة، وتقدر به الكفارات والنذور ونحوهما، يساوي بوحدات الوزن الحديثة 2174.14 جراماً (أي كيلوين ومائة وأربعة وسبعين جراماً وأربعة بالعشرة من الجرام) من البُر الجيد.
وعليه فمن أراد معرفة مقدار الصاع الشرعي فليزن كيلوين ومائة وأربعة وسبعين جراماً وأربعة بالعشرة من الجرام من البر الجيد، ويضعها في إناء بقدرها بحيث تملؤه تماماً من غير زيادة أو نقص، ومن ثم يفرغ البر منه، ويكيل به غيره من أرز أو تمر أو زبيب أو نحوه.
5 - أنه لا يجوز بيع ما لم يقبض إذا كان المبيع منقولاً، أما إذا كان عقاراً لا يخشى هلاكه فيجوز بيعه قبل قبضه.
وعليه فإن ما جرت به عادة بعض الناس من شراء السلع المنقولة ومن ثم بيعها وهي في مكانها قبل نقلها وتحويلها منه إلى مكان غيره لا يجوز.
6 - إن التدليس في البيوع محرم بجميع صوره وأشكاله وأساليبه، وذلك لما فيه من الخديعة والإيهام والاستغلال والإغراء، بقصد تحصيل المال الوفير، والربح الكثير، عن طريق الاحتيال والنصب.
7 - النهي عن التنافس غير المشروع في المعاملات، والمتمثل في بيع أو شراء أو سوم الناس بعضهم على بعض، والنجش، وتلقي الركبان، وبيع الحاضر للبادي.
8 - جواز التعاقد عن طريق المزايدة والمناقصة إذا خلا من الغش والتغرير والخداع وجميع وسائل النصب والاحتيال والاستغلال والربا.
9 - إن الاحتكار محرم في جميع السلع والحاجيات والآلات والمعدات، وكل ما يحتاج إليه الناس في أمورهم المعاشية، وشؤونهم الدنيوية.(3/320)
10 - إن الإسلام نظر إلى الاحتكار نظرة فريدة متميزة تمثلت في تحريمه ابتداء بجميع صوره وأشكاله وأساليبه، وتوعد مرتكبه بأشد أنواع العقوبة كاللعنة وبراءة الله منه وإصابته بالجذام والإفلاس ونحو هذا، وذلك كله اتقاء لمضاره المهلكة، وويلاته الموجعة، وإبعاد العباد عن نتائجه وثماره الضارة.
وعليه: فلا التقاء بين النظرة الإسلامية للاحتكار، وبين غيره من النظم الاقتصادية الأخرى كالرأسمالية التي أباحته مطلقاً، ولا الاشتراكية التي أباحته للدولة وحرمته على الأفراد.
11 - إن التسعير لا يجوز إلا عند الحاجة والضرورة إليه، كما إذا عمد التجار إلى إغلاء الأسعار بأن باعوا بأكثر من الأسعار المعقولة، وذلك منعاً للاستغلال ومراعاة لمصالح عامة الناس، وسداً للذريعة.
ويكون ذلك بفرض سعر عادل لا وكس فيه ولا شطط بحيث يضمن ربحاً مناسباً للبائع، كما يضمن وصول السلعة إلى المشتري دون احتكار أو استغلال أو ظلم.
أما إذا لم يكن بالناس حاجة إليه بأن كانت الأسعار معقولة ومناسبة لكل من الطرفين بلا تطرف ولاحيف، أو كان إغلاء الأسعار ناتجاً عن قلة الموجود من السلع في الأسواق أوعدم توفرها، أو ناتجاً عن كثرة الناس وعدم القدرة على موازنة السوق بجلب سلع أو بضائع من بلد آخر، فإن التسعير حينئذ لا يجوز، لأن الأصل عدم التدخل في المصالح الخاصة للأمة وأن الناس مسلطون على أموالهم، إضافة إلى أن الغلاء ربما أراده الله امتحاناً وابتلاءً لعباده، أو عقوبة لهم على تقصير منهم في أداء الواجبات أو ارتكاب المحظورات.
12 - إن وظيفة الدولة في الإسلام لا تقتصر على حفظ الأمن والدفاع ومباشرة بعض الوظائف الاجتماعية والمرافق العامة، بل تتعدى ذلك إلى بعض الأعمال المتعلقة بالاقتصاد فتقوم بالإشراف على الشؤون الاقتصادية في البلاد، ومراقبة المعاملات في الأسواق وذلك عن طريق نظام الحسبة الذي يخول للمحتسب مشارفة الأسواق، وتفقد أحوالها، ورعاية شؤونها، وبذل الجهد للوقوف على ما قد يحدث بها من معاملات محرمة كالربا والاحتكار والغش والاستغلال، والغبن، وبخس المكيال والميزان، فيحق للمحتسب حينئذ أن يتدخل في مثل هذه الحالات ونحوها باسم الدولة، فيمنعها ويعاقب عليها، وذلك إظهاراً للحق، وقمعاً للباطل، وأمراً بالمعروف، ونهياً عن المنكر.
13 - إن نظام الحسبة نظام إسلامي أصيل، ولد ونشأ وترعرع وأتى ثماره في الإسلام، ولا يعنينا أنها لم تكن معروفة بهذا الاسم في صدر الإسلام وأن القائم بها لم يكن معروفاً باسم "المحتسب" لان العبرة بالمعاني والحقائق لا بالأسماء والأشكال.
14 - الدعوة إلى إنشاء أسواق خاصة بالنساء، على أن تكون ذا هيئة وشكل خاص يختلف عن أسواق الرجال، وذلك بأن تكون بعيدة عن أسواق الرجال، وأن يحكم إغلاقها من جميع الجوانب، وأن لا يرتادها إلا النساء، وأن تتولى الدولة الإشراف عليها أمنياً وأخلاقياً، وأن تقوم على إدارتها، والبيع فيها، والإشراف عليها، نساء من ذوات الدين والأمانة والخبرة والدراية والخلق الحسن، وأن تتوفر فيه جميع الحاجيات والمستلزمات التي تخص المرأة وأطفالها ومنزلها، وأن تشتمل على مصلى خاص لأداء الصلوات في أوقاتها.(3/321)
والهدف من إنشاء هذه الأسواق: هو صيانة المرأة والبعد بها عن مواطن الفتنة والريبة، وسد ريح الخطر والفساد عنها التي قد تحدث من اختلاطها بالرجال في الأسواق وتزاحمها معهم، وإيجاد فرصة شريفة لها للعمل بعيدة عن الرجال، ومساعدة لها لقضاء حوائجها ومستلزماتها الخاصة والعامة بنفسها دون أدنى حرج أو محذور قد يقع عليها من جراء ذلك لاسيما إذا علمت أنها أمام امرأة مثلها، إضافة إلى ما في ذلك من مساعدة لها على أداء الصلوات في أوقاتها دون تأخير.
15 - إن الأعمال التي تؤديها البنوك مقابل فائدة تدفعها للعميل أو تأخذها منه – مهما قلت – فإنها محرمة، وذلك كالإيداع، والإقراض، وفتح الاعتماد، وخصم الأوراق التجارية نظير فائدة.
أما ما عدا هذه الأعمال ونحوها، والتي تؤديها البنوك نظير عمولة تتقاضاها من العميل مقابل القيد في السجلات وسائر الإجراءات النظامية ونحوها، وذلك كتحصيل الأوراق التجارية، وتأجير الخزائن الحديدية، وتحويل النقود، وبيع أسهم الشركات المباحة، فهي جائزة شريطة أن لا تتخذ تلك العمولة ساتراً يؤكل الربا باسمها.
16 - الدعوة إلى إنشاء بنوك إسلامية بعيدة عن الربا أو شبهته في سائر البلدان والمدن الإسلامية، وذلك كخطوة أولى نحو بناء نظام اقتصادي إسلامي متكامل وشامل يكون منقذاً للمسلمين من لعنة الربا ومضاره وويلاته المهلكة، وحتى يتسنى لهم الاستفادة من أعماله وخدماته واستثماراته النبيلة.
وإني كلي أمل ورجاء في أولي الأمر في البلاد الإسلامية، والمهتمين بشؤون الاقتصاد والاستثمار فيها، أن ترى هذه الدعوة النور، وأن يأتي اليوم الذي نشاهد فيه البنوك الإسلامية وقد انتشرت في سائر بلاد المسلمين وأصبحت قوة وسداً منيعاً أمام البنوك الربوية، والمؤسسات المالية الغربية.
17 - الدعوة إلى إنشاء سوق إسلامية مشتركة، تقوم على أسس ومبادئ وأهداف مشروعة، وذلك تحقيقاً للأخوة الإسلامية، ووسيلة من وسائل الاستغناء عن التعامل مع البنوك الربوية، إضافة إلى ما في ذلك من تحسين للإنتاج، وتسويق للمنتجات، وتشجيع للصناعات، والاستفادة من الموارد الطبيعية التي تزخر بها البلاد.
18 - إن العمليات العاجلة في البورصة إذا تم التعامل فيها على أساس تسليم الثمن للبائع والمثمن للمشتري في مجلس العقد فإن هذا جائز.
أما العمليات الآجلة المشتملة على المضاربة بقصد الاستفادة من فروق الأسعار هبوطاً وارتفاعاً، وبدون استلام أو تسليم، فإن هذه غير جائزة لما فيها من وسيلة أكل المال بالباطل عن طريق المقامرة والمخاطرة، إضافة إلى ما قد تشتمل عليه من بيع الإنسان ما لا يملكه، والربا، وكل منهما محرم.
كانت تلك أهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها خلال بحث هذا الموضوع.
هذا ولا يسعني في نهاية هذه الخاتمة إلا أن أشكر كل من قرأه، وأهدى إلي النصح والمشورة لتلافي ما قد أكون وقعت فيه من خطأ زل به قلمي، أو قصر عنه فهمي.
كما أكرر شكري وتقديري إلى كل من كان علمه عوناً لي على إخراج هذه الرسالة سلفاً وخلقاً، متقدماً ومتأخراً: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.(3/322)
أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي
Oعبدالرحمن بن غرمان الكريمي العمري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البيان الحديثة - الطائف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة: تلخصت نتائج البحث إجمالاً على النقاط التالية:
1 - أن لفظة "الشهيد" يراد منها في الجملة معنيان:
أ- المعنى العام: وهو ما نص الشارع على تسميته شهيد، واصطلح العلماء على تسميته بشهيد الآخرة، والمقصود أن هذه الشهادة يترتب عليها الأجر الأخروي.
ب- المعنى الخاص: وهو المسلم المقتول في معركة الكفار، ويسمى بشهيد الدنيا، وقد يسمى بالشهيد الكامل، أو الشهيد المخصوص، أي الذي اختص ببعض الأحكام عن سائر الموتى، وإذا أطلق الفقهاء لفظة "الشهيد" فإن المراد منها هذا المعنى في الغالب.
2 - أن طلب الشهادة وتمنيها مستحب لورود الآثار بذلك، وليس هذا من تمني الموت المنهي عنه.
3 - أن الشهادة منزلة عظيمة لا تطلق إلا على من توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع، وشهد له المؤمنون بذلك، فعندئذ يصح قول فلان شهيد.
4 - أن شروط الشهادة هي:
أ- الإسلام، فالكافر ليس بشهيد في الدنيا ولا في الآخرة، وإن قتل ظلماً، ولا يجوز وصفه بذلك.
ب- الإخلاص، وهو أن يكون قتلاه في سبيل الله، ومن شرك في نيته أمراً غير مشروع كالرياء والسمعة والحمية فإنه يبطل عمله، وأما من شرك في نيته أمراً مشروعاً كإرادة الغنيمة فالصحيح أنه لا يبطل عمله به.
ج- الصبر وعدم الفرار.
5 - أن موانع الشهادة هي:
أ- الغلول. وهو السرقة من الغنيمة.
ب- الدين. فمن كان عليه دين ولم يدع قضاء ووفاء، أو لم يجعل له وكيلاً فإنه يمنع من حصول الأجر الكامل الموعود به في الشهادة. ج- المعصية، إذا كانت غير منفكة عن سبب الشهادة، أما إذا كانت المعصية منفكة عن سبب الشهادة فإنها تحصل له الشهادة إن شاء الله.
6 - أن الشهداء بالقتل في معركة الكفار عموماً، والمسلمين البغاة يأخذون الأحكام الخاصة بالشهيد، من عدم الغسل، والتكفين بثيابهم، وغير ذلك. هذا إذا أجهز عليهم في مصرعهم، أما من عاش منهم فترة من الزمن وطال الفصل عرفا بين إصابته وبين موته، أو أكل فإنه يكون كسائر الموتى.
7 - أن من قتل في المعركة خطأ فإنه يكون شهيداً تنطبق عليه أحكام الشهداء، سواء كان هذا القتل من المسلمين، أو من الكافرين أو من قبل نفسه.
8 - الشهداء بالقتل في غير المعركة ليسو سواء، فقتيل الكافر يكون كشهداء المعركة، وقتيل المسلم يكون كسائر الموتى على الصحيح.
9 - أن الموتى عند أهل العلم عامة.
10 - أن العمليات الفدائية الاستشهادية من الجهاد المبرر إذا توفرت فيها المصلحة الواضحة، وأن تعريض النفس للقتل والمخاطرة بها في الجهاد مستثنى من عموم النهي عن قتل النفس والتسبب فيه.
11 - أن الأحكام التي يختص بها الشهيد من عموم الموتى هي: أنه لا يغسل – وإن كان جنباً على الصحيح – ويكفن في ثيابه التي أصيب فيها إن سترته، وتبقى دماؤه عليه، ويدفن في مصرعه إذا كان المكان صالحاً وتيسر ذلك.
12 - إن من مظاهر تكريم الشهداء: حفظ أهليهم وذويهم كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وليس فيما ابتدعه الناس وأحدثوه شيء من التكريم، وإنما التكريم الحقيقي هو الاقتصار على ما جاء به الشرع، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه(3/323)
أحكام الصلوات الخمس
Oعلي أحمد القليصي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الإرشاد - صنعاء
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة الجماعة وأحكام المأموم والإمام
خاتمة: إن الله سبحانه وتعالى كلف عباده بالأمر والنهي ولم يتركهم مهملين يعملون ما يشاءون ويذرون ما يشاءون بدون حد ولا قيد بل أمرهم بما يسعدهم في الدنيا والآخرة ونهاهم عما يضرهم في دنياهم وأخراهم، وكلفهم بما يطيقون، قال الله تعالى {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} [البقرة: 286] وقال عز وجل {لا تكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون} [المؤمنون: 62].
فمن أطاع الله وعبده كما أمره أفلح وأنجح في دنياه وأخراه، ومن عصاه وتساهل في عبادته كان من الخاسرين.
هذا آخر ما تيسر جمعه في هذا الموضوع. وأسأل الله أن يعم نفعه وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.
قال مؤلفه الراجي عفو ربه: فرغت منه يوم الثلاثاء واحداً وعشرين من جمادي الثانية سنة ألف وأربعمائة وثمان للهجرة. الموافق اليوم التاسع من فبراير عام ألف وتسعمائة وثمان وثمانين للميلاد. وأحمد ربي حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه غير مكفي ولا مستغني عنه ربنا، وأحمده على توفيقه إياي بإتمام هذا الموضوع، وأرجو من الله تعالى أن أكون قد سددت أو قاربت فيما كتبت من موضوعات وأن يستفيد منه طلبة العلم بحوله وقوته وأن يثيبني عليه بمنه وكرمه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد إمام المرسلين وخاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين وعلى التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين(3/324)
أحكام الطواف بالبيت الحرام
Oوليد عبدالله الهويريني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - طواف
الخاتمة:
لقد تبين بعد هذا التجوال في أحكام الطواف بالبيت الحرام، وعرض مسائله وبسط آراء العلماء في عموم مباحثه ما يلي:
1 - تعريف الطواف، وصفته، وحكمه، وحكمة مشروعيته، وفضائله.
2 - أن جملة أنواع الطواف: خمسة، منها ثلاثة في حج الإفراد والقران، وهي: طواف القدوم، وطواف الإفاضة، وطواف الوداع، واثنان في العمرة وهما طواف الفرض، وطواف الوداع للآفاقي إن جلس في مكة بعد طواف الفرض.
3 - أن طواف القدوم سنة، وليس بواجب، ولا يجب بتركه دم.
4 - لا يشرع طواف القدوم للحاج إذا دخل مكة بعد الوقوف بعرفة.
5 - يبدأ وقت طواف الإفاضة من فجر يوم النحر إلا الضعفة، ومن كان في حكمهم فيجوز لهم الدفع بع منتصف ليلة النحر، وأنه لا نهاية لوقته، ولا يترتب دم على تأخيره؛ لأن آخر وقته غير محدد شرعاً.
6 - أن السنة في طواف الإفاضة أن يطوف ضحى يوم النحر بعد أن يفرغ من أعمال مناسك يوم النحر بالرمي ثم النحر ثم الحلق.
7 - أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج بإجماع العلماء.
8 - أنه يجوز تقديم طواف الإفاضة على بقية أعمال النحر، وإن كان هذا خلاف السنة.
9 - أن التحلل الأول يحصل برمي جمرة العقبة، وأنه يحصل به التحلل من كل شيء إلا النساء.
10 - طواف العمرة ركن من أركانها لا تصح العمرة إلا به.
11 - طواف الوداع واجب على كل من أراد الخروج من مكة، وهو من غير حاضري المسجد الحرام، إلا الحائض والنفساء فإنه يسقط عنهما.
12 - من نوى الإقامة بمكة فلا وداع عليه، ولا فرق في ذلك بين أن ينوي الإقامة قبل حل النفر أو بعده.
13 - وقت طواف الوداع يبدأ بعد نهاية أعمال الحج.
14 - أن من أقام بعد طواف الوداع، أو اشتغل بغير أسباب الخروج، فعليه إعادة الطواف مرة أخرى، ليكون الطواف آخر عهده بالبيت.
15 - إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع إذا أخر الحاج طواف الزيارة بحيث يكون آخر عهده بالبيت، ولا يشترط أن ينويه عن طواف الإفاضة.
16 - أن من خرج ولم يطف للوداع، فإن كان قريباً ولم يشق عليه الرجوع، رجع للوداع ولا شيء عليه، وإن كان بعيداً لم يلزمه الرجوع، وعليه دم فإن رجع فلا شيء عليه.
17 - لا يجب على المعتمر طواف للوداع.
18 - بيان فضل طواف التطوع، وجوازه في جميع الأوقات، وجواز إهداء ثوابه للغير.
19 - أن الواجب في حق القارن طواف واحد لحجه وعمرته.
20 - أن الواجب في حق المتمتع طوافان، طواف لحجه، وطواف لعمرته.
21 - أن بين واجبات الطواف وشروطه، عموماً وخصوصاً مطلقاً، فكل شرط واجب، وليس كل واجب شرطاً.
22 - أن الإخلال بشيء من الشروط والواجبات ليس على وتيرة لا تصح من الكافر، ولا تقبل.
24 - أن من شرط صحة الطواف: العقل، فلا يصح طواف المجنون، ويستثنى من ذلك الصبي غير المميز؛ لورود الدليل بشأنه.
25 - أن نية الطواف كافية لصحته وأدائه عن الواجب في وقته، فلا يشترط تعيين نية الطواف في النسك.
26 - أن من شرط صحة الطواف: إكمال سبعة أشواط.
27 - أن من طاف حول الكعبة فطوافه صحيح وإن تباعد، وكذلك من طاف على سطح المسجد الحرام.
28 - أن من طاف داخل الحجر، فطوافه غير صحيح، وعليه إعادته.
29 - إن الشاذروان ليس من البيت، وعليه فيصح طواف من طاف عليه، وإن كان الأولى البعد عن ذلك خروجاً من الخلاف.
30 - أن ابتداء الطواف بالحجر الأسود شرط لصحة الطواف.
31 - أن جعل البيت عن يسار الطائف شرط لصحة الطواف.
32 - استحباب الطهارة من الحدث الأصغر في الطواف؛ وأما من أحدث حدثاً أكبر فلا يصح طوافه إلا من عذر.(3/325)
33 - أن الطهارة من النجس شرط لصحة الطواف، فمن طاف وعليه نجاسة في بدنه أو ثوبه أو المكان الذي يطؤه في الطواف، وهو عالم بها، أو قادر على إزالتها فطوافه غير صحيح.
34 - أن ستر العورة شرط لصحة الطواف، وأن من طاف كاشفاً عورته وهو عالم بذلك قادر على سترها فطوافه غير صحيح.
35 - أن الموالاة بين الأشواط شرط لصحة الطواف، إلا إذا كان القطع يسيراً كشرب ماء، أو الجلوس للراحة، أو كان لعذر؛ كصلاة فريضة أو صلاة جنازة.
36 - أن المشي في الطواف مع القدرة عليه شرط لصحة الطواف، فمن طاف راكباً أو محمولاً لغير عذر فطوافه غير صحيح ولا يعتد به.
37 - استحباب أداء ركعتي الطواف خلف المقام، وإن صلاهما في أي مكان جاز ذلك.
38 - جواز أداء ركعتي الطواف في جميع الأوقات، وإن كان الأولى تأخيرها إذا توافقت مع أوقات النهي.
39 - جواز الجمع بين عدة أسابيع ثم الصلاة لكل منها بلا كراهة.
40 - عدم إجزاء الصلاة المكتوبة عن ركعتي الطواف.
41 - استحباب قراءة سورتي: (الكافرون) و (الإخلاص) في ركعتي الطواف بعد الفاتحة.
42 - لا يشرع عند رؤية البيت رفع اليدين والدعاء لضعف الأدلة الواردة في ذلك.
43 - سنية الاضطباع في طواف القدوم وطواف العمرة في حق البالغ والصبي، ولا يشرع الاضطباع للمرأة؛ لأن في اضطباعها كشف لما هو عورة منها.
44 - سنية الرمل في جميع الأشواط الثلاثة الأول.
45 - لا يشرع الرمل للمرأة بالإجماع، وكذلك لا يشرع الرمل لأهل مكة على الرأي المختار.
46 - استحباب استلام الحجر الأسود، والتكبير عند استلامه، وتقبيله والإشارة إليه، والسجود عليه.
47 - استحباب استلام الركن اليماني، فمن شق عليه استلامه فلا يشرع له تقبيله ولا الإشارة إليه.
48 - لا يشرع استلام الركنين الشاميين.
49 - يستحب للطائف أن يذكر الله ويدعوه بما يشرع.
50 - استحباب قراءة القرآن في الطواف، وأفضليته على الذكر والدعاء، إلا في موضعين:
أولهما: التكبير عند استلام الحجر الأسود.
ثانيهما: قول: {ربنا أتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار} ما بين الركنين اليمانيين.
51 - استحباب الدنو من البيت عند الطواف.
52 - استحباب التزام البيت والدعاء عنده.
53 - كراهة التشبيك بين الأصابع ومدافعة الأخبثين، وكذلك يكره الأكل والشرب إلا لحاجة.
54 - كراهة الإكثار من الكلام أثناء الطواف، واستحباب الكلام إن كان لتغيير منكر ونحوه، كما يكره الدعاء الجماعي وإنشاد الأشعار أثناء الطواف.
55 - يحرم الطواف عرياناً، كما أن الإثم يعظم لعظمة المكان.
56 - من طرأ عليه الشك في عدد الأشواط بعد الفراغ من الطواف فلا يلتفت إليه ما لم يتيقن الأمر، فيعمل بمقتضى يقينه.
57 - من شك في عدد الأشواط التي طافها أثناء الطواف فينظر في حاله، إن غلب على ظنه أحد الأمرين بنى على غالب ظنه، وإلا بنى على اليقين.
58 - لا يشرع استنابه الطائف العاجز لغيره في الطواف مطلقاً، وله أن يطوف راكباً على عربة أو يطاف به محمولاً.
59 - إذا طيف بالمعذور محمولاً فيصح الطواف لكليهما إذا نوى كل واحد منهما عن نفسه.
60 - استحباب دخول الكعبة المشرفة خاشعاً خاضعاً إن تيسر ذلك ولم يؤذ أحداً، والدعاء والصلاة في نواحيها.
61 - استحباب دخول الحجر والصلاة فيه والدعاء.
62 - استحباب الشرب من زمزم والتضلع منه للحاج والمعتمر خصوصاً، وللمسلم في جميع الأحوال.(3/326)
أحكام التصوير في الفقه الإسلامي
Oمحمد بن أحمد واصل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تصوير ونحت تماثيل
الخاتمة: في نهاية هذا البحث المتواضع، والجهد اليسير أحمد الله تعالى - وأشكره، حمدا وشكرا دائمين، متلازمين، لا يحصي عددهما إلا هو سبحانه وتعالى على ما أمدني به من العون، والتيسير، والجهد والصحة والسلامة من المشاغل التي تعيق عن المواصلة والاستمرار.
فله الحمد والثناء المتكرر على انتهائي بفضله وكرمه وإحسانه، من كتابة هذه الرسالة وبحث مسائلها، وجزئياتها.
وأسأله سبحانه وتعالى - الذي حفظنا فيما مضى أن يحفظنا فيما بقي، وأن يجعل خير أعمالنا آخرها، وخير أيامنا يوم نلقاه، وأن يجعل آخر كلامنا من الدنيا: لا اله إلا الله إنه قريب مجيب.
أما بعد:
فقد تناولت في هذا البحث المسائل والجزئيات التي تضمنها موضوع (أحكام التصوير في الفقه الإسلامي).
وحرصت أشد الحرص أن يكون البحث وافيا، وشاملا لكل ما له علاقة وارتباط بالموضوع المذكور، فأضفت عددا من المسائل الهامة التي لم تكن في الخطة المقررة من قبل مجلس الكلية، وذلك لما رأيت لها من الصلة، والارتباط بموضوع البحث.
كما حرصت على حسن الترتيب بين الأبواب، والفصول، وحسن التنسيق، ليكون ذلك أقرب إلى الوضوح وتمام الفائدة.
وظهر لي من خلال بحث مسائل الموضوع وجزئياته النتائج التالية:
1 - أن التصوير في اللغة: هو صناعة الصورة، واختراعها، سواء كانت مجسمة، أو مسطحة، كما أن لفظ صورة تطلق على حقيقة الشيء وهيئته، وعلى صفة الشيء وعلى النوع، والصنف.
كما تطلق- أيضاً- على الوجه، وعلى ما يرسم في الذهن وعلى العقل.
2 - أن للفظ التصوير ألفاظا مرادفة، أهمها: لفظ ((التمثيل)) و ((الرسم)) و ((النحت)) و ((النقش)) و ((الرقم)) و ((التزويق)) و ((الوشي)).
3 - أن أنواع التصوير بالنظر إلى الوسيلة - نوعان:
أولهما: التصوير اليدوي، ويشمل التصوير المجسم من ذوات الظل، والتصوير المسطح.
وثانيهما: التصوير الآلي، ويتضمن التصوير الفوتوغرافي، والتلفزيوني، والسينمائي، والتصوير بالأشعة.
4 - أن الصورة باعتبار ذات الصورة - نوعان - كذلك: أولهما: صور ذوات الروح، من بني الإنسان، والحيوان.
وثانيهما: صور غير ذوات الروح، من المخلوقات الكونية، النامية، منها: كالأشجار والنباتات، وغير النامية - كالجبال والأحجار والأفلاك ونحوها.
5 - أن التصوير في الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية - يأتي بمعنى التشكيل، والتخطيط، والتخليق، والتمثيل، والتقويم، والتشبيه، والتزويق، والتكوين، والتخييل، والتحويل، والتقدير، والتسوية، والتصنيع، كما أن الصورة تطلق على الصورة الحسية، الظاهرة، والصورة المعنوية الباطنة.
6 - أنه لا فرق بين الصنم، والوثن، من حيث الإطلاق اللغوي، بل كل منهما يطلق على الآخر، كما أنه لا فرق أيضا بين التمثال، والصورة في إطلاق كل منهما على الآخر.
7 - أن النصب- في الاستعمال اللغوي - يطلق على النتوء، والبروز كما يطلق ويراد به التعب، والإعياء إذا كان بفتح الصاد، أو بكسرها على لغته، ويطلق - أيضا - ويراد به الشر والبلاء.
8 - أن لصناعة الصور والتصوير أسبابا متعددة تدعو إلى ذلك، من أهمها: صناعة الصور محبة وتعظيما لصاحب الصورة، أو لأسباب أمنية، أو إدارية، أو صحية، أو تعليمية أو إعلامية، أو اقتصادية، وصناعية، أو مادية تجارية، أو لأسباب تاريخية، أو فنية تجميلية أو ما أشبه ذلك.
9 - أن الشريعة الإسلامية جاءت بسد الذرائع والطرق التي قد تفضي إلى الوقوع في المحرمات، أو ما هو أعظم من المحرم، كالشرك والكفر بالله رب العالمين.(3/327)
10 - سماحة الشريعة الإسلامية وسهولتها، ومن أبرز ما يبين سماحتها وسهولتها: رفع الحرج عن المكلف، والتيسير عليه بإباحة ما قد يضطر إليه من المحرمات، بقدر ما يدفع ضرورته ويرفع الحرج عنه.
11 - إباحة صناعة صور غير ذوات الروح عموما، وإباحة اتخاذها، سواء كانت صورا لأشجار، أو أحجار، أو أنهار، أو غير ذلك، لوجود الدليل على جواز صناعتها واتخاذها.
12 - تحريم صناعة صور ذوات الروح عموما، مجسمة كانت أو مسطحة، وتحريم استعمالها بنصب، أو تعليق في بيت، أو شارع أو حديقة أو غير ذلك، سواء كانت نصفية أو كاملة، مشوهة، أو غير مشوهة، خيالية، يدوية أو آلية لأن كل ما ذكر يسمى صورة لغة، وشرعا، وعرفا، مع وجود الفارق بين كل من التصوير المجسم، والمسطح، والآلي، من حيث شدة التحريم وخفته. وسواء كانت في ثياب، أو ستار معلق، أو خاتم، أو آنية، أو كانت الآنية على شكل صور مجسمة، أو غير ذلك مما يكون وضع الصورة فيه مشعرا بتكريمها وصيانتها عن الامتهان والابتذال.
وسواء كانت الصورة صغيرة أو كبيرة ما دامت واضحة المعالم، والرأس باق فيها.
وذلك لعموم النصوص النبوية الواردة بتحريم صناعة سائر الصور لذوات الروح، واتخاذها، ولما في ذلك من المضاهاة لخلق الله تعالى في التصوير اليدوي، والوقوع في مشابهة عباد الصور والأصنام، وما قد تفضي إليه تلك الصور من تعظيم غير الله تعالى، وعبادة غيره سبحانه.
ويستثنى من أصل تحريم صور ذوات الروح ما يلي:
أولا: ما تدعو إليه الضرورة، أو تقتضيه المصلحة العامة المعتبرة، وذلك مثل ما يحتاج إليه من الصور في المجال الأمني أو الحربي، أو الإداري، أو التعليمي، أو الإعلامي، أو الطبي، أو غير ذلك من المجالات الخاصة منها، والعامة، وسواء كانت الصور المذكورة من ذوات الظل، أو من غيرها، يدوية أو آلية، ثابتة أو متحركة، لأن الضرورات تبيح المحظورات، ولكن ذلك مقيد بما تندفع به الضرورة، أو تحقق به المصلحة فقط.
ثانيا: إذا كانت صورة ذوات الروح مقطوعة الرأس، إن كانت مجسمة أو ممحوة، إن كانت مسطحة لأنها تكون حينئذ كهيئة الشجرة، ولا يغني عن ذلك خيط في العنق، لإيهام فصل الرأس عن الجسد.
ثالثا: لعب الأطفال التي كانت معروفة في العهد القديم، والتي تصنع من الخرق، والرقاع، دون ما تصنعها المصانع المعاصرة، من مادة البلاستيك ونحوه بشكل يضاهي خلق الله تعالى، وذلك لما فيها من قوة المشابهة والمضاهاة لخلق الله تعالى، ولما في بعضها من إثارة الغرائز، وكوامن الفطرة.
رابعا: ما كان من صور ذوات الروح ممتهنا، مبتذلا، وذلك كالصور التي تكون على الفرش، والمخاد، والأواني إذا كانت الصورة فيها غير مرتفعة، أو كانت الآنية غير مرتفعة كالصحون، والأطباق، ونحوهما، مما يستخدم منها خاصة، فيجوز استخدام الصور المهانة، دون صناعتها فتحرم بكل حال، لما في صناعتها من المضاهاة إن كانت يدوية.
13 - تحريم تحنيط جثة الإنسان من بني آدم، لما فيه من مخالفة سنة الله في الدفن، وتعريض الميت للإهانة من جهة، ولما يسببه من إثارة الحزن على أهله ومحبيه من جهة أخرى. ويستثنى من ذلك: حالة الضرورة إلى تحنطيه وإبقاء جثته لأجل معرفته، وإحقاق الحق، وإبطال الباطل، فيما إذا مات أو قتل مجهولا، إن لم يكن هناك وسيلة غير التحنيط. ويحرم تحنيط الحيوانات من غير بني آدم لما فيه من إضاعة المال، وفتح باب الاعتقادات الباطلة بأنها تجلب نفعا، أو تدفع ضررا.(3/328)
14 - جواز قيام الصورة الآلية مقام الرؤية في عقود المعاوضات المالية بشرط سلامة الصورة من إدخال تحسينات عليها لم تكن في المعقود عليه، وكون الصورة واضحة جلية، بحيث تصف واقع السلعة كما هي، فيجوز ذلك قياسا على صحة البيع بالأنموذج، والبيع بالوصف المنضبط، فإن اختل واحد من هذين الشرطين فلا يصح حينئذ.
وعدم قيام الصور الفوتوغرافية مقام الرؤية بين الخاطبين، في إحالة إمكان الرؤية البصرية المباشرة، وذلك لأنه لا يمكن الكشف بواسطة الصورة الفوتوغرافية - عن أوصاف لا بد من معرفتها، بالإضافة إلى موانع أخرى، فإن كانت الرؤية المباشرة متعذرة جاز قيامها حينئذ، لأن ما لا يدرك كله، لا يترك جله، وأما إن كانت سينمائية صح قيامها مقام الرؤية المذكورة، بشرط سلامتها من التزوير، والتحريف، وعدم انتشار الصورة.
15 - جواز تمويل صور ذوات الروح التي تدعو إليها ضرورة، أو تقتضيها المصلحة العامة، سواء كان تمويلها من المال العام، أو الخاص، كما يجوز اتخاذها حرفة، ومهنة للتكسب المادي، ويجوز بيعها وشراؤها، وإجارتها واستعارتها، وهبتها، ويصح التعاقد عليها بسائر عقود التعامل.
ويجب الضمان على من أتلفها، أو اغتصبها، ويجب القطع بسرقة ما بلغ منها نصابا، إن كانت متقومة، والتعزير فيما لم يبلغه، أو كان غير متقوم.
وذلك لأن ما أباحته الضرورة، أو اقتضته المصلحة يكون من جملة الأموال المحترمة التي يجب المحافظة عليها، مادامت الضرورة إلى ذلك باقية.
وآلات هذا القسم من الصور تبع لها في كل ما سبق، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد، والتابع تابع، ولأن ما جاز بيعه، وشراؤه جاز التعاقد عليه بسائر العقود، ووجبت المحافظة عليه.
وأما ما كان من الصور المذكورة بخلاف ما ذكر، فإنه لا يجوز تمويلها ولا احترافها، ولا التعاقد عليها بأي نوع من أنواع العقود، وثمنها محرم والعقد غير نافذ، لأن ما حرم عينه حرم بيعه وشراؤه، وثمنه، وحرمت الإعانة عليه بقول أو فعل، وعلى ذلك، فلا يضمن متلفها، ولا يقطع سارقها لإهدار قيمتها شرعا، وعلى المتلف والسارق التعزير، إن كان فعله إفتياتا على ولي الأمر.
هذا إن كانت الصورة هي المقصودة بالعقد، وأما إن كان المقصود هو ما فيه الصورة، وهي تبع فينظر، إن كانت الصورة في وضع مهان صح العقد بدون إثم، وإن كان وضعها مشعرا بتكريمها، وصيانتها صح العقد مع الحرمة، والإثم.
وآلات هذا القسم من الصور فيها احتمالان: أقواهما في نظري أن المنظور إليه - في هذه الحال - إنما هو فعل الفاعل، وبناء على ذلك يجوز تمويلها، واحترافها، والتعاقد عليها بسائر أنواع العقود، ويضمن متلفها، ويقطع سارقها - إن بلغت قيمتها نصابا - وعليه التعزير إن لم تبلغ، أو بلغت نصابا مع وجود شبهة الإنكار، لأن هذه آله يمكن استخدامها فيما هو مباح، وليس استخدامها محصورا في المحرم فحسب. وهذا الاحتمال هو الأقوى في نظري لقوة تعليله، والله أعلم.
كانت هذه هي أهم وأبرز النتائج التي توصلت إليها من خلال بحث ومسائل الموضوع، وجزئياته المرسومة في الخطة، والمسائل التي أضفتها فيما بعد، نظرا لما رأيت من الصلة والارتباط بالموضوع، فإن صاحبني في ذلك التوفيق فهذا من فضل الله علي وكرمه وإحسانه.
وإن زل بي قلمي وسوء فهمي عن جادة الصواب إلى الوقوع في الخطأ فذلك مني ومن الشيطان، والله ورسوله منه براء، وأستغفر الله من ذنبي، ومن زللي.
وفي نهاية هذه الخاتمة أتقدم بالشكر الوافر، والثناء العاطر لكل من قرأ بحثي هذا، وأهدي إلى خطأ، أو خللا، لكي أتلافاه قبل فوات الأوان، وأقول له كما قال الأوائل:
وإن تجد عيبا فسد الخلل فجل من لا عيب فيه وعلا
فإن الإنسان يخطئ مهما بلغ من العلم، والفطنة، والذكاء، فقد يقصر عند بعض المسائل فهمه وينغلق ذهنه، نظرا لطبيعته البشرية، والكمال المطلق إنما هو لله وحده جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/329)
أحكام العبادات المترتبة على طلوع الفجر الثاني – دراسة فقهية تأصيلية موازنة
Oناصر بن محمد الغامدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - فجر
خاتمة بأهم نتائج البحث:
بعد هذا البحث الفقهي لأحكام العبادات المترتبة على طلوع الفجر الثاني، وعرض مسائلها وأدلتها، وكلام أهل العلم فيها؛ ظهر لي جملة من النتائج المهمة، أجملها في الآتي:
أولاً: أن الوقت مهم في حياة المسلم، ومعتبر في نظر الشارع، وقد رتب الله تعالى جملة من الأحكام الشرعية المتعلقة بالعبادات على الوقت، وحددها بأوقات محددة لا يجوز أن تتقدمها، ولا أن تتأخر عنها، إلا لعذر مقبول شرعاً.
ثانياً: إن وقت الفجر الصادق من أهم الأوقات الشرعية التي اعتبرها الشارع الحكيم، ورتب عليها جملة من أحكام العبادات الشرعية المهمة.
ثالثاً: الفجر فجران؛ أحدهما كاذب، والآخر صادق، والتفريق بينهما من المسائل الفقهية الدقيقة؛ نظراً لقربهما من بعض، واشتباههما على من ليس له علم بالفروق بينهما، ولابد للمسلم من معرفة الفجرين، والتمييز بينهما؛ لأن الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالفجر الثاني (الصادق)؛ حتى يوقع العبادات الشرعية التي كلفه الشارع بها في أوقاتها الشرعية المعتبرة.
رابعاً: أن تحديد وقت طلوع الفجر الصادق لا زال محل بحث، والتقاويم المتداولة بين الناس أغلبها متقدم على وقت الفجر بزمن يتراوح بين (15 - 30 دقيقة)، وأقرب الأقوال الفلكية أن الفجر الصادق يبدأ عندما تكون زاوية الشمس تحت الأفق الشرقي (18 درجة)؛ وهو ما حدده قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي رقم (6)، في دورته التاسعة، المنعقدة في الفترة (12 - 19/ 7/1406هـ).
خامساً: يترتب على طلوع الفجر الصادق جملة من الأحكام الشرعية المهمة المتعلقة بالصلاة؛ فيبدأ به وقت صلاة الفجر؛ وينتهي به وقت الضرورة لصلاة العشاء؛ وينتهي به وقت صلاة الوتر؛ ويبدأ به سنة الفجر؛ ويبدأ به أول أوقات النهي عن التطوع بالصلاة؛ وينتهي به وقت النزول الإلهي للسماء الدنيا.
سادساً: يترتب على طلوع الفجر الصادق جملة من الأحكام الشرعية المهمة المتعلقة بالصيام؛ فيجب بطلوعه الإمساك الشرعي للصائم عن المفطرات؛ ومن شك في طلوع الفجر بنى على الأصل؛ وهو بقاء الليل؛ وإذا طهرت الحائض والنفساء قبل طلوع الفجر وجب عليهما الصيام، ولو أخرتا الغسل إلى طلوع الفجر؛ ويجب على المجامع في ليل رمضان النزع إذا طلع الفجر؛ ويجوز الإصباح للجنب، ويغتسل بعد طلوع الفجر؛ ويجب تبيت النية لصيام الفرض قبل طلوع الفجر؛ ويسن للصائم تأخير السحور إلى قبيل طلوع الفجر.
سابعاً: يترتب على طلوع الفجر الصادق جملة من الأحكام الشرعية المهمة المتعلقة بالحج؛ فيبدأ به وقت الوقوف بعرفة عند الحنابلة؛ وينتهي به من يوم النحر وقت الوقوف بعرفة، ويفوت الحج؛ ويبدأ به وقت الدفع من مزدلفة لمن وجب عليه المبيت بها؛ ويبدأ به وقت الوقوف بالمزدلفة لمن وجب عليه المبيت بها؛ ويبدأ به وقت رمي جمرة العقبة لغير أهل الأعذار، على الراجح من أقوال أهل العلم؛ ويبدأ به وقت طواف الإفاضة على أحد القولين في المسألة.
ثامناً: هناك جملة من أحكام العبادات الأخرى المتعلقة بطلوع الفجر الثاني؛ منها: وقت غسل يوم الجمعة؛ ووقت الغسل للعيدين؛ وقت وجوب زكاة الفطر من رمضان؛ ووقت ذبح الأضحية.(3/330)
أحكام العورة والنظر بدليل النص والنظر
Oمساعد بن قاسم الفالح
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة المعارف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - عورة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده – عز وجل – على عظيم فضله وواسع نعمته، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين، المبعوث رحمة للعالمين, وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهذا بيان بأهم نتائج هذا البحث.
1 - أن العورة تطلق في اللغة على معان متعددة منها، الخلل والسوأة والشيء المستقبح والعيب، ونحو ذلك. والعورة شرعاً: كل ما حرم الله تعالى كشفه أمام من لا يحل النظر إليه.
2 - أن الإسلام رغب بستر العورة وحذر من كشفها، وشرع وسائل عديدة من شأنها صيانة العورات والحافظ عليها.
3 - ترجيح ما عليه الجمهور من أن عورة الرجل من السرة إلى الركبة مع الاحتياط بستر الجزء الملاصق من الركبة للعورة.
4 - إجماع العلماء على وجوب ستر ما عدا الوجه والكفين من المرأة الحرة.
5 - اتفاق العلماء على أنه يجب ستر الوجه والكفين مع سائر البدن عند عدم أمن الفتنة.
6 - أن الوجه والكفين من المرأة الحرة عورة على الراجح من قول أهل العلم.
7 - أن الأولى عدم التفريق بين الحرة والأمة في العورة خاصة إذا خيف الفتنة على الأمة.
8 - اتفاق الفقهاء – رحمهم الله – على حرمة مصافحة المرأة الأجنبية الشابة.
9 - إلحاق المرأة المتجالة بالشابة في تحريم مصافحتهن على الراجح من الأقوال.
10 - لا بأس أن يسلم الرجل من غير مصافحة على المرأة إذا كانت عجوزاً، أما السلام على المرأة الشابة الأجنبية فلا ينبغي إذا لم تؤمن الفتنة.
11 - صوت المرأة ليس بعورة على الراجح من قول العلماء فلا يحرم سماعه من الأجنبي إذا كان الكلام طبيعياً ولم يخش منه الفتنة.
12 - لا خلاف بين العلماء – رحمهم الله – في أنه ليس للمرأة السفر في غير الفرض إلا مع زوج أو محرم.
13 - المحرم شرط لحج المرأة فلا يجب عليها الحج إذا لم تجد محرماً على الراجح.
14 - الأفضل للمرأة القرار في البيت مع الرخصة في الخروج للحاجة.
15 - الأفضل للمرأة أن تصلي في بيتها، ولا تمنع من الحضور للمسجد والصلاة فيه مع الجماعة إذا توافرت الشروط الخاصة بذلك.
أما الصغير المميز – وهو من بلغ سبع سنين إلى العشر – فعورته الفرجان وعورة الصغيرة المميزة من السرة إلى الركبة.
17 - الأولى والأحوط إلحاق الخنثى بالمرأة في العورة لاحتمال كونه امرأة.
18 - يجوز التجرد وكشف العورة في الخلوة إذا كان هناك ثمة حاجة لذلك. أما إذا لم يكن هناك حاجة فلعل الأرجح القول بوجوب الستر، وهو ما ذهب إليه الجمهور من العلماء.
19 - ستر عورة الميت واجب بغير خلاف بين أهل العلم، وحد عورته ما بين السرة والركبة كعورة الحي.
20 - كان هديه صلى الله عليه وسلم لبس ما يستر من اللباس، من الصوف تارة والقطن تارة والكتان تارة، ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل.
21 - استحباب لبس البياض من الثياب محل اتفاق من العلماء رحمهم الله.
22 - جواز لبس الأسود من الثياب للرجال والنساء.
23 - النهي عن لبس ما يصف البشرة من الثياب، وثوب الشهرة، والتحذير من تشبه المرأة بالرجل والرجل بالمرأة في اللباس.
24 - كراهة لبس الأحمر والمعصفر من الثياب للرجال.
25 - تحريم لبس الحرير الخالص على الرجال إذا لم يكن هناك حاجة، وإباحته للنساء مع حكاية الإجماع في ذلك.
26 - اتفاق الفقهاء على أنه لا فرق بين الصغير والكبير في حرمة لبس الحرير، إلا أن اللابس إذا كان صغيراً فالإثم على من ألبسه.
27 - يباح العلم من الحرير إذا كان أربع أصابع فما دون.(3/331)
28 - إذا كان الحرير مشوباً بغيره جاز لبسه إذا لم تكن الغلبة له.
29 - تحريم إسبال الثياب للرجال وجوازه للنساء.
30 - السنة في أكمام القميص ألا تتجاوز الرسغ.
31 - ستر العورة شرط لصحة الصلاة في قول أكثر أهل العلم.
32 - يجزئ الرجل من اللباس في الصلاة الثوب الواحد الساتر لما يجب ستره من العورة مع طرح شيء من الثوب على عاتقه.
33 - المستحب للرجل أن يصلى في ثوبين أو أكثر لأنه أبلغ في الستر.
34 - يجزي المرأة أن تصلي في درع وخمار يستر عورتها.
35 - المستحب للمرأة أن تصلي في ثلاثة أثواب هي الخمار والدرع والملحفة.
36 - يجب أن يكون الثوب الساتر في الصلاة مما يحول بين الناظر وبين لون البشرة.
37 - لا تبطل الصلاة بانكشاف العورة اليسير بلا قصد.
38 - بطلان الصلاة بانكشاف العورة الكثير إذا تطاول الزمن.
39 - لا تسقط الصلاة إذا كان المصلي عادماً للساتر بإجماع أهل العلم.
40 - الأولى والأفضل لعادم الساتر أن يصلي قاعداً مع الإيماء.
41 - لا إعادة على من صلى عادماً للسترة.
42 - إذا وجد المصلي السترة في أثناء الصلاة فإن كانت قريبة وجب عليه ستر ما يجب ستره ويبني، وإن كانت بعيدة عرفا بطلت الصلاة.
43 - مشروعية الجماعة للعراة إذا كانوا عمياً أو في ظلمة بحيث لا يرى بعضهم بعضاً.
44 - إذا كان العراة مبصرين أو في ضوء فالأرجح أن الجماعة واجبة في حقهم أيضاً، وغض البصر يحصل بكونهم صفاً واحداً يستر بعضهم بعضاً.
45 - إذا اجتمع النساء عاريات فالجماعة مستحبة لهن.
46 - إذا قدر المصلي على بعض السترة لعورته فلا خلاف أنه يلزمه التستر به.
47 - تضافر النصوص على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية الشابة.
48 - لا بأس بالنظر إلى المرأة إذا كانت عجوزاً لا إرب للرجال فيها.
49 - أن الشريعة السمحاء رخصت لمن لا فهم له ولا همة ينتبه بها إلى أمر النساء بالنظر إليهن.
50 - اتفاق الفقهاء – رحمهم الله – على تحريم نظر الخصي والمجبوب إلى النساء.
51 - إذا كان الأجنبي صغيراً لم يظهر على عورات النساء فلا بأس بنظره إليهن.
52 - إذا بلغ الصبي المراهقة أو قارب ها السن فعلى النساء الاحتجاب عنه وحكمه في النظر إليهن حكم البالغ.
53 - يباح للمحارم نظر مواضع الزينة من المرأة وما يظهر غالباً.
54 - اتفاق جمهور العلماء على أن ما حل النظر إليه من المرأة ذات المحرم حل مسه إذا كان في هذا المس لا يورث شهوة وإلا فلا.
55 - عبد المرأة كالأجنبي في النظر إليها على القول الراجح.
56 - إذا بلغ الخنثى بالسن وظهرت عليه بعض علامات المرأة فحكمه حكم المرأة، وإذا ظهر عليه بعض علامات الرجل فحكمه حكم الرجل، وإن لم يظهر شيء من علامات الذكورة والأنوثة، أو تعارضت فيعامل بالأحوط فيما يتعلق بالنظر فيعتبر مع النساء رجلاً ومع الرجال امرأة.
57 - يجوز للرجل أن يستأجر المرأة للخدمة ويعتبرها معه كالأجنبي في النظر.
58 - من أراد أن يشتري جارية فلا بأس أن ينظر إلى ما يظهر منها غالباً.
59 - إذا كانت الصغيرة طفلة لا تصلح للنكاح فلا بأس بالنظر إليها.
60 - النهي عن وصف المرأة للرجل حتى كأنه ينظر إليها.
61 - إذا زوج السيد أمته جاز له أن ينظر إلا ما بين السرة والركبة.
62 - أجمع العلماء على إباحة نظر الرجل إلى المرأة إذا أراد نكاحها.
63 - نظر الخطبة محدد بالوجه والكفين على الأرجح من قول العلماء.
64 - لابد أن تراعى الضوابط المبيحة لنظر الخطبة فليس النظر مباحاً على إطلاقه.
65 - نظر الخطبة مباح للضرورة وما أبيح للضرورة فهو مقدر بقدرها فإذا حصل الغرض بنظره حرم مازاد عليها.
66 - لا يشترط استئذان المخطوبة لهذا النظر.(3/332)
67 - كما أن للخاطب أن ينظر إلى مخطوبته فإن للمخطوبة أن تنظر إلى خاطبها.
68 - لا خلاف في جواز نظر الطبيب إلى موضع المرض من المرأة عند الحاجة ضمن ضوابط معينة.
69 - نظر القاضي والشاهد إلى المرأة من الحالات المستثناة ضرورة.
70 - يجوز لمن عامل امرأة في بيع وشراء وإجارة ونحوها النظر إلى وجهها ليعلمها بعينها فيرجع عليها.
71 - يجوز نظر الرجل للمرأة الأجنبية من أجل تعليم واجب أو مندوب إذا توافرت شروط وضوابط معينة.
72 - يحرم النظر إلى خيال المرأة في المرآة أو الصورة أو الماء بشهوة أو بدون شهوة.
73 - يحرم التفكر في محاسن المرأة الأجنبية.
74 - كل عضو لا يجوز النظر إليه قبل الانفصال لا يجوز بعده.
75 - يجوز نظر المرأة إلى الرجل إذا كان غير مقترن بالشهوة.
76 - يجوز للمرأة أن تنظر إلى ماعدا ما بين السرة والركبة من محارمها من الرجال.
77 - لا خلاف بين جمهور الفقهاء، على أن للمرأة أن تنظر من المرأة ما ينظره الرجل من الرجل فيباح لها أن تنظر إلى بدنها ماعدا ما بين السرة والركبة.
78 - لا يحل للمرأة المسلمة أن تبدي زينتها أو تضع جلبابها أمام المرأة الكافرة أو الفاجرة.
79 - تحريم نظر الرجل إلى ما بين السرة والركبة من الرجل ويجوز له أن ينظر ما سوى ذلك إذا تحقق عدم الشهوة وإلا فلا.
80 - مشروعية مصافحة الرجل للرجل عند اللقاء.
81 - يستحب إكرام الداخل بالقيام إذا كان فيه فضيلة ظاهرة من علم أو صلاح، أو فيه ولاية، أو له ولادة أو رحم من سن ونحو ذلك.
82 - يكره للرجل أن يقبل الرجل سواء كان ذلك في فمه أو يده أو عضو منه.
83 - سن تقبيل الرجل ولده أو أخيه الصغير على وجه الشفقة والرحمة، وكذلك تقبيل ولد صديقه أو غيره من صغار الأطفال على هذا الوجه.
84 - إجماع العلماء على تحريم النظر إلى الأمرد إذا اقترنت الشهوة بهذا النظر.
85 - يجوز لكل واحد من الزوجين النظر إلى جميع بدن الآخر سواء كان ذلك بشهوة أو بغير شهوة.
ويباح للسيد النظر إلى جميع بدن أمته.(3/333)
أحكام العيب في الفقه الإسلامي
Oإسماعيل كاظم العيساوي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عمار - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - بيوع
الخاتمة
أهم النتائج المستخلصة
وفي ختام هذه الدراسة أود أن أسجل بعض النتائج المهمة التي توصلت إليها:
1 – إن أول ما خلصت إليه وأهمه: أن هذه الدراسة تشهد للأصل القائل: إن جميع أحكام الشريعة الإسلامية جاءت لتحقيق مصالح العباد. إذ لا نجد مسألة مطروحة في حياتنا اليومية إلا ونجد الجواب عليها قد تضمنه نص أو استنباط فقيه أساسه أحد مصادر التشريع الإسلامي.
ومن جملة ذلك أحكام العيب إذ تتعرض عقود كثيرة إلى كثير من العيوب التي تؤثر على نفاذها، مما يترتب على ذلك خصومات بين الناس، وقد عنيت الشريعة الإسلامية بذلك عناية فائقة، وبحث الفقهاء جوانب عديدة تتعلق بتلك العيوب، وقال كل منهم فيها كلمته التي قاده إليها الدليل.
والعبادات وغيرها من الأحكام الفقهية شأنها شأن عقود المعاملات تتعرض هي الأخرى لبعض ما يجعلها غير وافية بالغرض الشرعي منها، لذلك كانت هي أيضا موضع عناية الشريعة والباحثين فيها من هذه الناحية. وقد جمعت في هذه الدراسة حسب المستطاع شتات هذا الموضوع الذي كان فيما أعلم عبارة عن شذرات منثورة في بطون الكتب الفقهية. وبهذا أرجو أن يكون الفقه الإسلامي كما هو شأنه دائما قد حاز قصب السبق على القانون الوضعي من ناحية استيعابه وجمعه للمهم من أحكام العيب. هذا الموضوع الحيوي الذي له شأن كبير وتعلق وثيق بالمعاملات ولاسيما الحالية منها.
2 – عرفت العيب تعريفا عاما مستخلصا ذلك من تعاريف عدة أكثرها كان تعريفا خاصا للعيب في المبيع، بل تداخل في بعضها حقيقة العيب مع المرجع في تحديده، وصغت التعريف المختار من بعض تعريفات الحنفية له بعد إضافة بعض القيود إليه، وهو (ما يقتضي الشرع أو أصل الفطرة السليمة الخلو عنه مما يفوت به غرض صحيح) ليشمل العيب في الأبواب الفقهية المختلفة.
3 – إن المرجع في تحديد العيب هو الأثر والعرف ... وأعني بالأثر ما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة أو التابعين، وقد تواردت عبارات الفقهاء على: أن المرجع في تحديد العيب هو العرف وقد فصلت القول في ذلك مبينا: أن العرف ليس هو المرجع الوحيد لتحديد العيب. كما أوضحت القول بأن قول الفقهاء (بالرجوع إلى العرف التجاري) إنما ذلك خاص بالعيب في المعاملات المالية، أما في الأمور الأخرى كالنكاح – مثلا – فلا شأن للعرف التجاري فيها، وإنما يرجع إلى أصحاب الاختصاص في ذلك كالأطباء مثلا، فإن لكل فن أصحاب اختصاص يرجع إليهم فيه.
4 – اختلف الفقهاء في اشتراط تعدد الخبراء؛ منهم من اشترط التعدد، ومنهم من اكتفى بواحد، ولم أعثر لهم – فيما اطلعت عليه – على أدلة في هذا الاختلاف، ولكن من خلال عباراتهم ظهر لي أن القضية تنازعها شبهان، شبه الشهادة، وشبه التحكيم، فمن غلب شبه الشهادة اشترط تعدد الخبراء، ومن غلب شبه التحكيم اكتفى بواحد، والنظائر الفقهية لهذه المسألة هي الأخرى مختلفة، وقد فصلت القول في ذلك. وانتهيت إلى القول: بأنه إذا كان التقويم من بين ما يحتاجه إثبات العيب، فإن العيب في هذه الحالة لا يثبت إلا بقول خبيرين، لأن التقويم لا يكتفى فيه بأقل من مقومين، كما نصت على ذلك الآية الكريمة التي تضمنت الحكم المتعلق بجزاء الصيد، إذ جاء فيها {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ} [المائدة].(3/334)
وإذا لم يكن للتقويم دخل في إثبات العيب فإنه يكتفى بقول خبير واحد إذا اتفقت الأطراف على الاحتكام إلى خبير معين، أو كان الخبير الذي قرر أن هذا الشيء عيب بعد أكثر الخبراء أو من أكثرهم خبرة فيما طلب رأيه فيه، أما فيما عدا ذلك فينبغي الرجوع إلى عرف الناس وعاداتهم.
5 – أوضحت في هذه الدراسة أن كتمان العيب حرام شرعا سواء أكان الكتمان من البائع نفسه أم من الأجنبي الذي يعلم العيب، وذلك للنصوص الصريحة التي نهت عن كتمان العيب.
وأوضحت أن التحريم عام يشمل كتمان جميع أنواع العيب، سواء أكان هذا العيب مثبتا للخيار أم لا؛ لأنه نوع من التدليس المحرم، وإن كان هذا التدليس لا يبطل العقد في القول الراجح الذي عليه جمهور الفقهاء.
6 – إن الشروط التي يجب توفرها في العيب لكي تترتب عليه آثاره يمكن حصرها في أربعة شروط:
فالشرط الأول: وهو أن يكون العيب مؤثرا. قد أوضحت خلال دراستي أن معنى التأثير: هو ما أنقص القيمة أو المنفعة وكان جسيما. ثم بينت معنى الجسامة في العيب وهي: أن يكون مما لا يتسامح العرف بمثله أو لا يمكن إزالته بدون مشقة، ثم بحثت اختلاف الفقهاء في العيب اليسير والفاحش وأيهما يرد به المبيع، ومن خلال عبارات الفقهاء تبين لي أن للمعيار في اليسير والفاحش هو كونه منقصا للقيمة أو للمنفعة أو غير منقص.
أما الشرط الثاني: وهو قدم العيب فإنها قضية توقفت معرفتها على معرفة قضية أخرى وهي: (وقت ضمان المبيع) أي: متى يكون المبيع من ضمان البائع ومتى يكون من ضمان المشتري؟ وتلك قضية تشعبت فروعها واتسع الخلاف فيها: وقد ذكرت ذلك بنوع من الإيجاز.
وخلصت إلى القول بأن العيب إذا كان قبل العقد فهو عيب قديم بالاتفاق وما ثبت وجوده مقارنا للعقد فهو الآخر مما اتفق الفقهاء على عده، عيبا قديما.
أما الحادث بعد العقد وقبل القبض فالراجح أنه عيب قديم؛ لأن المبيع لا ينتقل ضمانه إلى المشتري إلا بالقبض.
أما الشرط الثالث: وهو الجهل بالعيب فقد أوضحت خلال دراستي أنه لا خلاف بين الفقهاء في أن الإقدام على شراء سلعة مع العلم بالعيب الذي فيها يخلي البائع من المسؤولية.
وقد بينت هنا أن استعمال أي وسيلة يخفي بواسطتها أحد المتعاقدين العيب يعد بالنسبة للطرف الآخر جهلا بالعيب، يوجب له الخيار عند اطلاعه عليه.
أما الشرط الرابع: وهو عدم اقتران العقد بالبراءة من العيب، فهنا تشعبت آراء الفقهاء في الأثر الذي يترتب على اقتران العقد بشرط البراءة إلى ستة مذاهب.
وقد رجحت المذهب القائل: بأن البيع بشرط البراءة من العيوب صحيح، وأن مشترطه يبرؤ به من كل عيب لا يعلمه، ولا يبرؤ من عيب علمه فكتمه؛ لأنه تدليس وغش؛ ولأن الراجح عند الفقهاء: أن اطلاع العاقد على العيب فرض على من يلعمه، ولا سيما صاحب السلعة المعيبة، ومن علم بالعيب ولم يبينه فهو آثم عاص، وللمتضرر من العيب في هذه الحالة الخيار عند اطلاعه عليه.
7 – ظهر لي من خلال الدراسة التطبيقية دقة الفقهاء في حصرهم العيب في أبواب معينة، من العبادات، والأنكحة، والمعاملات المالية.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.(3/335)
أحكام الفقير والمسكين في القرآن العظيم والسنة المطهرة
Oمحمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البشائر الإسلامية - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة
وتتضمن أهم نتائج البحث، وهي التالية:
1 - حرَّر البحث أن لفظ الفقير والمسكين لفظان يجتمعان فيفترقان، ويفردان فيجتمعان، فيدل الواحد منهما على الآخر.
2 - كما قرَّر البحث أن الفقير والمسكين لفظان يطلقان على أصحاب الحاجة، وأن الفرق بينهما في أن الفقير أشد حاجة من المسكين، وأن المسكين يجد ما لا يكفيه، والفقير لا يجد شيئاً.
3 - الرد على المستشرق الذي كتب في دائرة المعارف الإسلامية، طاعناً ونابزاً على فقهاء المسلمين في اختلافهم في الفرق بين الفقير والمسكين، وبيَّنت أن خلاف العلماء في ذلك مبني على اختلاف الأدلة بحسب فهم وإطلاع كل واحد منهم لا بحسب ما ذكره ذلك المستشرق.
4 - بيان الأحكام المتعلقة بالفقير والمسكين، في القرآن الكريم، والسنة النبوية.
5 - بيان المسائل المتعلقة بالفقير والمسكين، فيما جاء في كلام أهل العلم، منها:
- بيان أن وصف الفقر والمسكنة وصفان لا يحكم عليهما بذاتهما، إنما بحسب حال متعلقهما، فلا يفضل الفقير الصابر على الغني الشاكر من جهة الفقر والغنى، إنما يفضلا بحسب التقوى، فإن قدر استواؤهما من كل وجه فلا يعدل بالسلامة شيء.
- بيان فقراء الحرم وما يستحقوه من دماء الحج.
- بيان سماحة الإسلام ويسره في جواز إعطاء الفقير الكافر من صدقة التطوع، وأن الجزية لا تؤخذ من فقير عاجز.
- بيان أن السعي لرفع وصف الفقر والحاجة، من الواجبات، وأن القوي المكتسب لاحظ له في الصدقة، فإن عجز عن الاكتساب، أو لم يجد كسباً جازت له المسألة، بل تجب عليه.
هذا؛ وأسأل الله تبارك وتعالى بأن له الحمد لا إله إلا هو الحنان المنان، بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام، أن يتقبل هذا العمل، وجميع عملي خالصاً لوجهه الكريم، وداعياً إلى سنة نبيه الرؤوف الرحيم، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.(3/336)
أحكام القنوت - قنوت الحاجة والنازلة - قنوت رمضان
Oعدنان بن محمد آل عرعور
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراية - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قنوت
خلاصة البحث: تأتي كلمة القنوت بمعان كثيرة، كالطاعة، والخشوع، والخضوع، والدعاء، وطول القيام، وأكثر ما تأتي بمعنى دوام الطاعة وتأتي بمعنى خاص، وهو: الدعاء في الصلاة.
وقد شرع الإسلام سنة القنوت - وهو الدعاء قائماً في الصلاة – في النوازل، أو في ما كان فيه مصلحة للمسلمين عامة، ودفع مفسدة عنهم، كما يشرع في صلاة الوتر، وقيام رمضان.
وأما المداومة عليه في صلاة الفجر: فبدعة محدثة.
ويشرع في كافة الصلوات الخمسة، السرية منها والجهرية، ويفضل في الفجر والمغرب، وتتأكد أفضليته في صلاة الفجر، وذلك حسب النازلة والحاجة.
وشرع من آخر ركعة من الصلاة، بعد الركوع وقبله، وأكثر الأحاديث على أنه بعده، ويشرع مدة النازلة، إن كانت ذات وقت، وإن نزلت فجأة ثم أقلعت، فيشرع لأيام بعدها، والسنة في ذلك: شهر، وإن كانت لحاجة وحوائج المسلمين، فحتى تقضى، فإن طالت، قنت وترك، إلى أن تزول أو تقضى، ويجهر به سواء كانت الصلاة جهرية أو سرية، ويؤمن المأمومون، وترفع الأيدي فيه، ولا يمسح بها الوجه، فإنه بدعة. ولم ترد الصلاة والسلام على الرسول - صلى الله عليه وسلم - فيه، ولم يثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – صيغة ملزمة، وإنما كان يدعو بما يناسب الحال. وينبغي أن يكون الدعاء جامعاً، وألا يطيل الإمام فيه، فليس من هديه - صلى الله عليه وسلم – ما يفعله كثير من أئمة مساجد زماننا من إطالة الدعاء، وتعمد السجع فيه، وإن كان القانت منفرداً فليدع ما شاء الله له أن يدعو. وإن للدعاء آداباً، وينبغي الالتزام بها، وله محظورات، ينبغي على الداعي اجتنابها. والعبرة في الدعاء، بصدق قائله وقصره، وطهارة نفس صاحبه، وإخلاص الرجاء والعبودية لله فيه. وليست العبرة بطول الدعاء، وتكلف السجع والتشقق فيه. وللعلماء في قوله تعالى: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ} [آل عمران: 128] مذاهب:
الأول: أن الآية نسخت، القنوت وهو مذهب باطل، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – قنت بعدها.
الثاني: النهي عن لعن المعين، والدعاء عليه في الصلاة، وهو مذهب مرجوح لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لعن معينين بعد ذلك.
والثالث: وهو الصحيح – وهو: أن في الآية توجيهاً عظيماً، وأدباً رفيعاً، ومنهجاً قويماً في معالجة قضية النصر والهزيمة، وأن الأمر كله بيد الله – تعالى – يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وينصر من يشاء، ويهزم من يشاء.
وأن السبب الرئيسي في الهزيمة، هو: مخالفة المسلمين وتنازعهم وتقديمهم دنياهم على آخرتهم، فهذه هي الأسباب الحقيقة للهزيمة، فلا يشفع لكم لعن الكافرين في هذا المقام، ولا استبعاد الهداية عنهم.
قنوت الوتر: شرع الإسلام دعاء خاصاً في صلاة الوتر، ونصه: "اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت". ولا يجب الالتزام به، بل يدعي بأي دعاء عام، وموضعه بعد الفراغ من القراءة قبل الركوع.(3/337)
ولم يقم دليل على وجوب القنوت في الوتر، فهو سنة، يفعله المرء حيناً ويتركه حيناً، لعدم ثبوت مداومة الرسول – صلى الله عليه وسلم – على فعله. ولم يرد التكبير عند بدء القنوت، ولا رفع اليدين حذو المنكبين عن النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا ثبت ذلك عن أحد من أصحابه، ولم يثبت مسح الوجه باليدين بعد الانتهاء من الدعاء، ولهذا فهي بدع محدثة، لا يجوز فعلها لعموم قوله – صلى الله عليه وسلم -. ((من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)). وكذلك الصلاة والسلام على النبي – صلى الله عليه وسلم – ورفع الأيدي للدعاء، لم يثبت فيها شيء عن النبي- صلى الله عليه وسلم – في قنوت الوتر. لكن ما ورد عن بعض الصحابة – رضوان الله عليهم – أنهم كانوا يرفعون أيديهم في قنوت رمضان، ويصلون على النبي - صلى الله عليه وسلم – وورد عن بعض السلف أن ذلك بدعة. والذي يترجح، أن لا يزاد على قنوت المنفرد؛ لا الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – ولا رفع الأيدي، وأما قنوت الوتر في رمضان جماعة، فترفع فيه الأيدي، ويصلى فيه على النبي – صلى الله عليه وسلم -.
وأما قنوت رمضان جهراً بالناس، فيكون في النصف الأخير منه، لثبوت ذلك عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم، ويرفع المأمومون أيديهم، ويؤمنون، وينبغي على الإمام تجنب السجع، ومجافاة التطويل، تحقيقاً للسنة. وبعداً عن الملل.
وأخيراً: فإن معظم الخلافات الواقعة في هذا الأمر، هي خلافات معتبرة، فيها راجح ومرجوح، مادام أصحابها متفقين في الأصول، اللهم إلا أن تقوم حجة بينة على رأي، أو حكم، أو فتوى .. فلا يعتبر – والحال هذه – خلافاً معتبراً. والمقصود من هذا؛ أن هذه المسائل، ليس فيها ولاء وبراء، وهجران وقطيعة، وتفرق واختلاف، وقيل وقال، كما يفعل كثير من الشباب، هدانا الله وإياهم سواء الصراط.
ربنا تقبل منا إنك أنت العليم الحكيم، واهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. واجعلنا على سبيل السلف سائرين، وبأخلاقهم متمسكين، وبأدب الخلاف ملتزمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/338)
أحكام المال الحرام وضوابط الانتفاع والتصرف به في الفقه الإسلامي
Oعباس أحمد محمد الباز
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس للنشر والتوزيع - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
نتائج الدراسة
وقد أمكنه التوصل من خلال هذه الدراسة إلى النتائج التالية:
- المال الحرام هو كل مال حرم الشارع على المسلم حيازته وتملكه، وهو إما أن يكون محرماً لذاته وإما أن يكون محرماً لغيره.
- المال الحرام لا يدخل في ملك المسلم عموماً يسيراً كان أم كثيراً.
- المال الحرام لا يورث عن آخذه لعدم خروجه عن ملك صاحبه.
- المال المكتسب بالعقد الباطل أو العقد الفاسد لا يحل لقابضه ويجب التحلل منه.
- المال المقبوض بعقد مختلف فيه بين العلماء لا يحكم بحرمته إذا كان الخلاف فيه قوياً، فليس كل ما اعتقده فقيه حراماً كان حراماً.
- المال الحرام المكتسب في الكفر قبل الإسلام حلال لمالكه في الإسلام ولا يلزمه التحلل منه.
- المال الملتقط حرام على الملتقط قبل التعريف حلال له بعد التعريف ما دام مالكه مجهولاً.
- المال الحرام المكتسب بعذر الجهل حلال لمكتسبه إذا وقع حال قيام عذر الجهل.
- ما حكم الشرع بتحريمه في بلاد المسلمين كالربا والقمار ... كان حراماً على المسلمين في كل بلد، ولا يلتفت إلى غير هذا القول.
- الربح الناشئ عن استثمار المسلم أمواله في الربا في بلاد غير المسلمين خبيث يحرم عليه أخذه.
- معاملة حائز المال الحرام في عين المال الحرام لا تجوز.
- معاملة حائز المال الحرام إذا اختلط بالمال الحلال تجوز مع الكراهة.
- معاملة المسلم المستور إذا وقع الشك في وجود الحرام في ماله تجوز بغير كراهة.
- معاملة غير المسلم في ماله جائزة سواء اكتسبه من حلال أم حرام إذا كانت المعاملة بينه وبين المسلم موافقة لقواعد الدين وأحكام التشريع.
- الحرام في المال صفة تثبت في ذمة آخذه لا في عين المال وذاته.
- لا يجوز إتلاف المال الحرام بحرقه أو إهلاكه أو إلقائه في البحر.
- المال الحرام ليس محلاً للانتفاع من أحد غير مصرفه الشرعي.
- صرف المال الحرام الذي لا يعرف صاحبه إلى الفقراء والمساكين وأصحاب الحاجة ومصالح المسلمين العامة.
- التحلل من المال الحرام بدفعه إلى مصرفه الشرعي من الفقراء والمساكين أو مصالح المسلمين لا يكون صدقة يثاب عليها، بل هو تخلص من الإثم الثابت في ذمة الآخذ وتطهير لماله مما لحقه من خبث.
- رد المال إلى مالكه إن كان معلوماً أو إلى الفقراء والمساكين إن كان مجهولاً شرط لقبول توبة من يتحلل من المال الحرام.
- وجود المال الحرام في خزانة الدولة لا يمنع من العمل به لعدم تعينه أولاً ولحاجة الناس إلى العمل ثانياً.
- المال الحلال المدفوع ثمناً للمعصية يفوت على مالكه ويرد إلى مستحقه من الفقراء والمساكين ومصالح المسلمين.
- من المصالح التي ينفق فيها المال الحرام بناء المدارس، شق الطرق، بناء مشفى أو عيادة طبية، الدفع إلى طلبة العلم ...
- لا يجوز بناء المساجد ودور العبادة من المال الحرام لأن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.
- يجوز للمسلم أن ينفق على نفسه وأهله من المال الحرام إن تعين الإنفاق منه بأن لم يجد غيره من المال الحلال.
- استيفاء الدين من المدين الذي يأكل المال الحرام جائز إذا لم يكن للمال الحرام مالك مخصوص.
- حج المسلم من المال الحرام صحيح تسقط به الفريضة وتبرأ به الذمة لكنه مسيء ولا يثبت له أجر.
- أداء الضرائب من المال الحرام حرام لأدائه إلى أكل المال الحرام المنهي عنه.
- الربح الناشئ عن استثمار المال الحرام يتبع رأس المال ولا يستحق الآخذ منه شيئاً لأنه ليس لعرق ظالم حق.
- غسيل المال الحرام أو تبييض المال القذر محظور شرعاً وقانوناً، لأنه قائم على كسب المال بوسائل محرمة، ولأنه يؤدي إلى تمكن عصابات الإجرام من السيطرة على السلطة ومواطن القرار.
- المال الحرام الذي يخضع للغسيل والتبييض مصيره الفقراء والمساكين والمصالح العامة بعد مصادرته وتجميده من قبل الدولة.(3/339)
أحكام المجاهد بالنفس في سبيل الله عز وجل في الفقه الإسلامي
Oمرعي بن عبدالله بن مرعي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
خاتمة البحث: الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، أن وفقني إلى إنهاء هذا البحث على هذه الصورة التي آمل لها قبولاً.
وبعد: فهذه خاتمة تضم خلاصة البحث وأهم نتائجه وهي كما يلي:
أولاً: الجهاد بالنفس معناه قتال الكفار بالسلاح، ومقصوده إعلاء دين الله ونشره وإزالة المعوقات التي تحول بين دخول الناس فيه أفواجاً، وجعل الحاكمية لشرع الله في الأرض ورفع الظلم عن العباد، حتى يكون الناس مؤمناً بالله متبعاً لشرعه عن رضى وقناعة أو ممتناً باق على دينه الذي يعتقده، وهو في حماية المسلمين، دافعاً للجزية، خاضعاً لشريعة الإسلام، متنعماً بعدالتها.
وقد غاب هذا المفهوم عن كثير من المسلمين اليوم مما جعلهم يقاتلون من أجل وطنية، أو قومية، أو حزبية ونحو ذلك، بل غاب عنهم اسم الجهاد الذي يخافه العدو، لأنه يعني بذل النفس من أجل إعلاء دين الله فتهون الأنفس لهذا الهدف وتشتاق للقتال للفوز بإحدى الحسنيين.
وقد غاب اسم الجهاد اليوم إلى ما يسمى بالكفاح، أو النضال، أو الانتفاضة ونحو ذلك من الأسماء التي تبعد المسلمين عن معنى الجهاد الحقيقي، الذي عرفه سلف هذه الأمة.
ثانياً: الجهاد بالنفس في سبيل الله جاء في ثلاث مراحل: مرحلة الإذن بالجهاد دون أن يفرض، ثم مرحلة الفرض لمن اعتدى وترك من لم يعتد، ثم مرحلة فرض قتال الكفار وابتدائهم بالقتال حتى يسلموا أو يعطوا الجزية، وتكون الحاكمية في الأرض لشرع الله.
وليس هذا تدخلاً في شؤون الآخرين ولا إكراهاً على اعتناق الإسلام، وإنما هو إنقاذ للأمم الكافرة مما هم فيه من الكفر وتحريرهم من استعباد الطواغيت، ثم ترك الحرية لهم لاختيار ما يقتنعون به بعد بيان الحق لهم.
وإذا كانت الدول الكافرة في هذا العصر تتدخل بقوة السلاح في بعض الدول بحجة بسط النظام الوضعي والديمقراطية المزعومة فيها، فإن المسلمين أحق وأجدر بأن يتدخلوا في دول الكفر لبسط شرع الله، ونشر أحكامه في الأرض التي هي قمة العدل والإنصاف والرحمة.
ثالثاً: للمجاهد في سبيل الله الترخص بالرخص الشرعية، بل هو أولى من غيره ومن ذلك ما يلي:
1 - إذا أصابته الجراح فله أن يمسح عليها بالماء عند الطهارة، فإن خاف ضرراً من الماء تيمم عن الجراح وغسل الباقي وله أن يسمح على الجبائر إذا خاف من نزعها ضرراً.
2 - له أن يتيمم إذا خاف من العدو إذا طلب الماء، وكذلك إذا منعه العدو من الطهارة بالماء، وله أن يتيمم بالغبار أو بما هو من جنس الأرض كالحصى ونحو ذلك إذا لم يجد التراب.
3 - له أن يمسح على الخفين وما يقوم مقامهما كالأحذية التي يلبسها العسكر ونحو ذلك وله أن يمسح مدة طويلة للضرورة دون أن يخلع الخفاف أو الأحذية.
4 - له أن يمسح على العمامة وما يقوم مقامها مما يوضع على الرأس كالخوذة ونحوها إذا كان في نزعها مشقة عليه.
5 - له أن يصلي صلاة الخوف فرداً وفي جماعة على الكيفية التي يرى أنها أحوط للصلاة، وأبلغ في الحراسة واتقاء شر العدو، على الكيفيات التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وله أن يصلي صلاة الخوف ويومي بالركوع والسجود وإن لم يستقبل القبلة فإن لم يدر ما يقول في صلاته لشدة الخوف فله أن يؤخر الصلاة حتى يزول الخوف.
6 - للمجاهد أن يقصر الصلاة الرباعية في السفر للجهاد ولو طالت المدة، وله الجمع بين الصلاتين ولو لم يكن مسافراً، كذلك الأسير ما دام في أسر العدو.(3/340)
7 - له أن يفطر في رمضان إذا سافر للجهاد وكذلك إذا كان مقيماً وخاف الضعف بالصيام عند ملاقاة العدو، وللقائد إجبار الجند على الفطر إذا خاف عليهم من الصيام ضعفاً عند ملاقاة العدو.
رابعاً: المقصود بالشهيد هو من قتل في المعركة مع الكفار ونيته من الجهاد إعلاء دين الله وجعل الحاكمية لشرعه. وللشهيد في قتال العدو ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يقتل في ميدان المعركة وهو يجاهد أعداء الله من أجل إعلاء دين الله وجعل الحاكمية في الأرض لشرعه. فهذا شهيد في الأحكام الدنيوية فلا يغسل ولا يصلى عليه ويدفن بثيابه التي قتل فيها بعد أن ينزع عنه الحديد والسلاح، وشهيد في الآخرة له أجره عند ربه جنات عدن تجري من تحتها الأنهار، ومغفرة من الله ورضوان.
الحالة الثانية: أن يقتل في ميدان المعركة، وكان هدفه من القتال غنيمة أو سمعة رياء أو عصبية أو حزبية ونحو ذلك، فهذا شهيد في الأحكام الدنيوية لا يغسل ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه التي قتل فيها، لكنه غير شهيد في الآخرة لسوء نيته فلا ينال منزلة الشهداء وما أعده الله لهم من الفضل العظيم.
الحالة الثالثة: أن يقتل في غير ميدان المعركة كمن جرح في المعركة، ثم بقي زمناً وأكل وشرب ثم مات، وكان هدفه من الجهاد إعلاء دين الله وجعل الحاكمية في الأرض لشرعه، فهذا لا يأخذ أحكام الشهيد الدنيوية فيغسل ويصلى عليه ويكفن ولكنه شهيد في الآخرة لحسن نيته ونبل مقصده من قتاله أعداء الله.
خامساً: في حالة كثرة القتلى في المعارك مع العدو فإنه يجوز جمع أكثر من قتيل في قبر واحد كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بشهداء أحد.
سادساً: للمجاهد في سبيل الله الأخذ من الزكاة ليستعين به على الجهاد في سبيل الله إذا لم يكن له راتب من ديوان الجند، وله أخذ الهبة على الجهاد في سبيل الله، وأخذ الجعل من بيت المال أو من غيره إذا لم يكن له راتب في ديوان الجند. ولا يجوز له أخذ الأجرة على الجهاد لأنه إذا حضر صف القتال صار فرض عين في حقه ولا يجوز أخذ الأجرة على فرض العين. ويجوز للمجاهد أخذ نصيبه من الغنائم ولا يحل له أخذ شيء من الغنائم بدون إذن الإمام ولا قبل قسمة الغنائم بين الجند، لأن ذلك غلول محرم، إلا ما احتاج إليه من مطعم ومشرب ونحو ذلك بقدر الحاجة. وللمجاهد أخذ النفل الذي يعطيه الإمام على عمل قام به لأن في ذلك تحريضاً على القتال.
سابعاً: لا يجوز له الخروج مع القائد الفاجر إذا كان فجوره على نفسه، لأن في ترك الخروج مع القائد الفاجر دعوة إلى ترك الجهاد في سبيل الله. ولا يجوز الخروج بالقرآن الكريم إلى أرض العدو إذا خيف عليه منهم أن تناله أيديهم بالتحريف والإهانة.
ثامناً: لا يجوز قتال الكفار وغزوهم في ديارهم إلا بعد دعوتهم إلى الإسلام وبيان الحق لهم، فإن أبوا دعوا إلى دفع الجزية والدخول في حماية المسلمين ولهم دينهم، فإن أبو فالقتال آخر الحلول حتى يسلموا أو يعطوا الجزية.
تاسعاً: الاستعداد لقتال الكفار والأخذ بكل وسائل القوة أمر مطلوب وذلك في جانبين:(3/341)
الأول: الإعداد المعنوي ويتمثل ذلك في الإيمان بالله عز وجل، والتوكل عليه، والثقة بنصره لجنده، وعدم الخوف من كثرة العدو وعدتهم وتطور سلاحهم مهما بلغ عددهم وقوتهم، وهذه قوة معنوية عظيمة لا توجد عند غير المجاهد في سبيل الله. الثاني: الإعداد الحسي ويتمثل ذلك في جميع أنواع وصنوف القوة في العدد والعدة والتدريب واستخدام أحدث الطرق والوسائل في القتال مع العدو سواء في كيفية القتال: أو في التجسس ومحاربة العدو نفسياً بالطرق المختلفة، أو بامتلاك الأسلحة وإظهار القوة ووضع وسائل الردع الممكنة لحماية المسلمين من العدو واتباع الخطط المرسومة من القادة والثبات عند لقاء العدو حتى يتحقق النصر بإذن الله.
عاشراً: أخلاقيات المجاهد عند القتال. عند قتال العدو يجب على المجاهد في سبيل الله التخلق بأخلاقيات الإسلام في القتال مع العدو؛ فلا يجوز قتل النساء والأطفال والعجزة والمرضى وأصحاب الصوامع والفلاحين والرعاة ما لم يشاركوا في القتال، أو يعنوا بالرأي والمشورة والتحريض، وهؤلاء يسمون الآن "المدنيون" ولا يجوز الاعتداء على أعراض العدو، ولا المثلة بجثثهم، ولا الإجهاز على الجرحى منهم، ولا يجوز هدم المنازل ولا إحراق المزارع والمدن إلا في حالة الحاجة إلى ذلك لمصلحة سير المعارك بقدر الحاجة وبإذن الإمام. ولا يجوز قتل العدو بأسلحة مدمرة تؤثر على من لا يجوز قتله من العدو مع إمكانية استخدام أسلحة أقل تأثيراً وحصول المقصود بها من تحقيق النصر على العدو. ولا يجوز إهانة الأسرى من العدو ولا تعذيبهم حتى يختار الإمام ما يراه مناسباً في حقهم، ويجب الالتزام بالمعاهدات والاتفاقات التي حصلت بين المجاهدين والعدو واحترامهم وعدم الغدو والخيانة.
هذه أخلاقيات الإسلام في الجهاد في سبيل الله؛ لا يقاتل من العدو إلا من هو أهل للقتال حتى يسلم أو يدفع الجزية ويكون في حماية المسلمين ويبقى على دينه الذي يريد. يعيش في ظل عدالة الإسلام لا يعتدى على عرضه ولا على نفسه ولا على ماله، له مال المسلمين وعليه ما عليهم. فلينظر العالم الحائر في هذا الزمن إلى هذه الأخلاقيات العظيمة السماوية، وإلى ما يرتكبه أهل الكفر مع المسلمين اليوم في الحروب البشعة التي يشنها العدو في كثير من دول العالم على أقليات من المسلمين لا حول لهم ولا طول، وكيف أنهم يقتلون النساء والأطفال والعجزة ويمثلون هم وينتهكون الأعراض ويهلكون الحرث والنسل ويسعون في الأرض الفساد.
الحادي عشر: المجاهد في المعاملات:
1 - يجوز للمجاهد شراء السلاح من العدو وكذا ما يحتاجه من الطعام وشراب ونحو ذلك.
2 - لا يجوز للمجاهد التعامل بالربا مع الحربي في بلاد الكفر ولا في غيرها.
3 - لا يجوز للمجاهد بيع السلاح للعدو، ولا رهن سلاحه عند الحربي، ويجوز عند أهل الذمة عند الحاجة إلى ذلك.
4 - يجوز للمجاهد استعارة السلاح واستئجاره ويضمنه إذا تلف بتعد منه.
5 - للمجاهد أخذ لقطة دار الحرب، فإن كانت من مال الكفار فهي غنيمة توضع في الغنائم وإن كانت لمسلم فتأخذ أحكام اللقطة، وإن لم يعرف لمن تكون فيعرفها سنة فإن كانت لمسلم أعطاه إياها وإن كانت لكافر وضعها في الغنائم.
6 - يجوز للمجاهد وقف ماله وسلاحه في سبيل الله.
7 - إذا خرج المجاهد للجهاد في سبيل الله وجب عليه أن يوصي بالحقوق الموجودة عنده والتي لا بينه عليها، ويسن له أن يوصي بشيء من ماله في سبيل الخير.
8 - المفقود في المعركة لا يقسم ماله، ولا تنكح زوجته حتى ينقطع خيره، وتمضي مدة طويلة قدرها بعض أهل العلم بأربع سنوات على الأرجح.
الثاني عشر: المجاهد في النكاح:(3/342)
1 - لا ينكح المجاهد في الأسر ولا يطأ زوجته إذا كانت معه في الأسر إلا إذا خاف على نفسه من الوقوع في الزنا بشرط أن يعزل عنها حتى لا يختلط نسبه أو يولد له ولداً فيكون رقيقاً.
2 - إذا آلى المجاهد من زوجته وبقي في الجهاد حتى انتهت مدة الإيلاء طلب منه أن يفيء بالقول إذا عجز أن يفيء بالجماع لانشغاله بالقتال، فإن أبى طلق عليه القاضي.
3 - للمجاهد إرجاع زوجته من طلاق رجعي وهو في المعركة ولو لم تعلم إلا أنه يلزمه إعلامها، أو إعلام وليها، والإشهاد على الرجعة فإن كتمها الرجعة فاعتدت وتزوجت وهو غائب في الجهاد فإنها زوجته، ونكاح الثاني باطل على الراجح من أقوال أهل العلم.
4 - عدة زوجة المجاهد إذا قتل في المعركة لا تختلف عن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، وإن كانت حامل بوضع الحمل، وتحسب العدة من يوم الوفاة على الراجح من أقوال أهل العلم.
5 - خروج المجاهد للجهاد في سبيل الله لا يسقط عنه وجوب نفقة الزوجة والأولاد بل تجب عليه النفقة، فإن قتل في المعركة أنفق على زوجته وأولاده من عطائه في ديوان الجند حتى تتزوج الزوجة ويبلغ الأبناء ويتزوج البنات.
الثالث عشر: المجاهد في القصاص:
1 - إذا فعل المجاهد فعلاً يوجب قصاصاً في النفس أو فيما دون النفس أو حداً من الحدود أخذ به، لكنه لا يقام عليه في أرض الحرب وإنما يقام عليه بعد الرجوع من القتال للحاجة إليه في الجهاد.
2 - لا يجوز للمجاهد قتل نفسه عمداً سواء كان في الأسر أو كان ممن ينفذ عمليات انتحارية يقتل فيها نفسه.
3 - إذا قتل المجاهد مسلماً خطأ في المعركة لزمته الدية على العاقلة وعليه الكفارة عتق رقبة فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين.
الرابع عشر: المجاهد في القضاء:
1 - خروج المجاهد للجهاد في سبيل الله لا يسقط عن الحقوق والواجبات الواجبة للغير عليه، فللمدين مطالبته بالدين الحال ويلزمه الوفاء إذا كان قادراً على السداد، أو توكيل من يقوم بذلك عنه، وللزوجة مطالبته بالنفقة والطلاق إذا خافت على نفسها الوقوع في الزنا لطول غيابه مع إمكانية رجوعه إليها إلى غير ذلك من الحقوق.
2 - تقبل شهادة المجاهد على غيره إذا تحققت الشروط وانتفت الموانع وتقبل شهادة بعض المجاهدين لبعض إلا إذا وجدت شبهة التهمة كالشهادة بشيء من الغنائم قبل قسمتها. هذه أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، وأوصي في الختام بما يلي:
أ- أن على العسكري المسلم استشعار الجهاد في سبيل الله في نفسه وهل يلتحق بالسلك العسكري، ولا ينظر إلى ميزات مادية أو اجتماعية.
ب- على الجهات المسؤولة عند الجند إحياء الجهاد في سبيل الله في نفوس العسكر معنى وسلوكاً وإشعارهم أن كل ما يتلقون من علوم عسكرية وتدريبات ومهارات في استخدام الأسلحة إنما ذلك إعداد لهم للجهاد في سبيل الله.
ج- ينبغي على المسلمين اليوم أن يحيوا في نفوس الناشئة المسلمة الجهاد في سبيل الله بسماته التي جاءت بها الشريعة المطهرة.
د- الحذر من التهاون في شأن الجهاد وترك الاستعداد بالعدد والعدة، فإن التهاون في الجهاد طريق موصلة إلى الذلة والهوان وتسلط الأعداء.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/343)
أحكام المريض في الفقه الإسلامي
Oإسماعيل محمد ميقا
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الثالثة
سنة الطبع:
1401هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مريض - أحكام
الخاتمة
أهم النتائج التي توصلت إليها
الذي يمعن النظر بعين الاعتبار في الشريعة الإسلامية يجد أن مبناها وأساسها على الحكم ومصالحه العباد وقطب الفلاح والسعادة في الدارين. فهي عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظلة في أرضه وهي عمود صلاح العالم، ما ذل المسلمون في عقر دارهم إلا بعدما تركوا تعاليمها السمحة وعندما يعودون إلى رشدهم يصبحون هداة وسادة العالم يوصلون ماء الحياة والغذاء والدواء الشافي إلى جسد البشرية المريض، اللهم انصر دينك وأقم علم الجهاد ليعود المسلمون إلى هداهم ونورهم إنك سميع مجيب.
أهم نتائج هذا البحث تتلخص في الفقرات التالية:
1 - عناية الشريعة الإسلامية باليسر ورفع الحرج وقد ظهر هذا جلياً فيما شرعه الله للمرضى والمسافرين من رخص للتيسير والتخفيف.
2 - ما يصيب المسلم من مرض أو وعكة يترتب عليه تكفير لذنوبه ورفع درجاته في الآخرة ويظهر بذلك أن الإسلام كله عدل ورحمة ومصلحة للمسلم.
3 - جواز التيمم لكل من خاف ضرراً من استعمال الماء سواء خاف الهلاك أو تلف عضو أو زيادة المرض أو إبطاء برئه وذلك تخفيف من الله ورحمة بعباده المؤمنين. وهو الرأي الذي رجحته في بحث تيمم المريض.
4 - الإسلام دين الإنسانية يحمل في طياته كل الخير ويراعي في تشريعاته الجانب الروحي والجانب الجسدي وظروف الحياة ويظهر ذلك جلياً في تخفيفه كثيراً من التكاليف عن المريض والمسافر والحائض والنفساء وغيرهم في ظروف حياتهم تلك.
5 - تحديد المرض المؤثر في التخفيف عن المريض وانتقاله من تكليف إلى تكليف أخف وأيسر متروك لأهل الخبرة بالطب أو للمريض نفسه. كما توصلت إلى أنه يجوز الأخذ بمشورة الطبيب الكافر إذا كان ثقة وماهراً بالطب.
6 - في بحث التيمم توصلت إلى أنه يتيمم لكل فريضة في وقتها أما النوافل والفوائت فيجوز أن يصليها بتيمم واحد وهو القول الذي رجحته.
7 - أنه لا دليل على الجمع بين غسل السليم من العضو والتيمم والمسح في بحث المسح على الجبيرة قلت والأرجح من ذلك أنه يكتفي بالمسح على الجبيرة بعد غسل الأعضاء السليمة، أما إذا اضطر إلى التيمم فإنه يكتفي به بدون مسح ولا غسل.
8 - في مبحث طهارة المستحاضة رجحت المذهب القائل بأن طهارة المستحاضة هو الوضوء لكل صلاة وأنه لا يجب عليها الغسل إلا مرة واحدة عندما ترى أن حيضها قد انقطع.
9 - في الفصل الثاني: مبحث أحكام الصلاة
بينت أن المريض يصلي على قدر حاله ولا يرفع شيئاً إلى وجهه ليسجد عليه إذا عجز عن السجود على الأرض. وفي المبحث الثالث بينت أن من أصيب بوجع في عينيه وأشار عليه الطبيب بأن يصلي مستقلياً ليمكن علاجه جاز له أن يصلى على تلك الحال، وفي المبحث الرابع اخترت القول بأن المغمى عليه لا قضاء عليه إلا أن يفيق في جزء من وقت الصلاة فيقضيها كمن أفاق قبل طلوع الفجر فيصلي المغرب والعشاء.
10 - في المبحث السادس رجحت القول بجواز إمامة القاعد المعذور وأن المأمومين لا يتابعونه في الجلوس بل يصلون خلفه قياماً وصلاتهم صحيحة.
11 - في الفصل الثالث في مبحث أحكام صيام المريض رجحت القول بأن كل مرض يضر صاحبه بالصوم يباح الإفطار معه كما رجحت المذهب القائل بوجوب الفدية على الشيخ الكبير وهو مذهب الجمهور. وفي مبحث الحامل والمرضع إذا خافتا على ولديهما رجحت القول بأنه ليس عليهما إلا القضاء ولا فدية عليهما.
12 - في مبحث الحج عن المعضوب والمريض الذي لا يرجى برؤه رجحت القول بوجوب الحج على المعضوب إذا كان عنده زاد وراحلة ووجد من ينيبه أو له ابن يطيعه.
كما رجحت القول بأنه لا يجوز لمن لم يحج عن نفسه أن يحج عن غيره وفي مبحث الإحصار رجحت القول بأن الإحصار المذكور في الآية المراد به حصر العدو وأما من أحصر بمرض فلا يحل حتى يطوف بالبيت – هذا إذا لم يكن قد اشترط عند إحرامه.
وفي مبحث طواف الوداع استأنست لقول مالك في أن طواف الوداع سنة لا شيء على تاركه.
وقلت ينبغي السير على هذا القول بالنسبة إلى العاجز كالمريض ونحوه.
13 - في مبحث الطلاق رجحت القول بأن المطلقة في مرض موت زوجها ترث في العدة وبعدها ما لم تتزوج أو ترتد.(3/344)
أحكام المسابقات في الشريعة الإسلامية وتطبيقاته المعاصرة
Oعبدالصمد بن محمد بلحاجي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مسابقات - جوائز
الخاتمة
أهم النتائج التي توصلت إليها
بعد أن وفقني الله سبحانه وتعالى إلى إتمام هذا البحث واستعراض فصوله ومباحثه توصلت إلى جملة من النتائج أوردها على النحو التالي:
1 - عرف فقهاء المذاهب السَّبْق بتعريفات مختلفة، عدا الشافعية فلم يعرفوا السَّبْق تعريفاً اصطلاحياً، وعلى هذه التعاريف مآخذ، والتعريف المختار هو: السَّبْق عقد بين طرفين أو أكثر على المغالبة بينهما في المجال الرياضي أو العلمي ونحوه، لمعرفة الفائز منهما، بعوض أو بدونه.
2 - السبق جائز سواءً كان بين اثنين أو بين فريقين لثبوت دليل السنة بذلك، خلافاً لابن أبي هبيرة الذي منع السبق إذا كان بين فريقين.
3 - لعقد السبق ثلاثة أركان وهي:
أ- المتعاقدان. ب- المعقود عليه. جـ- الصيغة.
ولا يشترط في المتعاقدين الذكورة، فيجوز إجراء السَّبْق بين النساء لتنمية قدراتهن القتالية، لأن المرأة مخاطبة بالقتال إذا كانت قادرة عليه في حالة ما إذا كان الجهاد فرض عين عليها، وفي حالة ما إذا كان الجهاد فرضاً كفائياً فهي غير مخاطبة بالقتال، ولكن قد يتحتم عليها القتال للدفاع عن نفسها كأن يعتدي عليها أحد الكفَّار.
ويشترط في المتعاقدين الإسلام، ولا يجوز السَّبْق بين المسلم والكافر إلا في حالتين:
أ- أن يكون الكافر حاذقاً في مجال من مجالات السباق، فيقصد المسلم من التسابق معه اكتساب الخبرة في هذا المجال.
ب- أن يكون المسلم حاذقاً في مجال من مجالات السباق، فيقصد حينئذٍ من التسابق مع الكافر كسر سورته وتكبره بإظهار الغلب للمسلمين، مما يبعث في قلوب الكفار الرعب، أو يبعثهم على الدخول في الإسلام إذا رأوا قوته وعزته.
4 - عقد السَّبْق عقد مستقل بذاته له أحكام يتميز بها عن غيره من العقود الأخرى، كعقد الإجارة أو عقد الجعالة أو عقد النذر، فبين عقد السَّبْق وهذه العقود أوجه اختلاف رئيسة.
أما عن وجود أوجه اتفاق بين عقد السَّبْق وبين أحد هذه العقود فهذا لا يعني أنهما عقدان متداخلان، لأن هذا لا يخلو منه أي عقد، فعقد البيع وعقد الإجارة بينهما أوجه اتفاق، ومع هذا فكل عقد مستقل عن الآخر.
5 - إذا تم إجراء السبق بدون عوض فلا يتصور دخول القمار فيه لغياب عنصر المال، أما إن كان السَّبْق بعوض فإنه يتصور وجود القمار فيه، وذلك في حالة ما إذا أخرج كلا الطرفين عوضاً ولم يدخلا بينهما محللا؛ لأن كلا الطرفين دخلا على أن يغنما أو يغرما على حد سواء، أما إذا أخرج أحد الطرفين عوضاً، أو أخرجه أجنبي عنهما فلا يتصور وجود القمار، لعدم استواء الطرفين المتسابقين في الغنم والغرم.
6 - جواز السبق بعوض على الإبل والخيل والنضال، ومن باب أولى إن كان السبق بدون عوض، ويقاس عليها كل ما كان في معناها مما يستعمل في قتال الأعداء، وإن لم ير ذكرها في الحديث أخذاً بعموم قوله تعالى: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ}.
7 - إذا اشتمل السَّبْق على الشطرنج على أحد الأمور التالية فإنه يكون محرماً:
أ- أن يكون سببا في ترك واجب أو فعل محرَّمٍ.
ب- أن يشتمل على الفحش والخنا في الأقوال.
ج- أن يكون السبق على عوض سواء كان من الطرفين أو من أحدهما، أو كان المخرج للعوض أجنبياً عنهما.
د- أن يلعبه مع من يعتقد تحريمه.
هـ- أن تكون بيادق الشطرنج مصورة كلها أو بعضها بصورة حيوان.(3/345)
فإن خلا عن هذه العوارض فيجوز إجراء السبق فيه، لثبوت اللعب به عن سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين وهشام بن عروة وهم من التابعين ولم يثبت ما يعارض ذلك.
ويشترط عدم الإدامة، فإن داوم عليه فأقل الأحوال أنه مكروه، وذلك لأنه لا فائدة كبيرة مرجوة منه، ولما فيه من إضاعة الوقت سدى الذي هو أعز ما يملك الإنسان.
8 - الألعاب الرياضية التي فيها خطورة كألعاب السيرك مثلا بأنواعها، يجوز إجراء السَّبْق فيها بشروط:
أ- أن يكون السَّبْق مجاناً، أي بدون عوض.
ب- أن يكون اللاعب حاذقاً لهذه اللعبة.
جـ- أن يغلب على ظن اللاعب السلامة من الأخطار التي تحيط بهذه الألعاب.
أما الرياضات التي فيها خطورة وهي داخلة في الإعداد للجهاد في سبيل الله كالقفز بالمظلات من الطائرات العسكرية، فيجوز إجراء السبق فيها وعلى عوض، بشرط أن يغلب على الظن السلامة من الأخطار المحيطة بهذه الأنواع من الرياضات.
9 - لا يجوز اللعب بالنرد مطلقاً، سواء كان ذلك على عوض أو كان خالياً منه، وذلك لإطلاق الأحاديث الصحيحة الواردة في النهي عن اللعب به؛ فلم تفرق بين ما كان على عوض وما كان على غير عوض، والأصل حمل المطلق على إطلاقه حتى يرد التقييد.
10 - لا يجوز إجراء السبق بين الحيوانات بالتحريش بينها للتصارع ومعرفة الفائز منها لسببين:
أ- لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التحريش بين البهائم.
ب- لما فيه من تعذيب للحيوان دون حاجة أو منفعة في ذلك.
11 - حرمة اللعب بالورق – الشدة – مطلقاً سواء كان ذلك على عوض أو كان بدون عوض، قياساً على النرد فكلاهما يعتمدان على الحزر والتخمين، ونصوص فقهاء المذاهب تدل على ذلك، عدا الشافعية فإنهم نصوا على تحريمها.
وكل لعبة معتمدها الحزر والتخمين حكمها حكم اللعب بالورق قياسا على النرد للجامع بينهما، وهذا الضابط وضعه الشافعية لمعرفة حكم ما يستجد من الألعاب في الأوقات اللاحقة، وهذا الضابط وإن لم يصرح به أئمة المذاهب الأخرى فنصوصها تدل عليه.
12 - رياضة السبق على الأقدام والمصارعة وغيرها من الرياضات كرياضة الجودو والكارتيه في عصرنا، يجوز بذل العوض فيها، لأن هذه الرياضات لها دور كبير في تنمية القدرات القتالية لدى الجيش الإسلامي.
13 - الجائزة لازمة في عقد السَّبْق، إذ يجب الوفاء بها، ويقضى بها على المغلوب إن امتنع، لأنه متى ما علم أن المغلوب لا يلزمه تسليم الجائزة إن غلب، فإن المنافسة تفتر وهي المقصد الأساسي من بذل العوض في السَّبْق، فالمنافسة كلما كانت أقوى كلما ارتفعت المهارات والكفاءات للمتسابقين.
14 - يجوز أن يكون المخرج للجائزة إمام المسلمين أو الوالي عنه من ماله الخاص أو من بيت مال المسلمين، أو يكون المخرج أحد الرعية يخرجها من مال نفسه، نظراً لما في ذلك من المصلحة والنفع للمسلمين. كما يجوز أيضاً أن يكون المخرج أحد المتسابقين، وهذا باتفاق الفقهاء.
أما إذا كان المخرج للجائزة المتسابقين معاً فالصحيح جواز هذه الصورة بشرط إدخال محلل بينهما يحلل العقد فيخلصه من القمار، ويحلل الأخذ فيأخذ إن سبق ويؤخذ به إن سبق.
ويشترط في المحلل ما يلي:
أ- أن يكون كفئاً للمتسابقين.
ب- ألا يخرج شيئاً من المال وإن قَلَّ.
جـ- أن يأخذ الجائزة إن جاء سابقاً ولا يغرم شيئاً إن جاء مسبوقاً.
15 - ضابط الشروط التي ينبغي توافرها في كل مسابقة رياضية معينة على الجهاد والتي لم ينص الفقهاء رحمهم الله على شروطها، أن تكون هذه الشروط تحقق أكبر قدر ممكن من المساواة بين المتسابقين، لأن موضوع السبْق المساواة، ولا يبقى إلا فارق الحذق بينهم الذي يعرف بإقامة المسابقات، ويرجع في اشتراط هذه الشروط إلى أهل الاختصاص في كل رياضة.(3/346)
16 - متى ما تم السبق وكان فاسداً، فإن كان السابق هو المخرج للجائزة أمسكها، وإن كان السابق الطرف الآخر لم يستحق شيئاً لأنه لم يعمل للباذل شيئاً حتى يستحق أجرة المثل، ونفع عمله إنما يعود إليه لا إلى الباذل.
17 - متى ما طرأ لأحد المتسابقين ما يؤثر على نفسه كالمرض، أو لآلته ما يعوق استعمالها إلى غير ذلك من الأعذار القهرية التي تمنع المتسابقين من إتمام السَّبْق، فإنه يتم تأخير السبق إلى زوال العارض، وإلا أجل إلى وقت آخر محدد.
18 - يمنع المتسابقون من التشاغل وتضييع الوقت أثناء السَّبْق للتشغيب عن صاحبه، والذي له سلطة المنع هو الحكم، لذا يشترط فيه أن يكون عادلاً بين الطرفين، وأن يتقيد في توجيه العتاب للمتسابقين بما يؤدي المقصود دون مبالغة أو زيادة.
ويجوز للمتسابق مدح نفسه والافتخار عند التفوق ما لم يصل به ذلك إلى حد العجب والكبر، أما تشجيع المتفرجين فيجوز لهم ذلك، لما فيه من تحريض المتسابق على زيادة الجهد للفوز بالسباق، بشرط ألا يصل ذلك إلى أذية الطرف الآخر من المتفرجين بجميع أنواع الإيذاء.
19 - ضابط فسخ عقد السَّبْق وعدمه أن كل ما يعتبر تعيينه وتلف، فإنه يفسخ العقد ولا يقوم غيره مقامه، وما لا يتعين يجوز إبداله لعذر وغيره، وإذا تلف قام غيره مقامه.
20 - يجوز إجراء مسابقات علمية في مختلف العلوم وتكريم الفائز بجائزة، ويشترط لصحتها عدة شروط وهي:
أ- أن يكون المجال الذي يجري فيه السَّبْق نافعاً ومفيداً للمسلمين.
ب- أن يكون العوض مبذولاً من طرف أجنبي عن المتسابقين أو يكون مبذولاً من أحد المتسابقين، فإن كان العوض مبذولاً من الطرفين، فإنه لا يصح السبق إلا بإدخال محلل بينهما.
جـ- تعيين المتسابقين، فلا يصح إجراء السبق مع إبهامهم، لأن الغرض معرفة حذق المتسابق بعينه.
د- أن يكون سبق كل واحد من المتسابقين ممكناً بأن يكون هناك تقارب بينهم في المستوى العلمي.
21 - المختار في المسابقات العلمية التي تجريها بعض المجالات عدم الجواز للأسباب التالية:
أ- عدم تعيين المتسابقين، مع أن الغرض من المسابقة معرفة حذق المتسابق بعينه، ونتيجة لعدم التعيين فاحتمال لجوء المتسابق إلى غيره للإجابة عن الأسئلة كبير، وبالتالي قد يكون الفائز غير متعلم أصلاً.
ب- عدم التكافؤ بين المتسابقين على فرض عدم استعانة أحدهم بغيره للإجابة، والواجب تحقيق التكافؤ ما أمكن بين المتسابقين بحيث لا يبقى إلا فارق الحذق بينهم.
جـ- وجود القمار في هذه المسابقة وإن كان خفياً غير ظاهر، ووجه ذلك أن للمجلة ثمناً معيناً، وهذا الثمن مقسط على جميع أجزاء المجلة بما في ذلك ورقة الأسئلة والمكان المخصص للإجابة، فالمتسابق عندما يشترك في هذه المسابقة يكون قد دفع ثمناً لهذه القسيمة، فإذا خسر يكون قد خسر هذه القيمة وإن كانت ضئيلة، وإذا فاز فإنه يكون قد دفع مالاً قليلاً ليربح مالاً كثيراً، فهو إذن متردد بين الغنم والغرم وهذا هو حد القمار.
22 - المسابقة التي تجريها إحدى القنوات الفضائية تحت عنوان "من سيربح المليون لا تجوز للأسباب الآتية:
أ- لوجود القمار فيها في حالة ما إذا أجاب عن السؤال وأخفق فإنه يخسر المال الذي كان في ملكه.
ب- طبيعة الأسئلة كثير منها مناف للشرع كالأسئلة التي تطرح عن أفلام هابطة أو ممثلين ومغنين لا أخلاق لهم، أو تكون الأسئلة تافهة جداً.
جـ- المتسابق في حالة ما إذا عجز عن الإجابة على السؤال فإنه يحق له الاستعانة بثلاث وسائل مساعدة للوصول إلى الإجابة الصحيحة، وبالتالي ينتفي مقصود إجراء المسابقة وهو معرفة حذق المتسابق لأنه إذا أجاب إجابة صحيحة فليس ذلك بحذقه وإنما بحذق الآخرين.(3/347)
23 - حرمة اليانصيب مطلقاً سواء كان تجارياً أو خيرياً، لأن صورة القمار فيه واضحة، ولا يتذرع لجواز اليانصيب الخيري بأن مقصده نبيل، لأن فيه سلوك الواسطة الحرام للوصول إلى الهدف المشروع، والإسلام لا يقبل مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة".
24 - شهادات الاستثمار ذات الجوائز، والتي تسمى شهادات الاستثمار فئة (جـ) محرمة لا يجوز الاشتراك فيها لأنها تعد من باب القرض الذي جر نفعاً وهو محرم باتفاق العلماء.
25 - السبق الذي تجريه المحلات التجارية، وعلى إثره تعطي الفائزين في السحب جوائز جائز، وتعد الجوائز المقدمة للزبائن هدايا من الشركة لهم، وهو تبرع محض منها لاستجلاب أكبر عدد ممكن من الزبائن، وهذا الجواز مشروط بشرطين:
أ- أن يشتري الزبون السلعة من المحل التجاري الذي يجري فيه هذا النوع من السَّبْق بسعر أمثالها في السوق.
ب- ألا يترتب على هذا النوع من السَّبْق التجاري ضرر بالتجار الآخرين أو بالزبائن المشتركين.
26 - التمثيل جائز بضوابط وهي:
أ- أن يستهدف مصلحة الدين والعلم والأخلاق، لا أن يدعو إلى منكر أو فحش، أو يخدم مبدأ هداماً أو عقيدة كافرة.
ب- إذا كانت التمثيلية تستعرض وقائع تاريخية، فيشترط تصويرها كما حصلت في الواقع، فلا يجوز تمثيل أمور غير واقعية بواسطة الكذب والتزوير في التاريخ الإسلامي.
جـ- ألا يمثل شخصيات تاريخية لها قداستها في نفوس المؤمنين، كشخصيات الأنبياء، والرسل عليهم الصلاة والسلام.
ويجوز إجراء مسابقات بين المنتجين لهذه التمثيليات، لإذكاء روح المنافسة بينهم، وتكريم الفائز، وذلك لأهمية التمثيل في بث الوعي الإسلامي بين أفراد المجتمع وتوضيح كثير من القضايا الدينية، وإقناع المجتمع بفكرة ما أو إبراز فساد سلوك ما.
27 - الغناء أو ما يسمى في عصرنا بالأناشيد الإسلامية مباح بشروط وهي:
أ- ألا يشتمل الغناء على كلمات مخالفة للشرع مثل الغزل الفاحش أو الهجاء.
ب- ألا يكون داعياً إلى معصية أو يدعو إلى مذهب مناقض للإسلام.
جـ- أن يقتصر في ألحانه على الترجيع والتطريب اليسيرين دون ترجيع وتطريب أهل الفسق والمجون، المشتمل على التكسر والتهييج.
د- إلا يكون هناك تشبه بالأغاني المائعة من ناحية أوزانها وألحانها.
هـ- ألا يشتمل الغناء على آلات اللهو المحرّمة.
ويجوز إجراء مسابقات بين المنشدين وتكريم الفائز بجائزة، لما أصبح للأناشيد في زماننا من دور كبير في تذكير الفرد المسلم بأمجاده وتاريخه، وإذكاء روح الجهاد في نفسه، وإشعاره بالمسؤولية تجاه الإسلام والمسلمين.
28 - رياضة كرة القدم يجوز إجراء السبق فيها إذا كان مجاناً، أما إجراؤه على عوض فلا يجوز، وذلك لأنها ليست من وسائل الإعداد للقتال.
29 - كل رياضة تقوم على الإيذاء والإيلام فإنه لا يجوز إجراء السبق فيها، سواء كان ذلك بعوض أو بغير عوض، وذلك كرياضة الملاكمة ورياضة مصارعة الثيران.
هذا الذي خلصت إليه من النتائج فإن كان صوابا فمن توفيق الله وحده، وإن كان مجانباً للصواب فمني ومن الشيطان، وأسأل المولى عز وجل أن يتقبل مني هذا العمل ويجعله خالصاً لوجهه الكريم.
والحمد لله رب العالمين(3/348)
أحكام المسح على الحائل من خف وعمامة وجبيرة
Oدبيان بن محمد الدبيان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - مسح خفين
الخاتمة
بعد نهاية التطواف في أحكام المسح على الخفين والعمامة والجبيرة نخرج من هذا البحث بفوائد منها:
الفائدة الأولى: أن جل مسائل أحكام المسح على الخفين نجد أن قول الجمهور فيها خلاف القول الراجح، مما يؤكد لطالب العلم أن الكثرة لا تدل على الإصابة، فكم من قول تبناه الجمهور، وهو قول ضعيف من جهة الأثر والنظر، فينبغي لطالب العلم أن يكون نظره في الدليل، وفي الدليل فقط ولا ينظر من قال به، وكنت أزعم أن طالب العلم لو جمع في أحكام العبادات ما خالف فيها الجمهور القول الراجح لخرج من ذلك بمجلد كبير، بل مجلدات.
الفائدة الثانية: أن مسائل الإجماع في هذا الباب قليلة جدا، وذلك لأن أصل الباب، وهو المسح على الخفين أنكره بعض السلف، وبعضهم ادعى أنه منسوخ بآية المائدة.
الفائدة الثالثة: أكثر شروط المسح على الخفين لا دليل عليها من الأثر، ولا من النظر الصحيح.
الفائدة الرابعة: كثرة الأحاديث في المسح على الخفين، بل إن الأحاديث الواردة في المسح على الخفين أعظم بكثير من أحاديث الحيض والاستحاضة والنفاس، وأكثر من أحاديث التيمم، مع أن هذين البابين أهم بكثير من المسح على الخفين، كل ذلك من أجل توكيد المسح على الخفين، ورفع الريبة في حكمهما، والله أعلم.
الفائدة الخامسة: ما رجحته في مباحث هذا الكتاب كالتالي:
رجحت جواز المسح على الخفين والجوربين والنعل والعمامة والخمار، كما ملت إلى ترجيح الغسل على المسح من بعض الوجوه.
كما رجحت أن المسح على الخفين رافع للحدث.
وأن من به حدث دائم يحق له المسح كغيره.
وأنه يجوز المسح على الخف المتنجس في استباحة مس المصحف ونحوه مما لا تشترط له الطهارة من النجس، بخلاف الصلاة، فإنه يجب عليه أن يكون طاهرا في بدنه وثوبه وبقعته، والله أعلم.
ورجحت المسح على الخف المحرم، سواء كان التحريم لحق الله أم لحق الآدمي، وذلك لأن التحريم عائد على أمر خارج عن المسح.
كما رجحت جواز المسح على الخف المخرق، سوء كان الخرق يسيرا أم كبيرا ما دام يمكن له أن يلبسه، وينتفع به.
كما رجحت جواز المسح على الجوارب التي تصف البشرة لرقتها، وأنه لا يوجد دليل على اشتراط أن يكون الجورب صفيقا.
كما بينت ضعف مذهب المالكية في اشتراط كون الخف من جلد.
ورجحت أن يكون لبسه للخف على طهارة مائية، فلو تيمم، ولبس الخف، فإذا وجد الماء وجب خلع الخف، لعود الحدث السابق للبدن.
كما رجحت جواز لبس الخف بعد طهارة إحدى القدمين، وأنه يشترط أن تكون القدمان كلاهما طاهرتين، وإن كان الأحوط مراعاة ذلك.
والمسح على الحائل لا مجال للقياس فيه، فلا يمسح إلا ما ورد به النص من خف وجورب وعمامة، فلا يجوز أن يمسح على القفازين، ولا على ما تطلي به المرأة أظفارها، ونحو ذلك.
كما رجحت بأن النية شرط في المسح على الخفين.
وأما صفة المسح فيكفي مسح أكثر ظاهر الخف، وأكره غسل الخف بدلا من مسحه، ولا يشرع تكرار المسح على الخفين، وأن يبدأ باليمنى حال المسح، وإن بدأ بهما معا فلا حرج، وأن ابتداء المدة من أول مسح بعد الحدث، وأن الراجح في المسح على الخفين بأنه عبادة مؤقتة، يوما وليلة للمقيم، وثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ورجحت جواز لبس الخف على الخف، وإذا مسح خفا تعلق الحكم به، فإذا خلعه، ثم أعاده، لم يمسح عليه إلا إن لبسه على طهارة مائية، ولا تنتقض الطهارة بمجرد خلع الخف.(3/349)
ورجحت جواز المسح على العمامة، وعلى خمار المرأة، وعلى القلانس، وأن المسح على العمامة لا يتشرط أن تكون محنكة أو ذات ذؤابة، ولا يشترط لبس العمامة على طهارة، ومسحها غير مؤقت على الصحيح، وإذا خلع العمامة لم تبطل طهارته، ولا يشترط استيعاب العمامة بالمسح.
وفي المسح على الجبيرة رجحت أن المسح لم يرد في نص مرفوع مع كثرة ما يصيب المسلمين من جراح، وهم أهل جهاد، فلو كان مشروعا لجاء ما يبين هذا الحكم، خاصة أنه يتعلق بأعظم العبادات العملية، وهي الصلاة، وأن المشروع هو التيمم، لأنه نوع من المرض، والله أعلم.
وهذه المسائل التي رجحتها لا تعدو أن يكون فهما معرضا للخطأ والصواب، والتقصير والقصور، وهذا الفهم قد توافقني عليه، وقد تخالفني، ولا يكلف الإنسان إلا بما ظهر له، فإن أصاب فله أجران، وإلا كان له أجر، وهذا من لطف الله سبحانه وتعالى حيث لم يحرم المجتهد إذا أخطأ من الأجر، فهو على النصف من أجر المصيب، وما على الإنسان إلا أن يستفرغ وسعه في البحث والتحري للقول الراجح، وأن يبذل ما يستطيع في فهم النصوص، وأن يتحرى العدل والإنصاف، وأن يكون كالقاضي بين الخصوم، ينظر في حجة كل قول، ويتحرى أقربها للحق والعدل، وأن يبتعد عن التقليد الأعمى، فما وهنت الأمة، ولا ذلت، إلا بتركها الجهاد والاجتهاد في دينها، ففي الجهاد كمال القوة، وفي الاجتهاد كمال العلم والمعرفة. قال سبحانه وتعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}.
وفي الختام أسأل الله سبحانه وتعال بلطفه ورحمته وكرمه وعفوه أن يتجاوز عني، وأن يغفر لي ذنبي كله، وأن يسددني في القول والعمل، وأن يجعل ما علمنا حجة لنا لا علينا، وأن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح إنه ولي ذلك والقادر عليه. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.(3/350)
أحكام المشاع في الفقه الإسلامي
Oصالح بن محمد السلطان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده على توفيقه وتيسيره لإنهاء هذا البحث وإتمامه، وأشكره على ما حباني به من صنوف نعمه ....
وبعد:
فقد آن لي أن أختتم هذا البحث، ليس دعوى مني بوصول الكمال، ولكن هذا غاية جهدي، فإن كان عملي هذا صواباً وحسناً فمن الله، وله جزيل الحمد والثناء، وإن كان غير ذلك فمني، والله يتولاني بمغفرته وعطفه وإحسانه.
هذا ويعد عرض أحكام المشاع بأبوابه وفصوله ومباحثه ومطالبه ومسائله وفروعه وصوره وحالاته، ظهر لي نتائج وثمار طيبة بحمد الله منها:-
1 - عظمة الشريعة الإسلامية وشمولها ووفاؤها بجميع متطلبات البشر، وتنظيمها لحياتهم تنظيماً دقيقاً، وفي هذا رد على دعوى القائلين بقصورها، وعجزها عن مسايرة ركب الحضارة، ومستجدات العصر.
2 - أن الفقه الإسلامي ثروة عظيمة ومعين لا ينضب استمد منه الفقهاء هذه الأحكام الخالدة، وفي قواعده وأصوله باب مفتوح لكل مجتهد إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
3 - أن الشركاء في الماء الذي لا يكفي لطهارتهم جميعاً لا يقدم أحدهم بل يباح لهم التيمم إلا أن يكون فيهم ميت، فإن الأولى تقديمه على القول المختار.
4 - أن خلطة الأعيان المشاعة مؤثرة في زكاة السائمة تقليلاً وتكثيراً، ولا يشترط ملك النصاب لكل واحد من الشركاء، وإنما المشروط ملكهم جميعاً للنصاب على القول الراجح، وأن القول بتأثير خلطة الأعيان المشاعة في غير السائمة قوي في الأموال الظاهرة دون الباطنة.
5 - أن زكاة الفطر عن الرقيق المشاع لازمة على الشركاء، كل بقدر حصته.
6 - جواز الاشتراك في الهدي إذا كان إبلاً أو بقراً، وإجزاء كل منهما عن سبعة لصراحة الأدلة في ذلك وقوتها، وضعف المعارض لها.
7 - جواز الاشتراك في الأضحية إذا كانت إبلاً أو بقراً، وإجزاء البقر عن سبعة، وفي إحزاء الإبل عن عشرة خلاف قوي.
8 - صحة بيع أحد الشركاء لنصيبه من المشاع، وبيعه جزءاً مشاعاً من ملكه، واستثنائه، وفي صحة بيعه لنصيب شريكه الخلاف في تصرف الفضولي، والأظهر صحة تصرفه وتوقف تنفيذ العقد على إجازة شريكه.
9 - أن في صحة بيع أحد الشركاء لنصيب معين من المشاع كبيعه نصيبه من شقة من عمارة ذات شقق، خلافاً – والراجح الصحة-، كما أنه يترجح ضمان الشريك البائع لنصيب شريكه إذا سلم المشتري جميع المشاع فتلف.
10 - أن قبض المشاع متصور وممكن بالتخلية إن كان عقاراً وبقبض الجميع بعد إذن الشريك، أو بتوكل المشتري له أو بنصب الحاكم من يقبض الكل.
11 - أن رهن المشاع جائز، سواء كان مما يقبل القسمة أو لا يقبلها، وسواء رهن جميع نصيبه أو جزءاً معيناً منه، وإذا وفَّى الراهن أحد المرتهنين انفكت حصته من الرهن، وكذلك إذا وفَّى أحد الراهنين المرتهن انفك نصيبه.
12 - أن الشيوع في ربح الشركة شرط لصحتها، واشتراط شيء معين يبطلها بلا خلاف، وفي شرط التساوي في الربح خلاف، والصحيح عدم اشتراطه وجواز التفاضل فيه بخلاف الخسارة فإنه يشترط التساوي فيها بنسب رؤوس الأموال بلا خلاف، إلا المضاربة فإن الخسارة على رب المال.
13 - صحة المزارعة بالجزء الشائع على القول الصحيح، وبطلانها إذا شرط شيء معين بلا خلاف، كما أن الصحيح صحة مزارعة أحد الشريكين شريكه، كذلك فإن الصحيح زرع أحد الشريكين نصيبه من الأرض المشتركة إن طلب من شريكه أن يزرع معه أو يهايئه فامتنع ولا أجرة له على شريكه إذا أذن له الحاكم.(3/351)
14 - صحة المساقاة وكذلك المغارسة بالجزء الشائع على القول الصحيح، كذلك صحة مساقاة أحد الشريكين شريكه أو مغارسته على القول الصحيح.
15 - صحة إجارة الشريكين للمشاع بلا خلاف، وصحة إجارة أحد الشريكين نصيبه على القول الأظهر، كذلك فإن الأصح صحة الإجارة بجزء مشاع من الإنتاج.
16 - صحة إعارة الشريكين للمشاع بلا خلاف، وصحة إعارة أحد الشريكين نصيبه على الأصح.
17 - أن الغاصب إذا غصب نصيب أحد الشريكين دون نصيب الآخر فإن الغصب يختص بمن أراده الغاصب على القول الأظهر، كما أن الغاصب شريكاً للمغصوب منه – إذا خلط المغصوب بمثله بقدر ما خلط على الصحيح.
18 - أن الشفعة تثبت في العقار المشاع الذي يمكن قسمته بلا خلاف، وفيما لا يمكن قسمته خلاف، والأظهر ثبوتها فيه، وكذلك ثبوتها في غير العقار، كما أن الأظهر ثبوتها بالشركة في المرافق الخاصة، وكذلك ثبوتها في الشقص المنتقل بعوض غير مالي أو بغير عوض.
19 - أن للشفيع أخذ نصيب من أحد الشريكين على الراجح إذا باعا صفقة واحدة، كما أن له أخذ نصيب أحد المشتريين على الراجح إذا اشتريا نصيب شريكه، وأخذ أحد العقارين إذا بيعا صفقة واحدة، وأما استحقاق الشفعة فإنه على عدد رؤوس الشركاء لا على قدر أنصبائهم عل القول الأظهر، كما أن الأظهر أن الشفعة ليست على الفور. وإنما للشفيع تأخير الطلب ويحدد له مدة تتسع لتأمل مصلحته، ويحصل بها مقصوده عرفاً.
20 - أن إيداع أحد الشريكين للمشاع غير جائز؛ لأنه يتصرف في ملك غيره بغير رضاه بخلاف إيداعهما له. فإن ذلك جائز، فإذا حضر أحدهما فطلب تسليم نصيبه وكان من ذوات الأمثال جاز للمودع تسليمه بخلاف ما لو لم يكن ذوات الأمثال، فإنه لا يجوز له تسليمه.
21 - أن هبة المشاع والتصدق به، ووقفه جائزة على القول الصحيح، كما أن للموقوف عليهم أن ينتفعوا بالوقف كيفما شاءوا من غير قسمة عينه فإنها لا تصح على القول الأظهر لما فيها من حرمان الطبقة الثانية والثالثة.
22 - أنه لا خلاف في صحة الوصية بالمشاع، ومن أوصى بمشاع يظنه قليلاً، فبان كثيراً فأراد الرجوع فإنه له ذلك على الصحيح، كذلك فإن الوصية بالمنفعة جائزة بلا خلاف.
23 - أن أحد الشريكين إذا أعتق نصيبه من المشترك، فإنه يعتق عليه جميعه إن كان موسراً، ويقوم عليه نصيب شريكه، وإن كان معسراً فإن العبد يسعى في نصيب الشريك الآخر على القول الأظهر، كما أنه إذا أعتق بعض عبده فإنه يعتق عليه جميعه موسراً كان أو معسراً على الصحيح، كذلك فإن مكاتبة الشريكين للعبد مع التفاضل في الأنجم جائزة على الصحيح، وكذا إذا كاتب أحدهما العبد في نصيبه أذن شريكه فيها أو لم يأذن، ويترتب على هذه المكاتبة عتق العبد إذا أدى ما كوتب عليه إن كان المكاتب موسراً، وضمن لشريكه قيمة نصيبه، وإن كان معسراً سعى العبد في نصيب الشريك على القول الأظهر. كذلك فإن تدبير أحد الشريكين لنصيبه جائز، ويترتب عليه عدم سريان التدبير إلى نصيب شريكه موسراً كان أو معسراً، فإذا مات المدبر عتق نصيبه إن خرج من الثلث، وسرى إلى نصيب الآخر إن كان الثلث يفي بقيمته وإلا سعى العبد في نصيب الشريك.
24 - إنه ليس لأحد من الشريكين أن يستقل بعقد نكاح الجارية المشاعة من غير صاحبة بلا خلاف، كذلك لا خلاف في صحة جعل المشاع صداقاً أو عوضاً عن الخلع.(3/352)
25 - إذا قبض أحد الشريكين نصيبه من دين مشترك لهما على شخص فإن لشريكه الدخول معه ومشاركته فيما قبض إن كان القابض قبض قبل أعذار شريكه في القبض معه وإلا لم يكن له مشاركته على القول الأظهر، أما إذا أذن لشريكه في القبض فإنه لا يشاركه فيما قبض على الصحيح تحقيقاً لمعنى الإذن، وإن تلف النصيب المقبوض – بغير إذن- فإنه يضمن لشريكه نصيبه مما قبض على الراجح، وكذلك إن تصرف في المقبوض بهبة أو بيع أو استهلاك ونحو ذلك، فإنه يضمن.
26 - أنه لا يجوز لأحد الشريكين تأجيل نصيبه من الدين على الصحيح وإذا أجل فليس له الرجوع على شريكه على القول الأظهر، وإذا تقاسم الشريكان الدين فإن هذه القسمة صحيحة على القول الأظهر، وسواء كان الدين في ذمة واحدة، أو في ذمم متعددة.
27 - أن عفو أحد الشركاء في العبد المقتول عن القصاص جائز، ولا يقتص من قاتله إلا بإجماع الشركاء فيه على القصاص.
28 - أن عفو بعض أولياء المقتول عن القصاص جائز على الصحيح إن لم يكن القتل غيلة، فإن كان غيلة، فإن عفوه لا أثر له على الراجح، ويتحتم القصاص، كما أن غيبة أحد الأولياء أو جنونه أو صغره تمنع من استيفاء القصاص إذا لم يكن القتل غيلة على الصحيح، فإن كان غيلة فلا أثر للغيبة والجنون والصغر حيث يقتل على كل حال.
29 - أن الواحد إذا قتل جماعة فاتفق أولياؤهم على قتله بهم فإنه يقتل بهم، وليس لهم غير ذلك، وإن اختار أحدهم القود والآخرون الدية، فإنه يقتل لمن أراد القود ويعطى أولياء الأخرين الديات من ماله سواء كان المختار للقود أولياء من قتل أولاً أو ثانياً، وسواء قتلهم دفعة واحدة أو مفترقين على القول الصحيح، وإن تشاحوا على قتله وعلم الترتيب، فإنه يقتل بالأول وللباقين الديات، وإن لم يعلم الترتيب أو كان قتلهم دفعة واحدة فإنه يقدم أحدهم بالقرعة، وللباقين الديات على القول الراجح، ومثل هذا ما إذا كانت الجناية دون النفس واستحقوا القصاص كما لو قطع إيمانهم.
30 - أن الضمان بسقوط الأملاك المشاعة على الأنفس والأموال يلزم الشركاء بإبلاغهم تضرره وخشية سقوطه، فإن كان المبلغ واحد لزمه من الضمان بقدر نصيبه على الأظهر، وإن لم يبلغوا فإن الراجح عدم تضمينهم إذا لم يعلموا، وإن كانوا يعلمون فإنهم يضمنون على القول الراجح.
31 - إن وطء أحد الشريكين للجارية المشتركة لا يوجد الحد، وإنما يعزر الواطئ، وفي مقدار التعزير خلاف، والراجح أنه يعزر بمقدار ما يراه الإمام.
32 - إن قذف الواحد للجماعة يوجب لكل واحد حداً إن طلبوه على الراجح، وإن كان المقذوف واحداً فمات، فإن للورثة المطالبة به، فإن عفا بعضهم فإنه يحد للباقين ولا أثر لعفوه على الصحيح.
33 - أن سرقة أحد الشركاء من المشاع لا تسقط الحد إذا كان المسروق نصاباً زائداً على حقه، ولم يكن له تصرف في المال على القول الراجح إذا كان المسروق معروف القيمة، ولا يحتاج إلى تقويم، فإذا كان مما يحتاج فيه إلى التقويم، فإنه لا بد أن يكون ظاهر الزيادة وإلا فإن الراجح عدم القطع.
كذلك فإن سرق أجنبي من المشاع وطالب بعض الشركاء دون بعض فإنه يقطع إن كان المسروق من المطالب يبلغ نصاباً على القول الراجح.(3/353)
34 - أن العين إذا ادعاها شخصان ولا بينه لهما فإنه يقضى بها بينهما على الشيوع بعد أيمانهما على الصحيح، وكذلك الحكم إن أقام كل منهما بينه على دعواه، هذا إن كانت العين بأيديهما، فإن كانت العين في يدي غيرهما، ولا بينة لهما وادعاها من كانت بيده، فإنه يقضي له بها مع يمينه، فإن لم يدعها فإنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف واستحق العين على الصحيح، هذا إذا لم يقر من كانت العين بيده – أنها لأحدهما ولم يعينه، فإن أقر أنها لأحدهما وعينه فإنها تكون لمن عين بعد يمين كل من المعين والمعين له، وإن أقر بها لهما فإنه يقضي بها بينهما، وإن كان لكل واحد بينة فإن يقرع بينهما في الأظهر.
وإن لم تكن العين بيد أحد ولا بينه أو لكل واحد بينه فإنه يقرع بينهما فمن خرجت قرعته أخذها، وإن تداعى شخصان وديعة عند شخص آخر ولا بينه لواحد منهما فإن كذبها حلف لكل واحد منهما، وبقيت العين بيده، وإن أقر بها لأحدهما قضى له بها مع يمين المودع، وإن أقر بها لهما فإنه نكل قضي لهما بعوضها معها في الأظهر وإن أقر بها لأحدهما لا بعينه فإنه يقرع بينهما، فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها في الأظهر وإن أقام كل واحد منهما بينه على دعواه فإنه يقرع بينهما في الأظهر.
35 - أن اللقطة إذا ادعاها اثنان ووصفاها في وقت واحد فإنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف وأخذها على القول الراجح، وإن وصفاها واحد بعد الآخر وكان الوصف من الثاني قبل دفعها للأول فإنه يقرع بينهما على الراجح، وإن كان الوصف من الثاني بعد دفعها للأول فإنه لا يستحق شيئاً هذا إذا لم يكن لها بينة، وإن كان لكل واحد بينة فإنه يقرع بينهما على القول الأظهر فمن قرع حلف وأخذها.
36 - أن الزوجين إذا اختلفا في متاع البيت فما يصلح للرجال فهو للرجل مع يمينه، وما يصلح للنساء فهو للمرأة مع يمينها، وما يصلح لهما فإنه يقضى به بينهما.
37 - أن الرجلين إذا ادعيا عيناً بيد رجل وعزيا الدعوى إلى سبب يقتضي اشتراكهما، كالإرث فأقر لأحدهما بنصفها، فإن الأخر يشاركه وإن عزيا الدعوى إلى سبب لا يقتضي اشتراكهما، فإن الآخر لا يشاركه، وإن لم يتعرضا إلى سبب الملك فإن الآخر يشاركه في الأظهر. وإن أقر شخص أن ما بيده فيه شركة لفلان، إن له تفسيره بما شاء على القول الراجح، وكذلك فإذا قال له في هذه العين سهم.
38 - إن أحد الورثة إذا أقر بدين على التركة وأنكر بقيتهم ولم يحلف المقر له على دينه فإنه يلزم المقر من الدين بقدر ميراثه في الأظهر، وإن حلف المقر له أخذ جميع دينه من جميع التركة، وكذلك الحال إن شهد أجنبي أو وارث آخر مع المقر.
39 - أن التصرف في الحائط المشترك بفتح الأبواب والنوافذ والبناء لا يجوز من غير إذن جميع الشركاء، وإذا انهدم الحائط بنفسه وامتنع أحد الشركاء من البناء، فإنه يجبر إذا كان حاجزاً وسترة بين الدارين في الأظهر، وإن هدمه أحد الشريكين لمصلحة الحائط، كخوف سقوطه فإنه لا يجبر على إعادته وحده، ويجبر مع شريكه، وإن كان الهدم لمصلحة الهادم أو من غير حاجة إلى هدمه، فإنه يجبر على إعادته في أصح قولي العلماء. فإن كان المنهدم السقف الذي بين صاحب السفل وصاحب العلو فإن الممتنع منهما يجبر على البناء في الأظهر، فإن انهدم جميع السفل وامتنع صاحب العلو من مساعدة صاحب السفل في حيطانه فإنه لا يجبر؛ لأنها ملك صاحب السفل، وإنما يجبر صاحب السفل على إعادتها ليصل العلو إلى حقه من الانتفاع بعلوه على القول الصحيح.(3/354)
40 - إنه لا يجوز لأحد من أهل الطريق المشترك أن يتصرف فيه بغير رضاهم بلا خلاف، فإن أذن له بعضهم – ولا ضرر عليهم في الحال- فإنه لا يجوز له التصرف على القول الراجح لما يترتب عليه من الضرر في ثاني الحال. كما أنه لا يجوز له فتح باب فيه من غير إذنهم على القول الراجح. فإذا أراد أن يفتح باباً بين دارين كل واحدة على درب غير نافذ جاز له ذلك في الأظهر، كذلك فإنه يجوز له سد بابه وفتح باب آخر، من غير سد لبابه الأول، بشرط عدم الإضرار بجاره على القول الراجح.
41 - أنه لا يجوز لأحد من الشركاء في مجرى للماء أن يتصرف فيه، وإذا احتاج إلى إصلاح فإنهم يقومون بالإصلاح جميعاً، فإن امتنع أحدهم أجبر فإن عمَّره أحدهم بإذنهم أو بإذن الحاكم من غير إذن أحد ونوع الرجوع، فإنه يرجع على الصحيح ويملك منعم من الانتفاع، حتى يؤدوا قسطهم من النفقة. ون أراد أحدهم أن يأخذ من الماء قبل أن يصل إلى مواضع القسمة جاز له ذلك إن لم يضر بالمجرى أو بالشركاء، فإن كان ثمت ضرر لم يجز له الأخذ، ويجوز لكل واحد من الشركاء أن يتصرف بنصيبه من الماء كيفما شاء، كأن يسقي به أرضاً ليس لها رسم شرب من هذا المجرى على القول الصحيح، فإن تنازع الشركاء في قدر الشرب من المجرى، فإنه يجعل على قدر أملاكهم على القول الراجح.
42 - أنه يجوز لكل واحدٍ من المشتريين، أن يفسخ في نصيبه عند ظهور العيب في المبيع، وكذلك عند شرط الخيار لهما على القول الراجح، لأنه في حكم عقدين. فإن ورث اثنان خيار عيب فرضي أحدهما بالعيب وأراد الآخر الرد لم يجز له؛ لأنهما يقومان مقام المورث ولا يجوز له تبعيض الصفقة، فإن رد المشتري على أحد البائعين نصيبه جاز إذ تعدد البائع تعدد العقد.
43 - إنه لا يجوز لأحد المرتهنين أو أحد العدلين أن ينفرد بحفظ الرهن على الصحيح، وكذلك الحال بالنسبة للوكيلين في الحفظ أو الوصيين. فإن كانت الوكالة لشخصين بالتصرف، فإنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالتصرف في أمر لا يحتاج فيه إلى الرأي، كإعتاق عبده، وقضاء دين في الأظهر، وكذلك الحال بالنسبة للوصيين في التصرف سواء أذن أحدهما للآخر أو لم يأذن، ومثل ذلك أيضاً تصرف ناظري الوقف حيث لا يجوز أحدهما أن ينفرد بالتصرف على الصحيح سواء أذن له شريكه أو لم يأذن له، لما فيه من مخالفة شرط الواقف.
44 - أن المشاع إذا كان يحتاج إلى نفقة وامتنع أحد الشركاء من الإنفاق وكان المشاع ما يحتمل القسمة، فإنه لا يجبر الممتنع، وإنما يقسم بينهم، وإن كان مما لا يحتمل القسمة فإنه يجبر على الصحيح.
وإن كان الملك محتاجاً إلى ما يحفظ أصله كالحراسة ونحوها فإنه يجبر على الإنفاق.
45 - الأصل أن الشرك في كل عين مالك له حقوق الملك فيما يملك منها وله منافعه وثمراته وذلك بالنظر إلى حصته الشائعة فيها، وبالنظر إلى حصة غيره من الشركاء فإنه أجنبي ليس له حق التصرف إلا بولاية من الشريك، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز لأحدهم أن ينفرد بالانتفاع بالعين ولو بمقدار نصيبه لما يترتب عليه من الانتفاع بنصيب شريكه، نظراً لشيوع حقيهما، وقد استثنى بعض الفقهاء من هذا الأصل صوراً منها: الانتفاع مع غيبة الشريك، لكن الراجح عدم صحة هذا الانتفاع، ومنها: إذا طلب أحد الشريكين في الأرض من شريكه أن يزرع معه أو يهايئه فامتنع، فإنه يجوز له الانتفاع بقدر نصيبه بعد إذن الحاكم على الصحيح.(3/355)
46 - ومنها أن المهايأة: هي قسمة المنافع، أي اختصاص كل شريك بمشترك فيه عن شريكه فيها زمنا معيناً من متحد أومتعدد، وهي مشروعة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وهي على نوعين: زمانية ومكانية، وإذا اتفق الشركاء عليها كان لهم ذلك، وإن طلبها أحدهم وامتنع الآخرون وكانت مما تحتمل القسمة فإنها تقسم بينهم، وإن كانت مما لا تحتمل القسمة ولم يطلب بيعها وإنما طلب المهايأة، أو كانت مما تحتمل القسمة ولم يطلب أحد منهم قسمتها، فإن الممتنع من المهايأة يجبر عليها على القول الراجح.
47 - أن قسمة الأعيان: تعيين النصيب الشائع في جزء معين، وإفرازه عن غيره من الأنصباء بحيث يكون متميزاً ومستقلاً وهي مشروعة بدلالة الكتاب والسنة والإجماع، والاعتبار، والراجح في قسمة الأعيان أنها إفراز لا بيع فيما ورد عوض فهي بيع في المردود فيه.
وتنقسم من حيث الذات إلى قسمة أجزاء وقسمة تعديل، وقسمة رد، ومن حيث الرضا والإجبار إلى رضائية وإجبارية، ومدار القسمة على الرضا والإجبار.
48 - أنه إذا طلب أحد الشريكين في مكيل أو موزون من نوع واحد أن يقسم بينهما فإنه يجاب إلى ذلك.
فإن كانت المكيلات والموزونات أنواعاً مختلفة فطلب أحدهما قسم كل عين على حدتها أجيب إلى ذلك، وإن طلب قسمتها أعياناً بالقيمة وامتنع الآخر لم يجبر على ذلك.
فإن كان بينهما أعيان أخرى غير المكيل كالثياب مثلاً فطلب أحدهما قسمة كل ثوب وأمكن ذلك من غير ضرر فإنها تقسم، وإن لم تمكن هذه القسمة فطلب قسمتها أعياناً بالقيمة وامتنع الآخر فإنه يجبر على القول الراجح، هذا إذا كانت الأعيان جنساً واحد، فإن كانت أجناساً متعددة كثياب وأوان فطلب قسمة كل جنس على حده أجيب إلى ذلك. هذا إذا لم يترتب على القسمة ضرر أو رد عوض. فإن ترتب على القسمة رد عوض فامتنع أحدهما فإنه يطلب منه الرضا على بالقسمة، فإن امتنع طلب من الآخر أن يأخذ ما فيه رد عوض فإنه امتنع لم يجبر منهما على القول الراجح.
وإن ترتب عليها ضرر بهما كالعين التي تحتمل القسمة فدعا أحد الشريكين إلى بيعها فإنه يجبر الآخر على القول الراجح – والمقصود بالضرر المانع من القسمة على القول الراجح- هو ما لا يمكن معه انتفاع أحد من الشركاء بنصيبه مفرداً كما كان ينتفع به مع الشركة.
وإن ترتب عليها ضرر بأحدهما وكان الطالب للقسمة من لا يستضر بها فإن الآخر لا يجبر عليها، وإن كان الطالب لها من يستضر بها ولم يكن له غرض من هذه القسمة فإن الآخر لا يجبر عليها وإن كان له غرض صحيح أجبر الآخر عليها على القول الراجح.
فإن كان بين الشريكين علو وسفل وتراضيا على قسمته جاز كيفما تراضيا عليه، وإن أراد أحدهما القسمة وامتنع الآخر وكان يريد قسمتها علو وسفلاً قسمة واحدة، ولا ضرر في ذلك فإنه يجبر الممتنع على القول الراجح، وإن أراد قسمة العلو وحده أو السفل وحده وترك الآخر على الإشاعة أو أراد قسمة العلو وحده بينهما والسفل وحده بينهما لم يجبر.
49 - أنه إذا طلب أحد الشريكين في أرض مزروعة قسمتها دون الزرع وامتنع الآخر، فإنه يجبر عليها، وإن طلب قسمة الزرع دون الأرض وكان الزرع بذراً فلا خلاف في عدم الجبر وإن كان قصيلاً، فالراجح أن المرجع في الجبر وعدمه إلى القاضي، فإن رأى له منفعة بقطع الزرع أجبر الممتنع وإلا فلا. وإن كان الزرع حباً مشتداً فلا خلاف في عدم الإجبار، وإن طلب قسمة الأرض وفيها بذر لم يخرج الممتنع، وكذلك الحال إن طلب قسمتها والزرع قصيل أو بذر مشتد، وإن تراضيا على القسمة فيها صحت على القول الصحيح.(3/356)
50 - أن المقصود بقسمة الجمع: جمع نصيب الشريك من أعيان مشتركة وإفرازه في عين واحدة لا يشاركه فيها غيره، أما قسمة التفريق فهي إفراز نصيب الشريك من كل عين من الأعيان المشتركة على حدتها ولا تدخل قسمة الجمع المشترك إذا كان أجناساً متعددة، وإنما تدخله قسمة التفريق وقسمة الجمع لا تدخل إلا الجنس الواحد عند انتفاء الضرر، فإذا أراد أحد الشريكين قسمة الدور المشتركة قسمة جمع وامتنع شريكه فإن الممتنع لا يجبر على القول الراجح إلا أن تكون الداران في محلة واحدة ومتساويتين في كل شيء.
وإن كان المشترك داراً ذات بيوت أو عمارة ذات شقق متلازقة، فإن الممتنع من قسمة الجمع يجبر عليها على القول الراجح، وكذلك الحال بالنسبة للأرض التي لا يمكن فيها التسوية بين الشريكين في الجيد والرديء، حيث تعدل أجزاؤها ويجبر الممتنع من القسمة عليها.
51 - أن قسمة الأراضي والبساتين إجباراً ترجع إلى نظر القاضي على القول الراجح، وكذلك قسمة الحوانيت إجباراً حيث ينظر القاضي في الأصلح من الجبر وعدمه فإن أراد بعض الشركاء قسمة بعض الملك دون بعض وكان الملك غير منقول فإنه لا يجبر لما في الجبر من منافاة للمعنى الذي شرعت له القسمة، وإن كان الملك منقولاً ولا يمكن تعديله إلا بترك جزء منه على الشركة كما لو كان بينهما شياه، فإن الممتنع من القسمة يجبر عليها لانتفاء الضرر، فإذا تمت القسمة بين الشركاء في المشاع وكانت إجبارية فإنها تلزم بخروج القرعة بلا خلاف.
52 - إذا ظهر الغلط في القسمة فإنها تنقض سواء كانت إجبارية أو رضائية على القول الراجح، وإن ظهر عيب في نصيب أحد الشركاء فإن القسمة صحيحة مع ثبوت الخيار لمن ظهر العيب في نصيبه بين الفسخ أو الإمساك مع الرجوع بأرش العيب على القول الراجح، وإن استحق بعض المقسوم وكان معيناً في نصيب أحدهما، فإن القسمة لا تبطل ويثبت الخيار للمستحق من نصيبه بين نقض القسمة وبين الرجوع على صاحبه بنصف ما استحق منه معاً في يده، وإن كان المستحق معيناً في نصيبهما على السواء فإن القسمة لا تبطل بهذا الاستحقاق أيضاً على الصحيح، وإن كان المستحق شائعاً، فإن القسمة لا تبطل على الصحيح ويثبت الخيار للمستحق، هذا إن كان شائعاً في نصيبيهما، فإن كان شائعاً في نصيب أحدهما فإن القسمة لا تبطل على الصحيح، ولمن استحق بعض نصيبه الخيار بين الفسخ وبين الإمساك، والرجوع بباقي حصته.
53 - أن ظهور الدين بعد القسمة لا يبطلها إن كان له مال آخر سواه يمكن جعل الدين فيه بلا خلاف، وكذلك الحال إن لم يكن له مال وأراد الورثة وفاءه على الصحيح، وكذلك الحال إن ظهر موصى له بعد القسمة وكانت الوصية بمال غير معين.
فإن كانت بجزء معين من التركة وكان هذا المعنى في نصيب أحدهما فإن القسمة لا تبطل ويثبت الخيار للوارث الذي وقعت الوصية في نصيبه بين نقض القسمة وبين الرجوع على صاحبه بنصف ما استحق منه في يده، وإن كان معيناً في نصيبيهما، فإن القسمة لا تبطل، وإن كانت بجزء شائع من التركة فإن القسمة تبطل في الموصى به وتصح في الباقي، مع إثبات الخيار للموصى له على القول الراجح.
وبعد ... فهذه جملة موجزة من نتائج هذا البحث، وفي ثناياه نتائج وثمار كثيرة، أرجو الله جلت قدرته أن ينفع بها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.(3/357)
أحكام المعابد – دراسة فقهية مقارنة
Oعبدالرحمن بن دخيل العصيمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا – السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مساجد - أحكام وفضائل
الخاتمة:
وقد ظهر لي خلال بحثي النتائج التالية:
1 - أهمية الموضوع وحاجته للبحث والدراسة باستمرار؛ لعموم البلوى به في أكثر بلاد الإسلام، وكذلك؛ بسبب ما يواجهه بعض المسلمين المقيمين في البلاد غير الإسلامية من إشكالات كثيرة في تعاملهم مع المعابد غير الإسلامية.
2 - معابد الكفار مهما تعددت وتنوعت فأحكامها لا تختلف، فما ورد فيه الحكم في الكنيسة فهو ينطبق على بيعة اليهود وينطبق كذلك على معابد المجوس والبوذيين؛ لأن العلة واحدة وهي كونها جميعاً منشأة لعبادة غير الله.
3 - يوجد لكل ديانة من الديانات القديمة والحديثة معابد خاصة بها يمارس فيها أتباع تلك الديانات طقوسهم وعباداتهم، وقد تختلف كل ديانة في شكل معبدها ومحتواه وطريقة العبادة.
4 - الأصل أن معابد الكفار طاهرة، والصلاة فيها جائزة عند الحاجة، بشرط عدم وجود صور فيها، وإلا فتكون الصلاة فيها مكروهة.
5 - أداء المسلم للصلاة مستقبلاً معبداً من معابد الكفار جائز، مع أن تجنب ذلك أفضل لئلا يؤدي ذلك إلى تعظيمها.
6 - لا حرج في بناء المساجد مكان المعابد المهدومة، فالمكان بحسب ساكنيه ولا عبرة بما كان.
7 - بناء معابد الكفار بجانب المساجد في بلاد الإسلام، ووضعها في سور واحد أو بناء معبد واحد ليمارس فيه أي من أصحاب تلك الديانات صلاته هي خلط بين الحق والباطل، ومن الضلال المبين؛ لما يحتويه من اعتقادات كفرية مخالفة ومن ذلك أن في إقامتها بهذه الكيفية، فيه رضا بتلك الأديان وتصحيحاً لما يدينون به، وفيها مخالفة صريحة للكتاب والسنة بكون الدين الإسلامي هو المهيمن على جميع الأديان، وغير ذلك من المخالفات.
8 - الصلاة في تلك المعابد الموضوعة بجانب بعض، أو التي في سور واحد، أو موضوعة في مبنى واحد مشترك، إن كان القصد من وضعها بهذه الكيفية ما سبق من مقاصد مخالفة لأصول الدين المتفق عليها عند المسلمين، ولإذابة الفوارق بين أصحاب الديانات، وهذا غالباً ما يحصل في بعض بلاد المسلمين المتأثرين بمثل هذه الدعوات، ففي هذه الحالة لا يجوز الصلاة فيها، أما إذا كانت وضعت بدون هذا القصد فلا حرج في الصلاة في تلك المساجد كما حصل في فتح دمشق. وهذا قد يحصل أيضاً في بعض الأماكن العامة في بعض البلاد غير الإسلامية، حيث يضعون مكاناً واحداً لمن يريد أداء العبادة من أتباع أي دين، وقد لا يوجد مكان غيره يؤدي فيه المسلم صلاته فيجوز عندئذ الصلاة في هذه الأماكن.
9 - لا يجوز الذبح في المعابد، ولا للمعابد، ولا الأكل مما ذبح له أياً كان الذابح مسلماً أو كتابياً أو وثنياً. كذلك لا يجوز النذر لها.
10 - من حلف أن لا يدخل بيتاً فدخل معبداً فعلى حسب ما نواه فإن نوى عموم البيت فإنه يحنث، وإن كان لم يخطر له ذلك فلا يحنث، لأن الكلام ينصرف حينئذ إلى ما تعارف الناس إطلاق البيت عليه.
11 - لا يصح ولا يجوز إطلاق بيوت الله على المعابد الكفرية، لما يترتب على ذلك من الرضا بالكفر وعدم تكفير أهله.
12 - لا يجوز قصد دعاء الله في معابد الكفار، بل إن اعتقاد ذلك يعد كفراً صريحاً يخرج من الملة؛ لأن هذا الاعتقاد لا يصدر إلا من شخص يرى أن ديانة أصحاب تلك المعابد أفضل من الإسلام وفي هذا تكذيب لصريح القرآن، كذلك لا يجوز قصد تلك الأماكن للدعاء وتحري الإجابة؛ لعدم ورود الدليل على تخصيصها بفضل ومزية وهي كمن يقصد الدعاء عند القبور؛ لاعتقاد أن لها مزية ومكانة، أما من عرض له الدعاء عند دخوله بدون قصد منه ولا تخصيص فهذا مثله مثل الصلاة لا حرج فيه.(3/358)
13 - لا يجوز دخول المعابد لمشاركة الكفار في احتفالاتهم التعبدية وأعيادهم؛ لعموم النصوص الواردة في حرمة ذلك. أما حضور المناسبات العامة كالأعراس والولائم في المعابد فلا حرج في ذلك بشرط وجود المصلحة الراجحة في الحضور كرجاء إسلام الداعي، وعدم حصول منكر فيها كشرب خمر أو اختلاط. فمع توفر مثل هذه الضوابط لعل القول الأقرب جواز ذلك.
14 - من تردد على معبد من المعابد الكفرية، ولم يعرف من حاله أو من مقاله أنه يتردد لغرض مباح، واقترن ذلك أيضاً بقرائن لا تصدر إلا من كافر فإنه يحكم بكفر المتردد.
15 - إجارة الدار أو العقار لمن يتخذه معبداً، أو بيعه، أو إعارته، أو وقفه أو الوصية له، أو قيام المسلم بالمساعدة ببنائه، أو العمل داخله، كل هذا لا يجوز لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، ومن الإعانة على الكفر.
16 - إذا وجد لقيط في معبد فهو يختلف باختلاف واجده، وباختلاف المكان الذي وجد به، وباختلاف البلاد. فيحكم بإسلام اللقيط إذا وجد في بلاد الإسلام، ويحكم بكفره إذا وجد في معبد من معابد الكفار في غير بلاد المسلمين تغليبا للدار ولديانة ساكنيها، بخلاف ما لو كان هناك مسلمون فيحكم بإسلامه.
17 - يجوز للزوج المسلم منع زوجته الكتابية من الذهاب للمعبد؛ لأن ذهابها غير واجب في حقها وطاعته واجبة، كذلك لا يجوز للمسلم طاعة والديه في الذهاب بهم للمعبد؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، أما ملاعنة الزوجة الكتابية فيستحب أن تكون في معبدها تحقيقاً لتغليظ المكان الوارد ومبالغة في الردع والزجر.
18 - الصحيح أن جزيرة العرب يحدها من الثلاث جهات البحار، أما من الشمال فهي من حد البحر الأحمر الشمالي الشرقي وبمحاذاته شرقاً من مشارف الشام وريف العراق. وجزيرة العرب تختص بأحكام كثيرة منها أنه بالإجماع لا يجوز إحداث معابد الكفار فيها ولا إبقائها.
19 - لا يجوز إحداث المعابد الكفرية في البلاد التي اختطها أو مصرها المسلمون.
20 - المعابد القديمة في البلاد التي مصرها المسلمون يفعل الإمام الأصلح فيها، فمتى ما كان هناك مصلحة في بقائها فتبقى، ومتى انتفت المصلحة أو كان هناك مفسدة ببقائها فتهدم.
21 - المعابد القديمة التي وجدت في البلاد التي صولح عليها أهلها فهذه إن تم الصلح على أن الأرض لهم وللمسلمين الخراج فهناك إجماع بين العلماء على جواز إقرارهم على معابدهم القديمة، كما أنه يجوز لهم الإحداث، أما إن كان الصلح على أن الأرض للمسلمين وعليهم الجزية فهو حسب ما تم عليه الصلح في الإبقاء والإحداث، وفي حالة كان الصلح مطلقاً بدون تحديد فإنها تهدم القديمة ويمنعون من الإحداث.
22 - لا يجوز إعادة المنهدم من المعابد المقرة بيد أهلها إلا إذا كان هناك اتفاق وشرط بينهم وبين المسلمين في البلاد التي فتحت صلحاً.
23 - متى ما جاز إحداث المعابد جاز ترميمها وتوسعتها ونقلها من مكان إلى آخر، ومتى لم يجز ذلك فلا يجوز الترميم ولا التوسعة ولا النقل، كذلك ما تم إقرارها بيد أهلها فتبقى على ما أقرت عليه، ويمنعون من ترميمها وتوسعتها ونقلها. ويستثنى من ذلك فيما لو رأى الإمام المصلحة في نقل المعبد من مكان إلى آخر فله ذلك.
24 - لا يجوز تمكين الكفار من إظهار وإعلان شعاراتهم وصورهم وأصوات ورموز عباداتهم في البلاد التي أقروا فيها ولم يكن هناك مسلمون يعيشون معهم، بخلاف ما إذا صولحوا على شيء فهو على ما تم الصلح عليه. أما فعل ذلك داخل معابدهم بدون أن يحصل منهم أذية للمسلمين ولا إظهار لطقوسهم فلا حرج في ذلك.
25 - يكره دخول معابد الكفر عند وجود الصور فيها مع مراعاة الضوابط الشرعية، وقد يباح ذلك إذا كان لمقصد شرعي، كعيادة مريض، وطلب علم، ولإنجاز بعض المهام كتقسيم الغنائم، وكذلك الدخول للملاعنة.
26 - لا يجوز دلالة الكافر عندما يسأل عن أي معبد من المعابد الكفرية؛ لأنه من التعاون على الإثم. كذلك لا يجوز الاعتداء على المعابد المقرة بيد أهلها لا بهدم ولا سرقة ولا قضاء الحاجة فيها ولا غير ذلك من صور الاعتداء، كما لا يجوز قتل الراهب في المعبد إلا إذا صدر منه إعانة على المسلمين في حربهم.(3/359)
أحكام المقابر في الشريعة الإسلامية
Oعبدالله بن عمر بن محمد السحيباني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قبور - زيارتها
الحمد لله الذي بحمده تتم الصالحات , أحمده جل وعلا وأشكره , وأثني عليه وأستغفره، وأسأله المزيد من فضله ورحمته إنه جواد كريم وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين , أما بعد:
ففي هذه الخاتمة أحب أن أقف مع القارئ الكريم على أهم ما توصلت إليه خلال هذا البحث من فوائد ونتائج كانت حصيلة لمسائل كثيرة. فمن ذلك:
1 - أن القبر ودفن الإنسان بعد موته سنة جارية في الخليقة منذ أول ميت على وجه الأرض وهو مما أكرم الله عز وجل به بني آدم.
2 - أن إعداد القبر قبل الموت بشرائه جائز , أما حفره قبل الموت لشخص معين فإن كان في مقبرة مسبلة فهو حرام , وإن كان في ملكه فهو مكروه غير مستحب.
3 - اتفاق الفقهاء على جواز اللحد والشق في القبر وإن كان اللحد أفضل وأما الشق فالراجح أنه الأفضل عند الحاجة إليه.
4 - أن إعماق القبر مستحب، ليس له حد على الراجح، والمعتدل فيه إلى حد الصدر تقريبا ومما يستحب أيضا توسيع القبر وتحسينه.
5 - اتفاق الفقهاء على جواز إلقاء الميت في البحر إذا تعذر الوصول به إلى الساحل والراجح تثقيله ليرسب في البحر كما اتفقوا على كراهة التابوت واستثنى بعضهم حالة الحاجة.
6 - جواز الدفن في قبر الميت إذا بلي وصار ترابا وعدم الجواز إذا لم يبل أو كان فيه عظام من الميت الأول إلا أن يكون شيئا يسيرا على الصحيح.
7 - الراجح جواز أخذ الأجرة على حفر القبور كما يجوز أخذ الرزق على ذلك من بيت المال.
8 - أن الأحق بدفن الرجل الرجال من الأولياء وكذا المرأة والراجح أن أولى الناس بالمرأة زوجها وأن الرجال الأجانب أولى من النساء في دفن المرأة وأنه ليس لمن يدخل القبر حد من شفع أو وتر.
9 - جواز الدفن في كل الأوقات إلا الأوقات المكروهة فلا يجوز للمتحري لها وجواز الدفن بالليل إن كان لا يفوت بذلك حق للميت.
10 - أن إدخال الخشب في القبر مكروه إلا لحاجة وكذا إدخال القبر شيئا مسته النار وكذا يكره فرش القبر أو وضع مخدة تحت رأس الميت أو نحو ذلك.
11 - أن الأمر في طريقة إدخال الميت القبر واسع والأفضل هو الأسهل أما توجيه الميت إلى القبلة في القبر فهو واجب وذلك على الراجح وأما وضع الميت على جنبه الأيمن في القبر فهو مسنون بالاتفاق.
12 - استحب أكثر الفقهاء إسناد الميت في قبره ووضع شيء تحت رأسه وحل عقد كفنه ونصب اللبن على لحده والدعاء له في تلك الحال.
13 - اتفاق الفقهاء على استحباب ستر قبر المرأة عند إنزالها القبر واختلفوا في الرجل والراجح كراهة ذلك له أما حثو التراب في القبر فالراجح استحبابه وعدم استحباب ذكر معه.
14 - استحباب رفع القبر قدر شبر أو نحوه وعدم الزيادة على تراب القبر الخارج منه وعلى ذلك اتفاق الفقهاء واختلفوا في التسنيم والتسطيح أيهما أفضل والراجح أفضلية التسنيم للقبر.
15 - أن رش القبر بعد الفراغ من الدفن ووضع الحصباء عليه مستحب على الراجح أما وضع الجريد والورود على القبر فغير مشروع وكذا الكتابة على القبر وتجصيصه والبناء عليه ونحو ذلك كله حرام لا يجوز على الصحيح.
16 - اتفق الفقهاء على أفضلية الدفن في المقبرة واختلفوا في حكم الدفن في الدور ونحوها والراجح أنه مكروه كما ذكر الفقهاء أن الأفضل أن يختار لدفن الميت أفضل مقبرة في البلد, أما دفن الميت في المساجد ونحوها كالمدارس فهو حرام لأن في ذلك تعظيما للميت المدفون.
17 - أن السنة في الشهيد أن يدفن في مصرعه ولا ينقل إلى مكان آخر.(3/360)
18 - الراجح أن إفراد كل ميت في قبر مستحب في حال عدم الضرورة أما الضرورة فيجوز الجمع بين أكثر من ميت في القبر بالاتفاق.
19 - لا يجوز أن يدفن المسلم بين ظهراني الكفار أو مقابرهم إلا أن يتعذر نقله فيدفن في بلادهم لكن في غير مقابرهم أما الكافرة الحامل من رجل مسلم فالراجح أنها تدفن منفردة وكذا الحكم فيما اختلط موتى المسلمين بالكفار.
20 - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أن يدفن كافر في مقابر المسلمين , ولو مات ذمي بين ظهراني المسلمين يدفنونه وفاء بذمته لكن لا يراعى فيه هدي المسلمين وسنتهم وهذا هو حكم الحربي والمرتد على الصحيح أما من جهل حاله فلم يعرف هل هو مسلم أو كافر فالنظر والاعتبار في ذلك للدار التي هو فيها والعلامات وعلى ذلك الاتفاق.
21 - أنه يجب دفن أجزاء الميت أو أطرافه إذا وجدت كما ينبغي دفن ما ينفصل من الحي واتفقوا على وجوب دفن السقط إذا تبين فيه خلق الآدمي.
22 - إذا أوصى الميت بالدفن في مقبرة معينة من البلد فيعمل بوصيته ما لم يكن فيها ضرر أو محذور شرعي أما إن كانت الوصية تستوجب نقل الميت من بلد الوفاة إلى بلد آخر فللعلماء في ذلك خلاف الراجح فيه أن ذلك يختلف بحسب الأحوال والأماكن.
23 - أن زيارة المقابر للرجال مستحب وذهب إلى ذلك جماهير العلماء كما يستحب السلام على أهل المقابر والدعاء لهم عند الزيارة أو المرور بهم وعلى هذا اتفق الفقهاء والصواب أن يكون الزائر قائما مستقبل أهل المقبرة حال السلام عليهم.
24 - أن زيارة النساء للمقبرة محرمة تحريما مطلقا على الراجح من أقوال العلماء.
25 - أن السفر لأجل زيارة القبور محرم بل هو من البدع المحدثة في دين الإسلام وهذا هو الراجح.
26 - يستحب الإكثار من زيارة القبور من غير حد ومن غير وقت معين والصواب أنه ليس هناك وقت فاضل تستحب فيه الزيارة.
27 - أن زيارة مقابر الكفار جائزة لأجل الذكرى والاعتبار بحالهم وهذا قول جمهور العلماء ولا يجوز زيارة مقابرهم لغير ذلك أما زيارة الكافر قبر قريبه المسلم فتجوز لعدم المحظور.
28 - أن أكثر القبور والمشاهد الموجودة الآن والتي تزار ويقال إنها قبور لبعض الأنبياء أو الصحابة مكذوب مختلق أو مضطرب فيه وليست معرفة القبور بأعيانها من الدين الذي تكفل الله بحفظه.
29 - إن الصلاة عند القبور محرمة غير صحيحة على القول الراجح والقبر الواحد والقبور الكثيرة سواء في هذا الحكم وكذا حكم المسجد الذي بين القبور لا تصح الصلاة فيه إلا إذا أزيلت المقبرة بما يغير اسمها وإذا قصد المصلي بالصلاة عند القبر أو القبور التبرك بتلك البقعة فقد حاد الله وخالف دينه وشرعه.
30 - إن الصلاة على الجنازة في المقبرة جائزة على الصحيح من أقوال العلماء ما لم يكن في ذلك ذريعة إلى تعظيم القبور.
31 - عامة الفقهاء على أن الميت يصلى عليه في قبره إذا دفن من غير صلاة والراجح جواز الصلاة على القبر لمن فاتته الصلاة على الميت بل ذلك له مستحب وليس لذلك وقت معين لا تصح الصلاة بعده بل من كان من أهل الخطاب يوم وفاة الميت جاز له الصلاة على قبره.
32 - أن الأذان عند القبر وقت إنزال الميت ليس مشروعا بل هو من البدع المنكرة.
33 - مشروعية الدعاء للميت والاستغفار له بعد دفنه كما يشرع الدعاء له عند زيارة قبره والأفضل أن يكون مستقبل القبلة حال الدعاء أما دعاء الإنسان لنفسه عند القبر فمنهي عنه إذا تحرى ذلك وكذا ينهى عن دعاء أصحاب القبور بل ذلك شرك بالله تعالى.
34 - أن قراءة القرآن عند القبر أو سور وآيات منه بدعة محدثة في الدين ومن ذهب إلى جواز ذلك لم يأت بدليل ثابت.(3/361)
35 - أن الذبح عند القبر لا يجوز وهو من البدع المحرمة كما لا يجوز الوفاء بالنذر لذلك ولا يصح شرط ذلك في الوقف وهذا وإن كان الذبح لله عند القبر أما لو كان الذبح لصاحب القبر فهو شرك أكبر ومثل الذبح عند القبر الصدقة عنده.
36 - أن التعزية عند القبر جائزة بل قد تكون مشروعة وذلك إن لم تمنع من القيام بحق الميت والدعاء له ولم يكن فيها محذور شرعي.
37 - أن الوعظ عند زيارة القبور والاجتماع لذلك بدعة لا يجوز أما الوعظ عند دفن الميت فهو جائز أحيانا إن لم يشغل عن القيام بحق الميت ولم يكن في الموعظة تهييج للمصيبة والأولى عدمه فإنه هدي النبي صلى الله عليه وسلم والمعهود عنه وهو هدي السلف من بعده.
38 - أن النذر للموتى أو لقبور الموتى لا يجوز بل هو شرك بالله ولو كان النذر لله وإنما قصد الناذر الإهداء للقبر فهذا لا يجوز وهو نذر معصية وعلى صاحبه الكفارة في أصح قولي العلماء.
39 - أن وطء القبور أو المشي عليها محرم أما المشي بينها بالنعال فهو مكروه إلا من عذر وذلك على الراجح.
40 استحباب القيام لمن تبع جنازة حتى توضع في الأرض ويكره له الجلوس قبل ذلك أما بعد وضع الجنازة فيجوز الجلوس والقيام أولى في تلك الحال على الصحيح.
41 - أن الجلوس على القبر لا يجوز وكذا الاتكاء على القبر وما في معناه وأعظم من ذلك التخلي على القبور أو بينها.
42 - كراهة الحديث في أمر الدنيا في المقبرة وأشد منه الضحك عند القبور وقد اتفق الفقهاء على كراهة رفع الصوت مع الجنازة أو في المقبرة حتى لو كان ذلك بالذكر أو قراءة القرآن أو غيره كما اتفقوا على تحريم التمسح بالقبر أو تقبيله ومثل ذلك على الصحيح لمس القبر باليد لقصد السلام فهو بدعة.
43 - اتفق الفقهاء على استحباب وقف الأرض المملوكة لتكون مقبرة وهو من أعمال البر والإحسان ويحصل وقف المقبرة بالفعل مع القرائن الدالة عليه فلا يحتاج إلى قول كما لا يشترط التسليم أو القبض للزوم وقف المقبرة ولا حكم الحاكم ولا القبول لصحة الوقف ويصح وقف المشاع الذي يحتمل القسمة ولا يصح وقف ما لا يحتمل القسمة ليكون مقبرة وكل ذلك على الراجح من أقوال الفقهاء.
44 - للواقف أن يدفن في المقبرة التي أوقفها بلا خلاف وإذا اشترط الواقف في وقف المقبرة أن تكون على طائفة معينة فالصحيح أنه ينظر في شرطه ذلك فقد يكون مكروها أو مباحا أو مندوبا وعليه فقد يلزم الوفاء بشرطه وقد لا يلزم.
45 - أن النظر في الأوقاف العامة للمسلمين كالمقبرة يكون للحاكم أو نائبه إلا أن يعين الواقف ناظرا أو يشترطه فيكون النظر لمن اشترطه.
46 - الوقف على المقابر لإصلاح أسوارها وحمايتها جائز أما الوقف على عمارة القبر أو وقف الستور للقبر أو الوقف لتنوير القبر أو تبخيره أو بناء مسجد عليه أو نحو ذلك فكله باطل لا يجوز.
47 - يجوز للإنسان شراء موضع القبر ويجوز بيعه لموضع القبر إذا كان في ملكه بشروط أما بيع المقابر الموقوفة فلا يصح إلا أن تتعطل منافعها تماما ويبلى من فيها لطول الزمان فيجوز للمصلحة كما يجوز إعارة الأرض للدفن فيها وليس للمعير أن يرجع في ذلك حتى يبلى الميت.
48 - جواز بناء الأسوار على المقابر لأجل حمايتها وصيانتها والأولى أن لا ترفع الأسوار بحيث تحجز المارة عن مشاهدة القبور ويمكن أن يستغنى عن رفع الحيطان بوضع شباك الحديد فيبنى من الحائط قدر يسير ويرفع باقيه بشباك الحديد.
49 - الأفضل في مكان المقبرة أن تكون في الصحراء على جهة من البلد ويختار لها مكان صالح للحفر والدفن.
50 - مشروعية وضع الحرس على المقابر لحمايتها إذا دعت الحاجة إلى ذلك.(3/362)
51 - يتعين أن تبعد مغاسل الموتى عن القبور حتى لا تصل إليهم مياهها ولو كانت مغسلة الموتى في جهة بعيدة من المقبرة ولا تصل إليهم مياهها فلا حرج في ذلك لكن الأولى أن تكون مغسلة الموتى قريبة من مصلى الجنائز أو المسجد الذي يصلى فيه على الأموات.
52 - عامة الفقهاء على جواز تحويل المقابر إلى أشياء أخرى إذا بلي من فيها من الأموات ما لم تكن موقوفة أما لو كانت المقبرة موقوفة فالصحيح جواز بيعها أو تحويلها إلى شيء آخر إذا بلي من فيها من الأموات لطول الزمان وتعطلت منافعها بحيث لا يدفن فيها فتجعل مسجدا أو نحوه أو يشترى بقيمتها مقبرة أخرى.
53 - لا يجوز نبش القبر أو الكشف عن الميت بغير سبب أو مسوغ شرعي ومن نبش القبور للسرقة فالراجح وجوب قطع يده.
54 - يجب نبش القبر لحق الله تعالى كأن يكون الميت لم يغسل أو لم يكفن أو وضع لغير القبلة أو دفن المسلم في مقابر الكفار أو الكافر في مقابر المسلمين أو دفن في المسجد ونحوه أما لو دفن الميت قبل الصلاة عليه فإنه لا ينبش بل يصلى عليه في قبره.
55 - يجوز نبش القبر لحق الآدمي في صور منها: أن يكون الميت دفن في أرض مغصوبة أو كفن بكفن مغصوب وتعذرت قيمته أو وقع في القبر متاع أو مال له قيمة وشح به صاحبه أو نحو ذلك وإن كان المستحب في كل هذه الصور التي يجوز فيها نبش القبر لحق الآدمي ترك ذلك احتراما للميت إلا أن يكون فيه ضرر على الحي أو إضاعة لماله.
56 - يجوز نبش قبر الميت للحاجة كأن يكون في المدفن الأول ما يؤذي الميت أو كان في وجود القبر ضرر على الأحياء وسلامتهم ولا يجوز نبش القبر لغير الحاجة على الصحيح.
57 - لا بأس بنبش قبور الكفار إن كان في نبشها نفع للمسلمين لأن حرمة الكفار ليست كحرمة المسلمين وكذا يباح نبش قبورهم لإخراج المال منها على الصحيح.
58 - تحريم إسراج المقابر أو بناء المساجد عليها بل إن ذلك من كبائر الذنوب وهو وسيلة وذريعة إلى الشرك وعبادة أصحاب القبور.
59 - كراهة استخدام المقبرة للسكن أو النوم كما يكره الوضوء أو الاستسقاء من آبارها أما قطع الحشيش من المقبرة وما شابهه فالصحيح جوازه وأما الرعي في المقبرة فلا يجوز.
60 - يجب تفريق مقابر المسلمين عن مقابر الكفار فلا تكون قريبة منها ولا مشابهة لها وكذا مقابر أهل البدع يجب أن تميز وتعرف في البلاد حتى لا يدفن فيها أهل السنة من المسلمين.
هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/363)
أحكام النجاسات في الفقه الإسلامي
Oعبدالمجيد محمود صلاحين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المجتمع
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - أعمال شاملة
الحمد لله الذي تتم بنعمته الصالحات، الحمد لله الذي هدانا إلى هذا البحث ثم أعاننا على إتمامه وبعد ..
فإني توصلت من خلال هذا البحث إلى عدة نتائج، أجمل أهمها بما يلي:
1 - أن الأصل في الأعيان الطهارة، وأن لهذا الأصل العظيم أهمية كبيرة في مسائل النجاسات وأحكامها، بينتها في أول هذا البحث، كما بإمكان القارئ أن يلحظ ما لهذه القاعدة من أهمية كبيرة من خلال قراءة البحث.
2 - أنه لا يثبت الحكم بنجاسة عين ما لمجرد استقذار الطبع لها أو تحريمها، وإنما الحكم بنجاسة عين ما يثبت بأحد أمرين.
ا- التصريح بنجاسة تلك العين أو رجسيتها، أو ركسيتها، مع عدم وجود قرينة تصرف هذه الألفاظ من حقيقتها الشرعية إلى إطلاقاتها اللغوية، لأن الحقيقة الشرعية هي الأصل في كلام الشارع خصوصا إذا كان في معرض بيان الأحكام الشرعية. ولا يعدل إلى الإطلاقات اللغوية إلا إذا وجدت القرائن التي تصرف اللفظ إلى هذه الإطلاقات.
ب- الأمر بغسل الثياب أو الأواني أو الأبدان من إصابة أو ملامسة أو التلبس بهذه العين، أمرا صريحا مع عدم وجود القرائن التي تصرف هذا الأمر من الوجوب إلى الندب أو غيره.
فمن الأول قوله: سبحانه وتعالى -: (قل لا أجد فيما أوحي إلى محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس) ومن الثاني: قوله صلى الله عليه وسلم إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات ... الحديث.
3 - كما أنني توصلت إلى جملة من الترجيحات في المباحث التي تعرضت لها في هذه الرسالة كترجيح طهارة بول ما يؤكل لحمه، وطهارة المني وطهارة سباع البهائم والطير .. إلى غير ذلك.
ونجاسة الدم والكلب والخنزير والخمر ... إلى غير ذلك من الترجيحات.
4 - أن الماء وسائر المائعات إذا خالطتهما نجاسة، فإنها لا ينجسان إلا بالتغير سواء أقلت الكمية التي خالطتها النجاسة أو كثرت، وسواء أقلت النجاسة المخالطة أو كثرت، لكن يكره استعمال القليل منهما إذا أصابته نجاسة.
5 - إن استحالة العين من حال إلى حال تؤدي إلى الحكم بطهارتها إذا كانت قبل الاستحالة نجسة، وإذا استحالت إلى عين طاهرة، أو اختفت الأوصاف المستقذرة والمستخبثة، والضارة المحرمة اختفاء لا يظهر معه أي وصف من هذه الأوصاف.
ولذا فإني حكمت بطهارة جميع المواد المتحولة بالمعالجة الكيماوية أو غيرها إذا تحولت إلى مركبات تختفي فيها الأوصاف الأصلية للمادة المشتركة في ذلك المركب حتى لو كانت قبل اشتراكها في المركب نجسة العين أو متنجسة وانطلاقا من هذا فقد توصلت إلى طهارة الصابون وبعض مساحيق التجميل وبعض المستحضرات التي قيل عن دخول بعض النجاسات فيها كما توصلت إلى إمكانية استعمال المياه المتنجسة أو الملوثة كمياه المجاري بعد تكريرها وبعد اختفاء كل الأوصاف التي أفضت إلى الحكم بتنجسها، وإمكانية استعمالها في سقي المزروعات وغيرها من الأغراض.
6 - كما أنني توصلت إلى بيان خصائص مسلك الشريعة، في العفو عن النجاسات وذلك من خلال دراسة المسائل التي حكم الفقهاء بالعفو عن النجاسة فيها، كما توصلت إلى إيجاد الضوابط التي تربط هذه المسائل وتوصلت إلى مسلك في العفو عن النجاسات متوسط بين المتساهلين في العفو والمتشددين فيه حاولت من خلاله وضع شروط للعفو، كما حاولت تجنب الخلل الذي وقع فيه بعض الفقهاء عند تطبيقهم للضوابط التي وضعوها لمسائل المعفوات.
7 - أن الفقهاء لم ينصوا على عقوبة للمتضمخ بالنجاسة أو المتعاطي لها عمدا لأسباب بينتها خلال الفصل الأول من الباب الأخير من هذه الرسالة.
كما أن الشريعة وضعت العقوبة الرادعة لمتعاطي الخمر لحكم وأسباب بينت طرفا منها في الفصل المذكور أيضا.
8 - كما أنني توصلت إلى جواز الانتفاع بالنجاسات والمتنجسات، على وجه لا تتعدى فيه النجاسة إلى المنتفع، وشرط ألا يكون الانتفاع بهذه النجاسة أو تلك ذريعة للانتفاع بها منفعة محرمة، وأما التداوي بالنجاسات فقد رجحت عدم جوازه لتخلف الشرطين السابقين من جهة ولوجود بعض النصوص المانعة من ذلك من جهة أخرى.
8 - أن منهج الإسلام في التطهير من النجاسات جاء متوسطا بين إفراط اليهود وتفريط النصارى، كما أنه جاء ليحقق مصلحة التطهير من النجاسة دون أن يكلف المسلمين العنت والمشقة الظاهرة من خلال التخفيف في التطهير من بعض النجاسات، كالاكتفاء بالنضح من بول الذكر الرضيع، والاكتفاء بالدلك بالنسبة لما يصيب الخفاف والنعال من النجاسة، وكالاكتفاء بالاستجمار بالحجارة حتى مع وجود الماء، وذلك لتكرر تلك النجاسة من الإنسان كثيرا.
وهذا يبين لنا مدى السماحة واليسر اللذين تميز بهما ديننا الحنيف.
وهناك جملة من النتائج والترجيحات يجدها القارئ مبثوثة في ثنايا البحث.(3/364)
أحكام النسب في الشريعة الإسلامية (طرق إثباته ونفيه)
Oعلي محمد يوسف المحمدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار قطري بن الفجاءة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة:
وتتضمن أهم نتائج هذا البحث:
تمهيد: مما لا شك فيه أن الإسلام هو الدين الذي ارتضاه الله للناس جميعا إلى يوم الدين، فيه من الخير لهم ما ينعمون به في كل نواحي الحياة، من اقتصادية واجتماعية وغيرهما، وأنه لا غنى للبشرية عنه مهما بلغت أوج مجدها وقمة حضارتها بتقدم وسائل الاتصال بين البشر، وقد استطاعت أن تجد شتى الحلول لأكثر الأمراض المستعصية، لكنها فشلت في إيجاد الحلول لمشاكلها الاجتماعية، فهي لا تزال تعاني من مشاكل أسرية لا تنتهي، فلقد وجدنا فيها الإنسان الذي يعاني من الشك ويفقد الثقة في نفسه، فهو لا يعلم صحة نسبته إلى أبويه، كما يشك في نسبة أولاده إليه، فهو ينظر إليهم بإحدى عينيه بالفرحة والسرور لوجودهم، وينظر بالعين الأخرى موجها إليهم سهام الشك والريب، وهذه بداية التفكك الأسري والمعاناة النفسية في ظل القوانين المادية البحتة التي أطلقت الحريات حتى جاوزت حدودها، فاستغلها من لا دين لهم ولا خلاق أبشع استغلال، وفعلوا تحت ظلالها ما يندى له جبين الزمان.
فتوالت النكبات والمصائب على الإنسان المتحضر حتى لم يعد يجد وسيلة للراحة النفسية أفضل من الانتحار الذي يريحه من مشاكله.
أما الإسلام فقد حمى أتباعه من تلك الوساوس والأوهام بأن اختار لهم الطريق النظيف بدءا من تكوينه إلى ولادته إلى شبابه وشيخوخته، وذلك باختيار الأم الصالحة العفيفة والأب الصالح الدين، ثم بأولاد بارين عند الكبر.
وهكذا تكونت شجرة من بذرة نظيفة وأرض طيبة، وتتابعت السلسلة النسبية النظيفة إليه وإلى من بعده، فنام قرير العين مطمئن البال، بينما يتمزق أتباع الملل الأخرى.
ألما وحسرة في ضياع لا نهاية له، وقد بينت أنه بلغ من اهتمام الإسلام بالنسب أن عدة من الكليات الخمس التي حافظ عليها وأوجب الحد على من اعتدى عليها.
وبلغ من حرصه أن أوعد من نفى ولدا من صلبه بالعذاب الشديد، وفي الوقت نفسه أوعد من أدخل في نسبه من ليس منه ولو كان ذلك بدافع الرحمة والشفقة، لأن دافع الشفقة والرحمة يجب أن لا يتعدى الحدود الشرعية
كما بينت أن من مقاصد الزواج في الإسلام التوالد والتناسل، وأقمت الأدلة الصحيحة الصريحة على ذلك مبينا مدى ترابطها واتفاقها مع روح التشريع الإسلامي.
وكان من أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال رحلتي الطويلة مع هذا البحث ما يلي:
أولا: أن الإسلام حافظ على النسب حفاظا قويا أحاطه بسياج المنعة والعزة ووازن بين الإنسان وموارد الحياة، فمنع الحد من كثرة التناسل للحاجة، أو للخوف منها في المستقبل، وأن هذه دعوى الجاهلية الأولى، أو وضع العقبات في وجهه ومن هنا رجحت عدم جواز الإجهاض، وما إلى ذلك مما يكون سببا في التخلص من الطفل، وتوصلت إلى أن فكرة تحديد النسل التي سادت المجتمع الغربي حملت في جوانبها مخاطر اجتماعية من أهمها، عدم التوازن بين الطبقات، لأن الذين يؤمنون بتحديد النسل هم الطبقة العليا والوسطى استئثارا منهم بالتمتع بالحياة وكثرة الفواحش ما دام التحديد يستر الفضائح والإجهاض يستأصلها، وبينت أن تفشي الأمراض الخبيثة يأتي من الإباحية التي من أهم أسبابها منع الحمل وكثرة وقائع الطلاق، وذلك إذا نظرنا إلى أن النسل يكون سببا في ربط الأسرة بعضها ببعض، وكثرة أولاد الزنا، وما إلى ذلك مما لا تحمد عقباه.
ثانيا: إن إثبات النسب للفراش ما هو إلا وضع للحق في نصابه، وتنزيه للبيت عن الدخيل، وقطع لدابر الفساد.(3/365)
ثالثا: إن الزواج الفاسد والباطل يفترقان في إثبات النسب، حيث تبين لي أن الفاسد يثبت فيه النسب في معظم صوره، وأن الباطل لا يثبت فيه النسب.
والفقهاء وإن كانون لم يفرقوا بين الفاسد والباطل في كثير من أبواب الفقه إلا أنهم في هذه المسألة جعلوا للفاسد حكما يختلف فيه عن النكاح الباطل من حيث إلحاق النسب بالأول، وعدم إلحاقه بالثاني، بناء على أن الفاسد من العقود مشروع بأصله، لا بوصفه ومن هنا أخذوا بالاحتياط في النسب فأثبتوه به، لأن النسب عندهم يلحق بأدنى سبب ولو كان الزواج فاسدا وأن الباطل غير مشروع لا بأصله ولا بوصفه، فلم يجدوا منفذا لإلحاق النسب به، وأن هذا لا يخالف ما درج عليه الفقهاء من الاحتياط في الأنساب وإلحاقها بمن ادعاها ولو بأدنى سبب، لأن هذا الأدنى غير متوفر في حالة بطلان العقد.
رابعا: أن النسب يثبت بالقيافة وهي علم صحيح يمكن القضاء به في الفصل بين المدعين في قضايا النسب في أحوال خاصة، وهو علم تصدق نتائجه بنسبة كبيرة.
ومن هنا أريد أن أوجه نداء لكل باحث مسلم يهمه أمر دينه أن يتصدى لمثل هذا البحث فلعله يفيد المسلمين.
خامسا: أن التعارض في دعاوي النسب مختلفة عن التعارض في غيره، وذلك لأن الحقوق الأخرى تصح القسمة في معظمها والقسمة أحد الطرق لفض النزاع.
أما في النسب فإنه لا يصح أن ينتسب إلى أبوين، فإن القسمة في النسب غير متصورة إطلاقا، ومن هنا رجحت إلحاق الولد بأب واحد معين، وحاولت أن لا يكون توقف في إلحاق نسب الولد مهما وجد لذلك سبيل، تمشيا مع قاعدة الاحتياط في إثبات النسب وعدم إضاعته.
سادسا: بحثت التلقيح الصناعي وما تفرع منه وبينت جوانبه وصوره وتوصلت إلى أن الراجح فيها المنع والتحريم، وأنه لا يصح إلحاق النسب الناتج عن طفل الأنبوب أو التلقيح الصناعي أو شتل الجنين، ورددت على المجيزين، وبينت أن أصل سد الذرائع هو الفيصل في هذه المسألة، وذلك لفساد الذمم وعدم الاكتراث بالسيئ من الأعمال والتصرفات، وما يترتب عليه من كشف العورة المغلظة بالنسبة للزوجين، واحتمال تبديل النطف وما يترتب على ذلك من اختلاط الأنساب والتشكيك فيها، إلى غير ذلك من الأضرار الخلقية والخلقية، التي من أجلها حرم الإسلام الزنى، وبينت أن القول بجواز مثل هذه الأحوال قد يوقع المسلمين فيما لا تحمد عقباه.
سابعا: أن نفي النسب بطرقه المشروعة التي حددها الإسلام كاللعان مثلا، لم يكن القصد منه خلق العنصر الغريب في المجتمع، بل أراد الإسلام أن يبين أنه بقدر ما يحرص على جمع شمل الأسرة يحرص على أن لا يتفشى في المجتمع الفساد، ولا يدخل في الأسرة من ليس منها، كما أن في نفي الولد في حالة الضرورة قطعا لدابر الشك، ومنعا للجريمة بالقدر المستطاع.
ثامنا: ومن النتائج الجزئية التي توصلت إليها في هذا البحث:
- أن الإقرار يختلف عن التبني وأن شروط الإقرار التي وضعها الفقهاء كفيلة بحماية الأسرة من الدخيل، وليس في هذا تعارض كما يدعي الآخرون بأن الإقرار والتبني شيء واحد.
- أن القرعة ليست وسيلة أو سببا من أسباب ثبوت النسب وإنما هي اقتراع على كفالة الولد حتى يبلغ، كما ذهب إليه بعض الفقهاء - ليست سببا مستقلا لإثباته لكن عند التعارض تكون مرجحة.
- أن الإسلام احترم الآدمي أيما احترام وكرمه أيما تكريم عندما أوجب على الإنسان أن يستلحق ولد الأمة التي وطئها، حيث رجحت لحوق ولد الأمة بمجرد وطء السيد دون توقف على ادعائه، لأن في ذلك فتحا لباب من الفساد كبير وهو كثرة العبيد أو اللقطاء في المجتمع، وهو ما يتعارض مع روح الشريعة الإسلامية.(3/366)
تاسعا: أن فقهاءنا الأجلاء وضعوا أعظم وسام على صدورهم بإفرادهم أبحاثا خاصة عن اللقيط وادعاء نسبه، وتعرضنا للتفصيلات التي أوردوها مما جعلهم يحوزون السبق في إيواء مثل هؤلاء وسترهم دون دعاية وادعاء.
وإن إيواء اللقيط على المستوى الفردي أفضل بكثير من المستوى الجماعي لأن الإنسان عندما ينشأ وسط أسرة مترابطة متماسكة يحيا بحياتهم فيفرح بأفراحهم ويحزن بأحزانهم - لا يشعر أنه غريب عن هذا المجتمع - أما إذا كان له مجتمعه الخاص وحياته المنقطعة عن الروابط فلن يكون إنسانا سويا في يوم من الأيام.
عاشرا: أن الإسلام احترم إرادة الإنسان، وبالتالي حاسبه على إرادته واختياره، فمتى ارتبط بأي امرأة فإنه سوف يلحقه ما ولدته منه سواء أراد ذلك أم أبى أعلن عن هذا الزواج أم لم يعلن، وثقة في المحاكم أو السجلات الخاصة أم لم يوثقه، ولكنه لم ينس أن يضع الحدود والقيود لضمان حق الزوجين لتسير الحياة، كما أرادها صانع الحياة، ولم ينس أن يوجه كلا الطرفين إلى الاختيار السليم لبناء أسرة متماسكة مترابطة.
حادي عشر: أن معرفة نسب الإنسان أصلا وفرعا، ما هو إلا تدعيم لصلابة المجتمع وتقوية للعلاقة بين أولي الأرحام، كما قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم (تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم).
وبعد:
فهذا ما وفقني الله تعالى لبحثه، فإن كان صوابا فنحمد الله الذي هدانا إليه، وإن كان خطأ فنستغفر الله عليه، وما كنا نقصده ولا نتعمده، بل هو زلة القلم أو شذوذ الفكر، أو عدم الاهتداء إلى ما صح من الدليل ونسأله تعالى أن يتقبله عملا خالصا لوجهه، ويجعل لنا من مستقبل أمرنا خيرا من ماضيه، إنه سميع الدعاء، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/367)
أحكام الهندسة الوراثية
Oسعد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دراسات فقهية
الخاتمة: هذه الرسالة تناولت أحكام الهندسة الوراثية بالبحث والدراسة، وقد توصلت – بفضل الله – من خلالها إلى نتائج، من أهمها ما يأتي:
أولاً: أن مشروع الجينوم البشري وهو معرفة الموروثات الموجودة في الخلية الإنسانية هو اكتشاف لسنة من سنن الله في خلقه، والأصل فيه الندب.
ثانياً: أن استخدام الجينوم البشري لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون وسيلة لجلب المنافع للناس، ودرء الضرر عنهم، فيكون مشروعاً.
الثانية: أن يكون وسيلة لإلحاق الضرر ببعض الناس، فيكون ممنوعاً.
ثالثا: أن زواج الأقارب مباح من غير كراهة، لكن إن ثبت أن كلا القريبين مصابان بالصفة المرضية نفسها، وأنهما إن تزوجا فقد يؤدي هذا إلى احتمال إنجاب أطفال مصابين بأمراض وراثية، فالأولى لهما هو العدول عن هذا الزواج، ويكره لهما الإقدام عليه.
رابعا: أن إجراء الفحص الجيني قبل الزواج مشروع، ويتأكد في حالتين:
الأولى: وجود صلة قرابة بين الخطيبين.
الثانية: انتشار أمراض وراثية معينة في المجتمع. وإن رأى ولي الأمر المصلحة في إلزام الناس بالفحص الجيني في حالة انتشار مرض وراثي في المجتمع صار واجباً.
خامساً: أن ما يطلع عليه الطبيب من نتائج فحص المريض الجينية سر يحرم عليه نشره، والواجب المحافظة على سريته وإخفاء نتائجه، وإذا بينت الفحوص إصابة أحد الطرفين بمرض وراثي، فإنه يكتفى بإخبار الطرف الآخر السليم بذلك دون بيان للمرض الموجود عنده، ولا يعد هذا من خيانة الأمانة، ولابد من وضع النظم الكفيلة بالإبقاء على خصوصية هذا الأمر وسريته، ولا يمنع هذا من استخدام نتائج الفحص في الأبحاث العلمية دون ذكر أسماء أصحابها، أو ما يدل على أسرهم أو قبائلهم، بل تستخدم مبهمة.
سادساً: يجوز إجراء الفحص الجيني على الخلايا الجنسية الملقحة لمعرفة الأمراض الوراثية التي قد تكون مصابة بها إذا وجدت حاجة معتبرة كوجود مرض وراثي في الزوجين أو أحدهما يمكن انتقاله إلى ذريتهما، وهذا بشرط عدم اختلاط اللقائح الخاصة بالزوجين بغيرها، والواجب توخي الحذر فيما يتعلق بهذه العملية، فلا تجرى إلا عند ذوي العدالة من الأطباء وضمن إجراءات مشددة.
سابعاً: يتعلق بالفحص الجيني قبل الحمل الآثار الآتية:
الأثر الأول: جواز التفريق بين الزوجين بالمرض الوراثي الذي ينتقل من أحد الزوجين إلى النسل، بشرط عدم العلم به عند العقد.
الأثر الثاني: جواز اختيار جنس الجنين للحاجة، وهو كون المرض الوراثي يصيب جنساً دون آخر، وذلك بثلاثة شروط:
الأول: الأمن من اختلاط الأنساب.
الثاني: أن يكون المرض الوراثي خطيراً.
الثالث: أن تكون هذه الطريقة هي الوسيلة الوحيدة لتجنب إصابة الذرية بالأمراض الوراثية.
الأثر الثالث: يحرم منع الحمل بصفة دائمة بالنسبة للأزواج الذين يحملون جينات معتلة سواء كان ذلك بطريق الخصاء أم بالتعقيم.
ثامناً: أن الفحص أثناء الحمل يختلف حكمه باختلاف وقت إجرائه، فإن كان وقت الفحص وما يسفر عنه من نتائج قبل نفخ الروح في الجنين فهو جائز، وإن كان بعد نفخ الروح فهو محرم.
تاسعاً: أن إجهاض الجنين المشوه لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون بعد نفخ الروح، وحكمه التحريم.
الثانية: أن يكون قبل نفخ الروح، وحكمه الجواز بأربعة شروط:
الأول: أن يثبت تشوه الجنين بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين.
الثاني: أن يكون الجنين مشوهاً تشويهاً خطيراً لا يمكن علاجه.
الثالث: أن يكون الجنين مصاباً بعيوب لا تتلائم مع الحياة الطبيعية بحيث إذا بقي وولد ستكون حياته آلاماً عليه وعلى أهله.(3/368)
الرابع: أن يكون الإجهاض بطلب الوالدين.
عاشراً: العلاج الجيني بنقل الجين من خلية إلى خلية أخرى ينقسم إلى نوعين:
النوع الأول: أن يكون النقل إلى الخلايا الجنسية: وحكمه التحريم مطلقاً سواء أكان الجين مأخذواً من أحد الزوجين أو من غيرهما، لا فرق في ذلك أن يكون لغرض علاجي أو تحسيني.
النوع الثاني: أن يكون النقل إلى الخلايا الجسدية، وهو لا يخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون بقصد العلاج من الأمراض الوراثية، وله صورتان:
الصورة الأولى: أن لا يترتب على نقل الجين أي ضرر، فيزول المرض، ولا يخلفه مرض آخر، وحكمه الجواز. الصورة الثانية: أن ينشأ عن نقل الجين ضرر آخر، وهذا ينقسم إلى نوعين:
الأول: أن يكون الضرر الناشئ عن نقل الجين أخف من الضرر الموجود في المرض نفسه، وحكمه الجواز.
الثاني: أن يكون الضرر الناشئ عن نقل الجين أشد من الضرر الموجود في المرض نفسه، أو مساوياً له، وحكمه التحريم.
الحالة الثانية: أن يكون نقل الجين لغرض تحسين صفات الإنسان، وحكمه التحريم.
الحادي عشر: يجوز استنساخ النبات بثلاثة شروط:
الأول: الأمن من الضرر.
الثاني: أن لا تتخذ هذه العملية للعبث وتغيير خلق الله حسب الأهواء والشهوات دون أن تترتب عليها مصلحة شرعية. الثالث: عدم استنساخ نباتات لاستخدامها في أغراض محرمة كنبتة الحشيش وغيرها.
الثاني عشر: يجوز استنساخ الحيوان بأربعة شروط:
الأول: تحقق المصلحة الشرعية المعتبرة.
الثاني: أن لا يتخذ للعبث وتغيير خلق الله.
الثالث: أن لا يترتب عليه ضرر يزيد على المصلحة الحاصلة منه.
الرابع: أن لا يؤدي إلى إيذاء الحيوان أو تعذيب له.
الثالث عشر: الاستنساخ في الإنسان بفصل الخلايا له ثلاث صور:
الصورة الأولى: استنساخ الخلية التي تكونت من نطفتي غير الزوجين سواء كانت البويضة من امرأة أجنبية أو كان الحيوان المنوي من رجل أجنبي.
الصورة الثانية: استنساخ الخلية التي ستنقل إلى رحم امرأة أجنبية.
الصورة الثالثة: استنساخ الخلية التي تكونت من نطفتي الزوجين وحكم الاستنساخ في هذه الصور الثلاث التحريم. الرابع عشر: الاستنساخ في الإنسان بزراعة النواة له أربع صور:
الصورة الأولى: نقل نواة خلية جسدية مأخوذة من الزوج على بويضة مأخوذة من زوجته بعد إزالة نواتها.
الصورة الثانية: نقل نواة خلية جسدية مأخوذة من رجل أجنبي إلى بويضة امرأة أجنبية بعد إزالة نواتها.
الصورة الثالثة: نقل نواة خلية جسدية مأخوذة من الزوجة إلى بويضتها بعد إزالة نواتها.
الصورة الرابعة: نقل نواة خلية جسدية مأخوذة من امرأة إلى بويضة امرأة أخرى بعد إزالة نواتها. وحكم الاستنساخ في هذه الصور الأربعة التحريم.
الخامس عشر: يحرم الاستنساخ بتنشيط بويضة غير ملقحة بحثها على الانقسام والنمو لتكوين جنين.
السادس عشر: يحرم استنساخ الميت بأخذ نواة خليته الجسدية، ونقلها إلى بويضة أزيلت نواته، ثم زرعها في رحم امرأة، لا فرق في ذلك بين كونها امرأة أجنبية عنه أو زوجته التي توفي عنها.
السابع عشر: نقل نواة الخلية الجسدية إلى البويضة المنزوعة النواة يتنوع بحسب الغرض منه إلى نوعين:
الأول: الاستنساخ التكاثري: وحكمه التحريم.
الثاني: الاستنساخ العلاجي: وهو الذي يتم إجراؤه للحصول على الخلايا الأصلية، وحكمه الجواز.
الثامن عشر: الواجب عند تلقيح الخلايا الجنسية في علاج العقم الاقتصار على العدد المطلوب الذي سينتقل إلى رحم المرأة تفادياً لوجود فائض من اللقائح.
التاسع عشر: يحرم إتلاف الخلايا الجنسية الملقحة لأخذ الخلايا الأصلية منها.
العشرون: الحكم الشرعي لتخزين الخلايا الجنسية بتجميدها في النيتروجين السائل هو التحريم.(3/369)
الحادي والعشرون: إذا حصل وجود عدد زائد من الخلايا الجنسية الملقحة بأي وجه من الوجوه، فإنها تترك دون عناية طبية إلى أن تنتهي حياتها على الوجه الطبيعي، ولا يجوز استخدامها في مجال التجارب والبحث العلمي.
الثاني والعشرون: يجوز أخذ الخلايا الأصلية من الحبل السري والمشيمة.
الثالث والعشرون: يجوز نقل الجين من خلية إنسانية إلى خلية بكتيرية للحصول على الهرمون الذي يقوم هذا الجين بوظيفة إنتاجه لاستعماله عقاراً لعلاج بعض الأمراض، وذلك بشرط: أن لا يترتب على هذه الطريقة ضرر على الإنسان.
الرابع والعشرون: نقل الجين من خلية إنسانية إلى خلية حيوانية للحصول على الهرمون الذي يقوم هذا الجين بوظيفة إنتاجه لاستعماله عقاراً طبياً لا يخلو من حالتين:
الأولى: أن يكون الحيوان مأكول اللحم، وحكمه الجواز بشرط خلو العقار المصنع بهذه الطريقة من الضرر.
الثانية: أن يكون الحيوان غير مأكول اللحم، وهو الخنزير، وحكمه التحريم.
الخامس والعشرون: يجوز التغيير في تركيب المادة الوراثية للحيوان مأكول اللحم للحصول على حليب معدل وراثياً يتميز بكونه مشابهاً لحليب الأم في بعض مكوناته، وذلك بنقل الجين من خلية إنسانية إلى بويضة حيوانية ملقحة، وهذا بشرطين: الأول: انتفاء الضرر.
الثاني: أن تتخذ هذه العملية للعبث وتغيير خلق الله.
السادس والعشرون: أن التحريم لا يثبت بالحليب المعدل وراثياً بين الطفل الرضيع الذي تغذى منه وبين المرأة التي نقل الجين منها إلى الحيوان الذي يجرى تغيير في مادته الوراثية.
هذه أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث، فما كان فيها من صواب فمن الله، وله الحمد أولاً وآخراً، وما كان فيها من خطأ فمني، وأستغفر الله. سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(3/370)
أحكام اليتيم في الفقه الإسلامي
Oعبدالأحد ملا رجب
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار أطلس - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
يتيم
الخاتمة: أحمد الله – سبحانه وتعالى – على أن هداني إلى كتابة هذا البحث، وأعانني على إتمامه وفق ما رسمته، وأسأله – جلت قدرته – المزيد من فضله والتوفيق لما يحبه ويرضيه. ولا بد من القول هنا إنني لم أضف جديداً فيما كتبت، ولن أدعي بأنني أتيت بما لم يأت به الأوائل من علمائنا الأجلاء، بل كل جهدي كان في جمع أقوال العلماء ومذاهبهم في موضوعات هذا البحث، وترتيب هذه الأقوال وعزوها إلى مصادرها الأصلية، وترجيح ما رأيته أقوى دليلاً وتعليلاً من هذه الأقوال.
وأما أبرز النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، فأذكر طرفاً منها فيما يلي:
1 - أن هذا البحث يبرز بوضوح حالة هذا المخلوق الضعيف في المجتمع الجاهلي، وما كان يعامل به ويعانيه ويكابده من ضروب الإيذاء وسلب الحق والحرمان من الميراث، وحالته في الإسلام. فبينما كانت الجاهلية تحرمه من الميراث محتجة في ذلك بأنه لا يركب فرساً ولا ينكأ عدواً، جاء الإسلام فأعطاه حقه من الميراث وسائر الحقوق المالية، حتى ولو كان لا يزال في بطن أمه لم يخرج إلى الدنيا بعد، فجعله يرث من مال أبيه المتوفى وهو لا يزال جنيناً، وجعله أهلا لصحة الوصية له والوقوف عليه.
وبما أن الغذاء لا يصل إليه – ما دام جنيناً في بطن أمه – إلا بواسطة الأم، أوجب نفقتها على أقربائه ممن تربطهم به ميراث أو رحم محرم – إن لم يكن له مال -، فإن كان له مال، وجبت نفقتها في ماله. ثم بعد خروجه إلى الدنيا، أوجب له حقوقاً أخرى تضمن له السعادة في الدنيا والآخرة، فأوجب نفقته وأجرة رضاعه وحضانته وختانه – إن لم يكن له مال – على أقربائه ممن تربطهم به ميراث أو رحم محرم، وأوجب نفقته في بيت مال المسلمين إذا لم يكن له من أقاربه من يستطيع الإنفاق عليه، وجعل له حقاً في خمس الغنيمة والفيء يجب أن يكون بيت المال حافظاً له عليه، إذا وجد، دفع إليه. وإذا لم يقم بيت المال بالإنفاق عليه، فعلى جماعة المسلمين أن يبادروا إلى إغاثته وتفريج الكربة عنه. فعلى المسلمين، سواء على مستوى الأفراد أو الدولة، العناية به بتوفير ما يضمن له ضروريات الحياة، من السكن والغذاء واللباس والتعليم والعلاج، وانتشاله من هذا الضعف والفقر والتشرد والضياع بكل وسيلة مشروعة، كإنشاء دور الأيتام والمدارس لهم، وإن كان من الأفضل أن يعيش اليتيم في كنف أسرة تقية ينشأ مع أبنائها، ويعامل كما يعاملون؛ لأن دور الأيتام لا توجد الحنان كما توجد الأسرة.
2 - وبما أن اليتيم ضعيف لا يقوى على الانفراد بمواجهة هذه الحياة وتحمل أعبائها إلا بعد أمد طويل يستغرق سنوات، وهو في هذا الضعف يحتاج إلى رعاية تامة تتعلق بنفسه وماله، شرع الإسلام الولاية عليه من الناحية النفسية والمالية، وأرشد الولي إلى فعل ما فيه الخير والصلاح له في حاضره ومستقبله، فأوجب عليه أن يبذل كل ما في وسعه لإصلاح ماله ونفسه، فيصلح نفسه بالتعليم والتربية والعطف والحنان، ويحفظ ماله بالحفظ والتنمية، وبالنسبة لمال اليتيم، حمل الولي عليه في ماله واجبات يجب أن يقوم بها، وتتلخص هذه الواجبات فيما يلي:
الأول: المحافظة على مال اليتيم: فيجب على الولي أن لا يدفع إلى اليتيم أمواله ما دام صغيراً لا يستطيع التصرف في ماله بوجه أحسن، فكان الحجر عليه؛ صيانة لأمواله.(3/371)
ومع ذلك يجب على الولي أن يأذن له بإبرام العقود والمعاوضات المالية؛ ليتدرب على التجارة، وليعرف مدى حسن تصرفه ونجابته في تصريف ماله، ومن ثم يسلم إليه ماله عند قناعته التامة بأنه رشيد. ويجب على ولي اليتيم أن يبذل كل ما في وسعه لحفظ ماله من أسباب التلف والهلاك، فيكون تصرفه مبيناً على المصلحة والغبطة، فلا يتصرف لمصلحته هو، إلا ما يأخذه مقابل ولايته عليه. وقد أعنى العلماء عناية تامة بهذا الجانب، فكانوا يصدرون فيما يقررونه من أحكام في تصرفات الولي في مال اليتيم من منطق تحقيق المصلحة لليتيم وطلب الأحسن له، ولذلك نراهم يعللون بالأحظ والأصلح والغبطة والأحسن أو عدمها، وما جرى بينهم من خلال في بعض التصرفات، مرده في جملته إلى تفاوت مقاييسهم في تحديد المصلحة لليتيم.
الثاني: إخراج ما يجب في مال اليتيم: أوجب الله – سبحانه وتعالى – في مال المسلم واجبات يقوم بها، فإذا كان المال لليتيم، قام مقامه وليه في إخراج هذه الوجبات. وأهم ما يجب في مال اليتيم ويلزم الولي إخراجه ما يأتي:
1 - النفقة: الأصل أن نفقة الإنسان في ماله إن كان له مال، فيخرج الولي من مال اليتيم مقدار نفقته بالمعروف، من غير إسراف ولا تقتير.
2 - الزكاة والأضحية: يجب على الولي أن يخرج زكاة ماله إذا بلغ نصابه، من غير فرق بين الزروع والثمار وسائر الأموال، وأن يضحي عنه من ماله.
3 - ضمان ما أتلفه اليتيم: يجب على الولي أن يخرج من مال اليتيم قيمة ما أتلفه اليتيم، إذا لم يكن الإتلاف بتفريط من مالكه، وأن يخرج أروش جناياته.
الثالث: دفع مال اليتيم إليه: يجب على الولي أن يدفع لليتيم ماله بمجرد بلوغه رشيداً، من غير حاجة إلى فك الحاكم، ومن غير تفرقة بين رشد اليتيم واليتيمة. وإذا دفع إليه ماله، يجب عليه أن يشهد عند الدفع؛ لتظهر أمانته وبراءة ساحته. وإذا بلغ غير رشيد، يجب عليه أن لا يدفع إليه ماله، وإن بلغ ما بلغ. هذا طرف من أبرز ما توصلت إليه في هذا البحث المتواضع من النتائج، ولا أرى حاجة إلى سرد الموضوعات التي تطرقت بحثها؛ تجنباً للتكرار، مكتفياً في ذلك بالفهرس التفصيلي لها.
وختاماً، أتوجه بالنصح إلى أولياء اليتامى وأوصيائهم أن يتقوا الله فيهم ويراعوا حقهم، كما لو كانوا لهم أبناء فيحسنوا تأديبهم وتعليمهم ما ينفعهم في حاضرهم ومستقبلهم، كما أن عليهم أن يحفظوا أموالهم ويسعوا في إصلاحها وتنميتها، وأن لا يعرضوها للتلف أو النقص أو الاستئثار بشيء منها.
وليكونوا في الإشراف عليهم في حذر من غضب الله، وليعلموا أن الإهمال في حق اليتيم لا يقتصر ضرره على اليتيم، بل هو ضرر تتفشى جراثيمه وتنتشر سمومه في جسم الأمة، فيعتريها الضعف والانحلال، وتبوء بالخزي والدمار.
وليذكروا أن ما جاء عليهم يجوز في أولادهم، فإن خشوا أن يصيب أولادهم ظلم من بعدهم، فليتقوا الله فيهم، وليقولوا لهم قولاً سديداً. ثم ليعلموا أن من كفل يتيماً وأحسن كفالته، ليس له جزاء إلا الجنة، فقد قال المصطفى صلى الله عليه وسلم: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما)). وصلى الله وسلم على سيدنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/372)
أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي وتطبيقاته المعاصرة
Oعباس أحمد محمد الباز
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1419هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نقود وعملات وأوراق تجارية
الخاتمة وملخص الرسالة
وبعد، فإن هذا البحث مساهمة متواضعة وجهد قليل، أسأل الله العلي القدير أن أكون قد وافقت الصواب فيما ذهبت إليه مع علمي أنني لم أصل في البحث والدراسة إلى الكمال فإن الكمال لله وحده وحسبي أني بذلت جهدي وما توفيقي إلا بالله.
أهم النتائج:
أما أهم نتائج البحث فتتلخص فيما يلي:
أولاً: ليس هناك حد طبعي أو شرعي يقضي بأن يكون النقد من مادة مخصوصة، فإنه لم يرد نص في الكتاب أو السنة ولم يأت إجماع من علماء المسلمين على أن يكون النقد من مادة بعينها وغيرها لا يصلح أن يكون كذلك، وما جاء ذكره من الدنانير والدراهم في الكتاب والسنة إنما ورد لأن النقد المتداول وقت نزول الآيات وعند التشريع كان من الدنانير والدراهم ولم يكن هناك نقود مستعملة غيرها والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
ثانياً: النقود لا تقصد لذاتها وإنما هي وسيلة للتعامل بها، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت، والناس في اعتبار الدراهم والدنانير على عاداتهم فما اصطلحوا عليه وجعلوه ديناراً فهو دينار، فإن خطاب الشارع يتناول ما اعتادوه سواء كان ذهباً أو فضة أو نحاساً أو ورقاً ...
ثالثاً: يعتبر الورق النقدي المعاصر نقداً قائماً بذاته كقيام النقدية في الذهب والفضة لتحقق علة الثمنية فيه واصطلاح الناس على التعامل به، وتنطبق عليه أحكام الصرف وشروطه فيما يتعلق ببيعه وشرائه، باعتبار أن كل عملة من العملات الورقية جنس مستقل بذاته مختلف عن غيره لاختلاف الجهة التي أصدرته، فالدينار الأردني جنس، والدينار العراقي جنس، والجنية المصري جنس، والدولار الأمريكي جنس ... ويترتب على هذا الأحكام الشرعية التالية:
أ- لا يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلاً سواء كان البيع نسيئة أو يداً بيد.
ب- يجوز بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بخلاف جنسه متفاضلاً أو متساوياً بشرط التقابض الحال في مجلس العقد.
رابعاً: ليس للقبض في الصرف هيئة مخصوصة أو كيفية محصورة، وإنما يرجع في تقديره وتحديده إلى عرف الناس وتعاملهم، فما عده الناس قبضاً فلا مانع من التعامل به شرعاً على هذا الأساس، فإن المعروف عرفاً كالمشروط نصاً والعادة عند المسلمين محكمة.
خامساً: تبادل النقود الورقية بالذهب والفضة اليوم لا يعتبر صرفاً، لأن الذهب والفضة لم يعودا نقوداً، وإنما أصبحا من العروض، فإن بيع الدنانير الورقية بشيء من الذهب أو الفضة يعد من قبيل بيع النقد بالعرض لا يشترط فيه التماثل، ويجوز فيه تأجيل أحد البدلين، أما إذا عاد التعامل بالذهب والفضة على أنهما أثمان كما كانا في عصر التشريع، فعندئذ يكون بيع الدينار الورقي بالدينار الذهبي من الصرف الذي يشترط فيه التقابض الحال في مجلس العقد دون التماثل في القدر لاختلاف الجنس ويكون من بيع الثمن بالثمن.
سادساًَ: تغير سعر صرف العملة بالهبوط أو الارتفاع لا أثر له في إبطال العقود التي يترتب عليها التزامات آجلة كعقود بيع التقسيط، وعقد الزواج الذي يكون فيه المهر مؤجلاً، وعقد الإجارة المنصوص على مدته ... فليس لأحد المتعاقدين أن يطالب بفسخ العقد، بل يتم اقتضاء النقد المؤجل في موعده بالقدر المتفق عليه عدداً، وقد يعاد النظر في العقود الآجلة التي ينشأ عنها خسارة كبيرة أو ضرر فاحش يقع على أحد أطراف العقد إذا ما تغير سعر الصرف.(3/373)
سابعاً: اعتماد سعر الصرف السائد يوم الاستيفاء أساساً في تحصيل الديون المؤجلة والأموال الثابتة في الذمة وعدم النظر إلى ما كان عليه سعر الصرف يوم وقوع البيع أو القرض بشرط عدم انقطاع النقد عن أيدي الناس أو كساده.
ملخص الرسالة
يتميز موضوع الصرف بأنه بيع يختص بالأثمان من الذهب والفضة وما يقوم مقامهما من النقود والأثمان، فإن علماء الإسلام لم يقصروا الثمنية على الذهب والفضة بل جعلوا العلة التي من أجلها ربط الشارع الحكيم بعض الأحكام بالدنانير الذهبية والدراهم الفضية متعدية إلى ما سواهما من الأموال إذا حازت علة الذهب والفضة وهي الثمنية على الراجح من أقوال العلماء، فالنقود لا تقصد لذاتها، وإنما هي وسيلة إلى التعامل بها وتحصيل المنافع بواسطتها، والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض لا في مادتها ولا في صورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت.
وبناء على ذلك فإن التعامل بالنقود الورقية اليوم بيعاً وشراء يعد صرفاً وتنطبق عليه أحكام الصرف المطبقة على بيع الذهب والفضة كما أمرت به الشريعة الإسلامية.
وقد حرص الإسلام على ألا تخرج النقود عن وظيفتها الأساسية وهي الثمنية لكي يحفظ اقتصاد الأمة متيناً ويقيه من كل ما يؤثر عليه.
ولما كان بيع الصرف أقرب أنواع البيع إلى الربا، فإن الشارع الحكيم قد احتاط كثيراً لهذا النوع من التعامل واشترط له شروطاً خاصة زائدة على الشروط التي يجب توفرها في كل بيع، كما وضع له قواعد وضوابط انفرد بها عن سائر أنواع البيوع، مما جعل هذا العقد من أكثر عقود البيع قيوداً وأكثرها شروطاً، وهذا يدل دلالة واضحة على أهمية هذا العقد ومدى حرص الشارع الكريم على أن يكون التعامل به في البيع والشراء كما أراد له.
ولهذا فقد سار فقهاء الإسلام في استنباطهم لأحكام الصرف وبيان قواعده وضوابطه على تضييق التعامل به لإبعاد الناس عن الربا وشبهته حتى غدا باب الصرف من أضيق أبواب التعامل تحقيقاً لمصلحة التعامل بالأثمان للحافظ على معيار محدد للتعامل التجاري في السوق.
والقاعدة العامة في بيع الصرف أن الزيادة تحرم عند تبايع النقد إذا اتحد جنساً وتجوز إذا اختلف بشرط التقابض الحال في مجلس العقد وإلا كان التعامل رباً محرماً.
فإذا باع شخص دنانير أدرنية بـ دولارات أمريكية مثلاً فعليه أن يسلم الدنانير ويستلم الدولارات فوراً في مجلس العقد، فإن التقابض الفوري شرط أساسي في الصرف، ولا يجوز اشتراط الخيار في الصرف أو تأجيل قبض أحد البدلين، لأن شرط الخيار يؤثر في صحة القبض وشرط التأجيل يؤثر في القبض نفسه.
ولا تجوز المصارفة بعملة ثابتة في الذمة مع غيرها إلا بسعر يوم المصارفة بقطع النظر عما كانت عليه يوم ثبوتها في الذمة، فإنه لا أثر للارتفاع أو الانخفاض في سعر الصرف على الدين الثابت في الذمة.
ويلزم المدين عند حلول أجل الدين برد مثل ما أخذ قدراً وصفة، فإن الديون تؤدي بأمثالها دون التفات إلى ما يطرأ على سعر الصرف من رخص أو غلاء.(3/374)
أحكام طواف الوداع
Oصالح بن محمد الحسن
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - طواف
الخاتمة
الحمد لله الذي شرع الطواف في البدء والختام، وأمر من أجله بتطهير بيته الحرام، والصلاة والسلام على خير الطائفيين، ومبين شرع ربه القويم محمد النبي الأمين، وعلى آله وصحابته أجمعين .. أما بعد
فإن الباحث في أحكام طواف الوداع يتضح له الأمور الآتية:
أولاً: أن الأدلة الواردة في أحكام هذا الطواف أدلة صحيحة ثابت معظمها في الصحيحين، أو أحدهما.
ثانياً: أن طواف الوداع لا يجب إلا في الحج؛ لأن الأحاديث الواردة في إيجابه إنما كانت في حجة الرسول صلى الله عليه وسلم "حجة الوداع"، بل قد ورد في بعضها التصريح بأن المخاطب هم الحجاج، كما في بعض روايات حديث ابن عباس – رضي الله عنهما: "من حج البيت فليكن آخر عهده بالبيت" الحديث. وقد سبق. كما أن هناك فرقا بين الحج والعمرة حيث إن أعمال العمرة في المسجد الحرام فلا يناسبها وداع بخلاف أعمال الحج، فإن بعضها خارج مكة، وهناك فاصل يصل إلى أكثر من يومين بين طواف الإفاضة، ونهاية أعمال الحج، فناسب الأمر بطواف الوداع، ولهذا قال العلماء: لو أخر طواف الإفاضة بحيث بكون آخر أعماله في مكة أجزأه عن طواف الوداع.
ثالثاً: أن العلماء – رحمهم الله – قد أجمعوا على سقوط هذا الطواف عن المرأة الحائض أو النفساء، وأنها لا تنجس حتى تطهر من أجل طواف الوداع، ومن روى عنه القول بوجوب ذلك من الصحابة والتابعين فقد رجع عنه.
رابعاً: أن هناك بعض الأمور المشروعة في المسجد الحرام، يذكرها العلماء عقب طواف الوداع، وهي دخول البيت، والالتزام في الملتزم، والشرب من ماء زمزم. وهذه أمور مشروعة ثابتة، ولكنها لا ترتبط بالوداع فهي مشروعه في كل وقت.
خامساً: أن هناك بعض الأمور غير المشروعة، ذكرها بعض الفقهاء بعد الوداع، مثل الخروج من المسجد بعد الوداع ووجهه إلى الكعبة وظهره إلى الباب رجعة القهقرى، ومثل زيارة بعض المشاهد، ومثل وقوف المرأة الحائض بباب المسجد الحرام وهي كلها أمور غير مشروعة لم تثبت بدليل صحيح فهي داخله في باب البدع المنهي عنها. والله أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين.(3/375)
أحكام تغيير قيمة العملة النقدية وأثرها في تسديد القرض
Oمضر نزار العاني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نقود وعملات وأوراق تجارية
الخاتمة
الحمد لله مستحق الحمد، والصلاة والسلام على من لا نبي من بعده، وبعده:
من خلال العرض والتحليل الذي سار عليه البحث، وبعد دراسة أقوال الفقهاء على اختلاف مذاهبهم وأدلتهم، ودراسة طبيعة الأوراق النقدية من خلال ما عرضه الباحثون في الاقتصاد والمالية، فبالإمكان إيجاز أهم ما توصل البحث إليه من نتائج، تلحقها بعض الاقتراحات كالآتي:
النتائج:
1 - القرض من الأعمال التي يتقرب به العبد إلى ربه طامعاً في الأجر العظيم الذي يناله من خلال تفريج كربة عن مسلم ورفع ضائقة عنه.
2 - القرض من عقود الإرفاق، ومقصده الأسمى إمهال ذي العسرة، سعياً إلى خلق مجتمع متكافل تسوده السماحة والإخاء.
3 - يجوز الإقراض بأي نقد متعارف عليه عند التجار وعند الناس ولا فرق في ذلك بين النقد نقداً بأصل الخلقة، أو نقداً بالاصطلاح.
4 - لا يجوز أن يتعامل بالعملة الورقية على أساس النقدين الذهب والفضة، مما يترتب عليه اختلاف أحكامها تبعاً لاختلاف ماهيتها.
5 - الدولة هي المسؤول الأول عن التضخم وتصعب احتمالية كون المدين أو الدائن سبباً فيه، مما يجعل قياس التضخم على الجائحة أمراً وارداً وفيه نظر.
6 - سياسة الانكماش هي من الوسائل التي تتخذها الدولة في سبيل تقوية قيمة عملتها وسحب النقد الزائد من أيدي الناس وبالتالي فالدولة أيضاً هي المسؤولة عن الانكماش.
7 - عملية التضخم والانكماش تسبب بطبيعة الحال ضرراً على حساب أحد المتداينين، فالدائن متضرر في ظل التضخم ومنتفع في حالة الانكماش على عكس المدين المنتفع في ظل التضخم والمتضرر في حالة الانكماش، لذا وجب النظر إلى كل من الدائن والمدين على حد سواء في أي من الأحكام المتخذة.
8 - استخدام عملية الربط بالأرقام القياسية قد يصار إليها عند انعدام الثقة بالنقود الورقية بسبب ما يطرأ عليها من ارتفاع وانخفاض في قيمتها مقارنة مع السلع.
9 - يفرق بين أنواع الزيادات على القروض حسب ماهيتها، إجبارية مشروطة، إحسانية، أو إثر مماطلة في الحقوق. مما يترتب عليه حدوث الربا في بعضها دون الأخرى حسب نوع العقد المبرم والمتفق عليه.
10 - إصدار الدولة عملة محل الأخرى، يوافق ما جاء به الفقهاء في بحثهم مسألة بطلان النقود، على أنه يفرق اليوم في نوعية الإصدار وأسبابه وتأثيراته على العملة الملغاة أو المستبدلة إن كانت بنفس القيمة أو بقيمة مغايرة تماماً، كالآتي:
أ- إذا كان الإصدار نتيجة تقدم حضاري، وازدهار اقتصادي، وللعملة الجديدة نفس القيمة التبادلية في السوق مع الذهب والسلع والعملات الصعبة فإن الدائن: له المثل عدداً من غير زيادة أو نقصان يتحصل به على دينه عند انتهاء مدة العقد، ولا فرق إن رد القرض من جنس العملة الجديدة أو القديمة، لأن كلا العملتين جنس.
ب- إذا كان الإصدار نتيجة كوارث حربية، وانهيارات نقدية تضخمية انكماشية، وتم إلغاء العملة وإصدار أخرى محلها مختلفة القيمة، وجب على المدين رد القيمة من غير جنس العملة القديمة. وفي ذلك تفصيل على الوجه الآتي:
- إذا ألغيت العملة ولم يحن وقت السداد، حسبت قيمة القرض يوم قبضه.
- أما إذا ألغيت العملة وصادف إلغاؤها تاريخ الوفاء فعلى شكلين:(3/376)
الشكل الأول: إذا كان الفرق بين قيمتي العملة طفيفاً [ويمكن احتساب التغير الطفيف قياساً على التضخم الزاحف Creeping Inflation الذي تتراوح فيه انخفاض معدل قيمة النقد (أو معدل ارتفاع الأسعار) في السنة من 3% - 5% في البلدان الصناعية. على أن الاقتصاديين يطلقون وصف الاستقرار على وضع لا يزيد فيه معدل ارتفاع الأسعار عن 2%] أخذ بالمثل ففي ذلك زيادة في الإحسان في إنظار ذي العسرة.
الشكل الثاني: أما إذا كان الفرق شاسعاً، والتغير فاحشاً رد القرض بالقيمة.
11 - المال المثلي يبقى مثلياً، والمال القيمي يبقى قيمياً، إلا أن الذي يختلف حالة السداد عنه عدم تيسر أحدهما نلجأ إلى الآخر، وفيما يخص العملة الورقية فالتغير هو حال السداد من المثل إلى القيمة، لا صيرورة العملة الورقية قيمية.
12 - الغلاء والرخص في قيمة النقود لا يلتفت إليه إن كان ضمن حدود التضخم الزاحف والتفاوت الطبيعي في أسعار السلع، أما إذا كان تغيراً فاحشاً فيطبق عليه أحكاماً أخرى حسب حدوثها، وتراعي في كل حالة ظروفها وملابساتها.
13 - الاختيار الأمثل في اتخاذ معيار للتقويم في الظروف المتقلبة هو أن يصار إلى دينار إسلامي تقوم الدول الإسلامية جمعاء بالتعامل به، أو أن يقوم بالذهب، فإن تعذر فيصار إلى سلة السلع، أو إلى عملة صعبة.
14 - الطريق الأمثل للدائن والمدين في مثل هذه الظروف هو التراضي والتسامح ليتحقق المغزى المراد من القرض من الإحسان والبر، ولكي لا ينقطع سبيل المعروف بهذه الأمة.
الاقتراحات:
يؤكد الباحث على التوصيات والاقتراحات التي أقرتها لجنة المجمع الفقهي في دورتها التاسعة المنعقدة في: أبو ظبي – الإمارات العربية المتحدة، والتي تدعو إلى عقد ندوة متخصصة تجمع بين الأمانة العامة للمجمع وإحدى المؤسسات المالية الإسلامية والاستعانة بذوي الاختصاصات في الفقه والاقتصاد لحل مشاكل تغير قيمة العملة.
يرى الباحث ضرورة قيام مجموعة من الفقهاء بدراسة نظام القرض المتعامل به الآن في البنوك بغية التوصل والتعرف على ضوابط القرض وشروطه ومعرفة الموافق منها للشريعة الإسلامية واقتراح التعديلات المناسبة على المخالف منها والمتعارضة مع أصول الشريعة الإسلامية من أجل تقريب نظام البنوك الحالي إلى نظام اقتصادي إسلامي. وهذا يعد من الخطوات التي تهدف إلى أسلمة أنظمة البنوك.
من خلال الدراسة وجد الباحث أن لجان الرقابة الشرعية في البنوك الإسلامية كبنك فيصل الإسلامي السوداني وغيره من البنوك كان لها الأثر الكبير في تفعيل عمل البنوك الإسلامية وإثراء المكتبة الإسلامية بالبحوث القيمة التي حولت البنك الإسلامي إلى واقع عملي. ولذلك يقترح الباحث ضرورة إنشاء لجان رقابة شرعية متخصصة في علوم الشرع والاقتصاد لتؤدي الوظيفة المثلى التي أدتها لجان الرقابة المشار إليها.
كما يقترح الباحث أهمية الاستفادة من الخبرات المتراكمة عند مؤسسي البنوك الإسلامية والذين سعوا إلى تطويرها، لما لهم من دراية وخبرة بحسنات وسلبيات أنظمة القروض والتعامل بها والمشاكل التي واجهتهم وكيفية معالجتها في نظام إسلامي يحرم في أولى بنوده الربا ومثيلاته. ولو كان بالإمكان جعل هؤلاء المتخصصين في هيئة استشارية عالمية دائمة يكون مقرها إحدى الدول الإسلامية لتكون مرجعاً لجميع المؤسسات والبنوك التي تحاول العمل بنظام مالي إسلامي.
توحيد التعامل بعملة إسلامية على غرار العملة الأوربية المشتركة "اليورو" الأمر الذي سيعود بالخير والاستقرار على جميع الدول الإسلامية وسيوفر دعماً لجميع الدول في حالة إصابتها ببعض الانهيارات الاقتصادية التي قد تتأثر بها إحدى هذه الدول فتجد الأخيرة مسانداً من غير أن يؤثر ذلك على اقتصادها.(3/377)
أحكام فن التمثيل في الفقه الإسلامي
Oمحمد بن موسى الدالي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تمثيل - رقص
الخاتمة: في نهاية هذا البحث المتواضع، وبعد ذلك الجهد اليسير أتوجه إلى الله تبارك وتعالى بالحمد والثناء على أن منَّ عليَّ بفضله وتوفيقه حتى أتممت هذا البحث، سائله جل وعلا أن ينفع به، وأن يجعل ما كتبته فيه خالصا لوجهه الكريم، كما أسأله جل ذكره المزيد من فضله وتوفيقه لما يحبه ويرضاه. كما يحسن بي في هذا المقام أن أشير باختصار إلى ما توصلت إليه من نتائج خلال هذا البحث، وهي كالآتي:
1 - جواز التمثيل بالشروط والضوابط الشرعية السالف ذكرها، وأن من قال بالتحريم، فإنه إما متوجه إلى التمثيل المتحلل من كل القيود والضوابط الشرعية، وهذا محرم باتفاق، أو متوجه إلى التمثيل ككل، وقد تبين من خلال الأدلة عدم قوة هذا القول.
2 - أن من أهم شروط جواز التمثيل بعد تجريده من سائر المحرمات الموجودة في التمثيل الهابط الموجود في الساحات، ومن أهم هذه الشروط هو عرض الأعمال الدينية أو التاريخية على لجان علمية شرعية متخصصة، واعية للفكر الذي تحمله تلك الأعمال.
3 - كون التمثيل يأتي في مرحلة متأخرة بعد الكتاب والسنة وانتهاج منهج السلف الصالح في الدعوة إلى الله، وأنه متى تيسر دعوة الناس بهذه الأصول ففيها غنية عن سواها.
4 - تحريم تمثيل الذات الإلهية، وأن هذا من الكفر البواح، كما يحرم تمثيل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما يحرم تمثيل الصحابة كلهم على ما اخترته، وتحريم تمثيل سائر ما يتعلق بعالم الغيب من ملائكة أو شياطين.
5 - أنه لا مانع من تمثيل الأئمة والعلماء والصالحين والقادة والزعماء إذا ما كانت المصلحة تقتضي ذلك، كما يجوز تمثيل القصص القرآني، مع الالتزام بسائر ما ذكر من شروط وضوابط شرعية.
6 - تحريم تمثيل القصص الأسطوري والخيالي، إلا ما كان نافعا في أمر من أمور الدنيا، كالأعمال الهندسية أو الطبية، والتي لا يحيلها العقل أو العلم الحديث.
7 - أنه لا يجوز بحال التلفظ بأي لفظ من ألفاظ الكفر، من سب لله تعالى أو لرسوله أو لكتابه أو لدينه أو اللمز بشيء من شرائع الإسلام، وأن هذا موجب لردة قائله، مهما كانت المصالح المنشودة من وراء تلك الأعمال، حيث كانت مفسدة التلفظ بالكفر أعظم من تلك المصلحة، وقد جاءت الشريعة بجلب المصالح ودفع المفاسد.
8 - أن الممثل الكافر لا يكون مسلما بمجرد النطق بالشهادتين، دون تصديقهما أو العمل بمقتضاهما، من الالتزام بسائر أحكام الإسلام الأخرى، من صلاة وزكاة وصيام وحج، مع الإقرار التام والإذعان لشرع الله.
9 - أنه لا يجوز إقرار الممثل الكافر على قول أو فعل الكفر، أو إظهار أي شعيرة من شعائر دينه الباطلة.
10 - أن بيع الممثل وسائر ما يجريه من عقود مالية من بيع أو شراء أو إقرار ونحو ذلك أثناء العمل التمثيلي لا يلزمه شيء منها على الراجح من أقوال أهل العلم، بخلاف نكاحه وطلاقه فإن هزله بها واقع على ما عليه الأكثرون.
11 - تحريم وقوع عقد النكاح أو الطلاق أثناء العلم التمثيلي لما لهذه العقود من خطر واحترام في الشرع.
12 - بطلان نكاح الممثلة نفسها أثناء العمل التمثيلي، بناء على أن الولي شرط في صحة النكاح، وهذا لا يعني حل هذا العمل، بل هو محرم، كذلك إذا كان العاقد لها أجنبياً عنها، أما إذا كان العاقد وليها الأصلي كأبيها أو أخيها فإن الراجح انعقاد النكاح.(3/378)
13 - تحريم نسبة الممثل إلى غير أبيه ابتداء لتحريم التبني، أما إذا كان قد اشتهر بهذه النسبة، ولم يذكر إلا على وجه التعريف، ولم ينسلخ من أبيه كما جاء في الصور المحرمة شرعا، أو كان ذلك في العمل التمثيلي وينتهي بمجرد إنهاء العمل فلا بأس بذلك.
14 - أن يمين الممثل يمين منعقدة على الصحيح؛ وذلك أنه قصد اللفظ، وهو السبب الذي جعله الشارع موجبا فإما أن يبر بيمينه أو يخالف ويُكَفِّر، فالأسلم بالنسبة للممثل في حال قسمه بالله، إما أن يقسم على شيء يمكنه فعله ويفعله؛ ليكون قد التزم بيمينه، أو يترك الحلف مطلقا؛ إذ لا حاجة إليه.
15 - أنه لا يجوز الحلف بغير الله، أو بملة غير الإسلام، أو باللات والعزى، أو هو يهودي أو نصراني ونحو ذلك من صور الحلف المحرم، أو الحلف الكاذب، وإذا وقع شيء من ذلك أثناء التمثيل كان حراما، وهو مما لا يجوز أن يدخله الهزل.
16 - لا يجوز تقليد الحيوانات في أي شيء من خصائصها، سواء في أصواتها أو حركاتها، إلا ما وقع على وجه المداعبة للصغار لإدخال السرور عليهم، فإذا ما فعله الممثل على هذا الوجه المذكور كان جائزا، وهو عام يشمل ما إذا كان في أصواتها أو هيئتها.
17 - لا يجوز للممثل السجود لغير الله، وقد جاءت الشريعة بتحريم التشبه بالكفار في كل ما هو من خصائصهم، ولا شك أن السجود لغير الله من أعظم خصائصهم.
18 - يحرم على الممثل التزيي بزي الكفار بناء على الأصل السابق من تحريم التشبه بهم، كبعض البرانيط، وأغطية الرأس، إلا ما زال عن كونه شعارا للكفار فإنه يجوز فعله ما لم يكن محرما لعينه.
19 - إذا كان هناك مصلحة في التزيي ببعض أزياء الكفار، كبيان صورة انهزام العدو، وفراره وهروبه من صف المعركة وانخذاله، والصورة لا تكون كاملة إلا بأن يظهر هؤلاء الكفار كما لو كانوا حقيقة، فقد تسوغ هذه المصلحة هذا الفعل.
20 - يحرم التشبه بالفساق، وقد جاءت نصوص الشريعة بذلك، والممثل في تشبهه بالفساق له أحوال: الأولى: إما أن يكون على وجه الدعوة إلى هذا الفسوق، فهذا حرام. الثانية: ألا يكون على وجه الدعوة، لكن يعرض العمل ويقر هذا النوع من الفسوق فيه، وهو حرام أيضا. الثالثة: أن يكون للتنفير منه وبيان عاقبته وسوئها، فهذا جائز بشروط وضوابط، أهمها ألا تكون الجريمة مشتهرة معروفة عند الناس، فالأولى حينئذ عدم تناولها بالعرض.
21 - لا يجوز الاستعانة بغير المسلم في الوظائف الخطيرة، كالإخراج والتأليف وكتابة الحوار والإنتاج، أما إذا كانت الأعمال التي يستعان بهم عليها من الأعمال التي لا تؤثر، ولا يكونون فيها إلا مجرد عناصر غيري فاعلة، كالمصور، ومصمم اللوحات، ومسجل الصوت، فالأقرب جواز الاستعانة بهم في نحو ذلك.
22 - لا يجوز للممثل غير المسلم أن يمسك القرآن، أو حتى صورته غير الحقيقية حتى لا يغتر بذلك فيعتقد جواز ذلك له. 23 - أن الممثل غير المسلم الذي أتى بجزء من الصلاة أثناء العمل التمثيلي، كالقيام أو الركوع أو السجود، ونحوها دون أن يعتقد الإسلام مع تصريحه بذلك، بل ودون أن يأتي بأي ذكر أثناء صلاته، أنه لا يحكم بإسلامه بمجرد ذلك.
24 - أن الممثل غير المسلم يجوز له يأتي بما ليس خاصا بالمسلمين من هيئات العبادة كالسجود والركوع أو رفع يديه بالدعاء؛ إذ غايتها هيئة تعظيم لله عز وجل، إلا إذا علم أنه أراد بذلك الاستهزاء فإنه يمنع من ذلك.
25 - يجوز للممثل أو المصور غير المسلم دخول المسجد على ما اخترته، بالشروط والضوابط المذكورة آنفا.
26 - الأحوط للممثل ألا يركب اللحية المستعارة، بل يعفي لحيته ويقوم بالعمل الذي يتطلب ذلك.(3/379)
27 - يجوز للممثل تغيير سواد الشعر أو اللحية أو الأبيض إذا تطلب العمل التمثيلي ذلك، بناء على أن الأصل الحل والإباحة.
28 - يجوز للممثل وضع المساحيق التي يحتاجها الدور بالشروط السابق ذكرها، مع كون أبرز تلك الشروط عدم الضرر عليه في ذلك.
29 - أنه يجوز للممثل أداء بعض الشخصيات التي قد تكون مصابة بعمى أو شلل أو صمم أو خرس، أو عرج أو حدب، على تفصيل في ذلك، إلا ما كان على وجه التنقص فإنه يحرم فعل ذلك.
30 - لا يجوز للممثل أن يعرض نفسه للمخاطر، كأن يقفز من أماكن مرتفعة أو يعرض نفسه للحرائق ونحوه، إلا إذا قام بهذه الأعمال شخص متمرس عليها، لا يلحقه بذلك ضرر وأذى لخبرته.
31 - أنه لا يجوز للممثل بحال القيام بدور يتشبه فيه الرجال بالنساء أو بالعكس، لما في الشريعة من تحريم ذلك والتشديد فيه.
32 - إذا كان لابد في العمل التمثيلي من إظهار الممثل وهو يصلي، فلا يجوز له أن يصلي جزءاً من الصلاة، بل يأتي بصلاة كاملة تامة الشروط والأركان والواجبات.
33 - جواز الرقص للرجال أثناء العمل التمثيلي كالرقص بالسيف أو بالرماح أو بالعصي، وذلك مع الالتزام بسائر شروط ذلك.
34 - لا يجوز الرقص مطلقا للنساء؛ سدا للذريعة، وحسما لمادة الفساد التي قد تترتب على ذلك، مع كون السنة لم تأت بذلك للنساء، إنما الوارد في العرس الضرب بالدف.
35 - أنه لا يجوز للمرأة مطلقا المشاركة في الأعمال التمثيلية، سواء كانت من القواعد أم من الشابات، وسواء كانت بحجاب أم لا، وسواء في ذلك المرئية أم الإذاعية سدا للذريعة، سوى ما قد يكون بينها وبين النساء خاصة في المجامع النسائية كالمدارس النسائية، ونحوه.
36 - أنه يجوز للمرأة مشاهدة الأعمال التمثيلية الهادفة التي تقدم عبر شاشات التلفاز أو المسرح، إلا أن هذا مشروط بعدم الفتنة أو قصد التلذذ بالنظر إليهم، فإذا وجد ذلك كان محرماً عليهن، كما يجوز لهن مشاهدة البرامج الدينية أو العلمية النافعة.
37 - تحريم الاختلاط بين الذكور والإناث حتى في الأعمار الصغيرة جدا.
38 - أنه لا بأس في أخذ الممثل أجرا على عمله التمثيلي المباح، الملتزم بشروط الجواز فيه، إذ هذا ما تقتضيه قواعد الشرع.
39 - أن الممثل إذا تاب من التمثيل المحرم، فإن كانت توبته بمجرد علمه بالحكم، وكان جاهلا بالتحريم قبل البيان، فإن أمواله حلال له، وأما إذا كان الممثل عالما بالتحريم ابتداء، أو كان جاهلا به ثم علم وأصر ولم يتب، ثم تاب بعد ذلك، وقد جمع مالا، فهو مالا محرم لا يجوز إبقاؤه.
40 - أن الصحيح أن الممثل إذا أراد أن يتخلص من أمواله التي جمعها من أعمال تمثيلية محرمة أنه لا يردها على الذي أخذها منه، من منتج أو موزع أو شركة اسطوانات ونحوه، وحينئذ يجب التخلص منها، وذلك بإنفاقها في وجوه الخير على الراجح، بل وحتى الممثل التائب يأخذ منها ما يكون رأس مال له.
41 - على ما ترجح تجب الزكاة في أموال الممثل التي جمعها من أعمال محرمة باعتبار تعلق حق الغير بها.
42 - أن إتلاف الأموال في الأعمال التمثيلية على ثلاثة أوجه، إما أن تكون أعمالا كوميدية أو أعمالا عنيفة، فهذه لا يجوز إتلاف الأموال فيها، أما إذا كانت تلك الأعمال طيبة تحمل أهدافا كريمة، كبيان انتصارات المسلمين في الملاحم العسكرية، أو انهزام صف الكفار، ونحو ذلك فإن هذه النفقات جائزة؛ لأنها بمثابة ثمن الآلة في أي عمل.(3/380)
43 - إذا تمحضت المصلحة في التمثيل داخل المسجد فإنه لا بأس بذلك بشرط التزام سائر فريق العمل بالأحكام الواجبة للمسجد، من وجوب التطهر للبقاء فيه، وأداء تحية المسجد عند دخوله، وعدم فعل ما يخل بحرمته، من تدخين وبصاق وبيع وشراء ورفع أصوات ولغط وشجار ونزاع أو سباب ولعان وشتم، ونحو ذلك مما فيه امتهان وانتهاك لحرمته. أما إذا كانت المصلحة متمحضة لغير الإسلام فإنه لا يجوز ذلك، مع كون الأفضل الاستغناء عن ذلك بالمجسمات صيانة للمسجد. 44 - لا بأس بدخول أماكن عبادة غير المسلمين حيث كانت المصلحة متحققة في ذلك، كالدخول لأداء الأعمال التمثيلية، وذلك مشروط بكون الهدف من هذه الأعمال نافعا، فهو الذي يحقق المصلحة، كأن يكون المقصود بيان ما هم عليه من الضلال والغي والكفر، أو بيان كيدهم ومخططاتهم ضد الإسلام وأهله، أما دخولها مع إقرار أهلها على ما هم عليه من الباطل فإن هذا لا يجوز.
45 - لا يجوز إتلاف آلات اللهو التي يمكن استعمالها استعمالا مباحا بعد إذهاب ما فيها من مادة الفساد، إلا إذا رأى الحاكم إتلافها تعزيرا وعقوبة لأصحابها، ومن ذلك أشرطة الفيديو أو أشرطة العرض التي حفظت عليها أعمال تمثيلية محرمة فإنه يمكن أن تمسح المادة من عليها ويعاد استعمالها مرة ثانية، أما إذا كان لا يتصور لهذه الآلات إلا الاستعمال المحرم فإن الواجب إتلافها لكن بشرط ألا يترتب على ذلك فتنة.
46 - الواجب على من أتلف هذه الآلات ضمانها وذلك فيما إذا أمكن استعمالها على وجه مباح بعد إذهاب ما فيها من منفعة محرمة، أما إذا كانت لا تستعمل إلا على الوجه المحرم فالأظهر عدم الضمان، إلا إذا رأى ولي الأمر الإلزام بذلك كسياسة لمنع الفتن والفساد.
47 - إذا كانت هذه الوسائل يمكن استعمالها على وجه مباح بعد الإتلاف فلا بأس بالتبرع بها، وذلك بعد إتلاف ما فيها مما يستعمل استعمالا محرما.
48 - جواز التصوير السينمائي لما فيه مصلحة دينية أو دنيوية، كأن تصور بها المحاضرات الدينية أو الدروس والبرامج العلمية، أو تصوير ما يصيب أو يحل ببعض البلاد من مآس وأحزان، أو تصوير الظواهر الكونية ونحو ذلك. 49 - جواز استماع الأناشيد بالشروط والضوابط المذكورة، وأنه يجوز أن يستعمل النشيد كمؤثر صوتي، كما يمكن الاستغناء عن ذلك بتلاوة آية من كتاب الله تناسب الحدث المعروض، فإن كان يتناول الخروج للجهاد قرئت آيات في ذلك، أو قرئ حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم يحمل نفس المعنى، وهكذا.
50 - لا يجوز الذهاب لدور عرض الأعمال التمثيلية الموجودة في الساحة حاليا من مسرح أو سينما ونحوه، لاشتمالها على أنواع من المحرمات شتى، أما الذهاب إلى دور العرض التي لا تعرض من الأعمال إلا ما كان هادفا – وما أقلها وأندرها – فإنه يجوز ذلك بشروط وضوابط سبق بيانها، مع كون الأحرى بالمسلم أن يربو بنفسه عن هذه الدور، سيما أنه يمكن الآن مشاهدة تلك الأعمال عبر الفيديو أو أشرطة الكمبيوتر.
والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام(3/381)
أحكام نقل أعضاء الإنسان في الفقه الإسلامي
Oيوسف بن عبدالله الأحمد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طب وصحة - الموت الدماغي وزراعة الأعضاء
الخاتمة
الحمد لله الذي منّ علي بإتمام هذا البحث وأسأل الله الكريم أن يبارك فيه وأن أكون قد وفقت فيه للصواب.
وقد اشتمل البحث على أربعة أبواب،
فكان الباب التمهيدي: في دراسة القواعد والأصول الشرعية التي يتخرج عليها الحكم في نازلة نقل الأعضاء،
والأبواب الثلاثة المتبقية: في الدراسة التفصيلية لمسائل نقل الأعضاء، بدءً بالتصور الطبي لكل مسألة، ثم بدراسة الجانب الشرعي فيها.
وأعرض هنا ملخصا لأهم نتائج البحث:
أولا: القول الراجح الشرعي في حكم التداوي: إنه تعتريه الأحكام الفقهية الخمسة، الواجب والاستحباب والإباحة والكراهة والتحريم، والمؤثر في تحديد الحكم، قواعد الضرورة ورفع الحرج والنظر في المآل وقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.
ثانيا: إن الله تعالى أوجب على العبد حفظ نفسه وجعل العبد صاحب الحق في بدنه بالإذن والمنع فيما أباح الله، ويشمل ذلك ما يكون في حياته وما يأذن به بعد وفاته، وإن أولياء الميت هم أصحاب الحق في بدنه من بعده فيكون لهم من بعده حق الإذن والمنع في بدنه فيما أباح الله جل وعلا وما يعود عليه بالنفع.
ثالثا: لا يجوز بيع أعضاء الإنسان وقد تتابع العلماء المعاصرون على هذا الحكم.
رابعا: القول الراجح في بدن الإنسان: أنه طاهر في حال الحياة وبعد الممات مسلما كان أو كافرا.
خامسا: أجمع العلماء على نجاسة دم الإنسان ولا يعفى عنه إلا اليسير وقد حكى الإجماع أو الاتفاق عليه – فيما وقفت عليه - تسعة من أهل العلم ولم أقف بعد البحث على خلاف إلا من بعض العلماء المتأخرين وهم: الشوكاني وصديق حسن خان والألباني رحمهم الله.
سادسا: حقيقة الموت والوفاة شرعا: مفارقة الروح للبدن، وخروج الروح إنما يعرف بالعلامات الحسية للموت ولا يثبت الموت إلا بعد تحقق العلم اليقيني بالموت فلا يكفي مجرد الشك أو غلبة الظن.
سابعا: حقيقة الموت الدماغي طبيا: توقيف في وظائف الدماغ توقفا لا رجعة فيه، واختلف أهل الاختصاص الطبي في تحديد هذا التوقف على رأيين:
الرأي الأول: أن موت الدماغ هو توقف جميع وظائف الدماغ (المخ والمخيخ وجذع الدماغ) توقفا نهائيا لا رجعة فيه، وهذا رأي المدرسة الأمريكية.
الرأي الثاني: أن موت الدماغ هو توقف وظائف جذع الدماغ فقط توقفا نهائيا لا رجعة فيه، وهذا رأي المدرسة البريطانية.
ويتبع هذا الخلاف خلافات تفصيلية في شروط تشخيص الموت الدماغي، وخلافات أخرى لا علاقة لها باختلاف المدرستين في تعريف الموت الدماغي، ومن ذلك: اختلافهم في تطبيق مفهوم موت الدماغ في الأطفال فعدد من مراكز زراعة الأعضاء العالمية تستبعد الأطفال من تطبيق موت الدماغ.
ثامنا: القول الراجح في الموت الدماغي: أنه ليس نهاية للحياة الإنسانية، بل يعتبر الميت دماغيا من الأحياء، فالموت الدماغي لا يعني خروج الروح، والأصل بقاء الروح، وأكثر الأطباء الاستشاريين الذين كتبوا الاستبانة العلمية عن الموت الدماغي، يرون أن الميت دماغيا لم يصل إلى مرحلة الموت النهائي، وأنه لا تطبق عليه أحكام الموت الشرعية.(3/382)
ثم إن حال الميت دماغيا بأوصافه المذكورة في مبحث التصور الطبي تدل في ظاهرها على بقاء الحياة فالقلب ينبض والدورة الدموية تعمل وعامة أعضاء البدن سوى الدماغ تقوم بوظائفها كالكبد والكلى والبنكرياس والجهاز الهضمي والنخاع الشوكي وغير ذلك، ولذلك فإنه يتبول ويتغوط ويتعرق وحرارة جسمه ربما تكون مستقرة كحرارة الحي السوي (37 درجة مئوية) وربما تكون مضطربة أو منخفضة، وهو مع ذلك فإنه قد يصاب بالرعشة وقد يصاب بخفقات القلب أو بارتفاع الضغط أو بانخفاضه وقد يتحرك حركة يسيرة، كحركة أطراف اليدين أو القدمين، وقد يتحرك حركة كبيرة كرفع إحدى اليدين أو إحدى القدمين أو رفع اليدين مع العاتقين إلى الأعلى وهي الحركة المسماة بـ (حركة لازارس) وتظهر هذه الحركات غالبا عند رفع المنفسة أو عند الضغط على بعض أعضاء الميت أو عند فتح صدره وبطنه لاستئصال أعضائه أو عند قطع الأوعية الكبيرة عند استئصال أعضائه.
وعند عملية استئصال أعضائه فإن طبيب التخدير يحقنه بدواء (مشلل أو مرخي للعضلات) ويبقى طبيب التخدير في مكان مراقبة المريض في نبضه وضغطه وغير ذلك, فإذا انخفض ضغطه حقنه بدواء يرفع الضغط فيستجيب بدن الميت دماغيا إلى الحال المطلوب فظاهر من هذه حاله أنه من أهل الحياة.
وهذا القول هو قرار هيئة العالم الإسلامي وما أفتى به لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف بالكويت، خلافا للمشهور بين الأطباء والعاملين في مراكز زراعة الأعضاء.
تاسعا: نقل الأعضاء التي تتوقف عليها حياة الإنسان من الميت دماغيا له حالان:
الحال الأولى: أن يكون النقل من مسلم وحكمه التحريم لأن أعضاءه لا تؤخذ إلا بقتله فيكون حينئذ قتل عمد موجب للقصاص.
الحال الثانية: أن يكون النقل من كافر وله صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون النقل من كافر معاهد في بلاد الكفار إلى مسلم سواء أكانت زراعة العضو في بلادهم أو بنقل العضو إلى بلاد المسلمين لزراعته في معصوم [الدم]، فالأصل في هذه الصورة الجواز لأننا لم ننقض العهد الذي بيننا وبينهم.
الصورة الثانية: أن يكون نقل العضو من كافر معاهد في بلاد المسلمين إلى معصوم، وهذه الصورة لم يتبين لي وجه الجواز فيها فهي محل اشتباه وتوقف والله تعالى أعلم بالصواب.
عاشرا: يجوز نقل الدم والنخاع للعلاج ولم أقف على من خالف في هذا الحكم من العلماء المعاصرين.
حادي عشر: يجوز النقل الذاتي للجلد والعظام ولم أقف بعد البحث على من قال من أهل العلم المعاصرين بخلافه.
ثاني عشر: يجوز نقل الجلد والعظام وقرينة العين من الأموات، من البنوك العالمية للأعضاء التي توجد في غير بلاد المسلمين.
ثالث عشر: نقل الكلية من الأحياء، فيها خلاف قوي بين العلماء المعاصرين ولعل الأقرب إلى الرجحان فيها هو القول بالتحريم لأن ضرورة علاج الفشل الكلوي مدفوعة بالغسيل الدموي أو البريتوني، فلا ضرورة شرعية حينئذ تبيح استئصال الكلية من المعصوم ويتحمل لأجلها المضاعفات التي قد تلحق المتبرع والمتلقي وبعضها في غاية الخطورة
رابع عشر: لا يجوز للمبصر بعينيه أن يتبرع بقرنيتيه ولم أقف على من خالف في هذا الحكم من العلماء المعاصرين، ولا يجوز له أيضا أن يتبرع بإحدى قرنيتيه على القول الراجح.
خامس عشر: لا يجوز نقل الصمامات القلبية من الموتى دماغيا أو من الموتى حقيقية من المسلمين لأن ضرورة المريض مدفوعة بالصمام الصناعي أو الحيواني، أما نقله من الموتى دماغيا حقيقة من غير المسلمين فهو محل اشتباه وتوقف ولم يتبين لي وجه الرجحان فيه والله تعالى أعلم بالصواب.(3/383)
سادس عشر: يجوز النقل الذاتي للصمام في القلب وهو استبدال صمام الأبهر المصاب بالصمام الرئوي ويجوز أيضا النقل الذاتي للشريان الصدري الداخلي أو الشريان الوحشي في الذراع أو بعض شرايين المعدة أو أوردة الساق والفخذ لعلاج ضيق الشرايين التاجية في القلب، بجعل الشرايين والأوردة المزروعة وصلات لتخطي مكان الضيق في الشرايين التاجيه ولم أقف بعد البحث على من قال من أهل العلم المعاصرين بمنع النقل الذاتي لها.
سابع عشر: القول الراجح في نقل الأعضاء التناسلية هو التحريم مطلقا لأن زراعة الأعضاء التناسلية من العمليات الخطيرة التي لا تجوز إلا في الضرورة وعلاج العقم ليس من الضرورة الشرعية لأفراد الناس، ثم إن عمليات زراعة الأعضاء التناسلية قد هجرت من الناحية الطبية بسبب عدم نجاحها في الجملة وبسبب إمكان علاج المريض بغير الزراعية في كثير من الأحوال.
وتعظم الحرمة إذا كانت العورة هي العورة المغلظة أو مما ينقل الصفات الوراثية (الخصية والمبيض) لما في نقل العورة المغلظة من امتهان ظاهر للمتبرع والمتلقي ولما في نقل الخصية والمبيض من اختلاط الأنساب وقد أمر الشرع بحفظها.
ثامن عشر: الأقرب إلى الرجحان هو القول بمنع إعادة العضو الذي قطع في حد السرقة أو الحرابة لأن إبانة اليد هو مقتضى القطع والجزاء والنكال الذي أمر الله تعالى به في آية السرقة ولما في إعادة العضو من معنى الاستهانة بحد السرقة والحرابة والحيلة عليه، وإذا علم السارق بأن يده ستعاد كما كانت بعد القطع هان عليه الحد وتجرأ على السرقة.
تاسع عشر: مسألة إعادة العضو الذي قطع في قصاص لا يخلو من حالين:
الحال الأولى: أن يتمكن المجني عليه من إعادة العضو المقطوع منه أو أن يأذن المجني عليه بعد تنفيذ القصاص بإعادة العضو المقطوع، الحكم هنا هو الجواز ولم أقف على من قال بمنع إعادة العضو المقطوع في هاتين الصورتين.
الحال الثانية: إذا لم تحصل الإعادة أو الإذن من المجني عليه فلعل أرجح القولين هو القول بمنع إعادة العضو المبتور في قصاص لأنه بإعادة العضو لا يتحقق تمام القصاص ولما يترتب على إعادة العضو أيضا من مفاسد تنافي مقصود القصاص كجرأة الجناة وإيغار الصدور وإثارة العداء.
العشرون: الأرجح جواز إعادة العضو المبتور خطأ أو بغير حق.
الحادي والعشرون: نقل العضو المبتور حدا أو قصاصا من صاحب العضو على شخص آخر محتاج لهذا العضو: هذه المسألة لم أقف على من بحثها من العلماء المتقدمين أو المعاصرين ولم أقف أيضا على وقوعها من الناحية الطبية العملية وإن كانت ممكنة من الناحية الطبية النظرية، وقد ظهر لي قوة وجه الجواز ولكن هذا لا يعني جزما الترجيح والله تعالى أعلم بالصواب.
الثاني والعشرون: لا يجوز إسقاط الجنين في جميع مراحله من أجل الانتفاع بأعضائه ولا يجوز أيضا أخذ أعضاء الجنين إذا سقط بسبب ذاتي أو محدث بعد مضي الحياة فيكون أخذ الأعضاء منه حينئذ قتلا له.
الثالث والعشرون: السقط عديم الدماغ لا يجوز الانتفاع بأعضائه بعد نفخ الروح، لأن ثبوت موت جذع الدماغ في السقط عديم الدماغ عسير جدا وسبب العسر أن أكثر وسائل تشخيص موت الدماغ غير ممكنة إلا فحص التنفس وهذا محل إشكال كبير عند الأطباء، والإنسان مادام يتنفس بالمنفسة وقلبه ينبض فأخذ الأعضاء منه والحالة هذه قتل له كما سبق.(3/384)
الرابع والعشرون: إذا سقط الجنين لأقل من مائة وعشرين يوما وجزمنا بأنه لم ينفخ فيه الروح وكان سبب سقوطه مباحا فإن الانتفاع بأنسجته لإنقاذ مسلم معصوم من الهلكة أو الضرر جائز إن شاء الله تعالى، عملا بقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد فالانتفاع بأنسجته في علاج المريض المسلم مصلحة تربو على مفسدة تشريح النطفة أو المضغة أو العقلة وأخذ الأعضاء منه، والله تعالى أعلم بالصواب.
الخامس والعشرون: لا يجوز تلقيح البويضات في المعامل لأجل الانتفاع بأنسجتها لما في ذلك من امتهان الإنسان الذي كرمه الله.
السادس والعشرون: ما يجوز نقله من الأعضاء مما ذكر إنما يجوز وفق الشروط العامة التي لابد من اعتبارها في نقل أي عضو من الأعضاء وهذه الشروط هي:
1 - ألا يترتب على المتبرع ضرر بذهاب نفسه أو منفعة فيه كالسمع والبصر والمشي ونحو ذلك حفظا لحق الله تعالى.
2 - ألا يكون النقل إلا بإذن المنقول منه حفظا لحق العبد في بدنه وأخذ العضو دون إذنه ظلم واعتداء.
3 - أن يكون إذن المنقول منه وهو كامل الأهلية فلا يصح من الصغير والمجنون أو بأسلوب الضغط والإكراه واستعمال أساليب الحيل والإحراج حفظا لحق العبد في بدنه.
4 - ألا يكون النقل بطريق تمتهن فيه كرامة الإنسان كالبيع، وإنما تكون بطريق الإذن والتبرع.
5 - أن يكون المنقول له معصوم الدم فهو الذي أوجب الشرع حفظ نفسه بخلاف مهدر الدم كالحربي.
6 - أن تحفظ العورات فلا يجوز الكشف عليها إلا عند الضرورة أو الحاجة الملحة والضرورة والحاجة تقدر بقدرها.
7 - إعمال الأطباء الذين يشرفون على علاج المريض قاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد للمريض والمتبرع، فلا يجري [الطبيب] عملية النقل وانتفاع المريض بها مرجوح، ولا ينقل العضو من الإنسان مع إمكان علاج المريض بوسيلة أخرى، وغير ذلك من الصور والأحوال التي يدور عليها تصرف الطبيب مع المريض بإعماله لقاعدة الموازنة بين المصالح والمفاسد.
السابع والعشرون: التوصيات والمقترحات:
أولا: يبني الفقهاء قولهم في بعض المسائل الفقهية على قول الطبيب ويقيدون أحيانا بالطبيب الثقة أو الطبيب العدل أو الطبيب الحاذق أو الطبيب المسلم وربما جمعوا بعض هذه الأوصاف.
وفي وقتنا المعاصر اتسعت دائرة النوازل الطبية الكبرى ومن خلال المجلات الطبية المحكمة وتنوع الطب إلى تخصصات تفصيلية فالمتخصص في الطب النفسي قد لا تكون لديه المعلومات الوافية عن مفهوم الموت الدماغي، والمتخصص في طب العظام قد لا تكون لديه المعلومات الوافية عن زراعة القلب، وأحيانا أصحاب التخصص أنفسهم قد تخفى عليهم بعض المعلومات المهمة في تخصصهم،
ومن تجربتي في ذلك: أحد أسئلة الاستبانة كان عن حركة الميت دماغيا وكانت إجابة أحد عشر طبيبا استشاريا بأن الميت دماغيا لا يتحرك، وكان من بينهم أربعة استشاريين من ذوي التخصص الدقيق (المخ والأعضاء) مع أن حركة الميت دماغيا من الأوصاف المعروفة والثابتة علميا وقد شاهدتها بنفسي واطلعت على أكثر من عشر دراسات طبية منتشرة في مجلات طبية محكمة تتحدث عن أنواع حركة الميت دماغيا، وبناء عليه فإن طرح السؤال من قبل لجنة شرعية على طبيب حاضر وتنزيل الحكم الشرعي على النازلة بناء على ما أدلى به الطبيب من معلومات فإن النتيجة قد لا تكون سليمة، ولذلك فإنه لابد من تحديد مفهوم الطبيب الثقة في البحوث الفقهية وفق المعطيات السابقة، والذي أقترحه أن يكون الوصول إلى المعلومات الطبية التي يحتاجها الفقيه من الوسائل الآتية:(3/385)
1 - توجيه الأسئلة التي يحتاج الفقيه معرفتها إلى الأطباء فتكون الإجابة من عدد من الأطباء، وأن يكونوا من ذوي التخصص المعني بالمسألة المستجدة وربما احتيج إلى أكثر من تخصص طبي للنازلة الواحدة.
2 - جمع المعلومات الطبية التي يحتاجها الفقيه من الكتب المعتمدة عند أهل الاختصاص الطبي ومن المجلات الطبية العالمية المحكمة.
3 - القيام بعمل استبانة علمية إذا لزم الأمر لجمع أراء عدد كبير من الأطباء.
4 - القيام برحلة ميدانية في موضوع النازلة إذا كان للرحلة أثر في تجلية غموضها.
ثالثا: وضع وسيلة مناسبة لتحقيق التعاون والتواصل بين الفقهاء والأطباء في دراسة النوازل الطبية.
رابعا: عدد من النوازل الطبية بحاجة إلى المزيد من البحث والدراسة ومنها
زراعة جزء من الكبد من الأحياء دماغيا وزراعة الشعر وجراحة التجميل بأنواعها وتقويم الأسنان وربط الأنابيب.
خامسا: ظهر لي من خلال الرحلة الميدانية كثرة المخالفات الشرعية في أروقة المستشفيات وعلى رأسها الاعتداء على الحقوق الشرعية للمسلم بالاختلاط المحرم وكشف العورات وقد حصل الظلم على فئتين:
الفئة الأولى: المرضى وخصوصا النساء في العيادات وغرف التنويم وغرف العمليات.
الفئة الثانية: العاملات في الميدان الطبي الطبيبة والممرضة والإدارية ومن مظاهر الظلم عليها: إلزامهن بالكشف الطبي على الرجال والتعامل معهم ومنعهن من لبس الجلباب الشرعي، والمضايقة بكثرة الحديث معها والاتصال بها بحجة العمل، ويحصل ذلك في الأقسام الطبية وغيرها من أماكن الاختلاط، ومن مظاهر الظلم أيضا إلزامهن بمثل دوام ومناوبات الرجال وهذا يعيق اهتمامها ببيتها.
والواجب شرعا على العاملين في الميدان الطبي العام والخاص وكذلك على المشايخ والدعاة أن يقوموا بواجب الإصلاح والتغيير وفق خطط مدروسة وقد فصلت الحديث عن هذه المواضيع وعلاجها في بحوث أخرى.
وبهذا تنتهي الخاتمة وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ..(3/386)
أخذ المال على أعمال القرب
Oعادل شاهين محمد شاهين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الحمد لله الذي يسر بكرمه ومنه إنجاز هذا البحث، وأعان بقدرته على تجاوز عقباته، وما عرض من صعابه، فالحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات. وفي هذه الخاتمة ـ نسأل الله حسنها ـ أذكر ملخصا لهذه الرسالة يعطي فكرة واضحة عن مضمونها، ومن خلال ذلك أبرز أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال البحث في هذا الموضوع، والتي يغلب على ظني أنها جديرة بالذكر في هذا المقام.
وهذه النتائج ـ في الحقيقة ـ تكشف عن سمات هذا البحث وأصوله العامة، وتعطي للقارئ تصورا عاما وسريعا عما حوته هذه الرسالة، وبيان ذلك على النحو التالي:
1 - لا تخفى أهمية المال في حياة الناس، ولهذا كان لابد له من مفهوم واضح بينهم، ونظرا لتنوعه وكثرة أشكاله وصوره في حياة الناس فقد ترك الشارع تحديد مفهومه لعرف الناس في تعاملاتهم، فكل ما عد في العرف مالا فهو المال.
2 - المال في الاصطلاح الفقهي شامل للأعيان والمنافع على السواء كما ذهب إليه جمهور الفقهاء، وخالفهم في ذلك الحنفية، والحق هو ما ذهب إليه الجمهور، لكون المنافع هي المقصودة من الأعيان، ولولاها ما طلبت، ولأنه يمكن حيازتها بحيازة أصلها.
ولأن الأخذ بهذا المفهوم للمال يجعل دائرته تتسع في هذا العصر، لتشمل الحقوق المعنوية كحق الابتكار والاختراع والحقوق الذهنية وغيرها.
3 - أنواع المال المأخوذ على القرب كثيرة من أهمها: الرزق ـ بالفتح والكسر في الراء ـ والأجرة والجعالة، والهدية، والوقف، والوصية، والزكاة. ويختلف حكم المال المأخوذ على القرب باختلاف هذه الأنواع على تفصيل في ذلك سبق بيانه
4 - الرزق هو من أهم أنواع المال المأخوذ على أنواع القرب، وهو ـ في الجملة ـ جائز بالاتفاق، إلا أنه وقع فيه خلاف في بعض المسائل كالقضاء وغيره، وذلك لمدارك أخرى.
5 - الرزق بمفهومه الخاص عند الفقهاء: (هو ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين) وهذا النوع من الأرزاق خاص بما يؤخذ من بيت المال، إلا أن الرزق تتسع دائرته لتشمل ما كان من بيت المال، وما كان من غيره، نحو ما يؤخذ من الجمعيات الخيرية، وبعض الأفراد على أعمال القربة كتدريس القرآن والدعوة ونحو ذلك، ولهذا كان لابد من تعريف الرزق بمعناه العام، وهو أنه: ما يأخذه المسلم إعانة له على أعمال القرب التي يتعدى نفعها للمسلمين.
6 - الإجارة من أكثر أنواع المال المأخوذ على القرب أهمية نظرا لكثرة الخلاف فيها في جل الأبواب، ولهذا قمت ببيانها بتحديد معناها في اللغة والاصطلاح، وبيان حكمها وأقسامها وشروطها؛ لتعلق ذلك كله بمباحث الرسالة
7 - الجعالة صحيحة ومشروعة، خلافا للحنفية الذين عدوها من أنواع الإجارة الفاسدة أو الباطلة، وهي من المعاوضات المأخوذة على القرب، وإن اختلفت عن الإجارة في أشياء كثيرة، من كونها تصح مع جهالة العمل والعامل، وكونها عقد جائز لا لازم، وغير ذلك من الفروق.
8 - الهبة والوقف والوصية ونحوها مما يؤخذ على القرب تعد في حقيقتها في معنى الأرزاق للإعانة على الطاعة، وليست في معنى العوض، إلا أن الهدية قد تأخذ معنى العوض إذا كانت بسبب ولاية من الولايات الشرعية، فحينئذ تحرم على الصحيح. وقد تأخذ حكم الجواز إذا لم تكن بسبب الولاية، والأولى تركها.
9 - بيت المال، وهو الجهة التي تختص بكل ما يرد إلى الدولة أو يخرج منها مما يستحقه المسلمون من مال، وهو يشبه في هذا العصر ما يسمى بوزارة المالية أو الخزانة، وبيت المال يمثله إمام المسلمين أو من يعهد إليه بذلك.(3/387)
ولبيت المال موارد كثيرة منها: الفيء، وزكاة الأموال الظاهرة، وخمس الخارج من الأرض من معدن، وكذا الخارج من البحر، وغير ذلك من الموارد التي سبق بيانها.
10 - ولبيت المال مصارف كثيرة ومتنوعة بحسب تنوع المال الموجود فيه. فالأموال الزكوية والصدقات مصرفها لمن سمى الله في كتابه، وهم الأصناف الثمانية المنصوص عليها.
وأهم مصرف فيه هو الفيء، حيث يصرف منه كل ما يتعلق بالمصالح العامة للمسلمين، كعطاء الجند وأرزاقهم، وتكاليف الجهاد، والمصالح العامة للبلد من مساجد وطرق ومدارس ونحو ذلك، ورواتب الموظفين الذين يحتاج إليهم المسلمون في أمورهم العامة كالقضاة والمفتين والمحتسبين والأئمة والمؤذنين والمدرسين ونحوهم، ممن فرغ نفسه لمصالح المسلمين.
11 - القربة الشرعية: هي ما يتقرب به إلى الله، وهذا هو المفهوم الراجح لمعنى القربة، فإن للعلماء في تحديد معنى القربى اتجاهين: اتجاه يرى أن القربة هي نفس الشيء المتقرب به إلى الله، والاتجاه الآخر على أن القربة هي نفس فعل التقرب، دون النظر إلى ذات القربة من حيث هي.
12 - هناك فرق بين القربة وبين الطاعة والعبادة، فالطاعة أعم من القربة ومن العبادة، فكل قربة أو عبادة طاعة، ولا ينعكس، والقربة أعم من العبادة، فكل عبادة قربة، ولا ينعكس.
13 - القرب تتنوع من حيث حكمها التكليفي، ومن حيث العموم والخصوص، ومن حيث اشتراط النية فيها وعدمه، ومن حيث تعدي نفعها فاعلها وعدم تعديه، فهناك قرب عامة وقرب خاصة، وهناك قرب يشترط فيها النية، وقرب لا يشترط فيها ذلك، وهكذا.
14 - لا يجوز إجماعا الاستئجار على الصلاة عن الحي، سواء أكانت صلاة واجبة، أم كانت صلاة تطوع، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المرء قد تركها متعمدا أم تركها لعذر، وسواء أكان حين تركها صحيحا أم مريضا.
15 - الصلوات المنذورة التي تركها الميت ولم يوف بها يجوز على الراجح من أقوال الفقهاء قضاؤها عن الميت بأجرة، إذا لم يؤدها الولي عنه، ولم يتبرع أحد بأدائها عنه، وعليه فإن الإنسان إذا أوصى قبل موته بقضاء ما وجب في ذمته من صلاة نذر، وكان له تركة، استؤجر من تركته من يقضي هذه الصلوات عنه.
16 - إذا وجد متطوع بالأذان والإقامة حسبة لله تعالى، فإنه لا يجوز في هذه الحالة إرزاق غيره من بيت المال، ولا الاستئجار على هذه الشعيرة العظيمة، فإن عدم المتطوع جاز أخذ الرزق على الأذان حينئذ، وأما الأجرة فالصحيح الراجح من أقوال الفقهاء أنه لا يجوز الاستئجار على الأذان والإقامة إلا للحاجة أو الضرورة، وهي خشية تعطل هذه الشعيرة، وحاجة المؤذن لقوته الواجب.
17 - لا خلاف بين الفقهاء أن ما يعطاه الإمام في الصلوات من غير شرط أن ذلك جائز، سواء أكان ذلك رزقا من بيت المال، أم وقفا، أم هدية، أم نحو ذلك مما يكون على سبيل البر والصلة والإحسان، فإن لم يتيسر ذلك، فإنه لا يجوز الاستئجار على إمامة الصلوات إلا للحاجة أو الضرورة، كما سبق في الأذان
18 - عمارة المساجد وصيانتها من أجل القرب إلى الله تعالى، وقد اتفق الفقهاء على جواز الاستئجار على ذلك.
19 - لا يجوز باتفاق الفقهاء الاستئجار على صلاة الجنازة، أما تجهيز الميت ودفنه، فإنه إن كان فرض كفاية جاز الاستئجار عليه، وإن تعين فإنه لا يجوز ذلك.
20 - النيابة في العبادات التي لها تعلق بالمال كالزكاة والصدقات والمنذورات والكفارات ونحوها، تصح النيابة فيها بالاتفاق.(3/388)
21 - العاملون على الزكاة هم من يوليهم الإمام جمع الزكاة، والقيام عليها، حتى تصل إلى مستحقها، وهؤلاء يستحقون العوض على عملهم على قدر عنائهم وعملهم وسعيهم، باتفاق الفقهاء؛ لأنهم أحد الأصناف الزكوية، وما يأخذونه إنما هو أجرة عمله وليس رزقا على الصحيح من أقوال الفقهاء رحمهم الله تعالى، ولهذا فإنهم يأخذون من الزكاة وإن كانوا أغنياء باتفاق الفقهاء.
22 - لا يجوز للعامل على الزكاة قبول هدية أرباب الأموال الزكوية بالاتفاق، سواء أذن له الإمام أم لا، وسواء كان للمهدي عادة بإهداء العامل قبل ولايته أم لا على الصحيح.
23 - الحي القادر على الصيام بنفسه لا يجوز بالإجماع النيابة عنه في فعله، أما إن كان عاجزا، سواء أكان عجزه عجزا دائما أم مؤقتا، فهذا لا تجوز النيابة عنه كذلك بالإجماع، سواء أكان ذلك في الصوم الواجب أم في صوم التطوع.
24 - أجمع العلماء على عدم صحة الإجارة على صوم الفرض عن الحي العاجز عن الصوم بنفسه، سواء أكان عجزه دائما أو مؤقتا، وكذلك اتفقوا على عدم جواز الاستئجار على صوم التطوع عن العاجز، ولم يخالف في ذلك سوى ابن حزم فقال بالجواز، وهو قول مردود.
25 - إذا مات المسلم وقد وجب عليه صوم، سواء أكان صوما من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة فله حالتان:
الأولى: أن يموت قبل تمكنه من صيام ما وجب عليه لعذر شرعي، ففي هذه الحالة لا شيء عليه، وتبرأ ذمته بذلك
الثانية: أن يموت بعد تمكنه من صيام ما وجب عليه، ولكنه فرط في الصيام إلى أن أدركه الموت، وفي هذه الحالة فإن الراجح من أقوال الفقهاء أنه يستحب لوليه قضاء ما وجب عليه من صيام، سواء أكان صوما من رمضان، أم من نذر، أم من كفارة، وكذلك تصح نيابة الأجنبي عنه كما تصح من الولي.
26 - تصح الإجارة على الصوم الواجب على الميت بالنذر فقط دون غيره من الصوم الواجب بأصل الشرع، على الصحيح من أقوال الفقهاء
27 - الاعتكاف عبادة بدنية محضة، ولا تصح النيابة فيها عن الحي باتفاق الفقهاء، أما عن الميت فإنه يستحب للولي النيابة عنه في قضاء ما وجب عليه من الاعتكاف، وعليه فإنه لا يصح الاستئجار على الاعتكاف عن الحي بالاتفاق، أما عن الميت فالصحيح جواز ذلك.
28 - أجمع العلماء على أن الحي القادر المستطيع للحج بنفسه وماله لا يجوز له أن يستنيب غيره في الحج الواجب، بل يجب عليه أن يحج بنفسه، فإن كان الحج تطوعا جاز له أن يستنيب على الصحيح وأما العاجز عجزا دائما بنفسه وماله، فهذا لا حج عليه أصلا، فلا يلزمه استنابة غيره للحج عنه، فإن عجز عن الحج ببدنه عجزا دائما ولكنه يملك المال الذي يكفي للحج، ووجد من ينوب عنه في الحج، فالصحيح الراجح من أقوال الفقهاء أنه يجب عليه أن يستنيب غيره ليحج عنه الحج الواجب عليه. فإن كان عجزه مؤقتا فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجب عليه الاستنابة، فإن استناب غيره حال عجزه، فالصحيح أن الاستنابة لا تصح في هذه الحالة، وإن صح لزمه الحج بنفسه.
أما في حج التطوع فإنه يجوز للعاجز سواء كان عجزه دائما أم مؤقتا أن يستنيب غيره ليحج عنه حج التطوع، على الصحيح من أقوال الفقهاء.
29 - الميت إذا أوصى أن يحج عنه بعد موته، فإنه يجوز في هذه الحالة النيابة عنه في أداء ما وجب عليه من حج واجب، وذلك باتفاق الفقهاء، لا خلاف بينهم في ذلك، أما إذا مات ولم يوص بما وجب عليه من حج واجب فالصحيح من أقوال الفقهاء أنه يلزم ورثته أن يقيموا من يحج عنه من رأس ماله، فإن تطوع أحد بالحج عنه جاز ذلك.
أما حج التطوع عن الميت فالصحيح جواز النيابة عنه مطلقا في ذلك، سواء أوصى بذلك أم لم يوص.
30 - المال المأخوذ على الحج عن الغير أنواع ثلاثة:(3/389)
الأول: النفقة: فإن حج أحد عن الميت بنفقته مدة حجه، فإن هذا جائز بالاتفاق، والحاج في هذه الحالة يكون نائبا محضا.
الثاني: الجعالة: وهي جائزة على الحج على الراجح من قولي الفقهاء، فإن قال له: حج عني ولك ألف، أو من حج عني فله كذا، فإن حج عنه استحق الجعل على الصحيح كما سبق.
الثالث: الإجارة: الإجارة على الحج والعمرة عمن تصح النيابة عنه صحيحة وجائزة على الراجح من أقوال الفقهاء، ولكن ينبغي أن يكون قصد النائب هو الإحسان إلى المحجوج عنه، وتحصيل النفقة المشروعة، لا أن يكون قصده من الحج هو الاكتساب بذلك فقط.
31 - أجمع العلماء على صحة النيابة في ذبح الهدي والأضاحي، وعليه فإن الاستئجار على ذبح الهدي أو الأضاحي جائز بالاتفاق إذا كانت أجرة الجازر من غيرها، أما إذا كانت أجرته منها بأن يأخذ لحما أو نحوه في مقابل عمله، فالذي عليه جمهور العلماء أن ذلك لا يجوز للنص والمعقول
32 - يجوز للمجاهدين والمرابطين في الثغور الأخذ من الزكاة قدر حاجتهم وجهادهم، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء. كما يجوز للمجاهدين أخذ الرزق أو العطاء من بيت المال قدر كفايتهم وكفاية من يعولون، وهذا بالاتفاق، ونقل بعضهم الإجماع على ذلك.
33 - الاستئجار على الجهاد إذا كان فرض عين لا يجوز بالاتفاق، أما إذا كان فرض كفاية فلا يجوز كذلك على الصحيح، سواء أكان المستأجر هو الإمام أم غيره من الرعية، وسواء أكان الأجير ممن يلزمه الجهاد في الأصل، وهو المسلم الحر، أم كان لا يلزمه الجهاد أصلا، كالعبد والمرأة.
34 - الجعل على الجهاد إذا كان على معنى النفقة في سبيل الله فإنه في هذه الحالة يكون من الجهاد بالمال، وحكمه حكم الجهاد بالنفس، فقد يكون فرض عين أو فرض كفاية، وقد جاء الشرع بالترغيب فيه والحض عليه، وهو من أعظم القرب إلى الله تعالى.
أما إذا كان الجعل على معنى المعاوضة، فحكمه حكم الإجارة سواء بسواء، على ما سبق بيانه
35 - تعليم القرآن بغير أجرة من أفضل القرب إلى الله تعالى، وهذا محل اتفاق بين الفقهاء، فإن أخذ المعلم الرزق على ذلك من بيت المال جاز ذلك بالاتفاق. أما الأجرة على تعليم القرآن الكريم فالراجح أنها تجوز للحاجة والضرورة.
36 - أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن الكريم جائز بالاتفاق، والأصل في ذلك قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله
37 - الصحيح من قول العلماء أن قراءة القرآن يصل ثوابها للميت، وهو مذهب جمهور السلف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه تعالى، وتلميذه الإمام ابن قيم الجوزية
38 - لا يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم للأموات، وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
39 - أجمع العلماء على استحباب كتابة المصحف، وتحسين كتابته، وأن من قام بذلك حسبة لله تعالى فإن عمله هذا من أفضل القربات إلى الله تعالى.
فإن أخذ الكاتب أجرة على ذلك، فالذي يظهر من كلام الفقهاء جواز ذلك بلا خلاف، وقد نقل بعض أهل العلم الإجماع على جواز ذلك.
40 - بيع المصحف وشراؤه جائز على القول الراجح من قولي الفقهاء، لدعاء الحاجة لذلك، ولعموم الأدلة الدالة على حل البيع والشراء، والبيع إنما وقع على الورق والجلد والطباعة ونحو ذلك
وأما بيع المصحف للكافر فالصحيح بطلان ذلك وأنه لا يجوز.
41 - يجوز لطالب العلم أخذ الرزق من بيت المال بلا خلاف، كما يجوز له الأخذ من الزكاة إن كان فقيرا بالاتفاق، أما إذا كان غنيا فالصحيح أنه لا يجوز له الأخذ منها.
42 - طالب العلم الشرعي الذي لا يتفرغ للكسب لانشغاله بالعلم تجب له النفقة وإن كان قادرا على الكسب.(3/390)
43 - تعليم العلوم الشرعية احتسابا من أفضل القرب، ولكن إن أخذ المعلم الرزق من بيت المال فإن ذلك جائز بالاتفاق. وأما الاستئجار عليه فالكلام في هذه المسألة كالكلام في مسألة الاستئجار على تعليم القرآن الكريم، وهو الجواز للحاجة والضرورة.
44 - يجوز أخذ العوض المالي على التأليف والتحقيق في العلوم الشرعية، ويعد حق التأليف والنشر من الحقوق المصونة شرعا، ولأصحابها حق التصرف فيها، ولا يجوز الاعتداء عليها.
45 - عقد الضمان المالي من عقود الإرفاق والإحسان والتبرعات لا يجوز أخذ العوض عليه، سواء أكان ذلك أجرة أم جعالة، وهذا باتفاق الفقهاء رحمهم الله تعالى.
ومن التطبيقات المعاصرة لهذا العقد ما تقوم به البنوك من معاملات مبنية على هذا العقد، ومن ذلك: خطاب الضمان، والاعتماد المستندي، فإذا كان ما يأخذه البنك على هذه المعاملات هي مصروفات إدارية فهذا لا حرج فيه. أما أخذ المال في مقابل ما يقوم به البنك من ضمان للعميل، فالصحيح أنه لا يجوز للبنك أخذ عمولة أو فائدة أو أجرة مقابل الضمان؛ لكون الضمان في الأصل من عقود الإحسان، ولأن الفائدة التي يأخذها البنك ربا، فلا يحل له ذلك.
46 - الوديعة عند الفقهاء من عقود الإحسان والإرفاق، والأصل فيها أن يقوم بها الإنسان احتسابا لوجه الله تعالى، فإن شرط أجرة على حفظها وحرزها فالصحيح عدم جواز ذلك؛ لأنها معروف وإحسان.
47 - الودائع المصرفية في حقيقتها هي قروض من العميل للبنك، فأي فائدة يدفعها البنك للعميل فإنها ربا محرم لا يجوز، فإن كانت لأجل ففيها ربا الفضل وربا النسيئة، وإن كانت ودائع جارية ففيها ربا الفضل، فإن لم يأخذ العميل عليها فائدة، فلا تخلو من محاذير شرعية كثيرة أخرى.
48 - القرض من أهم عقود الإحسان والإرفاق والتبرع، وقد أجمع العلماء على أن المقرض إذا شرط زيادة أو هدية أو منفعة على القرض أن ذلك يكون ربا، ويترتب على ذلك فساد عقد القرض. أما إذا كان القرض على سبيل الإحسان والبر، ثم قام المقترض برد أفضل أو أكثر من القرض، فالصحيح جواز ذلك، إذا لم يكن عن شرط أو جرى بذلك عرف.
49 - الناظر على الوقف يستحق الأجرة على عمله، فإذا شرطها له الواقف وحدد لها مقدارا، استحق ما حدده له كثيرا كان أو قليلا، فإذا لم يحدد له الواقف أجرة فإنه لا يأخذ أجرته إلا بإذن القاضي، ما لم يكن معروفا بأخذ الأجرة على مثل هذه الأعمال، وتقدر أجرته في هذه الحالة بأجرة المثل.
50 - للوصي على اليتيم أن يأكل من ماله بالمعروف إن كان فقيرا، فإن كان غنيا فلا يجوز له ذلك، وما يأكله يكون على سبيل الإباحة، فيملكه بذلك، فإن طلب الوصي أجرة على عمله وقيامه على شئون اليتيم جاز ذلك، وتقدر الأجرة بأجرة المثل.
51 - أجمع العلماء على أن ولي أمر المسلمين تجب له النفقة ولعياله بالمعروف من بيت مال المسلمين، وكل ما يستلزمه ذلك المنصب من نفقة، فإن ذلك في بيت المال.
52 - للقاضي أخذ الرزق من بيت المال إن كان فقيرا بالاتفاق، أما إن كان غنيا فالصحيح جواز ذلك أيضا، أما إذا كان الرزق من الخصوم، فإن كانت له كفاية فلا يجوز له الأخذ من الخصوم، فإن كان فقيرا فله الأخذ إذا كان الاكتساب يقطعه عن القضاء، وذلك وفق شروط محددة، أما الاستئجار على القضاء فالصحيح أن ذلك لا يجوز مطلقا، وكذلك الهدية إذا كانت بسبب الولاية.
53 - أعوان القاضي يجوز لهم أخذ الرزق من بيت المال، أما إذا عدم الرزق فإنه يجوز لهم أخذ الأجرة على أعمالهم من الخصوم.(3/391)
54 - المأذون الشرعي لعقود الأنكحة، إذا كان مفرغا لهذا العمل من قبل الإمام فله رزقه من بيت المال كبقية أعوان القاضي، وإلا جاز له أخذ الأجرة على عمله من العاقد، ما لم يكن متبرعا بعمله، فلا يجوز له ذلك.
55 - القسام له أخذ الرزق من بيت المال باتفاق الفقهاء، فإن تعذر رزقه من بيت المال جاز له أخذ الأجرة على عمله ممن يريدون القسمة، سواء أكان هو قسام القاضي أم قسام الشركاء.
56 - يجوز للشاهد إن كان فقيرا أخذ النفقة التي يحتاجها لإقامة الشهادة، وذلك بلا خلاف بين الفقهاء، فإذا كان الشاهد غنيا فالصحيح أنه لا يجوز له أخذ النفقة التي تتطلبها الشهادة ممن شهد له؛ لوجوبها عليه. أما الرزق من بيت المال فإنه يجوز للشاهد أخذه على تحمل الشهادة وأدائها باتفاق الجمهور، بخلاف الأجرة على الشهادة، فإنه لا يجوز للشاهد أخذ الأجرة على الشهادة على الراجح من أقوال الفقهاء.
57 - الإفتاء من أهم المناصب الشرعية، فإذا فرغ الإمام من يقوم بهذا المنصب، فإن كان فقيرا فله أخذ الرزق على عمله من بيت المال بالاتفاق، أما إذا كان المفتي غنيا، فالصحيح جواز ذلك أيضا.
أما أخذ الأجرة على الإفتاء من المستفتين، فلا يجوز ذلك مطلقا، إلا إذا كانت الفتوى كتابة، فتجوز الأجرة عليها حينئذ، لأن الكتابة لا تلزمه على الصحيح.
58 - الحسبة من أهم الوظائف الدينية وأشرف الولايات الشرعية، وقد اتفق الفقهاء على جواز أخذ الرزق من بيت المال على الحسبة، أما الأجرة على ذلك، فإن كان له رزق من بيت المال فلا يجوز له أخذ الأجرة على عمله، فإن لم يكن له رزق فلأهل البلد أن يعطوه كفايته، مجازاة له على إحسانه إليهم، وإلا جاز له أخذ الأجرة على عمله للحاجة والضرورة؛ ليستعين بها على عمله، ويقضي بها حاجته الضرورية، فيكون قد أكل طيبا وعمل صالحا، والله تعالى أعلم.
وبعد هذا السرد لمحتوى الرسالة بإيجاز شديد، تكون الرسالة قد أتت على نهايتها، وأكون قد أنجزت بعون الله تعالى وتوفيقه ما خططت لبحثه ودراسته، وهنا أكرر ما سبق أن قلته: إن هذا جهدي ومستطاعي، فما فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأستغفر الله من ذلك وأتوب إليه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليما كثيرا.(3/392)
أدلة إثبات أن جدة ميقات
Oعدنان بن محمد آل عرعور
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الثقافة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - مواقيت الإحرام
الخلاصة:
من جاء "جدة" من جهة البحر فلا إحرام عليه حتى يصل إليها، ومن جاءها من جهات أخرى، وجب عليه الإحرام من الميقات، إلا أن ينوي تأخير الإحرام إليها لسبب ما.
وأعلم أني لست محدثاً فيها حكماً لم أسبق إليه ..
فحسبك أن ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما قد فعلا ذلك، كما سبق بيان بعضه، وقد فعلا ذلك وهما على الأرض، فمن باب أولى جوازه لمن كان في الجو بالطائرة،
ويكفيك أنه اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مع من سبق ذكره من أهل العلم. ولمزيد من التفصيل والأدلة والمراجع والعزو يمكن مراجعة الأصل في كلا المسألتين.
اللهم تقبل منا إنك أنت السميع العليم، وتجاوز عن خطيئاتنا وأخطائنا إنك أنت الغفور الرحيم .. هذا وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان وإن أصبت فمن الرحمن، هو ولي التوفيق، وأهل المغفرة، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(3/393)
أدلة الجمع بين الصلاتين في السفر وفوائد يحتاج إليها المسافر
Oمقبل بن هادي الوادعي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراية - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - سفر ومسافر
الخاتمة: مسألة الجمع بين الصلاتين في السفر من المسائل الفقهية التي يحتاج إليها كل مسلم وبحمد الله قد حرصت على جمع الأدلة وذكر أقوال أهل العلم رحمهم الله: وأضفت إليها فوائد يحتاج إليها المسافر وبحمد الله قد راجعت كثيراً من كتب الحديث ومن كتب الفقهاء رحمهم الله.
ومن الكذب المفضوح والبهتان الواضح قول بعض الجاهلين: إنني أحرم قراءة كتاب المغني لابن قدامة وكتاب المجموع للنووي فنحن نقول لكم أيها الجاهلون الحاقدون الحاسدون نحن نستفيد من كتب علمائنا المحدثين والمفسرين والفقهاء غير مقلدين لهم وقل أن تعرض مسألة إلا وأنا أرجع إلى المغني والمجموع لأنظر ماذا قال العلماء رحمهم الله: ولكن إذا رأيت في مسألة آية قرآنية أو حديثاً نبوياً أستغني بهما عن قول فلان وفلان وإذا لم أجد فلست ملزماً بنقل أقوال الفقهاء رحمهم الله ولكننا نستعين بالله ثم بأفهامهم على فهم بعض الأدلة غير مقلدين لهم لأننا نعتقد أن التقليد حرام. قال الله سبحانه وتعالى: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ}.
وهذه المسألة من تلكم المسائل قد رجعت بحمد الله إلى المغني وإلى المجموع ولكني رأيت في الأدلة وفي زاد المعاد وفتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ما يغني والحمد لله.
فيا أيها الحزبيون باسم الإسلام اعلموا أننا لا نبالي بما اقترفتموه من الكذب والبهتان ولكننا ننبه إخواننا أهل السنة على عداوتكم لمن لم ينتظم معكم في دعوتكم المنحرفة التي تمسخ الشباب وتصدهم عن كتب السنة وتحذرهم من مجالسة العلماء الذين لم ينتظموا معهم. ولقد أصبحنا بحمد الله أيضاً لا نثق بكلامكم ولا نأبه به لأننا قد علمنا أنكم أصحاب هوى تمدحون من انتظم معكم ولو كان من الفاسقين المبتدعين وتذمون من خالفكم ولو كان من الدعاة المصلحين. مضت أيام كثيرة وهم يقولون فلان ضال ثم إنه تعاطف معهم بعض التعاطف فإذا هم يقولون هو طيب ولكن جلساؤه.
أنا في بعض الأوقات إذا طمعوا في أن أغض الطرف عن بعض سيرهم المنحرف ما أشعر إلا وهم يمدحون ويقولون هو طيب ولكن جلساؤه وإذا عرفوا مني الإصرار على بيان أباطيلهم شنوا الدعايات المنفرة حسداً وبغياً وخوفاً من ظهور الحق ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الحاقدون. والحمد لله رب العالمين.(3/394)
أدلة المسح على الخفين والجوربين والنعلين
Oعزت بن روبي مجاور
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - مسح خفين
الخاتمة: لتعلم أخي المسلم أن المسح على الخفين – أو ما في معناهما – سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، وقد عمل بها أصحابه – رضي الله عنهم أجمعين – من بعده، ولم يعرف من بينهم نكير لذلك؛ ومن ثبت عنه إنكاره فقد ثبت عنه القول به أخيراً ليوافق جمهور الصحابة، بل إجماعهم – رضي الله عنهم -.
فلا ينبغي للمسلم بعد هذا البيان أن يرغب عن هذه السنة؛ لأن من رغب عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم فليس منه كما أخبر هو صلى الله عليه وسلم – فيما رواه الشيخان عن أنس من حديث طويل-: "فمن رغب عن سنتي ليس مني".
إلا أن يكون المسلم آخذاً بالعزيمة، مع العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال – فيما رواه أحمد وغيره بسند صحيح، عن ابن عمر-: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته".
ولكن لو فعل المرء المسلم أن الله – عز وجل – أمر بطاعته سبحانه، وبطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم باتباع سنته في غير ما موضع من كتابه المبين فقال سبحانه: {قُلْ أَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ} [آل عمران: 32]، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ} [النساء: 59]، وقال: {وَأَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ} [المائدة: 92]، وقال عز وجل: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ} [النور: 54]. إلى غير ذلك من الآيات الحاثة على طاعته سبحانه، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم. كما وعد سبحانه من يطيعه ويطيع رسوله بالجنة والفوز والهداية، فقال سبحانه: {وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [النساء: 13]، وقال عز وجل: {وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ} [النور: 52]، وقال جل ثناؤه: {وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا} أي الرسول صلى الله عليه وسلم: [النور: 54]. كما بين سبحانه أن من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد أطاعه فقال سبحانه: {مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ} [النساء: 80].
كما حذر سبحانه من مخالفته ومخالفة رسوله صلى الله عليه وسلم فقال جل ذكره: {وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} [النساء: 14]، وقال سبحانه: {وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} [الأحزاب: 36]، وقال جل وعلا: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].
كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن دخول الجنة لن يكون إلا باتباع هديه فقال، فيما رواه البخاري، عن أبي هريرة: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى". قالوا: يا رسول ومن يأبى؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة، ومن عصاني فقد أبى". وقال صلى الله عليه وسلم – من حديث طويل رواه مسلم، عن أبي هريرة:-: "ألا ليذادن رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال. أناديهم: ألا هلم! فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك، فأقول سحقا سحقاً".(3/395)
كما حث صلى الله عليه وسلم على الاقتداء بأصحابه، فقال – كما مر عند خطبة البحث من حديث العرباض بن سارية وقد رواه الترمذي وغيره بسند حسن صحيح-: "فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين، تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ". وقال صلى الله عليه وسلم – فيما رواه الترمذي بسند حسن، عن حذيفة قال: كنا جلوساً عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال-: "إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا باللذين من بعدي" وأشار إلى أبي بكر وعمر "واهتدوا بهدي عمار، وما حدثكم ابن مسعود قصدقوه". وفي رواية لأحمد في المسند: "واهدوا هدي عمار، وعهد ابن أم عبد" رضي الله عنهما وابن أم عبد، هو عبدالله بن مسعود رضي الله عنه. وقال ابن مسعود – رضي الله عنه -: "من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإنهم كانوا أبرأ هذه الأمة قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم وإقامة دينه فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم".
وقال ابن القيم عقب ذلك: "ومن المحال أن يحرم الله أبر هذه الأمة قلوباً وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً وأقومها هدياً الصواب في أحكامه، ويوفق له من بعدهم". وقال عقبة بن عمرو الأنصاري: ما أرى أحداً أعلم بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم من عبدالله – يعني ابن مسعود – فقال أبو موسى: إن تقل ذلك فإنه كان يسمع حين لا نسمع، ويدخل حين لا ندخل. وكان ابن سيرين يقول: "اللهم أبقني ما أبقيت ابن عمر أقتدي به".
وقال الإمام الشافعي – رحمه الله -: "أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشاهدوه والوحي ينزل عليه، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاماً وخاصاً وعزماً وإرشاداً، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا، وهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل وأمر استدرك به علم واستنبط به، وآراؤهم لنا أحمد، وأولى بنا من رأينا عند أنفسنا".
وقال الإمام أحمد – يرحمه الله -: "حبهم سنة، والدعاء لهم قربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة".
وبعد: فيا أخي الحبيب: إذا عرفت هذا فالزمه، وفقني الله وإياك إلى اتباع كتابه سبحانه، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. فرغنا من تهذيبه وترتيبه ومراجعته ونسخه للمرة الأخيرة: صبيحة يوم الأحد الحادي عشر من ربيع الأول عام ستة عشر وأربعمائة وألف هجرية، السابع من أغسطس عام خمسة وتسعين وتسعمائة وألف. كتبه: عزت بن روبي مجاور الجرحي أبو عبدالرحمن في الأحد: 11/ 3/1416هـ 7/ 8/1995م(3/396)
أربح البضاعة في صلاة الجماعة
Oنبيل بن منصور البصارة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الدعوة
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة الجماعة وأحكام المأموم والإمام
خلاصة البحث: أذكر خلاصة ما ذكرته في هذا البحث في عدة نقاط:
1 - إن صلاة الجماعة لها فضل عظيم، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وحث أمته وأمرها بالصلاة مع الجماعة وبين أن صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمس وعشرين أو بسبع وعشرين درجة.
2 - أن الجماعة كلما كثرت فهو أحب إلى الله عز وجل وأفضل.
3 - أن العلماء قد اختلفوا في حكم صلاة الجماعة على أربعة أقوال وهي: فرض كفاية، وسنة مؤكدة، وشرط في صحة الصلاة، وفرض عين.
4 - ذكرت أقوال المذاهب الأربعة وبينت أن مذهب الشافعية في صلاة الجماعة أنها فرض كفاية، ومذهب الحنفية والمالكية أنها سنة مؤكدة، ومذهب الحنابلة أنها فرض عين.
5 - أن ما ذهب إليه الحنابلة هو القول المختار عندي للأدلة الكثيرة والقوية فيما تدل عليه من لزوم الصلاة مع الجماعة وقد ناقشت أدلة الآخرين وبينت أنها لا تنهض أمام أدلة الموجبين لها على الأعيان.
6 - ذكرت أجوبة المخالفين عن ظاهر حديث أبي هريرة في تحريق البيوت على المخالفين عن صلاة الجماعة مع الرد عليها وبيان أنه من الأدلة القوية على فرضية صلاة الجماعة على الأعيان.
7 - أن العلماء قد اختلفوا في سبب هم النبي صلى الله عليه وسلم بتحريق البيوت على المتخلفين وقد صححت أنه لترك الجماعة.
8 - إن العلماء قد اختلفوا في تعيين الصلاة المتوعد على تركها بالتحريق، وقد ذكرت روايات حديث أبي هريرة، وذكرت أنه قد جاء في بعض طرق الحديث سبب وروده وأنه قلة من حضر لصلاة العشاء فهدد النبي صلى الله عليه وسلم المتخلفين عنها بتحريق بيوتهم.
9 - إن الأعذار التي تبيح للرجل ترك الجماعة كثيرة وقد ذكرتها مع أدلتها من الكتاب والسنة.
10 - إن العلماء اختلفوا في هذه الأعذار هل تسقط الإثم من غير حصول لفضيلة الجماعة أو تسقطه مع حصول فضيلة الجماعة وقد رجحت الثانية وذكرت طائفة من الأدلة التي تدل على ذلك.
11 - إن العلماء اختلفوا في حكم صلاة المنفرد وقد رجحت قول من قال بأنها صحيحة لكن مع الإثم وذكرت الأدلة الكثيرة التي تثبت صحة ذلك.
12 - إن صلاة الجماعة ليست بشرط في صحة الصلاة خلافا لداود الظاهري وابن حزم ومن تبعهما.
13 - أن العلماء اختلفوا في حكم صلاة الجماعة في غير المسجد وقد بينت أنه لا ينبغي ترك حضور المسجد إلا لعذر خاصة لمن سمع النداء ولمن كان بيته قريبا من المسجد.
تم الكتاب والحمد لله وكان الفراغ منه عصر يوم الثلاثاء في السادس عشر من شهر صفر من سنة 1404 من هجرة المصطفى عليه أفضل الصلاة والتسليم.(3/397)
أصول المناهج الفقهية
Oعبدالمجيد صبح
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الوفاء - مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دراسات فقهية
الخاتمة
وبعد، فهذا عرض لأصول مناهج علماء الفقه، وكيفية استنباطهم الأحكام، وموقع الشريعة من هذه المناهج, وبيان للمدى الذي انتهي إليه أتباع أئمة كل منهج.
ومن هذا كله تنكشف لنا عدة أمور، منها:
- أنه يجب على دعاة (منهج النصوص) اليوم، والمغالين في رفض كل معقول، يوافق الحق، والشرع، ويحقق الخير ... بحجة (لم يردْ) عليهم أن يراجعوا أنفسهم، وأن يعلموا أن الشرع والعقل أخوان ارتضعا من لبان واحدة، فما كان لصحيح العقل أن يناقض الشرع.
- وأنه يجب على دعاة (العقل) اليوم، والمغالين فيه إلى درجة طرح الشرع، وإهدار النصوص، بل والسخرية من أصحابها حينا، بل والتهجم الجاهل الحاقد على النصوص نفسها – على هؤلاء أن يدركوا أن عمق دلالة النصوص كالبحر المحيط، يغترف منه ذو العلم على مقداره، من غير أن ينفد البحر ... فليعرفوا – في هذا المقام – قدرهم، ولا يتعدوا طورهم، وليعلموا أن وراء سويقته أسواقا للعلم رابحة، وبحارا له طامية، وفوق مرتبتهم من العلم مراتب فوق السها " أريها السها وتريني القمر " وأن كثيرا مما يكتبه هؤلاء – في معارضتهم للشريعة – يثير أسى العالمين، وسخرية العاقلين، مما يدفع كثيرين منهم إلى الإعراض عن حوارهم، إذ لم يكونوا أصحاب حق، ولا طلاب صواب. بل هم قوم اتبعوا أهواءهم فضلوا من قبل، وأضلوا كثيرا, وضلوا عن سواء السبيل {أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوما مسرفين}؟
- وأوجب من هذا وذلك أن نعلم أن ميدان الاجتهاد في الفقه ميدان رغيب، وأن مجالاته باقية ببقاء الناس، وأن نصوص الشريعة ما زالت تُجن الكثير من العطاء، وأنه يجب علينا:
أ - أن نخلص ماضي الفقه من الغلو في الجمود ومن الغلو في الجحود.
ب - وأن نجتهد في استنباط الأحكام لكل جديد، استنباطا علميا، تحكمه قواعد الاستنباط الصحيحة.
جـ- وأن يكون هذا الجهد جماعيا، لا فردياً، إذ تشعب العلوم، وتشاجر المصالح، وتعدّد مجالات العمل والحياة أصبحت فوق قدرة الفرد.
د- وأن يصحب ذلك كله اليقين في أن شرع الله هو الهدى لمن شاء أن يستقيم.(3/398)
أصول مذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية
Oناصر بن عبدالله القفاري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
شيعة إمامية
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على من ختم الله به النبوات وعلى آله وصحبه الذين كان ولاؤهم وتشيعهم لمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وللحق الذي جاء به، وكانوا بنعمة الله إخواناً في جميع الأوقات.
لقد أمضيت أكثر من أربع سنوات أقلب النظر في مسائل هذا البحث، وأجمع مادته العلمية من مصادر الشيعة المعتمدة وغيرها وأرتبها وأصوغها وأدرسها وأنقدها، وكم هي معاناة أن تقرأ وتستمع لقوم أشقاهم الله فأضلهم وأعمى أبصارهم فصاروا يتبعون إماماً معدوماً، ويقولون بكتاب موهوم، وجعفر مزعوم وأساطير أخرى، وتقدح أخبارهم في كتاب أنزله الله وحفظه، وأجمع عليه المسلمون عبر القرون، وفي سنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم جمعتها الأمة، وبذلت الجهود في حفظها، وينبذون إجماع السلف، ويأخذون بقول طائفة مجهولة تحسباً أن يكون المهدي خرج من مخبئه متنكراً وأدلى بصوته معهم.
ويكفرون صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه، وجاهدوا في سبيله، ونشروا كلمة الله في الأرض تصديقاً لمفتريات نسبها بعض الزنادقة لأهل البيت.
فحمداً لله سبحانه على نعمة العقل، والإيمان واليقين.
وفي نهاية هذا البحث لابد من وقفة نستجمع فيها بعض حصاده ونعرض في تركيز جوانب من معالمه في النقاط التالية:
1 - إن المعنى اللغوي للتشيع هو النصرة والمتابعة، وهذا المعنى لا يتوفر في مدعي التشيع اليوم، ومن قبل اليوم في الغالب، فهم الرافضة كما سماهم السلف، أو المنتسبون للتشيع، وليسوا شيعة على الحقيقة.
2 - لفظ التشيع لم يرد في القرآن غالباً إلا على سبيل الذم. ولم يأت في السنة ذكر لهذه الفرقة على وجه التخصيص إلا في روايات ضعيفة جاء فيها ذكر الرافضة على سبيل الذم أيضاً.
3 - إن الشيعة أطوار، وفرق، ودرجات ما بين إغراق في الغلو واقتصاد فيه، ولذا كان للغلو في التشيع مفهوم عند السلف يختلف عمن بعدهم، بل تبين أن جملة من عقائد شيعة هذا العصر هي من الغلو في التشيع عند أسلافهم من شيعة القرن الرابع، فكيف بالشيعة الأولى.
وتعريف الشيعة إذاً مرتبط بأطوار نشأتهم، ومراحل التطور العقدي عندهم، ولذا كان الشيعي فيما مضى هو من يقدّم علياً على عثمان .. ولكن بعد اعتماد شيوخ الشيعة كتب الكليني والقمي والمجلسي وأضرابهم مصادر في التلقي شاع الغلو في الشيعة، واستقر مركبها على التطرف والشطط حتى رأينا أكبر مراجعهم في هذا العصر (الخوئي) يوثق روايات إبراهيم القمي في تفسيره مع ما فيه من كفر ..
ويكفي أن يطلع كل متشكك في أمر الشيعة – اليوم – على هذا الكتاب الموثق عندهم ليرى أن شيعة اليوم ارتضت لنفسها ديناً غير الإسلام.
4 - إن المنتسبين للتشيع قد أخذوا من مذاهب الفرس والروم واليونان والنصارى واليهود وغيرهم أموراً مزجوها بالتشيع مصداقاً لما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من اتباع بعض هذه الأمة سنن من كان قبلهم.
وقد بدأت محاولة إدخال بعض هذه الأصول إلى المجتمعات الإسلامية على يد (ابن سبأ) وأتباعه، فلم تجد لها مكاناً في أمصار المسلمين، إلا عند فئة قليلة بالكوفة .. إلا أن ما جرى من أحداث على بعض أهل البيت كمقتل علي والحسين سهل فهم مهمة إشاعتها في العالم الإسلامي تحت ستار التشيع.
5 - افترقت الشيعة إلى فرق كثيرة حتى ذكر بعضهم أنها بلغت ثلاثمائة فرقة، وقد انحصرت اليوم في ثلاث اتجاهات: الإسماعيلية، والزيدية، والاثنى عشرية، وهي أكبرها وأكثرها عدداً.(3/399)
وقد لحظت مسألة جديرة بالاهتمام والتتبع في بحث مستقل وهي أنه ما من رأي وجد لفرقة شيعية ظهرت في التاريخ في مختلف مراحله إلا وتجد ما يشهد له في الغالب في مصادر الاثنى عشرية اليوم حتى آراء ابن سبأ والمختار بن أبي عبيد، وبيان بن سمعان، والمغيرة بن سعيد وغيرهم من رؤوس الغلاة.
6 - الاثنا عشرية تلقب بالرافضة، والجعفرية، والإمامية، وكانوا يسمون بالقطيعة، والموسوية، وذهب جمع إلى أن مصطلح الشيعة إذا أطلق اليوم لا ينصرف إلا إليهم.
وانبثق من الاثنى عشرية فرق كثيرة: كالشيخية، والكشفية، والبابية وغيرها.
7 - سار الشيعة للاستدلال على شذوذهم في كل اتجاه.
فمرة يزعمون أن ما يدل على مذهبهم من آيات في القرآن قد حذفها الصحابة.
وتارة يلجؤون إلى تأويلات باطنية ما أنزل الله بها من سلطان.
وحيناً يزعمون نزول كتب إلهية على الأئمة للدلالة على مذهبهم.
وأحياناً يتعلقون بروايات من طرق أهل السنة وهي إما كذب، أو لا تدل على ما يزعمون ولهم وسائل ماكرة في هذا الاتجاه لا تدري اليهود بعشرها.
وهذا كله إنما يدل على عجز هذه الطائفة من إثبات مذهبها بأصول شرعية.
8 - الشيعة منذ سنة (260هـ) وهي لا تتبع إلا معدوماً لا وجود له، فهم شيعة مشايخهم لا شيعة أهل البيت، أو هم أتباع الشياطين الذين يتشكلون لهم بصورة الإمام الغائب، كما استفاضت أحاديثهم بلقاء هذا المعدوم.
ولذا اجتمع شمل فرق الشيعة بالقول بهذا المعدوم أنه يخلصهم من آل البيت الذين كان منهم علماء وأتقياء بررة فضحوا أمر هؤلاء المرتزقة الذين يأكلون أموال الناس بالباطل باسم آل البيت، ويبتدعون في دين الله ما لم ينزل به سلطاناً .. وينسبونه للآل .. وبالتشيع لهذا المعدوم صارت السلطة والمال والوجاهة للشيوخ لا للآل.
9 - قالت الشيعة: إن القرآن ليس بحجة إلا بقيم وهو أحد الأئمة الاثنى عشر حتى أنها قالت: إن الإمام هو القرآن الناطق، وكتاب الله هو القرآن الصامت، وزعمت أن علم القرآن كله عند هذا القيم لا يشركه فيه أحد، فهو تفسيره بل هو القرآن نفسه، ولذا له حق تخصيص عام القرآن وتقييد مطلقه وبيان مجمله، نسخ ما شاء منه. بل قد فوض الإمام في أمر الدين كله.
وزعمت أن لكل آية معنى باطنياً، ثم قالت: لكل آية سبعة بطون ثم طاشت تقديراتهم فقالت: إن لكل آية سبعين بطناً.
وادعت أن كتاب الله الذي أنزله الله ليهدي هذه الأمة إلى التي هي أقوم، في كل جوانب حياتها إنما نزل في الأئمة الاثنى عشر، وفي أعدائهم، وأعداؤهم – في زعمهم – الصحابة رضوان الله عليهم.
ولذا فسرت آيات التوحيد والإسلام وأركان الإيمان، والحلال والحرام بالأئمة الاثنى عشر.
وفسرت الشرك، والكفر، والفحشاء، والمنكر، والبغي بالصحابة ومن اتبعهم من المؤمنين.
وتبين أن أصل هذه التأويلات يرجع للمغيرة بن سعيد وجابر الجعفي ثم سار على نهجهما غلاة الروافض بعدهم فزادوا وبالغوا في هذا حتى وصلوا إلى مرحلة لم تخطر ببال السابقين وشيوخ هذا العصر يعدون هذه المدونات التي حوت هذا (الغثاء) من أوثق مصادرهم.
10 - فرية (التحريف) ابتدأ القول بها الروافض في القرن الثاني، ونسبت إلى هشام بن الحكم، وشيطان الطاق، وكان من أسبابها أنهم لم يجدوا ما يقنعون به أتباعهم على ما يدعون، وذلك لخلو كتاب الله من النص على أئمتهم وعقائدهم.
ولكن ما إن جاء القرن الرابع حتى رمتهم الأمة عن قوس واحدة وكفروهم لسقوطهم في هذه الهاوية الشنيعة، فأعلن كبيرهم (ابن بابويه) براءة الشيعة من هذه العقيدة، وأن من نسب إليهم ذلك فهو كذاب، وتبعه ابن المرتضى، والطوسي ثم الطبرسي.(3/400)
ولذا فإن بعض أهل العلم ينسب هذه العقيدة إلى الباطنية في حين أن الباطنية لم تخص بهذه المقالة، والذي تولى كبرها وأكثر من الوضع فيها هم الاثنا عشرية.
وقد سجلت هذه المقالة في أول كتاب ظهر لهم وهو الذي يسمونه أبجد الشيعة وهو كتاب سليم بن قيس، والذي كشف بعض شيوخهم عن أمره، وأنه موضوع، ومؤلفه مجهول.
11 - وفي السنة المطهرة كانت لهم أصول منكرة كقولهم إن الإمام يوحى إليه بل يأتيه خلق أعظم من جبريل الذي يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم – ومن سمع حديثاً من أحد من الأئمة له أن يقول فيه: قال الله لأن قولهم كقول الله، وطاعتهم طاعة الله.
وفيهم روح القدس التي بها (عرفوا ما تحت العرش إلى ما تحت الثرى)، وبها يرون ما غاب عنهم في أقطار الأرض وما في عنان السماء، ويذهبون إلى عرش الرحمن كل جمعة ليأخذوا من العلم ما شاؤوا.
وقالوا إن الله سبحانه يناجي علياً والأئمة.
وهذا كله يسمى عندهم (العلم الحادث)، أما العلم المزبور والذي ورثوه عن الرسول فهي كتب وهمية كثيرة كالجامعة والجفر، وكتاب علي، والعبيطة، و (ديوان الشيعة) وغيرها.
وقالوا: بأن علياً استمر يتلقى هذه العلوم والأسرار والكتب في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم – بل وبعد موته، من دون الصحابة أجمعين، فهو الباب الوحيد لسنة الرسول – صلى الله عليه وسلم -، ومن ادعى سماعاً من غيره فقد أشرك.
واستمر الوحي الإلهي عندهم عن طريق الأئمة لم ينقطع حتى سنة (360هـ) وبعد ذلك استمر أيضاً قرابة أربع وسبعين سنة عن طريق نواب المهدي، ثم بعد ذلك عن طريق الشيوخ الذين لم صلة سرية بمهديهم، ولذلك فإن شيوخهم يضعون بدعاً جديدة حتى أن شيخ الدولة الصفوية علي الكركي وضع مبدأ جواز السجود للمخلوق، ووضع لهم أيضاً مبدأ السجود على التربة.
وشيخهم الخميني نقل عملياً وظائف المهدي كلها إليه وإلى دولته.
ولهم كتب جمعت هذا (الغثاء) واستقلوا بها عن المسلمين وهي مصادر أربعة: الكافي، والتهذيب، والاستبصار، ومن لا يحضره الفقيه. ألحق بها المتأخرون أربعة أرخى هي: الوافي: والبحار، والوسائل، ومستدرك الوسائل. ثم أضافوا إليها عدداً من كتب شيوخهم جعلوها في الاعتبار كالمصادر الأربعة.
وكانوا يقبلون كل ما جاء في كتب أخبارهم. حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية ورد على ابن المطهر الحلي ونعى على الشيعة جهلهم بالرواية، فوضع ابن المطهر طريقة تقسيم أحاديثهم إلى صحيح وحسن وموثق وضعيف، وكان الدافع لذلك هو اتقاء تعبير العامة لهم كما تبين ذلك أثناء النزاع الذي وقع بين الشيعة بسبب اختلافهم في هذه المسألة حتى انقسموا إلى أصوليين وأخباريين. وهذه نتيجة مهمة توصل إليها هذا البحث.
وقد اعترف أحد شيوخهم بأنهم إذا طبقوا علم الجرح والتعديل كأهل السنة لم يبق من أحاديثهم شيء فليبحثوا لهم عن مذهب آخر.
ورجال أحاديثهم فيهم أسماء لا مسمى لها، وأكثرهم ينتحل المذاهب الفاسدة في نظر الاثنى عشرية نفسها، فهم في عداد الكفرة ولكنهم يقبلون أخبارهم، لأنهم شيعة، أما أهل السنة والزيدية، وأهل البيت ما عدا الاثنى عشر فهم يردون رواياتهم حتى رفضوا روايات زيد بن علي. لكن الإمامي الذي على مذهبهم يقبل قوله مهما كان حتى قال بعض شيوخهم: (بأن القدح في دين الرجل لا يؤثر في صحة حديثه).(3/401)
والرافضة تقيم كل عقائدها ومبادئها على روايات من وضع هؤلاء الأفاكين، نسبوها للأئمة، والأئمة منها براء، إذ منهم من هو خليفة راشد يجب طاعته كالخلفاء قبله وهو علي، ومنهم من هو من أئمة العلم والدين كعلي بن الحسين وأبي جعفر الباقر، وجعفر الصادق ويجب لهم ما يجب لأمثالهم من أئمة العلم والدين ومنهم دون ذلك، ومنه من ضعفه بعض أهل العلم وهو الحسن العسكري، ومنهم معدوم لا وجود له وهو إمامهم المزعوم منذ سنة (260هـ) وكل ما ينسبونه لهم من غلو هو من اختراع زنادقة القرون البائدة.
12 - ولا حجة عندهم بالإجماع، ولو نسب لإمامهم المعدوم بواسطة أحد أبوابه قول، وخالفته الأمة كلها لكانت الحجة في قوله لا في قول الأمة، بل مخالفة الأمة أصل مقرر في مذهبهم، حتى قالوا: إن ما خالف الأمة فيه الرشاد، بل لو أطبقت الشيعة على قول، وخالفه فئة مجهولة منتسبة للتشيع لكانت الحجة في قول الطائفة المجهولة تحسباً منهم أن يكون مهديهم المنتظر قد خرج متنكراً وشارك في الرأي مع تلك الطائفة فكأن هذا يعني أن مذهبهم يتسع على مدى الزمان، لأن يضع فيه شياطين الإنس والجن ما يشاؤون ما دامت هذه الطائفة وضعت لنفسها هذا المبدأ.
13 - وفي اعتقادهم في أصول الدين ظهر أنهم جهمية في نفي الصفات، وقدرية في نفي القدر، ومرجئة في قولهم بأن الإيمان معرفة الإمام وحبه، ووعيدية بالنسبة لغيرهم، حيث يكفرون ما عدا طائفتهم.
كما تبين أنهم يشركون بالله سبحانه في ربوبيته وألوهيته في مسائل عديدة.
وفي اعتقادهم بالكتب والرسل كان من أقوالهم فيها أن الأئمة نزلت عليهم كتب إلهية، وعندهم كتب الأنبياء يقرؤونها ويحكمون بها، ولهم معجزات كالرسل، بل هم أفضل من الرسل وبهم تقوم الحجة على العباد.
وفي الإيمان باليوم الآخر قالوا: إن الآخرة للإمام، وإن الجنة مهر فاطمة، وإن الأئمة يأكلون من الجنة في الدنيا، وإن حساب الخلق إلى الأئمة يوم القيامة.
وإن هناك جنة ونار يصير إليها الأموات غير الجنة والنار التي يؤمن بها المسلمون، وإن لقم باباً إلى الجنة، وأهل قم لا يحشرون كسائر الناس.
14 - ولهم عقائد أخرى تفردوا بها أيضاً عن المسلمين وهي إمامة الاثنى عشر وعصمتهم، والتقية، والمهدية، والغيبة، والرجعة، والظهور، والطينة، والبداء.
فإمامة المسلمين خاصة بالاثنى عشر عندهم، وكل من يتولى على المسلمين من غيرهم فهو طاغوت لا ينظر الله إليه ولا يكلمه يوم القيامة وله عذاب أليم. ومن بايعه أو رضي ببيعته فهو كذلك.
وهؤلاء الاثنا عشر لا يسهون ولا ينسون ولا يخطئون منذ ولادتهم وطيلة عمرهم.
ولما كانت أقوال الأئمة وأفعالهم تخالف القول بعصمتهم اخترعوا للتستر على مزاعمهم تلك عقيدة البداء والتقية، فأعمال الأئمة الموافقة للمسلمين يحملونها على التقية، وأخبارهم المخالفة للواقع يحملونها على البداء.
ولما حددت الشيعة الأئمة بأشخاص معينين صدمت بانقطاع سلسلة الأئمة المزعومين بموت الحسن العسكري عقيماً، ولذلك اخترعوا بعد طول تخبط أن له ولداً اختفى وهو طفل، فهو الإمام على المسلمين إلى اليوم وسيظهر إليهم.
ثم ما لبث شيوخهم أن استولوا على صلاحياته بواسطة النواب والوكلاء ثم جعلوها – تدريجياً – مشاعة بين شيوخهم، فأصبحوا هم الحاكمين بأمرهم في شأن الرعاع من الشيعة الذين يخدعونهم بقوله: أنتم أتباع أهل البيت وهم في الحقيقة أتباع المعدوم، أو أتباع الشيطان.
- وفي عقيدة الرجعة يحلمون بالعودة للدنيا بعد الموت هم وأعداؤهم الذين هم أهل السنة من الصحابة، ومن اتبعهم بإحسان، فيجري انتقام الشيعة منهم.(3/402)
- وفي عقيدة الظهور يخرج الأئمة من قبورهم لبعض الناس أحياناً قبل يوم القيامة، وفي غير الرجعة المزعومة، وهذه عقيدة جديدة سجلها المجلسي في بحاره في باب مستقل.
- وأما عقيدة الطينة فهي عقيدة سرية عندهم، تقول بأن حسنات أهل السنة هي للشيعة، وموبقات الشيعة هي على أهل السنة، ويفسرون على ضوئها ما يضج به مجتمعهم منذ القديم من ظلم ومعاصي ومنكرات.
15 - إن الشيعة المعاصرين يلتقون مع الغابرين في مصادر التلقي، بل ويأخذون بما افتراه شيوخ الدولة الصفوية ووضعوه من مدونات مليئة بالكفر والإلحاد، وقد سهلت المطابع إشاعة هذه الظلمات بينهم فركبوا من الغلو مركباً صعباً.
ولكنهم يخادعون أهل السنة فيزعم بعضهم أنهم لا يسبون الصحابة ولا يقولون بالرجعة، وقد بينت صفحات هذه الرسالة حقيقة هذه الدعاوى.
وقد زعموا أن التقية انتهى العمل بها مع أن نصوصهم تأمرهم بالعمل بها إلى أن يخرج مهديهم، وأقوالهم وأفعالهم تبين استمرار العمل بها، فقولهم هذا إنما هو (تقية على التقية).
ولعله لا يوجد طائفة على وجه الأرض جعلت الكذب ديناً، بل هو تسعة أعشار الدين كهذه الطائفة.
16 - وفي أثرهم في العالم الإسلامي تبين أن لهم آثارهم الفكرية الخطيرة في أحداث الشرك في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، والصد عن دين الله، وظهور فرق الزندقة والإلحاد، ومحاولة إضلال المسلمين في سنة نبيهم، والتأثير السلبي في الأدب والتاريخ، وعلى بعض المفكرين المنتسبين للسنة، ولهم وسائل في الإضلال ظاهرة وخفية.
كما أن لهم أثراً في المجال الاجتماعي في إثارة الفتن الداخلية بين المسلمين، وفي الاعتداء والاغتيالات للقيادات الإسلامية، ولعموم المسلمين، إذا حانت لهم فرصة في ذلك، وفي إشاعة الفاحشة ونشر الإباحية عن طريق ما يسمونه بالمتعة الدورية وغيرها.
وفي المجال الاقتصادي كان أثرهم واضحاً في أخذ أموال المسلمين بالقوة أو الخديعة، وفي تدمير اقتصاد الأمة بأي وسيلة. وكان ما يأخذونه من أموال باسم آل البيت من أهم أسباب رغبة شيوخ الشيعة في بقاء شذوذهم وخلافهم مع المسلمين.
وقد تبين أنهم كفرة، ليسوا من الإسلام في شيء بسبب شركهم وتكفيرهم للصحابة، وطعنهم في كتاب الله وغيرها من عقائد الكفر عندهم.
ولا أغرب وأعجب من بقاء طائفة تعد بالملايين أسيرة لهذه الخرافات ولا يفسر ذلك إلا أن شيوخ الشيعة يحجبون الحقيقة عن أتباعهم بوسائل كثيرة من الخداع، لعل أبرزها دعواهم أن ما عندهم مؤيد بما جاء عن طريق أهل السنة، وأن دينهم يقوم على أساس محبة آل البيت وأتباعهم.
وفي ظل هذه الدعوى يؤججون مشاعر العامة وعواطفهم بذكر اضطهاد آل البيت، وتصوير الظلم الذي لحقهم من الصحابة – بزعمهم – ويربون صغارهم على ذلك.
ومن ذلك تمثيلهم لمأساة كربلاء، وهو المعروف الآن باسم (الشبيه) وإقامتهم لمجالس التعزية، بكل ما فيها من مظاهر الحزن والبكاء، وما يصاحبها من كثرة الإعلام ودق الطبول وسرد الحكايات والأقاصيص عن الظلم المزعوم، وهذا يؤدي إلى شلل العقل والتقبل الأعمى للمعتقد ولاسيما عند الأعاجم والعوام.
وإن أعظم وسيلة لمعالجة وضع الشيعة هو بيان السنة للمسلمين في كل مكان وبمختلف الوسائل، وبيان حقيقة الشيعة ومخالفتها لأصول الإسلام بدون تقليل أو تهويل.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.(3/403)
أقسام المداينة (رسائل فقهية)
Oمحمد بن صالح العثيمين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - مداينة
خلاصة ما تقدم
وبعد فهذه ثمانية أقسام من أقسام المداينة بعضها حلال جائز فيه الخير والبركة وبعضها حرام ممنوع ليس فيه إلا الشر والخسارة ونزع البركة فيه إلا أنه يزين لصاحبه سوء عمله فيستمر فيه ولا يرى أنه باطل، فيكون داخل في قول الله تعالى: {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء} وقال تعالى: {قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا}.
فالحلال من هذه الأقسام:
1 - أن يحتاج الشخص إلى سلعة أو عقار فيشتريه بثمن مؤجل لقضاء حاجته.
2 - أن يشتري السلعة أو العقار بثمن مؤجل للاتجار به وانتظار زيادة السعر.
3 - أن يحتاج إلى دراهم فيأخذها من شخص بسلعة يكتبها الآخذ في ذمته.
وهذه الأقسام الثلاثة جائزة بلا ريب وسب تفصيلها.
والحرام من الأقسام الأخرى:
1 - أن يحتاج إلى دراهم فلا يجد من يقرضه فيشتري سلعة من شخص بثمن مؤجل زائد على قيمتها الحاضرة ثم يبيعها على غيره وهذه هي مسالة التورق في جوازها (خلاف بين العلماء) كما تقدم.
2 - أن يحتاج إلى دراهم ولا يجد من يقرضه فيشتري من شخص سلعة بثمن مؤجل ثم يبيعها عليه بأقل مما اشتراها به، وهذه مسألة العينة.
3 - أن يتفق الدائن والمدين على أخذ الدراهم العشرة أحد عشر أو نحو ذلك ثم بيعها عليه بأقل مما اشتراها به، وهذه مسألة العينة.
3 - أن يتفق الدائن والمدين على أخذ الدراهم العشرة أحد عشر أو نحو ذلك ثم يذهب إلى ثالث فيشتري الدائن منه سلعة هو في الحقيقة شراء صوري ثم يبيعها على المدين ثم يبيعها المدين بدوره على الذي أخذها الدائن منه. وهذه طريقة المداينة التي يستعملها الآن كثير من الناس وهي حرام كما سبق عن شيخ الإسلام ابن تيمية ولم يذكر خلافا في تحريمها كما ذكر في مسألة التورق.
4 - أن يكون لشخص على آخر دين مؤجل أجله وليس عنده ما يوفيه فيقول صاحب الدين: أدينك وتوفيني فيدينه. وهذه طريق أهل الجاهلية التي تتضمن أكل الربا أضعافا مضاعفة إلا أنها صريحة في الجاهلية خديعة في هذا الزمان ففيها مفسدتان.
5 - أن يكون لشخص على آخر دين مؤجل فيحل أجله ويكون لصاحب الدين صاحب يتفق معه على أن يقرض المدين أو يدينه ليوفي الدائن ثم يقلب عليه الدين مرة أخرى. وهذه طريقة الجاهلية مع إدخال الطرف الثالث المشارك في الإثم والعدوان والمكر والخداع.
واعلم أن الدين في اصطلاح أهل الشرع لما ثبت في الذمة سواء كان ثمن مبيع أو قرضا أو أجرة أو صداقاً أو عوضا لخلع أو قيمة لمتلف أو غير ذلك وليس كما يظنه كثير من العوام من أن المداينة هي التي يستعملونها ويستدلون عليها بقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} فإن المراد به هو الدين الحلال الذي بين الله ورسوله حله دون الدين الحرام وهذا كثير في نصوص الكتاب والسنة تأتي مطلقة أو عامة في بعض المواضع ولكن يجب أن تخصص أو تقيد بما دل على التخصيص والتقييد.(3/404)
ألفاظ التسليم من الصلاة
Oإبراهيم الشيخ
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ماجد عسيري - جدة
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - أعمال منوعة
خلاصة البحث
1 - أن الصحيح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم في التسليم هو قول: (السلام عليكم ورحمة الله): عن يمينه، (السلام عليكم ورحمة الله): عن شماله [أما الاقتصار على تسليمة واحدة: فلم نتعرض لبحثه – حيث لم نتعرض لبحث عدد التسليمات – والإجماع منعقد على جواز أن يسلم المصلي تسليمة واحدة، إلا ما ورد عن الحسن بن حي وبعض أهل الظاهر].
فقد ورد ذلك عنه صلى الله عليه وسلم بأسانيد صحيحة من حديث جابر بن سمرة، وابن عمر، وابن مسعود رضي الله عنهم. وبأسانيد ضعيفة عن غيرهم.
2 - أن زيادة (وبركاته): لم ترد مرفوعة بإسناد محتمل إلا من طريق موسى بن قيس عن سلمة بن كهيل عن علقمة عن وائل بن حجر رضي الله عنه.
وقد غمز الدارقطني في هذه الرواية .. بالإضافة إلى أن بعض العلماء قد تكلم في سماع علقمة عن أبيه.
3 - أن زيادة (وبركاته): لم ترد موقوفة بإسناد صحيح إلا عن الأسود بن يزيد النخعي رحمه الله.
4 - حتى على فرض ثبوت زيادة (وبركاته) من حديث وائل بن حجر: فيكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يقولها ولكن بقلة.
وعلى هذا فلا ينكر على من أتى بها أحيانا قليلة.
5 - أن جمهور أهل العلم يرون الاقتصار على قول: (السلام عليكم ورحمة الله. السلام عليكم ورحمة الله).
6 - أن مداومة الإتيان بلفظ (وبركاته) – إن لم نقل مجرد الإتيان به – في التسليم: خلاف الأولى.
وعلى هذا فما يفعله كثير من المتسننة – من ملازمة الإتيان بها واعتقاد أن ذلك هو الأفضل – فعل غير سديد وغير موافق للسنة.
7 - أن الاقتصار في التسليم على لفظ (السلام عليكم) بدون ذكر (ورحمة الله) ورد عن بعض السلف من الصحابة والتابعين. والفقهاء على القول بجوازه. إلا أن الوارد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأولى والأفضل.
هذا، وما كان في هذا البحث من توفيق وتسديد فمن الله تعالى وحده، فله الحمد والمنة. وما كان فيه من زلل وخطأ فمن نفسي ومن الشيطان. وأسأل الله تعالى أن يتجاوز عن التقصير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/405)
أهمية صلاة الجماعة في ضوء النصوص وسير الصالحين
Oفضل إلهي ظهير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
إدارة ترجمان الإسلام سي - باكستان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة الجماعة وأحكام المأموم والإمام
خاتمة
الحمد لله الذي منّ على العبد الضعيف بإنجاز هذا البحث، وإني لأرجو برحمته وكرمه وقبوله. وقد تجلي فيه عدة أمور، منها
1 - لصلاة الجماعة ثواباً عظيماً وأجراً جزيلاً. ويبدأ ثوابها قبل الشروع فيها، فيبدأ بتعلق القلب في المساجد، فالمشي إليها لأداء صلاة الجماعة فيها حتى يفرغ منها. ولا يتوقف عند ذلك بل يستمر حتى يعود المصلي إلى بيته.
2 - إن إقامة الصلوات الخمس مع الجماعات من أوكد العبادات، وقد أمر الله تعالى بها في جميع الأحوال وفي حال الخوف، كما أمر النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بها، ونهى عن الخروج من المسجد بعد الأذان فيه، ولم يرخص للتخلف عنها للأعمى رغم وجود الأعذار المتعددة له، وحكم أنه لا صلاة للمتخلف عنها بغير عذر شرعي مقبول. وبين عليه الصلاة والسلام أن التخلف عنها من علامات المنافقين، وأن الشيطان يستولي على قرية لا تقام فيها صلاة الجماعة. كما هدد صلى الله عليه وسلم بغضب الله تعالى على من تركها، وهم بتحريق البيوت على من تخلف عنها. ونبأنا العليم الخبير بسوء عاقبة من لم يستجب للأذان.
3 - كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد الاهتمام بصلاة الجماعة. ويتجلى ذلك في محافظته عليها في شدة المعركة، وفي جهوده للخروج إليها في مرضه الشديد.
4 - كان سلف الأمة شديدي العناية بصلاة الجماعة.
5 - يرى بعض المالكية أنها "سنة"، كما يرى بعضهم الآخرون أنها "سنة مؤكدة".
ب: اتفق علماء الحنفية على أنه لا يرخص لأحد في تركها بغير عذر، ويأثم من تركها بغير عذر. ويرى عامة مشايخهم أنها واجبة، وسماها بعضهم "سنة مؤكدة"، لكنهم فسروها بما يفسر به "الواجب" فالخلاف بينهم وبين من سماها "واجبة" لفظي.
ج: لم يرخص الإمام الشافعي في ترك صلاة الجماعة لغير المعذور. وقد اختلف علماء الشافعية في تسميتها. فمنهم من سماها "فرض عين"، ومنهم من سماها "فرض كفاية"، ومنهم من سماها "سنة مؤكدة"، لكنهم اتفقوا على أن من ترك صلاة الجماعة فهو آثم.
د: المنصوص من قول الإمام أحمد أنها "واجبة على الأعيان" وليست شرطاً لصحة الصلاة. ويرى بعض الحنابلة أنها شرط لصحة الصلاة أيضاً.
هـ: يرى الظاهرية أنها "فرض عين وشرط لصحة الصلاة".
و: لا يرخص – من ذكر في أعلام الأمة – في ترك صلاة الجماعة إلا لمريض أو خائف. ولا فرق في وجوبها بين المسافر والمقيم، وبين أهل الحضر والقرية. كما صرح بعضهم أنه لا طاعة للوالدين في تركها.
ويستغل الكاتب هذه الفرصة لمناشدة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بالمحافظة على أداء الصلوات الخمس مع الجماعة كما حافظ عليها رسولنا الحبيب الكريم صلى الله عليه وسلم وسلف هذه الأمة، كما أنشد ولاة أمور المسلمين في أرجاء المعمورة بالاهتمام بصلاة الجماعة كما اهتم بها ولاة أمور المسلمين الأوائل. وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب. وصلى الله تعالى على نبينا وعلى آله وأصحابه وأتباعه وبارك وسلم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/406)
أوقات النهي الخمسة وحكم الصلاة ذات السبب فيها
Oعبدالله بن عبدالعزيز الجبرين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عالم الفوائد - مكة المكرمة
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - أعمال منوعة
الخاتمة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فمن خلال هذا البحث المتواضع تبين لي أمور، أهمها:
أولاً:
أن القول الصحيح في بداية الوقت الأول من أوقات النهي الخمسة أنه يبدأ من طلوع الفجر.
ثانياً:
أن القول الراجح في نهاية الوقت الثاني من أوقات النهي أنه ينتهي بطلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح.
ثالثاً:
أن الوقت الثالث من أوقات النهي – وهو وقت الزوال – وقت قصير جدا، وفي كلام بعضهم أنه ما يمكن فيه قراءة الفاتحة، فلا يتسع لصلاة، لكن يمكن إيقاع التحريم فيه، لأن جزء من الصلاة سيكون في هذا الوقت.
رابعاً:
أن الوقت الخامس من أوقات النهي يبدأ بشروع الشمس في الغروب، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة.
خامسا:
أن الصحيح من أقوال أهل العلم فيما بعد الفجر وما بعد العصر أنهما من أوقات النهي، وأن الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في هذين الوقتين قد بلغت حد التواتر.
سادسا:
أن وقت الزوال وقت نهي عدا يوم الجمعة، وهذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وأن القول بأن هذا الوقت ليس وقت نهي مطلقا قول ضعيف، لا يعضده دليل من كتاب ولا سنة، ومخالف للأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن الصلاة في هذا الوقت.
سابعا:
أن مكة المكرمة كغيرها من البلاد فيما يتعلق بأوقات النهي، يجوز فيها في أوقات النهي فعل ما له سبب دون غيره، وهذا هو الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
ثامنا:
أن الفرائض يجوز قضاؤها في جميع أوقات النهي، وهذا هو القول الصحيح في هذه المسألة، وما سواه من الأقوال ضعيف، لمخالفته للنصوص الشرعية في هذه المسألة.
تاسعا:
أن الصحيح من أقوال أهل العلم في صلاة الجنازة في أوقات النهي أنها تجوز في جميع أوقات النهي، وأن الأولى عدم الصلاة عليها في أوقات النهي القصيرة، وهي وقت طلوع الشمس، ووقت غروبها، ووقت الزوال، إلا إذا خيف على الجنازة من التغير.
عاشرا:
أن ذوات الأسباب من النوافل تشرع عند وجود سببها في أوقات النهي كلها، هذا هو القول الصحيح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة، لأدلة كثيرة، تقرب من أربعين دليلا، ذكرتها في موضعها من هذا البحث.
حادي عشر:
أنه يشرع سجود التلاوة وسجود الشكر عند وجود سببه في جميع أوقات النهي، وهذا هو القول الراجح من أقوال أهل العلم في هذه المسألة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/407)
إبراء الذمة من حقوق العباد
Oنوح علي سلمان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البشير - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - أعمال منوعة
الخاتمة
بعد أن وصلت إلى نهاية المطاف في هذا البحث، وعالجت المسائل المتعلقة به، أسجل في هذه الخاتمة أمورا استخلصتها من بحثي، ووقفت عليها من خلال معالجتي للمسائل المختلفة.
إن على المسلم أن يرجع إلى الفقهاء في كل تصرف يقدم عليه، ليبنوا له ما يترتب له وعليه من حقوق؛ بسبب هذا التصرف، إلا أن يكون عالماً بالأحكام الفقهية، وإلا خشي عليه أن يترتب في ذمته حق لله تعالى، أو للعباد. وهو لا يدري، فيلقى الله تعالى مثقلاً بالذنوب وبحقوق الناس يطالبونه بها، ويستوفون من حسناته في يوم هو أحوج ما يكون فيه إلى الحسنات.
وإذا كان الإنسان يراجع الطبيب بين الحين والآخر ليطمئن على صحته – ولا يغني عنه من أمر الله شيئا – فإن عليه أن يراجع علماء الفقه؛ ليطمئن على سلامة دينه، وبراءة ذمته من حقوق الآخرين.
2 – إن الرسائل التي تقدم لنيل الدرجات العلمية يبذل فيها من الجهد ما لا يبذل في غيرها، وتكتب بإشراف علماء مشهود لهم بالعلم، وتناقش من قبل أهل العلم المتخصصين، وهذه كلها ظروف توفر للبحث ما يستحقه من التحقيق، والمقارنة، والموضوعية، فينبغي أن تستغل في بحث الأمور التي يحتاج إليها المسلمون في حياتهم العملية وما جد من قضايا لم تكن معروفة من قبل.
3 - إن الجهد الذي بذله الفقهاء من سلفنا الصالح لا يعرف قدره إلا من اطلع على مؤلفاتهم، وتتبع بحثهم للمسائل، ومعالجتهم للقضايا، فرأى طلبهم للحق، وتجردهم في البحث، والتزامهم بالقواعد الصحيحة للبحث، واحترامهم لرأي غيرهم، ولطفهم في الرد على الآراء المخالفة، وذكاءهم في التمييز بين المتشابهات، وسعة اطلاعهم في توجيه الآراء، ودقة الاستنباط وإبراز الفروق الدقيقة بين المسائل المتشابهة، كل هذا مع التواضع، واستقلال العمل في جانب الله، وواجب خدمة الدين.
4 - ومن النقطة السابقة يظهر أن الذين يطعنون على المذاهب لاختلاف آرائهم ينظرون إلى الموضوع من بعيد ولو مارسوا البحث في المسائل الفقهية، وتتبعوا مسالك الفقهاء في استنباط الأحكام، لعذروهم، وعرفوا أن تعدد الآراء دليل على حريتهم في البحث، وطلبهم للحق، وبعدهم عن التقليد بلا دليل، وأن من إعجاز القرآن، وعظمة المنة أن يُفهم من النص الواحد عدة أحكام، وتختلف الآراء باختلاف البيئات والثقافات والعقول، فما يناسب بيئة لا يناسب أخرى، وما يناسب زماناً لا يناسب آخر، والموضوعات التي وقع فيها الخلاف مواضيع فرعية تعالج قضايا الناس المتجددة والمتنوعة، أما الأصول والعقائد فثابتة لا مجال للخلاف حولها.
5 – إن البعض يظن أنه لو ثبت النص لانتفى الخلاف وهذا أيضا قول من لا خبرة له، فالقرآن الكريم ثابتة نصوصه بالتواتر ولله الحمد، ومع هذا اختلفت العقول في فهم النص.
وإثبات النصوص ليس أمراً سهلاً، فهو كثيراً ما يرجع إلى الحكم على سيرة شخص، وهذا مجال يكثر فيه الخلاف، ولو اتفق على هذه النقطة فإنك لا تجد النصوص التي تحكم في كل مسألة، فالأحاديث الواردة في باب المعاملات أقل بكثير من الواردة في موضوع العبادات فلابد من الاجتهاد في فهم النص؛ لتوسيع نطاقه بالقياس، والحكم على المسائل بالقواعد العامة في الشريعة، ولو أنهم بدؤوا بحثهم في أبواب المعاملات لوقفوا على هذه الحقيقة بسهولة، ولكنهم بدؤوا من باب العبادات فطالعتهم النصوص الكثيرة فظنوا الأمر هكذا في كل أبواب الفقه.(3/408)
6 – ولما سبق فإن على الباحث أن لا يضيق ذرعاً بهذه الخلافات فهي تروض العقل، وتعلمه تفحص القضايا من عدة زوايا، وعليه أن ينظر في الأدلة، ويقارن بينها، ثم يبين ما ترجح عنده، ومن وجهة نظره دون الحكم ببطلان الآراء الأخرى، فما من قول لمجتهد إلا وله مستند شرعي قوي في نظره من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس، أو غيرها من الأدلة، سواء قوي هذا المستند أو ضعف في نظر غيره، ومعاذ الله أن يقول أحد منهم برأيه المجرد عن الدليل، ولا بد للإنسان من أن يتأثر بثقافته وبيئته في فهم النص فكيف يحكم بصحة ما ذهب إليه وبطلان ما سواه، وليس له على هذا دليل جاسم؟.
وهذا ما سلكته في هذه الرسالة فقد كنت بعد البحث أقول:
يبدو لي رجحان كذا، إشارة إلى أن هذا ما بدا لي، وقد يبدو لغيري غير ما بدا لي، ويترجح لديه غير ما ترجح لدي.
وليس معنى هذا أني لا أصل في المسألة إلى حكم، فالذي أرجحه هو ما أعمل به لنفسي، وأفتي به غيري لو سألني، وأحكم به لو كنت قاضيا، وهذه كلها يكفي فيها غلبة الظن، ولكني أتحرج من الكلمات التي تجرح شعور أحد من المسلمين، خاصة صفوتهم وأهل العلم والفقه منهم.
وبعد: فهذا جهد المقل، والفضل لله وحده، وما كان في بحثي من صواب فمن الله تعالى، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه وأستغفر الله تعالى من الذنب الذي أعلم، ومن الذنب الذي لا أعلم.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين، ورضي الله عن العلماء العاملين وحشرنا بمعيتهم تحت لواء سيد المرسلين.
تم بحمد الله
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(3/409)
إرشاد أولي الألباب إلى ما صح من معاملة أهل الكتاب
Oجمال محمد إسماعيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المعراج
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أهل الكتاب
بعد معالجتي لهذا الموضوع توصلت إلى النتائج التالية:
- الإسلام دين الحق وما سواه باطل، وهذه حقيقة يقينية في نفس المسلم الواعي الذي يعلم أن الله لن يقبل غيره من الناس جميعا ولكن أعداء الإسلام يحاولون تمييع هذا اليقين في نفس المسلم باسم التسامح والتقريب بين الأديان.
- الغلو والجفاء والإفراط والتفريط خط منحرف عن الإسلام فالتوسط والاعتدال هو المطلوب من المسلم، فالغلو والإفراط يجعل صاحبه متشددا على نفسه وعلى غيره أما الجفاء والتفريط فهو يحمل صاحبه على عدم الاكتراث بأمر دينه.
- موقف أهل الكتاب من المسلمين هو البغض والحقد وتمني السوء ولا تغتر بمعسول الكلام فإنهم لن يرضوا عنك إلا أن تترك دينك وتتبع دينهم.
- موقف المسلم من أهل الكتاب هو الحذر من مكرهم وأخذ الحيطة فلا جدال معهم إلا لمن أراد منهم البحث عن الحق، ولا طاعة لهم ولا بطانة منهم، ولا يجوز اتخاذهم أعوانا وأنصارا وأولياء، ولا يجوز مودتهم ومحبتهم ولا توليتهم أمرا من أمور المسلمين، ولا يجوز التشبه بهم والتزي بزيهم، ولا يجوز مداهنتهم، ولا يجوز الثقة بهم وائتمانهم وقد خونهم الله تعالى.
- التقية رخصة وتركها عزيمة وهي ليست موالاة.
- الإكراه لا ينفع أحدا فيما يتعلق بالرضى القلبي والميل إلى الكفار لأنه غير مأذون فيه ولأن الإكراه لا سلطان له على القلوب.
- وجوب تحكيم شرع الله بين الناس عامة مؤمنهم وكافرهم.
- الموالاة الممثلة في الحب والنصرة شيء والنفقة والصلة والإحسان للأقارب الكفار شيء آخر وسماحة الإسلام تتضح من: لا إكراه في الدين، حفظ العهد والوفاء به شريطة أن لا يحل حراما أو يحرم حلالا، لا تضرب الجزية على النساء والصبيان ولا على الراهب المنقطع للعبادة، إقامة العدل وتحريم الظلم.
- لا يجوز بدء أهل الكتاب بالسلام ووجوب الرد عليهم إذا سلموا.
- لا يجوز تصديرهم في المجالس " أي التبجيل والإكرام ".
- مراسلة الكتابي تكون دون ذكر السلام له ولكن يقال " السلام على من اتبع الهدى ".
- تشميت العاطس منهم تشميتا خاصا دون ذكر الرحمة إذا حمد الله عز وجل.
- يجب صيانة الأسماء الإسلامية منهم مثل أحمد ومحمد وأبو بكر فلا يمكنون من ذلك.
- عدم تكنية الكتابي على سبيل التعظيم والإجلال.
- الدعاء لهم بالهداية والدعاء عليهم منهي عنه في حق من يرجى تألفه ودخوله في الإسلام.
- الهدية للكتابي إثباتا ونفيا ليست على الإطلاق والبر والصلة والإحسان لا يستلزم التحابب والتوادد المنهي عنه.
- قبول الهدية من الكتابي في الأحوال العادية أما ما يستعان به على التشبه بهم لا يجوز وترد.
- عيادته تختلف باختلاف المقاصد فإن كان ممن يرجى دخوله في الإسلام فلا بأس.
- تهنئتهم بشعائر الكفر المختصة بهم فحرام بالاتفاق مثل أن يهنئهم بأعيادهم فيقول لهم: عيد مبارك أو تهنأ بهذا العيد.
- لا يغسل الكتابي ولا تتبع جنازته.
- لا يجوز الترحم والاستغفار له وإن كان أقرب قريب لك.
- القيام للجنازة ليس مختصا بالمسلم أو الكتابي وإنما هو عام ففيه تعظيم للذي يقبض النفوس وتذكير للمسلم من الغفلة.
- إباحة استعمال آنية أهل الكتاب مع التوقي من النجاسات.
- أكل ذبائحهم جائز أما ما ذبحوه لكنائسهم وأعيادهم فلا يجوز.
- مشاركة الكتابي جائزة والأولى عدم مشاركته لأنهم يستحلون ما لا يستحله المسلم.
- معاملة الكتابي في البيع والشراء جائزة ولكن بشرطين:
1 - ألا يكون مما يستعان به على المسلمين كبيع السلاح لقتل مسلم ونحوه.(3/410)
2 - ألا يكون مما يستعان به على إقامة أعيادهم الباطلة كبيعهم الطعام واللباس ونحوه.
- استعمال الكتابي في عمل لا ولاية فيه كنحت الحجارة والبناء والنجارة.
- استئجار المسلم عند الكتابي جائز إلا أن يعمل عملا يحل له فعله.
- الاستعانة بهم في الطب، وأخذ علم الطب من كتبهم مثل الاستدلال على الطريق، أما طلب الرقية منهم فلا يجوز للمسلم ذلك.
- الاستعانة بهم في الحرب جائزة بشرطين:
1 - الحاجة إليهم.
2 - الوثوق من جهتهم.
- لا مانع أن يتحدث المسلم بحديث أهل الكتاب للعظة والعبرة.
- الاحتراز من استعمال أهل الكتاب في شيء من ولايات المسلمين.
- تعليم المسلم أهل الكتاب القرآن ممن يرجى منه الرغبة في الدين والدخول فيه مع الأمن أن يتسلط بذلك إلى الطعن فيه.
- دخول الكتابي المسجد للحاجة ولكن الآن لا مصلحة للمسلمين في دخولهم مساجدهم.
- دخول الكنيسة بالنسبة للمسلم لا تكون إلا في حالات الضرورة ولا يصلي فيها حيث أن فيها تماثيل وصور وهي بيت للكفر.
- زواج المسلم من الكتابية جائز والأولى له أن يتزوج مسلمة حيث أن:
1 - المسلمات كثيرات وهن أولى.
2 - انعدام الحاجة.
3 - خشية الفتنة على الزوج والأولاد.
4 - نوعية المسلم الذي قدم على مثل هذا لا يفكر في دين ولا خلق.
- ولكن لا يجوز للمسلمة أن يتزوجها كتابي بحال.
- لا يكون الكتابي وليا للمسلمة ولا محرما لها.
- زوجة المسلم الكتابية له حق منعها من الخروج إلى الكنيسة وإجبارها على الاغتسال من الجنابة والنظافة وكذلك منعها من إدخال الصليب بيته.
- الأولاد يكونون مسلمين حيث أنهم يتبعون أباهم المسلم.
- انقطاع التوارث بين المسلم والكتابي.
- الزكاة لا تجوز على الكتابي ولكن تجوز عليه صدقة التطوع.
- وقف المسلم يصح منه ما وافق حكم الله ورسوله.
- وقف الكتابي إذا كان على الكنائس والبيع فلا يجوز وإذا كان الوقف على معين أو جهة يجوز للمسلم الوقف عليها كالصدقة على المساكين والفقراء وإصلاح الطرق فهذا صحيح.
- ليس للكتابي أن يتملك أرض المسلمين بالإحياء.
- إذا كان المدعي عليه ذميا يحلف ويكون حلفه بالله عز وجل.
- قبول شهادة أهل الكتاب في الوصية في السفر إذا لم يكن غيرهم وردها في غير ذلك.
- هجاء الكتابي لا يكون إلا إذا كانت هناك مصلحة راجحة.
- دية الكتابي نصف دية المسلم.
- تغلظ الدية على المسلم إذا قتل ذميا أو معاهدا.
- لو قتل ذمي مسلما لم تضعف عليه الدية لأن القصاص عليه واجب.
- لا يقتل المسلم بأحد من الكفار سواء كان المقتول ذميا أو مستأمنا أو غير ذلك ويقتصر فيه على الوعيد الأخروي دون الدنيوي لأن قتل الذمي والمعاهد حرام.
- يقاتل أهل الكتاب حتى يرضخوا بالإسلام أو يدفعوا الجزية عن يد وهم صاغرون.
- الأسارى منهم: الرجال يخير الإمام فيهم بين أربعة أشياء القتل والمن بغير عوض والمفاداة بهم واسترقاقهم والنساء والصبيان لا يجوز قتلهم ويصيرون رقيقا للمسلمين.
- النهي عن السفر بالمصحف إلى أرض الكفار إذا خيف وقوعه بأيديهم أو الاستهانة به.
- الإقامة في بلاد الكفار فيها خطر عظيم على دين المسلم وقد تجوز في بعض الحالات مع التقيد بالمصلحة العامة والمصلحة الخاصة دون إلحاق الضرر بأيهما.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/411)
إسعاف أهل العصر بما ورد في حكم الوتر
Oفيحان بن شالي المطيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المدني
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1405هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة التطوع - وتر وقيام الليل وتراويح وتهجد
خاتمة
وبعد هذا ما سمح به الوقت وجاد به القلم فإن يمكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ولم أدخر وسعاً في البحث والتفتيش عن المادة من مصادرها المعتمدة، بيد أن العلم الإنساني عرضة للنقص مهما بلغ من العلم والفهم والذكاء. وأرجو ممن عثر على زلة قلم، أو سقطة لسان، أو قصوراً في العبارة، أن ينبه علي ذلك فسيجد إن شاء الله تعالى أذناً صاغية وصدراً رحباً، لتقبل ما يملي من الملاحظات، لأن الهدف الأول والأخير هو الحق، والله على ما نقول شهيد، وقد ضمنت هذه الخاتمة بعض النتائج التي ظهرت لي من خلال البحث وتتخلص في الآتي:-
1 - أن الوتر ليس بواجب بل هو سنة مؤكدة. وقد دل لذلك صريح السنة الثابتة عن صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم، حتى قال بعض الفقهاء القائلين بعدم الوجوب برد شهادة تارك الوتر.
2 - أن الوتر لا يخلو من ثلاثة أمور بالنسبة للوقت الذي يفعل به.
وقت جواز وهو ما بعد صلاة العشاء، ووقت استحباب وهو ما قبل الفجر الثاني، لمن وثق من نفسه القيام. إما باستيقاظه وإما بإيقاظ غيره له، ووقت قضاء وهو ما بعد صلاة الفجر. وقد ذكرنا هذا كله بالتفصيل أثناء البحث.
3 - أن الوتر كما يجوز بثلاث ركعات يجوز أيضاً بركعة وبخمس وبسبع وبتسع وبإحدى عشر وبثلاث عشر، وليس كما ظن بعض الفقهاء أنه لا يجوز إلا بثلاث.
4 - إن الإيتار بواحدة يصح ولو لم يتقدمه شفع. نعم الأفضل هو تقديم الشفع عليه، بيد أن المفهوم من ظاهر السنة هو الجواز، وإن ما قلنا بأن تقدم الشفع أفضل لكونه الغالب من أحواله صلى الله عليه وسلم.
5 - أن الوتر يجوز فعله على الراحلة، وهو دليل آخر على عدم الوجوب. إذ أن الواجبات لا يجوز فعلها على الراحلة إلا عند الضرورة.
6 - جواز القنوت في الوتر، ولا يتقيد الجواز بزمن دون آخر، بل يجوز في كل وقت على الراجح من أقوال الفقهاء.
7 - جواز رفع اليدين عند القنوت في الوتر، لأنه دعاء والأيدي ترفع عند الدعاء.
8 - أن الوتر أعلى منزلة من الرواتب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتركه حضراً ولا سفراً. ولا يماثله في هذا الشأن من السنن إلا ركعتا الفجر، وإن كان هو آكد منهما لكثرة الآثار الدالة على الأمر به.(3/412)
إسعاف النساء بفصل الصفرة عن الدماء
Oمحمد بن رزق الطرهوني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عالم الكتب - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حيض ونفاس
الخلاصة
- الأصل في المرأة أنها يجب عليها الصلاة كمسلمة إذا بلغت سواء كانت تحيض أو لا تحيض لمانع من الموانع، فإذا طرأ عليها الحيض لم يكن لها أن تترك الصلاة إلا إذا تيقنت أنها في حالة حيض، لأن ترك الصلاة أمر لا هوادة فيه.
- أن صفة الدم الذي يحكم لمن وجدته بحكم الحائض، أن يكون دماً أسود أي مائلاً للسواد، تعرفه النساء بلونه ورائحته، أما ما يأتي قبله أو بعده متصلاً به أو منفصلاً عنه فلا يعطي هذا الحكم البتة، بل يوجب الوضوء فقط لنص الحديث في ذلك وتصلي.
- أن ما روي عن عائشة – على نظر في صحته – لا يختلف عن هذا إلا في اشتراط وجود فترة نقاء تام ولو لحظات، بمعنى خروج القطنة بيضاء لا أثر فيها لشيء، فإذا خرج بعد ذلك صفرة أو كدرة فلا عبرة بها وقد بينا في البحث أن هذا القول لا حجة فيه.
هذا والله تعالى أعلم بالصواب.(3/413)
إشراقة أولى النهي في حكم الأخذ من اللحى
Oحسن بن قاسم الحسني الريمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الإمام أحمد
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - حكم اللحية
اتضح مما سبق تناوله في هذا البحث المتواضع بأبوابه الثلاثة ما يلي:
- وجوب إعفاء اللحية على ما ورد به النص من السنة الصحيحة الصريحة.
- إن القول بإطلاق اللحية موافق للفطرة ومن سننها، ومخالف لما عليه أهل الكفر.
- تحريم أخذ شيء من اللحية من أي موضع كان.
- إذا خالف فعل الصحابي مرويه فالعبرة بالمروي لا بفعل راويه.
- إذا صدرت المخالفة للرواية من غير راويها فالإجماع منعقد على الأخذ بالرواية، كما قاله العلائي.
- التماس العذر لابن عمر رضي الله عنهما في أخذه ما دون القبضة كما ذكر في المسألة الأصولية.
- تأييد اللغة العربية لصريح منطوق حديث الإطلاق.
- حمل المطلق من الآثار على المقيد منها إذا اتحد الحكم.
- العمل بمطلق النص وعمومه حتى يرد ما يقيده ويخصه من نص مثله.
- ترجيح كثير من علماء الدعوة السلفية قديماً وحديثاً القول بوجوب الإطلاق.
- التفريق بين مسائل الخلاف ومسائل الاجتهاد.
- الراجح: عدم الإلزام بقول الصحابي إذا انفرد، فكيف إذا خالف نصا صحيحاً صريحاً؟!!!.
- التحذير من الوقيعة في علماء السنة.
- التحذير من التسرع في الأحكام قبل كمال الأهلية.
وغير ذلك من الأمور التي تم تناولتها في ثنايا البحث.(3/414)
إتحاف الخلان في حقوق الزوجين في الإسلام
Oفيحان بن شال المطيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار العاصمة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1411هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حقوق الزوجين
الخاتمة
وبعد هذه الرحلة العلمية المباركة التي طوفنا من خلالها في جمع أحكام هذا الموضوع المفيد المتعلق بحياة الأفراد والمجتمعات وترتيب أبوابه ومناقشة أدلته وترجيح ما أمكن ترجيحه أقول هذا ما وسعه الجهد وسمح به الوقت وتوصل إليه الفهم وجاد به القلم فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن فيه خطأ أو نقص فتلك سنة الله في بني الإنسان فالكمال لله وحده والنقص والقصور من صفات الجنس البشري ولا أدعي الكمال وحسبي أني بذلت طاقتي واستفرغت وسعي فلم أدخر جهداً إلا بذلته في إعداد هذه المادة لنفع نفسي أولاً ولنفع من يطلع على هذا السفر المتواضع وأرجو ممن عثر على سبقة لسان أو ذلة قلم أو قصور فهم أن ينبه على ذلك وله جزيل الشكر.
والله نسأل أن يجزل لنا المثوبة فالمؤمن مرآة أخيه وسيجد آذناً صاغية وقلباً مفتوحاً لتقبل تلك الملاحظات التي يقصد بها وجه الله تعالى.
هذا وسأشير بإيجاز في هذه الخاتمة إلى بعض النتائج التي توصلت إليها من خلال معايشة هذا الموضوع وهي على النحو الآتي:
1 - إن كلا من الزوجين له وظيفة خاصة في تصريف شؤون المنزل يتميز بها عن الآخر فالإشراف العام خاص بالزوج وكذلك العمل خارج المنزل أما ما يتعلق بالمنزل من الأمور الداخلية فذلك من خصائص المرأة.
2 - إن الزوج يكون مخطأ إذا تصور أن وجود الزوجة في بيته إنما هو للخدمة والاستمتاع فالنساء شقائق الرجال ولا يعني هذا المشاركة في كل شيء إنما المراد أن يعلم أن الإسلام لم يهمل جانب المرأة بل أعطاها من الحقوق والواجبات ما لم يكن لها في أي دين من الأديان ولا في أي عصر من العصور.
3 - إن المرأة ينبغي لها خدمة زوجها بالمعروف بل أوجب ذلك بعض أهل العلم إذا لم يكن فيه إضرار بها وهو الذي رجحناه في ثنايا الكتاب وفي خدمتها لزوجها توثيق لأواصر المحبة والمودة بينهما.
4 - إن الزوج يجب عليه توجيه زوجته إلى الخير وتعليمها ما ينفعها في دينها ودنياها.
5 - إن طاعة الزوج واجبة على زوجته بالمعروف وقد دل لذلك صريح السنة وإجماع الأمة.
6 - إن الزوجة يجب عليها أن تحافظ على حقوق زوجها الخاصة بها فتحفظه في نفسها ولا تمكن غيره منها كما تحفظه في أمواله وأولاده في غيبته وحضوره.
7 - إن الاستمتاع حق مشترك لكل من الزوج والزوجة سواء أكان ذلك بالجماع أو بغيره فيجب على الزوجة أن تمكن زوجها من نفسها ولا تمتنع منه إلا لعذر شرعي كما يجب عليه وطؤها حسب الاستطاعة والتفصيل مدون في أثناء الكتاب.
8 - إن الاستمتاع يكون في المكان الذي أباحه الشارع ويحرم في الدبر وفي القبل زمن الحيض والنفاس وأن من وطئ زوجته في قبلها حال حيضها أو نفاسها آثم وعليه كفارة كما هو مبين في ثنايا الكتاب.
9 - إن الحيض والنفاس له زمن معين له أقل وأقصر فما زاد على أكثره فهو دم استحاضة لا يمتنع على الزوج الوطء فيه.
10 - إن الاستمتاع بالحائض أو النفساء يجوز في أي مكان من بدنها سوى موضع الأذى.
11 - إن للجماع آداب ينبغي أن تراعى من قبل الزوجين وهي مبينة في ثنايا هذا الكتاب.
12 - إن العزل عن المرأة الحرة لا يجوز إلا بإذنها كما أنه لا يجوز إلا إذا وجدت أسبابه المدونة في هذا الكتاب.
13 - إباحة تعدد الزوجات في الإسلام شرط العدل بينهن وبشروط أخرى منها القدرة على النفقة والسكن وهي مفصلة عند الكلام عن تعدد الزوجات.(3/415)
14 - الوعيد الشديد من الشارع الحكيم على من مال وجار ولم يعدل بين الزوجات وأن القسم للزوجة أو الزوجات واجب بنص القرآن وصريح السنة وإجماع الأمة وكيفية ذلك وما يتعلق به من أحكام مفصلة في موضعها.
15 - رد بعض الشبه التي يثيرها أعداء الإسلام أو المقلدون لهم من أبناء المسلمين حول التعدد وأنها لا تستند إلى دليل صحيح لا من كتاب ولا من سنة ولا قول صحابي ولا قياس صحيح وأن المقصود بها التشكيك في الرسالة النبوية والطعن في الدين الإسلامي.
16 - إن التعدد الجائز في الإسلام الذي جوز الجمع بموجبه بين النساء في وقت واحد أربع لا غير وهو الحد الأعلى الذي يؤيده الدليل.
17 - إن جمعه صلى الله عليه وسلم بين أكثر من أربع في وقت واحد إنما كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم وذلك لأهداف سامية ومقاصد عظيمة دينية وسياسية واجتماعية وهي مفصلة في موضعها.
18 - إن الطلاق حق للزوج ثابت بالقرآن والسنة وإجماع الأمة ولا ينتقل عنه هذا الحق إلا إذا وجدت أسباب خاصة وإنما شرع الطلاق حل قيد النكاح عند الحاجة إليه.
19 - إن الخلع حق للزوجة وقد دل لمشروعيته الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإنما جعل هذا الحق للزوجة لتتخلص به من قيد النكاح عند الحاجة إليه.
20 - إن الخلاف بين الزوجين وعدم الاتفاق بينهما له أسباب خاصة وهي مفصلة في موضعها مع بعض الحلول لها.
21 - لا ينبغي للزوج إذا كان مسافراً أن يقدم على زوجته حتى يعلمها بقدومه خصوصاً إذا كان ليلاً لما في ذلك من المصالح العظيمة ودليل ذلك السنة الصحيحة الصريحة.
هذا ما يمكن تسطيره في هذا المقام والله أسأل أن يجعله عملاً خالصاً لوجهه الكريم وأن يحفظنا من الذلل والرياء وأن ينفع بما دونته هنا كل من قرأه واطلع عليه فالهدف الأول والأخير هو نفع أفراد المسلمين خصوصاً طلاب العلم الذين لديهم بعض الأهلية وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/416)
إتحاف النبلاء بأدلة تحريم إتيان المحل المكروه من النساء
Oعبدالله بن محمد البخاري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة: الحمد لله وكفى وصلى الله على النبي المصطفى وآله وصحبه وسلم. وبعد: فبعد أن علمت – وفقني الله وإياك للخير – الأحاديث الواردة والآثار المروية في تحريم إتيان النساء في أدبارهن، وكذلك – علمت – بعد أن أوقفتك على جملة من أقوال علماء الملة في تحريم ذلك، فليس لك بعد هذا إلا أن تصبر نفسك على السنة، وتقف حيث وقف القوم، وقل فيما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم، فاسمع وأطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم في قوله، ولا تتعداه لقول أحد كائناً من كان. قال الإمام ابن المنذر "رحمه الله": "وإذا ثبت الشيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم استغني به عما سواه" – "الجامع لأحكام القرآن" القرطبي 3/ 96.
ثم إني أسألك – بعد هذا – الدعاء بالمغفرة والرحمة لمصنف هذا الجزء، ولوالديه ولقارئه ومن انتفع به من المسلمين، والله يتولانا ويتولاك بمنه وفضله، والحمد لله أولاً وأخيراً وظاهراً وباطناً، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم(3/417)
إعلام العابد في حكم تكرار الجماعة في المسجد الواحد
Oمشهور بن حسن آل سلمان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المنار
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة الجماعة وأحكام المأموم والإمام
تنبيهات: وفي الختام أشير إلى النقاط التالية:
أولاً: قصدنا بمنع إقامة الجماعة الثانية في مسجد قد صلى فيه مرة: الكراهة مع صحة الصلاة.
قال الإمام الشافعي: "وإذا كان للمسجد إمام راتب، ففاتت رجلاً أو رجالاً فيه الصلاة؛ صلوا فرادى، ولا أحب أن يصلوا فيه جماعة، فإن فعلوا؛ أجزأتهم الجماعة فيه" [الأم 1/ 170].
وقال أحمد بن يحيى الونشريسي: "سألت الشيخ أبا عبدالله سيدي محمد بن قاسم القوري رحمه الله عن جماعة جمعت في مسجد بعد جمع إمامه الراتب؛ هل جمعها صحيح؟ فأجابني ما نصه: الجمع صحيح، ولا خلل فيه، ولا موجب إعادة، وغاية ما يقال: الكراهة على المشهور" [المعيار المعرب 1/ 203 – 204].
وقال الشاطبي: "وأما مسألة جمع الصلاة في المسجد الواحد مرتين؛ فلا ينبغي أن يقال في مثلها: الحيد عن السنة، مع كونها في الأصل مختلفاً فيها بين العلماء، فمنهم من أجاز ذلك بإطلاق. ومذهب مالك: الكراهية؛ خوف الفرقة الحاصلة في تعدد الجماعات، وربما قصد أهل البدع ذلك؛ لئلاً يصلوا خلف أهل السنة، فصارت كراهية مالك سداً لهذه الذريعة، وقد احتج ابن العربي لهذا المذهب بقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا} [التوبة: 107]، فذمهم على اتخاذ المسجد؛ لأوصاف؛ منها: التفريق بين المؤمنين؛ فالتفريق في الجماعات يشبه هذا، انظر كلامه في "الإحكام"، وإنما يبقى في المسألة أن من يترخص في ذلك يبني على بعض التأويلات التي هي خلاف المعتمد من مذهب مالك، والعمل إنما يكون في المسائل الخلافية على ما هو مشهور؛ كما تقرر لكم في غير هذا" [فتاوى الشاطبي ص126 – 127].
علة النهي ومحله:
ثانياً: علة الكراهة تفرق الكلمة، أو تقاعد القوم عن الجماعة الأولى، ولا يكون ذلك إلا في مسجد له إمام ومؤذن، ولهذا قال سيدنا عبدالله بن مسعود – رضي الله عنه -: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمنا سنن الهدى في الصلاة في المسجد الذي يؤذن فيه. ومحل النهي في المسألة على العلة المذكورة: قبل الإمام الراتب وبعده إذا صلى الراتب في وقته المعلوم، فلو قدم عن وقته، وأتت جماعة؛ فإنهم يعيدون فيه جماعة من غير كراهة، أو أخر عن وقته؛ فإنهم يصلون جماعة من غير كراهة [بلغة السالك 1/.159]
ومحل الكراهة المذكورة أيضاً في المسجد الذي له إمام راتب وصلى في وقته المعلوم، ونائب الراتب حكمه حكم الراتب، ولا فرق بين كون الإمام راتباً في كل الصلوات أو بعضها، والكراهة إنما هي في التي هو راتب فيها فقط [حاشية العدوي 1/ 271].
وأفاد الزرقاني أن المراد بالمؤذن: الإمام الراتب الذي هو المؤذن أيضاً للمسجد.(3/418)
ثالثاً: كما تكره الصلاة جماعة بعد صلاة الإمام الراتب تكره قبله, ولا كراهة في هذه الحالة في صلاة الإمام الراتب، وقد أوصل بعضهم الصلاة جماعة قبل صلاة الإمام إلى درجة الحرمة. قال الشيخ القاسمي في "إصلاح المساجد ص78 - 79": "يوجد في كثير من الجوامع الكبيرة أناس يفتاتون على الإمام الراتب؛ أي: يتقدمون بالصلاة جماعة عليه، قبل أن تقام له، فيختزلون من الجامع ناحية، يؤمون بها أناساً على شاكلتهم؛ رغبة في العجلة، أو حباً في الانفراد للشهرة. وقد اتفقت الحنابلة والمالكية على تحريم أن يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب. قالت الحنابلة: إلا بإذنه، وإلا فلا تصح صلاته؛ كما في "الإقناع" و "شرحه" وقالت المالكية: كره إقامتها قبل الراتب، وحرم معه، ووجب الخروج عن إقامتها للراتب كما في "أقرب المسالك"، وكره ذلك الشافعية، وأفتى ابن حجر بمنعه بتاتاً، وصرح الإمام الماوردي من الشافعية بتحريم ذلك في مسجد له إمام راتب، وكره ذلك الحنفية، ولا يخفى أن ما ينشأ عن بعض هذا الافتئات من المفاسد يقضي بتحريمه؛ لأنه يؤدي إلى التباغض والتشاجر وتفريق كلمة المسلمين، والتشيع والتحزب في العبادة".
رابعاً: كراهة صلاة الجماعة مرة ثانية في مسجد له إمام راتب لا تنافي حصول فضل الجماعة لمن جمع مع الإمام الراتب [بلغة السالك 1/ 159].
خامساً: للمتخلفين عن الجماعة الأولى مع الإمام الراتب أن يخرجوا إلى موضع، فيجمعوا فيه، وهذا ما فعله ابن مسعود رضي الله عنه. ولهم أن يصلوا فرادى، ولا كراهة في ذلك، ولهم أجر الجماعة؛ كما جاء في الحديث الصحيح السابق [الأم 1/ 180 - 181]. وقيل: إن دخلوا المسجد؛ صلوا فيه فرادى، وإن لم يدخلوا؛ طلبوا الجماعة. ويؤيده أثر ابن مسعود وقول الحسن البصري، فتأملهما. ففي "الفتاوى السراجية": "رجل انتهى إلى المسجد وقد فرغ الإمام، فإن دخل المسجد؛ صلى فيه، وإن لم يدخل؛ طلب الجماعة" [الفتاوى السراجية ق28/ب].
سادساً: صلاة المتخلف عن الجماعة في بيته جماعة خير من صلاته في المسجد منفرداً؛ لأثر ابن مسعود، وصلاته في المسجد منفرداً خير من صلاته في بيته منفرداً؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: ((أفضل صلاة المرء في بيته؛ إلا المكتوبة)).
سابعاً: للمتخلف دون تعود أو تعمد إن اتفق له رجلاً يتصدق عليه أن يصلي معه جماعة، ولا خلاف في مشروعية ذلك، وهذه هي الصورة المنصوص عليها في حديث أبي سعيد الخدري: ((ألا رجل يتصدق على هذا)). قال ابن الرفعة: "وقد اتفق الكل على أن من رأى شخصاً يصلي منفرداً لم يلحق الجماعة، فيستحب أن يصلي معه، وإن كان قد صلى في جماعة" [نيل الأوطار 3/ 185].
فهذه الصورة مشروعة، ولو تكررت أكثر من مرة؛ بالقيود التالية:
أولا: أن تكون صلاة مفترض بمتنفل.
ثانياً: أن تقع موافقة من غير بحث وفتش، وإن كانت الموافقة بتنبيه الغير لذلك.
ثالثاً: أن يتحقق فيها قوله صلى الله عليه وسلم: ((ألا رجل))، فلا تشرع بأكثر من واحد.
رابعاً: لا يشترط في هذه الحالة إذن الإمام الراتب؛ لإذن الإمام الأول صلى الله عليه وسلم بها. أفاد ذلك كله شيخنا الألباني حفظه الله تعالى. وقد ورد حديث بإسناد رجاله ثقات خلا عبدالرحمن بن زياد الإفريقي في الترهيب من تعمد التأخير عن الصلاة الأولى، أخرجه: أبو داود في "السنن" "593"، وابن ماجه في "السنن" "970"، والبيهقي في "السنن الكبرى" "3/ 128"؛ عن عبدالله بن عمرو: ((ثلاثة لا يقبل الله منهم ... ورجل أتى الصلاة دباراً)). قال الخطابي في "معالم السنن" "1/ 170": "قوله: ((أتى الصلاة دباراً))؛ فهو أن يكون قد اتخذه عادة، حتى يكون حضوره الصلاة بعد فراغ الناس وانصرافهم عنها".(3/419)
ثامناً: ليس للإمام إعادة الصلاة مرتين، وجعل الثانية عن فائتة أو غيرها، والأئمة متفقون على أنه بدعة مكروهة، ذكره الشيخ تقي الدين [المبدع 2/ 47].
تاسعاً: لو قامت أكثر من جماعة بعد جماعة الإمام الراتب في آن واحد؛ فإن الكراهة تشتد؛ لأن الفرقة فيها ظاهرة. أفاده شيخنا الألباني.
عاشراً: إقامة صلاة العصر أو العشاء في وقتها حال الجمع بين الصلاتين في الحضر جماعة لا يدخل في باب الكراهة البتة، فتنبه.
حادي عشر: لا كراهة في تكرار الجماعات في مسجد الطرقات التي لا إمام ولا مؤذن راتب فيها.
ثاني عشر: ذكر العلامة الشيخ رحمة الله السندهي تلميذ المحقق ابن همام في رسالة له: "إن ما يفعله أهل الحرمين من الصلاة بأئمة متعددة بجماعات مترتبة مكروه اتفاقاً". ونقل عن بعض المشايخ إنكاره صريحاً حين حضر الموسم بمكة سنة "551هـ"؛ منهم: الشريف الغزنوي، وذكر أنه أفتى بعض المالكية بعدم جواز ذلك على مذهب العلماء الأربعة، ونقل إنكار ذلك أيضاً عن جماعة من الحنفية والشافعية والمالكية حضروا الموسم سنة 551هـ[بذل المجهود 4/ 178].
وقد بين الزركشي رحمه الله تعالى سبب تكرار الجماعات في مكة وغيرها، فقال في كتابه "إعلام الساجد بأحكام المساجد" "ص366" ما نصه: "تكرير الجماعة في المسجد الواحد خلف إمامين فأكثر – كما هو الآن بمكة وجامع دمشق – لم يكن في الصدر الأول، والسبب في حدوثها بالمسجد الحرام: أنه كان الإمام في ذلك الوقت مبتدعاً، ولم يكن الأمراء بمكة في ذلك الوقت يحملون الناس على مذاهب أنفسهم، فعندما امتنع الناس من إقامة الجماعة مع إمامهم الذي أقاموه؛ فسحوا للناس في اتخاذ الأئمة لأنفسهم، واستمر الأمر عليه، وكذا جرى مثله في بيت المقدس وجامع مصر قديما".
ثالث عشر: ولا تجوز صلاة الظهر بعد صلاة الجمعة، إذ من المعلوم من دين الإسلام بالضرورة: أن الله تعالى لم يفرض على عباده صلاتي فريضة في وقت واحد، فمن كان في مكان فيه مسجد تقام فيه الجمعة؛ يجب عليه أن يصليها مع الجماعة، إلا إذا كان يعتقد أن صلاة الجمعة فيه باطلة شرعاً؛ وحينئذ لا يجوز له أن يصليها؛ لأنه شروع في عبادة باطلة غير مشروعة في اعتقاده – وإن كان مخطئاً - وهو عصيان الله تعالى. وإذا عصى وصلاها معتقداً بطلانها؛ تبقى صلاة الظهر متعلقة بذمته؛ فعليه أن يصليها، وليس له أن يقيم له مع غيره جماعة أخرى؛ لأنه تفريق بين هؤلاء وبين إخوانهم المسلمين الذين أقاموا الجمعة قبلهم. وأما إذا صلاها معتقداً صحتها؛ فلا يجوز له أن يصلي بعدها ظهراً؛ لا منفرداً ولا جماعة؛ لأنه يكون بهذا مخالفاً للمعلوم من الدين بالضرورة، وهو قطعي بظن بعض الفقهاء!! ولم ينقل إلينا أن أحداً من الصحابة أو علماء السلف المجتهدين صلى الظهر بعد الجمعة، وقد جاء الشافعي بغداد، وفيها عدة مساجد، ولم ينقل أنه كان يصلي الظهر بعد الجمعة، ولو فعل؛ لم يكن فعله شرعاً يتبع. ولا يتوهمن الذين يصلون الظهر بعد الجمعة أن الخطب في ذلك سهل؛ لأنه زيادة في الخير الذي هو الصلاة؛ فإن فيه خطراً عظيماً؛ من حيث إنه شرع عبادة لم يأذن بها الله، والشارع هو الله وحده، فمن أحدث في الشرع شيئاً؛ فقد جعل نفسه شريكاً لله في ألوهيته أو ربوبيته، ومن وافقه؛ فقد اتخذه شريكاً؛ كما قال تعالى: {أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ} [الشورى: 21]. وقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم معنى اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله بـ ((أنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئاً؛ استحلوه، وإذا حرموا عليهم شيئاً؛ حرموه)). وهم ما كانوا يضعون تلك الأحكام إلا بمثل الشبهات التي حدثت بها البدع الدينية في الإسلام؛ من حيث إنها زيادة في الخير أو العبادة.
فيا أيها المسلمون! لا تغلوا في دينكم، وإن لكم في الفرائض والمندوبات الثابتة في الكتاب والسنة بالنص الصريح غنية عن سواها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأعرابي الذي حلف أنه لا يزيد عن المكتوبات الخمس وسائر الفرائض من أركان الإسلام ولا ينقص: ((أفلح إن صدق))، و ((دخل الجنة إن صدق)).
ويا ليت السواد الأعظم من المسلمين يأتون جميع الفرائض القطعية، ويتركون المحرمات، وفي النوافل المشروعة ما يستغرق العمر.
وقد انتهيت إلى ما أردت ذكره في هذا الكتاب، وبلغت كنه ما اعتمدته من تفصيل الأبواب، وعرضته في معرض البراعة، وجلوته في حلل النصاعة، ووافق شن طبقة، وصادف الإثمد الحدقة. وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم ما طلع الفجر، وزخر بحر، ودار فلك، وسبح ملك، واختلف الجديدان، واعتقب الملوان، والله ولي الإحسان، والمتفضل بالامتنان. وكتب مشهور حسن سلمان في يوم السبت السابع من رمضان سنة 1406هـ ثم نظرت فيه وزدت عليه في مجالس متفرقة في رمضان آخرها في الثاني عشر منه سنة 1412هـ.(3/420)
إمتاع أولي النظر في مدة قصر المقيم أثناء السفر
Oعبدالله بن صالح العبيلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الوصل بحائل
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - سفر ومسافر
خلاصة البحث: اتفقوا على أن من أقام لحاجة يرجو إنجازها، ولا يعلم متى تنقضي؟ فله القصر، أو أقام الجهاد، أو حبسه عدو، أو مرض، سواء غلب على ظنه كثرة ذلك، أو قلته. فله القصر أبداً.
والمسافر لا يخلو من أحوال:
1 - الأولى: أن يكون سائراً في الطريق، فهذا يقصر بالاتفاق.
2 - الثانية: أن يصل إلى مدينة، وهو لا يجمع الإقامة التي تخرجه عن حدِّ السفر كحال الرسول - عليه السلام - فهذا يقصر من غير تحديد.
3 - الثالثة: أن يصل إلى بلد غير بلده، ويعزم على البقاء فترة تخرجه عن حدِّ السفر – عرفاً – فهذا يتم ولا يقصر.
والله أعلم.(3/421)
إيضاح الأحكام لما يأخذه العمال والحكام
Oأحمد بن محمد بن حجر الهيتمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إجارة
الخاتمة
في ذكر نبذ من المذاهب الثلاثة وغيرها فيما مر من الرشوة والهدية
فأما مذهب الحنفية:
فالذي رأيته عنهم: أن القاضي لا يقبل إلا من ذي رحم محرم، أو ممن اعتاد مهاداته قبل القضاء، ورأيت عن محمد بن الحسن – رضي الله عنه – أنه لو بعث ملك العدو لأمير الجند هدية: جاز قبولها، وتصير فيئا للعسكر كلهم؛ لأن الإهداء ليس بمنعته، بل لمنعة المسلمين، فله أن يعوض من الغنيمة إن رآه مصلحة، وروى:
(أنه – صلى الله عليه وسلم – كان يقبل هدية المشركين)، ثم ردها لما ظهر من مجاوزة الحد في طلب العوض، وإنما كانت الهدية له – صلى الله عليه وسلم – خاصة به؛ لأن النصرة به مع عصمته كما قال – تعالى -: {وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ} [المائدة: 67].
ولو أهدى لبعض أهل العسكر اختصت به؛ لأنها لمحض مودته، أو لقوته في نفسه لا باسم أتباعه، إذ لا أتباع، ومن ثم جاز الإهداء لنحو المفتي والواعظ؛ لأنه بمعنى فيه – خاصة – لا الحاكم؛ لأنه لولايته من الإمام أو نائبه، وكل منهما نائب عن المسلمين كما مر، وسبق: (هدايا الأمراء غلول) – أي: حبسهم ذلك لأنفسهم بمنزلة الغلول منهم، والغلول: اسم خاص بما يؤخذ من المغنم، فعرفنا أنه بمنزلة الغنيمة وتخصيص الأمير بذلك دلنا على أن مثله في حق الواحد من عرض الناس ليس غلولا.
وفي خبر: (فهلا جلس في بيت أبيه وأمه) إشارة لما قلناه، وجاء: أن عمر استعمل أبا هريرة – رضي الله تعالى عنهما – على العراق، فجاء بمال، فقال له: سرقت مال الله؟ قال: لم أسرق مال الله، ولكن (خيلي تناسلت، وعطائي تلاحق، سهامي اجتمعت) فلم يلتفت لقوله، وأخذه فجعله في بيت المال.
ولذلك لو بعث الخليفة عاملا فأهدي له؛ فإن علم الخليفة أنه أهدي له طوعا: أخذه منه لبيت المال، أو كرها: رده لأهله – إن وجدوا، وإلا عزله في بيت المال حتى يأتوا كاللقطة. وبهذا الطريق رد عمر بن عبد العزيز – حيث استخلف – ما في بيت المال؛ لأنه علم أن من قبله من المروانية أخذوها بالإكراه.
ولو أهدي أمير عسكرنا لملكهم فعوضه مثله: فاز به، أو أزيد منه – بما لا يتغابن به – فالزائد للعسكر – كما فعله عمر – رضي الله تعالى عنه – لما أهدت امرأته لامرأة ملك الروم، فكافأتها بأزيد، فوضع الزائد في بيت المال، فكلمه ابن عوف، فقال: مر زوجتك لتهدي إليها، وانظر هل ترد إليها مثل ذلك) أي: أن الزيادة لأجل الخليفة فحسب.
ولو أرسل أمير عسكرنا رسوله لملكه في حاجة فأجازه فهي له، لأنها للرسول للمودة لا لرغبة ولا رهبة، وكذا لو أهدى الرسول له فكافأه ولو بأضعافها). انتهى ملخصا. وقوله: (إنه – صلى الله عليه وسلم – قبل هدية المشركين)، رده أبو عبيد القاسم بن سلام بأن الذي تواترت به الأخبار: أنه – صلى الله عليه وسلم – لم يقبل هدية مشرك محارب. وقال في الدنانير التي وصلت إليه من قيصر وهو بتبوك وجعلها فيئا -: لو كانت هدية ما قبلها، وفي الخبر: إنا لا نقبل زبد المشركين أي: رفدهم – كما في الرواية الأخرى (إنا لا نقبل هدية مشرك).
وقبوله – صلى الله عليه وسلم – لهدية أبي سفيان – رضي الله تعالى عنه – محمول على أنه كان في زمن الهدنة التي بينه وبين أهل مكة قبل فتحها، ولهدية المقوقس؛ لإقراره بنبوته، ولم يؤيسه من إسلامه، وكذا الأكيدر.
قال الخطابي: وخبر (إنا لا نقبل زبد المشركين) يشبه أن يكون منسوخا؛ لأنه قبل هدية غير واحد منهم كالمقوقس والأكيدر والحاصل: أن في حد قبول هدية المشركين أربعة أقوال:
كان ممنوعا ثم نسخ منعه، وهذا رأي الخطابي.
يتخير وهو قول الحنفية.(3/422)
الثالث: المنع مستمر، وهو قول أبي عبيد، والحديث الصحيح صريح فيه، وهو: (نهيت عن زبد المشركين).
وأما مذهب المالكية:
فقال ابن عبد البر: (قبوله – صلى الله عليه وسلم – الهدية من المسلمين والكفار أشهر عند العلماء من أن يحتاج إلى شاهد، ويحرم على الولي أن يستحل على الحق جعلا، فإن أهدي له أحد ممن هو وال عليه، شكرا لخير: يقبل، فإن قبل وضعه في الصدقات، لا في ماله – إلا إن كافأه بقدر ما يسعه أن يتمولها به) انتهى ملخصا.
ولو أهدى كافر قوي له منعة للخليفة أو الأمير، قال سحنون: (لا بأس أن يقبلها وهي له خاصة، وليس عليه أن يكافئه).
وقال الأوزاعي: هي للمسلمين، ويكافئه من بيت المال، وإن كان الكافر في ضعفه؛ ففيه إبطال عزم المسلمين بالهدية: فهي رشوة محرمة.
قال ابن القاسم: لو أهدي للأمير لنحو مودة اختص بها، وأما رده – صلى الله عليه وسلم – هدية عياض وقوله: (إنا لا نقبل زبد المشركين): فيحتمل – إن صح – أن يكون على الوجه الممنوع، وأن المهدى أراد بها إبطال حق من حقوق المسلمين، وإنكاره – صلى الله عليه وسلم – على ابن اللتبية؛ لأنه كان عاملا، وهذه رشوة، فإن عامل الصدقة لا يهدى إليه إلا ليترك حق وجب أو يكف عن ظلم.
وقال ابن حبيب: يقبلها الأمير وتكون للجيش، ولا يردها، واستئثاره – صلى الله عليه وسلم – بهدية المقوقس من خواصه.
وعن مالك في (سرية) يبعثها الوالي فيرجعون بالفواكه فيبعثون إليه، مثل عنب أو تين: لا بأس به – وتركه أمثل، لأنا نكره له قبول مثل هذا في غير الغزو، ووجه إباحته أن مثله لا يهدى إلا للحاجة إليه وعدم وجوده مع تفاهة قيمته هناك).
وقال ابن يونس: (لا يقبل القاضي هدية من أحد، لا من قريب ولا من صديق، وإن كافأه بأضعافها إلا الوالد والولد ونحوهما من خاصة القرابة) قال سحنون: ومثله الخالة والعمة وبنت الأخ).
قال ابن حبيب: (لم يختلف العلماء في كراهة الهدية إلى السلطان الأكبر، وإلى القضاة والعمال، وجباة الأموال – أهداها مسلم أو ذمي من أهل عملهم، وهو قول مالك ومن قبله من أهل السنة. وقبوله – صلى الله عليه وسلم – الهدية من خواصه، ويكره قبولها للقاضي ممن كان يهاديه قبل أن يلي أو من قريب أو صديق أو غيره – ولو كافأه بأضعافه، إلا من الصديق الملاطف – أو نحو: الأب والابن، وقد رد علي – كرم الله تعالى وجهه – خروفا أهدي إليه).
وقال ربيعة: الهدية ذريعة الرشوة، وتحلمة الظلمة).
وقال أشهب: (لا يقبل أمير الجيش هدية من مسلم أو ذمي تحت سلطانه، ويقبل ممن ليس تحت سلطانه، وذمي، وحربي ويختص بها) وكذا عن ابن القاسم.
وقال سحنون: (تختص الرشوة بجائزته ولا بخمس).
وقال ابن حبيب: (ولا يقبل هدية من في علمه، من مسلم أو ذمي إلا من صديق ملاطف، مستغن عنه، وللإمام أن يأخذ ما أفاد العمال، ويضمه إلى ما حيز، وفعله – صلى الله عليه وسلم – في عامل له قال: هذا أهدي لي، فأخذه منه وقال: (هلا جلس في بيت أبيه وأمه؟!، وقال – صلى الله عليه وسلم –: (هدايا العمال غلول) – قال ابن حبيب: وكل ما أفاده وال في ولايته، أو قاض في قضائه من مال سوى رزقه: فللإمام أخذه منه للمسلمين، وكان عمر – رضي الله عنه – إذا ولى أحدا أحصى ماله، وكتبه، لينظر ما يزيد فيأخذه منه، وكذلك شاطر العمال في أموالهم حين كثرت، ولم يستطع تمييز ما زادوه بعد الولاية).
قال مالك: (وشاطر عمر أبا هريرة وأبا موسى الأشعري – رضي الله تعالى عنهم – حين كثرت أموالهم وخاف أن يكون مما كانوا يرزقونه على الولاية، ولما احتضر معاوية أمر أن يدخل شطر ماله بيت المال تأسيا بفعل عمر – رضي الله عنهما – بعماله، ورجا أن يكون في ذلك تطهير له.(3/423)
ولا يرزق من الصدقات إلا السعاة، وأخطأ بنو أمية في إرزاقهم عمالهم منها، ولما ولي عمر بن عبد العزيز وسع في أرزاق عماله حتى كان يفرض للعامل مائتي دينار في شهر ويقول ذلك لهم قليل إن عملوا بكتاب الله.
قال مالك: وإنما ذلك على قدر عمالتهم وكتابتهم – وليس فيه حد.
وأما مذهب الحنابلة:
فقال ابن قدامة في (المغني): (ولا يقبل هدية من لم يكن يهدى إليه قبل ولايته؛ لأن الهدية في الغالب يقصد بها استمالة قلبه ليعتني به في الحكم فتشبه الرشوة).
قال مسروق: (إذا أكل القاضي الهدية: أكل السحت، وإذا أكل الرشوة: بلغت به الكفر) (-أي بالمعنى السابق) – ولأن حدوثها بعد الولاية يدل على أنها لأجلها فحرمت كالرشوة. وله القبول ممن كان يهاديه قبل الولاية، ويستحب له التنزه عنها، وإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومة: حرمت، والرشوة في الحكم، ورشوة العامل حرام بلا خلاف – قال الله – تعالى -: {أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ} [المائدة:42].
وقال كعب: (الرشوة تسفه الحليم، وتعمي عين الحكيم).
والراشي ملعون – أيضا – إلا إن بذل ليدفع ظلما عن نفسه، كما قال جمع من السلف.
ومتى حرم قبول هدية، لزمه ردها إلى أربابها، ويحتمل أن يجعلها في بيت المال لأنه – صلى الله عليه وسلم – لم يأمر ابن اللتبية بردها إلى أربابها، قال أحمد: (لو أهدى بطريق لصاحب الجيش، فهي له ولهم) قال ابن قدامة: (وللقاضي أخذ الرزق)، وقال ابن الخطاب: (يجوز مع الحاجة. فأما مع عدمها فلا).
وقال أحمد: (ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجرا؛ وإن كان يتعذر شغله – مثل ولي اليتيم، وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء).
وأما الاستئجار عليه: فلا يجوز.
وقال عمر – رضي الله عنه -: (لا ينبغي لقاضي المسلمين أن يأخذ على القضاء أجرا).
وهذا مذهب الشافعي – رضي الله تعالى عنه – ولا نعلم فيه خلافا، فإن لم يكن للقاضي رزق فقال للخصمين: لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي رزقا: جاز، ويحتمل ألا يجوز) انتهى.
وفي (محلى) ابن حزم: (وتحرم الرشوة – وهو إعطاء المال ليحكم له بباطل أو يوليه أو يظلم له إنسانا، فيأثم الآخذ وكذا المعطي إلا ليدفع عن نفسه ظلما، وخبر لعن الراشي فيه من ليس بالقوي – أي – ومع ذلك: هو صحيح كما مر؛ والمال باق على ملك المعطي كما أعطي لكافر (في فداء أسير) وكل هذا متفق عليه إلا الأخير فإن قوما قالوا فيه بالملك – وهو باطل) انتهى ملخصا.
ولخص السبكي بعض ما مر من مذهبنا، فقال ما حاصله: (الرشوة حرام مطلقا إجماعا، وللوكيل حكم موكله، ويجب ردها إجماعا أيضا – ثم هي لمالكها إلا على احتمال ابن قدامة أنها لبيت المال، وهذا قد يدل له صنيع الرافعي – أي ومع ذلك المنقول المتفق عليه عندنا أنها لمالكها وإنما الخلاف في الهدية كما مر، ويجوز بذلها إن لم يتوصل لحقه إلا بها، ويحرم على القاضي قبول الهدية عند الخصومة، وكذا حيث لا عادة ولا خصومة، وقيل: يكره، وإن كانت عادة: جاز، وقيل: يحرم.
ومحل التحريم في بلد الولاية، فإن خرج عنها، فوجهان: أقربهما التحريم، وإن كان النص الجواز – أي وهو المعتمد بقيده -.
ولو أرسلها له مع رسول من ليس في ولايته: حرمت – أيضا – إلا على وجه – أي وهو المعتمد – كما مر.
وحيث حرمناها لكونها لأجل الولاية، فهي لبيت المال – على الأصح، وقيل: يردها لمالكها – أي وهو المنقول المعتمد – كما مر أيضا، ومحل الخلاف: إن عرف مالكها، وإلا وضعت في بيت المال على الأصح كما في (الروضة).(3/424)
وإذا فرعنا على الجواز إذا لم يكن عادة – أي: وهو قول ضعيف – كما مر -: فينبغي القطع بأنها لبيت المال، فالقول بأنه يملكها – وإن كان ظاهرا في القياس، أي: بل هو المعتمد، لكن حديث ابن اللتبية وحديث معاذ مخالفه، أي: ومر ما فيه القول بأنها ترد مع الجواز غير ممكن.
وأما أعمال الخراج والصدقات؛ فإن كان المهدي من غير عمله، فإن كان قبل قبض الصدقة أو الخراج: لم يجز، كالهدية للحاكم حال حكم الخصومة، وحكمها حكم الرشوة، وإن كان بعد القبض؛ فإن أثابه عليها مثلها معجلا ملكها، وإلا فثلاثة أوجه.
أحدها: يملكها.
والثاني: يكون لبيت المال.
والثالث: إن كان مرتزقا قدر كفايته: فلبيت المال، وإلا فله.
وأما السلطان، ومن قام مقامه: فإن هاداهم أهل الحرب: جاز القبول، ثم إن كان الإهداء لأجل السلطنة: فللمسلمين أو لنحو مودة: فللمهدى إليه.
والهدية من دار الإسلام كالهدية للقاضي؛ فإن أهدى إليه من لا يطلب منه ولاية ولا يشكره على سابق فهذه هدية بعث (عليها) جاه السلطان، فقيل: ترد وقيل: توضع في بيت مال المسلمين) انتهى.
جعلنا الله منهم بمنه وفضله، وتفضله علي بجميع ما أحبه من الخير، إنه الجواد الكريم، الرؤوف الرحيم، والحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وصلى الله أفضل وأكمل سلام على سيدنا محمد وآله وصحبه، عدد معلوماته أبدا، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون وحسبنا الله، ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، والحمد لله رب العالمين.(3/425)
اختلاف الدارين وأثره في أحكام المناكحات والمعاملات
Oإسماعيل لطفي فطاني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار السلام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة
بعدما انتهيت – ولله الحمد – من أبحاث الرسالة، أحب أن أوجز ما فصلته في هذه الرسالة، وأن أسجل أبرز النتائج التي توصلت إليها في أثناء البحث كالتالي:
(1) أن الإسلام منذ نشأته قد اتخذ العقيدة أساساً لبناء المجتمع وإقامة دولته على أساس العدل والرحمة والمساواة والحق ورفض بشدة وضع أي أساس آخر يقوم عليه كالجنس واللون واللغة. وبناء على ذلك كان الناس في نظره صنفين: مسلمون وغير مسلمين. وهذا الصنف الأخير لا يخلو من أحد اثنين: إما حربيون وإما معاهدون. والمعاهدون ينقسمون إلى أربعة أصناف:
الأول: الذميون وهم الذين آثروا الحياة في دار السلام على دينهم الأصلي بعقد الذمة. وقد رحنا أن الذمة يجوز عقدها لجميع أصناف غير المسلمين إذا ما رغبوا في ذلك صراحة أو دلالة. وأن أهل الذمة من أهل دار الإسلام.
الثاني: المستأمنون وهم الحربيون الذين دخلوا دار الإسلام بأمان مؤقت.
الثالث: الموادعون وهم الحربيون الذين لهم عهد سلام مع دار الإسلام مدة ليسوا هم فيها تحت حكم الإسلام.
الرابع: المحايدون وهم الذين لا ينحازون إلى أحد مع الطرفين المتحاربين، فتبقى علاقتهم السلمية مع الطرفين المتحاربين.
(2) أن الدار داران: دار إسلام ودار حرب، ولا ثالث لهما. وأن دار الصلح هي نوع من أنواع دار الإسلام. وليست داراً ثالثة علاوة على الدارين. كما أن الموادعة هي أحد نوعي دار الحرب. إذ إن أساس تقسيم الدار وتسميتها هو السلطة ونظام الحكم. فإن كانت السلطة فيها للحاكم المسلم والحكم للإسلام فهي دار الإسلام، ولو كان سكانها غير مسلمين، والعكس هو دار الحرب. فمن المعلوم أن دار الصلح أو دار العهد تكون تحت سلطة الحاكم المسلم ويخضع أهلها لبعض الأحكام الإسلامية وأن دار الموادعة تكون تحت سلطة الكفر.
(3) أن دار الإسلام لا تصير دار حرب بمجرد استيلاء الكفار عليها أو بمجرد ظهور أحكام الكفر فيها، ما دام المسلمون فيها يصدون ويدافعون عن دينهم، ويطبقون شريعته، وأن الجهاد فيها فرض عين بالاتفاق، على ما سبق تفصيله.
(4) أن أنواع الدارين ثلاثة:
الأول: دار الإسلام حقيقة وحكماً.
الثاني: دار الإسلام ودار الحرب حقيقة.
الثالث: دار الحرب حقيقة وحكماً.
(5) أن المراد باختلاف الدارين هو اختلاف دار الإسلام عن دار الحرب أو اختلاف دار حرب عن دار حرب أخرى، وذلك باختلاف المنعة والحاكم وانقطاع العصمة والتناصر بينهما. أما الاختلاف بين دور الإسلام فهو اختلاف حقيقةً، لا حُكْمًا، لأن حكم الإسلام يجمعها. فأنواع اختلاف الدارين من حيث وصف الدار ثلاثة:
أ- الاختلاف بين دار الإسلام ودار الحرب.
ب- الاختلاف بين دور الحرب.
ج- الاختلاف بين دور الإسلام.
أما أنواع اختلاف الدارين من حيث الأشخاص فثلاثة أيضاً:
أ- الاختلاف حقيقة كالاختلاف بين الحربي والمستأمن.
ب- الاختلاف حكماً كالاختلاف بين الذمي والمستأمن.
ج- الاختلاف حقيقة وحكماً كالاختلاف بين الذمي والحربي والاختلاف المؤثر في بعض الأحكام الشرعية عند الحنفية هو الاختلاف حكماً سواء أكان معه الاختلاف حقيقة أم لا. أما الاختلاف حقيقة فقد يؤثر في بعض الأحكام عند بعض الشافعية. والصحيح أن اختلاف الدارين بكل أنواعه المذكورة لا يؤثر في الأحكام الشرعية من شيء وهو الذي عليه جمهور الفقهاء.(3/426)
(6) وفي بحث جواز تعدد دار الإسلام ترجح لدينا الرأي القائل بعدم جواز نصب إمامين للمسلمين بأي حال من الأحوال. فدار الإسلام واحدة. فإذا حصل العجز عن تطبيق ذلك فذلك أمر يعد من الضروريات التي تبيح المحظورات والضرورة تقدر بقدرها.
(7) لا يجوز للمسلمين أن يقيموا في دار الحرب حقيقة وحكماً في حالة استطاعتهم الهجرة إلى دار الإسلام. أما حكم إقامتهم في دار الحرب حقيقة فيرجع ذلك إلى وضع البلاد وحالة المسلمين فيها. فقد تكون الهجرة منها واجبة وقد تكون مستحبة كما قد يكون المقام فيها واجباً. وقد تختلف حالة شخص عن آخر، فتجب الهجرة على الأول دون الآخر وهكذا.
(8) أن اصطلاح الأحوال الشخصية والأحوال العينية هما اصطلاحان غربيان. فقد دخلا إلى الدول الإسلامية عن طريق دخول الاحتلال الغربي لها. وأن لهما مدلولاً خاصًا لا يتفق مع شريعتنا الإسلامية، ولذا فإني أود أن لو لم يستعملها المسلمون في كتاباتهم وقضاياهم، وعليهم أن يستخدما المصطلحات الإسلامية التي تواضع عليها فقهاؤنا القدامى مثل المناكحات والمعاملات.
(9) وفي بحث زواج المسلم رجحنا رأي من قيد ذلك بظروف واعتبارات. فيكره للمسلم أن يتزوج كتابية سواء كان في دار الإسلام أو في دار الحرب، إلا في إحدى الحالتين:
أولهما: إذا خشي العنت على نفسه ولم يتيسر له زواج المسلمات.
الثانية: إذا غلب على ظنه أنه ستسلم بعد الزواج بها، وأنها ستخرج معه إلى دار الإسلام إذا كان الزواج في دار الحرب.
أما حكم زواج المسلم بمسلمة في دار الحرب فيجوز له ذلك. لا سيما إذا كانت المسلمة أسيرة. سواء كان المسلم مستأمنا أو أسيراً. ولكنه لا ينبغي له أن يطلب منها ولداً مادام لم يقدر أن يخرج بها إلى دار الإسلام، تحوطاً للمسلم من استرقاق ولده.
(10) وفي دراسة مدى تأثير اختلاف الدارين بين الزوجين في فرقة الزواج والعدة رجحنا أن اختلاف الدارين ليس سبباً للفرقة بين الزوجين، سواء كان هذا اختلاف بسبب سبي أحدهما وأخرج إلى دار الإسلام، أو بسبب خروج أحدهما إلى دار الحرب مرتداً أو ناقضاً للعهد. وإنما الفرقة تحصل لأحد هذه الأسباب الثلاثة: إما لإسلام أحدهما وإما لارتداد أحدهما وإما للسبي.
(11) وفي بحث النفقات لاحظت أنه لا أثر لاختلاف الدارين في حكمها، لا في نفقة الزوجة ولا في نفقة الأقارب. فتجب النفقة على المسلم أو الذمي لأقاربه المستأمنين وبالعكس. أما الحربيون المقاتلون فلا تجب نفقتهم على أهل دار الإسلام لوجوب قتالهم، لا لتباين الدارين.
(12) وفي الوصية رجحت الرأي القائل بصحة وصية المسلم أو الكافر للكافر المعين، ولو كان حربياً. ولكن الوصية للحربي يجب أن يراعي الوصي الشروط التالية:
أ- أن لا يتصف الحربي الموصي له بالقتال.
ب- أن لا يكون الكفر أو الحرابة جهة في الوصية.
ج- أن تكون الوصية غير الوقف.
(13) وفي الوقف يترجح عندنا القول بصحة الوقف للذمي والمستأمن دون الحربي، إذ إن الوقف من حقيقته الدوام ومن شروط التأبيد، فلا يتحقق المقصود من الوقف مع الحرابة.
(14) وفي بحث جواز توريث المسلم من الكافر الذمي وجدت الجمهور الأعظم من الفقهاء يمنعون منه، وظفرت بقول معاذ بن جبل رضي الله عنه بالجواز. وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية رحمهما الله.(3/427)
كما وجدت أن اختلاف الدارين لا يؤثر في حكم الميراث، سواء كان في ميراث المسلمين أو في ميراث الكفار. فيرث المسلم المقيم في دار الإسلام أقاربه المسلمين المقيمين في دار الحرب وبالعكس. كما يرث الذميون أقاربهم الحربيين في دار الحرب إذا اتحدت مللهم وبالعكس. وكذلك يرث الحربيون أقاربهم الحربيين في دار أخرى.
(15) وفي بحث الشهادات وجدت أنه لا أثر لاختلاف الدارين في حكمها، فكانت النتائج كالتالي:
أولاً: قبول شهادة المسلم على غير المسلم، سواء كان ذمياً أو حربياً.
ثانياً: قبول شهادة الكافر، ولو كان حربياً، على المسلم في حالة الضرورة.
ثالثاً: قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض ولو اختلفت مللهم وديارهم.
رابعاً: قبول شهادة الذمي على المستأمن مطلقاً. أما شهادة المستأمن على الذمي فلا تقبل إلا لضرورة كشهادة الكافر على المسلم.
خامساً: قبول شهادة المستأمن على المستأمن ولو اختلفت بها الدار والدين.
(16) لاحظت أن حكم المعاملات المالية بين رعايا دار الإسلام وبين رعايا دار الحرب لا يتأثر بسبب تباين الدار بينهما، مما يتبين أن المعاملات المحرمة في دار الإسلام تكون محرمة أيضاً مع أهل الحرب في دار الحرب. فلا يجوز لأهل دار الحرب أن يتعاملوا مع أهل الحرب معاملة الربا في دارهم ولو كان برضاهم. وهكذا بقية المحرمات.
(17) كما لاحظت عدم تأثير تباين الدار بين المسلمين أو بين المسلم وبين أمواله في عصمة أموال المسلم. فأموال المسلم التي في دار الحرب تكون معصومة كما هي في دار الإسلام، سواء كانت منقولة أو غير منقولة. ولا فرق بين أن يكون إسلام صاحبها أصلياً أو جديداً، كما لا فرق بين إن أسلم جديدا في دار الإسلام أو أسلم في دار الحرب، سواء كان بعد إسلامه يبقى في دار الحرب أو يخرج إلى دار الإسلام. كل ذلك لا يؤثر في حكم الله بتحريم أموال المسلم. فلا يحق لأحد أن يملكها إلا بطريقة شرعية، ولا يملكها المسلمون باستيلائهم عليها في دار الحرب.
(18) وفي بحث مدى تأثير اختلاف الدارين في العلاقات التجارية وضريبة العشور خرجت بمجموعة من النتائج كالتالي:-
أولاً: لا يجوز لدار الإسلام أن تستورد الأشياء المحرمة شرعا من دار الحرب، كما لا يجوز لها أن تبيعها أو تصدرها إلى دار الحرب. وكذلك لا يجوز أن تصدر آلة الحرب إلى دار الحرب، أو تبيعها لأهل الحرب أو لشخص علم أن يدسها إلى أهل الحرب. أما الأشياء المباحة والمنتجات المفيدة فلا بأس باستيرادها من الخارج أو تصديرها إليه.
ثانيا: يجوز لدار الإسلام أن تبيع ما لديها من الأسلحة الحربية لأهل الحرب مقابل أسلحة أحسن منها. وذلك بشروط أهمها:
أ- أن تكون دار الإسلام محتاجة إلى الأسلحة المستبدل بها.
ب- أن تكون الأسلحة المستبدل بها أجود أو أنفع من أسلحتنا.
ج- أن يكون ذلك صادراً عن الإمام أو الحكومة الإسلامية أو موافقة منها.
ثالثا: يحرم على المسلم أن يدخل دار الحرب لغرض التجارة أو نحوه إذا اقتضى ذلك الخضوع لأحكام الشرك. وإن لم يقتض ذلك فمكروه، إلا إذا نوى بجانب التجارة الدعوة إلى الله، شريطة ألا يسافر وحده.
اعتذار ورجاء(3/428)
هذا، وقد انتهيت من ذكر خلاصة هذه الرسالة وما استطاعت أن تحققه من نتائج – ولله الحمد والشكر – وإنني لا أعد الجهد الذي بذلته والتعب الذي تحملته – مدة أربع سنوات قضيتها في إعداد هذه الرسالة – إلا شيئاً قليلاً في حق الشريعة الإسلامية. كما أنني لم أحقق جميع ما يجب أن أحققه في الارتقاء بهذه الرسالة إلى أعلى مستوى، وحسبي أنني حاولت أن أحقق ذلك وبذلت قصارى جهدي في فترة محدودة ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. لذا فإنني أعتذر إلى القارئ الكريم عما قد يكون في الرسالة من نقص أو خطأ، راجياً ممن وقف عليه أن يسعى في إصلاحه بكل مسؤولية وإخلاص، أداءً لحق الأخوة في الإسلام، وادخارا لجزيل المثوبة في دار الإسلام، فإن الكمال لله وحده، والعصمة من شأن الرسل عليهم الصلاة والسلام.
وقد روى البويطي رحمه الله عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال له: "إني صنفت هذه الكتب فلم آل فيها الصواب، فلابد أن يوجد فيها ما يخالف كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام. قال الله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا} فما وجدتم فيها مما يخالف كتاب الله وسنة رسوله فإني راجع عنه إلى كتاب الله وسنة رسوله ... ". وقال المزني رحمه الله: "فقال الشافعي: "هيه. أبى الله أن يكون كتابا صحيحًا غير كتابه".
وما أجمل تلك العبارة المأثورة عن العلامة العماد الأصفهاني رحمه الله في بعض ما كتب حيث قال: "إني رأيتُ أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلى قال في غده: لو غير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يستحسن ولو قدم هذا لكان أفضل ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر".
{رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} (). {رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته والتابعين لهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.
{سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.(3/429)
اختيارات الشيخ ابن باز الفقهية وآراؤه في قضايا معاصرة
Oخالد بن مفلح آل حامد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة- الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1431هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه فروع عام موازن
الخاتمة:
وفي نهاية هذا البحث، أعترف بأنني لم أحقق ما كنت أصبو إليه بالدرجة التي كنت أودها وأرغبها؛ نظراً لصعوبة هذا البحث المتمثلة في أمور من أهمها:
1 - عظم المسؤولية التي شعرت بها حينما بدأت البحث بالنظر للمكانة العالية التي يتبوأها الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى – عند المسلمين.
2 - أن المنهج الذي سار عليه في الفقه والفتوى لا يمكن أن يعرف إلا بالتتبع والاستقراء.
3 - اختلاف أقواله، مع صعوبة تحديد التاريخ لبعض منها.
4 - كثرة اختياراته المخالفة للمذهب في جميع أبواب الفقه.
5 - تفرق أقواله في كتب كثيرة، وتسجيلات متعددة.
إلى غير ذلك من الصعوبات، ولكن يبقى عزائي في أنني قد قمت بذلك الجهد الممكن في تحقيق ذلك والحمد لله على كل حال. وأهم النتائج التي يمكن استخلاصها من هذا البحث:
أولاً: أن هذا العالم الجليل له أصول في الفقه والفتوى، وله مصطلحاته الخاصة به، وقد أفردت ذلك في ملحق خاص بينت فيه منهجه في الفقه والفتوى، وأصوله، وقواعده، ومصطلحاته، وأسباب اختلاف أقواله، ومفرداته، وبيان المسائل التي خالف فيها شيخ الإسلام بن تيمية، وهي بمثابة الخلاصة لهذا البحث.
ثانياً: أن هذا البحث قد اشتمل على اختياراته الفقهية التي خالف فيها مذهب الحنابلة، وبعض هذه الاختيارات هي بمثابة الأصول لمسائل أخر، فينبني على ذلك وجود اختيارات أخرى تخالف المذهب بناء على الخلاف في هذه الأصول.
مع التنبه إلى أن ثمرة الخلاف في كل مسألة من المسائل تعتبر اختياراً للشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى – إذا وجد عنه النص بذلك، وقد حرصت على ذكر ذلك في ثمرة الخلاف بعد كل مسألة. ولذا فقد تكون اختيارات الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى في هذا البحث – بهذا الاعتبار – أكثر مما تقدم. وبناء على ذلك فإن هذا البحث يتضمن اختيارات كثيرة تخالف المذهب غير ما ذكر، وقد ذكرت هذه الاختيارات إجمالاً في الملحق.
ثالثاً: من أعظم الفوائد التي خرجت بها من هذا البحث هي أن التعلق إنما يكون بالدليل لا بالأشخاص، وأنه لا يسوغ لطالب العلم أن يقلد أحداً من الناس مهما بلغ من العلم، من غير نظر في الدليل، وأعتقد بأن هذه الفائدة قد استفادها كل من تلقى العلم على هذا العالم الرباني، فبالرغم من المحبة العارمة التي تجدها في نفسك للشيخ ابن باز – رحمه الله رحمة واسعة -، فإنك قد تأخذ برأي آخر غير ما يراه بحسب ما يظهر لك من الدليل من غير أن تجد حرجاً في ذلك، وهو في حقيقة الأمر يدرب طلابه على هذا المنهج في معظم دروسه.
ولذا فقد خالف الباحث شيخه الجليل في المسائل التالية:
1 - لا يشترط للمسح على العمامة ذات الذؤابة أن تكون محنكة.
2 - خروج الهواء من القبل ينقض الوضوء.
3 - تجب الموالاة في الغسل.
4 - يجب الغسل للإسلام مطلقاً.
5 - من صلى بالتيمم وهو ناس للماء في رحله فصلاته غير صحيحة، وعليه الإعادة.
6 - الخمر نجس.
7 - لا يجب القضاء على المغمى عليه مطلقاً.
8 - يجب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام.
9 - تستحب العدالة لمن يؤذن وليست بشرط.
10 - لا تصح صلاة الفريضة في الكعبة.
11 - يشرع مسح الوجه بعد رفع اليدين إذا كان خارج الصلاة فقط.
12 - لا تصح الصلاة خلف المبتدع، أو الفاسق إذا كان قادراً على الصلاة خلف غيره.
13 - يسن ذكر هذه الأمور الأربعة في الخطبة: حمد الله، والأمر بتقواه والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وقراءة الآية.
14 - من رأى الهلال وحده وردت شهادته يلزمه الصوم.
15 - لا يجزئ التطوع بالصيام قبل قضاء ما عليه.
16 - يكره إفراد صوم يوم السبت، وهو أحد قولي الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -.
17 - حاضروا المسجد الحرام هم أهل مكة ومن يكون منزله من مكة على مسيرة لا يجوز فيها قصر الصلاة.
18 - يجب هدي التمتع ولو عاد لبلده.
19 - من فاته الحج لزمه القضاء، وهو أحد قولي الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -.
20 - عدة المختلعة عدة المطلقة.
21 - لا يصح النكاح بنية الطلاق.
22 - تجب الكفارة في شبه العمد.
23 - يشترط الإقرار أربع مرات في حد الزنا، وهو قول الشيخ ابن باز – رحمه الله تعالى -.
24 - أن حد اللوطي كحد الزاني بكراً أو ثيباً.
25 - أنه لا يصح التطهر بمياه الصرف الصحي بعد المعالجة.
26 - يقدم تحليل الدم على القيافة عند الاشتباه في ثبوت النسب وعدم البينة والله تعالى أعلم.(3/430)
استدراك بعض الصحابة ما خفي على بعضهم من السنن جمعاً ودراسة
Oسليمان بن صالح الثنيان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
المملكة العربية السعودية- وزارة التعليم العالي- الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه الصحابة
الخاتمة:
الحمد لله أولاً وآخراً على ما وفق إليه من العلم والعمل، فما كان بي من نعمة أو بأحد من خلقه فمن الله وحده لا شريك له، فله الحمد وله الشكر، وبعد.
فقد عشت من خلال هذا البحث مع خير القرون وأزكاها، وأعمقها علماً، وقد استفدت من هذا البحث فوائد جمة؛ منها فوائد علمية، ومنها فوائد تربوية، ووصلت إلى نتائج، أهمها:
1 - حفظ الله تعالى للسنة النبوية؛ حيث هيأ لها خير الناس بعد الرسل، فحفظوها وبلغوها لمن بعدهم، وإذا رأوا من خالفها نبهوه إليها.
2 - فضل الصحابة رضي الله عنهم، واعتناؤهم بنشر السنة.
3 - أن الاحتجاج بالسنة أمر مسلم به بين جميع الصحابة؛ ولذا كان بعضهم يحتج على بعض بها.
4 - الصحابة كغيرهم من البشر؛ فاتهم ما فاتهم من العلم، وهذا إذا كان قد حصل لهم؛ فغيرهم من باب أولى، ومن قال إن شيخه ومتبوعه لم يخف عليه شيء من العلم فقد أخطأ، وزعم لهم من المنزلة ما لا يبلغه أحد من الناس.
5 - في استدراك الصحابة بعضهم على بعض، وإنكار بعضهم على بعض حين تركهم العمل بسنة ما يبين ضعف إطلاق المقولة المشهورة: لا إنكار في مسائل الاجتهاد.
6 - تبين لي خلال هذا البحث أن استدراك الصحابة بعضهم على بعض كان أمرا مشهورا لا ينكره إلا جاهل.
7 - كما علمنا الصحابة رضي الله عنهم ضرورة الإنكار على من خالف السنة؛ فقد علمونا الأدب في هذا الإنكار، وهذا أمر جلي عند النظر في عباراتهم المذكورة في البحث.
8 - لم يكن استدراك الصحابة بعضهم على بعض سبباً في تنافر قلوبهم وتقاطعهم.
9 - قد تكون السنة مع المستدرك، وأحياناً توجد مع المستدرك عليه، وخفيت على المستدرك.
10 - الرجوع إلى الحق بعدما يتبين هو منهج الصحابة رضي الله عنهم حين يعلمون السنة.
11 - لم يثبت عن أحد من الصحابة أنه عارض السنة بعقله، وما نسب إليهم من ذلك فقد بينت في تمهيد هذا البحث أنه ليس من هذا الباب.(3/431)
اصطلاح المذهب عند المالكية
Oمحمد بن إبراهيم أحمد علي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البحوث للدراسات الإسلامية وإحياء التراث
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مصطلحات وحدود وتعريفات ومداخل فنون وأصول بحث
خاتمة البحث
ظلت الكتب المعتمدة، وفي مقدمتها الأمهات، والدواوين، وتظل، أساس المذهب، وجوهر تطور آرائه، واجتهاداته، فـ"المصادر الكبرى لكبار شيوخ المذهب في المشرق والمغرب هي التي تعتمد في الدرس والفتوى إلى أوائل هذا القرن، ينسب إلى الإمام أبي عبدالله محمد القصار في الحث على التمسك بالكتب المعتبرة في وقته قوله: "توضأ بالرسالة، وصلِّ بالجلاب، وصم بالتلقين، وزكِّ بابن الحاجب، وحج بخليل، واقض بالمدونة".
فـ"الفقه المالكي من لدن الإمام إلى ما بعد عصره بقرون، حتى القرن الثامن، الذي ألف فيه خليل مختصره، إذ توفي خليل (سنة 776هـ)، لم يخرج عن مبادئه، وهي مبادئ فقه مالك، وإن كان مما جاء به خليل خلافاً لما يذهب إليه البعض من أن وجهه قد تغير، وكما لم يتغير في القرن الثامن، فكذلك ما بعده إلى القرن الثاني عشر حيث ضعفت العناية بالفقه ... ، وإنما قصارى ما وقع هو إثراءه وجمعه بصورة تلم ما وزع في الأمهات ببسط ... ، فكان عمل المتأخرين هو لمّ المتفرق، والتنسيق بين مسائله".
توسع علماء المالكية المتأخرين في الأخذ بمبدأ ما جرى به العمل، بل إن "العمل أصبح مصدراً رسمياً للتشريع، لذلك نرى المغاربة أكثروا منه، وأقبلوا عليه، وتنافسوا في الأخذ به، حتى كان ذلك سبب انتشاره وتنوعه".
كان لتطبيق قاعدة ما يجري به العمل دور إيجابي في تطور آراء المذهب وترجيحاته مراعاة لمصلحة عامة أو خاصة، ومعايشة لحاجة المجتمعات المختلفة وأعرافها والفروقات الاجتماعية بينها.
على أن التوسع في تطبيق هذه القاعدة، وبخاصة العمل المحلي، كان له تأثير سلبي على وحدة تطبيق المذهب، واستقرار آرائه، وأوجد تبايناً ملحوظاً في ترجيحاته التي كانت تختلف باختلاف المدن أحياناً، ناهيك عن الأقاليم. هذا الجانب السلبي ـ وغيره ـ حدا ببعض العلماء إلى الوقوف موقف الناقد من تطبيق هذا المبدأ، ويرى أنه "كان من موجبات هرم الفقه".
إلا أنه "بالرغم من بعض السقطات التي بدت من هذا اللون من التشريع، وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت إليه، والمعارضة التي لقيها الفقهاء المسترسلون مع العمل، من لدن البعض الآخر، فإن هذا اللون من التشريع الذي اهتدى إليه الفقهاء، هو علم جليل ومجهود في ميدان التشريع كبير، إذ برهن الفقهاء بذلك على أنهم قادرون على مجابهة المستجدات والمشكلات الواقعة أو المتوقعة، وأعطوا بذلك الحلول للنوازل والقضايا التي لم يرد فيها نص صريح أو ضمني، وأثبتوا بذلك أنهم قادرون على ملاحقة التطور البشري، والتغير الزماني، كما دللوا أن الفقه المالكي فقه قابل دائماً للتطور، لمرونته، وقوة قابليته للاستمرار والبقاء، واستيعابه لكل ما يجد على ساحة المعاملات".
يكاد أكثر ما ألف بعد مختصر خليل ـ إن لم يكن شرحاً له، أو حاشية عليه، أو اختصاراًً ـ لا يخرج عنه إلا في القليل مما تتطلبه قواعد المذهب الترجيحية، ويمليه المنهج الذي اتبعه خليل في مختصره، وهو منهج دقيق في تحرير المعتمد للفتوى دقة تتسم بالتواضع والورع، والحرص على التأكد من ما يرجحه، ولذا ترك الباب مفتوحاً لمن يأتي بعده من العلماء ليدلوا بدلوهم، ويضربوا بسهمهم في تحقيق الراجح المعتمد في الأقوال في مذهب مالك في ضوء القواعد والضوابط التي حررها علماء المالكية، وحرصوا على متابعة تطبيقها وعلى رأسها قاعدة: ما يجري به العمل.(3/432)
استهل القرن الثالث عشر "وسمعة أعلام الأزهريين قد ضربت ما بين المشرق والمغرب بكتبهم التي شاعت في عصرهم، وعم الإقبال عليها". ونالت كتب العدوي، والدردير، والأمير، والدسوقي اعتماد علماء المالكية بعامة، والمصريين بخاصة، وصارت كتبهم مدار اعتماد الدارسين والمفتين. وقابل ظهور هؤلاء الأعلام المصريين ظهور أعلام من العلماء المغاربة، اشتهرت مؤلفاتهم في المغرب بخاصة وأقطار الشمال الإفريقي بعامة.
وظهر تأثر مؤلفات العلماء المصريين بترجيحات وآراء علماء المغرب واضحاً في كتاب الشرح الكبير للدسوقي، حيث اعتمد فيه على آراء العلماء المصريين وتحريراتهم، كالعدوي، والأمير، جنباً إلى جنب مع آراء وتحريرات الشيخ البناني على حاشية الزرقاني، مازجاً بذلك بين المنهجين: المصري، والمغربي اللذين سلكهما علماء المالكية في تحريرهم لكتب الأجاهرة، وسار على منهجه الصاوي في كتابه: بلغة السالك.
في حين ظهر تأثر علماء المغرب بالاتجاهات المصرية الترجيحية باعتماد كتب الدردير، والدسوقي.
يقول الشيخ ابن عاشور: "وعم الإقبال عليها [مؤلفات علماء المالكية المصريين] مثل الشيخ محمد الدسوقي، الذي عظمت شهرة دروسه، وأسانيده، وكتبه، واعتمدت حواشيه، ولا سيما حاشيته على شرح الدردير على المختصر الخليلي التي اعتمدها فقهاء الزيتونة في الدروس، والفتاوى، والأحكام، وعلقوا عليها، وجاذبوا مؤلفها بحوثه، ونقوله، وتحقيقاته".
في عرض شامل لأهم الكتب المعتمدة والمتداولة عند علماء المغرب في هذا العصر، يقول الشيخ الثعالبي (ت 1376هـ): "إن غالب الفتوى من الكتب المتداولة ... ، وقد اشترط العلماء اشتهار الكتاب الذي يفتى منه على القول بجواز ذلك دون رواية، كمختصر خليل، على أن هذا حصّل درجة التواتر، لكثرة من يحفظه في زماننا ... ، ومن جملة شروحه المتداولة: حطاب، والمواق، وهما كتابان معتمدان إلا قليلاً، وشرح الدردير، ثم الرسالة وشروحها لابن ناجي، وزروق، وأبي الحسن، وجسوس وغيرهم.
ومن الكتب المعتمدة: الموطأ لمالك، وشرحها للباجي، وشرح محمد الزرقاني، وهي أم المذهب، وكذا المدونة ...
ومن كتب الفتوى: التحفة لابن عاصم الغرناطي، وشروحها لسيدي عمر الفاسي، والتاودي بن سودة، والدسولي [التسولي]، وميارة، وحاشية أبي علي بن رحال عليه، وشروح لامية الزقاق، والعمل الفاسي، وشروحه، والعمل المطلق، والمرشد المعين، وشرحاه لميارة، وتبصرة ابن فرحون".
زبدة الكلام: أن "غاية ما يشترط الآن فيمن ينتصب للفتوى أو للقضاء في إحدى العواصم الكبار أن يكون ... بحيث يعرف أن يطالع الكتب، ولا سيما مختصر خليل بشرحيه: الخرشي، والزرقاني وحواشيه".
توَّج هذا الرأي فضيلة الشيخ العلامة محمد الطاهري ـ رئيس مجلس الإفتاء في المجلس العلمي الإقليمي بفاس ـ حيث أفاد بما نصه: "علماؤنا ومشايخنا ومشايخهم، كانوا يفيدون بالاعتماد على الزرقاني على خليل بشرط استشارة من خدموه، ونعني به: حاشية التاودي، وحاشية البناني، وقد جاء الرهوني فحرر الزرقاني، وأصبح هو المعتمد، وزاد في تحريره الشيخ كنون وإن لم يجد عليه إلا القليل".
إن اعتماد الحواشي ـ التي أشاد بها فضيلة الشيخ العلامة محمد الطاهري ـ في تحرير آراء الزرقاني على كتاب مواهب الجليل لمحمد بن محمد بن عبدالرحمن الحطاب المكي، كما نبه عليه فضيلة الشيخ الثعالبي بقوله: "وعليه [حطاب] اعتمد البناني وابن سودة، والرهوني في كثير من تعقيباتهم على الزرقاني"، هذا الاعتماد يشير بوضوح إلى حقيقة علمية تاريخية هي: أن المذهب المالكي بدأ حجازياً مدنياً وانتهى حجازياً مكياً.
وفي الختام:
يأبى الله أن يكون الكمال إلا لكتابة، والعصمة إلا لرسوله ونبيه محمد ?، وهذا أخي القارئ جهد المقل، وهو ما توصل إليه الباحث عن تطور اصطلاح المذهب المالكي عند المالكية، وكتبه المعتمدة عبر القرون، منذ أن وضع البذرة المباركة إمام دار الهجرة، مالك بن أنس رضي الله عنه في مدينة طيبة الطيبة على ساكنها أفضل الصلاة، وأتم التسليم، فنمت، وترعرعت، وأصبحت شجرة باسقة، وارفة الظلال، شأن كل عمل مخلص، أريد به وجه الله ?أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ? [إبراهيم: 24]، وصدق الله ـ العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا، ومولانا، وشفيعنا سيد الأولين والآخرين، النبي الأمي الأمين، ورضي الله عن أصحابه أئمة الهدى أجمعين، والتابعين وتابعي التابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/433)
الآثار المترتبة على الكفالة المالية (بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة)
Oماجد أبو رخية
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ضمان وكفالة ورهن
الخاتمة: وبعد: فهذا ما قدرني الله عليه من الكتابة في جزئية من جزئيات الكفالة، وهي الآثار المترتبة على الكفالة المالية، وقد تبين لي من خلالها ما يلي:
1 - إن الكفالة أمرها عظيم، وإنها ملزمة لصاحبها الذي لا يستطيع التخلص منها، والفكاك من أسرها، إلا بالوفاء بها، حتى إنه لو مات فإن الكفالة تتعلق بتركته، كما علمنا من قبل، الأمر الذي يملي على الإنسان العاقل أن يفكر ملياً قبل أن يوقع عليها، ويقيد نفسه بقيودها، وأن يمعن النظر في الشخص الذي يكفله، حتى لا يسبب له الوقوع في المتاعب مستقبلاً، ويقع في شرك المثل القائل: بأن الكفالة أولها شهامة وأوسطها ندامة وآخرها خسارة.
2 - إن الذي عليه جمهور الفقهاء، هو حق مطالبة المكفول له لكل من الكفيل والمكفول؛ لأن الكفالة تعني ضم ذمة إلى ذمة. مع ملاحظة شرط المالكية المشهور عندهم، وهو: أن مطالبة الكفيل إنما تكون بعجز المكفول عن الوفاء أو مماطلته.
3 - إن رأي ابن حزم – ومن قال بقوله – وهو إن الكفالة تنقل حق المطالبة من المكفول إلى الكفيل، فلا يطالب غيره، رأي غير سديد؛ لأن الذي ينقل حق المطالبة هو الحوالة، وفرق بينها وبين الكفالة.
4 - إن للكفيل إذا حل أجل الكفالة، الطلب من المدين أو يخلصه من الكفالة بسداد ما عليه من الدين، وأن له أيضاً حق مطالبة الدائن بالضغط على المدين للإسراع في سداد دينه، حتى لا تتعطل مصالحه ببقاء ذمته مشغولة للغير، وإلا أسقط الكفالة، وقد رأينا إن القانون حدد أجلاً لهذا الغرض، وهو ستة أشهر، معتمداً على القواعد الفقهية القاضية بإزالة الضرر.
5 - إن للكفيل على رأي جمهور الفقهاء أن يعود على المدين بما أداه عنه، وبما كفله لا بما أداه عند الحنفية، وفي حالة الصلح مع الدائن، فإن الكفيل يعود على المدين بما صالح عليه، لا بجميع الدين باتفاق الفقهاء، إذا كانت المصالحة على جنس الدين، وأما إذا كانت المصالحة على غير جنس الدين، فإن الكفيل يرجع على المدين بكل الدين، وبالأقل من قيمة ما صالح عليه من الدين عند جمهور الفقهاء.
6 - إن نصوص المواد في القانون المدني الأردني، والقانون المدني الإماراتي، قد جاءت فيما يتعلق بالآثار المترتبة على الكفالة المالية موافقة مع ما جاء به الفقهاء من قبل.
والناظرة في المذكرة الإيضاحية للقانون الأردني، الذي يعد أصل القانون الإماراتي، والمصادر التي استقى منها القانون تلك المواد، لا يستغرب هذا الانسجام؛ فمجلة الأحكام العدلية والكتب الفقهية هي المصدر الرئيس لنصوص تلك المواد. ولا يفوتنا التنويه ببعض الإضافات التي جاء بها القانون، وأكثرها يتعلق بالإجراءات التنفيذية لعقد الكفالة، كتحمل المدين للنفقات التي يدفعها الكفيل حين تنفيذ الكفالة، وهي في الجملة لا تخرج على القواعد الفقهية التي اعتمد عليها الفقهاء.
"وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين".(3/434)
الأحاديث والآثار الواردة في قنوت الوتر رواية ودراية
Oمحمد بن عمر سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الإمام أحمد - القاهرة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قنوت
الخاتمة
خلصت هذه الرسالة إلى نتائج مهمة وهي التالية:
1 - أن قول من قال من الأئمة: لم يصح في قنوت الوتر قبل الركوع أو بعده شيء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا قول ابن عبد البر رحمه الله: " لا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت في الوتر حديث مسندا " اهـ؛ فيه نظر وأنه غير مسلّم. فقد ثبت في قنوت الوتر مسندا من حديث الحسن بن علي رضي الله عنه وحديث أبي بن كعب رضي الله عنه , والله أعلم.
كما ثبت عن الصحابة كعمر بن الخطاب , وابن مسعود وأبي بن كعب وغيرهم ومثله لا مجال فيه للرأي والاجتهاد إذ المقام مقام عبادة والأصل فيها التوقيف فلولا أن لديهم توقيفا في ذلك ما فعلوه
2 - أن قنوت الوتر يشرع طوال العام وأن السنة فعله أحيانا وتركه أحيانا بدليل ما ورد من الاختلاف في مشروعيته
طوال العام مما يدل أن الرسول صلى الله عليه وسّلم كان يتركه أحيانا
ويتأكد المداومة عليه في النصف الأخير من رمضان من الليلة السادسة عشرة ويشرع ترك القنوت في النصف الأول من رمضان إذا صلي بالناس وهذا من السنن المهجورة فإن قنت في أوله وآخره جاز
3 - أن قنوت الوتر يجوز قبل الركوع وبعده والأصل فيه قبل الركوع
4 - أن من السنن المهجورة في هذا العصر قنوت الوتر أن يكبر للقنوت وأن يكبر بعده إذا قنت قبل الركوع
5 - أن من السنة أن يجهر الإمام في قنوت الوتر وأن يؤمّن من خلفه
6 - أن السنة في دعاء القنوت ألا يكون طويلا ولو اقتصر على قدر الوارد فهو أفضل ولو أطال أحيانا بقدر ما ورد جاز
7 - أن دعاء القنوت ليس فيه شيء مؤقت فهو يجوز بأي صيغة والأفضل الاقتصار على الوارد
8 - أن من السنة للإمام إذا صلى بالناس جماعة الوتر في رمضان ألا يقنت في النصف الأول من رمضان وأن يقنت في النصف الأخير منه ويدعو على الكفرة
9 - يشرع رفع اليدين في دعاء قنوت الوتر ويشرع إرسالهما ويشرع رفعهما في أوله وإرسالهما في آخره كل ذلك جائز
10 - لا يشرع مسح الوجه باليدين بعد الدعاء
11 - يشرع الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء قنوت الوتر.
12 - يسجد للسهو من كان من عادته القنوت في الوتر فسها عنه أما من لم يكن من عادته القنوت أو تعمد تركه فلا سهو عليه
13 - أن من أشبه الصلوات بصلاة الوتر صلاة المغرب؛ إذ المغرب وتر النهار فما ثبت في القنوت فيها للنازلة يثبت للقنوت في الوتر ويؤكد هذا أن ما ثبت في الفريضة ثبت مثله في النافلة إلا لدليل
14 - أن أغلب أحكام قنوت الوتر ثابتة بفعل الصحابة رضوان الله عليهم والمقام مما لا مجال للرأي والاجتهاد فيه إذ مثل ذلك لا يكون بالرأي فله حكم الرفع واختلافهم في هذا من باب اختلاف التنوع ما أمكن الجمع , والله الموفق هذا ما تيسر لي جمعه وتخريجه في هذا الموضوع أسأل الله بأن له الحمد لا إله إلا هو الحنان المنان بديع السموات والأرض ذو الجلال والإكرام أسأله العفو والعافية وأن يتقبل جميع عملي خالصا لوجهه الكريم وأن يجعله داعيا إلى سنة نبيه الكريم محمد عليه أفضل الصلوات وأزكى التسليم وعلى آله وصحبه أجمعين. وسبحانك الله وبحمدك أشهد أن لا إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك(3/435)
الأحكام الشرعية للأعمال الطبية
Oأحمد شرف الدين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1402هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أحكام طبية
الخاتمة: (103) لقد كان للاكتشافات العلمية في مجال الطب والجراحة وقع القنابل في عالم تسوده المبادئ التقليدية التي ترى أن حرمة النفس والجسم والجثة وهذه أحد الأركان الأساسية للنظام الشرعي والقانوني السائد.
هذه الاكتشافات، التي لو تركت دون ضابط فإنها ستؤدي إلى تغير الأعراف والأفكار بل والأخلاق، يجب أن يتسلح الفقهاء لمواجهتها بحكمها الشرعي حتى لا تتعدى حدودها فتصطدم سنة الله {وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا}. كذلك فإن الفقه مطالب بالبحث عن أحكام مستحدثات الطب في الشريعة حتى لا نكون تابعين في هذه الأحكام.
وإذا كان يطلب من الفقه والقانون أن يراعيا الإمكانيات الحديثة للطب والبيولوجبا في وضع أحكامهما، فإن ذلك مقيد بعدم التعارض مع كليات الشريعة وبقدر ما تحفظه هذه الإمكانيات من مصالح جديرة بالرعاية، وإلا فإن للاكتشافات الحديثة للعلوم البيولوجية والطبية استعمالات لا فائدة منها بل إنها قد تكون مضرة.
إن قواعد الشريعة، على سعتها وترحيبها بكل تقدم علمي لمصلحة البشرية، لا يمكن أن ترضخ للإمكانيات الحديثة للعلوم لأن الشرع يحيط بعلمه وبأحكامه كل شيء، حين أن العلم لا يمكن أن يتسع لإدراك عواقب اكتشافاته {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ}. وإزاء طرقات العلم، المفيدة منها والضارة، على أبواب الفقه والقانون، فإن الفقه يجد نفسه أمام طريقين متقابلين:
الأول: طريق اليقين طريق الله الخالق العالم بمن خلقه.
والثاني: طريق العلم والتجارب وهو طريق لا يتسم بالثبات أو باليقين.
وليس معنى اختيار الفقيه للطريق الأول أنه يرفض سلوك الطريق الثاني ولكن معناه أنه لا يأخذ من العلم إلا ما يحفظ مصالح راجحة في الشرع، فحيث توجد المصلحة فثم شرع الله.
إنما يجب على الفقيه، وهو بصدد بيان الحدود الشرعية لمكتسبات العلوم، ألا يقيد نفسه باجتهادات فقهية تقليدية صدرت في عصر لم يكن يعي بعد الكنوز التي اكتشفها العقل البشري في العصر الحديث. وإذا كان لكل حدث جديد فقه جديد يستند إلى أصول الشريعة ذاتها الواردة في القرآن والسنة، فإن الأحكام الفقهية التي هي مجرد اجتهادات وتفسيرات لما أجمل القرآن والسنة، يمكن أن تتغير بتغير الزمان، ولا يبقى ثابتاً إلا أصول الشريعة الواردة في القرآن والسنة.
لذلك فإن المعيار، الذي استندنا إليه في البحث عن الحكم الشرعي للإنجازات الطبيعة الحديثة، هو مدى اتفاق هذه الإنجازات مع كليات وأصول الشريعة، بينما اقتصر دور الفروع والاجتهادات الفقهية على تحديد الإطار الشرعي الذي يجب أن تبحث فيه المسألة.
(104) وبعد فإنه إذا كان لبحثنا هذا من فضل فإنه يتجسد في اعتقادنا، من ناحية في الطريقة التي جمعنا بها القواعد الفقهية المبعثرة، والتي يصعب على الباحث العثور عليها في أمهات كتب الفقه الإسلامي لوجودها في غير مظانها، ومن ناحية أخرى في الكيفية التي طبقنا بها هذه القواعد، بعد تقسيمها تقسيماً منهجياً، على بعض الأعمال الحديثة للطب والجراحة، ليكون البحث بذلك، في مجموعه وعلى ما نرجو، نبراساً يهتدي به في الحكم على كل ما هو مستحدث من أعمال في المجال الطبي والجراحي.
ولهذه الاعتبارات، ولكي يكون لبحثنا هذا فائدة علمية فوق قيمته العلمية المتواضعة، فإننا نثبت فيما يلي ملحقاً يتضمن اقتراحا بالقواعد التي تنظم بعض صور الاستخدامات الطبية الحديثة لجسم الإنسان وجثته.
ونتبعه بملحق آخر يتضمن أهم الفتاوى الصادرة في بعض الموضوعات التي عالجناها.
ولقد رأينا أنه من المفيد أن نخصص ملحقاً مستقلاً ليتضمن من ناحية التشريع الكويتي في شأن عمليات زراعة الكلى، وهو من أحدث التشريعات المتعلقة بهذا الموضوع، ومن ناحية أخرى الفتوى، التي أوردتها مذكرته الإيضاحية، والتي استصدرتها وزارة الصحة العامة من لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، لندرك بصفة ملموسة إلى أي مدى يعتبر المشرع الوضعي، في بلد إسلامي، نفسه ملزماً بالتقيد بالقواعد الشرعية المتعلقة بالتصرف في الحق في سلامة الحياة والجسد الذي هو أصلاً من موضوعات القانون المدني.(3/436)
الأحكام التي تخالف فيها المرأة الرجل- الأحكام الخاصة بالمرأة-
Oسعد بن شارع الحربي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المسلم
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه المرأة - أعمال منوعة
خاتمة في أهم نتائج البحث
وبعد أن عرضت مسائل الفروق بين المرأة والرجل في الأحكام التي يشتركان في قواعدها العامة، ويختلفان في جزئياتها، أقول أن هذه الفروق في كثير منها ليست سالمة من خلاف بين الفقهاء، كما مر في أبواب الرسالة وفصولها ومباحثها ومطالبها، ومن أهم نتائج هذا البحث:
أولا: في باب العبادات:
1 - في مسألة الطهارة يغسل أثر بول الصبية التي لم تأكل الطعام عن إرادة وشهوة، بينما ينضح أثر بول الصبي الذي لم يأكل الطعام عن إرادة وشهوة تخفيفا لولع الناس وكلفهم بحمل الصبيان.
2 - الختان في حق النساء مكرمة، بينما هو في حق الرجال واجب.
3 - لا تحلق المرأة شعر رأسها لحاجتها إلى التجمل والتزين إلا لضرورة، بينما الرجل يجوز له ذلك.
4 - لا يجوز للمرأة أن تمس طيبا تنتشر رائحته في خروجها إلى الأسواق منعا للفتنة بينما الرجل يتعطر بما شاء.
5 - تخضب المرأة يديها ورجليها وتنقش بالحناء لأنه زينة في حقها وهو مطلوب منها ذلك، أما الرجل فإنه في حقه تشبه إلا لضرورة علاج ويباح له منه ما يخضب به رأسه ولحيته تغييرا للبياض فقط.
6 - لباس المرأة يراعي فيه الستر والزينة الخفية والبعد عن التشبه بالرجال، ويجوز لها أن تلبس الحرير والذهب وتتحلى بما شاءت من أنواع المصوغ ما لم يخرج عن العادة والمألوف، والرجل لا يحل له لبس الذهب والحرير، ولا مصوغ الذهب والفضة إلا خاتم الفضة وما كان ضرورة ويراعي في لبسه للثياب الزينة الظاهرة مع البعد عن التشبه بالنساء.
7 - في فصل الصلاة: المرأة لها عورة تختلف عن عورة الرجال فإنها كلها عورة إلا الوجه واليدين، أما الرجل فعورته ما بين السرة والركبة، والمرأة لا تؤذن ولا تقيم ولا تؤم جماعة الرجال، ولا تجهر بالقراءة في الصلاة وتصفق إذا نابها شيء في صلاتها بخلاف الرجل وإذا حضرت صلاة الرجال جماعة في المساجد تكون في صف وحدها خلف صفوف الرجال، وفي صفوف النساء خيرها أخرها وشرها أولها، بعكس صفوف الرجال.
8 - تلبس الدرع والخمار في الصلاة حتى تخمر رأسها وظهور قدميها أما الرجل فيجزيه ما يستر عورته وهي ما بين سرته وركبتيه، وإذا خرجت إلى المساجد لحضور صلاة الجماعة فلا تتزين ولا تتعطر وتخرج تفلة.
9 - يجوز لها حضور صلاة الجمعة ولا تنعقد بها عكس الرجل ويستحب لها حضور صلاة العيدين إذا لم يخش فتنة وحضور صلاة العيدين في حق الرجل سنة مؤكدة أو فرض كفاية.
10 - في مسألة الجنائز: تكفن في خمسة أثواب مبالغة في سترها استحبابا. والرجل يكفن في ثلاثة أثواب استحبابا، ولا تحمل النساء الموتى ولا يشيعنهم وذلك لضعفهن وعجزهن وقلة صبرهن ووجود الفتنة في حقهن، أما الرجل فإن ذلك في حقه فرص كفاية. وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء قدم الرجال على النساء لأنهم أولى منهن في الفضل في حال الحياة لقيامهم عليهن، فكذلك في حال الممات، ويقف الإمام في صلاة الجنازة على المرأة حيال وسطها وعلى جنازة الرجل عند رأسه استحبابا.
11 - وفي مسألة الزكاة: لا تدفع المرأة زكاة لحليها الذي اتخذته للبس أو العارية ولو كثر إذا كان مما اعتادت النساء لبسه، أما الرجل فإنه يحرم عليه اتخاذ حلي النساء ولو اتخذه فإنه يزكيه، ولا يدفع الزوج زكاة ماله لزوجته اتفاقا بين الفقهاء لقيامه بالنفقة ولا تدفع زكاة مالها إليه لاشتراكهما في مصالح المال ومنافعه، ويجب على الزوج أن يخرج زكاة بدن زوجته.(3/437)
12 - في مسألة الصوم: لا يقبل خبر المرأة ولا شهادتها عن هلال شوال ويقبل خبرها في هلال رمضان احتياطا للعبادة، أما الرجل فإن شهادته معتبرة في هلال شوال. ولا تصوم نفلا وزوجها حاضر إلا بإذنه لأن ما تقوم به مندوب وحق زوجها واجب، فهو أولى بالتقديم.
13 - في مسالة الحج: يشترط وجود محرمها في خروجها إلى الحج لأنها عورة وضعيفة، فإذا لم تجد محرما فإنها تدخل فيمن لا يستطيعون الحج، ولا تخرج لحج النافلة وعمرتها إلا بإذن زوجها والرجل لا يحتاج إلى إذن الغير، وتلبس المخيط في إحرامها لأنه مطلوب في حقها الستر، أما الرجل فإنه يتجرد من المخيط لإحرامه، ولا ترفع صوتها للتلبية ويسقط عن ذات الحيض طواف الوداع. ولا ترمل ولا تضطبع في الطواف والسعي لئلا تنكشف ولأنها ليست من أهل الجلد. وكلما اعتزلت عن الرجال في طوافها وسعيها كان أكمل في حقها.
ثانيا: في باب الجهاد:
1 - لا يجب على المرأة قتال، بينما هو على الرجل فرض كفاية، أو فرض عين.
2 - لا تقتل المرأة الكافرة من القوم المحاربين إذا لم تحارب أو تعن برأي أو مكيدة، وليس عليها جزية لأنها ليست من أهل القتال عكس الرجل.
ثالثا: في باب المعاملات:
1 - يحجر عليها في عطيتها فيما زاد على الثلث رعاية لمصلحتها ومصلحة زوجها وأسرتها وذلك في مسألة الصدقات والتبرعات عكس الرجل.
2 - علمها مقيد بشروط تناسب طبيعتها الأنثوية وتراعي حق زوجها وأطفالها وعنصر الفتنة فيها، بينما عمل الرجل مطلق، لا يحد بقيود.
رابعا: في باب الولايات:
1 - لا تلي عقد النكاح ولا تكون وكيلا فيه، ولا تصح عبارتها فيه لأنه ليس بمال ولا يقصد به المال ومباشرة عقود الأنكحة تنافي الحياء والخفر. وتعرض المرأة للبروز أمام أجانب الرجال، أما الرجل فإنه يلي عقد النكاح.
2 - المرأة أولى من الرجل في ولاية الحضانة للصغير أو من لا يستقل بشئون نفسه لأنها أكمل شفقة من الرجل.
3 - لا تصح شهادتها في حقوق الأبدان والعقوبات، بينما ولاية الشهادة من الرجل مطلقة، وهي في الشهادة على النصف من الرجل.
4 - لا تكون إماما ولا قاضيا ولا تلي شيئا من أمور المسلمين العامة، لوجود عامل الفساد في ولايتها شئون الناس العامة. مثل الحسبة والإمارة وغير ذلك.
خامسا: في باب الجنايات:
1 - ديتها على النصف من دية الرجل في النفس، أما ما دون النفس فإنها تعاقله إلى الثلث ثم تكون على النصف من ديته فيما زاد على ذلك.
2 - يقتص لها من الرجل في الجراح العمد والأطراف التي توجب قصاصا، وتكون مساوية للرجل في ذلك لأن المعتبر العصمة.
3 - لا تدخل في العاقلة، فلا تحمل من دية الخطأ شيئا لأنها ليست من أهل النصرة. وإنما يحمل ذلك العصبة الذكور. ولا تدخل في القسامة.
4 - سادسا: في باب الأحوال الشخصية:
1 - المرأة على النصف من ميراث الذكر لأنها على النصف منه في الشهادة ولأنه يتحمل كثيرا من النفقات وأعباء الحياة الأخرى. وهي مستغنية بمال زوجها، وهذه في مسألة اجتماع الأبناء أو الأخوة الأشقاء أو الأخوة لأب.
2 - لا ترث العمة وبنت الأخ وبنت الأخ العم عكس إخوتهن لأنهن من ذوات الأرحام ويورثن من قبل العصبة الذكور.
3 - لا يرث ابن الملاعنة وابن الزنا من أبيه لأنه أجنبي عنه ويرث من أمه على عكس القاعدة في ميراث الولد من أبيه.
4 - من قوامة الرجل على المرأة المهر والنفقة إذ يجبان عليه لها ولا يجبان له عليها.
5 - لا تملك المرأة الطلاق ولا الإيلاء ولا عبارة الظهار، ويملك ذلك الرجل.
6 - للمرأة حق الخلع في فك الرابطة الزوجية إذا خشيت الضرر بسوء العشرة إذا رضي زوجها والرجل لا يملك ذلك.
7 - عليها عدة الوفاة صغيرة أو كبيرة مدخولا بها أو غير مدخول بها أما الرجل فإنه لا يعتد للوفاة.
وبعد، فإن ما تقدم خلاصة نتائج هذا البحث الذي ضمته أبواب وفصول هذه الرسالة في الفرق بين المرأة والرجل في الأحكام التي يشتركان في قاعدتها العامة ويختلفان في جزئيات هذه القاعدة. وبعضها ملزم والبعض الآخر على وجه الندب والاستحباب.
وإنني قد قدمت في قول مضى أول هذه الرسالة أني لم أتطرق لما كان من باب الضرورة أو كان شاذا أو ضعيفا خالف الإجماع إلا من النادر القليل، وحسبي أنني حاولت في جهد المقل أن ألم بمسائل مهمة في الفرق بين المرأة والرجل في مجال كثير من الأحكام وأن أنظمها في رسالة مستقلة تكون عونا للباحث والباحثة في مسائل الفروق بين النساء والرجال ومقدمة تدل على أول الطريق .. والله حسبي ونعم الوكيل.(3/438)
الأحكام المترتبة على الفسق في الفقه الإسلامي
Oفوفانا آدم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة دار المنهاج - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فسق
الخاتمة: الحمد لله على التوفيق والإعانة، على استمرار العمل إلى النهاية، فله في ذلك الفضل والمنّة، وأشكره على نعمه الظاهرة والباطنة. ففي ختام هذه الرحلة الطويلة مع الفسق وما يترتب عليه من الأحكام، أجمل أهم النتائج التي توصلت إليها خلال البحث فيما يلي:
1 - اتفقت دلالة الكتاب والسنة واللغة، واصطلاح العلماء من المحدثين والأصوليين والفقهاء – رحمهم الله -، على أن الفسق هو الخروج عن الطاعة. وقد يطلق على غيره كالكفر، والمعصية، والفجور، والإثم، والكذب، وجميع أنواع السيئات. 2 - إن الذنوب تتفاوت فيما بينها، فمنها الكبيرة ومنها الصغيرة، والفسق يحصل بارتكاب الكبيرة، أو بالإصرار على الصغيرة. فالكبيرة هي كل ذنب قرن والصغيرة ما كان دون ذلك، أو ما لم يقرن بما سلف. والإصرار عليها يكون بالإقدام عليها مع العزم على معاودتها، ثم تكرارها بناءً على هذا العزم السابق. وضابط التكرار هو تكرر الصغيرة تكرراً يشعر بقلة مبالاة المذنب بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. 3 - البدعة هي ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، من عقيدة أو عمل. وهي أيضاً متفاوتة، فمنها المفسقة والمكفرة، فالمكفرة ما تضمنت مخالفة أصل فيه دليل مقطوع به، من كتاب أو سنة متواترة، أو إنكار أمر مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة. فمن تلبس بالمفسقة كان حكمه حكم الفاسق بالكبيرة، ومن تلبس – والعياذ بالله – بالمكفرة، كان حكمه حكم الكافر، لا تصح إمامته في الصلاة، ولا ولايته على المسلمين، وتبطل بها الولاية إن طرأت على الوالي، ويجيز الخروج عليه بشروطه، ولا يصلي عليه إن مات، ولا يزوج من المسلمات، ولا يعتد بقوله في انعقاد الإجماع، ولا تقبل فتاواه، ولا شهادته.
4 - لفظ الفسق اصطلاح شرعي كالكفر، لا يجوز إطلاقه على معين إلا بعد توفر الشروط، وانتفاء الموانع، وإقامة الحجج والبينات.
5 - إذا ثبت فسق المرء لم يقبل خبره في أمور الديانة، كخبره بطهارة الماء أو بنجاسته، وخبره بدخول وقت الصلاة، ودلالته غيره على القبلة، ولا يرجع الإمام لتسبيحه في الصلاة، ولا يقبل خبره برؤية هلال رمضان وغيره من الأهلة، لكن يستحب له إخبار الحاكم برؤيته، ولا تقبل فتاواه إن كان عالماً. 6 - إقرار الفاسق يلزم نفسه، فإذا أقر بحق لزمه، وكذلك خبره، فإن أخبر برؤية هلال رمضان ورد خبره، لزمه الصوم، فإن أفطر وجب عليه ما يجب على الفطر وحده سراً، لكن إذا كمل الثلاثين في صومه الذي رأى وحده الهلال، ولم يطلع الهلال ليلة إحدى وثلاثين، لم يفطر إلا مع الجماعة؛ لتبين خطؤه حينئذ. وهكذا المجتهد الفاسق، إذا اجتهد في مسألة فأدى به اجتهاده فيها إلى حكم، لزمه في حق نفسه دون غيره. 7 - إن الفاسق ليس من أهل الترخص، فلا يجوز له الترخص بالرخص الشرعية في سفره للمعصية، كالمسح على الخفين، وقصر الرباعية، والجمع بين صلاتين، وسقوط الجمعة، وعدم استقبال القبلة عند التنفل على الراحلة، والفطر في رمضان. ولا يعطى من الزكاة إذا كان غارماً في معصية، أو كان ابن سبيل في سفر المعصية، ولا تجوز له صلاة الخوف إذا كان في قتال، أو هروب من عدو هو فيهما عاص. أما إذا كان في سفر مباح أو واجب، غير أنه يعصي الله فيه، فيجوز له الترخص بهذه الرخص كلها، وكذلك إذا تاب؛ لخروجه من المعصية وصيرورته من أهل الرخصة.(3/439)
8 - إن رد خبر الفاسق، ومنعه الترخص بهذه الرخص، زجر له عن فسقه ومعصيته، ومن صور زجر الفساق وعقوبتهم: جواز إظهار سجود الشكر أمام الفاسق؛ ليرتدع من معصيته التي يفسق من أجلها، وعدم صلاة الأئمة وأولي الفضل على الفاسق إذا مات، وعدم إيتائه من الزكاة إذا كان يستعين بها على المعصية، ومنع الولد الفاسق من الهبة إذا كان يستعين بها على المعصية، ومنع الوالد الفاسق من الاتهام لولده، وعدم إجابة دعوة الفاسق إلى الوليمة، ومنعه من التزوج بالصالحة العفيفة، ونزع اللقطة واللقيط منه إذا التقطهما، وعدم الاعتداد بتعريفه اللقطة، ومنع الفاسقة من حقها في حضانة طفلها، ومنع الناشزة من حقها في القسم والنفقة، وندب تطليق الفاسقة، إذا كان فسقها بالزنا، أو بتفريط في حقوق الله الواجبة، إذا عجز الزوج عن إجبارها عليها، وجواز اختلاع المرأة من الزوج إذا كان كذلك ...
9 - للخوف من الفساق أثر في تغير بعض الأحكام، كخوف المرأة على نفسها الفساق عند الماء، وخوف واجد اللقطة عليها في ممر الفساق والخونة، فيباح التيمم للأولى، ويوجب الالتقاط على الثاني، ويسقط وجوب الحج على المرأة إذا لم تجد في سفرها إليه غير محرم فاسق، أو رفقة فاسقة غير مأمونة، كما يباح للمعتدة الانتقال من مسكنها الذي تعتد فيه، إذا كان بجوار الفسقة.
10 - لا يؤثر فسق السيد على تصرفاته في مملوكه، فتثبت له الولاية عليه، ويجوز له تزويج أمته، وإقامة الحد على رقيقه إذا زنى.
11 - الفاسق من أهل القرب، وعباداته صحيحة إذا أداها على الوجه المطلوب، فيصح وقفه، ووصيته لغيره ما لم تكن الوصية في كفالة الأولاد، وتصح مشاركته في الجهاد. ما لم يكن مخذلاً أو مرجفاً أو خائناً يتجسس للكفار، ويطلعهم على عورات المسلمين.
12 - يجب تجهيز الفاسق والصلاة عليه إذا مات، سواء كان فسقه باعتقاد أو بارتكاب الكبيرة، ويجب بره على أبنائه مع فسقه، وتحرم الخطبة على خطبته، وتصح ولايته في نكاح نسيبته، وتصح وكالته في التزويج، ويصح لعانه، وأمانه لآحاد الكفار، وتقبل دعواه على العدل ويطالب باليمين إذا أنكر. فهذه مسائل لا فرق فيها بين الفاسق والعدل.
13 - يقبل خبر الفاسق في المعاملات، إلا إذا كان الفاسق المخبر فضولياً، ففي قبول خبره فيها خلاف بين أبي حنيفة وصاحبيه، بناءً على أن هذا الخبر هل هو شهادة، أو خبر في المعاملات؟.
14 - الفاسق جائز التصرف، فيصح منه البيع والشراء، والإجارة، وتجوز مشاركته مع الكراهة، ويصح ضمانه وكفالته، ويصح التقاطه اللقطة واللقيط، غير أنهما ينزعان منه، ويملك اللقطة إذا لم يعثر على صاحبها بعد مدة التعريف، ويجوز وضع الرهن عنده إلا إذا كان الرهن أمة أو خنثى، أو كان الرّاهن والمرتهن، أو هما معاً متصرفين عن الغير، وكان الفاسق يخرج بفسقه عن الأمانة، ويجوز إيداع الوديعة عنده، إذا كان فسقه بغير معصية مالية، ولا يخشى منه عليها. وتجوز وكالته فيما يجوز له التصرف فيه.
15 - لا تنفسخ المساقاة بظهور الفسق من العامل، وإنما يتحفظ منه رب المال، فإن عجز ساق عليه الحاكم، وتكون أجرة العامل الثاني على الأول الخائن. ولا تنفسخ الإجارة كذلك بفسق المستأجر، وإنما على المؤجر أو الحاكم منعه من الفسق.
16 - فسق الرقيق عيب مثبت للخيار، إذا كان بارتكاب الكبائر، واختلفوا في فسق الاعتقاد. وكذلك ظهور الفسق من الأجير حيث لا يمكن التحفظ ولا التحرز من ضرره، وظهوره من المستأجرة للرضاعة مثبت للخيار.
17 - يحرم العقد على المنافع المحرمة، في الإعارة والإجارة، كما يحرم التوكيل في المعصية، والوصية بالمعصية أو الوقف عليها.(3/440)
18 - الفاسق ليس من أهل الولايات الدينية ابتداءً، فإذا ولي عليها صحت في بعضها، كإمامة الصلاة والأذان وغسل الميت، ولا تصح في الولايات المالية، كالنظر على الوقف، والوصية، والعمل على الزكاة وخرص الثمار. وكذا الولاية على النفس، ويعزل عنها ولو طرأ عليه الفسق بعد توليته. وهكذا ولاية القضاء، لا تصح ولايته، وإذا ولي وحكم لم ينفذ حكمه، إلا إذا ولاه ذو شوكة، فينفذ للضرورة، وينعزل بالفسق نفسه إذا طرأ عليه، وعلى الإمام تعيين قاض آخر مكانه؛ يتصفح قضاءه السابق، فما وافق الحق أمضاه، وما جانبه نقضه. أما الولاية الكبرى فلا تصح تولية الفاسق فيها، ولا العهد إليه بها، وإذا تولاها بالغلبة، أو فسق بعد عدالته، وجب نصحه وطاعته في المعروف، ويجزئ دفع الزكاة إليه، والجهاد معه، وتولي القضاء منه إذا كان يمكن القاضي من القضاء بالحق، ولا يجوز عزله ولا الخروج عليه، ولو كان فسقه فسق اعتقاد ما لم يبلغ حد الكفر البواح. وهذا كله عند السعة وتوفر العدول، فإذا عدم العدول وكان الموجودون كلهم فساقاً ولي أقلهم فسقاً وفجوراً.
19 - لا يصح تحكيم الفاسق في تحديد جزاء الصيد إذا قتله محرم، ولا للإصلاح بين الزوجين، أو بين الخصوم، ولا يقبل نزول الكفار إذا حوصروا على حكمه.
20 - لا يجوز للقاضي الاستعانة في قضائه بفاسق، لا في النيابة عنه، ولا في الاستشارة، أو الكتابة، أو الحجابة، أو الترجمة، أو القسمة، أو التزكية والسؤال عن الشهود.
21 - تصح المكاتبة بين القضاة، فإذا كتب أحدهم إلى آخر، ثم فسق الكاتب بعد الحكم بكتابه، لم يغير ذلك في الحكم شيئاً، وإن فسق قبل الحكم بكتابه، فإن كان الكتاب بحكم مبرم أمضي ونفذ، وإن كان بسماع شهادة رد ولم يحكم به الثاني. وإن فسق المكتوب إليه عمل المتولي بدله بالكتاب، سواء كان بحكم مبرم، أو بسماع بينة.
22 - إذا غلب البغاة على بلد وأخذوا منهم الزكاة أجزأتهم، ولا يكلفون بإعادته إذا غلب عليهم إمام أهل العدل. أما قضاء قاضيهم، فإن كانوا خوارج وأهل بدع لم يصح قضاء قاضيهم. وإن كانوا مجرد بغاة، فلا يخلو قاضيهم من أن يكون منهم، أو من أهل البلد الذين ظهروا عليهم، فإن كان القاضي من أهل البلد عدلاً صالحاً للقضاء صح قضاؤه، وإن كان من البغاة أنفسهم، صح ونفذ ما كان صواباً من قضائه، ورد ما خالف الصواب كقاضي أهل العدل.
أما إذا كتب قاضيهم من أهل البلد العدل بالعدالة، أو بمخالفتهم للبغاة، قبل كتابه، وإن لم يكونوا كذلك لم يقبل كتابته، وأما كتاب القاضي من البغاة الموافق للصواب، فالمستحب عدم قبوله، وإن قبله قاضي أهل العدل وعمل به جاز. وتقبل شهادة البغاة إذا لم يقاتلوا أهل العدل، ولم يستحلوا دماءهم، فإذا قاتلوهم واستحلوا دماءهم ردت شهادتهم ولم تقبل.
23 - العدالة المطلوبة في الشهود هي الظاهرة والباطنة، وذلك عند أداء الشهادة لا عند تحملها، فيصح تحمل الفاسق الشهادة على أن يؤديها إذا تاب، وإذا لم يتب حتى دعي لأدائها لم تلزمه الإجابة. وشهادة الفاسق مردودة مطلقاً سواء كان فسقه بارتكاب كبيرة، أو ببدعة، وإذا قبل الحاكم شهادته وحكم به لم يصح الحكم.
24 - إذا قبل القاضي شهادة عدلين، ثم فسقا قبل الحكم بشهادتهما، رد شهادتهما ولم يحكم بها. وإذا حدث الفسق منهما بعد الحكم وقبل الاستيفاء، فإن كان الحكم في مال استوفاه، ولم يؤثر الفسق في الاستيفاء، وإن كان المحكوم به حدا لله أو لآدمي كحد قذف أو قصاص لم ينفذ ولم يستوف. وإن حدث الفسق بعد الاستيفاء لم يتأثر به الحكم.(3/441)
25 - إذا ظهر للقاضي فسق الشهود الذين قضى بشهادتهم بعلمه هو، نقض حكمه إذا لم يتهم في قضائه بعلمه، وإن كان بشهادة شاهدين، فإن أسند الفسق إلى وقت الحكم، نقضه القاضي، وإن شهدا مطلقاً لم ينقض الحكم بذلك. وإذا نقض الحكم في الحالين الأوليين رد القضايا والحقوق إلى أهليها، فلو كان الحكم المبني على شهادتهم في طلاق، أو عتق، أو عقد، أو لعان، رده. وإن كان في مال حكم بقضائه. وإن كان في قصاص في نفس أو عضو، كان الضمان على الشهود إن علموا، وإلا فعلى عاقلة القاضي.
26 - إذا شهد عدلان عند القاضي المتولي أن القاضي قبله كان قد حكم بشهادة فاسقين، أحضر القاضي السابق، فإن أنكر كان القول قوله، وإذا ثبت أنه حكم بشهادة فاسقين، أحضر القاضي السابق، فإن أنكر كان القول قوله، وإذا ثبت أنه حكم بشهادة فاسقين نقض حكمه السالف.
27 - إذا أشهد فاسق على شهادته عدلاً لم تصح شهادته على شهادته، وإذا تحمل الفرع العدل شهادة الأصل العدل، ثم طرأ الفسق على الأصل، بطلت شهادة الفرع على شهادته، سواء كان قبل أدائها، أو بعد أدائها وقبل الحكم بها. وإذا تاب قبل أداء الفرع شهادته على شهادته قبلت من الفرع الشهادة. ويصح تحمل الفاسق شهادة الأصل العدل، على أن يؤديها عنه عند عدالته، ولو كان عدلاً عند التحمل ثم طرأ عليه الفسق، منع الحكم بشهادته إلى أن يتوب، ولا يؤثر فسقه على شهادة الأصل.
28 - القذف كبيرة من الكبائر، ومن قال لأخيه: يا فاسق، عزر ولم يحد، ما لم يجر العرف بتخصيصه بالزنا، أو يرد القائل نسبته به إلى الزنا وحد القذف لا يجب بقذف الفاسق بالزنا غير العفيف، أما سائر الفساق فيجب بقذفهم الحد.
29 - شهادة القاذف لا تخلو من أربعة أحوال:
الأولى: أن يشهد قبل الحد والتوبة، فتقبل شهادته ما لم يثبت كذبه.
الثانية: أن يشهد قبل الحد وبعد التوبة فتقبل أيضاً.
الثالثة: أن يشهد بعد الحد وقبل التوبة فلا تقبل شهادته
الرابعة: أن يشهد بعد التوبة والحد فتقبل شهادته.
30 - المحدود في القذف ليس من أهل الولاية ولا الشهادة عند الحنفية، ففسقه مؤبد عندهم لا ترفعه توبته، وهو بمثابة الفاسق قبل التوبة عند الجمهور، إلا في مسألة واحدة وهي صحة حلفه أيمان القسامة كالعدل، وذلك بمني على أنها أيمان لا شهادة، لذلك لا يجيزون توليه القضاء، ولا يصححون لعانه لأن الأيمان فيه شهادات عندهم، ولا يقبلون شهادته، ولا يجيزون نزول الكفار على حكمه إذا حوصروا ... بخلاف الفاسق عندهم، فهو من أهل الولاية والشهادة لكن الأفضل ألا يول القضاء، وألا تقبل شهادته، فإذا ولي القضاء وحكم، أو قبلت شهادته وحكم بها صح.
31 - المحدود في غير القذف تقبل شهادته بعد توبته اتفاقاً، وكذلك شهادة التائب من سائر الذنوب، ما لم يعد شهادته المردودة لفسقه السالف.
32 - تقبل التوبة من جميع المعاصي، إذا كانت خالصة لله تعالى، وأقلع العاصي من الذنب، وندم على ما فات، وعزم على عدم العودة، وكانت توبته قبل الغرغرة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. وإن كان الذنب في حقوق الآدميين رد المظالم إلى أهلها. وإن كانت المعصية قذفاً أكذب نفسه فيما قذف به أخاه. وإن كانت بدعة اعترف بها ورجع عنها، واعتقد ضد ما كان يعتقده من مخالفة السنة، فإن كان داعية إلى بدعته، دعا إلى ضد ما كان يدعو إليه من قبل.
ولا بد بعد هذا من استبراء التائب مدة يصلح فيها العمل، ويتحقق خلالها صدقه في توبته.
33 - لا يؤثر الفسق في القسامة، فتصح أيمانها من الفساق على العدول وعلى أمثالهم الفساق، وتعتبر شهادة الفساق لوثاً موجباً للقسامة، وعن مالك في اعتبار شهادة الفاسق الواحد لوثاً موجباً للقسامة روايتان.(3/442)
وقول الفاسق المقتول في العمد: دمي عند فلان لوث عند المالكية، كما أن القسامة تبطل بتكذيب بعض الورثة بعضاً في تحديد المدّعي عليه، ولو كان المكذب فاسقاً.
34 - إذا أدلى المدعي بشهوده، فإما أن يعرفهم القاضي، وإما ألا يعرفهم، فإن عرفهم بالفسق أو بالعدالة عمل بعلمه. وإذا لم يعرفهم بحث عن عدالتهم، فإن تبين جرحهم وفسقهم، سترهم القاضي وطالب المدعى عليه قبل الحكم، فإن عدلهم قبل تعديله، وإن فسقهم لم يقبل منه إلا ببينة، فإن كانت حاضرة سمعها القاضي منه، وإن كانت غائبة واستمهل القاضي ليأتي بها أمهله، فإن أتى بها، وإلا حكم القاضي عليه بشهود المدعي.
35 - جرح الشهود لا يقبل إلا مفسراً، سواء كان من المزكين أو من المدعى عليه، فلا يكفي أن يقول: هو فاسق، إلا إذا بين سبب فسقه.
هذا أهم ما توصلت إليه خلال هذا البحث، وهو جهد طالب علم يرجو من ربه المزيد من العلم، فما وافق الصواب فمن الله، وما جانبه فمني ومن الشيطان، والفقه الإسلامي منه بريء براءة الذئب من دم ابن يعقوب – عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام -.
وإذ أن المولى سبحانه وتعالى قد أبى العصمة إلا لكتابه، فإني أناشد الله كل قارئ يطلع على زلة أو ملحوظة في هذا العمل أن يبادر بإشعاري – جزاه الله خيراً - وسيجد صدراً رحباً لقبول وجهة نظره.
والله أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه موجباً لرضوانه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/443)
الأرش وأحكامه
Oحسين بن عبدالله العبيدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حدود وعقوبات
الخاتمة:
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وقدوة للناس أجمعين نبينا وإمامنا محمد صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد: فإنني أحمد الله تعالى الذي يسر لي إتمام بحثي وأعانني عليه وهآنذا في آخر البحث أكتب خاتمته التي تتضمن أهم النتائج التي ظهرت لي، ومن ثم أعقبتها بكتابة بعض التوصيات التي أراها، وهذه النتائج على النحو الآتي:
1ـ أن الأرش قسط ما بين الصحة والعيب في المبيع، وما يؤخذ من المال عن الجناية على مادون النفس مما لا قصاص فيه، وليس له عقل معلوم من الشارع وليس الأرش ثابتا بنص من الكتاب أو السنة غير أن الفقهاء متفقون على القول به والعمل بمقتضاه ويشهد لذلك عموم النصوص التي نهت عن أكل أموال الناس بالباطل وحرمت الظلم والإضرار بالناس.
2ـ المرجع في تقويم المعيب لإخراج أرش العيب لأهل الخبرة بذلك المبيع وأنهم إذا اختلفوا في اعتبار الشيء عيبا من عدمه حكم بقول المثبتين للعيب لأن عندهم زيادة علم خفيت على غيرهم.
3ـ أن الأرش لا يحكم به إلا بشروط ويسقط بمسقطات فلا يحكم به إلا إذا توفرت شروطه وانتفت موانعه ومسقطاته.
4ـ أن العيوب متنوعة فمنها الظاهر ومنها الخفي وللعرف اعتبار في تحديد ماهية العيب وكذا أهل الخبرة.
5ـ إن العيب المؤثر هو ما ينقص قيمة المبيع أو عينه نقصانا يفوت به غرض صحيح على المشتري ويغلب على جنس المبيع عدمه فما كان من هذا القبيل فهو عيب بالمعنى الاصطلاحي يعطي للمشتري الحق في الرجوع على البائع لاستدراك ظلامته منه.
6ـ أن الحكم بإمساك المشترك المبيع المعيب وأخذه أرش العيب أو أرش فقد الصفة المشترطة في المبيع أو الحكم برد المبيع المعيب إذا نقص سعره عند المشتري كل ذلك موكول لاجتهاد القاضي ونظره في القضية ويحكم بما يرى أنه المصلحة والأخف ضررا.
7ـ أن المبيع إذا حدث به عيب آخر عند المشتري لزمه إمساكه وأخذ أرش العيب القديم الذي كان عند البائع لأن المبيع خرج عن صفته التي كان عليها عند عقد المبيع وهكذا كل تغير للمبيع عن صفته ما لم يكن المبيع ربويا قد اشتري بجنسه.
8ـ لا يحكم بالأرش في بيع الربويات إذا كان العوضان ربويين ومن جنس واحد لئلا يفضي أخذ الأرش إلى ربا الفضل المحرم.
9ـ كل ما حدث بالمبيع بعد العقد من عيب فهو من ضمان المشتري وإن لم يقبضه ما لم يمنعه البائع من قبضه أو كان المبيع مما يحتاج لحق التوفية، وكذا ما حدث بالمبيع بعد القبض ما لم يكن العيب في المبيع يرجع إلى سبب سابق على العقد بأن وجد سببه عند البائع وحقيقته عند المشتري.
10ـ أن زوال ملك المشتري عن المعيب لا يسقط حقه من الأرش مطلقا ما لم يكن عالما بالعيب فيسقط حقه حينئذ لرضاه بالعيب دلالة.
11ـ أن الحكم بأرش العيب على الفور عرفا من حين يعلم المشتري بالعيب ويسقط بتأخيره ما لم يكن معذورا بهذا التأخير حفظا للحقوق ومراعاة لمصلحة الطرفين ودفعا للضرر عنهما معا.
12ـ أن المبيع المتعدد إذا بيع صفقة واحدة وهو مما يضره التفريق ثم وجد المشتري في بعضه عيبا فله رد الجميع أو إمساك الجميع، وليس له رد المعيب وحده إلا إذا كان المبيع ما لا يضره التفريق فيرد المعيب بقسطه.
13ـ المبيع الذي لا يطلع على عيبه إلا بكسره يجوز للمشتري رده معه أرش الكسر أو يمسكه ويأخذ أرش العيب إذا كان العيب مفسدا لبعض المبيع وكان ذلك المبيع ينتفع به.(3/444)
14ـ ليس الحكم برد المصراة ورد معها عوض اللبن من قبل الحكم بأرش العيب وذلك أن التصرية من باب الغش والتدليس وليست التصرية من قبيل ظهور العيب في المبيع ولذا يرد مشتري المصراة عوض اللبن صاعا من تمر وليس كذلك أرش العيب سواء كانت التصرية في بهيمة الأنعام أم في غيرها.
15ـ أن اشتراط البائع البراءة من العيوب في المبيع لا ينفع البائع لأن هذا نوع من الغرر والجهالة فلا يكون صحيحا.
16ـ هناك عهدة للمبيع عامة فيرجع المشتري على البائع فيما يظهر بالمبيع من عيب فيها وليس فيه عهدة خاصة بالرقيق.
17ـ إذا اختلف المتبايعان في زمن حدوث العيب أو في زوال أحدهما فالقول قول البائع مع يمينه إذا كان العيب يحتمل قوليهما معا.
18ـ يجبر البائع على دفع أرش العيب إذا تعذر رد المبيع ولا يجبر على دفعه إذا تمكن المشتري من رده.
19ـ لا يضمن الراهن تلف الرهن أو تعيبه إذا لم يفرط في حفظه ولم يتعد عليه كما يقبل قول الراهن مع يمينه في زمن حدوث العيب في العيب المرهونة إذا كان العيب يحتمل قول كل من الراهن والمرتهن.
20ـ الغاصب ضامن لما يحدث من عيب أو نقص سواء نقصت قيمته أم لا كما يضمن الغاصب نقص سعر المغصوب بسبب رخص الأسعار أو بسبب التغيير وتحويل المغصوب من حالة إلى حالة أخرى أو بسبب استعماله حتى لو كان النقص بسبب طلب المغصوب منه إزالة ما أحدثه الغاصب.
21ـ يستحق المغصوب منه أرش النقص إذا رد الغاصب العين المغصوبة ولو زال العيب بعد الرد، وهذا بخلاف ما لو زال النقص عن المغصوب قبل رده بحيث رده الغاصب سليما كما كان قبل الغصب.
22ـ إذا اختلف الغاصب والمغصوب منه في زمن حدوث العيب في المغصوب وكان العيب محتملا القدم والحدوث فإنه يقبل قول الغاصب بيمينه تمسكا بالأصل من براء ذمة الغاصب من هذا العيب ما لم يقم خلاف ذلك.
23ـ الشفيع كالمشتري في استحقاق أرش العيب من عدمه وكذا المستأجر إذا اطلع على العيب في العين المؤجرة ما لم يطلع على العيب أثناء مدة الإجارة.
24ـ يضمن المستأجر أرش نقص العين المؤجرة إذا تعيبت بسبب سوء استعماله أو تعدى على العين المؤجرة أو لم يراع شرط المؤجر.
25ـ إذا اختلف المالك والأجير في صفة العمل قبل قول المالك مع يمينه فإذا حلف استحق أرش النقصان وهو ما بين قيمة العين صحيحة ومقطوعة.
26ـ يدخل أرش البكارة في المهر فيجب لمن وطئت بشبهة وهي بكر مهر مثلها من الأبكار.
27ـ من تصرف في حق غيره فأنقصه لزمه ضمان أرش نقصه سواء كان عامدا أم ظانا أنه ملك له ثم تبيين خطأ ظنه لأن هذا في حقوق الآدميين وهي مبنية على المشاحة والضيق.
28ـ من تضرر بسبب تصرف جهة عامة فإنه يستحق أرش النقصان كمن تضرر بسبب فرد دفعا للضرر عنه فلا ضرر ولا ضرار.
29ـ يحكم بأرش النقص على من اعتدى على حق من حقوق المسلمين العامة ومرافقهم التي ينتفعون بها ويكون إمام المسلمين هو القائم مقامهم فيطالب المعتدي بالأرش وتكون الجهة المعتدى على حقها مثله في المطالبة وذلك لأن هذا حق عام للمسلمين ويكون الوالي مطالبا وقائما مقام عامة المسلمين وله أن يفوض من يشاء في هذا الأمر.
30ـ من تسبب في حادث سيارة فإنه مطالب بضمان أرش نقصها عن قيمتها لصاحبها فيضمن ما نقصت تلك السيارة بسببه دفعا للضرر عن صاحبها.
31ـ الأصل في الجراح الحكومة إلا ما وقتت السنة فيه شيئا معلوما.
32ـ أن الأرش الواجب في الجناية يستخرج عن طريق الحكومة التي يحكم بها القاضي ونحوه فهو تي يقدر الواجب ويستعين القاضي وغيره بأهل الخبرة من الأطباء وغيرهم.(3/445)
33ـ أن طريقة تقدير الحكومة في الجنايات غير المقدرة يتم عن طريق معرفة ما ألحقت الجناية بالمجني عليه ولا يعمل بالحكومة إلا إذا برأ واستقرت حاله وأمنت سرايته ولا تبلغ الحكومة الدية المقدرة فيما إذا كانت الجناية على عضو فيه مقدر ووجبت الحكومة.
34ـ يعمل بالحكومة في الشجاج غير المقدرة وطريقة ذلك: أن يعرف مقدار تلك الشجة من أدنى الشجاج المقدرة ويجب بقدر نسبتها.
35ـ الأصح أن في الضلع والترقوة والذراع والعضد والساق عقلا مقدرا من الشارع لصحة النقل في هذا الشأن فإذا وقعت الجناية على واحد من هذه العظام حكم بواجبه.
36ـ يجوز للمجني عليه أن يستوفي ما أمكن من محل الجناية ويأخذ أرشا عما لم يتمكن من استيفائه على وجه الكمال فلا يستحق الجمع بين القصاص وأخذ الأرش.
37ـ تثبت الحكومة في إبانة العضو ولو ثبت في مكانه والتحم سواء كان فيه عقل مقدر أم لا، تعويضا للمجني عليه عما لحقه من الشين والنقص.
38ـ تجب الحكومة في الجنايات التي لم يقدر لها الشارع عقلا أما ما أوجب الشارع فيه عقلا مقدرا فيجب فيه المقدر إلا إذا لم يتحقق موجبه فيجب بقسط الذاهب من ديته إن كان النقص معلوما وإلا وجبت الحكومة عند تعذر معرفة النقص.
39ـ تجب الحكومة في الجناية ولو لم تترك أثرا بعد البرء والاندمال ولا تذهب الجناية هدرا، كما تجب إذا برأ العضو المجني عليه مشوها أو ناقصا معيبا.
40ـ كل عضو ذهب نفعه ففي إتلافه أو بعضه حكومة ولو كانت صورته باقية وكذا لو وقعت الجناية على عضو زائد في الإنسان.
41ـ كل جناية تفوت جمال العضو بدون نفعه ففيها حكومة.
42ـ إذا وقعت الجناية على عضو ناقص فيحط من ديته بمقدار الناقص أما إن لم يكن فيه مقدر ففيه حكومة.
43ـ يجب أرش البكارة على من أزالها بغير الوطء وهو التفاوت بين كون المرأة بكرا وثيبا، ولا يسقط هذا الأرش لو رجع الجاني عن اعترافه لتعلق ذلك الإقرار بحق آدمي.
44ـ تجب الحكومة في الجناية على الأعضاء الباطنية في الإنسان نظرا لعدم ورود التقدير فيها وليست نظيرا لما وقتت ديته.
45ـ لا تجب دية المنفعة في الإنسان إذا ذهبت على وجه الدوام ولا يرجى عودها بقول أهل الخبرة في هذا أما إذا نقصت المنفعة التي قدر الشارع لها دية وتقديره فتجب فيه حكومة عن طريق اجتهاد القاضي ومعرفته حسب تقرير أهل الخبرة في هذا.
46ـ تجب الحكومة في الجناية التي تذهب لبن المرأة من ثدييها وكذا لو وقعت الجناية على ثندؤتي الرجل أو إحداهما.
47ـ يعمل بالآلات الطبية الحديثة لتحديد مقدار نقص السمع أو البصر وغيرهما من المنافع ويكون ذلك من قبل الأطباء المختصين الموثوق بهم وهذا أولى من العمل بالصور التي ذكرها الفقهاء الأوائل رحمهم الله تعالى ولا محذور في هذا بل هو من المصالح التي فيها نفع للناس وحفظ لحقوقهم.
48ـ الأصل في أعضاء الصغير ومنافعه السلامة فيجب بالجناية عليها ما يجب بالجناية على أعضاء الكبير ومنافعه إلا إذا وجد ما يعارض هذا
الأصل ويناقضه فيحكم فيه.
49ـ تتعدد الأروش بتعدد محل الجناية بخلاف ما إذا كان العضو المجني عليه واحدا ذا أجزاء فتجب فيه ديته فقط إذا كان ذلك بجناية واحدة وإلا وجب لكل جناية واجبها.
50ـ إذا وقعت الجناية على عضو تجب الدية ببعضه وزادت إلى محل آخر وجبت دية العضو وحكومة لما زاد ولا يتداخلان.
51ـ يختلف أرش الرجل الحر عن المرأة الحرة، كما يختلف أرش الرقيق والأمة عن الأحرار، والكفار عن المسلمين وذلك نظرا لاختلاف دياتهم والأرش يؤخذ بالنسبة من الدية فإذا اختلفت الدية اختلف الأرش تبعا.(3/446)
52ـ تحمل العاقلة أرش الجناية خطأ إذا بلغ ثلث دية النفس فأكثر وتدفعه أثلاثا فإن كان الأرش الواجب ثلث الدية وجب في سنة وإن كان ثلثي الدية ففي سنتين وهكذا فإن لم يكن للجاني عاقلة أو كان له وتعذر الأخذ منها فإن أرش الجناية يتحمله بيت مال المسلمين فإن لم يمكن الأخذ من بيت المال وجب الأرش في ذمة الجاني ولا يسقط فيبقى دينا حتى يتمكن الجاني من الوفاء به وذلك لأن أرش الجناية حق وجب لآدمي فلا يقسط إلا بالوفاء به أو العفو عنه ممن هو له لأن حقوق الآدميين مبنية على المشاحة والشدة والضيق.
53ـ قد يحكم للمجني عليه بالتعويض من جراء الجناية التي أصابته وألحقت به قد يحكم فادحة ترتب عليها تعطل المجني عليه عن الاكتساب وأقعدته عن العمل فلا بد من مراعاة هذا عند فرض الاستحقاق للمجني عليه فلا يسوى بين جناية طفيفة وأخرى أحدثت أضرارا بالغة نظرا لاختلاف جنايتهما وتفاوتهما.
هذه أهم النتائج وأبرزها التي ظهرت لي من هذا البحث ـ وهي جهد المقل ـ فإن أصبت فمن الله وحده وله الحمد والمنة، وإن أخطأت فأستغفر الله منه وأتوب إليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ولكنه طبع البشر فكلنا نخطئ والعصمة لمن عصمه الله، ولكن حسبي أني اجتهدت وبذلت وسعي وطاقتي في كتابة هذا البحث بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعله بحثا نافعا لمن كتبه وقرأه وأن يجزل لنا الأجر والمثوبة وأن يعفو ويصفح عما حصل فيه من خطأ فقد ينبو الفهم ويزل القلم ويسق اللسان ولكن أملي في الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل.
وقبل أن أختم هذا البحث أود أن أذكر بعض التوصيات التي رأيت أنها من الأهمية بمكان حتى تدرس أكثر وتعطى حقها من الدراسة والبحث وأهم هذه الأشياء ما يلي:
1ـ النظر في مسألة استحقاق المشتري رد المعيب وأخذ ثمنه إذا أراد الرد بعد انخفاض سعر المعيب انخفاضا كثيرا لاسيما ونحن في زمن ارتبطت فيه المبيعات بالأسواق العالمية، وكثير نزول الأسعار في بعض السلع نزولا كثيرا مما يتطلب دراسة هذا الموضوع لإصدار حكم في هذا الشأن.
2ـ تعويض صاحب السيارة التي تضررت من جراء حادث فبقيت مدة للإصلاح إذا كان الصادم متعمدا أو مخطأ ويتحمل نتيجة الحادث، لاسيما إذا كانت السيارة أجرة وتعطل صاحبها عن الاكتساب.
3ـ النظر في كيفية تقدير الحكومة في الجنايات، في وقتنا الحاضر غير ما ذكره الفقهاء رحمهم الله تعالى مما كان سائدا في زمانهم من تقدير المجني عليه كأنه رقيق فهذه الطريقة لا تناسب الآن فلا بد من دراسة هذا الموضوع والنظر في كيفية أخرى تناسب الحال، لاسيما أن ما ذكره الفقهاء ليس ثابتا بنص لا يجوز تجاوزه بل هو اجتهاد منهم رحمهم الله فليجتهد في بحث هذه الجزئية والنظر فيها من طلاب العلم والقضاة.
4ـ دراسة حكم الجناية على أعضاء الإنسان الباطنية كالكبد والطحال والأمعاء أو الكلية أو إضعاف القلب والتأثير عليه ولا يخفى على أحد أهمية هذه الأعضاء وأنها جديرة بالعناية والبحث وذلك أني لم أجد ـ فيما أعلم ـ من تطرق إليها بالبحث والدراسة ولا ريب في أهمية دراسة هذه المسألة ليوقف عليها بحكم شرعي لاسيما مع كثرة الحوادث التي من شأنها التأثير على هذه الأعضاء وتقدم الطلب وكثرة المستشفيات التي تعالج المصاب في شيء من هذه الأعضاء ليبقى على قيد الحياة ـ بإذن الله تعالى ـ لكن مع تأثير بهذه الجناية.
5ـ النظر في مدى مسؤولية الجاني عما يحدث للمجني عليه من التعطل عن الاكتساب وما يلزم لنفقات العلاج بسبب الجناية ودخولها في الأرش وقد حرصت غاية الحرص وبذلت جهدي في بحث هذه المسألة وسألت أهل العلم والاختصاص من القضاة والمشايخ وقرأت عنها وما كتب فيها وسطرت خلاصة رأيي فيها وما وجدته عن هذه المسألة المهمة ولا زلت أرى أنها بحاجة للخدمة والعناية سواء من القضاة أم الباحثين أم غيرهم لاسيما مع كثرة الحوادث المقعدة عن العمل وما يتطلبه العلاج في الداخل أو الخارج من المنفقات والمصاريف.
هذا ما ظهر لي من توصيات أحببت إبرازها للقراء عامة وللمشايخ خاصة ليدلوا بآرائهم ويعملوا أفكارهم لدراسة هذه المسائل بعناية، فهآنذا وضعت هذه المسائل أمامكم وأبديت فيها رأيي وما ظهر لي فيها أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا لما يحبه ويرضاه وأن يجنبنا ما يسخطه ويأباه وأن يعفو عن سيئاتنا وزلاتنا وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده وخليله وأمينه على وحيه محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه والتابعين والحمد لله أولا وآخرا الذي بنعمته تتم الصالحات.(3/447)
الأسهم المختلطة - أسهم الشركات التي لغرض مباح ولكنها تتعامل بالمحرم أحيانا
Oصالح بن مقبل العصيمي التميمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار التدمرية - الرياض
الطبعة:
الثالثة
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
شركات
الخاتمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد:
فإن على المسلم أن يتقي الله ويخافه ويجتنب غضبه وسخطه وأن يحرص كل الحرص على اجتناب المحرمات وعليه أن يعلم أن الذنوب والمعاصي متنوعة ما بين كبائر وصغائر وأن هناك ذنوبا لا أثر لها على صحة عبادة المسلم وأن هناك ذنوبا لها أثر عليها ومنها المال الحرام حيث يظل ملازما للمؤمن في جميع شؤونه من مأكل ومشرب مركب وملبس. فعندما يسافر لطاعة من الطاعات فإن مركبه حرام وملبسه حرام ولذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ... الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يقول: يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك "
فأنت تلحظ هنا أن الرجل يسافر سفر الطاعات ويبذل الجهد بالدعاء ولكن دعاءه مردود عليه لأن المال الحرام قد أحاط به من كل جانب فأثر المال الحرام شديد فقد يقع الإنسان في معصية من المعاصي فلا تؤثر على صحة صلاته ولا على صحة حجه بعكس المال الحرام الذي قد يؤثر على كمال الحج أو صحته وكذاك الصلاة وغيرها فأثره على جيمع أفعال العبد، ولذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم صاحبه كعب بن عجرة حيث قال: يا كعب بن عجرة " إنه لا يربو لحم نبت من سحت إلا كانت النار أولى به "
فعلى المسلم أن يتقي الله في نفسه وفي أولاده. وليتحر المال الحلال والكسب الحلال، وليعلم بأن في الحلال غنية عن الحرام وفي الواضحات الجليات مندوحة عن المشتبهات والمحرمات وعليه أن يستبرئ لدينه وأن يمحص ويدقق ولا يكون كما وصفه النبي صلى الله عليه وسلم يتخبط بالأموال كما تتخبط البهائم في الربيع عندما أغراها رونقه وخضرته فأكلت منه بنهم دون أن تميز بين صالحه وطالحه أو تقتني بلا حذر فأهلكها. وكذا صاحب المال الحرام يتخبط به حتى يهلك ()
فكيف يرضى عاقل بأن يكون كالبهائم؟
ولقد حذر صلى الله عليه وسلم أمته مما سيحدث حيث قال " ليأتين على الناس زمان لا يبالي المرء بما أخذ المال أمن حلال أم من حرام " ()
وهذا التنبيه من النبي صلى الله عليه وسلم لم يلتفت إليه كثير من الناس حيث تجد الكثير منهم يتخبط في الأسهم أملا بالكسب السريع وتجده في كل يوم يحل لنفسه أسهما كان بالأمس يحرمها وقد لا يتحرج في شراء وبيع أسهم كان بالأمس لديه من الخوف والديانة ما يمنعه منها وتلك وربي مصيبة عظمى ورزية كبرى فالحذر الحذر من الوقوع في المهلكات واكتساب المحرمات والدخول في المساهمات المحرمة وعدم التثبت وعدم التدقيق والمؤمن مطالب بأن يتحرى لماله المجال المباح والاستثمار الذي لا تشوبه شائبة ولا تحيط به شبهة حتى يستبرئ لدينه وعرضه.
تم هذا البحث بحمد الله وتوفيقه في عصر يوم الجمعة 7/ 9/ 1427هـ في مدينة الرياض ولله الحمد والفضل والشكر وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(3/448)
الأسهم المختلطة - حكم تداول أسهم الشركات المتعاملة ببعض المعاملات غير المشروعة
Oإبراهيم السكران
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
وهج الحياة للإعلام - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع منهي عنها
النتائج
توصلنا في ختام هذا البحث إلى بعض النتائج المهمة:
1 - أنه لا يمكن الجزم بنقاء الشركات المدرجة في القوائم النقية طبقاً للمعهود المستفيض من تعاملاتها وعقودها، وأن أدق التفسيرات – والله أعلم – أن كافة الشركات المساهمة اليوم هي شركات مختلطة أصلاً لا تختلف في أصل وجود الاختلاط وعدمه، وإنما تختلف في نسبة المخالط بين (مخالط مغمور) و (مخالط غالب).
2 - أن الشركات المختلطة إذا غلبت عليها التصرفات غير الشرعية في إدارة تمويلاتها واستثماراتها فإنه يحرم المشاركة فيها، أما إذا كانت التصرفات غير الشرعية يسيرة تابعة بالنسبة لأصل نشاط الشركة المباح فإنه تجوز المشاركة فيها، وهو اختيار الفقيه الشيخ ابن عثيمين وابن منيع وغيرهم من المحققين.
3 - إن إصدار القوائم النقية والجزم بنقاء الشركة بناء على آخر قائمة مالية كالربع سنوية مثلاً يعتبر معياراً تحكمياً بلا دليل، حيث يتضمن (تحكماً زمنياً) في تعيين المدة الشرعية لنقاء الأموال فجعلوها تطيب بمضي ثلاثة أشهر وتخبث بمثل ذلك! كما يتضمن (تحكماً موضوعياً) في تحديد التصرفات الخاضعة للفحص الشرعي، حيث لا يفحص في القوائم النقية إلا القروض والإيداعات الربوية فقط، ويتم التعامي عن كثير من العقود الأخرى غير المشروعة.
4 - العلاقة بأصحاب الأموال والتصرفات المختلطة حصل فيها الخلط بين ثلاثة مراتب متفاوتة الأحكام والآثار ودرجة الاختلاف الفقهي، وهي: مرتبة عموم المعاملة، ومرتبة المشاركة بالحصة، ومرتبة المشاركة بالتصرف.
5 - تحقيق مرتبة عموم المعاملة عائد إلى قاعدة (المحرم لعينه والمحرم لكسبه) فالمحرم لعينه هو المال المحرم لوصف يتعلق بذات المال كالخمر والميتة ولحم الخنزير والتبغ ونحوها من الأعيان الفاسدة فلا يباح حتى تطيب عينه. أما المحرم لكسبه فهو المال المحرم لوصف يتعلق بفعل المالك، مثل الربا والقمار والرشوة والمكوس والغلول وحلوان الكاهن ومهر البغي وهدايا العمال ونحوها من الأثمان المأخوذة بعقود فاسدة، فيباح للغير إذا انتقل إليه بعقد شرعي صحيح.
6 - تباح عموم معاملة صاحب الأموال والتصرفات المختلطة بلا تفريق في نسبة المحرم في أمواله وتصرفاته هل هو حلال غالب أم حرام غالب؟ ذلك أنه من المعلوم بالضرورة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وعامة أصحابه أنهم عاملوا اليهود والنصارى والمجوس والمشركين والمنافقين ممن ليسو مقتصرين على التهوك في الربا إقراضاً واقتراضاً فقط، بل لا يلتزمون بكافة ضوابط الشريعة في المعاملات والعقود أصلاً، وقد عاملهم النبي وأصحابه دون تفريق في نسبة المحرم إلى عموم أموالهم وتصرفاتهم.
7 - التفريق في الشركات المختلطة بحيث يجوز العمل فيها وتحرم المشاركة في أسهمها لأنه إعانة لها على أكل الحرام يعتبر تفريقاً متناقضاً بلا فارق مؤثر معتبر، ذلك أن مطلق المعاملة يتضمن معنى المعاونة أيضاً، بل إن بعض صور المعاوضة أشد إعانة من المشاركة، فالإداري وموظف الأمن والمحامي والمحاسب أشد إعانة وإنجاحاً للشركة من المساهم المضارب.
8 - لو كانت معاملة ومشاركة أصحاب الأموال والتصرفات المختلطة محرمة أو غير مشروعة، لكان أول من يتنزه عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث نجده قد شارك يهود خيبر في إنشاء شركة زراعية ولاهم التصرف فيها.
9 - لو كان يجوز المشاركة مع الشريك الكتابي حتى ولو تعامل بالأموال المحرمة لأنه يستبيحها ويتأولها، بينما لا يجوز المشاركة مع الشريك المسلم المتعامل بيسير الأموال المحرمة لأنها محرمة عليه، لآل الأمر إلى أنه لا يجوز المساهمة إلا في الشركات الأجنبية التي يملكها غير المسلمين، أما شركات المسلمين فلا يجوز المساهمة فيها، وبالتالي تنمية الشركات الأجنبية وانهيار شركات المسلمين!
10 - أن الأصل في النيابة أن تسري تبعة التصرفات إلى المنوب عنه. إلا إذا شاب النيابة مانع ترتب عليه تخلف آثار النيابة التقليدية، والمتحصل في طبيعة المساهم قيام المانع وهو أن الأنظمة السارية التي سنها ولي الأمر منحت مجلس الإدارة صلاحيات التصرف وسلبت المساهم بصورته الفردية منها.
11 - عوائد السهم ليست انعكاساً تاماً للتمويلات والاستثمارات اليسيرة المحظورة، بل هي خاضعة لحزمة واسعة من العوامل الاقتصادية، وبالتالي فإن التمويلات وفوائد الإيداعات المحظورة ليست المؤثر الوحيد على القيمة السوقية لأسهم الشركة.
12 - أن القول بجواز المساهمة في الشركات المختلطة ليس من باب الصواب المقابل للباطل، وإنما من باب الترجيح والموازنة بين أدلة الجواز وأدلة التحريم ذلك أن كلا القولين فيهما وجاهة وقوة لا تخفى.
والله تعالى أعلم بالصواب،،(3/449)
الأسهم حكمها وآثارها
Oصالح بن محمد بن سليمان السلطان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
شركات
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تسمو النفوس الطيبات، أحمده على إتمام هذا البحث، وأشكره على سائر النعم المتتاليات، وأصلي وأسلم على معلم البشرية ومزكيها ومبين الحلال من الحرام، المحذر من الوقوع في المشتبهات، فضلاً عن اقترافات المحرمات. وبعد:
فإن الأسهم من أدق المعاملات وأكثرها شيوعاً وأخطرها تداولاً وأشدها ارتفاعاً وهبوطاً، والناس في معرفة أحكامها وتعلمها في تفاوت بين، فمنهم العارف كثير السؤال تورعاً عن الوقوع في الحرام وبعداً عن المتشابه، ومنهم المقصر في ذلك هم درجات، فمنهم الجاهل بأحكامها ومنها المتأول –