وأما الشافعية فقد قالوا أن السكر يزيل العقل ويمنع التكليف غير أن السكران إذا كان عاصيا في سكره صار كالصاحي في جريان الأحكام عليه.
الباب الرابع
(الأشربة الحديثة المسكرة والمخدرات والدخان)
وقد توصلت فيه إلى النتائج التالية:
أ- أن العبرة في الأشربة المسكرة في مسمياتها لا في أسمائها وبالتالي فليسم القوم ما شاؤوا من الأسماء، فالحقيقة – التي تقول أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام، ونقول أن ما أسكر كثيره فقليله حرام – ثابتة لا تتغير إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وقد صدق الله سبحانه حيث يقول {إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ وَلَقَدْ جَاءهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَى}.
ب- أن المخدرات بجميع أنواعها محرمة، قليلها وكثيرها في الحرمة سواء لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن كل مسكر ومفتر) ولقوله صلى الله عليه وسلم (ألا إن كل مسكر حرام، وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره حرم قليله وما خمر العقل فهو حرام).
ج- أن آراء الفقهاء قد اختلفت في إصدار حكم على الدخان من حيث الحل والحرمة وأنني رجحت القول بكراهته كراهة تحريمه، والله أعلم.
وبعد.
وأن الندوات والمؤتمرات والجمعيات التي تقيمها الدول للقضاء على المسكرات والمخدرات بعد أن ذاقت من أمرها الأمرين – فسادا في الدين والأخلاق والاقتصاد والسياسة والاجتماع – ستبقى جهدا ضائعا ليس له نصيب من النجاح لأن النجاح والفلاح لا يكون إلا في اتباع شريعة الله عقيدة ومنهاجا ونظام حياة.
{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}.
وختاما:
فأنني أسأل الله أن يوفقنا لصالح الأقوال والأعمال وأن يجنبنا الزلل وفحش الكلام، وأن يهيئ لنا من أمرنا رشدا، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
{رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ}.
{رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاَةِ وَمِن ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ}.
{وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
وصلى الله على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.(3/452)
الأطعمة وأحكام الصيد والذبائح
Oصالح بن فوزان الفوزان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة المعارف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1408هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أطعمة وأشربة
الخاتمة
في بيان سماحة الإسلام وحفاظه على سلامة الإنسان من خلال ما مر في هذه المباحث
المؤمن قد أغناه الله بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه فما حرم عليه شيئاً من الخبائث إلا وقد أباح له من الطيبات ما هو أضعاف أضعافه.
ونحن بعد هذه الجولة السريعة لاستعراض حكم الإسلام في الأطعمة وهو الدين الذي اختاره الله للبشرية بأجمعها ما بقيت الدنيا لتعيش في ظلاله وتنعم في هدية وتستضيء بنوره في جميع مجالات الحياة نلمس من خلال ما مررنا به من مباحث الأطعمة أن منهج الإسلام في هذا المجال كمنهجه في جميع المجالات منهج السماحة والحفاظ على سلامة الأرواح والأبدان والعقول فيبيح الطيبات من الأطعمة النافعة للأبدان والعقول ويحرم الخبائث الضارة للأبدان والعقول:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً} {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاء بِنَاء وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} فهذه الآيات وأمثالها توضح منهج الإسلام فيما يحل ويحرم من الأطعمة – فالأصل في الطيبات الحل وإنما حرم على اليهود بعض الطيبات عقوبة لهم على ظلمهم {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ}.
فالله خلق هذه الطيبات من الرزق لنفع الخلق وأوصى باستعمالها والانتفاع بها على وجه تتحقق به المصلحة وتندفع به المفسدة من غير مجاوزة لهذا الحد {وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}. {وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا}. {وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا}.
وهكذا ترسم هذه الآيات الكريمات المنهج القويم في الأكل والشرب والإنفاق من الطيبات. وهو منهج وسط بين البخل والإسراف وإذا كان الله في هذا المنهج قد أباح الطيبات من الأطعمة وحرم الخبائث – فهو ينهي أشد النهي عن تجاوز هذا المنهج ومخالفته بتحليل ما حرم أو تحريم ما أحل فيقول سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ}. {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِيَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}. {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}. {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.(3/453)
وذلك أن التحليل والتحريم حق لله – فمن حلل وحرم فقد جعل نفسه شريكاً لله في هذا الحق – ومن عاب الله على اليهود والنصارى طاعتهم لأحبارهم ورهبانهم في تحليل ما حرم وتحريم ما أحله وأخبر أنهم بهذه الطاعة قد اتخذوهم أرباباً من دون الله حيث يقول سبحانه {اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ}.
كما عاب على أهل الجاهلية الذين استباحوا الميتة التي حرمها الله وحرموا أنواعاً من بهيمة الأنعام التي أباحها الله تقليداً لآبائهم وأتباعاً لأهوائهم حيث يقول سبحانه {مَا جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ}.
روى البخاري في صحيحه عن سعيد بن المسيب قال: (البجيرة التي يمنع درها للطواغيت فلا يحلبها أحد من الناس والسائبة: كانوا يسيبونها لألهتهم فلا يحمل عليها شيء ... والوصيلة: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثنى بعد بأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر. والحام: فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي) أ. هـ.
"وهذه أمور كانت في الجاهلية فأبطلها الإسلام .. كانوا يحرمون من أنعامهم على أنفسهم ما لم يحرمه الله اتباعاً منهم لخطوات الشيطان فوبخهم الله تعالى ذكره بذلك وأخبرهم أن كل ذلك حلال فالحرام من كل شيء عندنا ما حرم الله تعالى ذكره ورسوله صلى الله عليه وسلم. والحلال منه ما حلله الله ورسوله كذلك" وتشريع الجاهلية في كل زمان ومكان في هذا وفي غيره تشريع ينبني على اتباع الهوى والتقليد الأعمى ويبتعد كل الابتعاد عن الوحي المنزل: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ} إنه منطق الجاهلية الذي لا يزال متوارثاً إلى اليوم فتعاني منه البشرية الضيق والحرج والتوغل في متاهات الضلال ما لم تثب إلى رشدها وترجع إلى شريعة ربها.
وقد طلب الله من عباده أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم وأن يشكروه على ذلك ليزيدهم من الطيبات: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} وشكرها يكون باعتراف القلب أنها من الله وحده. وبالتحدث بذلك باللسان وبالاستعانة بها على طاعة الله – هذه أركان الشكر التي لا يتحقق إلا بوجودها جميعاً وإذا تحقق الشكر انتقى الأشر والبطر وصارت هذه الأطعمة قواماً للحياة السعيدة وعوناً على عمارة هذا الكون العمارة اللائقة، وإذا لم يتحقق الشكر صارت هذه النعم استدراجاً للخلق حتى يحيق بهم الهلاك والدمار {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ}.(3/454)
هكذا يرسم لنا الإسلام طريق الاستفادة من هذه النعم ويوضح لنا معالم الحلال والحرام في الأطعمة ويحذرنا من طريقي الإفراط والتفريط فيها اللذين قد سلك كل طريق منهما طائفة من ضلال البشر وبين لنا أنه لم يحرم علينا شيئاً إلا لأنه ضار خبيث فهو حرم الميتة لأنها مستقذرة تعافها النفوس وكذلك هي ضارة لما فيها من انحباس الرطوبات والدم المتعفن الذي لا يخرج إلا بالتذكية الشرعية وحرم علينا الدم المسفوح لما يشتمل عليه من الميكروبات الضارة والمواد المتعفنة وهو يغذي تغذية خبيثة تخرج المتغذي به عن طبيعة الاعتدال.
وحرم علينا لحم الخنزير ذلك الحيوان القذر الخبيث الذي ينبت لحمه في الغالب من القاذورات والأنجاس التي يتغذى بها – كما ينشأ عن التغذي به الإصابة بالأمراض الخطرة لما في لحمه من أسباب المرض التي يثبتها الطب وتدل عليها التجربة وقال الله تعالى عنه: (فإنه رجس) أي نجس فهو نجس العين خبيث المطعم.
وحرم الله ما أهل به لغير الله مما ذبح للأصنام من الأحجار والأشجار والقبور تقرباً إليها أو ذبح للأكل وذكر عليه غير اسمه وسماه فسقاً: (أو فسقاً أهل لغير الله به) وقال (ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق) أي معصية والفسق الخروج عن طاعة الله وذلك يؤثر في الذبيحة خبثاً ينتشر أثره على الأكل فيؤثر في سلوكه وأخلاقه.
وحرم لحوم السباع من الطير والبهائم لأن أكلها يكسب الأكل أخلاقاً عدوانية كأخلاق تلك السباع فتستحيل طباع البشر إلى طباع سباع ضارية شأنها الفتك والعدوان والظلم.
وبالجملة حرم الله كل خبيث من حيوان أو نبات {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ} وحرم كل ضار بالبدن أو العقل: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}. {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وأباح كل ما هو مفيد لا ضرر فيه من الحيوانات والنباتات {كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً}.
إننا من خلال هذا كله نلمس كمال هدي الإسلام ومنهجه في الأطعمة كما هو شأنه في جميع مجالات الحياة مما جعله دينا قيماً صالحاً لكل زمان ومكان يتسع لدخول البشرية كلها فيه في أي وقت وفي أية بقعة.
إنه الدين الذي اختاره الله خاتماً لشرائعه السماوية يحمل كل مقومات البشرية ويسعى بها دائماً نحو الصلاح والفلاح: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا وأَنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}.
ثم إن الإسلام يحسب للضروريات حسابها ويشرع لها أحكاماً مناسبة فيقول الباري جل وعلا بعد أن يذكر تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} ويقول: {إِلاَّ مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ}.
ويقول: {فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} فيبيح سبحانه للمضطر من المحرم قدر ما يرفع ضرورته – فالإسلام يساير الإنسان في جميع أحواله في العسر واليسر في السراء والضراء في السعة والضيق: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ}. {يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.
فهو الدين الصالح لكل زمان ومكان ولكل حال من الأحوال لأنه تشريع من حكيم حميد يعلم ما يصلح للبشر. ثم هو تشريع من غفور رحيم يريد أن يخفف عن عباده ولا يريد أن يعنتهم.(3/455)
ثم هو مع هذا يريد من عباده أن يترفعوا عن الخبائث ولو جاءت من طريق غير مباشر فنهاهم عن أكل لحوم الجلالة التي تتغذى بالنجاسة ويقاس عليه لحم ما يأكل الجيف. وحرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام ونهي عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن والسنور وقال إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه فلما كانت هذه المكاسب أثمان أعيان خبيثة محرمة أو في مقابل فعل محرم كانت مكاسب خبيثة لا يجوز التغذي بها ولا الانتفاع بأثمانها ترفعاً بالمسلمين عن المطاعم الخبيثة مما يدل دلالة واضحة على عناية الإسلام بأمر التغذية وحثه على أن تكون من مادة طيبة لأن أكل الحلال له تأثير حسن على القلب وتأثير على السلوك – والمادة الخبيثة تغذي تغذية خبيثة تؤثر على القلوب والطباع وتحجب العبد عن ربه فلا يستجاب له دعاء.
كذلك ينهي الإسلام عن كل طعام يضر بالجسم أو بالعقل أو يقتل فيحرم السموم والمخدرات يقول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا}.
كذلك ينهى الإسلام عن كل طعام يضر بالجسم أو بالعقل أو يقتل فيحرم السموم والمخدرات يقول الله سبحانه: {وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوج بها في بطنه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً ومن شرب سماً فقتل نفسه فهو يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) وكذلك كل مادة تضر يحرم أكلها كالزجاج والتراب والحجر – وكذلك يحرم الإسلام أكل النجس كالميتة ولبن الأتان والبول وأكل المتنجس كاللبن والخل والدبس والطبيخ والدهن ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم (سئل عن فأرة وقعت في سمن فماتت فقال ألقوها وما حولها وكلوا سمنكم) وفي رواية سئل عن الفأرة تقع في السمن فقال إن كان جامداً فألقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه).
هذا ويجعل بنا أن نختم بحثنا هذا بوصية الله للمؤمنين في هذا الموضوع حيث يقول سبحانه {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحَرِّمُواْ طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللهُ لَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلاَلاً طَيِّبًا وَاتَّقُواْ اللهَ الَّذِيَ أَنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ} وصدق الله العظيم.
وصلى الله وسلم على نبيه الكريم محمد وآله وصحبه أجمعين.(3/456)
الأعياد المحدثة وموقف الإسلام منها
Oعبدالله بن سليمان آل مهنا
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار التوحيد- الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1431هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أعياد مبتدعة
الخاتمة:
الحمد لله أن أتم علي نعمه، ويسر لي إكمال هذه الرسالة، وأسأله تعالى كما أتم علينا نعمه في الدنيا، أن يتمها علينا وعلى والدينا وأزواجنا وذرياتنا ومشايخنا وإخواننا في الآخرة، وبعد:
فبعد هذا المشوار الطويل، والوقت الذي قضيته مع العلم والعلماء والكتب، يسرني أن أختم هذه الرسالة بهذا الموجز المختصر:
أولاً: التمهيد، تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
1 - أن العيد له شأن عظيم في الإسلام، وأن الأعياد من جملة الشعائر والمناسك التي يجب فيها الاتباع، ويحرم فيها الابتداع.
2 - أن الأعياد زمانية ومكانية، وأن الشارع الحكيم يحتاط أتم الاحتياط لمسألة المشاركة أو المشابهة للكفار فيها.
3 - أن الأعياد الإسلامية أعياد تُنمِّي الإيمان، وتُعلِّق الإنسان بالله تعالى، خلافاً لأعياد الكفار.
4 - أن الشريعة الإسلامية تمنع أشد المنع من التشبه بالكفار في الأعياد وغيرها، يدل لذلك آيات عظيمة وأحاديث محكمة، أبدع العلماء في تفسيرها وبيانها.
ثانياً: الباب الأول، وقد تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
1 - أن للكفار أعياداً كثيرة متنوعة الأسباب، لكن أغلبها له ارتباط ديني، ويكفي المسلم أن يعلم أهمها لديهم، وبعضاً من شعائرها.
2 - أن هناك قواسم مشتركة بين أعياد أهل الملل، كالاهتمام بالنيران والأضواء، وتقديس بعض المأكولات والمشروبات، ونحو ذلك.
3 - أن أعياد الكفار تكون بالحساب الشمسي لا القمري.
4 - أن أعياد الكفار في جملتها لا تخلو من الفسق كشرب الخمور، والانحراف الأخلاقي.
5 - أن أعياد الكفار في جملتها تعتمد على أساطير وخرافات تاريخية؛ لا مستند لها حقيقي.
ثالثاً: الباب الثاني، وقد تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
1 - أنه سرى في المسلمين كثير من الأعياد البدعية الزمانية والمكانية.
2 - أن من أسباب ذلك ظهور دول تقوم على مبادئ ضالة، نشرت تلك الأعياد البدعية.
3 - أن دولة بني بويه ودولة العبيدين - وكلاهما تظهر الرفض - هما السبب الرئيس في انتشار تلك الأعياد المحدثة في المسلمين.
4 - أن من أسباب رواج تلك الأعياد البدعية: وجود الجهل، وسكوت العلماء خوفاً من سلاطين تلك الدول البدعية.
5 - أن الأعياد المكانية البدعية أخطر على المسلمين من الأعياد البدعية الزمانية؛ لأن تعظيم المكان المحسوس الذي له جرم أدعى من تعظيم الزمان المعنوي.
6 - أن الغلو في الأنبياء والصالحين من أعظم أسباب وجود الأعياد المحدثة.
7 - أنه دخل على المسلمين – بسبب مجاورة الكفار والانفتاح عليهم – من شعائر أعياد الكفار شيء كثير؛ بل شاركوهم في أعيادهم.
8 - أن أغلب الأعياد البدعية الزمانية عند المسلمين تقليد لما عند الكفار في أعيادهم، لكنها صبغت بصبغة إسلامية لتروج.
رابعاً: الباب الثالث: وقد تبين لي من خلال مباحثه ما يلي:
1 - أن التحذير من مشاركة الكفار في أعيادهم أخذ قدراً كافياً في نصوص الشريعة الإسلامية.
2 - أن عامة أنواع المشاركة للكفار في أعيادهم لا تجوز، إلا ما كان من قبول هديتهم – من غير اللحم - إذا كان في قبولها تأليفاً لهم على الإسلام.
3 - أنه من الضروري الاحتساب على الأعياد المحدثة، سواء كانت للمسلمين أم للكفار؛ وذلك لرواجها وكثرتها، وسهولة تأثر المسلمين بها؛ لما فيها من اللهو واللعب.
4 - أن محمداً صلى الله عليه وسلم هو أول المحتسبين على الأعياد المحدثة، وكان ينهى عنها بقوة، ظهرت تلك القوة في اندراس تلك الأعياد مع قصر مدة دعوته صلى الله عليه وسلم.
5 - أن مظاهر وشعائر أعياد الكفار اليوم تخفى على خواص أهل الإسلام فضلاً عن عوامهم؛ لذا فإن بيانها مهم غاية الأهمية.
6 - أنه يلزم أن تنبعث طائفة من أهل العلم لتتبُّع الأعياد المحدثة ومظاهرها وشعائرها؛ لإقامة الحجة وبيان المحجة.
7 - أن التاريخ الإسلامي حفل بأمثلة طيبة لحكام وعلماء قاموا بإزالة كثير من الأعياد المحدثة.
8 - قلة ما كُتب من المصنفات في الأعياد المحدثة.
9 - لذا فإن الحاجة ماسة لكثرة التصنيف في هذا الباب والإقراء فيه، مع تحديث المعلومات والمظاهر.(3/457)
الأغسال أحكامها وأنواعها من خلال السنة المطهرة
Oعبدالله بن عبدالرحمن الشريف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1419هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - غسل
الخاتمة
الحمد لله الذي منّ علي بإنهاء هذا البحث فله الحمد والمنة والفضل أولا وآخرا وبعد:
فإنني ومن خلال هذا البحث توصلت إلى النتائج التالية:
1 - أن عدد الأحاديث والآثار في هذا الباب والتي خرجتها من خلال الكتب الستة بلغت نحوا من مائتين وخمسين حديثا.
2 - أن الأغسال التي ترجح عندي أنها واجبة سبعة أغسال هي: الغسل من الجنابة بأسبابه الثلاثة خروج المني، والتقاء الختانين والاحتلام، والغسل من انقطاع الحيض، والغسل من النفاس وتغسيل الميت، والغسل من تغسيل الميت، والغسل للجمعة، المعتنق للإسلام.
3 - أن الأغسال التي ترجح عندي أنها مستحبة ما سوى ذلك.
4 - أن بعض الأغسال ليس عليها دليل من السنة المرفوعة وإنما استدل عليها ببعض الآثار القولية والفعلية عن بعض الصحابة أو التابعين - ومنها:
الغسل لدخول مكة، والغسل للمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار.
5 - بلغت أسماء الرجال الذين ترجمت لهم (238) رجلا وتسع نساء.(3/458)
الأقوال الشاذة في بداية المجتهد لابن رشد
Oصالح بن علي الشمراني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة دار المنهاج- الرياض
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1431هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دراسات توثيقية ومنهجية
الخاتمة والنتائج:
من النتائج التي يمكن الخروج بها بعد تمام هذا البحث ما يلي:
1 - أن كتاب (بداية المجتهد) سفر عظيم يحتاجه المنتهي، ولا يستغني عنه مبتدئ.
2 - بلغت الأقوال التي تُرجم لها في هذا البحث أزيد من مائة قول، صرح ابن رشد بشذوذها؛ لأنه وفي بعض المسائل صرح بشذوذ أكثر من قول؛ فصارت الأقوال الشاذة في كتاب بداية المجتهد أزيد من مائة قول بهذا الاعتبار.
3 - الشذوذ: هو التفرد بقول مخالف للحق بلا حجة معتبرة.
4 - إطلاق الشذوذ على الأقوال الخاطئة مستخدم من قبل الفقهاء وغيرهم في جميع المذاهب.
5 - متى تحقق شذوذ قول من الأقوال فإنه لا يصح اعتباره خلافاً في المسألة، ولا يؤثر في ثبوت الإجماع، ولا تصح الفتوى أو القضاء والحكم به.
6 - إذا كان الأئمة شددو النكير على الأقوال الشاذة الصادرة عن أئمة أهل الاجتهاد؛ فإن أولى من ذلك بالنكير شذوذات المتعالمين وأرباب الأهواء والبدع.
7 - الاحتساب في رد الأقوال الشاذة وبيان ضعفها من حراسة هذا الدين، والنصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين وعامتهم.
8 - الشذوذ الصادر عن الأئمة المتفق على إمامتهم لا يؤثر في مكانتهم ولا يقدح في علمهم أو في الأخذ عنهم.
9 - بالنظر إلى الأقوال التي حكم عليها ابن رشد بالشذوذ يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما حكم عليه بالشذوذ وهو كذلك:
وهذا القسم هو الغالب، إذ بلغت الأقوال الشاذة التي ذكرها ابن رشد وصح شذوذها – حسب علمي القاصر – أزيد من خمسة وسبعين قولاً.
القسم الثاني: ما حكم عليه بالشذوذ وهو ليس كذلك – فيما ظهر لي -، إلا أن هذا القول مرجوح.
وفي هذا القسم ما يقرب من خمسة عشر قولاً:
1 - كالقول بجواز التنفل بركعة واحدة.
2 - وكالقول بأنه لا يقتل من الغربان في الحرم إلا الأبقع.
3 - وكالقول بلزوم النفقة للزوجة الناشز.
4 - وكالقول بعدم جواز تملك العربي.
5 - وكالقول بقتل المرتد وإن راجع الإسلام.
وغير ذلك ..
القسم الثالث: ما حكم عليه بالشذوذ وهو ليس كذلك، بل كان راجحاً:
وفي هذا القسم ما يقرب من ثمانية أقوال، وهي:
1 - القول بعدم اشتراط الطهارة لسجود التلاوة.
2 - القول بوجوب الجلسة الوسطى في الصلاة.
3 - القول بأن الإيمان قول وعمل واعتقاد.
4 - القول بعدم وجوب الزكاة في الزيت.
5 - القول بأن أول زمان الإمساك في الصوم هو الفجر الأحمر.
6 - القول بجواز الحلف بالله تعالى.
7 - القول بطهارة الخمر.
8 - القول بأن الولد في المواريث يشمل الذكر والأنثى.(3/459)
الألعاب الرياضية أحكامها وضوابطها في الفقه الإسلامي
Oعلي حسين أمين يونس
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
رياضة - فنون إسلامية
الخاتمة:
في نتائج الأبحاث التي احتوى عليها الكتاب:
وتتلخص فيما يلي:
1 - يتفق معنى اللعب لغة مع معناه اصطلاحا فهو فعل يقابل الجد من الأفعال غالبا.
2 - ويرتبط المعنى اللغوي للرياضة مع المعاني الاصطلاحية المنبثقة عنه وذلك فيما يلي:
أ - الرياضة وتهذيب النفس: وذلك من خلال تهذيب النفس ودفعها إلى الالتزام بمحاسن الأخلاق والطبع الحسن بترويضها على قبول ذلك والاعتياد عليه.
ب - الرياضة والعبادة: وذلك من خلال ترويض النفس ومجاهدتها على الالتزام بالعبادة، والبعد عما يشغل النفس عنها.
ج- الرياضة وحركات النفس وسكناتها: وذلك بترويض الأعضاء الحسية والنفسية على بعض الأعمال المفيدة بالتدريج والاجتهاد.
د- الرياضة واللعب: وذلك بترويض الإنسان نفسه أو غيره على القيام بحركات وتصرفات معينة بقد اكتساب صفات جسدية جديدة غالبا وبقصد اللهو والترفيه والمتعة.
3 - يرتبط مفهوم الألعاب الرياضية بعدة مصطلحات ذات صلة بها، وأهمها:
ا- الفروسية: وتتصل بالألعاب الرياضية بما فيها من معان عديدة، كالمهارة في الأداء والشجاعة والإقدام.
ب- الترويح: ويتصل بها من خلال الوسيلة أو الهدف، فالألعاب الرياضية وسيلة هامة من وسائل الترويح عن النفس، أو أن الهدف الرئيس منها هو طلب الترويح عن النفس.
ج- التربية البدنية: إذا تعتبر الألعاب الرياضية الركن الرئيس في تربية (تنشئة) الجسم تربية سليمة.
4 - هذب الإسلام الألعاب الرياضية من شوائب الفسق والفساد، فمارس المسلمون ألوانا من اللعب الهادف والمفيد، كان من أهم أهدافه إعداد الأنفس للقتال في سبيل الله تعالى، وزيادة الألفة والمحبة بين الزوجين.
تطورت الألعاب الرياضية في العصور الحديثة تطورا مذهلا متماشيا في ذلك مع التطور العلمي والمعرفي، إلا أن فئات كثيرة من الناس قد اتخذتها وسيلة لارتكاب العديد من المحظورات والمخالفات الشرعية بصورة لم تعرفها الألعاب الرياضية في العصور الماضية إلا قليلا - أي بالمقارنة بينها - ومن العجيب أن فئات كثيرة من المسلمين تسمح لأنفسها بالوقوع في تلك المحظورات من خلال اللعب في الأندية أو الملاعب أو من خلال حضور اللعب والاهتمام به بحجة الرياضة مما ينبغي اجتنابه والحذر منه.
للألعاب الرياضية أهمية بالغة في العديد من النواحي، ومن ذلك:
أ - الناحية الجسدية، كإعداد الجسد للقتال، والمحافظة عليه من الأمراض والإسهام في علاجها.
ب - الناحية النفسية، كدفع الملل عن النفس، وتهذيبها من الطباع السيئة في بعض الأحيان.
ج- الناحية الاجتماعية، كالإسهام في حفظ استقرار الأسرة والنظام التربوي في المجتمع.
د- الناحية السياسية، كالإسهام في حفظ الأمن الداخلي والخارجي من خلال الجنود والأعوان الأقوياء
هـ_ الناحية الاقتصادية، كدفع الإنسان إلى تحمل أعباء العمل بهمة ونشاط مما يزيد في إنتاجه.
إلا أن اقتران اللعب بالممارسات والأهداف غير المشروعة قد يؤدي إلى نتيجة عكسية وسلبية في جميع تلك النواحي!!.
7 - اختلف العلماء في بيان حكم اللعب بصورة مجملة، فرأى فريق منهم أن الأصل فيه التحريم إلا ما كان نافعا في القتال أو إحسان المعاش بين الزوجين، ورأى أخرون أن الأصل فيه الكراهة، بينما رأى فريق ثالث أن الأصل فيه الإباحة إلا ما اشتمل على ضرر، وقد رجحت أن الأصل في اللعب الإباحة إلا ما كان غير نافع في أمر الدين أو الدنيا مما لم يعتبره الشرع فيكره، فالأصل في المسلم ألا يقوم بعمل لا فائدة ولا نفع فيه، وأن يتحرى من العمل ما كان نافعا في معاشه ومعاده.(3/460)
8 - ندب الإسلام إلى القيام بأنواع من اللعب لما فيها من منافع وفوائد، وأباح أخرى من أجل ذلك ومن أجل إجمام النفس بالمباحات، وكره وحرم أنواع أخرى حسب ما يقترن بها من أفعال مكروهة أو محرمة، أو لأن صورة ممارستها مكروهة أو محرمة شرعا.
9 - تعد ألعاب الفروسية وهي: الرماية، وركوب الخيل، وركوب الإبل، والمبارزة، واللعب بالرماح والحراب أشرف الألعاب وأفضلها في الإسلام، لأنها آلات نصرة الدين وتبليغه للناس، وقد ندب الإسلام إليها، وحث عليها، فكان رسول الله ? يمارس الكثير منها ويحث عليه ويعطي فيها العوض، تحفيزا للمسلمين على إدامة استعداداتهم لنصرة الدين وأهله، ويقاس عليها ما تطور من ألعاب في هذا الزمان من رماية حديثة وقيادة للطائرات والمراكب الحربية ونحوها، مما ينبغي على الإمام الحث عليه وإدامة تنظيمه.
10 - يهتم الناس بممارسة ألعاب القوى بصورة كبيرة لما لها من فوائد بدنية في مجملها ويتفرغ عن ذلك عن ذلك:
ا- إباحة هذه الألعاب لما فيها من نفع، والحث على ما كان فيه زيادة في الألفة بين الزوجين، كما كان في المسابقة على الإقدام بين الرسول ? وزوجه عائشة رضي الله عنها.
ب. كراهة التركيز على أهداف لا نفع غالب، كما في بذل الجهد وتضييع الوقت في لعبتي الوثب العالي بالزانة من اجل تجاوز أعلى ارتفاع ممكن نحو الأعلى!
11 - يمارس الناس ألعاب الكرة والمضرب بصور عديدة مما بين الإسلام أحكامه ويتفرغ عن ذلك ما يلي:
ا- إباحة ما كان منها ذو نفع غالب مما لم يقترن بمحرم، ككرة القدم وكرة السلة وكرة اليد (البولو).
ب- كراهة ما كان قليل النفع ومما تضييع فيه الأوقات دون فائدة مثل (البلياردو) و (البولينج) و (الجولف).
ج - حرمة ما كان فيه إلحاق الأذى والضرر البالغ بالخصوم مما تبيحه قوانين اللعب ويحرمه الإسلام، ويشمل ذلك لعبتي (الرجبي) وكرة القدم الأمريكية.
ت - إن الكثير من هذه الألعاب قد تحول إلى آفات اجتماعية واقتصادية خطرة للغاية بما دخل فيها من مفاسد عديدة، ومن ذلك ما يرتبط بلعبة كرة القدم وغيرها من تمجيد وتقديس للاعبين، وارتفاع أثمانهم بصورة مذهلة للغاية أحيانا، والتفريق بين الناس بسببها، وتضييع واجبات الدين والدنيا من أجلها، ونحو ذلك مما حرمه الإسلام.
12 - أباح الإسلام أنواع معينة من ألعاب الصراع والدفاع عن النفس وحرم بعضها وبيان ذلك وما يرتبط به من أمور يوضح فيما يلي:
أ - تباح ألعاب (الصراع) و (الكاراتيه) و (التايكواندو) و (الجودو) وما ماثلها بشرط اجتناب إلحاق الضرر بجسد الخصم، وبشرط الامتناع عن ضرب أو ركل الوجه أو الرأس مطلقا، لنهي النبي ? عن ذلك.
ب - تحرم لعبتا المصارعة الأمريكية الحرة والملاكمة بصورة قاطعة في الإسلام بسبب وحشية كل منها إذ تقوما على إلحاق الأذى والضرر الجسدي والمعنوي بالخصوم بأقصى وأبشع صوره، مما يؤدي في الغالب إلى إصابة اللاعبين بالجروح والكدمات والكسور والأمراض المختلفة، والتي تودي إلى الموت أحيانا.
ج - ويلحق بالملاكمة في التحريم لعبة (الكك بوكسنج) لاعتمادها على لكم وركل اللاعب لخصمه في وجهه ورأسه بصورة كبيرة، فإن هذبت من ذلك ومما يلحق الضرر باللاعبين فيقال بإباحتها.
13 - أما ألعاب القوة الجسمانية والاستعراض فبيانها فيما يلي:
1 - تباح لعبة رفع الأثقال للرجال لما فيها من تعويدهم على تحمل المشاق وكذلك لعبة شد الحبل.
2 - تباح لعبتا كمال الأجسام والجمباز في مجملها، إلا أن صورة ممارستها عند فئات كثيرة من الناس تجعلهما محرمة بما تشتمل عليه من العري الفاضح أو الاستعراض على أنغام الموسيقى أو التفاخر بالنفس، ونحو ذلك مما ينبغي اجتنابه شرعا.(3/461)
3 - يحرم المشي على الحبال إن اقترن بمخاطرة بالنفس، ويكره بدون ذلك لأنه قد يؤول إلى مفاسد وخيمه.
14 - تباح ألعاب الرياضة المائية في مجملها، كالسباحة والغطس والمسابقة بين المراكب المائية، ويرتبط بذلك ما يلي:
ا- إباحة دخول الرجال إلى المسابح مع وجوب ستر العورات، والمنع من دخول النساء لها من غير حاجة.
ب- حرمة الاختلاط بين الرجال والنساء في هذه الألعاب، وخاصة ما يرى في المسابح والشواطئ من ذلك مما يقود إلى ارتكاب الفواحش والمنكرات.
ج - حرمة تعريض النفس للمخاطر، كما في ركوب الأمواج الهائجة أو قيادة المركبات المائية بسرعات قاتلة.
15 - يكره اللعب على الجليد والثلج من غير حاجة أو دون فائدة، لما في ذلك من تعريض النفس للأذى من سقوط أو إصابة بمرض ونحو ذلك، فإن ارتبط بذلك مخاطرة كبيرة بالنفس فيحرم اللعب عندها، وذلك كما في الهبوط من على المنصات العالية باتجاه الأرض أو الهبوط من المرتفعات الجبلية بصورة خطرة نتيجة السرعة، أو الانزلاق على التكتل الصخرية ونحو ذلك، أما تسلق الجبال فإن ارتبط بمخاطر كبيرة فيحرم وإلا فلا.
16 - ألعاب الطيران من الوسائل المستحدثة في اللعب، ويتفرغ عنها ما يلي:
ا- وجوب الأخذ بالوسائل المتطورة فيها مما يستعان به على نصرة الإسلام والمسلمين، ويناط هذا الأمر بالإمام بالدرجة الأولى.
ب- حرمة تعريض النفس لمخاطر الهلاك في هذه الألعاب.
ج - كراهة الاشتغال بهذه الألعاب إلم يقصد بذلك نصرة الدين - كأن يقصد بذلك مجرد اللهو واللعب بسبب خطورتها وارتفاع كلفتها.
17 - تحرم أغلب الألعاب المتعلقة بالمسابقة بين السيارات والدراجات النارية، وذلك لما فيها من تعريض الأنفس والأموال للضياع والهلاك، أما قيادة الدراجات الهوائية فهو أمر مباح لنفعه الغالب العائد على الجسد.
18 - أوجب الإسلام العناية بالحيوان بما يعود على الإنسان بالنفع، وحرم التعرض له بالإتلاف والإيذاء دون ضرورة أو حاجة ويتفرغ عن ذلك ما يلي:
ا- حرمة (الروديو) ومصارعة الثيران والجري أمامه والتحريش بين الحيوانات لما في ذلك من تعذيبها أو إضاعة ماليتها، أو لما فيه من تعريض النفس للخطر.
ب. حرمة سباق الكلاب، للنهي عن اقتنائها دون حاجة، وكراهة اللعب بالحمام لتفاهته وسفاهته.
19 - حرمة اللعب بما ترد فيه الأمور إلى يعتقد أنه تدبير الجمادات أو الخط، ويدخل في ذلك النرد وما شابهها، وكراهة اللعب المضيع للأوقات كراهة شديدة وحرمته إن ضيع الوجبات، ويدخل في ذلك لعب الشطرنج والورق.
20 - تقسم الألعاب التي يراد إخراج العوض فيها إلى ثلاثة أقسام هي:
أ - ما اتفق العلماء على إباحة إخراج العوض فيه، وهي الرماية بالسهام وركوب الخيل وركوب الإبل.
ب - ما اختلف العلماء في إباحة إخراج العوض فيه مما ينتفع به في القتال كالمبارزة واللعب بالحراب والرماح والصراع والجري ونحوها، والراجح فيه إباحة إخراج العوض ما لم يكن من كلا الطرفين إلا ما رجحت لحوقه بالقسم الأول.
ج - ما لا ينتفع أو يقصد به الإعانة على القتال فالأحوط في ذلك ما قاله جماهير أهل العلم من المنع من إخراج العوض فيه في الغالب أياً كان مخرجه.(3/462)
21 - ويحلق بالمسألة السابقة مدى اشتراط المحلل فيما لو أخرج العوض في الألعاب التي ينتفع بها في القتال كلا الطرفين المشتركين في اللعب، فاشترطه جمهور العلماء ليخرج الأمر عن صورة القمار، ولم يشترطه آخرون كابن القيم، ولم يبح هذه الصورة بعضهم، والذي ترجح لدي أن المحلل لا يشترط في هذه الصورة في كل من الرماية وركوب الخيل والإبل وما يدخل في معناها كالمبارزة والمطاعنة بالرماح وما يقوم مقامها في القتال، ومن ذلك وسائل الرماية الحديثة وقيادة الطائرات الحربية ونحوها، بشرط أن يقصد بذلك الإعانة على القتال لا مجرد اللهو واللعب.
22 - لا يحل شرعا الإحتكام إلى القوانين الوضعية في الألعاب الرياضية التي تخالف أحكام الإسلام، وينبغي على ولي الأمر أن يسن القوانين التي تتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية.
23 - ينبغي على المسلم الحرص على عدم قضاء وقته في اللعب بما يضيع ما هو واجب أو ما هو أولى منه من أمور الدين أو الدنيا، أو أن يجعل اللعب وسيلة لتضييع الوقت، أما اللعب ليلا فيكره بدون حاجة لئلا يؤدي إلى تفويت فائدة قيام الليل وواجب صلاة الفجر.
24 - ينبغي على المسلم التحلي بفضائل الأخلاق في اللعب، واجتناب الأخلاق الفاسدة وما يؤدي إليها، ومما يتفرع عن ذلك وجوب ستر العورات، والراجح أن حدها للرجل ستر السوءتين، أما الفخذان فيكره كشفهما، والراجح أن حدها للمرأة الجسد كله إلا الوجه والكفان إلا إن أدى كشفها إلى حدوث الفتنة فيجب سترها.
25 - يباح للمرأة ممارسة أنواع كثير ة من الألعاب الرياضة، بشرط عدم تمكين الرجال من النظر إليهن أو الاختلاط بهن وبشرط ممارستها بعيدا عن أماكن الشبهات أو السفر من أجل ذلك أو على صورة فيها تشبه بالرجال أو مخالفة لطبيعة المرأة وأنوثتها، كالمصارعة وكمال الأجسام ورفع الأثقال وما شابه ذلك، كما يباح لهن ممارسة اللعب أثناء الحمل والرضاع، ما لم يؤد ذلك لحوق أذى بهن أو بأجنتهن أو أطفالهن.
26 - يحرم اللعب مع الفساق والكفار على وجه التأبيد أو العادة، ويلحق بذلك اللعب في الأماكن التي تظهر فيها المنكرات أو حضور اللعب فيها من غير حاجة، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لما في ذلك من المؤانسة لأهل الباطل ومظنة التأثر بأخلاقهم وأفعالهم المحرمة.
27 - احتراف اللعب مختلف في حكمه، فيرى فريق من أهل العلم حرمته لما يقترن به من مفاسد كالشغل عن واجبات الدين والدنيا، ويرى آخرون إباحته بشرط ألا يقترن بمحرم أو يفضي إليه، وقد رجحت كراهة احتراف اللعب في المجمل، لأنه عمل لا نفع أو إنتاج فيه في الغالب، ولما في ذلك من شغل الإنسان نفسه باللعب وذلك مذموم، ويتفرع من ذلك ما يلي:
ا- لا يدخل في الكراهة ما كان غالبه النفع، كاللعب المحتاج إليه بشدة في القتال وكالاشتغال به في مجال التعليم.
ب - الراجح عدم جواز احتراف الكافر أو الذمي اللعب في صفوف فريق مسلم، وعدم جواز احتراف المسلم في صفوف الفريق الكافر أو الذمي، لما في ذلك من مفاسد من تعريض النفس للفتنة والفساد وغير ذلك.
28 - يحرم اللعب من أجل الأهداف التالية:
أ) الحصول على جنسية دول كافرة، لما في ذلك من الموالاة لأهل الكفر والتبعية لهم والافتتان بهم.
ب) الغضب والانتصار للباطل، ومن أجل الرياء والشهرة والمفاخرة، وابتهاجها بأعياد غير المسلمين.
ج) تعظيما للأموات والأشخاص المشهورين.
29 - يباح اللعب من أجل الإستشفاء والمحافظة على الصحة، ونحو ذلك من مقاصد الخير المعتبرة شرعا.(3/463)
30 - يحرم تعريض النفس أو تعريض الآخرين للخطر أو الضرر بسبب اللعب بأي وجه من الوجوه، ومما يرتبط بذلك حرمة تناول المنشطات الضارة بالجسد، ومما يرتبط به أيضا وجوب معاقبة من اعتدى على غيره عمدا بلا عذر بالعقوبة المناسبة من قصاص أو تعزير أو تعويض مالي ونحو ذلك، ووجوب تعويض المعتدى عليه خطأ إن استوجب الأمر ذلك.
31 - يحرم بيع أوترويج أو شراء بطاقات دخول المباريات إن كان المقصد من ذلك الحصول على جوائز مالية أو عينية أو بصورة تؤدي إلى شيوع المقامرة عن طريقها، لأن ذلك يعتبر من القمار المحرم في الشرع.
32 - يحرم على المسلم الاشتراك أو التسبب في الدعاية لمحرم من خلال اللعب، مثل أن يرتدي لباسا عليه دعاية لبنك ربوي، أو يلعب في ملعب يحوي إعلانات لأمور محرمة، كإعلانات الخمور والدخان ونحوها.
33 - يحرم ارتداء الميداليات الذهبية على الرجال، والأحوط ترك ارتداء الميداليات الفضية، فإن احتوت على نقوش لصور من ذوات الروح فيحرم ارتداؤها مهما كانت مادتها، والأرجح أنه يحرم اقتناء الكؤوس والدروع الذهبية أو الفضية ويحرم اقتناؤها إن احتوت على مجسمات أو نقوش لصور ما فيه روح من البشر أو غيرهم، حتى لو لم تكون من الذهب أو الفضة.
34 - يجب على ولي الأمر التدخل في الألعاب الرياضية بما يعزز جوانب الخير فيها، وبما يمنع من شيوع مظاهر السوء والفساد فيها.
والله أسأل أن يتقبل هذا العمل، وأن ينفع به أمة الإسلام، وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم وأن يجعله في ميزان حسنات من قام عليه، والحمد لله رب العالمين.
علي حسين أمين يونس
19/ 12/2001م(3/464)
الأنساب والأولاد - دراسة لموقف الشريعة الإسلامية من التلقيح الصناعي وما يسمى بأطفال الانابيب -
Oعبدالحميد محمود طهماز
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار القلم - دمشق
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1408هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طب وصحة - تلقيح صناعي وطفل الأنابيب
الخلاصة
إن التلقيح الصناعي يؤدي إلى هدم قواعد الشريعة الإسلامية التي شرعها الله تعالى لحماية المجتمع والأسرة والأخلاق.
إنه يؤدي إلى كشف العورات التي حرم الله كشفها، وإلى اختلاط الأنساب التي أمر الإسلام بحفظها، وإلى شيوع نكاح المحارم.
كما يؤدي إلى كثرة التشوهات في المواليد، وانتشار الأمراض الجنسية والوراثية، فضلاً عما فيه من امتهان لكرامة الإنسان، وتغيير خلق الله تعالى، والانحراف عن سنن الفطرة التي شرعها للتزاوج والتكاثر.
كل ذلك يجعله حراماً في جميع صوره وأشكاله، فالمجتمعات الإسلامية لا تشكو من قلة أعداد المسلمين، ولا ينبغي من أجل عدد قليل من الناس قدر الله سبحانه عجزهم عن الإنجاب بالوسيلة الفطرية الطبيعية أن نفتح على أنفسنا ومجتمعاتنا أبواب هذه الشرور المدمرة لكل ما هو إنساني وأصيل في مجتمعاتنا وقواعد شريعتنا وأخلاقنا.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ.
رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا.
وصلى اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
والحمد لله رب العالمين.(3/465)
الأهلة نظرة شمولية ودراسات فلكية
Oعدنان عبدالمنعم قاضي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار المصرية اللبنانية – مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مطالع الأهلة ومنازلها
الخاتمة: وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين
لقد تعهد الله سبحانه وتعالى بحفظ كتابه {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجرات: 9]، وأخبرنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله يسخر لدينه من يجدده على مر الزمن، عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها) رواه أبو داود. ولقد سجل التاريخ الإسلامي، بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فكر وجهد أئمة وعلماء مجتهدين، ممن جددوا هذا الدين وأحدثوا ثورة في فقه العبادات والمناسك وعلوم الدين. وفي وقت كل منهم قوبل فكر واجتهاد بعضهم بعدم القبول تارة والعنف الرسمي و/أو الفردي تارة أخرى؛ وذهب الرجال وبقي الفكر. الآن، ومرة أخرى، تحتاج الأمة الإسلامية إلى كثير من التسامح، وتقديم فكر فقهي جديد واجتهاد إسلامي مبدع للشعوب الإسلامية (وحتى غيرها) في عصر متسارع يتصف بمعارف وفتوحات علمية وتكنولوجية مذهلة واكتشافات كونية هائلة واتصالات آنية متيسرة وشعوب وأعراق مختلفة وعقائد متفرقة ومفاهيم متضاربة وإمكانات متاحة وشهوات مستباحة. لمواجهة كل ذلك، لا أمان لرأي فقهي أحادي يصادر من يخالفه ويضطهد من يعارضه.(3/466)
ما تحتاجه الشعوب الإسلامية هو: أن لا تعود الشعوب 1400 سنة إلى الإسلام، بل هو تقديم الإسلام 1400 سنة إلى الشعوب الإسلامية وغيرها في عصرها الحاضر بكل مشكلاته ومستحدثاته، وإيجاد حلول عصرية خلاقة لمشكلاتهم ومسائلهم. وسأعطي مثالين بسيطين على العودة والتقدم إلى الإسلام: تعامل بعضنا بزكاة الفطر والأضحية (ذبح أنعام في الحج). فهناك من يتشدد ويصر (أي يخطئ غيره إذا أخرج نقدا) على إخراج زكاة الفطر طعاماً كما ورد في الأحاديث النبوية الصحيحة، أي إخراج صاع من بر أو شعير أو تمر أو أقط أو زبيب (مع أنه يجيز إخراج رز والحديث لم يذكره، وهو تناقض ذاتي)؛ وهذا مثال فقه العودة 1400 سنة. على الجانب الآخر، الأضحية ورد أيضا فيها أحاديث نبوية صحيحة بأن يقوم المضحي بنفسه بشراء وذبح وتوزيع أضحيته وأكل ثلثها وإهداء أقارب والتصدق على فقراء. ولكن الآن هناك من يجيز توكيل حتى شخصيات اعتبارية لشراء وذبح (ليس بالضرورة في مكان المضحي) وتوزيع الأضاحي ودبغ واستعمال جلودها دون أن يرى أو يعلم المضحي مصير أضحيته أو يأخذ شيئا منها بل وحتى نقلها خارج المشاعر المقدسة؛ وهذا مثال على تقديم الإسلام 1400 سنة لمواجهة مسائل وحل مشكلات تعاني منها الشعوب الإسلامية في هذا العصر وليس شعوباً أخرى في أزمنة ماضية. ما أحوج الأمة الإسلامية إلى فقه الواقع الذي هو ببساطة شديدة (النزوع إلى واقع الناس لتعرف مشكلاتهم التي يعانون منها والبحث عن الأحكام التي تعالج هذه المشكلات في الواقع واستيعابه لهذه الأحكام. وأيضاً معرفة ما يمكن تطبيقه من هذه الأحكام وما لا يمكن نظراً للظروف المحيطة أو عدم الاستطاعة. وبعبارة مختصرة، هو الفهم العميق لمشكلات الناس وتنزيل الحكم الشرعي عليها بقدر استيعاب الواقع لهذا الحكم). إنه فقه يرتبط بالأصل ويتصل بالعصر، فقه التيسير والمستطاع وليس فقه الأمثل والعزائم لأننا في عهد استضعاف وتكوين لا في عهد استخلاف وتمكين. إنه فقه يواجه ويجيب بشكل معاصر عن أسئلة شبابنا وفتياتنا وليس فقط إعطاءهم أجوبة أجدادنا، الذين أبدعوا في زمانهم وأحدثوا ثورة في فقههم. إنه فقه يقنن علاقات المجتمع وسلوك الفرد بدلاً من أن يحجر على المجتمع ويلاحق الأفراد. إنه فقه يأخذ نظرة شمولية للدين (العلم الشرعي) ويتبنى معرفة عصرية للخلق (العلم الكوني). وقدوتنا في ذلك هو أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين قط في الإسلام إلا أخذ أيسرهما وذلك طيلة حياته وبالذات في حجة الوداع.(3/467)
هذا الكتاب ناقش مسألة إسلامية بنظرة شمولية وبعلم عصري، وعرض حلا لها. إن المحور الرئيسي لهذا الكتاب هو كيف ينظر ويشرح فرد نصوصاً شرعية بنظرة شمولية، ذاتية التناسق، ومتكاملة مع ما خلق الله؟ إذا أخذ أحدنا نظرة شمولية لكل الشريعة الإسلامية وتطبيقاتها في هذا الكون وذاتية التناسق، فشرحه لمسألة ما سيختلف عمن يبتسر نظرة انتقائية وأحادية وظاهرية لنص شرعي ودون مراعاة إلى ما خلق الله ويظن أنه خرج بحكم (شرعي). في النظرة الشمولية يتضح تناسق أحكام الشرع والصورة الكلية لمراد الشارع، وأيضا تناسق الشرع مع الخلق. أما من يبتسر نظرة انتقائية وأحادية وظاهرية لنص شرعي ودون مراعاة أيضا إلى ما خلق الله، فينشغل صاحبه بإظهار عدم التناقض الذي أنتجه فكره، وليس المبني في الشريعة، الإسلامية، وذهابه إلى أقصى حد لتركيب شرح أن الدين صالح لكل زمان ومكان بينما العلة فيما ارتأى والهفوة في حجره على من خالفه من الورى. بقي أن ندرك أن إظهار التناسق في الشريعة نفسها هو مسألة فقهية، بينما إظهار التناسق بين الشرع والخلق هو مسألة تجريبية empirical. هذه النظرة الشمولية، بشكلها الفقهي والتجريبي، هي النقطة المحورية في هذا الكتاب.
قضية تؤكد النقطة المحورية في هذا الكتاب هي استخدام الشريعة الإسلامية لوسائل وأدوات طبيعية لتطبيق تعاليمها؛ ومن هذه الوسائل ركز هذا الكتاب على شرح دور ظواهر (وأدوات) طبيعية في تحديد بدء وإقامة تكاليف شرعية؛ بفرعيها العبادات والمعاملات. مرة أخرى، إن العبادة هي كيفية محددة في توقيت محدد وفي مكان محدد ولأفراد مكلفين. أي أن هناك ثلاثة عناصر: العبادة وهي ثابتة، والدالة على العبادة وهي أيضاً ثابتة، وطريقة تحديد تلك الدالة وهي متغيرة (مثلا، الصلاة والصوم والحج عبادة، والدالة عليها هي مواقع الشمس، وطريقة تحديد مواقع الشمس هو علم مكتسب متغير. مثال آخر، الصوم والحج عبادة، والدالة على بدء الشهر هو مواقع الهلال، وطريقة تحديد مواقع الهلال هو علم مكتسب متغير). ولا أجادل هنا في العبادة والدالة عليها (مثل أن نغير ميقات صلاة الظهر أو ألا نتبع الشهر القمري للصوم أو للحج)، لكنني أجادل أن وسائل تحديد بدء زمن العبادة ليست جزءا من العبادة. إن استخدام ظواهر وأدوات طبيعية وعرفية وبديلة إما أن يأتي عن طريق نص شرعي أو يستنبط قياساً. أما كونها تأتي عن طريق نص شرعي، فليست الظاهرة الطبيعية أو العرفية أو البديلة هي المقصودة شرعا بحد ذاتها كعبادة. وأما كونها قياسا، فالقياس قاعدة فقهية. في كلتا الحالتين، الأمر ما بين نص وقياس وكلاهما ترخيص للمسلمين كي يستخدموا ظواهر (أدوات) طبيعية و/أو عرفية أخرى كي يقيموا التكاليف الشرعية.(3/468)
لقد أثبتنا أن الشرعية الإسلامية تستخدم وسائل عديدة لتحديده بدء زمن تكاليف شرعية. والحكم الفقهي هذه الوسائل لا يخرج عن ثلاث حالات: إما أن كل هذه الوسائل جزء من العبادة التالية وبالتالي يجب العمل بكل وسيلة أتى بها الشرع لأن الوسيلة أيضاً عبادة، أو أن كل هذه الوسائل ليست جزءا من العبادة التالية لأن الوسيلة ليست عبادة في ذاتها، أو أن لكل وسيلة حكما فقهيا مستقلا. الحالة الأولى فيها تناسق ذاتي ولكن تورطنا في جعل بعض الوسائل تعبدية بينما لا يمكن – وأحياناً يحرم – جعلها عبادة، كالبلوغ والحيض، كما أنها تؤدي إلى اختلافات تطبيقية شاسعة بين المسلمين. الحالة الثانية فيها أيضاً تناسق ذاتي، لا تورطنا في السقطة السابقة، تشرح لنا لماذا استخدم الإسلام ما خلق الله لتحديد بدء زمن ما شرع الله، تتنبأ ببعض ما أخبر به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تظهر الشريعة الإسلامية كنظام متماسك ومترابط وتظهر تناسقاً مع ما خلق الله سبحانه وتعالى. الحالة الثالثة تظهر تضاربا في الشريعة ذاتها، تنافرا مع العلم العصري (الكون)، انتقائية في النص وشرحه، تعطيلاً أو لي عنق لنصوص أخرى، وانشغال صاحبه لإثبات ما لم يكن ضرورياً لإثباته ولا يمكن إثباته – لا يمكن أن نظهر فقهياً انتقائياً أحادياً ثم نصرخ أن الشريعة الإسلامية نظام متناسق ومتماسك.
إن دور ظواهر طبيعية في تحديد بدء زمن تكاليف شرعية هو في كونها وسائل لأن الأصل في التكليف الشرعي هو العبادة وليس الوسيلة لاستحالة أن يقام تكليف شرعي دون وسيلة، ولتغيير استخدام ظواهر (أدوات) طبيعية للتكليف الشرعي نفسه أو لتكليف آخر، ولوجود قيود طبيعية و/أو شرعية على هذه الوسائل. فوسيلة دخول رمضان هي رؤية الهلال (بمعنى العلم به، أي معرفة دخول الشهر) والشرع نفسه أتى ببديلين آخرين لرؤية الهلال وبالتالي دخول الشهر وهما إكمال عدة شعبان ثلاثين أو التقدير للهلال لوجود عائق طبيعي وهو الغيوم. كما استخدم ظهور الهلال لبدء شوال وذي الحجة ومحرم. أما من يقول بما يسمى اختلاف المطالع فعليه مواجهة حل مشاكل تطبيقية عديدة. وفي محاولته هذه فهو أمام أمرين: إما أن يكون انتقائيا أو متناسقاً مع نفسه أو أن يتشبث بالإنكار وبذلك يجعل الشرعية الإسلامية ذات بنيان غير متناسق في ذاتها ومع ما خلق الله. حتى القبلة التي يتعبد بها لأنها شرط من شروط الصلاة (وقد حلت البوصلة في عصرنا محل الاتجاه التقديري للقبلة، بل إن اتجاه القبلة يحسب الآن بأجهزة عصرية)، فيجوز للمسلم في حالة عدم معرفته لاتجاه القبلة أن يجتهد ويتجه إلى أي اتجاه يراه {ولله المشرق والمغرب فإينما تولوا فثم وجه الله ... } [البقرة: 115]، فالقبلة وسيلة والكعبة رمز والصلاة هي القصد وهي العبادة – والعبادة فقط لا تسقط. حتى الماء الذي لا يتم الوضوء والطهارة إلا به، له بدائل: التيمم والاستنجاء والاستجمار وغيره، فالقصد هو التطهر.(3/469)
أما البلوغ وهو أم الوسائل لكل التكاليف الشرعية فيعتريه أولاً اختلال طبيعي (تفاوت سن البلوغ وفترة الحيض أو انقطاعه)، وعليه ثانياً قيد تكميلي (فليس كل من بلغ يكلف شرعاً: فيجب أن يكون مسلماً ثم عاقلاً ثم واعياً، فالمجنون والنائم ومن في غيبوبة ومن في حكمه يقف عنه التكليف حتى يستيقظ)، وله ثالثاً بديل عرفي (عمر محدد). ولكن ليس للعبادة بديل، فقد تقصر العبادة (الصلاة للمسافر) أو تسقط (الصلاة للحائض والنفساء) أو تقضى (الصيام للحائض والنفساء) ولكن لا تستبدل بغيرها. والشرع أتى باللفظ (أي النطق بالإيجاب والقبول) لانعقاد الزواج وإيقاع الطلاق وتنفيذ الرجعة، ولكن ينجز الآن الزواج والطلاق لفظاً وكتابة وإشارة، بل يجب على المرء في هذا العصر أن يسجل زواجه وطلاقه ويوثقه رسمياً. إن حقيقة كون بعض الظواهر الطبيعية لا تتحقق وأن العبادة المرتبطة بها ثابتة، يظهر بوضوح أن كل الظواهر الطبيعية التي استخدمها الشرع هي وسائل لا يتعبد بها، وأن القصد أو الهدف هو العبادة الثابتة.
لقد رأينا في صفحات سابقة أنه من المستحيل أن تكون بعض الظواهر الطبيعية، أو غيرها من الوسائل، لإقامة تكاليف شرعية بحد ذاتها عبادة، كالحيض والاحتلام واللعان وشعر العانة وشراك النعل وغيرها. إن كل وظائف الظواهر الطبيعية محايدة بذاتها، ووجودها على وجه الأرض سابق للشريعة وللإنسان. فحينما تستخدم الشريعة الإسلامية ظواهر طبيعية كوسائل فإنها تقيم الحجة على البشر، لأن معرفة الظواهر الطبيعية لا تحتاج إلى علم مكتسب والإسلام لا يشترط الكتابة والقراءة لاعتناقه. فرسول الإسلام أمي وقومه أميون ويخلق الله كل البشر أميين، ولكن هذه ليست دعوة شرعية للأمية. كما لا يفهم من كل الآيات الواردة في القرآن أن السمع والبصر والفؤاد وسائل حصرية للتعلم؛ أي لا يجوز استخدام غيرها، وهكذا في استخدام معادن أو بقول أو حبوب أو أجرام سماوية أو المشي أو مقاييس طبيعية. وأخيراً ظهر لنا، أن التكليف الشرعي لا يسقط بعدم توفر ظاهرة شرعية طبيعية أو وسائلها؛ ولكن العكس غير صحيح، أي لا توجد ظاهرة (أداة) طبيعية شرعت وحدها كعبادة. لكن تيسيرا من المشرع الكريم يستعاض أحياناً بظاهرة طبيعية أخرى أو بأداة عرفية أخرى أو طريقتها لتحديد العبادة. كما لا يتعطل نص بتكليف شرعي باستخدام ظاهرة طبيعية أو عرفية بديلة لأن النص يبقى هو المرجع.
الآن ماذا نستفيد من هذه النظرة الشمولية لدور ظواهر طبيعية في تحديد تكاليف شرعية؟ الجواب التالي:
أولاً: على المسلم والمتخصص أيضاً في الشريعة الإسلامية أن يكون متناسقاً مع نفسه عندما ينظر إلى، ويتفقه في، أحكام الله وهدي رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. عدم حصول ذلك يظهر للغير أن أحكام الشريعة الإسلامية تناقض نفسها، بينما هو موقف فردي أو مذهبي. إن التناسق الفكري (أو عدمه) للفرد أو للاتجاه ليس له علاقة بأصل أحكام الشريعة الإسلامية. ومن التشطط والتسلط أن يجعل فرد من نسيج فكره وقدرة فهمه ومدى علمه حكراً لمراد الله سبحانه وتعالى وحكراً لمراد رسوله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، أي يخطئ غيره لأنهم اختلفوا معه ويصادر فكرهم لأنهم عارضوه.
ثانياً: على المسلم أن يعلم أن شرع الله وحدة كلية متناسق في ذاته متناغم في خلقه – سبحانه فالتكاليف الشرعية شرع الله والظواهر الطبيعية خلق الله، والله هو الحق الحكيم.
ثالثاً: أن الإسلام ليس فقط ديناً سماوياً بل ديناً طبيعياً أيضاً لاستخدامه الخلق في تحديد أمور الشرع. كما سيسهل شرح سلوك (مثلاً، السن المبكر للزواج والجهاد وضرب العنق لتنفيذ حكم الإعدام) للمتسائلين ولغير المسلمين.(3/470)
ما النتيجة، إذا، لهذه النظرة الشمولية الجديدة؟ إذا سلمنا أن غرض استخدام الشرع لظواهر طبيعية هو كونها وسائل وليست عبادة، فسوف تتهاوى مشكلات ما فتئ مسلمون يجلبونها على أنفسم وعلى دينهم.
سوف يتوحد توقيت أركان الإسلام (الصوم والحج)، ليس على أساس سيادة الدولة أو سياسة الجماعة أو جنوح الفرد، بل على أساس وحدة المصدر لخلق هذا الكون وقوانينه، وتشريع هذا الدين الإسلامي. سوف تتوحد أيضاً تقاويم وأعياد المسلمين على أساس أن كتاب الله المنظور متناسق بل متاطبق مع كتاب الله المسطور. وسوف تعرف ويعترف بمواقيت ظواهر كونية (كسوف الشمس وخسوف القمر وأوقات تساقط شهب وحتى ارتطام نيازك) وأعياد وأداء العبادات اللازمة لها ومواقيت مناسبات إسلامية مجيدة. لقد أنشأ سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه تقويماً للمسلمين مبنياً على شرعهم تميزاً لهم عن غيرهم. بعد حوالي 1400 سنة من عدم اليقين يظل هذا التقويم الهجري غير مستخدم إلا من قلة وفي أرجاء أقل منها لأنه لا يخدم مصالحهم الآنية ولا المستقبلية. فالدول (بما في ذلك كل الدول الإسلامية) في ميزانياتها والمؤسسات والشركات في أعمالها المالية وأفراد عديدون لا يستخدمون إلا التقويم الميلادي الغربي (الشمسي) وإن سمي أحياناً بأسماء مختلفة. لقد آن الآوان للمسلمين لكي ينظروا نظرة شمولية لظاهرة الهلال الطبيعية وعلاقة ذلك بحياتهم اليومية والشرعية وعلى مدى طويل وذلك بتأسيس تقويم قمري منهجي، فالدافع موجود والمصلحة ملحة والقاعدة الآن ميسرة، والتعذر غير مقبول. إن الحقيقة، أن التقويم الهجري يحتضر، وعلى المسلمين أن يلوموا أنفسهم فقط لأنهم لم يطوروه.
سوف تتوحد معاملات وأحوال مدنية وحقوقية لشؤون المسلمين اليومية في الإثبات والأدلة. لن تكون هناك ازدواجية أو نفور بين النص الشرعي في الشهادة الشخصية في عملية إثبات أحوال مدنية أو جنائية أو تعريف أشخاص، وبين الوسائل الحديثة والعلمية في التحقيق والإثبات.
وقبل كل ذلك سوف ينشأ شباب مسلم لا يعاني من انفصام في شخصيته (إن لم يكن قد نشأ) محاولاً التوفيق بين دينه واعتزازه به وعلمه وارتباطه به، وبين أساتذة الفقه والتوحيد والتفسير من جهة وأساتذة العلوم والطبيعة والكيمياء والجغرافيا من جهة أخرى.
وأخيرا، لن يكون هناك مجال لاتهام الإسلام بالتخلف وعدم قبول العلوم sciences.
إن الله خالق الأكوان هو نفسه منزل الحكمة والقرآن وهو قطعاً الحق الحكيم الرحمن، وقول الله لا يناقض خلقه ولا خلقه يناقض قوله. وهو نفسه القائل {علم الإنسان ما لم يعلم} [العلق: 5]. فهل علمنا حقا ما خلق ربنا وعلمنا أيضاً سننه الكونية وتفكرنا في ذلك؟ إن فهم فرد للكون وقوانينه يضفي بأثره، سلباً أو إيجاباً، على فهمه لشرع الله. إن فهم أحدهما لا يتم بسوء فهم الآخر. بل إن من عدم تنزيه الله في صفاته أن يجعل فرد من فهمه، غير العلمي non-scientific، أو العلم الخاطئ pseudo-science للكون وقوانينه أساس مراد الله أو رسوله صلى الله عليه وسلم في شرعه، وصدق الحق القائل في كتابه المسطور:(3/471)
{{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (192) رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (193) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (194) اسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ (195)} [آل عمران: 195]. صدق الله العظيم، صدق الخالق المبدع القيوم.
ما أعظم هذه الآية، قدمت المادة وقوانينها والعقلاء على الذكر ولم يحدد الله سبحانه جنس الذاكر. وما أجمل هذا المزج بين ما خلق الله وشرع، والفكر والذكر. وما أجل الحق الذي لم يفرق بين الذكر والأنثى في الفكر والذكر والثواب. وما أروع هذا التناسق والتطابق بين كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور. وما أحسن الجزاء لمن علم وعمل بالفهم والدعاء.
تم بحمد الله وفضله وبركته في يوم الاثنين 8 ربيع الآخر 1426 هجرية الموافق 16أيار/ مايو 2005 ميلادية (26 الثور 1383هـ ش). فإن أحسنت فمن الله وبتوفيقه وإن أخطأت أو قصرت فمن نفسي. أسأل الله الحليم الحكيم المغفرة والقبول لوالدي ولي، اللذين لهما الفضل والثواب، ولمشايخي العلماء العاملين المتسامحين الهينين اللينين رحمهم الله رحمة الأبرار وأجزل لهم الخير بما هو أهل له فهم الذين غرسوا في حب الله ورسوله وآل بيته وجميع أصحابه وقد كنت يافعاً أرتاد حلقاتهم في الحرم المكي (وأخص بالذكر سادتي وأحبائي الكرام: العلامة القطب السيد محمد أمين كتبي والعلامة الجليل السيد علوي عباس مالكي والعلامة الفاضل القاضي حسن مشاط والشيخ الحليم محمد نور سيف والشيخ الرباني محمد العربي التباني والشيخ عبد الله دردوم والعلامة الأستاذ الدكتور السيد محمد علوي مالكي) رحمهم الله جميعاً رحمة الأبرار وأسكنهم فسيح جناته وصحبة حبيبه سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم. وأسأل الله أن يجزي خيراً كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب وقراءه الكرام. وهناك شكر خاص لمن علمنا (وأنا أحد طلبته) حب العلم وأصول الكتابة ومراعاة اللغة في سنوات الجامعة ليس في البحوث التي قدمناها له ولكن حتى في أوراق الاختبارات، بحسن خلقه وحسن معاملته وتقديره لكل واحد كإنسان له كيان. لقد أراد لنا الخير؛ فجزاك الله عنا (وأنا واثق من هذه) خير الجزاء. لقد بذرت يا سيدي وها أنا ذا أحصد فضلك.(3/472)
الإجارة المنتهية بالتمليك في ضوء الفقه الإسلامي
Oخالد بن عبدالله الحافي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع تقسيط وآجل
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والحمد لله الذي أعانني على إكمال هذا البحث وإتمامه، فما كان فيه من صواب فمن الله وما كان فيه من خطأ، أو نقص فهو مني، وأستغفر الله، وأتوب إليه.
في نهاية بحثي المتواضع أريد تذييله بهذه الخاتمة وتعتبر خلاصة هذا البحث وقد جعلتها في ثلاثة أقسام: الأول منها يضم أهم النتائج التي توصلت إليها، والثاني يحتوي على نظام مقترح لعقد الإجارة المنتهية بالتمليك، والثالث يضم توصيات البحث، وهي كالآتي:
القسم الأول: أهم النتائج.
1 - تعريف الإجارة المنتهية بالتمليك هي: عقد بين طرفين يؤجر فيه أحدهما لآخر سلعة معينة مقابل أجرة معينة يدفعها المستأجر على أقساط خلال مدة محددة تنتقل بعدها ملكية السلعة للمستأجر عند سداده لآخر قسط بعقد جديد.
2 - الخطورة المترتبة على البيع التقسيط سبب في نشأة الإجارة المنتهية بالتمليك، مما حدا بالبائعين إلى ابتكار نوع مستحدث من العقود تجعلهم يحتفظون بملكية الشيء المبيع، وهو ما يسمى بالبيع الايجاري، أو الإجازة المنتهية بالتمليك.
3 - يرجع تاريخ الإجارة المنتهية بالتمليك إلى عام 1846م حيث ظهر هذا العقد لأول مرة في إنجلترا تحت اسم الهايربير شاس ( Hire -purchase ) وظهر هذا العقد في الولايات المتحدة الأمريكية عام 1953م تحت اسم الليسنج ( Leasing ) ثم ظهر في فرنسا تحت تسمية ( Credit Bail ) عام 1962م. بعد ذلك انتقل هذا العقد إلى الدول الإسلامية، من خلال البنوك الإسلامية التي جعلت الإيجار المنتهي بالتمليك جزءا من العمليات الأساسية التي تقوم بها.
4 - صورة الإجارة المنتهية بالتمليك المطبقة في الوقت الحاضر تكون كالآتي: يتفق طرفان على أن يقوم أحدهما بتأجير الآخر سلعة معينة (عقار، آله، سيارة ... ) مقابل أجرة معينة تدفع على أقساط مفرقة في مدة محددة، وعند نهاية المدة وسداد جميع الأقساط المتفق عليها في عقد الإجارة، ينتهي عقد الإجارة بتملك المستأجر لتلك السلعة بناء على شرط اقترن بعقد الإجارة، وقد يكون هبة السلعة للمستأجر في نهاية المدة، أو ببيع السلعة له في نهاية المدة، أو الوعد ببيع، أو الوعد بهبة السلعة له في نهاية المدة.
5 - الحكم الشرعي لبيع التقسيط قائم على حكم أخذ الزيادة مقابل التأجيل، لأن المراد بحكم بيع التقسيط هو حكم أخذ الزيادة في الثمن المؤجل عن الثمن الحال، وقد اتفق فقهاء المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) على جواز زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال، وبالتالي جواز بيع التقسيط.
6 - أن القول بجواز بيع التقسيط يستند إلى قاعدة شرعية من قواعد الفقه الإسلامي وهي: أن الأصل في المعاملات الحل حتى يقوم دليل على التحريم.
7 - ترجح لدي أن المقصود ببيعتين في بيعة هو ذكر ثمنين للسلعة دون الجزم بأحدهما، ومثال ذلك: أن يقول البائع للمشتري: بعتك هذه السلعة بعشرة نقدا، أو بخمسة عشر نسيئة، ثم يتفرقان على ذلك دون تحديد لأحد الثمنين. وهذا التفسير هو الذي عليه أكثر العلماء.
8 - ذهب رجال القانون إلى تخريج الإجارة المنتهية بالتمليك على بيع التقسيط مع شرط الاحتفاظ بالملكية -أي لا تنتقل ملكية السلعة المبيعة للمشتري إلا إذا تم سداد أقساط الثمن كاملة - وهذا الشرط لا تقره الشريعة الإسلامية، لأنه مخالف لمقتضى عقد البيع.
9 - إن شرط الاحتفاظ بملكية المبيع لا يصح، ولا يصح معه العقد، لأنه شرط مناف للمقصود الأساسي من العقد، وهو نقل الملك في الحال بمجرد العقد.(3/473)
10 - أنه لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع، لأن بيع التقسيط يجب أن يكون منجزا، ومعنى ذلك أن لا يعلق تمامه على أداء أقساط الثمن، فإذا تأخر المشتري عن سداد الثمن فللبائع حق المطالبة بالثمن في حال المماطلة، أما إذا كان المشتري معسرا، فيجب على البائع الانظار، لقوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون). وبذلك يتقرر أنه لا حق للبائع في الاحتفاظ بملكية المبيع بعد البيع.
11 - أن في الاحتفاظ بملكية المبيع غررا واضحا، لأن المشتري لو تخلف عن أداء قسط من أقساط الثمن ضاع عليه جميع ما دفعه من ثمن.
12 - أن الإجارة المنتهية بالتمليك عقد آخر ولا يمكن تخريجها على بيع التقسيط، لأن المؤجر في الإجارة المنتهية بالتمليك قد سلم المستأجر السلعة بمقتضى عقد الإجارة، وهو تمليك المنفعة، فمكن المستأجر من الانتفاع بالسلعة، وشرط في العقد عقدا آخر، وهو بيع السلعة بثمن متفق عليه، أو شرط هبة السلعة في نهاية المدة للمستأجر، إذا التزم بتسديد أقساط الإجارة في المدة المحددة، فإذا وفى المستأجر بأقساط الأجرة نقل له المؤجر ملكية السلعة وأصبح المستأجر مالكا لها بناء على عقد آخر هو الهبة، أو البيع.
13 - ترجح لدي: القول بصحة اشتراط أحد المتعاقدين على الآخر منفعة مباحة معلومة.
14 - يجوز اشتراط أحد العاقدين على العاقد الآخر عقدا آخر، إلا إذا كان العقد الآخر قرضا.
15 - أنه يجوز اجتماع عقود التبرع مع عقود المعاوضات المالية، لحديث بريرة، وحديث سفينة.
16 - أنه يجوز اجتماع عقد البيع مع عقد الإجارة، أو غيره من عقود المعاوضات بناء على ما ذهب إليه فقهاء الحنفية، والمالكية، والحنابلة، وبعض فقهاء الشافعية في جواز اشتراط القيام بعمل في المعقود عليه، ومثال ذلك: أن يشتري نعلا على أن يحذوه البائع، أو كشرائه ثوبا بدراهم معلومة على أن يخيطه البائع، وهذه الأمثلة تدل على اجتماع عقد البيع مع عقد الإجارة، لأن العمل في المعقود عليه بمثابة الإجارة.
17 - ترجح لدي: جواز تعليق الهبة على شرط مستقبل، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم علق إهداءه الحلة لأم سلمة على رجوعها إذا مات النجاشي فلما رجعت أعطاها لأم سلمة رضي الله عنها.
18 - أنه يجوز تخريج الإجارة المنتهية بالتمليك على أنها إجارة مع شرط الهبة إذا كانت الأجرة مثل أجرة المثل، وهذا يعني أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك هو عقد إجارة اقترن به اشتراط عقد آخر وهو عقد الهبة، والهبة هنا معلقة على شرط سداد الأقساط المتفق عليها في المدة المحددة. وتكون صيغتها: أجرتك هذه السلعة (عقار، سيارة، آلات، .. بأجرة تدفع على أقساط شهرية هي كذا لمدة كذا (ثلاث سنوات مثلا) على أنك إذا وفيت بهذه الأقساط في المدة المحددة وهبتك هذه السلعة المؤجرة لك، وقال الآخر قبلت.
19 - تبين لي أن البيع المعلق على شرط إذا لم يحدد له مدة معينة، فإنه لا يجوز بناء على ما قرره جمهور الفقهاء، أما إذا حددت فيه مدة معينة، فإنه يجوز أخذا برأ ي شيخ الإسلام ابن تيمية لأن عدم تحديد المدة يؤدي للجهالة المفضية للتنازع، وقد ورد عند الحنفية جواز تعليق البيع إذا وقت بمدة معينة.
20 - يجوز تخريج الإجارة المنتهية بالتمليك على أنها إجارة مع شرط البيع إذا كانت الأجرة مثل أجرة المثل، وهذا يعني أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك هو عقد إجارة اقتران به اشتراط عقد آخر وهو عقد البيع.(3/474)
والبيع هنا معلق على شرط سداد الأقساط المتفق عليها في المدة المحددة. وتكون صيغة الإجارة المنتهية بالتمليك: أجرتك هذه السلعة لمدة هي كذا، بأجرة هي كذا، على أنك إذا وفيت بأقساط الإجارة في المدة المحددة بعتك هذه السلعة بثمن هو كذا، ويقول الآخر: قبلت.
21 - جواز الإجارة المنتهية بالتمليك إذا تم البيع في نهاية مدة الإجارة بثمن رمزي مادام أن المؤجر قد رضي بهذا الثمن لسلعته، لأن العبرة حصول التراضي على الثمن في عقد البيع.
22 - ترجح لدي: أن الوفاء بالوعد يلزم مطلقا (سواء كان على سبب أو لم يكن على سبب) ولا يجوز إخلافه للأدلة الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال وأفعال بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن أقوال وقضاء بعض التابعين من سلفنا الصالح، وفي القول بذلك مصلحة كبرى لعموم المسلمين، وليس في ذلك ترتيب مضرة على الواعد، فهو الذي التزم على نفسه، ولغيره، بما لا يلزمه ابتداء طائعا مختارا.
23 - أنه يجوز تخريج عقد الإجارة المنتهية بالتمليك على الإجارة مع الوعد بالبيع، وهذا يعني أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، عقد إجارة مقرون بالوعد بالبيع، علما بأن الوعد معلق على شرط وهو سداد جميع أقساط الإجارة في المدة المحددة. ولا يلزم الوعد بالبيع، إلا إذا تحقق هذا الشرط، وتكون صيغة العقد: أجرتك هذه السلعة بأجرة تدفع على أقساط شهرية هي كذا، ولمدة كذا، وأعدك وعدا ملزما ببيعها لك بثمن هو كذا إذا تم سداد أقساط الإجارة في المدة المحددة ويقول الآخر: قبلت.
24 - أنه يجوز تخريج عقد الإجارة المنتهية بالتمليك على الإجارة مع الوعد بالهبة، وهذا يعني أن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، عقد إجارة مقرون بالوعد بالهبة علما بأن الوعد معلق على شرط وهو سداد جميع أقساط الإجارة في المدة المحددة، ولا يلزم الوعد بالهبة، إلا إذا تحقق هذا الشرط، وتكون صيغة العقد: أجرتك هذه السلعة بأجرة هي كذا تدفع على أقساط هي كذا، ولمدة كذا، وأعدك بهبة السلعة لك إذا تم سداد جميع الأقساط الإيجارية في المدة المحددة، ويقول الآخر قبلت.
25 - إذا كان مصدر الوعد تبادليا أي صدر من المؤجر، والمستأجر فيتضح أن هناك وعدان: وعد بالشراء ووعد بالبيع، فالمؤجر التزم ببيع السلعة للمستأجر، والمستأجر التزم بشراء السلعة من المؤجر فالوعد في هذه الحالة يكون ملزما لكلا الطرفين، ويعتبر كالشرط وبذلك تتخرج الإجارة المنتهية بالتمليك في هذه الحالة إجارة مع شرط البيع والشراء.
26 - إن الوعد بالبيع، أو الوعد بالهبة المقترن بالإجارة المنتهية بالتمليك لا يمثل إيجابا، أو قبولا يعبر عن إرادة الطرفين، لذلك لا بد لإتمام العقد من صيغة لعقد البيع في حال الوعد بالبيع، وصيغة لعقد الهبة في حال الوعد الهبة، وذلك لعدم وجود صيغة له من قبل.
27 - إن الموعود له إذا لم يف له الواعد بما وعد به، فله مطالبة الواعد بتنفيذ وعده، والرفع بذلك للقاضي خصوصا إذا ترتب على ذلك ضرر.
28 - إن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك ينتهي بالإقالة، أي إذا اتفقت إرادة الطرفين (المؤجر والمستأجر) في عقد الإجارة على فسخ العقد برضا واختيار منهما، فإن العقد ينفسخ، لأن الشرط هو الرضا، والفسخ في هذه الحالة صحيح، وبذلك ينتهي عقد الإجارة، ويترتب عليه إلغاء حكمه وآثاره من الوقت الذي تم فيه الاتفاق على إنهاء العقد.(3/475)
29 - يجوز للمستأجر أن يتعجل في تملكه للعين المؤجرة له قبل انقضاء مدة الإجارة، إذا وافقه المؤجر على ذلك، وأنهما على حسب ما يتفقان عليه، إذا تراضيا على ذلك، فقد يتفقان على أن يدفع المستأجر جميع الأجرة قبل نهاية المدة المتفق عليها، وثمن بيع العين المؤجرة له الذي سبق الاتفاق عليه عند بداية العقد، فيتملك العين، فيستحق المؤجر الأجرة نتيجة لعقد الإجارة، وثمن العين المؤجرة نتيجة بيعها للمستأجر، وفي هذه الحالة لا تنفسخ الإجارة، وقد يتفقان على أن تحتسب أجرة المدة المتبقية ثمنا للعين المؤجرة مقابل تملك المستأجر لها، وفي هذه الحالة تنفسخ الإجارة فيما بقي من المدة.
30 - إذا اشترط أحد المتعاقدين (المؤجر، المستأجر) على العاقد الآخر شروطا لا تخالف الشرع، بل فيها مصلحة لأحدهما، فإن هذه الشروط تعتبر شروطا صحيحة يجب الوفاء بها، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: المسلمون على شروطهم إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا)
31 - إذا اشترط المؤجر في الإجارة المنتهية بالتمليك دفع جزء الأجرة مقدم، وباقي الأجرة يكون مفرقا كل شهر مبلغ معين، فإن ذلك جائز.
32 - يجوز للمؤجر في الإجارة المنتهية بالتمليك اشتراط فسخ العقد إذا تأخر المستأجر عن سداد أقساط الأجرة في الوقت المحدد، وأرى عدم فسخ العقد مباشرة بمجرد التأخر، وإنما ينظر في سبب تأخر المستأجر عن دفع الأجرة في الوقت المتفق عليه، هل هو مماطل أو له عذر أجبره على التأخير؟ فإن كان مماطلا فللمؤجر فسخ مباشرة إذا أراد ذلك، أو إنذاراه بفسخ العقد إذا لم يلتزم بما اشترط عليه، أما كان له عذر أجبره على التأخر، فالواجب على المؤجر انظاره وقبول عذره، وعدم الاستعجال بفسخ العقد،
33 - إن اشتراط المؤجر على المستأجر صيانة العين المؤجرة، والقيام بتحمل نفقات الصيانة لا يجوز، لأن العين المؤجرة ملك للمؤجر ونفقتها أي صيانتها واجبة عليه، كما أن اشتراط صيانة العين المؤجرة على المستأجر يؤدي إلى جهالة الأجرة، بناء على أقوال الفقهاء التي توضح أن اشتراط صيانة العين المؤجرة على المستأجر شرط فاسد.
34 - إذا شرط المؤجر الصيانة على المستأجر، ولم يلتزم المستأجر بهذا الشرط، فلا يحق للمؤجر فسخ العقد، ولا تنتهي الإجارة بل العقد ماض إلى نهاية المدة.
35 - إذا لم يقم المؤجر بصيانة العين، فللمستأجر الحق في فسخ عقد الإجارة، حيث أكد ذلك الشافعية والحنابلة، فبينوا أن للمستأجر فسخ العقد، إذا لم يقم المؤجر بصيانة العين.
36 - إذا اشترط المؤجر على المستأجر التأمين على العين المؤجرة، فإن هذا الشرط لا يجوز بل هو شرط فاسد، لأن بقاء العين سالمة مدة عقد الإجارة هي مسئولية المؤجر كما أن العين المؤجرة أمانة في يد المستأجر، وإذا تلفت بغير تقصير وتعد من المستأجر، فإنه لا يضمنها.
37 - إذا شرط المؤجر التأمين على المستأجر، ولم يلتزم المستأجر بهذا الشرط فلا يحق للمؤجر فسخ العقد ولا تنتهي الإجارة بل العقد ماضي إلى نهاية المدة.
38 - إذا تلفت العين المؤجرة أثناء المدة بغير تعد ولا تقصير من المستأجر أو غصبها غاصب، فإنه يحق للمستأجر فسخ العقد وتسقط الأجرة فيما بقي من المدة.
39 - إن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك لا ينتهي بجنون المؤجر، أو المستأجر، وإنما يتنقل العقد لوليه، فيقوم بالالتزام به حتى نهاية المدة.
40 - إن المؤجر في الإجارة المنتهية بالتمليك لا يحق له فسخ عقد الإجارة إذا أفلس المستأجر في أثناء المدة ومضى بعضها. أما إذا لم يمض شيء منها، فإن له حق فسخ العقد إذا أراد ذلك، وإذا أراد بقائه وعدم فسخه فإنه يكون أسوة بالغرماء.
41 - إن عقد الإجارة المنتهية بالتمليك، لا ينفسخ بفلس المؤجر، بل يكون ماضيا حتى نهاية مدته. لأن حق المستأجر متعلق بالعين، والمنفعة مملوكة له في هذه المدة، وعقد الإجارة ارتبط به شرط انتقال ملكية العين للمستأجر في نهاية المدة بناء على عقد آخر، فلذلك يكون المستأجر أحق بالعين من الغرماء.
42 - ترجح لدي القول بعدم فسخ الإجارة بموت أحد المتعاقدين، وأن الورثة يقومون مقام مورثهم بإتمام العقد، إلا إذا لم يكن للمستأجر وارث، أو ترتب على بقاء عقد الإجارة ضرر بالورثة، فإنني أرى رفع الأمر إلى القاضي لكي يرفع الضرر عنهم بفسخ العقد، وفي ذلك إعمال قاعدة فقهية نص عليها الفقهاء، وهي أن الضرر يزال.(3/476)
الإسلام والذمة (معاملة غير المسلمين في الإسلام)
Oمحمد الزحيلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية - الأردن
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1989م
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
معاملة غير المسلمين
الخاتمة:
ويظهر من خلال البحث سماحة الإسلام والمسلمين في التعاون مع غير المسلمين، وإقرارهم على دينهم وعقيدتهم، والارتباط معهم بعهد وعقد منسوب إلى الله والرسول، لأهميته والحرص على تطبيقه والحفاظ عليه، وأن الواقع العملي في رعاية غير المسلمين في الدولة والمجتمع الإسلامي كان يتفق - أو يفوق - الجانب النظري، ولذلك تم التعايش الكامل بين المسلمين وغير المسلمين طوال الحقبة التاريخية السابقة، وحافظ غير المسلمين على وجودهم وكيانهم ودينهم حتى الوقت الحاضر، مع قيام الارتباط الوثيق بينهم وبين المسلمين في جوانب الحياة المختلفة، دون التدخل في العقيدة والمسائل الدينية البحتة، التزاماً بقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين}.
كما أثبت التاريخ أن غير المسلمين تبوأوا مناصب عالية، ومراكز مرموقة، وأنهم كانوا في قصور الخلفاء، وأن الحكام والأمراء استعانوا بهم، وأسندوا إليهم الوظائف المختلفة، ولمع منهم عدد كبير، وهو ما لاحظه المستشرق آدم متز، فقال: " من الأمور التي نعجب لها كثرة عدد العمال والمتصرفين غير المسلمين في الدولة الاسلامية "، وهذا ما أتاح لهم إبداء الرأي، وتقديم المشورة والخبرة في مختلف القضايا باستثناء الأمور الدينية، وهكذا نعم غير المسلمين بالإقامة بجوار المسلمين، متمتعين بالحقوق الكاملة، والكرامة والعيش الرغيد تحت مظلة الشريعة الإسلامية.
لذلك نختم البحث بتوصية متواضعة، وهي أن الالتزام بشريعة الله تعالى هي الضمان الرئيسي لحفظ الحقوق لكل فئات المجتمع، دون أن نفسح المجال لدخيل فكري، أو تشريع مستورد، يمزق كيان الأمة، ويثير النعرات بينها، ويوقد الطائفية بين أبنائها، ويجب أن نحرص على التقيد بالشريعة الغراء، وندعو إلى تطبيقها، وتقنين أحكامها، ليسود العدل والإخاء في ربوع البلاد.
والحمد لله رب العالمين(3/477)
الإشارة وما يتعلق بها من أحكام في الفقه الإسلامي
Oعبدالله بن محمد الطريقي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة
بعد أن استعرضنا موضوع الإشارة وما يتعلق بها من أحكام بالنسبة للأخرس، وبالنسبة للناطق، بقي أن نوضح أهمية هذه الإشارة وأنها قد تقدم على العبارة نظرا لتوغلها في التعريف فنقول:
إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما فأيهما يقدم؟
إذا اجتمعت الإشارة والتسمية (العبارة) هل تعتبر الإشارة أو التسمية؟ في ذلك كلام للفقهاء نفصله فيما يأتي:
عند الحنفية يقول أبو حنيفة – رحمه الله -: إذا اجتمعت الإشارة والتسمية فتعتبر الإشارة لكونها أبلغ في المقصود وهو التعريف.
ومحمد بن الحسن يقول: الأصل أن المسمى إن كان من جنس المشار إليه يتعلق بالمشار إليه، لأن المسمى موجود في المشار إليه ذاتا، والوصف يتبعه، وإن كان من خلاف جنسه يتعلق بالمسمى، لأن المسمى مثل للمشار إليه، وليس بتابع له، والتسمية أبلغ في التعريف من حيث أنها تعرف الماهية، والإشارة تعرف الذات، ألا ترى أن من اشترى فصا على أنه ياقوت فإذا هو زجاج لا ينعقد العقد لاختلاف الجنس، ولو اشترى على أنه ياقوت أحمر فإذا هو أخضر ينعقد العقد لاتحاد الجنس.
وقد أشكل على الحموي (ت 1098هـ) قوله: وإن كان من خلاف جنسه .. الخ فقال: يشكل على هذا ما في المحيط من باب ما يرجع به الوكيل على الموكل قال: بعت منك هذا الحمار بكذا وأشار إلى عبد قائم بين يديه جاز العقد على العبد، ولا عبرة بالتسمية لأن العقد تعلق بالمشار إليه، انتهى.
قلت: وجه الإشكال أن المسمى في المسألة المذكورة من غير جنس المشار إليه وقد تعلق الحكم بالمشار إليه مع أنه على أصل محمد يتعلق بالمسمى لأنه من غير جنسه، فينصرف العقد إلى الحمار لأنه المسمى لا إلى العبد، والله أعلم.
قال ابن نجيم معقبا على قول محمد: الأصل أن المسمى إن كان من جنس المشار إليه .. الخ: قال الشارحون: إن هذا الأصل متفق عليه في النكاح، والبيع، والإجارة، وسائر العقود، ولكن أبو حنيفة – رحمه الله – جعل الخمر والخل جنسا، والحر والعبد جنسا واحدا فتعلق بالمشار إليه، فوجب مهر المثل فيما لو تزوجها على هذا الدن من الخل وأشار إلى خمر، أو على هذا العبد وأشار إلى حر، ولو سمى حراما وأشار إلى حلال فلها الحلال في الأصح، ولو سمى في البيع شيئا وأشار إلى خلافه، فإن كان من خلاف جنسه بطل البيع، كما إذا سمى ياقوتا وأشار إلى زجاج لكونه بيع المعدوم، ولو سمى ثوبا هرويا وأشار إلى مروي اختلفوا في بطلانه أو فساده، هكذا في الخانية في البيع الباطل ذكر الاختلاف في الثوب دون الفص، انتهي كلام ابن نجيم.
وجاء في الفتاوى الخانية في كتاب النكاح: رجل له ابنة واحدة اسمها عائشة فقال الأب وقت العقد: زوجت منك ابنتي فاطمة، لا ينعقد النكاح بينهما، ولو كانت المرأة حاضرة فقال الأب: زوجتك ابنتي فاطمة هذه وأشار إلى عائشة، وغلط في اسمها وقال الزوج قبلت جاز النكاح، انتهى.
قلت: وهذا يعني أنه غلب الإشارة على العبارة لكون الابنة واحدة ليس له غيرها هي عائشة.
قال ابن نجيم: بعد ذكره لكلام الخانية السابق: ومقتضاه أنه لو قال: زوجتك هذا الغلام وأشار إلى ابنته الصحة تعويلا على الإشارة، وكذا لو قال: زوجتك هذه العربية فكانت أعجمية، أو هذه العجوز فكانت شابة أو هذه البيضاء فكانت سوداء أو عكسه، انتهى.
قلت: يظهر لي أن كلام ابن نجيم هذا أعم مما في الخانية السابق، والله أعلم.
أقول: ومما سبق يظهر أن كلام الحنفية السابق يقتضي ترجيح تقديم الإشارة على العبارة إلا أنهم يختلفون في الإشارة هل تكون من جنس المسمى أو من غير جنسه كما سبق.(3/478)
وظاهر كلام الشافعية تغليب الإشارة على العبارة إذا اجتمعتا واختلف موجبهما وحمل ذكر العبارة على الغلط.
قال الزركشي: إذا اجتمعت الإشارة والعبارة واختلف موجبهما غلبت الإشارة ويحمل ذكر العبارة على الغلط، ووجه أن الإشارة هي الأصل في التعريف، إنما جعل الأسامي نائبة عنها في حالة الغيبة كما لو حلف لا يأكل من لحم هذه البقرة وأشار إلى سخلة، وأكل منها يحنث قطعا.
وقال: لو أشار إلى ابنته وقال: زوجتك هذه فلانة وسماها بغير اسمها، أو أشار إليها وقال زوجتك هذا الغلام فحكى الروياني عن الأصحاب الصحة تعويلا على الإشارة.
وقال أيضا: لو قال إن أعطيتني هذا الثوب الهروي فأنت طالق فأعطته فبان مرويا فالأصح نفوذه تغليبا للإشارة، ولو قال: أنت طالق في هذا اليوم إذا جاء الغد وقع في اليوم تغليبا للإشارة، وكذا لو قال للحائض: أنت طالق في هذا الوقت للسنة، طلقت في ظاهر المذهب تغليبا للإشارة، قاله القاضي حسين، انتهي كلام الزركشي.
وقال السيوطي: إذا اجتمعت الإشارة والعبارة، واختلف موجبهما غلبت الإشارة، انتهى.
ثم ذكر أمثلة على ذلك منها: لو قال: زوجتك فلانة هذه، وسماها بغير اسمها صح قطعا، وحكى فيه وجه.
ولو قال: زوجتك هذا الغلام وأشار إلى ابنته نقل الروياني عن الأصحاب صحة النكاح تعويلا على الإشارة، انتهى.
وجاء في شرح المنهاج في الأيمان: ولو حلف لا يدخل دار زيد، أو لا يكلم عبده أو زوجته فباعهما، أو طلقها فدخل وكلم لم يحنث لزوال الملك بالبيع والطلاق، إلا أن يقول داره هذه، أو زوجته هذه، أو عبده هذا فيحنث تغليبا للإشارة، إلا أن يريد ما دام ملكه فلا يحنث، انتهى.
قلت: تغليب الإشارة على العبارة عند الشافعية يستثنى منه ما الملحوظ فيه اللفظ كالعقود، وذلك كما لو عقد على درهمين معينين فخرج أحدهما نحاسا له قمية، فالعقد باطل، لأنه بأن أنه غير ما عقد عليه، وقيل: إنه صحيح تغليبا للإشارة.
قال النووي في الإيمان: إذا قال لا أدخل دار زيد هذه فباعها زيد ثم دخلها فيحنث على الصحيح، لأنه عقد اليمين على عين تلك الدار، ووصفها بإضافة قد تزول، فغلب التعيين كما لو قال: لا أكلم زوجة زيد هذه، أو عبده هذا، فكلمهما بعد الطلاق والعتق يحنث، ولو قال: لا آكل لحم هذه البقرة وأشار إلى شاة فإنه يحنث بأكل لحمها، فلا يجيء فيها الخلاف فيما لو قال: بعتك هذه البقرة، وهي شاة، لأن العقود يراعى فيها شروط وتعبدات لا يعتبر مثلها في الإيمان، انتهى.
قلت: مما تقدم يظهر لنا أن الشافعية يقولون إن الأصل هو تغليب الإشارة على العبارة إذا اجتمعتا واختلف موجبهما إلا ما استثني، والله أعلم.
وظاهر كلام الحنابلة تغليب الإشارة فقد جاء في كتاب المغني لابن قدامة في الصداق: وإن قال أصدقتك هذا الخمر وأشار إلى الخل، أو عبد فلان هذا، وأشار إلى عبده صحت التسمية، ولها المشار إليه، لأن المعقود عليه يصح العقد عليه، فلا يختلف حكمه باختلاف صفته، كما لو قال: بعتك هذا الأسود وأشار إلى أبيض، أو هذا الطويل وأشار إلى قصير، انتهى.
وقال في الطلاق: وإن أشار إلى عمرة فقال: يا حفصة أنت طالق، وأراد طلاق عمرة فسبق لسانه إلى نداء حفصة طلقت عمرة وحدها، لأنه لم يرد بلفظه إلا طلاقها، وإنما سبق لسانه إلى غير ما أراده، فأشبه ما لو أراد أن يقول: أنت طاهر فسبق لسانه إلى أنت طالق، انتهى.
قلت: قد ذكر ابن قدامة أن عمرة قد طلقت تغليبا للإشارة مع أنها المنوية، أما لو أشار إلى عمرة ونوى حفصة فقد ذكر أنهما تطلقان معا حيث قال: وإن أتى باللفظ مع علمه أن المشار إليها عمرة طلقتا معا عمرة بإشارته إليها، وإضافة الطلاق إليها، وحفصة بنيته، وبلفظه بها، وإن ظن أن المشار إليها حفصة طلقت حفصة، وفي عمرة روايتان كالتي قبلها، انتهى.
قلت: يظهر مما تقدم أن جمهور أئمة المذاهب يرون تغليب الإشارة على العبارة إذا اجتمعتا واختلف موجبهما إلا أن لبعضهم خلاف في بعض التفاصيل سبق بيانها، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/479)
الإعادة في العبادات
Oحسين بن عبدالله العبيدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار السنة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وبعد فإن لكل عمل آخرا وختاما وسأسطر خاتمة لهذا البحث تتضمن أهم النتائج التي ظهرت من هذا البحث وهي على النحو الآتي
1 - الإعادة تعني الفعل مرة أخرى سواء كانت الإعادة من أوله أو لجزء من أجزائه
2 - الإعادة قسم من أقسام الحكم الوضعي متميزة عن الأداء والقضاء
3 - الإعادة تنفرد عن كل من الأداء والقضاء فإن الأداء فعل العبادة في وقتها المحدد لها من قبل الشارع أولا بينما القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المقدر من قبل الشارع أولا أما الإعادة فهي فعل العبادة ثانيا سواء كان في الوقت أو خارجه إلا أن الفعل الأول إذا كان صحيحا فإن الإعادة تكون محصورة في الوقت خاصة وإن كان الفعل الأول فاسدا فالإعادة تكون في الوقت وخارجه
4 - أن العبادة إذا وقعت بأركانها وشروطها وواجباتها على وجه الكمال فهي صحيحة لا تلزم إعادتها إلا من سبب يدعو لذلك كإعادة المنفرد صلاته مع الجماعة
5 - العبادة لا تعاد لفوات شيء من سننها كمن ترك التثليث في الوضوء مثلا
6 - للإعادة أسباب منها: أن يقع الفعل غير صحيح لعدم توفر شرط صحته فيعاد كمن صلى بدون طهارة إلا أن الإعادة تأخذ حكم ذلك الفعل في الشرع فإن كان ذلك الفعل واجبا وجبت الإعادة وإن كان مندوبا ندبت الإعادة ومنها لو شك في الفعل فإنه يعيد كما لو شك في النية مثلا في الطهارة ومنها إبطال الفعل بعد وقوعه كما لو ارتد المكلف بعد عبادته ومنها زوال المانع كما لو قدر المتيمم على الماء قبل صلاته ومنها الافتيات على صاحب الحق كمن غصب حق غيره وأخرجه عن الواجب عليه فإن ذمته لا تبرأ وعليه الإعادة
7 - النية شرط لصحة العبادة فلا تصح بدونها فمن تركها أعاد
8 - الشك في النية في أثناء العبادة مؤثر في صحتها بخلاف الشك فيها بعد انقضائها
9 - لا يصح التطهر بالماء المستعمل في رفع حدث ويصح التطهر بفضل طهور المرأة
10 - الشرع حرم اعتداء الناس بعضهم على حق بعض فحرم الغصب بكل صوره وأنواعه إلا أن هذا الغصب لا يؤثر على صحة العبادة لأن هذا النهي ليس متعلقا بذات العبادة بل ينهى عن الغصب فيها وخارجها وذلك كمن غصب آنية فتوضأ منها أو ماء فتوضأ به أو مكانا فصلى فيه أو سترة غصبها واستتر بها وكذا ما نهي عنه لذاته لا يؤثر على صحة العبادة كمن صلى بثوب الحرير
11 - المضمضة والاستنشاق والترتيب في غسل الأعضاء والموالاة في غسلها فروض للوضوء لا يصح مع الإخلال بشيء منها فمن أخل بها لا يصح وضوءه وعليه إعادته كما أن التسمية والدلك فيه سنن يستحب فعلها ولا يترتب على تركها إعادة الوضوء
12 - المضمضة والاستنشاق فرضان من فروض الغسل يترتب على تركهما عدم صحة الغسل فتلزم إعادته بينما الموالاة والدلك سنتان من سنن الغسل
13 - عناية الشريعة الإسلامية باليسر ورفع الحرج فقد جعل الله تعالى لهذه الأمة التراب مطهرا عند تعذر استعمال الماء بأي وجه من الوجوه
14 - يعاد التيمم لدخول وقت كل صلاة
15 - للتيمم فروض يلزم مسحها بالتراب وهما الوجه واليدان والترتيب في مسحهما وكذا الموالاة من شرطه فلا يصح مع الإخلال بهما إلا أن هذا الحكم في التيمم عن الحدث الأصغر بخلافه في التيمم عن الحدث الأكبر(3/480)
16 - الأذان والإقامة من العبادات التي أمر بها الشرع فيعتبر لصحتهما شروط هي: أن يكون المؤذن أهلا للأذان بأن يكون مسلما عاقلا مميزا وأن يكون ذكرا فلا يصح أذان غير المسلم ولا غير العاقل ولا غير المميز ولا يصح أذان المرأة للرجال فيعاد ولا يلزم أن يكون المؤذن بالغا ولا عدلا بل يصح منهما فلا يعاد
17 - الأذان والإقامة يصحان من غير المتطهر مطلقا فلا يعادان
18 - الأذان عبادة مؤقتة بوقت فلا يصح قبل وقته إلا في صلاة الفجر خاصة فيؤذن لها قبل دخول وقتها وتستحب إعادته إذا دخل الوقت
19 - يشترط الترتيب في كلمات الأذان والإقامة كما وردا على الترتيب المعروف من الشارع ويضر في صحتهما التفريق الفاحش فيعادان
20 - للصلاة منزلة عظيمة في الإسلام فهي عموده وركنه المتين فتشترط لها الطهارة من الحدث والنجس فلا تصح من غير المتطهر إلا أن الله تعالى من رحمته بعباده وتيسيره عليهم أن خفف على الناس بأن من لم يستطع التطهر مطلقا أو لم يستطع اجتناب النجاسة صلى على حسب حاله وصحت صلاته فلا يعيدها
21 - يجوز لكل من خاف ضررا من استعمال الماء سواء كان في الحضر أو في السفر ويصلي وتصح صلاته فلا يعيدها
22 - من تيمم لصلاة ثم وجد الماء في أثنائها لزمه استعماله ولا يجوز له الاستمرار على تيممه فلو استمر لم تصح صلاته وعليه إعادتها بعد تطهره بالماء
23 - المكلف إذا أمر بفعل شيء ففعله حيث جاز له ذلك أجزأه فلا يكلف بفعله مرة أخرى لأن ذلك المكلف فعل ما أمر به وأبيح له فعله فأجزأه وبرئت ذمته منه فلا وجه للقول بإعادته وذلك كمن عدم السترة أو المطهر فصلى على حسب حاله ثم وجد السترة أو المطهر فإنه لا يعيد
24 - من وجد الماء يباع بثمن زائد على ثمن المثل زيادة يسيرة لزمه تحملها وشراؤه الماء للتطهر فلو تركه وصلى لم تصح صلاته وعليه إعادتها
25 - من نسي الماء الذي كان معه فتيمم وصلى ثم تذكر أن معه ماء يلزمه إعادة صلاة ولا يعذر بهذا النسيان
26 - للصلاة وقت لا تصح قبله مطلقا
27 - الصبي إذا صلى نفلا ثم بلغ في الوقت لزمته الفريضة
28 - عناية الشريعة المطهرة باليسر ورفع الحرج وقد ظهر هذا جليا فيما شرعه الله تعالى للمسافر من رخص للتيسير والتخفيف فإذا قصر المسافر أو جمع ثم قدم بلده في الوقت أجزأته صلاته وهو في السفر فلا يعيدها صلاة مقيم
29 - ثواب العمل يبطل بالردة ولكن العمل ذاته لا يبطل إلا بالموت مرتدا
30 - الترتيب شرط في الصلوات فلو أخل المصلي به لم يصح ولزمته الإعادة حتى يأتي بالصلاة على الترتيب كما وجبت
31 - ستر العورة شرط لصحة الصلاة فمن صلى مكشوف العورة لم تصح صلاته وعليه إعادتها وكذا من انكشفت عورته في أثناء صلاته إلا إذا استتر حالا بدون زمن طويل
32 - المعول عليه في صفة الساتر أن يكون صفيقا لا يصف ما تحته من لون البشرة بخلاف ما إذا وصف الحجم فلا يضر
33 - الله تعالى لم يكلف عباده فوق طاقتهم فالتكليف حسب الوسع والطاقة يظهر ذلك في أن من لم يجد إلا سترة نجسة فإنه يصلي بها وتصح صلاته فلا يعيدها وكذا لو صلى عاريا ولم يجد السترة إلا بعد الفراغ من صلاته فإنه لا يعيد وهذا بخلاف ما لو قدر على السترة في أثناء صلاته فإنه يستتر بها ويبني على ما تقدم من صلاته إن كان عمله يسيرا ولم يمض عليه زمن مكشوف العورة بعد تحصيلها وإلا فيستتر ويعيد صلاته
34 - استقبال القبلة شرط لصحة الصلاة ولكنه يسقط في حال صلاة الخائف ومثله المعذور عموما أو المتنفل إذا كان مسافرا لجهة غير الكعبة
35 - من اجتهد في طلب القبلة أجزأته صلاته أصابها أو لم يصبها
36 الصلاة لا تصح مع ترك ركن من أركانها مطلقا أما الواجب فتصح معه الصلاة إذا ترك سهوا مع سجود السهو(3/481)
37 - من شك في صلاته في عدد ركعاتها فإنه يبني على اليقين وهو الأقل مطلقا سواء كان إماما أو منفردا وسواء كان شكه لأول مرة أو تكرر
38 - الكلام في الصلاة مناف لصحتها إذا كان عمدا لغير مصلحتها وكذا لو كان سهوا يستوي قليله وكثيره فتعاد معه بخلاف ما إذا كان الكلام يسيرا لمصلحة الصلاة فلا تبطل به ولا تعاد
39 - وجود الحدث في الصلاة يبطلها ويلزم المصلي إعادة صلاته من أولها بعد التطهر ولا يبني على ما مضى منها
40 - صلا ة المأموم صحيحة إذا ظهر حدث إمامه بعد الفراغ من الصلاة فلا يعيد وكذا لو تبين حدثه في أثنائها بشرط أن ينوي مفارقته ولا يقتدي به بشيء من حين علمه
41 - الدين الإسلامي حث على صلاة الجماعة ورغب فيها فمن صلى منفردا ثم وجد جماعة تصلي هذه الصلاة في وقتها فإنه يستحب له إعادتها معهم أي صلاة كانت وكذا لو كان قد صلى في جماعة إذا أقيمت الصلاة وهو في المسجد أو دخل بعد ما أقيمت وإلا فلا
42 - الشرع المطهر جعل لكل مصل موقفا فمن وقف منفردا خلف الصف لم تصح صلاته وعليه إعادتها لما تقدم أما لو وقف عن يسار الإمام مع خلو يمينه فإنها تصح مع الكراهة فلا يعيدها
43 - إمامة الفاسق صحيحة فلا يعيد من صلى خلفه
44 - ينبغي ألاّ يتولى الإمامة في الصلاة إلا المتعلم فلو تقدم الإمام الأمي وصلى خلفه مثله صحت صلاة المأموم بخلاف ما لو صلى خلفه قارئ فلا يصح اقتداء القارئ بالأمي على ما تقدم بيانه
45 - لا يلزم اتفاق الإمام والمأموم بالنية في صلاة الفريضة فيصح اقتداء المفترض بالمنتفل وتصح صلاته فلا يعيدها
46 - صلاة الجمعة تنفرد عن غيرها من الصلوات بخصائص فلا تصح إلا مع توفر شروطها الخاصة بها وأن الجمعة لا تنعقد بمن لا تجب عليه فلا يحسب من العدد المشترط فيها
47 - يجوز تعدد إقامة الجمعة في البلد الواحد حسب الحاجة وتصح جميعا بخلاف ما إذا وجد التعدد لغير حاجة فلا يصح منها إلا ما دعت إليه الحاجة دون غيره
48 - الفرض يوم الجمعة هو صلاة الجمعة فلا يجوز لمن تجب عليه أن يصليها ظهرا قبل الفراغ منها فلو صلاها لم تجز عنه ولزمه إعادتها أما المعذور وهو من لا تجب عليه الجمعة فيجوز له أن يصليها ظهرا قبل فراغ الإمام من الجمعة فلا يعيدها ولو زال عذره بعد الفراغ من صلاته
49 - المعول عليه في صحة الإمامة توفر الشروط المعتبرة في الإمامة
50 - صلاة الجماعة مأمور بها في صلاة الخوف فيصلي الخائف على حسب حاله وما يستطيعه وصلاة الخوف تختلف عن صلاة الأمن فيغتفر فيها ما لا يغتفر في غيرها من القتال فيها أو حمل الشيء النجس لمن اضطر إليه أو بنوا على ظنهم لسواد حسبوه عدوا فصلوا صلاة الخوف أجزأتهم صلاتهم فلا يعيدونها
51 - إذا زال الخوف رجع الخائف آمنا فإذا كان غير مستقبل لزمه الاستقبال وهكذا وإذا حدث الخوف في صلاة الأمن ترخص المصلي برخص صلاة الخوف وتصح صلاته في الحالين فلا يعيد
52 - يعاد غسل الميت إذا خرجت منه نجاسة حتى يطهر
53 - من لم يصل على الميت يجوز له الصلاة عليه ولو صلى عليه غيره بخلاف ما إذا صلى عليه ذلك الشخص فلا يشرع له إعادتها
54 - تغسيل الميت شرط لصحة الصلاة عليه فلو صلي عليه قبل تغسيله أعيدت عليه بعد تغسيله
55 - الصلاة على الميت الغائب مشروعة ومن صلى عليه حال غيابه ثم أحضر ذلك الميت فإن من صلى عليه لا يشرع له إعادة الصلاة عليه مرة أخرى
56 - أن من اجتهد في إخراج زكاته فأخرجها حسب ما يظنه مجزئا ثم تبين خلاف ظنه أجزأته زكاته فلا يعيد إخراجها مرة أخرى
57 - لا يجوز للمزكي أن يسقط بالزكاة حقا واجبا عليه ولا يدفع زكاته لمن يرثه فلو فعل لم تجزه ولزمه إعادة إخراجها بصرفها لمستحقها شرعا(3/482)
58 - تعجيل الزكاة جائز ويقع المعجل زكاة ولو تغير حال الآخذ لها فخرج عن كونه من أهل الزكاة فلا تعاد
59 - الزكاة لا تقبل ولا تجزئ إلا إذا أخرجت من مال حلال طيب
60 - من فرط في إخراج الزكاة بعد وجوبها عليه وتمكنه من إخراجها ثم تلفت فإنه يضمنها لأهلها ولا تسقط عنه
61 - انتظار مجيء الساعي إذا كان منتظم الخروج لقبض زكاة الأموال الظاهرة شرط لإجزاء الزكاة فلا تجزئ مخرجها إذا أخرجها قبل مجيئه فيعيدها إذا جاءه
62 - من اشتبهت عليه الأشهر ولم يميز شهر رمضان من غيره فإنه يتحرى ويجتهد شهرا يصومه فإن وافقه أو وقع بعده أو لم يتبين له الأمر فإن صيامه مجز له بخلاف ما إذا وقع قبله
63 - من شك في غروب الشمس فأفطر ولم يظهر له الصواب لم يجزه صيامه بخلاف ذلك فيما لو أكل يشك في طلوع الفجر ولم يتبين له الأمر
64 - من تناول المفطر ناسيا فصومه صحيح فلا يعيده
65 - الجماع مبطل للصيام سواء كان عمدا أو نسيانا وعلى المجامع إعادة صيام ذلك اليوم الذي حصل فيه الجماع ولو كفّر بالصيام
66 - من أفسد عبادته التطوع لا يلزمه إعادتها بعد ذلك
67 - الصيام لا يفسد بمجرد نية الخروج منه دون تناول المفطر حقيقة ولا يعاد
68 - من أغمي عليه بعد نيته الصيام صح صومه إن أفاق جزءا من النهار بخلاف ما لو استمر إغماؤه جميع النهار فلا يصح صومه وعليه إعادته
69 - من نذر صياما وقيده بالتتابع لزمه متتابعا بخلاف ما لو نذر صياما ولم يقيده بالتتابع فلا يلزمه
70 - من وجب عليه التكفير بصيام شهرين متتابعين فأفطر بعذر يبيح له الفطر لا ينقطع تتابعه بل يبني على ما مضى منه
71 - من أدرك الوقوف بعرفة وهو من أهل الكمال أجزأه حجه ولو كان حين إحرامه ليس من أهل أداء الحج فلا يعيده
72 - الحج لا يفسد إلا بالجماع ولا يفوت إلا بفوات وقت عرفة سواء كان فرضا أو نفلا ومن أفسده أو فاته فعليه إعادته
73 - أن العبادات المؤقتة من قبل الشارع لا تفعل قبل وقتها بل إن الفعل في الوقت شرط لصحتها فلا تصح قبله وذلك مع العلم بالوقت
74 - الشرع راعى خطأ الأمة عامة إذا وقفوا بعرفة قبل وقت الوقوف أو ذبحوا أضاحيهم قبل يوم النحر خطأ فلم يكلفهم إعادة حجهم ولا أضاحيهم بل أجرى عملهم مجرى الصحة والإجزاء فلا يعيدون حجهم ولا أضاحيهم
75 - الطواف ينزل منزلة الصلاة في اشتراط الطهارة والموالاة بين أفعاله فإن اختل شيء من شروطه لم يصح ويعاد
76 - العبادات مدارها ومبناها على التوقيف والاتباع فيما ورد به النص فيشترط تمام أشواط الطواف والسعي وأن يؤدي الحاج أو المعتمر طوافه وسعيه كما ورد بهيئته وصفته وقدره فمن أخل بذلك لزمه إعادته
77 - طواف الوداع يجب أن يكون عند إرادة الحاج الانصراف عن البيت فلو ودع ثم أقام أعاده عند إرادته الخروج
78 - رمي الجمرات عبادة يشترط لصحتها الترتيب في رميها وتدخلها النيابة وتبرأ ذمة المستنيب برمي النائب عنه فلا شيء عليه ولا يعيد على ما تقدم
79 - يحرم على الإنسان التعدي على حق إخوانه المسلمين فإذا أخرج الإنسان شيئا واجبا عليه من مال حرام لم يجزه عن الواجب عليه والمضمونات لا تملك بالضمان
80 - ذبح الأضاحي من أجل القرب المسنونة وهو من العبادات المربوطة بوقت فلا تجزئ قبله إلا ما كان خطأ الأمة فهو مغتفر دفعا للحرج والمشقة عن الأمة فلا يعيدون
81 - الأفضل أن يلي ذبح الأضحية المسلم وتجوز استنابة الكتابي في ذبحها وتجزئ أضحية فلا تعاد
82 - لا يشترط لإجزاء الأضحية إذن مالكها بالذبح فتجزئ عنه إذا ذبحها غيره بغير إذنه بعد أن عينها مالكها أضحية فلا يعيدها
هذا ما ظهر لي من أهم النتائج في بحثي وهو جهد المقل فإن أصبت فيه – وهو المرجو والمؤمل – فذاك فضل من الله وتوفيق فأحمده عليه وأشكره وإن أخطأت فيه فهذا مني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله ولكنه دأب البشر وطبعهم أنهم يخطئون والعصمة لم عصمه الله ولكن يشفع لي مما قد يحصل في هذا البحث من أخطاء وزلل قلة الزاد في هذا المجال فلست ممن يؤخذ عنهم هذا وطول الموضوع وكثرة مسائله وفروعه ... وفيه من التشابه الشيء الكثير فقد يحدث النقص ويفوت بعض الشيء قهرا ولكنه طبع البشر فمن ذا الذي عمل عملا لا يعاب فيه ولكن حسبي أني اجتهدت وبذلت جهدي ووسعي ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/483)
الإعلام بتخيير المصلي بمكان وضع اليدين بعد تكبير الإحرام
Oخالد بن عبدالله الشايع
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - العمل فيها - المباح والمكروه والمحرم
الخلاصة:
بعد هذه الدراسة الشاملة لأدلة المسألة، يظهر لنا جلياً ضعف الأحاديث المرفوعة والآثار الموقوفة في مكان وضع اليدين أثناء القيام في الصلاة.
وما صح عن التابعين يستأنس به كما سبق إيضاحه.
وما كان شأنه من المسائل هكذا، فإن ترك الأمر فيه واسعاً هو الأفضل. فالمصلي مخير بين وضعهما فوق سرته أو عليها أو تحتها.
• أما وضعها على النحر أو عنده، فلم يرد القول بها عند السلف، وهي هيئة مخالفة لهيئات الصلاة، بل هي صفة المعذبين من أهل النار والعياذ بالله كما في قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِيَ إِلَى الأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ}. وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. انظر لا جديد في أحكام الصلاة ص34.
فالمصلي مخير في ذلك كما قال الإمام أحمد رحمه الله: كل ذلك واسع عندي إن وضع فوق السرة أو عليها أو تحتها.
وقال ابن المنذر في الأوسط (3/ 94): وقال قائل: ليس في المكان الذي يضع عليه اليد خبر يثبت عن صلى الله عليه وسلم، فإن شاء وضعهما تحت السرة وإن شاء فوقها. أ. هـ.
وقال الإمام الترمذي رحمه الله في سننه (1/ 338) والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم: يرون أن يضع الرجل يمينه على شماله في الصلاة، ورأى بعضهم أن يضعها فوق السرة ورأى بعضهم أن يضعها تحت السرة، وكل ذلك واسع عندهم. أ. هـ.
• ولذلك ينبغي للمسلم ألا ينكر على أحد وضع يديه عند صدره أو على سرته أو تحتها أو فوقها، لأن الأمر واسع ولله الحمد، وأمثال هذه المسائل التي لا يثبت فيها الدليل ينبغي أن يترك الأمر فيها واسع، وهذه هي طريقة الإمام أحمد رحمه الله، كما في هذه المسألة، وكمسألة القبض بعد الرفع من الركوع، جعل الأمر فيها واسعاً والمصلي مخير بين القبض والإرسال.
زرقنا الله وإياكم الفقه في الدين، والحمد لله أولاً وأخيراً، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(3/484)
الإنصاف في نقص الإتحاف
Oإسماعيل محمد ميقا
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة التوبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - زينة الشعر
الخاتمة
أهم النتائج التي توصلت إليها
بعد استقراء ما ورد في موضوع الخضاب بالسواد من الأحاديث والآثار وما ثبت عن الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ومن بعدهم من المحدثين والفقهاء من خضابهم به، ظهر لي ما يلي:
1 - أصح ما ورد في هذا الباب هو الأحاديث الدالة على إباحة الخضاب بالسواد، فمن خضب بالسواد عملاً بتلك الأحاديث الثابتة فقد عمل بأصح ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه العادة المسنون جنسها.
2 - الأحاديث التي استدل بها من يرى كراهة الخضاب بالسواد ضعيفها لا يقيد به إطلاق تلك الأحاديث الصحيحة الثابتة لأن الحديث الضعيف لا يقيد إطلاق الحديث الصحيح عند أئمة العلم وصحيحها غير صريح.
3 - ثبوت حديث جابر في صحيح مسلم الذي ورد فيه الأمر بتغيير شيب أبي قحافة مطلقاً كما جاء من طريق زهير أبي خيثمة (غيروا هذا بشيء).
4 - تصريح أبي الزبير بأن زيادة (وجنبوه السواد) - يعني أبا قحافة – ليست مما روى عن جابر. كما جاء في مسانيد الأئمة: أحمد وأبي داود الطيالسي وأبي عوانه وجزمه بنفي سماعه تلك الزيادة من جابر دليل على إدراجها من ابن جريج.
5 - عدم ثبوت تلك الزيادة من طريق ليث بن سعد.
وليث الوارد في سند حديث جابر بتلك الزيادة: هو ليث بن أبي سليم الضعيف المتروك حديثه. كما جزم بذلك أئمة العلم الباجي والمزي والبوصيري، وتبعهم محمد فؤاد عبدالباقي.
6 - ثبوت الآثار الواردة عن الصحابة في خضابهم بالسواد ومن بعدهم من التابعين وعدم إنكار بعضهم على بعض ذلك.
7 - مذهب أئمة الحنفية والمالكية والمعتمد في مذهب الحنابلة وبعض أئمة الشافعية إباحة الخضاب بالسواد إذا خلا من الغش والخداع والتدليس.
وبهذا أكون قد أنهيت ما قصدت بيانه من الحق بتوفيق الله وفضله والحمد لله رب العالمين وأسأله سبحانه وتعالى أن يجعل عملي هذا وسائر أعمالي خالصة لوجهه الكريم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن سلك منهجهم ودعا بدعوتهم إلى يوم القيامة.(3/485)
الاحتكار في نظر الإسلام
Oصالح بن إبراهيم الشيبان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المسلم - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
احتكار وتسعير
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وفي نهاية هذا البحث المتواضع أقول رأيي فيه حيث رعى الإسلام شؤون المسلمين، خاصة في ناحية بيعهم وشرائهم، وأوجد للمشاكل حلولاً مناسبة، ذلك لشمول الإسلام وكماله وفعاليته وتوازنه.
فالبون شاسع، والهوة سحيقة بينه وبين الأنظمة الوضعية.
فليس هو كالشيوعية الملحدة التي سلبت الفرد حريته وتمنعه من التصرف فيما يملك، بل تقضي على الملكية الفردية التي هي من صميم فطرته، وتجعله عبداً ذليلاً للأنظمة والطغاة.
وبعيداً كل البعد عن الرأسمالية الجائرة التي تمنح الفرد الحرية الكاملة على حساب المجتمع، فليس للمجتمع فيها حق أمام حقوق الأفراد. ولذلك يكون المال دولة بين الأغنياء، تستولي عليه فئة قليلة قد تتصرف باقتصاد العالم.
الإسلام في شموله وتوازنه يقف موقف الوسط، فللفرد فيه حقوق، وللمجتمع حقوق أخرى لا انفصال بينها، بل تتداخل وتترابط.
لا غرابة في شمول الإسلام وتوازنه، فهو أمر بديهي، لأنه صادر من عليم خبير، يعلم الظواهر والأسرار، وما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون.
وإنه لأمر مضحك أن يتحاكم الناس إلى قوانين من صنع البشر، ويبحثوا عن حلول لمشاكلهم فيها.
وهم الذين يسارعون – إذا ما فسدت آله أو حصل بها خلل – إلى المهندس المختص بها ليقوم بإصلاحها. فمثلا – ولله المثل الأعلى – إذا ما حصل خلل في سيارة (ما) فلو ذهب بها إلى نجار ليصلحها وهو غير عارف بها لأصبح هذا العمل أضحوكة يتندر به في المجلس.
والإنسان أكثر تعقيداً من الآلاتِ، فإذا ما حصل له أي مشكلة أسرع إلى غير بارئه والخبير به سبحانه – ولله المثل الأعلى.
إنه التيه والضلال والعمى عن الحق.
وفي هذا البحث رأينا كيف حارب الإسلام الاحتكار وحاول القضاء عليه لما يترتب عليه من الأضرار البالغة بالناس سواء جماعة أو أفرادا. فمنع تلقي الركبان ووضع الخيار للمتلقي إذا وصل السوق.
وكذلك منع البيع أو الشراء للبادي بحيث لا يجوز بيع الحاضر للباد ولا يشتري له لما فيها من الأضرار بأهل السوق.
إلى جانب أن الإسلام جعل للجشعين حدوداً تضبطهم وتحد من جشعهم، فلولي الأمر أن يفرض سعراً عند الحاجة، أي عندما يتصرف التجار بأرزاق العباد على حسب أهوائهم فيمسكون السلع متى شاءوا، ويرفعون الأسعار متى أرادوا، ففي هذه الحالة للإمام أن يحدد سعراً معيناً للسلعة للطرفين، على الاختلاف السابق في التسعير.
وكذلك يمنع الإسلام أخذ الامتياز المؤدي إلى الإضرار والظلم للناس والتصرف بأرزاقهم على حسب أهواء التجار.
وهكذا للإمام أن يتخذ حدوداً وإجراءات متنوعة لدرء المفاسد ولإصلاح الأحوال، وذلك وفق الشرع والمصلحة لا وفق الهوى والشهوة، وأن يقف الموقف الحاسم إزاء المعاندين أصحاب النفوس اللئيمة الذين لا ينظرون إلا إلى ذواتهم ومصالحهم، فيتصرف الإمام التصرف الحكيم الذي يوقف كلاً عند حده.
وفي النهاية أحمد الله سبحانه وتعالى وأسأله أن يلهمنا جميعاً السداد والتوفيق إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
تم بحمد الله(3/486)
الاختيارات الفقهية للألباني من خلال كتاب صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم
Oهند أكني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم – بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - أعمال شاملة
خاتمة:
بعد هذه الدراسة المتعلقة باختيارات الشيخ محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله- في صفة الصلاة نخلص إلى النتائج الآتية:
1 - إن ما ذكره الألباني – رحمه الله – من أن الهدف من مشروعه في التصفية هو التقليص من الخلاف، وتوحيد الصفوف كلام نظري ظهر ضعفه عند عمله التبطيقي؛ إذ كان من الجدير به –رحمه الله- لتحقيق هذا الهدف أن يذكر في المسائل كل الأقوال المحتملة للصواب، القائمة على أدلة سليمة ومبررة، وهذا ما لم يكن منه –رحمه الله- حاش مسائل قليلة، إذ اقتصر على ذكر ما ترجح لديه فقط، مما يوهم أن الأقوال الأخرى التي أهملها ضعيفة، مخالفة لما عليه الكتاب والسنة، وبهذا يكون قد أحدث نتيجة عكسية، وهو التوسيع من دائرة الخلاف لا تقليصه.
2 - إن الأحكام التي خالف فيها الألباني ما عليه جماعات المسلمين، أو غالبيتهم ناتج عن تساهل منه – رحمه الله – في تصحيح أحاديث ضعيفة، أو أخذ بظواهر النصوص من غير مراعاة للواقع والملابسات المحيطة بها، مما أوقعه فيما حذرنا الله منه، وهو الخروج عن جماعة المسلمين وشق صفهم من غير مبرر معتبر يسوغ له هذه المخالفة.
3 - إن ما ذهب إليه الألباني –رحمه الله – من تعميم القول برد الحديث الضعيف، أدى به إلى إقصاء جزء من السنن؛ إذ من الحديث الضعيف ما يعضد بعمل الصحابة، فيرتقي إلى درجة الصحة، ومنه ما توفرت فيه الشروط التي تسوغ لنا العمل به في فضائل الأعمال أو غيرها.
4 - إن ما ذهب إليه الألباني –رحمه الله- من إطلاق القول بضرورة العمل بخبر الآحاد المعارض لبعض القواعد الأصولية ضعيف؛ إذ أن مرد ذلك إلى القرائن والملابسات المحيطة بكل مسألة، فلكل مسألة شخصيتها الخاصة بها.
وأخيراً يمكن أن نقول: إن الفكرة التي دعا إليها الألباني في شكلها العام في مشروع التصفية والتربية فكرة في غاية الأهمية والجودة، فينبغي أن تعطى حقها من العناية والاهتمام، لذلك فإني اقترح: إنشاء موسوعة فقهية نسعى من خلالها إلى الحد من الخلاف قدر الإمكان، يقوم عليها خبراء مختصين حتى نضمن السلامة من أن يزاد في الدين ما ليس منه، أو ينقص منه، أو يضيق فيه ما هو واسع.
ويسهل العمل في هذه الموسوعة في فقه العبادات خاصة، لأن المقصد الأساسي فيه هو التقليص من الخلاف، والعمل على القضاء عليه قدر الإمكان.
ويكون العمل في هذه الموسوعة المقترحة انطلاقاً من النقطتين الآتيتين:
- جمع الأقوال الواردة في كل مسألة مع ذكر أدلتها التي تقوم على أسس علمية سليمة، وبيان وجه الحق فيها بشكل لا يبقى معه لبس، حتى يدرك القارئ أن الخلاف في هذه المسائل من الخلاف المباح، الذي أقر مثله الصحابة رضي الله عنه لعدم وجود الدليل الفاصل فيها، مما يجعلها مرنة، أو يكون الخلاف فيها من خلاف التنوع، كالاختلاف في صيغ التشهد مثلاً، والاستغناء بذلك عن ترجيح قول على آخر.
- تصفية الفقه من الأقوال الشاذة والضعيفة التي ظهر بطلانها لضعف الدليل فيها.
وهذا من باب مراعاة الخلاف، والخروج منه، وهو أمر مقرر عند المذاهب الأربعة.
وتهدف هذه الموسوعة إلى ما يلي:
التكريس لفكرة التقريب بين المذاهب بالتقريب بين وجهات النظر، والتقليص من دائرة الخلاف قدر الإمكان، وهذا مقصد عظيم ينبغي أن نسعى لتحقيقه ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، لأهميته الكبرى وخاصة في وقتنا هذا، الذي كثر فيه الخلاف والانشقاق في صفوف المسلمين.(3/487)
إلباس الفقه الإسلامي ثوباً جديداً يناسب العصر الذي نعيشه، بإظهاره على أنه كل متكامل، وأن الاختلاف الوارد فيه يعكس مرونة الإسلام واستيعاب الشريعة لكل النفسيات المختلفة، مما يجعله مستساغاً، مفهوماً خاصة عند الأجانب المعتنقين للإسلام.
الاستغناء عن الفكرة التي تقوم على دعوة الشباب المثقف بالالتزام بمرتبة الأتباع، وهي البحث باجتهاده الخاص عن القول الحق المبني على الكتاب والسنة، وقد يؤدي به ذلك – لأنه لم تكتمل لديه آلات الاجتهاد – لترك مذهبه الصحيح بدعوى أنه يقوم على دليل باطل، والتمسك بالقول الضعيف المتروك بدعوى أنه مبني على الكتاب والسنة، فتكون هذه الموسوعة بمثابة الحصن الحصين الذي يحمي الشباب من الوقوع في مثل هذه المطبات.
وفيما يلي أعرض نموذجاً يتعلق بصفة الصلاة – بناء على ما سبق عرضه من أدلة موسعة في هذه المسائل – أوضح به صورة هذه الموسوعة المقترحة:
1 - يستقبل المصلي القبلة وجوباً بالاتفاق.
2 - ومن أخطأ فصلى لغير القبلة لم يُعِد على مذهب الحنفية، والحنابلة، ويعيد على ذهب الشافعية المالكية في قول لهم.
3 - ويجعل شيئاً بين يديه يستتر به استحباباً، ويترك قول الظاهرية بالوجوب مراعاة للخلاف.
4 - ويستحب أن لا يصمد للسترة، بل يجعلها جهة يمينه، أو يساره، اتفاقاً.
5 - ولا يترك أحداً يمر بين يديه استحباباً على مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وهو رخصة عند الحنفية، ويترك القول الظاهرية بالوجوب من باب مراعاة الخلاف.
6 - فإن أصر على المرور دفعه دفعاً شديداً على مذهب الظاهرية وبعض الحنابلة، ودفعاً خفيفاً على مذهب الجمهور.
7 - ولا تبطل الصلاة بمرور المرأة والكلب والحمار عند الجمهور، وتبطل على مذهب الظاهرية، وبعض الحنابلة.
8 - ويكبر تكبيرة الإحرام وهي ركن بالاتفاق.
9 - رافعاً يديه حذو المنكبين على مذهب الجمهور، وإلى الأذنين على مذهب الحنفية، ويخير بين ذلك وذاك عند الحنابلة.
10 - ويوجه نظره جهة قبلته على مذهب المالكية، وإلى موضع سجوده عند الجمهور.
11 - ويقبض يديه استحباباً عند الجمهور، ويترك قول الظاهرية بالوجوب، والمالكية بالكراهة من باب مراعاة الخلاف والخروج منه.
12 - ثم يقرأ دعاء الاستفتاح والاستعاذة استحباباً على مذهب الجمهور، ويترك القول بالوجوب والكراهة مراعاة للخلاف.
13 - ثم يقرأ البسملة ويجهر بها في الجهرية وجوباً؛ لأنها من الفاتحة على مذهب الشافعية، واستحباباً على مذهب الحنفية والحنابلة، ويترك قول المالكية بالكراهة خروجاً من الخلاف.
14 - ثم يقرأ الفاتحة وهي ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية.
15 - ويقرؤها في كل ركعة من ركعات الصلاة وجوباً عند الجمهور، واستحباباً عند الحنفية وفي قول للمالكية.
16 - ويكون تأمين الإمام والمأموم دفعة واحدة على مذهب الجمهور، ويترك مذهب الحنابلة – في قوله لهم – بأن تأمينه يكون عقيب تأمين الإمام.
17 - ثم يقرأ سورة استحباباً بالاتفاق.
18 - ثم يسكت سكتة خفيفة قبل ركوعه.
19 - ثم يكبر استحباباً ويترك قول الحنابلة بوجوب تكبير الانتقالات مراعاة للخلاف.
20 - رافعاً يديه استحباباً بالاتفاق ويكون هذا الرفع عند الركوع والرفع منه وعند القيام إلى السجدة الثانية عند الشافعية والحنابلة، وفي قول آخر للحنابلة عند كل خفض ورفع، ولا يسن ذلك عند المالكية والحنفية إلا عند تكبيرة الإحرام.
21 - ثم يركع وهو ركن اتفاقاً.
22 - واضعاً يديه على ركبتيه، باسطاً ظهره استحباباً، ويترك قول الظاهرية بالوجوب.
23 - مطمئناً وهو ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية.
24 - ثم يرفع رأسه معتدلاً، مطمئناً، وهو ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية.(3/488)
25 - ويقنت في الركعة الأخيرة من ركعتي الصبح عند الشافعية والماليكة، ويكره ذلك عند الحنفية والحنابلة.
26 - ثم يخر ساجداً متلقياً الأرض بركبتيه على مذهب الحنفية والحنابلة، أو باليدين على مذهب الشافعية والمالكية، والأفضل أن لا يلزم نفسه بهيئة معينة، لأن كل ذلك واسع.
27 - ساجداً على أعضائه السبعة، وهو ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية، إذ لا يكون الفرض عندهم في حق السجود إلا على الجبهة.
28 - مطمئناً وهو ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية.
29 - ولا يبسط يديه بل يرفعهما عن الأرض استحباباً, ويترك قول الظاهرية بالوجوب مراعاة للخلاف.
30 - ثم يجلس مفترشاً، ويسن الإقعاء أيضاً عند الشافعية.
31 - مطمئناً وهو ركن عند الجمهور واجب عند الحنفية.
32 - ثم يسجد وهو ركن اتفاقاً.
33 - ثم يجلس جلسة الاستراحة عند الشافعية، ولا يجلسها على مذهب الجمهور.
34 - ثم يقوم إلى الركعة الثانية معتمداً على يديه على مذهب المالكية والشافعية، وعلى ركبتيه على مذهب الحنفية والحنابلة، والأفضل أن لا يلزم نفسه بهيئة معينة لأن كل ذلك واسع.
35 - ويجلس في التشهد الأول والثاني مفترشاً عند الحنفية، متوركاً عند المالكية، أما عند الشافعية فيجلس متوركاً ولا يفترش إلا في التشهد الثاني من الصلاة الثلاثية أو الرباعية، وعند الحنابلة يجلس مفترشاً ولا يتورك إلا في التشهد الأخير من الصلاة الرباعية.
36 - ويستحب التشهد الأول عند الجمهور، وهو واجب عند الحنابلة.
37 - ويحرك أصبعه عند المالكية، ولا يحركها عند الجمهور.
38 - ولا تستحب الصلاة والتسليم على النبي صلى الله عليه وسلم فيه عند الجمهور، وهي مستحبة عند الشافعية.
39 - والدعاء عقب هذا التشهد لا يستحب، ويترك قول الظاهرية بوجوبه مراعاة للخلاف.
40 - أما التشهد الأخير، فهو ركن عند الجمهور، واجب عند الحنفية.
41 - ويصلى على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير وجوباً عند الشافعية، واستحباباً عند الجمهور.
42 - ثم يستعيذ بالله من عذاب القبر، وعذاب جهنم ... استحباباً، ويترك قول الظاهرية بالوجوب مراعاة للخلاف.
43 - ثم يسلم وهو ركن عند الجمهور واجب عند الحنفية.
44 - والركن عندهم هو التسليمة الأولى فقط، ويترك القول بركنية التسليمة الثانية مراعاة للخلاف.
45 - وصلاة المرأة كصلاة الرجل، إلا أنها تترك الجهر والتجافي، ويترك قول المالكية – في قول لهم – أن صلاتها كصلاة الرجل.
46 - ويصلي المريض قائماً، فإن لم يستطع فقاعداً، فإن لم يستطع فعلى جنبه، ويترك قول الحنفية بتقديم الاستلقاء على القفا على صلاته على جنبه مراعاة للخلاف.(3/489)
الاستئجار على فعل القربات الشرعية
Oعلي عبدالله حسن أبو يحيى
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إجارة
الخاتمة
نسأل الله تعالى حسن الخاتمة
تم هذا البحث بعون الله وتوفيقه بعد رحلة طويلة من الجهد والتدقيق والتدوين، وقد انتهيت فيه إلى النتائج التالية:
1 - أن أخذ الأجرة على القربة غير أخذ الرزق عليها، فيجوز أخذ الرزق من بيت المال مطلقا، لمن يقوم بمصالح المسلمين التي يتعدى نفعها فاعلها إلى غيره؛ لأنه من باب الإعانة على الطاعة، بخلاف الإجارة على القربة.
2 - لا يشترط في جواز النيابة على القربة جواز الإجارة عليها – عند بعض الفقهاء – كصلاة النذر، والصوم عن الميت، والحج عن العاجز، والميت، فإن هذه القربات تقبل النيابة عندهم دون الإجارة عليها، وإن كان يوجد ترابط بين النيابة والإجارة.
3 - لا يجوز أخذ الأجرة على الصلاة مطلقا، سواء أكانت فريضة أم نافلة أم منذورة.
4 - يجوز قضاء صلاة النذر عن الميت من الولد خاصة؛ لأنه من كسبه وسعيه؛ ولأنها أخف حكما، إذ لم تجب بأصل الشرع، وإنما أوجبها الناذر على نفسه، دون الاستئجار عليها.
5 - إذا تعذر أو رفض الولي أن يقضي ما فات الميت من صوم رمضان أو النذر أو الكفارة الواجبة، فيجوز استئجار من يصوم عنه من تركته؛ لثبوت انتفاعه بالصوم عنه، وإبراء لذمته.
6 - يجوز توكيل صاحب المال من يقوم له بتفريق زكاته على مستحقيها نيابة عنه، واستئجاره في ذلك.
7 - إذا كان العبد عاجزا عن أداء الحج بنفسه، أو مات ولم يؤد الحج، فيجوز أن ينوب عنه آخر بنفقة أو أجرة في أداء الحج عنه، والأجرة أفضل؛ لأن عقد الإجارة أحوط للمستأجر.
8 - قسم المالكية الإجارة على الحج إلى نوعين:
النوع الأول: إجارة الضمان وهي: أن يستأجره بأجرة معلومة، على حجة موصوفة، من مكان معلوم، فله الفضل وعليه النقص.
وتنقسم إجارة الضمان إلى قسمين:
القسم الأول: مضمونة بذمة الأجير: أي متعلقة بذمته، سواء أحج الأجير بنفسه، أم استأجر آخر ليحج، فالمراد تحصيل الحج. ويسميها الشافعية إجارة الذمة.
القسم الثاني: مضمونة بعينه: كأن يقول الولي لشخص: استأجرتك على أن تحج أنت بنفسك عن فلان بكذا.
ويسميها الشافعية: إجارة العين.
9 - إذا أطلق المحجوج عنه مكان خروج النائب أو الأجير، فإن الخروج يكون من ميقات بلد المحجوج عنه، وليس من بلده؛ لأن في ذلك تقليلا للنفقة أو الأجرة، وتخفيفا للمشقة بأن كان بلده بعيدا عن مكة المكرمة، فالمراد من الاحجاج عنه هو إبراء ذمته.
10 - إذا لم يكف المال للحج عن الميت من بلده أو ميقات بلده، فإنه يحج عنه من حيث أمكن، في حجة الإسلام أو التطوع بأن أوصى به إبراء لذمته، ولا أثر لعدم الحج عنه من بلده أو ميقات بلده في فساد الحج عنه.
11 - إذا عين المحجوج عنه مكان خروج النائب أو الأجير أو موضع إحرامه، فإنه يحج عنه من المكان الذي عينه، ويحرم عنه من موضع الإحرام الذي عينه، تنفيذا لما أمر، ووفاء بالشرط.
12 - وإذا أطلق ولم يعين الميقات، فيجوز للأجير أن يحرم من أي ميقات من المواقيت؛ لأن في ذلك تخفيفا وتيسيرا عليه.
13 - إذا خالف الأجير الإحرام من الميقات المشترط في العقد، فإن الإجارة تفسد، وله أجرة المثل دون الأجرة المسماة في العقد، ويقع الحج عن المستأجر؛ لوجود الإذن بالحج من المستأجر.(3/490)
14 - إذا أفسد النائب أو الأجير الحج بالجماع، فإن الحج يفسد، ويقع عنه وينقلب إليه؛ لأن الحج الفاسد لا يجزئ عن المحجوج عنه، فينقلب إليه، ويمضي في حجه الفاسد؛ لأن فساد الحج يوجب المضي فيه، ويوجب عليه الدم، كسائر دماء الجنايات؛ ولأنه لم يؤذن له في الجناية، فكان موجبه عليه، ويقضي الحج الفاسد؛ لأن من أفسد حجه يلزمه قضاؤه، ويقع القضاء عن نفسه؛ لأنه لما خالف صار كأن الإحرام الأول عن نفسه؛ ولأن الأداء الفاسد وقع عنه، فكذا القضاء، ويضمن النفقة؛ لمخالفته، إذ أنه مأمور بانفاق المال على حجة صحيحة، أو يرد الأجرة؛ لأن الحجة لم تجزئ عن المستأجر لتفريطه وجنايته.
15 - إذا مات النائب أو الأجير، فله من الأجرة بمقدار عمله؛ لأن الأجرة مقسطة على أعمال الحج، كما لو استؤجر على بناء حائط، فمات بعد عمل بعضه، فله بمقدار عمله وكذا الحج، ولا يضمن ما أنفقه على نفسه؛ لأنه لم تقع منه مخالفة؛ ولأنه اتفاق بإذن صاحب المال.
ويجوز البناء على عمل النائب أو الأجير الذي مات، ولا يجب استئناف الحج مرة أخرى، تيسيرا على المستأجر برفع الحرج عنه بإيجاب استئناف الحج مرة أخرى، وفي ذلك زيادة النفقة أو الأجرة عليه مرة أخرى، وقياسا على الاستخلاف في الإمامة بجامع أن كلا منهما عبادة.
يجوز الاستئجار على الأذان والإمامة، وتعليم القرآن الكريم والعلوم الشرعية النافعة من فقه وحديث ونحوهما، عند الحاجة والضرورة، وأن ما يؤخذ من أجرة مقابل ذلك، تكون في مقابل ملازمة المكان المعين، والقيام على المسجد، والاحتباس، والجلوس للتعليم، والانشغال عن الكسب.
يجوز الاستئجار على تجهيز الميت بمعنى غسله وتكفينه، وحمله، ودفنه، دون الصلاة عليه، إذا كان تجهيزه فرض كفاية، ولا يجوز الاستئجار على التجهيز إذا تعين، بأن تعذر تحصيل نفقات تجهيزه أو لم يوجد غيره للقيام بالتجهيز، لتعين ذلك في حقه، قياسا على عدم جواز الاستئجار على فرض العين.
لا يجوز الاستئجار على تلاوة القرآن الكريم مقابل إهداء ثواب قراءته إلى الميت مطلقا؛ للأدلة النقلية الصريحة والصحيحة في منع ذلك، ولم يعرف السلف الصالح ذلك، فهو من البدع؛ ولأنه ينافي الإخلاص، ولا ينفعه ثواب القراءة بأجرة، وما يرافق القراءة عند الاجتماع للعزاء من منكرات.
يجوز للقاضي أخذ الرزق من بيت المال مطلقا، فإن تعذر إرزاقه منه، فله أخذ الرزق من أعيان الخصوم إن كان فقيرا، ومحتاجا، ويشغله القضاء عن الكسب، وبالشروط الثمانية التي اشترطها الإمام الماوردي – رحمه الله تعالى – للضرورة والحاجة، فإن تعذر إرزاقه من الخصوم، فله أخذ الأجرة من الخصوم حينئذ، بشرط أخذها قبل القضاء، وبالتساوي بينهما؛ لأن منعه من أخذ الأجرة حينئذ، يؤدي إلى ضياع، وتعطل الحقوق، وانتشار الظلم، والفساد، مما يلحق بعموم المسلمين الحرج والضيق.
يجوز للمفتي أخذ الأجرة إذا تعذر إرزاقه من بيت مال المسلمين، أو أهل البلد عند الحاجة والضرورة إذا كان التفرغ للفتيا يشغله عن جل تكسبه، فيأخذ بقدر ضرورته، إذ الأجرة هنا تكون مقابل احتباسه واحتياجه إلى المال؛ للإنفاق على نفسه وعياله.
ويجوز أخذ الأجرة على كتابة الفتيا، إذا كان في كتابتها كلفة ومشقة عليه، بحيث تستغرق وقته، وتشغله عن جل تكسبه.
21 – لا يجوز أخذ الأجرة على الشهادة تحملا أو أداء مطلقا؛ لما ذكر من أدلة نقلية؛ وليكون التحمل أو الأداء خالصا لوجه الله تعالى، إلا إذا شغله الأداء عن وقت كسبه، فله أخذ الأجرة على الأداء عند بعض المالكية وإن تعين عليه، أو أخذ الأجرة بمقدار مدة الأداء، لا بقدر كسبه عند الشافعية، بخلاف نفقة الطريق وأجرة الركوب، فيجوز له أخذها إذا كان في ذلك كلفة ومشقة عليه.
22 – لا يجوز الاستئجار على الجهاد، إذ لا ضرورة لأخذ الأجرة عليه، فإن كان محتاجا، فله أخذ الجعل عليه للتقوي، أو يأخذ من مصرف الزكاة على سبيل الإعانة، لا على سبيل الإجارة عليه.
إلا إذا كانت هناك حاجة ومصلحة داعية إلى الاستئجار عليه، فيجوز الاستئجار حينئذ للإمام المسلم فقط دون آحاد الناس.
وآخر دعوانا أن الحمد لله تعالى(3/491)
الاستعانة بغير المسلمين في الفقه الإسلامي
Oعبدالله بن إبراهيم الطريقي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد - الاستعانة بغير المسلمين
الخاتمة: وفي نهاية هذه الرحلة العلمية المباركة الشاقة يجدر بي – بعد حمد الله على توفيقه وتيسيره – أن أجمل باختصار شديد أهم النتائج التي انتهيت إليها في النقاط التالية:
1 - تقوم علاقة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم على الأمور التالية:
أ- التسامح.
ب- الإسلام هو الدين الخاتم وهو الدين الحق دون سواه.
ج- العدل مع الكفار.
د- الالتزام بالعهود والمواثيق التي تبرم بيننا وبينهم.
هـ- تحريم الإفساد في الأرض.
وتحريم موالاة الكفار.
ز- جواز معاملة الكافر وأخذ رأيه وخبره في أمور الدنيا.
2 - وتبرز صور التسامح مع الكفار في أمور عديدة منها:
أ- شمولهم بالرحمة العامة.
ب- مشروعية البر والإحسان إلى المسالمين منهم.
ج- جواز مخالطتهم عند الحاجة.
د- عدم إكراههم في الدين وقبول الجزية منهم.
هـ- حل طعام أهل الكتاب ونسائهم.
3 - والكفار كلهم يجب بغضهم ولا تجوز موادتهم وموالاتهم. لكن المحاربين منهم تجب محاربتهم، أما المسالمون فيبغضون بغضاً لا يهضمهم حقاً ولا يلحقهم أذى.
4 - وللموالاة صور عديدة، منها ما هو كفر، ومنها ما هو كبيرة من كبائر الذنوب، ومنها ما هو دون ذلك. ومنها ما هو مباح، وذكرنا من الأمور المباحة التي لا تدخل في الموالاة: أ- معاملة المسالمين بالحسنى – خاصة الأقارب -.
ب- مهاداتهم.
ج- معاملتهم في العقود المالية.
د- السفر إلى ديارهم لأغراض صحيحة.
هـ- الإقامة عندهم لغرض صحيح.
وائتمان بعضهم في أمور الدنيا.
5 - والكفار إما محاربون فالعلاقة معهم تقوم على الحرب والمقاطعة، وإما معاهدون: فتقوم العلاقة بهم على السلم والمعاملة بالتي هي أحسن، والتعاون معهم في أمور الدنيا عند الاقتضاء مع عدم موالاتهم. وإما مسالمون "أي ليس لهم عهد ولكنهم لم يحاربوا" فتجوز إقامة علاقة سلمية معهم ما داموا كذلك. ويجوز للمسلمين أن يلزموهم بدفع الجزية أو بالإسلام، فإن رفضوا جاز للمسلمين قتالهم ولا يجب، لأن الكفر ليس بموجب للقتال بل مبيح فقط، وإنما يجب القتال بسبب المحاربة وعرقلة الدعوة ونحو ذلك.
6 - ولا تختلف أحكام معاملة الكفار باختلاف الدار، فما كان محظوراً أو صحيحاً أو لازماً في دار الإسلام فهو كذلك في دار الحرب.
7 - وإذا لجأ المسلم إلى دار الكفر مختاراً محارباً المسلمين فإنه يكون مرتداً عن الإسلام، فإن كان مكرهاً ولم يحارب المسلمين فلا شيء عليه.
8 - ويجوز للمسلم – المقيم في غير دار الإسلام – أن يستعين بالكفار في طلب العمل عندهم بقدر الحاجة أو نظراً لاقتضاء مصلحة الإسلام ذلك. أما بدونهما فلا.
9 - ويجوز للمسلم أن يستعين بالكفار عن طريق الاستئجار أو التوكيل في أمور الدنيا، أما في أمور الدين فالأصل عدم جواز ذلك، وقد يجوز في حالات استثنائية مثل بناء المساجد وذبح الهدي والأضحية، وقبض الزكاة وتوزيعها على الجهات المعينة، ونحو ذلك.
10 - كما يجوز للمسلم أن يأتمن الكافر على المال ونحوه أو يقترض منه أو يستعير أو يطلب منه أن يكفله عند الحاجة إذا لم يترتب عليه ذلة.
11 - كما يجوز أن يستطب المسلم الكافر وأن يتعلم على يده العلوم الدنيوية، إذا وثق به واحتاج إلى ذلك.
12 - أما الشهادة فالأصل عدم جواز شهادة الكافر على المسلم، لكنها تجوز في حال السفر عند الوصية إذا لم يوجد مسلم. وأما شهادة الذميين بعضهم على بعض فالصحيح جوازها للحاجة إليها.
13 - والكافر ليس له حق حضانة الطفل.(3/492)
14 - ويجوز للمسلم أن يحتمي بالكافر عند الحاجة. كما يجوز أن يتحالف معه عند الحاجة الشديدة أيضاً بشرط ألا تكون قوة الكافر أقوى من المسلم وألا يتضمن الحلف أمراً محظوراً. 15 - ويجوز للدولة المسلمة أن تستعين بأفراد الكفار في الأمور الدنيوية بحسب الحاجة. أما الدينية فالأصل عدم جوازها. إلا في الجهاد فيجوز للدولة أن تستعين بالكفار بثلاثة شروط:
1 - وجود الحاجة.
2 - أمن الخيانة.
3 - ألا يكون لهم شوكة تنازع المسلمين. اللهم إلا في حال قتال أهل البغي فلا يجوز للدولة أن تستعين بالكفار مطلقاً.
16 - كما يجوز للدولة أن تستعين بالكافر لغرض التجسس على الكفار والدعاية لصالح الدولة الإسلامية إذا دعت الحاجة إلى ذلك.
17 - ولا يجوز للدولة أن تمكن المستأمنين من الولايات والوظائف مطلقاً إلا عند الحاجة الشديدة في الوظائف العادية. ومثل ذلك الاستشارة وأخذ الرأي.
18 - واستعانة الدولة المسلمة بالدول الكافرة تجوز في ما تدعو إليه الحاجة وتقتضيه المصلحة من أمور الدنيا، سواء أكانت الاستعانة بأموالهم أم برجالهم.
19 - ولا يجوز أن تلجأ الدولة المسلمة إلى دول الكفر لتطلب منها تأييدها في نصرة قضاياها المصرية. كما لا يجوز أن تدخل في الأحلاف الكافرة مثل حلف الأطلسي وحلف وارسو.
20 - أما التعاون المتبادل بين الدولة الإسلامية ودول الكفر فيجوز منه ما تدعو إليه الحاجة في أمور الدنيا كالتمثيل الدبلوماسي، وتبادل الأسرى، وتبادل المعلومات التي لا خطر فيها على مصلحة الأمة، والتعاون في مجال الاقتصاد وفي شؤون الدنيا المحضة وما إلى ذلك.
21 - ولا يكاد يوجد أحكام خاصة بالذميين في أحكام الاستعانة بل إن ما ينطبق على غير الذمي من المستأمنين وغيرهم ينطبق عليه. غير أن أهم ما يختلفون فيه عن غيرهم هو في تولية الوظائف فتجوز توليتهم في الأمور الدنيوية العادية عند الحاجة ويقدمون على المستأمنين. أما المستأمنون فلا تجوز إلا في حالات نادرة للغاية.
22 - وأهل الأهواء والبدع تختلف أحوالهم، فمن كانت بدعته كفرية رحمت الاستعانة به إجماعاً. وإن كانت دون ذلك فتجوز الاستعانة بمن يستتر ببدعته وكانت بدعته جزئية، أما الإمام في البدعة أو صاحب البدعة الكلية فالأصل عدم الاستعانة به.
23 - ولجزيرة العرب وهي الحجاز وما حوله حكم خاص فلا يجوز أن يقيم فيها الكفار إقامة طويلة أو دائمة، ولا أن يتملكوا فيها عقاراً أو يبنوا فيها معابد، أما ما كان بعيداً عن الحجاز فيجوز أن يقيم الكافر إقامة طويلة بشرط أن يكون ذلك بإذن الإمام وأن تدعو الحاجة أو المصلحة إلى ذلك.
24 - وقد لوحظ تساهل المسلمين وتهاونهم مع الكفار، وبدت مظاهر هذا التساهل في صور كثيرة لا حصر لها شملت جوانب الدين والحياة كلها دون استثناء. سواء في مجال العقيدة أم العبادة أم الأخلاق والأدب، أم جوانب التنظيم والتشريع والتعليم والاقتصاد وغيرها. مما نتج عنه آثار سيئة، ألحقت بالأمة الإسلامية الضرر البالغ في كل الجوانب السابقة وغيرها، وأصبحت عالة على غيرها من الأمم.
ولهذا .. فإنه إن كان لي مجال لطرح الاقتراحات في نهاية هذا البحث المبارك من أجل وصف علاج ناجع لتلك الأدواء المزمنة التي حلت بالأمة، مما ألجأها إلى الأمم الكافرة تستعين بها في شتى ميادين الحياة وتقف وراءها موقف الذليل والحيران والمقلد دون وعي وبصيرة.
إنه إن كان لي مجال فإنني أختصره في كلمة واحدة هي: "أن تعود الأمة الإسلامية إلى معدنها الأصيل "كتاب الله وسنة رسوله – وسيرة السلف الصالح". تصحيحاً للعقيدة وجمعاً للكلمة وتوحيداً للصف وتعاوناً على البر والتقوى، وأخذاً بأسباب الحياة التي شرعها الله تبارك وتعالى. فإذا فعلوا ذلك فستحصل لهم الغنية والاكتفاء عن الكفار، ولن يحتاجوا إليهم إلا في أمور صغيرة لا خطر فيها. {وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ} [الروم: 4 - 5].
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله صحبه أجمعين.(3/493)
الانتخابات وأحكامها في الفقه الإسلامي
Oفهد صالح عبدالعزيز
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار كنوز اشبيليا – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
انتخابات
الخاتمة: ومن أهم النتائج والتوصيات التي أرى أهميتها:
أولا: نتائج البحث:
• يراد بالانتخابات: الطريقة التي يختار فيها المواطنون أو بعضهم من يرضون ويتوصل من خلالها لتحديد المستحق للولاية أو المهمة لمنتخب فيها.
• لم تكن الانتخابات مشهورة لدى الأنظمة الديمقراطية القديمة لأن تلك الأنظمة كانت تعمل بالديمقراطية المباشرة، غير أن استحالة تطبيق هذه الديمقراطية في العصر الحاضر جعل جميع الأنظمة الديمقراطية تلجأ إلى الانتخابات لتحقيق الديمقراطية بحيث لا يمكن قيام الديمقراطية المعاصرة من غير انتخابات.
• الانتخابات بصورتها المعاصرة لم تكن موجودة في التاريخ الإسلامي، حيث لم يعرف التاريخ الإسلامي مشاركة جميع الناس في اختيار الرئيس، ولا إعطاء كل شخص صوتاً محدداً ليستخرج من مجموع الأصوات من يستحق الولاية، ولا كان ثمة أكثر من مرشح للولاية ليختاره الناس، وإنما الذي كان موجوداً في التاريخ الإسلامي هو وجوب الرضا والاختيار من الناس لمن يحكمهم، وأما عامة الناس فيرجع إليهم في بيعة الخليفة وإعلان طاعته، وأما الاختيار فلم يكن لعامة الناس وإنما لأهل الحل والعقد من الناس.
• الراجح في تخريج الانتخاب في عملية الانتخابات شرعاً أنه تزيكة وشهادة إن كان من قبيل الانتخابات المقيدة التي يشارك فيها أهل الحل والعقد، وإن كان من قبيل الانتخابات العامة التي يشارك فيها عموم الناس فهي إرادة واختيار لمن يرضاه الناخب.
• تتفق الانتخابات المعاصرة مع البيعة الشرعية في قيامها على الاختيار والرضا، وكلاهما يرجع فيه إلى رأي الأغلبية، وكلاهما يتوصل من خلاله لتحديد رئيس الدولة، وأما الفروق بينهما فالانتخابات تكون لعامة الناس بخلاف البيعة فإن بيعة الانعقاد خاصة بأهل الحل والعقد، والانتخابات تشمل جميع الولايات، بخلاف البيعة فهي خاصة بالرئاسة العامة، والانتخابات وسيلة تنافس وتزاحم يحدد من يكون بعدها الرئيس، بخلاف البيعة التي لا تكون إلا بعد اختيار الرئيس.
• الانتخابات المعاصرة إن كانت ملتزمة بالضوابط الشرعية فهي داخلة في مفهوم الشورى، وهي تفترق عن الشورى في أمور منها: أن الانتخابات طريق من طرق الوصول إلى الولاية ينحصر رأي الناخب فيها على الاختيار بين المرشحين، بخلاف الشورى التي هي طريق لمعرفة الرأي الصواب تتسع للرفض والقبول والتعديل، وهي شاملة لكل شؤون الحياة، كما أن حكم الانتخابات ملازم لعدد الأصوات بخلاف الشورى التي تتبع الأدلة والبراهين.
• الراجح في حكم الانتخابات في صورتها المعاصرة أنها طريقة من الطرائق الجائزة للوصول إلى الحكم شريطة أن تكون أفضل الطرق المحققة للمصلحة، وأن تكون مصالحها غالبة على مفاسدها.
• الأصل في حكم مشاركة المسلم في الانتخابات الشرعية أنه أمر جائز ومباح، ويجب الانتخاب في حالة توقف ترشيح المؤهل على تصويت الناخب، ويستحب إن كان الناخب يريد بذلك أن يوصل أفضل المرشحين للولاية.
• مشاركة المسلم في الانتخابات غير الشرعية الواقعة في بلاد المسلمين متعلقة بالمصالح والمفاسد المترتبة على هذه المشاركة، فإذا جاز للمسلم أن يشارك في أصل الولاية جاز للناس أن يشاركوا في انتخابه، وإلا فالأصل ترك المشاركة ما لم يكن ثم مصلحة وحاجة.
• وأما الانتخابات غير الشرعية في غير بلاد المسلمين فهي جائزة لظهور المصلحة الشرعية في مشاركة المسلمين في تلك الانتخابات.
• الراجح هو جواز مشاركة المرأة في الانتخابات ناخبة تدلي بصوتها لعدم الدليل المانع من ذلك.(3/494)
• والأصل هو منع الكافر من المشاركة في الانتخابات مصوتاً وناخباً، لأن انتخابهم سيكون بعيداً عن تحقيق المصالح الشرعية لأنهم لا يؤمنون بها، وقد يستغلون أصواتهم في التمكين لهم ولأفكارهم، أما إن لم يكن في انتخابهم أي تأثير على الانتخابات لتفرقهم أو قلتهم فلا مانع من مشاركتهم في الانتخابات لظهور مصلحته وانتفاء مفسدته.
• يجوز مشاركة أهل البدع والأهواء في الانتخابات لأن الانتخاب ليس بشهادة حتى يقال بمنعهم منها، وإنما يمنعون من الانتخاب في حال ظهور المفسدة في مشاركتهم.
• العدالة ليست شرطاً من شروط الانتخاب، فيصح الانتخاب ولو لم يكن الناخب عدلاً، شريطة أن لا يغلب على الظن أن انتخابهم سيكون لهوى أو عصبية.
• يشترط في الناخب أن يكون لديه علم بالولاية وبالمرشح الذي سيتولاها، ولا يشترط أن يكون من أهل العلم والاجتهاد.
• يستخلص مما سبق أن شروط الناخب هي: أن يكون مسلماً، عاقلاً، عالماً بالولاية وبمن يترشح لها، في سن يقدر فيه على معرفة الولاية، متجنباً للأفعال التي تدل على استهتار صاحبها بالولاية، أو واقعاً فيما يغلب على الظن أنه سينتخب لهوى أو عصبية، مع أهمية اشتراط ما يحقق المصالح ويدفع المفاسد.
• لا يجوز للمرأة أن تترشح لأي ولاية من الولايات العامة، سواء أكانت رئاسة أم قضاء أم وزارة أم غيرها لأنها ممنوعة من تولي الولايات فلا يجوز لها أن تترشح لما يحرم عليها توليه، ولا يجوز ترشيحها للمجالس البرلمانية لأنها من الولايات العامة.
• لا يجوز لغير المسلم أن يترشح لأي ولاية من الولايات العامة لأن غير المسلم لا يؤتمن على مثل هذه الولايات وقد نهى الله تعالى عن اتخاذهم بطانة.
• من كفر بسبب بدعته من أهل البدع والأهواء فلا يجوز أن يترشح لأي ولاية من الولايات العامة، وأما من لم تصل بدعته لحد الكفر فإن كان مجتهداً متأولاً أو مقلداً معذوراً جازت توليته وقبل منه الترشيح شريطة أن لا يكون في توليته جلباً للمفسدة كأن يكون داعية لبدعته، أو يكون في توليته دفع لمصالح هجره ومنعه المؤدي إلى حماية المسلمين من شرور البدعة.
• طلب الترشيح في الانتخابات داخل طلب الولاية، وحكمه يختلف بحسب حال طلب الولاية.
فإن لم يقدر على تحقيق مقاصد الولاية غيره فالترشيح في حقه واجب، وإن أراد بالترشيح الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو مستحب، وإلا كان الترشيح مكروهاً.
• الأصل كراهية أن يأذن النظام لأحد بأن يطلب الولاية، إلا إن كان ثمة مصلحة أو حاجة لذلك فتزول الكراهة حينئذ مع أهمية الاقتصار فيه على قدر الحاجة ومراعاة حكم الأصل.
• يجوز تولية المفضول وتقديمه على الفاضل في هذه الانتخابات في حالة ظهور مصلحة العمل بالانتخابات، وفي حالة عدم المصلحة فلا يجوز، وتنعقد الولاية في كلا الحالين.
• لا يجوز الموافقة على ترشيح من فقد شرطاً من شروط الولاية التي يترشح لها، فيجب على النظام الإسلامي مراعاة شروط الولاية في كل مرشح، إلا في حالة الضرورة فيجوز للنظام أن يقر ترشيح غير المؤهل، مع وجوب أن يتحاشاه الناخبون إلا إن كان ثم ضرورة لترشيحه.
• لا يكفي مجرد اجتماع الشروط في المرشح للولاية، بل يضاف إلى هذه الشروط شروط وأوصاف أخرى توصل إلى الولاية أمثل الناس وأقدرهم على تحقيق المصالح الشرعية للولايات.
• طريق الوصول إلى الولاية من الطرق الاجتهادية التي تختلف باختلاف الزمان والمكان، ولا يشترط أن يلتزم المسلمون بالطرق التي وقعت في عصر الخلفاء الراشدين بدليل اختلاف طرق الولاية في عصر الخلفاء الراشدين من غير نكير.(3/495)
• بيعة أهل الحل والعقد قد تكون لازمة وبيعة الناس تبع لها، وقد تكون بيعة أهل الحل والعقد مجرد ترشيح والناس يختارون بعد هذا، وقد يختار الناس مباشرة، وكل هذا من الطرق المباحة حين تحقق المصلحة الشرعية.
• الأصل في ولاية الحاكم أن تكون مطلقة غير مقيدة بشرط ولا وقت، ويجوز في حالة الحاجة أو المصلحة الراجحة أن تقيد ولاية الحاكم بشرط أو مدة.
• المجالس البرلمانية من الولايات العامة، ولا مانع من تسميتها بمجالس الشورى، وإن كانت في الحقيقة لا تقتصر على مجرد الشورى.
• يجوز تحديد أعضاء المجالس البرلمانية عن طريق الانتخاب أو التعيين أو غير ذلك من الوسائل المباحة، ويختار الحاكم أفضل هذه الطرق.
• لا يجوز إجراء الاستفتاء الشعبي على المسائل الشرعية القطعية أو الاجتهادية وكذا المسائل التي تحتاج إلى تخصص، ويجوز إجراء الاستفتاء على المسائل الدنيوية المتعلقة بمصالح الناس ومعاشهم مما يدركها عامة الناس.
• ويجوز إجراء الاستفتاء إن كان استشارياً حول المسائل الشرعية الاجتهادية أو المتخصصة إن كان على جهة معرفة الواقع الذي سينزل عليه الحكم الشرعي أو يراد به الاستفادة منها في إدراك المصالح والمفاسد.
• يجوز إجراء الانتخابات البلدية والانتخاب للوظائف في الدولة، وحكمها أخف من حكم الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
• ما كان من المهمات لا يتعلق بالمصالح العامة، كالشركات والجمعيات الخاصة فيجوز إجراء الانتخابات فيها بلا إشكال.
• النقابات والجمعيات والاتحادات الطلابية وغيرها إن كان شأنها لا يتعدى المطالبة بحقوق أفرادها فهي وكالة تجوز الانتخابات فيها، وإن كانت لها تعلق بالمصلحة العامة فحكمها كحكم الانتخابات للوظائف والمناصب في الدولة.
• لابد لقيام الانتخابات فيما دون الرئاسة أن يأذن بها الإمام لأن هذه الولايات من اختصاص الإمام، وأما الرئاسة العامة فيرجع في العمل لأهل الحل والعقد من الناس سواء أكانوا أشخاصاً أم مجالس برلمانية أم غير ذلك.
• تغيير نتائج الانتخابات إن كان عن طريق الغش والتزوير فهو حرام سواء أكان من قبل الإمام أم غيره، وأما إن كان من غير غش ولا تزوير وإنما أراد الإمام أن يغير نتائج الانتخابات فإن كان لهوى أو شهوة فهو حرام وإن كان لمصلحة فله ذلك ولا يلزمه الأخذ بما اختاره الناس إلا في حالة أن تكون بيعته مشترط فيها أن يلتزم بما يختاره الناس فلا يجوز له مخالفة الشرط.
• وما سبق هو في تغيير نتائج الانتخابات فيما دون الرئاسة، أما الانتخابات الرئاسية فإن كان عرف الناس أن من يختاره الناس يكون رئيساً فلا يجوز تغيير نتائج الانتخابات بعد معرفة أصوات الناس، وإن كان عرفهم أن الأمر مجرد ترشيح فيجوز تغييره واستبداله بغيره إن كان أصلح.
• يجوز إجراء الدعاية الانتخابية مع وجوب مراعاة ما يلي:
أولاً: خلو الدعاية من الكذب في مدح النفس، أو مدح الآخرين، أو الطعن فيهم.
ثانياً: خلو الدعاية من إنفاق الأموال بحيث يتميز أهل الثراء عن غيرهم.
ثالثاً: خلو الدعاية من أي شراء للأصوات.
رابعاً: خلو الدعاية من أي محرم آخر غير متعلق بالدعاية.
خامساً: الاقتصاد في مدح النفس على قدر الحاجة، وأن لا يسمح بالمبالغة الدالة على استهتار بالولاية وانكباب عليها.
• يترتب على تطبيق الانتخابات مجموعة من المصالح والمفاسد، والحكم في الانتخابات متعلق بالموازنة بين المصالح والمفاسد، فإن غلبت المصالح جازت الانتخابات وإلا حرمت، مع وجوب دفع المفاسد والتقليل منها قدر المستطاع.(3/496)
• المصالح المترتبة على الانتخابات منها ما هو من قبيل الضروري الذي تكون الانتخابات فيه واجبة كالانتخابات في الفتنة حين تكون سبباً لإطفائها، وقد تكون مصلحة ظاهرة كالانتخابات في حال الاختلاف والنزاع وقد تكون دون ذلك، وبعض مصالح الانتخابات ظاهر، وبعضها أقل ظهوراً، ووجودها في الانتخابات يختلف باختلاف الزمان والمكان.
• المفاسد المترتبة على الانتخابات منها ما يكون ملازماً للانتخابات، ومنها ما يكون موجوداً وقد يكثر فيها، ومن المفاسد ما يكون غير متعلق بالانتخابات، ومن المفاسد ما يكون من قبيل المفاسد الوهمية التي لا تقع إلا نادراً، فلا أثر لها على حكم الانتخابات.
ثانياً: أهم التوصيات:
أولاً: أهمية دراسة حال المجتمع لمعرفة المصالح والمفاسد قبل إجراء أي انتخابات، ويمكن إسناد ذلك للجنة رسمية مختصة، تقوم بإجراء البحوث والدراسات والإحصائيات التي يعتمد عليها في معرفة المصالح التي ستحققها هذه الانتخابات، والمفاسد التي ستجلبها، حتى يكون تطبيق الانتخابات قائماً على بينة، ولا يصح أن يحرص على تطبيق الانتخابات مطلقاً لمجرد الضغط العالمي والإعلامي المطالب بها.
ثانياً: أهمية التوعية الدينية المصاحبة للانتخابات، والتي تهدف إلى توعية الناس بمقاصد الولاية، وما جاء فيها من ترغيب وترهيب، وما يتعلق بأحكام طلب الولايات، وتحذر من السلوكيات المنحرفة التي تصاحب كثير من الانتخابات المعاصرة.
ثالثاً: أهمية التشديد في شروط قبول الترشيح للانتخابات، بحيث لا يكتفى بمجرد الجنسية وبلوغ سن معين ونحو ذلك، بل لابد من اشتراط جميع الشروط الشرعية لكل ولاية، مع اشتراط بعض المؤهلات والصفات التي تجعل الترشيح في حق فئة من المتميزين الذين يصلحون لأمثال هذه الولايات، وهذا التشديد في قبول الترشيح سيحقق ضمان وصول الأكفاء للولاية.
رابعاً: ضرورة منع الدعايات والحملات الانتخابية بصورتها المعاصرة، والقائمة على عصب المال والإعلام، لما فيها من مفاسد عديدة تنافي الأخلاق الإسلامية، ويمكن الاستغناء عنها بطرق ووسائل كثيرة، منها تخصيص ساعات محددة للمرشحين في بعض وسائل الإعلام ليعرفوا بأنفسهم، ويوضحوا أهدافهم وبرامجهم، مما يعرف الناس بالمرشحين من غير وقوع في مفاسد تدخل العنصر المالي والإعلامي في الترشيح.(3/497)
الانتفاع بالأعيان المحرمة
Oجمانة أبو زيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة: الحمد لله حمدا كثيراً أن منّ علي بإتمام هذا العمل وتفضل علي باختياره من قبل فلك الحمد يا مولاي في الأولى ولك الحمد في الآخرة ولك الحمد يا رب حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت.
أما بعد: فقد توصلت بفضل الله عز وجل في ختام هذه الدراسة على مجموعه النتائج من أهمها:
1 - الانتفاع بالأعيان المحرمة مصطلح يراد به التصرف بما يمكن استغلاله واستخدامه من منافع الأشياء المحرمة. أو هو وصول الإنسان إلى بعض منافعه باستعمال المواد المحرمة أو استغلالها أو استهلاكها.
2 - الخنزير نجس نجاسته عينية حياً كان أم ميتاً وجلده لا يطهر بالدباغ.
3 - جلد الميتة وجلود ذوات الناب من السباع – إذ هي بعد الذبح في حكم الميتة – طاهرة بعد دباغها ويحل الانتفاع بها مطلقاً.
4 - لواحق الميتة من صوف الميتة وشعرها ووبرها وعظمها وقرنها وأنفحتها ... وغير ذلك طاهرة يحل الانتفاع بها.
5 - المصيد بذوات الناب من السباع وذوات المخلب من الطير المعلم كل منها حلال أكله.
6 - الأعيان المحرمة إن كانت لها أكثر من منفعة، وتوجهت الحرمة فيها إلى منفعة ما منها، لا يعني ذلك حرمة باقي منافعها.
7 - الخمر عين طاهرة وإن كانت محرمة، إذ لا تلازم بين الحل والطهارة وكذلك الكحول المستخلص منها طهر وإن كان محرماً.
8 - الأغراض التي تدخل الخمر في تصنيعها محرمه لا يجوز تناولها لبقاء أجزاء المسكر فيها وإن كانت ضئيلة.
9 - للكحول مصادر أخرى غير الخمر كالبترول وغازاته وكنشارة الخشب وغيرها، وللكحول المستخلص منها حكم الحل والطهارة إذ إن الصفة الغالبة عليه هي السمية وليست الإسكار واستخدامه لا يكون في إنتاج الخمور.
10 - الجوزة والزعفران من المخدرات لا المسكرات ويجوز الانتفاع بالقليل منها أن لم يكن فيه ضرر يلحق متناوله كان يغطي العقل ويتسبب بأحداث تسمم أو غير ذلك من الأضرار. 11 - الدخان مادة سامه خبيثة لا يحل الانتفاع بشربها.
12 - الحيوانات التي كامل أو غالب علفها النجاسة يكره أكل لحمها وشرب لبنها أو أكل بيضها كراهة تنزيهية.
13 - الحيوانات المتغذية على الأعلاف المصنعة والداخل في تركيبها بعضاً من المواد المحرمة والنجسة كالهرمونات ومخالفات المجازر والدماء المسفوحة إن ثبت أن لها ضرراً يلحق بمتناولها فإنه يحرم أكلها ومثلها النباتات المعالجة بالمواد الكيماوية.
14 - الانتفاع بالأعيان المشتراة بما لا يطيب من المال جائز، وتركه من الورع.
15 - لا يحل للرجال لبس الثوب المموه بالذهب ويحل لهم لبس ما موه بالفضة من الثياب ما لم تصل فيه الفضة لحد يمكن معه القول بأن فيه تشبهاً بالنساء.
16 - أن الأعيان المحرمة التي رجح جواز الانتفاع بإحدى وجوه منافعها التي لم تنصرف الحرمة إليها، يجوز بيع ما أجيز الانتفاع به منها وشراؤه وهبته وإجارته ونحو ذلك من التصرفات القولية.
17 - الأعيان المحرمة التي يمكن تحويلها إلى أعيان مباح الانتفاع بها شرعاً، يجوز بيعها وشرائها قبل التحول إن كان القصد منه – البيع والشراء – الانتفاع بها بعد تحويلها، إلا أن هذا لا ينساق على الخمر منها لتعارض بيعها وشرائها مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
18 - أن ما كان محرماً من الأعيان في كل وجه من الوجوه دون أن يتم للعين أي تحول أو تبدل لأوصافها يجوز الانتفاع بها حال الاضطرار إن توفرت له – حال الاضطرار – شروط معينه لابد منها.
19 - الاستحالة في الاصطلاح الفقهي: لا يختلف معناها عن المعنى الاصطلاحي للاتحاد الكيميائي.(3/498)
20 - أن كلاً من الاستهلاك والاستحالة لا يبقي أثراً من لون أو رائحة أو طعم للعين المحرمة المستهلكة فيما هو مباح وكذلك في العين المحرمة المستحلية، إلا أن هناك فروقاً بين الاستحالة والاستهلاك.
21 - أن الاستحالة يختلف معناها عن معنى الخلط وأن ثمة فروقاً بينهما.
22 - أن كلاً من الاستهلاك والاستحالة والخلط كمصطلح تشترك في معنى واحد هو الخلط الذي يتحقق في كل منها إلا أنه لا يلزم من الخلط استهلاك أو استحالة بينما يلزم من الاستهلاك والاستحالة وجود الخلط.
23 - أن الاستحالة تقوى على إثبات حكم الطهارة والإباحة للعين المحرمة إن كانت الاستحالة الحاصلة لها تامة. وفي الختام نوصي بالآتي:
أولاً: ضرورة توفير وتكثيف دور أجهزة الرقابة المختصة بمراقبة المنتجات الزراعية والحيوانية للكشف عن طبيعة الأسمدة والمبيدات التي تعالج بها النباتات وبمراقبة الأعلاف المقدمة للحيوانات إن كان قد تسرب إلى بعضها شيء من المواد الكيماوية الممنوع استخدامها دولياً، وإيقاف ذلك بالطرق المناسبة.
ثانياً: توفير الكوادر التوعوية لتقديم المعلومات الكافية حول الأضرار الناجمة عن بعض المواد الكيماوية المحظورة دولياً وبيان الطرق الصحيحة التي تستخدم فيها المواد الكيماوية غير المحظورة واستغلال وسائل الإعلام المختلفة بغية الوصول لهذا الغرض، كما نوصي الأجهزة المسؤولة في الدولة بضرورة وضع العقوبات المناسبة لردع كل من تسول له نفسه استخدام مثل تلك السموم المحظورة.
ثالثاً: نوصي أصحاب الجهات المختصة بالإشراف على المنتجات الغذائية والدوائية ونحوها كجمعية حماية المستهلك وغيرها ضرورة الإشراف على المنتجات المستوردة، الداخلة إلى الأسواق، والتي هي في المحصلة تقع بين يدي المستهلك وذلك بتشكيل لجان مختصة ترسل إلى البلاد المنتجة والمصدرة لتلك المواد للإطلاع على حقيقة تصنيعها وطبيعة المواد الداخلة في تركيبها ومدى صلاحيتها للمستهلك.
رابعاً: نوصي أهل الخبرة والاختصاص بحقيقة استحالة بعض المواد المحرمة أو بعض المواد المستخلصة منها والذين هم على علم ودراية بحقيقة التفاعلات الكيميائية الحاصلة لمثل تلك المواد، إمداد أهل العلم الشرعي بقوائم يبين فيها أسماء المواد التي تحققت لها استحالة تامة والتي لم تتحقق لها استحالة ليتمكنوا بدورهم من تقديم الفتوى للناس في حكم استغلالها واستخدامها.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/499)
البدع الحولية
Oعبدالله بن عبدالعزيز التويجري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إنكار البدع والخرافات والمعتقدات الخاطئة
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات الذي علم الإنسان مالم يعلم، أحمده وأشكره على توفيقه وإعانته على إتمام هذا الكتاب، وأسأله المزيد من فضله وإنعامه وأصلي وأسلم على خير الخلق نبينا وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه أهم النتائج التي خرجت بها من خلال كتابي في موضوع (البدع الحولية).
1 - أن البدعة: هي كل ما خالف السنة، فليس في البدع محمود، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة.
2 - أن من البدع ما يكون كفرا، ومنها ما هو مختلف فيه: هل هو كفر أم لا؟ ومنها ما هو معصية، ومنها ما هو مكروه.
3 - أن من أسباب انتشار البدع وشيوعها بين الناس: سكوت العلماء عن إنكار هذه البدع، وقول بعض الجهال في الدين بغير علم، واتباع الهوى، والجهل بالسنة.
4 - أن ما تفعله الرافضة في اليوم العاشر من شهر محرم من الحزن والنياحة: بدعة محرمة ومن أمور الجاهلية المنهي عنها.
5 - أن الفرح يوم عاشوراء، والتوسيع على الأهل في النفقة وغيرها، والاكتحال والاختضاب: بدعة محرمة ومن مقابلة الباطل بالباطل.
6 - أنه يستحب صيام يوم عاشوراء، وأن يصام معه اليوم التاسع.
7 - أن التشاؤم بشهر صفر: بدعة محرمة، بل هو من الطيرة الشركية.
8 - أن الاحتفال بالمولد النبوي: بدعة محرمة، ليس لها أي مستند أو أصل شرعي، وكذلك جميع الموالد.
9 - أن أول من ابتدع الاحتفال بالمولد النبوي هم العبيديون الذي يسمون بالفاطميين وذلك في أواخر القرن الرابع الهجري، والذي هم من أكفر الناس وأفسقهم وانتسابهم إلى آل البيت كذب ومحض افتراء، بل أصلهم من المجوس أو اليهود وهم من مؤسسي دعوة الباطنية.
10 - أن عتيرة رجب محل خلاف بين العلماء، والذي ترجح عندي - والله أعلم - أنها باطلة، وما ورد فيها منسوخ.
11 - أن تخصيص شهر رجب بالصوم ليس له أصل، بل هو محدث، وما ورد فيه من الأحاديث إما بضعيف لا يحتج به أو موضوع.
12 - أن تخصيص شهر رجب بالعمرة محل خلاف بين العلماء. والذي ترجح عندي والله أعلم أنه ليس له اصل.
13 - أن صلاة الرغائب وهي التي تكون في ليلة أول جمعة من رجب: بدعة منكرة، وحديثها موضوع، وأول ما حدثت بعد سنة 480هـ.
14 - أن الاحتفال بليلة الإسراء والمعراج: بدعة منكرة، لاسيما أنه لم يقم دليل معلوم لا على شهرها، ولا على عشرها، ولا على عينها.
15 - أن ليلة النصف من شعبان قد يكون لها شيء من الفضل، ولكن تخصيصها بالقيام جماعة في المساجد: بدعة ليس لها أصل، وأما صلاة الإنسان فيها لخاصة نفسه، أو في جماعة قليلة، من غير مداومة على ذلك، فهو محل خلاف بين العلماء. والذي ترجح عندي والله أعلم أن هذا أيضا بدعة ليس لها مستند شرعي.
16 - أن قراءة سورة الأنعام جميعها في رمضان في ركعة واحدة، في التراويح، ليلة الجمعة، أو غيرها، بدعة ليس لها أصل.
17 - أن صلاة التراويح بعد المغرب بدعة أحدثتها الشيعة.
18 - أن صلاة القدر في رمضان: بدعة منكرة، وصفتها: أنهم يصلون بعد التراويح ركعتين في الجماعة، ثم في آخر الليل يصلون تمام مائة ركعة، وتكون في الليلة التي يظنون ظنا جازما أنها ليلة القدر.
19 - أن القيام عند ختم القرآن في رمضان بسجدات القرآن كلها في ركعة،: بدعة وكذلك سرد آيات الدعاء في آخر ركعة من التراويح بعد ختم القرآن.
20 - أن الاحتفال بذكرى غزوة بدر ليلة السابع عشر من رمضان: بدعة، ومن التشبه بالنصارى المنهي عنه أيضا.
21 - استحباب التزوج في شوال، وأن التشاؤم من الزواج فيه أمر باطل ليس له أصل.(3/500)
22 - أن ما يسمى بعيد الأبرار - وهو اليوم الثامن من شهر شوال -: بدعة منكرة.
23 - أن التعريف - وهو اجتماع الناس يوم عرفة في المساجد للذكر والدعاء -: أمر محدث، وجمهور العلماء على أنه بدعة.
24 - أن عيد غدير خم - وهو في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة -: من الأعياد المبتدعة، التي ليس لها أصل، وأول من أحدثه - حسب ما اطلعت عليه - معز الدولة بن بويه سنة 352هـ.
25 - أن احتفال المسلمين بعيد ميلاد المسيح، أو بالنيروز، أو بأعياد الميلاد، أو ذكرى بعض العلماء والحكام، أو براس السنة الهجرية أو الميلادية، أو برأس القرن الهجري، أو ببعض الأعياد المحدثة، كالأعياد الوطنية ونحوها، كل ذلك من التشبه بأهل الكتاب المنهي عنه بالكتاب والسنة والآثار والاعتبار. بالإضافة إلى كونها محدثة لا أصل لها.
26 - مشروعية مخالفة أهل الكتاب وغيرهم في عاداتهم، وأعيادهم، وأخلاقهم وغير ذلك من أمورهم.
وختاما نقول:
اللهم اجعل خير أعمالنا آخرها، خير أيامنا يوم لقاك، ووفقنا لما تحبه وترضاه، وارزقنا السداد والرشاد، وأسبغ نعمتك الظاهرة والباطنة واجعل عملنا خالصا لوجهك الكريم وارزقنا اللهم الفقه في الدين وعلمنا ما جهلنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم وبارك على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.(3/501)
البغية في أحكام الحلية
Oزيد بن مرزوق بن عبدالمحسن
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة دار الأقصى - الكويت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - حكم اللحية
"خلاصة البحث"
مما سبق يتبين لنا ما توصلنا إليه من خلال البحث في الفصلين السابقين تعرفنا على أحكام حلية الذهب وحرمته على الرجال إلا ما استثنى في قول بعض العلماء وأباحته مطلقة للنساء.
وكذلك حلية الفضة وأباحتها للنساء مطلقا والخاتم للرجال وخلاف في غير الخاتم وذكرناه في موضعه وحرمة خاتم الحديد على الجميع وجواز غير الحديد لعدم ورود الحديث الصحيح في تحريمها.
وتعرفنا على صفة نقش الخاتم وفصه واستحباب التختم باليمين وجواز شد الأسنان بالذهب والفضة للحاجة. هذا خلاصة الفصل الأول.
وأما في الفصل الثاني فعرفنا ما اتفق عليه الفقهاء من وجوب الزكاة في الحلي المعطل والمحرم اتخاذه ولبسه وأنهم اختلفوا في الحلي المباح المستعمل على فريقين ذكرنا أقوالهم وأدلتهم وتعارضها ومناقشتها وتوصلنا إلى ترجيح القول بالوجوب للأدلة الصحيحة الصريحة من السنة والآثار واللغة والقياس.
وذكرنا في آخر البحث فوائد تتعلق بباب زكاة الحلي حيث عرفنا أن الزكاة التي في الحلي هي في حلي الذهب والفضة فقط وأما ما عداها فلا زكاة فيها إلا إذا اتخذت للتجارة.
وعرفنا أخيراً نصاب الذهب والفضة اللذين تجب فيهما الزكاة المفروضة.
هذا آخر ما وفقنا الله تعالى إليه في هذا الموضوع ونسأله تعالى أن ينفعنا بما علمنا وأن يعلمنا ما ينفعنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/502)
البنوك الحيوية البحثية ضوابطها الأخلاقية والشرعية (السجل العلمي لمؤتمر الفقه الإسلامي الثاني – قضايا طبية معاصرة)
Oغياث الأحمد - محمد جمعه - عبدالعزيز السويلم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - السعودية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1431هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أحكام طبية
خاتمة:
بعد أن جمعت –بفضل الله وتوفيقه- ما تقدم ذكره في هذا البحث من الأحاديث الضعيفة والموضوعة المشتملة على عبادات لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت ما وقفت عليه من كلام أهل العلم في بيان ضعف تلك الأحاديث ومخالفة ما اشتملت عليه للسنة الصحيحة؛ ألخص أبرز ما استفدته في هذا البحث من النتائج والفوائد في النقاط التالية:
1 - لقد قام أئمة الحديث ونقاده ببيان حال الأحاديث المنسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم صحة وضعفاً، ووضعوا قواعد وأصولاً تعرف بها درجة الحديث، كما ألفوا كتاباً خاصة في ذلك ككتب التخريج وكتب الأحاديث المشتهرة وكتب الموضوعات وغيرها، وذلك مصداقاً لقول الله جل وعلا: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون}.
2 - إن الأحاديث الضعيفة والموضوعة هي من أبرز أسباب حدوث البدع وانتشارها؛ لما تشتمل عليه من عبادات منسوبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، مما أدى إلى استحباب عبادات لم تصح عن النبي صلى الله عليه وسلم، لاسيما أن القائل بها أو المتعبد بها قد يكون من أهل العلم الذين لم يقفوا على حال تلك الأحاديث، فيرتكبون البدعة وهم لا يشعرون.
3 - إن المتتبع لأصول البدع المنتشرة في عبادات كثير من الناس يجد أن كثيراً منها ناشئ عن العمل بحديث ضعيف أو موضوع.
4 - كثير من مجتهدي السلف والخلف قد قالوا وفعلوا ما هو بدعة ولم يعلموا أنه بدعة؛ إما لأحاديث ضعيفة ظنوها صحيحة، وإما لآيات فهموا منها ما لا يرد منها، وإما لرأي رأوه وفي المسألة نصوص لم تبلغهم.
5 - فيما ثبت من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم غنية عن الأحاديث الضعيفة والموضوعة التي لا تصح نسبتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ولا التعبد بما جاء فيها مما لم يثبت في السنة الصحيحة. فإن العمر ينقضي والوقت ينفد قبل أن يغتنم المسلم جميع أبواب الخير والقربات والطاعات التي يجنيها باتباع ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في عباداته ومعاملاته وأخلاقه وسيرته.
6 - إن معرفة البدع التي أدخلت في الدين أمر هام جداً، لأنه لا يتم للمسلم التقرب إلى الله تعالى إلا باجتنابها. فلا يكفي في التعبد الاقتصار على معرفة السنة فقط، بل لابد من معرفة ما يناقضها من البدع. ولهذا كان من الضروري جداً تنبيه المسلمين على البدع التي دخلت في الدين.
7 - إن البدعة التي جاءت النصوص الشرعية بالنهي عنها وتكاثرت أقوال العلماء في التحذير منها هي ما أحدث في الدين على خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من عقيدة أو عمل.
8 - إن ما ورد عن جماعة من السلف من التسهيل في أحاديث الرقائق والمواعظ والترغيب والترهيب مُنصب في جواز سماع تلك الأحاديث من غير المتقنين، وروايتها وكتابتها والتساهل في أسانيدها، وقد اشترطوا فيما يتساهل في روايته ألا يتضمن سنة ولا حكماً شرعياً، أي فلا يجوز أن يؤخذ منه شرع ولا عمل لم يرد في غيره من رواية الأثبات، وإنما يروى من ذلك ما كان في ثواب وعقاب وأدب وموعظة وزهد ونحو ذلك.
فما شاع عند كثير من المتأخرين من نسبة القول بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال إلى جماهير العلماء مجانب للصواب والله أعلم.(3/503)
9 - إن الناظر في أقوال كثير من المتأخرين القائلين بجواز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال يتبين له أنهم لا يعنون بفضائل الأعمال فضائل وردت في أحاديث ضعيفة لأعمال ثابتة أصلاً، بل يعنون بذلك أعمالاً زعموا فضلها بإدراجها تحت أدلة عامة، وجوزوا بل استحبوا العمل بها اعتماداً على ما ورد فيها من أحاديث ضعيفة. فقولهم: يعمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال؛ أي يعمل بالخصلة التي رغب فيها هذا الحديث الضعيف – ولو لم ترد من طريق ثابت – لثبوت أصلها في الجملة.
10 - لابد من التفريق بين الحكم على عمل ما بأنه بدعة وبين الحكم على فاعله، فيتعين النظر في حال من وقعت منه البدعة والحذر من التسرع في التبديع، فالحكم على مسألة ما بأنها بدعة لدلالة النصوص والقواعد الشرعية على ذلك لا يعني مطلقاً اتهام من يقول بها أو يفعلها بأنه مبتدع.
11 - بعض المسائل استدل لها بأحاديث ضعيفة، ولم أقف على دليل ثابت على مشروعيتها، لكني لم أجسر على الحكم عليها بأنها بدعة، إما لأنني لم أقف على من قال ببدعيتها من أهل العلم رغم اشتهارها، أو لكون أدلتها محتملة ولم يتبين لي القول الراجح فيها. ومن تلك المسائل:
• قول: (الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) بعد الخروج من الخلاء.
• الاتكاء على الرجل اليسرى عند قضاء الحاجة.
• اتخاذ المحراب في المسجد.
12 - ذكر بعض أهل العلم عدداً من المسائل على أنها من البدع، وقد تبين لي من خلال هذا البحث خلاف ذلك، إما لثبوتها في السنة أو عن أحد من الصحابة رضي الله عنهم، ومن ذلك:
• صلاة ركعتين للحاجة دون تقييد بسور معينة أو دعاء مخصوص.
• صلاة ركعتين عند دخول المنزل وعند الخروج منه.
• قراءة القرآن على المحتضر.
• توجيه المحتضر نحو القبلة.
• حمل الجنازة من جوانبها الأربعة.
• الإحرام من بيت المقدس.
• مسح الوجه باليدين بعد استلام الحجر الأسود.
• الدعاء عند رمي الجمرة: اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً.
13 - بعض الأدعية المقيدة اشتهر العمل بها بين الناس مع أنها لم ترد إلا في أحاديث ضعيفة أو لا أصل لها، فلا يشرع اعتقاد سنيتها والمداومة عليها لأنها لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن تلك الأدعية:
• اللهم إن هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك فاغفر لي؛ عند سماع أذان المغرب.
• أقامها الله وأدامها؛ عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة.
• اللهم أجرني من النار سبع مرات؛ بعد صلاة الفجر وصلاة المغرب.
• اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت؛ عند الإفطار.
• اللهم زد بيتك هذا تشريفاً وتعظيماً وتكريماً وبراً ومهابة ... ؛ عند رؤية الكعبة.
• اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم؛ عند استلام الحجر الأسود.
• اللهم اجعله حجاً مبروراً وذنباً مغفوراً وسعياً مشكوراً؛ في الطواف.
14 - الأدعية التي تقال على كل عضو من أعضاء الوضوء باطلة ومكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم.
15 - ما روي في رفع البصر إلى السماء عند ذكر الشهادتين بعد الوضوء لا يصح، فلا يشرع التعبد به.
16 - لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يدخل الماء في عينيه في الوضوء، وقد نسب جماعة من أهل العلم إلى ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان يفعل ذلك في الوضوء، والصواب أنه إنما كان يفعل ذلك في الغسل، ولم يكن يفعله في الوضوء كما أخبر بذلك نافع مولى ابن عمر.
17 - مسح الرقبة لم يثبت في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم، فهو بدعة محدثة.
18 - ما روي في تقبيل الإبهامين مع السباحتين ومسح العينين بهما عند قول المؤذن: أشهد أن محمداً رسول الله؛ حديث باطل لا أصل له.(4/1)
19 - قول: (صدقت وبررت) بعد قول المؤذن: (الصلاة خير من النوم) لا أصل له، وهو بدعة محدثة، والمشروع أن تقول كما يقول المؤذن: الصلاة خير من النوم.
20 - زيادة (الدرجة الرفيعة) في الذكر المشهور بعد الأذان لا أصل لها، وهي مدرجة من بعض نساخ الكتب.
21 - لا يشرع للإمام أن يسكت سكتة طويلة بعد فراغة من قراءة الفاتحة عند جماهير العلماء.
22 - القنوت في الصلوات المكتوبة إنما يشرع في النوازل، أما المداومة على القنوت في صلاة الفجر بصفة مستمرة فهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم.
23 - ليس من السنة قراءة سورة الفاتحة بعد الفريضة، ولا يصح في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
24 - التزام المصلين المصافحة وقول: (تقبل الله منا ومنكم) بعد الانصراف من الصلاة بدعة، والحديث الوارد في ذلك موضوع.
25 - كل ما روي في التسبيح بالحصى أو بالسبحة لا يصح، والثابت من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يعد الذكر بالأنامل، فعده بالحصى أو السبحة مخالف لهديه عليه الصلاة والسلام، كما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (التسبيح بالحصى بدعة).
26 - رفع الأيدي في الدعاء بعد الانصراف من الصلاة المكتوبة غير مشروع، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه رضي الله عنهم أنهم كانوا يرفعون أيديهم بالدعاء بعد صلاة الفريضة، أما الدعاء بدون رفع اليدين وبدون استعماله جماعياً فلا حرج فيه لورود ما يدل عليه.
27 - لم يثبت تخصيص صلاة الضحى بقراءة سور معينة، فتقييدها بشيء من ذلك بدعة.
28 - ليس قبل الجمعة سنة راتبة مقدرة عند جماهير العلماء، وقد يكون ترك التطوع قبل الجمعة أفضل إذا كان الجهال يظنون أن هذه سنة راتبة أو أنها واجبة، لاسيما إذا داوم الناس عليها فينبغي تركها أحياناً حتى لا تشبه الفرض. وإن صلاها الرجل بين الأذانين أحياناً لأنها تطوع مطلق أو صلاة بين الأذانين كما يصلي قبل العصر والعشاء – لا لأنها سنة رابتة – فهذا جائز.
وإن كان الرجل مع قوم يصلونها: فإن كان مطاعاً إذا تركها وبين لهم السنة لم ينكروا عليه بل عرفوا السنة؛ فتركها حسن. وإن لم يكن مطاعاً ورأى أن في صلاتها تأليفاً لقلوبهم إلى ما هو أنفع، أو دفعاً لخصام الشر لعدم التمكن من بيان الحق لهم وقبولهم له ونحو ذلك؛ فهذا أيضاً حسن.
29 - لا يشرع تخصيص صلاة العشاء ليلة الجمعة بقراءة سورتي الجمعة والمنافقون، وإنما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ بهاتين السورتين في صلاة الجمعة.
30 - النداء لصلاة العيد بقول: (الصلاة الجامعة) أو أي لفظ آخر بدعة.
31 - لا يجوز لمن فرغ من صلاة الفريضة أن يصلها بصلاة النافلة مباشرة حتى يتكلم أو يخرج من مكانه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، وسواء في ذلك صلاة المغرب أوغيرها.
32 - التطوع المطلق بين المغرب والعشاء مستحب دون تقييد بعدد معين من الركعات، ولا بقراءة سور معينة، وتقييده بذلك من البدع المحدثة. وكل ما جاء من الأحاديث في الحض على ركعات معينة بين المغرب والعشاء لا يصح وبعضه أشد ضعفاً من بعض.
33 - صلوات الأيام والليالي كلها كذب موضوعة.
34 - الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء هو صيامه، أما تخصيصه بغير ذلك من العبادات كصلاة أو صدقة مختصة به، أو اتخاذ طعام خارج عن العادة إما حبوب أو غيرها، أو تجديد لباس أو توسيع نفقة فكل ذلك من البدع.
35 - كل ما ورد في إحياء ليلتي العيدين لا يصح، وتخصيصهما بالقيام بدعة.
36 - لا يجوز تخصيص شهر رجب بشيء من العبادات، وما ورد في فضل الصلاة فيه وقيام لياليه والصدقة فيه وصيام أيامه لا يصح منه شيء.(4/2)
وصلاة الرغائب التي تصلى ليلة أول جمعة من رجب بدعة ضلالة، والحديث المروي فيها كذب باتفاق العلماء.
وكذا صلاة ليلة النصف من رجب وليلة السابع والعشرين منه لا يصح فيها شيء.
37 - ورد في فضل ليلة النصف من شعبان عدة أحاديث ولا تخلو أسانيدها من مقال، فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن ليلة النصف من شعبان ليلة مفضلة، يستحب الاجتهاد فيها بالعبادة دون الاجتماع على ذلك، ولا تخصيصها بصلاة ركعات معينة أو بقراءة سور مخصوصة.
وقالت طائفة من أهل العلم إنه لم يثبت شيء في فضل ليلة النصف من شعبان، فهي كسائر الليالي لا يشرع تخصيصها بالقيام، لأن ذلك تقييد لما أطلقه الشارع، فهو بدعة محدثة.
وسائر أهل العلم متفقون على أنه لا يشرع تخصيص ليلة النصف من شعبان بصلاة مخصوصة على صفة مخصوصة، والاجتماع على ذلك وإظهاره، وكل ما روي في ذلك لا يصح، لاسيما الصلاة الألفية وهي مائة ركعة بقراءة {قل هو الله أحد} ألف مرة، فالحديث المروي فيها كذب، وهي بدعة لم يستحبها أحد من الأئمة.
38 - كل صلاة مقيدة بزمان معين أو مكان معين أو سبب معين، ولم يثبت ذلك التقييد بالأدلة الصحيحة؛ فهي بدعة، كصلاة يوم عرفة، والصلاة عند آثار الأنبياء والصالحين، وصلاة الشكر، وصلاة حفظ القرآن، وصلاة قضاء الدين، والصلاة عند لبس الثوب الجديد، والصلاة المكفرة عن الصلوات الفوائت وغيرها.
39 - حديث صلاة التسبيح روي من عدة طرق لا تخلو من ضعف، ورغم اختلاف هيئة صلاة التسبيح عن سائر الصلوات وعظيم الأجر المذكور فيها لم تنقل إلينا بإسناد ثابت صالح للحجة. ولم يثبت عن أحد من الصحابة أو التابعين أنه صلى هذه الصلاة، كما لم يستحبها أحد من الأئمة الأربعة.
ولتعدد طرق صلاة التسبيح وكون بعضها يسير الضعف فقد ذهبت طائفة من أهل العلم إلى ثبوت صلاة التسبيح والعمل بها.
إلا أن جمعاً من الأئمة والعلماء ذهبوا إلى تضعيف حديث صلاة التسبيح، ورأوا أن جميع طرقه لا تثبت، وأن هذه الصلاة مخالفة لهيئة الصلوات الثابتة، (والقلب إلى قول المضعفين أميل لإتقانهم) كما قال الحافظ العراقي رحمه الله.
40 - ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم مشروعية صلاة ركعتين عند التوبة، وعند الحاجة وعند السفر. أما ما روي في ذلك من الزيادة على ركعتين، أو قراءة سور معينة وأدعية مخصوصة في تلك الصلوات فلا يجوز العمل به لعدم ثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم.
41 - التهليل أثناء تشييع الجنازة بدعة لاسيما إذا كان مع رفع الصوت.
42 - تلقين الميت المشروع إنما هو للمحتضر حتى يكون آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله، أما تلقين الميت بعد موته ودفنه فهو بدعة، والحديث المروي فيه واه.
43 - زيارة القبور مشروعة في أي وقت، وأما تخصيص الزيارة بيوم معين كيوم الجمعة أو العيد فهو بدعة.
44 - المشروع بعد دفن الميت وعند زيارة قبره هو الدعاء للميت، أما قراءة القرآن عند القبور فهو خلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم.
45 - التمسح بالقبور من وسائل الشرك، وهو من البدع الشنيعة.
46 - الدعاء المستحب المشروع عند الإفطار هو: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله). أما الدعاء المشهور على الألسنة: (اللهم لك صمت على رزقك أفطرت) فلم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
47 - السنة للصائم أن يفطر على رطب، فإن لم يجد فعلى تمر، فإن لم يجد فعلى ماء، فإن لم يجد ماء فيفطر على ما أباحه الله تعالى من أي طعام كان. أما ما روي في استحباب الفطر على غير هذه الأصناف الثلاثة كاللبن أو الحلوى فلا يصح.(4/3)
48 - صيام التطوع مستحب في سائر أشهر السنة وأيامها إلا ما نهي عنه، دون تخصيص يوم أو شهر لم يثبت في الشرع تخصيصه، ولا اعتقاد تفضيله على سائر الأشهر والأيام.
وقد ثبت في السنة الصحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم استحباب صيام أشهر وأيام معينة، كصيام شهر الله المحرم وشهر شعبان، وصيام يوم عرفة، ويوم عاشوراء، وصيام يومي الاثنين والخميس وغيرها.
وما سوى ذلك مما لم يثبت في الشرع استحباب صيامه كالأشهر الحرم وشهر رجب ويوم النيروز وغيرها فلا يجوز تخصيصها بالصيام؛ لأن ذلك تقييد لما أطلقه الشارع، فهو ابتداع في دين الله.
49 - شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم مواقيت الحج والعمرة، وأحرم هو وأصحابه من ميقات أهل المدينة، فمن أحرم قبل الميقات فقد خالف هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويستثنى من ذلك الإحرام من بيت المقدس، فقد ثبت عن عدد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم أحرموا بعمرة من بيت المقدس، أما ما روي في فضل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو حديث ضعيف.
50 - لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء مخصوص عند رؤية البيت الحرام، وإنما ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول إذا رأى البيت: (اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام).
51 - كان النبي صلى الله عليه وسلم يستلم الركن اليماني في طوافه، ولم يثبت عنه أنه قبله أو قبل يده بعد استلامه، كما لم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه كبر عند استلام الركن اليماني أو دعا بدعاء مخصوص عنده.
وإنما صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول بين الركنين: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار).
52 - المشروع للمسلم أن يذكر الله تعالى ويدعوه في الطواف والسعي بما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبما تيسر له من الأذكار والأدعية المشروعة دون تخصيص ذكر أو دعاء معين لم يثبت في الشرع، وأما ما أحدثه بعض الناس من تخصيص كل شوط من الطواف أو السعي بأدعية وأذكار معينة فهو بدعة لا أصل لها.
53 - لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم دعاء مخصوص عند مقام إبراهيم أو بعد ركعتي الطواف.
54 - المشروع في الطواف مسح الحجر الأسود والركن اليماني، أما باقي أركان الكعبة وجدرانها فلا يشرع مسحها.
55 - السعي بين الصفا والمروة لا يشرع منفرداً عن الحج أو العمرة، فليس هو عبادة مستقلة بخلاف الطواف.
56 - صلاة ركعتين بعد السعي بدعة محدثة.
57 - صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أفضل ما قلت أنا والنبيون قبلي عشية عرفة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير).
أما تخصيص أدعية أخرى بيوم عرفة لم تثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم واعتقاد سنية الإتيان بها في ذلك اليوم فهو تقييد لما أطلقه الشارع وزيادة في التشريع.(4/4)
الجامع في أصول الربا
Oرفيق يونس المصري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار القلم - دمشق
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ربا
الخاتمة
إنه لمن الصعب عليّ أن أضع خاتمة لهذا الكتاب، الذي احتوى على مباحث ربوية كثيرة، دون أن أتعرض لخطر التطويل والإملال، لاسيما وأن النتائج التي يمكن أن أختار بعضها، وفقا لوجهة نظري، قد تنطوي على ترك نتائج أخرى، لم أختر إثباتها في الخاتمة، وقد تكون ذات أهمية أكبر في نظر بعض القراء، فلاشك أن القراء في ذلك يختلف بعضهم عن بعض.
غير أن هذه الصعوبة لن تمنعني من الإشارة إلى بعض النتائج التي أختارها على مسؤوليتي الخاصة، راجيا أن تفيد عددا من القراء، وأن تعطي مجموع القراء، فكرة ولو يسيرة، عن أهداف هذا الكتاب، وبعض المسائل المطروقة فيه.
وبناء عليه، أذكر هذه المجموعة المختارة من النتائج:
1 - قوله تعالى في سورة البقرة: الآية 279: {لا تظلمون} معناه: لا تظلمون بالثواب، وليس المعنى: لا تظلمون بالنقصان، وقد أوردنا الأدلة على ذلك.
2 - قوله صلى الله عليه وسلم: ((مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد)) يعني التساوي (بين البدلين) في النوعية، والكمية، والزمن.
3 - الأصناف الستة الواردة في أحاديث الربا: الذهب، الفضة، القمح، الشعير، التمر، الملح، هي من أموال ربا القروض ومن أموال ربا البيوع، وهي أموال مثلية، الغرض من تحريم ربا النساء والفضل فيها هو سد الذريعة إلى ربا النسيئة (= ربا القروض).
4 - ربا الفضل هو زيادة بلا زمن، وربا النساء هو زمن بلا زيادة، وربا النسيئة هو زيادة مع زمن.
5 - للزمن قيمة، دليله أن ربا النساء حرام، وأن المقرض مثاب عند الله، وأن البائع بالأجل يجوز له أن يزيد لأجل الأجل ..
6 - الربا ربوان: ربا حرام وربا حلال، وقوله تعالى: {وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة: 275] لا يفيد أن كل بيع حلال، ولا أن كل ربا حرام. والقرض فيه ربا نساء، ولكنه جاز إرفاقا بالمقترض.
والقول بوجود ربا حلال يفيدنا في تقويم المشروعات، كما يفيدنا في تفسير الزيادة للأجل في البيع الآجل، مع ملاحظة أن الربا هو كل زيادة في مقابل الأجل.
7 - الحيوان بالحيوان، تفاضلا ونساء، عند من أجازه، يدخل في باب الربا الحلال.
8 - الزمن في القرض ليس مهدرا، كما قد يتوهم، ذلك بأن الله سبحانه وتعالى يثيب المقرض على قرضه.
كذلك الجودة في الربويات ليست مهدرة، كما قد توهم عبارات بعض الفقهاء، ذلك بأن الله سبحانه يثيب صاحب التمر الجيد في مبادلة التمر الجيد بالتمر الرديء مع التساوي في المقدار.
9 - مبادلة الذهب بالذهب، أو التمر بالتمر، سواء بسواء، يدا بيد، مبادلة لها معنى، وقد يلجأ إليها العقلاء، خلافا لما ذكره البعض، وذلك عند مبادلة عملة ذهبية سورية بعملة ذهبية سعودية، أو تمر سوري بتمر جزائري، متشابهين في الجودة، مختلفين في الطعم.
10 - منع الذهب بالذهب، فضلا ونساء، لأن جوازه يعني جواز القرض الربوي.
ومنع الذهب بالفضة، نساء، لأن جوازه يفتح الذريعة إلى قرض ربوي، يقرض بنقود الذهب ويسدد بنقود الفضة.
11 - قد تكون الحكمة من تحريم ربا الفضل أن ربا الفضل هذا محرم في كل مبادلة بين متماثلين، سواء كان فيها نساء أو لم يكن، وذلك مبالغة في سد الذريعة إلى ربا القرض.
12 - الذهب بالذهب، أو الفضة بالفضة، لا مجال فيه لتحقيق ربح لدى الصيارفة، أما الذهب بالفضة، والعملة بعملة أخرى، ففيه مجال لتحقيق الربح، شريطة أن تتم العملية يدا بيد، ولا مانع أن يكون لدى الصيرفي سعر للشراء وسعر آخر للبيع.
13 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن بيع حلي الذهب والفضة بالنقود لا يجوز نساء، وذهب ابن تيمية وابن القيم إلى جوازه، وكانت أقوى حجة لهما في ذلك أن علة الذهب والفضة ربويا أنهما أثمان، والحلي ليست أثمانا، بل هي مجرد سلعة من السلع، ولا ربا بين السلع والأثمان.
14 - إننا نتفق مع الحنفية في أنه لا ربا بين السيد وعبده، ولا ربا بين المتفاوضين (وقد ذكرنا إمكان وجود تطبيق معاصر لهذا الرأي).
ولكننا لا نتفق مع بعض الفقهاء الذين قالوا بأنه لا ربا بين الوالد وولده، أو لا ربا بين الزوجين.
15 - ذكر بعض المعاصرين أن لا ربا بين الراعي ورعيته، ولم نجد سندا لهذا القول عند الفقهاء السابقين، كما لم نجد له وجها مقبولا حتى الآن.
16 - عرضنا في هذا الكتاب لمسائل شتى أعجز عن تلخيص كل منها، ولهذا أغتني عن الملخص بإحالة القارئ إليها مباشرة.
وهذا الكتاب وصفته بالجامع، بمعنى نسبي، لا بمعنى مطلق، وعلى المجاز لا الحقيقة، وهو إلى حيث استطعته أقرب منه إلى حيث أردته.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/5)
الجنسية والتجنس وأحكامهما في الفقه الإسلامي
Oسميح عواد الحسن
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النوادر – سوريا
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
خاتمة الرسالة:
وفي ختام هذا البحث أود أن أسجل أهم النتائج التي توصلت إليها وهي:
1 - الجنسية مصطلح قانوني حديث وثيق الصلة بالدولة وما يرتبط بها من أنظمة وقوانين ويعود إلى القرن التاسع عشر.
2 - الجنسية حق من حقوق الإنسان، فالشخص الذي لا يحمل جنسية دولة ما، لا يستطيع ضمان حقه في التنقل والإقامة والعمل، بل قد يصعب عليه تأمين حقه في كسب رزقه وضمان بقائه.
3 - الجنسية هي الوسيلة الوحيدة لحماية الفرد في المجتمع الدولي، فتستطيع الدولة عن طريق ممثليها الدبلوماسيين في الخارج حماية الأفراد الذين يحملون جنسيتها والدفاع عن حقوقهم، أما عديم الجنسية فيظل دون حماية في هذا المجال الدولي.
4 - دار الإسلام هي الدار التي تسودها شريعة الإسلام، وتطبق فيها بقطع النظر عن سكانها.
5 - دار الكفر هي الدار التي لا تسودها شريعة الإسلام، وتظهر فيها أحكام الكفر.
6 - الإسلام دين وجنسية، وإن الجنسية الإسلامية تقوم على أساس الانتماء إلى الإسلام تديناً أو الانطواء تحت سلطان دولة إسلامية نظاماً.
7 - الجنسية ثلاثة أقسام، تأسيسية، وأصلية، ومكتسبة.
8 - الجنسية التأسيسية الإسلامية، ظهرت لأول مرة مع قيام الدولة الإسلامية على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الوطنيين الأصول في الدولة الإسلامية، وهم المهاجرين والأنصار والمتبعين لهم من اليهود، فهؤلاء هم شعب الدولة الإسلامية.
9 - الشريعة الإسلامية لا تعتد بحق الإقليم في منح جنسيتها إلا في حالة واحدة وهي حالة اللقيط، فقد اتفق الفقهاء على أنه إذا وجد مسلم لقيطاً في دار الإسلام، وانعدم والداه فإنه يحكم بإسلامه تبعاً للدار.
10 - أما بالنسبة لحق الدم فإن الشريعة الإسلامية تعتد به وتمنح على أساسه جنسيتها لذلك الفرد منذ لحظة ولادته.
11 - تمنح الجنسية الإسلامية في ظل الدولة الإسلامية لكل من أعلن إسلامه، وشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بعد التحقق من صدق دعواه وإخلاص نيته.
12 - إقامة غير المسلمين في دار الإسلام على نوعين: مؤقتة وتنتهي بانقضاء الحاجة، وتكون بمقتضى عقد الأمان، ومؤبدة (التجنس) وتكون بالدخول بالإسلام أو بعقد الذمة.
13 - إن الجزية التي فرضها الإسلام على الذميين ليست غرامة مالية عليهم مقابل عدم إسلامهم، لكنها مقابل رعاية حقوقهم المدنية وحمايتهم وضمان الأمن لهم.
14 - منع الإسلام تولية الكافر على المسلمين ولاية عامة في الدولة الإسلامية، من أجل عدم تمكين الكفار فيها، وتفادياً لخضوع المسلمين لسلطانهم المتنافي مع قوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً} [النساء: 141].
15 - كفل الإسلام لغير المسلمين المقيمين على أرضه كافة الحقوق والحريات التي يحتاجها الإنسان في حياته، وألزمهم في مقابل ذلك بواجبات منها: الخضوع لأحكام الشرع الإسلامي فيما يتعلق بالمسؤولية المدنية والجنائية، دون ما يتعلق بالعقيدة.
16 - هدف الجهاد في الإسلام هو صد العدوان الواقع أو المتوقع على دار الإسلام ورعاياها في الداخل والخارج، لإعلاء كلمة الله ونصرة المظلوم.
17 - القضاء ولاية من الولايات العامة، ولا يتولاها إلا من يؤمن بهذا الدين ويلتزم شرائعه.
18 - كل من تجنس بجنسية دار الإسلام فهو من أهل دارها، له ما للمسلمين وعليه ما عليه، باستثناء ما كان قائماً على العقيدة والدين، فلكل معتقده وما يدين به.(4/6)
19 - لا توجد في دار الإسلام حدود إقليمية أو سياسية تفصل بين الشعوب التي تدين بالإسلام، وذلك أن ولاية الإسلام واحدة، وهي تشمل الشعوب والأقاليم التي تنبسط عليها هذه الولاية.
20 - تجوز الإقامة في دار الكفر لمن أمن الفتنة على نفسه، وعلى من هم تحت رعايته، أما من خاف الفتنة فالهجرة واجبة عليه باتفاق العلماء.
21 - البر والتسامح المطلوب شرعاً من المسلمين للكفار لا يلزم منه موالاتهم ومودتهم، فالموالاة لا تكون إلا لله ولرسوله وللمؤمنين.
22 - التجنس بجنسية دولة غير إسلامية على نوعين: اختياري واضطراري، فالتجنس الاختياري حرام من كبائر الذنوب، لأنه يقوم على الولاء، وموالاة الكافرين حرام، وقد يوصل صاحبه إلى الردة والعياذ بالله إذا كان عن حب ورضا وتفضيل للكافرين على المسلمين. أما التجنس الاضطراري جائز، لأن الضرورات تبيح المحظورات ولكنها تقدر بقدرها، فإذا زال الضرر رجع الحظر.
23 - لا يجوز للمسلم المتجنس اضطراراً أن يشارك في الحروب التي تشنها دول الكفر ضد المسلمين، ولو أكره على ذلك بإجماع المسلمين.
24 - ينتج عن التجنس بجنسية دولة غير إسلامية آثار سيئة منها: الخضوع لقانون الدولة، الإقامة الدائمة بين ظهراني المشركين والكافرين، ثبوت موالاة المسلم لغير المسلمين سياسياً، تكثير سواد الكفار.
25 - إن حالة المسلم المتجنس بجنسية دولة غير إسلامية في البلاد الكافرة، حالة سيئة لأمور كثيرة منها: التعود على ترك فرائض الإسلام، التعود على عوائد الكفرة من الزنا وفجور وشرب الخمر، والمعاملة بالربا، التعود على نسيان النسب، واستبدال أسماء الأشخاص بأسماء أعجمية بدلاً من العربية.
26 - إن وضع المسلمين في دار الإسلام أنهم أهلها، وأصحاب السلطان فيها، ولهم كامل الحق في الاستمتاع بخيراتها وحماية مقدراتها، والدفاع عنها ضد أي عدو.
27 - الحربي لا عصمة له في نفسه ولا ماله بالنسبة لأهل دار الإسلام، والعصمة في الشريعة الإسلامية تكون بأحد أمرين، الإيمان أو الأمان، وليس للحربي واحد منهما.(4/7)
الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته
Oعبدالله بن أحمد القادري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المنارة - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1405هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد
تلخيص نتائج البحث
يتبين لقارئ هذا البحث أن هذا الدين أشد ضرورة للعالم كله من ضرورات الطعام والشراب والهواء التي لا حياة بدونها، لأن فقد هذه الضرورات غاية ما يصيب فاقدها من ضرر أن يموت، والموت حتم لا مفر منه وإن تعددت أسبابه، أما هذا الدين فإن فاقده ينزل به الشقاء في الدنيا والآخرة: {والعَصْرِ* إنَّ الإنسان لفي خُسْر} إلاَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر (، ولأن هذا الدين هو الدين العالمي الحق الذي لم يبق في الأرض حق سواه وهو آخر الأديان الذي لا ينتظر بعده دين ولا نزول وحي ولا بعث رسول: ?ما كان محمدٌ أبا أحد من رجالكم، ولكن رسولَ الله وخاتمَ النبيِّين (?تبارك الذي نزَّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً (?ومن يَبْتَغِ غيرَ الإسلام ديناً فلن يُقْبَلَ منه وهو في الآخرة من الخاسرين (.
وتبين كذلك أنه لا قيام لهذا الدين إلا بالجهاد في سبيل الله فالجهاد في سبيل الله، كذلك ضرورة للعالم كضرورة هذا الدين.
ومن هنا يظهر فضل الجهاد في سبيل الله وكونه رحمة للعالمين كالإسلام وأن الجهاد في سبيل الله يشمل نشاط الإسلام كله، فلا يخلو وقت المسلم كله من مشروعية الجهاد في سبيل الله إما واجباً عينياً وإما كفائياً وإما مسنوناً ـ على ما اختير من تعريف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ـ وإن الجهاد بمفهومه الخاص ـ وهو قتال الكفار ـ يقوم على إعداد المجاهدين والمال والسلاح واستغلال جميع الطاقات المتاحة ولا يتحقق إلا لمن جاهد نفسه في ذات الله عز وجل.
ويظهر من البحث أن للجهاد بواعث تدفع المؤمنين للقيام به ولا تقوم سوقه وتربح تجارته إلا بتلك البواعث، كما أن له معوقات تثبط عنه من تمكنت منه.
وأن للمجاهدين ـ قادة وجنوداً، أفراداً وجيشاً ومجتمعاً ـ صفات لا بد من توافرها فيهم للقيام بالجهاد في سبيل الله.
وأن للنصر أسباباً أناطه الله بها يجب علىالمجاهدين أن يسعوا لتحقيقها وأن للهزيمةـ كذلك ـ أسباباً علقها الله بها يجب علىالمجاهدين أن يبتعدوا عنها.
ويظهر ـ كذلك ـ أن للجهاد في سبيل الله غاية عليا تشمل كل الغايات المتفرعة عنها، وتلك الغاية العليا هي إعلاء كلمة الله في الكون، وبها تتحقق كل الأهداف الفرعية للجهاد في سبيل الله من دفع العدوان ونشر العدل والسلام في العالم وغيرها.
وأن الله سبحانه اقتضت حكمته أن يبتلي عباده بالجهاد في سبيل الله فيمحص المؤمنين الصادقين الذين يفوزون بتقواه ورضاه ونصره وبالانتقال السريع إلى الحياة الأبديةحياة الشهداء الذين يختارهم الله ويصطفيهم لها من بين خلقه. ويكشف سبحانه بالجهاد في سبيله المنافقين الذي يندسون في صفوف المؤمنين للمكر والكيد والخداع والتثبيط عن طاعته.
ويبدو كذلك من البحث أن المسلمين ابتعدوا كثيراً عن دين الله حتى فقدوا روح الجهاد والتضحية بالنفس والمال في سبيل الله وأنه لا بد من إعادة هذه الروح إليهم بغرس الإيمان في قلوبهم وبث العزة في نفوسهم، وبناء نخبة منهم قوية تتحمل أعباء هذا الدين ومشقات الجهاد في سبيل الله، وإبعاد المسلمين عن الترف والاسترخاء المهلكين.
وإن ابتعاد المسلمين عن دينهم كان سبباً في تفرقهم فلا بد من السعي المتواصل لجمع كلمتهم بتعميق معنى الولاء والبراء في نفوسهم وإعادة الخلافة الإسلامية المفقودة التي هي قمة وحدتهم، بل لا وحدة لهم بدونها.
ويتبين ـ كذلك ـ أن للجهاد في سبيل الله ثمراته الطيبة العظيمة التي يعم نفعها المسلمين بتوحيد صفوفهم وتسديد خطاهم وحرصهم على حماية دينهم الذي لم يقم إلا بتضحيات منهم وكفاح، وإعزازهم وتبوئهم منصب قيادة البشرية الذي وعدها الله إياه: ?كنتم خير أمة أُخرجتْ للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهَون عن المنكر، وتؤمنون بالله (كما يعم العالم أجمع بإبلاغ الدعوة إليه ودخوله في دين الله أفواجاً بعد أن يحقق الله لأهله النصر والتأييد والغلبة وبذلك تتحقق للناس السعادة الكاملة بإخراجهم من ظلمات الكفر إلىنور الإيمان، وبنشر العدل والسلام في الأرض.
وللقعود عن الجهاد في سبيل الله أضرار خطيرة على المسلمين وعلى العالم كله، إذ تعلو بذلك كلمة الكفر ويهيمن قادة الكفر على الأرض، ويذل المسلمون ويستضعفون ويفتنون في دينهم ويفقدون حريتهم وعزتهم، ويشقى العالم كله بحرمانه تبيلغ هذا الدين قولاً وعملاً وهو قوي الجانب مهاب، ويفقده القيادة الهادية العادلة.
وهذا هو واقع المسلمين والعالم اليوم، وهو يقتضي إثم كل مسلم على وجه الأرض لا يقوم بالجهاد في سبيل الله وهو قادر عليه، لعدم قيام طائفة أو طوائف به قياماً كافياً يعلي كلمة الله ويذل كلمة الكفر.(4/8)
الجوهر في عدد درجات المنبر
Oمحمد بن عبدالوهاب الوصابي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الضياء - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
الجمعة - المنبر
خلاصة البحث: والآن قد آن لي أن ألخص بحثي فأقول: وجدت عشرة أحاديث في عدد درجات المنبر بعد بحث واستقصاء فخرجتها تخريجاً كاملاً، وناقشت أسانيدها مناقشة علمية حديثية فكانت خلاصتها كما يلي:
الحديث الأول: عن أنس بن مالك حسن لذاته.
الحديث الثاني: عن ابن عباس حسن لذاته.
الحديث الثالث: عن ابن عمر حسن لذاته.
الحديث الرابع: عن سهل بن سعد حسن لغيره. الطريق 2 رقم 4
الحديث الخامس: عن أبي بن كعب حسن لغيره.
الحديث السادس: عن عائشة ضعيف ومنقطع.
الحديث السابع: عن باقوم مولى العاص ضعيف مرسل.
الحديث الثامن: عن كعب بن عجرة ضعيف جدا.
الحديث التاسع: عن مالك بن الحويرث منكر.
الحديث العاشر: عن أبي هريرة موضوع.
وبناء على هذا فالسنة في المنبر أن يكون ثلاث درجات لا غير يقف الخطيب على الثانية ويجلس على الثالثة.(4/9)
الحجاب
Oأبو الأعلي المودودي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1398هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حجاب وتبرج
خاتمة القول
هذه هي نقطة القصد والموقف الوسط الذي أشد ما تفتقر إليه الدنيا لرقيها وهنائها وصلاحها الخلقي. وهي – كما ذكرت في بدء هذا الكتاب – لا تزال تخبط خبط عشواء في تعيين منزلة المرأة – أي منزلة النصف الكامل من كيان العالم الإنساني – في التمدن، منذ آلاف من السنين. فتميل تارة إلى الإفراط وأخرى إلى التفريط. وقد أضرت بها هاتان النزعتان المتطرفتان ضرراً قد شهدت به التجارب والمشاهدات، أما ما بين هذين الطرفين المتناقضين من الموقف الوسط المعتدل الذي يوافق الفطرة والعقل؛ ويلائم المصالح الإنسانية كل الملاءمة، فهو الذي قد جاء به الإسلام. ولكن المؤسف أنه قد قامت في هذا العصر الأخير حواجز بعضها من وراء بعض، تحول دون فهم هذا الطريق المستقيم وتقديره حق قدره.
أهم هذا الحواجز أن الإنسان في عصرنا هذا قد ابتلي في بصيرته بداء كاليرقان. وأصيب المستغربون من أهل الشرق بنوع أخوف من هذا الداء، أسميه اليرقان الأبيض. ومعذرة إلى الأخوان والأصدقاء لصراحتي هذه. ولكنها حقيقة لا تنكر، والحقيقة يجب ألا يمنع من إعلانها مداراة. إن من الحق الواقع أنه لم يأت الإسلام بحكم أو مسألة تخالف الحقائق العلمية الثابتة. بل الأصح أن كل ما هو حقيقة علمية في هذه الدنيا، هو عين الإسلام. ولكن هذا الواقع لا تبصره إلا عين مجردة ترى الأشياء بلونها الحقيقي، لا بلون المنظار، ولا تدركه إلا نظرة واسعة ترى كل أمر من جميع نواحيه لا من ناحية واحدة، ولا يقبله إلا قلب ربح وفطرة سليمة تسلم بالحقائق كما هي، وبدل أن تجعلها تابعة لأهواء النفس ونوازعها، تجعل أهواء النفس تابعة لها. وأما بدون هذه الصفات، فلا يفيد حتى العلم والعرفان مهما زخر عبابه واستفاض. ذلك بأن العين الملونة لن تبصر شيئاً إلا بلون المنظار الذي يغشاها، وأن النظرة المحدودة لن تنفذ من المسائل والشؤون إلا إلى النواحي التي تستقبل وجهتها. ثم إن الحقائق إن خلصت إلى باطن الإنسان في صورتها الحقيقية، على الرغم من تلك الموانع كلها، فهناك ضيق الذرع واعوجاج الطبع يعمل فيها عمله، ويكرهها على أن تخضع لدواعي النفس وتطاوع ميولها ونزعاتها. وإن هي لم تطاولها ولم تخضع لها، نبذها وراء ظهره، مع علمه بأنها حقائق، وراح يتبع هواه ومن البديهي أنه إذا ابتلي الإنسان بهذا الداء العياء، فلا يهديه شيء من العلم والتجربة والمشاهدة سواء السبيل، ومن غير الممكن أبداً لمثل هذا المريض أن يفهم حكماً من أحكام الإسلام فهماً صحيحاً. لأن الإسلام دين الفطرة. بل هو الفطرة بعينها. ولم يتعذر فهم الإسلام على دنيا الغرب إلا بسبب إصابتها بهذا الداء. فكل ما عندها من (العلم) [المراد بهذا العلم هو علم الحقيقة لا النتائج المستخرجة من النظريات والحقائق] هو برمته إسلام. ولكن بصرها متلوّن. وإن تلوّن.(4/10)
الحدود في الإسلام ومقارنتها بالقوانين الوضعية
Oمحمد بن محمد أبو شهبة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الهيئة العامة لشئون المطابع الأميرية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1394هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حدود وعقوبات
خلاصة البحث: وبعد هذا المطاف الطويل نستخلص هذه الحقائق الآتية:
1 - قد ظهر أن تشريعات الله تبارك وتعالى هي أعدل التشريعات، وأوفاها بحاجات الناس وتوفير السعادتين: الدنيوية والأخروية، وأنه لا يصلح البشرية إلا تطبيقها تطبيقا كليا، والعمل بها. وها هي ذي القوانين الوضعية قد ظهر فشلها في إصلاح أحوال المجتمعات ولاسيما الإسلامية منها، فلنجرب العمل بالشريعة الإسلامية الغراء، وسنرى إن شاء الله تعالى أنها ستؤمن الناس على دمائهم، وأعراضهم، وأموالهم، ولاسيما أنها قد أظهرت صلاحيتها وإصلاحها مدة ثلاثة عشر قرنا، قبل أن يدخل على المسلمين هذا البلاء، والشر المستطير.
2 - قد تبين لنا أن التشريعات الإسلامية في باب الحدود ليست قاسية، ولا عارية من الرحمة كما زعم الزاعمون، وتدعو بتساهلها إلى الفسق والفجور كما قال ذلك الكثيرون من رجال القضاة، وأن التشريعات الإسلامية مبنية على أساس قويم من العلم والخبرة بالنفوس، ولا كذلك القوانين الوضعية على نحو ما فصلنا سابقا.
3 - أن هذه الشريعة هي التي كونت خير أمة أخرجت للناس، في عقيدتها، وفي عباداتها، ومعاملاتها، وأخلاقها، وكونت أفضل مجتمع عرفته البشرية في تاريخها الطويل: مجتمع قائم على العدل، والرحمة، والإخاء، والمحبة والتكافل الاجتماعي، والتعاون على البر والخير.
ولن تصلح هذه الأمة اليوم إلا بما صلح به أولها. فإذا أراد المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها أن يعود لهم مجدهم، وترجع لهم عزتهم، ويعود لهم مجتمعهم كما كان نقيا من الشوائب، حافلا بكل أنواع الفضائل فليعضوا على شريعتهم بالنواجذ، ويأخذوا بها في كل شئون حياتهم الدينية، والسياسية والأخلاقية، والاقتصادية. أما أن يأخذوا منها ببعضها، ويدعوا الجانب المهم منها، فذلك أمر يأباه التدين الصحيح، وتأباه العقول الصحيحة، والفطر السليمة، والمنطق القويم.
4 - أن هذه الشريعة هي التي تمخض عنها أعظم الحضارات الإنسانية، وهي حضارة الإسلام القائمة على الإيمان، والعلم، والتي جاءت كافية لمطالب الروح ومطالب الجسد، فلا هي روحانية صرفة معزولة عن الحياة، ومتطلباتها، لا يهمها إلا تعذيب الجسد، وإغفال مطالبه كبعض الملل والنحل؛ ولا هي مادية بحتة تغفل مطالب الروح، وتجعل من الإنسان مخلوقا حيوانيا، وآله صماء لا روح فيها، وبذلك كانت حضارة وسطا، وخير الأمور أوساطها، والفضيلة وسط بين رذيلتين كما قال الحكماء.
5 - قد يتعلل بعض المعوقين عن العمل بالشريعة الإسلام بأن في معظم الدول الإسلامية والعربية جماعات أخرى غير مسلمة. وهذا عذر غير مقبول فقد أصبحت الدول الإسلامية والعربية أمرها بيدها، وانقضى عهد الامتيازات، وعهد التسلط والاستعمار وأصبحت القوانين تسري على الجميع لا فرق بين مسلم، ومسيحي، ويهودي في شئون المعاملات والجنايات وغيرها، فلماذا لا تطبق الشريعة الإسلامية في مسائل الحدود على الجميع؟! ولاسيما أنها يقصد بها إصلاح المجتمعات، والقضاء على عوامل الإفساد بالتعدي على الدماء، والأعراض والأموال، والحفاظ على الأنساب، والعقول، والأجسام؟!
هذا إلى أن الكثرة الكاثرة في كل بلد إسلامي، وعربي إنما هي للمسلمين، وغيرهم قليلون بالنسبة إليهم، فليسع غير المسلمين ما يسع المسلمين! على أن في بعض المذاهب الفقهية فيما ذكرنا ما فيه الخروج من بعض العقبات التي قد تصادفنا عند التنفيذ، والتطبيق العملي.
6 - وختاما ما أقول: أما أن نكون، وتكون لنا شخصيتنا الإسلامية المتميزة، ونحكم بشرع ربنا، أو لا نكون، ولا تكون لنا شخصية إسلامية مستقلة، ونعيش عالة على قوانين غيرنا المهلهلة المرقعة. فإذا كانت الأولى فقد أرضينا ربنا، واعتززنا بشريعتنا، وكان من وراء ذلك الخير كل الخير، والإصلاح كل الإصلاح لمجتمعاتنا، وكان الله معنا، وضمنا نصره "ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز". وإن كانت الأخرى فقد أغضبنا ربنا، وضاعت شخصيتنا، واستمرت مجتمعاتنا في فسادها وتحللها، وكنا غير جديرين بنصر ربنا.
فلتختاروا أيها المسلمون والعرب ما يحلوا لكم! اللهم إني قد بلغت "اللهم فاشهد"! والخير أردت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
والحمد لله في النهاية كما حمدنا في البداية، وصلى الله تبارك وتعالى على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، ومن تبعهم، واهتدى بهديهم إلى يوم يقوم الناس جميعا لرب العالمين، كتبه الراجي عفو ربه، وغفران ذنوبه د. محمد بن محمد أبو شهبه(4/11)
الحصانات الدبلوماسية والقنصلية والمعاهدات في الفقه الإسلامي والقانون الدولي - دراسة مقارنة
Oعلي مقبول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مركز الجزيرة العربية للدراسات والبحوث – صنعاء
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة:
أخي القارئ الكريم: أعتقد في نهاية هذا البحث أننا في حاجة إلى مزيد من الإطلاع والقراءة فيما دونه علماء الإسلام من الفقه المستنبط من الأدلة الشرعية ونصوص الكتاب والسنة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؛ ذلك أننا مطالبون بإغاثة العالم من الكوارث والخطوب المحيطة به اليوم؛ لأن جميع النظم الوضعية قد فشلت في تسيير عجلة الحياة كما ينبغي لها وبما ينسجم مع حركة الكون المنتظمة.
ولا يسعني في الختام إلا أن أؤكد على بعض النقاط المهمة والتي تمثل جزءا من نتائج البحث وهي على النحو التالي:
1 - سبق المسلمون غيرهم في تنظيم شئون العلاقات الخارجية لدولتهم منذ العهد الأول لنشأتها في المدينة، بل إن المسلمين أقاموا علاقات خارجية حتى قبل تكوين الدولة الإسلامية في المدينة، وذلك حين مارسوا ذلك مع دولة الحبشة – كجماعة – استقرت بها هروباً من اضطهاد أهل مكة.
2 - في العلاقات الخارجية يهتم النظام الإسلامي بالغايات الشرعية لهذه العلاقة، بينما نجد النظام الوضعي يهتم بتحقيق مصالح بشرية، ولذلك تتأثر هذه العلاقات في الأنظمة الوضعية بتحقيق مصالحها فقط وإن كانت الوسائل لتحقيقها غير شرعية كالظلم أو الخيانة.
أما النظام الإسلامي فإنه يبقي على علاقاته الخارجية ولا يستعمل الحرب أو الغدر أو الخديعة لتحقيق مصالحة بعكس النظم الوضعية.
3 - الدولة الإسلامية لا تمانع في استعمال كل ما هو جديد وحديث في العلاقات الخارجية، فليس هناك نصوص تحدد صورة هذه العلاقات أو أساليبها، بل ترك ذلك لتصرف ولي الأمر وأهل الحل والعقد من المسلمين وفق ما تقتضيه ظروفهم وفي إطار الأصول العامة للشريعة الإسلامية.
4 - الهدف الأساسي لإقامة العلاقات بين الدولة الإسلامية والدول الأخرى هو نشر العقيدة الإسلامية والدعوة إليها، فإذا حقق هذا الهدف فإن الدولة الإسلامية تكون قد حققت نجاحاً كبيراً ومهماً، أما إذا لم يتحقق الهدف فإن الدولة الإسلامية تكون قاصرة أو ضعيفة مهما حصل عليه المسلمون من مكاسب اقتصادية أو سياسية أو عسكرية.
5 - السفير أو المبعوث من الدولة الإسلامية إلى الدول الأخرى لا يمثل نفسه أو النظام السياسي، وإنما يمثل العقيدة الإسلامية والسلوك الإسلامي فهو يعطي صورة صحيحة لدينه وعقيدته، وبقدر تمسكه بذلك يكون قد أعان على نشر دعوته ودينه، وهذا مسلك سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فهو المطبق الأول لتعاليم ربه حتى قالت عائشة رضي الله عنهما عندما سئلت عن خلقه: (كان خلقه القرآن).
6 - الإسلام، ونظامه السياسي، يحترم السفراء الذين يفدون إلى الدولة الإسلامية، ويوفر لهم الحماية والحرية والكرامة، حتى ولو أساءوا التصرف أو لم يحققوا نجاحاً أثناء أداء مهمتهم، ويؤمن سلامة وصولهم إلى دولهم آمنين مطمئنين.
7 - العلاقات الاقتصادية في الإسلام تقوم على مبادئ الإسلام، فيربط الإسلام نشاط الدولة الإسلامية بالعقيدة الدينية وينمي هذه العقيدة بتعاليمه ومبادئه في سائر فروع الاقتصاد، حتى تلتزم الدولة الإسلامية هذه التعاليم وتطبقها طواعية واختياراً لأنها مرتبطة بالعقيدة، ولذلك لو وجدت أي اتفاقية اقتصادية تخالف العقيدة يجب نبذها وعدم التعامل بها.(4/12)
8 - تعد المعاهدات وسيلة مؤثرة ومهمة في العلاقات الخارجية وقد عرفت الدولة الإسلامية المعاهدات منذ العهد النبوي وطبقتها بما يحقق الخير للمسلمين ودولتهم، وهي وسيلة يمكن استعمالها في أي مكان أو زمان ضمن الضوابط الشرعية التي وضعها علماء المسلمين، وفي إطار الحدود العامة للشريعة الإسلامية.
9 - تقوم المعاهدات بين المسلمين وغيرهم على الوفاء والصدق وعدم الغدر ولم يذكر أن المسلمين غدروا بمعاهدة حتى ولو لم تتفق تلك المعاهدة ومصالحهم الاقتصادية أو السياسية؛ بل يفون بالمعاهدة حتى تنتهي مدتها، عكس المعاهدات في النظم الوضعية، فهي تقوم على أساس المصالح الذاتية، ولذلك تكثر أسباب نقض المعاهدات في النظم الوضعية بخلاف النظام الإسلامي.
المقترحات:
1 - إن صياغة أهداف العلاقات الخارجية أثناء الحرب أو السلم يجب أن تتم في ضوء المنهج الإسلامي للعلاقات الخارجية الذي حددته الأحكام الشرعية، فلا ينبغي لأي دولة إسلامية أن تضع برامجها وأهدافها لهذه العلاقات في غياب المنهج الإسلامي بحيث تصبح كالأهداف التي تضعها أي دولة أخرى، فالله قد أكرمنا بالإسلام وجعله لنا منهجاً فمهما ابتغينا العزة في غيره، وطلبنا مناهج أخرى أذلنا الله.
2 - يجب إظهار التميز الإسلامي في علاقتنا مع الغير؛ لأن تميزنا هو الذي يبرزنا عن بقية الدول الأخرى، وإذا لم نتميز بما لدينا من عقيدة إسلامية أصبحنا نحن والدول الأخرى سواء، وربما تفوقوا علينا بما لديهم من تقدم علمي مادي.
3 - إن المصالح المشتركة لا تبرر التنازل عن حكم من أحكام الإسلام الواضحة، إذ أن هذه المصالح يجب أن تخضع لحكم الإسلام، ولذلك لا يقول قائل إن المصالح تجعل المسلمين يتنازلون عن مبادئهم، فالمبادئ أسمى وأعلى من كل مصلحة، ومصلحة الدين فوق كل مصلحة.
4 - يجب أن تهتم الدولة الإسلامية بوضع لجنة دائمة أو هيئة عليا من العلماء وأصحاب الفكر والخبرة والاختصاص وتستشير هذه اللجنة فيما يعرض لها في سياستها الخارجية، وتكون مهمة هذه اللجنة هي رسم سياسة الدولة الإسلامية، وتقديم المشورة والنصح لها والاستفادة من وسائل العلاقات الدولية لتعريف الدول الأخرى وشعوبها بالإسلام، حتى تصبح هذه الوسائل مسخرة لخدمة الدولة الإسلامية وعلاقاتها بالآخرين.(4/13)
الحقوق المتعلقة بمتعة المطلقة
Oفيحان بن شالي المطيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار العاصمة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1411هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - طلاق وخلع وفسخ ونشوز
الخاتمة
وبعد هذا ما جاد به القلم ووسعه الجهد وسمح به الوقت فإن يكن صواباً فمن الله وإن يكن فيه نقص أو خطأ فمني ويكفيني أن الكمال لله وحده والنقص من طبيعة بني الإنسان وقد بذلت في إعداد هذا البحث وحل مشكله وتوضيح مجمله طاقتي واستفرغت فيه وسعي وحرصت على إخراجه بصورة مريضية يكون فيها نفع لنفسي أولاً ولطالب الفائدة ثانياً وأرجو ممن عثر فيه على ذلة لسان أو خطأ في العبارة أو قصور التعبير أن ينبه علي ذلك وله جزيل الشكر فسيجد أذناً صاغية وصدراً رحباً لتقبل الملاحظات الهادفة التي تؤدي إلى تقويم هذا البحث وتلافي ما قد يكون فيه من الثغرات ورغبة مني في طلب الكمال لهذه المسيرة المباركة أشير إلى بعض النتائج التي تضمنها هذا البحث وهي على النحو الآتي:
1 - متعة المطلقة ثابتة بالكتاب وإجماع الأمة إلا من شذ ومعلوم أن الشاذ لا يعتبر شذوذه خصوصاً إذا كان في شذوذه مخالفة للدليل المنصوص من الكتاب أو السنة وقد نقل عن الصحابة آثار صحيحة تدل على مشروعيتها كذلك وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال والخطأ منهم قليل لا يقاس بخطأ غيرهم.
2 - مشروعية المتعة للمطلقة قبل الدخول وقبل الفرض وهذا باتفاق أهل العلم إلا من شذ والجمهور على وجوبها لمن ذكرنا وهو الذي يدل له الدليل المنصوص من كتاب الله الكريم.
3 - المتعة مستحبة لجميع المطلقات عدا من ذكرنا على القول الراجح لما أسلفنا من القاعدة الشرعية وهي الجمع بين النصوص التي قد يظهر منها التعارض.
4 - إن المطلقات المنصوص عليهن في كتاب الله أربعة:
أ- مطلقة قبل الدخول وقبل الفرض.
ب- مطلقة قبل الدخول وبعد الفرض.
جـ- مطلقة بعد الدخول وبعد الفرض.
د- مطلقة بعد الدخول وقبل الفرض.
وقد عرفت استحقاق كل واحدة منهن بالإضافة إلى المتعة.
5 - إن النكاح يصح عقده دون تسمية المهر وتسمى المرأة المعقود عليها دون تسمية المفوضة.
6 - إن المتعة خاصة بالمطلقة ومن في حكمها وليس للمفوضة المتوفى عنها قبل الدخول نصيب منها وإنما يجب لها مهر المثل والميراث.
7 - إن المطلقة لا تستحق المتعة إلا بشرط وهو أن يكون الطلاق بسبب منها وليس للزوج دخل في التسبب إليه إلا الإيقاع.
8 - إن المتعة واجبة على كل زوج ولكل مطلقة عند القائلين بها سواء إن كان الزوج حراً أو عبداً وسواء إن كانت المطلقة حرة أو أمة.
9 - إن المتعة من الأحكام التي يغفل عنها عامة الناس خصوصاً النساء فيتعين التعريف بها وتطبيقها والعمل بمقتضى أدلتها.
10 - المعتبر في تقدير المتعة حال الزوج على القول الراجح لدلالة الكتاب على ذلك.
11 - إن المتعة لم يأت تقديرها عن الشارع وقد نقل عن بعض الصحابة أقوال في تقديرها ولهذا اختلف علماء الإسلام في مقدارها اختلافاً كثيراً والأظهر عندي الرجوع في تقديرها إلى حال الزوج لما علمت من الأدلة.
هذا ما أمكن تسطيره في هذا المقام وأشير هنا إلى أن متعة المطلقة من محاسن الدين الإسلامي إذ في تشريعها مراعاة لحق المطلقة وجبراً لما قد يعرض لها من الابتذال والامتهان بسبب الطلاق وفي هذا تنبيه للأزواج إلى احترام المرأة وأنها كائناً حي محترم إنسان له حقوق ولا يتوهموا أن لهم حق العبث بهن دون ما قيد أو شرط وهذا ليس بمستغرب على شريعة مبدأها العدل والمساواة بين أفرادها والمنتسبين إليها فكما أن الرجل له حقوق فكذلك المرأة لها حقوق يتعين على الرجل معرفتها والعلم بها، والله نسأل أن يوفقنا جميعاً إلى ما فيه خير ديننا ودنيانا وإلى ما فيه صلاح أمتنا في معاشها ومعادها وأن يحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون.
تم الفراغ من كتابة هذا البحث في مساء الأحد في الساعة السابعة الثالث من جمادى الآخر عام 1410هـ.(4/14)
الحوافز التجارية التسويقية وأحكامها في الفقه الإسلامي
Oخالد بن عبدالله المصلح
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مسابقات - جوائز
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين وأصلي وأسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين أما بعد: فقد تناولت هذه الرسالة موضوع الحوافز المرغبة في الشراء في الفقه الإسلامي بالدراسة والبحث، وقد استفدت منها فوائد جمعة، وتوصلت إلى نتائج عدة.
فمن أبرز النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث ما يلي:
1 - أن الحوافز المرغبة في الشراء هي ما يقوم به البائع أو المنتج من أعمال تعرف بالسلع أو الخدمات، وتحث عليها، وتدفع إلى اقتنائها، وتملكها من صاحبها بالثمن، سواء كانت تلك الأعمال قبل عقد البيع أو بعده.
2 - أن الحوافز المرغبة في الشراء كثيرة متنوعة، إلا أن من أبرزها الهدايا، والمسابقات، والتخفيضات، والإعلان والدعاية ورد السلعة، والضمان والصيانة، واستبدال الجديد بالقديم.
3 - أن الأصل في هذه الحوافز وغيرها من المعاملات الحل والإباحة، ما لم يقم دليل التحريم والمنع.
4 - أن أسباب التحريم في المعاملات أن يكون فيها ظلم، أو غرر، أوربا، أو ميسر، أو كذب وخيانة، أو كانت المعاملة تفضي إلى محرم.
5 - جواز الهدايا التذكارية، واستجاب قبولها ما لم يمنع من ذلك مانع، وعدم جواز الرجوع فيها بعد قبض المهدى إليه.
6 - أن الهدية الترويجية إذا كانت سلعة فلها ثلاثة أحوال:
الحال الأولي: أن تكون الهدية موعوداً بها المشتري فأقرب ما تخرج عليه حينئذ أنها وعد بالهبة، يجب الوفاء به، ويثبت لها ما يثبت للهبة من أحكام.
الحال الثانية: أن تكون الهدية غير موعود بها فأقرب ما تخرج عليه حينئذ أنها هبة محضة، يثبت لها جميع ما يثبت للهبة من أحكام.
الحال الثالثة: أن يكون تحصيل الهدية مشرطاً بجمع أجزاء مفرقة في أفراد سلعة معينة، وما أشبه ذلك، فتخرج حينئذ على أنها هبة محرمة، لما تفضي إليه من الإسراف والتبذير وكونها من الميسر المحرم.
7 - أن الهدية الترويجية إذا كانت منفعة فلها حالان:
الحال الأولى: أن تكون المنفعة موعوداً بها المشتري، فأقرب ما تخرج عليه أنها وعد بهبة المنفعة وهي جائزة.
الحال الثانية: أن تكون المنفعة مبذولة دون وعد سابق، فتخرج حينئذ على أنها هبة محضة.
8 - أن الهدايا الإعلانية (العينات) يختلف حكمها باختلاف المقصود منها، فإن كان مقصودها التعريف بالسلعة وخصائصها وما إلى ذلك فإنها تكون هبة جائزة، يثبت لها ما يثبت للهبة من أحكام، أما أن كان مقصودها أن تكون نموذجاً لما يطلب في السلعة من مواصفات فإنها تكون حينئذ هبة جائزة يثبت لها ما يثبت للهبة من أحكام إلا أنه يجب أن تكون مطابقة للواقع في بيان حقيقة السلعة، وقد اختلف أهل العلم في جواز اعتماد هذه العينات عند إجراء العقود، والراجح جواز ذلك.
9 - أن للهدية النقدية الترغيبية صورتين:
الصورة الأول: أن تكون الهدية النقدية في كل سلعة فأقرب ما تخرج عليه حينئذ مسألة مد عجوة ودرهم بدرهمين، فهي من الربا المحرم.
الصورة الثانية: أن تكون الهدية النقدية في بعض أفراد سلعة معينة فهي حينئذ لا تجوز، لكونها نوعاً من الميسر، وتحمل على شراء مالا حاجة إليه طمعاً في تحصيل هذه الهدية.
10 - أن الهدايا الترغيبية إذا قدمت للشخصيات الاعتبارية فلها حالان:
الحال الأولى: أن تقدم للجهة الاعتبارية نفسها فحكمها في هذه الحال يختلف باختلاف مقصودها، فإن كان غرضها التعريف بالسلعة فإنها تكون جائزة بذلاً وقبولاً، أما إن كان القصد تسهيل أعمال الجهة المهدية أو ما أشبه ذلك فإنها تكون حينئذ من الرشوة المحرمة.(4/15)
الحال الثانية: أن تقدم لمنسوبي الجهات الاعتبارية فحكمها التحريم بذلاً وقبولاً.
11 - أن المسابقات من حيث بذل العوض ثلاثة أقسام:
القسم الأول: ما تجوز المسابقة فيه بعوض وبدون عوض، وهو المسابقة في السهام، والإبل والخيل.
القسم الثاني: ما لا تجوز المسابقة فيه مطلقاً، وهو المسابقة في كل شيء أدخل في محرم أو ألهى عن واجب.
القسم الثالث: ما تجوز المسابقة فيه بدون عوض، وهو المسابقة في كل ما فيه منفعة ولا مضرة فيه راجحة، وهذا القسم لا يجوز بذل العوض فيه مطلقاً، سواء كان المتسابقين، أو من أحدهما، أو من أجنبي.
12 - أن المسابقات الترغيبية نوعان.
النوع الأول: ما فيه عمل من المتسابقين، وترجح تخريج هذا النوع على أنه مسابقة على عوض من غير المتسابقين، وعليه فإن هذا النوع المسابقات الترغيبية محرم.
النوع الثاني: مالا عمل فيه من المتسابقين.
وهذا النوع قسمان:
القسم الأول: ما يشترط فيه الشراء، وهذا محرم، لكونه قماراً.
القسم الثاني: ما لا يشترط فيه الشراء وهذا القسم يخرج على أنه هبة لمن تعينه القرعة، وهو جائز لا حرج فيه.
13 - أن التخفيض الترغيبي أنواع، أبرزها التخفيض العادي والتخفيض بالبطاقة، وأن الأصل في تجديد أسعار السلع والخدمات ارتباطه بقوى العرض والطلب، وأن الراجح جواز بيع السلع والخدمات بأقل من سعر السوق، وبناء على هاتين المقدمتين فإن التخفيض الترغيبي العادي جائز بجميع أنواعه.
14 - أن بطاقة التخفيض قسمان:
القسم الأول: بطاقة مستقلة وهي نوعان:
النوع الأول: بطاقات عامة، ولها ثلاثة أطراف: هي جهة الإصدار، وجهة التخفيض والمستهلك، وهذا القسم من البطاقات التخفيضية محرم، لما فيها من الجهالة والغرر الكبيرين، ولما فيها من أكل المال بالباطل والتغرير بالمستهلكين، وإفضائها إلى المنازعة، والإضرار بالتجار الذين لم يشاركوا فيها وغير ذلك من الأسباب.
والنوع الثاني: بطاقات خاصة، ولها طرفان: هما جهة التخفيض والمستهلك وللحصول على هذه البطاقة طريقان:
الأولى: الاشتراك وحكمها حكم النوع الأول.
والثانية: الإهداء وحكمها الجواز.
القسم الثاني: بطاقة تابعة، وهي نوعان:
النوع الأول: بطاقة تابعة لها ثمن، وحكم هذه البطاقة كالبطاقة التخفيضية المستقلة العامة.
النوع الثاني: بطاقة تابعة مجانية، وحكمها يتأثر بحكم البطاقة الأصلية.
15 - أن التخفيض الترغيبي المقدم للشخصيات الاعتبارية قسمان:
القسم الأول: أن يكون للجهات الاعتبارية نفسها، وحكمه ينظر فيه إلى القصد من التخفيض وصلة جهة التخفيض بالشخصية الاعتبارية.
القسم الثاني: أن يكون لمنسوبي الجهات الاعتبارية وحكمه يحتاج إلى نظر في صلة جهة التخفيض بالشخصية الاعتبارية، إلى نظر في علم الشخصية الاعتبارية بالتخفيض الممنوح لمنسوبيها.
16 - الإعلان والدعاية الترغيبية إن كانا مدحا وثناء على السلعة بحق فحكمهما الجواز والإباحة، وإن كانا بغير حق بأن كانا مشتملين على كذب وتغرير فحكمهما التحريم والمنع، ويترتب على ذلك ثبوت الخيار للمشري.
17 - أن البيع من العقود اللازمة للطرفين إلا إن تخلّف شرط من شروط العقد، أو وجد سبب من أسباب الفساد، أو اشترط الخيار.
18 - أن الرد الترغيبي الذي يستعمله الباعة نوعان:
النوع الأول: رد السلعة وأخذ ثمنها، ويخرج هذا النوع على أنه شرط للخيار، وذلك جائز لا حرج فيه بشرط كون مدته معلومة للمتعاقدين، فلا يجوز أن تكون مدته مؤبدة ولا مطلقة، ويشترط أيضا ألا تكون السلع مما يجب فيه التقابض قبل التفرق.
النوع الثاني: رد السلعة واستبدال غيرها بها أو تقييد ثمنها لحساب المشتري، وله صورتان:(4/16)
الصورة الأولى: أن يكون ذلك مشروطا، والراجح تخريج هذه الصورة على أنها بيع بشرط صحيح، فهي صورة جائزة لا حرج فيها.
الصورة الثانية: أن يكون ذلك غير مشروط، وتتخرج هذه الصورة على أنها إقالة شرط فيها أن يكون ثمن السلعة الأولى ثمنا في معاوضة جديدة. فتكون هذه الصورة جائزة لا حرج فيها.
19 - أن ضمان المبيع يتنقل بالبيع عن البائع إلى المشتري إلا في مسائل أبرزها، وألصقها بالبحث ضمان البائع عيب المبيع، وهو على ثلاث أحوال:
الحال الأولى: أن يكون العيب حادثا قبل البيع فهذا من ضمان البائع بالاتفاق.
الحال الثانية: أن يكون العيب حدث في المبيع بعد العقد وقبل قبض المشتري ففيه خلاف بين أهل العلم الحال الحال الثالثة: أن يكون العيب حدث بعد قبض المشتري فهذا ليس من ضمان البائع بالاتفاق إلا في مسائل وقع فيها الخلاف كعهدة الرقيق، والعيب المستند إلى سبب سابق على القبض، والجوائح.
20 - أن الضمان الترغيبي نوعان:
النوع الأول: ضمان الأداء، وهو يتعلق بأمرين: فما كان منه متعلقا بسلامة المبيع من العيوب المصنعية والفنية، فإنه يتخرج على ضمان العيب الذي لا يعلم إلا بامتحان وتجربة واستعلام؛ وأما ما كان منه متعلقا بصلاحية المبيع وقيامه بالعمل فإنه يخرّج على ضمان العيب الحادث في المبيع عند المشتري والمستند إلى سبب سابق، والراجح جواز ضمان الأداء.
النوع الثاني: ضمان معايير الجودة، وهو نوع توثيق جائز لا حرج فيه.
21 - أن الصيانة الترغيبية إما أن تكون وقائية، وإما أن تكون طارئة، وتخرج على أنها وعد بمنفعة البائع في المبيع، وهو جائزة لا حرج فيها.
22 - أن الاستبدال الترغيبي نوعان:
النوع الأول: استبدال الذهب، وهو حالان:
الحال الأولى: أن يستويا في الوزن، وهذه الحال قسمان:
القسم الأول: ألا يدفع صاحب القديم ثمنا زائدا، وهذا القسم جائز بالإجماع.
القسم الثاني: أن يدفع صاحب القديم ثمنا زائدا مقابل الجديد، وهذا بيع ذهب بذهب مع التفاضل، وذلك لا يجوز.
الحال الثانية: ألا يستويا في الوزن وهذه الحال قسمان:
القسم الأول: أن يكون القديم أكثر من الجديد، فهذا لا يجوز لعدم التساوي.
القسم الثاني: أن يكون الجديد أكثر من القديم، وهذا القسم يتخرج على مسألة مد عجوة ودرهم بدرهمين، فهذا القسم من الربا المحرم.
النوع الثاني: استبدال غير الذهب ويتخرج هذا النوع على أنه بيع، الثمن فيه هو السلعة القديمة، وما يدفع من الفرق بين سعري الجديد والقديم، وهذا جائز لا حرج فيه.
ثم بعد هذا أحمد الله الولي الحميد، على نعمه الظاهرة والباطنة، فله الحمد أوله وآخره، ظاهره وباطنه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شاء من شيء بعد،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/17)
الحيض والنفاس رواية ودراية دراسة حديثة فقهية مقارنة
Oدبيان بن محمد الدبيان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار أصداء المجتمع - السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1419هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حيض ونفاس
الحمد لله وحده الذي وفقني إلى إتمام هذا البحث، والذي أرجو أن يكون لبنة في بناء، حيث سبقني من كتب عن هذا الباب المهم من أمور الفقه، من العلماء والأساتذة في رسائل قد لا تكون كبيرة ولكنها مهمة في تغطية هذا الجانب، والذي أرجو أن أكون قد استفدت منهم، وأضفت ما يمكن إضافته، وقد يختلف معي القارئ، وقد يوافقني في ترجيح بعض المسائل، إلا أني في ترجيحي أرجو أن أكون طالب حق، وقد رجحت بعض المسائل في بداية بحثي، ثم أعلنت رجوعي عنها بعد المذاكرة مع بعض طلبة العلم دون أن أكتب البحث من جديد، ليتبين للقارئ عجز الإنسان وقصوره، وأنه في بحث مستمر طلبا للحق، ولا يضير طالب العلم أن يقول: كنت أرجح كذا، وقد تبين لي خطأ ذلك، ويعلن رجوعه عنه نصحا للأمة، وبراءة للذمة، وتعويدا للنفس في قبولها للحق، وأن يكون الإنسان مع الدليل، كالأعمى مع دليله، قد سلم له زمام نفسه يقوده حيث يشاء، وأن يكون عند بحثه خالي الذهن من اعتقاد سابق، حتى يكون متحررا من الهوى، ومن تأويل النصوص لتوافق ما استقر عنده، والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.
ومن خلال البحث قد تبين لي ما يلي:
أولا: المرأة لا تحيض إلا في الشهر مرة واحدة، حيث تقرر طبيا أن الحيض يعقب بإذن الله إفراز البويضة فإذا لم تتم عملية إخصاب البويضة أعقب ذلك نزول الدم من رحم المرأة، والمرأة لا تفرز بويضة إلا في الشهر مرة واحدة وبالتالي لا يمكن أن تحيض إلا في الشهر مرة واحدة.
يقول الدكتور دوجالد بيرد في كتابه (المرجع في أمراض النساء والولادة) (إن مدة الحيض ودورته لا تختلف من امرأة إلى أخرى فحسب، وإنما قد يختلف ذلك في المرأة ذاتها من حين لآخر في حياتها التناسلية .. إذ تختلف كمية الدم ومدته عند بداية البلوغ عما هو عليه عند تمام البلوغ، كما يقل دم الحيض ومدته عند قبل سن اليأس ... وما بين البلوغ وسن اليأس تكون العادة في أغلب النساء منتظمة، وهن يعرفن موعد حيضهن ومدته ومقداره .. . فإذا اختلف ذلك عرفته بسرعة .. وتستطيع معرفة ذلك أغلب النساء دون صعوبة، ومدة الحيض في الغالب ستة أيام، وتحتسب الدورة من بداية الحيض إلى بداية الحيضة التي تليها، ومدتها في أغلب النساء 28 يوما، وقد تزيد أو تنقص يوما أو يومين)
وجاء في توصيات الندوة الثالثة للفقه الطبي المنعقدة في الكويت: مدة الدورة الحيضية فيما إذا كانت الدورة سوية في غالب النساء ثمانية وعشرين يوما، وأدناها ثلاثة أسابيع)
ولا يمكن أن تحيض المرأة في الشهر أكثر من مرة لأنها لا يمكن أن تفرز أكثر من بويضة في الشهر الواحد.
الثاني: أن الحامل لا يمكن أن تحيض، لأن الحيض هو انهدام جدار الرحم بعد موت البويضة، وحبس الغذاء عن الغشاء المبطن للرحم، وانهدام جدار الرحم لا يمكن أن يتم مع الحمل. وهذا ما قررته طبيا من كلام أهل الاختصاص. وقد كنت فيما مضى أرجح إمكان حيض الحامل، وقد تراجعت عن ذلك بعد ما تبين لي الحق. والحمد لله على توفيقه.
الثالث: لا حد لأكثر الطهر، وهذا لا خلاف فيه بين الأطباء والفقهاء، فقد اتفق الأطباء والفقهاء على أنه لا حد لأكثر الطهر.
الرابع: رجحت أن عادة المرأة ممكن أن تنقص وتزيد، وممكن أن تنتقل، ولا يشترط تكراره، بل إذا رأته المرأة كان حيضا.(4/18)
الخامس: كما رجحت أن للحائض أن تقرأ القرآن، ولا حرج في ذلك ولكن لا تمسه إلا وهي على طهارة، أو بحائل، وقد كنت أميل إلى جواز مس الحائض المصحف، ومع المذاكرة مع بعض مشايخي، ذكر لي طريقا آخر لمرسل عمرو بن حزم، وهو ما رواه عبد الرزاق من طريق ابن المسيب عن عمر، وقد رجعت عن رأيي، وبينت ذلك من خلال البحث، فالحمد لله على توقيفه.
السادس: كما رجحت بأن المرأة إذا حاضت أثناء وقت الصلاة لم يجب عليها قضاء تلك الصلاة إلا إذا حاضت ولم يبق من الوقت إلا وقتا لا يتسع لتلك الصلاة فيجب عليها القضاء. والله أعلم.
السابع: إذا طهرت المرأة من الحيض في شهر رمضان في أثناء اليوم لم يجب عليها الإمساك بقية اليوم.
الثامن: رجحت أن طلاق الحائض يقع، ولم ينشرح صدري، لقول ابن تيمية، مع أني تذاكرت في هذه المسألة مع بعض طلبة العلم ولم نتفق على شيء.
التاسع: لا تجب الكفارة على من جامع امرأته وهي حائض ولو قيل بالاستحباب بناء على أنه ثابت هذا من قول ابن عباس فهو قول جيد.
العاشر: لا أرى وجوب الوضوء على المرأة المستحاضة، لأن الأمر بالوضوء لم يتبين لي أنه مرفوع، والمرأة لا تكلف بشيء ليس من فعلها، ولم تقصده.
الحادي عشر: النفاس أكثره أربعون يوما، فإذا زاد عن الأربعين فإن كان وقت عادة المرأة فهو حيض، وإلا استحاضة، ولا حد لأقله.
الثاني عشر: إذا أسقطت المرأة جنينها، وقد تبين فيه خلق إنسان فهي نفساء، ولو لم تنفخ فيه الروح.
الثالث عشر: لا يجوز إلقاء النطفة أو العلقة أو المضغة من غير ضرورة، ويجوز إسقاط الجنين ولو نفخت فيه الروح إذا قرر اثنان من الأطباء أنه لا سبيل إلى إنقاذ الأم مع جنينها، ولابد من التضحية بأحدهما. وهذا الباب ارتكاب أخف الضررين. والله أعلم.
الرابع عشر: حكم النفاس حكم الحيض فيما يجب ويمنع ويسقط. إلا في مسائل معدودة ذكرتها في فصل خاص.
هذه من أهم النتائج التي توصلت إليها خلال البحث، وأرجو من إخواني طلبة العلم أن يتواصلوا معي في كتابة ملاحظاتهم واستدراكاتهم، فإن الدين النصيحة، والإنسان يرجوا أن يكون طالب حق متى ما تبين له الحق، ومن شاء مراسلتي فالعنوان كالتالي
دبيان بن محمد الدبيان(4/19)
الخط المشير إلى الحجر الاسود في صحن المطاف ومدى مشروعيته
Oمحمد بن عبدالله بن سبيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - طواف
الخاتمة
خلاصة هذا البحث أننا نرى مشروعية وضع الخط المشير للحجر الأسود لما يأتي:
أولا: أن ابتداء الطواف بالحجر الأسود، والانتهاء إليه، ومحاذاته فيهما واستيعاب البيت بالطواف به كله واجب من واجبات الطواف عند جمهور العلماء، لا تبرأ ذمة المكلف إلا بالإتيان بذلك على الوجه المشروع عن يقين، وأنه لا يكفي بناء ذلك على التحري وغلبة الظن.
لذا فإن الخط المذكور مما يعين على تحقيق ذلك الواجب، وتيسيره على الطائفين، وفيه رفع للحرج والمشقة عنهم، لأنه قد يشق عليهم تحقيق ذلك في شدة الازدحام، لا سيما حالة البعد عن البيت كما يحصل في المواسم، أو ربما يحصل من بعضهم الإخلال بهذا الواجب مما قد يؤدي إلى بطلان الطواف، فيفسد بذلك النسك من حج أو عمرة، كما قال الإمام النووي رحمه الله فيما سبق إيراده في المبحث الثاني، ونصه: " ولو ابتدأ بغير الحجر الأسود، أو لم يمر عليه بجميع بدنه لم تحسب له تلك طوفة حتى ينتهي إلى محاذاة الحجر الأسود، فيجعل ذلك أول طوافه، ويلغي ما قبله، فافهم هذا، فإنه مما يغفل عنه، ويفسد بسبب إهماله حج كثير الناس .. ".
ثانيا: أن هذا الخط وضع ليكون وسيلة لغاية مشروعة، وهي المحافظة على صحة العبادة، والإتيان بها على الوجه المشروع عن يقين، والوسائل لها حكم الغايات.
ثالثا: أن ما في وضع هذا الخط من مفسدة مغمورة في جانب ما فيه من مصلحة عظيمة وهو الاستعانة به على حصول الاطمئنان على صحة أداء العبادة على الوجه المشروع عن يقين، والعبرة في المصالح والمفاسد إنما هو الأغلب الأعم منهما.
وختاما نود أن نذكر بأن مجلس هيئة كبار العلماء سبق وأن أقر وضع هذا الخط بالأكثرية في جلسته رقم (19) وتاريخ 11 - 22/ 5/1402هـ على الرغم من أنه حين أقره كان قد وضع خطان مع ما فيهما من خطأ استدرك فيما بعد وجعلا خطا واحدا.
هذا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.(4/20)
الخلاف بين أبي حنيفة وأصحابه وموقف الأئمة الآخرين من هذا الخلاف
Oعلي محمد العمري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العبيكان - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
اختلاف فقهاء - أصول فقه
الخاتمة
ويتضمن هذه الخاتمة أهم النتائج التي توصلت إليها
أولا:
لابد من الاجتهاد في الشريعة ز بيان أحكامها لأن النصوص متناهية, والحوادث غير متناهية.
ثانيا:
وإذا كان كذلك فلا مندوحة عن الخلاف , ما دامت الأدلة مختلفة ومتعددة والدلالات متباينة وطرق الجمع بين الأدلة متعددة والأفهام والمدارك مختلفة.
ثالثا:
لقد اختلف الصحابة في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم , وكان يقرهم مادام الأمر يحتمل الاجتهاد كما في اختلافهم في الجهة بعد تحريمهم القبلة وكما في اختلافهم في بعض مسائل التيمم وغير ذلك.
رابعا:
ليس الخلاف الفقهي في الفروع والمسائل عيبا في الإسلام وإنما هو علامة صحة وظاهرة قوة وحيوية. وقد أثنى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه على اختلاف الصحابة , وأشاد به الفقهاء.
خامسا:
إن الخلاف المذموم إنما هو إتباع الهوى والقول برغبات النفس وإن علم الفقه غير علم الخلاف , فالفقه هو استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها , وعلم الخلاف هو إيراد الحجج واتخاذ الوسائل لإبطال حجة الخصم.
سادسا:
أهم أسباب الخلاف: الجمع بين المختلف والمتعارض من الأدلة والوهم في فهم المراد من النص ونسيان دليل أو عدم وصوله إلى المجتهد أو عدم العلم بالناسخ.
سابعا:
ليس لأحد أن يدعي أنه يلم بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولو كان الحديث مدونا , لأنه ليس كل ما في الكتب يعلمه العالم.
ثامنا:
جميع أئمة الفقه – أصحاب المذاهب المشهورة – أصحاب علم في الحديث والاستنباط ولا يجوز الطعن بأحدهم وإن كانت أقوالهم ليست شرعا منزلا.
وهم كذلك أصحاب نفوس كبيرة ومواقف شجاعة في وجه الظالمين والموجات المجانفة لروح الإسلام. وهذا سر خلود مذاهبهم رحمهم الله.
تاسعا:
ليس للمحدث إذا لم يكن فقيها أن يشرح ويعطي المعاني ويدون الأحكام , لأنه لا بد من الجمع بين الدراية والرواية ولذلك قالوا: الرياسة في الرواية دون العم بالدراية رياسة نذلة.
عاشرا:
جميع أئمة الفقه الحنفي في الطبقة الأولى هم من المحدثين بل هم أئمة في الحديث. لا كما يدس المغرضون م الذين في قلوبهم مرض. حتى انتصر إليهم أئمة من المذاهب الأخرى , فهبوا يدافعون عنهم. كابن حجر الهيتمي الحافظ الشهير.
حادي عشر:
محور الخلاف بين الحنفية وغيرهم النظر إلى عام الكتاب: فالحنفية يعتبرونه قطعيا في دلالته والجمهور يعتبرونه ظاهرا أو ظنيا.
ثاني عشر:
اتسعت دائرة الاجتهاد في الفقه الحنفي لكثرة ما جد من مسائل في العراق حيث الأجناس المختلفة والحوادث التي لم يعهد لها مثيل في بيئة الحجاز مهبط الوحي والإلهام.
ثالث عشر:
برز دليل الاستحسان عند الحنفية أكثر غيرهم وليس هو كما توحي العبارة اللغوية: استحسان الرأي والمزاج وإنما هو إعمال علة أقوى أو دليل آخر على سنن القياس أو نزولا عند ضرورة أو إجماع.
رابع عشر:
توسع المذهب المالكي في الأخذ بقاعدة المصالح المرسلة وعمل أهل المدينة واعتبار عمل الصحابي جزاءا من السنة ولذلك فعمل الصحابي يعارض الحديث الصحيح عندهم.
خامس عشر: توسع المذهب الحنبلي في الأخذ بالشروط وامتاز في هذا الباب عن غيره من المذاهب.
سادس عشر: عد الشافعي الكتاب والسنة مصدرا واحدا. ولذلك لم تثر في مذهبه قضية الزيادة على الكتاب هل هي نسخ أو بيان وهل التخصيص والبيان يشترط له المقارنة كما ثارت في الفقه الحنفي.
سابع عشر: ولأن القرآن يختلف عن السنة في لغته ومرتبته فإن الشافعي قال: لا ينسخ القرآن بالسنة ولا السنة بالقرآن.
ثامن عشر:(4/21)
امتاز الفقه المالكي والحنبلي بالمبالغة في الأخذ بمبدأ سد الذرائع وبناء الأحكام الشريعة عليه حتى أبطلت كثير من العقود عندهم وهي جائزة عند الحنفية والشافعية وكان للاعتداد بالنوايا أثر كبير في هذين المذهبين – المالكية والحنابلة – حتى أنهم اعتبروا الظرف والباعث على الأيمان والعقود.
تاسع عشر:
المسائل الخلافية يعسر إحصاؤها ولذا لابد من حصرها تحت أصول أو قواعد عامة كما في الأصول المنثورة في المبسوط والبدائع ولتي جمعها الدبوسي في كتاب تأسيس النظر وكما في الفروق للقرافي المالكي والقواعد لابن رجب الحنبلي وكما في الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي والأشباه والنظائر للسيوطي الشافعي وهذه القواعد تقصر الطريق على الباحث وتحكم نظره وبصره بمظان المسائل المختلفة.
عشرين:
أستبعد أن تكون من الأئمة الأعلام مطاعن على بعضهم أو إزراء على آراء بعضهم. وأرجح أن ما نسب إليهم من الأقوال الجارحة في حق إخوانهم وأقرانهم إنما هو من دسائس الفئات المنحرفة من الشيعة وأصلها كتاب: روضات الحسان وهؤلاء لا هم لهم إلا الطعن على أهل السنة الشريفة فهم لم يوفروا أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم , والله أعلم لعلها نزعة ظاهرها الإسلام وباطنها الكفر والإلحاد.
ثم إن أتباع المذاهب الذين قعدت بهم الهمم عن الاجتهاد ومعرفة الأدلة وقعوا في شرك تلك الافتراءات الشنيعة فانطلقوا يقلدون أئمتهم ولو ظهر لهم دليل صحيح مخالف ثم انطلقت ألسنتهم بالسوء والشتيمة على الأئمة الآخرين.
حادي وعشرين:
كثرت مخصصات العام عند المالكية والحنابلة لأنهم يقولون: إن العام ظاهر الدلالة. حتى عدوا العرف والمصلحة والنية والعقل والقياس والعادات والشروط والاستثناء من هذه المخصصات.
ثاني وعشرين:
لا تعد مخالفة المذاهب في بعض مسائلة لقوة دليل يظهر خروجا عن المذهب ولا يعد الأخذ بأقوال الأئمة الآخرين تلفيقا بل الأئمة أنفسهم يقولون بذلك وينهون عن الأخذ بأقوالهم إذا صح دليل مخالف.
ثالث وعشرين:
لا ينبغي التعصب لمذهب من المذاهب واعتقاد العصمة فيه لأن العصمة ليست لأحد من خلق الله سوى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
والأئمة المجتهدون سواسية في الاجتهاد وكلهم مأجورون ومحمودون عند الله تعالى وإن كان الحق واحدا لا يتعدد إلا أنه دائر بينهم.
ومن اعتقد أن أحد المذاهب على حق وسائرها في ضلالة فقد وقع في حفرة الضلالة.
وأستغفر الله العظيم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/22)
الخلاف في حكم تارك الصلاة
Oعبدالله بن إبراهيم الزاحم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - حكم تركها
الخاتمة: وبعد هذا التطواف بأقوال العلماء، والتعرف على آرائهم في هذه المسألة المهمة، وما استدلوا به من أدلة على تلك الأقوال، وما استندوا إليه من حجج تقوي مذاهبهم، وتدعم أقوالهم، سواء في ذلك تلك الأقوال المشهورة في المسألة، أم من رام التوفيق بين الأدلة وسعى إلى الجمع بينها، وما كان من مناقشتها.
يمكن إبراز أهم تلك النتائج في الأمور التالية:
1 - إن الله جل وعلا وصف تارك الصلاة بأنه من المجرمين والخاسرين، والمكذبين، والكافرين، والمشركين، وهو وصف معرف بـ "ال" الدالة على الاستغراق والشمول، وأنه بلغ في ذلك الأمر غايته، وهو لا يكون إلا لمن استحق الخلود في النار.
2 - إن الله سبحانه وتعالى بين أن من أهم ما استحق به الكافرون العقوبة في الآخرة هو ترك الصلاة.
3 - إن أهم صفات المؤمنين هي الاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فمن ترك الصلاة، لم يحقق هذه الاستجابة، بل شابه الكافرين في الإعراض والتولي والاستكبار عن الطاعة.
4 - إن الله توعد تارك الصلاة بما توعد به الكافرين، من عظيم عقابه، وشديد عذابه.
5 - إن الله جل وعلا علق أخوة الدين على إقامة الصلاة، فلا يكون الإنسان مسلماً إلا بها.
6 - إن الله سبحانه وتعالى أوضح في كتابه العزيز أن أهم صفات المؤمنين التي يتميزون بها عن غيرهم هي: إقامة الصلاة، فمن لم يقمها فليس منهم، بل هو من المشركين الكافرين.
7 - إن السنة المطهرة جاءت منها نصوص صحيحة، صريحة في كفر تارك الصلاة، إذ جعلها عليه الصلاة والسلام هي الحد الفاصل بين الإيمان والإسلام، والشرك والكفر. فلا يقيمها بإخلاص إلا المسلم، ولا يتركها – من غير عذر – إلا الكافر. فهي أهم الشعائر الظاهرة التي يتميز بها المسلمون عن غيرهم.
8 - علقت السنة الصحيحة الصريحة، الكفر على مجرد ترك الصلاة، "فمن تركها فقد كفر" فتأويل ذلك بالجحود أو غير ذلك من التأويلات، صرف للنصوص عن ظواهرها، وتكلف في تأويلها، وهو مدعاة على ردها.
9 - أبطلت السنة تلك التأويلات، التي زعمت بأن مجرد الترك، ليس كفراً مخرجاً من الملة، مؤكدة بأن هذا الترك مخرج من الملة، وأن تارك الصلاة لا ذمة له. فهل بعد هذا يقال: بأنه كفر دون كفر؟!!.
10 - أكدت السنة أن الصلاة هي آخر ما يبقى من الدين، فإذا ترك العبد الصلاة، كان ذلك أكبر دليل على كفره، وذهاب ما بقي معه من إيمان، وأنه قد سقط بناء الإسلام لديه كسقوط الفسطاط بذهاب عموده.
11 - أوضحت السنة بأن الصلاة أهم الأعمال، وأول ما يسأل عنه الإنسان يوم القيامة، فإن صلحت وقبلت، فقد أفلح وأنجح، لأنه تجاوز مرحلة الخطورة العظمى، وهي الخلود في النار مع الكافرين ثم نظر بعد ذلك في سائر عمله. فهي رأس ماله، ومفتاح ديوانه، فهل يصح ربح إذا هلك رأس المال؟!.
12 - أكد إجماع الصحابة – رضي الله عنهم – ما دلت عليه ظواهر النصوص وأم المراد بالكافر، الكفر الأكبر المخرج من الملة. وهو إجماع صريح، لا يحتمل التأويل، نطق به الصحابة فيما بينهم ونقله التابعون عنهم وهو أقوى دليل في الرد على كل من أراد تأويل تلك النصوص، أو صرفها عن ظاهرها.
13 - أن هذا الإجماع أصرح دليل في المسألة، وهو أقوى دليل في رد كل قو مخالف له.
14 - أن هذا الإجماع يؤكد أن القول: بعدم كفر تارك الصلاة، قول حادث وأن من قال به من علماء، وإن كان مأجوراً على اجتهاده، فقد جانبه الحق والصواب، ولا يجوز لمن استبان له الحق، تقليده في ذلك. ورحم الله الشافعي إذ يقول: "لا يحل لمسلم علم كتاباً، ولا سنة، أن يقول بخلاف واحد منهما".(4/23)
ثانياً: خاتمة الفصل الثاني:
15 - إن تارك الصلاة إن كان جاحداً لوجوبها، فالإجماع على كفره، ما لم يكن معذوراً بالجهل لحداثة إسلامه، أو كونه في مكان ناءٍ بعيد عن المسلمين.
16 - إن على المسلم العاقل، المحافظة على الصلاة، وأداؤها في أوقاتها على الهيأة التي يستطيعها، وأنه لا يجوز له تركها أو تأخيرها عن وقتها، إلا بعذر من نوم، أو نسيان أو نحو ذلك.
17 - أن تارك الصلاة بغير عذر، وإنما كسلاً وتهاوناً، كافر على الصحيح من أقوال العلماء وهو الذي عليه أكثر السلف، بل إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
18 - إن القائلين بعدم كفر تارك الصلاة بغير عذر. لم يتفقوا على ما يستحقه من عقوبة فذهب بعضهم إلى وجوب قتله حداً، وذهب آخرون إلى تعزيره.
19 - إن من العلماء من لم يستطع دفع النصوص الصريحة، الصحيحة الدالة على كفر تارك الصلاة بغير عذر، فرام الجمع بينها وبين النصوص الأخرى، فقد كفر بأمور، وأحوال، وأزمان.
20 - إن من قيد كفر تارك الصلاة بغير عذر، بأمور، أو أحوال، أو أزمان فقد خالف ما عليه أكثر السلف، وإجماع الصحابة من القول بكفر تارك الصلاة، وإن اتفق معهم في الظاهر. 21 - إن تلك الأقوال على اختلافها، كان رائد أصحابها الحق، فاجتهدوا في إصابته، بما معهم من أدلة من الكتاب، والسنة، والإجماع، والمعقول تدل في ظاهرها إلى ما ذهبوا إليه. 22 - إن الاختلاف بين العلماء في المسائل، قد يكون مع توفر النصوص، وثبوت الأدلة فيكون سببه الاجتهاد في الاستنباط، والترجيح بينها. 23 - إن العلماء – رحمهم الله – قد اجتهدوا جميعاً في إصابة الحق، ولم يقصدوا رد النصوص، أو دفعها، فهم مأجورون على اجتهادهم، ومعذورون في خطأهم.
24 - إن تلك الأقوال على اختلافها، وما استدل به أصحابها من أدلة سواء كانت من الكتاب، أم السنة، أم الإجماع، أم المعقول، قد أمكن مناقشتها دليلاً دليلاً، وبيان شبهة أصحابها في استدلالهم بها على أقوالهم ولا حاجة إلى ذكر ذلك مفصلاً هنا.
25 - إن إمكانية مناقشة تلك الأقوال، وما استدل به أصحابه، يؤكد أن القول الراجح في هذه المسألة، هو القول: بكفر تارك الصلاة، بغير عذر.
ثالثاً: خاتمة الفصل الثالث:
26 - إن الألباني رتب النجاة من النار، وعدم الخلود فيها، على مجرد الشهادة، ودون قيد، أو شرط. فلو مات المسلم تاركاً لأركان الإسلام كلها – عدا الشهادة – لا يسجد لله سجدة واحدة، فإنه داخل تحت المشيئة: إن شاء عذبه وإن شاء غفر له. ثم مصيره إلى الجنة، وهذا القول يلتقي مع لازم قول المرجئة.
27 - إنه حصر كفر تارك الصلاة في صورة واحدة، وهي إذا دعي إلى فعلها، وهدد بالقتل إن لم يستجب، فاختار القتل. وأن كفره في هذه الصورة ليس للترك، ولا للإصرار على الترك، وإنما للجحود، الذي دل عليه اختياره للقتل على الفعل.
28 - إن هذه الصورة التي أراد الألباني حصر الكفر فيها، وأن الأقوال والأدلة تجتمع عليها، هي عين الصورة التي أوردها الفقهاء، وذكروا الخلاف فيها!!.
29 - إن الأدلة الدالة على كفر تارك الصلاة، إنما ترتب الكفر على مجرد الترك، فتقييدها بغير مقيد، أو حملها على صورة مفترضة، تكلف ظاهر في رد النصوص، وعدم إعمالها.
30 - إن حصر الكفر في تلك الصورة وحدها، يقتضي ترتب الكفر على فعل الغير، وليس على فعل تارك الصلاة.!!
31 - إن حديث حذيفة بن اليمان المرفوع، ليس فيه دلالة على الموضوع، لا من قريب، ولا من بعيد. فالاستدلال به، فيه نوع من الإيهام.
32 - إن قول حذيفة إنما قاله في زمن خاص، دل الحديث عليه، فتعميم ذلك في كل زمان، والتكلف في صرف النصوص عن ظواهرها مجانب للصواب.(4/24)
33 - إن المستقر عند عامة الصحابة، والتابعين، أن الشهادة وحدها، لا تغني صاحبها، إن لم يكن معها شيء من أعمال الجوارح.
34 - إن استدلال الألباني بحديث أبي سعيد الخدري، على عدم كفر تارك الصلاة دون النظر إلى الأحاديث الأخرى في بابه، خلاف المنهج العلمي. لأن نصوص الشرع ينبغي أن يحمل بعضها على بعض، وإلا أوقع ذلك في التناقض والتعارض. 35 - إن حديث أبي سعيد، لم يغفله العلماء، أو يغفلوا عنه، كما ظنه الألباني بل استغنوا عنه بأمثاله من الأحاديث الأخرى، إذ لا مزيد فيه على غيره، عند التحقيق.
36 - إن القول: بأن ابن القيم لا يرى كفر تارك الصلاة كسلا، إلا إذا اقترن مع تركه ما يدل على جحوده. مجانب للصواب جملة، وتفصيلاً، وكتابة أكبر شاهد على ذلك.
37 - إن وصف الألباني من قال: "إن الصلاة شرط لصحة الإيمان، وإن تاركها مخلد في النار" بأنه التقى مع الخوارج في بعضهم قولهم، خطأ فادح وزلة من عالم.
38 - إن دعوى الألباني بأن ابن تيمية من الموافقين له في الرأي، غير صحيحة، إذ ظهر الفرق بين القولين، والبعد بين الرأيين.
39 - إن محاولة الألباني لنسف قول الحنابلة المشهور في المسألة من أساسه، بأن الرواية عن الإمام أحمد فيها مضطربة ... ، قد تم إبطالها، وإظهار أنها الرواية الصحيحة. وأن الرواية الثانية إن لم توصف بالشذوذ، فلا أقل من وصفها بالضعف، وعدم الصحة في المذهب.
40 - إن دعوى الألباني بأن المرداوي والشيخ سليمان من علماء الحنابلة المحققين الموافقين له في الرأي، قد تبين بطلانها.
41 - إن ما أورده الألباني من نقولات مختلفة، قد تبين أنه في كثير منها حملها ما لا تحتمل.
إلى غير ذلك من الفوائد والنتائج التي تم التوصل إليها من هذا البحث.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/25)
الدبلوماسية بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي
Oأحمد سالم باعمر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
علاقات عربية وإسلامية ودولية
الخاتمة
وفي نهاية هذه الدراسة يمكن تسجيل هذه الملاحظات، وهي عبارة عن النتائج المستخلصة من البحث، والمقترحات والتوصيات بشأنها.
النتائج:
1. حفظ التاريخ الدبلوماسي القديم للدبلوماسية الحديثة مجموعة نادرة من الوثائق التي سجلت تاريخ العلاقات الدبلوماسية في تلك العصور الغابرة، وتعد المدرسة الدبلوماسية الإغريقية قديماً أبرز المدارس الدبلوماسية، ويعود لها الفضل في إثراء الدبلوماسية الغربية بقواعد ونظم غنية استفادت منها المدرسة الدبلوماسية الغربية المعاصرة، كما أعطى الرومان من أرشيفهم الخاص للمؤرخين محفوظات ومخطوطات دبلوماسية تعد مرجعاً مهماً للتاريخ الدبلوماسي الحديث.
2. صورة الدبلوماسية في العصور القديمة وقبل البعثة النبوية هي البعثات المؤقتة التي تنتهي بمجرد أن يعود السفير إلى بلده الأصلي، ولم تكن قد عُرفت بعد آنذاك البعثات الدائمة.
3. مفهوم الحصانة الدبلوماسية لم يكن واضح المعالم والأسس في العصور القديمة والعصر الجاهلي واستمر على ذلك الحال حتى مطلع القرن السابع الميلادي.
4. أعطى الرسول ? قبل أربعة عشر قرناً الحصانة الدبلوماسية للرسل والسفراء، والتي صار معمولاً بها الآن في الدبلوماسية المعاصرة، والدراسة أوضحت المواقف الجليلة للمصطفى علية الصلاة والسلام في تعامله مع الرسل والسفراء القادمين من الدول الأجنبية.
5. لا يمانع الإسلام من إقامة علاقات وصلات دبلوماسية مع الدول غير الإسلامية لأنه دين السلام، فالمسلمون لهم في سيرة الرسول ? قدوة حسنة، وفي ممارسات الدولة الإسلامية سوابق كثيرة في إرسال الرسل والتعامل مع السفراء والمبعوثين.
6. إن مكانة الدين في الدبلوماسية الإسلامية واضحة، وهو يعد المحرك والدافع لتحقيق أهدافها، بينما ذلك غير واضح في الدبلوماسية المعاصرة، فهناك من يعزل الدين عن الدبلوماسية، وهناك من الأنظمة والدول والأحزاب الوضعية مَنْ تجعل من الدين قاعدة تنطلق منها، وهذا وذاك يفقد الدبلوماسية المعاصرة الثبات والاستقرار.
7. إن الإشارات والشواهد المتناثرة في مصادرنا التراثية أثبتت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الدبلوماسية الإسلامية كانت تتمتع بقدر عال من الكفاءة والذكاء والقدرة على تصريف الأحوال وإدارة دفة العلاقات الخارجية للدولة الإسلامية بكل نجاح.
8. إن وجه المقارنة بين الدبلوماسية الإسلامية والدبلوماسية المعاصرة هو قياس مع الفارق، حيث سبقت الدبلوماسية الإسلامية الدبلوماسيةَ المعاصرةَ بعشرة قرون تقريباً، وجسدت كل المفاهيم الأساسية للوظيفة الدبلوماسية، والمطَّلع على الدبلوماسية المعاصرة يلاحظ بوضوح أنها لم تتفوق على الدبلوماسية الإسلامية ولم تنفرد بمفاهيم جوهرية عن الذي تم إقراره منذ القرن السابع الميلادي، فكل الذي حدث أن القوانين الدبلوماسية السابقة وضعت في قالب قانوني منظم من حيث الشكل والمضمون وأصبحت الأمور واضحة وغير متناثرة بحيث يسهل الحصول عليها، وأوضحت الدراسة أن الدبلوماسية المعاصرة أخذت الكثير من الدبلوماسية الإسلامية.
9. إن فقهاء الإسلام قد اشترطوا شروطاً لابد من توفرها فيمن يتولى السفارة الإسلامية، وذلك لأن أهمية هذا المنصب توجب أن يكون شاغلة مستوفياً لصفات معتبرة خاصة تجعله أقرب إلى أن يؤدي عمله بكفاءة وحسن تصرف بما هو موكول إليه من مهام حساسة ومهمة.(4/26)
10. على السفير المسلم من الواجبات ما يجعله ممثلاً للدولة الإسلامية، ومتحدثاً رسمياً عن كل شئونها السياسية الخارجية، وليس له من الحقوق ما يجعله بمعزل عن المساءلة والرقابة والمتابعة، فهو يتمتع بكافة الامتيازات والمكافآت من قبل دولته مقابل أن يؤدي عمله بمنأى عن الأهواء الشخصية، وبعيداً عن أنانية السلطة وعن العبث بالمهمة الموكلة إليه.
11. تملك الأمة الإسلامية دبلوماسيةً واعيةً وقادرةً على مواكبة التطور والمستجدات الدولية إذا أحسنت الاختيار، ووضعت الرجل المناسب في المكان المناسب، واقتدت بالسلف الصالح في هذا الجانب، هذا يدحض دعوة النظم الوضعية الغربية التي تقول إن الدبلوماسية في الإسلام بعيدة عن أحداث العالم، وغائبة عن الساحة الدولية.
12. إن الفقه الإسلامي بمصادره الأصلية والتكميلية تميز بالمرونة والتنوع، مما كتب له الدوام والاستمرار والتعميم، حيث أصّل فقهاء الإسلام اقتباساً من تلك المصادر العديد من الأحكام العملية المتعلقة بعلاقة المجتمع الإسلامي بالمجتمعات الإنسانية الأخرى، فالفقه الإسلامي نظم علاقة المسلمين مع الدولة الأجنبية على مبادئ الإسلام السمحة حيث وضع قواعد عدة في ترتيب هذه العلاقة منها: العقد شريعة المتعاقدين، والوفاء بالعهود، وقاعدة الأمان للمبعوثين والرسل.
13. إن الفقه الإسلامي ليس مجرد قواعد تنظيمية تعني بتنسيق العلاقات بين الدول والشعوب كما هو الحال في القوانين الوضعية الدبلوماسية، بل هو فقه تقويمي يعتمد في قواعده على مصادر سماوية تجعل للمثل العليا والكمالات الأخلاقية المقام الأول في تشريعاتها، فالفقه الإسلامي يتفوق على القانون الدولي في أنه يمزج بين قواعد الأخلاق والقانون عن طريق الجمع بين العدل والإحسان.
14. أوضحت الدراسة أن مهمة الدبلوماسية تختلف عن مهمة الجاسوسية، وأن لكل مهمة عملها واختصاصها ورجالها، إذ تعتبر المهمة الدبلوماسية عملاً مشروعاً فقهاً وقانوناً، والجاسوسية مشروعة في أوقات معينة.
15. يُعدّ كتاب "رسل الملوك ومن يصلح للرسالة والسفارة" لأبي علي الحسن المعروف بابن الفراء، أول كتاب تحدث عن النظام الدبلوماسي في الإسلام وتطرق إلى قضايا الرسل وابتعاثهم، وطريقة اختيارهم، وصفات الرسل، وشروط قبولهم ..
16. إن جمال اللغة الدبلوماسية في الإسلام لم تضاهيه أية لغة على الإطلاق، فكان الرسول ? في أسلوب رسائله ووثائقه الرسمية إلى أمراء وملوك زمانه دقيقاً وواضحاً.
17. أظهرت المقارنة بين الدبلوماسية في الإسلام والدبلوماسية في القانون الدولي في الجوانب الدبلوماسية أنه لا وجه للمقارنة البتة بين منهج قائم على مصدر إلهي وسنة نبوية وبين منهج بشري يعتريه الخطأ والانحراف واتباع الأهواء والمؤثرات الشخصية، والدراسة أتت بالرأي القانوني في تلك المسائل الدبلوماسية بجانب المنهج الإسلامي.
18. لقد استفاد القانون الدبلوماسي المعاصر من آراء أئمة الفقه الإسلامي من خلال مؤلفاتهم الزاخرة، التي أرست القواعد الفقهية للسياسة الخارجية للدولة الإسلامية فضلاً عن تأكيدها لمبدأ الحصانة الدبلوماسية.
19. أظهرت الدراسة أن فقهاء المسلمين مثل الإمام الشيباني والماوردي قد سبقوا في آراءهم القانونية مؤسس القانون الدولي الحديث جروسيوس الهولندي، مما يؤكد دور المسلمين في نشأة قواعد القانون الدولي والتأصيل للعلاقات الدولية الحديثة.
20. يعد السفير عامر بن شراحبيل الشعبي ويحيى الغزال أبرز السفراء في العصر الأموي، كما يصنف أبو بكر محمد الباقلاني ونصر بن الأزهر أفضل من كلفوا بالسفارة في العصر العباسي.(4/27)
21. أوضحت الدراسة الصفات المعتبرة لحامل الرسالة إلى الملوك والرؤساء والأمراء، ويعد ابن الفراء أفضل وأبلغ من كتب في صفات من يصلح للسفارة وحمل الرسالة.
22. بينت الدراسة أن الدبلوماسي أينما وجد مطالب بمعرفة دقائق الأمور، وخصوصاً تاريخ الدبلوماسية وتطورها عبر الأزمنة المتعاقبة، ولا تكون المحصلة جادة ووافية إذا لم يجرِ الدبلوماسي موازنة بين التاريخ الدبلوماسي الإسلامي والتاريخ الدبلوماسي الغربي بشكل موضوعي.
23. اشترط فقهاء الإسلام شروطاً فيمن يختار للرسالة والسفارة، أما الشروط التي وضعتها الدبلوماسية المعاصرة فقد قام فقهاء الإسلام من قبل بتحصيلها واشتراطها لمن يقلد لمهمة السفارة.
24. لقد خلص عدد كبير من الباحثين إلى أن اليونانيين هم أول من استخدم مصطلح الدبلوماسية، التي تعني في أصلها اليوناني الوثائق التي تراسل بها الحكام في علاقاتهم الرسمية وعن طريقهم انتقلت إلى اللغات الأوروبية، ومن الإنجليزية والفرنسية استعار الكتاب والباحثون اللفظ والمصطلح إلى اللغة العربية.
25. إن الدبلوماسية الإسلامية هي تلك الأساليب التي كانت تتبع في تنظيم علاقات الدولة الإسلامية مع الدول الأخرى في حالتي السلم والحرب.
26. توصلت الدراسة إلى أن السفير أو الرسول شيء واحد وهو المصلح بين قومين والمفاوض على جمع شمل الطرفين.
27. إن التكييف القانوني للوظيفة الدبلوماسية وجد أساسه في اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961م، بينما التكييف الفقهي للوظيفة الدبلوماسية وجد أصوله وقواعده في الشريعة الإسلامية فشرعيته مستمدة من النص الإلهي والسنة النبوية الشريفة وممارسة الدول الإسلامية.
28. قدمت الدراسة العديد من الأدلة على سمو الدبلوماسية الإسلامية ومواكبتها لكل العصور والأزمنة وأنها كانت وما زالت معين لا ينضب للباحث في الدبلوماسية أياً كان جنس ولون ودين الباحث.
المقترحات والتوصيات:
1. إن دراسة الدبلوماسية بشكل مقارن بين الفقه والقانون تبين للقارئ والباحث تميز الإسلام وفضله في العلاقات، وعلى ضوء ذلك فإنه لابد أن يخصص لمثل هذه الدراسات جانب من الاهتمام من قبل الدارسين والباحثين الذين يعنيهم إظهار فضل الإسلام على القوانين الوضعية.
2. هناك قضية اختيار المرأة المسلمة في العمل الدبلوماسي والدراسة لم تتطرق لها، فهذه القضية بحاجة إلى دراسة وتحليل من الناحية الفقهية الإسلامية وتأصيل شرعيتها، والوقوف على سلامة اختيار المرأة للوظيفة الدبلوماسية، فيتمنى الباحث أن يعالج هذا الموضوع من قبل المتخصصين في هذه القضايا تحت عنوان "المرأة المسلمة والدبلوماسية".
3. لقد أدهشني أن الدراسات الإسلامية لم تعالج بشكل مباشر موضوع الدبلوماسية بين الفقه والقانون، وأن الكتاب المسلمين لم يعتنوا بالدبلوماسية الإسلامية مقارنه بعناية الكتاب الغربيين بالمدرسة الدبلوماسية الغربية، فالباحث يرى وضع نموذج للمدرسة الدبلوماسية الإسلامية تتضمن ضوابطها ومعالمها وشروطها ومبادئها, حتى تكون واضحة أمام الدبلوماسي المسلم وغيره.
4. وإذا كان من الثابت أن كل محاولة جديدة تكون دائمة محفوفة بالمخاطر، فإن الباحث لا يدعي الكمال في العرض والتحليل، بقدر ما يدعي النزاهة، وأن هذه مجرد بداية لحركة فقهية قانونية تالية يخوضها المتخصصون في المستقبل.
5. يرى الباحث ضرورة وضع مقرر في المعاهد الدبلوماسية في الدول العربية والإسلامية تحت عنوان "أثر أئمة الفقه الإسلامي في الدبلوماسية" يبين أثر علماء وفقهاء المسلمين الأوائل والمعاصرين على الوظيفة الدبلوماسية وخصوصاً العلماء المسلمون البارزون.(4/28)
6. ضرورة تنظيم دورات دبلوماسية عالية للسفراء والدبلوماسيين الذين يعينون أو ل مرة سفراءً للدولة الإسلامية في الخارج، لأن هذا المنصب هو أعلى المناصب في السلك الدبلوماسي، فإذا أحسن الاختيار فإن السفراء سيكونون على درجة من الفقه والعلم والإيمان وحسن التصرف مع الآخرين في الخارج، وكل ذلك يجعلهم يمثلون دولهم على الوجه الأكمل. وعمل دورات مكثفة لهم تدور حول الفقه الإسلامي، ودوره في تنشيط العمل الدبلوماسي المعاصر.
7. تَبَنِّي جائزة خاصة للبحوث المتعلقة بالدبلوماسية الإسلامية وتشجيع الكتابة في مثل هذه القضايا.
8. تبني كرسي للدبلوماسية الفقهية في الجامعات العربية والإسلامية يخدم الفكر الدبلوماسي الإسلامي.
9. إجراء ندوات دبلوماسية سنوية تتبناها جامعة الدول العربية والمنظمات الإقليمية العربية والإسلامية تخصص للدبلوماسية المقارنة وواجبها في تنشيط العمل الدبلوماسي.
10. إصدار نشرة دورية عن مآثر الدبلوماسية الإسلامية.
11. ضرورة إيجاد صفحة في الكمبيوتر تتعلق بأشهر أعلام الدبلوماسية الإسلامية، وذلك للتعريف بجهود علماء الإسلام في هذا الجانب.
12. ضرورة أن تتبنى الجامعات العربية والإسلامية مشروع ترجمة المصادر الإسلامية المتعلقة بالدبلوماسية إلى اللغات الأجنبية، وحصر تلك المصادر ليسهل الرجوع إليها.
13. استخدام المعاهد الدبلوماسية في الدول الإسلامية الدبلوماسيين المشهورين من ذوي الخبرات في مجال الدبلوماسية المقارنة.
14. إن تخصص وزارات الخارجية في الدول العربية والإسلامية كليات أو معاهد خاصة للدبلوماسية بحيث تكون جزءًا من الدراسة حول الدبلوماسية المقارنة والتي تبرز من خلالها مشاهير الدبلوماسيين في الإسلام على مر العصور، وإيجاد مصادر دبلوماسية إسلامية في مكتبات وزارات الخارجية تمكن الدبلوماسي من استخراج المعلومات بسهولة، والمقارنة بينها وبين الدبلوماسية المعاصرة.
15. توعية الدبلوماسيين بالمستجدات والندوات التي تعقد في الخارج حول الدبلوماسية المقارنة.
16. تشجيع السفراء المسلمين وحثهم على كتابة مواضيع تتعلق بالدبلوماسية المقارنة، لأنها ستكون ذات بعد نظري وعملي، لأن السفير وصل درجة من العلم والاطلاع تجعله يعطي وجهة نظره من خلال الممارسة والتطبيق.
17.ضرورة تفسير اتفاقية فيينا تفسيراً قانونياً وأدبياً للدبلوماسي حتى لا تكون الاتفاقية مجرد مواد جامدة تقرأ له بصورة شمولية، وإنما يجب أن تكون أمام الدبلوماسي سهلة مبسطة يستطيع أن يتفهم مضمونها دون تكلف أو عناء.
18. الدراسة تحاول أن تطرح سؤالاً تحتاج الإجابة عليه إلى دراسة فقهية متأنية وهو: هل هناك فقه خاص يحكم سلوك الدبلوماسي؟ وهل لديه بعض الرخص المرتبطة بطبيعة عمله مثل (المصافحة، اللباس، الاختلاط بالنساء، الحفلات ... إلخ) علماً بأن السفير الأموي يحيى الغزال أقام في بلاد النورمان وكانت له علاقات صداقة مع سيدات القصر تمكن من خلالها من إنقاذ السواحل الأندلسية من غارات النورمان.(4/29)
الدعاء في خطبة الجمعة - حكمه وصوره
Oسعود بن إبراهيم الشريم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البشائر الإسلامية - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
الجمعة - الخطبة
الخاتمة:
بعد جمع المادة العلمية لهذا البحث، وسرد أقوال العلماء وأدلتهم، يمكن لنا أن نصل إلى النتيجة التالية:
1 - أنه ليس هناك دليل صحيح صريح يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد دعا في خطبة الجمعة بدعاء معين، سوى ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم في دعاء الاستسقاء وهو في خطبة الجمعة على المنبر، وما جاء من أنه صلى الله عليه وسلم كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات. وهو حديث ضعيف.
2 - أن المسألة فيها خلاف بين أهل العلم بحسب فهمهم لبعض النصوص.
3 - أن من أهل العلم من فرق بين مشروعية الدعاء لعموم المؤمنين في خطبة الجمعة وبين تخصيص السلطان بالدعاء، وبين التعميم للولاة والسلاطين دون تعيين.
4 - أن الظاهر من حيث الصنعة الفقهية والدليلية أن الدعاء جائز في الخطبة، ويسن إذا كان للاستسقاء؛ لفعله صلى الله عليه وسلم.
5 - أن الدعاء للسلطان في الخطبة جائز أيضاً، وليس واجباً ولا محرماً، ولا من سنن الخطبة. ولكن يكره المبالغة فيه والإطراء المنهي عنه والمجازفة في الأوصاف والألقاب.
6 - أن مسألة الدعاء للسلطان بعينه في الخطبة مسألة اجتهادية لا يثرب فيها على من اختار أحد القولين في المسألة، ولا يعدو عن كونه في إطار أهل السنة والجماعة؛ لأنها مسألة فقهية وليست من مسائل الاعتقاد.(4/30)
الدعاء وأحكامه الفقهية
Oخلود بنت عبدالرحمن المهيزع
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الصميعي - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دعاء - صفته وآدابه
الخاتمة:
الحمد لله الذي من علي بإتمام البحث ووفقني لإكماله، وأشكره على جزيل نعمه وإحسانه. وأصلي وأسلم على خير خلقه المبعوث رحمة للعالمين. وبعد:
فأهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث ما يلي:
1 - أن الدعاء هو التضرع إلى الله والافتقار إليه بطلب تحقيق المطلوب أو دفع المكروه بصيغ السؤال والخبر.
2 - أن الدعاء تدور عليه الأحكام التكليفية الخمسة، وإن كان الأصل فيه الندب.
3 - أن الدعاء يتنوع بعدة اعتبارات:
أ- باعتبار معناه إلى دعاء عبادة ودعاء مسألة.
ب- باعتبار صيغه إلى طلبية وخبرية.
ج- باعتبار حكمه إلى دعاء مشروع وغير مشروع.
هـ- باعتبار ما ورد إلى دعاء مأثور ودعاء غير مأثور.
ووباعتبار الداعي إلى دعاء مسلم ودعاء فاسق ودعاء كافر.
4 - أن للدعاء فضائل عظيمة، ومناقب جليلة، وهو من أفضل الطاعات وأعظمها، وهو سرها وروحها.
5 - أن للدعاء شروطاً وأركاناً لا يصح الدعاء بدونها وله آداب ينبغي التحلي بها كالطهارة واستقبال القبلة، ورفع اليدين وغير ذلك.
6 - أنه يستحب للداعي أن يرفع يديه حال الدعاء إلا في المواطن التي لا يشرع رفع اليدين فيها كالدعاء في الطواف أو بعد الأكل أو عند النوم ونحو ذلك.
7 - إن الأصل الدعاء بباطن الكفين ولا يشرع الدعاء بظهور الكفين على القول المختار.
8 - أنه لا بأس للداعي أن يرفع يداً واحدة عند الدعاء إذا منع من رفع الأخرى عذر.
9 - أنه يستحب للداعي أن يشير بإصبعه حال الدعاء ويسمى الإخلاص أو التضرع.
10 - أنه يجوز للداعي أن يرفع بصره إلى السماء حال الدعاء، وإن كان الأولى التضرع والانكسار بين يدي الله، أما رفعه في حال الدعاء في الصلاة فحرام وكبيرة من الكبائر.
11 - الأولى للداعي ألا يمسح وجهه بعد الفراغ من الدعاء في غير الصلاة وإن فعله أحياناً من غير ملازمة له كان له وجه، أما مسح الوجه بعد الفراغ من الدعاء في الصلاة فبدعة مذمومة.
12 - أنه لا يشرع للداعي أن يجثو على ركبتيه حال الدعاء، لأن الأحاديث الواردة فيها ضعيفة.
13 - أنه لا يشرع الدعاء قبل أذان الفجر وهو من البدع المكروهة المذمومة.
14 - أنه يستحب لسامع الأذان وكذا الإقامة على القول المختار أن يقول مثل قولهم ثم يدعو بعدها.
15 - أنه يستحب للداخل لقضاء الحاجة والخارج منها أن يدعو بالدعاء المأثور باتفاق الفقهاء.
16 - أنه لا يصح دعاء يقال على أعضاء الوضوء على القول المختار.
17 - أنه يستحب قول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، بعد الفراغ من الوضوء لما ورد فيه.
18 - أنه لا يصح الدخول إلى الصلاة بصيغ الدعاء باتفاق الفقهاء.
19 - أن دعاء الاستفتاح سنة لكل مصل وأن محله بعد التكبير وقبل قراءة الفاتحة.
20 - أنه لا يشرع الدعاء بين آيات الفاتحة، ومن دعا بينها عامداً يلزمه أن يستأنفها.
21 - استحباب الدعاء عند آية الرحمة والاستعاذة عند آية الوعيد في صلاة النفل فقط دون الفرض، على القول المختار.
22 - يستحب الدعاء في الركوع في الفرض والنفل على القول المختار وكذا يستحب الدعاء في السجود لكل مصل للأدلة الواردة فيه.
23 - وجوب قول سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد عند الرفع من الركوع ويستحب الزيادة على التحميد بحسب ما ورد، والزيادة على الوارد بدعة محدثة.
24 - وجوب سؤال المغفرة في الجلوس بين السجدتين لصراحة فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكره الزيادة عليها بحسب الوارد عنه صلى الله عليه وسلم.(4/31)
25 - أن الدعاء بعد التشهد الأول مكروه في الفرض والنفل، لعدم وروده، أما الدعاء بعد التشهد الثاني فمستحب خصوصاً الاستعاذة من عذاب جهنم وعذاب القبر وفتنة المحيا والممات وفتنة المسيح الدجال.
26 - يشرع للداعي أن يشير بسبابة اليمنى عند دعائه في الصلاة في التشهد الثاني مع التحريك على القول المختار.
27 - لا يشرع زيادة اللهم ارحم محمداً في ألفاظ التشهد الثاني، أما الدعاء له بالرحمة مفرداً في غير الصلاة فجائر على القول المختار.
28 - يشرع للمصلي أن يدعو بجميع حوائجه في الصلاة للأحاديث الواردة في ذلك، وإن كان الأولى له أن يختار الأدعية الواردة في الكتاب والسنة أو الواردة عن السلف حتى لا يقع في الاعتداء المنهي عنه.
29 - يجوز الدعاء لمعين في الصلاة في الفرض والنفل على القول المختار.
30 - يجوز الدعاء بغير العربية في الصلاة للعاجز عنها ولا يجوز ذلك للقادر عليها على القول المختار.
31 - أنه يستحب أن يقول في سجود التلاوة ما يقوله في سجود الصلاة من التسبيح وإن زاد غيره مما ورد فحسن هذا في الفرض والنفل.
32 - أنه لا يشرع دعاء ختم القرآن في صلاة النفل والفرض؛ لعدم ورده عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما خارج الصلاة فمستحب لما ورد فيه من الأدلة.
33 - يشرع القنوت في الصلوات الخمس خلال الجمعة عند النوازل ويكره عند عدمها ويكون محله بعد الركوع على القول المختار.
34 - يستحب القنوت في كل نازلة بما يناسبها وليس فيه لفظ مؤقت، ويستحب الجهر به ورفع اليدين فيه على القول المختار.
35 - أن القنوت في النوازل خاص بالإمام الأعظم أو نائبه على القول المختار.
36 - يسن القنوت في الوتر في جميع أيام السنة وأنه مخير بين فعله قبل الركوع أو بعده.
37 - أصح ما ورد في الوتر الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم الحسن رضي الله عنه: (اللهم اهدني فيمن هديت ... ) وله أن يضم إليها السورتين اللتين قنت بهما عمر: (اللهم إياك نعدب، ولك نصلي) وله أن يزيد ما شاء من الأدعية المأثورة في القرآن والسنة، من غير إطالة تشق على المأمومين.
38 - أن الأولى في القنوت في الوتر ألا يبدأ فيه بالصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، لعدم الدليل الدال على مشروعيته، وأما ختمه بالصلاة والسلام على النبي فمستحب لما ورد فيه من الأدلة.
39 - يستحب الجهر بالقنوت في الوتر في حق الإمام والإسرار في حق المنفرد على القول المختار.
40 - يسن الاشتغال بدعاء الله وذكره والصلاة عند الكسوف حتى ينجلي باتفاق الفقهاء، ويكون محل الدعاء في نفس الصلاة، وإذا فرغ من الصلاة ولم ينجل الكسوف اشتغل بالدعاء والذكر حتى ينجلي ولا يعيد الصلاة.
41 - الاستسقاء بالدعاء مشروع ولا خلاف بين الأمة في جوازه، لكن الاستسقاء بالصلاة أفضل، ويكون محل الدعاء في الاستسقاء بعد الفراغ من الخطبة أو قبل الفراغ منها باتفاق الفقهاء، ويسن تحويل الرداء للإمام والمأموم عند الدعاء فيها.
42 - تستحب صلاة الاستخارة والدعاء عقيبها بما ورد باتفاق الفقهاء في جميع الأمور المباحة أو المستحبة، ولا تشرع في الأمور الواجبة أو المحرمة والمكروهة.
43 - يجب الدعاء للميت في صلاة الجنازة سراً ويكون محله في جميع التكبيرات، لأنه هو المقصود الأعظم وليس فيه دعاء مؤقت لكن ينبغي التزام ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم لأن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يرفع يديه حال الدعاء.
44 - يشرع الدعاء للصغير ومن فيه حكمه بالمغفرة عند الصلاة عليه ولا يختص ذلك بالمكلف على القول المختار.(4/32)
45 - يستحب للمصلي أن يشرك نفسه ووالديه والمسلمين عند الدعاء للميت في صلاة الجنازة مع تخصيص الميت سواء كان مكلفاً أو غير مكلف بالدعاء فيقول: اللهم اغفر له وارحمه ونحو ذلك.
46 - يستحب الذكر والدعاء بالأدعية الواردة بعد السلام للإمام والمأموم والمنفرد باتفاق الفقهاء، أما الدعاء بعد المكتوبة بغير ما ورد مع رفع اليدين فأمر محدث لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.
47 - الدعاء جماعة بصوت واحد بعد التسليم من الصلاة من الإمام والمأمومين بدعة محدثة لم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه ولا التابعين ولم تنقل عمن يوثق به من الفقهاء، وكذا الدعاء من الإمام وتأمين المأمومين بدعة ولا يباح منه إلا ما كان لعارض كقنوت النازلة ونحو ذلك.
48 - يستحب الدعاء عند دخول المسجد أو الخروج منه بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
49 - يشرع الدعاء في خطبة الجمعة لولي الأمر بالصلاح والإعانة على الحق وللمسلمين بأمور الآخرة وهذا من مستحبات الخطبة ومكملاتها وليست من شروطها وأركانها على القول المختار، ولا يشرع رفع اليدين في حال الدعاء لا من الإمام ولا من المأمومين باتفاق الفقهاء.
50 - أن أرجى ساعات الإجابة يوم الجمعة هي آخر ساعة بعد العصر، لقوة الأدلة الواردة في ذلك، وإن دعا في الساعة التي بين جلوس الإمام إلى انقضاء صلاة الجمعة فذلك زيادة خير رجاء الإجابة.
51 - يستحب للمصلي أن يحمد الله تعالى ويثني عليه ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو بما شاء بين كل تكبيرتين من التكبيرات الزوائد في صلاة العيدين.
52 - لا بأس أن يدعو المسلم لغيره في يوم اليعد بقوله: تقبل الله منا ومنكم ونحو ذلك لما فيه من مصلحة شرعية وهي التآلف والتواد وسلام الناس بعضهم على بعض.
53 - استحباب الدعاء عند لبس الثوب وعند دخول المسكن والخروج منه بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
54 - يستحب لآخذ الزكاة سواء كان الساعي أو الفقير أو الحاكم أو غيره أن يدعو للمعطي فيقول: (آجرك الله فيما أعطيت، وبارك له فيما أنفقت، وجعله لك طهورا، وبارك الله فيما أبقيت) أو نحو ذلك وليس فيه دعاء مؤقت.
55 - أن الصلاة على غير النبي صلى الله عليه وسلم أحياناً من غير أن يجعل ذلك شعاراً له لا بأس به.
56 - يستحب الإكثار من الدعاء وذكر الله وغير ذلك من العبادات المحضة في نهار رمضان ويتأكد في الأوقات الفاضلة كالعشر الأواخر وأوقات السحر وعند الإفطار ويستحب أن يدعو عنده بلفظ: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله).
57 - لا يشرع الدعاء عند الدخول في النسك بلفظ: (اللهم إني أريد الحج والعمرة فيسره لي وتقبله مني ... ) ولا بعد التلبية لضعف الحديث الوارد في ذلك.
58 - يستحب الدعاء عند رؤية الكعبة بلفظ: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحينا ربنا بالسلام) باتفاق الفقهاء مع رفع اليدين على القول المختار.
59 - يستحب الدعاء عند استلام الحجر بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم وفي أثناء الطواف وعلى الصفا والمروة وفي أثناء السعي وفي عرفة وعند المشعر الحرام وبعد الرمي باتفاق الفقهاء.
60 - عدم مشروعية التعريف بغير عرفة لعدم وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم.
61 - يشرع الدعاء عند الذبح بلفظ: (بسم الله اللهم منك وإليك اللهم تقبل مني إنك أنت السميع العليم) على القول المختار.
62 - يستحب الدعاء بالشهادة في سبيل الله ويستحب الدعاء عند توديع الجيش وفي أثناء القتال وإذا انهزم العدو وانتصر المسلمون بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.(4/33)
63 - يستحب الدعاء عند الخروج إلى السفر وفي أثناء السفر وإذا أمسى أو أسحر أو أشرف على القرية أو البلد الذي يقصده بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم لا فرق في ذلك بين سفر الطاعة أو سفر المعصية.
64 - جواز بيع كتب الأدعية وإجارتها أو شرائها بالتقسيط على القول المختار.
65 - يستحب الدعاء عند عقد النكاح للزوجين بلفظ: (بارك الله لكما، أو بارك عليكما، وجمع بينكما في خير)، ويستحب للزوج أن يدعو عند دخول امرأته عليه بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
66 - يستحب الدعاء عند الجماع بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم وهو: (اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا) باتفاق الفقهاء.
67 - يستحب أن يهنأ الوالد بالمولود سواء كان أماً أو أباً بأي بلفظ يحصل به المقصود، ومما ورد: (بورك لك في الموهوب، وشكرت الواهب، ورزقت بره وبلغ رشده).
68 - يستحب للمصلي سواء كان إماماً أو مأموماً أو منفرداً أن يؤمن على الفاتحة في الصلاة السرية والجهرية ويجهر به الإمام والمأموم في الصلاة الجهرية على القول المختار.
69 - يستحب ختم الدعاء في غير الصلاة بالتأمين باتفاق الفقهاء.
70 - يستحب الدعاء طرفي النهار بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم والمحافظة على ذلك ومحل هذه الأدعية والأذكار قبل طلوع الشمس وقبل غروبها أو بعده والأمر في ذلك واسع.
71 - يستحب الدعاء عند النوم والاستيقاظ وعند الفزع والخوف بما ورد عنه صلى الله عليه وسلم.
72 - يشرع تشميت العاطس إذا حمد الله بلفظ: يرحمك الله ويجيب العاطس، (يهديكم الله ويصلح بالكم) لما ورد فيه من الأحاديث، والتشميت فرض كفاية والرد واجب على العاطس.
73 - لا يشرع التشميت في حق من لم يحمد الله عند العطاس، أو أتى بلفظ غير الحمد، ولا المزكوم إذا تكرر منه العاطس، ولا في حق من يكره التشميت، ولا في حق من عطس داخل الصلاة أو وهو يستمع الخطبة يوم الجمعة، أو عطس عند امرأة أجنبية، أما الكافر فيشتمه بلفظ: يهديكم الله ولا يدعى له بالرحمة والمغفرة، على القول المختار.
74 - أن الدعاء إذا استجمع شروطه وآدابه مجاب كله، لكن الإجابة تتنوع كما جاءت بذلك النصوص.
75 - أن للدعاء أوقاتاً وأزمنة وأماكن فاضلة يرجى فيها إجابة الدعاء ينبغي معرفتها ليتعرض لها.
76 - أن للدعاء آثار عظيمة وفوائد جليلة ترجع على الداعي بالخير في الدنيا والآخرة فبه ترفع المحن وبه تستجلب النعم وبه يزيد الإيمان واليقين والعبودية لله رب العالمين.(4/34)
الدفع بالتقسيط عن طريق البطاقات الائتمانية دراسة فقهية مقارنة
Oعمر يوسف عبابنة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس – عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تقسيط وآجل
النتائج والتوصيات:
أولاً: النتائج:
لقد أصبح من المسلم فيه وجود بطاقات الائتمان التي تقوم على مبدأ التسهيل على عملاء البنوك، وقد تضمنت بعض البطاقات الائتمانية صورة لتسديد ما يترتب على حامل البطاقة من أموال، ألا وهي الدفع بالتقسيط، حيث إن حامل البطاقة يستطيع أن يشتري السلعة ومن ثم يقوم بتسديد ثمنها للبنك (مصدر البطاقة) على شكل أقساط مريحة، وقد ساهمت هذه العملية في التخفيف من الأعباء الواقعة على كاهل حاملي هذه البطاقات.
وقد قدمت هذه الدراسة المحاور الرئيسة والأسس التي تقوم عليها بطاقات الائتمان بشكل عام، وبطاقات الدفع بالتقسيط الائتمانية بشكل خاص، حيث تم تسليط الضوء على كافة جوانب عمل هذه البطاقات سواء من الناحية الاقتصادية، أو الناحية الشرعية، وقد توصلت الدراسة إلى عدد من النتائج يمكن إجمالها بما يأتي:
1 - يعتبر الدفع بالتقسيط أثراً من آثار البيع، كما يمكن أن ينشأ عن أي عقد عوضي، وهو عبارة عن تسديد مبلغ من المال لجهة معينة على حصص معلومة المقدار، وآجال محددة، يتفق عليها كل من الأطراف المتعاقدة.
2 - إن الأصل في العقود التي تبنى على المعارضات المالية أن يكون الثمن فيها معجلاً، إلا إذا اتفق الطرفان على تأجيل الثمن، وتسديده على عدة أقساط.
3 - يشترط للدفع بالتقسيط أن يكون الثمن محدداً، وكذلك الأجل، وأن يبين مقدار كل قسط، والفترة الزمنية بين تلك الأقساط، دون زيادة على الثمن عند تأخر المدير عن التسديد، وعدم الإنقاص منه في حال تسديد المدين قبل حلول الأجل.
4 - من صور الدفع بالتقسيط المعاصرة، تلك الصورة التي تنتج عن استخدام البطاقات الائتمانية في الشراء، أو الحصول على الخدمات.
5 - إن بطاقة الائتمان هي عبارة عن اتفاقية بين طرفين، والغالب أن يكون أحد الطرفين مؤسسة مالية، ويكون الطرف الآخر شخصاً يطلب الحصول على هذه البطاقة، بحيث يتم لهذا الشخص الحصول على السلع والخدمات من الأماكن التجارية التي تقبل التعامل بهذه البطاقة, ثم تلتزم تلك المؤسسة المصدرة للبطاقة بإعطاء هذا الشخص ضماناً، تلتزم فيه بدفع ما يترتب على حامل البطاقة من مبالغ مالية لتلك الجهات التجارية، ثم تعود بعد ذلك عليه بما دفعته.
6 - تنقسم بطاقات الائتمان إلى قسمين: بطاقات الحسم الشهري ( Ghareg Card) وفيها يتم اقتطاع المبلغ المطلوب من حامل البطاقة مع نهاية كل شهر، وبطاقة الائتمان المتجدد ( Credit Card) لا يلتزم حاملها بتسديد الأموال التي ترتبت عليه عند نهاية كل شهر، وإنما يلتزم بدفع نسبة قليلة من هذه الأموال، ثم يتم تدوير ما تبقى من مبلغ إلى الشهر التالي، بحيث تترتب عليه فائدة يكون قد اتفق عليها مع البنك المصدر، وهذا القسم من البطاقات غير معمول به في المؤسسات والمصارف الإسلامية.
7 - هناك عوائد للبطاقات الائتمانية مشتركة بين البنوك التقليدية والبنوك الإسلامية تتمثل في رسوم إصدار البطاقة وتجديدها، ورسوم إصدار بطاقة بدل فاقد، ورسوم التجديد المبكر، وكذلك الحصول على نسبة مئوية من المنظمة العالمية الراعية للبطاقات.
8 - يجوز أخذ الرسوم على إصدار البطاقات لأن المقصود منها تغطية الأعمال الإدارية والمراسلات، ولا مانع من اختلاف هذه الرسوم تبعاً لاختلاف الخدمات أو المزايا المقدمة لحامل البطاقة.
9 - إن التكييف الفقهي للعلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها لا تخرج عن كونها عقد قرض، وبين المصدر للبطاقة والتاجر عقد وكالة بأجر، وبين التاجر أو مقدم الخدمة وحامل البطاقة عقد بيع أو إجارة.(4/35)
10 - إن النسبة التي يقتطعها مصدر البطاقة من التاجر الذي قبل التعامل بالبطاقة كُيفت عدة تكييفات فقهية وهي إما أجرة استحقها المصدر على تحصيل الدين من حامل البطاقة، أو أجرة سمسرة أو أجرة بدل خدمات أو أجرة مقابل الوكالة، أو من باب أخذ الأجرة على الحوالة، وأغلبها تصلح لتكييف هذه العَمَلية.
11 - هناك عدة بطاقات للدفع بالتقسيط في المصارف الإسلامية مثل بطاقة الشامل التي تصدر عن مصرف الشامل في مملكة البحرين، وبطاقة تيسير الأهلي التي تصدر عن البنك الأهلي التجاري السعودي، وبطاقة الخير السعودي التي تصدر عن بنك السعودي الأمريكي.
12 - العقد الشرعي الذي تقوم عليه آلية عمل بطاقة الشامل هو القرض الحسن، وتقوم بطاقة تيسير الأهلي على بيع الفضولي، وتشترك مع بطاقة الخير السعودي في عملية التورق المصرفي المنظم، وهاتان الأخيرتان تحتويان على محاذير ومخالفات شرعية تجعلهما غير جائزة شرعاً، بخلاف بطاقة الشامل التي تقوم على فكرة القرض الحسن.
13 - يعتبر التورق الفردي جائزاً، أما التورق المنظم (المصرفي) فغير جائز، لما يرد عليه من تحايل على الشريعة ومآله في نهاية الأمر إلى الربا.
14 - يجوز بيع الفضولي بشرط أن يكون موقوفاً على إجازة المالك، فإن أجازه نفذ، وإن رده بطل، لأن في ذلك إبقاء لإرادة المالك على سلعته.
15 - هناك آثار اقتصادية لبطاقات الائتمان تعود على جميع الأطراف المتعاملين فيها، فبالنسبة للمنظمة العالمية تنحصر منافعها في العمولات التي تحصلها من البنوك المصدرة للبطاقات، أما البنوك المصدرة فمنافعها تتمثل بالرسوم التي يقوم حامل البطاقة بدفعها، وحامل البطاقة يتمكن من شراء السلع والاستفادة من الخدمات أينما حل وارتحل، ويستفيد التاجر عن رواج سلعته وزيادة نسبة مبيعاته.
16 - يعتبر التعامل ببطاقة الائتمان وسيلة مأمونة للحفاظ على الأموال من الضياع أو السرقة.
17 - تمنح البطاقة حاملها قيمة أدبية واجتماعية، كما تعزز عنده النزعة الاستهلاكية، ولكنها قد تفقد أو تسرق أو تزيف، مما يعود بالخسارات المالية على حاملها والمنظمة العاملية الراعية لها.
ثانياً: التوصيات:
إسهاماً في تطوير عمل هذه البطاقات، ومحافظة على بقائها ضمن الضوابط الشرعية، يوصي الباحث بما يلي:
1 - تكثيف الجهود من قبل الباحثين في مجال الدراسات الاقتصادية الإسلامية في موضوع البطاقات الائتمانية، وما يستجد منها من أشكال.
2 - عدم الخروج عن الأطر الشرعية بحجة الإتيان ببديل شرعي لأي من المعاملات الاقتصادية المعاصرة.
3 - عدم التحايل على نصوص الشريعة في تكييف بعض المعاملات المالية المعاصرة.
4 - ضرورة توعية جمهور عملاء المصارف الإسلامية بالضوابط الشرعية عند استخدام بطاقات الائتمان المختلفة، عن طريق إصدار نشرات تعريفية توضح آلية عمل هذه البطاقات، والمحاذير المترتبة على مخالفة استخدام هذه البطاقات.
5 - تعميم فكرة البطاقات الائتمانية التي تمكن حاملها من دفع التزاماته على أقساط شهرية، كبديل عن البطاقات الربوية.
6 - دراسة النموذج المقترح لبطاقة التقسيط الائتمانية، وتبنى بعض المؤسسات المصرفية الإسلامية لهذا النموذج، ومحاولة الارتقاء به ليكون خالياً من أي مخالفة شرعية.(4/36)
الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها والتأمين التعاوني عليها
Oعبدالحميد محمود البعلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراوي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تأمين
خلائص البحث وتوصياته
نحن بحاجة ماسة إلى المؤسسة الفكرية والتنظير الواسع للعمل المصرفي والاستثماري الإسلامي، وقد قسمت البحث إلى أربعة مباحث:
خصصت الأول: للدين وأسبابه ومصادره.
وعقدت في الثاني: مناظرة بين التأمين التجاري والتعاوني أبرزتها في أربعة عناصر.
وجعلت الثالث: للديون المتعثرة والمشكوك فيها كظاهرة عامة ومشكلة خطيرة في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية أبرزتها في أربعة عناصر أيضاً، مصنفاً الديون المتعثرة بحسب أسبابها، ثم أردفت ذلك ببعض الوسائل العلاجية للتعثر المالي والديون المشكوك فيها وأبرزت أنه من الصعوبة بمكان التعميم بشأن وسائل علاج المشكلة.
أما المبحث الرابع: فتناولت فيه التأمين التعاوني وخطر الديون المتعثرة في تسعة عناصر.
وذلك كله على النحو التالي:
الدين عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة ما ثبت في الذمة من مال بسبب يقتضي ثبوته فتدخل فيه كل الديون المالية وتخرج عنه سائر الديون غير المالية.
وأسباب ثبوت الدين في الذمة كثيرة منها:
- الالتزام بالمال سواء أكان في عقد أو التزام بإرادة منفردة.
- العمل غير المشروع المقتضي لثبوت دين على الفاعل.
- هلاك المال في يد الحائز إذا كانت يد ضمان.
- تحقق ما جعله الشارع مناظاّ لثبوت حق مالي كحولان الحول على النصاب في الزكاة.
- إيجاب الإمام لبعض التكاليف المالية على القادرين عليها بشروطها الفقهية.
- أداء واجب مالي يلزم الغير عنه بناء على طلبه.
- الفعل المشروع حال الضرورة فالاضطرار لا يبطل حق الغير خلافاً لبعض المالكية.
- العمل النافع للغير بغير إذنه.
وفي المبحث الثاني عقدت مناظرة بين التأمين التجاري والتعاوني قامت على أربعة محاور هي:
المحور الأول: ضرورة التفريق بين التأمين كفكرة والتأمين كعقد قانوني من العقود المسماة، فالتأمين كفكرة يمر على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية والقانونية التي تعكس نفسها في عدد من التعاريف التي قيلت في التأمين وتنهض هذه المفاهيم المتعددة في نفس الوقت كمبررات لنظام التأمين أمام الانتقادات الموجهة إليه كعقد وليس كفكرة أو نظام. فالاقتصاديون والاكتورايون يركزون في تعريفاتهم للتأمين على الدخل والثروة وتأثير الأخطار والحوادث عليها. وكذلك الاكتواريون يهتمون بأساليب القياس فيما يتعلق باحتمال وقوع الحادث وتوقع الخسارة والمتخصصون والممارسون يركزون على تعريفاتهم على الصفة الاجتماعية. وفي القانون وعند القانونيين يتم التركيز على التأمين كعقد بين المؤمن والمؤمن له. وهو ما يقتصر عليه القانون، مما جعل القانونيين أنفسهم يتخذون من ذلك أساساً للقول بأن التأمين ينقلب من تأمين إلى رهان غير مشروع لأن الشخص الذي يأخذ على عاتقه ضمان الخطر يراهن على تحقق الخطر.(4/37)
وأضيف هنا أنه لعل هذا المسلك القانوني في التركيز على العلاقة بين المؤمن والمؤمن له منفرداً في عقد معاوضة من الأسباب الرئيسة في تسميته بالتأمين التجاري إذ يكون الربح هو الهدف الوحيد والأول والأخير من عمليات التأمين. ولهذا تنص قوانين التجارة على أن التأمين بأنواعه من الأعمال التجارية فضلاً عما تجيزه قوانين التجارة من اقتضاء الفائدة ابتداء وانتهاء، ابتداء عند الاتفاق وانتهاء عند التأخير في الوفاء. ويظل هذا التفاوت في النظر إلى التأمين كفكرة تقوم على مجموعة من المفاهيم الاجتماعية والاقتصادية وكعقد ينظم علاقة بين طرفين هو المسؤول إلى حد كبير عن اختلاف الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين مما جعلنا نعرض لمعتصر من الآراء والاتجاهات الفقهية في التأمين التجاري بأدلتها مع مناقشة هذه الأدلة والمتتبع لهذه الأدلة يجد أن جانباً جوهرياً منها اعتمد في المحاججة على التأمين كفكرة مثلما قيل بأن عقد التأمين ليس من عقود المعاوضة المالية التجارية وإنما هي عقود تعاونية.
ومما هو مقرر بل محل اتفاق أن عقود التأمين التي تبرمها شركات التأمين عقود معاوضات مالية كما يثبته قصد المتعاقدين في نصوص العقد.
ومثلما قيل بأن الربا ليس في التأمين كنظام قانوني وإنما فيما تقوم به شركات التأمين من أعمال وعقود أخرى غير مشروعة.
ومما هو مقرر لدى المتخصصين والممارسين أن الفائدة الربوية متضمنة دائماً في جوهر عقد التأمين لا يخلو منها وهي جزء من طبيعة العقد وحقيقته القانونية إذ إن سعر الفائدة أحد أربعة عناصر أساسية يتحدد على أساسها القسط الصافي وهي: الخطر، ومبلغ التأمين، ومدة التأمين، وسعر الفائدة. فالمادة 773 مدني كويتي تنص على أن: "التأمين عقد يلتزم المؤمن" بمقتضاه بأن يؤدي إلى المؤمن له أو إلى المستفيد مبلغاً من المال في نظير مقابل نقدي يؤديه المؤمن له للمؤمن". ومثلما قيل إن التأمين التجاري يحقق المصلحة وهي من مقاصد الشريعة فيكون جائزاً شرعاً ولكنها مصلحة لم تشهد لها الشريعة بالاعتبار فكانت ملغاة، ولذلك كان طبيعياً أن تصدر قرارات المجامع الفقهية الإسلامية بعدم جواز التأمين التجاري وحرمته وبجواز التأمين التعاوني وأنه البديل الشرعي الذي يحترم أصول التعامل الإسلامي وأنه مرغوب فيه لأنه:
أولاً: من قبيل التعاون على البر القائم على التبرع لا المعاوضة المالية بين قسط التأمين ومبلغ التأمين:
فالتأمين التعاوني يحقق مصالح من طبيعة واحدة وليست مصالح متقابلة أو متعارضة كما هو الشأن في المعاوضات التي تبني على المشاحة والمكايسة، وما لنا ألا نؤمن بالأساس الذي يقوم عليه التأمين التعاوني وقد اتفق الفقهاء على أن نظرية التبرع لا يحكمها حكم تكليفي واحد وإنما التبرع تعتريه الأحكام الخمسة (الموسوعة الفقهية الكويتية 10/ 66) والمالكية يرون أن كل التزام فردي بهبة أو صدقة أو جنس أو جائزة على وجه البر وما أشبه ذلك من وجوه المعروف لازم لصاحبه لا يقبل منه الرجوع عنه بل نقل ابن رشد الاتفاق على لزوم الهبة بالقول وإن كان الملتزم له غير معين (دل على ذلك ما جاء في تحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ج1، البهجة شرح التحفة ج2، والخرشي ج5، والزرقاني على خليل ج5، وحاشية الدسوقي ج4) ويترتب على هذا الأساس المكين في التأمين التعاوني أمران جوهريان هما:
أ- انعدام الربا بنوعيه فيه.
ب- تملك هيئة المشتركين في مجموعهم لأقساط التأمين المتبرع بها ومن ثم:(4/38)
ج- اندماج شخصية المؤمن والمؤمن له، فكل عضو من أعضاء هيئة المشتركين يجمع بين صفتي المؤمن والمؤمن له في آن واحد فهم يمثلون المؤمن باعتبارهم مالكي أموال التأمين وهم في نفس الوقت مؤمن لهم باعتبارهم حملة وثائق التأمين. ألم نقل أن التأمين التعاوني يجمع بين مصالح أطراف من طبيعة واحدة على خلاف التأمين التجاري.
د- ما يسمى بشرط التخصيص الذي يعطي شركة التأمين الحق في مالية حاملي الوثائق بمقدار نصيبهم في الزائد من الخسارة على الأقساط المدفوعة إذا لم تكف.
ثانياً: الربح في التأمين التعاوني تبع لا قصد، ومما هو مسلم به في الفقه أنه:
"يغتفر في التوابع ما لا يغتفر في غيرها" فيغتفر في الشيء إذا كان تابعاً ما لا يغتفر إذا كان مقصوداً وعبر عنها ابن نجيم بقوله: يغتفر في الشيء ضمناً ما لا يغتفر قصداً وعليها نصت مجلة الأحكام العدلية في المادة 54 وكذلك المادة 55 التي نصت على قاعدة "يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في الابتداء" والمادة 256 التي نصت على قاعدة "البقاء أسهل من الابتداء" فالذي لا يجوز ابتداء قد يجوز بقاء وذلك على خلاف التأمين التجاري.
وفي المبحث الثالث تناولت ظاهرة الديون المتعثرة والمشكوك فيها وبيان مظاهرها وأعراضها التي إن بدت تدل عليها وتصنيف أسبابها وكيف أن هذه الظاهرة أصبحت تمثل خطراً على المؤسسات والشركات بل والدول أيضاً ومن هنا كانت هذه الظاهرة مثار البحث والاهتمام.
وبالنسبة للمصارف والمؤسسات المالية فإن مشكلة الديون المتعثرة والمشكوك فيها تؤثر تأثيراً مباشراً على الأداء الحقيقي، أعني "الأداء المصرفي الفعال" فقوة الأداء المصرفي تقاس من جانبي الوجود والعدم أو من جانبيه السلبي والإيجابي.
فالجانب السلبي تعبر عنه إحجام المعجوز عنه من الموارد والإمكانات المادية التي كان يمكن أن تؤثر في ربحية البنك.
أما الجانب الإيجابي لقوة الأداء المصرفي فيتمثل في حجم استغلاله للفرص الاقتصادية السانحة ومن ثم حجم استثماراته ومشروعاته الإنتاجية.
فالمال ليس قوة في ذاته بقدر ما هو قوة بحفظه والمحافظة عليه من جانبي الوجود والعدم وبذلك تتحقق "الثقة" المنشودة في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية ومن هنا الأهمية البالغة لمشكلة الديون المتعثرة وضرورة معالجتها بأساليب وطرق علمية ناجعة. هذا ولقد تعددت مصطلحاتها وتسمياتها وكلها تعبر عن ظاهرة واحدة أكثر مصطلحاتها وتسمياتها ذيوعاً هو "الديون المتعثرة" عبر عنها بعض فقهاء الشريعة بقولهم.
"بتعذر حصول الدين" (مغني المحتاج للشربيني ج2) وقولهم "العيب في الدين" (نظرية العقد لابن تيمية).(4/39)
(من تسمياتها: الديون الحرجة – الديون الصعبة – الديون غير العاملة) وكلها تعبر عن ظاهرة واحدة ولكن بدرجات متفاوتة ويمكن أن يؤدي تحليل المركز المالي والنقدي للمدين إلى القول بوجود حالات يمكن معالجتها وهي حالات الإعسار أو العسر المالي وحالات ميؤوس من علاجها تقتضي اتخاذ الدائن الإجراءات اللازمة للمحافظة على حقوقه وإلى أن تنتهي تلك الإجراءات يعتبر الدين مشكوكاً فيه أي في تحصيله وتصبح الديون المعدومة هي التي أصبح من المستحيل استرجاعها. والمؤسسات المالية ككائن حي تتأثر تأثراً مباشراً بظروف المتعاملين معها وبظروف البيئة المحيطة بها ويجب أن تأخذ بكل أسباب الحيطة والحذر تجاه كل ذلك. ومن هنا كانت مشكلة الديون المتعثرة ذات شقين فتعثر المتعاملين مع المصارف سبب وعلة في تعثر هذه المؤسسات المالية والمصرفية ولا شك أن طبيعة عمل المصارف والمؤسسات المالية الإسلامية وأساليب وأشكال صيغ التمويل فيها يضفي على المشكلة بعداً آخر جديراً بالبحث والتحليل إذ المصرفية الفقهية الشرعية (الإسلامية) لا تقوم على الإقراض والاقتراض بل تقوم في الأساس على الملكية والتملك مما يخرج بحثه من إطار هذه الدراسة.
هذا ومظاهر التعثر المبكرة تختلف بالنسبة للمشروعات الفردية عنها بالنسبة للمؤسسات مما أوردنا جانباً مهما منه في هذا البحث وضرورة العناية بدراسة وتحليل هذه المظاهر أولاً بأول كي يمكن تحديد "مؤشرات الخطر" واتخاذ الإجراءات الشرعية المناسبة في الوقت المناسب لإصلاح مسار العمل ومعالجة أوجه القصور في "الأداء التشغيلي" ومن ثم حماية أموال البنك ومصالحه.
وعلى ضوء ذلك نقول "بوجوب" تصنيف الديون المتعثرة بحسب أسبابها، فمما لا شك فيه أن ذلك يساعد كثيراً في عدالة الحكم وكيفية المعالجة الصحيحة والرشيدة للمشكلة ومن ثم التمكن من إنزال الحكم الشرعي الصحيح على المسألة.
فليس من تعثر بسبب ضائقة مالية أو عسر بسبب عارض من ضيق ذات اليد كمن أعثر بسبب اللد والمماطل وسوء القصد أو كمن تعثر بسبب جائحة من الجوائح أو بسبب القوة القاهرة أو الظروف المحيطة والعامة وهكذا إلى غير ذلك.
وفي هذا السياق صنفنا أسباب التعثر إلى أربعة مجموعات هي:
1 - مجموعة الأسباب التي ترجع إلى البنك نفسه وعلى رأسها الخلل في "الهيكل المالي" وعدم التناسب في "المزيج التمويلي" و"الانبعاج" فيه:
كأن تمثل صيغة تمويلية معينة أغلب النشاط المالي والاستثماري على حساب سلة المزيج التمويلي المناسبة مما يزيد من نسبة احتمالات الخطر والمخاطرة وما يتطلبه تدارك ذلك من: نظام محكم للضمانات وحسابات دقيقة للمخاطرة ودراية تامة بأحوال السوق وأحوال المتعاملين فيه.
2 - مجموعة الأسباب التي ترجع إلى المدينين:
يتعين على البنك ابتداء أن يتوقى أسباب التعثر التي ترجع إلى المدينين ببناء منظومة متكاملة من الدراسات الدقيقة للمتعاملين ومشروعاتهم وبخاصة ما يرجع إلى سلامة الإدارة المالية للمشروع وإدارة الإنتاج فيه. ومن أهم الأسباب التي ترجع إلى المدينين أوردنا أربعة أسباب منها هي:
أ- الإعسار:
بما يعنيه من عدم القدرة في الحال على أداء ما ترتب في الذمة من حقوق مالية، وآية الإعسار قال فريق من الفقهاء أنها عامة في كل من كان له قبل رجل معسر حق من أي وجه كان ذلك الحق، وأن المعسر الأخذ منه حلال والصدقة عليه أفضل والنظرة واجبة فالعاجز عن أداء المال لا يجوز تكليفه به وخير الله عز وجل الصدقة على النظرة.
ب- الإفلاس:
المفلس من كان دينه أكثر من ماله وخرجه أكثر من دخله.
ج- المماطلة أو المطل:
وهو تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر أو مع التمكن منه وهو ظلم موجب للعقوبة.
د- جحود الدين وإنكاره:(4/40)
فإذا جحد المدين الدين فقد تعذر حصول الدائن على دينه وكان المدين آثماً.
3 - مجموعة الأسباب التي ترجع إلى الظروف الطارئة والقوة القاهرة والجوائح:
- الجائحة عرفها خليل بقوله: هي ما لا يستطاع دفعه.
- والظروف الطارئة هي التي تؤدي إلى اختلاف التوازن الاقتصادي للعقد ولا تجعل تنفيذ الالتزام مستحيلاً (كما هي القوة القاهرة) وفي نفس الوقت تجعل تنفيذ الالتزام يعود بخسارة على المدين تخرج عن الحد المألوف فلا ينقضي التزام المدين ولا يبقى كما هو لأنه مرهق فيرده القاضي إلى الحد المعقول. ونظرية الظروف الطارئة تناولها الفقهاء عندما تحدثوا عن الفسخ بالأعذار وعن الجوائح في بيع الثمار وعند تعديل العقد في حالة تقلب النقود ووضعوا ضابطاً للعذر الطارئ الذي يجيز فسخ عقد الإجارة مفاده أن:
عجز العاقد عن المضي في موجب العقد إلا بتحمل ضرر زائد لم يلتزمه بموجب العقد وذكروا من جوائح القرض كساد النقود ورخصها وغلاؤها وانقطاعها (البحث القيم تغير قيمة العملة في الفقه الإسلامي).
4 - مجموعة الأسباب الاقتصادية العامة:
وتتعلق هذه الأسباب بالعوامل السياسية والاقتصادية والتشريعية التي تؤثر على النشاط الائتماني بالمصارف وتزيد من ظروف "عدم التأكد" ومن ثم درجة المخاطر وقد ترجع هذه الأسباب إلى ظروف محلية إقليمية أو إلى ظروف عالمية دولية.
ومن هذه الأسباب المحلية أو الإقليمية:
- سياسة التسعير بغير ضوابط شرعية وما قد تؤدي إليه من عدم المقدرة على الوفاء بالالتزامات المالية.
- سياسة الإغراق.
- السياسة الضريبية المرهقة بغير ضوابط شرعية.
- سياسة أسعار الصرف والسياسة الائتمانية والنقدية عموماً وعدم قدرتها على تحقيقها الاستقرار المنشود مما يؤثر سلباً على قدرة الأفراد والمشروعات على سداد ديونها وبخاصة إذا كانت بالعملات الأجنبية.
ومن الأسباب الدولية والعالمية التي تؤدي إلى التعثر ما يلي:
- سياسة الحروب الاقتصادية والحصار الاقتصادي الدولي.
- سياسة التكتلات الاقتصادية الدولية.
- ظاهرة الركود التضخمي وما تحمله من اتجاهات متناقضة في السوق.
- أزمة الديون الدولية والتوقف عن الدفع في الديون الدولية يؤدي إلى مواجهة البلد المتوقف عن الدفع لاحتمالات تزايد إجراءات الحماية التجارية ضده وما يترتب على ذلك من انخفاض جوهري في حجم تجارته الخارجية وما يصاحب ذلك من زيادة أسباب التعثر المالي.
- مجموع هذه الأسباب يشكل أخطاراً يجب العمل على تلافيها أو التقليل منها إلى أدنى حد ممكن في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية وذلك يتوقف على:
1 - مدى الكفاءة في اختيار المزيج التمويلي الأمثل.
2 - نظام التوجيه المالي السليم والمتابعة والرقابة المالية مما يساعد على الاكتشاف المبكر للتعثر المالي.(4/41)
3 - مدى تجنب المخالفات الشرعية بالترك أيضاً وليس بالفعل أو الإتيان فقط كعدم أخذ الضمانات العينية الكافية وعدم وجود نظام استعلام جيد عن المتعاملين، أما اللجوء إلى "الشرط الجزائي" و"اشتراط التعويض عن الضرر" بسبب تأخر المدين عند من يجيزه واشتراط "حلول باقي الأقساط" فقد لا تفيد إذا توقف المدين عن الدفع بالكلية وعدم وجود مال له إذ لا توفر هذه الاشتراطات مصدراً إضافياً للمال يمكن أن يستوفى منه الدين المتعثر فيه. كل ذلك كان مدعاة للتطرق لوسائل علاج مشكلة الديون المتعثرة، وبداءة نقول: إنه من الصعوبة بمكان التعميم بشأن وسائل العلاج فإذا ثبت لنا أن مشكلة الديون المتعثرة متشابكة الأسباب متداخلة النتائج فإنه يكون من الخلط التعميم بشأن وسائل العلاج، فقد يكون من الأسباب ما لا شأن للمدين به على نحو ما سبق وقد يشترك البنك مع المدين في حدوث المشكلة وقد تتواطأ عدة أسباب في إحداثها ولا شك أن تحديد الأسباب المؤثرة في حدوث المشكلة يترتب عليه إمكانية تحديد الالتزامات المترتبة على كل حالة بعينها.
وعلى ضوء "تحليل المركز المالي" والنقدي للمدين يمكن تقسيم الديون المتعثرة إلى حالات يمكن معالجتها وحالات ميؤوس منها، والحالات التي يمكن معالجتها تمثل حالات العسر المالي المؤقت الذي يقوم فيها البنك بمد يد المساعدة للمدين مثل تأجيل سداد الديون الحالية أو تقديم مساعدة مالية وهذا كله عبرت عنه الآية الكريمة: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 280] فالعسر هو ما يسفر عنه "تحليل المركز المالي" والنقدي للمدين وأنه يستوجب النظرة، وخيرية الصدقة على النظرة درءاً للآثار السيئة والضارة بكل من الدائن والمدين إذ قد يثير التشدد في اتخاذ الإجراءات إلى إثارة الرعب في نفوس المتعاملين مع البنك واختلاف ثقتهم فيه ومن ثم انحدار سمعته فضلاً عن أن البنك قد لا يحصل على كامل حقه إذ لم تكف أموال التصفية للمدين بل إنه يجوز للبنك أن يقدم قرضاً للمدين لما قاله ابن قدامة في المغني (4/ 213): "ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفاً ليوفيه كل شهر شيئاً معلوماً جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له" وقال الحطاب (تحرير الكلام في مسائل الالتزام): "إذا قال له إن غرمائي يلزمونني بدين فأسلفني أقضيهم فقال نعم يلزمه ذلك ويحكم به عليه وهو جار على القول بلزوم إذا كانت على سبب وإن لم يدخل بسببها في شيء".
المعالجة المحاسبية السائدة في هذا المقام تقوم على طريقتين هما:
• طريقة تكوين مخصص للديون المقدر عدم تحصيلها مستقبلاً على أن تعتبر تلك الخسائر المتوقعة كمصروفات في الفترة التي يتم فيها البيع (باعتبار أن السياسة المتبعة هي البيع على الحساب) بما يترتب عليه قياس صافي الربح أو الخسارة بطريقة تعكس التوقعات عن الخسائر المحتملة.
• طريقة الخصم المباشر من حساب العملاء.
ومن الوسائل العلاجية والمقررة فقها:
• في حالة المماطلة: قضاء الحاكم دين المدين من ماله جبراً.
• في حالة البيع: تمكين الدائن من فسخ العقد واسترداد المبيع أو المشاركة في ملكية السلعة المبيعة على المدين بما يعادل الجزء المتبقي من ثمن السلعة ويكون البائع حينئذ شريكا للمشتري بحصته.(4/42)
• تحليل المركز المالي للمدين: إذا ثبت إعساره "ينطر" ولا يحبس على رأي من قال من وجب عليه حق فذكر أنه معسر به حبس إلى أن يأتي ببينة تشهد بعسرته (ابن قدامة وغيره في المغني مسألة 3464 ج4) بل ذهب رأي إلى القول: ولو أفلس غريمه فأقرضه ألفا ليوفيه كل شهر شيئاً معلوماً جاز لأنه إنما انتفع باستيفاء ما هو مستحق له، والتأمين التعاوني من أهم الأدوات ووسائل العلاج لمشكلة الديون المتعثرة والمشكوك في تحصيلها بما يقوم عليه من أسس شرعية أقرتها المجامع الفقهية وذلك انطلاقا من الخطر الذي قد يصبح ضرراً مادياً واقعاً.
• والخطر باعتباره جوهر عملية التأمين تعددت تعريفاته لدى كتاب التأمين والاقتصاديين والرياضيين والإحصائيين بل ولدى علماء النفس والاجتماع أيضاً. والخطر مؤثر في إسقاط العبادات أو تخفيفها ويتعلق به الرخص الشرعية.
• وفي نطاق التأمين فالخطر: عبارة عن الخسارة المتوقعة المصاحبة لحالة عدم التأكد من الأحداث المستقبلية ويقصد به الضرر الناشئ عن الحادثة أو الكارثة. ويعرفه القانونية بأنه "حادثة احتمالية لا يتوقف تحققها على محض إرادة أحد الطرفين خاصة إرادة المؤمن له وعلى ذلك فلكي تعتبر حادثة ما خطراً يجب أن تكون احتمالية من حيث وقوعها أو عدم وقوعها وبالتالي يجب أن يكون مستقبلياً وممكناً وليس مستحيلاً وقوعه وألا يكون وقوعه معلقاً على محض إرادة أحد المتعاقدين لأنه في هذه الحالة سيكون مؤكداً وليس محتملاً.
وإذا كان ذلك معنى الخطر فإنه يشترك مع الضرر بمعنى ما لا يدري أيحصل أم لا يحصل وهو رأي الكاساني وابن عابدين وابن تيمية والقاعدة العامة في الفقه الإسلامي أن الغرر يؤثر في سائر عقود "المعاوضات المالية" قياساً على عقد البيع حيث ورد النص بتأثير الغرر فيه والغرر المؤثر الذي يكون معه العقد غير صحيح هو الغرر الكثير في عقود المعاوضات المالية والكثير ما كان غالباً في العقد حتى صار العقد يوصف به وأن يكون الغرر في المعقود عليه أصالة أما عقود التبرعات فلا أثر للغرر فيها كقاعدة عامة عند المالكية وابن تيمية.
والتوقف عن دفع الديون والتعثر فيها كارثة أو حادثة متوقعة تهدد بخسارة مالية ومن ثم يصح أن تدخل في نطاق التأمين التعاوني وتصبح وثيقة التأمين التعاوني عقد تبرع مقصود بها أصلاً التعاون على تفتيت الخطر والمشاركة في تحمل الضرر.
و"نظرية التبرع" التي يقوم عليها التأمين التعاوني تقضي: أن تصرف الإنسان في خالص حقه دون مساس بحق أحد لا يتوقف على إرادة غيره، أي أن التصرف يتم بالإرادة المنفردة من ناحية نشأته، ولكن ظهور أثره يتوقف على قبول المتبرع له وذلك أمر آخر غير وجوده ونشأته وهذا ما عناه بعض الفقهاء "بالتبرع الذي يفيد تمليكاً" كالهبة والاعتداد بالإرادة المنفردة واعتبارها مصدراً للالتزام مبدأ قام عليه الفقه الإسلامي وتوسع فيه المالكية، ولا أدل على مخاطر الديون وبخاصة المتعثرة والمشكوك في تحصيلها من قيام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار التي انضمت جميع الدول العربية إلى اتفاقية إنشائها واكتتبت في رأس مالها وتقوم المؤسسة بتوفير الضمان ضد المخاطر التجارية والمخاطر غير التجارية الموضحة في نظامها وتشتمل المخاطر التجارية على:
- إفلاس المشتري (المستورد) أو إعساره أو تصفيته.
- امتناع المشتري عن سداد ما استحق عليه للمصدر أو للمصرف المقرض.
ومن أنواع عقود الضمان التي تمارسها المؤسسة "عقد ضمان قرض" ويغطي هذا العقد الأخطار غير التجارية التي قد يتعرض لها القرض ووفقاً لشروط، وتمارس المؤسسة نشاطها وفق قواعد التأمين التجاري التقليدية.(4/43)
أضف إلى ذلك أن "الديون" كانت محلاً للتأمين في دولة الكويت حتى الغزو العراقي الغاشم على دولة الكويت.
ومما يتصل بالتأمين التعاوني على الديون المتعثرة "إمكانية قياس الخطر المتوقع" فعلى ضوء ذلك تتحدد النتائج ولا شك أن قياس الخطر يتطلب معرفة بالأساليب الرياضية والإحصائية والتي شهدت في الآونة الأخيرة تطورات جعلت من "نظرية الاحتمالات" نظرية مستقلة تدرس ضمن فروع علم الإحصاء ومن هنا أصبحت عملية قياس الخطر تنصب على احتمال تحقق الخسارة في إطار توافر قانون الأعداد الكبيرة واتساع سوق التأمين. ولا شك أن هذه الحسابات تعكس أثرها على مكونات العملية التأمينية الأساسية من أقساط وتعويضات مما يعكس أثره على "الملاءة المالية" لشركات التأمين التعاوني، والملاءة المالية لشركة التأمين تعني توافر القدرة المالية للشركة على الوفاء بالتزاماتها قبل حملة الوثائق وإلا تعرضت الشركة نفسها لخطر "العسر المالي" الذي قد يؤثر على استمرارية النشاط التأميني ونجاحه. وكل ذلك يتطلب وعيا فقهياً بفنيات التأمين وإنشاء تخصص فقهي جديد يسمى "فقه التأمين" بعد كل ذلك نستطيع القول باطمئنان إن الحاجة إلى التأمين التجاري التقليدي لم تعد حاجة متعينة وسقطت بذلك آخر حجة كان يمكن أن يلوذ بها المدافعون عن التأمين التجاري بعد أن أصبح التأمين التعاوني نظاماً معمولاً به في كثير من بلدان العالم وإن كان الطريق أمامه ما زال طويلاً حتى يحقق الانتصار في حلبة المنافسة الشديدة والشرسة.
(وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ويأبى الله إلا أن يتم نوره)(4/44)
الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية
Oعمر بن عبدالعزيز المترك
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار العاصمة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ربا وبنوك ربوية
نتيجة وخلاصة البحث
استعرضت في المقدمة تاريخ الربا عند اليهود والنصارى والربا في نظر الفلاسفة، والربا في الجاهلية، ثم الربا في القرون الأخيرة، وتوصلت إلى النتائج التي أوضحتها ومنها:
1 - إن الإسلام لم يكن الدين الوحيد الذي حرم الربا، بل كان محرماً في الديانتين السابقتين على الإسلام. فهو محرم في التوراة، والإنجيل، والقرآن، ومنه يتضح أن موقف الإسلام من تحريم الربا: موقف التقرير والتأكيد.
2 - إن اليهود حرفوا الكلم عن مواضعه فجعلوا التحريم خاصاً بالإسرائيليين وحدهم وأباحوه مع غير الإسرائيليين وبذلك اندفعوا في أكل الربا مع غيرهم فأشاعوا الربا في العالم قديماً وحديثاً، ولقد عاقبهم الله وسجل ذلك عليهم في القرآن واعتبرهم أكلة ربا {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللهِ كَثِيرًا وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ}.
3 - إن النصارى حرموا الربا تحريماً قاطعاً لا فيما بينهم فقط بل بالنسبة لهم ولغيرهم وأجمعت على ذلك كنائسهم وشددوا في تحريم الربا حتى حرموا كثيراً من البيوع الجائزة في الشريعة الإسلامية كبيع السلم والبيع بالنسيئة وكل تجارة يمكن أن تستر من ورائها قرضاً بفائدة.
4 - إن من الربا الذي لا شك فيه في الديانتين السابقتين: اليهودية والنصرانية القرض بفائدة.
5 - إن نظرة الفلاسفة تتفق مع الأديان السماوية في تحريم الربا وأنه كسب غير طبيعي وآفة اجتماعية وخلقية واقتصادية.
6 - إن النصارى استمروا على تحريم الربا حتى القرون الأخيرة حيث طال عليهم الأمد فنسوا حظاً مما ذكروا به فبدؤا يتحللون منه شيئاً فشيئاً فأباحوا الفائدة على القرض.
7 - إن كثيراً من الاقتصاديين والمفكرين ظهرت لهم آثار الربا السيئة وبدؤا يحذرون من مغبته وينادون بحرمته.
8 - إنه نتج من إباحة الربا كثير من النظريات الهدامة كالشيوعية الملحدة والاشتراكية المتطرفة.
ثم انتقلت إلى الباب الأول وتحته أربعة فصول:
تحدثت في الفصل الأول عن معنى الربا لغة واصطلاحاً وذكرت بعض أقوال العلماء في تعريفه وبينت ما قد يرد عليها من اعتراضات.
ثم بينت العلاقة بين المعنى اللغوي والشرعي.
وبعد ذلك انتقلت إلى بيان الفرق بين البيع والربا وأوضحت ما بينهما من فروق أساسية، وأن قول الكفار {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} مغالطة منهم ظاهرة ومكابرة واضحة وأن هذا القياس كقياس إبليس لما أمره الله بالسجود لآدم {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}.
ثم انتقلت إلى الفصل الثاني وفيه تحدثت عن ربا الفضل وآراء العلماء فيه ومخالفة ابن عباس في تحريمه وقد استعرضت أدلة كل من الطرفين وما أورد عليها من مناقشات وخلصت إلى ترجيح قول الجمهور للأسباب التي أوضحتها والتي منها:
1 - إن الأحاديث الدالة على تحريم ربا الفضل صريحة لا تحتمل التأويل. بخلاف الأدلة الدالة على جوازه فإن دلالتها بالمفهوم والمفهوم يتطرق إليه الاحتمال والمتحمل إذا عارضه النص وجب تأويله على الجهة التي يصح الجمع بينهما لأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما.
2 - كثرة الطرق التي روت تحريم ربا الفضل حيث وردت في الصحيحين وغيرهما من كتب السنة والمسانيد. ورويت عن عدد كبير من الصحابة وتلقته الأمة بالقبول حتى حكي بعضهم الإجماع على ذلك.(4/45)
3 - ثبوت رجوع بعض القائلين بإباحة ربا الفضل كابن عمر – رضي الله عنهما -. وهذا يدل فيما يدل عليه على عدم بلوغهم أحاديث النهي عن التفاضل. فلما بلغتهم رجعوا إلى القول بتحريمه.
4 - رجحان القول برجوع ابن عباس – رضي الله عنهما – للأدلة التي أوضحناها وبينا رجحانها على الأدلة المستدل بها على عدم رجوعه للأمور التي ذكرناها هناك.
ثم بينا رجحان قول الجمهور بأن الربا ليس مقصوراً على الأصناف الستة التي ورد النص بها كما ذهب إليه نفاة القياس وبعض من العلماء لأن تشريعاً جاء في معاملات الناس لابد وأن يكون فيه معنى ومغزى فمتى وجد هذا المعنى وهذا المغزى فالحكم يشمله لأن من قواعد الشريعة وأصولها العامة التسوية بين المتماثلين وإعطاء الشيء حكم نظيره والشارع لم يحصر الأموال التي يجري فيها الربا في الأصناف الستة التي ورد بها الحديث وأن القول بقصر الربا على الأصناف الستة نظرة ظاهرية وجمود على حرفية النص من غير نظر إلى روح الشريعة وحكمها.
ثم تحدثت عن الحكمة في تحريم ربا الفضل وأوضحت أن الله عليم حكيم لا يشرع شيئاً إلا لحكمة سواء علمها البشر أم لم يعلموها وأنه ليس من شرط الانقياد والامتثال معرفة الحكمة فقد تظهر لبعض وتخفى على آخرين، وما لا تظهر حكمته اليوم قد تظهر غداً، وأن واجب العباد هو: الامتثال والتسليم بأمر خالقهم {إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}.
وبعد ذلك تكلمت عن آراء العلماء في علة الربا في الأصناف الستة وبينت أن العلماء اتفقوا على أن في الحديث جملتين كل واحدة تنفرد بعلتها الذهب والفضة جملة والأصناف الأربعة الباقية، وهي: البر، والشعير، والتمر، والملح جملة.
فذكرت أولاً خلاف العلماء في علة الربا في النقدين وما استدل به لكل قول ورجحت القول القائل بأن العلة فيهما هي الثمنية وأن كل ما اتخذ الناس سكة بينهم فإنه يجري فيه الربا كما يجري في النقدين.
ثم استعرضت الآراء في علة الأصناف الأربعة ورجحت القول القائل بأن العلة فيها هي الطعم مع الكيل أو الوزن لأن في هذا القول جمعا بين الآثار التي فيها الإشارة إلى التعليل بالكيل أو الوزن والأحاديث التي فيها ذكر الطعام كما أن في هذا التعليل معنى مقبولاً.
وبعد ذلك انتقلت إلى الفصل الثالث وهو ربا النساء وذكرت آراء العلماء في تحديده وبينت أسباب التفاوت الكبير في تحديده وأن منشأ ذلك اختلافهم في علة ربا الفضل.
ثم تناولت بالبحث حكم بيع الجنس بجنسه نساء وبينت أن الجنس إذا كان من الأموال الربوية فلا يجوز بيعه بجنسه نساء إجماعاً وأما إذا كان الجنسان ليسا من الأموال الربوية فقد أوضحت خلاف العلماء في ذلك ومنشأ الاختلاف ودليل كل، ورجحت القول بعدم جوازه للأدلة التي اقتضت ذلك والتي سبق بيانها في موضوعه.
ثم بعد ذلك تناولت بالبحث حقيقة الربا الجاهلي وبينت أن العلماء اختلفوا فيه فمنهم من جعله خاصاً بالزيادة على الدين المستحق مقابل تأجيله ولا يشمل ما إذا كانت الزيادة في العقد الأول وهو القرض بفائدة ومنهم من ذهب إلى أن ربا الجاهلية له صورتان رئيسيتان.(4/46)
الصورة الأولى هي التي تقدم ذكرها، والصورة الثانية: القرض بفائدة وانتهى البحث في هذا المقام بترجيح القول القائل بأن له صورتين هما: الربا في القروض، والربا في الديون؛ للأدلة التي أوضحناها. ثم أوضحت الحكمة في تحريم الربا وبينت أن له مضاراً خلقية واقتصادية واجتماعية أفردت كلا منها ببيان خاص.
ثم بعد ذلك بينت الفرق بين الربا والقرض وأوضحت أن الفرق بينهما ناتج من طبيعة كل من العقدين. وأنه لا مبادلة في القرض في الحقيقة وإنما أساس الاتفاق فيه أن يأخذ المقترض مقداراً من المال على أن يثبت في ذمته يؤديه في ميسرته دون النظر إلى البدل وحين تشتغل ذمته يجب عليه مثله أو قيمته. عند تعذر المثل فالمعاوضة فيه وقت العقد متخفية لأن مبناه على الإرفاق والإحسان فهو في الحقيقة أشبه بالتبرع بالمنافع فهو من جنس العارية والمنيحة ولذا أسماه النبي -صلى الله عليه وسلم- منيحة، إلا أنه أقيم تسليم المثل فيه مقام تسليم العين. أما البيع فإن مبناه فيه على المغابنة والمماكسة.
كما بينت الفرق بين الربا والحوالة. ومن ذلك أن الحوالة ليست من جنس البيع وإنما هي من جنس إبقاء الحق. واختلاف الأسامي دليل على اختلاف المعاني في الأصل.
ثم انتقلت إلى الفصل الرابع وهو القرض بفائدة.
فعرفته وعرفت الفائدة وبينت أنها هي الربا في مفهوم القرون السابقة، وأن تسميته بفائدة لا يترتب عليها تحريم ولا تحليل وإنما يترتب على المعاني والحقائق التي في المسميات، ثم بينت دليل تحريم القرض بفائدة من الكتاب والسنة والإجماع وآثار الصحابة، ونظراً إلى أنه قد أثيرت شبهات لتحليل الفائدة فقد ذكرت نحواً من تسع شبهات وناقشتها وبينت بطلانها.
وأوضحت أن الذي حرم الربا لم يترك أمر الناس سدى فإن الله تعالى لم يحرم شيئاً عوضهم عنه بما هو خير وأنفع وشرع لهم ما تدعو حاجتهم إليه ويغنيهم عن اللجوء إلى الحرام وما سد باباً إلا وفتح من الخير أبواباً فحرم الربا؛ لأن ضرره أكبر من نفعه لأن به يأكل القوي الضعيف ويستعبد الغني الفقير فيزداد الغني غنى والفقير فقراً.(4/47)
وشرع لهم القرض الحسن فيما إذا لم تحضر النفوس الشح؛ لأن به تقوى الروابط ويحصل الأجر والمثوبة وبه تنمو الأموال {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ}. وشرع القراض لأن فيه عدالة للطرفين لأن فيه تعاوناً بين المال والعمل بدون محاباة لأحدهما على الآخر. وشرع السلم وأباح البيع بالنسيئة وحث على التجارة والسعي في الأرض، لطلب الرزق وأباح الشركات بأنواعها، ولقد سار السلف الصالح على هذا النهج القويم، والطريق المستقيم، فالمضطر منهم لا يلبث أن يجاب. ومن نزلت به ضائقة بادر إخوانه من المسلمين بإسعافه. قال تعالى: {وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}. وعن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: أتي علينا زمان وما يرى أحد منا أنه أحق بالدينار والدرهم من أخيه المسلم وأن النبي -صلى الله عليه وسلم-قال: "إذا الناس تبايعوا بالعينة واتبعوا أذناب البقر وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاء فلا يرفعه عنهم حتى يرجعوا إلى دينهم". فقامت لهم حضارة ومدنية لم تشهد الدنيا لها نظيراً بلغت من الصين شرقاً، إلى الأندلس وشواطئ المحيط الأطلسي غرباً، واستمرت تلك الحضارة وتلك المدنية قروناً طويلة صيرت شئون الحياة الاقتصادية على وجه لم تشهد الدنيا له مثيلاً أصبحت مضرب الأمثال حيث كان التآخي والمحبة والتعاون من أسس الدعامة الكبرى لتلك الحضارة وتحقق وصف الله تعالى لها بأنها خير أمة أخرجت للناس قامت على أساس من الأخلاق الفاضلة والمبادئ السامية فكان الغني أمله إرضاء الفقير بأي صورة كانت من الصور كالتصدق عليه أو إقراضه وكانت نظرتهم إلى المادة على أنها وسيلة تقويهم على الكسب المشروع والعبادة الخالصة لله تعالى، فهل يأتي بعد هذا من يقول: إن الربا ركن من أركان المدنية لا غنى لها عنه، وضرورة من ضرورات الاقتصاد لابد منه حقاً إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور.
إذا لم يكن للمرء عين صحيحه
فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر
ولقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن الربا سبب للعقوبة وموجب لسخط رب العالمين وعذابه {فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}.
وعن عمرو بن العاص –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: "ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب".
وعنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "إذا ظهر الزنا والربا في قرية فقد أحلوا بأنفسهم عذاب الله".
وأن واجب المسلمين اليوم أن يتمسكوا بشريعة ربهم ومبادئ دينهم فإن فيها صلاحهم في دنياهم وأخراهم ومعاشهم ومعادهم ذلك أن قواعد المعاملات في الإسلام مبنية على العدالة في أدق صورها وعلى التعاون في أبهى مباهجه وهي الكفيلة بأن تعيد للأمة الإسلامية عزها ومجدها، وأن تنظم حياتهم في عمرانها، وفي صناعتها، وفي زراعتها، وفي أمنها، ورغدها.(4/48)
وفي الباب الثاني تكلمت عن سبع مسائل هامة اختلف العلماء فيها بين الحظر والإباحة.
المسألة الأولى:
الربا بين المسلم والحربي وقد استعرضت فيها أدلة القائلين بالجواز وأدلة القائلين بعدم الجواز وتوصلت في النتيجة إلى اختيار رأي الجمهور بعدم الجواز ورددت أدلة القائلين بجواز ذلك للمبررات التي أوضحتها وبينت أن القول بهذا يؤدي إلى ضرر بالاقتصاد الإسلامي وأن أموال المسلمين ستتحول إلى المصارف الأجنبية وأن الحكمة في تحريم الربا بين المسلمين موجودة في تحريم الربا بين المسلم وغير المسلم.
المسألة الثانية:
مسألة الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً. وفيها استعرضت أدلة المانعين وأدلة المجيزين، وناقشت أدلة كل منهم وما قد يورد عليها. ثم انتهيت إلى ترجيح القول القائل بجواز ذلك؛ للأسباب التي أوضحتها. ومنها أن هذا يعتبر من حسن الاقتضاء وأنه ضد الربا وأنه يغتفر في القضاء ما لا يغتفر ابتداء؛ لأن الإرفاق فيه أظهر من معنى المعاوضة.
المسألة الثالثة:
مسألة البيع لأجل مع زيادة الثمن تعرضت لآراء العلماء في هذه المسألة وأدلة كل ومناقشتها وانتهيت إلى القول بجواز ذلك إذا لم تكن الزيادة فاحشة ورأيت أن لولي الأمر أن يضع حداً لمقدار الزيادة حتى لا تستغل حاجة الفقير وإن طاعته في ذلك واجبة وأوضحت الفرق بين القول بجواز هذه المسألة وتحريم الربا وأن قياس المسألة الأولى على الثانية قياس مع الفارق، كما أن القول بعدم جواز ذلك يؤدي إلى الربا الصريح.
وفي المسألة الرابعة:
تحدثت عن العينة وبينت اختلاف العلماء في معناها وبالتالي اختلافهم في حكمها واستعرضت الآراء في ذلك وأدلة كل وانتهيت إلى القول بجوازها إذا لم يكن هناك مواطأة ملفوظة أو ملحوظة.
وفي المسألة الخامسة:
بحثت "بيع الوفاء": فعرفته، وبينت: متى حدث هذا البيع. واختلاف العلماء في تكييفه. وهل هو رهن، أو بيع صحيح، أو بيع فاسد؟ وانتهيت إلى القول بعدم جوازه؛ لأنه ما خرج في حقيقته عن كونه قرضاً بفائدة لقاء الأجل الذي يتفق عليه الطرفان وتسميته وفاء لا يخرجه عن حقيقته فالأحكام لا تتعلق بالأسماء وإنما تتعلق بالحقيقة.
وفي المسألة السادسة:
تناولت بالبحث: بيع السفتجة فذكرت خلاف العلماء في حكمها ودليل كل ومناقشته وانتهيت إلى ترجيح القول القائل بجوازها؛ لأن فيها مصلحة للطرفين فكل منهما له منفعة بدون مضرة لأحدهما على حساب الآخر والشارع لا ينهى عما فيه مصلحة ظاهرة وإنما ينهى عما فيه مضرة.
وفي المسألة السادسة:
تناولت بالبحث: بيع الدين فعرفته وذكرت خمس صور لبيع الدين وهي:
1 - بيع الدين لمن عليه بثمن حال.
2 - بيع الدين لمن عليه بثمن مؤجل.
3 - بيع الدين لغير المدين بثمن حال.
4 - بيع الدين لغير المدين بثمن مؤجل.
5 - بيع الدين بالدين ابتداء.
وقد استعرضت في كل صورة: أقوال العلماء في حكمها، وأدلة كل، ورجحت منها ما ارتضيت به مدعوماً بالدليل الذي جعلني أختاره من غير تعصب.
وفي الفصل الأول من الباب الثالث تكلمت عن نشأة المصارف وأنواعها وبينت معنى الصرف لغة وشرعاً، وشروط جوازه.
ثم في الفصل الثاني تحدثت عن النقود الورقية وآراء العلماء فيها وانتهيت إلى ترجيح القول القائل بأنها نقد مستقل بنفسه يجري عليه حكم الذهب والفضة، وأنها أجناس تختلف باختلاف جهات إصدارها، وأن القول بغير هذا يؤدي إما إلى التضييق على الناس وإقفال باب التعامل بها كالقول القائل بأنها سندات بدين على جهة مصدريها.
وإما إلى فتح باب الربا على مصراعيه وإباحته بنوعيه كالقول القائل بأنها عروض تجارة.
وفي الفصل الثالث تحدثت عن الودائع المصرفية وأنواعها وبينت أنها ليست ودائع بالمعنى الفقهي وإنما هي في الحقيقة قروض.(4/49)
وأوضحت أن الودائع بفائدة غير جائز شرعاً؛ لأنه ربا.
ثم تحدثت عن حكم فوائد الودائع الإسلامية في المصارف الأجنبية وبينت أنه لا ينبغي أن توضع أموال في المصارف الأجنبية؛ لأن هذا يقوي نفوذها وتستخدم ضد مصالح الإسلام والمسلمين، ولكن إذا فرض أن الإنسان أودع ماله مصرفاً أجنبياً لضرورة اقتضت ذلك. فلا ينبغي أن نترك هذه الفوائد لهذه المصارف وإنما ينبغي أخذها لا على أنها ملك لرب المال فإنها مكسب خبيث ولكن تصرف في مصالح المسلمين وبينت أن هذا من باب ارتكاب أدنى المفسدتين لتفويت أعلاهما.
ثم في الفصل الرابع تحدثت عن صندوق التوفير وأوضحت أن حكم أخذ فائدة محددة على القروض إنها من الربا المحرم. واستعرضت أهم الشبه التي أثيرت للقول بحل فائدة صندوق التوفير وبينت بطلانها. ومن تلك الشبه القول بأن الربا المحرم هو ما كان للاستهلاك لا للإنتاج. ومنها أن الفائدة التي تؤخذ من صندوق التوفير هي من قبيل المضاربة وأوضحت أننا لو أخذنا بهذا المبدأ وهذا التخريج العجيب لكان في إمكان كل إنسان أن يرد كل جزئيات الربا المحرم إلى المضاربة بربح معين فالذي يستدين ألف ريال مثلاً بفائدة سنوية يمكن أن يتأول هذا التأويل.
ثم انتقلت إلى الفصل الخامس وفيه تحدثت عن بيع الأسهم والسندات وبينت الفرق بينهما، وبينت حكم كل منهما، وأن حكم بيع الأسهم جائز، ثم بينت ما قد يعترض على القول بجوازها وأجبت عنه.
ومنها أن المشتري والبائع لأسهم الشركات لا يعلمان بجميع ممتلكات الشركة، وعلى هذا يكون فيها نوع من الجهالة والغرر، ومنه أن من موجودات الشركة نقوداً فإذا بيعت بنقود من جنسها يكون من باب بيع الربوي بجنسه ومع أحدهما من غير جنسه.
أما بيع السندات فقد أوضحت أن السندات إذا كانت عبارة عن قروض بفائدة فإنه لا يجوز تداولها؛ لأن القرض بفائدة حرام "والله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه" فليس لصاحبه إلا رأس ماله لكن لو قدر أن هناك سندات بدين مشروع فإن هذا يكون من باب بيع الدين وقد أوضحنا حكمه في مسألة بيع الدين.
وفي الفصل السادس تكلمت عن الحوالات المصرفية واستعرضت أنواعها وبينت حكم كل منها وذكرت حكم تحويل النقود من قطر إلى قطر عن طريق المصارف.
وفي الفصل السابع تحدثت عن الضمان البنكي وعن آراء العلماء في أخذ الجعالة على الضمان وأدلتهم. واخترت القول بجواز أخذ الجعالة على الضمان إذا كان له غطاء كامل لدى الضامن، أما إذا لم يكن له غطاء فلا أرى جوازه؛ سداً لذريعة أن يستر من ورائه قرضاً بفائدة.
وفي الفصل الثامن تحدثت عن الأوراق التجارية وعرفت الأوراق التجارية وأن من الأعمال المصرفية خصم الأوراق التجارية وبينت موقف الشريعة من خصم الأوراق التجارية وأن الحكم فيها يختلف باختلاف ما إذا كان المصرف هو المدين أو لا، فإذا كان المدين هو المصرف الخاصم فإن هذا جائز شرعاً؛ لأن هذا يعتبر من باب الصلح عن المؤجل ببعضه حالاً.
وأما إذا كان الخاصم غير المدين فلا يظهر جوازه شرعاً ولا يمكن تخريجه على قاعدة صحيحة من قواعد الشرع.
وفي الفصل التاسع: تحدثت عن الاعتماد المستندي وبينت فوائده وحكمه من الوجهة الشرعية وأنه جائز شرعاً؛ لأنه لا يعدو أن يكون ضماناً برهن وأن أخذ العمولة عليه جائز أيضاً إذا كانت هذه العمولة لا تستر من ورائها قرضاً بفائدة.
ثم انتقلت إلى الفصل العاشر فتناولت آراء العلماء في التأمين ومستند كل منهم، وناقشتها وتوصلت إلى القول بجواز التأمين التعاوني. وأما التأمين التجاري سواء كان تأميناً على بضائع ونحوها، أم تأميناً على الحياة فلا يظهر لي جوازه؛ لأن قواعد الشريعة وأصولها الكلية تقتضي القول بمثل ذلك.(4/50)
وفي الفصل الحادي عشر بحثت مشروع إنشاء مصرف إسلامي يقوم على أسس مستوحاة من أصول شريعتنا الغراء، ويسير على قواعد الشرع الحكيم وأوضحت الأسس الرئيسية التي ينبغي أن ينهجها وأنه بقيام هذا المصرف نكون تحررنا من التقيد بنظم لا تمت إلى الإسلام بصلة وتخلصنا من آفة الربا وآثامه اللعينة والتي روجها بيننا اليهود، والذين أشركوا؛ بأساليبهم الماكرة ووسائلهم المختلفة؛ لاستعبادنا واستغلالنا وإبعادنا عن أوامر ديننا. وبينت أنه بقيام هذه المصارف سيتحقق للأمة الإسلامية الخير، ويكون لها شخصية إسلامية متميزة وسمات مستقلة وأنه لن تتعطل أي مصالح تجارية، ولن يتوقف أي نشاط اقتصادي، بل بالعكس ستنمو البلاد وتزدهر، وتسير في معاملاتها وتجارتها على قواعد العدل والمساواة وإبعاد عنصر الظلم والاستغلال، والمخاطرة. هذا ما توصلت إليه بعد أن استعرضت في كل مسألة من مسائل هذا البحث أقوال العلماء في حكمها، وأدلة كل منهم. ودققت النظر في أدلة كل فريق: صحيحها وضعيفها، نَقْلِيِّها وعقليها، واخترت منها ما ترجح لدى مدعماً بالدليل الذي جعلني أختاره من غير تعصب فالحق أردته، وأرجو أن أكون وفقت في ذلك: فإن أصبت فمن الله، وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله العظيم، ولا يسعني إلا أن أقول: هذا جهدي وطاقتي، والله حسبي ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/51)
الرسالة الفاصلة في تقدير غالب الموازين والمكاييل
Oعبدالرحيم إبراهيم الهاشم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة: الحمد لله رب العالمين ولا عدوان إلا على الظالمين والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على عبدالله ورسوله سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى آثارهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين ...
أما بعد: فإنه من خلال بحثي لهذا الموضوع في غالب كتب السلف الصالح رضي الله عنهم والاستفادة من أهل الخبرة أختم بحثي بالملاحظات التالية:
1 - ينبغي على كل باحث منصف أن يبحث عن الحق ولا يتعصب لرأي من الآراء. وأن يجتهد مهما استطاع في النقل عنهم بالأمانة العلمية والتحقيق من أقوالهم وعدم إمرارها دون نظر وتقليب وموازنة بين أقوالهم وتقديراتهم عموما، وتقديرات الواحد منهم خصوصا فيما يتعلق ببعض، مع عدم التعرض بذم المخالف للصواب إن ظهر.
2 - ينبغي (إن لم يجب) على كل من فتح الله عليه بشيء علمه، أن يحرص على تحقيقه وإفادة الآخرين به. وأرجو من الله أن يعينني على إضافة تقديرات المسافات الشرعية في غير هذه العجالة عند إعادة النظر فيها. ومن أراد ذلك فالبحث منتشر في بطون الكتب وفائدته بارزة والحاجة إليه موجودة.
3 - أرجو من المطلع على هذه الرسالة إن كان من أهل العلم المحققين أن يدقق فيها ويوافيني بالخطأ إن وجد. ما دمت حيا، وإن مت فهو في حل إذا تحقق ذلك وراجعه مع بعض أهل العلم الثقات.
4 - أرجو ممن يلي أمر المسلمين أن يحاول الدقة في تقدير ما يناط بالموازين والمكاييل الشرعية والعرفية مما ينتشر في عصره، ثم توزيعها على من يتعامل بذلك وأمرهم بذلك على وجه السلطة، وليحذر الحيف فيها أو الزيادة عليها فإنها تدخل في باب المظالم. والله أعلم .. وصلى الله على عبده ورسوله سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.(4/52)
الرضاع المحرم وبنك اللبن
Oحسين عبدالمجيد أبو العلا
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة البيان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
رضاع
الخاتمة
"اللهم ارزقنا حسنها"
في أهم نتائج البحث، وهي:
1 - يشترط في ثبوت التحريم بالرضاع أن يكون هذا الرضاع من امرأة بينة الأنوثة حية بالغة وأن يكون الرضيع في الحولين الأوليين من عمره وأن يكون قد رضع خمس رضعات متيقنات سواء كانت هذه الرضعات من الثدي مباشرة أو من إناء أو وجور أو سعوط وسواء كان اللبن خالصاً أو غالباً إن كان مخلوطاً بماء أو دواء وسواء كان سائلاً أو مطبوخاً أو مجبناً.
2 - أن العلة الظاهرة في التحريم بالرضاع هو حصول الجزئية للرضيع بالنسبة لمرضعته إذ بلبنها ينبت لحمه وينشز عظمه.
3 - أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ويدخل في هذا ثبوت الحرمة في المصاهرة بالرضاع.
4 - أنه يجوز بيع لبن الأمهات ولكن لا يجوز إنشاء بنوك لشرائه وبيعه.
5 - يثبت الرضاع بالإقرار من أحد الزوجين سواء قبل الزواج أو بعده، وكذا بشهادة رجل وامرأتين أو برجلين أو بشهادة النساء وحدهن.
والله أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(4/53)
الرهن في الفقه الإسلامي
Oمبارك بن محمد الدعيلج
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ضمان وكفالة ورهن
الخاتمة
فيما يلي خلاصة لأهم موضوعات الكتاب، والنتائج التي توصلت إليها من خلال الكتاب.
اشتمل الكتاب على خمسة أبواب:
الباب الأول في مقدمات تخص عقد الرهن، بينت فيها تعريف الرهن وحكمه، وأركانه، والشروط فيه.
والباب الأخير للأحكام التي تتعلق بالرهن، من ضمان، وانتفاع ونفقة، وتصرف، وغير ذلك.
والأبواب الثلاثة بينهما خصصتها لبيان أركان الرهن:
فكان الباب الثاني للمعقود به (الصيغة).
والباب الثالث للمعقود عليه (المرهون والمرهون به).
والباب الرابع للعاقدين (الراهن والمرتهن).
هذا هو مجمل موضوعات الكتاب .. وفيما يلي تفصيل هذا الإجمال:
1 - اختلف فقهاء المذاهب الأربعة في تعريف الرهن بناء على اختلافهم في بعض الشروط في المرهون، أو المرهون به، أو العاقد، والراجح المختار من هذه التعريفات أن الرهن: (عقد من جائز التصرف يقتضي توثيق دين مالي لازم، أو عين مالية مضمنة، بدين مالي لازم – على من هو عليه – أو عين مالية مضمونة يمكن استيفاؤه منها أو من ثمنها – كله أو بعضه – عند تعذر الاستيفاء.
2 - ورد جواز الرهن في القرآن الكريم مقرونا بشرطين: السفر، وعدم وجود الكاتب، فقال – تعالى -: {وَإِن كُنتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ} فذهب بعض العلماء إلى أن هذين الشرطين يراد بهما التقييد والاحتراز، ومن ثم قيدوا جواز الرهن بالسفر وعدم وجود الكاتب أو السفر فقط.
وذهب الجمهور إلى أن هذين الشرطين جاءا بناءً على الغالب من حياة الناس، وأنهم غالبا إنما يحتاجون إلى الرهن، أو الكتابة في السفر حيث لا شهود، وليسا للاحتراز والتقييد، بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم رهن في الحضر، ومن ثم جوزوا الرهن في الحضر، كما يجوز في السفر. والراجح رأي الجمهور.
3 - ذهب الجمهور إلى أن اشتراط غلق الرهن – بمعنى أن المرتهن يشترط على الراهن أنه إذا لم يأته بالدين في الوقت المحدد فإن الرهن يكون ملكا له – باطل مستندين إلى قوله صلى الله عليه وسلم: (لا يغلق الرهن).
وخالف في ذلك ابن القيم فذهب إلى أن الشرط صحيح، وذكر أن الإمام أحمد فعله، وذهب في تفسير الحديث مذهبا يختلف عن مذهب الجمهور. والراجح رأي الجمهور.
4 - نص إمام الحرمين الجويني على أن شارب الخمر تعتريه ثلاثة أحوال: أحدها: هزة ونشاط، إذا دبت الخمر فيه ولم تستول عليه.
الثانية: نهاية السكر، وهي أن يصير طافحا يسقط كالمغشي عليه لا يتكلم ولا يكاد يتحرك.
الثالثة: متوسطة بينهما، وهي أن تختلط أحواله، فلا تنتظم أقواله وأفعاله ويبقى تمييز وكلام وفهم.
وأن العلماء إنما اختلفوا في وقوع طلاقه في الثالثة، أما الأولى فينعقد فيها الطلاق قطعا لبقاء العقل، وأما الثانية فلا ينعقد إذ لا قصد له كالمغمى عليه. وقريب من هذا التفصيل للمالكية والحنفية والحنابلة.
وقد اختلف العلماء في عقود السكران على ثلاثة مذاهب. والراجح أنه إذا كان بمحرم صحت عقوده وإلا فلا.
5 - اختلفوا في رهن الصبي المميز والسفيه. والراجح أنه إذا كان بإذن وليهما وكان مشروطا في عقد بيع أو قرص جاز، وإن كان تبرعا لا يجوز.
6 - اختلفوا في ارتهان السفيه. والراجح جوازه.
7 - اختلفوا في جواز رهن المفلس، والظاهر أنه لا يجوز مطلقا.
8 - اختلفوا في رهن المكره، والفضولي، والراجح عدم صحة رهنهما.
9 - اتفق الفقهاء على أن العين إذا كانت غير مضمونة – كمال المضاربة والشركة – فلا يجوز الرهن بها.
10 - اختلفوا في رهن العين المضمونة بنفسها على ثلاثة أقوال: ثالثها أنها إذا كانت غائبة يجوز، وإذا كانت حاضرة فلا. وهو الراجح.(4/54)
11 - الراجح عدم جواز الرهن على الدين الموعود.
12 - هناك ضابط لما يجوز رهنه يمكن أن يكون متفقا عليه في الجملة وهو: أن كل ما يجوز بيعه يجوز رهنه، وذلك بأن يكون مالا، متقوما في الشرع، موجودا حال العقد، معلوما للعاقدين علما ينفي الجهالة، ويمنع التنازع، مقدورا على تسليمه وحيازته.
13 - توسع المالكية فاستثنوا من هذه القاعدة أشياء لا يجوز بيعها وأجازوا رهنها معللين ذلك بأن طبيعة عقد الرهن تختلف عن طبيعة عقد البيع، فالرهن تبرع وتوثق، وشيء في الجملة خير من لا شيء، بخلاف عقد البيع فإنه معاوضة.
وشدد الحنفية فمنعوا رهن أشياء يجوز بيعها، وتوسط الشافعية والحنابلة.
14 - أجاز المالكية رهن ما فيه غرر يسير وجهالة، وإن كان لا يجوز بيعه.
15 - اتفقوا على صحة رهن الدين في غير الابتداء، وذلك بأن تؤول العين المرهونة بعد العقد إلى دين في ذمة متلفها.
16 - اختلفوا في رهن الدين في الابتداء، والراجح أنه يجوز إذا كان ممن هو عليه، لأنه يجوز بيعه منه.
17 - اختلفوا في رهن المصحف بناء على اختلافهم في بيعه. والظاهر أنه لا يجوز رهنه وإن جاز بيعه، لأنه إنما جاز البيع لأنه ضرورة لانتشاره وهذا غير موجود في الرهن.
18 - اشترط الحنفية في العين المراد رهنها أن تكون محوزة، فلا يجوز عندهم رهن الثمر بدون الشجر، ولا الشجر بدون الأرض، وخالفهم الأئمة الثلاثة فأجازوه. وهو الراجح.
19 - اشترط الحنفية في العين المراد رهنها أن تكون فارغة، فلا يجوز عندهم رهن الدار المشغولة بمتاع ما لم يخلها قبل قبضها، وخالفهم الأئمة الثلاثة فأجازوا رهنها. وهو الراجح.
20 - اشترط الحنفية في العين المراد رهنها أن تكون متميزة عما ليس بمرهون، فلم يجيزوا رهن المشاع، وخالفهم الأئمة الثلاثة فأجازوه وهو الراجح.
21 - اختلفوا في رهن المجهول – كأنه يرهنه ما في هذا الكيس – أو رهن غير المعين – كأن يرهنه أحد هذين الثوبين – والظاهر أنه إذا كان مشروطا في العقد فلا يصح إلا رهن المعلوم المعين، لأن المرتهن يترك جزءا من الثمن في مقابل الوثيقة، وكذا إذا كان متبرعا به لأن العقود إنما شرعت لتؤدي مقاصدها، ورهن المجهول أو غير المعين لا يؤدي المقصود من الرهن، ولأنه يفضي إلى النزاع.
22 - اتفقوا على جواز رهن المكيل والموزون والمعدود ولمذروع.
23 - اختلفوا في رهن المبيع قبل قبضه والراجح جوازه.
24 - الأرجح أن كيفية قبض المرهون مرجعها العرف، لعدم ورود نص من الشارع يبين كيفية القبض، وإنما الذي ورد هو القبض فقط. يقول الخطيب الشربيني: (والرجوع في حقيقته (يعني القبض) إلى العرف لعدم ما يضبطه شرعا، أو لغة، كالإجبار، والحرز في السرقة. ويقول ابن قدامة: (القبض مطلق من الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق).
25 - اختلفوا في قبض المرتهن، أو العدل، العين المرهونة: هل هو شرط لزوم، أو صحة، أو تمام؟ والراجح أنه شرط لزوم.
26 - يشترط لصحة القبض إذن الراهن بالقبض، وبقاء أهليته وأهلية المأذون له إلى حين القبض.
27 - ذهب الجمهور إلى أن للعاقدين الاتفاق على وضع الرهن عند عدل أو عدلين وخالف في ذلك ابن حزم فمنعه. والراجح رأي الجمهور.
28 - العدل في عقد الرهن هو من رضي الراهن والمرتهن بوضع الرهن بيده ممن يقدر على البيع والإبقاء، سواء كان عدلا في الشهادة أم فاسقا، مسلما أم ذميا.
29 - ليس للعدل أن يدفع الرهن إلى أحد المتراهنين بدون إذن الآخر.
30 - ينعزل العدل بعزل المتراهنين.
31 - ليس للراهن أن ينفرد بعزل العدل مطلقا، أي سواء كانت وكالته في العقد أم بعده على الأرجح.
32 - ليس للمرتهن أن ينفرد بعزل العدل أيضا.(4/55)
33 - تنتهي وكالة العدل بواحد من خمسة أمور: موت العدل، أو جنونه أو الإغماء عليه، أو موت الراهن، أو جنونه.
34 - اختلف العلماء في الاستدامة في القبض، هل هي شرط في صحة الرهن أو ليست شرطا؟ فذهب الشافعية إلى أنها ليست شرطا وخالفهم الجمهور. والراجح رأي الشافعية.
35 - اختلف العلماء فيما إذا تلف الرهن عند المرتهن من غير تعد ولا تقصير هل يضمن أو لا يضمن – على ثلاثة أقوال:
أحدها: يضمن مطلقا.
الثاني: يضمن إن كان هلاكه مما يخفى على الناس.
الثالث: لا يضمن مطلقا. وهو الراجح.
36 - الذين قالوا بضمان المرهون على المرتهن اختلفوا فيما يضمن به على ثلاثة أقوال:
أحدها: يضمن بالأقل من قيمته ومن الدين.
ثانيها: يضمن بمقدار الدين قل أو كثر.
ثالثها: يضمن بقيمته.
37 - اتفق الفقهاء على أن مؤونة المرهون على الراهن، إلا أن الحنفية استثنوا بعض وجوه الإنفاق مما يحتاج إليه لحفظ الرهن – مثل أجرة المسكن – أو لرده – مثل أجرة رد الآبق – أو لرد جزء منه، فجعلوها على المرتهن، والجمهور على خلافهم وهو الراجح.
38 - الأصح أنه يجوز للراهن أن يستوفي منافع رهنه، سواء أذن له المرتهن أم لم يأذن – لكن بشرط أن لا يضر بالمرتهن.
39 - خروج الرهن من يد المرتهن إلى الراهن توسع فيه الشافعية وشدد فيه المالكية، وتوسط الحنفية والحنابلة.
فالشافعية يجيزونه ولا يترتب عليه أي أثر على عقد الرهن. والمالكية يبطلون به عقد الرهن.
أما الحنفية فيترتب عندهم على خروج الرهن من يد المرتهن إلى الراهن خروجه من ضمان المرتهن فإذا عاد عاد الضمان.
40 - اتفق العلماء على أنه إذا لم يأذن الراهن للمرتهن بالانتفاع ولم يكن الرهن مما يركب، أو يحلب، أو يستخدم فليس له ذلك.
واختلفوا في حالتين:
الأولى: إذا لم يأذن الراهن بالانتفاع، وكان الرهن مما يركب أو يحلب أو يستخدم.
اختلفوا في الحالة الأولى على أربعة أقوال، والراجح منها أن للمرتهن أن ينتفع بالمرهون ركوبا، أو حلبا، أو استخداما بقدر النفقة، إذا امتنع الراهن من الإنفاق فأنفق عليه.
واختلفوا في الثانية – أيضا – والراجح أن الانتفاع – بدون مقابل – جائز إذا خلا عقد الرهن عن اشتراطه حقيقة، أو ضمان، ثم لم يكن من المرتهن بعد عقد الرهن أية مضايقة للراهن، أو إلجاء له، فإن وجد شيء من ذلك، فهو سحت لا مراء فيه.
وأما الانتفاع بعوض فيجوز أيضا، شريطة أن تكون المدة والعوض معلومين وأن لا تكون هناك محاباة، فإن جهلت المدة، أو العوض لم يجز الانتفاع لأنه يؤدي إلى المنازعة، وإن وجدت محاباة فحكمها حكم الإذن مجانا.
41 - الأرجح أن تصرف الراهن – في الرهن قبل القبض – تصرفا ينشئ حقا لازما ينفذ ويبطل به الرهن، خلافا للمالكية.
42 - الراجح أنه يجوز للراهن أن يتصرف بالرهن بعد القبض تصرفا لا ينشئ حقا، ولا يؤدي إلى ضرر بالمرتهن.
43 - عقد الرهن وثيقة لدين في عين الرهن، تمنع الراهن من كل ما يقدح فيها، فهو ممنوع من كل تصرف قولي، يزيل الملك – كالبيع والهبة – أو يزاحم حقه – كالرهن من غيره – أو ينقص – كالتزويج – أو يقلل الرغبة فيه – كالإجارة التي لا تنقضي مدتها قبل حلول الدين، لأن الوثيقة إنما تحصل بالحجر على الراهن، وقطع سلطة كانت له ليتحرك للأداء.
44 - يجوز للراهن أن يبيع الرهن بإذن المرتهن قبل حلول أجل الدين اتفاقا، لكنهم اختلفوا هل يكون الثمن رهنا بدل العين، أو يبطل الرهن ويبقى الدين بلا وثيقة، أو يعجل الدين، إلا إذا اشترط كون الثمن بدلا عن الرهن؟ أقوال.
45 - اختلفوا في جواز الزيادة في الدين ليكون الرهن رهنا بالدينين والأصح جوازه.
46 - الجمهور على جواز الزيادة في الرهن، وخالف في ذلك زفر. والراجح قول الجمهور.(4/56)
47 - أجاز الإمام مالك رهن الفضلة من قيمة الرهن، ومنعته المذاهب الثلاثة والراجح جوازه.
48 - اختلفوا في نماء الرهن المنفصل، هل يكون داخلا في الرهن فيأخذ حكمه، أولا؟ على خمسة أقوال. والراجح أن جميع نماء الرهن المنفصل وزوائده لا تدخل في الرهن، فلا تباع في الدين مع العين، بل تسلم للراهن.
49 - الراجح أن الدابة إذا كانت مع شخص مكلف، وأتلفت شيئا فإنه يضمن مطلقا، أي سواء مالكا، أم مستعيرا، أم مودعا، أم مرتهنا، وسواء وطأته برجلها، أم صدمته، أم خبطته برأسها، أم كدمته بفمها.
50 - الراجح أن ما تتلفه البهائم نهارا فلا ضمان على من هي تحت يده وإن أتلفت ليلا ضمن، خلافا للحنفية.
51 - إذا أتلف الراهن المرهون فإنه يضمنه، ويكون الضمان رهنا بدله.
52 - إذا اتحد العقد والعاقد فإن المرهون لا ينفك منه شيء بسداد بعض الدين، بل يظل مرهونا ما دام هناك شيء من الدين وإن كان يسيرا.
53 - مما ينفك به الرهن: البراءة من الدين، أو الإقالة، أو فسخ عقد الرهن أو الإبراء من الدين.
54 - إذا أراد الراهن قضاء الدين، فإنه يقضي الدين أولا، ثم يسلم المرتهن الرهن له.
55 - يجب على الراهن وفاء الدين عند حلول أجل الدين من الرهن أو من غيره.
56 - يجوز للحاكم أن يبيع الرهن أو غير الرهن من ملك الراهن، إذا كان الراهن غائبا أو ممتنعا عن البيع والوفاء، وللحاكم أن يفعل ما فيه المصلحة للطرفين.
57 - الذي يستحق بيع الرهن – عند حلول الأجل وعدم الوفاء – هو الراهن أو وكيله، لكن لابد من إذن المرتهن، لما له فيه من حق.
58 - للحاكم أن يبيع الرهن في حالتين: إذا امتنع الراهن عن البيع أو كان غائبا.
59 - إذا امتنع الراهن من البيع والوفاء، أجبره الحاكم، فإن امتنع عزره، فإن أصر باع عليه.
60 - بيع الوفاء هو أن يقول البائع للمشتري: بعت منك هذه العين لدين لك عليّ على أني متى قضيت الدين عاد المبيع لي.
61 - اختلف العلماء في تكييف (بيع الوفاء) الفقهي على أقوال كثيرة بلغت عند الحنفية – وحدهم – ثمانية أقوال خرجوا في بعضها عن مفهوم بيع الوفاء.
والراجح: إنه إذا كان العاقدان يقصدان بهذا العقد الرهن، فإنه يكون رهنا صحيحا، لأنه – كما هو الراجح – ليس للرهن صيغة معينة لا يجوز تجاوزها، بل إن العقد يصح متى تم بصيغة مفهوم المعنى المراد منها، بغض النظر عن كون الصيغة بلفظ الرهن أو ما اشتق منه، أو بلفظ غيره.
هذا من ناحية الصيغة.
ومن الناحية العملية لهذا العقد، فإنه رهن اشترط فيه الانتفاع، ويأتي فيه خلاف العلماء في اشتراط الانتفاع، وإذا قد رجحنا أنه محرم، وباطل، كما رجحنا أنه لا يؤثر على العقد – فإن شرط الانتفاع الموجود ضمنا هنا ملغي ويكون حكمه حكم الرهن.
62 - الراجح أن الرهن الرسمي كما هو عند القانونيين غير جائز عندنا لما فيه من إباحة التصرف للراهن بما ينقل الملكية مما يضعف الوثيقة وأن ما تيسر عليه المصارف المتخصصة – في المملكة العربية السعودية وهي مصارف التنمية – من الاكتفاء بالتهميش على الصك عن القبض الحسي، ومنع الراهن من التصرفات التي تزيل الملك أو تنقصه جائز شرعا.(4/57)
الزواج بنية الطلاق
Oصالح آل منصور
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الكتاب والسنة - باكستان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - طلاق وخلع وفسخ ونشوز
الخاتمة
ولعل القارئ المنصف بعد هذه الجولة القصيرة تبين له أن الحق – والله أعلم – بجانب من رأى تحريم هذا النكاح وبطلانه لما قدمنا، وذلك:
أولاً: أن الأصل في الإيضاح التحريم، وذلك بإجماع العلماء، فإذا كان الأمر كذلك؛ فإنها لا تستباح؛ إلا بما دل الدليل على حلها، وأين الدليل على إباحة الزواج بينه الطلاق؟! وكون هذا النكاح قد توفرت فيه الشروط والأركان؛ فهذا يجعله نكاحاً صحيحاً في الظاهر أمام الناس، يترتب عليه أحكام النكاح الصحيح، ولكن لا يلزم من كونه صحيحاً ظاهراً أن يكون مشروعاً حلالاً فيما بينه وبين الله؛ فمثل هذا النكاح لا يحبه الله ولا يرضاه – والله أعلم -؛ لمنافاته مقاصد الشريعة في النكاح، ولما فيه من الغش والخداع، ولما فيه من المفاسد العظيمة.
ثانياً: في الشريعة فرق كبير وبون شاسع كما بين السماء والأرض والثرى والثريا بين النكاح بنية الدوام والنكاح بنية الطلاق؛ فالزواج بنية الدوام هو الأصل في مشروعية النكاح، وهو الذي فطر عليه البشر، وهو الذي يوافق مقاصد الشريعة، ولو ظن هذا المتزوج أن النكاح قد لا يستمر مع هذه الزوجة؛ لما أقدم عليه، ولبحث له عن أخرى يستمر معها.
أما الزواج بنية الطلاق؛ فهو دخل معها من أول لحظة من لحظات بدء العقد على أنه لا يستمر معها، بل لا يريد ذلك ولا يرضى به، وربما يعمل الأسباب التي تمنع استمراره، وكون هذه النية قد تتغير لا تسوغ لنا القول بجواز مثل هذا النكاح، وإلا؛ لقلنا بجواز نكاح المحلل ونكاح المتعة؛ بحجة أن النية قد تتغير، والأحكام إنما تبنى على الظن الغالب.
وقد علمنا الشارع أن اختلاف النية لها أعظم الأثر في بناء الأحكام الشرعية، وإن كانت صورة العمل واحدة.
روى عمر بن الخطاب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
رابعاً: يكفي في قبح هذا الزواج والقول بتحريمه أنه غش وخديعة وظلم للمرأة وأوليائها، وقد حرم الله الخداع والغش والظلم.
وإلى القارئ الكريم بعض ما ظهر لي من مفاسد هذا النكاح:
1 - أنه ذريعة إلى ترك الزواج الحقيقي الذي يراد به الدوام، حيث إن هذا ليس كالزواج بنية الدوام؛ فليس فيه التزامات ولا أعباء الزواج الحقيقي، والكثير من الشباب أو الرجال يريدون الحرية البهيمية وعدم التقيد بمسؤولية زوجية، يتزوج من شاء، فيقيم معها أو معهن فترة، ثم يطلق وينتقل إلى أخرى في أي بلد وفي أي مكان ... وهكذا.
2 - إنه ظلم للمرأة وعدوان وغش وخيانة لا يرضاه المتزوج بهذا الزواج لابنته ولا لموليته؛ فكيف يرضاه لغيره؟!
3 - ضياع الأولاد.
أ- ربما ضاع الأولاد لعدم قدرة والدهم على أخذهم إلى بلده؛ لوجود بعض القوانين أو الأنظمة التي تمنع أخذهم أو إدخالهم إلى بلاده، أو لعدم القدرة على تربيتهم.
ب- ربما أنكر بعض الآباء هؤلاء الأولاد أو أبغضهم، حيث إنهم وجدوا عن غير رغبة من أبيهم، ووجدوا من هذه الزوجة التي لا يريد البقاء معها.
4 - أنه ذريعة لاختلاف الأنساب وضياعها، وذلك ينتج عن كثرة الزواج بهذه الفتيات؛ فمثل هذا الزواج لسهولته؛ لا يكون فيه تقيد بأحكام الشرع.
5 - فتح هذا الباب يجعل كثيراً من النساء عاطلات من الأزواج، حيث وقعن في شرك مثل هؤلاء الأزواج، فسرحوهن سراحاً غير جميل؛ فهذا يشكل خطراً ويهددهن بالوقوع في الفاحشة والسقوط.
6 - زواج المرأة من عدة رجال يبيتون لها مثل هذه النية يهون عليها الوقوع في فاحشة الزنى كما قد يهون ذلك على الرجال.(4/58)
7 - إباحة مثل هذا الزواج تشويه للإسلام وتنفير للناس منه، ونشأ عن ذلك أن ارتد كثير من المسلمات حديثات العهد بالإسلام أو المغتربات المسلمات اللاتي وجدن في بلاد الغرب، حيث تزوجهن بعض الشباب، وطلقوهن.
8 - إن كثيراً من هؤلاء المتزوجين بنية الطلاق لا يحرصون، وربما لا يفكرون في اختيار الزوجة الصالحة، وربما لا يهمه صلاحها ولا أسرتها ولا أصلها ولا شيء من الاعتبارات الأخرى التي تهم المتزوج بنية الدوام.
9 - مثل هذا الزواج قد يعطل كثيراً من النساء الشريفات عن الزواج، ذلك أن الرجل قد لا يقدم على تزوجهن وهو يريد الطلاق؛ لما يترتب على ذلك من تكاليف أو مسؤوليات اجتماعية أو مشاكل أسرية، فيتركهن، ويذهب إلى غيرهن أقل مستوى منهن في نظره، حتى يسلم من التبعة.
10 - إذا كان عنده ثلاث زوجات، فتزوج الرابعة بنية الطلاق، ثم طلقها؛ فقد يتزوج أخرى ومطلقته لم تزل في عدتها، ثم يطلقها ويتزوج أخرى ومطلقته الثانية لم تزل في عدتها، وربما تزوج ثالثة ورابعة وخامسة وأكثر من ذلك والمطلقات السابقات لا يزلن في عدتهن منه، وربما أنجبن أولاداً من هذا الوطء، وقد ذكرنا لك فيما سبق قصة الشاب الذي تزوج تسعين امرأة في فترة قصيرة.
إلى غير ذلك من المساوئ والمفاسد التي لا تليق ولا تقرها العقول السليمة فضلاً عن شرع الله الحكيم.
ولعلنا نخلص إلى خاتمة القول بأن النكاح بنية الطلاق حرام حسب ما ظهر لي من أدلة الشرع ومقاصده، والله أعلم، وأنه يتعارض مع مقاصد الشريعة في النكاح، وأنه غش وخديعة وظلم للمرأة وأوليائها، وأنه لا فرق بينه وبين نكاح المتعة ونكاح التحليل في التحريم؛ لتساويهما في نية عدم دوام النكاح واستمراره، وذلك يصادم مقاصد الشريعة في مشروعية النكاح، غاية ما في الأمر أن نكاح المتعة والتحليل وجد فيه التصريح بالنية، والنكاح بنية الطلاق لم يصرح فيه الزوج بنيته، بل خدع المرأة وأوليائها، وقد عزم على هذه النية، ووجدت الأسباب التي تؤيد هذه النية؛ كعدم استطاعته إخراجها من بلدها وإدخالها بلده، أو وجود بعض الفوارق الاجتماعية والموانع الأخلاقية، أو غير ذلك، بل ربما حرص على إيجاد الأسباب التي تجعل الزواج لا يستمر؛ كأسباب عدم الإنجاب وعدم إحسان العشرة وغير ذلك.
لذا؛ فإنا نقول: إن نكاح المتعة باطل ظاهراً وباطناً، والنكاح بنية الطلاق صحيح في الظاهر؛ فنجري عليه الأحكام الشرعية حسب ما ظهر لنا من ثبوت نسب الأولاد ووجود النفقة والتوارث بينهما وغير ذلك من أحكام الزوجية. أما فيما بينه وبين الله تعالى؛ فالنكاح باطل، وإنما الأعمال بالنيات.
وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى".
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم جعل نكاح الرجل الذي تزوج امرأة وهو ينوي أن لا يعطيها صداقها وربما يريد بزواجه الاستمرار معها، إذا كان الرسول جعل وطأه لها زنى يلقى الله يوم يلقاه وهو زان؛ فما تقول بالرجل الذي تزوج امرأة يظهر لها انه سيستمر معها وأنها تكون زوجته التي تشاركه الحياة ويبني بها بيته وسكنه وينجب منها الأولاد؛ فتنخدع له، وتعطيه أعز ما تملك، وهي بكارتها وجوهرتها الثمينة الغالية التي هي مطمع الرجال وفخر الفتيات وعزهن، فيدخل بها على هذه النية الباطلة، ثم لا يلبث أن يقسم ظهرها بالطلاق؛ أليس هذا أولى بالحكم عليه بالزنى ممن تزوج امرأة وهو ينوي أن لا يعطيها صادقها؟(4/59)
وقد قال الشيخ رشيد رضا في "تفسيره": "هذا، وإن تشديد علماء السلف والخلف في منع المتعة يقتضي منع النكاح بنية الطلاق، وإن كان الفقهاء يقولون: إن عقد النكاح يكون صحيحاً إذا نوى الزوج التوقيت ولم يشترطه في صيغة العقد، ولكن كتمانه إياه يعد خداعاً وغشاً، وهو أجدر بالبطلان من العقد الذي يشترط فيه التوقيت الذي يكون بالتراضي بين الزوج والمرأة ووليها، ولا يكون منه من المفسدة إلا العبث بهذه الرابطة العظيمة التي هي أعظم الروابط البشرية وإيثار التنقل في مراتع الشهوات بين الذواقين والذواقات وما يترتب على ذلك من المنكرات، وما لا يشترط فيه ذلك؛ يكون اشتماله على ذلك غشاً وخداعاً تترتب عليه مفاسد أخرى من العداوة والبغضاء، وذهاب الثقة حتى بالصادقين الذين يريدون بالزواج حقيقته، وهو إحصان كل من الزوجين للآخر، وإخلاصه له، وتعاونهما على تأسيس بيت صالح من بيوت الأمة" انتهى.
وفي الختام؛ فإني أوصي كل من وقع في مثل هذا النكاح أن يتقي الله تعالى، ويحذر مثل هذا الزواج، ويقصد في زواجه الدوام والاستمرار، حتى يكون زواجه موافقاً لمقاصد شرع الله في النكاح، ويحذر الغش والخداع والظلم؛ فهل يرضى مثل هذا الزواج لابنته أو أخته أو موليته؟ كلا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
هذا؛ وإني أناشد الله كل طالب علم لا يرى ما أراه في هذا النكاح: أن لا يتعجل في إبداء رأيه؛ لئلا يحصل ما لا تحمد عقباه، وأن يكون موقفه موقف عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – من طلاق الثلاث بكلمة واحدة، حينما أمضاه عليهم، مع أن الأدلة الصريحة الصحيحة تخالف ما ذهب إليه؛ لما رأى من حصول المفسدة بتساهل الناس في الطلاق وتتابعهم عليه. ولا يخفى على طالب العلم أنه ليس كل ما كان مشروعاً في حال يكون مشروعاً في كل حال؛ فهذا حد السرقة أوقفه عمر بن الخطاب – رضي الله تعالى عنه – عام المجاعة، كما أوقف تغريب الزاني البكر دفعاً للمفسدة، وأوقف سهم المؤلفة قلوبهم لعدم الحاجة إلى التأليف؛ لظهور المسلمين وقوتهم، وضعف مخالفيهم، وغير خاف على أحد ما جره، ويجره الزواج بنية الطلاق من المفاسد في هذا العصر، ولعل شيخ الإسلام – رحمه الله تعالى – لو رأى مثل هذه المفاسد التي حصلت، أو تحصل بالزواج بنية الطلاق؛ لرأى مثل ما رأيت؛ كما هو معلوم من أصوله وتقعيداته التي يبنى عليها كثيراً من الأحكام التي هي شبيهة بهذا – والله أعلم -.
هذا ما ظهر لي في هذه المسألة، فإن كان صواباً؛ فمن الله، والحمد لله على التوفيق، وإن كان غير ذلك؛ فمن نفسي والشيطان، وشرع الله بريء من ذلك، والعصمة لمن عصمه الله تعالى.
اللهم! يا حي! يا قيوم! يا ذا الجلال والإكرام! يا رحمن! يا رحيم! يا ودود! يا ذا العرش المجيد! يا فعال لما يريد! أسألك بعزك الذي لا يرام، وبملكك الذي لا يضام، وبنور وجهك الذي ملأ أركان عرشك، أسألك أن تعلمني ما ينفعني، وتنفعني بما علمتني، وتجعل هذا العمل خالصا لوجهك الكريم، وتنفع به عبادك المسلمين، وأعوذ بك أن أقول عليك أو على رسولك أو على أحد من خلقك ما لا يرضيك؛ إنك سميع قريب مجيب.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد(4/60)
الزواج بنية الطلاق حقيقته وحكمه وآثاره
Oأحمد بن موسى السهلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة دار البيان الحديثة - الطائف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - طلاق وخلع وفسخ ونشوز
الخاتمة: لقد أرسلنا أشعة البيان على قضية "الزواج بنية الطلاق" وعرضنا في هذا البحث الآثار المدمرة التي تتمخض عن القول بجوازه، ودفعنا الرأي هذا ببراهين بينة لا تدفع، مكشوفة لم تتقنع. مشكاة التنزيل معتمدها، وهدي النبوة مصدرها، وآراء الأئمة تدعمها، ومقاصد الشرع تصدقها.
ثم وضحنا ما آلت إليه فتوى الجواز من تذرع المترخصين بواسطتها إلى الاستمتاع الحرام، وانتهاك الأبضاع بدون ملام، وقد هز هؤلاء أركان الأسرة هزا عنيفاً ووأدوا في مستنقع الخديعة مقاصد نكاح الرغبة، الذي ارتضاه الله سبحانه لنا شرعاً ورتب عليه أحكاماً، واختار بناء الأسرة على هذا الأساس تحقيقاً للتكاثر، وتلخصت النقاط التي نتجت عن هذا البحث يما يلي:
أولا: إن الزواج بنية الطلاق – هو نكاح المتعة ذاته، بل هو أسوأ منه من عدة نواحي. أما اعتباره نكاح متعة فلأن هذا النكاح الذي رخص فيه في أول الإسلام للضرورة مداره وعمدته توقيت النكاح، ثم حرمه الله تعالى إلى يوم القيامة، وسد هذا الباب ولا فرق بين التصريح بالتوقيت أو نيته من قبل الزوج، الذي بيده عقدة النكاح، ولذلك أطلق عليه أئمة متقدمون ومتأخرون بأنه نكاح متعة، وعابوه ونشروا مساوئه، وأعلنوا أضراره وتعدد مفاسده.
وأما كونه أسوأ من نكاح المتعة، فلأنه بالإضافة إلى نية التوقيت فيه فقد دخله الغش والتدليس على المرأة وأسرتها، ونبذ مقاصد النكاح، وطرح تلك الأهداف السامية التي أراد الله تعالى تحقيقها عبر هذا الزواج الشرعي.
ثانيا: تبين أن الإمام أحمد نص على أن هذا النكاح نكاح متعة وعليه جرى أصحابه كما أوضحنا ذلك، باستثناء الموفق أبي محمد صاحب المغني، وقد ناقشنا رأيه في موضعه، وقد قال في الإنصاف [الزركشي على مختصر الرخفي 5/ 229] بأن الأصحاب على خلافه. نعم للإمام أحمد نص في المسألة بأن الزواج بنية الطلاق شبيه بالمتعة. وهذا أيضاً يقتضي بطلانه وتحريمه. فقد قال الزركشي [الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف 8/ 160 - 161]: "لأنه شبيه بالمتعة، والشبيه بالشيء يعطي حكمه، بيان الشبه أنه ألزم نفسه فراقها في وقت بعينه، والمتعة النكاح فيها يزول في وقت بعينه" اهـ.
ثالثا: تبين أن شيخ الإسلام ابن تيمية في اختياراته جزم بتحريم هذا الضرب من النكاح وسوى بينه وبين نكاح التحليل، وفرع على هذا الأساس، وتعجب من جزم أبي محمد بصحته، وأما رأيه الأول الذي قال فيه بأن هذا العقد دائر بين الكراهة والتحريم فقد كان في حكمه متردداً غير جازم، وتابعاً فيه فيما يبدو لأبي محمد، ثم استبان له الأمر فجزم بحرمته. وقال الشيخ صالح اللحيدان [مقدمة الزواج بينة الطلاق ص 15]: "وكون شيخ الإسلام له رأيان في المسألة: رأي يؤيد صحة هذا النكاح، وآخر يبطله؛ يحملنا على أن نقول: الجدير بشيخ الإسلام أن يكون رأيه الخاص بإباحة هذا النكاح كان في أول أمره تبعاً للموفق، ومن كان على هذا القول، ثم استبان له الرأي بعد اتساع دائرة علمه، وإحاطته بالسنة ومقاصد الشريعة، وتعمقه في الغوص على مدلولات النصوص، وحكمة التشريع فصار إلى خلاف الرأي الأول، ولاشك أن كل إنسان يؤخذ من قوله ما وافق الدليل، ويستغني عما خالف الدليل بالدليل نفسه، أو ما فهم منه والواجب الأخذ بما اتفق مع حكمة التشريع، وانسجم مع أدلة الكتاب والسنة" اهـ.
رابعاً: عرضنا قول أهل العلم أن علة تحريم المتعة هو التوقيت، وهو ينطبق على مسألتنا، وبناء على ذلك فإن أدلة تحريم المتعة تتناول "الزواج بنية الطلاق" لوجود التوقيت المنوي.(4/61)
ولذلك عرضنا لأطوار تحريم نكاح المتعة في السنة، إذا عرضنا أحاديث المتعة التي تحكي الترخيص فيها والتحريم، وبعد تمحيصها والنظر في أسانيدها ومعرفة مراتبها من حيث القوة والضعف تبين لنا أنه لم يصح فيها إلا الترخيص فيها قبل غزوة خيبر، ثم تحريمها فيها، ثم الترخيص فيها ثانية في فتح مكة ثم لم يخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة حتى نادى بتحريمها إلى يوم القيامة، وسد هذا الباب وما سوى ذلك من المواطن التي تحكي الترخيص فيها أو غيره فأحاديثه معلة لم تثبت كما فصلنا الكلام على ذلك في محله، اللهم إلا تحريمها في عام أوطاس فإنه ثابت ولكن مرجعه إلى تحريمها بمكة لأن الغزوتين متقاربتان زمناً، فأوطاس بعد الفتح بيسير، في عام واحد، فلا فرق بين أن ينسب التحريم إلى أيهما. خامساً: أثبتنا من أقوال أهل اللغة، وحملة الشريعة الذين أراد الله تعالى بهم خيرا ففقهم في الدين – أثبتنا أن النكاح المؤقت يطلق عليه شرعا ولغة بأنه نكاح متعة، وأن علة النهي عن نكاح المتعة هي التوقيت الذي يلغي كافة المقاصد الشرعية من القصد بالنكاح.
سادسا: أوضحنا أن هذه المسألة داخلة في قواعد فقهية، وكلها يؤخذ منها منع هذا الزواج وتحريمه، كقاعدة "إذا اجتمع الحلال والحرام غلب جانب الحرام" والقاعدة الحديثية "لا ضرر ولا ضرار" وغيرهما كالأصل في الأبضاع التحريم. سابعاً: بينا انحراف الناس في هذه المسألة إذا ترخصوا في "الزواج بنية الطلاق" على النحو الذي لم يقل به المبيحون، فإن من أباح هذا الزواج أو رخص فيه فإنما رخص فيه لمن كان في سفر وليس معه زوجة تعفه، وخشي على نفسه الفتنة ولكن هؤلاء المترخصين فيها لم يأخذوا بأي قيد من قيودها، وكل الذي فهموه وطبقوه أن هذا النكاح جائز، فترى أحدهم يشد الرحال كلما عنَّ له أن يرحل من أجل المتعة، وهذا لم يقل به أحد من أهل العلم، بل مارسه بعضهم في نفس المدينة التي يسكنها وله زوجة أو زوجتان وإنما الغرض المتعة!!
ثامناً: ناقشنا آراء الذين رخصوا فيها مناقشة علمية توصلنا فيها إلى رد هذه الفتوى، وسد الطريق على أولئك الذين يحملون كلام أهل العلم ما لم يحتمل، ويخرجون في التطبيق بشيء محرم عند أهل العلم جميعاً. يقول العلامة "ابن عثيمين" [فتاوى المرأة لابن عثيمين ص 48 - 49]: "ولأنني سمعت أن بعض الناس اتخذ من هذا القول ذريعة إلى أمر لا يقول به أحد، وهو أنهم يذهبون إلى البلاد للزواج فقط، يذهبون إلى هذه البلاد ليتزوجوا، ثم يبقوا مع هذه الزوجة ما شاء الله التي نوى أن زواجه منها مؤقت ثم يرجع، فهذا أيضاً محظور عظيم، في هذه المسألة فيكون سد الباب فيها أولى لما فيها من الغش والخداع والتغرير، ولأنها تفتح مثل هذا الباب، لأن الناس جهال، وأكثر الناس لا يمنعهم الهوى من تعدي محارم الله" أهـ.
تاسعاً: عرضنا بعض الصور التي تحدث بها الثقات عن الآثار المفزعة التي تمخضت عن القول بحل "الزواج المؤقت" وما نجم عن ذلك من مآسي يندى لها جبين أولي المروءة والحياء، حتى وصل الأمر إلى أن بعض من أسلمن وتزوجن ممن نوى الطلاق وطلقن وامتطين مراكب الضياع هن وأولادهن؛ وصل بهن الأمر إلى الارتداد والخروج عن ملة الإسلام بعد أن اعتنقنه رغبة فيه، وفيما يدعو إليه من مكارم الأخلاق!.
وما ذلك إلا بسبب أولئك المدلسين المخادعين، الذين استحلوا الفروج بكلمة الله تعالى، وما وفوا بمقتضى العقد، ولا أحسنوا الصحبة، ولا عاشروهن بالمعروف، بل ربما جعلوا الدعوة إلى الله وسيلة لإيقاعهن في حبائلهم.(4/62)
عاشراً: استغل أصحاب الهوى والشهوات فتوى بقية السلف وفخر الخلف "ابن باز" فأثبتنا نص الفتوى، وعلقنا عليها، وهي واضحة بقيودها، وأنها تمثل الضرورة الشرعية، ولو علم – رحمه الله تعالى – بما فعله الناس لرجع عن هذه الفتوى لما فيها من إساءة للإسلام؛ فقد ارتد كثير في ديار الغرب عن الإسلام بسبب الزواج بنية الطلاق، مع كونها أصبحت متعة ظاهرة في حق من يسافر من أجل هذا الزواج. حادي عشر: كررت بعض الأدلة والنصوص والنقولات بحسب مناسباتها للحاجة إليها، والتكرار للحاجة وعند اللزوم من منهج القرآن كما هو معلوم من تكرار بعض القصص لمناسباتها، فلا ضير علينا أن كررنا بعض النقولات للحاجة. وأخيراً خصصنا آخر البحث لمناقشة علمية لأهم ما حوته رسالة مجيز معاصر لهذا الضرب من النكاح، واعتمدنا في مناقشة استدلالاته على المصدرين النيرين كتاب الله الفرقان، وسنة رسوله المأمور بالبيان صلى الله عليه وسلم، وما فهمه علماؤنا الأوائل والمعاصرون من المقاصد الشرعية. ثم إني على يقين بأن كل من نسب إليه الجواز، وصح ذلك عنه لو رأى هذه المآسي المخزية التي ولدها ممارسة هذا النكاح المؤقت، وما جره من ويلات، ومنافاة لمكارم الأخلاق، ودفن للمقاصد الشرعية، وما خلفه من تأيم للفتيات، وإهدار للحقوق، وضياع لمستقبل المطلقات، وتعد على أولياء أمورهن بالغش المتعمد؛ أنا على يقين بأنهم سيجزمون بتحريمه وبطلانه سداً للذريعة. لاسيما ونحن في عصر تكالبت فيه قوى الشر على الإسلام والمسلمين، وهم يحاولون بكل وسيلة النيل من تعاليم الإسلام العليا، وإلصاق التهم بديننا الحنيف، لاسيما فيما يتعلق بنظام بناء الأسرة، الذي ظل شامخاً طيلة أربعة عشر قرناً وسيظل بمشيئة الله تعالى. وعندما يجدون تلك الصور التي عرضنا نموذجاً منها، مثل إنسان يتزوج بتسعين امرأة بنية الطلاق، ويطلقهن كلهن، ثم يؤوب إلى بلاده، وآخر ينجب ويطلق، ويترك أولاده في مهام الأحزان وعواصف الضياع، لا رعاية ولا نفقة، ولا توجيه، ولا سؤال عنهم، مع أن ديننا الحنيف يقول: ((كفى بالمرء أثماً أن يضيع من يقوت)) رواه أبو داود، ولمسلم: ((كفى إثما أن تحبس عمن تملك قوته)).
لا شك أن أعداء الإسلام حينما يرون هذه الصور القائمة التي لا تمثل تعاليم الدين تترآى في ديارهم يملؤون بذكرها مسامع الدنيا، ويقولون لأولئك الأغمار هذا هو دين الإسلام، وكفى خزياً وعاراً على هؤلاء المتمتعين أن بعض من دخلن في الإسلام ثم تزوجن على هذا النحو، وطلق الأزواج واختفوا – ارتددن عن الدين – وعزفن عن تعاليم تشرع مثل هذا الظلم، ولا تقيم لحقوق المرأة وزناً بحسب ما بدا لهن. فالله المستعان: {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
أحمد بن موسى السهلي.
الطائف(4/63)
الزينة مفهومها وأحكامها الدنيوية في القرآن
Oوفاء محمد عزت الشريف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عمار
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - أعمال شاملة
الخاتمة
في هذه الرسالة تناولت موضوع (الزينة ومفهومها وأحكامها الدنيوية في القرآن الكريم) التي قسمتها إلى ستة أبواب، خصصت الباب الأول في (الزينة ومعانيها) فجعلته في فصلين وكل فصل في ثلاثة مباحث.
الفصل الأول منها: في توضيح معناها في اللغة العربية، ثم في القرآن الكريم فاستخرجت الآيات الخاصة بكلمة (زين) ووجدت أنها ما يقارب ستاً وأربعين آية، ثم معناها في السنة النبوية الشريفة من خلال استخراج بعض الأحاديث النبوية الشريفة التي تتعلق بالزينة.
ثم في الفصل الثاني فسرت الآيات التي وردت في موضوع الزينة من تفاسير عدة، فوجدت اختلاف أنواعها من خلال التفاسير، وبينت أنواعها من خلال الآيات، وبعدها أدرجت الخلاصة مما يؤخذ من أقوال المفسرين.
فمن الزينة ما يختص بالكون مثل السماء والأرض والبحر والجبال، ومنها ما يختص بالمخلوقات كزينة الإنسان وزينة الحيوان والنبات، ووجدت أن الزينة مكملة بعضها بعضاً، فزينة الإنسان مستمدة من النبات والحيوان، وزينة الأرض من النبات والجبال والأنهار.
وأما في الباب الثاني فعنونته (أنواع الزينة)، وفيه تمهيد وفصلان، الفصل الأول فيه ثلاثة مباحث، وجدت أن الزينة، منها الظاهرة ومنها الباطنة، فمن الزينة الظاهرة العين، ومن الزينة الباطنة القلب، وفرقت بين قلب المؤمن وقلب الكافر، ومن ثم أوضحت الزينة الباطنة الظاهرة منها زينة العقل واللسان.
وفي الفصل الثاني بينت صور الزينة في ستة مباحث: منها: زينة السماء، فمن زينة السماء الشمس والقمر والنجوم والكواكب، التي جعلها الله زينة للسماء، ورجوماً للشياطين، وهداية يهتدي بها الساري في الليالي المظلمة، أما زينة الأرض ففي زرعها وخضرتها في جبالها وقممها، وفي أنهارها وجداولها، في كل ما على الأرض زينة أوجدها الله لا يلحظها إلا من آمن بالله حق الإيمان وتفكر في آلائه ومخلوقاته، وفي البحر زينة في زرقتها وفي السفن التي تجري عليها، وفي ما يستخرج منها وغيرها من البحر.
وللحيوان زينة جمال في اقتنائها وفي أصوافها وأوبارها وفي حلها وترحالها، وللنبات زينة في نبتها وحركة ورقتها وتنوع ألوانها وأزهارها وأريجها.
وللإنسان زينة في كل ما خلق الله وأبدع من تشكيل وتقويم جسده، وجعله خير مخلوقات الأرض قاطبة، وكلها مكملة بعضها البعض.
فاستخلصت أن الزينة شاملة لكل شيء في هذا الكون، فما من شيء إلا وله زينة في خلقه، وفي إبداعه، وفي تناسقه، وكلها تدل على خالقها وبارئها ومصورها، الذي أحسن كل شيء خلقه.
أما الباب الثالث فعنوانه (زينة الإنسان) فقد قسمته إلى ثلاثة فصول: الفصل الأول فيه خمسة مباحث وهذا الفصل خصصته بزينة الإنسان، استنتجت من خلال هذا الفصل أن الزينة لها غايات عدة منها ستر العورة والزينة والطاعة والعبادة عن طريق إظهار نعمة الله على الإنسان، وأن الزينة نشأت مع الإنسان منذ خلق مع سيدنا آدم، وأن الإنسان مأمور بها في كل وقت وكل حين وكل مكان، فزينة الحج تختلف عن زينة العيد وعن زينة الجمعة، وزينة الرجل تختلف عن زينة المرأة، وزينة الخلق تختلف عن زينة التخلق، ووجدت أن العورة جزء من الزينة لا يتجزأ عنه لأنها الأساس في اللباس ومن ثم الزينة التي يقصد بها طاعة الله وعدم عصيانه.(4/64)
والباب الرابع جعلته (لأحكام الزينة) الخاصة بالإنسان وجعلته ثلاثة فصول، الفصل الأول قسمان: الزينة الباطنة والزينة الظاهرة للإنسان، ثم أحكام الزينة فوجدت أن للزينة أحكاماً مختلفة منها ما هو مفروض من الكتاب والسنة النبوية الشريفة، ومنها ما هو واجب ومنها ما هو مباح التزين به، ومنها ما هو مكروه أو محرم يجب الابتعاد عنه، حتى لا يؤدي التزين به إلى معصية الله، ولكل حكم منها ما يؤكده من الآيات القرآنية الكريمة أو من السنة النبوية الشريفة أو آراء الفقهاء المختلفة والمتعددة، وما كانت آراء الفقهاء واختلافاتهم إلا رحمة للعباد.
أما الفصل الثالث منها فقد خصصته لآداب اللباس الخاصة بالرجل والمرأة وما المباح منها، وما المنهي عنه حتى لا تختلط الأمور على الناس فيتشبهون في لباسهم بالصنف الآخر، ثم أدرجت بعدها بيان حكم الذهب والفضة والحرير لباساً واستخداماً وزينة للرجل والمرأة، وما يباح منه وما يحرم، واعتمدت على الحكم ما كان منها حلالاً أو حراماً بدلائل من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وآراء الفقهاء واختلافاتهم.
ومن ثم في الباب الخامس خصصته (لآثار الزينة)، وجعلته في فصلين: الفصل الأول لأثر الزينة، فوجدت أن الزينة لها أثر يظهر في سلوك المسلم وتصرفاته، وفي أثاث بيته وزخارفه، وفي المجتمع المسلم بعاداته وتقاليده الإسلامية وضبطه ومعاييره الربانية، فنجد المجتمع يحرص على النظافة لأنها من سلوكيات المسلم فتؤدي إلى مجتمع نظيف، وغيرها من السلوكيات التي تؤدي به إلى أن يكون خير مجتمع وخير أمة أخرجت للناس كما أمر الله سبحانه وتعالى، وفي المجتمع غير المسلم وما لهم من حقوق وواجبات في ظل الحكم الإسلامي.
وأما الفصل الثاني فخصصته لآثار التبرج والاختلاط، وبينت الفرق بين الزينة الحسنة والزينة السيئة وأثر ذلك على سلوك الفرد والمجتمع، وخطر التبرج والاختلاط ولماذا نهي عنهما في المجتمع المسلم، لما لهما من آثار سلبية في المجتمع.
وأما الباب السادس فجعلته خاصاً (بزينة الله وزينة الشيطان)، وفيه فصلان: الفصل الأول (زينة الله)، وزينة الله لها مطالب منها مطالب في العقائد، ومنها في العبادات، ومنها في الأخلاق، ومنها في المعاملات، وكل منها زينة يؤديها الإنسان طاعة لله سبحانه وتعالى، ومن خلالها يحاول الشيطان إضلال الناس عن طرائق عقائدهم وعبادتهم ومعاملاتهم وأخلاقهم، فيزين لهم أعمالهم وأقوالهم، وهذا ما جعلته في الفصل الثاني وهو (زينة الشيطان).
وموضوع الزينة ليس مخصصاً بجزء معين من الدين الإسلامي، فهو موضوع شامل للدين، فهو من العقائد ومن العبادات ومن الأخلاق ومن المعاملات، لذلك كان من الصعب إيجاد المواضيع الخاصة فيه، لذلك تحتم عليَّ البحث طويلاً لأجد بعض الموضوعات فآخذ من هذا المرجع ومن ذاك المصدر، لأجمع المعلومات الخاصة بالرسالة، وما قدمت هو القليل الذي استطعت البحث والخوض فيه، جمعته في هذه الورقات لتكون موضوعاً للرسالة، ولو أردت أن أوفيه حقه لاحتاج الأمر إلى زيادة عدد الصفحات والمواضيع لشمول الموضوع وتشعبه وتعدده، وحسبي أني لا أريد الإطالة.
أسأل الله التوفيق والرضا وجزاكم الله عنا خير الجزاء.(4/65)
السفر الذي يثبت به القصر
Oعبدالعزيز بن محمد الريش
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - سفر ومسافر
خاتمة البحث
وبعد حمد الله وشكره الذي أمدني بعونه وتوفيقه حتى أنهيت مباحثه فإني أدون هنا أبرز النتائج التي توصلت إليها في البحث:
1 - أن الفقهاء اختلفوا في نوع السفر الذي تقصر فيه الصلاة إلى ثلاثة أقوال.
2 - أن أرجحها – والله أعلم – هو قول من قال أن المسافر يقصر في أي سفر كان سواء أكان سفر طاعة أو مباح أو معصية.
3 - أن الفقهاء اختلفوا في تحديد مسافة السفر التي يجوز فيها القصر إلى ثلاثة أقوال في الجملة.
4 - أن أرجحها – والله أعلم – قول من قال: إن السفر المبيح للقصر لا حد له في الشرع.
5 - أن بعض الناس اليوم لا يفهم هذا القول فهماً صحيحاً فيستدل به على أمور لا ينتهجا ولا يؤديها لكن هذا القول لا يعتبر السفر إلا ما عده الناس سفراً واحتاج إلى الزاد والراحلة ومؤونة السفر.
6 - أن طول الزمن وقصره في السفر غير معتبر حتى عند المحددين للمسافة.
7 - أن من لم ينو الإقامة وأقام لحاجة ينتظر قضاءها ولا يدري متى يخرج فإنه يقصر أبداً.
8 - واختلف الفقهاء في المدة التي إذا نوى المسافر الإقامة فيها لزمه الإتمام إلى خمسة أقوال في الجملة.
9 - أرجحها عندي – والله أعلم – أن يطبق ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم بحجته فإذا نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم وإلا فيقصر لقوة دليله ولأن فيه خروجا من الخلاف والخروج من الخلاف مستحب وهو ما تطمئن إليه النفس.(4/66)
الشروط في النكاح
Oصالح بن غانم السدلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار معاذ
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - شروط النكاح
الخاتمة
حيث أن الحديث عن الشروط في النكاح وما يتعلق بها من أبحاث فمن المناسب أن نختم البحث ببيان بعض الحقوق الزوجية لأن الشروط إما أن ترجع إلى ما يتعلق بحق الزوج أو بحق الزوجة أو بحق مشترك بينهما. والحديث مهما يتناول أموراً ثلاثة:
1 - حقوق الزوج على زوجته.
2 - حقوق الزوجة على زوجها.
3 - الحقوق المشتركة بين الزوجين.
فصل: في حقوق الزوج على زوجته:
الأصل الذي بنيت عليه حقوق الزوج على زوجته هو قوله تعالى في سورة النساء: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً} أثبتت الآية للرجال حق القوامية على نسائهم بسبب ما فضل الله بعضهم على بعض وبسبب ما أنفقوا من أموالهم. ومن أبرز هذه الحقوق الطاعة: إذا أعد الزوج لزوجته السكن الشرعي المستكمل لحاجات معيشتها الذي تأمن فيه على نفسها ومالها يجب عليها أن تسلم نفسها إليه وأن تقيم معه في هذا المسكن، وعليها أن تمتثل أمره إلا فيما نهى الله عنه.
{الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ} ويلزمها القرار في بيته وألا تخرج إلا بإذنه.
{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى} في هذه الآية يأمر الله تعالى النساء أن يلزمن بيوتهن صيانة لهن وحفظاً لحق أزواجهن.
ويلزمها المحافظة على نفسها ومالها وألا تأذن لأحد يكره دخوله في منزله إلا بإذنه {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}.
ولا يجوز للمرأة أن تهجر فراش زوجها وعليها أن تمتثل أمره إذا دعاها لحاجته. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشها فأبت قلم تأته فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح.
وعليها أن تؤمن بوجوب حق زوجها عليها وأن له من الحق أعظم من ما لها عليه.
{وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ}.
وعن قيس بن سعد في حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وسلم وفيه (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت النساء أن يسجدن لأزواجهن لما جعل الله لهم عليهن من الحق). إن المرأة إذا أقامت هذه الحقوق وغيرها مما لم تذكر لكفيل بأن تعيش في أكناف زوجها عيشة هادئة كريمة ملؤها المحبة والوئام.
فصل في حقوق الزوجة على زوجها:
الأصل في حق الزوجة على زوجها قوله تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} وحقوق الزوجة على زوجها كثيرة ومتعددة فمن هذه الحقوق: الصداق {وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}. {فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً}.
وإذا دخل الرجل بالمرأة استحقت عليه المهر كاملاً. وإن فارقها بعد العقد وقيل الدخول وكان قد سمي مهراً استحقت نصفه {وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ}.(4/67)
وإن لم يسم شيء فلها على زوجها المتعة {لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ}.
2 - نفقة الزوجة وهي ما تحتاج إليه من طعام وكسوة ومسكن وفرش وخدمة وكل ما يلزم لمعيشتها حسب المعروف وهي حق لها على زوجها لقوله تعالى {وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لاَ تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا} {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ}. وروى مسلم في صحيحه اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف.
3 - عدم الإضرار بالزوجة ومن حقوق الزوجة على زوجها أن لا يضارها بقول أو فعل أو خلق {فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه} روى أبو داود في سننه عن حكيم بن معاوية القشيري عن أبيه قال قلت يا رسول الله "ما حق زوجة أحدنا عليه" قال (تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت) وإذا قصر في شيء من نفقتها أو نالها منه أذى لها حق المطالبة بحقها والدفاع عن نفسها وإذا كان للزوج أكثر من زوجة وجب عليه العدل بينهن والتسوية في كل ما يملك بذله لهن. فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة.
وقالت عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم فيعدل ويقول اللهم هذا قسمي فما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك.
الحقوق المشتركة: هناك حقوق مشتركة بين الزوجين تجب لكل من الزوجين بسبب عقد الزواج فمنها: حل الاستمتاع إذا تم عقد النكاح بين الزوجين وتوفرت الشروط من تسليم زوجته وتأمين المسكن ونفقة. وانتفت الموانع من الحرام ونحوها أبيح الاستمتاع لكل من الزوجين بالآخر على الوجه الشرعي الذي قصد منه عقد النكاح {أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} والمرأة سكن لزوجها وهو كذلك سكن لها.
{وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}.
ومن هذه الحقوق أيضاً ثبوت التوارث بين الزوجين إذا تم عقد الزواج ثم مات أحد الزوجين قبل صاحبه ثبت حق التوارث بينهما ما لم يمنع من ذلك مانع.
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا}.
ومنها المعاشرة بالمعروف على كل من الزوجين أن يعاشر زوجه بالمعروف كما أمر الله تعالى وعاشروهن بالمعروف. ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف.(4/68)
وقال صلى الله عليه وسلم في خطبة يوم حجة الوداع: ألا واستوصوا بالنساء خيراً فإنما هن عوان عندكم لن تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيل، ألا إن لكم إلى نسائكم هذا ولنسائكم عليكم حقاً فلكم عليهن ألا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم من تكرهون وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن).
نتبين من هذه النصوص مشروعية المعاشرة بين الزوجين بالمعروف وأن لكل زوج على زوجه حقاً فعلى المرأة أن تقوم بالحقوق التي تناسبها وكذلك على الزوج أن يقوم بالحقوق التي تناسبه.
ومن هذه الحقوق أيضاً ثبوت حرمة المصاهرة بين الزوجين فيحرم على الزوج نكاح أم زوجته وإن علت وبنتها كذلك يحرم عليه أن يجمع بين المرأة وأختها وعمتها وبين المرأة وخالتها ويحرم عليها هي نكاح أبي الزوج وابنه وإن نزل.
هذه بعض الحقوق المشتركة التي تثبت لكل من الزوجين على الآخر بعقد الزواج وليس المقصود حصر جميع الحقوق التي من هذا النوع وإنما المراد بيان جنسها.
فصل:
وملاك الحقوق الزوجية والقيام بها الإيمان بالله وتتبع ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك من أقوال وأفعال فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في حسن الأخلاق وخاصة ما يتعلق بالمعاملات الزوجية عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي). وعنها أنها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر قالت: (فسابقته على رجلي فسبقته فلما حملت اللحم سابقته فسبقني. قال هذه بتلك السبقة). رواه أبو داود وهذا منه صلى الله عليه وسلم يدل على عظيم خلقه وتواضعه وهو القدوة لأمته {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}.
السنة الثابتة مستفيضة ببيان ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من حسن المعاشرة الزوجية. فما عرف أنه ضرب امرأة ولا عبداً بل حذر من ذلك أشد التحذير وهذا يوجب على كل مسلم أن يقتدي برسول الله عليه الصلاة والسلام فيما كل ما من شأنه الاقتداء به.
مراتب الحقوق الزوجية:
وما يتعامل به الزوجان واجب ومندوب كالمعاشرة الزوجية مثلا فإن منها الواجب والمندوب.
والواجب في حد ذاته مراتب متفاوتة فبعض الواجبات آكد من بعض وألزم فتأمين النفقة الضرورية مثلا يختلف في وجوبه عن تأمين نفقة الكفاية. وكذلك المندوب مراتب يختلف بعضها عن بعض وهذا بين يتضح من استقراء الأوامر الشرعية في الحقوق الزوجية وغيرها.
فصل:
وما نهى أن يتعامل به الزوجان محرم ومكروه. والمحرم مراتب بعضها أشد من بعض فمنها ما يستوجب التأثيم مع العقوبة في الدنيا ومنها ما يستوجب التأثيم فقط والمكروه مراتب كذلك فمنه ما يستحق فاعله اللوم والعتاب ومنها ما يستحق لوماً دون ذلك فالإصرار على فعل المكروه والاستمرار عليه قد يصل إلى درجة التحريم فالذي يتخذ بذاءة اللسان خلقا له مع زوجته مع علمه بالنهي عن ذلك، فليس كمن تحصل منه البذاءة على فترات مختلفة.
وبعد فهذا ما تيسر لي كتابته فإن كان صواباً فمن الله وإن كان غير ذلك فمني ومن الشيطان والله ورسوله بريئان منه {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/69)
الشريعة الإسلامية والفنون (التصوير - الموسيقى 000)
Oأحمد مصطفى علي القضاة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الجيل - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1408هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تصوير ونحت تماثيل
الخاتمة وأهم نتائج البحث: هذا غاية طاقتي وقصارى جهدي في معالجة قضية من قضايا الإنسان الأساسية، التي نالت حظاً عظيماً من حياة الناس القديمة والحديثة، وقد حرصت أن يكون الموضوع متناسقاً فيما بينه، ومتفقاً مع منهجيات الدراسات الحديثة، ومعطاءً في قضايا مستجدة. ولقد قررت هذه الجولة الطيبة في رياض الفقه الإسلامي في قضية إنسانية عصرية جملة من الأمور القيمة والحقائق العامة، التي أهمها:
1 - أن هذه الشريعة شريعة مستقلة متميزة ذاتية، لم تخضع للضغوطات الاجتماعية، ولا للصراعات الطبقية، ولا للاضطرابات الإنسانية، وتظهر استقلاليتها في أنها تطرح القضايا الإنسانية وتجيب على التساؤلات بصورة متميزة تختلف عن بقية المناهج والأنظمة، وأن تشريعاتها لم تكن في يوم من الأيام ولن تكون نتيجة ضغوطات أو صراعات أو اضطرابات، وإنما هي تشريعات ذاتية نابعة من مصادرها الثابتة المرنة الأصيلة.
2 - أن هذه الشريعة شريعة شاملة كاملة، قد أقامت توازناً رائعاً بين جانبي الحياة الإنسانية، وشملت تشريعاتها كل جوانب الحياة، ولم تعجز الشريعة من أن تعطي حكماً في القضايا الإنسانية الكبرى والصغرى، القديمة والحديثة منها، وهي تعطي تصوراً رائعاً كاملاً للكون والإنسان والحياة، التي تعد المجالات الحرة لكل أنواع الفنون على مر التاريخ البشري، وهي أيضاً تربط بين كل تشريعاتها من جانب وبين قضايا الإنسان من جانب آخر.
3 - حفظ الشريعة الإسلامية الإنسان من التخبط والاضطراب في معالجته لمشكلاته، وذلك في الوقت الذي اضطربت فيه الموازين، وانعدمت القيم، واختلت المقاييس، وأخذ الإنسان بعد أن ابتعد عن هدي السماء ينتقل من تقديس إلى تقديس، ومن قلق إلى قلق ومن اضطراب إلى اضطراب، وهو يحاول في كل مرة – ومن خلال الفنون – أن يطمئن ضميره، ويربح جسده، ويسلي نفسه، .... ولكن أني له؟. وأكثر ما برز هذا الاضطراب في المدرسة السيريالية التي قامت على نبذ الشعور والعقل والأديان، وعلى تقديس القمامة، ولذلك أخذ الإنسان في مراحل تاريخه يسلي نفسه بلوحة تصويرية، أو بلحن موسيقى، أو بمقطع غنائي، أو بمشهد تمثيلي، وسيبقى الإنسان المبتعد عن هدي السماء متشبثاً بالفنون دون أن يرى فيها راحة وأنساً.
وأما النتائج التفصيلية للبحث حسب تسلسلها في الرسالة فهي:
1 - عرضت مقدمة الرسالة أهمية موضوع الفنون وضرورة دراسته دراسة مقارنة من الوجهة الشرعية، ولذلك لمعرفة آراء العلماء في قضايا الفنون القديمة والمستجدة، ثم تمحيصها واختيار الأرجح منها.
2 - وتكلمت في التمهيد عن تعريف الفن ونشأته وتطوره، وكيف اقتصرت كلمة الفنون على التصوير والموسيقى والغناء والتمثيل؟ ثم بينت أقسام الفنون المختلفة من حيث الموضوع والآلة والزمان والمكان، ومن حيث القبول أو الرفض، الذي أدى إلى ظهور المدارس الفنية عبر التاريخ الإنساني، وكذلك بينت وظائف الفنون العامة والخاصة، وكيف استغلت الحركات العالمية كالشيوعية والصهيونية وغيرهما الفنون استغلالاً مشيناً؟. وقد تكلمت في التمهيد أيضاً عن تعريف الفن الإسلامي، واخترت تعريفاً مناسباً، ثم عرضت منهج الفن الإسلامي وخصائصه، مبيناً موضع الطبيعة والإنسان فيه.(4/70)
3 - وتحدثت في الفصل الأول من الباب الأول عن معنى التصوير في اللغة والقرآن الكريم والسنة النبوية، وذلك للاستعانة بتلك المعاني عند بيان أحكام التصوير والصور، ثم تحدثت عن أقسام التصوير حسب ذكرها في كتب فن التصوير، وقد نظرت في أقسام التصوير من حيث الموضوع والوسيلة وذات الصورة والمكان والزمان والقبول أو الرفض، ثم بينت معنى الكاريكاتير، وكيفية التصوير الفوتوغرافي والسينمائي، وختمت الفصل الأول ببيان أهمية التصوير وأثره في العصر الحديث ودخلوه في المجالات الإنسانية المختلفة. 4 - وفي الفصل الثاني من الباب الأول أوضحت أحكام التصوير المختلفة، ومذاهب العلماء وأدلتهم، وناقشت تلك المذاهب والأدلة، ثم رجحت بينها، وقد تناولت حكم تصوير لعب الأطفال، وتصوير الأشكال المعدة من الحلوى، واعتبرت النسج في الثوب تصويراً، ثم تناولت حكم تصوير الإنسان بآيات من القرآن، وحكم التصوير الساخر المسمى بالكاريكاتير، وحكم التصوير الفوتوغرافي والسينمائي وآراء العلماء وأدلتهم، وحكم التصوير في المجالات الإنسانية، وحكم تصوير الذات الإلهية والأنبياء والصحابة والمشاهد الغيبية، وحكم تحنيط الأجسام. وتكلمت في الشطر الثاني من هذا الفصل عن أحكام الصور في الشريعة، فتناولت حكم اتخاذ التماثيل الكاملة والناقصة والمشوهة والمعلقة والممتهنة وآراء العلماء وأدلتهم، وحكم اتخاذ لعب الأطفال والأشكال المعدة من الحلوى والأشكال المصنوعة من الثياب البالية الموضوعة في البساتين.
ثم تناولت أحكام الصور في الصلاة فبينت حكم الصلاة بثوب فيه تصاوير، وحكم صلاة حامل الصور وحكم الصلاة بمكان فيه صور، وحكم الصلاة على سجاد فيه صور أيضاً، كما ذكرت حكم زخرفة المساجد والمقابر بالصور، وأحكام الصور في المعاملات كبيع الصورة وثمنها، واستئجار المصور وأجرته، وحكم الصورة في الأدلة القضائية وضمانها، وحكم اللباس الذي فيه تصاوير، وحكم دخول البيت الذي فيه صورة، وحكم إجابة الدعوة التي فيها صور، وحكم الشعارات التي تحمل صوراً كالعلم والطابع، وحكم النظر إلى الصورة.
وقد ذكرت آراء العلماء الواردة عند حكم الصور السالفة الذكر وأدلتهم، ثم ناقشت تلك الآراء والأدلة، ورجحت بينها.
5 - وتكلمت في الفصل الأول من الباب الثاني عن تعريف الموسيقى في اللغة، وفي علم الموسيقي أيضاً، وكيف نشأت الآلات الموسيقية وتطورت، وذكرت الآلات الموسيقية الوترية والهوائية والإيقاعية المشتهرة عالمياً، ثم ذكرت النصوص الشرعية الواردة في الآلات الموسيقية، ومذاهب العلماء وأدلتهم مناقشاً ومرجحاً فيما بينهم. ثم تطرقت لأحكام الموسيقى المختلفة، كحكم الأجراس في الأنعام والبيوت والمدارس ومع النساء، وحكم الصفير والتصفيق والرقص، وحكم التداوي بالموسيقى، وحكم الأذان والقرآن على آلة موسيقية، وحكم بيع الآلات الموسيقية، واستئجارها، وأجرتها وإتلافها، وضمانها، والقطع فيها، والوصية بها، وحكم الآلات الموسيقية في الأعراس، وحكم شهادة الموسيقار. وقد أتيت بآراء العلماء الواردة عند كل حكم وأدلتهم، ثم ناقشت تلك الآراء والأدلة، ورجحت بينها.
6 - وفي الفصل الثاني من الباب الثاني تحدثت عن تعريف الغناء وأقسامه، ثم ذكرت مذاهب العلماء في الغناء وأدلتهم، ثم ناقشت المذاهب والأدلة، ورجحت بينها. ثم تحدثت عن أحكام الغناء المختلفة، كحكم التغني بالقرآن، وحكم التغني بالأذان، وحكم بيع المغنيات، وحكم إجارة الغناء، وحكم شهادة صاحب الغناء، وحكم الغناء؛ الأعراس؛ وحكم تعلم الغناء. وقد أتيت بآراء العلماء الواردة عند كل حكم وأدلتهم، ثم ناقشت تلك الآراء والأدلة، ورجحت بينها.
7 - وتكلمت في الفصل الأول من الباب الثالث عن تعريف التمثيل وطبيعته وعناصره وأقسامه وأهدافه ووظائفه، وأيضاً المدارس المسرحية، وقد ذكرت أضرار التمثيل وفوائده.
8 - وفي الفصل الثاني من الباب الثالث بينت رأي الشريعة في أصل فكرة التمثيل، وحكمها في جزئيات كثيرة في عملية التمثيل، فذكرت الأدلة المستند عليها في إباحة التمثيل، وأخرجت الجوانب التي لا تدخل تحت تلك الأدلة.
وبينت في الفصل أيضاً حكم التمثيليات الأسطورية والخيالية، وحكم المسرحيات الكوميدية والتراجيدية، وحكم التمثيليات الإذاعية والمسرحية والتلفزيونية ونحو ذلك، وحكم تمثيل الذات الإلهية. وكذلك حكم تشبه الرجال بالنساء والنساء بالرجال في التمثيل، وحكم التبني والطلاق في التمثيل، ثم ذكرت المحترزات الشرعية في أية تمثيلية.
9 - وتناولت في الفصل الثالث من الباب الثالث حكم تمثيل المرأة وحدها، وحكم تمثيلها مع الرجال، وحكم تمثيل والأنبياء والصحابة.
وفي ختام هذه الرسالة أحمد الله سبحانه وأشكره، وأرجو منه أن يوفقنا إلى كل خير، وأن يجعل أعمالنا صالحة متقبلة عنده، وأن يرد هذه الأمة إلى دينها رداً جميلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين.(4/71)
الشك في عدد الركعات في الصلاة حكمه - أسبابه - علاجه
Oعبدالعزيز بن محمد الريش
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - سجود السهو
فوائد ونتائج البحث:
وبعد الانتهاء من هذا البحث فإنه من المناسب أن أختمه بذكر أهم ما توصلت إليه من فوائد ونتائج:
1 - أن العلماء يفرقون بين الظن، وغلبة الظن.
2 - ولذلك يختلف اعتبارهما عند الفقهاء.
3 - فالظن عند الفقهاء ملحق بالشك فغالباً لا يفرقون بين الظن والشك.
4 - أما غالب الظن فإنهم يلحقونه باليقين.
5 - أن الوهم دون الظن والشك.
6 - أنه لا عبرة للتوهم عند الفقهاء.
7 - فلا يثبت حكم شرعي استناداً على وهم.
8 - أن هناك فرقاً بين الاشتباه والالتباس.
9 - فإن الاشتباه معه دليل يرجح أحد الاحتمالين، أما الالتباس فإنه لا دليل معه.
10 - إذا كان الشك الطارئ على الإنسان في عدد الركعات في الصلاة وهماً بأن طرأ على الذهن ولم يستقر فلا يلتفت إليه؛ لأن الإنسان لو طاوع التوهم لتعب تعباً عظيماً.
11 - إذا كثرت الشكوك مع الإنسان حتى أصبح ملازماً له في أكثر العبادات فإنه لا عبرة به؛ لأنه تحول إلى مرض وعلة ومثل هذا يعتبر ذهنه غير مستقر فلا عبرة به.
12 - أما إذا كان الشك خالياً من ذلك فشك في عدد الركعات فإن الفقهاء اختلفوا في هذه المسألة إلى سبعة أقوال.
13 - أن أرجح هذه الأقوال في نظري هو من جعل الحكم يدور مع وجود الظن الغالب وعدم وجوده عند الشك.
14 - فقال: إما أن يكون الشك عنده ظن غالب فيتحرى بأن يبني على غالب ظنه، ويحمل حديث "ابن مسعود" – رضي الله عنه – على ذلك.
وإما أن لا يكون عنده ظن غالب يعمل عليه فيبني على اليقين – وهو الأقل – وتحمل أحاديث البناء على اليقين على ذلك.
15 - أن سبب ترجيحي لهذا القول: أن جميع الأحاديث الواردة في هذه المسألة تعتبر خطاب للشاك وتوجيهها بما تقدم فيه إعمال لجميع تلك الأحاديث وإعمالها والجمع بينها أولى من إعمال بعضها وإهمال البعض الآخر.
16 - أن ترجيح غيره من الأقوال في المسألة يؤدي إلى إعمال بعض الأحاديث وإهمال البعض الآخر وهذا غير جائز مع إمكانية الجمع.
17 - وهذا له نظائر في الفقه الإسلامي فإنه يقال للحاكم: احكم ببينة واحكم بالشهود ونحو ذلك فإن هذا مع الإمكان فإذا لم يمكن ذلك رجع إلى الاستصحاب وهو البراءة، كذلك المصلي الشك يعمل بما يتبين له الصواب فإن تعذر ذلك رجع إلى الاستصحاب.
18 - إذا شك المصلي في عدد الركعات في الصلاة فإنه يجب عليه أن يسجد سجدتين للسهو.
19 - وهل يكون سجوده قبل السلام أو بعده.
20 - اختلف الفقهاء في ذلك بناء على اختلافهم في أصل المسألة: وهو مكان وموضع سجود السهو عاماً في أي سهو يقع للمصلي.
21 - فإن الفقهاء اختلفوا في مسألة الأصل: إلى أربعة أقوال.
22 - فعلى هذا: يكون سجود السهو لمن شك في عدد الركعات في الصلاة عند أبي حنيفة والثوري بعد السلام.
23 - وعند الشافعية ورواية لأحمد: يكون قبل السلام.
24 - وعلى القول بالتحري في هذه المسألة عند الإمام أحمد يكون بعد السلام.
25 - أما المالكية فإنه يكون بعد السلام في المشهور وقيل: قبل السلام.
26 - أن وقوع الشك للمصلي في صلاته يرجع إلى عدة أسباب منها: أ- الشيطان.
ب- عدم تسوية الصفوف ووجود الفرج في صلاة الجماعة.
ج- الحضور المتأخر إلى صلاة الجماعة.
د- أسباب أخرى كثيرة تختلف من شخص إلى آخر.
27 - أن هناك علاجاً لكل سبب من هذه الأسباب بينت ذلك مفصلاً في البحث.(4/72)
الضوابط التي تحكم عقد صيانة الأعيان المؤجرة وتبعية ذلك على المؤجر والمستاجر (بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة)
Oمحمد بن سليمان الأشقر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - منوعات
خلاصة البحث: في ظل القواعد الشرعية:
1 - لا يلزم المؤجر القيام بشيء من الإصلاحات الإنشائية أو التحسينية إلا بشرط في العقد.
2 - يلزم المؤجر القيام بالإصلاحات الضرورية لحفظ العين من الهلاك، والإصلاحات الضرورية لتمكين المستأجر من الانتفاع، إذا حدث الخلل بعد التعاقد، أو كان موجوداً عند التعاقد ولم يطلع عليه المستأجر، أما ما كان موجوداً قبل التعاقد واطلع عليه المستأجر فلا يلزم المؤجر القيام بإصلاحه إلا بشرط في العقد.
3 - إذا قام المؤجر بالإصلاحات التي تلزمه بمقتضى البند السابق لم يكن للمستأجر فسخ العقد، أما إذا لم يقم بها فلا يجبر عليها بل يكون المستأجر فسخ العقد.
4 - لا يجوز أن يشترط المؤجر على المستأجر صيانة العين مما قد يحصل بها من الخلل، فإن وقع العقد بهذا الشرط فسد، للجهالة.
5 - يجوز أن يشترط المؤجر على المستأجر القيام بإصلاح عيوب معلومة مما كان موجوداً قبل التعاقد، وكذا يجوز أن يشترط إصلاحات لاحقة معلومة محددة بالوصف والمقدار، وسواء كانت الصيانة مجرد عمل أو مع استخدام مواد أو قطع غيار معلومة محددة.
6 - إن حصل اشتراط شيء من الإصلاحات المذكورة في البند السابق كان ذلك أجرة مضافة إلى الأجر النقدي، حتى لو لم يقم المستأجر بها كلا أو جزءاً كان للمؤجر مطالبته بقيمة الإصلاحات التي لم يقم بها.
7 - إن أذن المؤجر للمستأجر في العقد أو بعده أن يقوم بإصلاحات معينة في العين فله أن يفعل ذلك ثم يكون له أن يرجع بما أنفقه على المؤجر، ما لم يكن المؤجر قد اشترط أن لا رجوع عليه.
8 - إن قام المستأجر بعمل صيانة للمأجور بدون إذن المؤجر لم يكن له أن يرجع عليه بشيء بل يكون متبرعاً. والله أعلم، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين والحمد لله رب العالمين.(4/73)
الطهارة لقراءة القرآن الكريم والطواف بالبيت الحرام
Oفيحان بن شالي المطيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - أعمال منوعة
الخاتمة:
هذا ما جاد به القلم وسمح به الوقت وأرجو ممن قرأه واطلع عليه أن ينبه على ما قد وقع فيه من سبقة قلم أو قصور في العبارة أو سقطة لسان أو فهم قاصر فسيجد أذناً صاغية وصدراً رحباً لتقبل ما يملى عليه فالحق ضالة المؤمن متى وجدها اهتدى ومتى فقدها أنشد والكمال لله والنقص والقصور لبني آدم وكل عمل عرضة للنقص مهما بلغ كاتبه من الحرص والاجتهاد ودقة الفهم وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم ولم أدخر وسعاً في إعداد هذا الكتاب وإظهاره بالمظهر اللائق فقد بذلت جهدي واستفرغت وسعي في الجمع والاستدلال والترجيح والله أسأل أن يجعل ذلك خالصاً لوجهه وأن يجنبنا الرياء ومواطن الزلل إنه خير مسؤول فهو سبحانه المطلع على خفايا النفوس وضمائر القلوب، هذا وقد تجلت لي بعض النتائج التي احتواها البحث ألخصها فيما يلي:
1 - إن الطهارة من الحدث الأصغر ليست شرطاً لقراءة القرآن بل تجوز القراءة عن ظهر قلب دون مس للمصحف بيد أن المستحب أن يكون القارئ متطهراً من الحدث الأصغر جمعياً بين النصوص الواردة في ذلك.
2 - إن الجنب ليس له أن يقرأ القرآن ولا آية وذلك بتكليف الشارع له بالطهارة والتي هي في مقدوره وتحت استطاعته. نعم حديث علي كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يحجزه عن القرآن شيء إلا الجنابة. ضعيف كما قرر أهل الفن لكنه يتقوى بما ورد في مسند أحمد ((لا ولا حرفاً)) فيرتقي لدرجة الحسن لغيره ويصبح صالحاً للاستدلال.
3 - يجوز للحائض قراءة القرآن من غير مس للمصحف لأن حدثها لم يكن باختيارها والحديث الوارد في منعها لا تقوم به حجة لشدة ضعفه وقيده بعض أهل العلم بمن تحفظ القرآن لأنها إذا منعت من القراءة مدة الحيض نسيت ما حفظت فيفوتها خير كثير والذي يبدو لي هو أن من كانت محتاجة إلى القراءة تدخل في هذا المعنى كالمعلمة والطالبة وما إلى ذلك لعدم قيام الدليل على المنع وإنما قيدناه بالحاجة خروجاًَ من الخلاف.
4 - لا يجوز للمحدث مس المصحف سواء كان حدثه أكبر أو أصغر وعليه جماهير أهل العلم لوجود الدليل المانع على ما بينا ولا يدخل في المنع غير المصحف مما فيه قرآن ككتب الفقه والتفسير وألواح الصبيان والنقود المضروب عليها شيء من القرآن لأنها لا يطلق عليها اسم المصحف والنهي إنما هو عن المصحف كما يفيده ظاهر النصوص.
5 - إن الطهارة شرط لصحة الطواف على القول الراجح عند الجمهور ويرى الحنفية والحنابلة في إحدى الروايتين أنها ليست شرطاً فيصح بدونها ويجبره الدم عند الحنفية.
والذي يفيده ظاهر النصوص هو اشتراطها وقيده بعضهم بعدم الضرورة ولهذا أجازوا طواف الحائض إذا لم يكن في مقدورها فعله في حال طهرها وقد عرفت هذا مفصلاً آنفاً وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
ملحوظة: فرغت من إعداد هذا الكتاب في تمام الساعة الثامنة والربع مساء من ليلة الأحد العاشر من الشهر السابع لعام خمس وأربعمائة ألف من الهجرة.(4/74)
الطهر في أداء فرض الظهر
Oعويد عياد المطرفي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - ظهر
خلاصة البحث
والحاصل من هذا البحث أن حديث زيد بن أرقم الذي استدل به القائلون بجواز القعود عن حضور الجمعة لمن حضر العيد إذا اجتمع العيدان في يوم واحد لمن يشاء ذلك حديث صحيح الإسناد على ما بيناه من وجوه القول في تصحيحه، ونصر قول من حكموا بتصحيحه وصحته من أهل العلم بالحديث. وكذلك حديث أبي هريرة الذي استشهد له به الحاكم.
وقد بان في هذا الحديث لكل ذي عينين من أهل الفكر، والدين، والنظر بطلان القول بسقوط فرض الظهر عمن قعد عن الجمعة لحضوره العيد في يوم اجتماع العيدين في يوم واحد؛ لأنه أحد الصلوات الخمس المفروضة، التي لا يسقط فرض منها عن المسلم المتأهل في حال من الأحوال على ما سبق أن بيناه في بحثنا هذا.
والله الهادي إلى سواء السبيل(4/75)
التأخير وأحكامه في الفقه الإسلامي
Oمحمد بن عبدالكريم العيسى
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة: الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً، كما يحب ربنا ويرضى.
أما بعد: فهذه خاتمة الرسالة معقودة في أهم وأبرز نتائجها التي توصلت إليها غب كل مسألة تكون بين يدي القارئ خلاصة معتصرة لها سلكت فيها مسلك السرد على نظام الفقرات ليسهل تناولها فدونكما:
1 - الموالاة في الوضوء والتيمم واجبة مع الذكر، والقدرة ساقطة مع النسيان، ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت.
2 - الأفضل تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن تيقن حصول الماء وقتئذ، أو غلب على ظنه.
3 - الأفضل تأخير التيمم إلى وسط الوقت لمن شك في حصوله على الماء.
4 - يجوز تأخير الغسل الواجب ما لم يفض إلى الإخلال بواجب لا تصح تأديته إلا بالغسل.
5 - يجوز للحائض تأخير غسل الجنابة حتى تطهر إلا أن تريد قراءة القرآن، فتغتسل ليرتفع حكم الجنابة وإن بقيت حائضاً. 6 - يستحب تأخير صلاة الظهر إلى الإبراد مطلقاً.
7 - يستحب تأخير صلاة الظهر للغيم.
8 - لا يستحب تأخير صلاة العصر عن أول وقتها بل المستحب تقديمها فيه.
9 - لا يجوز تأخير صلاة العصر إلى وقت الضرورة، وهو يبدأ من حين اصفرار الشمس.
10 - يجوز تأخير صلاة المغرب إلى غياب الشفق الأحمر. 11 - يستحب تأخير صلاة العشاء إلى ثلث الليل وإلى نصفه ما لم يشق.
12 - لا يجوز تأخير صلاة العشاء إلى وقت الضرورة وهو يبدأ بمضي نصف الليل.
13 - يستحب الدخول في صلاة الفجر بغلس والخروج منها بإسفار.
14 - يكره تأخير صلاة الفجر بعد الإسفار.
15 - يجب تأخير صلاة الفجر للغيم حتى يعلم دخول وقتها إذا لم يتيسر معرفة الوقت.
16 - لا يستحب الإبراد بصلاة الجمعة.
17 - يجب تأخير صلاة الجمعة للغيم حتى يعلم دخول وقتها إذا لم يتيسر معرفة الوقت عند من يرى أن وقتها وقت الظهر، ولا تؤخر لذلك عند من يرى أن وقتها وقت صلاة العيد.
18 - لا يجوز تأخير الصلاة المفروضة عن وقتها بلا عذر، ومن فعله فقد أتى باباً من الكبائر.
19 - لا حرج على من أخر الصلاة المفروضة عن وقتها لعذر.
20 - لا يجوز تأخير قضاء فائتة الصلاة المفروضة "القضاء على الفور".
21 - يستحب تأخير الوتر إلى السحر لمن وثق بالقيام عنده.
22 - لا يجوز تأخير صلاة الوتر إلى طلوع الفجر ومن أخر ففعله قضاء لا أداء.
23 - لا يجوز تأخير سنة المكتوبة القبلية بعدها.
24 - المستحب فعل التراويح أول وقتها – بالعشاء أول الليل – ولا يستحب تأخيرها آخر الليل على أنه يجوز مدها وتأخيرها بعد نصف الليل إذا فعلت بالعشاء.
25 - يستحب تأخير صلاة عيد الفطر وقتاً يسع الناس فيه أن يؤدوا زكاة الفطر.
26 - لا يجوز تأخير دفن الميت – إذا تيقن موته – سواء كان التأخير من عدم البدار بتجهيزه أم الصلاة عليه، أم تركه وقتاً بعدها، أم عدم السرعة في حمله إلى قبره.
27 - تستحب تعزية الميت قبل الدفن وبعده حسب الحال والمصلحة، فإن اقتضيا التعزية قبل الدفن فالأفضلية في ذلك إلا كانت بعده.
28 - يجوز تأخير التعزية بعد ثلاثة أيام ولا حد لها على أن يتوخى أن المعزى لا يزال حزيناً.
29 - لا يجوز تأخير إخراج الزكاة عن وقت وجوبها لغير عذر.
30 - يجوز تأخير إخراج الزكاة لعذر كانتظار الأحوج، أو القريب المحتاج – عدا زكاة الفطر -.
31 - يحرم تأخير إخراج زكاة الفطر بعد صلاة العيد.
32 - يجوز تأخير زكاة الدين حتى القبض سواء رجي أداؤه أم لم يرج.
33 - لا يجوز تأخير نية صوم الفرض إلى طلوع الشمس. 34 - يجوز تأخير نية صوم التطوع إلى طلوع الفجر.
35 - يجوز تأخير نية صوم التطوع إلى الزوال.(4/76)
36 - يستحب للمسافر أن يؤخر الصوم حيث كان أيسر له وإلا فلا.
37 - يحرم الفطر للمريض غير المتضرر بالصوم.
38 - يحرم الصوم لمن خشي به تلفاً.
39 - المرض المبيح للفطر الشديد الذي يزيد بالصوم أو يخشى تباطؤ برئه به.
40 - يلحق بالمريض ما في حكمه ممن يتضرر بالصوم فيترخص بتأخير الصوم كمن غلبه الجوع أو العطش فخاف على نفسه.
41 - يجب على الحامل والمرضع تأخير الصوم إذا خافتا على النفس أو الولد.
42 - يجوز للجنب أن يؤخر الغسل إلى فجر الصيام.
42 - يجوز للجنب أن يؤخر الغسل إلى فجر الصيام.
43 - يجوز للحائض والنفساء أن تؤخرا غسلهما إلى فجر الصيام.
44 - يجوز تأخير قضاء صوم رمضان ما لم يبلغ به رمضان آخر.
45 - لا يجوز تأخير قضاء صوم رمضان إلى رمضان آخر بلا عذر.
46 - يحرم تأخير السحور ما لم يخش طلوع الفجر.
48 - يستحب تعجيل الفطر بعد تحقق الغروب.
49 - يكره الوصال إلا إلى السحر فيجوز.
50 - لا يجوز تأخير الحج بعد وجوبه.
51 - لا يجوز لمريد النسك أن يؤخر الإحرام عن الميقات، ومن أخر فعليه دم ويأثم إن تعمد.
52 - من أخر الوقوف بعرفة إلى الليل فقد ترك السنة ولا شيء عليه.
53 - يكره ترك تأخير صلاة المغرب ليلة عرفة إلى وقت صلاة العشاء، وتأخير أدائهما جميعاً إلى حين الوصول إلى المزدلفة.
54 - تجوز مخالفة الترتيب بين أعمال يوم النحر.
55 - يجوز تأخير رمي جمرة العقبة يوم النحر إلى الزوال وإن كان خلاف الأفضل.
56 - يجوز تأخير رمي الجمار إلى الليل في أيام منى الثلاثة لمن له عذر كالرعاة والسقاة ومن في حكمهم.
57 - لا يجوز تأخير رمي الجمار إلى ليل اليوم الرابع وهو آخر أيام التشريق.
58 - يجوز تأخير رمي الجمار إلى الليل بلا عذر.
59 - لا يجوز تأخير رمي يوم إلى ما بعده لغير عذر.
60 - تجب الموالاة بين رميات الجمرة الواحدة.
61 - تجب الموالاة بين رمي جمرات أيام التشريق.
62 - يجوز تأخير نحر الهدي إلى آخر أيام التشريق.
63 - يجوز تأخير نحر الهدي إلى الليل.
64 - لا يجوز تأخير صوم ما يجب في الحج من صيام بدل الهدي إلى أيام التشريق، وذلك بالنظر إلى النصوص الصريحة، وبالنظر إلى صناعة علم الحديث يجوز صومها.
65 - يجوز تأخير الحلق أو التقصير عن أيام منى وهو خلاف المستحب.
66 - يجوز تأخير بعض أشواط الطواف عن بعض تأخيراً يسيراً.
67 - لا يجوز تأخير بعض أشواط الطواف عن بعض كثيراً يخل بالموالاة عرفاً إلا لعذر، ومن أخر لغيره بطل طوافه واستأنف.
68 - يجوز تأخير طواف الإفاضة عن أيام التشريق ما لم ينسلخ شهر ذي الحجة.
69 - يجوز تأخير السعي عن الطواف تأخيراً يسيراً.
70 - لا يجوز تأخير السعي عن الطواف كثيراً.
71 - يجوز تأخير بعض أشواط السعي عن بعض تأخيراً يسيراً.
72 - لا يجوز تأخير بعض أشواط السعي عن بعض كثيراً يخل بالموالاة عرفاً.
73 - يجوز تأخير سعي الحج عن يوم النحر إلى أيام التشريق.
74 - يجوز تأخير سعي الحج عن أيام التشريق ما لم ينسلخ شهر ذي الحجة.
75 - يجوز تأخير النفر من منى إلى ثالث أيام التشريق وهو اليوم الرابع من أيام منى وهو الأفضل.
76 - يجب على الإمام المقيم للمناسك أن يتأخر في النفر من منى إلى ثالث أيام التشريق.
77 - لا يجب على أهل مكة أن يتأخروا في النفر من منى إلى ثالث أيام التشريق.
78 - لا يجوز تأخير النفر من منى بعد الغروب لمن أراد أن يتعجل.
79 - لا يجوز تأخير قضاء الحج والعمرة عن العام القابل.
80 - يجوز تأخير الأضحية إلى آخر أيام التشريق.
81 - يجوز تأخير الأضحية إلى الليل.
82 - يجوز تأخير العقيقة عن اليوم السابع بلا حد.(4/77)
83 - لا يجوز تأخير الجهاد بعد قيام أسبابه سواء كان دفاعاً لمداهمة العدو ديار المسلمين أم ابتداء لإعلاء كلمة الله ونشر الإسلام.
84 - لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها للجهاد.
85 - يكره تأخير قسمة الغنائم إلى دار الإسلام.
86 - لا يجوز تأخير الاستثناء في اليمين أو النذر بل يجب أن يكون متصلاً بهما لا يفصله كلام أجنبي ولا يسكت سكوتاً يمكن الكلام فيه إلا إذا كان السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو أي عارض.
87 - لا يجوز تأخير الوفاء باليمين – إذا كان طاعة – أو النذر المقيدين عن وقتهما المحدد، ومن أخر قضى.
88 - يجوز تأخير الوفاء باليمين – إذا كان طاعة – أو النذر المطلقين مع استحباب المبادرة بهما.
89 - لا يجب تأخير كفارة اليمين عن الحنث ويجوز تقديمهما عليه.
90 - لا يجوز تأخير أداء الكفارات عن وقت وجوبها فتجب على الفور إلا لعذر ما عدا كفارة الظهار فتجب وجوباً موسعاً إلى أن يريد المظاهر العود فيكفر قبل أن يتماسا.
91 - يجوز تأخير القبول بعد الإيجاب ما دام العاقدان في المجلس وبمعنى آخر يجوز التراخي في القبول.
92 - لا يجوز اشتراط تأخير التسليم في بيوع الأعيان القائمة.
93 - يجوز التفرق للمتبايعين في غير الربوي دون تقابض بلا اشتراط.
94 - يجوز اشتراط تأخير تسليم الثمن في غير الربوي وبيع السلم.
95 - يجوز اشتراط تأخير تسليم المثمن غير الربوي وبيع السلم.
96 - يجوز اشتراط تأخير تسليم الثمن والمثمن في غير الربوي وبيع السلم.
97 - لا يجوز بيع ما يسمى بالبيوع الآجلة في السوق المالية "البورصة" على النحو الذي فيه بيع الإنسان ما ليس عنده ويتضمن غرراً.
98 - يجوز تأخير القبض في بيع الصفة المعين.
99 - لا يجوز تأخير القبض في بيع الصفة غير المعين.
100 - لا يجوز تأخير تسليم الثمن في الإقالة.
101 - يجوز اشتراط تأخير الخيار عن ثلاثة أيام إلى مدة معلومة.
102 - يجوز تسليم المشتري الثمن والبائع المثمن مدة الخيار وأن تأخير ذلك إلى انتهاء مدة الخيار ليس بلازم.
103 - لا يجب تأخير من له الخيار الفسخ إلى حضور صاحبه فله أن يفسخه في غيبته.
104 - يجوز تأخير الرد بالعيب في البيع فهو على التراخي لا الفور على أن يقيد ذلك بعدم تفاحش التراخي، وعدم التصرف في المبيع بما يدل على الرضا فإن كان ذلك بطل الخيار.
105 - يجوز تأخير الرد بالمصراة ثلاثة أيام فحسب.
106 - لا يجوز النسأ – التأخير – إذا اتحدت العلة والجنس في مثل بيع الذهب بالذهب، والبر بالبر.
107 - لا يجوز النسأ – التأخير – في بيع العرايا.
108 - يحرم النسأ – التأخير – إذا اتحدت العلة واختلف الجنس كبيع الذهب بالفضة، والبر بالشعير.
109 - يجوز النسأ – التأخير – إذا اختلفت العلة بأن كان أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً كبيع أحد النقدين بأحد الأصناف الأربعة.
110 - يجوز النسأ – التأخير – إذا لم يكن أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً كبيع اللحم بالبر.
111 - لا يجوز تأخير القبض في الربوي المعين مطلقاً.
112 - يجوز النسأ – التأخير – فيما انتفت عنه علة ربا الفضل سواء بيع بجنسه أم بغيره كالحيوان والثياب ونحو ذلك.
113 - لا يجوز تأخير قطع الثمرة المباعة قبل بدو صلاحها.
114 - يجوز اشتراط تأخير قطع الثمرة المباعة بعد بدو الصلاح إلى أوان الجذاذ.
115 - لا يجوز تأخير تسليم رأس مال السلم عن مجلس العقد.
116 - لا يجوز السلم في الحال بل يشترط أن يكون مؤخر التسليم بضرب الأجل.
117 - يجوز تأخير رأس المال في الاستصناع عن مجلس العقد، ويجوز تعجيله فلا يشترط حلول ولا تأخير عكس السلم.
118 - يجوز ضرب الأجل في المستصنع ويجوز عدمه عكس السلم.(4/78)
119 - لا يجوز تأخير تسليم الأجرة؛ فالأجرة تستحق بنفس العقد فيملك المؤجر الأجرة كاملة في وقت العقد إلا أن يشترطا أجلاً.
120 - يجوز تأخير تسليم العين المؤجرة، وبمعنى آخر لا يشترط أن تلي مدة الإجارة العقد وإن أطلقت كانت حالة.
121 - لا يجوز اشتراط تقديم الجعل وإذا شرط فسد العقد واستحق العامل أجرة المثل ويجوز النقد بغير شرط.
122 - لا يجوز تأخير الأخذ بالشفعة فهي على الفور ومن أخر بطل حقه منها.
123 - لا يجب تأخير شفعة الصبي حتى بلوغه ولوليه اختيار الأصلح من الأخذ بها أو تركها.
124 - لا يجب تأخير ثمن المشفوع فيه فيما إذا اشترى رجل شقصاً بثمن مؤجل وحضر الشفيع مطالباً بالشفعة فللشفيع أن يأخذ الشقص بالأجل نفسه حالاً إذا كان مليئاً وإلا وثقه برهن، أو ضمان.
125 - يجوز تأخير القبول عن الإيجاب في النكاح ما دام العاقدان في المجلس فهو على التراخي لا الفور.
126 - لا يجوز تأخير النكاح لمن طاله وإن لم يخش العنت.
127 - لا يجوز للولي تأخير تزويج موليته إذا تيسر لها الكفء.
128 - يجوز للمرأة إذا عقد عليها أن تؤخر تسليم نفسها لزوجها حتى يعطيها صداقها المعجل.
129 - يجوز تأخير الرد بالعيب في النكاح فهو على التراخي لا الفور.
130 - لا يجوز تأخير تسليم الصداق للزوجة إذا تعين لها.
131 - يجوز أن يؤخر الصداق بشرط كله أو بعضه.
132 - لا يجوز تأخير الاستثناء والتعليق في الطلاق بل يجب أن يكون متصلاً بهما لا يفصله كلام أجنبي ولا يسكت سكوتاً يمكنه الكلام فيه إلا إذا كان السكوت لانقطاع نفسه أو صوته أو أي عارض.
133 - لا يجوز تأخير نفقة الزوجة إذا وجبت لها.
134 - لا يجوز للزوجة المطالبة بالنفقة المؤخرة؛ إذ نفقتها تسقط بمرور الزمان إلا أن يكون القاضي فرض لها النفقة أو صالحت الزوجة على مقدار فيها.
135 - لا يجوز تأخير نفقة القريب.
136 - لا يجوز للقريب المطالبة بالنفقة المؤخرة؛ إذ نفقته تسقط بمرور الزمن.
137 - لا يجوز تأخير نفقة الرقيق عنه.
138 - لا يجوز تأخير نفقة البهائم عنها، وتسقط بمرور الزمان، فلا يرجع من أنفق عليها بها على صاحبها.
139 - يجب تأخير قسمة التركة للحقوق المتعلقة بها.
140 - يجب تأخير جميع الحقوق المتعلقة بالتركة حتى الانتهاء من مؤن التجهيز.
141 - يجب تأخير قسمة التركة حتى الانتهاء من سداد الديون وإنفاذ الوصية.
142 - يجب تأخير إنفاذ الوصية حتى الانتهاء من سداد الديون.
143 - يجب تأخير حق العبد حتى الانتهاء من حق الله تعالى.
144 - لا يجوز تأخير قسمة التركة لاتضاح حال الخنثى المشكل بل تقسم ويراعى الاحتياط.
145 - لا يجوز إلزام الورثة بتأخير قسمة التركة لوضع الحمل بل يمكنون من ذلك مع أخذ الاحتياط فيها وإن كان الأفضل تأخيرهم القسمة.
146 - يجب تأخير قسمة مال المفقود مدة أربع سنين منذ فقد سواء كان وارثاً أم مورثاً إذا كان غالب حاله الهلاك، أما إذا كان غالب حاله السلامة فتؤخر القسمة حتى يتيقن موته أو ينقضي عليه مدة لا يعيش في مثلها وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم.
147 - يجوز اشتراط تأخير تسليم القرض إلى أجل ويلزم المقرض به.
148 - يجوز اشتراط تأخير تسليم العارية إلى أجل وهو ملزم للمعير فلا يجوز أن يأخذها قبل مضي الأجل المضروب.
149 - لا يشترط القبول في الوقف فيصح ولو لم يكن، وعليه ينتفي القول بفورية القبول وعدم تأخيره من عدمه.
150 - لا يجوز تأخير الواقف شرطه عن إيقافه.
151 - يجوز تأخير قبول الهبة ما دام العاقدان في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه عرفاً.
152 - لا يجوز تأخير الوصية الواجبة وبخاصة إلى زمن المرض بل يجب المبادرة بها.(4/79)
153 - يجب تأخير قبول الوصية بعد موت الموصي فلا اعتبار لقبول الموصى له ولا رده في حياة الموصي.
154 - لا يجب الفور في قبول الوصية بعد الموت فيجوز التراخي.
155 - لا يجوز تأخير القبول في الوكالة إذا مضى العرف بذلك، وإلا جاز.
156 - يجوز بيع الوكيل بالتأخير - النسأ – إذا مضى العرف بذلك أو قامت قرينة من قرائن الأحوال عليه وإلا فلا.
157 - إذا قيد الوكيل في الوكالة بالبيع بشيء تقيد به ومن ذلك المنع من البيع بالتأخير، وإذا سمح له به جاز له.
158 - لا يجوز شراء الوكيل بالتأخير – النسأ – إذا تضمن زيادة في الثمن لقاء الأجل.
159 - إذا قيد الوكيل في الوكالة بالشراء بشيء تقيد به ومن ذلك المنع من الشراء – بالتأخير – وإذا سمح له به جاز له.
160 - يجوز للوكيل أن يشتري بالتأخير – النسأ – بثمن الحال ولو لم يؤذن له.
161 - يجب تأخير فسخ الوكالة حتى إعلام الوكيل.
162 - يجب تأخير فسخ الوكالة حتى انتهاء تعلق حق الغير بها.
163 - يجب تأخير فسخ الوكالة حتى الانتهاء من مناشبة الخصوم إذا نوشبوا ثلاث مرات فأكثر.
164 - يجب تأخير فسخ الوكالة إذا كانت بأجرة.
165 - يجب تأخير فسخ الوكالة إذا لزم من ذلك ضياع المال.
166 - يجوز تأخير القبول في عقد الشركة بعد الإيجاب فهو على التراخي لا الفور.
167 - يجوز تأخير تسليم رأس مال الشركة عن مجلس العقد ولا يشترط إحضاره إلا عند الشراء.
168 - لا يجوز للشريك أن يبيع بالتأخير – النسأ – إذا مضى العرف بذلك أو قامت قرينة من قرائن الأحوال في الإذن على المنع وإلا جاز.
169 - إذا قيد الشريك في البيع بشيء تقيد به ومن ذلك المنع من البيع بالتأخير، وإذا سمح له به جاز له.
170 - لا يجوز للشريك أن يشتري بالنسأ إذا تضمن زيادة في الثمن لقاء الأجل بلا إذن.
171 - إذا قيد الشريك في الشراء بشيء تقيد به ومن ذلك المنع من البيع بالتأخير وإذا سمح له به جاز له.
172 - لا يجوز للشريك أن يشتري بالنسيئة عند إطلاق عقد الشركة.
173 - يجب تأخير فسخ الشركة إذا تضمن ضرراً حتى ينتفي على نحو ما هو مفصل في الوكالة قريباً.
174 - يلزم من تأخير الدين عن المكفول تأخيره عن كفيله.
175 - لا يلزم من تأخير الدين عن الكفيل تأخيره عن مكفوله.
176 - لا يجوز تأخير الدين عن المكفول إلا برضا الكفيل.
177 - لا يجوز تأخير أداء شهادة الحسبة فإن التقادم فيها مانع من سماعها ما لم يكن الباعث على التأخير عذر
شرعي.
178 - لا يجوز تأخير أداء الشهادة في حق الآدمي عن طلبها إلا لعذر.
179 - لا يضر تأخير إحضار البينة بل لو حلف المدعي عليه على نفي الدعوى بعد العجز عن إحضار البيئة ففصل الحاكم فيها ثم أحضر المدعي بينة على صحة دعواه حكم بها ولا يضر هذا التأخير.
180 - يجوز إعطاء المدعي مهلة لتأخير إقامة بينته وأمدها عائد إلى الحاكم.
181 - تسمع بينة المدعي إذا أخرها عن طلبها ولو قال وقتئذ لا بينة لي.
182 - لا يجوز تمكين المدعي من طلب يمين المدعى عليه وتأخير بينته بعدها.
183 - تسمع بينة الدفع من المدعى عليه ولو أخرها بعد حلف المدعي بعد أن ردت اليمين عليه لنكوله.
184 - لا يجب تأخير القصاص حتى بلوغ الصغير إذا كان من أولياء الدم وللورثة المكلفين استيفاؤه دون انتظار الصغار.
185 - لا يجب تأخير القصاص حتى بلوغ الصغير إذا كان ولي الدم ولوليه أو وصيه المطالبة بالقصاص واستيفاؤه، أو العفو إلى الدية حسب ما يراه أصلح.
186 - لا يجب تأخير القصاص لانتظار إفاقة المجنون إذا كان من أولياء الدم وللورثة المكلفين استيفاء القصاص دونه.(4/80)
187 - لا يجب تأخير القصاص لانتظار إفاقة المجنون إذا كان ولي الدم ولوليه أو وصيه أن يطالب بالقصاص ويستوفيه، أو يعفو إلى الدية حسب ما يراه أصلح.
188 - يجوز الاقتصاص من الجاني إذا جن، ولا يؤخر حتى إفاقته على أن يقيد هذا بقيدين:
أ- ثبوت جنونه.
ب- ألا يجن قبل الحكم.
189 - يجب تأخير القصاص لانتظار الغائب مطلقاً إذا كان غير مفقود ويظهر من غيبته عدم الطول أو تيسر الاتصال به.
190 - لا يجب تأخير القصاص لانتظار الغائب إذا كان من أولياء الدم سواء كان الغالب من فقده السلامة أم عدمها وللحاضرين القصاص.
191 - لا يجب تأخير القصاص لانتظار الغائب إذا كان ولي الدم بل إن الأمر راجع إلى الحاكم فيجتهد رأيه حسب ما يراه أصلح من الانتظار مدة يضربها أو القصاص فيكون ولي الدم عن الغائب.
192 - يجب تأخير القصاص لدخول الجاني الحرم إذا أتى الجناية خارجه.
193 - لا يجب تأخير القصاص لدخول الجاني إذا أتى الجناية داخله بل يقاد فيه بها.
194 - يجب تأخير إقامة الحدود والقصاص في دار الحرب حتى القفول إلى دار الإسلام سواء خشي اللحوق بدار الحرب أم لا.
195 - يجب تأخير القصاص احتياطاً للسرية.
196 - لا يجوز تأخير القصاص في النفس لمرض ولا حر ولا برد.
197 - يجب تأخير القصاص فيما دون النفس للمرض والحر والبرد الشديدين إذا تعذر الحصول على مصادر التدفئة أو التبريد.
198 - يجب تأخير القصاص سواء في النفس أم دونها على الحامل حتى تضع ولدها ثم ترضعه حتى تفطمه إلا إذا وجد من تكلفه ذلك.
199 - دية قتل العمد تجب حالة في مال الجاني ولا تؤخر.
200 - تجب دية قتل شبه العمد على العاقلة مؤخرة في ثلاث سنين.
201 - تجب دية قتل الخطأ على العاقلة مؤخرة في ثلاث سنين.
202 - يجب تأخير إقامة الحد للمرض والحر والبرد الشديدين إذا تعذر الحصول على مصادر التدفئة أو التبريد.
203 - يجب تأخير إقامة الحد على السكران حتى يصحو.
204 - يجب تأخير إقامة الحد على المرتد حتى استتابته عدا من تغلظت ردته فيجوز قتله من غير استتابة.
205 - لا حد لمدة استتابة المرتد ولو لزم من كشف شبهته تأخير الحد أيام طويلة.
206 - لا يجوز تأخير إقامة الدعوى بعد قيام المقتضى؛ إذ التقادم يمنع من سماعها وذلك قضاء فقط، أما الحق نفسه فإنه باق ديانة وهو قديم لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء فلا يكسب مضي الزمن ملكية ولا يسقط حقاً مشروعاً.
207 - يجوز تأخير الحكم في الدعوى لرجاء الصلح خاصة بين الأقارب وذلك مندوب.
208 - يجب تأخير الحكم في الدعوى إذا استمهل المدعي.
209 - يجب تأخير الحكم في الدعوى إذا كان عند القاضي ريبة حتى تكشف.
210 - يجب تأخير الحكم في الدعوى للأعذار والتأجيل والتعجيز.
211 - يجب تأخير يمين المستحلف إذا طلب ذلك للتحقق ومراجعة الحساب ونحو ذلك فيمهل له وهو على يمينه.
212 - لا يجوز تأخير بذل اليمين عن طلبها بلا عذر فإن أخر من توجهت عليه قضي عليه بالنكول ولا محل لليمين فيما بعد الحكم.
213 - يجب تأخير يمين الصبي حتى يبلغ.(4/81)
الترجيح في مسائل الصوم والزكاة
Oمحمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الهجرة - الخبر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة
انتهيت من بحث المهمات من مسائل الصوم والزكاة، إلى النتائج التالية، التي تعتبر تلخيصاً للراجح فيها:
بالنسبة لمسائل الصوم:
- إنه لابد من شهادة اثنين من المسلمين العدول لإثبات رؤية هلال رمضان، كسائر الشهور.
- فإن غم الهلال أكمل شهر شعبان ثلاثين يوماً.
- ولا يجوز صيام يوم الشك مطلقاً؛ سواء غم الهلال آخر شعبان أم لا.
- ولا عبرة في إثبات هلال الشهر بغير ذلك (أعني: الرؤية، أو إكمال شهر شعبان ثلاثين يوماً)، فلا عبرة بالحساب الفلكي.
- ولابد في صيام كل يوم من تبييت النية في ليلته قبل الفجر، ويكفي في تبييت النية أي شيء يفعله المسلم من أجل الصيام غداً، وهذا الحكم (أعني: تبييت النية) مطلق في صوم الفرض أو النفل.
- والحيض والنفاس يمنعان المرأة من الصوم فلا يصح صومهما وعليهما القضاء.
- والمرأة الحامل والمرضع لها أن تفطر وتطعم عن كل يوم مسكيناً ولا قضاء عليها.
- ويجوز الصوم في السفر.
- والأفضل الفطر في السفر، سواء في رمضان أم غيره، وسواء شق السفر أم لا، وسواء طال السفر أم قصر. ومن أفطر في السفر عليه القضاء.
- وإذا مضى عام ودخل رمضان، ولم يتمكن المسلم من قضاء ما عليه، فإنه يصوم رمضان، فإذا أفطر أيام العيد يشرع في قضاء ما عليه ولا يلزمه غير ذلك.
- ويجوز صيام التطوع لمن عليه قضاء، إذا لم يضيق عليه الوقت.
- ويجوز صيام يوم السبت مقترناً بغيره، وعلى غير وجه التخصيص.
- وإنزال المني عمداً يفطر ويوجب القضاء.
وبالنسبة لمسائل الزكاة:
- إن الزكاة المفروضة لا تجب في حلي المرأة المستعملة، وإنما يجب مطلق الصدقة، ولو بعاريتها.
- وتجب الزكاة في عروض التجارة.
- والأصل إخراج الزكاة من جنس ما وجبت فيه ويجوز إخراجها بالقيمة، للضرورة والمصلحة الراجحة.
- ولا يجب استيعاب الأصناف الثمانية في مصارف الزكاة.
- ويجوز إعطاء الزكاة المفروضة للأقارب المساكين والفقراء، بشرط: اتصافهم بذلك حتى بعد النفقة عليهم، وبشرط أن لا تحتسب من النفقة إذا وجبت نفقتهم على المزكي.
- والراجح أن "الحج" يدخل في مصرف "سبيل الله" فيشمل: الغزاة والحجاج.
- والأصل أنه لا يجوز نقل الزكاة من بلد المال إلا بعد اكتفائهم منها، فتنقل إلى الأدنى فالأدنى، وللإمام في ذلك العمل بحسب المصلحة في رعيته.
- وزكاة الفطر تخرج قبل صلاة العيد بيوم أو يومين، ولا يجوز تقديمها على ذلك، ولا تأخيرها عن صلاة العيد.
- مصرف زكاة الفطر هو مصرف الزكاة المفروضة، إلا إنها لا تصرف للمؤلفة قلوبهم لأن شأن هذا السهم للإمام، لا للأفراد من المسلمين، ولا تصرف للعاملين عليها لأن المسلم يصرف زكاة الفطر بنفسه أو من يوكله فلا عاملين عليها.
هذه خلاصة نتائج المسائل المهمة في الصوم وفي الزكاة، التي بحثت في هذا الكتاب. وبها يتم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وصلى اللهم على محمد وعلى آل محمد وبارك على محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.(4/82)
الترجيح في مسائل الطهارة والصلاة
Oمحمد بن عمر بن سالم بازمول
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الهجرة - السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه عبادات منوعات
الخاتمة
أذكر فيها أهم النتائج التي انتهى إليها بحث المسائل التي هي موضوع الكتاب
بالنسبة لمسائل الطهارة:
انتهى البحث إلى أن الماء طهور لا ينجسه شيء إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه بنجاسة فعندها يكون الماء نجسا، وأن هذا الحكم يشمل الماء الكثير والقليل إلا الماء القليل الذي ولغ فيه الكلب فإن له حكمه الخاص بالنص الثابت في ذلك.
كما قرر أن عين الخمر طاهرة ليست بنجسة، وأنه لا دليل صحيح على الحكم بنجاسة الخمر عينا.
وانتهى البحث إلى أن حكم الرجلين في الوضوء الغسل إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان، وأنه يمسح على الخفين والجوربين إذا لبسهما المسلم على طهارة.
كما انتهى البحث إلى تقرير أن الترتيب بين أعضاء الوضوء المذكورة في الآية على الوجوب، لا الشرطية، ولا مجرد السنية.
وقرر البحث أن مس الذكر يستحب معه الوضوء ولا يجب لأنه ليس بناقض على الأرجح.
وقرر أن لمس المرأة باليد لا ينقض الوضوء مطلقا.
وانتهى البحث إلى أن الطهارة لا تشترط في الطواف، وأن الطواف بدونها صحيح.
وقرر وجوب الطهارة للمس المصحف.
كما انتهى البحث إلى أنه لا يجوز للحائض ولا للجنب الجلوس في المسجد، إلا المرور فقط، ويجوز للجنب اللبث في المسجد بعد الوضوء ولو لم يغتسل.
وقرر جواز جماع المرأة إذا انقطع دم الحيض وغسلت المحل.
وبالنسبة لمسائل الصلاة:
انتهى البحث إلى تقرير أن آخر وقت صلاة العشاء ما لم يدخل وقت الفجر.
وقرر أن التثويب في الأذان للصبح إنما يكون في الأذان الذي تعقبه الإقامة.
وانتهى إلى أن السترة من السنن المؤكدة في الصلاة، وأن من عبر من أهل العلم بالوجوب لم يرد الوجوب الاصطلاحي، الذي يلزم منه إثم أو عدم صحة العبادة عند من تعمد تركه.
وقرر البحث أن التسوية والتراص في صف الصلاة من السنن المؤكدة، وأن الزاق القدم بالقدم والكتف بالكتف والكعب بالكعب والركبة بالركبة من سنن التراص إذا لزم فعلها من أجل حصوله، بدون ضرر أو إضرار.
وقرر وجوب الفاتحة على الإمام والمأموم والمنفرد في السرية والجهرية.
وانتهى إلى أن المأموم يقول آمين عقب بدء الإمام بقول آمين.
وقرر البحث أن وضع اليدين في القيام بعد الركوع على الصدر غير مشروع.
وأن الهوي إلى السجود يكون بتقديم اليدين على الركبتين.
وأن من السنة رص العقبين في السجود.
وقرر عدم مشروعية الإشارة بالإصبع بين السجدتين.
ومشروعية الإشارة والحركة الخفيفة بالأصبع الشاهد في التشهد.
وانتهى إلى مشروعية الإستواء قاعدا في الركعات الوتر من الصلاة مطلقا.
وأن النهوض في الصلاة على هيئة العاجن من السنن الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم.
وأن التورك في الصلاة ذات التشهد الواحد لم يأت دليل عليه.
وأن إخراج القدم اليسرى من تحت الساق اليمنى في الجلوس للتشهد الثاني من السنن.
وأن سجود السهو يكون عقب السلام إلا في موضعين انثين هما: عند حصول الشك الذي لم يترجح فيه أحد الطرفين، وعند القيام من التشهد الأوسط، وعدم الجلوس له.
وقرر البحث أن الجماعة لا يشترط لها المسجد.
وقرر البحث أن القنوت مشروع في صلاة الوتر طوال العام، وأنه يشرع ترك المداومة عليه في النصف الأول من رمضان أو تركه، كما يشرع المداومة على فعله في النصف الآخر من رمضان.
وأن قنوت النازلة مشروع بعد الركوع من الركعة الأخيرة في الصلوات الخمس المكتوبة، إذا نزلت نازلة بالمسلمين، وأمرهم بذلك الإمام (الحاكم) أو نائبه.
وقرر أن تارك الصلاة كسلا وتهاونا مع إقراره بها، وبوجوب التزامها غير كافر، وأن من ترك الصلاة جحودا وعنادا كافر، وأن من صوره من أصر على ترك الصلاة، وهو يعرض على السيف فأصر على الترك حتى قتل، ومن صوره من ترك الصلاة بالكلية، ومن صوره من لم يرى وجوب التزام الصلاة.
وقرر البحث أن عقد اليد اليمنى بالتسبيح هو السنة الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم.
هذه أهم النتائج الكتاب ولله الحمد والمنة.
اللهم صل على محمد وعلى أزواجه وذريته، كما صليت على آل إبراهيم وبارك على محمد أزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
تم الكتاب والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.(4/83)
الظروف المشددة المحققة في عقوبة التعزير في الفقه الإسلامي
Oناصر علي ناصر الخليفي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مطبعة المدني - مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تعزير - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة:
يمكن أن نحمل أهم نتائج هذا البحث فيما يلي:
1 - العقوبة علاج ضروري للجريمة، وليس الهدف منها مجرد الانتقام من المجرم، ولكن الهدف منها هو: حماية المجتمع من عدوان المعتدين، وتهذيب المعتدين أنفسهم، والحيلولة دون استمرار العدوان، فالعقوبة رحمة بالإنسان مطيعاً كان أو عاصيا، وهي من مقتضيات العدالة الإلهية، وهي من موانع الجريمة قبل وقوعها، ومن الزواجر عن تكرارها بعد وقوعها، أي إن لها دورا وقائياً ودورا علاجيا في وقت واحد.
والإيمان بهذا الهدف الذي ترمي إليه العقوبة يجعلنا نسلم بما قضت به الشريعة من عقوبات على مختلف الجرائم، لأن الجرائم وزنت فيها بميزان قسط، فكان التشديد في محله، وكان التخفيف في محله، ولا مجال بعد ذلك لادعاء القسوة في العقوبات بالنسبة لبعض الجرائم، فالعقوبات مهما بلغت قسوتها ليست إلا رحمة في نهاية الأمر.
2 - بالنسبة لوسائل لتعزيز رجحنا أن عقوبة الجلد والنفي والحبس تعزيرا ليس لها حد مقدر لا تتعداه، بل هي تختلف تشديدا وتخفيفا باختلاف الظروف، وللقاضي سلطة واسعة في شأنها.
وفي مسألة القتل تعزيرا رجحنا جواز العقوبة بالقتل في بعض الجرائم الخطيرة التي لا يحسمها إلا القتل، ولكننا لا نرى التوسع في إباحة هذه العقوبة الخطيرة.
وفي العقوبات المالية توصلنا إلى وجوب التمييز بين التعزير بإتلاف المال، والتعزير بمصادرة المال الذي وقعت المعصية به أو فيه، وبين التعزير بأخذ المال (الغرامة)، فالأول والثاني جائزان عند كثير من الفقهاء، والثالث ممنوع عند جمهورهم، وقد رأينا جوازه في حدود ضيقة جدا، مع وجوب توفر شرطين لذلك:
أحدهما: أن لا تمكن معاقبة الجاني بوسيلة أخرى غير الغرامة.
وثانيهما: أن لا تكون الغرامة ذريعة لمصادرة أموال الناس، فأموال الناس محترمة، كدمائهم وأعراضهم، فلا تستباح إلا بمبيح قوي مأخوذ من الشرع.
3 - هناك علاقة قوية بين الظروف المشددة والمخففة وبين ما يسمى في الفقه الإسلامي بالسياسة الشرعية، وقد أثبتنا هذه العلاقة من خلال دراسة النصوص الفقهية الواردة في ذلك.
4 - أسباب تشديد العقوبة وتخفيفها متعددة.
منها: ما يتعلق بالمجرم من حيث خطورته، وكونه قدوة في الإجرام والفساد، وكونه داعية مروجا للجريمة، وكونه مجاهرا بها أو مستديما لاقترافها.
ومنها: ما يتعلق بالجريمة نفسها من حيث كثرتها وقلتها، وكبرها وصغرها، ومن حيث زمان ومكان وقوعها، ومن حيث أثرها.
ومنها: ما يتعلق بمن ارتكبت الجريمة في حقه، وعلى القاضي أن يدرس هذه الأسباب بشكل منسق متكامل، فيقابل سببا من أسباب التشديد بوجه من أوجه التشديد، وسببا من أسباب التخفيف بوجه من أوجه التخفيف، ثم يصدر العقوبة التي تناسبها تشديدا أو تخفيفا، وبذلك يكون حكمه صائبا متفقا مع روح الشرع وقواعده.
5 - للقاضي في الفقه الإسلامي سلطة تقديرية واسعة في العقوبات التعزيرية، ولكن هذه السلطة ليست مطلقة من كل قيد، وليست تحكمية موكولة إلى ميول القاضي، بل لابد أن يخضع القاضي في ممارستها لضوابط، وإلا كان حكمه معيبا واجبا نقضه، وأهم هذه الضوابط.
أ- الملاءمة بين العقوبة وبين الجرم.
ب- الملاءمة بين الجريمة والعقوبة.
ج- عدم المخالفة لنصوص الشريعة وقواعدها العامة.
د- مراعاة المصلحة العامة ونظام الجماعة العام المؤسس على الشرع.
هـ- التدرج في العقوبة.(4/84)
6 - المقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي في شأن ظروف التشديد والتخفيف يجب أن تتم بحذر كبير، بل كل مقارنة بين الفقه الإسلامي والقانون الوضعي يجب أن تتم بهذا الحذر، فكثير من المقارنات في هذا المجال غير دقيقة، وكثيرا ما تؤدي إلى استنتاجات وأحكام غير سليمة، وكثيرا ما تؤدي هذه المقارنات إلى سوء فهم للفقه الإسلامي، وإلى رميه أحيانا بالعجز ولو عن غير قصد، وسبب ذلك: إخضاعه لمصطلحات قانونية محدثة متغيرة، ولذلك فليس من الإنصاف أن نحاول صبغ الفقة الإسلامي بصبغة القانون الوضعي وإلباسه مصطلحاته، وليس من الإنصاف أن نضع أمامنا المصطلحات القانونية ثم نحاول البحث والتنقيب عن هذه المصطلحات نفسها في الفقه الإسلامي.
7 - القانون الوضعي لا يفرق بين الحدود والقصاص وبين التعزير، بل لا يعرف هذا التقسيم للجرائم، ولذلك فجميع الجرائم عنده تدخل فيها ظروف التشديد والتخفيف، خلاف للفقه الإسلامي الذي يفرق بين الحدود والقصاص وبين التعزير.
فالمجال الواسع لظروف التشديد والتخفيف في الفقه الإسلامي هو مجال العقوبات التعزيرية، لأنه هو المجال الذي يستطيع القاضي بما له من سلطة تقديرية أن يشدد العقوبة فيه أو يخففها، أما الحدود والقصاص فإن التخفيف والتشديد فيهما موكول إلى الشارع وسلطة القاضي فيها محصورة في عرض الجريمة على النصوص وفي تطبيقها عليها.
8 - القصد الجنائي في الفقه الإسلامي قصد واحد، أما القانون فيجعل القصد قصدين: قصدا بسيطا، وقصدا موصوفا بأنه المقترن بسبق الإصرار أو الترصد، وهذا التنويع تنتج عنه مخالفات واضحة للفقه الإسلامي، ولذلك اعتبرناه تنويعا باطلا من وجهة نظر الفقه الإسلامي، رغم أن بعض الباحثين، حاولوا تأييد وجوده في الفقه الإسلامي، وهذه المحاولة ما هي إلا إخضاع للفقه الإسلامي لمصطلحات القانون الوضعي، وهو الأمر الذي حذرنا منه.
وهذه هي أهم نتائج هذا البحث، وأرجو أن يكون خطوة أولى على درب البحث العلمي الدقيق الذي آمل أن أسير فيه موقفاً محفوظا من الزلل والهوى.
والله أسأل أن يتقبل منا هذا العمل، وأن يوفقنا لمزيد من الأعمال الصالحة، وأن يرزقنا الإخلاص في كل ذلك لوجهه الكريم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/85)
التسبيح في الكتاب والسنة والرد على المفاهيم الخاطئة فيه
Oمحمد بن إسحاق كندو
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة دار المنهاج - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أذكار وأدعية - أعمال شاملة
الخاتمة
انتهى _بعون الله تعالى وتوفيقه_ البحث في موضوع (التسبيح في الكتاب والسنة والرد على المفاهيم الخاطئة فيه)، ومن المفيد الإشارة هنا إلى ملخص عام لهذا البحث:
- فقد تناولت في مقدمته _ بعد الافتتاحية _ فكرة الموضوع، وأهميته، وأسباب اختياره، مع بيان خطته والمنهج المتبع في كتابته، والشكر والتقدير لمن يستحق ذلك.
- وكان الباب الأول في معاني التسبيح وأنواعه، ففي معانيه بينت بناء لفظ (التسبيح)، ومعناه في اللغة، وأصله اللغوي، وطريقة تعديه، كما بينت ماهية (سبحان) في اللغة، وطريقة استعماله في الكلام، وإعرابه.
- ثم بينت المعنى الأصلي للتسبيح في الشرع، ودلالته على التعظيم في حق الله تعالى، وأنه جاء في الشرع بمعنى الصلاة، وبمعنى الذكر عمومًا، وبمعنى الاستثناء وبمعنى العبادة، وأنه سمي دعاء مع بيان المناسبة لاستعماله في هذه المعاني كلها.
- كما بينت الألفاظ التي ترادف التسبيح في الدلالة على تنزيه الله تعالى، وهي: التقديس _منه اسم الله (القدوس) _، والسلام من أسماء الله تعالى، وتعالى مسندًا إلى الله عز وجل_ وكلمة (حاش لله)، والنفي الوارد في حق الله تعالى في الكتاب والسنة.
- وفي أنواع التسبيح بينت أنواعه باعتبار معناه، وأنه _بهذا الاعتبار _ نوعان:
- أحدهما: تسبيح الله عن النقائص والعيوب.
- والثاني: تسبيح الله عن التمثيل والتشبيه.
- وبينت أن هذين النوعين متلازمان.
- ثم بينت أنواعه باعتبار صيغه، وأنه _ بهذا الاعتبار_ نوعان أيضًا:
- أحدهما: صيغة الإفراد. والثاني: صيغة القران.
- وبينت _ في صيغة القرآن_ أنها تنوعت بحسب ما قرن به من لفظ التسبيح من الألفاظ الأخرى، إلى سبعة أنواع، وهي:
- قرن التسبيح بالتحميد، وقرنه بالتهليل، وقرنه بالتكبير، وقرنه بأسماء الله وصفاته، وقرنه بالاستغفار، وقرنه بالدعاء، وقرنه بالسلام على المرسلين.
- كما بينت أنواع التسبيح باعتبار فاعله، وأنه _ بهذا الاعتبار_ خمسة أنواع، وهي:
1 - تسبيح الله تعالى لنفسه المقدسة.
2 - وتسبيح الملائكة لله تعالى.
3 - وتسبيح صالحي البشر _ من الأنبياء وأتباعهم _ لله تعالى.
4 - وتسبيح الكائنات كلها لله تعالى.
5 - وتسبيح أهل الجنة فيها لله تعالى.
- وكان الباب الثاني في حكم التسبيح وفضله ومنزلته في العقيدة، ففي حكمه بينت حكم تسبيح الله تعالى من حيث القول، وحكم تسبيحه من حيث الاعتقاد. كما بينت حكم تسبيح غير الله تعالى من حيث القول، ومن حيث الاعتقاد كذلك.
- وفي فضل التسبيح بينت الفضل المختص به، ببيان ما ورد في ذلك في كتاب الله تعالى، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، كما بينت أفضل صيغ التسبيح.
- ثم بينت الفضل المشترك للتسبيح، وهو ما ورد في الكتاب والسنة دالاً على فضل التسبيح مقرونًا مع التحميد، والتهليل، والتكبير، وغير ذلك من الذكر والدعاء.
- ثم تكلمت على المفاضلة بين التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير في ضوء الأدلة الواردة في ذلك.
- وفي منزلة التسبيح في العقيدة بينت أن التسبيح دال على وصف لله تعالى، وأنه قد اشتق منه اسم من أسماء الله الحسنى، وهو اسمه (السّبّوح)، وبينت أن التسبيح من شواهد الإيمان بالله تعالى، وأنه كذلك من أصول توحيد الله تعالى، كما أنه من دلائل حسن العقيدة الإسلامية.
- وكان الباب الثالث في المواضع التي يشرع فيه التسبيح، وقد تضمن هذا الباب المواضع التي يشرع فيها التسبيح في الصلاة خاصة وهي ستة مواضع:
1 - التسبيح في افتتاح الصلاة.(4/86)
2 - التسبيح عند قراءة آية فيها تنزيه الله تعالى.
3 - والتسبيح بدلاً من القراءة لمن لا يحسن شيئًا من القرآن.
4 - والتسبيح في الركوع والسجود.
5 - والتسبيح في الصلاة لأمر طارئ.
6 - والتسبيح في دبر الصلاة.
كما تضمن هذا الباب المواضع التي يشرع فيها التسبيح مفردًا في غير الصلاة، وهي تسعة مواضع:
1 - التسبيح عند الهبوط في الأماكن المنخفضة.
2 - والتسبيح عند سماع الرعد.
3 - والتسبيح عند التعجب مما ينافي الاعتقاد الصحيح في الله تعالى.
4 - والتسبيح عند التعجب من المنكر.
5 - والتسبيح عند العجائب الدالة على عظمة الله تعالى.
6 - والتسبيح عند التعجب من الأشياء المهولة.
7 - والتسبيح عند مطلق التعجب.
8 - والتسبيح في الأوقات المخصوصة.
9 - والتسبيح مطلقًا في الأحوال والأوقات.
10 - وتضمن هذا الباب كذلك المواضع التي يشرع فيها التسبيح مقرونًا بغيره من ألفاظ الذكر والدعاء، وهي عشرة مواضع:
1 - عند النوم.
2 - عند الانتباه من النوم.
3 - عند الفراغ من الوضوء.
4 - عند الاستواء على المركوب.
5 - عند الإهلال بحج أو عمرة.
6 - في داخل الكعبة في نواحيها.
7 - قبل الدعاء.
8 - عند الكسوف.
9 - عند الكرب.
10 - في ختم المجلس.
- وكان الباب الرابع في بيان المفهوم الصحيح في تسبيح الله تعالى، وقد تناولت فيه طريقة الكتاب والسنة في تسبيح الله تعالى، وبينت أن طريقتهما تتجلى في أربعة أمور:
1 - الإجمال في التنزيه غالبًا.
2 - والتفصيل في الإثبات، بذكر الأسماء والصفات الدالة على التنزيه.
3 - التفصيل في التنزيه _ أحيانًا _ لأسباب.
4 - إثبات المثل الأعلى لله تعالى.
ثم تناولت تسبيح الله تعالى في أسمائه وصفاته، وبينت أن أسس هذا التسبيح هي:
1 - الإثبات مع التنزيه.
2 - النفي مع إثبات كمال الضد.
3 - والسكوت عما لم يعلم في الكتاب والسنة إثباته أو نفيه.
4 - ومراعاة ما يقتضي التنزيه مراعاته في حق الله تعالى إثباتًا ونفيًا، وهي:
أ - التفريق بين ما تسمى الله به مفردًا، وما تسمى به مقرونًا بما يقابله.
ب - والتفريق بين ما أطلق على الله تعالى في الكتاب والسنة مطلقًا وما أطلق عليه مقيدًا.
ت - والتفريق بين ما يطلق على الله في باب الأسماء والصفات، وما يطلق عليه في باب الإخبار.
ث - والتوقير والتعظيم لأسماء الله تعالى وصفاته لفظًا ومعنى، وظاهرًا وباطنًا.
وتناولت _بعد ذلك_ تسبيح الله تعالى في أقواله وأفعاله، وبينت أن أسس هذا التسبيح ثلاثة، وهي:
1 - تسبيح الله تعالى عن العبث في أقواله وأفعاله باعتقاد أنها صادرة عن حكم عليا.
2 - تسبيح الله عن الظلم في أقواله وأفعاله.
3 - وتسبيح الله تعالى عن نسبة الشر إليه.
- وكان الباب الخامس في الرد على المفاهيم الخاطئة في التسبيح، فذكرت فيها التسبيح الذي ادعاه المشركون بالله تعالى في العبادة، والتسبيح الذي ادعاه الممثلة، والمعطلة، والقدرية، والجبرية، والوعيدية، والصوفية. ورددت على هذه المفاهيم الخاطئة في التسبيح لدى هذه الفرق والطوائف في ضوء الكتاب والسنة واعتقاد أهل السنة والجماعة.
- بهذا يكون هذا البحث قد استوفى الأبواب والفصول والمباحث التي وضعت في خطة البحث.
- وأما الموضوع نفسه فأرجو أن أكون قد وفقت في عرضه وإخراجه على الوجه المطلوب، أما الوفاء بحقه من البحث والدراسة فمما يقصر عنه مثلي، لكن حسبي أني بذلت جهدي بحسب ما أتيح لي من الوقت لتناول هذا الموضوع، وأسأل الله تعالى أن يجعل فيما قدمته فائدة ونفعًا لي وللمسلمين، وأن يعفو عن زلاتي وأخطائي، وأن يلهمني الصواب، وأن يعينني على ذكره وشكره وحسن عبادته.
- والحمد لله أولاً وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، و (سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)(4/87)
التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلامي
Oجميل بن حبيب اللويحق
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الأندلس الخضراء - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1419هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تشبه بالكفار
الخاتمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فأشير في خاتمة هذا البحث المبارك بإذن الله تعالى، إلى بعض النتائج العامة التي خرجت بها من هذه الجولة العلمية الطويلة مع موضوع (التشبه المنهي عنه في الفقه الإسلامي)، وأدع النتائج العلمية الدقيقة للبحث كالقواعد المستنبطة، والأحكام المستخرجة، والفوائد التي انتهيت إليها لقارئ البحث يطالعها مفصلة في ثنايا هذا الكتاب.
ومن هذه النتائج العامة:
- أن شريعة الإسلام جاءت تامة كاملة، تسير بأفرادها بأحسن السبل وتحملهم على أفضل الأحوال، لا تحتاج إلى تتميم ولا تعديل، ولذلك منعت المسلم من الانقياد الضعيف لذوي النقص الديني، والدنيوي بالتشبه بهم وتقليدهم، سواء كانوا من غير المسلمين كأنواع الكفار من أهل الكتاب، والجاهليين وغيرهم، أو كانوا من المسلمين الذين تلبسوا بما نزل برتبتهم وذلك كالمبتدعة والفساق وغيرهم.
- أن موضوع التشبه لم يبحث من قبل بحثا فقهيا جامعا يستوفي جوانبه كلها، ويجمع مفرداته إلى بعضها بحيث يكون مرجعا يسد هذه الثغرة في قضية من أخطر القضايا، ولا يوجد بين أيدينا إلا أحكاما منثورة، تحتاج إلى جمع، وتقعيد وتأصيل.
- أن موضوع التشبه المنهي عنه من أخطر القضايا في حياة المسلمين المعاصرة بكل تشعباتها واتساعها، وتمتد مسألة التشبه بطول حياة المسلمين في داخل مجتمعاتهم، وفي علاقتهم بغيرهم من الأمم، ولذلك فلابد من بيان صورته وحدوده، وإظهار ضوابطه، ونشر تطبيقات أحكامه في الناس، وعمت به البلوى، وهذا شأن البحوث العلمية، والدراسات الشرعية المتخصصة، وما هذه الدراسة العلمية إلا محاولة على هذا الطريق.
- أن في الفقه الإسلامي – والحمد لله – من السعة والشمول ما يمنح الباحث وطالب العلم قدرة على بحث هذه المسألة وغيرها من خلال النصوص الشرعية، والاجتهادات الفقهية، وخصوصا من حيث التأصيل والتقعيد، واستخراج النظائر الفقهية المنثورة في مؤلفات العلماء، وقد لمست هذا حين اجتهدت في سلوك هذا السبيل خلال دراسة موضوع التشبه، وخصوصا عند بحث الفروع الفقهية في البابين الثاني والثالث، وردها إلى قواعدها، التي هي في حقيقة الأمر خلاصة الأدلة الشرعية، وحاصل استقراء مسالك العلماء في بناء الفروع عليها.
- أن التشبه يمنع كما دل الاستقراء للفروع الفقهية المذكورة في البحث وغيرها كل ما تضمن مفسدة، وتكون قوة المنع بحسب عظم هذه المفسدة، وهذه المفاسد كثيرة ومتنوعة وتدور في مجملها على المفسدة الدينية من حيث أصل الإيمان أو كماله.
وفي الختام أحمد الله تعالى على فضله، وأسأله مزيده، وأستغفر الله من كل ذنب، إنه رحيم غفور.(4/88)
التعبير عن الرأي – ضوابطه ومجالاته في الشريعة الإسلامية
Oخالد بن عبدالله الشمراني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مركز التأصيل للدراسات والبحوث- جده
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دراسات فقهية
الخاتمة:
وبعد العرض السابق في مسائل هذا البحث ومواضيعه، يحسن بنا أن نختمه بخلاصة لنتائجه، وهي على سبيل الاختصار كما يلي:
1 - أن الإسلام قد أولى حقوق الإنسان على سبيل العموم، والتعبير عن الرأي المشروع على سبيل الخصوص عناية كبيرة، ويتجلى ذلك في تكريمه للإنسان وصيانته لحقوقه وحرياته، باعتبارها منحاً إلهية ليس من حق أحد من الناس مصادرتها، ولا الحرمان منها.
2 - أن الرأي الصادر عن الإنسان والذي هو نتاج تأمله وتفكيره، منه ما هو مشروع، ومنه ما هو غير مشروع، ومنه ما يسوغ عند الضرورة، فالرأي المشروع قد يكون واجباً وقد يكون مندوباً وقد يكون مباحاً، كما أن الرأي غير المشروع قد يكون محرماً وقد يكون مكروهاً.
3 - أن الرأي المشروع أنواع خمسة هي: آراء الصحابة رضوان الله عليهم، والرأي الذي يفسر النصوص، والإجماع المستند إلى الاجتهاد الجماعي، والاجتهاد في استنباط حكم الواقعة بعد البحث عن حكمها في الكتاب والسنة وآراء الصحابة، والرأي في مجال الأمور الدنيوية لأصحاب الخبرة والتجربة.
4 - كما أن الرأي غير المشروع أنواع خمسة هي: الرأي المخالف للنص، والكلام في الدين بالخرص والظن، والرأي المتضمن تعطيل أسماء الله وصفاته بالمقاييس الباطلة، والرأي الذي أحدثت به البدع، والقول في شرائع الدين بالاستحسان والظنون.
5 - أن هناك جملة من الضوابط التي لابد اجتماعها حتى يكون التعبير عن الرأي مشروعاً وهي: أولاً: مشروعية الرأي، ثانياً: مراعاة ما يؤول إليه التعبير عن الرأي من مصلحة أو مفسدة، ثالثاً: مشروعية الوسيلة.
6 - أن التعبير عن الرأي المشروع يستند على جملة من الأصول الشرعية وهي: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشورى، وكون التعبير عن الرأي من المصالح الحاجية.
7 - أن التعبير عن الرأي في المسائل الشرعية لا يسوغ إلا لمن توفرت فيه جملة من الشروط هي: الإسلام، والتكليف، والعدالة، والاجتهاد، وجودة القريحة.
8 - كما أن التعبير عن الرأي في الأمور الدنيوية لا يسوغ إلا لأصحاب الخبرة والتجربة.
9 - أن الخلاف في المسائل الشرعية الفقهية من الأمور الطبيعية، وله أسباب علمية أدت إليه، أما الخلاف في المذاهب الاعتقادية فهو شر وبلاء ويجب على الأمة الإسلامية أن تجتمع على مذهب أهل السنة والجماعة.
10 - أن قاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) ليست على إطلاقها، بل من المسائل ما يكون الخلاف فيها ضعيفاً، فهنا يتوجه الإنكار، ومن المسائل ما يكون الخلاف فيها قوياً، وهذه لا إنكار فيها.
11 - أن الشريعة الإسلامية جاءت بجلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
12 - أن مراعاة مآلات الأفعال معتبر في الشريعة، بوجه عام، وفي التعبير عن الرأي بوجه خاص.
13 - أن الوسائل لها أهمية بالغة في الشريعة الإسلامية، ولها ارتباط وثيق بالمقاصد.
14 - أن الوسائل لها أحكام المقاصد، كما أن الوسائل تسقط بسقوط المقاصد، أو بحصولها.
15 - أن المقاصد أشرف رتبة من الوسائل، ولذلك فإن مراعاة المقاصد أولى من مراعاة الوسائل.
16 - أن الأصل في العبادات التوقيف والحظر، وبالتالي فإن التقرب إلى الله بما لم يشرع بدعة.
17 - أن الأصل في العادات الإباحة، وليس للبدعة مدخل فيها إلا إذا قصد المكلف التقرب بذاتها لله تعالى.
18 - أن توظيف الوسائل العادية للتعبير عن الرأي المشروع أمر سائغ، وليس ببدعة مدخل في هذا الباب كما تقدم، بشرط أن تكون هذه الوسائل مشروعة في ذاتها، وألا يقصد المكلف التقرب بذاتها لله تعالى.(4/89)
19 - المظاهرات أمر مباح بالنظر إلى ذاته، وحكمها الشرعي يتبع مقصدها، وما يمكن أن تؤول إليه من مصلحة أو مفسدة.
20 - أن طاعة ولاة الأمر واجبة إذا أمروا بطاعة، ومحرمة إذا أمروا بمعصية، كما تجب طاعتهم في تقييدهم للمباح إذا كان هذا التقييد مستنداً للمصلحة.
21 - أن إضراب الموظفين عن العمل لا يجوز شرعاً، إذا كان رب العمل ملتزماً بمقتضى العقد وشروطه.
22 - أن إضراب التجار وأصحاب الحرف عن العمل جائز بشرطين: الأول: أن يكون المقصد من الإضراب عن العمل؛ مشروعاً. والثاني: ألا يترتب على الإضراب عن العمل مفسدة راجحة تلحق الضرر بمصالح الناس الضرورية أو الحاجية.
23 - أن الإضراب الكلي عن الطعام، والذي يفضي إلى الموت محرم، وهو ضرب من ضروب الانتحار.
24 - أن الإضراب الرمزي عن الطعام، سائغ بشرط أن يكون المقصد منه مشروعاً.
25 - أن للرد على أصحاب الآراء غير المشروعة جملة من المقاصد الجليلة منها: إعلاء كلمة الحق وإزهاق كلمة الباطل، وهداية المخالف، وإقامة الحجة، وكف عدوان المبطلين.
27 - أن للرد على أصحاب الآراء غير المشروعة جملة من الشروط والآداب منها: الإخلاص والمتابعة، والأهلية، والإنصاف والعدل، وكشف شبهة المخالف وبيان زيفها.
28 - أن مجادلة أصحاب الآراء غير المشروعة منها ما هو محمود ومنها ما هو مذموم، فإذا كانت المجادلة مستوفية لشروطها كانت محمودة، أما إذا تخلف شرط من الشروط السابقة فإنها تكون مذمومة.
29 - أن العقوبة شرعت في الإسلام، من أجل استصلاح الجاني وردعه وتأديبه، وزجر غيره عن سلوك سبيله.
30 - أن معاقبة أصحاب الآراء غير المشروعة الذين يجاهرون بها ويدعون الناس إليها أصل من أصول مذهب أهل السنة والجماعة.
31 - أن البدع والآراء غير المشروعة ليست على درجة واحدة من القبح والشناعة، بل منها بدع وآراء مكفرة وأخرى مفسقة، وهذه الأخيرة منها المغلظ ومنها ما هو دون ذلك.
32 - جاءت الشريعة الإسلامية بجملة من العقوبات والزواجر لمجابهة أصحاب الآراء المشروعة، وهذه العقوبات منها ما هو تعزيري؛ كالتوبيخ، والهجر، والتشهير، والنفي، والحبس، والجلد، والقتل. ومنها ما هو من قبيل الحدود؛ كحد الردة وذلك في حق من اعتقد شيئاً من الآراء الكفرية.
33 - من انتحل رأياً أو بدعة مفسقة مغلظة؛ كبدع الخوارج وغلاة الروافض، وكان داعية إلى بدعته ولم ينكف شره إلا بقتله، فإنه يقتل، وذلك بعد استتابته، مع ضرورة مراعاة ما يترتب على قتله من مصلحة أو مفسدة، وبشرط أن يكون الإمام الأعظم أو من يقوم مقامه عدلاً، حتى لا يتخذ حكام الجور هذا الأمر ذريعة لتصفية مخالفيهم والتنكيل بهم.
34 - الردة قد تكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد أو الشك، فمن ارتكب موجباً من موجبات الردة وكان عاقلاً بالغاً مختاراً، وثبت عليه ارتكاب هذا الفعل الكفري بإقراره أو بشهادة عدلين، بحيث تكون هذه الشهادة مفصلة، ولم يرجع من قارف هذا الفعل الكفري بعد استتابته، فإنه يقتل كفراً.
35 - أن أحكام الشريعة الإسلامية تنقسم إلى قسمين: أحكام تفصيلية مبنية على التوقيف والاتباع ولا مجال للرأي فيها؛ كالأحكام المتعلقة بالعقيدة والعبادات، وأحكام على شكل قواعد ومبادئ عامة؛ كمبدأ الشورى والعدل، وهذا النوع من الأحكام ترك الشارع كيفية تطبيقه لرأي الأفراد واجتهادهم.
36 - أن سلطة التشريع في الإسلام حق خالص لله تعالى، ولرسوله صلى الله عليه وسلم باعتباره مبلغاً عن الله، فلا شرع إلا ما شرعه الله ولا حلال إلا ما حلله ولا حرام إلا ما حرمه، ومن حاد عن ذلك أو نازع الله في شيء من ذلك فهو كافر بإجماع المسلمين.
37 - أن الشورى واجبة على الحاكم، على الصحيح من قولي العلماء.(4/90)
38 - أن أهل الشورى أصناف ثلاثة وهم: أهل الحل والعقد، ومن يحيط برئيس الدولة وكبار أهل السلطة والحكم، وأبناء الأمة من ذوي الأهلية والرشد، وكل صنف من الأصناف الثلاثة السابقة يستشار فيما يحسنه من أمور.
39 - أن الشورى تكون في كل ما لا نص فيه من الأمور الدينية والدنيوية.
40 - أن الشورى لها دور كبير في سن الأنظمة المرعية، بما لا يتصادم مع النصوص الشرعية، وبما يتفق مع قواعد الشريعة ومقاصدها العامة.
41 - الشورى ملزمة للحاكم في القرارات المهمة والأمور الخطيرة، وذلك حفظاً لمصالح الأمة ورعاية لها، ولا بأس بتفويض الحاكم في بعض المجالات الثانوية ليبت فيها بصورة نهائية، ويكون فيها صاحب قرار وسلطة.
42 - أن الديمقراطية لها جانبان: جانب تأباه الشريعة وتعتبره باباً من أبواب الشرك، وهي جعل السيادة وحق التشريع للشعب.
وجانب يقره الإسلام ويزكيه، بل يحض عليه ويوجبه وهو: تمكين الأمة من تولية حكامها، والرقابة عليهم، وعزلهم عند الاقتضاء.
43 - أن المشاركة في عضوية المجالس التشريعية في ظل الأنظمة الديمقراطية الأصل فيه المنع، ولكن يتوجه القول بحله كوسيلة من وسائل التغيير، إذا غلب على ظن المتصدين لهذا الأمر أن هذه المشاركة تجلب مصلحة راجحة أو تدرأ مفسدة راجحة.
44 - هناك ارتباط قوي بين الفتيا والاجتهاد، حيث إن الفتيا ثمرة الاجتهاد ونتيجته.
45 - أن الفتيا يختلف حكمها التكليفي باختلاف متعلقها، وبالتالي فإنها تدور عليها الأحكام التكليفية الخمسة.
46 - أن هناك مجالين للاجتهاد بالرأي الأول: الاجتهاد في النص تفهماً واستنباطاً وتطبيقاً، والثاني الاجتهاد عند عدم النص استناداً إلى القياس أو الاستصحاب وما إلى ذلك من مصادر الفقه التبعية.
47 - أن للولاية السياسية الكبرى – كغيرها من الولايات – ركنين: الأول: القوة، والثاني: الأمانة، فلابد من توفر هذين الركنين في كل متول، هذا في حال السعة والاختيار، أما في حال الضيق والاضطرار فإنه يولي غير الأهل إذا كان أصلح الموجود، مع وجوب السعي في إصلاح الأحوال حتى يكمل في الناس ما لابد لهم منه من أمور الولايات والأمارات ونحوها.
48 - أن المقصد العام من الولاية السياسية الكبرى في الإسلام هو: إقامة الدين وسياسة الدنيا به.
49 - أن المراد بأهل الحل والعقد: أهل الشوكة من العلماء والرؤساء ووجوه الناس، الذين يحصل بهم مقصود الولاية وهو القدرة والتمكن.
50 - أن لأهل الحل والعقد جملة من الوظائف السياسية منها: تولية الخليفة، والاحتساب عليه، وعزله عند الضرورة.
51 - أن الأصل في مناصحة الحكام السرية، إلا إذا كان في إعلان النصيحة مصلحة راجحة فيسوغ إعلانها حينئذ.
52 - أن إقامة الأحزاب السياسية من أجل النصيحة والاحتساب على السلطة الحاكمة ضرب من ضروب التحالف المشروع، بشرط ألا يكون الاجتماع والتحزب على أصل بدعي يخالف أصول أهل السنة والجماعة، وألا يقصد من هذا التحزب منازعة السلطان المسلم إن وجد، وأن يكون معقد الولاء والبراء على أساس الكتاب والسنة على رسم منهاج النبوة، وأن يراعى في ذلك كله فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد.
53 - أن التعددية السياسية كصورة من صور تداول السلطة، غير سائغة على الراجح نظراً لما يترتب عليها من مفاسد تربوا على مصالحها.
54 - لما كانت المعارضة السياسية فرعاً للتعددية السياسية، فإنها غير سائغة كذلك لأنه إذا بطل الأصل بطل فرعه.
55 - أن جميع تصرفات الحاكم منوطة بمصلحة الأمة، ولذلك أثر كبير في ضمان حرية التعبير عن الرأي.
56 - أن العدل قيمة مطلقة ولا رخصة فيه أبداً، وهذا يعتبر ضمانة كبرى لحرية التعبير عن الرأي.
57 - أن لولاية الحسبة والمظالم والقضاء أثراً فعالاً في الرقابة على أعوان الحاكم ومحاسبتهم، مما يترتب عليه أثر كبير في حفظ الحريات العامة ومنها حرية التعبير عن الرأي.(4/91)
التعزية حقيقتها والمسائل المتعلقة بها
Oخالد بن عبدالله بن دايل الشمراني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تعزية وعزاء
الخاتمة
وفي خاتمة هذا البحث وبعد استعراض ما سبق من مسائله ودراستها فإننا يمكن أن نخرج بالنتائج التالية
1 - أن التعزية في الإسلام قربة من القرب ولا خلاف بين العلماء في استحبابها وقد ثبت ذلك بالسنة القولية والعملية الصحيحة
2 - شرعت التعزية في الإسلام لجملة من المقاصد الجليلة منها: تهوين المصيبة على المصاب وحثه على إلتزام الصبر واحتساب الأجر والدعاء للمصاب بجبر المصيبة وللميت بالمغفرة وتوثيق عرى التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع المسلم
3 - أن التعزية من حيث تكييفها الشرعي مترددة بين العبادة والعادة غالبة عليها وبالتالي فإن الأصل في كيفيتها وهيئتها هو الحل والإباحة حتى يرد دليل ناقل
4 - لا كراهة في التعزية قبل الدفن بل التعزية قبل الدفن أو بعده سواء في الاستحباب والأفضلية
5 - التعزية غير محدودة بمدة بل تشرع التعزية في كل وقت ما لم تنس المصيبة وغلب على ظن المعزي أن تعزيته لأهل المصيبة لن يجدد أحزانهم.
6 - التعزية مشروعة في المسجد.
7 - جلوس أهل المصيبة للتعزية مباح إذا استوفى ضوابطه المذكورة فيما سبق.
8 - التعزية عند القبر مباحة ولا حرج فيها وكذا الجلوس بقرب دار الميت وعلى باب داره من أجل التعزية
9 - ليس للتعزية ألفاظ محددة بل للإنسان أن يعزي أخاه بكل ما يغلب على ظنه أنه يحقق مقصود التعزية
10 - التعزية بالكتابة مباحة وكذلك نشر التعزية في وسائل الإعلام فإنه على أصل الإباحة بشرط ألا يكون في ذلك مشابهة لنعي الجاهلية كإظهار التسخط وتعديد المفاخر وأن يكون مجردا من كل ما يشعر بتزكية الميت أو الشهادة له بالجنة
11 - مصافحة أهل الميت عند التعزية لا بأس به وكذا تكرار التعزية ما لم تجدد حزنا
12 - صنع الطعام من قبل أهل الميت للناس مكروه إلا إذا دعت إليه الحاجة كما إذا جاء إلى أهل الميت من يحضر ميتهم من أهل القرى البعيدة
13 - صنع الطعام لأجل الميت وجمع الناس عليه مكروه إلا إذا كان ذلك من غير قصد للإجتماع أو لحاجة فإن الكراهة تزول حينئذ
14 - السفر من أجل التعزية مندوب وقربة من القرب
15 - اصطفاف أهل الميت في المقبرة ليعزيهم الناس مباح ولا حرج فيه
16 - التعزية تكون لجميع أهل المصيبة من أهل الميت وأقاربه وأصدقائه وجيرانه
17 - يبدأ في التعزية بخيار أهل المصيبة وصلحائهم بالضعيف منهم عن تحمل المصيبة
18 - تغيير المعزى لهيئته بدافع الحزن والجزع ممنوع لمنافاته للصبر الواجب
19 - وضع المعزى لعلامة عليه حتى يعرف فيعزى مكروه
20 - تعطيل المعزى لأعماله مباح من حيث الأصل بشرط ألا يترتب على ذلك إضرار بغيره وألا يكون ذلك بدافع الجزع المنافي للصبر وألا يقصد من ترك مزاولة عمله التقرب بذلك إلى الله
21 - تعزية الفاسق ترجع إلى مراعاة المصلحة ودرء المفسدة كهجره
22 - تعزية الكافر جائزة إذا ترتب عليها مصلحة كرجاء إسلامه
23 - التعزية في الزوجة والبنات والصديق مشروعة
24 - لا بأس بالتعزية فيمن مات على الفسق بل هي مستحبة
25 - تعزية المسلم في الكافر مشروعة بشرط عدم الدعاء للميت الكافر بالمغفرة
26 - تستحب التعزية في غير مصيبة الموت كذهاب المال أو شيء من الأعضاء أو الجوارح(4/92)
التعزية وأحكامها في ضوء الكتاب والسنة
Oظافر بن حسن آل جبعان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة الخضراء - مكة المكرمة
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تعزية وعزاء
الخاتمة
توصلت من خلال هذا البحث _ بفضل الله تعالى _ إلى نتائج من أهمها:
1 - التعزية مستحبة بالاتفاق.
2 - التعزية لا وقت لها، بل يُعزي كل إنسان حسب علمه، فمتى عَلِمَ بالمصاب شُرع له التعزية لأهل المصاب، إلا أن يطول العهد فلا يشرع حتى لا يُفضي إلى تجديد الحزن، وما دامت المصيبة باقية في نفس المصاب فإنه يُعزَّى.
3 - لم يرد في التعزية لفظٌ محددٌ، بل تحصل بأي لفظٍ يؤدي المقصود، ولكن لو اقتصر على الوارد لكان ذلك حسنًا.
4 - تحصل التعزية بأي طريقة مشروعة، وبأي لفظ يحصل به تسلية المصاب ومواساته؛ فتحصل باللقاء، وبالمقابلة، وبالمكالمة الهاتفية، والرسائل البريدية، والإلكترونية، وتحصل أيضًا بالتوكيل.
5 - إن تحديد مدة للعزاء لا أصل له من السنة، فالسنة ليس فيها دليل صريح يدل على أن مدة العزاء محددة بمدة معينة، بل مدة العزاء بحسب من يأتي، فإذا كان الناس يأتون في يومٍ واحدٍ فينتهي العزاء بنهايته، وكذلك يومين أو ثلاثة أو أكثر وهكذا، وإذا كان غالب أحوال الناس أنهم في ثلاثة أيام ينتهون فعلى ما انتهوا إليه، ولمن لم يدرك تلك الأيام له أن يعزِّي ولو بعد ثلاثة أيام، إلا إذا حصل تجديد الحزن فيكره ذلك.
6 - ليس للتعزية مكان محدد، فللمعزي أن يعزي المصاب، في أي مكان كان.
7 - الجلوس للتعزية مباح ليس فيه بأس إذا خلا المجلس من المنكرات والبدع، ومن تجديد الحزن، ومن تكلفة المؤنة، وطول المكث عند أهل العزاء.
8 - جواز البكاء على الميت، بشرط ألا يكون في هذا البكاء نواحٌ، ولا جزعٌ، ولا تسخطٌ، ولا رفعُ صوتٍ، سواء قبل الدفن أو بعده.
9 - الصحيح أن الميت لا يُعذب ببكاء أهله عليه؛ إلا إذا كان ذلك وصيةً منه أن يناح عليه بعد موته، أما إذا لم يكن منه ذلك فلا يعذب لقوله تعالى: {ولا تزر وازرةٌ وزر أخرى} [الأنعام: 164].
10 - الأصل في أعمال العباد أن ثوابها لفاعلها أما إهداء ثوابها للميت قلا يخلو من ثلاث حالات:
أ - أن يكون مما لا يصل إلى الميت بالاتفاق، كالإيمان، والتوحيد، والإجلال والتعظيم لله تعالى.
ب - أن يكون مما يصل إلى الميت إجماعًا، كالعلم النافع، والصدقة الجارية، ودعاء الولد الصالح.
ج- ما كان مختلفًا في وصول ثوابه للميت كإهداء بعض القرب، مثل قراءة القرآن وغيرها، فالراجح فيها الجواز والله تعالى أعلم.
11 - حكم النعي الجواز، إلا أن يشبه نعي الجاهلية فإنه لا يجوز، لما فيه من مشابهتهم، وقد نهينا عن مشابهتهم، وعلى هذا فلا حرج في الإخبار بموت الميت لكل غرض صحيح كما تقدم؛ وأما إعلام القرابة، والإخوان بموت الشخص فليس من النعي المنهي عنه، قال البيهقي: بلغني عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه قال: ((لا أحب الصياح لموت الرجل على أبواب المساجد، ولو وقف على حلق المساجد فأعلم الناس بموته لم يكن به بأس)) ().
12 - أن صنع الطعام من أهل الميت لمن يحضر إليهم بدعة ولا يجوز، لما فيها من مخالفة السنة، ولما فيها من التشبه بأعمال الجاهلية من العقر، والنحر عند موت كبارهم، وغير ذلك.(4/93)
التعويض عن تفويت منفعة انعقد سبب وجودها
Oناصر بن محمد الجوفان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الرشد – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - ثمن وقيمة
الخاتمة:
وتمثل خلاصة للبحث، وما حصل فيه من نتائج:
1 - التعويض عن تفويت منفعة انعقد سبب وجودها، هو: المال الذي يحكم به على من تسبب في عدم إدراك إنسان مصلحة أو فائدة مشروعة له، تأكد حصولها.
2 - يجوز التعويض عن تفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها، وعندما يطالب بذلك المضرور يتعين الحكم له بذلك، استناداً إلى الآتي:
أ- أن حقيقة تفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها، هو أنه نوع من أنواع الإتلاف والإتلاف سبب من أسباب التعويض التي جاءت الأدلة من الكتاب والسنة بمشروعيته.
ب- أن تفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها، يترتب عليه ضرر، وقواعد الشريعة تقضي بالتعويض عن الضرر.
ج- أن عدداً من الفقهاء المعتبرين نص على جواز التعويض عن تفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها بعينها.
د- قياس هذه المسألة على بعض المسائل النظيرة والشبيهة لها، والتي قرر الفقهاء جواز التعويض عنها ويأتي في مقدمة ذلك التعويض عن تفويت منافع المغصوب.
3 - تحديد الجهة القضائية المختصة بنظر دعوى التعويض عن تفويت المنفعة التي انعقد سبب وجودها، يخضع لنوع هذه القضية، وعليه فإنه يطبق عليها الاختصاص النوعي المقرر في أنظمة القضاء.
4 - الأصل في تقدير التعويض، أن المثل يعوض عنه بالمثل، والمتقوم يعوض عنه بالقيمة. وعندما يتعذر الحكم بالمثل أو يتعذر الحكم بالقيمة، فإنه يصار إلى الحكم بالتعويض المبني على التقدير والخرص.
ويجري على المسألة محل البحث، عند التقرير الخلاف المشهور في تحديد الوقت الذي يقدر فيه مقدار قيمة الضرر، هل ينظر في تقديره إلى قيمته وقت وقوع الضرر، أو قيمته وقت الحكم به؟
5 - أبرز البحث بعض الأحكام القضائية الصادرة بالتعويض عن تفويت المنفعة انعقد سبب وجودها.(4/94)
التقويم في الفقه الإسلامي
Oمحمد بن عبدالعزيز الحضير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الإمام محمد بن سعود - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
خاتمة رسالة التقويم في الفقه الإسلامي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبعد:
فإنني أختم هذا البحث وفي النفس رغبة في الإضافة، ولكن يحول دون ذلك أمور، منها: مشارفة الوقت على الانتهاء، وخشية الإطالة، وخير الكلام ما قلّ ودلّ، فلعل فيما تيسرت كتابته من هذه الأوراق في موضوع البحث ما يكفي في إعطاء تصور كامل عنه، وإن لم يتم استقصاء جميع جزئياته، بل ربما كان الاستقصاء متعذراً. ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.
هذا، وإنني أوجز في هذه الخاتمة أهم نتائج هذا البحث، وهي على النحو الآتي:
1 - لفظ (التقويم): مصدر قياسي للفعل الرباعي: قوّم – على وزن: فعّل -؛ لأن الفعل صحيح اللام.
2 - للتقويم- في اللغة – معنيان بارزان، هما:
الأول: التعديل.
الثاني: تقدير السلعة أو المتاع بثمن يقوم مقامه، بمعنى أنه يعادله، ويساويه. وهذا المعنى هو المراد في هذا البحث. على أن بين المعنيين رابطة قوية؛ فكلاهما يدور على العدل؛ فإن القيمة يتحقق بها العدل والمساواة في المعاوضة بها عن الشيء.
3 - الإطلاق على الشائع للفظ (التقييم) بمعنى: تقدير القيمة على خلاف القياس؛ فإن الأصل في القيمة الواو؛ لأنها تقوم مقام الشيء، فأصلها: قِومة، فأبدلت الواو ياء، ولكن مجمع اللغة العربية بالقاهرة أقر استعمال لفظ (التقييم) بمعنى تقدير القيمة.
4 - يمكن تعريف التقويم اصطلاحاً بأنه: تقدير بدل نقدي لعين أو منفعة يعادلها في حال المعاوضة به عنها حقيقة، أو افتراضاً.
5 - الفرق بين القيمة والثمن من وجهين:
الوجه الأول: أن الثمن هو العوض في عقد البيع خاصة، وأما القيمة فتكون عوضاً في البيع، وغيره.
الوجه الثاني: أن الثمن يكون تحديد عائداً إلى اتفاق البائع والمشتري. وأما القيمة فهي ما يوافق مقدار مالية الشيء، ويعادله في الواقع – بحسب تقويم المقومين-.
6 - السعر هو معيار قيمة الشيء؛ لأنه عبارة عن مستوى أثمان الأشياء في الأسواق. ولهذا يطلق على القيمة أحياناً.
7 - التقويم مشروع بالنقل، والعقل. ويختلف حكمه بحسب اختلاف حكم الأمر المقصود منه؛ إذ هو وسيلة لغاية فيأخذ حكم تلك الغاية؛ لأن الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها.
8 - من أبرز التقاويم ما يأتي:
1. أداء القيمة في المضمونات.
2. نزع الملكية.
3. التقويم لمعرفة مقدار الأرش.
4. التقويم في زكاة العروض؛ لمعرفة وجوب الزكاة، ومقدار الواجب.
5. تقويم المسروق؛ لمعرفة بلوغه النصاب من عدمه.
6. التقويم لإفراز بعض الحقوق عن بعض.
9 - الضمان - في اللغة – يرد بمعنيين:
الأول: الكفالة.
الثاني: الغرامة.
وقد استعمل الفقهاء لفظ (الضمان) بكلا المعنيين. والمراد به في هذا البحث هو المعنى الثاني. وقد عرفوه – على هذا المعنى – بتعريفات؛ أدقها ما يأتي: "الضمان: لزوم إعطاء مثل الشيء، أو قيمته".
على أنهم يتوسعون في مفهوم الضمان فيقصدون به المسؤولية عن الشيء، وتحمل تبعة هلاكه، وإن لم يلزم من ذلك غرامته بمثل، أو قيمة. وهذا المفهوم الواسع ليس هو المراد هنا، وإنما المراد المفهوم الأضيق (وهو أداء المثل، أو القيمة)؛ لأنه هو المناسب لموضوع البحث.
10 - ذكر الفقهاء عدة أسباب للضمان يمكن أن يستخلص منها خمسة، هي:
1. العقد
2. وضع اليد.
3. الإتلاف.
4. الحيلولة.
5. الغرور.
11 - الواجب قبل المصير إلى الضمان أن ترد الحقوق بأعيانها ما أمكن، هذا هو الأصل، وهو محل اتفاق.(4/95)
12 - إذا تعذر رد عين الحق فإنه يصار إلى الضمان إذا توافرت شروط معينة، منها ما يتعلق بالشيء المراد ضمانه، ومنها ما يتعلق بغيره، والمراد هنا الشروط المتعلقة بالشيء المراد ضمانه، وهي ثلاثة:
1 - كونه مالاً.
2 - كونه متقوماً.
3 - كونه معصوماً شرعياً.
13 - المال شامل لكل ما يقع عليه الملك مما كان له قيمة بين الناس، وأبيح الانتفاع به مطلقاً، عيناً كان، أم منفعة.
14 - المتقوّم – بكسر الواو، ولا يصح فتحها- هو: ما ملك مما له قيمة بين الناس، وكان الانتفاع به مباحاً مطلقاً.
وفي أحيان كثيرة يطلق الفقهاء لفظ (المتقوم) بمعنى القيمي (الذي هو قسيم المثلي).
15 - كون الشيء المراد ضمانه معصوماً شرعاً معناه أنه لا يحق لأحد التصرف فيه بدون رضا مالكه.
16 - المثلي هو: ما تماثلت أفراده بحيث يمكن أن يقوم بعضها مقام بعض دون فرق يعتد به.
والقيمي هو: ما تفاوتت أفراده بحيث لا يقوم بعضها مقام بعض إلا بفرق يعتد به.
17 - يضمن كل شيء بمثله من جنسه ما أمكن، مع مراعاة التساوي في القيمة، أو التقارب بحيث لا يوجد فرق يعتد به.
18 - إذا تعذر المثل يصار إلى القيمة، والتعذر نوعان:
الأول: تعذر حقيقي، مثل انقطاع المثل من الأسواق.
الثاني: تعذر حكمي، مثل وجود المثل بأكثر من ثمن مثله.
19 - المنافع: أعراض مستفادة من الأعيان يمكن استيفاؤها منها.
20 - المنافع أموال.
21 - منافع المغصوب مضمونة على الغاصب، سواء استوفاها أم عطلها.
22 - إنما تضمن المنافع إذا كانت مباحة، ولها قيمة بين الناس.
23 - تضمن المنافع بأجور الأمثال، فإن أجر المثل هو قيمة المنفعة.
24 - الوقت المعتبر في قيمة عروض التجارة لاعتبار كما النصاب فيها هو جميع الحول، فلا ينعقد الحول حتى تبلغ النصاب ثم تستمر نصاباً إلى تمام الحول.
25 - الواجب في زكاة العروض يخرج من قيمتها لا من عينها. وعلى هذا فإن الوقت المعتبر في قيمتها لأداء زكاتها هو يوم الوجوب (وهو يوم تمام الحول)؛ لأن القيمة هي محل الوجوب، ووقت الوجوب هو يوم تمام الحول، فيكون يوم تمام الحول هو المعتبر في تحديد مقدارها.
26 - الوقت المعتبر في القيمة في جزاء قتل الصيد الذي لا مثل له هو وقت قتله.
27 - الوقت المعتبر في القيمة في جزاء قتل الصيد الذي له مثل – إذا اختار قاتله الإطعام، أو الصيام – هو يوم الانتقال إلى الطعام.
28 - الوقت المعتبر في القيمة في المغصوب إذا أتلفه الغاصب، أو تلف تحت يده هو أكثر الأوقات قيمة من وقت الغصب إلى وقت أداء القيمة للمالك، سواء كان المغصوب قيمياً، أم مثلياً تعذر مثله.
29 - نقص قيمة المغصوب لتغير السعر مضمون ولو في حال رده لمالكه.
30 - الوقت المعتبر في القيمة في المتلف هو أكثر الأوقات قيمة من وقت الإتلاف إلى وقت أداء القيمة للمالك، سواء كان المتلف قيمياً، أم مثلياً تعذر مثله.
31 - الوقت المعتبر في قيمة المسروق للتحقق من بلوغه النصاب هو وقت السرقة.
32 - المكان المعتبر في قيمة عروض التجارة لإخراج زكاتها هو المكان الذي تم الحول عليها فيه، إلا إذا لم يكن لها فيه قيمة – كما لو كان مفازة- فالمعتبر أقرب مكان إليه يكون لها فيه قيمة.
33 - المكان المعتبر في القيمة في جزاء قتل الصيد الذي لا مثل له هو مكان قتله، إلا إذا لم يكن للصيد قيمة فيه – كما لو كان براً – بالمعتبر أقرب مكان إليه يكون للصيد قيمة فيه.
34 - المكان المعتبر في القيمة في جزاء قتل الصيد الذي له مثل – إذا اختار قاتله الإطعام، أو الصيام- هو الحرم. وإذا اختلفت القيمة باختلاف بقاع الحرم فالمعتبر الوسط من القيم.(4/96)
35 - المكان المعتبر في القيمة في المغصوب إذا أتلفه الغاصب، أو أتلف تحت يده هو مكان الغصب إن كان هو مكان التلف، فإن اختلفا فالمعتبر أكثرهما قيمة، سواء كان المغصوب قيمياً أم مثلياً تعذر مثله.
36 - المكان المعتبر في القيمة في المتلف هو مكان الإتلاف، إلا إذا كان لا يصلح لاعتباره في القيمة – كما لو كان مفازة – فالمعتبر أقرب مكان إليه يصلح أن يعتبر في القيمة، سواء كان المتلف قيمياً، أم مثلياً تعذر مثله.
37 - المكان المعتبر في قيمة المسروق للتحقق من بلوغه النصاب هو مكان السرقة، إلا إذا لم يكن بمكان السرقة نقد يقوم به المسروق فالمعتبر- في هذه الحالة- أقرب مكان إلى مكان السرقة يوجد فيه نقد.
38 - عند تقويم الأشياء لا يراعى فيها من صفات أو منافع محرمة، سواء كانت محرمة لذاتها، أم للغرض الذي تستعمل فيه.
وأما الصفات والمنافع المباحة فإنها تراعى، سواء كانت ذاتية كحسن الصوت، أو مكتسبة بتعليم ونحوه كتعليم الطير نقل الرسائل من مكان إلى آخر. وإنما تراعى الصفات والمنافع إذا وجدت في الشيء المراد تقويمه في الوقت الذي تعتبر فيه قيمته.
39 - إذا كان الشيء المراد تقويمه صيداً في الحرم، أو حال الإحرام لم يراع عند تقويمه ما كان فيه من صفات وجدت بصنع العباد كالتعليم ونحوه. وذلك في حال تقويمه لإخراج جزائه كفارة لحق الله. فإن كان تقويمه لحق العباد لكونه مملوكاً فتراعى تلك الصفات.
40 - إذا أريد تقويم المنافع (أي تقدير أجر المثل) وكان أجر المثل في المدة التي يراد ضمان المنافع خلالها متفاوتاً فإنه يقدر الأجر في كل جزء من المدة مختلف عن الآخر بما تساويه المنفعة فيه. ولو كان ما يراد ضمان منافعه خلال مدةٍ ما إنساناً يتقن عدة صنائع روعي تقدير أجرة الصنعة الأعلى إذا لم يمكن جمعها، فإن أمكن جمعها قدرت أجرة الجميع.
41 - يضمن الشيء المتعدى عليه ضماناً عادلاً يعوض مالكه عنه، سواء كان من الأموال الربوية أم لا، وسواء ضمن بجنسه أم بغير جنسه، ساوت قيمته ووزنه أم خالفته؛ فلا يجري الربا في الغرامات.
42 - تقوم عروض التجارة بنقد البلد، فإن تعدد فبالأغلب، فإن وجد نقد أو أكثر سواء في الرواج فينظر: إن بلغت نصاباً بأحدهما دون الآخر قومت بما تبلغ به النصاب، فإن بلغت النصاب بكل منهما فيتخير المالك واحداً منهما يقومها به. وإن قوم المالك عروض تجارته بالأنفع للفقراء ابتداء فهذا أفضل.
43 - يقوم جزاء قتل الصيد بالطعام، أو بالنقد بالغالب.
44 - يقوم المتلف، والمغصوب التالف بنقد البلد الذي تعتبر فيه قيمته، فإن وجد فيه أكثر من نقد فبالأغلب، فإن غلب نقدان وتساويا فإن القاضي يعين واحداً يكون التقويم به. وهذا فيما إذا تشاح الغارم وصاحب الحق. فإن لم يتشاحا، وتراضيا على نقد معين كان ما تراضيا عليه هو المعتبر؛ لأن الحق لا يعدوهما.
45 - تقوم المنافع بالنقد على نحو ما تقدم في تقويم المتلف والمغصوب التالف.
46 - النقد هو الذهب والفضة، سواء كانا مسكوكين، أم غير مسكوكين. ولكن التقويم إنما يكون بالمسكوك منهما دون غير المسكوك. وهذا في الأزمنة السابقة عندما كان التعامل بالنقدين أثمانا للأشياء هو السائد. أما اليوم فقد أصبحت العملة الورقية هي أثمان الأشياء، حلت محل النقدين في ذلك، وانقطع التعامل بالنقدين كأثمان للأشياء. وعلى هذا فإن التقويم اليوم يكون بالعملة الورقية سواء كان التقويم لعين، أم منفعة. وكل بلد حسب عملته.(4/97)
47 - نصب المقوم قد يكون من قبل الحاكم، وقد يكون من قبل غيره من الناس ممن له علاقة بالأمر كالمتنازعين، وقد يأتي المقومون من تلقاء أنفسهم إلى الحاكم، وقد يتولى الحاكم التقويم بنفسه، وقد يتولى الغارم نفسه التقويم في بعض الحالات إذا كان عدلاً خبيراً. ومن ذلك تقويم الشخص عروض تجارته لإخراج زكاتها، وتقويم قاتل الصيد في الحرم، أو حال الإحرام جزاء الصيد الذي قتل، إذا لم يتعمد قتله عالماً بتحريم ذلك عليه، دون حاجة إليه.
48 - يشترط في المقوم ما يأتي:
1. العدد: فلا بد من اثنين ولا يكفي واحد؛ لأن التقويم من قبيل الشهادة. إلا إذا كان الشيء المراد تقويمه ليس ذا شأن كبير في عرف الناس فلا بأس بالاكتفاء بمقوم واحد؛ لأن في اشتراط العدد في هذه الحالة نوعاً من الحرج.
2. الخبرة.
3. العدالة.
4. انتفاء الغرض.
49 - إذا اختلف المقومون فيما يتعلق بتقويمه حد؛ فقومه بعضهم بما يبلغ النصاب، وقومه البعض الآخر بما دونه لم يثبت الحد، سواء كان الاختلاف بين مقوم ومقوم، أم بين أكثر من ذلك؛ لأن اختلافهم هذا شبهة يدرأ بها الحد.
50 - إذا اختلف الغارم والمغروم له في قيمة الشيء المغروم ولا بينة لأحدهما فالقول قول الغارم بيمينه، لأن الأصل براءة ذمته، فلا يلزمه ما لم يقم عليه به حجة. وذلك بشرط أن يذكر قيمة لائقة بالمغروم يمكن أن تكون قيمة له في العرف، فإن ذكر قيمة غير لائقة فإنه يجعل القول في القيمة للمالك بيمينه بالشرط نفسه (وهو أن يذكر قيمة لائقة) فإن ذكر قيمة غير لائقة فإنه يجعل القول في القيمة للمقومين.
51 - إذا اختلف المقومون فيما لا يتعلق بتقويمه حد فينظر: إن كان الخلاف بين مقومين اثنين فإنه يؤخذ بالأقل. وأما الزيادة فلا يكتفي فيها بقول الواحد؛ لاشتراط العدد في المقوم. فإن أراد المالك أن يحلف عليها مع الشاهد بالأكثر فله ذلك، ويستحقها. وإن كان الخلاف بين مقومين اثنين، ومقوم واحد فإنه يؤخذ بقول الاثنين؛ لأنهما نصاب لا يعارض قول الواحد. أما إن كان الخلاف بين اثنين واثنين، أو ثلاثة وثلاثة ... إلخ فينظر: إن أمكن ترجيح فريق منهم على سواه بزيادة خبرة فيؤخذ بقول الأكثر خبرة، وإن لم يمكن ذلك فيؤخذ بقول الأكثر عدداً؛ فإن تساووا في العدد فإنه يؤخذ بقيمة وسط. والمراد بالوسط هنا ما يسمى بالمعدل؛ وهو ناتج قسمة مجموع الأعداد التي قيل بها على عدد الأقوال. وهذا الحكم شامل لاختلاف مقومي الأعيان، واختلاف مقومي المنافع.
52 - التقويم اجتهاد ظني، ولكنه من الظنيات التي دل الدليل على اعتبارها، وأذن الشرع بالعمل بها؛ لمسيس الحاجة إلى ذلك، وهو بدل في العلم كالقياس مع النص.
53 - إذا تم التقويم المعتبر فإنه يترتب عليه أحكام تختلف بحسب اختلاف الغرض المراد منه. فمثلاً: إذا كان المراد من التقويم معرفة وجوب الزكاة في عروض التجارة من عدمه، ومقدار الواجب – في حال الوجوب- فإنه يتبين بعد التقويم: إن كانت قيمة العروض قد بلغت النصاب فتجب فيها الزكاة، أو لم تبلغه فلا زكاة فيها. ثم إذا علم بالتقويم بلوغها النصاب، ووجوب الزكاة فيما يعلم به – أيضاً- مقدار ما يجب إخراجه بحسب النسبة المفروضة (وهي 2.5% من القيمة). وإذا كان المراد من التقويم معرفة الجزاء الواجب بقتل الصيد في الحرم، أو حال الإحرام؛ ليخرج جزاءه فإنه يتبين بعد التقويم مقدار القيمة، وحينئذٍ يجب إخراج الجزاء بهذه القيمة.
وإذا كان المراد من التقويم معرفة قيمة شيء من أموال الآخرين قد استحق ضمانة بسبب إتلاف، أو نحوه فإنه بعد حصول التقويم المعتبر يستحق صاحب المال المتلف القيمة من متلفه، ويلزم المتلِف بدفعها إذا طلب صاحب المال المتلف ذلك.(4/98)
54 - إذا حال الغاصب بين المال وصاحبه، ثم ضمنه له لم يملكه بذلك. بل متى ظهر المغصوب فللمغصوب منه حق استرداده، وإعادة القيمة.
55 - إذا أخذ المغصوب منه القيمة للحيلولة لم يملكها، ولكنه ينتفع بها وهي على ملك الغاصب في مقابل ما فاته من منافع العين المغصوبة.
56 - إذا أتلف شخص مالاً لآخر، أو تلف تحت يده العادية، وكان مما له مثلا، فتعذر المثل، فحكم الحاكم بأداء القيمة ثم وجد المثل فينظر: إن كان المتلف لم يغرم القيمة بعد للمتلف عليه فإنه يجب عليه أداء المثل، وإن كان قد غرم القيمة فإنه يستقر حكمها، ولا يجب على المتلِف أداء المثل.
57 - من الأحكام المترتبة على التقويم أنه لو ارتبط مالان لشخصين على وجه لا يمكن انفصالهما بغير وقوع ضرر على أحدهما فإنهما يقومان، ثم بعد التقويم ينظر: إن كانا في القيمة سواء فإن اصطلح مالكهما على شيء جاز ذلك، وإن تنازعا بيع المالان، وقسم الثمن بينهما. أما إن اختلف المالان في القيمة فإنه يغلب على جانب صاحب المال الأكثر قيمة على جانب صاحب المال الأقل قيمة. وذلك إذا كان ارتباط المالين ببعضهما قد وقع بدون قصد التعدي، فإن كان قد وقع تعدياً – كما لو كان غصباً- فإن المغلب هو جانب المتعدي عليه، سواء كان صاحب المال الأقل قيمة، أم صاحب الأكثر. وهذا نوع من التمليكات المشروعة لإزالة ضررٍ ما، أو تحصيل مصلحة عامة.
58 - ومما يتصل بهذا – وهو من الأحكام المترتبة على التقويم- أنه إذا قوم شيء بغرض تملكه من أجل دفع ضررٍ ما، أو جلب مصلحة عامة فإنه لا يتم تملكه إلا بعد أداء القيمة لمالكه.
59 - ومن الأحكام المترتبة على التقويم أنه إذا قوم المسروق لمعرفة بلوغه النصاب من عدمه فإنه بعد التقويم ينظر: إن كانت قيمته قد بلغت النصاب فإن الحد يجب – إذا توافرت سائر الشروط-، وإن كانت قيمته لم تبلغ النصاب لم يثبت الحد.
60 - ومن الأحكام المترتبة على التقويم أنه إذا كان المراد من التقويم التحقق من صدق دعوى غبن في عوض عين، أو منفعة فإنه يتبين بعد التقويم ما إذا كان قد وقع الغبن فيحكم للمغبون بما يقتضي رفع الغبن عنه، أو لم يقع غبن فتبطل الدعوى.
61 - إذا حصل التقويم ثم اعترض عليه فينظر: إن كان الاعتراض غير مستند إلى بينة لم يقبل، وإن كان مستنداً إلى بينة فينظر: إن وقع قبل أن يبنى على التقويم حكم فهو من قبيل اختلاف المقومين، فحكمه حكمه. وإن وقع بعد ما بني على التقويم حكم فينظر: إن كان التقويم الذي بني عليه الحكم واقعاً على الوجه المعتبر فيه فإنه ماضٍ، ولا يقدح فيه الاعتراض. وأما إذا لم يكن واقعاً على الوجه المعتبر فإنه يبطل، وينقض الحكم الذي بني عليه: لا بسبب الاعتراض، بل بسبب عدم حجية هذا التقويم من أصله.
فالذي يملك حق الاعتراض على التقويم من كان معه بينة على اعتراضه، والوقت الذي يقبل فيه الاعتراض هو ما كان قبل الحكم بالتقويم، أما بعد الحكم فلا يؤثر الاعتراض ما لم يوجد في التقويم خلل فيبطل بسبب الخلل الاعتراض.
62 - إذا تم التقويم، ثم ظهر ما يقدح فيه؛ بأن تحقق وقوع الخطأ فيه، أو اطلع على صفة زيادة أو نقص، أو تبين وجود خلل فيه من حيث أهلية المقومين، أو مراعاة الوقت الواجب اعتبار قيمة الشيء المقوم فيه، أو من حيث ما يجب أن يكون به التقويم، ونحو ذلك فإن التقويم ينقض.
63 - إذا رجع المقومون عن تقويمهم فإنه يبطل، سواء بني عليه حكم، أم لا. أما إن رجع واحد فينظر: إن كان يتعلق بالتقويم حد فرجوعه كالاختلاف بين المقومين، فلا يستوفى الحد. وإن لم يتعلق بالتقويم حد فينظر: إن كان غير الراجع اثنين لم يقدح رجوع الراجع، وإن لم يبق بعد الرجوع إلا واحد فقط فلا اعتبار لهذا التقويم.
64 - إذا تم التقويم على الكيفية المعتبرة فيه، ثم تغيرت الأسعار بحيث لو أعيد التقويم لظهر فرق كبير بين التقويمين فلا يقدح هذا في صحة التقويم، سواء كان تقويماً لعين، أم لمنفعة. إلا إذا كان المراد من التقويم تملك الشيء المقوم من صاحبه لإزالة ضررٍ ما، أو جلب مصلحة عامة، وتأخر دفع القيمة حتى تغيرت فإن التقويم يبطل، وتجب إعادته.(4/99)
التمثيل حقيقته - تاريخه - حكمه
Oبكر بن عبدالله أبو زيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراية - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1411هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تمثيل - رقص
الخاتمة: والخلاصة أن التمثيل: حرفة، وأداء، وتكسباً وعرضاً، ومشاهدةً، لا يجوز، لأنه إن كان تمثيلاً دينياً فهو بدعي: لوقف العبادات على النص ومورده، ولما علمت من أصله لدى النصارى واليونان. وإن كان غير ذلك فهو لهم محرم، لما فيه من التشبه، ولما رأيته من تفاريق الأدلة، وما يحتوي عليه، ويترتب عنه من الآثار المعارضة لآداب الشريعة، وناموس الترقي، وانحلال ربقة الأدب، وأن ما فيه من عظات، وفضائل مزعومة، فهي ضائعة مغمورة في حلبة تلك الملهيات التي توقظ نائم الأهواء، وتحرك ساكن الشهوات، كما ينطق به الواقع المرير، لتمرير الفحش، والخناء، والفسوق والعصيان، وتهديم البيوت داخل أسوارها، فهو يمثل مخاطر على العقائد، والأخلاق، والفضائل، والآداب.
وبالجملة فإن انتشار التمثيل بصفته التي تشاهد وتسمع كل يوم وليل: يمثل ظاهرة اعتلال في الأمة، ونهم في اللهو واللعب، ووهن في الدين، وفراغ من العلم، وعجز عن تحصيله، وتحطيم للأمة في قوتها ووقتها، وتنمية طاقاتها ومواهبها، فما هي إلا وسيلة عدوان على الأمة، وتخطيط رهيب لتعيش سادرة، تخوض فيما لا ينفعها في دينها ولا في دنياها، بل هو ضرر محض عليها في الدين والدنيا.
وإفساد الإنسان، وانهيار أخلاقه، بغرض السيطرة عليه: مخطط تخريبي، يهودي. وفي "بروتوكولات يهود": "يجب أن نعمل لتنهار الأخلاق في كل مكان، فتسهل سيطرتنا إن "فرويد" منا، وسيظل يعرض العلاقات الجنسية في ضوء الشمس لكي لا يبقى في نظر الشباب شيء مقدس، ويصبح همه الأكبر إرواء غرائزه الجنسية، وعندئذ تنهار أخلاقه" انتهى.
والتاريخ يحفظ في سطوره أن الهيام في المضحكات والترفيهات من علائم الانحطاط وانقراض الدول. فهذا المستعصم آخر خلفاء بني العباس في بغداد كان مولعاً بالتفرج على "المساخرة" المضحكة، وكان يقضي أكثر زمانه معها، كما في "الفخري ص/144" وتاريخ أبي الفداء 3/ 176، وغيرها.
وهكذا إذا ماتت السنن ظهرت البدع، وإذا ضعف الجد والعزم، تفشى في الأمة الهزل والضعف، لتصل إلى محطة الشيخوخة في دائرة قطيع يساوم، وسلع تساوم وإن الحياة لحادث جلل فما بمثل هذا تعمر الحياة، ويكون "التمثيل" ناموساً ورمزاً لمجدها.
وبالجملة فالتمثيل يحوي مفاتيح هذه المقاصد الهابطة،
ويتضمن "محاضن تفريخ لها".
وهنا أذكر من ابتلي بشيء من أمر الفتيا، أن يبصر حال أمته ويبصر أوضاعها، وماذا يراد بها، ليتوقى عند إصدار الفتوى من فتيا تكون سلماً لتلك المآرب المهينة، ولا أرى الفتيا بالجواز المقيد بشروطه، إلا ومصدرها – مع التقدير – في غياب عن الساحة وما يجري فيها من توظيف "التمثيل" لهدم مقومات الأمة، فستكون الفتيا "تكأة" ينطلق منها الآثمون، مستبعدين لضوابطها الشرعية عند من أفتى بها – وقد فعلوا؟! وأقول أخيراً: إن التمثيل لو كان جائزاً بشروطه لوجب في هذا الزمان الإفتاء بمنعه وتحريمه لما يشاهد في بلاد المسلمين من زحم التمثيليات المهول التي تفرز خطورة على مقومات المسلمين كافة، ولا ينازع في الواقع هذا إلا جاهل به، أو ممالي.
أيقظ الله المسلمين من غفلتهم، وهداهم، وأصلح بالهم، والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. بكر أبو زيد.(4/100)
العلاقات الجنسية غير الشرعية وعقوبتها في الشريعة
Oعبدالملك بن عبدالرحمن السعدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البيان العربي - بيروت
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1405هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حدود زنا
خلاصة البحث
يتخلص من كل ما تقدم ما يلي:
1 - إن العلاقة الجنسية، نشأت مع الإنسان وأخذت تتطور مع حياته جنبا إلى جنب وأن انحرافها عن هدفها وعن قواعد القوانين المنظمة لها ليس بعيدا عن أول نشأتها. فهي مشكلة ليست خاصة بأمة أو عصر بل هي مقارنة لجميع الأمم والعصور.
2 - اتضح لنا أن الزنا، واللواطة، والسحاق، والوطء البهيمي مما أجمع على تحريمها المسلمون بل اجتمعت على ذلك جميع الأمم السالفة والملل الغابرة.
3 - كما اتضح أن الراجح لدى علماء المسلمين جواز التزوج بالزانية والزاني لأنه عملية قد تؤدي إلى إعفافهما عن ارتكاب هذه الجريمة في المستقبل.
4 - تبين أن عملية التلقيح الاصطناعي تجري بين الحيوان والإنسان فاتفق على حلها مع الأول مطلقا واتصف بالحل والحرمة مع الثاني. فالحل إن أجريت العملية من الزوج إلى زوجته. والحرمة إن أدخل السائل المنوي من أجنبية إلى رحم المرأة.
5 - تبين لنا أن نكاح المتعة قد نسخه الإسلام وحرمه في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبالتالي توصلنا إلى أنه يجتمع مع الزنى على أجر في طريق واحد من الرذيلة والعار وأنه عقد مناف لأهداف النكاح وتأباه المجتمعات الإنسانية فضلا عن الإسلامية.
6 - بينا أن الراجح حرمة إتيان الزوجة في دبرها لفقده الغاية من جعل المرأة حرثا للولد. ولكنه يؤدي إلى أضرار صحية واجتماعية تأباها قواعد التشريع الإسلامي.
7 - توصلنا إلى أن عملية إخراج المني باليد من غير جماع مباح إن حصلت ضرورة كان يخشى من تركها الوقوع في الزنى ومع التقليل منها وإلا فحرام.
8 - أثبتت الشريعة الإسلامية – وأيدها الواقع – أن للزنى مقدمات يؤدي ارتكابها إلى التوصل إليه وفي مقدمتها نظر الجنسين بعضهم إلى بعض بشكل لم يرد به إذن من المشرع ولم يقم على أسس من المصلحة والضرورة.
كما أنها اعتبرت كشف العورة والتعري والخلاعة وتبرج المرأة وخروجها من البيت بدون حاجة مأذون بها وسفرها وحدها واختلاطها بالرجال الأجانب من العوامل الرئيسية للوصول إلى الاتصال الجنسي اللاشرعي ولإحداث الفوضى الجنسية في المجتمع الإسلامي.
وعلى هذا الأساس سدت الشريعة الإسلامية هذه الأبواب وحرمت اقترابها مخافة التدخل إلى ما وراءها من مفاسد وتحلل في الأخلاق.
9 - اقتضت مصلحة حياة الإنسان أن يحرم الزنى ومقدماته وملحقاته كذلك ما يترتب عليه من أضرار في الصحة حيث تنشأ عنه أمراض جسمية ونفسية.
ومن أضرار اجتماعية. من ذلك وجود أولاد فاقدين الأنساب ورعاية الأبوة وتربية الأسرة. ومن ذلك إحداث تفكك في الأسر التي منها قوام المجتمع وحصول كثير من الجرائم وهتك للأعراض. وإشاعة الفتن وإراقة الدماء. بالإضافة إلى حصول أموراً مخلة بالأخلاق والاقتصاد.
10 - ذكرنا أن تشريع العقوبة هو من أسمى ما جاء به الإسلام لزجر ضعفاء النفوس على ارتكاب الجرائم ومن أمن العقوبة أساء الأدب واعتدى.
11 - بينا أن جريمة الزنا متركبة من ثلاثة أركان:
1 - وطء.
2 - واطئ.
3 - موطوء.
ولابد لتحقيق الجريمة من توفر الشروط الشرعية في كل ركن من هذه الأركان.
12 - اتضح لنا أن التشريعات الوضعية لم تضع قانون معاقبا عقوبة تقطع دابر هذه المفسدة كما وضع لها الإسلام.(4/101)
فمع أن القانون لم يعاقب إلا في حالة فقدان الرضا أو حصول خيانة زوجية فإنه لم يجعل عقوبة أكثر من السجن أو الحبس أو الغرامة المالية. بينما الإسلام وضع العقوبة الجذرية لهذه المشكلة تتردد بين الإعدام – لتخليص المجتمع من عضو فاسد فيه وبين الجلد المؤلم ليتأدب الجاني فلا يعود إلى الجريمة بعد ذلك.
13 - وإلى جانب شدة العقوبة الإسلامية فإن الإسلام لم يوقعها على الشخص بمجرد إلقاء التهمة عليه أو الاكتفاء بأبسط الأدلة بل لابد من بينة أو إقرار مستكملين جميع الأوصاف التي وضعها القانون الإسلامي لقبولها والاعتداد بهما.
14 - قارنا نوعاً من العقوبات التي فرضتها الأديان السابقة والملل القديمة مع التشريعات الإسلامية فوجدناها غير كفيلة بضمان سلامة الأعراض والأرواح إذا ما قورنت بأنظمة الشريعة الإسلامية.
اقتراحات لعلاج المشكلة الجنسية
الذي نراه ويقره كل مفكر ونبيل أن مشكلة الجنس واختلال نظامها لا يمكن معالجته إلا من حيث أتى الخلل إلى نفوس أبناء هذا المجتمع النقي الذي ينبغي أن يتمثل بأسمى مبادئ الأخلاق والنزاهة ويتحلى بأبهى حلي الفضيلة والآداب فلابد من رجوع إلى المكارم وعودة إلى مفرق الطريق لنسلك السبيل الموصل للعزة والكرامة. السبيل الذي سلكه أمجاد هذه الأمة وسادتها ومفكروها، وسد لمنفذ الشر والفساد.
فالذي أراه لحلها مراعاة ما يلي:
1 - أن أنجع دواء وأنفع علاج للقضاء على الميول الجنسي اللاشرعي هو الالتزام بآداب القرآن الكريم ومبادئ الإسلام الحنيف. وعلى رأس ذلك مخافة الله تعالى وخشية عقابه وانتقامه. والاعتزاز بالعادات الإنسانية .. عادات الرجولة والشرف.
والتذكر أن الجزاء من جنس العمل – من يزني يزن به ولو بجداره ... وليتذكر الجاني عدم رضاه لو وقع الفعل على إحدى محارمه.
فلا صارف للمرء عن ارتكاب الجريمة كاستحضاره لمراقبة المولى العليم الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. لاسيما إذا وضع نصب عينه {إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}.
وإذا خلوت الدهر يوماً فلا تقل
خلوت وقل عليّ رقيب
2 - الزواج المبكر: إذا جاوز الشاب مرحلة المراهقة ودخل سن الرجولية (البلوغ) ابتدأت نفسه تراوده وتطلب منه الوقوع في هوة الفساد وتستدعيه إلى مواضع الهلاك وأشدها مراودة إذا بلغ ما بين 18 - 25 سنة وبهذه المرحلة من عمره يفضل أن يسارع لاختيار شريكة لحياته يتحصن بها عن ارتكاب موبقة تخل بدينه وشرفه إن توفرت لديه الإمكانيات اللازمة هذا بالنسبة للرجل أما المرأة فالأولى المسارعة في تعجيل زواجها منذ بلوغها مبلغ النساء لأن خطرها أشد من الرجل.
وهذا الأمر يتطلب حل مشكلة اجتماعية – في زماننا هذا – يمكننا أن نعدها في مقدمة أسباب تأخر زواج الشابات والشباب إلا وهي المبالغة في مبالغ المهور وفرض طلبات كثيرة على الراغبين في الزواج بحيث يعجز الرجل القيام بها ولاشك أنه مانع رئيسي من موانع الزواج لذلك حث الإسلام على تقليل المهور.
فقد روى أبو داود عن أبي العجفاء السلمي قال: (خطبنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: ألا لا تغالوا بصدق النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عندالله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم. ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية) ويا حبذا لو شجعت الدولة الشباب على الإقدام على الزواج بالمساهمة المالية لإسعافهم ومد يد المساعدة في زواجهم وعلى الأقل لو قامت بتسليفهم مبالغ المهور خالية من أعباء الأرباح الربوية على أن تستردها منهم بعد مدة طويلة من الزمن وبدون التقيد بمبلغ راتب المستلف أو اشتراطه كونه موظفا.(4/102)
3 - وعند تعذر ذلك فما على الشباب إلا أن يستعين بالصبر وضبط النفس بالسيطرة التامة على هيجانها ليثبت جدارته في تحمل المشاق والمتاعب متمثلا بقوله تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}.
ومما يساعد على ذلك صحبة الأخيار والصالحين ومجالستهم والابتعاد عن أهل الفساد والرذيلة لأن صحبتهم سبب لتقوية الحواجز الداخلية وهي مخالفة الله تعالى والخوف من غضبه والإيمان بدار العقاب والجزاء.
4 - بالإمكان مقاومة طغيان هذه الشهوة بكسرها بالصوم كما يروي مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
ويقوم مقام الصوم التقليل من تناول الأطعمة المهيجة والمثيرة.
ومما يساعد على مقاومة الثورة الجنسية ممارسة الألعاب الرياضية. والاشتغال بالكسب والعمل أو بالبحث والعلم لأن ذلك يقاوم قوته من ناحية ويضيق عليه أوقات التفكير والتخيل من ناحية أخرى فإن الراحة والخمول لهما الأثر البالغ في إثارة الشهوة.
5 - ومن أهم ما تعالج به: القضاء على الوسائل المثيرة والمهيجة للشهوة الجنسية. ويتحقق ذلك عن طريق منع التبرج، والخلاعة والاختلاط، والحفلات الساهرة، ومنع رواج الصور العارية والحد من تصرف الشباب والشابات، والسيطرة في إبعاد الجحيم عن وقودها. ومنع نشر الأفلام الماجنة في التلفزيون والسينمات. ومنع الصحف والمجلات الوافدة أو المحلية التي تدعو إلى الحب والغرام والتي تحمل في طياتها الدعوة إلى الفجور. ومنع إذاعة أو سماع الشباب أغاني الغزل والغرام.
شريطة ألا يكتفي بذلك بكتابة المقالات أو القرارات والأنظمة لمنعه بل لابد من أن تتولى السلطة متابعة ذلك بجد وحزم وتوقع العقوبات المادية بحق المخالفين ولا يمكن ذلك إلا أن تجعلها في مقدمة شؤونها بحيث تعتبر ذلك من الأمور التي يؤدي الأمر في إهمالها إلى تسيب في الأمن والاستقرار. ولا تقل شأنا عن الحوادث التي تهدد سلامة الدولة ونظام الحكم.
ونتيجة لتحسس ضمير الغرب في مخاطر الزنى (أصدرت الهيئة البريطانية) تقريرا خطيرا اهتزت له بريطانيا كلها. كما أشرنا إليه من ذي قبل. وقد ختمت اللجنة تقريرها برأي مناسب لحل هذه المشكلة فقالت:-
والحل الذي نراه هو "إحداث تغيير جذري في المجتمع ذاته" وقد عدت الجمعية شرب الخمر وأندية (الجاز) والحفلات الساهرة من بين العوامل التي قادت إلى الفوضى الجنسية بين الشباب.
والجمعية تؤكد أنه لا حل غير (العفة) إذ أن (العفة) وحدها هي الضمان ضد الأمراض التناسلية والحمل السفاحي – فإن ثلث الفتيات – اللاتي يتزوجن قبل العشرين يتزوجن وهن (حاملات) كما تقترح اللجنة على الحكومة تكوين لجنة للنظر في أمر الأدب المكشوف لصلته المباشرة بهذا الموضوع ().
6 - قيام السلطة بما يلي:
أولا- السعي لتطهير الشباب وتنظفهم من الأوصاف الدنيئة والبطالة وذلك لا يتم إلا بإحداث جو مليء بالثقافة، والعمل وإشغال الناشئة بالبحث والفكر والمعرفة. وتنقية المجتمع من الكسل والبطالة والتسكع.
ثانيا: تقوم بتشريع نظام صارم يحقق الغاية من التشريعات الجنائية ومن الواضح لكل منصف أن هذا لا يحقق إلا بتشريع مستمد من الشريعة الإسلامية.
أما قانون العقوبات فبالرغم من كون عقوبته لا تتجاوز السجن أو الغرامة المالية – اللتين لا تكونان زاجرين لدى أغلب الأفراد – فإنه لا يعالج جميع القضايا الجنسية التي تحل الفساد في المجتمع كما علمت فيما سبق غير مرة.(4/103)
العمل بالاحتياط في الفقه الإسلامي
Oمنيب بن محمود شاكر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة
بعد حمد الله تعالى على إتمام هذا البحث، وبعد أن انتهيت من دراسة موضوعاته أسجل هنا أهم ما ورد فيه من نتائج:
1ـ إن تقرير أحكام الشرع لا يكون إلا بالبناء على أصل شرعي، وإن الاجتهاد لا يكون إلا على أصول يضاف إليها التحليل والتحريم، وإنه لا يجتهد إلا عالم بها، وإن الأصل ألا تبنى الأحكام إلا على العلم، وأما البناء على الظن في بعض الأحكام فلكون الضرورة داعية إليه، لتعذّر العلم في أكثر الصور.
2ـ جاءت الشريعة مستوعبة لجميع الأحكام، فما ترك الله عزّ وجلّ ورسوله ? حلالاً إلا مُبيّناً، لكن بعضه كان أظهر بياناً من بعض، فمنه ما اشتهر بين حملة الشريعة خاصة، فأجمع العلماء على حلّه أو حرمته، ومنه ما يخفى على بعض من ليس منهم، ومنه ما لم يشتهر بين حملة الشريعة فاختلفوا في تحليله وتحريمه بسبب الاختلاف في المأخذ والمستمسك.
3ـ قد تعرض للمجتهد بعض الشبه، وهي قسمان: شبهة حكمية، وهي التي تقع في الحكم الشرعي، بمعنى أن حكم الشارع غير ظاهر من الدليل على وجه العلم أو الظن. وشبهة محلية، وهي التي ترد على المحكوم فيه الذي هو محل الحكم من حيث دخوله تحت حكم الشارع من حل أو حرمة أو غير ذلك. وذلك يعود على مناط الأدلة، وليس على الدليل.
4ـ الاحتياط في اللغة: افتعال من الحَوْط، وأما الحاء والياء والطاء فليس أصلاً لهذا الاسم. والاحتياط مصدر من الفعل احتاط، وما ذكره اللغويون عن معنى الاحتياط يدور حول الحفظ، والمنع، والأخذ في الأمور بالحزم والثقة. وأنه يستخدم ـ أحياناًـ في كتب الفقه مكان لفظة الاحتياط لفظ الأحوط، وهو لفظ شاذ لغة، لأن أفعل التقضيل لا يأتي من غير الثلاثي.
والناظر في كتب الفقه يجد أن اللفظين كليهما مستعمل دون تفريق بينهما، ولكن التركيب اللغوي لهما مختلف، ولذلك وجب أن يكون بينهما اختلاف، إذ اختلاف المبنى يدلّ على اختلاف المعنى، فـ (الاحتياط) مصدر للفعل احتاط، و (الأحوط) أفعل تفضيل منه، وأفعل التفضيل يفيد زيادة على المصدرية، فالأحوط آكد من الاحتياط.
وأما التعريف الاصطلاحي المناسب للاحتياط ـ في نظري ـ فهو: الاحتراز عن الوقوع في منهي أو ترك مأمور عند وجود الاشتباه.
5ـ هناك فرق بين الاحتياط والتوقف، فالاحتياط يكون نتيجة للتوقف، معنى أن الحكم بالعمل بالاحتياط لا يتمّ إلا بعد التوقف لعدم اتضاح الدليل أو عدم معرفة الحكم الشرعي في المسألة النازلة.
6ـ يظهر أن التحفّظ أعم من الاحتياط، إذ هو معنى لغوي لم يقيّد باصطلاح معيّن، وهو قريب من معنى الاحتياط اللغوي.
7ـ ينقسم الاحتياط من حيث مصدره إلى نوعين: احتياط عقلي، واحتياط شرعي. وينقسم من حيث الفعل والترك إلى ثلاثة أقسام: احتياط في الفعل، واحتياط في الترك، والجمع بين أمرين مع التكرار.
ويكون الفعل لتحصيل منفعة، ويكون الترك لدفع مفسدة، والتوقف يكون لتساوي الأمرين معاً بالنسبة للمجتهد.
8ـ إن المجيزين للعمل بالاحتياط هم الجمهور، ويتبيّن ذلك من احتجاجهم به في مصنفاتهم وفتاويهم ومسائلهم. وهناك أدلة كثيرة يُستدلّ بها للعمل بالاحتياط، منها ما هو في ووجوب العمل بالاحتياط، ومنها ما يدلّ على أنه مندوب لا على أنه واجب.
9ـ أنكر ابن حزم قاعدة العمل بالاحتياط، ومردّ ذلك راجع إلى نزعته الظاهرية، وإبطاله للرأي والقياس والاستحسان. ولم أطلع على كلام أحد من العلماء ينكر فيه قاعدة الاحتياط بالكلية إنكاراً مطلقاً، وقد نجد من ينكر دخول الاحتياط في مسائل معينة. وقد ترجّح عندي حجية العمل بالاحتياط.(4/104)
10ـ الأحكام التكليفية الخمسة تدور على العمل بالاحتياط ـ فقد يكون الاحتياط واجباً، وقد يكون مندوباً، وقد يكون محرّماً، وقد يكون مكروهاً، وقد يكون مباحاً.
11ـ عند اختلاط المباح بالمحظور لا يخلو أن يكون المحظور محرماً لعينه، أو محرماً لكسبه. فإذا كان المحظور محرماً لعينه فإنه إذا خالط حلالاً وظهر أثر الحرام في الحلال فإنه يحرم تناول الحلال، لأن ما كان من ضرورات الحرام يكون حراماً، فيجب الاحتياط بالامتناع عن الخلط كله. وتغليب التحريم هو من باب الاحتياط، لأن العمل بمقتضاه يخلص عن المحذور يقيناً بخلاف العمل بالحل فإنه لا يخلّص لاحتمال المحذور في الواقع فيقع فيه.
وإن لم يظهر أثر الحرام في الحلال فلا يحرم الخليط، فإن العين المنغمرة في غيرها إذا لم يظهر أثرها تكون كالمعدومة حكماً. ولا يظهر أثر الحرام المخالط للحلال في ثلاث حالات: استهلاك الحرام في الحلال، واستحالة المحظور لعينه، وإزالة المحظور.
12ـ يُعفَى عن يسير المحظور المختلط بالمباح الكثير. وقد استحبّ بعض العلماء ترك يسير المحرّم من باب الاستحباب. وتحديد يسير المحرّم يرجع فيه إلى العرف.
وإذا كان المحظور محرماً لكسبه، فإن أمكن تمييزه وجب، وإن لم يمكن فيه التمييز فلا يخلو من أن يكون محصوراً أو غير محصور. فإذا اختلط حلال محصور بحرام محصور، أو حلال محصور بحرام غير محصور، فإن الاحتياط يُشرع فيهما. وأما إذا اختلط حرام محصور بحلال غير محصور، أو حرام غير محصور بحلال غير محصور فإنه لا يُشرع الاحتياط. ولكن يقال: كلما كثر الحرام تأكّد الورع، وكلما كثر الحلال خفّ الورع.
وأما ما يمكن فيه التمييز فإنه يخرج عين الحرام. فإذا كان الحرام المختلط بالحلال غير مستهلك وأمكن تمييزه وجب. وإن كان مثلياً أخرج مثله.
13ـ إذا اشتبه المباح بالمحظور وجب اجتناب المشتبه، لأن الوصول إليه غير ممكن. فإن كان له بدل انتقل إلى البدل وترك المشتبه. وذلك أنه تعذّر الوصول إلى المباح فوجب الكفّ والاجتناب والعدول إلى ما لا ريبة فيه ولا شبهه، وهو مما لا تقتضي الضرورة تناوله لوجود بدله.
14ـ الاحتياط لأمور العبادة عند الاشتباه واجب، لأن يقين الأداء لا يتمّ إلا بالتأكد من تحقق جميع شروطها وأركانها. وإذا استطاع تحصيل اليقين ترك المشتبه.
15ـ ليس في الشريعة شيء مشكوك فيه البتة، وإنما يعرض الشكّ للمكلف. فإذا كان للمشكوك فيه حال قبل الشك فإن المكلف يستصحب ما كان قبل الشك ويبني عليه حتى يتيقن الانتقال عنه. فالشك لا يبنى عليه حكم شرعي إذا كان هناك أصل استصحب على خلافه، فإنه إذا وجد الأصل المستصحب فهو يقين لا يعدل عنه إلى العمل بالظن وجوباً، وإذا فُقد تعيّن العمل بالظن ندباً.
والشك على ثلاثة أضرب: شك طرأ عل أصل حرام، وشك طرأ على أصل مباح، وشك لا يعرف أصله. فما لا يتحقق أصله، ويتردد بين الحظر والإباحة، فالأولى تركه.
ويكون الاحتياط عند حصول الشك الموجب للشبهة، أما إذا حصل شك لا يوجب الشبهة فلا يعمل بالاحتياط. لأن الشك عبارة عن اعتقادين متقابلين نشآ عن سببين، هذا يعني أن ما لا سبب له لا يكون شكاً يوجب الشبهة التي يشرع الاحتياط لها.
16ـ إبراء الذمة واجب، فيكون الاحتياط لأجل إبراء الذمة واجب أيضاً، سواء كان ذلك في الإثبات أم في الإسقاط.
17ـ الشك في وجوب الشيء أو عدمه لا يوجب الفعل، لأن الأصل براءة ذمة المكلف من التكليف، ولكن يستحب فعل المشكوك في وجوبه.
18ـ الأصلان إذا تعارضا في لوازمهما قد يعطي كل أصل حكمه وإن تناقضا. وقد يعبر عن ذلك بأن اختلاف اللوازم قد لا يؤثر في اختلاف الملزومات.(4/105)
19ـ نصّ الفقهاء على اشتراط الجزم والتنجيز وعدم التردد والتعليق في النية، والعمل بالاحتياط مع وجود الشك لا يتحقق فيه هذا الشرط الذي نصّوا عليه، فجعل بعض الفقهاء هذه المسألة داخلة تحت قاعدة إجزاء ما ليس بواجب عن الواجب. ووضع بعضهم لها ضابطاً وهو أن ترديد النية إن استند إلى ظاهر أو أصل سابق لم يضرّ، وإن لم يستند لذلك بطل.
20ـ الورع مندوب إليه لما فيه من الاحتياط في العبادات والمعاملات، ومع كونه ليس واجباً إلا أنه أحد قواعد الدين.
وقد يكون المراد من لفظ الورع المعنى الأشمل، المطلوب أن يتصف المكلف به في أدائه للعبادة فيوصف بالوجوب، ولكنه لا يكون كذلك اصطلاحاً.
وقد يكون الورع بمعنى الاحتراز عن الحرام، فيكون حكمه الوجوب أيضاً، ولكن لا يدخل هذا المعنى في حقيقة الورع الاصطلاحي، وإن أطلقه بعض العلماء عليه. والورع كما يكون في الفعل يكون في الترك. والورع المستحبّ هو الذي يحقق الاحتياط في العبادات والمعاملات. أما ما لا يحقق ذلك فلا يكون مستحباً، بل هو وسوسة خارجة عن الورع. والورع عند بُعد الاحتمال ضرب من الوسواس، وكذلك لا ورع في الاحتمالات النادرة.
وقد ذهب جماعة إلى أن المباحات لا يدخل الورع فيها، لأن الله تعالى سوى بين طرفيها، والورع مندوب إليه، والندب مع التسوية متعذر.
وقال آخرون: يدخل الورع في المباحات، والحق أن القولين كليهما صحيح، إذ لم يتواردا على محل واحد في الكلام. والجمع بينهما أن المباحات لا زهد فيها ولا ورع فيها من حيث أنها مباحات، وفيها الزهد والورع من حيث أن الاستكثار من المباحات يحوج إلى كثرة الاكتساب الموقع في الشبهات، وقد يوقع في المحرمات. وكثرة المباحات ـ أيضاً ـ تفضي إلى بطر النفوس، فكان الزهد والورع في المباحات من هذا الوجه، لا من جهة أنها مباحات، فسبب الوقوع في الحرام هو كثرة الأخذ من المباح، وقلة الوقوع في الحرام هو الورع والإقلال من المباحات.
وقد أنكر العلماء على من سدّ باب الورع، وهم المباحية الذين لا يميّزون بين الحلال والحرام، بل الحلال ما حلّ بأيديهم والحرام ما حّرموه، لأنهم ظنّوا أن الحرام قد طبق الأرض، ورأوا أنه لابدّ للإنسان من الطعام والكسوة، فصاروا يتناولون ذلك من حيث أمكن، وهذا الظنّ قد أورثهم الانحلال عن دين الإسلام.
وترك المباح لا يعدّ من الورع مطلقاً، حيث ورد الإذن بتناوله، ومن ذلك مثلاً ترك الأعطيات التي لا شبهة فيها، إن كان القلب ليس مستشرفاً لها، وأما السؤال والاستشراف للمال فتركه مطلوب. ويدخل في باب الإفراط في الورع الممنوع: الورع في ترك ما فعله ?.
21ـ الاختلاف عند الأصوليين هو ما تعددت فيه آراء المجتهدين وأهل الرأي في المسائل التي لم يرد فيها دليل قطعي. والمراد من الخروج من الخلاف هو أن من اعتقد جواز شيء يترك فعله إذا وجد من أهل الاجتهاد من يعتقد كونه حراماً، أو اعتقد جواز الشيء يفعله إذا كان من أهل الاجتهاد من يرى وجوبه. وحاصل هذه القاعدة هو الجمع بين أقوال المجتهدين. وقد كثر نقل العلماء للعمل بهذه القاعدة وبيان فضلها، حتى حكى بعضهم الاتفاق على الحث على الخروج من الخلاف إذا تحققت شروطه. وهي أن لا يؤدي إلى محذور شرعي من ترك سنة ثابتة، أو اقتحام مكروه، وأن لا يكون دليل المخالف في غاية الضعف والبعد من الصواب، وأن لا يؤدي إلى الوقوع في خلاف آخر، وأن لا يكون مريد الخروج من الخلاف مجتهداً، فإن كان مجتهداً لم يجز له الاحتياط في المسائل التي يستطيع الاجتهاد فيها، وإنما ينبغي له الرجوع إلى النص الصحيح فيقف عنده.(4/106)
وإذا تحققت شروط العمل بمراعاة الخلاف فقد عدّ بعض الأصوليين فعل المختلف فيه نوعاً من أنواع المكروه. والضابط هنا أن يقال في الفعل إنه مكروه إذا اختلف في تحليله وتحريمه اختلافاً حاصلاً مع عدم النص القاطع على أحد الأمرين، ووقع الخلاف فيه من جهة الاجتهاد وغلبة الظنّ.
ومسائل الخلاف يدخلها الإنكار، فإذا كان القول أو العمل يخالف سنة أو جماعة وجب إنكاره. أما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيها مساغ، فلا ينكر على من علم بها مجتهداً أو مقلداً، فمسائل الخلاف غير مسائل الاجتهاد. وقد نقل عن عدد من العلماء القول بعدم الإنكار على المخالف في المسائل الاجتهادية.
22ـ الفرق بين الاحتياط المشروع والوسوسة أن الاحتياط المشروع هو الاستقصاء والمبالغة في اتباع السنة وما كان عليه رسول الله ? وأصحابه من غير غلو ومجاوزة، ولا تقصير ولا تفريط. ويتضمن ذلك الحذر من الوقوع في الحرام أو المكروه أو ترك واجب أو مندوب. وأما الوسوسة فهي ابتداع ما لم تأت به السنة، ولم يفعله رسول الله ?ولا أحد من الصحابة زاعماً بذلك أنه يصل إلى تحصيل المشروع وضبطه. ويتضمن أن يتجاوز ما فعله ? من الأعمال. والوسوسة سببها إما جهله بالشرع، أو خبل في العقل.
23ـ حمل السؤال على الورع المحمود ليس على إطلاقه، فإن السؤال يختلف باختلاف المالك، فتارة يكون واجباً، وتارة يكون حراماً، وتارة يكون مندوباً، وأخرى يكون مكروهاً، وتارة يكون مباحاً، وذلك يختلف باختلاف المالك الذي يُتعامل معه. فإذا كان المالك معلوماً بنوع خبرة وممارسة، وعُلم أنه من أهل الصلاح والديانة والعدالة، فإن السؤال حينئذ يحرم، لأنه يكون من الظنّ الذي نُهي عنه، وإن عُلم أنه من أهل الظلم والتعدي وجب السؤال، لأن ما لا يتمّ الواجب إ لا به فهو واجب، فلا يتمّ طلب الحلال الواجب إلا بالسؤال والبحث عنه، لكونه موضع تهمة وريبة.
وإذا كان المالك مجهولاً، والمجهول هو الذي ليس معه قرينة تدلّ على فساده وظلمه، ولا ما يدلّ على صلاحه، فإنه لا يجوز السؤال، فإن يد المجهول، وكونه مسلماً دلالتان كافيتان على جواز المعاملة معه.
وإذا كان المالك مشكوكاً فيه بسبب دلالة أورثت ريبة، وذلك بأن تدلّ دلالة على ذلك، إما من خلقته، أو زيّه وثيابه، أو من فعله وقوله فإنه يجوز السؤال.
24ـ لا يصح من الأعمال إلا ما وافق قصد الشارع، والشارع لا يقصد العسر والمشقة، فإذا قصد المكلف المشقة نفسها، فإنه يكون حينئذ قد خالف قصد الشارع. أما ما ورد من الأحاديث الدالة على عظم الأجر مع عظم المشقة، فإنه لا دليل فيها على قصد المشقة، وإنما فيها قصد الدخول في عبادة يعظم أجرها لعظم مشقتها، فالمشقة تابعة لا متبوعة. وقد ورد النهي عن التشدد في العبادة.
25ـ إذا ثبتت الرخصة شرعاً، وعدل المكلف عنها وأخذ بالعزيمة على سبيل التنطع، وهو يعتقد أنه قد أتى باباً من أبواب الاحتياط، فقد عدل عن أمر يحبه الشارع. وأما عند عدم ثبوت الرخصة، أو الشك في وجودها، فإن الأخذ بالعزيمة يكون من باب الاحتياط وهو أولى.(4/107)
26ـ الذين اعتبروا العمل بالاحتياط لم يقولوا بحجيته مطلقاً، وإنما جعلوا له شروطاً لا يتحقق إلا بوجودها. وعند العمل بتلك الشروط يتقارب كثيراً القول بحجية العلم بالاحتياط مع مذهب المانعين منه، ومن هذه الشروط أن لا يكون في المسألة نص من الكتاب أو السنة، وأن لا يوقع العمل بالاحتياط المستحب الناس في الحرج والمشقة، وأن لا يكون مأموراً بفعل غيره، وأن لا يخالف العمل بالاحتياط موضع الرخصة، وأن لا يكون العمل بالاحتياط قد انبنى على أصل غير صحيح، وأن لا يكون العمل بالاحتياط في مسألة من مسائل الاعتقاد، وأن لا يؤدي العمل بالاحتياط إلى محذور شرعي من ترك سنة ثابتة، أو اقتحام مكروه، وأن لا يكون الاحتياط مبنياً على شبهة غير مقطوع بها، وأن يحقق الاحتياط المقصود من وجوده، وهو العلم بإتيان الواجب، وأن يراعى عند الاحتياط مصلحة الأعلى فالأعلى، وأن لا يكون للأمر الوارد عليه العمل بالاحتياط أصل من الحل أو الحرمة يرجع إليه، وأن لا يصل العمل بالاحتياط إلى حدّ المبالغة والتنطع.
27ـ لقاعدة العمل بالاحتياط مدخل عريض في كثير من أبواب الفقه وأحكامه، ولها ارتباط واسع بكثير من الأصول والقواعد الفقهية. فيندرج تحت قاعدة العمل بالاحتياط قواعد أصولية وأخرى فقهية. ومن هذه القواعد المندرجة تحت قاعدة العمل بالاحتياط قاعدة ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وقاعدة ما لا يتمّ ترك الحرام إلا به فهو واجب، وقاعدة سدّ الذرائع، والقاعدة الفقهية إذا اجتمع الحلال والحرام غلب الحرام، وقاعدة الانتقال من الحرمة إلى الإباحة يشترط فيها أعلى الرتب، وأما الانتقال من الإباحة إلى الحرمة فيكفي فيها أيسر الأسباب، وقاعدة أن نجعل المعدوم كالموجود، والموهوم كالمحقق، وما يرى على بعض الوجوه لا يرى إلا على كلها.
28ـ يتعارض مع قاعدة العمل بالاحتياط قواعد أصولية وأخرى فقهية، ومن هذه القواعد المتعارضة قاعدة رفع الحرج، وقاعدة الاستصحاب، وقاعدة الأصل في الأشياء الإباحة، وقاعدة القول بأقل ما قيل، والقاعدة الفقهية الأصل براءة الذمة، والحرام لا يحرم الحلال، والمشقة تجلب التيسير.
29ـ من أوجه الترجيح بين النصوص عند تعارض بعضها مع بعض، أن يُرجَّح أحد النصين على الآخر من حيث أحوال الرواة، أو من حيث المتن، أو من حيث الحكم، وهذه الأوجه يدخل الاحتياط فيها كأحد المرجحات التي يذكرها الأصوليون. فيدخل الترجيح من حيث الرواة من طريقين، الطريق الأول: أن يكون أحد الراويين أشد احتياطاً وتحرياً فيما يروي من الراوي الآخر, والطريق الثاني: أن يكون أحد الراويين أشدّ احتياطاً وأكثر ورعاً من الراوي الآخر.
ومن حيث المتن يدخل الاحتياط كمرجح من حيث كون متن أحد الخبرين يتضمن احتياطاً، والخبر الآخر لا يتضمنه، فإن الفقهاء يُقدّمون الخبر المتضمن للاحتياط على الذي ليس كذلك.
ومن حيث الحكم الذي تضمنه النص يدخل الاحتياط كمرجح من حيث كون حكم أحد النصين المتعارضين أحوط من الآخر، أو أقرب إلى الاحتياط منه، فإنه في هذه الحال يرجّح ذلك الخبر على معارضه الذي ليس كذلك.
ويندرج تحت قاعدة الترجيح بكون حكم أحد النصين أحوط من الآخر الصور التالية: ترجيح الخبر المفيد للحظر على الخبر المفيد للكراهة، وترجيح الدليل المفيد للحرمة عل الدليل المفيد للإباحة، وترجيح الخبر المحرِّم على الخبر المفيد للندب، وترجيح الخبر المحرِّم على الخبر المفيد للإيجاب، وترجيح الخبر المفيد للوجوب على الخبر المفيد للندب.
30ـ هناك مسائل فقهية انبنى الخلاف فيها على الخلاف بالعمل بالاحتياط، وإن كان المختلفون يقولون بحجية الاحتياط في الجملة. وهذه التطبيقات يتبيّن من خلالها أثر قاعدة العمل بالاحتياط في الفقه، فهي تحتلّ جزءاً كبيراً من الفقه، فقلما تجد باباً من أبواب الفقه إلا وللقاعدة أثر عليه، وذلك يعني أهمية هذه القاعدة.(4/108)
العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي
Oنواف هايل تكروري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفكر - دمشق
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد - مواقف جهادية
الخاتمة
إن النتائج التي توصلنا إليها في هذا البحث، مهمة جداً، وجديرة بالاهتمام، والذي أظنه أن هذه النتائج ستكون محل اتفاق، ولا سيما عند أولئك الذين يبحثون عن الحقيقة ولا يتجاوزون حدودها بعد أن حرروا أنفسهم من أسر الهوى والعصبية، وحكموا الدليل واستعملوا النظر والقياس لا مجرد الظاهر.
وربما يبدو للباحث في موضوع كهذا أنه موضوع خلاف بين العلماء قديماً وحديثاً ابتداء لاشتباه هذه العمليات بالممنوع المحرَّم (الانتحار) من جهة، ومن خلال شبهها بالمرغوب الواجب (الجهاد)، ولكن بعد البحث والتمحيص نجد أن القول بمشروعيتها أمر تقتضيه مقاصد الشريعة الإسلامية وتسانده الأدلة وتشهد له الآثار الواردة في ذلك.
ولقد كان لوسائل الإعلام العالمية التي يسيطر عليها اليهود وبعض وسائل الإعلام العربية التي تأثرت بذلك أثراً كبيراً في تحريم هذه العمليات الاستشهادية، ووصفها بأنها غير شرعية، ومخالفة للقانون والأعراف الدولية، حيث نقل كذباً عن بعض العلماء القول بحرمتها، وتصدر أو صُدِّر للفتوى بعدم شرعيتها أناس لا يصلحون لذلك لقلة رأسمالهم العلمي، وجمود نظرتهم الفقهية.
ولعل هذا سبب آخر يجعل المرء يميل إلى القول بأن هذه العمليات موضع خلاف بين العلماء أو يتشكك في مشروعيتها لأن من شأن الإنسان أن يتأثر بما يسمع أو يُكتب.
لكن بعد البحث العلمي المجرد والعميق في فهم الأدلة من الكتاب والسنة والنظر في أقوال العلماء من السلف والخلف في تحديد معنى الانتحار الذي حرمته الشرعية، وإبراز معنى الجهاد الذي ندب الإسلام إليه ورغب فيه، وإلقاء الضوء على الشهادة وتكييفها، نصل إلى النتائج التالية:
أ- العمليات الاستشهادية ليست أمراً محدثاً في عصرنا هذا بل أقدم عليها المجاهدون منذ فجر الإسلام الأول على مرأى ومشهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي مدح فعلهم وشجعهم عليها، وعلى مرأى الصحابة فلم ينكر منهم منكر بل أنكروا على من أنكر ذلك واستعظمه، وفي قول أبي أيوب الأنصاري مصداقية ما نقول.
ب- اتفق العلماء على أن الاقتحام على الأعداء اقتحاماً لا ترجى معه نجاة مشروع ومندوب إذا كان فيه نكاية بالأعداء أو نفع للمسلمين، بل لقد أباح بعض العلماء الاقتحام المهلك بقصد الشهادة فقط وقد ضعفنا هذا القول لأن مظان الشهادة ليست بالاستسلام للموت أو القتل وإنما بإزهاق الأعداء ومقاومتهم.
جـ- أن عامة العلماء قديما وحديثاً على أن هذه العمليات ليست من الانتحار في شيء لأن الانتحار قتل النفس جزعاً أو يأساً من أجل أمر دنيوي، أما العمليات الاستشهادية فتختلف كل الاختلاف عن الانتحار، حيث هي نوع من أنواع الشهادة في سبيل الله تعالى.
د- ذهب عامة العلماء المعاصرين إلى إباحتها،، وما وقع بينهم من خلاف فهو حول شروط الإقدام على مثل هذه العمليات وهل هي منوطة بالضرورة أم لا، وبالتالي فإنه يزول هذا الخلاف عندما تستهدف هذه العمليات أعداء كاليهود اغتصبوا البلاد والمقدسات الإسلامية، وأصبح الجهاد فرض عين على كل مسلم ضد اليهود، ولعل هذه العمليات هي الحل الأمثل والاختيار الأفضل لمحاربة اليهود في عصر تقاعس المسلمون فيه دولاً وشعوباً عن الجهاد.(4/109)
هـ- أما فيما يتعلق بحكم قتل المدنيين من اليهود في هذه العمليات، فالأصل في الإسلام أن من لا يقدر على القتال لمانع مادي أو معنوي يعتبر مدنياً لا يجوز قصده بالقتل، وذلك يشمل الأطفال والنساء والشيخ الفاني، ورجل الدين المنقطع للعبادة، والمزارع في أرضه المشغول بلقمة عيشه ... إلخ، وكل هؤلاء لا يقصدون بالقتل إلا في حالتين:
1 - إذا شاركوا بالقتال فعلاً سواء كان ذلك بحمل السلاح، أم بالإعانة كتقديم الرأي والمال والتشجيع والتحريض وما شابه ذلك.
2 - إذا اختلطوا بالمحاربين ولم يتمكن المجاهد من ضرب المحاربين إلا بضربهم وهو ما يعرف عند الفقهاء بتترس الأعداء بمن لا يقتل منهم، وكذلك حال الإغارة على العدو وتبييته، فهنا يجوز رمي المقاتلين من الأعداء دون المدنيين، ولا ضير فيمن قتل منهم بغير قصد.
ووبعرض هذه الأصناف من المدنيين اليهود – بناء على من الأصل فيهم أنهم مدنيون – على هذين الشرطين يتبين لنا:
أن النساء من اليهود لم يعدن مدنيات فهن يتدربن على حمل السلاح ويقاتلن كالرجال وكذلك الأمر بالنسبة للشيوخ ورجال الدين .. ولم يبق من اليهود على أرض فلسطين إلا الطفل الذي لا يباشر القتال فلا يجوز قصده بالقتل وهو الأمر الذي لم يفعله المجاهدون في فلسطين حتى الآن، ولن يفعلوه قاصدين.
ز- ولقد ترجح لدي بعد البحث أن هذه العمليات جائزة مشروعة، بل قد تكون واجبة إذا تعينت وسيلة لمواجهة العدو، وإرغامه على الخروج من بلاد المسلمين أو على الأقل إضعافه، وإدخال الرعب في قلوب مجنديه ومستوطنيه، حتى لا يشعروا بالأمن والاستقرار في بلادنا المغتصبة، والقول بخلاف ذلك قول يتيم الحجة والبرهان فضلاً عن أنه أجمل هدية نقدمها لليهود على طبق من ذهب حيث يعيشون مطمئنين لا يعكر صفو حياتهم معكر ولا ينازعهم على حقوقنا منازع بعد أن شيعنا كل شيء اسمه جهاد.(4/110)
العمولات المصرفية حقيقتها وأحكامها الفقهية
Oعبدالكريم بن محمد بن أحمد السماعيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار كنوز أشبيليا- السعودية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
بنوك إسلامية ومعاملات مصرفية منظمة
الخاتمة:
فلقد منَّ الله تعالى عليَّ بإتمام بحث مسائل الخطة التي تقدمتُ بها لنيل درجة الدكتوراه، والموسوم عنواها بـ (العمولات المصرفية .. حقيقتها وأحكامها الفقهية)، ولقد استفدت خلال دراستي وترقيمي لأحرف هذا البحث فوائد جمَّة، وتوصلت فيه إلى نتائج عديدة؛ كان أبرزها ما يأتي:
1 - أن لفظ العمولة مصدر لم يرد في المعاجم العربية المتقدمة؛ إلا أنه يمكن قبوله؛ توسعاً بالقياس على مصادر الأفعال التي جاءت عن العرب خاصة، وأن هذا المصدر قد أقرَّه مجمع اللغة العربية، وانتشر في كتب القانون والاقتصاد والفقه، وهو أدل من غيره في بيان المعنى المراد به؛ إذ لا يحتمل معنى آخر غير أجرة العمل.
2 - يقصد بالعمولات المصرفية في البحث: (العوض الذي يأخذه المصرف من العميل مقابل قيامه بخدمة مصرفية)، والبحث فيها من جهة حكم أخذ العوض على الخدمة المصرفية حال انفرادها، وحكم أخذه حال اجتماعه مع القرض أو الضمان أو الاستثمار.
3 - تنشأ العمولات المصرفية عن أسباب متعددة، يمكن إرجاعها إلى ثلاثة أسباب رئيسة:
أ- العمل. ب- القرض. ج- الضمان.
4 - العمولة التي يأخذها المصرف مقابل العمل: إن استحقها بالبدء في العمل فهي أجر، وإن استحقها بإتمامه فهي جُعل، وإن استحقها بوجود نماء للمال فهي ربح، والأصل في أخذ العوض في هذه الأحوال الجواز متى ما خلا العقد من المحاذير الشرعية؛ وذلك لمشروعية عقد الإجارة والجَعالة والمضاربة.
5 - الأجر عند اجتماعه مع الربح لا يخلو من ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن يكون عوضاً عن عمل المضارب الأصلي: فلا يجوز أخذه.
الحالة الثانية: أن يكون عوضاً عن النفقات المبذولة في المضاربة: فينظر في النفقات التي أُخذ العوض في مقابلها، وهي على نوعين:
النوع الأول: نفقات متعلقة بعمل المضارب، فهذا النوع إن كان مما يلزم المضارب فعله، وجرت العادة أن يقوم به بنفسه: لم يستحق عليه أجراً.
وإن كان مما لا يلزم المضارب: فهذا النوع حكم أخذ الأجر عليه كحكمه في الحالة الثالثة.
النوع الثاني: نفقات متعلقة بالمضارب، فهذه النفقات يجوز للمضارب أخذها إذا اشترط ذلك ولم يؤدِّ أخذها إلى قطع الاشتراك في الربح؛ بأن أمكن ضبطها وتحديدها في العقد.
الحالة الثالثة: أن يكون الأجر مقابل خدمة تقدَّم مع المضاربة، ففي هذه الحالة إن كان الأجر يدفع لطرف ثالث: فلا إشكال في جواز تحميل الأجر على المضاربة، وإذا اشترط المضارب أن يتم تقديم الخدمة من خلاله: جاز له أخذ الأجر أيضاً على الخدمة، ولكن يقدَّر الأجر بأجر المثل.
6 - العمولات التي يأخذها المصرف مقابل القرض لها ثلاث حالات:
الحالة الأولى: أن تكون العمولة مقابل مبلغ القرض أو مدته: فلا يجوز أخذها.
الحالة الثانية: أن تكون مقابل نفقات القرض وتكاليفه: فيجوز أخذها بقدر التكلفة الفعلية، ويشترط أن تكون هذه التكلفة حقيقية مباشرة لا ترتبط بمبلغ القرض، ولا يتكرر أخذها إلا إذا تكرر الإنفاق، ويتم تقديرها من قبل أهل الخبرة في المحاسبة والشريعة.
الحالة الثالثة: أن تكون مقابل خدمة مقدمة مع القرض: فلا يخلو حال المصرف من أمرين:
الأول: أن يكون المصرف مقرضاً فحينئذ إن كان تقديم الخدمة مشروطاً في القرض: لم يجز له أخذ زيادة عن التكلفة الفعلية للخدمة، وإن لم يكن تقديم الخدمة مشروطاً في القرض: جاز للمصرف أخذ أجرة المثل على الخدمة المقدمة.(4/111)
الثاني: أن يكون المصرف مقترضاً، فحينئذ يجوز له أخذ العمولة مقابل الخدمة التي قدمها، أما تبرعه بالخدمة وتقديمها بدون عمولات في حال كونه مقرضاً، فإنه يفرق فيه بين نوعين من التبرع:
النوع الاول: أن يكون التبرع مشروطاً في القرض، فحينئذ يجوز للمصرف التبرع بالخدمات المتعلقة بالوفاء والاستيفاء؛ ما لم تكن المنفعة في التبرع بها متمحِّضة للمقرض، أو يكن نفعه أقوى. ولا يجوز التبرع بالخدمات التي لا تتعلق بالوفاء والاستيفاء؛ إلا إذا كانت المنفعة في التبرع بها متمحِّضة للمقترض، أو كان نفعه أقوى.
النوع الثاني: أن لا يكون التبرع مشروطاً في القرض، فإن كان بعد الوفاء: جاز، أما إن كان قبل الوفاء: فينظر إلى سبب التبرع، فإن كان سببه القرض: فحكم التبرع بها كحكمه في النوع الأول، وإن لم يكن سببه القرض فلا بأس بالتبرع بها.
7 - العمولات التي تؤخذ مقابل الضمان لا تخلو من حالتين:
الحالة الأولى: أن تكون مقابل دفع المبلغ للمستفيد: فلا يجوز أخذها.
الحالة الثانية: أن تكون مقابل نفقات الضمان والخدمات المقدمة معه: فإن دفع المصرف مبلغ الضمان من ماله فاجتماع الأجر على الخدمة مع الضمان كاجتماع الإجارة مع القرض، فإن كانت الخدمة مشروطة في الضمان: لم تجز الزيادة في الأجر على التكلفة الفعلية للخدمة.
أما إذا لم تكن مشروطة في الضمان، أو دفع المصرف مبلغ الضمان من مال العميل: فيجوز للمصرف حينئذ أن يتقاضى أجر المثل عن الخدمة التي يقدمها مع الضمان.
8 - يشترط في العمولة المصرفية ما يأتي:
أ- أن تكون مالاً متقوماً، سواء كانت عيناً أو منفعة.
ب- أن تكون مملوكة ملكاً تاماً لمن يدفعها أو مأذوناً له فيها.
ج- أن تكون مقدوراً على تسليمها.
د- أن تكون معلومة؛ فلا تصح أن تكون مجهولة، ويصح أن تكون مبهمة بحيث تحتمل زيادة الأجر أو نقصانه.
هـ- أن تكون مقابل خدمة حقيقية يجوز تقديمها.
وأن لا يترتب على أخذها فائدة ربوية، أو محذور شرعي.
9 - يصح تقدير العمولة بمبلغ مقطوع، كما يصح تقديرها بمبلغ نسبي إذا لم تكن العمولة مما يجب تقييدها بالتكلفة الفعلية.
10 - الأصل في التسعير هو الحرمة؛ إلا إذا وجد ما يستدعي للتسعير من وجود ضرر على الناس، أو تلاعب التجار بالأسعار، أو وقوعهم في الحرام، كما هو حال المصارف اليوم؛ لذا على الجهات المشرفة على المصارف السعي إلى تسعير الخدمات المصرفية على وجه التفصيل، والإلزام بتقديم الخدمة بأجر المثل عند اجتماعها مع القرض على غير سبيل المشارطة، أو مع المضارة على سبيل المشارطة.
11 - إذا لم يُسمِّ المصرف عمولة للخدمة التي نفذها؛ فإنه يستحق أجر المثل إذا جرت الشبكات المالية للمصارف.
13 - يُعدُّ المصرف في عقد فتح الوديعة الجارية مقترضاً، ويترتب عليه ما يأتي:
أ- يجوز للمصرف أخذ العمولات عن أجور خدمات تلك الودائع.
ب- كما له التبرع بتلك الخدمات لعموم العملاء، أو اشتراط وصول رصيد العميل لمبلغ معين للتبرع بالخدمة متى ما كان النفع في تقديم الخدمة متمحِّضاً للمصرف، أو كان انتفاعه أقوى من انتفاع العميل أو مساوياً له؛ كما في إصدار بطاقة الصراف الآلي، ودفتر الشيكات، وفتح الحساب، ونحو ذلك.
ج- إذا كان النفع في تقديم الخدمة متمحِّضاً للعميل، أو كان نفعه أقوى، فينظر في هذا التبرع: فإن كان مشروطاً في العقد لم يجز، وإن لم يكن مشروطاً جاز إذا جرت عادة المصرف بالتبرع بالخدمة، ولم يكن التبرع من أجل القرض.(4/112)
14 - تكيف الحوالات المصرفية على أنها سفتجة، فالمصرف في الحوالات يُعدُّ مقترضاً، ويجوز له أخذ العمولة عن إصدار أوامر الدفع، وتنفيذ أوامر التحويل المستديمة، وإيقاف الحوالات الصادرة، وصرف الحوالات الواردة؛ سواء قُدِّرت العمولة بمبلغ مقطوع أو نسبي، ولا يجب أن تقيد العمولة في تلك الصورة بالتكلفة الفعلية.
كما يجوز أخذ العمولات عن استرداد الحوالات الصادرة، وفي حالة كون الاسترداد بنقد من جنس نقد الحوالة يجب أن لا يزاد في العمولة عن أجرة المثل.
15 - عقد تحصيل الأوراق التجارية عقد وكالة، والعوض الذي يأخذه المصرف في التحصيل إن كان مشروطاً بالمطالبة فهو أجر، وإن كان مشروطاً بالتحصيل فهو جُعل، ويجوز للمصرف أخذ العمولة عن تحصيل الأوراق التجارية في حال عدم إتاحة مبلغ الورقة للعميل مقابل المطالبة بقيمة الورقة التجارية وتحصيلها وتحرير احتجاج عدم الوفاء وإيقاف الأوراق المفقودة أو المسروقة ونحو ذلك؛ سواء قُدِّرت العمولة بمبلغ مقطوع أو نسبي.
16 - يُعدُّ حفظ الأوراق المالية عقد وكالة، والأوراق المالية إما أن تكون أسهماً أو سندات، فإن كانت أسهماً: فيجوز أخذ العمولة على حفظها وإدراتها، والتوسط في بيعها وشرائها متى ما كانت تلك الأسهم من الأسهم التي يجوز التعامل بها، وفي حالة إقراض الوسيط الأسهم للعميل فيجب أن يراعى عدم أخذ فائدة عن الإقراض، وعدم أخذ زيادة عن التكلفة الفعلية في حال اشتراط الوساطة في الإقراض، أما إذا لم تشترط الوساطة في الإقراض: فيجوز أخذ أجر المثل على الوساطة.
وإن كانت الأوراق المالية سندات لم يجز أخذ العمولة على حفظها وإدارتها والتوسط فيها.
17 - العمولات التي تؤخذ عند بيع العملات وشرائها: إن كانت مقابل التحويل فحكمها حكم عمولات الحوالات المصرفية، وإن كانت مقابل توفير العملات فيجوز أخذها عند اختلاف جهة إصدارها، ويحرم أخذها عند اتحاد جهة الإصدار، وإن كانت مقابل الوساطة في بيع العملات: فيجوز أخذها إذا كان التوسط في البيع والشراء بالأسعار الحاضرة، وفي حال إقراض الوسيط العميل للعملات فإن حكمها يأخذ حكم إقراض الوسيط للأسهم، أما إذا كان التوسط بالأسعار الآجلة: لم يجز أخذ العمولة على تلك الوساطة.
18 - لا يجوز للمصرف أن يأخذ عمولات مقابل التمهيد للاكتتاب في الأوراق المالية المحرمة، ولا التوسط في الاكتتاب فيها، ويجوز له أخذ العمولات مقابل التمهيد للاكتتاب في الأوراق المالية المباحة والتوسط فيها؛ سواء قُدِّرت العمولة بمبلغ مقطوع أو نسبي.
وفي حال كون الاكتتاب بضمان من المصرف فيجب مراعاة عدم كون المقابل للتعهد خصماً من القيمة الإسمية للسهم.
19 - يجوز للمصرف أخذ العمولات عن تأخير الصناديق الحديدية، كما يجوز له أخذها عن إدارة الممتلكات، وتحصيل فواتير الخدمات.
20 - يجوز أخذ العمولة مقابل الاستشارة الاستثمارية بشرط كون المشروع الذي تجري الاستشارة فيه مباحاً.
21 - عقد الاستثمار بين المصرف والعميل له حالتان:
الحالة الأولى: أن يكون الاستثمار مع ضمان المصرف رأس المال والربح - كما في شهادات القيمة الإسمية -؛ ففي هذه الحالة لا يجوز للمصرف أن يتقاضي عمولات عن الخدمات المقدمة مع الاستثمار بهذه الصورة.
الحالة الثانية: أن يكون الاستثمار بدون ضمان المصرف لرأس المال والربح، أو ضمان ذلك من طرف ثالث؛ ففي هذه الحالة ينظر في العائد الذي يتقاضاه المصرف على الاستثمار، وهو لا يخرج عن أحد شكلين:(4/113)
أولهما: أن يكون العائد حصة من الأرباح: فالعقد يقوم على أساس المضاربة؛ كما في شهادات الوحدة الاستثمارية التي تدار بصيغة المضاربة، وكما في سندات المقارضة، والعوض الذي يؤخذ مقابل عقد المضاربة لا يخلو من أربع صور:
الصورة الأولى: أن يكون العوض مقابل نفقات المضاربة.
ففي هذه الصورة إن كانت النفقات مباشرة، وجرت العادة على لزوم قيام المصرف المستثمر بها، كحفظ المال المستثمر، ودفعه في أوجه النشاطات المختلفة ونحو ذلك: لم يجز أخذها.
وإن جرت العادة على عدم لزوم قيام المصرف بهذه النفقات: فحكم أخذ العوض في هذه الحالة كحكمه في الصورة الثانية الآتية.
أما النفقات غير المباشرة التي يتحملها المصرف للقيام بكافة أنشطته من أجهزة ومبانٍ مما هو داخل في عمل المضارب؛ فلا يجوز للمصرف تحميل هذه النفقات على وعاء المضاربة.
الصورة الثانية: أن يكون العوض مقابل الخدمات المصاحبة للاستثمار.
يجوز للمصرف أخذ أجور الخدمات المصاحبة للاستثمار الذي يدار بصيغة المضاربة بشرط كونها في حدود أجر المثل.
الصورة الثالثة: أن يكون العوض مقابل إدارة الاستثمار.
لا يجوز في هذه الصورة للمصرف - إذا كان مضارباً - أن يشترط أجراً ثابتاً يحصل عليه مع الأرباح.
الصورة الرابعة: أن يكون العوض حافزاً تشجيعياً:
يجوز في هذه الصورة أخذ العوض؛ سواء كان الحافز التشجيعي بجعل نسبة الربح تصاعدية تزيد كلما زادات الأرباح، أو بجعل الحافز التشجيعي مضافاً إلى الربح.
ثانيهما: أن يكون العائد مبلغا مقطوعاً أو نسبة من أصل الوديعة الاستثمارية، فالعقد يقوم على أساس الوكالة، كما في شهادات الوحدة الاستثمارية التي تدار بصيغة الوكالة، وما يؤخذ ما قبل العقد لا يخرج عن الصور السابقة، وفي جميعها يجوز للمصرف أخذ المقابل؛ سواء كان عوضاً عن نفقات العقد، أم الخدمات المصاحبة له، أم عوضاً عن إدارة الاستثمار، أم حافزاً تشجيعياً عند زيادة الأرباح.
22 - لا يجوز للمصرف أن يأخذ عمولة ارتباط أو تسهيل مقابل استعداده التعاقد مع العميل أو مداينته، ولا يجوز له أخذ عمولة الدراسة الائتمانية إلا بقدر التكلفة الفعلية لتلك الدراسة.
23 - إذا أقرض المصرف العميل قرضاً مباشراً فيجوز له أخذ النفقات والتكاليف الفعلية للإقراض بشروطها المتقدمة، ولا يجوز أخذ فوائد ترتبط بمبلغ القرض أو مدته، أو فرض غرامات مالية في حالة تأخر العميل عن السداد باسم العمولة.
24 - لا يجوز للمصرف في خصم الأوراق التجارية أن يأخذ عمولات عن دفع مبلغ الورقة التجارية للعميل؛ سواء اشترط المصرف على العميل العود بقيمة الورقة التجارية في حال عدم الوفاء بها أم لم يشترط ذلك.
وفي حالة اجتماع خدمة التحصيل مع إتاحة المبلغ للعميل، فيفرق في أخذ العمولة بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يكون التحصيل شرطاً لإتاحة المبلغ، ففي هذه الحالة لا يجوز للمصرف أن يأخذ في عوض الخدمة أكثر من التكلفة الفعلية.
الحالة الثانية: أن لا يكون التحصيل شرطاً لإتاحة المبلغ، فيجوز في هذه الحالة للمصرف أن يأخذ عوض خدمة التحصيل بقدر أجر المثل.
25 - يقوم خطاب الضمان على أساس عقد الضمان، وعليه فلا يجوز للمصرف أن يأخذ مقابلاً عن التزامه بدفع المبلغ للمستفيد، وفي حالة إقراض العميل مبلغ الضمان لا يجوز للمصرف أخذ زيادة عن التكلفة الفعلية للإقراض.
أما بالنسبة للخدمات المقدمة مع الضمان فيفرق في أخذ العمولة عليها بين حالتين:
الحالة الأولى: أن يدفع المصرف مبلغ الضمان من مال العميل، فيجوز في هذه الحالة للمصرف أن يأخذ أجر المثل عن الخدمات المتعلقة بخطاب الضمان؛ سواء كان مبلغاً مقطوعاً أو نسبياً.(4/114)
الحالة الثانية: أن يدفع المصرف مبلغ الضمان من أمواله، فلا يجوز للمصرف أن يأخذ سوى التكلفة الفعلية للخدمات التي يقدمها مع الضمان.
26 - عقد الاعتماد المستندي يقوم على أساس الضمان والوكالة، وأخذُ العمولات عن هذا العقد لا يخلو من الأحوال الآتية:
أ- أن تكون العمولة مقابل الالتزام بدفع المبلغ عن المستفيد، فلا يجوز أخذها.
ب- أن تكون مقابل إقراض العميل لمبلغ الاعتماد، فلا يجوز أخذها أيضاً.
ج- أن تكون مقابل التكاليف والخدمات المتعلقة بالاعتماد المستندي، فحكمها حكم عمولات الخدمات المتعلقة بخطاب الضمان إن دفع المبلغ من مال العميل، فيجوز للمصرف أخذ أجرة المثل، وإن دفع المصرف مبلغ الاعتماد من أمواله فليس له أخذ سوى التكلفة الفعلية.
د- أن تكون مقابل تعزيز الاعتماد، فإن أخذت العمولة في التعزيز مقابل الالتزام لم يجز، وإن أخذت مقابل الخدمات المصاحبة للتعزيز فحكمها حكم الحالة السابقة.
هـ- أن تكون مقابل تحويل العملة، فيجوز أخذها متى ما تحققت شروط المصارفة؛ ما لم تكن المصارفة في الذمة.
وأن تؤخذ عند فتح الاعتماد الممول بطريق المرابحة، فيجوز أخذها في حالة قيام المصرف بفتح الاعتماد لدى مصرف آخر باسمه ولحسابه، وقيامه بدفع عمولة فتح الاعتماد، أما إذا كان الاعتماد مفتوحاً لدى المصرف الممول بطريق المرابحة باسمه ولصالحه، أو مفتوحاً باسم العميل سواء فتحه المصرف الممول للمرابحة لديه، أو لدى مصرف آخر لم يجز أخذ العمولة.
27 - البطاقات المصرفية على نوعين.
النوع الأول: بطاقات ائتمان، والعمولات التي تؤخذ في هذا النوع من البطاقات لها أحوال:
الحالة الأولى: أن تؤخذ العمولة من حامل البطاقة: ففي هذه الحالة إن كانت العمولة مقابل الالتزام بدفع المبلغ، أو مقابل الإقراض لم يجز أخذها، وإن كانت مقابل الخدمات المقدمة مع البطاقة فيجوز أخذها بقدر التكلفة الفعلية، وإن كانت مقابل تحويل العملة لم يجز تحصيل فرق العملة باسم عموولة الصرف؛ لأن المصارفة تجري في الذمة.
الحالة الثانية: أن تؤخذ العمولة من قابل البطاقة: ففي هذه الحالة إن كانت مقابل الالتزام بدفع المبلغ عن حامل البطاقة لم يجز أخذها، وإن كانت مقابل الخدمات المتعلقة بقبول التاجر للبطاقة، فما يؤخذ مقابل تلك الخدمات على نوعين:
أ- عمولات تؤخذ مقابل خدمات تشترك فيها بطاقة الائتمان مع غيرها مثل: الاستفادة من نظام نقاط البيع ونحوه، ففي هذا النوع من الخدمات يجوز للمصرف أن يأخذ الأجر المتفق عليه بينه وبين التاجر، ولا يقيد ذلك الأجر بالتكلفة الفعلية أو أجر المثل.
ب- خصم نسبة من قيمة البضاعة مقابل خدمات تختص بالبطاقة، مثل: التسويق للبطاقة ونحوه، فهذا الخصم على التاجر يجوز أخذه؛ سواء كان مبلغاً مقطوعاً أو نسبة من ثمن البضاعة، شريطة أن يقدر الخصم بأجر المثل عن الخدمات التي يقدمها المصرف.
الحالة الثالثة: أن تؤخذ العمولة لصالح المنظمة الراعية للبطاقة.
يجوز للمنظمة الراعية للبطاقة أن تتقاضى عمولات مقابل التفويض والمقاصة والإصدار والاستبدال، ونحو ذلك.
ويجوز للمصارف أن تتعامل مع المنظمات الراعية للبطاقات، وتنضم إلى عضويتها؛ بشرط أن لا تشتمل تلك العضوية على فوائد ربوية.
النوع الثاني: بطاقة الحسم من الحساب الجاري:
هذا النوع من البطاقات يجوز للمصرف أن يتقاضى عمولات مقابل إصداره ومقابل الخدمات المصاحبة له، كما يجوز له أن يقدم هذه الخدمات بدون أخذ عمولات عليها، أو يأخذها في حال انخفاض الرصيد عن حد معين؛ متى ما كان انتفاعه بتقديم تلك الخدمات أقوى من انتفاع العميل أو مساوياً له.
28 - إذا فُسخ العقد المبرم بين المصرف والعميل لم يخلُ الأمر من حالتين:(4/115)
الحالة الأولى: أن يكون العقد من العقود التي يجوز التعامل بها، فإذا كان كذلك فالفسخ له صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون الفسخ قبل الشروع في الخدمة، وإذا فسخ العقد قبل الشروع في الخدمة فإن العمولة تأخذ أحد الشكلين الآتيين:
1 - أن تكون العمولة أجرة - وهذا هو الأصل -، ففي هذه الحالة يكون العقد لازماً؛ لا يحق لأحد من المتعاقدين فسخه ابتداء بعد مضي مدة الخيار إلا بالإقالة، فيستحق المصرف العمولة بالعقد، ويجب عليه إتمام العمل، وإذا لم يتمكن من القيام بالخدمة بسبب معتبر، فعليه أن يستأجر من يقوم بالخدمة بدلاً عنه، فإن تعذر ذلك فللعميل الانتظار حتى يتمكن المصرف من القيام بالخدمة، فيطالبه بها، أو يفسخ؛ فيرد المصرف العمولة التي أخذها منه.
2 - أن تكون العمولة جُعلاً، كما هو الحال في عمولة التوسط في بيع الأوراق المالية وشرائها، أو بيع العملات وشرائها، أو عمولة تحصيل الأوراق التجارية إذا كان العوض مشروطاً بالتحصيل ونحو ذلك، ففي هذه الحالة إذا فسخ العقد قبل الشروع في الخدمة لم يستحق أي من العاقدين شيئاً، فالمصرف لا يستحق العوض، والعميل لا يملك مطالبة المصرف بالشروع في الخدمة.
الصورة الثانية: أن يكون الفسخ بعد الشروع في الخدمة، فإذا فسخ العقد بعد الشروع في الخدمة فالعمولة تأخذ نفس الشكلين السابقين، وهما كالآتي:
1 - أن تكون العمولة أجرة، فالفسخ لا يخلو من الثلاثة الأحوال الآتية:
أولها: أن يكون الفسخ من المصرف، فليس له ذلك بعد الشروع في الخدمة إذا كانت العمولة أجرة؛ بل يلزم بإتمام العمل، فإن امتنع أو تعذر إجباره بعد شروعه في الخدمة لم يستحق شيئا عن عمله.
ثانيها: أن يكون الفسخ من العميل، فيُلزم حينئذ بدفع العمولة ولو لم يستوف الخدمة.
ثالثها: أن يكون الفسخ بسبب معتبر لا يرجع إلى أحد العاقدين.
ففي هذه الحالة إن كان العميل قد استوفى شيئاً من المنافع لمثله أجرة لزمته عمولة ما استوفى، وإن لم يستوفِ شيئاً لم يستحق المصرف عمولة على عمله.
2 - أن تكون العمولة جُعلاً، فالفسخ لا يخلو من ثلاثة أحوال أيضاً:
أولها: أن يكون الفسخ من المصرف، ففي هذه الحالة لا يلزم المصرف بإتمام العمل، ولا شيء له عما مضى من عمله؛ إلا إذا كان هناك شرط أو عرف يقضي بأن المصرف يستحق عمولة لما مضى عند فسخه، فإنه يعمل به.
ثانيها: أن يكون الفسخ من العميل، فيلزمه أجرة المثل.
ثالثها: أن يكون الفسخ بسبب معتبر لا يرجع لأحد المتعاقدين، ففي هذه الحالة إن كان العميل قد انتفع بشيء: فتلزمه العمولة بقدر ما انتفع، وإن لم ينتفع بشيء: لم يستحق المصرف شيئاً عما عمل.
الحالة الثانية: أن يكون العقد أو الخدمة من العقود أو الخدمات المحرمة، فالفسخ لا يخرج عن الصورتين السابقتين فيما إذا كان العقد مباحاً، وهما كالآتي:
الصورة الأولى: أن يكون الفسخ قبل الشروع في الخدمة، فلا يحق في هذه الحالة لأي من الطرفين المطالبة بالمضي في العقد؛ سواء كانت العمولة على الخدمة أجرة أو جُعلاً.
الصورة الثانية: أن يكون الفسخ بعد الشروع في الخدمة.
فإذا كان الفسخ للخدمة المحرمة بعد الشروع فيها: فالفسخ يأخذ أحد شكلين:
1 - أن يكون الفسخ بعد استيفاء العميل للخدمات أو بعضها.
ففي هذه الحالة إن كان العقد مقطوعاً بحرمته: فيأخذ المصرف العمولة، وعليه التخلص منها بصرفها في وجوه البر وأغراض النفع، ولا يردها للعميل.
وإن لم يكن العقد مقطوعاً بحرمته: فإن المصرف يأخذ العمولة، ويملكها كسائر أمواله، ولا يجب عليه التخلص منها.
2 - أن يكون الفسخ قبل استيفاء العميل للخدمات أو بعضها، ففي هذه الحالة ليس للمصرف المطالبة بالعمولة، كما لو فسخ العقد قبل الشروع في الخدمة.(4/116)
العولمة وخصائص دار الإسلام ودار الكفر
Oعابد بن محمد السفياني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عولمة
نتائج البحث
1ـ "العولمة" دعوة جديدة لإزالة مفهوم "الأمة" و "الدولة" وإلغاء الحدود بين "دار الإسلام" و "دار الكفر" وجمع الكفار والمسلمين تحت مفاهيم واحدة وراية واحدة تقودها "العلمانية" و "العالمية" لإطلاق الحريات، تحت شعارات "حقوق الإنسان" على الطريقة الغربية، ونشر الإباحية، وتثبيت جوهر المدنية الغربية، وهذه دعاوي الصليبية واليهودية، والإسلام يقاومها ويعارضها، ولا يقبل منها شيئاً، و "دار الإسلام" لها عقيدتها وشريعتها الإسلامية، و "دار الكفر" لها عقيدتها وشرائعها الكفرية، ولا يمكن دمج أهل الإسلام وأهل الكفر تحت شعار "العولمة" أو "وحدة الأديان" أو "السلام العالمي" أو "الديمقراطية" أو "العلمانية" لأن المسلمين أمة واحدة تميزهم ـ من دون الناس ـ عقيدة إسلامية صحيحة، وشريعة محكمة وثقافة وأخلاق مبنية على تلك العقيدة والشريعة.
2ـ إن المسلمين يستطيعون أن يستفيدوا من التطور المادي والتكنولوجيا، ويثبتون على خصوصيتهم العقدية والتشريعية والأخلاقية، دون أن ينساقوا مع انحرافات العولمة، وقد ثبت أنه لا تلازم بين إمكان الاستفادة من التطور والتقنية وبين انحرافات المناهج الغربية العلمانية والإباحية.
3ـ تنقسم الأمم إلى فريقين، أهل الإسلام ودارهم تسمى "دار الإسلام" وأهل الكفر ودارهم تسمى "دار الكفر"، ويتمايزون في العقيدة والشرائع والأحكام، كما ينقسم الأفراد إلى مسلم وكافر، والأمم والدور كالأفراد من حيث الوصف بالإسلام أو الكفر.
4ـ تقسيم العالم إلى قسمين أصليين: دار الإسلام ودار الكفر، تقسيم ثابت عند الفقهاء بسبب اختلاف الدين والشرائع، ولا يتغير هذا التقسيم بتغير ظروف السلم والحرب، وهذا محل اتفاق بينهم، بناءً على الأدلة الشرعية.
5ـ تنقسم "دار الكفر" إلى دار حرب ودار عهد، و "دار الحرب" هي دار الكفر التي بيننا وبين أهلها حرب، و "دار العهد" هي دار الكفر التي بيننا وبين أهلها عهد وسِلْم، وسبب هذا التقسيم الفرعي لدار الكفر هو تغيّر ظروف السلم والحرب، فإذا كانت الحالة حالة حرب فدارهم دار حرب، وإذا كانت الحالة حالة سلم فدارهم دار عهد، وأهلها كفار مباعدون للإسلام وأهله.
6ـ المعاهدات السلمية بين المسلمين والكفار مشروعة حسب ما ورد في الكتاب والسنة، ولا تُغيّر من صفات الدور الأصلية شيئاً، كما لا تلغي مفهوم "الأمة" و "الدولة" ولا تلغي الحدود بين "دار السلام" و "دار الكفر" كما يزعم دعاة العولمة، ولا يجوز أن تكون ستاراً لعولمة الانحراف والعقائد والشرائع الكفرية.
7ـ "دار الكفر" الأصلية هي الدار التي تغلب عليها أحكام الكفر ويكون أهلها كفاراً.
8ـ "دار الإسلام " هي الدار التي غلبت عليها أحكام الإسلام سواء كان سكانها مسلمين أو أهل "ذمة".
9ـ "دار الإسلام" التي استولى عليها الكفار أو ارتد القائمون عليها ولم يظهروا فيها أحكامهم ثم رحلوا عنها وعادت إلى أهل الإسلام فهي دار إسلام باقية على ما هي عليه.
10ـ "دار الإسلام" التي استولى عليها الكفار أو ارتد القائمون عليها، وتمت لهم الغلبة وزالت فيها المقاومة الإسلامية ولم يبق فيها وجود للإسلام "كالأندلس" مثلاً "أسبانيا" حالياً فهي دار كفر وأهلها كفار.
11ـ "دار الإسلام" التي استولى عليها الكفار أو ارتد القائمون عليها وأظهروا فيها أحكامهم لا تسمى "دار الإسلام" لأن أحكام الإسلام ليست غالبة عليها ولأن القائمين عليها كفار، ويجب مراعاة الأصل في الأحكام بالنسبة لسكانها من المسلمين، ولا يجوز إطلاق الكفر عليهم، ولا سبهم بالنفاق، بل السب والرمي بالنفاق يقع بحسب الصفات المذكورة في الكتاب والسنة، ويجب على المسلمين العمل لإعادة خصائص "دار الإسلام" إليها، وتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية عليها.
12ـ يجب على المسلمين أن يستردوا دورهم التي استلبها الكفار، وعليهم أن يأخذوا بجميع أسباب النصر ومن أعظمها أن يجتمعوا على كلمة سواء، وأن يكونوا أمة واحدة من دون الناس، وأن يصبروا على نشر الدعوة إلى الإسلام في جميع أنحاء العالم، وأن يكون اجتماعهم وتناصرهم على ما كان عليه سلف الأمة لأجل نشر التوحيد والتمكين للشريعة الإسلامية، وعليهم أن يستفيدوا من جميع الوسائل المشروعة لتحقيق تلك المقاصد العظيمة ولا يجوز لهم التنازل عن "ديار الإسلام" المغتصبة مثل "فلسطين" مسرى النبي ? بل يجب عليهم الاستعداد وبذل الغالي والنفيس لاسترداد تلك الديار، كما يجب عليهم التمكين لهذا الدين بقدر ما يستطيعون، ونشر الإسلام في العالم) حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةً وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للهِ? والله هو مولاهم وناصرهم نِعْمَ المولى ونِعْم النصير، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى إخوانه من المرسلين وآله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.(4/117)
الغرر وأثره في العقود في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة
Oالصديق محمد الأمين الضرير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الجيل - بيروت
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - منوعات
الخاتمة
وبعد، فقد فرغت بتوفيق الله وعونه مما أردت تفصيله، وبقي علي أن أختم الرسالة ببيان أهم ما جاء فيها من النقاط الموجزة الآتية:
1 - بحثت في التمهيد نصوص القرآن والسنة الواردة في حرية التعاقد، وانتهيت إلى أن حرية التعاقد هي الأصل في الشريعة الإسلامية، وإلى أن القيود التي تحد منها هي نواهي الشارع وحدها، وإلى أن الغرر أحد تلك القيود المتفق عليها، ثم بينت رأي ابن حزم القائل بأن الأصل في العقود والشروط المنع، إلا ما ورد نص بجوازه، ودفعت ما احتج به، واستعرضت بعد ذلك الأطوار التي مر بها مبدأ سلطان الإرادة في القانون، وانتهيت إلى أن ما استقر عليه المبدأ في القرن العشرين يتفق في جملته مع ما قرره القرآن والسنة في القرن السابع، غير أني رأيت أن أثر الغرر على سلطان الإرادة في الفقه الإسلامي أقوى بكثير من أثره عليه في القانون، لأن تحريم عقود الغرر من حق الله الذي لا يجوز للعبد إسقاطه في الفقه الإسلامي، أما في القانون فإن أكثر عقود الغرر تخرج عن دائرة النظام العام والآداب. فلا مانع في القانون من التعاقد على ما فيه غرر، ولو ورد نص يمنعه، إلا في مسائل قليلة اعتبرها القانون مخالفة للنظام العام والآداب.
2 - استعرضت في الباب الأول من القسم الأول من الرسالة تعريفات الغرر عند الفقهاء، واخترت من بينها التعريف الآتي: "الغرر ما كان مستور العاقبة"، ثم وضحت الفرق بين الغرر وثلاث كلمات تشتبه به هي: الغرور، والجهالة، والقمار، ونبهت إلى استعمال بعض الفقهاء كلمة الغرر مكان الغرور، وبينت أن الغرر أعم من الجهالة والقمار، وعارضت الرأي القائل بأن الغرر من القمار، ثم ذكرت تعريف عقد الغرر في القانون، وبينت أن تعريف فقهاء القانون للغرر أخص من التعريف الذي اخترته.
3 - في الباب الثاني المتعلق بالنصوص الواردة في الغرر بينت أن القرآن لم يرد فيه نص خاص في حكم الغرر، أو في حكم جزئية من جزئياته، ولكن ورد فيه حكم تدخل تحته جميع الأحكام الجزئية التي ذكرها الفقهاء في الغرر المنهي عنه هو: "تحريم أكل المال بالباطل" ومن ثم تعرضت للآيات التي تنهي عن أكل المال بالباطل وشرحتها شرحا لا يخلو من جديد، ثم بينت أن أحكام الغرر وضحتها السنة، وأن من الأحاديث ما تناول حكم الغرر بصفة عامة، ومنها ما تناول حكم بعض جزئياته، وبحثت أحاديث النوع الأول، فوجدتها كلها تتفق في قول الصحابي، راوي الحديث: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر" فبينت ما يدل عليه قول الصحابي: "نهى النبي عن كذا" هل يدل على العموم أم لا؟ كما بينت آراء الفقهاء في حكم العقد المنهي عنه، وانتهيت إلى أن الأحاديث تدل على تحريم بيع الغرر وفساده، وعلى شمول التحريم والفساد لكل بيوع الغرر.
4 - في القسم الثاني من الرسالة تكلمت عن أثر الغرر في العقود والشروط، ومهدت بتقسيم الغرر إلى أقسام، لتكون أصولا ترد إليها جميع فروع الغرر، ورأيت أن الغرر يكون إما في صيغة العقد، وإما في محله، وأن الغرر في الصيغة يشمل: 1 - بيعتين في بيعة، وصفقتين في صفقة. 2 - بيع العربان. 3 - بيع الحصاة. 4 - بيع المنابذة. 5 - بيع الملامسة. 6 - العقد المعلق، والعقد المضاف.(4/118)
أما الغرر في محل العقد، وهو القسم الأكبر، فينحصر في تسعة أقسام هي: 1 - الجهل بذات المحل. 2 - الجهل بجنس المحل. 3 - الجهل بنوع المحل. 4 - الجهل بصفة المحل. 5 - الجهل بمقدار المحل. 6 - الجهل بأجل المحل. 7 - عدم القدرة على تسليم المحل. 8 - التعاقد على المعدوم. 9 - عدم رؤية المحل.
5 - في الباب الأول من هذا القسم تحدثت عن أثر الغرر في عقد البيع على أساس التقسيم السابق للغرر، وبحثت أهم ما يندرج تحت كل قسم من فروع، لاسيما الفروع التي وردت فيها نصوص من السنة ومن العناية بتحقيق الأحاديث.
فتكلمت عن الغرر في صيغة عقد البيع، وبحثت أهم تطبيقاته، فتحدثت عن "بيعتين في بيعة"، وحققت معناها والفرق بينها وبين صفقتين في صفقة كما تحدثت عن تعدد الصفقة في القانون الروماني، وانتهيت إلى أن مسلك الفقه، الإسلامي في تقريره لمبدأ منع تعدد الصفقة، يحقق استقرار المعاملات، وهو في نفس الوقت، لا يحول دون التطور المنشود للمعاملات.
ثم تحدثت عن بيع العربون، فحققت تكييف هذا البيع في الفقه الإسلامي وبينت الفرق بينه وبين التكييف القانوني، كما بينت حكم بيع العربون في الفقه الإسلامي، ورجحت الرأي القائل بالمنع، وقد اقتضاني البحث أن أحقق رواية عمرر بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو راوي حديث النهي عن بيع العربون.
وتناولت بالبحث بيع الحصاة، والملامسة، والمنابذة، وهي من بيوع الغرر التي كان الناس يتعاملون بها في الجاهلية، فنهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينت معناها، وحكمها عند المحدثين والفقهاء، ورأيت أن ما ذهب إليه الإمام مالك، من اعتبار بيع الثوب المدرج في جرابه من بيع الملامسة، لا ينطبق على بيع الثياب في زماننا، كما انتهيت إلى أن تحديد الصورة التي ورد النهي عنها في كل من هذه البيوع أمر غير ميسور، ثم بينت فائدة البحث عن هذه البيوع الجاهلية.
وفي الكلام عن العقد المعلق المضاف حققت المعنى الاصطلاحي للتعليق وانتهيت إلى أن المدار في اعتبار العقد معلقا، عند أكثر الفقهاء، هو أن يربط بين المعلق والمعلق عليه بأداة من أدوات التعليق، من غير نظر إلى كون المعلق عليه محتمل الحصول، أو محقق الحصول، ثم حكم البيع المعلق عند الفقهاء، وانتهيت إلى منع تعليق البيع، إلا إذا كان هناك غرض صحيح من التعليق، ثم تحدثت عن العقد المضاف، وبينت أن الغالب في المضاف إليه أن يكون محقق الحصول وقد يكون محتمل الحصول أحيانا، على عكس المعلق عليه في التعليق، كما بينت أن الغرر في التعليق أظهر منه في الإضافة.
6 - ثم تكلمت عن الغرر في محل العقد، فبدأت بالجهل بذات المحل، وبحثت فيه خيار التعيين في المذاهب المختلفة، وفي القانون المصري، وبينت الفرق بينهما، ووضحت أن مسلك الفقه الإسلامي هو الذي يتفق مع الغالب في الحياة العملية.
7 - كما تكلمت عن الجهل بجنس المحل، وبينت فيه أن للمالكية رأيا بجواز بيع مجهول الجنس مع اشتراط خيار الرؤية، كما حققت ما ورد في بعض كتب الحنفية من جواز بيع المرء ما في كمه.
8 - وبعد ذلك تكلمت عن الجهل بنوع المحل، وبينت أن جهالة النوع تمنع صحة البيع كجهالة الجنس، ولاحظت فيه أن كتب الحنفية ليس فيها كلام صريح عن النوع، وأنهم كثيرا ما يستعملون الوصف مكان النوع.(4/119)
9 - ثم بحثت الجهل بصفة المحل، وبينت فيه أن أكثر الفقهاء، يشترطون ذكر صفة المحل لصحة البيع، وحققت مذهب الحنفية في هذا الموضوع، ولخصت رأي الشرنبلالي من رسالته "نفيس المتجر بشراء الدرر"، ثم بحثت بعض البيوع الممنوعة للجهل بصفة المحل، فتكلمت عن بيع اللحم، وبيع المضامين، والملاقيح، والمجر، وعسب الفحل، وحررت معاني هذه الكلمات وحققت الأحاديث الواردة فيها، ثم تكلمت عن بيع ما يكمن في الأرض؛ وأيدت رأي من يجوزونه، كما تكلمت عن بيع ما يختفي في قشره، وبينت الآراء المختلفة في حكمه، وخرجت منها بقاعدة هي: أن ما يضره الكسر، وما تمكن معرفته من غير إزالة قشرة يجوز بيعه وهو في قشره، وما لا يضره الكسر، ولا تمكن معرفته وهو في قشره لا يجوز بيعه؛ لأن في ذلك غرراً من غير حاجة.
10 - تكلمت بعد ذلك عن الجهل بمقدار المحل، وبينت أن العلم بمقدار المحل شرط لصحة البيع عند جميع الفقهاء سوى الشرنبلالي من علماء الحنفية، كما بينت رأي القانون، ثم بحثت بعض البيوع التي فيها غرر من جهة الجهل بمقدار المبيع فتكلمت عن المزابنة، وبينت معناها من الأحاديث، ووضحت أن الفقهاء توسعوا في تفسيرها بأكثر مما تدل عليه الأحاديث، وأتبعت ذلك بالكلام عن العرايا مبينا معناها وحكمها من الأحاديث، ومن أقوال الفقهاء، وانتهيت إلى أن العرية هي النخلة الموهوب ثمرها، وإلى أن بيع العرية المرخص فيه هو: أن يبيع صاحب العرية ثمرها وهو على نخلته بخرصه تمراً أو رطباً على ألا يزيد على خمسة أوسق، يبيعه لمن يشاء، لمن يأكله رطباً ولغيره، ثم تكلمت عن المحاقلة، والجزاف، وبيع ضربة الغائض، وبيع الصوف على ظهر البهيمة، وبيع اللبن في الضرع، ووضحت مذهب المالكية في جواز بيع اللبن في الضرع، ورجحته على رأى الجمهور.
ثم تكلمت عن جهالة مقدار الثمن، فبحثت البيع بغير ذكر ثمن، والبيع بسعر السوق، والبيع بحكم أحد المتعاقدين أو بحكم أجنبي، وبيع التولية، والمرابحة، والوضيعة، والبيع بربح نسبة في المائة، والبيع بسعر الوحدة، وبينت آراء الفقهاء في كل ذلك، وقارنته بالقانون الوضعي.
11 - ثم تكلمت عن الجهل بالأجل، وبحثت فيه بيع حبل الحبلة، وبينت أنه من البيوع الممنوعة لما فيها من الغرر الناشئ عن جهالة الأجل، ثم وضحت آراء الفقهاء في أثر جهالة الأجل على صحة البيع، وانتهيت إلى أن الفقهاء متفقون على أن الجهالة التي ترجع إلى وجود الأجل، وهي ما يسميها الحنفية بالجهالة الفاحشة مفسدة للبيع، أما الجهالة التي ترجع إلى وقت حصول الأجل وهي ما يسميها الحنفية بالجهالة اليسيرة، فأكثرهم على أنها مفسدة للبيع أيضا، وقال المالكية: لا تفسده، ورجحت رأي المالكية في هذا، كما رجحت رأي الظاهرية في جواز التأجيل إلى الميسرة. ثم بينت أن القانون لا يشترط العلم بالأجل لصحة البيع؛ وتكلمت عن التأجيل إلى الميسرة في القانون، وقارنته بمذهب الظاهرية.(4/120)
12 - انتقلت بعد ذلك إلى الكلام عن عدم القدرة على تسليم المحل، فبينت رأي الجمهور في اشتراط القدرة على التسليم لصحة البيع، وخلاف الظاهرية في ذلك، ثم بحثت بعض البيوع التي فيها غرر ناشئ عن عدم القدرة على التسليم، فتكلمت عن بيع الآبق، وبيع السمك في الماء، والطير في الهواء، وبيع الدين، وبيع الإنسان ما ليس عنده، وبيع ما لم يقبض، وبيع المغصوب وانتهيت إلى أن الدين جائز، وإلى أن بيع السندات جائز أيضاً ما دام البيع خاليا عن الربا، كما انتهيت إلى أن عدم جواز بيع الإنسان ما ليس عنده خاص بالبيع المدخول فيه على تسليم المبيع في المحل، وعلى هذا فلا يدخل فيه بيع الاستيراد. وحققت أحاديث النهي عن بيع الطعام قبل قبضه، وبينت الأحكام التي تستفاد منها، ورأيت أن النهي يتناول الطعام وغيره، منقولا كان أو عقاراً، وأن النهي خاص فيما ملك بالشراء وحده، ولا يتناول ما ملك بأسباب التملك الأخرى.
ثم استخلصت من بحث عدم القدرة على التسليم الحقائق الآتية:
(1) ليس كل ما لا يقدر على تسليمه فيه غرر.
(2) القدرة على التسليم عند الحنفية قد تكون شرط انعقاد، وقد تكون شرط صحة، وقد تكون شرط نفاذ.
(3) الأصل أن تكون القدرة على التسليم متحققة عند العقد، ولكن قد يكفي إمكان تحققها بعد العقد أحيانا.
(4) قدرة المشتري وحده على التسلم تكفي لصحة البيع، ولو كان البائع عاجزاً عن التسليم عند كثير من الفقهاء.
(5) القدرة على التسليم في الفقه الإسلامي أعم من إمكان المحل في القانون.
13 - ثم تكلمت عن التعاقد على المعدوم، وبينت فيه أن الغرر يأتي من الجهل بوجود المحل لا من كونه معدوما، ودفعت حجج من يمنع بيع كل معدوم، ووضحت أنه ليس فيما استدلوا به ما يفيد أن بيع المعدوم لا يجوز على الإطلاق، وإن كان فيها النهي عن بيع بعض المعدوم، وانتهيت إلى أن القاعدة التي ينبغي اتباعها في بيع المعدوم هي: أن كل معدوم مجهول الوجود في المستقبل لا يجوز بيعه، وأن كل معدوم محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة يجوز بيعه.
ثم أوردت بعد ذلك تطبيقات لبيع المعدوم، فتكلمت بالتفصيل عن بيع الثمار، وحققت الأحاديث الواردة فيه، وأخذت منها أن بيع ثمر الشجرة، أو الحديقة لعام أو لأعوام مقبلة لا يجوز، وأن بيع الثمر قبل بدو صلاحه على أن يترك في الشجرة إلى أن ينضج لا يجوز أيضا، وأن علة النهي هي خوف هلاك الثمر بسبب العاهة، وما يترتب على الهلاك من خصومات وأكل للمال بالباطل وبينت على هذا التعليل أنه لو كان هناك نوع من الثمار لا تصيبه العاهة فلا بأس من بيعه قبل بدو صلاحه، وكذلك إذا كانت العاهة تندر في بلد من البلاد بسبب طبيعة ذلك البلد، أو بسبب التغلب على العاهات بالطرق العلمية، فلا حرج من بيع ثمار ذلك البلد قبل بدو صلاحها، كما أخذت من الأحاديث أن بيع الثمر بعد بدو صلاحه جائز سواء كان بشرط القطع أو بشرط الترك، أو على الإطلاق. ثم وضحت آراء الفقهاء في الموضوع وأشرت إلى أن ما نسب إلى عمر بن الخطاب من أنه يجيز بيع الثمار سنين غير مقبول، وإلى أن نسبه بعضهم إلى محمد بن الحسن من تجويز بيع الثمر قبل بدو صلاحه بشرط الترك، إذا تناهى عظمه، غير صحيح.
ثم تكلمت عن بيع الثمر والزرع الذي يوجد بعضه بعد بعض، وبينت أن جمهور الفقهاء لا يجوز عندهم بيع ما لم يوجد من الثمر مع ما وجد وبدا صلاحه فلا يباع البطيخ ونحوه عندهم إلا لقطة لقطة، وأن المالكية والشيعة الإمامية وبعض مشايخ الحنفية يجوزون بيع ما لم يظهر من الثمر مع ما ظهر وبدا صلاحه وعرضت حجج كل فريق، وانتهيت إلى ترجيح رأى المجوزين.(4/121)
تكلمت بعد ذلك عن بيع الأشياء المستقبلة في القانون وقارنته بالفقه وانتهيت إلى ترجيح رأي الفقه على القانون.
14 - وختمت الباب بالكلام عن الغرر الناشئ عن عدم رؤية المحل، وبحثت فيه بيع العين الغائبة، وبينت أن الأحاديث المروية في بيع الغائب لا تصلح حجة في الموضوع، ووضحت رأي المانعين لبيع الغائب، ونقضت أدلتهم. ثم فصلت آراء المجوزين، فتكلمت عن بيع العين الغائبة على الصفة، وبيعها على الرؤية المتقدمة، وبيعها من غير صفة، ولا رؤية متقدمة، ورجحت الرأي القائل بأن من اشترى عينا غائبة على الصفة، أو على الرؤية المتقدمة، فله الخيار إذا لم يجدها على ما رآها عليه، أو على ما وصفت له، أما لو وجدها على صفتها فلا خيار له، ثم قارنت بين الفقه الإسلامي والقانون، وبينت أن أهم ما يختلف فيه القانون عن الفقه هو أن القانون يجوز بيع العين الغائبة من غير رؤية، وما يقوم مقامها على اللزوم، في حين أن الفقهاء مجمعون على فساد هذا البيع لما فيه من الغرر الكثير.
15 - وفي الباب الثاني من القسم الثاني بحثت أثر الغرر في غير عقد البيع، فتكلمت عن أثر الغرر في عقود المعاوضات المالية، وبينت أنه يؤثر فيها كلها قياساً على عقد البيع، وأوردت تطبيقات لهذا، فتكلمت عن السلم، والاستصناع، والإجارة، والشركة، وبينت أن السلم عند الحنفية ليس من بيع المعدوم، وإنما هو من بيع ما ليس مملوكا للبائع، ورأيت جواز تأجيل رأس مال السلم، والاستصناع، والإجارة، والشركة، وبينت أن السلم عند الحنفية ليس من بيع المعدوم، وإنما هو من بيع ما ليس مملوكا للبائع، ورأيت جواز تأجيل رأس مال المسلم، ورجحت رأي الجمهور في اشتراط أن يكون المسلم فيه مؤجلا، ورددت رأي الشافعية في جواز السلم الحال، وبينت أن في اشتراط التأجيل تخفيفا للغرر. وفي الكلام عن الاستصناع بينت أنه لا غرر في أصل العقد، وإنما يدخله الغرر كما يدخل عقد البيع، ثم قارنت بين بعض أحكام عند الاستصناع في القانون، وفي الفقه الإسلامي.
16 - وفي مبحث الإجارة بينت أن الغرر يؤثر فيها كما يؤثر في البيع، ثم حققت آراء الفقهاء في حكم إجارة الأرض للزراعة، وانتهيت إلى أن إجارة الأرض جائزة سواء أكانت بالنقود أم بنسبة معينة مما يخرج منها، وهي المزارعة، وأن الإجارة الممنوعة هي ما كانت الأجرة فيها ما ينبته جزء معين من الأرض المستأجرة، أو كانت الأجرة فيها نسبة معينة على أن يكون لصاحب الأرض نصيب مستثنى لا يشاركه فيه المستأجر. وحققت آراء الفقهاء أيضا في حكم إجارة الأرض والشجر معا، ورأيت جواز ذلك إذا كان الشجر قليلا، أما إذا كان الشجر كثيراً فالأولى عندى المساقاة على الشجر والمزارعة في الأرض، كما حققت آراءهم في حكم الإجارة التي يكون المستحق فيها عينا، كإجارة الظئر، وإجارة الغنم للبن، ورأيت أن مالا يمكن التعاقد عليه من الأعيان التي ينتفع بها مع بقاء أصلها، بطريق البيع، يحلق بالمنافع وتصح إجارته، وذلك كلبن الظئر، أما ما يمكن بيعه من الأعيان التي ينتفع بها مع بقاء أصلها: كلبن الغنم، وصوفها، فلا يلحق بالمنافع، ولا تجوز إجارته.
ثم تكلمت عن الجعالة، وفصلت مذاهب العلماء فيها، وبينت أن الذين يجوزونها يقولون إنها في القياس غرر؛ لما فيها من جهالة العمل، وجهالة الأجل، وإنما جازت استثناء للحاجة إليها، وقارنت بين الجعالة في الفقه الإسلامي، والوعد بجائزة في القانون.(4/122)
17 - وفي الكلام عن الشركة بينت أنواع الشركات، وما يجوز منها وما لا يجوز، وفصلت القول في المضاربة، فبينت أنها تجوز عند جمهور الفقهاء استثناء، وتجوز عند ابن تيمية قياسا، ثم ذكرت الشروط التي اشترطها الفقهاء في المضاربة والتي من شأنها أن تباعد بين هذا العقد، وعقود الغرر.
18 - ثم تكلمت عن أثر الغرر في عقود التبرعات، وقررت أن جميع المذاهب تجعل للغرر أثراً على عقود التبرعات ماعدا المذهب المالكي، فإن الغرر فيه لا يؤثر على عقود التبرعات، وأيدت ذلك ببيان آراء الفقهاء في أثر الغرر على الهبة والوصية.
وفي مبحث الهبة تكلمت عن رأى القانون في هبة المال المستقبل، وما ترتب عليه من عدم انسجام في أحكام القانون.
وفي مبحث الوصية قررت أن جميع الفقهاء يغتفرون في الوصية من الغرر مالا يغتفرونه في البيع، وأن الإباضية أكثر الفقهاء تشدد في تأثير الغرر على الوصية، ونقضت ما قرره بعض الفقهاء من أن الغرر عند الشافعية يؤثر في عقود التبرعات كما يؤثر في عقود المعاوضات.
19 - وتكلمت بعد ذلك عن أثر الغرر في عقد الزواج، والرهن، والكفالة، والوكالة، وبينت أن المالكية وإن كانوا من أكثر الفقهاء تسامحا في تأثير الغرر على صحة المهر إلا أن قولهم بأن فساد المهر يفسد العقد يجعلهم من أكثرهم تشدداً في تأثيره على صحة الزواج، ورجحت الرأي القائل بأن فساد المهر لا يفسد عقد الزواج.
وفي الرهن بينت أن القاعدة العامة عند أكثر الفقهاء هي أن ما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، وانتهيت إلى أن الغرر يؤثر في الرهن كما يؤثر في البيع عند جمهور الفقهاء، وأن تأثير الغرر على الرهن عند المالكية أخف كثيراً من تأثيره على البيع، ورجحت رأي المالكية على رأي الجمهور.
وفي بحث الكفالة انتهيت إلى أن أكثر الفقهاء، وإن كانوا يجعلون الغرر تأثيراً عقد الكفالة إلا أنهم يغتفرون فيه من الغرر ما لا يغتفرونه في البيع.
وفي الوكالة بينت أن أكثر الفقهاء يجوزون الوكالة العامة على اختلاف بينهم فيما تخوله هذه الوكالة للوكيل من التصرفات، كما بينت أن القانون يحصر الوكالة العامة في دائرة أضيق من الدائرة التي حصرها فيها الفقهاء. أما الوكالة الخاصة فقد اغتفر فيها الفقهاء من الغرر ما لا يغتفر في البيع.
20 - في الباب الثالث من القسم الثاني تكلمت عن أثر الغرر في الشروط فحصرت الغرر في الشروط في ثلاثة أقسام:
(1) الشرط الذي في وجوده غرر.
(2) الشرط الذي يحدث غررا في صيغة العقد أو محله.
(3) الشرط الذي يزيد من الغرر الذي في العقد.
وأوردت في كل قسم بعض الأمثلة التي تندرج تحته وتوضحه، واستنتجت منها أن تأثير الغرر على الشروط أخف من تأثيره في العقود.
21 - وفي القسم الثالث، حاولت أن أخرج بنظرية للغرر، فوضعت ضابطا للغرر المؤثر هو:
"الغرر المؤثر هو الغرر الكثير، في عقود المعاوضات المالية، إذا كان في المعقود عليه أصالة، ولم تدع للعقد حاجة".
ثم فصلت ذلك في أربعة فصول: بينت في الفصل الأول أن الغرر المؤثر هو ما كان في عقود المعاوضات المالية خاصة، لأنها هي وحدها التي يتحقق فيها المعنى الذي منع الشارع من أجله بيع الغرر.
وبينت في الفصل الثاني أن الغرر لا يؤثر إلا إذا كان كثيراً وتحدثت عن ضابط الغرر الكثير، والغرر اليسير، وانتهيت إلى أن وضع ضابط للنوعين معاً أمر غير ميسور، ورأيت أن يترك هذان المعياران المرنان كما هما، تحددهما الظروف والبيئات، أو يكتفي بوضع ضابط للغرر الكثير وحده، واخترت أن يكون الضابط هو: "الغرر الكثير ما غلب على العقد حتى أصبح العقد يوصف به".(4/123)
وفي الفصل الثالث بينت أن الغرر لا يؤثر إلا إذا كان في العقود عليه أصالة، وأن الغرر في التابع لا أثر له، ووضحت ذلك بالأمثلة.
وبينت في الفصل الرابع أن العقد الذي تدعو الحاجة إليه لا يؤثر فيه الغرر، ووضحت المراد بالحاجة، وقيدت الحاجة المعتبرة بالحاجة العامة أو الخاصة، وبأنها لابد أن تكون متعينة، ثم تعرضت للصلة بين الحاجة والتعامل والاستحسان، وانتهيت إلى أن التعامل مظهر للحاجة، وإلى أن الاستحسان يستند إلى الحاجة أو التعامل.
22 - وفي القسم الرابع طبقت نظرية الغرر على بعض العقود المعاصرة، فتكلمت عن عقود الغرر في التقنين المصري في ثلاثة أبواب: تحدثت في الباب الأول عن المقامرة والرهان من وجهة نظر القانون، ثم من وجهة نظر الشريعة الإسلامية، وانتهيت إلى أن المقامرة بجميع صورها ممنوعة في الفقه الإسلامي، وأن الرهان الممنوع هو ضرب من القمار، وأن الاستثناءات التي جاء بها القانون لا يقرها الفقه الإسلامي، فالرهان بين المتبارين في الألعاب الرياضية لا يجوز في الفقه الإسلامي، وأوراق النصيب للأعمال الخيرية لا تجوز أيضا، والمضاربة على فروق الأسعار في البورصة غير جائزة كذلك.
وفي الباب الثاني تحدثت عن المرتب مدى الحياة، وأدانا تطبيق نظرية الغرر إلى الحكم بجواز المرتب مدى الحياة إذا كان مصدره عقد تبرع، وعدم جوازه إذا كان مصدره عقد معاوضة.
وفي الباب الثالث تكلمت عن عقد التأمين، وانتهيت بعد تطبيق قاعدة الغرر عليه إلى أن التأمين التعاوني جائز شرعا؛ لأن الغرر الذي فيه غير مؤثر؛ لأنه يدخل في عقود التبرعات، أما التأمين بقسط ثابت، فقد بينت أنه من عقود الغرر، ودفعت حجة من ينفي عنه الغرر، كما بينت أن الغرر الذي فيه من الغرر الكثير، ودفعت أيضا حجة من يرى أن الغرر الذي في التأمين من الغرر اليسير غير المؤثر، ثم بينت أن الحاجة إلى التأمين، وإن كانت عامة إلا أنها غير متعينة، ومن ثم انتهيت إلى أن قواعد الفقه الإسلامي تقضي بمنع التأمين بقسط ثابت، واقترحت في كلمات موجزة البديل الذي يتفق مع قواعد الشريعة الإسلامية.
اللهم كما هديتني إلى هذا العمل، ووفقتني إلى إتمامه، اجعله عملا خالصا لوجهك الكريم, ووفقني إلى مواصلة السير في طريق العاملين على خدمة كتابك وسنة نبيك الأمين، واهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين.
وصل اللهم وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/124)
الفصل المبين في مسألة الهجرة ومفارقة المشركين
Oحسين العوايشة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار أسيد
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
هجرة - أحكامها
يلحظ القارئ من خلال هذا البحث تعظيم علماء الأمة لدين الله تعالى، وخوفهم أن يفتتن المسلمون في دينهم من قبل الأعداء. ويرون الهجرة من الأرض التي غلب عليها اليهود والنصارى، لا زهداً في ممتلكات المسلمين – إذ هم أحرص الناس على مصلحة الأمة – ولكن للحفاظ على دينهم وأعراضهم وأخلاقهم وسلوكهم ودمائهم.
وهم يحذرون من أن يألف المسلمون الكفر ومظاهره، ويخشون أن يكادوا أو يقهروا أو يتطبّعوا. وهم يرون أن الهجرة طريق الجهاد وسبيل العزّة والمجد.
وقد أوجب علماؤنا على كل مسلم خشي الفتنة، ولم يتمكن من أداء الطاعات أن يهاجر، واستحبّوها لمن أمنها وتمكّن من أداء الطاعات.
وقد فصّل العلامة الونشريسي – رحمه الله – القول في أمر الفتنة في ضوء فقه الواقع وواقع الفقه، - كما تقدّم – فأثبت عدم جواز الإقامة، ببراهين ساطعات، وحجج باهرات، من خلال واقع الزوجات والأبناء والذريات.
هذا آخر ما وفقني الله تعالى لكتبه، وأرجو الله تعالى أن يتقبله مني وأن ينفع به إخواني المسلمين، إنه سميع مجيب.
حسين بن عودة العوايشة.(4/125)
القديم والجديد في فقه الشافعي
Oلمين الناجي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن القيم – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه فروع عام شافعي
أهم نتائج البحث:
1 - الأصول التي اعتمدها الشافعي في الفقه القديم هي نفسها المعتمدة في الجديد. والعامل المتحكم في الانتقال من قديم إلى جديد – عموما – هو: أصل الترجيح.
2 - ليس لظاهرة (القديم والجديد) ميزة خاصة تميزها عن فقه الشافعي العام، بل هي تندرج في إطار الظاهرة العامة في فقهه: وهي كثرة الأقوال في المسألة الواحدة؛ وعلة ذلك أن الشافعي: دائم الفحص في الأدلة، ودائم المناظرة، فإذا ظهر له الحق على خلاف ما كان يراه رجع عن رأيه الأول.
3 - لقد اكتملت للشافعي آله الاجتهاد بعد أخذه فقه الأحناف وقبل دخوله مصر. والأحاديث الأساسية التي بنى عليها مذهبه قد حصل عليها من غير مصر: بالحجاز والعراق واليمن. وأن مصادر مصر لم يكن لها تأثير ذو أهمية على فقهه الجديد.
4 - مقولة إن الشافعي انبهر بما رآه من حضارة إغريقية وقبطية ورومانية مما لم يكن معهودا لديه من قبل، فغير كثيرا من آرائه: لا أصل له. بل إن أصل العرف الذي يأخذ به بعض الفقهاء ويخصصون به بعض النصوص لا يعتبره الشافعي. بل المعتبر عنده: النص أو الحمل على النص.
5 - علاقة فقه الشافعي بفقه الليث ضعيفة جداً.
6 - القديم ما قاله الشافعي بمكة والعراق، قبل دخوله مصر، والجديد ما قاله بمصر.
7 - من أهم ما يميز الجديد: الاحتياط، ومن أهم ميزات القديم: مراعاة اليسر ورفع الحرج، وأكثره يوافق مالكاً، لا أنه مذهب مالك.(4/126)
القضاء ونظامه في الكتاب والسنة
Oعبدالرحمن إبراهيم الحميضي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة أم القرى - مكة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قضاء وأقضية - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة
النتائج:
لقد ظهر لي من خلال دراستي لهذا الموضوع نتائج أذكر أهمها ثم أعقبها ببعض المقترحات فمن أهم تلك النتائج ما يلي:
1ـ أدَّى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية إلى البُعْد عن الحكم بما أَنزل الله تعالى، وإلى التقاضي بالقوانين الوضعية، وقد ترتب على ذلك الكثير من الوقوع في الجرائم والانحلال الخلقي والفساد الذي شاع في كل ناحية من نواحي المجتمع الإسلامي.
2ـ أن علم القضاء من العلوم الحيّة التي تحتاج إلى مزيد من الكتابات المفيدة سواء كانت الكتابة بشكل عام أو بشكل خاص كما أنه من العلوم القابلة للتطور، في وسائل الإثبات واستجلاء الأمور بمنتجات العلم الحديث.
3ـ أن القضاء من أهم الولايات التي تتعلق بحياة الناس فهو ذو مسئولية خطيرة تقتضي الكفاءة العلمية والخلقية فيمن يتولى القضاء.
4ـ أن القضاء والتقاضي من الأمور التي لا بد منها في حياة البشر في مختلف الأزمنة والأمكنة، وإن اختلفت وسائله وتعددت طرقه كما أن ممارسة ذلك مما تستدعيه الحاجة مهما بلغت الأمة في التطور أو الانحطاط.
5ـ أن القضاء الأكمل والأصلح للإنسانية هو القضاء الشرعي القائم على تطبيق أحكام الله تعالى في كتابه الكريم وسنة نبيه محمد ? وذلك لما فيه من القضاء والديانة ولخروجه عن وضع البشر وتقديرهم.
أما القضاء الوضعي فهو ما يؤدي إلى فساد الأمور وتدمير الأمم وهو كفر وإشراك في الديانة ومناف للعدالة جملة وتفصيلاً.
6ـ القضاء الشرعي والقضاء الوضعي يمثلان الحق والباطل فهما على طرفي نقيض وفي صراع مستمر.
7ـ أهم ميزة في القضاء الشرعي مراقبة الله تعالى طلباً للثواب وخوفاً من العقاب، وهذا ما يفتقد في القضاء الوضعي والقوانين الوضعية.
8ـ توفر إمكانية القضاء الشرعي لمسايرة التطورات الحالية والمستقبلية متمثلاً في مصادر أحكامه القابلة للاجتهاد للإيفاء بحاجات البشر وحل مشكلاتهم.
9ـ القاضي شرعاً مؤاخذ قضاءاً وديانة بما يصدر عنه من تصرفات تخل بتحقيق العدالة.
10ـ للقضاء مبادئ وأصول وخطوات تسير فيها الدعوى كفيلة بتحقيق العدالة إذا ما رعوها القضاة حق رعايتها.
11ـ دَلَّ القرآن الكريم على آداب ومواعظ وأحكام في القضاء جديرة بالتدبر والاعتبار، وقد طبق الرسول ? أحكام القرآن أحسن تطبيق.
12ـ القضاء حكمة فيها الفهم والفطنة وسرعة البديهة، وهي آلة القضاء ومجهره التي تكشف الثغرات وتبين الدقائق.(4/127)
القمار حقيقته وأحكامه
Oسليمان بن أحمد الملحم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة:
في نهاية هذا البحث العلمي أرى ألا يطوي القارئ صفحاته حتى يقف على خلاصة موجزة تجمع أطرافه، وتلم شتاته، وتذكر بكبار المسائله، وتبرز أهم نتائجه.
وذلك في الآتي:
1 - يطلق لفظ الميسر في اللغة: على قمار أهل الجاهلية، وعلى القمار كله، وعلى الجزور التي يتقامرون عليها، وعلى السهام التي تقتسم بها، وعلى النرد.
2 - قيل هو مشتق من قولهم: يسر فلان الشيء: إذا جزأه، وقيل: مشتق من اليسر؛ لأن فيه تحصيلاً للمال بيسر وسهولة، وقيل: مشتق من اليسار، وقيل: من قولهم: يسر لي هذا الأمر: إذا وجب.
3 - الوقوف على مذاهب الجاهليين في الميسر ليس بالأمر السهل إذ هو أمر قد قطعه الإسلام، فلم يبق فعله على الوجه الذي كان يفعله أهل الجاهلية موجوداً.
4 - كان أصل الميسر في الجاهلية في المقامرة بالقداح لاقتسام الجزور، وربما قامروا على غير الإبل من الأموال، بل ربما بلغ الأمر بهم إلى أن يخاطر المرء على نفسه وأهله وولده حتى يصير رقيقاً لمن قمره.
5 - كان الميسر شائعاً في الجاهلية، وكانوا يفتخرون بذلك وينتقصون من لم يشاركهم فيه من أهل اليسار والغنى، وكان الشتاء هو وقت الميسر غالباً عند اشتداد البرد وتعذر الأقوات وشدة الحاجة، وكانوا يجعلون ما يفوزون به في الغالب لذوي الحاجة منهم والمسكنة.
6 - اختلف الواصفون لميسر العرب في تقرير بعض مسائله، والذي يدل عليه النظر الاستقرائي في هذا الموضوع أمران:
أ- لا يبعد أن يقال بأن للعرب أكثر من طريقة في الميسر فوصف كل واحد من أهل العلم ما بلغه، وذلك أن الميسر متوغل في القدم ومنتشر في الأمم، فلا يبعد وقوع الاختلاف في بعض جزئياته من قوم إلى قوم، ومن بلد إلى آخر.
ب- أن كل ما نقل في وصف ميسر العرب يدور على معنى المراهنة التي يكون كل داخل فيها عند بدء الميسر عرضة لأن يخرج منها غانماً أو غارماً، وقد أوضحت هذا في موضعه من البحث وبينت وجه المقامرة فيما نقل من صفات ميسر العرب.
7 - القمار في اللغة: الرهان، والمقامرة والتقامر بمعناه: أي المراهنة والتراهن.
8 - قيل: هو من القمر تشبيها لمال المقامر بالقمر من حيث الزيادة والنقصان، وقيل: من قولهم: تقمر فلان فلاناً: إذا خدعه وطلب غرته، وقيل: من قوله: قمر الرجل: إذا حار بصره.
9 - القمار المحرم في الشريعة هو: كل مراهنة يعلق تمييز مستحق الغنم والملزم بالغرم من جميع المشاركين فيها على أمر تخفى عاقبته فهو تحكيم للغرر في تمييز الغارم من مستحق الظفر.
10 - مناط الحكم في القمار ومتعلق التحريم فيه المخاطرة التي يعلق خروج كل داخل فيها غانماً أو غارماً على أمر تخفى عاقبته.
11 - تردد المقامر بين الغنم والغرم باعتبار حاله عند الدخول في المقامرة، واحتمال سلامته في المآل لا ينفي معنى القمار.
12 - المخاطرة الموجودة في القمار مخاطرة من نوع خاص يكون كل داخل فيها عند بدء المقامرة على احتمال أن يخرج منها غانماً أو غارماً، فكل مقامر يخاطر بشيء من ماله رجاء غنمه من مال غيره فهو على احتمال أن يغرم ما خاطر به، أو أن يغنم ما خاطر من أجله، وهي مخاطرة مقطوع بها ابتداء، وهي مخاطرة يلتزم كل داخل فيها بالخطر وهو المال الذي يوضع في السباق أو الرهان، فمن غلب أو صدق قوله أخذه، وهي مخاطرة يأخذ الغانم فيها المال بدون مقابل إذ لم يعمل لصاحبه عملاً حتى ينتفع به ولم يبذل له مالاً حتى يستحق عليه العوض ولم يجن جناية حتى يغرم ما وقع بسببها وهي مخاطرة يعلق انتقال الأملاك فيها على أمر لم يجعله الشارع سبباً لذلك.(4/128)
13 - القمار باعتبار ما يقع فيها نوعان:
نوع منه في المغالبات.
نوع منه في المعاملات.
وبهذا يعلم بأنه وإن غلب وقوعه في المغالبات والألعاب إلا أنه غير محصور فيها.
14 - التعليق على الأمور المستقبلية الاحتمالية ركن أساسي في القمار، فلا يتصور القمار في أمور منجزة لا تعليق فيها، ولا في تعليق على أمر محقق.
15 - توسع بعض العلماء في معنى القمار حتى أدخلوا فيه كل تعليق للتمليك أو الاستحقاق على الأخطار، فأنتج ذلك توسيع دائرة القمار وإدخال أمور ليست منه فيه.
16 - ثمة ألفاظ تطلق على الفعل الذي هو قمار ومنها: الميسر والقمار والرهان والمراهنة والمخاطرة والمخالعة والمناحبة والمغالقة والمجر.
17 - اتفقت كلمة العلماء من الصحابة فمن بعدهم على أن القمار كله بأي شيء كان داخل في الميسر ومشمول بحكمه في الشريعة.
18 - يفهم من كلام بعض السلف أن القمار مرادف للميسر، وصرح جماعة منهم بعدم اختصاص الميسر بما هو قمار, فجعله شاملاً للقمار ولكل لهو صد عن ذكر الله وعن الصلاة وأوقع في العداوة والبغضاء، وهو بهذا الاعتبار أعم من القمار، أما الميسر الجاهلي فهو أخص من القمار في الشريعة إذ هو قمار في شيء خاص فهو ضرب القداح على أجزاء الجزور قماراً.
19 - يطلق لفظ الرهان والمراهنة عند أهل اللغة وفي استعمال الشرع وحملة الشريعة على المسابقة على الخيل وغيرها مجاناً، وعلى مال, على أي وجه بذل، وعلى كل مخاطرة يلتزم كل مشارك فيها بمال لمن غلبه، وهذا الأخير هو المطابق للقمار.
20 - الاستقسام بالأزلام على الراجح: طلب معرفة الخير والشر بواسطة الأزلام، فهو غير الميسر وإن كان شبيها به من حيث التحاكم إلى ما تخفى عاقبته في تمييز الأمور.
21 - ما يترتب عليه إبطال حق صاحب الحق وجعله لمن لا حق له بمجرد القرعة فهو قمار، وأما تعيين المستحق غير المعين، أو تعيين الحق المبهم أو المشتبه مع تعذر الحجج بالقرعة فليس من القمار في شيء، إذ لا يستلزم إبطال حق ثابت وإثبات أحقية غير مالكه فيه.
22 - القمار من المحرمات المقطوع بحرمتها في الشريعة، وأكل المال به أكل له بالباطل، وإذا عدت المحرمات الظاهرة في الشريعة فهو معدود منها، ولهذا اجتمعت كلمة أهل العلم على تحريمه وتواترت حكاية الإجماع في كتبهم.
23 - تترتب على القمار مفاسد عظيمة، فهو يوقع العداوة والبغضاء، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، ويفضي إلى تعطيل ما يعود على الأمة بالنفع من الصناعات والتجارات والزراعات، ويعود النفوس على الكسل والبطالة والتعلق بالأوهام, والاسترسال مع الأماني، ويفضي إلى خراب البيوت العامرة, والعصف بالأسر الآمنة، وتضيع بسببه الثروات في لحظات، ويربي في النفوس الحسد والأثرة، ويزرع فيها الأحقاد والضغائن، ويعودها على المخادعة والتدليس، ويؤدي إلى إضاعة الأوقات وإفناء الأعمار بلهو ضرره أكثر من نفعه، ويؤدي إلى أن يكون المال دولة بين طائفة من الناس، ويؤثر على صحة القلب والعقل والبدن، ناهيك عما يصاحبه من القول الفاحش والكلام البذيء والاتهامات المتبادلة.
24 - جاء التشريع الإسلامي متدرجاً في مخاطبة الأمة بشأن الخمر والميسر، فمهد أولاً ببيان اشتمالهما على الإثم الكبير، وأنه غالب على النفع الموجود فيهما، فكشف لهم الحال على حقيقتها ولم يحتم عليها في طلب الترك، ففهم قوم طلب الكف فكفوا وغلب آخرون جانب الرخصة فترخصوا، بقي الأمر محتملاً عند آخرين فطلبوا زيادة البيان، ثم فطموا عن شرب الخمر وقتاً طويلاً من ساعات الليل والنهار، ثم جاء التحريم القطعي الذي لا مساغ للتأويل فيه.(4/129)
25 - لا أعلم في الشريعة عقوبة مقدرة في حق المقامر إلا أن تعريف العلماء للتعزير وبيانهم لما يشرع فيه من المعاصي يدل دلالة واضحة, على أن القمار داخل في الذنوب التي يستحق فاعلها التعزير، وإن لم يكن متعيناً في حق كل مقامر، بل ينظر في إيقاعه وتقديره على ما كان محققاً للمقاصد الشرعية وتقدر كل حالة بحسبها.
وإذا كان القمار بآلة محرمة فرأى ولي الأمر أو نائبه إفسادها على صاحبها بتغيير هيئتها أو إتلافها أو مصادرتها كان له ذلك.
26 - من طلب من غيره أن يقامره فهو مأمور بالصدقة بما تيسر مما يطلق عليه اسم الصدقة، وظاهر الأمر الوجوب حيث لم يثبت ما يصرفه عن مقتضاه.
27 - إذا اكتسب شخص مالاً بطريق القمار فإن علم صاحبه رده إليه، فإن تعذر فإلى وكيله، وإن كان ميتاً فإلى ورثته، فإن لم يكن ورثة قضى به ديناً عنه إن علم بذلك، وأما إذا جهل صاحب المال فإن غلب على ظنه العلم به حبس المال عنده وبحث عنه كما يفعل في اللقطة، وإن غلب على ظنه عدم العلم به تخلص منه بالصدقة به عن صاحبه أو بتسليمه إلى بيت المال ليصرف في مصالح المسلمين أي الأمرين كانت المصلحة فيه أرجح.
28 - المناضلة بالسهام والمسابقة على الخيل والإبل تأتي في المرتبة الأولى مما جاء في السنة من المغالبات المرغب فيها، وذلك لأنها عدة الجهاد عند القوم فكان إجراء السبق فيها إعداداً للقوة وتأهباً للعدو وترويضاً للنفوس على أمور الجهاد، وتدريباً لها على استخدام آلاته، وتمريناً للمركوبات المستخدمة فيه؛ لتسهل الاستفادة منها عند الاحتياج إليها، ولو لم يكن في ذلك إلا أن تكون نفوس أهل الإسلام متعلقة بأمور الجهاد متهيئة له مشغولة عند فراغها بوسائله لكان ذلك كافياً.
ويلحق بها ما هو من آلات الجهاد في كل عصر بحسبه.
وكما ثبت هذا في وسائل الجهاد الحسية فهو كذلك في الوسائل المعنوية التي ينتصر فيها للحق وترفع رايته وتعلن حججه وبراهينه، فإن قيام الدين بالسيف والسنان وبالحجة والبرهان.
29 - كل لهو ألهى عن واجب أو اشتمل على محرم أو غلب على الظن إفضاؤه إلى شيء من ذلك فهو حرام.
وتبني على ذلك فروع كثيرة.
منها: أنه يحرم كل لهو أفضى إلى تضييع الصلوات، أو ترك الجمع والجماعات، أو التفريط في حق من يعول من الأهل والولد والقرابات.
ومنها: حرمة كل لهو اشتمل على القمار.
ومنها: حرمة اللعب بالألعاب المشتملة على التماثيل والصور المحرمة.
ومنها: حرمة الألعاب التي يصاحبها فحش من القول أو الفعل أو كثرة للخصومة والجدال.
ومنها: حرمة الألعاب الخطرة من غير الحاذق بها.
ومنها: تحريم المغالبات التي يترتب عليها إيذاء المعصومين من الآدميين والإضرار بهم، كالملاكمة والمصارعة الحرة التي تقوم على أساس استباحة إيذاء كل من المتغالبين للآخر إيذاء بالغاً، وكمصارعة الثيران وما أشبه ذلك.
ومنها: تحريم ما يترتب عليه إيذاء البهائم والتحريش بينها.
30 - اتفق العلماء على تحريم اللعب بالنرد والشطرنج إذا كان ذلك على مال أو غلب على الظن إفضاؤهما إلى محرم أو تفويتهما لواجب، ونقل جماعة الاتفاق على تحريم اللعب بالنرد ولو بغير مال، وهو الصحيح قطعاً لصحة الأدلة على ذلك وتصريحها بحرمة اللعب نفسه وتقليب الكعاب من غير ذكر للعوض.
وأما اللعب بالشطرنج على غير مال فالقول بمنعه قوي وظاهر؛ لأن جماعة من الصحابة أطلق عليه اسم الميسر، ولأن المفاسد الموجودة في النرد المنصوص على تحريمه موجودة في الشطرنج بل أكثر، ولأن الفوائد المذكورة موهومة لا حقيقية، ولو افترض وجود شيء منها فإنه معارض بمفاسد راجحة.(4/130)
31 - القول بأن ما كان من الألعاب معتمداً على الحزر والتخمين حرام، وما كان معتمداً على الفكر والحساب حلال ليس بصحيح لفساد الأصل المبني عليه، ولما فيه من إهمال سائر المؤثرات الشرعية في كل لعبة بحسبها.
32 - لا يكفي في الحكم على المغالبة النظر إلى جنسها فقط، بل ينظر مع ذلك إلى القصد الباعث عليها ومآلها ووقتها وما اشتملت عليه ونحو ذلك من المؤثرات، وعليه فلربما كان جنس المغالبة مشروعاً أو مباحاً فتقع مع القصد الفاسد فتكون ممنوعة كالمسابقة على الخيل بقصد المباهاة والمفاخرة والرياء ومناوأة أهل الإسلام.
ولربما كانت المغالبة مباحة فتقع مع النية الصالحة ويترتب عليها مآل مشروع فتكون محمودة.
33 - لقلة اللهو وكثرته أثر في الحكم فيرخص في بعض اللعب إذ كان يسيراً ما لا يرخص فيه مع المداومة والإدمان.
34 - يرخص للصغار في اللعب ما لا يرخص لغيرهم؛ لأن أوقاتهم غير مشغولة بالتكاليف الشرعية كما هو الشأن في حق المكلفين، ولأن اللهو مناف للجد فيستساغ منهم ما لا يستساغ من غيرهم، ولأن احتياجهم إليه أشد ورغبتهم فيه أكبر.
35 - يجوز بذل المال في المسابقة على الخيل والإبل والمناضلة بالسهام، وحكى جماعة من العلماء الإجماع عليه.
36 - الذي يظهر – والله أعلم – جواز بذل السبق فيما كان في معنى هذه الثلاثة وتحقق به مقصودها مما ينفع في الحرب ويحدث النكاية في العدو وهو ما كان عدة للقتال غالباً، وذلك لأن الأحكام الشرعية تدور مع علتها وجوداً وعدماً فينبغي أن تناط الأحكام بها لا بالألفاظ المجردة، ولأن عدة القتال تختلف من عصر إلى عصر وإذا لم نقل بجواز بذل السبق في المغالبات بآلات الجهاد المستحدثة بعد عصر النبوة أهملنا المعنى الذي قصد الشارع إلى تحقيقه.
ويلحق بهذا فيما يترجح المسابقة في القرآن والعلوم النافعة التي بها إظهار للحق وإعلاء لكلمة الله في الأرض مع ملاحظة عدم التوسع في الإلحاق وألا يترتب على بذل السبق في ذلك مفسدة تفوق المصلحة المتوقعة أو تساويها.
37 - لا يجوز بذل السبق في مغالبة تعظم مفسدتها على مصلحتها، ويشمل ذلك كل مغالبة محرمة أو مكروهة، وهذا إجماع.
38 - ما كان جنسه مباحاً ولم يكن في أصل وضعه من عدة القتال، ووقع مجرداً عن نية حسنة يصير بها طاعة فلا إشكال في منع بذل السبق فيه، وإن وقع مع النية الصالحة فهو محل نظر، والأقوى منع بذل السبق فيه؛ للحديث، ومراعاة لأسباب التخصيص وحكم المنع.
39 - إذا أخرج السبق الإمام أو غيره من آحاد الناس ممن لم يشارك في السبق لا بنفسه ولا بمركوبه فهو جائز عند العلماء كافة، وقد حكى الإجماع عليه كثيرون، ومثله إذا بذله أحد المتسابقين دون الآخر.
40 - تبين بعد طول بحث ومناقشة رجحان مذهب جمهور العلماء في منع إخراج المال من جميع المتسابقين على أن من سبق أخذه، وقد حكى اتفاق العلماء على ذلك كثيرون.
41 - إذا عرضت لطالب العلم مغالبة فلينظر أولاً في جنس المغالبة وحكمها بذاتها، فإن كانت ممنوعة أو مكروهة فإن بذل المال فيها لا يزيدها إلا شرّاً، وإن كانت غير ممنوعة فلينظر هل هي داخلة فيما أجاز الشارع فيه بذل السبق أو لا؟
فإن كانت مما لا يجوز فيه بذل السبق استبعد إخراجه فيها على أي وجه كان، وإن كانت مما يجوز فيه بذل السبق نظر في كيفية بذله ومن المخرج له، وأجرى عليه الأحكام المذكورة قريباً.
42 - يرد القمار في المعاملات المالية بسبب المخاطرة على ما زاد أو نقص في أحد العوضين عن القيمة العادلة لما يقابله، وهو مقدار لا بدل يقابله في العوض الآخر، فأخذه بطريق المراهنة ظلم محض يخل بميزان العدل في المعاوضات.(4/131)
43 - القمار وثيق الصلة بالغرر لما في كل واحد منهما من المخاطرة والإقدام على أمر تخفى عاقبته ويجهل المرء مآل حاله فيه، ولما يحصل بسببهما من العداوة والبغضاء والخصومة والجدال، إلا أن القمار أخص من الغرر؛ لأن من شرطه أن يكون كل داخل فيه على احتمال أن يخرج منه غانماً أو غارماً، وليس هذا الأمر مطرداً في الغرر.
ثم إن معنى القمار في المغالبات أوضح من معنى الغرر غالباً، كما أن معنى الغرر في العقود أوضح من معنى القمار غالباً.
44 - ذكر جماعة من العلماء جملة غير قليلة من العقود يدخلها القمار، وقد تبين من خلال البحث أن معنى القمار في بعضها أوضح منه في بعضها الآخر، كما تبين أنه لم يكن مرادهم بهذا القول أن يكون العقد مطابقاً للقمار من كل وجه؛ بل اعتبروا اتحاد العلة ومناط الحكم حيناً، والمشابهة في العناصر الجوهرية والحكم المرعية حيناً آخر.
45 - القول بأن التأمين التجاري ضرب من ضروب القمار ظاهر الوجاهة؛ لما فيه من المخاطرة التي يعلق خروج كل طرف فيها غانماً أو غارماً على أمر تخفى عاقبته، ولما فيه من الغرم بلا جناية أو تسبب فيه، ومن الغنم بلا مقابل أو مقابل غير مكافئ، فهو إن لم يكن عين القمار فإن المعاني الجوهرية في القمار موجودة فيه، فهو غير خارج عن معناه.
46 - البورصة: اجتماع مالي يقام في أماكن معينة وفي أوقات دورية، وتعقد فيه صفقات البيع والشراء في الأوراق المالية والحاصلات الزراعية والمنتجات الصناعية وفق نظم معينة.
47 - تجرى في البورصة بيوع وهمية يبيع فيها الإنسان ما لا يملك، ويؤجل فيها تسلم الثمن والمثمن إلى موعد قادم يسمى بيوم التصفية، ثم يؤول الأمر في عامة هذه العقود إلى مجرد أخذ فروق الأسعار بين يوم البيع ويوم التصفية، إما لمصلحة البائع عند هبوط السعر، أو لمصلحة المشتري عند ارتفاعه دون تسلم ثمن أو تسليم مثمن.
وهي عقود باطلة؛ لما فيها من بيع الإنسان ما لا يملك ومن بيع الدَّين بالدَّين، ولأنها تفضي إلى ربح ما لم يضمن، وتعلق فيها العقود على أمور مستقبلية، ولما فيها من المخاطرة الوهمية على ما سيؤول إليه الأمر من صعود السعر أو هبوطه دون معاوضة حقيقية، فهي في معنى القمار ولها حكمه.
48 - تجري في البورصة عقود على حق اختيار البيع والشراء؛ بحيث تثبت هذه العقود التزاماً من بائع الحق، يتعهد بموجبه مقابل ثمن معين أن يمكن المشتري من شراء السلعة في المدة المحددة بالثمن المحدد، ويمنعه من أن يبيعها على غيره ولو حصل له ما حصل من الربح، كما تثبت هذه العقود حقاً لمشتري الحق فله أن يأخذ السلعة بالثمن المحدد في أي وقت من المدة المحددة.
وهي عقود باطلة لما فيها من الاعتياض عن حقوق مجردة محضة لم يعهد في الشريعة ما يدل على تقويمها وأخذ الأعواض عنها، ولما فيها من المخاطرة حيث يعلق إجراء البيع أو الشراء فيها بالثمن المحدد حالاً على ما لا يعلم مآله من ارتفاع الأسعار أو انخفاضها، فصارت في معنى القمار، ولما تجر إليه من المفاسد كحبس السلع وعدم تمكين أصحابها من التصرف فيها وتحويل الناس إلى معاملات صورية يربحون ويخسرون فيها من جراء تعاملات وهمية كالقمار سواء بسواء.
49 - المؤشر هو معدل أوسطي يستعمل للدلالة على حالة السوق وحجم التغير فيه. ولا يجوز بيعه وشراؤه لما في ذلك من المقامرة.
50 - اليانصيب ضرب من ضروب القمار؛ لأن حقيقته مخاطرة يسهم فيها عدد كبير من الناس في جمع مبلغ كبير من المال رجاء تحصيل قسط كبير منه، ويميز المستحق له من بين جميع المشاركين بواسطة القرعة أو أي طريقة تعتمد على الحظ والمصادفة وهذا، هو القمار بعينه.
ولا يصح أن يجعل صرف بعض أمواله في وجوه الخير مسوغاً للترخيص فيه.
51 - الحوافز المالية في المحلات التجارية قسمان:
أ- ما يعلق استحقاق جائزة معلومة فيه على الشراء لا على القرعة ونحوها مما يعتمد على الحظ والمصادفة.
فهذا القسم ليس من القمار في شيء؛ لأن كل واحد من المتعاقدين قد دخل على بينة من أمره وعلم بمقدار ما سيأخذ وما سيعطي فلا مخاطرة ولا غرر.
وإن كان الأولى بالباعة أن يجعلوا قيمة الجوائز تخفيضاً حقيقياً في سعر السلع لئلا يلجئوا الناس إلى شراء أشياء ليسوا بحاجة إليها، ولئلا يكون ذلك وسيلة إلى التخلص من البضائع الكاسدة بربطها بالبضائع الرائجة فيأخذها الناس على غضاضة.
ب- ما يعلق استحقاق الجائزة فيه أو تحديدها على أمر احتمالي تجهل عاقبته، كالذي تخرجه القرعة ونحوها مع شرط الشراء لشيء معين أو بمقدار معين.
فهذا القسم منه ما هو قمار محض، ومنه ما هو ذريعة ظاهرة إلى القمار.(4/132)
القول الأخير في الحج والعمرة عن الغير
Oحسن السيد زهرة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - أعمال منوعة
خلاصة البحث
- جواز الحج عن الوالد والوالدة من مالهما أو من غيره وذلك من برهما.
- جواز الحج عن الغير مطلقاً في فرضه ونفله ونذره.
- لا يحج عن غيره إلا إذا حج عن نفسه.
- الحج دين لله حق له ودين الله أحق بالوفاء ...
- من حج عن غيره فله مثل أجر صاحبه.
- جواز الحج عن الغير أوصى أو لم يوص.
- من حسن الصحبة وتمام البر تقديم الأم في الحج ثم الأب ثم غيرهما.
- الإجارة في الحج جائزة ومن أطيب الكسب ما دامت عن طيب نفس وبعد عن الاستغلال.
- خذ مالاً لتحج ولا تحج لتأخذ مالا.
- الولد والعمل الصالح والصديق الوفي من كسب المسلم الذي ينفعه بعد موته.
- لا يشترط الذهاب إلى بلد المنيب لتحج عنه بل تحج عنه من بلدك هذا وقد علمت أن جمهور السلف والخلف على جواز ذلك كله بل واستحبابه بل هناك من غالي وقال بفرض الحج عن الغير كابن حزم الأندلسي رحمه الله ونسأل الله عز وجل أن يتقبل منا حجنا وعمرتنا وأن يبصرنا بعيوبنا ونسأله أن يغفر لنا زلاتنا ويقيل عنا عثراتنا وأن يصفح عنا إن كنا أغلظنا القول في ردنا وأن يحبب الحق إلى قلبي وقلب أخي وقلوب المسلمين أجمعين إنه نعم المولي ونعم النصير.
وبذلك قد تم البحث فما كان من حق وصواب فمن الله وله الحمد والمن وما كان من خطأ ونسيان فمن نفسي والشيطان "وما أبرئ نفسي" وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد ألا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.(4/133)
القول الصائب في حكم صلاة الغائب
Oسامي بن العربي الأثري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة التطوع - جنائز
الخاتمة ـ نسأل الله حسنها ـ
أوضح هذا البحث بجلاء:
1ـ أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يصل على غائب إلا على النجاشي، وأما ما ورد في غير ذلك، فضعيف لا تقوم به حجة.
2ـ القول الصحيح في صلاة الغائب أنها لا تصلى إلا إذا علمنا أنه لم يصل عليه.
3ـ مات كثير من المسلمين؛ منهم الخلفاء الراشدون، بل منهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولم ينقل أنهم صلي عليهم صلاة الغائب، ولو وقع هذا لتواتر النقل عنهم بذلك لتوفر الدواعي لنقله.
4ـ إذا صلي على جنازة ولم يصل الإمام عليها، جاز له أن يصلي عليها مع جمع من الناس، ولو كان الميت في قبره.
5ـ يجب على العلماء أن يتمسكوا بكتاب وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم. وأن يكون مستندهم في فتواهم الدليل الشرعي والأصول المرعية عند النظر في الأمور الشرعية، وألا يداهنوا أحدا أو يجاملوه على حساب الدين وألا يتعصبوا لمذهب أول لشيخ على حساب الدليل الشرعي.
هذا ما أردت أن أختم به هذا البحث، والله الموفق. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/134)
القول المعتبر في جمع الصلاتين للمطر
Oحماد بن عبدالله الحماد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - الجمع بين الصلاتين
خاتمة البحث وذكر بعض النتائج:
1 - إن الجمع بين العشاءين للمطر ثبت عن ابن عمر كما في الموطأ، ولم يُعلم له منكر في زمانه، ومعلوم من هو ابن عمر في روايته ودرايته.
2 - أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع للمطر ولا عن بقية الصحابة "غير ابن عمر".
3 - أن أقوى الأقوال في تخريج حديث ابن عباس وجمعه بالمدينة ... أنه جمع صوري، حيث صرح أبو الشعثاء راوي الحديث عن ابن عباس بهذا، بل جاء مصرحاً به عن ابن عباس في روايته عند النسائي "أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء".
4 - أنه يجب التثبت عند الجمع من وجود ما يُلجئ إلى الجمع من حصول البلل، ومشقة الخروج للمسجد، وأن التساهل في هذا الأمر يوقع في أداء الصلاة في غير وقتها من غير ضرورة لذلك، وقد أفتى مشايخنا بإعادة الصلاة لمن جمع من غير تثبت وفقه، راجع الفتاوى الملحقة بآخر البحث.
5 - أن مفهوم كلام الفقهاء في من له الترخص بالجمع، حصول البلل والمشقة في الخروج إلى المسجد، وأن من طريقه إلى المسجد مسقوف "في كُن" أو كان منزله بالمسجد أو ملاصق له، بحيث لا يُصيبه بلل أو مشقة في الخروج إليه، أنه لا يجمع لانتفاء المشقة في حقه وهذا وجه عند أحمد كما ذكر ابن قدامة وهو مذهب الشافعي في القديم ورجحه النووي في المجموع، ولعل البعض يستدل بما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع وليس بينه وبين المسجد شيء، قال الألباني الحديث ضعيف جداً، وقد ذكر سابقاً، أو يقول أن العلة في الجمع للسفر والمطر هي المشقة فلماذا أجزتم الجمع في السفر مع انتفاء المشقة بالمراكب الحديث؟ قلنا: لا نسلم لك أن العلة في السفر هي المشقة، بل ذكر الصنعاني أن العلة في السفر هي السفر [سبل السلام 2/ 74].
6 - أن من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد وقع في أمر خطير، بل وقع في كبيرة من كبائر الذنوب كما ثبت عن عمر ابن الخطاب رضي الله عنه وقد تقدم.
7 - قد يتوهم البعض أن قول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ومن معه من أهل العلم الذين قالوا بجواز الجمع لعذر إذا لم يتخذ عادة استدلالاً بقول ابن عباس "أراد أن لا يحرج أمته" يوافق قول الرافضة، والحق أن هناك فرقاً جوهرياً بين القولين، فأهل السنة يرون أن الجمع رخصة عند وجود الحاجة، أما إذا لم توجد الحاجة والعذر فلا يشرع، أما الرافضة قبحهم الله فهم يرون مشروعية الجمع مطلقاً في الحضر والسفر عند وجود الحاجة وعدمها [ينظر الجمع بين الصلاتين لمشهور حسن سلمان ص89 ط دار عمان "عمان"].
8 - إباحة الصلاة في الرحال عند نزول المطر، وثبوت الأمر بذلك حيث أمر النبي صلى الله عليه وسلم المؤذن أن يقول صلوا في الرحال، وأنه من الأعذار المبيحة لترك الجماعة.
هذا ما تيسر جمعه، وأسأل الله عز وجل أن يوفق الجميع للسداد في القول والعمل، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم مقربة إليه سبحانه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(4/135)
القول المنعوت بتفصيل البسملة والقنوت
Oناصر لازم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الصحوة - الكويت
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - البسملة
الخاتمة
وأخيرا نلخص لك أيها القارئ الكريم ما ورد في هذه الرسالة بصورة أسهل حتى تفهم الرسالة بصورة أسهل ويتسنى لك العمل بما توصلنا إليه من حق لأن العلم بلا عمل طامة كبرى، ولا خير في علم محمول وليس معمولا به:
التلخيص
أولا: القنوت الذي نحن في صدده في هذه الرسالة هو الدعاء في الصلاة في مكان مخصوص من القيام.
ثانيا: إن قنوت النازلة جائز ويشرع عند النوازل وليس هو بدعة وليس هو سنة راتبة للفجر كما عند الشافعية بل الدوام على القنوت في الفجر بدعة وحديث أنس مازال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقنت في صلاة الصبح حتى فارق الدنيا ضعيف ولا يجوز الاحتجاج به. ويجوز ذكر أشخاص معينين بأسمائهم في الصلاة في قنوت النازلة وأما حديث ثم ترك الدعاء فمعناه ترك لعن أولئك القبائل المذكورة في الحديث وليس معناه ترك القنوت وقنوت الوتر سنة مشروعة وتستحب في السنة كلها وليس في تركه سجود سهو إذ إنه ليس بواجب.
ثالثا: وصيغة دعاء قنوت النوازل تتم بدعاء يناسب سبب القنوت ولا يتعين فيه دعاء مخصوص كما قال النووي في شرح مسلم وابن تيمية في مجموع الفتاوى.
وصيغة دعاء قنوت الوتر توقيفية ولا يزاد عليها شيء البتة وهي: " اللهم اهدني فيمن هديت وعافني فيمن عافيت وتولني فيمن توليت وبارك لي فيما أعطيت وقني شر ما قضيت فإنك تقضي ولا يقضى عليك وإنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت لا منجا منك إلا إليك". وأما الصلاة على النبي فلم يصح حديثها.
وإذا كان المسلمون في صلاة جماعة يجهر الإمام بالقنوت ويؤمن من خلفه وهذا يتحقق في قنوت النازلة أكثر من قنوت الوتر إذ إن الوتر يجوز للمسلم أن يقنت منفردا وله أن يجهر به ويسر. وينبغي للإمام إذا قنت للمأمومين أن يدعو بصيغة الجمع فيقول: " اللهم اهدنا .. " وبالنسبة لقنوت الوتر فهو يحتوي على دعاء وثناء فأما الدعاء فيؤمن المأموم فيه خلف الإمام وأما الثناء فالأولى السكوت فيه.
ويرفع القانت يديه في القنوت إلى صدره، وله أن يرفعهما حتى يرى بياض إبطيه في قنوت النازلة. والقنوت للوتر في النصف الثاني من رمضان يكون ذا شبهين بمعنى أنه له شبه بالوتر فيجوز أن يكون كالقنوت العادي وله شبه بالنازلة فيجوز أن يكون كقنوت النازلة.
وأما مسح الوجه باليدين بعد الفراغ من الدعاء فهو بدعة ولم يصح حديث فيه. ونص على بدعيتها العز بن عبد السلام وغيره.
رابعا: ويكون القنوت في النازلة بعد الركوع وفي الوتر قبل الركوع.
وهذا ما يسر الله – عز وجل – لي جمعه في رسالة القنوت فإن وفقت للصواب فالفضل لله وحده وإلا فمني ومن الشيطان. وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله أجمعين، وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/136)
اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية
Oمحمد عبدالعزيز عمرو
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1403هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - أعمال شاملة
الخاتمة
بعد عون الله وتوفيقه، أرجو أن أكون قد استكملت في هذه الرسالة، بيان أحكام اللباس والزينة في الشريعة الإسلامية. وفي ختام هذا البحث لا بد من إبراز أهم المبادئ والأسس التي تقوم عليها فكرة اللباس والزينة في الإسلام، لأهميتها العظمى في واقعنا الإنساني الذي نعيشه ونحياه.
وهذه المبادئ هي:
1 - إن اللباس من النعم الكبرى التي امتن الله به على عباده، شرعه لهم ليستر ما انكشف من عوراتهم، وليكون لهم – بهذا الستر – زينة وجمالاً بدلاً من قبح العري وشناعته.
2 - إن ستر الجسد من الحياء، وهو فطرة خلقها الله في الإنسان، فكل ذي فطرة سليمة يحرص على ستر عورته، وينفر من انكشافها وتعريها، إذن فستر الجسد ليس مجرد اصطلاح وعرف بيئي كما تزعم الأبواق المسلطة على حياء الناس وعفتهم، لتدمير إنسانيتهم وفق الخطة الصهيونية البشعة التي تتضمنها مقررات حكماء صهيون.
ومن هنا يمكن الربط بين الحملة الضخمة الموجهة إلى حياء الناس وأخلاقهم، وبين الدعوة السافرة إلى العري الجسدي، باسم الزينة والحضارة، "والموضة"، وبين الخطة الصهيونية لتدمير إنسانية الإنسان والتعجيل بانحرافه، ليسهل استعباده والسيطرة عليه، فيصبح ألعوبة في أيديهم يسخرونه لخدمة مصالحهم الخاصة.
3 - إن قضية اللباس والزينة ليست منفصلة عن شرع الله ومنهجه للحياة، بل إنها ترتبط بالعقيدة والشريعة بأسباب شتى:
أ- إنها تتعلق قبل كل شيء بالربوبية، وتحديد الجهة التي تشرع للناس في هذه الأمور ذات التأثير العميق في الأخلاق والاقتصاد، وشتى جوانب الحياة.
ب- كذلك تتعلق بإبراز خصائص الإنسان في الجنس البشري، وتغليب الطابع الإنساني في هذا الجنس على الطابع الحيواني، الذي هو سمة بارزة للجاهلية التي تمسخ التصورات والأذواق والقيم والأخلاق، وتجعل العري الحيواني تقدماً ورقياً والستر الإنساني تأخراً ورجعية، وليس بعد ذلك مسخ لفطرة الإنسان وخصائصه.
4 - إن الزينة الإنسانية هي زينة الستر، وأما الزينة الحيوانية فهي زينة العري، وهذه الحقيقة ثابتة، لا يغيرها ولا ينقص من قدرها انقلاب الموازين في شتى الأماكن والعصور.
5 - إن اللباس ليس بأداة خارجية لستر بعض أعضاء الجسد، ووسيلة لحفظه من تقلبات الجو فقط، بل جذور متأصلة في نفسية كل أمة وحضارتها ومدنيتها، وتقاليدها وسائر شؤونها الاجتماعية، فهو في واقع الأمر مظهر لتلك الروح التي تعمل عملها في جسد تلك الأمة.
6 - الإسلام دين الفطرة فهو – لذلك – لا يسلك في كل شأن من شؤون الحياة إلا طريقاً يتفق مع العقل العام، ويتجاوب مع الفطرة السليمة فهو لم يقرر للإنسان نوعاً خاصاً من اللباس أو أسلوباً خاصاً للمعيشة، ما دام قد تطور وترقى بأسلوب فطري سليم، إلا أنه وضع مجموعة من المبادئ والقواعد الأساسية من الوجهة الخلقية والاجتماعية الخاصة، وهو يريد من كل أمة أن تتولى الإصلاح في لباسها وفي طريقها للمعيشة حسب هذه المبادئ والقواعد الأساسية لا غير.
ومن قواعده في اللباس ما يلي:
أ- ما يختص بملابس الرجال:
1 - أن تكون ساترة للعورة، وأن تكون نظيفة ومرتبة.
2 - أن يراعى فيها حد الاعتدال، فلا إسراف ولا تضييق، بحيث تتناسب ومقدار إنعام الله على عبده.
3 - أن لا تكون مما نهي الرجال عن لبسه كالحرير والذهب.
4 - أن لا يقصد بها الفخر والشهرة والكبر.
5 - أن لا تشبه ملابس النساء.
ب- ما يختص بملابس النساء:
- إن لملابس النساء من الأهمية ما يجعل الأمر بالنسبة لها أكثر دقة وأعمق تفصيلاً من ملابس الرجال.(4/137)
- لقد كرم الإسلام المرأة وارتفع بها عن مستوى المهانة والازدراء، فهو يريدها أن تكون أداة تشييد وبناء في المجتمع الذي تعيش فيه، لا أداة تخريب وهدم، ولذلك ابتعد بها عن كل ما يثير غرائز الرجل ويهبط به إلى دركات البهيمية، ومن أجل هذا فقد اشترط في لباسها ما يلي:
1 - أن تكون ثيابها واسعة فضفاضة بحيث تستوعب جميع أجزاء البدن، وأن لا تبرز شيئاً منه أو تجسمه، وخاصة مواضع الفتنة منها.
2 - أن تكون سميكة صفيقة بحيث لا تشف، فيظهر ما تحتها من الأعضاء.
3 - أن لا تكون الملابس زينة في نفسها، كأن تكون ذات ألوان مثيرة تلفت إليها الأنظار، بل عليها أن تختار الألوان الهادئة التي تخلو من الإثارة والإغراء.
4 - أن لا تشبه ملابس الرجال لمنافاة ذلك لأنوثة المرأة ووظيفتها.
5 - إن الإسلام قد راعى في المرأة أنوثتها وحبها للزينة والجمال، فأباح لها ما يناسب هذه الأنوثة كالحرير والذهب، كما لم يحرم عليها اللباس الفاخر إذا كانت ممن أنعم الله عليها، بشرط عدم الإثارة والإغراء كما تقدم، وكذلك عدم تضييع أو تعطيل حق من الحقوق الشرعية.
6 - لقد حرص الإسلام على المرأة حرصاً شديداً فصانها، وحافظ عليها، ولم يسمح لأحد أن ينظر إلى أي جزء من جسمها، أو يكشف عنه إلا لضرورة أو حاجة اقتضتها مصلحتها الخاصة، أو المصلحة العامة للأمة، كمداواة أو خطبة، أو شهادة مثلاً.
7 - أن لا يكون لباسها لباس شهرة، وأن يخلو من الطيب عند الخروج من البيت، والخروج من البيت شرط في جميع ما تقدم.
8 - ترك الإسلام للمرأة حرية اللباس والزينة داخل البيت للزوج، حيث الفتنة نائمة، فلها أن تختار ما تشاء من أنواع الثياب وألوانها، وأن تتزين وتتجمل لزوجها كيفما تشاء، وبهذا تحافظ على زوجها مع بقائها بعيدة عن كل ما يعرضها ويعرض المجتمع معها إلى الانحراف.
وبعد بيان مبادئ الإسلام في اللباس والزينة، لابد من كلمة نبين فيها مدى الخطر الناجم من الانحراف عن هذه المبادئ، لما نشاهده من الفساد الذي استشرى في جميع نواحي الحياة في هذا المجتمع، وذلك لابتعاد الناس عن منهج الله للحياة، وأتباعهم مناهج الشيطان، ولكي يعود لهذا المجتمع بهاؤه ورونقه، وبشره وسعادته، لابد من أن نضع أصبعنا على موطن الداء. وأن نحدد على من تقع المسؤولية في معالجة هذا الداء، وكيفية استعمال الدواء، ليتم الشفاء من جميع هذه الأمراض الخلقية الذميمة.
تحديد الداء:
إن الداء الأصيل هو البعد عن منهج الله للحياة في جميع نواحيها، وأما فيما يختص باللباس والزينة فهو ناتج عما يلي:
1 - عدم التزام المرأة بالمبادئ والأسس العامة التي وضعتها الشريعة الإسلامية للباسها وزينتها.
2 - خروج المرأة عن مجال وظيفتها الأساسية، وفشلها في هذا المجال مع إنكارها لذلك، وعدم رغبتها في العودة إلى الطريق السليم.
3 - تأثير وسائل الإعلام على المرأة، والتغرير بها، اتخاذها أداة إغراء وإغواء، مما دفعها للإنحدار إلى عالم الجنس، وهذا كان له أثر سيئ على الواقع الإنساني.
4 - أثر مستحضرات التجميل على أنوثة المرأة، فهي تفجر فيها طاقة أنثوية، وتشعل فيها نار الرغبة، بحيث تستدرجها إلى طريق الشيطان، وتخرج بها عن مجال أنوثتها الحقة.
5 - سيطرة الغرائز على سلوك المرأة، ودفعها إلى المبالغة في عمليات التزين والتجمل، مما كان له بالغ الأثر في انحلال المجتمع، وتدهوره نحو الدمار.
6 - تلاعب دكاكين الأزياء بعقل المرأة، مما جعلها حقلاً للتجارب وسوقا رائجة تدر أرباحاً طائلة.
طريق النجاة:(4/138)
إن طريق النجاة من الأوضاع المتردية التي وصلت إليها أخلاق الأمة نتيجة لما تقدم من أسباب، يكمن كما قلت في الرجوع إلى الله، والتزام منهجه الذي ارتضاه لنا دستوراً للحياة، فيلتزم كل فرد في المجتمع القيام بمسؤوليته، فيقوم بواجبه نحو الله أولاً ثم يؤدي واجبه كاملاً نحو أمته ووطنه، فالكل مسؤول عن رعيته، فالحاكم راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة في بيتها راعية وهي مسؤولة عن رعيتها، والخادم في مال سيده راع وهو مسؤول عن رعيته، وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته.
مسؤولية الأفراد:
فمسئولية كل فرد تنبع من شعوره بتقوى الله ومراقبته والشعور بأنه مسؤول أمامه. وكذلك من شعوره بأهمية التعاون مع الآخرين والحرص على المصلحة العامة للأمة، والبعد عن الأنانية، ومراعاة النفع الخاص.
ومن هنا فمسؤولية الرجل، سواء كان أباً أو زوجاً، أو أخاً مسؤولاً، أن يبين لنساء بيته الأحكام التي تخصهن في أمور الزينة واللباس، بأسلوب لطيف لين بعيد عن القسوة والغلظة عملاً بقوله تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} وقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}. فإن هذا الأسلوب أقرب للقبول والامتثال لأمر الله سبحانه وتعالى، لأن الطاعة عن طواعية وحب أضمن من دوام الاستمرار من أن تكون عن طريق الإكراه والعنف.
والمرأة مسؤولة في هذا المجال، فيجب عليها أن تدرك بأن التزين وسيلة وليس غاية في ذاته، ولهذا فعليها أن تلتزم بشرع الله، ولا تبالغ في عمليات التزين حتى تكون قدوة صالحة لبناتها، وبنات جنسها من معارفها، بفضل التزامها بآداب الإسلام في كل شيء، وخاصة في مجال الزينة واللباس. ولتعلم أن رسالتها في هذه الحياة أكبر من أن تكون متعة للرجل يتلهى بها ثم يتركها، وأكبر من أن تكون أداة إغواء وسحر وجاذبية. إنها خلقت لتكون شريكة الرجل لا أن تكون لعبته. رفيقة دربه لا أداة تسليته، ولن يكون الطريق إلى ذلك إلا باحترامها لنفسها واتباعها آداب الإسلام في الملابس والتزين.
مسؤولية العلماء:
إن للعلماء في هذا المجال وكل مجال مسؤولية خطيرة، فهم ورثة الأنبياء كما أخبر عنهم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتقدم عليه واجب، فأول واجباتهم أن يتقوا الله فيطبقوا شرع الله على أنفسهم وفي بيوتهم، وذلك بأن تلتزم زوجاتهم وبناتهم بتعاليم الإسلام في اللباس والزينة حتى يكون قدوة لغيرهن من النساء، لأن الناس ينظرون إليهن نظرة الاقتداء والاتباع. فإذا ما التزم العلماء بتعاليم الإسلام في أنفسهم وفي بيوتهم، كانت كلمتهم مسموعة ومؤثرة في من يقومون بوعظهم ونصحهم.
ومن واجب العلماء أن يبصروا الحكام بمهام مسؤولياتهم، وأن يقدموا لهم النصح والإرشاد، ويوضحوا لهم عظم التبعة الملقاة على عاتقهم، وإن عذابهم يوم القيامة أليم شديد إذا ما قصروا فيما أسند إليهم من مسؤوليات وتهاونوا في تطبيق شرع الله في مجتمعهم الذي أسندت إليهم مقاليد الحكم فيه.
ومن المسؤوليات الجسام الملقاة على عاتقهم في هذا المجال حسن التوجيه لوسائل الإعلام حتى تؤدي واجبها نحو الأمة على أحسن وجه يحقق لها الخير والفلاح. فمهمة الإعلام خطيرة. لأن للصورة المرئية، وللكلمة المسموعة أو المكتوبة أثراً سحرياً عجيباً، يسيطر على العقول والقلوب بسرعة البرق. وهذا يبين لنا ما لأجهزة الإعلام من كبير أثر على واقع المجتمعات البشرية.(4/139)
ولذا فالاهتمام بها، وتوجيهها التوجيه الجاد من أهم الواجبات الملقاة على عاتق الحكام، نريدها وسائل تبني ولا تهدم، وتنقذ ولا تغرر. ولكن للأسف، فوسائل الإعلام في بلادنا قد لعبت دوراً كبيراً جداً في صنع هذا الواقع الفاسد، بانتهاجها غير طريق الإسلام في برامجها المتنوعة، ووسائلها المختلفة في الإثارة والإغراء، حتى أصبح المسلم الغيور يشعر بالغربة عند قراءة أو سماع أو رؤية شيء صادر عن هذه الوسائل. وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: "بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبي للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس".
إذن فواجب الإصلاح الأول يقع على عاتق العلماء، ببيان أحكام الإسلام من حلال وحرام، وبنصيحة الحكام ودعوتهم لتطبيق شريعة الله، لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمعات التي غربت عنها شمس الإيمان، وفقدت فيها التقوى ومراقبة الله، يحتاج فوق قوة الحجة، والكلمة المؤثرة، إلى قوة مادية يستند إليها، كما قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: "إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن".
فإذا تعاونت هاتان الفئتان، فبذل العلماء النصح، وقبل الحكام النصيحة، فقاموا بواجبهم بإصلاح ما فسد، وتقويم ما اعوج، صلح أمر الأمة، واستقامت مسيرتها، ووصلت إلى السعادة التي تنشدها، وفي هذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فئتان إذا صلحتا صلح الناس، وإذا فسدتا فسد الناس، العلماء والأمراء".
فباستطاعة هؤلاء إذا أخلصوا النية لله، أن يعيدوا للمجتمع المسلم صبغته الصافية، وصورته الناصعة التي أرادها الله له، وأن يحافظوا على جوهر الحياة الإسلامية وشكلها وهيئاتها، والله المستعان.
وفي الختام، فهذا جهدي الذي استطعت أن أقدمه، فإن أحسنت فمن الله وإن أسأت فمن نفسي ومن الشيطان، وأرجو الله أن يغفر لي ويهديني سواء السبيل. ويجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/140)
المال المأخوذ ظلماً وما يجب فيه في الفقه الإسلامي
Oطارق بن محمد الخويطر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ضمان وغصب
الخاتمة: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فأحمد الله تعالى أن وفقني لإتمام هذه الرسالة والتي أنفقت فيها جهدا ووقتا نفيسين، وأرى من المناسب أن أختم الحديث هنا بذكر أهم النتائج المستفادة من هذه الرسالة على النحو التالي:
أولاً:
1 - المال كل شيء له قيمة بين الناس ويجوز الانتفاع به شرعاً في حالة الاختيار، وهو شامل للأعيان والمنافع.
2 - ينقسم المال باعتبارات متعددة، فينقسم باعتبار ماله حرمة وحماية إلى متقوم غير متقوم، وباعتبار الثبات وعدمه إلى عقار ومنقول، وباعتبار التماثل وعدمه إلى مثلي وقيمي، ويترتب على هذه الأقسام بعض الآثار.
3 - الظلم هو: الجور ومجاوزة الحد، ووضع الشيء في غير موضعه الأصلي.
ثانياً:
1 - السرقة أخذ مكلف خفية مقدار نصاب فأكثر من حرز مثله بلا شبهة ولا تأويل.
2 - ركن السرقة أخذ المال خفية.
3 - طرق إثبات السرقة: البينة والإقرار.
4 - الشهادة هي إخبار عدل بحق للغير بلفظ خاص وهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول، ولا تقبل شهادة الشاهد إلا بتوافر شروط معينة.
5 - الإقرار هو: إظهار مكلف ما عليه لفظاً أو كتابة أو إشارة أخرس، أو على موكله أو موليه أو موروثة بما يمكن صدقه، وقد اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المقر ثلاثة شروط هي: البلوغ والعقل والاختيار.
ثالثاً:
1 - الحرابة: هي كل فعل يقصد به إخافة سبيل أو أخذ مال محترم أو قتل نفس أو غصب عرض بسلاح أو بغيره قهراً مجاهرة في أي مكان اعتماداً على القوة على وجه يتعذر معه الغوث سواء كان بمباشرة أو تسبب.
2 - ركن الحرابة هو: الخروج على الناس لأخذ المال على سبيل القهر والغلبة بحيث ينقطع الطريق ويعجز الناس عن المرور.
3 - أنوع الحرابة هي:
أ - القتل بدون أخذ مال.
ب - أخذ المال والقتل.
ج _ أخذ المال بلا قتل.
د- التخويف بلا قتل ولا أخذ مال
4 - تثبت الحرابة بالبينة والإقرار.
رابعا:
1 - الاختلاس: خطف المال في حين غفلة صاحبه والاعتماد على الهرب.
وركنه: أخذ المال عياناً على حين غفلة من مالكه.
2 - الانتهاب: أخذ المال عياناً قهراً اعتمادا على القوة والغلبة.
وركنه: ـ خذ المال جهاراً.
4 - طرق إثبات الاختلاس والانتهاب: البينة والإقرار.
خامساً:
1 - الغصب هو: الاستيلاء على حق الغير بغير حق جهراً بلا حرابة.
وركنه: أخذ المال قهراً بلا حرابة.
ويثبت الغصب بالبينة والإقرار.
2 - الرشوة هي: دفع مال أو منفعة لإبطال حق أو لإحقاق باطل.
3 - العارية هي: إباحة الانتفاع مدة، بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه بلا عوض.
وركنها عند الحنفية هو: الإيجاب من المعير، وعند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة، لها أربعة أركان هي: المعير، والمستعير، والشيء المستعار، والصيغة.
4 - صور العارية:
ا- أن تكون العارية مطلقة في الوقت والانتفاع.
ب - أن تكون العارية مقيدة في الوقت والانتفاع.
ج - أن تكون العارية مطلقة في الوقت مقيدة في الانتفاع.
د - أن تكون العارية مقيدة في الوقت مطلقة في الانتفاع.
5 - الوديعة: هي المال الموضوع عن آخر ليحفظه تبرعا وهي أمانة في يد المودع لا يضمنها إذا تلفت إذا كان تلفها بغير تعد منه أو تفريط.
وركنها عند الحنفية هو: الإيجاب والقبول، وعند الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة لها أربعة أركان هي: المودع، والمودع، والوديعة، والصيغة.
6 - تثبت العارية والوديعة بالبينة والإقرار.(4/141)
7 - الاستيلاء هو: القهر والغلبة والسبق إلى الشيء بأي طريق كان ذلك. ويختلف حكم الاستيلاء بحسب الشيء المستولى عليه وأيضا بحسب كيفية الاستيلاء.
8 - اللقطة هي: مال أو اختصاص محترم وليس بمحرز، ضائع من ملكه بسقوط أو غفلة ونحوهما، في صحراء أو بنيان، سواء كان حيوانا أو جمادا، يلتقطه غير ربه على سبيل الحفظ لا التملك، ولا يعرف الواجد مستحقه، ولا امتنع بقوته.
9 - يجب على آخذ اللقطة أن يعرفها في الموضع الذي وجدها فيه، فإذا انقضت مدة التعريف كان للملتقط أن يأكل اللقطة إن كان فقيرا أو يتصدق بها إن كان غنيا، فإن جاء صاحبها كان مخيرا بين أن يجيز الصدقة أو يضمنه إياها.
10 - المعدن ما استخرج من الأرض مما خلق فيها من غير جنسها. ويطلق الفقهاء المعدن ويريدون به:
أ - الركاز وهذا عند الحنفية.
ب - مكان وجود المعدن.
11 - الكنز هو: دفين الجاهلية ودفين الإسلام، وأنواع الكنوز ثلاثة هي:
ا- الكنز الجاهلي.
ب - الكنز الإسلامي أو دفين الإسلام.
ج- الكنز المجهول أو الكنز الخالي من العلامة أو المشكوك فيه.
12 - سبب اختلاف الفقهاء في الواجب في المعدن هو هل اسم الركاز يتناول المعدن أو لا.
13 - الكنز الجاهلي يجب فيه الخمس، وأما الكنز الإسلامي فيعتبر لقطة، ويرجع الكنز المجهول إلى أحدهما في الواجب فيه.
سادسا:
1 - يشترط لوجوب حد السرقة شروط يجب أن تتوافر في: السارق، صفة السرقة، المسروق، المسروق منه، المسروق فيه. وإذا تخلف شرط من هذه الشروط فلا قطع، ويبقى التعزير الذي يراه ولي الأمر.
2 - وأول ما يقطع من السارق يده اليمنى من مفصل الكف، فإذا عادت قطعت رجله اليسرى في الثانية، ويده اليسرى في الثالثة، ورجله اليمنى في الرابعة، ثم إن سرق الخامسة عزر وحبس.
3 - إذا كان المسروق قائما وجب رده إلى صاحبه، سواء كان السارق غنيا أو فقيرا، وسواء قطع أو لم يقطع، وجد المتاع عنده أو وجد عند غيره.
4 - إذا تلف المسروق وقد قطع صاحبه فيجب ضمانه مطلقا، قطع السارق أو لم يقطع، معسرا كان أو موسرا.
سابعا:
1 - يشترط لوجوب حد الحرابة شروط يجب توافرها في: القاطع، المقطوع عليه، في القاطع والمقطوع عليه، صفة الحرابة، المقطوع له، المقطوع فيه، وإذا تخلف شرط التعزير الذي يراه ولي الأمر.
2 - عقوبة المحاربين على التخيير: وسبب اختلاف العلماء في عقوبة الحرابة هل هي على الترتيب أو على التخيير هو: هل حرف (أو) في الآية للتخيير أو للتفصيل على حسب جنايات المحاربين.
3 - المقصود بالصلب في عقوبة جريمة الحرابة أن يوضع المصلوب على مكان بارز، سواء على خشبة أو معلقا أو غير ذلك، ومدة الصلب في الحرابة تتحدد بحصول الفائدة منه وانتفاء الضرر.
4 - إذا أخاف المحارب السبيل ولم يقتل أو يأخذ مالا فإنه ينفى إلى بلاد أخرى ويسجن فيها، ومدة النفي في عقوبة المحارب غير مقيدة بزمن وهي موقوفة على توبته.
5 - يجب على المحارب رد المال إن كان موجودا، وإذا تلف المال وقد أقيم عليه الحد فإنه يضمنه.
ثامنا:
1 - التعزير هو: العقوبة المشروعة على معصية لا حد فيها ولا كفارة ويشترط لعقوبة التعزير ثلاثة شروط هي: العقل، والاختيار، والعلم بالتحريم.
2 - تتعدد العقوبات التعزيرية ويختلف تأثيرها، ولولي الأمر تقرير ما يراه من هذه العقوبات بشرط موافقته للمصلحة العامة.
3 - يشترط في المغصوب الذي يعزر فيه الغاصب تعزيرا ماليا ثلاثة شروط هي:
ا- أن يكون المغصوب مالا.
ب- أن يكون المغصوب محترما.
ج- أن يكون المغصوب متقوما.
ويجب على الغاصب رد المغصوب إن كان قائما ومؤنة الرد عليه، وإذا هلك المغصوب فإن الغاصب يضمن بالمثل إن كان مثليا وإن لم يكن مثليا فبالقيمة.(4/142)
4 - شرط وجوب الضمان في الغصب هو تلف المغصوب أو عدم القدرة على تسليمه، والمعتبر في ضمان الغصب هو قيمة المغصوب يوم الغصب، سواء كان المغصوب مثليا أو قيميا.
5 - عقوبة جريمة الرشوة عقوبة تعزيرية يختارها ولي الأمر بما يوافق المصلحة.
6 - لا قطع على المختلس والمنتهب وجاحد العارية والوديعة والغاصب ويوقع عليهم التعزير الرادع لفعلهم
7 - يقطع النباس والطرار إذا بلغ ما أخذاه نصابا.
8 - إقامة العقوبات التعزيرية موكولة إلى أشخاص معينين هم: الإمام أو نائبة، والأب، وإن علا لابنه، والزوج لزوجته، والسيد لمولاه، والمعلم لتلميذه.
9 - لا تقام التعازير في المساجد.
10 - آلة الجلد: السوط المتوسط بين الجديد والخلق.
11 - يجلد الرجل قائما والمرأة قاعدة. وصفة الجلد وسط بين الشديد والضعيف.
ويفرق الضرب على بدن الرجل والمرأة باستثناء المقاتل فتتقى. ولا يقام الجلد في أي حالة يكون الضرر غير مطلوب كالجلد في شدة الحر والبرد وكجلد الحامل والمريض ونحو ذلك.
12 - السجن عقوبة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
13 - ومدة السجن في التعزير راجعة إلى ولي الأمر يقدرها بناء على المصلحة.
14 - يعزل الرجل في السجن عن النساء اتقاء للفتنة.
15 - للمسجون بعض الحقوق التي لا تمنع عنه.
16 - دل على مشروعية النفي الكتاب والسنة والإجماع ومدة النفي في التعزير محددة بتوبة الجاني أو بانزجاره.
17 - يكون القتل بأي طريقة تريح المقتول وليس ذلك محصورا في السيف.
18 - لا يمنع المصلوب من الطعام والشراب، وكذا لا يمنع من الوضوء للصلاة.
19 - مدة الصلب في التعزير غير محددة بزمن وإنما يراعى فيها المصلحة.
20 - تسقط العقوبات التعزيرية بأمور وهي: العفو، والتوبة، والموت.
هذه بعض النتائج التي توصلت إليها بعد البحث.
أهم التوصيات:
أوصي الباحثين بتأصيل بعض الموضوعات وتفصيلها وجمع كلام؟؟؟ المنثور عنها في أكثر من باب، وهذه الموضوعات مثل: ركن الاختلاس، وركن الانتهاب، وركن الغصب، وطرق إثبات الاختلاس، وطرق إثبات الانتهاب، وطرق إثبات العارية والوديعة، وغيرها مما قد توصلت إليه في ثنايا الرسالة، مما لم يفرد لها الفقهاء فصولا محددة، بل؟؟ في كتاباتهم بصورة موجزة تحتاج لجهد الباحثين في تأصيلها التأصيل؟؟ حتى تكون لدى كل قارئ وباحث سهلة ميسورة.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/143)
المحاماة تاريخها في النظم وموقف الشريعة الإسلامية
Oمشهور بن حسن آل سلمان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفيحاء
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
محاماة
كلمة أخيرة للمحامين: 108 - يقول الله عز شأنه وتبارك اسمه:- {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللهِ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}. أرشدتنا هذه الآيات من سورة النساء إلى (لون من ألوان التمرد على أحكام الله، مني به المسلمون كذلك في آخرهم ما منوا به في أولهم، ويرجع هذا اللون إلى استخدام القوى والمواهب والتدبير لإظهار الحق في صورة الباطل. والباطل في صورة الحق، خديعة للحاكم وتضليلاً للقضاء.
عرضت هذه السورة إلى هؤلاء الذين يتخذون هذا اللون من التمرد لإدانة البرءاء سبيلاً إلى كسب خبيث، يحصلون عليه من الدفاع والمحاورة بالباطل ليخفوا به الحق.
عرضت السورة لهذا الفريق من الناس، وحذرت الرسول أن يخدع بأساليبهم أو يتهاون في تحري الحق، اعتماداً على ظن الصدق فيهم، وعلى ظاهر حالهم في دعوى الإيمان والخوف من الله) (والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة لأن الخصام عن الخائنين لا يتوقع من النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد تحذير الذين دفعتهم الحمية إلى الانتصار لابن أبيرق).
وفي قوله تعالى {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}، التفات إلى أمته صلى الله عليه وسلم التفاتا ينطوي على التنديد والتثريب: فعلى فرض أنهم جادلوا عن الخائنين في الدنيا، فنجحوا ونجوا من العقوبة الدنيوية، فمن الذي يجادل الله عنهم يوم القيامة ويكون وكيلاً عليهم أمام الله عز وجل، وينقذهم من العقوبات الأخروية، وهو محيط بحقائق ما فعلوا، ولا تخفى عليه صغيرة ولا كبيرة. لأن المخاطب كل من يصلح للمخاطبة من المسلمين، والكلام مجرى الفرض والتقدير، أو مجرى التعريض ببعض بني ظفر الذين جادلوا عن ابن أبيرق.
ونحب أن نقف بالمحامي عند هذه الآيات من سورة النساء لنضع بين يديه ما ترشد إليه أو تدل عليه من عبر وأحكام. ويتلخص ما يهمنا من ذلك فيما يأتي:
1 - على المحامي أن يتحرى الحق والعدل: تنبه الآيات إلى أن المهمة التي ألقاها الله على عاتق الرسول صلى الله عليه وسلم بإنزال الكتاب عليه. وبالطبع هي المهمة التي ألقيت على من بعده من خلفاء وقضاة ومحامين. هي تحري العدالة والحكم بين الناس بالحق الذي لا يجافي الواقع {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ}.(4/144)
2 - تحذر الآيات من محاولات التلبيس، التي يقوم بها أصحاب الخصومة المزيفة، وتحث من أراد أن يخاصم عن آخر أن يمحص الحق، ويعرف واقع الخصومة التي يدافع فيها، لتتحقق بذلك العدالة المطلوبة من الله بين الناس، {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}.
3 - تلفت الآيات الأنظار إلى أن التساهل في تمحيص الأدلة والاندفاع مع تيار الخصوم الخائنين، والجدال عنهم وهم يخاصمون بالباطل، وينسجون التمويه على الحق، كل ذلك لا يغني عنهم من الله شيئا، ولا ينجيهم في الآخرة من العذاب الأليم، {هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً}. 4 - وتصرح الآيات بأن عاقبة الذنوب وآثارها السيئة إنما تنزل وتحيق بمن اكتسبها وباشرها دون من ألصقت به وحكم بها عليه ظلماً وزوراً. وإن إثمها ليتضاعف على صاحبها إذا رمى بها بريئاً، وانتحل في خصومته الأكاذيب والتزوير حتى ضلل بها الحاكم وأوقعه في الخطأ، وهو يريد الصواب، وفي الباطل وهو يريد الحق {وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.
وأخيراً: لعل آذان الذين يتخذون أساليب الحيل والخداع من المحامين، طريقاً لصرف القضاة عن جهة الحق وموطن العدل، لعل آذانهم تصغي إلى هذه التحذيرات الشديدة، التي تضعهم في صفوف الخائنين الآثمين {وَلاَ تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا} {وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا}. وإلا يفعلوا فهم من الذين بين النبي صلى الله عليه وسلم حالهم في قوله: (سيكون قوم يأكلون بألسنتهم. كما تأكل البقرة من الأرض) وإن سبب إيراد الحديث يوضح معناه: كان لعمر بن سعد إلى أبيه حاجة، فقدم بين يدي حاجته كلاماً مما يحدث الناس به حتى يوصلون (إلى مآربهم) لم يكن يسمعه، فلما فرغ قال: يا بني قد فرغت من كلامك؟ قال: نعم. قال: ما كنت من حاجتك أبعد، ولا كنت فيك أزهد مني منذ سمعت كلامك هذا. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: فذكر الحديث. ففي هذا الحديث تحذير شديد من التفاصح، وتشقيق الكلام، والتشدق في الألفاظ والتحذلق والتفيهق واستعمال البيان بالباطل لكسب المال. وإن هذا الحديث يبين حال أناس منهم: المتشدقون في الإذاعات، والخطباء للمال والمظهر والسمعة، وكتاب الصحف فيما لا فائدة له والمراؤون للحكام والظلام.
وقد ورد بهذا المعنى عدد من الأحاديث. منها قوله صلى الله عليه وسلم (إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان). رواه أحمد عن عمر مرفوعاً، والطبراني في المعجم الكبير والبيهقي في شعب الإيمان عن عمران بن حصين.(4/145)
المدخل إلى دراسة المدارس والمذاهب الفقهية
Oعمر بن سليمان الأشقر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دراسات فقهية
الخاتمة
المذاهب الفقهية متقاربة فيما بينها تقربا كبيرا حتى أن الذي يطالع اجتهادات الفقهاء في مختلف مذاهبهم ما انقرض أتباعه منها وما لم ينقرضوا يجد كأنها مذهب واحد والأدلة على عمق التقارب بينها أكثر من أن تحصر منها:
1ـ كل الأئمة الفقهاء أبناء مدرسة واحدة هي مدرسة أهل السنة والجماعة عقيدتهم واحدة وقد كانوا يدا واحدة في مواجهة الانحرافات العقائدية من الخوارج والمعتزلة والشيعة وغيرهم.
2ـ الأصول الكبرى ذات الأثر الأهم والأكبر في الفقه لا اختلاف فيها عندهم وهي: الكتاب، والسنة والإجماع والقياس فكلهم يأخذ بها ويقيم بناءه الفقهي على أساسها ولا يعكر على هذا المأخذ اختلافهم في بعض الأصول الثانوية المنتزعة من الأصول الكبرى السابقة.
3ـ الأئمة أخذ بعضهم من بعض وتتلمذ بعضهم على بعض فتلامذة أبي حنيفة رحلوا إلى الإمام مالك وأخذوا عنه فأبو يوسف رحل إلى الإمام مالك واستفتاه وأخذ عنه والإمام محمد صاحب أبي حنيفة روى عن الإمام مالك موطأه.
ورحل بعض تلامذة الإمام مالك منهم أسد بن الفرات إلى العراق وأخذ عن شيوخ الحنفية أمثال محمد بن الحسن وأسد هذا كان هو السبب في تأليف المدونة كما مر معنا عندما تحدثنا عن مؤلفات المالكية.
والإمام الشافعي تتلمذ على الإمام مالك وفي رحلة الشافعي إلى العراق حاور مشايخ الحنفية تلامذة الإمام أبي حنيفة فاستفاد منهم واستفادوا منه وأخذ الإمام أحمد عن الشافعي رحمه الله.
وإذا استعرضت سيرهم وجدت أن اللاحق منهم كان يثني على السابق ويدعوا له ويأخذ من علمه ولا يعكر على هذا تخطئة بعضهم لبعض فإن هذا يحدث في المذهب الواحد.
4ـ انتقل العلماء الأعلام من مذهب إلى مذهب من غير نكير من أهل العلم إلا إذا كان انتقالهم لغرض دنيوي أو اتباعا للهوى.
يقول الشعراني " لم ينكر أكابر العلماء في كل عصر على من انتقل من مذهب إلى مذهب إلا من حيث ما يتبادر إلى الأذهان من توهم الطعن في ذلك الإمام الذي خرج من مذهبه لا غير بدليل تقريرهم لذلك المنتقل على المذهب الذي انتقل إليه"
ونقل الشعراني عن القرافي قوله: " يجوز الانتقال من جميع المذاهب إلى بعضها بعضا في كل ما لا ينتقض فيه حكم حاكم"
ونقل أيضا عن السيوطي أنه سمى عددا من الذين انتقلوا من مذهب إلى مذهب من غير نكير عليهم من علماء العصر كانوا الذي فيه، منهم الشيخ عبدالعزيز بن عمران الخزاعي كان من أكابر المالكية فلما قدم الشافعي من بغداد ترك مذهبه وتبعه، ومنهم أبو جعفر الطحاوي كان شافعيا وتفقه على خاله المزني ثم تحول حنفيا ومنهم الخطيب البغدادي الحافظ كان حنبليا ثم عمل شافعيا ومنهم ابن فارس صاحب كتاب المجمل في اللغة كان شافعيا تبعا لوالده ثم انتقل إلى مذهب مالك وذكر عددا من أهل العلم ممن تحول عن مذهبه من نقلته عنه
5ـ كان هدف الأئمة جميعا من وراء ما قرروه من أحكام هو الوصول إلى حكم الله في مسائل الفقه المختلف فيها وقد مر معنا أن مصادرهم الأصلية في ذلك واحدة ولذلك عندما كانوا يتحاورون ينزعون منزعا متقاربا فيما يعتمدون عليه ويأصلونه فلم يكونوا كما هو الحال عند فرق النصارى أو الفرق المخالفة لأهل السنة والجماعة.
ولذلك فإننا عندما نرجع في المسألة الواحدة إلى اجتهاداتهم نرى أنه يقترب بعضها من بعض في الطريقة والمأخذ بل وفي النتائج والأحكام وقد يكون التقارب بين مذهبين أكثر من التقارب في المذهب الواحد أحيانا.(4/146)
6ـ هذا التوجه هو مقتضى ما وصى به الأئمة أتباعهم وتلاميذهم فكلهم طالب أتباعه الحق وإن خالف قوله ولو قام الأئمة من قبورهم ورأوا ما عليه أتباعهم اليوم من مخالفتهم لما أمروا به لتبرؤوا من ذلك ونهوا عنه.
7ـ هذا التوجه هو منهج العلماء الأعلام من أصحاب المذاهب الذين عرضوا أقوال علماء المذهب وأقوال فقهاء الأمصار جنبا إلى جنب مع ذكر أدلة كل قول وذكر الراجح ومن خير من سار هذا المسار ابن قدامة في كتابه المغني والنووي في المجموع وابن عبد البر في الاستذكار وهو منهج الفقهاء الأعلام من أهل الحديث أمثال ابن حجر في كتابه القيم فتح الباري.
رأينا كثيرا من الأعلام في كل مذهب من يترك مذهب إمامه في بعض المسائل ويأخذ بقول غيره إذا تبين له رجحان دليله وضعف دليل إمامه.
ثمار هذا التوجه:
وهذا التوجه في عد المذاهب الفقهية مذهبا واحدا أو كالمذهب الواحد له فوائده وثماره الخيرة ومن هذه الفوائد والثمار:
1ـ تحقيق الوحدة بين المسلمين فالمسلمون كما قرر كتابهم ودعا إليه رسولهم أخوة فيما بينهم والأئمة كما مر معنا كانوا أخوة يدعو بعضهم لبعض ويحب بعضهم بعضا وينصح بعضهم لبعض.
2ـ وهو ينزع فتيل العصبية المذهبية القائمة على تعظيم بعض أهل العلم والغض من شأن الآخرين وموالاة إمام والبحث عن عيوب الآخرين والتعصب لأقوال وفتاوى واجتهادات واحد من الأئمة ورمي أقوال غيره من الأئمة.
وقد أدى كل هذا إلى البغضاء والاقتتال والخصام بين أبناء الدين الواحد والملة الواحدة من أهل السنة والجماعة.
3ـ هذا النهج يقلل الخلاف ولا يزيده ففي كل مذهب من الاختلاف بين أصحاب المذهب الواحد شيء كثير وفي كل مذهب من الأقوال الشاذة والوجوه والاختيارات الضعيفة ما جعل المحققين في كل مذهب يضجون بالشكوى وينادون بتصحيح المسار وتقويم الأخطاء.
4ـ هذا النهج يعيد للفقه اتساعه وشموله فقد رأينا كيف ضاق الحال بأتباع كل مذهب في بعض المسائل مما جعلهم يترخصون باتباع مذهب آخر لما يرونه من حرج في أتباعه مذهبهم.
ليس هناك عالم واحد أحاط بالسنة كلها وبالدين كله ومع أن كل مذهب فيه خير كثير إلا أن أتباعه قد يجانبهم الصواب في بعض المسائل فجعل فقه الأئمة فقها للكتاب والسنة يوسع الدائرة ويجعل أنظار المجتهدين والعلماء تجول في تلك الدائرة الكبيرة والواسعة وبذلك يرتفع كثير من الحرج والمعاناة التي قد يجدها بعض أصحاب كل مذهب في بعض الأحيان.
وهذا النهج يجعلنا أكثر قدرة على مواجهة المستجدات والمعضلات في أمر هذه الحياة التي أصبح التغير والتلون فيها هائلا سريعا في هذا العصر.
كما أن متابعة هذا النهج يلقم حجرا أولئك الذين يزعمون أن الشريعة الإسلامية لا تسع الحياة ولذلك اتجهوا إلى الأخذ من القوانين الغربية إن الضيق الذي وجدوه في بعض الأحيان سببه الاقتصار على مذهب دون غيره ولو جعل فقه الأئمة مجالا للأخذ والنظر لما وجد هذا الإشكال.
5ـ ومن ثمار هذا المنهج الذي يقوم على إطلاق العقول من عقالها تربية الملكة الفقهية التي تتمرس بأقوال أهل العلم من مختلف المذاهب وتتعرف إلى استخلاص الاجتهاد وكيف استدل العلماء بالنصوص على الأحكام وكيف استخلص العلماء الأحكام من الأدلة وهذا هو النهد الذي تربى الأئمة عليه فتفتحت عقولهم ونمت مداركهم وتعمقت لديهم الملكة العلمية التي تفقه وتستوعب وتحلل المسائل وتحكم في ضوء النصوص.
6ـ وأخيرا فإن هذا النهج يحيي دراسة النصوص من الكتاب والسنة والعمل بها من غير إهدار لجهود الأئمة بل يجعل فقه الأئمة جهودا لفقه النصوص لا نصوصا تزاحم النصوص.
وفي ختام هذه الخاتمة أود التنبيه إلى أنني لا أقصد بما أدعو إليه في هذه الخاتمة إلى جعل كل الآراء الفقهية في مختلف المذاهب على حد سواء فالاختيار من الأقوال والمذاهب محكوم بالدليل فالقول الأقوى والأصح ما قوي دليله أما التخير من الأصول بمجرد الترجيح الشخصي فإنه مرفوض وقد تحدثنا عن هذا فيما مضى من بحثنا هذا والله أعلم بالصواب والحمد لله رب العالمين.(4/147)
المدرسة الظاهرية بالمغرب والأندلس
Oتوفيق بن أحمد الغلبزوري الإدريسي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
دراسات فقهية
الخاتمة:
لا أريد في هذه الخاتمة – كما جرت العادة – أن أعود إلى عرض ما عرضته، وإجمال ما فصلته، فذلك قد مضى بما له وما عليه، ولابد أن أعود إليه – إذا يسر الله ذلك – لتتميمه، وتهذيبه، وتشذيبه، وتصحيح أخطائه، وتقويم اعوجاجه.
ولهذا فإني أقصر هذه الخاتمة على التذكير والتنبيه على آفاق هذا البحث من خلال بعض القضايا الكبرى التي أثارها، والتي تتطلب الكثير من الدراسة والتنقيب والنقر.
أ- لقد كشف هذا البحث النقاب عن أعلام الظاهرية بالمغرب والأندلس، وأحصى منهم عدداً لم يتنبه له الكثيرون، ولكن مع ذلك ما يزال يظهر كل مرة جديد منهم، فلزم مواصلة البحث عنهم، وتقضي تراجمهم المتفرقة شذر مذر في كتب من العلم متنوعة، لنخلص بذلك إلى مصنف شامل في طبقات الظاهرية، يوفر علينا الجهد والوقت، ويغنينا عن البحث في مئات كتب الطبقات، والتراجم والفهارس، وكتب البرامج والتواريخ، كلما أردنا معرفة أحد منهم.
ب- ظهر من خلال هذه الدراسة أن المذهب الظاهري بحاجة اليوم في عصرنا الحاضر إلى جمع شتاته ولم شعثه، فكراً وفقهاً وأصولاً، وعدم الاقتصار في ذلك على تراث الإمام ابن حزم وحده، وذلك عن طريق جمع واستخراج آراء الظاهرية المنثورة في كتب التفسير والحديث، والفقه والأصول، المطبوعة، وتحقيق ما يوجد من مؤلفاتهم التي ما تزال مخطوطة.
ج- كما تناولت هذه الدراسة قضية جوهرية في مجال النظر والاجتهاد في عصرنا الحاضر، وهي مسألة التفاعل بين النصوص ونوازل العصور.
فجمهور الفقهاء يكادون يجمعون على أن (النصوص متناهية والوقائع غير متناهية) أما الظاهرية فقد جاءوا أساسا لهدم هذه الفكرة الخطيرة، وكان لديهم منهج آخر في التعامل مع النص، فالنصوص عندهم غير متناهية أبداً، ووجود واقعة لا نص فيها معدوم، إذ الدين كله منصوص عليه، والنصوص محيطة بأحكام الحوادث إلى يوم القيامة، وأنها قادرة على مواجهة الوقائع مهما تعددت وكثرت، ولتبلغ الوقائع ما تشاء فإن النص قادر على شمولها بأحكامه، دونما حاجة إلى القياس أو التعليل، فالنصوص مطلقة والنوازل نسبية، والنص المطلق قادر على الهيمنة على الحوادث النسبية، إذا عرف المجتهد كيف يتعامل معه.
هذه النظرة هي مركز الفكر الظاهري وقطب رحاه، وهي تحمل للأمة الكثير من الخير لو قدر لها الذيوع والانتشار بالقدر الذي ذاعت وانتشرت به غيرها من المناهج والمذاهب، ولكنها بحاجة إلى تعميق وتطوير، أرجو أن يسد ثغرته ويتم بناءه الباحثون والدارسون.
د- أما معرفة آثار هذا الاتجاه الظاهري في تاريخنا الفكري والحضاري في القديم والحديث، وإيضاح وبيان الفروق بينه وبين غيره من الاتجاهات، فأرجو أن يكون هذا البحث فاتحة لدراسات معمقة في هذا المجال، والاستفادة من منهج الظاهرية النحوية في تيسير النحو العربي اليوم؛ مهمة أتركها للنحاة والأدباء واللغويين فلست من أهل هذا الشأن.
هـ- ومما ظهر لي من خلال هذه الدراسة أن معنى الدليل عند الظاهرية، أصل ما يزال يحوطه الكثير من الغموض واللبس، ولذا اقترح على الباحثين الحزميين تعميق البحث في هذا الموضوع، وتجليته لتستفيد منه الدراسات الأصولية المعاصرة اليوم، لاسيما وأن الظاهرية قد استعاضوا بهذا الأصل عن القياس، فأغناهم.(4/148)
ووأقترح في النهاية على المشتغلين بتاريخ التشريع الإسلامي، وحركة الفقه وأصوله ومدارسه، الكشف عن مناهج فقهاء الأمة في فهم النصوص من الكتاب والسنة، في عصر كثر فيه الحديث عن المناهج، فالتقطنا من قمامات المناهج الغربية كل شيء، وأغفلنا المنهج الإسلامي العظيم الذي يقف على قمته أئمة الأمصار المجتهدون، وذلك لفتح آفات جديدة للدراسات الفقهية في بلدنا؛ كي يتجدد للفقه الإسلامي المرتبط بالمنابيع ذكر، بدل الإعراض عن الأصول، والانصراف إلى فروع، الفروع والتقليدي الذي يميت ولا يحيي.
ز- ومن المسائل الهامة التي ارتبطت بمنحى الظاهرية مسألة الثورة على القليد، وما حدث فيه من مغالات من جهتهم إذ لم يكفهم أن يجتهد العلماء بل أوجبوا الاجتهاد على العامة، واجتهادهم بمقدار طاقتهم، وهو أن يعرفوا من يفتيهم من أين قال ما يفتيهم به.
هذه النقطة في فقه المدرسة الظاهرية أثارت الكثير من الجدل بين العلماء، وقد تكون فهمت على غير المراد منها، فاحتاجت إلى البحث المنصف والدراسة الموضوعية ليكشف عن حقيقتها.
ك- وأرى أني فتحت بهذا البحث – إن شاء الله تعالى – مجالاً واسعاً أمام الباحثين للاشتغال بالمدرسة الظاهرية بالمغرب والأندلس، ذلك أن كل فصل أو باب من أبواب هذه الدراسة يمكن أن يكون بحثاً مستقلاً بعينه.
تلك هي بعض القضايا التي قد تستهوي الباحث ليخوض غمارها، أردت التنبيه والحث عليها، إذ رغم ما بذل في هذا الموضوع من جهد، فلا يزال في حاجة إلى خدمة أعمق وأوسع، ولا يزال المجال فسيحاً لمن يبذل فيه جهداً أكبر.(4/149)
المذهب عند الشافعية وذكر بعض علمائهم وكتبهم واصطلاحاتهم
Oمحمد الطيب اليوسف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البيان الحديثة - الطائف
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه فروع عام شافعي
الخاتمة
إن اصطلاحات فقهاء الشافعية في التعبير عن اختلاف الأصحاب تنحصر فيما يأتي:
أولا: أن الخلاف عند الشافعية إما أقوال وإما أوجه وإما طرق.
1ـ ففي الأقوال إما أن يقوى الخلاف وإما أن يضعف.
فإن قوي الخلاف عبر عنه بالأظهر ومقابله غريب والعمل بالمشهور والغريب ليس ضعيفا بل لم يسبق إلى القول به أحد
2ـ وإما أن يكون الخلاف أوجها وهي إما مستنبطة من كلام الإمام الشافعي وإما مخرجة على القواعد التي أرساها الإمام الشافعي رحمه الله.(4/150)
المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة
Oإبراهيم بن محمد الصبيحي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - أعمال شاملة
الخاتمة
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين وعلى من سلك سبيله واتبع سنته إلى يوم الدين. أما بعد:
فقد يسر الله سبحانه وتعالى القيام بدراسة المسائل السابقة دراسة متأنية، حاولت فيها الوصول إلى أرجح الآراء التي يعضدها الدليل من الكتاب والسنة والتي يشهد لها كلام سلف الأمة، سائلاً الله سبحانه وتعالى أن يثيبني على ما بذلته فيها من جهد، كما أسأله أن يعفو عن الخطأ والزلل.
ثم إن اختياري لهذه المسائل المدروسة قد تم بناءً على ما توفر لدي من جواب، نتيجة المذاكرة والمشورة التي تمت مع بعض مشايخي وزملائي في مواسم الحج، فجزاهم الله عني خير ما يجزي عباده الصالحين.
ومما يجدر ذكره أن هناك مسائل بحاجة إلى دراسة متأنية من أجل الوصول إلى أرجح الآراء وأصوبها، كطواف الحائض والنفساء. أسأل الله سبحانه أن ييسر القيام بدراسة مثل هذه المسألة التي كثر فيها الكلام كما أسأل الله سبحانه وتعالى أن يلهمني وإخواني فقه قول الله تعالى: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا}.
فهذه الآية ترسم لنا منهج الحوار، وأدب المناظرة، كما ترشدنا على أفضل السبل لاختيار الألفاظ، والتأدب مع أهل العلم وسلف الأمة، نسأل الله أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق.
هذا وقد توصلت من خلال الدراسات السابقة إلى الأمور التالية:
1 - استحباب الإحرام عقب صلاة، فإن كان ثمت فرض أحرم عقبه، وإلا صلى ركعتين، ثم أحرم بعدهما.
2 - لا تجوز الإفاضة من عرفة قبل غروب الشمس وعلى من فعل ذلك دم.
3 - يستحب لمن وصل إلى المزدلفة قبل دخول وقت العشاء أن، يصلي المغرب بعد الأذان، ثم ينتظر حتى يدخل وقت العشاء، فيصلي من غير أذان، ولا يشرع التنفل قبلها.
4 - عدم صحة القول باشتراط الطواف في يوم النحر لمن أراد أن يمضي في تحلله لضعف الحديث الوارد في ذلك.
5 - عدم صحة القول بأن التحلل يحصل بمجرد الرمي، لمخالفته تحلل النبي -صلى الله عليه وسلم-
6 - عدم وجوب طواف الوداع على المعتمر.
7 - ترجيح القول بأن طواف الوداع من مناسك الحج.
8 - يجوز لمن طاف للوداع بعد العزم على النفر أن يتأخر لقضاء مصالحه، وانتظار رفقته، وإصلاح شأنه.
9 - استحباب فسخ الإفراد والقران إلى عمرة تمتع ما لم يكن ساق الهدي، وتضعيف القول بوجوب الفسخ وكذا القول بتحريمه.
10 - مشروعية الاعتمار لأهل مكة، وللقادمين إليها. من الحل، وتضعيف مذهب المانعين من ذلك.
11 - ترجيح القول بأن المراد بالمسجد الحرام: الحرم كله.
12 - ترجيح القول بأن المراد بحاضري المسجد الحرام. هم أهل الحرم، ومن كان بينه وبين مكة دون مسافة القصر.
13 - تصحيح الاحتجاج بأحاديث رمي الرعاة.
14 - بيان ضعف القول بأن جدة ميقات لمن قدم من أي الجهات.
هذه أبرز النتائج العلمية التي توصلت إليها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.(4/151)
المسابقات وأحكامها في الشريعة الإسلامية - دراسة فقهية أصولية
Oسعد بن ناصر الشثري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار العاصمة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مسابقات - جوائز
الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده على نعمه وأشكره على فضله، وأصلي وأسلم على نبيه محمد، وبعد: فقد تبين لنا من خلال هذا البحث شمولية الشريعة لجانب المسابقات، وأن علماء الشريعة قد اهتموا بهذا الجانب واجتهدوا في استخراج أحكام الشريعة في ذلك.
كما تبين لنا معنى السبق بإسكان الباء: المسابقة، وبفتحها: العوض، وفي الاصطلاح عقد السبق: عقد بين متعاقدين على عمل يعملونه لمعرفة الأحذق منهم فيه.
والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع متضافرة على مشروعية المسابقات في الجملة.
وكثير من العلماء يرون أن هذا العقد من عقود المعاوضات. ويتكون عقد المسابقة من متسابقين، وصيغة، ومكان، وزمان، وأداة للسباق. وهناك شروط عدة لمشروعية السباق، كما أن هناك شروطاً لجواز بذل العوض فيه.
والإجماع منعقد على جواز بذل الإمام لعوض المسابقة، والجمهور على جوازه من أجنبي أو من أحد المتسابقين.
أما إذا كان بذله من جميع المتسابقين، فالجمهور على منعه. وهناك قول بجوازه، ولكل قول دليله.
وعقد المسابقة عقد غير لازم إن لم يكن بعوض بالاتفاق، وكذلك إن كان بعوض حسبما ترجح لدي.
وما كان من المسابقات معيناً على الجهاد في سبيل الله أو الدعوة إليه كان مشروعاً؛ وجاز بذل العوض فيه، كالمسابقة على الحيوانات، أو بالأقدام، أو على أنواع المركوبات المختلفة .. ومثلها المصارعة، والكراتية، والسباحة، والمسابقات العلمية والثقافية.
أما ما كان منها قائماً على الحظ والمصادفة، فإن الشريعة تمنع منه، ومن ذلك النرد "الطاولة"، ولعب الورق، ومن ذلك ما تفعله المحلات التجارية من توزيع أرقام على المشترين يتم السحب عليها فمن خرج رقمه أعطي جائزة.
وكذلك ما كان فيه ضرر مؤكد مثل: الملائكة، ونقار الديكة. أما ما خلى من المصادفة، ومن الإعانة على نشر دين الله، ومن الضرر، فإن المسابقات حينئذ تكون جائزة مع تحريم بذل العوض فيها؛ ومن ذلك الشطرنج، ولعب الكرة، والألعاب الإلكترونية.
والمناضلة هي المسابقة في الرمي بالسهام ونحوها. ويدخل فيها الرمي بالبنادق، والمسدسات، والرشاشات، والمدافع .. وما كان مماثلاً لها.
وعقد المناضلة له شروط، وصفات، وأنواع، وأحكام مختلفة سبق توضيحها.
وأوصي جميع المسلمين بالسير على أحكام الشريعة في مجال المسابقات، والحرص على تعلم أحكام الإسلام في ذلك، بإقامة الدورات العلمية فيه.
وأسأل الله للجميع العلم النافع، والعمل الصالح، والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(4/152)
المساجد السبعة تاريخاً وأحكاماً
Oعبدالله بن محمد الأنصاري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الغرباء الأثرية - المدينة النبوية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مساجد - أحكام وفضائل
خاتمة البحث ونتائجه وما أوصي به:
لما كان الشيء ينسي بعضه بعضاً، وددت تلخيص هذا البحث وإطلاعك على نتائجه وما أوصي به:
أولاً: قدمت لهذا الكتاب بمقدمة في فضل بناء المساجد وإعمارها حسياً أو معنوياً وفق ما شرع الله، وذكرت فيه الأدلة من الكتاب والسنة على ذلك، وأن من بناها على خلاف ما شرع الله كان آثماً مأزوراً لا مأجوراً، وضربت مثلاً على ذلك بمن بنى مسجد ضرار أو صلى فيه وتردد عليه، وذكرت في هذه المقدمة أيضاً خطة البحث وتقسيم هذه الدراسة، والأسباب التي دعتني إليها.
ثانياً: جعلت الفصل الأول في التعريف بالمساجد السبعة، وذكرت أسماءها فيه، والموجود منها اليوم، والسبب الذي جعل كثيراً من الناس يعتقد فضلها.
ثالثاً: خرجت الأحاديث الواردة في هذه المساجد، وذلك في الفصل الثاني تخريجاً أراه مستقصياً طرقها وشواهدها، وأفرغت في ذلك وسعي، وتوصلت فيه إلى ضعف تلك الطرق والشواهد كلها سنداً، وبعضها سنداً ومتناً وفق قواعد مصطلح الحديث، مستعيناً بالله، ثم بكلام أهل الاختصاص بهذا الفن، ومن ثم توصلت إلى عدم ثبوت ما ينسب إليه عليه الصلاة والسلام من أنه صلى أو دعا في هذه المساجد، أو أنها مصليات الصحابة في غزوة الخندق.
رابعاً: قمت بدراسة تاريخية عن هذه المساجد، وذكرت فيه تدرج بنائها على مر السنين والأيام، وأنها لم تكن سبعة في القرون الأولى، بل كانت اثنين إلى القرن السادس، ثم أصبحت ثلاثة في القرن السابع، ثم أصبحت سبعة في الثلث الأخير من القرن الرابع عشر الهجري.
خامساً: عقدت الفصل الرابع في عدم ثبوت أسماء المساجد السبعة، وتعرضت لبعض أسمائها بالنقد رواية ودراية، إسناداً ومتناً، فقهاً ولغةً، وذكرت فيه كلام المؤرخين؛ الذي أفضى إلى عدم ثبوت أسمائها في الجملة، وهو مبحث طويل، ولكنه ممتع وجميل، ولا تغنيك عنه هذه الكلمات.
سادساً: جئت بالفصل الخامس عقب الفصل الرابع؛ للترابط الوثيق بينهما؛ لأنها لم تثبت أسماؤها كان من الضروري معرفة ما إذا كانت مواقع هذه المساجد ثابتة المعالم أم لا، فجئت به في إثره، فكان كسابقه لم يثبت فيه شيء، وإنما هي تخمينات وظنون من المتأخرين في تحديد هذه المواقع جزافاً؛ لأنه لا عمدة لهم في معرفة أماكنها من المصادر المتقدمة، وأفدت أن وصف المصادر المتقدمة يتعارض مع وصف المصادر المتأخرة في تحديد هذه المواقع.
سابعاً: كتبت الفصل السادس لبيان غلط من استدل أو يستدل على ثبوت نسبة هذه المساجد والمشاهد إلى من نسبت إليهم بالشهرة، وأنها طريقة لا يعول عليها، وضربت أمثلة على ذلك في القرون الأولى، فكيف بالقرون المتأخرة؟!
ثامناً: فصلت في الفصل السابع بين الدراسة التاريخية لبناء هذه المساجد والأحكام المتعلقة بهذا البناء، ولذا تراه جاء في حكم بناء المساجد على الوضع الذي عليه بناء المساجد السبعة اليوم، وأنه لا يجوز بناء مسجد إلى جنب مسجد؛ لما ينجم عن ذلك من تفريق جمع المصلين، وغير ذلك من الأضرار التي تجعل المسجد الآخر في حكم مسجد الضرار.
تاسعاً: ألحقت الفصل الثامن بالسابع؛ لأنه يلتحق به في الأحكام المتعلقة ببناء هذه المساجد، وهو كما تراه في حكم هدم هذه المساجد التي ضاهت في بنائها مسجد ضرار، عدا مسجد بني حرام منها؛ لأنه أحاط به العمران، واحتاج أهل ذلك الحي إلى الصلاة فيه، وأجبت وبينت أن هادمها لا يدخل في قوله تعالى: {ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها}.(4/153)
عاشراً: ذكرت في الفصل التاسع كراهة السلف من أهل المدينة وغيرهم زيارة المزارات التي حول المدينة، ونقلت أقوال العلماء مدعمة بالأدلة على ذلك، وأن تتبع آثار الأنبياء غير مشروع.
حادي عشر: بينت في الفصل العاشر عدم جواز الصلاة في أحد هذه المساجد عدا مسجد بني حرام منها، ونقلت أقوال العلماء في عدم جواز الصلاة في مسجد الضرار.
ثاني عشر: أطلت الكلام في الفصل الحادي عشر في تقرير عدم جواز الدعاء في أحد هذه المساجد عدا مسجد بني حرام منها، وأنه لا فضيلة للدعاء فيه على غيره من المساجد، وأجبت عن قول جابر بأنه ليس فيه ما يدل على تحري الدعاء في مسجد الفتح؛ فضلاً عن غيره، كما أجبت عن العمل بالتجربة، ورددت فيه أيضاً على السمهودي، وبينت تدليسه فيما استشهد به على فضل مسجد الفتح.
ثالث عشر: أوردت في الفصل الثاني عشر أقوال العلماء والمؤرخين في نقد هذه المساجد؛ ليعلم جاهل أني لم أنفرد بنقدها، وأن العلماء والمؤرخين متفقون على أنه لا أصل لهذه المساجد يعتمد عليه.
رابع عشر: ختمت البحث بهذه الخاتمة، وأوصي فيها بثلاثة أمور:
الأول: أن تهدم هذه المساجد كلها؛ لأنها مساجد ضرار عدا مسجد بني حرام منها.
الثاني: أن لا يبنى في مكانها جامع، لأن مساجد الضرار تهدم ولا يبنى في مكانها مسجد، اللهم إلا إذا كان من باب أخف الضررين.
الثالث: الحل السليم أن تباع هذه الأراضي وتسكن، أو يكون مجمع المدارس الذي في السيح محلها؛ بعداً عن التعقيد المروري الذي يصاب به المار من السيح؛ لزحام المنصرفين من مدارس البنات وهذا الموقع سهل وفسيح، وبعيد عن الشارع، فهو جدير بأن يستغل بما ينفع الناس.(4/154)
المساجد بين الاتباع والابتداع
Oمحمد القيسي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عمار - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مساجد - بدعها
كما ذكرت من جمعي في اللمحة التاريخية التي أثبت فيها ما يلي:
أن عمارة المنارة والقباب والهلال والزخرفة من عمل غير المسلمين ونقلت عنهم، وفي فعلنا هذا مشابهة لهم في أصل أعمالهم ببناء أماكن عبادتهم، فصفة مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، كانت معروفة كما بينها الحافظ ابن كثير وابن جرير الطبري وغيرهم من الأئمة الأعلام، علما بأن الحضارة العربية البنائية كانت عظيمة الشأن كما أوضحت في اللمحة التاريخية إذ أنهم غير عاجزين عن البناء والزخرفة، بل كانوا ينهون عن هذا بصريح أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فخلف من بعدهم خير الناس وهم الخلفاء الراشدون، فأبو بكر كما هو مع قليل من الترميم، وعمر رضي الله عنه وسعه وأمر بعدم التزيين والزخرفة والبناء، وجاء عثمان وعلي رضي الله عنهما ولم يصنعا إلا توسعته وترميمه. فكان أول من بنى المآذن والقباب وزخرفها الوليد بن عبدالملك في مسجد دمشق الكبير ووسع مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدخل فيه القبر وكان لا يوصف مسجد دمشق المسجد النبوي لجماله ولدقة الفسيفساء المصنوعة والرخام والزجاج والأعمدة، وأقام المنارات مغيرا ما كان عليه مسجد النبي صلى الله عليه وسلم. وكما قد بينت قد عرف عن الوليد بن عبدالملك حبه للبناء والزخرفة والعمارة كما تقول الدراسات التاريخية، فما كان للعهود التي كانت بعده إلا أن تأثرت بفنون هذه العمارة فانتقلت إلى الأندلس وإفريقية وإلى جميع ديار المسلمين مقلدين غير متبعين. فلا بد من تذكرة بأن هذا التشبه منهي عنه وإن كان بالبناء والتشييد، لأن المشابهة في الظاهر تورث نوعا من المحبة والمودة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر. فما حكم مشابهتهم فيما ليس من شرعنا؟ وللإجابة على هذا التساؤل أنقل رأي شيخ الإسلام ابن تيمية في مسألة مشابهتهم فيما ليس من شرعنا بقوله: "مع العلم بأن هذا العمل هو من خصائص دينهم إما أن يفعل لمجرد موافقتهم وهو قليل. وإما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا والآخرة، وكل هذا لا شك في تحريمه، لكن يبلغ التحريم في بعضه أحيانا أن يكون من الكبائر. والشاهد من هذا أن هذه الأبنية إما أن تكون لشهوة تتعلق بهذا العمل مثل التباهي والمضاهاة والمفاخرة وحب ظهور هذا المسجد باسم فلان فلا بد من تشييده بكل أنواع الفنون المعمارية الدخيلة، والثاني: إما لشبهة فيه تخيل أنه نافع في الدنيا والآخرة. كقول بعضهم: إن زخرفة المساجد أولى من زخرفة البيوت، لأن البيوت والقصور أصبحت ذات زخرفة عظيمة ولا بد للمسجد أن يجاري العصر؛ فالجواب: "لو كان هذا لأحضر عمر رضي الله عنه وقد فتحت بلاد فارس وبلاد الشام وغيرها البنائين والزخارف؛ بل يستطيع أن يجعل من منبر وسقف - بل من جميع - مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذهبا وفضة وليس رخاما وفسيفساء، ويستطيع أن يضاهيهم بالأبنية والكنائس والقصور، لكنه عرف وعلم بأنه لا يجوز تشييد المساجد وأنه لا يجوز التشبه بالكافرين لا باللباس ولا بالبناء خاصة فيما يتعلق بأماكن عبادتهم، وكان على النهج نفسه عثمان وعلي رضوان الله عليهم جميعا، ولكن خلف من بعدهم خلف ابتدعوا وتشبهوا تاركين سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وراء ظهورهم.
فالواجب اليوم: ملقى على حكام هذه الأمة أن يوقفوا هذه البدع، وأن تصرف هذه الأموال لصالح شعوبهم في مجالات الخير من علاج وأبنية لهم، وتزويج شبانهم وغير ذلك. وكذلك واجب علماء هذه الأمة بيان ذلك وتحري الحق واتباع الدليل وعدم التقليد، بل يجب عليهم أن لا يدعوا إلى جمع الأموال لكي تشيد بها المساجد ذات البدع بل تنفق في محلها. وأعتقد أنه بدلا من الإنفاق على المئذنة والقبة والهلال والزخارف والرخام وغيره في المسجد، لو يلحق به مدرسة للتحفيظ ومركز صحي أو غير ذلك لكان خيرا من هذه البدع الناشئة الدخيلة علينا.
وفي ختام رسالتي هذه أسأل الله أن يوفق المسلمين حكاما ومحكومين لفهم كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبتعدوا عن البدع والمخالفات الشرعية وأن يقيموا شرع الله سبحانه في سائر شئون حياتهم وإن كنت أخطأت فمني ومن الشيطان، وإن أصبت فمن الله وحده لا شريك له، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.(4/155)
المسعى وحكم زياداته الشرعية
Oسعود بن عبدالله الفنيسان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار أطلس الخضراء – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - سعي
الخلاصة:
وتبين مما سبق أن عرض المسعى عند المؤرخين هو:
- عند أبي الوليد الأزرقي (35.5) ذراعا ونصف ذراع.
- وعند الفاكهي (35) ذراعا واثنا عشر إصبعا. وتبعه تقي الدين الفاسي.
- وذكر باسلامه أن عرضه (36.5) ذراعا ونصفا.
- وذكر الشيخ محمد كردي أن عرضه (20) مترا.
أما عرضه عند الفقهاء:
- فلم أجد من حدد عرضه بل كل العلماء اقتصر قولهم على وجوب استيعاب المسافة ما بين الصفا والمروة لا غير وبعضهم يذكر المسافة بين الجبلين الصفا والمروة. مع الاختلاف في تحديدها نتيجة للاختلاف في معنى الذراع هل هو ذراع يد الرجل المعروفة أو ذراع الحديد؟ ولاختلافهم أيضاً في نهاية السعي عند المروة لكثرة الدرج الموضوع عندها. والخلاف في تحديد طول المسعى لا ينبغي التعويل عليه لوجود النص القرآني القاطع بالسعي بين الصفا والمروة { ... فلا جناح عليه أن يطوف بهما} وقد بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله. فالبينة بين الصفا والمروة هي السعي الذي أمر الله به لا غير.
- ذكر ابن أبي شيبة في مصنفه عن مجاهد بن جبر أن المسعى في زمنه أضيق مما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وبعد سبعمائة سنة تقريباً قال ابن كثير في (البداية) إن المسيل (بطن الوادي) هو أوسع مما كان في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا الاختلاف في عرض المسعى ضيقا وسعة عند المؤرخين وعدم تحديده عند الفقهاء يدل دلالة واضحة على أن المسعى لم يحدد عرضه بل كان داخلا في بناء المسجد الحرام في بعض الأزمان ولم يكن محاطا بجدران بل كان وادياً فيه أسواق للبيع والشراء وكان الناس يسعون خارجه وربما سعوا داخل المسجد ولم يقع من العلماء نكير لما يفعله الناس بل لم يكن المسعى محاطاً بجدران قبل التوسعة السعودية.
- لقد شهد ثلاثون من الشهود العدول من أهل الخبرة وكبار السن لدى المحكمة الشرعية بمكة المكرمة على أن جبلي الصفا والمروة أعرض مما يشاهد من جهتي الشرق والغرب. وقال فضيلة الشيخ عبد الله عبد الرحمن بن جبرين – وفقه الله – أنه شاهد جبل الصفا ممتدا من الجهة الشرقية أكثر مما هو عليه الآن عند حجه سنة 1369هـ.
- وإذا كان قد سمى الله السعي طوافا فقياس التوسعة فيه للناس على توسعة المطاف بالبيت ظاهر جلي للناظر المتأمل لو قيل بذلك.
- ثم إن من القواعد الفقهية المعتبرة ما يقتضي جواز توسعة المسعى ومنها:
• الزيادة لها حكم المزيد.
• الزيادة المتصلة تتبع أصلها.
• المشقة تجلب التيسير.
• إذ ضاق الأمر اتسع.
• الحاجة تنزل منزلة الضرورة خاصة أو عامة.
ثم لو قيل إن توسعة المسعى من قبيل الضرورة لدفع الحرج عن الناس والسعي بالتوسعة الجديدة من باب الرخصة الشرعية – لو قيل بهذا لكان في ذلك وجه معتبر.
وأنا في بحثي هذا لم انطلق من القياس ولا من هذه القواعد الشرعية وإن كان كل واحدة منها دليلا على الجواز – لم انطلق من ذلك اختصاراً للبحث وتأصيلاً في أصل المسألة من حيث وجود الدليل العزيمة لا الرخصة أو الضرورة.(4/156)
المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي
Oمحمد عثمان شبير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - منوعات
الخاتمة
بعد عرض الأحكام المتعلقة بالمعاملات المالية المعاصرة في ضوء الفقه الإسلامي نستطيع أن نوجز أهم ما انتهينا إليه في النقاط التالية:
1 - المعاملات المالية المعاصرة هي: (القضايا المالية التي استحدثها الناس في العصر الحديث، أو القضايا التي تحمل اسما جديدا، أو القضايا التي تتكون من عدة صور جديدة).
2 - الحقوق المعنوية: (حق التأليف، وحق براءة الاختراع، وحق الاسم التجاري) حقوق خاصة لأصحابها، لها قيمة مالية معتبرة شرعا، وعرفا، لا يجوز الاعتداء عليها.
3 - تختلف أحكام الخلوات باختلاف صورها وأسبابها، فيجوز للمالك أخذ بدل الخلو من المستأجر، في حين لا يجوز للمستأجر أخذ بدل الخلو من المالك أو المستأجر الجديد إلا إذا كان له حق في منفعة العين المؤجرة بإنشاء الخلو أو ببقاء مدة له في عقد الإجارة.
4 - إن عقد التأمين التجاري ذا القسط الثابت التي تتعامل به شركات التأمين التجارية عقد فيه غرر كبير مفسد للعقد، ولهذا فهو حرام شرعا، وعلى المؤسسات الإسلامية إيجاد البديل الشرعي الذي يقوم على أساس التبرع والتعاون.
5 - إن النقود الورقية تأخذ صفة الثمنية، لأن العرف العام اعتبرها نقودا، فلا يجوز بيع بعضها ببعض متفاضلة إذا كانت من جنس واحد، كما لا يجوز بيعها مع تأجيل القبض، ولو كانت من أجناس مختلفة.
6 - ينبغي العودة إلى نظام الذهب النقدي وجعله مقياسا للسلع والخدمات والحقوق والالتزامات المؤجلة لأن الذهب يتصف بالثبات النسبي على مر التاريخ.
7 - في حالة تدهور قيمة النقود، تدهورا ساحقا ينبغي معالجة المشاكل التي تنشأ عن ذلك كل مشكلة على حدة، بحيث يتوخى القاضي أو المفتي العدالة في حلها.
8 - التعامل بالأسهم جائز شرعا ما لم تكن صادرة عن شركات ذات أغراض غير مشروعة، كشركات إنتاج الخمور والبنوك الربوية، ولم تنطو الأسهم على غرر أو ربا، كالأسهم الممتازة وأسهم التمتع.
9 - التعامل بالسندات أو شهادات الاستثمار لا يجوز شرعا لأنها قروض ربوية، وعلى المؤسسات الإسلامية إيجاد البديل الشرعي الذي يقوم على أساس المشاركة في الربح والخسارة.
10 - التعامل بالأوراق التجارية (الكمبيالة، والسند الإذني، والشيك) يجوز من حيث تحصيلها ورهنها، ولا يجوز حسمها (خصمها) بأن يدفع البنك أقل من قيمتها قبل استحقاقها، لأن هذه المعاملة لا تخرج عن كونها قرضا ربويا.
11 - الودائع الجارية التي يتكفل البنك برد قيمتها دون زيادة أو نقصان جائزة شرعا، لأنها قرض مضمون القيمة.
12 - الودائع الاستثمارية والادخارية لا تجوز شرعا إذا أخذها المصرف على سبيل القرض مع زيادة، ويجوز إذا أخذها على أساس المشاركة في الربح والخسارة.
13 - الحوالات النقدية المصرفية جائزة شرعا، لأنها وكالة بأجرة إذا كانت داخلية، ووكالة بأجرة وصرف إذا كانت خارجية.
14 - الاعتمادات المستندية التي تجريها المصارف الإسلامية على أساس الوكالة بأجرة أو على أساس المرابحة للآمر بالشراء جائزة شرعا.
15 - خطاب الضمان الذي تجريه المصارف الإسلامية على أساس الوكالة بأجر إذا كان مغطى تغطية كاملة جائز شرعا. أما إذا كان بدون غطاء فهو كفالة، وهي لا يجوز أخذ الأجرة عليها، ويجوز للمصرف أخذ أجرة على الإصدار والأعمال الإدارية الفعلية، وهي لا ترتبط بالمدة والمبلغ، وإنما ترتبط بالعمل الإداري.(4/157)
16 - بيع المرابحة للآمر بالشراء الذي تجريه بعض المصارف الإسلامية جائز شرعا شريطة أن تدخل السلعة المأمور بشرائها في ملكية المصرف وضمانه قبل انعقاد العقد الثاني، وأن لا يكون الثمن قابلا للزيادة في حالة عجز العميل عن السداد، وأن لا يكون ذريعة إلى الربا كما في بيع العينة.
17 - الإجارة المنتهية بالتمليك التي تجريها المصارف الإسلامية جائزة شرعا إذا كانت بعقدين مستقلين، عقد إجارة في أثناء مدة الإجارة، وتطبق على العين المؤجرة جميع أحكام الإجارة. وعقد بيع أو هبة بعد انتهاء مدة الإجارة.
18 - المشاركة المنتهية بالتمليك جائزة شرعا، لأنها تؤول إلى بيع حصة المصرف إلى الشريك، وهو جائز شرعا.
19 - المضاربة المشتركة التي تجمع بين ثلاثة أطراف: صاحب المال، والمصرف، والمضارب، جائزة شرعا، ويراعى عند توزيع الأرباح المدة التي يستثمر فيها المال. وعدم حرمان صاحب المال من الأرباح في حالة الانسحاب الجزئي قبل ظهور الربح.
20 - ينبغي أن تكون علاقة البنك المركزي بالمصرف الإسلامي علاقة توجيه وترشيد وإعانة وفق أحكام الشريعة الإسلامية دون أن يشوبها أي تعطيل أو إعاقة، ليقوم المصرف الإسلامي بتحقيق أهدافه العامة من اجتناب الربا والإسهام في التنمية الاقتصادية.
21 - علاقة المصرف الإسلامي بالبنوك التجارية تقوم على أساس دائن بمدين خالية من الربا، ويمكن أن تكون على أساس المشاركة في الربح والخسارة إذا كان المشروع حيويا، ويحتاج إلى رأس مال كبير.
22 - يوصي الباحث القائمين على المصارف الإسلامية بتقوى الله، ومراعاة الضوابط الشرعية عند تطبيق المعاملات التي تجريها تلك المصارف، فأغلب الشبهات التي تثار حول المصارف الإسلامية لم تأت من التأصيل والتنظير وإنما أتت من التطبيق والتنفيذ، يقترح لمعالجة الخلل في التطبيق والتنفيذ ما يلي:
أ - إحكام الرقابة الشرعية على التطبيق والتنفيذ وذلك عن طريق وجود هيئة شرعية دائمة في المصرف الإسلامي تطلع على التطبيق والتنفيذ، تصوب المسار وتسدد الخطى.
ب - توعية دائمة للموظفين في المصرف الإسلامي بأحكام الحلال والحرام والمعاملات الإسلامية وضوابطها.
ج- عقد ندوات علمية متخصصة تجمع بين المتخصصين في الفقه الإسلامي والاقتصاد لتطوير العمل وتلافي التقصير.(4/158)
المغامرة بالنفس في القتال وحكمها في الإسلام (العمليات الاستشهادية)
Oمحمد طعمة القضاة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفرقان – الأردن
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1422 هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد - مواقف جهادية
الخاتمة:
من خلال ما عرضت في ثنايا هذا البحث، استخلصت بعض النتائج في هذه المسألة من أهمها:
1 - أن المغامرة بالنفس في الحرب موجودة منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى يومنا هذا عند المسلمين وعند غيرهم.
2 - هناك فرق كبير بين المغامرة بالنفس في سبيل الله وبين الانتحار من حيث الباعث والمآل فالمغامر هدفه إرضاء الله بينما المنتحر هدفه التخلص من الحياة لسبب دنيوي.
3 - اختلف الفقهاء في المغامرة بالنفس في القتال فمنهم من أجازه ومنهم من منعه، والراجح هو جواز لك.
4 - هناك أدلة كثيرة على جواز المغامرة بالنفس في القتال تدعم رأي القائلين بالجواز، بينما الأدلة التي استدل بها المانعون لا تقوى على الوقوف في وجه أدلة المجيزين.
5 - إن المغامرة بالنفس في الحرب تؤدي إلى إزهاق أرواح بعض المغامرين، لكنها من حيث المآل تؤدي إلى خروج الأعداء من ديار المسلمين.
6 - إن هذا البحث بحاجة إلى الأخذ برأي خبراء من الجيش لبيان أثر هذه العمليات على العدو أو على الجهة التي تقوم بهذه العمليات وبيان الإيجابيات والسلبيات التي تحصل بسببها.(4/159)
المقاطعة الاقتصادية تأصيلها الشرعي – واقعها والمأمول لها
Oعابد بن عبدالله السعدون
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار التابعين – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
اقتصاد - أعمال منوعة
نتائج البحث:
الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات، وصلح شأن الأرض والسماوات، فقد أتم الله علي نعمة إكمال هذا البحث: (المقاطعة الاقتصادية – تأصيلها الشرعي، واقعها والمأمول لها-).
ومن أهم النتائج التي تم التوصل إليها:
1 - مصطلح (المقاطعة الاقتصادية) يراد به: الامتناع عن معاملة الآخرين اقتصادياً. وقد اصطلحنا لتعريفها بأنها: إجراء، تلجأ إليه سلطات الدولة، أو هيئاتها، وأفرادها؛ لوقف العلاقات التجارية مع جهة أخرى، ومنع التعامل مع رعاياها؛ بقصد الضغط الاقتصادي عليها؛ رداً على ارتكابها لأعمال عدوانية.
2 - ترجع أسباب المقاطعة غالباً إلى أمرين:
الأول: صد عدوان، أو تقليله، أو إنهائه.
الثاني: عدم الانصياع للقوانين والاتفاقيات الدولية.
3 - تعتبر (المقاطعة الاقتصادية) عقوبة، تفرضها دولة، أو مجموعة من الدول، على دولة ارتكبت عملاً غير شرعي، كما أنها تدبير تأديبي، أو زجري من دولة ضد دولة أخرى ارتكبت ضدها عملاً منافياً للحق الدولي.
وفي هاتين الحالتين تكون المقاطعة عملاً مشروعاً يقره القانون الدولي.
أما الغاية من المقاطعة: تتردد بين الضغط حتى حصول النتيجة، أو الحصار حتى سقوط وانهيار الحكم المطلوب معاقبته أو تأديبه.
4 - يجب عند تطبيق المقاطعة الاقتصادية، أن تراعى المقاصد الشرعية، وأن تستصحب معها فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد؛ إذ قد يترتب على المقاطعة تفويت مصلحة أكبر من المصلحة التي يراد تحقيقها، أو ارتكاب مفسدة أكبر من المفسدة التي يراد دفعها. وهذا خلاف مقصود الشارع من جلب المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها.
5 - تستمد أهمية المقاطعة الاقتصادية من أهمية الاقتصاد وأثره في حياة الشعوب، وبالتالي فإن محاولة إضعاف الاقتصاد أو زعزعته يعد اعتداءً خطيراً على الدولة من حيث قوتها واستقرارها؛ لذا كان سلاح المقاطعة من أمضى الأسلحة، وأشدها تأثيراً في هذا العصر، من أجل العامل الاقتصادي الذي يدفع الأمم إلى مكان الصدارة على الساحة الدولية.
6 - المقاطعون لا شك وأنهم يتأثرون بمقاطعتهم؛ ولكن الفوائد والآثار المترتبة على مقاطعتهم لعدوهم أكبر مما يتأثرون به من جراء تلك المقاطعة، فمن هذه الفوائد وتلك الآثار:
أ- إثارة الشعور بالوحدة والاتحاد بين المسلمين.
ب- إحياء التكاتف، والتعاون بينهم.
ج- تجديد عقيدة الولاء والبراء.
7 - المقاطعة وإن كنت تبدو حادثة أو نازلة جديدة؛ إلا أنها وسيلة ثبت استخدامها قديماً من قبل الإسلام، – كقصة منع يوسف الكيل عن إخوته لجلب أخيهم – مروراً بعصر صدر الإسلام، كما في قصة ثمامة بن أثال، وانتهاءً بما يحصل في العصر الحديث من صور كثيرة للمقاطعة، ومنها مقاطعة العرب والمسلمين لإسرائيل.
8 - العلة التي تم تخريجها للمقاطعة الاقتصادية، هي: إيقاع الضرر بالعدو اقتصادياً، دون جلب مفسدة على المسلمين؛ وبناء عليه تم تكييف المقاطعة فقهياً على بابين هما:
الأول: كونها ضرباً من ضروب الجهاد في سبيل الله.
الثاني: كونها من المصالح المرسلة.
9 - يستوعب التشريع الإسلامي جميع المستجدات والحوادث، فما يطرأ على هذه البشرية من الحوادث والنوازل إلا ولهذا التشريع فيها حكم؛ فإن لم ينص عليها بدليل خاص جزئي نجد أنها لا تخرج عن القواعد الكلية والمقاصد الشرعية، وهذا ما دل عليه قوله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... } [المائدة: 3].(4/160)
10 - بوسع المصالح المرسلة أن تعالج كثيراً من القضايا التي تطرأ في حياة المسلمين؛ سواء كانت سياسية، أم اقتصادية، أم ثقافية، أم اجتماعية؛ ذلك أن مجالها النوازل التي لم يرد فيها نص خاص بالاعتبار، أو الإلغاء؛ فإن لاءمت مقصود الشارع وقواعده الكلية اعتبرتها، ودعت إليها، وإن خالفت ألغتها، وحذرت من شرها ومفاسدها، ومن هنا كانت تسعة أعشار العلم.
11 - الأصل في المقاطعة الاستحباب والندب، ويمكن أن يعتري هذا الحكم الأحكام الخمسة سوى الإباحة، فقد تنتقل إلى الوجوب عند توفر أحد سببين:
أ- إذا أمر بها الإمام المسلم.
ب- إذا أصبحت المقاطعة في حالة كحالة وجوب قتال الصائل بحيث لا يمكن النكاية في العدو إلا بالمقاطعة.
12 - علاقة ولي الأمر المسلم بالمقاطعة تتأكد عند القول بأن المقاطعة هي من صنوف الجهاد؛ فإذا أمر وجبت، وإذا نهى، وجب الامتثال، وإذا سكت بحيث لم يأمر ولم ينه، ترجع المقاطعة إلى نظر العلماء والمتخصصين في مدى تحقق المصلحة, ودفع المفسدة في ممارسة المقاطعة.
13 - الدعاوى والشبهات التي أثيرت حول المقاطعة الاقتصادية تم تفنيدها بالأدلة الشرعية؛ ودحضها بالوقائع العملية، والنماذج التاريخية، وبالنظر في هذه الشبهات وتلك الدعاوى نجد أنها ترهات تفوه بها العلمانيون، ودعا إليها المنتفعون، ليس لها أصل تقوم عليه، ولا سند تركن إليه؛ لذلك لم يبق لها أثر تحت مطرقة الدليل، ولم يعد لها صدى أمام الوقائع.
14 - (المقاطعة العكسية)، أو الحصار الاقتصادي ضد المسلمين من قبل عدوهم ينبغي أن يتم التعامل معه بحسب الموقف والظروف المواكبة، ولابد حينئذ النظر في أمرين مهمين:
أ- الأسباب الدافعة للحصار، ومدى مشروعيته.
ب- الآثار المترتبة على كسر الحصار ضد الدولة المسلمة.
15 - المقاطعة الاقتصادية وسيلة وليست غاية، فينبغي أن يتم استخدامها فقط وفق ما تقتضيه الدواعي والأسباب التي دعت لها.
16 - ينتهي أمد المقاطعة متى ما تحققت المصلحة، برجوع المعتدي عن غيه، وعودة الحقوق المسلوبة.
17 - واقع المقاطعة يشير إلى الجهد الذي لا يزال مبعثراً، وأن هذا السلاح لا يستغل بطريقة تضمن تحقيق النتائج المرجوة واستمراريتها.
18 - لابد من الاستفادة من أساليب الإدارة الحديثة في تطبيق تفعيل المقاطعة وترشيدها، وذلك من خلال:
أ- تحديد الأهداف الإستراتيجية للمقاطعة.
ب- وضع الخطط الإستراتيجية للمقاطعة.
ج- وضع النظم التنفيذية (الإجراءات).
د- تصميم الخطط والبرامج الضرورية.
هـ- المتابعة والتوجيه والتطوي(4/161)
المنفعة في القرض دراسة تأصيلية تطبيقية
Oعبدالله بن محمد العمراني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن الجوزي - الدمام
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - مداينة
الخاتمة: الحمد لله أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً ...
وبعد: فها أنا ذا أصل إلى خاتمة هذا البحث الذي استفدت منه فوائد كثيرة، ومنافع وفيرة، فلله الحمد والمنة.
وفيما يأتي أشير لأهم النتائج التي توصلت إليها في موضوع المنفعة في القرض:
القرض هو دفع مال لمن ينتفع به ويرد بدله، وقد دلت على فضله الأدلة من الكتاب والسنة والمعقول.
الأصل في القرض أنه من عقود التبرعات لا المعاوضات.
يمكن تعريف المنفعة في القرض بأنها الفائدة أو المصلحة التي تعود لأحد أطراف عقد القرض بسبب هذا العقد.
المنفعة في القرض أنواع متعددة باعتبارات متعددة، ومن ذلك أن المنفعة في القرض باعتبار ذات المنفعة ثلاثة أنواع: عينية، وعرضية، ومعنوية. وباعتبار المنتفع بها أربعة أنواع، وهي: أن تكون للمقترض، أو للمقرض، أو لهما معاً، أو لطرف ثالث. وباعتبار الشرط وعدمه نوعان: مشروطة وغير مشروطة. إلى غير ذلك من الاعتبارات.
الفائدة في اصطلاح الاقتصاديين هي: الثمن الذي يدفعه المقترض مقابل استخدام نقود المقرض. ولقد نشط الاقتصاديون الغربيون في ابتكار نظريات لتبريرها.
اتفق العلماء على أنه لا يجوز اشتراط زيادة في بدل القرض للمقرض، وأن هذه الزيادة ربا وسواء أكانت الزيادة في الصفة أم في القدر، عيناً أم منفعة، ولم يفرقوا في الحكم بين اشتراط الزيادة في بداية العقد أو عند تأجيل الوفاء.
تسمى الزيادة المشروطة في القرض ربا القرض، وهي من ربا الجاهلية. حديث "كل قرض جر منفعة فهو ربا"، إسناد المرفوع منه ضعيف جداً، والموقوف ضعيف، ولكن معناه صحيح إذا كان القرض مشروطاً فيه نفع للمقرض فقط أو ما كان في حكم المشروط؛ وذلك لتلقي كثير من العلماء له بالقبول، واعتضاده بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع والمعقول الدالة على تحريم اشتراط المنفعة للمقرض.
اختلف الفقهاء في حكم اشتراط وفاء القرض بالأقل، والراجح هو الجواز.
محل الخلاف في مسألة اشتراط الوفاء في غير بلد القرض هو في المنفعة الإضافية إذا كان اشتراط الوفاء في غير بلد القرض لمنفعة المقترض والمقرض معاً، والراجح هو جواز اشتراط الوفاء في غير بلد القرض، بحيث يكون على وجه الإرفاق بالمقترض، سواء انتفع المقرض أو لا. اشتراط الأجل في القرض جائز، ويتأجل القرض بالتأجيل. اتفق العلماء في الجملة على أنه لا يجوز اشتراط عقد البيع في عقد القرض، وكذا لا يجوز اشتراط عقد معاوضة كالإجارة ونحوها في عقد القرض.
ومما له علاقة بهذه المسألة اشتراط المقرض على المقترض أن يزكي القرض الذي عنده، فإن ذلك لا يجوز.
اشتراط عقد قرض آخر من المقترض للمقرض في مقابل القرض الأول لا يجوز، وهذه المسألة تسمى "أسلفني وأسلفك".
قرض المنافع جائز إذا كان على وجه المعروف والإرفاق.
لا يجوز الجعل المشروط ثمناً للجاه والشفاعة فقط، بينما يجوز ذلك إذا كان الجعل مقابل ما يحتاج إليه من نفقة. فيما يتعلق بحكم عقد القرض مع اشتراط المنفعة للمقرض، فإن عقد القرض يبقى صحيحاً مع فساد الشرط.
وأما حكمه مع اشتراط المنفعة للمقترض فإنه يصح، والشرط جائز، وكذلك حكم العقد عند من منع هذا الاشتراط من العلماء، فإن الشرط يلغو عندهم ويبقى العقد صحيحاً.
وأما حكمه مع اشتراط المنفعة للمقترض والمقرض معاً بحيث يكون مصلحة للطرفين على وجه الإرفاق فإنه يصح؛ لأن الراجح أن هذا الاشتراط جائز.
الزيادة عند الوفاء للمقرض من غير شرط جائزة، سواء كانت الزيادة في القدر أو في الصفة.(4/162)
المنافع غير المشروطة للمقرض قبل الوفاء فيها تفصيل، فإن كانت من أجل القرض فإنها لا تجوز، وإن كانت هذه المنافع ليست من أجل القرض، مثل ما إذا كانت العادة جارية بين المقرض والمقترض بذلك قبل القرض، أو حدث سبب موجب لهذه المنافع بعد القرض فإن ذلك جائز، وإن جهل الحال فتمنع حتى يتبين أنها ليست لأجل القرض.
شكر المقترض للمقرض ودعاؤه له مما يندب إليه؛ لأنه من باب مقابلة المعروف بالمعروف.
منفعة المقرض بضمان ماله عند المقترض منفعة أصلية في القرض، ولكن إن قصد المقرض الإرفاق بالمقترض فإنه يثاب على قرضه، وهذا الأصل في مشروعية القرض، وأما إن كان المقرض يقصد نفع نفسه فقط بضمان المال لا الإرفاق بالمقترض فإنه لا يثاب على هذا القرض، ولكن القرض في هذه الحالة جائز.
الإقراض بقصد الانتفاع بشفاعة المقترض وجاهه محرم إذا كان ذلك وسيلة لإحقاق باطل أو إبطال حق؛ لأنه بمثابة الرشوة للحصول على غرض ما.
"كل قرض جر منفعة فهو ربا" ضابط يذكره الفقهاء، ويستدلون به، ويحيلون إليه فروعاً. وإيرادهم له جاء على عدة نواح، ففي بعض المواضع يسوقونه على أنه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأحياناً يسوقونه على أنه أثر عن الصحابة رضي الله عنهم، وفي بعض المواضع يستدلون به على أنه قاعدة أو ضابط، أو يجعلونه قاعدة أو ضابطاً ويحيلون إليه الفروع التي يرونها تدخل فيه.
وبعد دراسة هذا الضابط تبين أنه ليس على عمومه، وإنما يخرج منه بعض المنافع الجائزة، ويمكن أن يكون الضابط على ما توصلت إليه: "كل قرض جر منفعة زائدة متمحضة مشروطة للمقرض على المقترض أو في حكم المشروطة فإن هذه المنفعة ربا".
من الضوابط التي ذكرها بعض الفقهاء: "متى تمحضت المنفعة في القرض للمقترض جاز".
وبعد دراسة هذا الضابط تبين أنه ليس على إطلاق، ويمكن أن يكون الضابط على ما توصلت إليه على النحو الآتي: "كل منفعة في القرض متمحضة للمقترض، وكل منفعة مشتركة بين المقترض والمقرض ومنفعة المقترض أقوى أو مساوية فإنها جائزة".
من الضوابط التي ذكرها بعض الفقهاء: "القرض عقد إرفاق وقربة فمتى خرج عن باب المعروف امتنع".
وبعد دراسة هذا الضابط تبين أنه غير مسلم، فموضوع القرض هو الإرفاق والمعروف، وهذا هو الأصل فيه، ولكنه ليس شرطاً لجواز القرض، وليس خروجه عن المعروف والإرفاق مناطاً للمنع.
من الضوابط في هذا البحث: "المقاصد معتبرة في التصرفات من العقود وغيرها".
ومما يترتب على اعتبار المقاصد في التصرفات إبطال الحيل التي يراد التوصل بها إلى المحرمات.
ومن صور التحايل على أخذ المنفعة في القرض: البيع بشرط أن البائع متى ما رد الثمن فإن المشتري يعيد إليه المبيع، ومن الصور: البيع بشرط الخيار حيلة ليربح في قرض.
من الضوابط في هذا البحث: "المنفعة المجمع على تحريمها هي المنفعة الزائدة المتمحضة المشروطة للمقرض على المقترض".
ومفاد هذا الضابط بيان محل الإجماع في موضوع المنفعة المحرمة في القرض.
من الضوابط في هذا البحث: "المنفعة المحرمة في القرض هي:
1 - المنفعة الزائدة المتمحضة المشروطة للمقرض على المقترض، أو ما كان في حكم المشروطة.
2 - المنفعة غير المشروطة التي يبذلها المقترض للمقرض من أجل القرض".
الودائع المصرفية بنوعيها الحالة والآجلة قروض في الحقيقة لا ودائع، فهي من التطبيقات لموضوع المنفعة في القرض، وهي من أشكال الاقتراض المصرفي.
إن ملكية أرصدة ودائع الحساب الجاري تنتقل إلى المصرف بموجب عقد القرض، فيجوز له التصرف فيها، وبالتالي يحل للمصرف العائد المترتب على استثمار هذه الأموال، إلا أنه لا بد أن يكون الاستثمار جائزاً شرعاً.(4/163)
إن قدرة المصرف على توليد الائتمان بدرجة أكبر من كمية الودائع ناتج عن وظيفته كوسيط بين المدخرين والمستثمرين، وبما يصدره من وسائل الدفع النقدية الحديثة.
وتوليد الائتمان من حيث الأصل جائز، إلا أن الحكم يختلف حسب نوع الاستثمار الذي يقوم به المصرف، وحسب الآثار المترتبة على ذلك.
إن تقاضي المصرف أجراً في الحساب الجاري على الخدمات التي يقدمها جائز؛ لأنه يستحق هذا الأجر مقابل الأعمال التي يقوم بها.
يجوز انتفاع صاحب الحساب الجاري بدفتر الشيكات وبطاقة الصراف الآلي دون مقابل؛ لأن المنفعة الإضافية هنا مشتركة للطرفين.
الأسعار المميزة لصاحب الحساب الجاري إذا كانت للعميل دون غيره، ولم يكن للمصرف منفعة سوى القرض، فإن هذه منفعة في القرض محرمة ومثل ذلك الهدايا من المصرف للعميل.
يحرم أخذ الفوائد وإعطاؤها على الودائع الحالة والآجلة؛ لأنها حينئذ قروض ربوية.
إقراض المصرف غيره مقابل فوائد ربا محرم.
القروض المتبادلة إذا كانت مشروطة فإنها محرمة، وأما إذا كانت غير مشروطة فإنها جائزة.
الإيداع في الحساب الجاري في البنوك الربوية محرم؛ لأنه من التعاون على الإثم والعدوان، وفي الإيداع في البنك الربوي إعانة وتقوية له؛ حيث إن رأس مال المصرف لا يشكل إلا مبلغاً قليلاً لا يتجاوز 10% والباقي يعمل به من الأموال التي أودعت عنده، سواء كانت جارية أو غيرها، ومما يتولد عنها. وعلى هذا فلو لم يودع أحد في المصارف الربوية لتعطلت ولم تعمل في الربا، فيصدق على من يودع فيها أنه يعينها على الإثم والعدوان.
إن إصدار سندات القرض بأنواعها محرم، ومن ثم يحرم التعامل بها شراء وتداولاً؛ لأنها قروض ربوية. وهي من أشكال الاقتراض المصرفي. الفوائد التي يأخذها مصرف البلد المستورد في الاعتماد المستندي – إذا كان الاعتماد غير مغطى من قبل المستورد أو كان مغطى جزئياً – فوائد ربوية محرمة. وكذلك الفوائد التي يأخذها المصرف إذا تأخر المستورد في الدفع، فإنها فوائد ربوية محرمة. وهذا من أشكال الإقراض المصرفي.
إن تقاضي المصرف فوائد يقتطعها من قيمة الورقة التجارية، لا يجوز، وهو ربا محرم, وهذا من أشكال الإقراض المصرفي.
الحالة الأولى لجمعيات الموظفين، وهي الحالة الخالية من الشروط الزائدة: جائزة.
الصورة الأولى من الحالة الثانية لجمعيات الموظفين، وهي أن يشترط على جميع الراغبين في المشاركة الاستمرار حتى تستكمل دورة كاملة جائزة، والأولى عدم هذا الشرط.
الصورة الثانية من الحالة الثانية لجمعيات الموظفين، وهي أن يشترط على جميع الراغبين في المشاركة الاستمرار حتى تدور دورة ثانية أو أكثر: لا تجوز.
هذه أبرز النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث، وأسأل الله العظيم أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم فقهنا في الدين، واختم لنا بخير.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.(4/164)
الموسوعة الشاملة في أعمال المصارف
Oعبدالله بن عبدالعزيز بن ناصر الوسيدي التميمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1430هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
بنوك إسلامية ومعاملات مصرفية منظمة
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .. أما بعد:
لا شك أن التعامل مع المصارف أمر ضروري، والناس في حاجة إليه، وهذا التعامل يترتب عليه أمور عديدة، وهي الأعمال المصرفية التي يقدمها لهم المصرف وحكمها الشرعي.
فبعض هذه الأعمال مباح، وبعضها محرم، وبعضها مختلف بين إباحته وتحريمه، وبعضها متعددة، وبعضها تؤخذ مرة واحدة.
فسنتكلم عن هذه الأعمال المصرفية وحكمها بإيجاز:
1 - الوديعة المصرفية: خلصنا إلى أنها تأخذ حكم القرض، وأخذ العمولة على الوديعة جائز؛ لأنها في مقابل خدمة، ودُفعت من قبل العميل (المقرض)، وأغلب البنوك لا تأخذ رسوماً عليها، وبعضها - وخاصة في الوقت الحاضر - تأخذ إذا قل رصيد الحساب عن مبلغ معين.
2 - الحساب الجاري: يختلف عن الوديعة الجارية؛ فجميع العمليات تندمج فيه اندماجاً تاماً، وليس فيه دائن ومدين إلا عند التصفية النهائية؛ بخلاف الوديعة، وقد يقع اللبس فيها لدى كثير من الناس، وأخذ العمولة عليه جائزة؛ شريطة أن يكون مقابل خدمة حقيقية لا تخالف العرف المصرفي، وإلا اعتبر من قبيل الفائدة المستترة وجاز تخفيضها أو إلغاؤها.
3 - خطاب الضمان: هو كفالة للعميل عند طرف ثالث، وما يأخذه المصرف من عمولة حكمه حكم الوكالة أو الجعل، وهي جائزة نظير تقديمه هذه لخدمة لعملائه؛ شريطة أن يكون ضمن القيمة الفعلية وأن لا تكون في مقابل الضمان.
4 - الاعتماد المستندي: رغبة العميل في شراء بضاعة من الخارج بدون سفره؛ بل عن طريق بنك محلي يوصله بالتاجر الذي في البلد الآخر عن طريق البنك المراسل، وجميع هذه العمليات تقدم بعمولة، عمولة فتح الاعتماد فقط إذا كان المبلغ مغطى بالكامل، أما في حالة عدم التغطية فالبنك المحلي هو الذي يغطي المتبقي، فالبنوك الربوية، تدفع هذه المبلغ وتأخذ على العميل فائدة ربوية؛ وهذا لا يجوز بخلاف البنوك والمصارف الإسلامية.
5 - القروض المصرفية: قل منا من يسلم من هذه العملية؛ بل النسبة الغالبية من الناس تأخذ قروضاً وتسهيلات من البنوك، وخاصة في الوقت الحاضر، وما يأخذ المصرف - في سبيل تقديمه هذا القرض للعميل - من عمولة جائزة، فهي في مقابل المصاريف الإدارية ودراسات وغيرها.
6 - البطاقات المصرفية: هي على نوعين:
• بطاقة السحب الفوري ( A.T.M): وهي عند جميع الناس في الغالب، ويقدمها البنك لعميله في الغالب بالمجان؛ جذباً له وترغيباً في التعامل مع هذا المصرف، لكن إن أخذ المصرف عمولة على إصدار هذه البطاقة أو تجديدها فهذا جائز؛ لأنها في مقابل منفعة وخدمة، والمصرف في سبيل تقديمها لعميله يتحمل عبئاً كبيراً من المصاريف.
• البطاقات الائتمانية بأنواعها: فتختلف استخداماتها والعمولات عليها، ففي بلادنا مثلاً غالبية البنوك إن لم يكن معظمها تقدمها بالمجان للسنة الأولى، وإن أخذ البنك عمولة عليها فهي جائزة؛ سواء كانت عمولة اشتراك أو تجديد أو استبدال، لكن ما يؤخذ على العميل عند تأخره في سداد المبلغ المترتب عليه من فائدة فهي محرمة ولا تجوز، والمعروف أن البطاقات الائتمانية لا تؤخذ رسوم عليها في المشتريات بواسطة نقاط البيع؛ وإنما تؤخذ على السحب النقدي، فالواجب أن تكون العمولة على السحب النقدي مبلغاً مقطوعاً وكامل إمكانية جهاز الصراف الآلي، وأن تكون هذه العمولة المفروضة في مقابل التكلفة الفعلية لهذه العملية.
7 - الشيكات المصرفية: وسيلة من وسائل التبادل التجاري، وأخذ عمولة على إصدار هذا الشيك جائزة مع العلم بأن غالبية البنوك تقدمه بدون مقابل.
8 - الأوامر المستديمة: العميل يطلب من البنك إجراء عملية له على الدوام؛ كالتحويل بين الحسابات مثلاً، وهذه العملية يأخذ عليها البنك عمولة وهي جائزة؛ لأنها في مقابل خدمة.
9 - الصناديق الاستثمارية: متنوعة، والعمولات عليها كثيرة، وهي جائزة؛ سواء كانت عمولة تأسيس (اشتراك) أو إدارية أو استرداد، فهي أشبه بالمضاربة.
وهذه أهم العمليات المصرفية، التي يحتاجها الناس ويتعاملون بها.
وفي نهاية هذه الرسالة أوصي نفسي وأوصيكم بتقوى الله سبحانه وتعالى ومراقبته في السر والعلن.
وأوصي بالعناية بمثل هذه البحوث، التي تمس حاجات الناس وضرورياتهم؛ فالناس بحاجة لمثل هذه البحوث التي قل من بحثها وتوسع فيها، فالجهل بها كثير عند المتعلمين؛ ناهيك عن العامة وأوساط الناس.
وأوصي الطلاب والدارسين على اختيار مثل هذه الموضوعات الجديدة، التي فيها الفائدة والمنفعة للناس.
كما أوصي أصحاب الأموال والذين يتعاملون مع المصارف والبنوك بتحري الحلال، والبعد عن الربا والمعاملات الغير إسلامية.(4/165)
النجاسات وأحكامها في الفقه الإسلامي
Oعبدالرحيم إبراهيم الهاشم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - نجاسات
الخاتمة
الحمد لله الذي تتم به الصالحات، وأشكره سبحانه على إعانته لي بإتمام هذه الرسالة، وأسأله سبحانه أن يعظم لي الأجر فيما أصبت ويغفر لي الزلل فيما أخطأت، وأن يحسن لي ولوالدي ولمشايخي ولمحبي الخاتمة وبعد
فإن من أسعد أيام حياتي التي قضيتها، تلك الأيام التي عشتها متجولا بها في مباحث النجاسات وأحكامها في الفقه الإسلامي، والحق أن المنصف يجد سلف فقهاء الأمة (عليهم رحمة الله تعالى) قد سبقوا من أتى بعدهم فيما يتعلق بموضوع النجاسات وأحكامها، وأثروه إثراءً عظيما، ولعل من ذلك ما ذكره المالكية في لعاب الكلب، بأن الأمر بغسله سبعا ليست لنجاسته، وإنما هو أمر تعبدي. فإن هذا كان مبلغ علمهم، وقد جاء في العلم الحديث ما لعله يشهد لصحة قولهم بأن لعاب الكلب فيه من الآفات مالا يقضى عليها إلا التراب.
كما تكلم سلف الفقهاء على قضايا الأنافح واستخدامها في الأجبان، وعلى حكم الأجبان المستوردة المشكوك في استعمال شحم الخنزير فيها، وكذا غير الأجبان من الأطعمة والصابون ونحوها مما كثر الكلام حوله في هذا الزمن.
وتكلموا أيضا عن حمل النجاسة بالقوارير في الصلاة، وصدقها واقعنا اليوم كما في التحاليل الطبية، ونصوا على حكم سقي العروق بالدم والتخييط بالخيوط النجسة، وقبول أقوال الأطباء في الضرورة المحتمة للعلاج بالنجاسات ولو كانوا كفارا إذا وثق منهم .... وكل هذا واقع اليوم، وهناك أمور غير ما ذكرت مما يتعلق بالنجاسات تكلم في أحكامها الفقهاء السابقون فذكروا حلولها شرعا.
والحق أن البحث في موضوع النجاسات وأحكامها في الفقه الإسلامي، شيق وممتع ومفيد، لأن الباحث فيه يجد الحيوية التي يعايش بها العصر، كما أنه غني بالمادة العلمية الوافرة، التي دونها فقهاء الإسلام ومحدثوه عليهم رحمة الله ورضوانه، فلا يصعب على الباحث فيه شيء غير الجمع والتنسيق والعزو بالإحالة.
أن موضوع النجاسات وأحكامها ذو أهمية واضحة في حياة المسلمين ليس لارتباطه بالصلاة فحسب، وإنما لتداخله في الغذاء والرداء وسائر الانتفاعات الأخرى، ومعرفة هذا لا يستغنى عنه مسلم حتى المرأة في بيتها، والصانع في مصنعه، والمخبري في مختبره، والطبيب في عيادته .... فهو موضوع ذو أهمية كبيرة، وفوائد عظيمة، حري بالباحثين أن يتولوه بالبحث ويهتموا به.
وقد توصلت من خلال بحثي هذا الموضوع إلى نتائج عديدة، ولعل من أهمها ما يلي:
(1) إن الأصل في الأشياء الطهارة، ولا موجب لتنجيس شيء إلا النصوص الشرعية.
(2) إن جميع أجساد الحيوانات الحية طاهرة، وبه يعلم جواز استخدام الكفار، وطهارة ما يغسلوه من الثياب، والأواني، وغيرها، مما يحتاج المسلمون إليهم فيه، وأن ما يقع من تلك الحيوانات الحية في المائعات لا ينجسها، وإن ظهر في تلك المائعات آثار ما وقع فيها من حيوان، إلا أن يكون من الفضلات النجسة، ما لم يمت فيه حيوان ينجس بالموت به ذلك المائع.
(3) إن جميع أجساد الحيوانات الميتة نجسة، إلا حسد الآدمي والسمك وما لا نفس له سائل.
(4) إن جميع الأجزاء المنفصلة من الحيوانات الحية تتبع ميتتها في الطهارة والنجاسة، عدا الشعر والصوف والوبر والريش من الحيوانات المأكولة فهي طاهرة حينئذ بالإجماع.
(5) إن جميع فضلات الحيوانات الحية طاهرة، عدا بول الآدمي ومذيه، ووديه، ورجيعه، ودم الحيض، والنفاس، فإنها نجسة.(4/166)
(6) إن جميع فضلات الميتات تتبع ميتتها في الطهارة والنجاسة، عدا بول الآدمي ومذيه ووديه ورجيعه ودم الحيض والنفاس، فإنه نجس، وعدا اللبن والأنفحة والبيض فإنها طاهرة. وإن كانت من مباح الأكل جاز أكلها، وبه يعلم جواز أكل الجبن المصنع من أنفحة الميتات.
(7) إن الخمر والكحول طاهران، وبه يعلم طهارة العطور وجميع المصنعات من الكحول.
(8) إنه لا ينجس شيء من الأعيان الظاهرة المائعة إذا لاقتها نجاسة وإن كان ذلك المائع قليلا، إلا إذا ظهر فيه أثر النجاسة فتغيرت بها إحدى صفاته.
(9) إن الأعيان الجامدة إذا لاقت النجاسة لا ينجس منها إلا المكان الذي أثرت فيه النجاسة بإحدى صفاتها.
(10) إنه لا ينجس شيء طاهر بالشك. كما لا يظهر به شيء متنجس.
(11) إن ما حصلت المشقة باجتنابه من النجاسات عفي عنه في اللباس والبدن ونحوهما.
(12) إن الضرورة الداعية لأكل النجاسة مبيحة لذلك.
(13) إن التطهير يحصل بأي شيء تزول به عين النجاسة سواء كانت في الجامدات أو المائعات، ويكفي الظن في الحكم بذلك كما لو كانت النجاسة مما لا علامة لها، وبهذا يعلم طهارة مياه المجاري إذا زالت عنها عين النجاسة، بأي طريقة كانت، وكذا طهارة وحل جلود الميتات إذا دبغت، والثياب النجسة إذا زالت النجاسة عنها بالريح ونحوها، والأعيان النجسة إذا تحولت إلى تراب ونحوه من الأعيان الطاهرة.
(14) إن من كمال الصلاة إجماعا اجتناب النجاسة المعلوم فيها.
(15) صحة صلاة من صلى بالنجاسة ناسيا لها، أو جاهلا ولو تذكرها في صلاته.
(16) طهارة ما ينسجه الكفار من الثياب، وما يدبغونه من جميع الجلود، وبه يعلم حكم الثياب والأحذية الجلدية المستوردة منهم، وأنه يجوز استعمال جميع ذلك، ما لم يكن من جلود السباع، استعملت للافتراش.
(17) طهارة وجواز أكل الأطعمة المستوردة، مما قيل: بأن فيها شحوم الخنزير ونحوه من النجاسات ولم يتحقق منه، فإن تحقق جاز إذا لم يظهر فيه أثر النجاسة، لأن النجاسة إذا استحالت في الشيء كأنها لم توجد فيه أصلا.
(18) جواز الانتفاع بالنجاسات في إطعام البهائم، إلا أن البهائم المأكولة إذا ظهر عليها أثر تلك النجاسات، لا تؤكل حتى يذهب عنها ذلك الأثر لأنها تصبح كالجلالة.
(19) جواز الانتفاع بالنجاسات في سقي النبات وتسميده.
(20) لا يجوز التداوي بالنجاسات عن طريق التغذي بها، إلا إذا حصلت ضرورة بذلك وغلب على الظن الشفاء بها (بإذن الله تعالى) كما في سقي العروق الدم.
(21) جواز استعمال الكحول في الأدوية، والتعقيم، والمواد الغذائية كمادة مذيبة وحافظة، إلا أنه لا يجوز تناول ما ظهر فيه أثر الكحول من تلك الأشياء، إلا في حالة الحاجة ما لم تكن (غداءً، أو ما يقوم مقامه) وذلك كالتعقيم وربط الجروح وتضميدها.
(22) جواز استعمال الكحول، وما يدخل في تصنيعه الكحول، كالعطور والبويات ونحوها في المساجد وغيرها، وجواز الصلاة بها لكونها طاهرات.
(23) جواز بيع النجاسات والمتنجسات التي ينتفع بها إلا ما خرج بالإجماع كالميتة, والخمر (المتفق على خمريتها) والدم.(4/167)
بعد هذه النتائج، أوصي الباحثين بالاهتمام بمباحث النجاسات عموما، ومباحث استعمالها وبيعها خصوصا، فإنها جديرة بالبحث أكثر مما ذكرته فيها، وهي غنية بالمادة العلمية. وذلك لارتباطها بمباحث المحرمات، وهي عامة تشمل ما كان طاهرا ونجسا، وأنا إنما اقتصرت على ما يتعلق منها بالنجاسات في الجملة، لأن العلماء رحمهم الله تعالى لم يتفقوا على الأعيان النجسة والمتنجسة حتى يكون ما ذكرته من أحكام تشمل جميع النجاسات، ولعل من ذلك مثلا الخنزير، فإنه طاهر في الحياة عند المالكية (وهو ما رجحته) والحنفية يرون طهارة كل جلد إذا دبغ ما لم يكن جلد حيوان نجس في الحياة كالخنزير عندهم، فإنه حينئذ لو طبقت قاعدة أنه لا يطهر إلا جلد ما كان طاهرا في الحياة لقيل بأن جلد الخنزير يطهر إذا دبغ ويجوز استعماله، لأن الآية إنما جاءت في تحريم أكله، كما سبق في القول بجواز الانتفاع بما يمكن تطهيره، من النجاسات والمتنجسات، وجلد الخنزير قد أمكن تطهيره، وكذلك الكلب في حكم بيعه فإنه على قول الحنفية بجواز بيع ما يمكن الانتفاع به، يدخل فيه حكم بيع كلب الحراسة، والصيد، ونحوهما. ومعلوم كلام أهل العلم فيه، ولذا أمثاله لم أستطع التوسع في فرعيات استعمال النجاسات لأنها تطول جدا، لاختلاف العلماء في أعيان النجاسات واختلافهم في بيع المحرمات واستعمالها.
وختاما أسأل الله تعالى أن يجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أعمارنا آخرها، وخير أيامنا يوم لقائه. كما أسأله تعالى أن يعيد للأمة الإسلامية مجدها، وعزتها، وحياتها العلمية السابقة، التي سار فيها سلفنا الصالح بالبحث، والتحقيق، وإخلاص النية، والعمل بما علم، وسلامة الصدر، واحترام آراء الآخرين، والتيسير على المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم إلا فيما لا يمكن التيسير فيه لقطعية الدليل، أو سداً لذريعة تؤول بالفساد. كما أسأل الله تعالى أن يغفر لي ولوالدي ولمشايخي ومحبي. والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على خير خلقه نبينا وسيدنا محمد وعلى آله وأصحابه ومن أحبهم وسار على نهجهم إلى يوم الدين ..(4/168)
النسب ومدى تأثير المستجدات العلمية في إثباته - دراسة فقهية تحليلية
Oسفيان بن عمر بورقعة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
كنوز إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1428هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة:
لا يسع الباحث في خاتمة هذه الدراسة إلا أن يحمده سبحانه وتعالى على توفيقه، وما أمده به من عون ورعاية على إتمام هذه الرسالة على هذا الوجه المثبت، فله الحمد وله الشكر حتى يرضى.
وبعد هذه الدراسة الشرعية للنسب ومدى تأثير المستجدات العلمية في إثباته، يسجل الباحث في خاتمتها أهم النتائج التي توصل إليها، والفوائد التي وقف عليها، وذلك فيما يلي:
أولاً: تناول الباحث الحديث في الباب الأول من هذه الدراسة عن الجانب النظري المرتبط بالنسب، وقام بدراسة وتأصيل أهم القضايا المتعلقة به، وأهم النتائج التي يمكن الإشارة إليها في هذا الصدد كالآتي:
1) حاول الباحث تعريف النسب من خلال تتبع النصوص الشرعية التي وردت بشأنه، وخلص إلى تعريف يُلِمُّ بالمعاني التي دلت عليها تلك النصوص، ألا وهو: (العلاقة الاجتماعية التي تربط الفرد الإنساني بأبويه وأقاربه الذين يشتركون معه في ولادة قريبة أو بعيدة)، كما وضع له أنواعاً واصطلح عليها بأسماء تفيد في النظر في أحكامه ومسائله.
2) الأصل في ثبوت النسب في الشريعة هو كون المولود نشأ من اتصال جنسي بين الرجل والمرأة تحت مظلة الزواج؛ لكن إذا حصلت علاقة جنسية خارج إطار الزوجية استحقا العقوبة الشرعية اللازمة، وترتب عنه لحوق النسب، فالمولود هو ولدُ صاحب الماء وولد المرأة شرعاً؛ لأن النسب له حقيقة واحدة لا يختلف باختلاف المرأة والرجل، أو المسلم والكافر، فكل مولود يلده الإنسان فهو ابنه شرعاً ولغة وطِبّاً، وهذا أصل يقاس عليه كل علاقة جنسية محرمة بين الرجل والمرأة، أو أي ممارسة طبية لوسائل محرمة للإنجاب، فإذا نتج عن تلك العلاقة أو الممارسة أولاد وثبت لدينا مصدرهم؛ فقد تحقق مناط الانتساب، فيثبت لذلك نسبهم لآبائهم.
3) الوطء بشبهة النكاح – على اختلاف أنواع الشبهات التي ذكرها الفقهاء – يعود في جملته إلى اختلال شرط من شروط صحة النكاح، وهذا يجعله من قبيل النكاح الفاسد.
لذا كان من الأولى – اعتباراً بهذا المعنى – أن تناقش مسائله مع مسائل النكاح الفاسد، ولم يكن من حاجة إلى جعل هذا الباب قسيماً للنكاح الفاسد، كما هو السائد في الكتابات الفقهية.
4) عرض الباحث لمسألة تنسب ابن الزنا من الزاني، وحرر فيها موطن الاتفاق والخلاف بين الفقهاء، وتوسع في مناقشة جوانب المسألة؛ نظراً لأهميتها من الناحية الاجتماعية، ولما قد ينبني عليها من المسائل النازلة التي تتصل بقيام علاقة للنسب، وقد توصل إلى صحة تنسيب ابن الزنا من أبيه الزاني ما لم ينازعه فيه صاحب فراش صحيح، وأن القول بذلك ليس فيه معارضة للنصوص الشرعية، فضلاً على انطوائه على مصالح داخلة في نطاق حفظ النفس والنسب، وحفظاً له من الضياع والانحراف والنقمة على المجتمع، وقد حقق الباحث مفهوم حديث (الولد للفراش)، وأنه لا يدل على نفي نسب ولد الزنا عن الزاني في فرض عدم الفراش، أو في فرض العلم بعدم كون الولد من ماء الزوج وحصول اليقين بكونه من ماء الزاني، كما أنه ليس في الحديث تعرض لنفي الولد عن المرأة الزانية، فهي أمه، فيكون الزاني أباه؛ لأنه أحد الزانيين، وهو مقتضى القياس الصحيح.
5) أن أدلة إثبات النسب أدلة معللة وليست تعبدية، وكل ما يمكننا الاستفادة منه في الوقت الحاضر من وسائل علمية، أو مكتشفات طبية في مجال إثبات النسب لا يعد خروجاً عن نصوص الشريعة أو معانيها؛ بل هو دائر في فلك تلك النصوص ومستند إليها.(4/169)
ثانياً: أما الباب الثاني فقد جعله الباحث للجوانب التطبيقية المتعلقة بموضوع الدراسة؛ حيث تناول فيه الحديث عن المستجدات العلمية التي لها مساس بالنسب، وهي المبتكرات العلمية التي يمكن أن يستفاد منها في إثبات النسب ونفيه، أو التي من شأنها أن تفضي جراء العمل بها إلى الاختلاف أو الإخلال بعلاقة النسب، حيث سعى إلى التعرف على حقيقة تلك المستجدات، ثم أبرز أثرها على النسب إثباتاً ونفياً، أو سلباً وإيجاباً، كما عرض لمفهوم مثبتات النسب الشرعية في ضوء ما استجد من تقينات حديثة تساعد على التحقق من ثبوته أو نفيه، وبين منزلة هذه المستجدات بين أدلة النسب، وأهم النتائج التي يمكن الإشارة إليها بعد دراسة هذه القضايا:
1) البصمة الوراثية بعد ثبوت حقيقتها العلمية تعد دليلاً قاطعاً على تحديد الأبوة، وتعتبر ميزاناً لصحة الأخذ بأدلة إثبات النسب الأخرى، كالفراش أو الشهادة أو الإقرار؛ بحيث إذا تعارض دليل من أدلة إثبات النسب مع نتيجة البصمة القطعية كان هذا دليلاً على عدم صحة ذلك الدليل، فيكون ذلك مانعاً من العمل به.
2) لا يجوز شرعاً اللجوء إلى البصمة للتأكد من الأنساب المستقرة إذا لم يكن هناك ما يستدعيه؛ لما فيه من التشكيك في أنساب الناس وأعراضهم، ولكونه سبيلاً لإثارة الفتن وإشاعة الفواحش المنهي عنهما شرعاً، كما أنه في المقابل لا مانع من الأخذ بالبصمة وإشاعة العمل بها للتحقق من أنساب المواليد الجدد؛ كتثبيت بصمة الزوج والزوجة في عقد الزواج؛ لأن التيقن من النسب أصبح متاحاً في هذا العصر على خلاف الماضي، كما أن ذلك يتوافق مع ما اشترطه الفقهاء لإثبات النسب، وهو عدم معارضته لقرينة قطعية من الحس أو العقل.
كما توصل إلى أنه لا حاجة إلى إجراء اللعان بين الزوجين بعد التيقن من نسب المولود بواسطة البصمة؛ لأن من شرط إجراء اللعان إمكان أن يكون الولد المراد نفيه من الزوج، أما إذا استحال ذلك انتفى عنه من غير لعان، وهو من نوع النسب الذي ينتفي بنفس النفي ودون الحاجة إلى لعان، ولما في إمضاء اللعان أيضاً من إلجاء أحد الزوجين على الحلف كاذباً.
3) ومن أهم النتائج المستخلصة من دراسة أثر استخدام البصمة على إثبات النسب أو نفيه، التأكيد على أن حقائق العلوم التجريبية حقائق شرعية، وأنه يتعين اعتبار الحقائق العلمية القاطعة من جملة الأدلة الشرعية حتى لا نقع في إشكالية الاعتقاد بأن الحقائق القطعية تتعارض، وأن ما يقرره الشرع قد يخالف ما يقطع به الحس أو العقل، وذلك لا يكون إلا باعتبار الحقيقة العلمية حقيقة شرعية، ومن ثم يتعامل معها وفق ما يتعامل مع الأدلة الشرعية؛ بحيث يتم تقديم المقطوع منها على المظنون عند التعارض.
4) إن جميع الصور المعمول بها حاليا للإنجاب بطريق (الأم البديلة) هي صور محرمة شرعاً؛ لعدم اتفاقها مع النصوص والقواعد الشرعية، ولما تنطوي عليه من المفاسد التي تخالف مقاصد الشريعة وأصولها العامة، وعلى هذا جرت الفتوى بين أهل العلم المعاصرين، وجاء النص عليه من بعض المجامع والمجالس الفقهية، لكن يستثنى مما ذكر طريق واحد؛ وهو أن تكون (الأم البديلة) ضرة لصاحبة البويضة، فقد حصل في هذا الطريق خلاف بين الإباحة والتحريم، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز لأحد الإقدام على ممارسة أي طريق للإنجاب اتفقوا على منعه، ولا السعي إلى تحصيله. وأن هذا من قبيل التداوي بالمحرم والخبيث الذي نهى الشارع عنه، كما أنه لا يجوز لأحد الإعانة عليه، أو الدلالة إليه؛ لأن هذا من قبيل التعاون على الحرام.
5) إن كل طريق للإنجاب يستعمل فيه ماء الرجل وبويضة المرأة ورحمها يشترط للحكم بجوازه – كما رجحته – شرطان:(4/170)
الشرط الأول: أن يكون الماءان من الزوجين (ماء الزوج مع بويضة الزوجة) حال حياتهما؛ بحيث لا يكون أحدهما أجنبياً عن الآخر، وأن لا تحصل المزاوجة بين الماءين بعد وفاة أحد الزوجين.
الشرط الثاني: أن تكون صاحبة الرحم التي تحمل وتضع هي نفسها صاحبة البويضة.
فكل طريق للإنجاب عُدل فيه عن هذين الشرطين أو أحدهما فهو طريق داخل في دائرة الحرام، ولا يجوز ممارسته والإعانة عليه، وإذا حصل الإنجاب به فنسب الولد يثبت لصاحب الماء من جهة الأبوة، ولصاحبة البويضة من جهة الأمومة، وتكون صاحبة الرحم أمّاً من الرضاع.
6) لا يجوز شرعاً استنبات الجنين المجمد الصادر عن الزوجين بعد وفاة الزوج وإن كان ذلك في رحم الزوجة؛ لأن الموت يفصم العلاقة الزوجية بين الزوجين، ولِما يفضي ذلك إلى مفاسد؛ حرص الشرع على منعها، كما لا يجوز استنباته إذا انفصم عقد الزوجية بطلاق بائن أو رجعي، ويثبت نسب المولود إذا تم القيام بذلك إلى أبويه اللذين حصل اللقاح منهما.
7) من الحلول الإسلامية البديلة عن (الأم البديلة)، أن يتزوج الرجل بأكثر من امرأة، وهذا الحل الذي يقدمه الإسلام يقلل كثيراً من المشاكل الأخلاقية الناجمة عن استعمال طرق العلاج الحديثة، كما أن هذا العلاج الإسلامي لا يشكل أعباء مالية كبيرة مقارنة مع الأموال الباهظة التي تنفق في سبيل إجراء عمليات التلقيح الصناعي خارج الجسد، هذا إذا كان المانع من الإنجاب هو الزوجة، أما إذا كان من الزوج فلا بأس حينئذ من استخدام التلقيح الصناعي الخارجي، مع أخذ الحيطة اللازمة التي تحفظ للأنساب والأعراض طهارتها ونقاءها.
8) لا يجوز شرعاً غرس الأعضاء التناسلية التي لها دور في نقل الصفات الوراثية للإنسان، وهي التي تعرف بالغدد التناسلية، كالمبيض عند المرأة والخصية عند الرجل؛ لما ثبت علمياً أن غرسها بمنزلة خلط مائين أجنبيين، وأن نسب المولود يتبع الشخص المتبرِّع لا الشخص المتلقي، وهذا سبيله أنه يفضي إلى مولود انعقد من وجه محرم.
9) إن تحليل الدم الذي يحدد فصيلته يصلح أن يكون - شرعاً - وسيلة لنفي النسب؛ لما تقرر علميا من أن اختلاف التراكيب الجينية بين المولود ومدعي الأبوة – بحسب تفصيله العلمي – يعد دليلاً قاطعاً على أن ادعاءه كان باطلاً.
وأما في حال التشابه في التراكيب الجينية لفصائل الدم فذلك لا ينهض دليلاً قاطعاً على إثبات النسب؛ لوجود كثير من الأشخاص يحملون الفصيلة نفسها، كما أنه في الوقت نفسه لا يكون قاطعاً على نفي النسب؛ إذ من المحتمل أن يكون المدعي أباً للمولود، فوجود هذا الاحتمال كاف للحوق النسب؛ لأن الشرع يقبل في إثبات الأنساب بأيسر الأدلة، ولما ينطوي ذلك على مصالح تعود على المولود في نفسه ونسبه ما لم يثبت عكس ذلك بقرينة يقينية أخرى للإثبات - (كالبصمة الوراثية) - تدل على بطلان ذلك النسب.
10) من الفوائد المستخلصة من هذه الدراسة: التنبيه إلى أن الفقهاء السابقين – رحمهم الله – اجتهدوا في ضبط النسب والتحقق منه بحسب ما كان متاحاً في زمانهم من وسائل للضبط والتحقيق، فاستعانوا بقرينة الحساب في ضبط الحمل، واعتبروا بحال الزوج في قدرته على الإنجاب، ولجؤوا إلى ضبط تاريخ النكاح ... فهذا كله يدل على أنهم قصدوا الوصول إلى اليقين في التحقق من النسب، ونفي كل دخيل عنه لأجل ما يستتبع الانتساب من أحكام شرعية جليلة، وما يحصل عن اختراقه من مفاسد. وأما نحن اليوم فقد فتح الله علينا من أنواع العلوم ووسائل الإثبات ما يمكننا من الوصول إلى اليقين، فعلينا توظيف هذه النعمة في خدمة أحكام الشريعة، وتحقيق العدل بين الناس.
11) من الأفضل أن يكون الاجتهاد في مثل هذه القضايا النازلة - لاسيما التي يحتاج فيها إلى آراء الأطباء وتقاريرهم - أن يكون اجتهاداً جماعياً من قِبَل هيئة أو منظمة علمية تضطلع للنظر في هذه المستجدات، وتستجمع لها البحوث من المختصين على المستويين الطبي والشرعي؛ حتى تعرف ملابسات المسائل وصورها وأشكالها، وما قد يعتريها من استثناءات أو إشكالات، فتؤتى المسائل حقها من النظر الشرعي والعلمي، ويقل النزاع الدائر حول هذه المسائل، كما أنه يجعل المستفتي على اطمئنان بحكمها الشرعي، ولا يقع عرضة للالتباس أو التحير.(4/171)
النقود وظائفها الأساسية وأحكامها الشرعية
Oعلاء الدين محمود زعتري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار قتيبة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نقود وعملات وأوراق تجارية
الخاتمة
تعد النقود الورقية من الأموال الممتازة في الوقت الحاضر، ولا يقل اكتشافها أهمية عن اكتشاف النقود بحد ذاتها، فقد سهلت على الناس أمور حياتهم وسبل معاشهم في مبادلاتهم وقياس قيم أشيائهم، ولقد أخذت مكانها، واحتلت مركز الصدارة بين النقود عامة، ونابت عن النقود الذهبية والفضية في الثمنية، وبالتالي فإن جميع الأحكام الشرعية التي اعتمدت لتلك النقود ينبغي اعتمادها للنقود الورقية، وهذه نتيجة عامة مستفادة من هذه الرسالة التخصصية.
ولقد توصلت إلى هذه النتيجة عبر دراسة النقود ضمن ثلاثة اتجاهات:
الاتجاه الأول: وقد كان في دراسة النقود تاريخيا.
الاتجاه الثاني: وقد كان في دراسة النقود اقتصاديا، من خلال بيان طبيعتها، وإبراز وظائفها الأساسية.
الاتجاه الثالث: وقد كان في دراسة النقود من الناحية الشرعية.
1 - هذا، وقد بدأت دراستي بفصل تمهيدي عرفت فيه بمفهوم المال واشتماله لكل أنواع السلع المادية والخدمات المعنوية، ثم استعرضت الآيات القرآنية المبينة وجهة نظر الإسلام إلى المال، فتبين أنها نظرة تتجاوب مع الفطرة السليمة للفرد، وتنسجم مع مصالح المجتمع لتحقيق سعادته.
2 - وفي مبحث تعريف النقود بينت ضرورة إدخال عنصرين مهمين ليكون التعريف مقبولا من الناحية الشرعية، فتوصلت إلى أن النقود هي: [كل شيء طاهر منتفع به شرعا يحظى بقبول عام في تأدية الوظائف الأساسية للنقود].
3 - ولدى استعراض النقود في الفكر الإسلامي، من خلال القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وعند بعض المفكرين الإسلاميين، تبين أن الاهتمام بالنقود سار بشكل متزايد، حيث بدأ بداية صغيرة ضمن إشارات لطيفة حتى وصل إلى درجة كتابة مؤلف خاص يتحدث عن النقود.
4 - ومن نتائج البحث لدى استعراض تاريخ النقود في ظل الحضارة الإسلامية: أن الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب كان أول من بدأ بجعل النقود إسلامية، من خلال التعديل الذي أجراه على النقود المتداولة بإضافة شعارات إسلامية عليها، وقد أكمل الخلفاء من بعده المسيرة، حتى وصل الأمر إلى زمن عبد الملك بن مروان الذي أحدث الثورة في النظام النقدي، وجعل النقود المتداولة عربية إسلامية.
5 - وفي إطار الحديث عن الوظيفة الاقتصادية للنقود: النقود مقياس القيم، اتضح: أن النقود لا تقوم بهذه الوظيفة بشكل كامل إلا إذا حافظت على استقرار قيمتها، وبينت أن أسباب تذبذب قيمة النقود يرجع إلى أحد ثلاثة أسباب: ضعف ثقة الناس بالنقود، وتغير أسعار السلع التي تقوم بها النقود، والحالة العامة للبلاد.
وبينت أن من واجب الدولة أن تحافظ على استقرار قيمة النقود باتباع السياسة النقدية، وأشرت إلى أن الإسلام قد قدم الوسائل الكفيلة بتحقيق استقرار قيمة النقود، فقد حرم إغلاء الأسعار على المسلمين، وحضهم على الاعتدال في تقدير تكاليف منتوجاتهم ليتحقق التوازن بين عرض النقود والطلب عليها، كما أناط بولي الأمر مسؤولية التحكم بكمية النقود الواجب تداولها.
6 - وفي بيان الوظائف الأساسية للنقود، أضفت وظيفة جديدة لم أُسبق إليها، وهي أن النقود أداة دفع، لا ينتظر دافعها أي مقابل مادي محسوس.
فالنقود في أدائها لهذه الوظيفة إما أن تدفع زكاة أو صدقة فطر ومثلها سائر الصدقات، وإما أن تدفع إيفاء للنذور، أو تكفيرا للذنوب.(4/172)
7 - وبعد عرض آراء العلماء في مشروعية النقود الورقية تبين أنها ليست بسندات دين، ولا عرضا من عروض التجارة، وأنها تغاير الفلوس النحاسية، وأنها غير متفرعة من الذهب أو الفضة، بل هي نقد قائم بذاته اكتسب ثمنيته من ثقة الناس بالتعامل به، ومن قوة الدولة المصدرة له، اعتمادا على أن مرد النقود إلى العرف والاصطلاح.
8 - واستنادا إلى مشروعية النقود الورقية، فإنه يجوز أن تُبادل بالسلع والخدمات، وأن تبادل بمثلها أو بغيرها من الأثمان، وأن تكون أحد عناصر الإنتاج في عملية الاستثمار.
فأما تبادل السلع بالنقود الورقية فإنه يقع ضمن ثلاثة أشكال:
أ -وجود المبيع مع تقديم النقود الورقية أو تأجيلها، وهذا هو عقد البيع.
ب -تأجيل تسليم المبيع – لعدم وجوده – مع اشتراط تقديم النقود الورقية، وهذا هو عقد السلم.
جـ - تأجيل تسليم المبيع - لعدم وجوده أيضا – مع جواز تقديم النقود الورقية أو تأخيرها، وهذا هو عقد الاستصناع.
وأما مبادلة المنافع بالنقود الورقية، فإنه يكون بعقد الإجارة والإيجار، وبعقد الجعالة وهو الوعد بالجائزة.
وأما مبادلة الأثمان – والنقود الورقية منها – بمثلها حالا، فقد تبين أن نقود كل دولة جنس واحد تحته أنواع، وأن عملات الدول المختلفة أجناس مختلفة، وبالتالي فإنه:
أ -يجب التماثل والتقابض في حال اتحاد الجنس.
ب -يجب التقابض ولا يشترط التماثل في حال اختلال الجنس.
وأما في مبادلة النقود الورقية بمثلها أو بغيرها من الأثمان آجلا، وهو القرض فإنها ترد بمثلها، وإن أي زيادة أو نقصان يعد ربا، كما أن:
-الإيداع في المصارف التي تعطي فوائد على الودائع،
-والإيداع في صندوق توفير البريد،
-وشراء شهادات الاستثمار،
يعد من القروض غير المشروعة، لعدم تحقق شرط رد النقود كما هي دون زيادة أو نقصان.
واتضح من خلال بيان جواز الاستثمار أن النقود الورقية قادرة على أن تكون رأس المال في الشركات، وذلك جائز شرعا، وقد أوضحت أن شركة المضاربة هي البديل عن المصارف الربوية في عميلة الإقراض، وهي التي تنقل المصارف من التعامل بالحرام إلى التعامل بالحلال.
9 - وفي بيان كيفية تقدير الأجور والنفقات، توصلت إلى أن من الواجب ربطها بقائمة الأسعار، إنصافا للعامل والمنفق عليه، وتقليلا من المشاكل والاضطرابات والمرافعات للقضاء.
أما في بيان كيفية تقدير الديون، فقد اتضح أن ربطها بقائمة الأسعار لا يجوز، وأن من الخطأ استخدام سعر الفائدة تعويضا عن انخفاض قيمة النقود، لأن من الواجب في الديون أن ترد بمثلها عددا وإن اختلفت القيمة.
وأشرت إلى جواز ربط الديون بسلعة ما عند إنشاء العقد، أما بعد ذلك فلا.
هذه هي أهم نتائج البحث، أما على صعيد التوصيات، فإني أوصي بما يلي:
1 - ضرورة تدريس مادة الاقتصاد الإسلامي في كلية الدعوة الإسلامية وفي كل كليات الشريعة والاقتصاد والحقوق، وذلك لما لها من أهمية في حياة الداعية لمعرفة بيئته، وتعريف المسلمين بنظام الإسلام المتكامل.
2 - ضرورة إقامة ندوة عالمية لمناقشة الفوضى النقدية، والخروج بمشروع نظام نقدي جديد يحقق الرفاء والازدهار، وهذه الندوة المقترحة مطلوبة من المنظمات الإسلامية لتقديم تصور عن نظام الإسلام الاقتصادي وشرحه للعالم من أجل اعتماده.
وأشير أخيرا إلى أن المسلمين لو عرفوا إسلامهم حق المعرفة، وطبقوا دينهم حق التطبيق لتحققت لهم سعادة الدنيا، وسيادة العالم، فلا يوجد تشريع شمولي كتشريع الإسلام، ولا يوجد نظام متكامل كنظام الإسلام، إذ إنه قد أرسى القواعد الكلية لكل شؤون الحياة، وأهاب بالناس أن يدركوها ويترجموها سلوكا في واقع معاشهم ودنياهم. يقول الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ} [المائدة:3].
هذا ما وفقني الله إليه من إبراز جانب من جوانب الاقتصاد الإسلامي، فإن كان ما توصلت إليه صوابا فذلك بفضل الله، وإن كان خطأ فأستغفر الله منه.
والله أسأل أن يوفقني لخدمة الإسلام والمسلمين، وأن يجعل عملي ذخرا لي ولوالدي يوم الدين.
{رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127].
طرابلس
1 محرم الحرام 1414هـ
21 حزيران 1993م(4/173)
النوازل في الحج
Oعلي بن ناصر الشلعان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار التوحيد- الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1431هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - أعمال منوعة
الخاتمة:
في ختام هذا البحث، أحمد الله على نعمه الظاهرة والباطنة، وأشكره على ما منَّ به عليَّ من إتمام هذا البحث، ثم يطيب لي أن أدوِّن –باختصار- أهم ما توصلتُ إليه من النتائج، وما قيَّدتُه من الفوائد، سائلاً الله أن يوفقني للعمل الصالح الذي يرضيه عني:
1 - أن تعريف النوازل بأنها: ما استدعى حكماً شرعياً من الوقائع المستجدة، هو التعريف المختار.
2 - التعريف المختار للحج هو: قصد مكة والمشاعر تعبداً لله؛ لأداء المناسك على وجه مخصوص.
3 - النوازل التي تدخل في هذا البحث على نوعين:
الأول: نوازل ومسائل تقع لأول مرة في هذا العصر، وتمس حاجة الناس لمعرفة الحكم الشرعي فيها، ومن أمثلتها في هذا البحث: حكم تحديد نسب الحجاج من كل دولة، واشتراط تصريح الحج لمن أراده، والطواف على السير الكهربائي لغير العاجز، والسعي في الأدوار العليا .. ونحو ذلك.
الثاني: مسائل تكلم عنها الفقهاء السابقون، ولكن طرأ عليها ما يستدعي إعادة النظر والاجتهاد فيها؛ نظراً لتغير الظروف والأحوال التي ترتب عليها تغير موجب الحكم السابق؛ مثل ما يعتبر طِيباً لا يجوز للمحرم مسُّه، وما لا يعتبر طِيباً فيجوز مسُّه، وطواف الحائض في البيت عند استحالة بقائها ورجوعها، وعدم جواز المبيت على أرصفة منى وطرقاتها.
4 - دلت أدلة الكتاب والسنة والمعقول على ثبات الأحكام المبنية على النصوص الشرعية.
5 - أن ثبات الأحكام بمثابة ضمانة لاستقرار أحوال الأمة، واستتباب أمنها، ومنع الظلم عنها.
6 - من ضوابط تغير الفتوى بتغير النازلة:
أولاً: اختلاف العوائد والأعراف.
ثانياً: انعدام سبب الحكم، أو تخلف شرطه، أو حصول مانعه.
ثالثاً: الضرورة الملجئة، والضرر المحقَّق.
رابعاً: تغير المصلحة.
الخامس: تدافع المأمورات، أو المنهيات (ارتكاب أخف الضررين، وتحصيل أعظم المصلحتين).
السادس: تغير الآلات، وتطور الخبرات الفنية والوسائل.
7 - إذا حدثت حادثة أو نزلت نازلة ليس فيها قول سابق لأهل العلم؛ فالراجح جواز الاجتهاد والحكم فيها مع اشتراط شرطين مهمين:
الأول: أن تدعو الحاجة وتنزل النازلة.
الثاني: أن يكون المجتهد أهلاً للحكم.
8 - أن حصول التأشيرة والتصريح للحج شرط وجوب وليس شرط لزوم أداء.
9 - لا يجوز لمن وجب عليه الحج أن ينيب غيره لعذر يرجى زواله.
10 - لا يجوز بيع تصاريح الحج أو تأشيراته على غير من أعطيت له.
11 - تحريم التحايل على أنظمة الحج بأي نوع من الحيل.
12 - استصدار الخطاب البنكي أو خطاب الضمان لحملات الحج لا بأس به إذا لم يأخذ البنك عليه أجرة إلا ما يوازي المصاريف الإدارية لإصدار خطاب الضمان فحسب.
13 - جواز إيداع المبلغ المطلوب للحج في البنك الربوي إذا كان لا يتمكن من الحج إلا بذلك، وترك الحج من أجل هذا الأمر لا يعتبر عذراً في تأخير الحج؛ إذا كان الشخص قادراً مستطيعاً لذلك.
14 - أن نقل الحجاج عمل تجاري محض، وبناء عليه: فإن الإعلان عنه حكمه حكم سائر الإعلانات عن السلع التجارية؛ لابد أن يراعى فيه الضوابط الشرعية للإعلانات التجارية.
15 - أخذ المال لمرافقة حملات الحج للدعوة والتوجيه لابد فيه من اعتبار الباعث للعمل والأغلب في القصد؛ توخياً للإخلاص، وبعداً عن مواطن الخلاف، ولأنه إذا غلب قصد الدنيا كان الإخلاص هزيلاً ضعيفاً، وتمكن قصد الدنيا من القلب.(4/174)
16 - أن من كان متأكداً أن إحرامه بالحج لن يؤثر أدنى تأثير على عمله الموكول إليه، فيجوز له حج الفريضة دون إذن مرجعه، أما إذا كان سيؤثر أو يظن أنه سيؤثر ولو أدنى تأثير فلا يجوز له ذلك؛ لأن فيه تقديم مصلحة خاصة على مصلحة عامة، ولأن فيه منافاة لموجب وروح العقد الذي بينه وبين مَن وظَّفه.
17 - من أحرم بالحج وعمله مطلوب منه وقت الحج ولا يمكن تركه: فإن كان يترتب على غيابه فصل من عمله، وليس له مصدر كسب إلا هذا العمل، وكان هذا الأمر متيقناً؛ فهنا قد يعتبر له حكم المحصر، ويحِل بعد ذبح الهدي.
18 - المكث مع الحملات الحكومية - لمن لم يؤذن لهم - لا بأس به إذا كان المكان متسعاً، وأما الأكل والشرب: فإن كان زائداً فهم أحق به من غيرهم، وإن أُذن لهم فهم يستحقون ذلك بالإذن.
19 - الحج مع الحملات الباهظة الثمن لا ينبغي لعموم الناس، أما من كان يَحدث في حقه إسراف أو تبذير، أو تباه وتفاخر؛ فهو في حقه حرام.
20 - اشتراط المَحرم للمرأة في حج الفريضة، وأن الحج لا يجب بدونه، وأن المرأة إذا لم تجد ذا مَحرم فهي غير مستطيعة؛ فلا يجب عليها الحج.
21 - عدم جواز سفر المرأة بالطائرة إلا في حال الضرورة المُلحَّة؛ كعلاج لمرض لا يحصل إلا بالسفر ولا محرم لها، أو رجوعِها من بلاد سافرت له بمحرم فمات محرمها، أو رجع عنها ولا محرم يمكن أن يعيدها لامتناع حضوره؛ لما جَدَّ من إجراءات السفر والتأشيرات، أو أن حضور المحرم يكلِّفه ما لا يطيق من المبالغ .. ونحو ذلك من الضرورات الواضحة، والضرورة تُقدَّر بقدرها.
22 - الخادمة لا يجوز أن تحج مع كفيلها أو غيره بلا محرم؛ إذ هي امرأة كسائر النساء.
23 - يمنع الإحرام من جدة إلا للقادم من سواكن وبور سودان إذا لم يمر بميقات من المواقيت ولم يحاذه.
24 - عدم جواز تجاوز أول ميقات مر عليه إلى ميقات آخر على كل حال.
25 - أن من رجع إلى الميقات بعد إحرامه بعده لا يسقط عنه الدم.
26 - من تجاوز الميقات وأحرم بعده ولم يرجع لأنه لا يحمل تصريحاً؛ فحجه صحيح، وفعله حرام من وجهين:
أحدهما: تعدي حدود الله سبحانه وتعالى بترك الإحرام من الميقات.
الثاني: مخالفة أمر ولاة الأمور الذي أمرنا بطاعتهم في غير معصية الله.
27 - إن أحرم بالعمرة قبل أشهر الحج لم يكن متمتعاً، سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو قبلها.
28 - من لبس ثوبه لعدم حمله التصريح ليس بمكره، وذلك لأنه متاح له استخراج التصريح بأيسر السبل، ولا يفعل مثل هذه التصرفات إلا الذين يحجون النافلة في سنين متتابعة.
29 - أن الحصر يحصل بكل مانع أو حابس يحبس المحرم عن الحرم، وأنه كالمحصر بالعدو سواء بسواء.
30 - أن المحصر مطلقاً يحل حين يحصر بعد أن يذبح هديه.
31 - وجوب الفدية على من تعمد شم الطِّيب، ولكن يقيد هذا القصد بإرادة الاستمتاع بالطيب، أما إذا كان يريد التجربة واختباره هل هو جيد أم رديء: فلا فدية عليه.
32 - أن الصابون المطيَّب بالرياحين ونحوها مما لم يُتخذ للتطيب يجوز استعماله، أما إذا كان مطيباً بما يتخذ للتطيب كالمسك ونحوه فلا يجوز استعماله.
33 - أن الزعفران وغيره من الطيب إذا وضع في طعام أو شراب فذهب ريحه وطعمه جاز للمحرم تناوله سواء طبخ أم لا.
34 - أن من مس طيب الكعبة قاصداً فعلق به فعليه الفدية.
35 - من كرر لبس زيه من الجنود والأطباء وغيرهم، ولم يكن كفَّر عن اللبس السابق، لا تكرر عليه الكفارة؛ ولا يجب عليه إلا كفارة واحدة.
36 - أن الأحوط هو ترك لبس الكمامات للرجل خاصة إذا كان يغطي أكثر الوجه.
37 - عدم جواز لبس الإزار المخيط، مع القول بعدم منع وضع الحجزة في أعلى الإزار، ووضع التكة فيها ليربط بها الإزار.(4/175)
38 - حرمة ما ظهر في العصور المتأخرة من وضع قطعة ثالثة تحت الفرج لتستر العورة وتربط الإحرام بكبسات معدنية.
39 - جواز الطواف في الدور الأول والسطح على كل حال، سواء كان زحاماً متصلاً أو غير متصل، وسواء كان مرتفعاً عن الكعبة أم لا.
40 - جواز الطواف على السير الكهربائي لو وجد حتى بغير عذر، أما إذا وجدت الحاجة الماسة واشتد الزحام فإن العذر في هذه الحالة واقع، والقول بالجواز متفق عليه.
41 - المسعى مشعر مستقل له أحكامه الخاصة، على أن هذا الاستقلال لا يمنع الطائف من المرور فيه أثناء طوافه في حال الحاجة الملحة والزحام الشديد، وعدم القدرة على إكمال الطواف إلا بالنزول فيه ثم العودة إلى المطاف مرة أخرى وذلك بقدر الحاجة، أما في حال عدم الحاجة فلا يجوز مرور الطائف فيه.
42 - جواز نقل المقام من موضعه إلى موضع مسامت لموضعه يحصل به التوسيع على الطائفين وراحة المصلين.
43 - جواز طواف الحائض إذا استحال بقاؤها وامتنع رجوعها لمكة بيسر وسهولة.
44 - توقف الدم بعد نزوله نتيجة أخذ دواء يرفعه لابد من النظر فيه من حيث علامات الطهر؛ فإن طهرت اعتبر طهراً مهما قل وقته، وإن لم تطهر فلا يعتبر طهراً ما دام في وقت إمكان نزول الحيض.
45 - من حمل النجاسة عالماً بها غير قادر على إزالتها لعذر؛ كمن يحمل قسطرة البول لمرض فيه، أو من أصابه سلس بول، أو المستحاضة ومن هذا حاله فقد جمع بين أمرين: وهما الحدث المستمر، وحمل النجاسة، وقد أجمع أهل العلم على عذرهم، وأن صلاتهم وطوافهم صحيحان.
46 - أن طواف النساء مع الرجال على حدة بغير اختلاط هو الفعل الجائز المشروع، وأما طوافهن منفردات عن الرجال بأن يخصص لهن وقت لطوافهن والرجال لهم وقت، وهذا وإن كان يزيل مفسدة الاختلاط بين الرجال والنساء؛ ولكن النصوص لم تدل عليه، ولم يكن من فعل السلف.
47 - وقوع الدعاء بصوت واحد مثل ما يقع في المطاف في هذه الأزمان؛ فهو بلا شك أمر منكر؛ لما فيه من الاجتماع على الدعاء بصوت واحد، وقد عده الشاطبي وغيره من أهل العلم مثالاً على الابتداع في هيئات العبادات وكيفياتها. ولما فيه من رفع الصوت بالدعاء، وفيه تشويش على الطائفين وإيذاء لهم.
وأما تخصيص أشواط الطواف أو السعي بأدعية خاصة، وهذه الأدعية تقرأ من كتب قد خصَّصت كل شوط بدعاء معين، فهذا كما نص غير واحد من أهل العلم على أنه بدعة محدثة.
48 - لا شك أن هذه الدولة المباركة منذ عصرها الأول لم تخرج عن مشورة أهل العلم في أي شأن من شؤون المناسك، ولعل ما حصل من خلاف حول توسعة المسعى من الخلاف السائغ ولله الحمد، وأمر ولي الأمر يرفع الخلاف. وهاهنا بعض المقترحات التي قد تزيل الخلاف ويحصل بها التوضيح للعلماء:
أولاً: تثبيت شهادة من شهد باتساع الصفا والمروة من الشهود في المحكمة الشرعية - مع اعتبار شروط الشهادة المعلومة - وإظهار هذه الشهادة لأهل العلم، وجمع الشهود بالعلماء من الموافقين والمعارضين؛ ليعلم مدى فهم الشهود لما شهدوا به، ويكون هناك زيارة ميدانية تطبيقية على أرض الواقع تجمع بين العلماء والشهود.
ثانياً: عمل مجسات من المنطقة التي تنتهي إليها التوسعة الجديدة جهة الصفا، ومن المنطقة التي تنتهي إليها التوسعة الجديدة في جهة المروة، وعمل مجسات من جبل الصفا ومن جبل المروة ومقارنة العينات، وإظهار هذه الدراسة لأهل العلم والباحثين، ولاشك أن معهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج لديه الآلية والأجهزة التي يمكن أن تقيس ذلك وتوضحه.(4/176)
ثالثاً: دراسة المشاريع السابقة وخاصة التوسعة السعودية عام 1375هـ والتي أخذ فيها شيء من جبلي الصفا والمروة للتوسعة على الناس، والتي لا شك أن مخططاتها ودراساتها وما فعل فيها على وجه التحديد موجود أو جزء منها، وإبراز تلك الدراسات وبحثها من العلماء وإخبارهم بما تم فيها، واستدعاء المهندسين والمقاولين القائمين على تلك التوسعة الأولى، والذين لا زالوا موجودين أو بعضهم، وجمعهم بأهل العلم؛ ليتحقق أهل العلم من الجزء المزال من الجبلين.
رابعاً: لاشك أن الخلاف في مثل هذه المسائل العلمية الشرعية سائغ، وللعامي أن يقلد من يرى أنه أعلم وأتقى؛ ولذا لا ينبغي إلزام الناس جميعاً باتباع أحد القولين في الخلافات المعتبرة القوية بطريقة أو بأخرى .. ولذا فإن من الحلول القائمة أن يبقى المسعى القديم على حاله - في كونه مسارين للذاهب من الصفا إلى المروة، وللقادم من المروة إلى الصفا وبينهما مسار للعربات بنفس التفصيل السابق - ويجعل في المسعى الجديد نفس التوزيع إلى ثلاثة أجزاء، ومن رأى جواز السعي في الجديد سعى فيه، ومن رأى عدم جواز السعي في المسعى الجديد سعى في القديم، ولا يُثَرِّب أحد على أحد، والظن في هذه الحكومة الرشيدة - التي ما فتئت تجمع الناس وتقرب قلوبهم - أن تأخذ بهذا الاقتراح أو ما شابهه؛ مما يجمع القلوب ويطمئنها لكمال عبادتها وأدائها على الوجه الأتم الأكمل، أقول هذا مع علمي بأن التوسعة قد قامت الآن؛ ولكن ذلك من باب النصيحة لولاة المسلمين وعامتهم، وليتضح لأهل العلم المناط الشرعي، ولكي تتحد الفتوى في ذلك، ولا يحصل ما حصل الآن من البلبلة في صفوف طلاب العلم والعلماء بين مجيز ومانع ومتوقف؛ مما ترتب عليه إفتاء البعض بعدم صحة عمرة المعتمرين أو حج الحجاج، وأمرهم بإعادة السعي مرة أخرى، والله المستعان.
49 - حدُّ المسعى العلوي: هو نهاية ممر العربات؛ فبه ينتهي ما بين الصفا والمروة؛ ولذا فالدوران على قبة الصفا وقبة المروة ليس واجباً ولا حتى مستحباً.
50 - أن مَن مر بعرفة بطائرة أو نحوها من المركبات - وهو يقصد الحج - من بعد زوال الشمس يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر؛ فقد أدرك الحج.
51 - في حال الازدحام لا يجوز الوقوف بعرنة؛ نظراً لورود النص بالنهي عن الوقوف فيها.
52 - لو وقف خارج حدود عرفة جهلاً - سواء في الجزء الخارج من عرفة من مسجد نمرة، أو غيره من الأماكن الخارجة عن عرفة - فلا حج له، وكذا من فاته الوقوف في عرفة لأي سبب من الأسباب؛ فقد فاته الحج.
53 - وقوف المغمى عليه في عرفة يختلف باختلاف حاله؛ فإن كان ممن يسهل رجوعه لأداء الحج مرة أخرى ولا يشق عليه ذلك؛ فلو قيل بقول: لا يجوز وقوفه، لكان سائغاً؛ أخذاً بالاحتياط للعبادة، وخروجاً من هذا الخلاف القوي، وإن كان ممن لا يمكن رجوعه، ويشق عليه ذلك فيمكن أن يقال في حقه بالجواز.
54 - أن من لم يستطع دخول المزدلفة حتى طلوع الشمس لتعطل حركة السير أو ازدحامه مع عدم قدرته على ترك وسيلة النقل – ومن ثم وصوله إلى مزدلفة – إما لخوفه على نفسه أو أهله أو ماله؛ فلا يجب عليه دم لوجود العذر.
55 - من مر بالمزدلفة فقط معذوراً بفعله؛ وذلك لعدم قدرته على التوقف لأنه منع منه، أو عدم قدرته على الرجوع بعد أن خرج منها، فالمعذور يكفيه المرور، ولا يجب عليه دم.
56 - من ترك المبيت بالمزدلفة أو منى للقيام على مصالح الحجاج؛ فلا يجب عليه بتركه دم.(4/177)
57 - إذا وجد في السيارة العدد الكثير من الأقوياء وعدد من الضعفة؛ فلا يخلو الحال: إما أن ينتظر الضعفة حتى ينصرفوا مع الجميع، وهذا أفضل بلا شك، فإن كان الضعفة لا يستطيعون المكث؛ فإما أن يستطيع الأقوياء – ممن معهم في السيارة ولا يحتاج لهم الضعفة – البقاء في مزدلفة وينصرف الضعفة ومن يحتاجون؛ فهذا أولى – بلا شك -، أما إن لم يستطع باقي الأقوياء المكث خشية الضياع والإرهاق؛ فهنا يجوز انصرافهم جميعاً.
58 - جواز جمع التقديم في المزدلفة.
59 - إذا خشي الحاج أن يخرج وقت العشاء قبل أن يصل إلى المزدلفة؛ فإنه في هذا الحال يكون الواجب عليه أن يؤديها قبل أن يخرج وقتها.
60 - من لم يستطع النزول من السيارة ليصلي، ولم يبق من وقت العشاء إلا ما يكفي لأداء الصلاة؛ يصلي في سيارته على حاله، ويأتي بما يمكنه من الشروط والأركان والواجبات.
61 - الزحام الذي لا يغلب على الظن التضرر منه: لا يعتبر عذراً يبيح الانصراف من المزدلفة لغير الضعفة.
62 - أن الانصراف قبل نصف الليل لا يجوز للضعفة والمرضى ولا لغيرهم.
63 - الزحام الذي يعتبر عذراً يجيز الانصراف هو ما غلب على الظن وقوع الضرر منه، ولا شك أن اعتباره عذراً بهذا الوصف يستوي فيه الرجل والمرأة، والقوي وغيره، ولذلك نص بعض أهل العلم المعاصرون على جواز انصراف الرجال الأقوياء في هذا العصر في آخر الليل.
64 - عدم جواز البناء في منى، حتى ولو كان ذلك البناء من الأكشاك التي لها تصميمات فنية وأسس قوية؛ لأنها في حكم البناء، إذ لا فرق بين ما بني من خشب أو حجارة أو لبن إذا أقيمت على وجه من شأنه الثبات والدوام؛ لأنها قد تفضي مع طول العهد إلى بقائها، والطمع في تملُّكها، أو الاختصاص بها على الأقل، أما البناء على سفوح جبال منى مما لا يتمكن الحجاج من استغلاله فجائز إذا كان البناء من بيت المال.
65 - جواز تأجير الخيام في منى ولكن بضوابط مهمة:
أ- يراعى في قيمة الإيجار أن تكون متناسبة مع قيمة هذه الخيام حتى تنتهي قيمة تكلفة تلك الخيام، ثم يكتفى في قيمة الإيجار بقيمة تكاليف الصيانة والخدمات فحسب.
ب- في المساحة: يراعى أن لا يعطى الشخص أو الحملة أو المؤسسة أكثر من حاجتها، ويلزم من زاد لديه شيء من الخيام أن يرده إلى الجهة المختصة، واسترجاع المبلغ المخصص له، فإن لم يكن ذلك ممكناً فلا مانع أن يؤجر تلك الخيمة بنفس القيمة التي استأجرها بدون زيادة وما زاد فهو حرام أخذه وأكله، ومن تعمد الزيادة في المساحة ليؤجر فقد اغتصب المكان؛ لأنه لا حق له فيه، ولأنه أخذ قدراً زائداً عن حاجته، فإن زاد في الأجرة فقد جمع الإثمين.
ج- في الموقع: لا يكون الموقع له تأثير في قيمة الإيجار؛ لأن الإيجار لتكلفة الخيام، وهي متساوية في أول منى وآخرها، ومن زاد الأجرة اعتباراً للموقع فمعنى ذلك أنه زاد من أجل الأرض التي لا يختص بها أحد دون أحد؛ فلا يحق له أن يزيد في أجرتها.
د- في التوزيع: يكون بحسب الأسبقية، ولما كان ذلك متعذراً في الوقت الحالي جُعلت القرعة حلاً للمشاحَّة؛ فيكون التوزيع بالقرعة، وقد نص أهل العلم بأنه إذا سبق إلى شيء من المباحات اثنان فأكثر أُقرع بينهما، وقيل للإمام أن يقدم أحدَهما؛ لأن له نظراً واجتهاداً.
66 - من لم يجد مكاناً يبيت فيه بمنى إلا بأجرة: فهل يلزمه دفعها أم لا؟ لا يخلو من حالين:
الحال الأول: أن تكون أجرة الخيمة بأجرة المثل، وكان قادراً على تلك الأجرة، غني عنها، فاضلة عن نفقته وقضاء دينه، ونفقة من يلزمه نفقته؛ فإن فضلت عن ذلك لزمه أن يدفعها في استئجار الخيمة.(4/178)
الحال الثاني: أن تكون أجرة الخيمة بأكثر من أجرة المثل، فإذا زادت عن أجرة المثل زيادة فاحشة فلا يجب عليه أن يستأجر حين ذاك، أما إذا كانت الزيادة على ثمن المثل في إيجار خيام منى يسيرة؛ فلا تمنع من لزوم الاستئجار، ولكن يشترط أن يكون المؤجَّر هو الخيمة لا المكان.
67 - من لم يجد في منى مكاناً إلا بأجرة أعلى من أجرة المثل بكثير وهو قادر على بذلها؛ فلا يجب عليه بذلها، ولكن هل يجوز له بذلها مع كون طلبها غير مشروع؟ الصحيح جواز بذلها، وإثم طلب الأجرة الزائدة على من طلبها لا من دفعها.
68 - أن ما كان في منى طريقاً مطروقاً للسيارات أو المارة، أو موصلاً للمشعر كالجمرات مثلاً؛ فلا يكون مبيتاً لا هو ولا رصيفه، أما ما ليس طريقاً مطروقاً بأن كان مغلقاً مثلاً، أو بعيداً عن أماكن الزحام ولا يعتبر ممراً للمشاة؛ فيجوز المبيت فيه، أما ما كان خلاف ذلك فلا يجوز للحاج أن يبيت فيه؛ فيضر بنفسه أو بالمسلمين.
69 - جواز استغلال الأماكن الفارغة التي لا تمنع من الانتفاع بالمساحات التي سبق إليها، أو أجرت خيامها.
70 - من علم أن حملته أو رفقته لن يبيتوا بمنى، بأن تكون الرفقة أو الحملة قد عينت للحجاج مكاناً في مزدلفة؛ فإن كان يستطيع أن يحجز مع حملة أخرى تناسب قدرته المادية بمنى؛ فهذا يجب عليه تغيير حملته إلى الحملة الأخرى، أما إن كانت الحملات التي تناسب قدرته المادية على حد سواء كلها تبيت في المزدلفة ليالي التشريق، أو قد يحصل لهم المبيت بمنى وقد لا يحصل لهم، أو قد فات إمكان التسجيل مع الحملات التي تبيت بمنى ولم يتبق إلا هذه؛ فيجوز له والحال هذا التسجيل فيها.
71 - أن من لم يجد مكاناً في منى؛ يبيت حيث انتهى الناس، أو بعد آخر خيمة من خيام الحجاج.
72 - أن المعتبر في المبيت: أن يحصل في منى الليل كله، أو أكثره، أو معظمه.
73 - أن سائر أهل الأعذار يلحقون بأهل السقاية والرعاة؛ وبناء على ذلك فإن من ذهب للطواف أو نحوه ففاته أكثر الليل فلا يلزمه فدية، خاصة إذا كان طوافه للإفاضة.
74 - أن الضعفة يجوز لهم الرمي بمجرد وصولهم إلى منى ولو كان ذلك قبل الفجر؛ للإذن الذي ورد في حقهم، على أن يكون انصرافهم بعد ذهاب أكثر الليل وليس نصفه، وأما الأقوياء فلا يجوز لهم الرمي قبل طلوع الشمس.
75 - أن القول بالرمي بعد الزوال هو القول الأولى بالتقديم؛ خاصة إذا علمنا أن الناس إذا علموا بالرخصة ورموا قبل الزوال، فسيجتمعون بعد طلوع الفجر؛ ليرموا وينصرفوا، فيحصل ما حصل عند الزوال سواء بسواء، وكذلك يؤيد تقديم هذا القول في الترجيح ما رأينا في حج 1427هـ وما بعده من جهد رائع بذلته الدولة – وفقها الله – ممثلة بوزارة الداخلية، من حسن تنظيم منطقة الجمرات، ومنع الافتراش فيها، وجعل مسارات مستقلة لكل اتجاه؛ مما نتج عنه – ولله الحمد – حفظ الأرواح، وإذا أضيف إليه - بعون الله - الأدوار المتتابعة والتي ستجهز في سنوات قادمة؛ سيكون الرمي آمناً والحجاج آمنين، مما يدل على أن حسن التنظيم – هو بإذن الله – السبب الرئيس بعد الله في حفظ الأرواح، وليس للفتوى بالرمي بعد الزوال أثر فيما نراه من ذهاب الأرواح، والأثر الأكبر هو في حقيقة الأمر لحسن التنظيم، والتزام الناس به، واختيار الأوقات المناسبة للرمي. وإذا نظرنا في قوة القول القائل بجواز الرمي قبل الزوال فإنه لابد من اعتباره في حال وجود الحاجة له عند اشتداد الزحام وخوف الهلكة، أو ارتباط الحاج بموعد في رحلة أو حملة أو رفقة ونحو ذلك؛ ولعل ذلك يختص بيوم النفر الأول الذي هو محل الازدحام والحاجة إلى الانصراف.(4/179)
76 - رجحان القول بجواز رمي الجمار ليلاً في جميع الأيام إلا المتعجل؛ فإنه يرميها قبل غروب الشمس يوم الثاني عشر.
77 - أن أيام التشريق كاليوم الواحد، ومن رمى عن يوم في الذي بعده لا شيء عليه، ولكن لا يجوز تأخيره يوم إلى يوم آخر إلا لعذر؛ فهو وقت له كالوقت الضروري.
78 - تفويج الحجاج أمر تنظيمي محمود؛ قد يكون مستحباً، وقد يكون واجباً بحسب القصد منه كما ذكر؛ بشرط أن يوافق ذلك التفويج وقتاً مشروعاً للرمي، فلا يجوز تفويج الحجاج لرمي اليوم التالي ابتداء من نصف الليل؛ إذ لا اعتبار لهذا الرمي، وفيه خداع وتغرير بالحجاج، وإنقاص لنسكهم بدون دليل، وبناء على ما ذكر فلا يجوز تفويج الحجاج لرمي اليوم الجديد قبل طلوع فجره.
79 - يجوز الرمي بما قد رمي به من الجمار، وإن كان الأصل والأفضل هو التقاط الجمار كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا المكان، لكن عند وجود الحاجة فلا بأس؛ خاصة في هذه الأزمان مع اشتداد الزحام وحصول الارتباط أثناء الرمي وسقوط الجمار من الرامي قبل الرمي، وعدم إمكان البحث عما سقط.
80 - يجوز الرمي من الأدوار العليا.
81 - رمي جمرة العقبة من خلفها لا يخلو من أحد حالين:
الأول: أن يرمي جمرة العقبة من خلفها وتقع الجمار في المرمى القائم من الجهات الأخرى، وهذا جائز.
الثاني: أن يرمي جمرة العقبة من خلفها بحيث تقع الجمار في الجهة الخلفية، أو يرميها من الجهات الأخرى، وتقع الجمار في الجهة الخلفية، وهذا غير جائز.
82 - إصابة الرامي للشاخص له أوجه منها: أن يرمي الشاخص قاصداً له بالرمي دون أن يقصد المرمى (الحوض): فإما أن تصيب الجمرة الشاخص ثم ترتد إلى المرمى؛ وهذا الفعل - في قول أكثر أهل العلم - يجزئه، أو أن يقصد الشاخص دون المرمى، وتقع الجمرة خارج المرمى؛ فهذا لا يجزئ رميه بالاتفاق، أو أن يقصد الشاخص دون المرمى، وتستقر الجمرة على الشاخص ولا تقع في المرمى؛ والظاهر في حكمها التفصيل: فإن وقعت على طرف الشاخص أجزأت، وإن وقعت على أعلاه لم تجزئه.
أما أن يقصد برميه المرمى (الحوض) ولكن الحجارة أصابت الشاخص: فإما أن تصيب الشاخص ثم ترتد إلى المرمى؛ فاتفاق أهل العلم على إجزاء الرمي، أو أن يقصد المرمى فتضرب الشاخص وتخرج عن المرمى؛ فلا يجزئ رميه في هذه الحال، أو أن يقصد المرمى فتضرب بالشاخص وتستقر عليه؛ ففيها التفصيل السابق.
83 - وجوب الإنابة عند العجز عن الرمي، ولا يسقط الرمي بحال.
84 - المريض أو المعذور إذا كان مرضه يرجى برؤه قبل ذهاب أيام التشريق والعذر يرجى زواله قبل انقضائها؛ فالأفضل في هذه الحال هو تأخير الرمي وليس التوكيل، أما إذا كان المرض لا يرجى برؤه والعذر لا يرجى زواله قبل انقضاء أيام التشريق؛ ففي هذا الحال التوكيل والاستنابة أفضل من التأخير.
85 - شدة الزحام عند الجمرات ليست عذراً مبيحاً للاستنابة؛ سواء في حال الرجال القادرين أو النساء القادرات؛ وذلك لأن في اختيار الوقت المناسب للرمي أثراً في خفة الزحام.
86 - من وكل على الرمي وسافر قبل رمي الوكيل لا يخلو من حالين:
الأول: أن يكون توكيله بلا عذر، بأن يكون قادراً على الرمي؛ فالتوكيل غير جائز.
الثاني: أن يكون التوكيل بعذر، بأن يكون غير قادر على الرمي؛ فالتوكيل صحيح، ولكن طواف الوداع غير صحيح؛ فعليه دم من أجله، وإن ترك شيئاً من المبيت فعليه دم من أجله أيضاً.
87 - جواز توكيل الغير بذبح الهدي وتوزيعه، وإجزاء الهدي حتى لو ذبحه وتركه بدون توزيع، ولكن من تركه وعنده من يأخذه فهذا لا بأس به، وأما إذا تركه ولا أحد عنده يأخذه فذبحه مجزئ، وتركه للحم يفسد حرام؛ لما فيه من إضاعة المال، ومخالفة أمر الله بالإطعام منها والأكل.(4/180)
88 - لا ينيب في ذبح الهدي إلا من يثق به أو يغلب على ظنه صدقه.
89 - لو وكل من يثق به على ذبح هديه وطاف للوداع وسافر قبل ذبح الوكيل للهدي فلا بأس؛ إذا كان الوكيل سيذبحه في وقته.
90 - لا يجوز ذبح الهدي في غير الحرم، وأن لا يذبحه خارجه حتى لو كان في فجاج مكة الخارجة عن الحرم؛ احتياطاً.
91 - جواز نقل لحوم هدي التمتع والقران خارج الحرم وإطعامه للمسلمين المحتاجين؛ الأشد حاجة فالأشد، أو الأقرب من المحتاجين، أما ما ذبح في الحرم من جزاء الصيد وفدية الأذى أو ارتكاب المحظور أو ترك واجب؛ فلا يجوز نقله خارج الحرم؛ للنص على أنه لفقراء الحرم، أما ما ذبح خارج الحرم من جزاء أو هدي إحصار - مما يجوز ذبحه خارج الحرم -؛ فهذا ينقل ويوزع في أي مكان.
92 - إن وجد من مكائن الحلاقة ما يزيل الشعر بحيث لا يُرى من الشعر شيء؛ فهذا يسمى حلقاً كحلاقة الموسى، وإلا فهو تقصير.
93 - إن من قصر أسفل الرأس على شكل دائرة مثلاً، فإن فعله لا يكفي في أصح قولي العلماء، وأن تقصير بعضه دون بعض لا يجزئ.
94 - من خرج من مكة بلا وداع عليه الرجوع إن كان قريباً، فإن بَعُد فلا يجب عليه الرجوع، وعليه الدم إن لم يرجع، فإن بلغ مسافة قصر لم يجب عليه الرجوع، ومن كان بعيداً ورجع ليأتي بطواف الوداع فلا دم عليه، وإن كان الأيسرُ في حقه أن يمضي فليمض، وعليه دم.
95 - كل من قال بوجوب طواف الوداع قال بوجوب أن يكون بعد نهاية النسك.
96 - من لم يستطع طواف الوداع بنفسه ولا محمولاً فقد يقال في حقه إنه معذور، فيقال بسقوطه عنه وعدم وجوب الدم، وإن فدى فهو أحوط.
97 - عدم جواز المكث بعد طواف الوداع على أن يستثنى من ذلك المكث للضرورة؛ كالبحث عن مفقود، أو انتظار الرفقة .. ونحو ذلك مما هو غير معتمد وضروري.
98 - لا ينبغي توسعة الممر لصعود جبل عرفة، ولا السعي في جعله طريقاً مسلوكاً؛ لما فيه من تقرير البدعة، وتسهيل الطريق لفاعليها.
99 - استحباب تكرار العمرة في العام الواحد مراراً، فأما إن كان تكرار العمرة في أيام التشريق: فإما أن يكون لحاج أو لغير حاج، فإن كان لحاج فهو محرم، وإن كان لغير الحاج فهو داخل في حكم العمرة المكية، والراجح عدم مشروعية أو استحباب تكرار العمرة المكية بصورة متوالية، وإن قيل بجواز التكرار لعذر كأهل الدول البعيدة الذين يحبون أن يعتمروا عن آبائهم الذين لم يعتمروا بعد، ويخص ذلك لمن يشق رجوعه للحرم مرة أخرى.
100 - أن الأصل تفضيل الحج على الصدقة؛ إلا أن تعرض حالة أعظم أهمية من الحج لا تندفع إلا ببذل نفقة الحج فيها؛ فتفضل الصدقة فيها عند ذلك؛ هذا بشكل عام، أما في هذا الزمان فالأظهر في حكم المسألة أن التصدق بنفقة الحج النافلة أولى من الحج نفسه.
101 - انتهاء وقت التعجل بغروب شمس أوسط أيام التشريق. أما من نوى التعجل فغربت عليه الشمس ولم يرمِ لشدة الزحام فلا يخلو حاله: إما أن يكون قد ارتحل؛ بأن يكون قد جمع أثاثه وحمله وسار به ليرمي؛ فهذا ممن ارتحل قبل الغروب ولكنه لم يخرج من منى لأنه عرض له ما يمنعه من الخروج، فإنه يستمر ولا شيء عليه. وأما لو غربت عليه الشمس وهو لم يرتحل بعد، وإنما هو عازم على الرحيل، وقد أخذ ببعض شغل الارتحال؛ فإنه يستمر ولا شيء عليه.
102 - حكم ما يسمى بالحج السريع – 24 ساعة – أنه قد يكون مجزياً – وهو بلا شك – ناقص نقصاً كبيراً، فإجزاؤه لأنه جاء بالأركان؛ فتبرأ به الذمة، وجبر الواجبات بالدم، ونقصُه لأنه لم يوافق هدي النبي صلى الله عليه وسلم وطريقته وسنته، وهو في حقيقته استهتار وتلاعب بشعائره وأحكامه، وخاصة لمن فعله تعمداً للبحث عن الراحة.
103 - زيارة أماكن المشاعر في غير وقت العبادة من باب التعبد - كمثل ما يفعله البعض من زيارة جبل عرفة لا للتعرف عليه؛ وإنما لنيل بركته، والصلاة عنده، والتصوير بين جنابته، وأخذ شيء من ترابه وأحجاره - لا شك أن هذه الزيارة التعبدية على هذا الوجه غير مشروعة، وهي من الإحداث في الدين.(4/181)
النيابة في العبادات
Oحمد عقلة الإبراهيم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الضياء
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1406هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نيابة في العبادة
الخلاصة
بعد استعراض مسألة النيابة في العبادات بالقدر الذي يسمح به المقام، وتناول آراء الفقهاء في فروعها المختلفة نخلص إلى ما يأتي:
1 - أن العبادات البدنية من صلاة وصيام لا تقبل النيابة في حال الحياة سواء استطاع المسلم أن يؤديها بنفسه أو عجز عن ذلك، لأن المقصود منها لا يتأتى إلا مع المباشرة بالنفس وبالنيابة يفوت هذا المعنى ويصبح وجودها كعدمها.
2 - أن العبادات المالية من زكاة وصدقات وذبح هدي أو أضحية أو إيفاء نذر بمال .. مما يقبل النيابة، لأن الغاية منها إيصال الحقوق إلى أربابها، وهذا المعنى يستوي فيه مباشرة من لزمته أو أنابه غيره عنه.
3 - أن الحج يصح بالنيابة في حالة العجز البدني على الرأي الراجح من أقوال العلماء كما تقدم.
4 - أن الصلاة والصيام والزكاة والحج مما تصح فيه النيابة عن الميت بقضاء ما لزمه حال الحياة، وأنها لا تسقط بالموت بل تؤدى من رأس مال تركته إن كان للمال فيها مدخل كالزكاة والحج، ويصلى ويصام عنه من قبل أوليائه كما هو الراجح من أقوال العلماء.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.(4/182)
النية وأثرها في الأحكام الشرعية
Oصالح بن غانم السدلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الخريجي
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نية
الخاتمة: وتتضمن تمهيدا وسبع حقائق وثلاث توصيات:
1 - الحقيقة الأولى: لا عمل إلا بنية.
2 - الحقيقة الثانية: اعتبار القصد وترتب الأحكام عليه.
3 - الحقيقة الثالثة: الإيمان قول واعتقاد وعمل.
4 - الحقيقة الرابعة: القصد يستلزم العلم بالمقصود.
5 - الحقيقة الخامسة: بطلان عمل من أراد في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له.
6 - الحقيقة السادسة: النية يقصد منها تمييز العمل وتمييز المعمول له.
7 - الحقيقة السابعة: النية داخله تحت الاختيار.
1 - التوصية الأولى: صحة النسبة والأمانة في النقل.
2 - التوصية الثانية: لزوم الأدب وقصد بيان الحق.
3 - التوصية الثالثة: معرفة منزلة العلماء والاعتراف لهم بالفضل والابتعاد عن الغرور بالنفس.
تمهيد: لا شك أن البحث الذي طرقته بحث مترامي الأطراف متعدد الأهداف داخل في كل غرض ومقصد وشامل لكل عمل قولي أو فعلي من أعمال القلوب أو الجوارح أو منهما جميعا وإذ كان الأمر كذلك. وقد بينت فيما مضى ما يتعلق بذلك من المباحث التي رأيت أن لها تعلقا بالمقصود وثيق.
فأني في هذه الخاتمة استخلص الحقائق والنتائج وأكتب التوصيات التي أرى أن تدوينها وذكرها مما يكمل الموضوع ويوضح المقصود ويجمع المتفرق من هذا البحث وبيان ذلك في سبع حقائق وثلاث توصيات.
الحقيقة الأولى: "لا عمل إلا بنية" يستدل لهذه الحقيقة بالنصوص الكثيرة من كتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم واتفاق علماء الأمة.
أ- نصوص الكتاب: من هذه النصوص قول الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5]. وقوله تعالى {فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر: 2] وقوله تعالى {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ} [الزمر: 11 - 12] فهذه الآيات صريحة في الأمر بالإخلاص وأنه شرط لصحة العمل ومدار الإخلاص على النية "والمخلص هو الذي لا يبالي لو خرج كل قدر له في قلوب الناس من أجل صلاح قلبه مع الله عز وجل ولا يحب أن يطلع الناس على مثاقيل الذر من عمله" [شرح حديث إنما الأعمال بالنيات لابن تيمية ص20] وحقيقة الإخلاص "تخليص القلب من شائبة الشوب المكدر لصفائه، وتحقيقه أن كل شيء يتصور أن يشوبه غيره فإذا صفا عن شوب وخلص عنه يسمى خالصا، ويسمى الفعل المخلص أخلاصا قال الله تعالى {مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا} [النحل: 66] وخلوص اللبن أن لا يكون فيه شوب من الرفث والدم" [أحياء علوم الدين ج4 ص367] وخلوص العمل أن يخلص من مبطل أو قادح أو منقص للثواب ومدار ذلك كله على النية وذلك يختلف في حق كل إنسان بحسب التقوى والطاعة والخشوع والخضوع والحضور أو بعكس ذلك من الفجور والمعصية والسخرية والكبر وتشتت القلب في أودية الدنيا ومتاهاتها التي تبعد بالقلب عن الإخلاص وصدق النية وصلاح العمل ولهذا جعل الله الإخلاص في مقدمة الأوامر التي كلف عباده بها قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة: 5].
ب- نصوص السنة: ورد في السنة نصوص كثيرة تدل على ما دل عليه الكتاب من أن النية شرط لصحة:
1 - العمل وأنه لا عمل شرعي قولي أو فعلي إلا بالنية قال عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).(4/183)
2 - وفي حديث سعد بن أبي وقاص حيث زاره من مرض ألم به فقال له يا رسول الله ((بلغ بي من الوجع ما ترى وأنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي أفأتصدق بثلثي مالي قال: لا، قلت: بالشطر، قال: لا، قلت: الثلث، قال: الثلث، والثلث كثير تدع ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ولن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أجرت عليها حتى ما تجعل في فيّ امرأتك)).
3 - حديث أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ((ثلاث أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال: ما نقص مال عبد من صدقة وما ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقراً وكلمة نحوها، وأحدثكم حديثا فاحفظوه، قال إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا فهذا بأفضل المنازل وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا فهو صادق النية يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان فهو نيته فأجرهما سواء. وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما فهو يخبط في ماله بغير علم لا يتقي فيه ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم لله فيه حقا فهذا بأخبث المنازل. وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان فهو نيته فوزرهما سواء)).
4 - وفي الحديث ((إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمله وهو صحيح مقيم)).
ج- وتكلم العلماء في بيان حقيقة النية وحكمها ومنزلتها من العمل وأنه لا ثواب إلا بالنية وأن ذلك شامل للأقوال والأفعال وما ركب منهما.
1 - أما حقيقة النية "فقيل هي الطلب وقيل الجد في الطلب ومنه قول ابن مسعود" من ينو الدنيا تعجزه "أي من يجد في طلبها وقيل القصد للشيء بالقلب وقيل عزيمة القلب وقيل هي من النوى بمعنى البعد فكأن الناوي للشيء يطلب بقصده وعزمه ما لم يصل إليه بجوارحه وحركاته الظاهرة لبعده عنه فجعلت النية وسيلة إلى بلوغه" والله أعلم [طرح التثريب ج2 ص7].
والنية شرعا قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل، وأما أفعال الترك فلا يتقرب بها إلا إذا قصد تركها فتكون نية الترك فعلا حيث توجه إليه قصد القاصد بالرفض والاجتناب" [الأشباه والنظائر لابن نجيم ص29، القواعد والفوائد الأصولية ص62].
2 - حكم النية "وأما حكم النية فإن العلماء مجمعون على اشتراط النية في جميع العبادات وخالف بعضهم في العبادة التي تكون وسيلة لا مقصدا كالوضوء [طرح التثريب ج2 ص11، وبداية المجتهد ج1 ص7، والإفصاح ج1 ص175]. وجميع الأعمال التي تشترط لها النية تترتب على النية صحة وفسادا أما الثواب والعقاب في الآخرة فإن العلماء قاطبة مجمعون على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية يدل على ذلك قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء} [البينة: 5] [الأشباه والنظائر لابن نجيم ص19]. "وأما الأمور العادية التي يمكن أن تكون في بعض أحوالها عبادية فلا تحصل الإثابة عليها إلا بالنية. إذا نوى بها العبادة كالأكل والشرب إذا نوى بهما التقوى على الطاعة والنوم إذا قصد به ترويح البدن للعبادة والوطء إذا أراد به التعفف عن الفاحشة. "قال عليه الصلاة والسلام" ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)). فيه تحقيق لاشتراط النية والإخلاص في الأعمال. ووجهه تكرار اللفظ في قوله صلى الله عليه وسلم ((وإنما لكل امرئ ما نوى)) فلو اقتصر على اللفظ الأول لا تقضي صحة النية فلا تعيين فدل على أنه لابد من تعيين العمل بالنية وتحديد نوعه.(4/184)
وأما الأعمال التي ظاهرها القربة وأن كان موضوع فعلها للعبادة إذا فعلها المكلف عادة لم يترتب على مجرد الفعل وأن كان الفعل صحيحاً حتى يقصد به العبادة" [طرح التثريب ج1 ص10 - 11].
وإذ تقرر وجوب النية في كل عمل فإن العلماء مختلفون هل هي شرط أو ركن والتحقيق أنها شرط لأن الشرط يوجد قبل العبادة ويستمر معها بخلاف الركن فأنه قد يكون في أول العبادة أو وسطها أو آخرها وهذا ما لا يتفق مع النية [طرح التثريب ج2 ص11، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص21، رحمه الأمة في اختلاف الأئمة ص14].
3 - وأما منزلة النية فإنها عظيمة بل إن مدار العمل صحة وفسادا وقوة وضعفا على النية بل إن النية أصل عظيم من أصول الدين بل هي أصل كل عمل [شرح حديث إنما الأعمال بالنيات لابن تيمية ص10] ولهذا جعلها النبي صلى الله عليه وسلم شرطا لصحة العمل وحصر جميع الأعمال الصحيحة أو المقبولة بالنية فقال صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
والأعمال تتنوع إلى فعل وقول وحركة وسكون وجلب ودفع وفكر وذكر وعادي وعبادي ولا يميز ذلك إلا النية [إحياء علوم الدين ج4 ص357] وأعظم ذلك الإخلاص الذي هو أصل الدين ومن أجله خلق الله الخلق وأرسل الرسل.
"الحقيقة الثانية" "اعتبار القصد وترتب الأحكام عليه" "أن من عمل عملا ولم ينوه ولم يقصده لعارض كالنوم أو النسيان ونحو ذلك فإن هذا العمل لا يترتب عليه من الآثار والأحكام ما يترتب على من قصد العمل وأراده ولهذا فإنه لا يؤاخذ الناسي والمخطئ إذ أنه لم يقصد ما فعله ولكن ليس هذا على إطلاقه فإنه يفرق بين الخطأ في الأحكام وبين الإتلاف في الأموال والتعدي على الأنفس بقتل أو جرح، فإذا كان الخطأ أو النسيان في شيء من الأحكام التي لا تتضمن إتلافاً واعتداء فإنه معفو عن خطئه ونسيانه. وإنما تبقى عليه الإعادة. إذا كان النسيان حصل بسببه إتلاف مال لأحد لزمه ضمان فإن تعلق حكم الضمان بذات المال أقوى من تعلقه بالنية" [القواعد والأحكام الأصولية للبعلي ص15، الأحكام في أصول الأحكام للآمدي ج1 ص153].
"الحقيقة الثالثة" "الإيمان قول واعتقاد وعمل": الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح فلو حصل القول والعمل وتخلف الاعتقاد لم يكن الإيمان صحيحاً لقوله عليه الصلاة والسلام ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)) ومحل النية القلب وعمل القلب الاعتقاد فإذا لم يعتقد القلب الإيمان بالله لم يكن هذا الإيمان صحيحاً ولو نطق بلسانه لقول الله تعالى {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون: 1] ذلك أنهم لم يعتقدوا بقلوبهم ما نطقت به ألسنتهم ولهذا يعد من ذهب إلى أن الإيمان قول باللسان وأن لم يحصل الاعتقاد بالقلب مبتدعا في الدين مخالفا لما دل عليه القرآن والسنة واعتقده سلف هذه الأمة [الملل والنحل ج1 ص145 - 154].(4/185)
الحقيقة الرابعة "القصد يستلزم العلم بالمقصود" المراد من هذه الحقيقة أن من قصد إلى عمل وأراد القيام به فلابد أن يسبق ذلك العلم به سواء كان ذلك من أعمال القلوب أو أعمال الجوارح قال الله جل وعلا {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ} [محمد: 19] وذلك أن النية شرط في صحة العمل ولابد أن يسبق هذه النية العلم بالمنوي، وإلا كيف يتصور أن يكون عملا موافقا لمراد الشارع إذ أن التعبد على التوقيف فلابد أن يسبق العمل العلم قال الله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 9] ميز الله بين من يعلم ومن لا يعلم بالحكم عليهم بأنهم لا يستوون ومن أبرز مظاهر التمييز بين العالم والجاهل صحة العمل الذي يوافق ما شرعه الله، وقال صلى الله عليه وسلم ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)) وقال البخاري باب العلم قبل القول والعمل، وغير ذلك من الأدلة التي تقرر صحة هذه الحقيقة وأنها أصل أصيل في قواعد الدين.
الحقيقة الخامسة: بطلان عمل من أراد بتكاليف الشريعة غير ما شرعت له". لا يجوز لأحد ممن يدين بالإسلام ويرضاه دينا أن يقصد إلى مخالفة ما أراد الشارع من شرع الأحكام وبهذا يغلق باب الحيل التي يقصد منها الاحتيال على أحكام الشرع [الموافقات في أصول الأحكام ج2 ص244] والتوصل بها لأغراض ومقاصد غير مشروعه سواء كانت هذه المقاصد تتناقض مع أصول الإيمان وقواعده أو تخالف المقصود من أحكامه وشرائعه فكل الحيل التي من هذا النوع صاحبها مذموم وقد يصل الذم به إلى أخراجه من دائرة الإسلام إذا كان احتياله على أصول الدين وأركانه الأساسية يدل لذلك نصوص من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.(4/186)
1 - نصوص القرآن: قال الله تعالى {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُم وَمَا يَشْعُرُونَ} [البقرة: 8 - 9] فذمهم الله تعالى وتوعدهم وشنع عليهم مسلكهم الذي تظاهروا به وحقيقة أنهم أظهروا كلمة الإسلام إحرازا لدمائهم وأموالهم لا لما قصد له في الشرع من الدخول تحت طاعة الله على اختيار وتصديق قلبي. وبهذا المعنى كانوا في الدرك الأسفل من النار، وقال فيهم أنهم يخادعون الله والذين آمنوا وقالوا عن أنفسهم {إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ} [البقرة: 14] لأنهم تحيلوا بملابسة الدين وأهله إلى أغراضهم الفاسدة، وقال تعالى: {وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلاَحًا} [البقرة: 228] إلى قوله {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} [البقرة: 229] أن الطلاق كان في أول الإسلام إلى غير عدد فكان الرجل يرتجع المرأة قبل أن تنقضي عدتها ثم يطلقها ثم يرتجعها كذلك قصدا فنزلت {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ} ونزل مع ذلك {وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا} [البقرة: 229] الآية فيمن كان يضار المرأة حتى تفتدي منه، وهذه كلها حيل على بلوغ غرض لم يشرع ذلك الحكم لأجله [الموافقات ج2 ص281]، "وعذب الله أمة بحيلة أحتالوها فمسخهم قرده وسماهم معتدين وجعل ذلك نكالا وموعظة للمتقين ليتعظوا بهم ويمتنعوا من مثل فعلتهم" [المغني ج2 ص63]. قال الله تعالى {واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 163] فقوله تعالى: {كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ}، أشارة إلى أن الله يبتلي المحتال على دينه وشرعه فيستدرجه من حيث لا يعلم ويزين له ما نهاه عنه أمعانا في تعزيره وابتلائه وهذا مثل قوله تعالى {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5] والمعنى لما مالوا عن الحق أمال الله قلوبهم عن الهدى [القرطبي ج7 ص305 ج18 ص82] وذلك أن الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره.
2 - النصوص من السنة: قال الرسول صلى الله عليه وسلم ((لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعها)). ((ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور)) ((ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال)).(4/187)
فهذه النصوص صريحة في تحريم الحيل ومنعها وأن فاعلها مستحق للعن لما يترتب عليها من المفاسد والمضار التي تتناقض مع ما قصده الشارع من مشروعية الحكم فآكل الربا ذمه الله لما يستحله بالتدليس والمخادعة فيظهر من عقد التبايع ما ليس له حقيقة، والواشمة والمستوشمة والمتشبهين من الرجال بالنساء والمشتبهات من النساء بالرجال لعنهم الله وذمهم لما ارتكبوه من التدليس والتلبيس وتغيير خلق الله. "وهذه الحيل تناقض سد الذرائع مناقضة ظاهره فأن الشارع يسد الطريق إلى المفاسد بكل ممكن، والمحتال يفتح الطريق إليها بحيله" [أعلام الموقعين ج3 ص171]. ومما تقدم تتقرر الحقيقة التي نحن بصددها وهي بطلان عمل من أراد في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له وهو أن يظهر عقدا حلالا يريد به محرما، مخادعة وتوسلا على فعل ما حرم الله واستباحة محظوراته أو إسقاط واجب أو دفع حق ونحو ذلك، فكل من ابتغى في تكاليف الشريعة غير ما شرعت له فقد ناقض الشريعة وكل من ناقضها فعمله باطل سواء كان ذلك يف الأمور الظاهرة كالصلاة والزكاة والصيام وسائر العقود أو الأمور الباطنة وهو ما يعود إلى النية والقصد وقد فصل القول في ذلك كله وأوضحه من أعطى جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا في قوله صلى الله عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
الحقيقة السادسة: "النية يقصد منها تمييز العمل وتمييز المعمول له" معنى هذه الحقيقة أن النية تتعلق بأمرين:
1 - تمييز العمل:
أ- تمييز العادة من العبادة: كثير من العبادات تشبه العادات وتماثلها وذلك كالغسل للتبرد والغسل لرفع الحدث، ودفع المال أجرة أو صدقة أو زكاة، والسفر إما للجهاد أو السياحة أو طلب العلم وأمثال هذه كثير ولا يميز هذه الأمور ويفصل بعضها عن بعض إلا النية" [قواعد الأحكام ج1 ص207]. ب- تمييز رتب العبادات بعضها من بعض: العبادات متفاوتة في رتبها فمنها الفرض والنفل، والفرض منه ما يكون إيجابه من قبل الشارع ومنه ما يكون من قبل المكلف فما يكون قبل الشارع كالصلاة والزكاة، وما يكون من قبل المكلف كالنذر والكفارة. والنفل منه ما هو مقيد ومنه ما هو مطلق ولا يميز هذا التفاوت إلا النية فإذا قصد المكلف عبادة فلابد أن يميزها بالنية فرضا أو نفلا مطلقا أو مقيداً أو غير ذلك ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك إلى النية فقال ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
2 - تمييز المعمول له: شرع الله من العبادات والتكاليف المالية والبدنية ما هو مركب في المال والبدن وهذه العبادات لا تكون قربه وعباده على الوجه الصحيح إلا إذا كانت خالصة موافقة لهدى النبي صلى الله عليه وسلم ولا يحقق هذا ويميزه إلا النية وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة وحمية ورياء فأي ذلك في سبيل الله:_ ((من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله))، تميز بهذا الحديث أهل الإخلاص من أهل الرياء وأصل ذلك النية فإذا نوى بعمله الله والدار الآخرة كان عمله صحيحا مثابا عليه لأنه قصد بالعبادة ما شرعت له وأن قصد بعمله الدنيا "مالا وجاها ومدحا وثناء وتعظيماً وغير ذلك" كان له ما نوى فبكذا يحصل التمييز بالنية بين عمل وعمل ومعمول له ومعمول له [انظر شرح حديث إنما الأعمال بالنيات لابن تيمية ص16، قواعد الأحكام ج1 ص207، الأشباه والنظائر للسيوطي ص8].(4/188)
الحقيقة السابعة: "النية داخلة تحت الاختيار": وإذا كانت النية بهذه المنزلة التي مر إيضاحها في المباحث والحقائق السابقة وأن لها تأثيرا كبيرا في العمل فهو مرتبط بها صحة وفسادا فهل المكلف قادر على توجيه نيته وتحديدها أم أن النية أمر قهري لا سلطان للمكلف عليها ولا يستطيع التصرف فيها؟ فالجواب [الموافقات ج2 ص76] أن يقال بأن النية عمل القلب وعمل القلب مطاق للمكلف مقدور له داخل تحت الاختيار [إغاثة اللهفان ج1 ص156 - 159] فهو مأمور بإخلاص النية وتصفيتها وتحديد المقصود بها. ومنهي عن الاشتراك في النية وعدم تصفيتها وأن ينحرف بنيته إلى غير ما أمر به وهذه أمور باستطاعة المكلف وقدرته ولو لم يكن كذلك لكان الأمر بالإخلاص والنهي عن الإشراك تكليفا بما لا يطاق والله سبحانه وتعالى لم يكلفنا بما لا نطيق ولا نستطيع أن الله سبحانه يسر على خلقه فدفع عنهم ما فيه مشقة وحرج. قال تعالى {يُرِيدُ اللهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا} [النساء: 28] وقال تعالى {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78] [تفسير القرطبي ج5 ص148 - 149، ج12 ص100] وإذا فإن الإنسان قادر على تحدد نيته وتوجيهها وإخلاصها كما أنه قادر على صرف نيته عما لم يرد منه شرعا ذلك أن الله ركب في الإنسان العقل وجعل له أرادة واختيار وأبان له طريق الخير ووضحه له ودعاه إليه. ووعده على ذلك [تفسير النسفي ص693، 696] الأجر العظيم والثواب الجزيل كما أنبا له طريق الشر وحذره منه وتوعده على ارتكابه ورتب على ذلك العقوبة في الدنيا والعذاب في الآخرة وذلك بإرسال رسله وإنزال كتبه وبيان الحجة وأضاع المحجة قال تعالى: {رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: 165] وقال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً} [الإسراء: 15] فالنية من أعمال المكلفين التي يطيقونها ويقدرون عليها وما على المكلف إلا الأخذ بالأسباب التي تؤدي إلى أخلاص النية وذلك بالتعرف على الله في التأمل في بديع صنعه وعظيم نعمه وينظر في عظيم ثواب الطائع وعظيم عقوبة العاصي وينظر في الفوائد التي تعود عليه من الطاعات في الدنيا والآخرة فعند ذلك تنبعث النفس إلى القيام بطاعة الله صادقة مخلصة، وإذا كان الغالب على العبد أمر الآخرة وامتلأ قلبه بحب الله وخوفه ورجائه سهل عليه استحضار النية لأن قلبه مائل إلى الخير باستمرار.
وإذا أخذ بالأسباب التي تصرفه عن طاعة الله فمال إليها وتعلق بها كان جزاؤه أن يحبها ويألفها فيصعب عليه أخلاص النية وترك المعصية قال تعالى {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} [الصف: 5] وقال تعالى {أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا} [فاطر: 8] فلا شك [إغاثة اللهفان ج1 ص83] إن الأخذ بأسباب المعاصي والذنوب يقسي القلوب ويضعف الإخلاص وكلما زادت المعاصي اشتدت قسوة القلب وابتعد عن طاعة الله ومما قيل في هذا المعنى:
رأيت الذنوب تميت القلوب. وقد يورث الذل إدمانها.
وترك الذنوب حياة القلوب. وخير لنفسك عصيانها
[إعلام الموقعين] ً.(4/189)
وإذا تقرر أن النية داخله تحت الاختيار وأن بإمكان العبد توجيه نيته إلى الخير أو الشر بمحض أرادته واختياره فليس في استحضارها مشقة ولا عنت كما يدعي ذلك بعض أرباب السلوك وقد نقل [إحياء علوم الدين ج4 ص362 - 364] الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين حكايات عن بعض السلف في تكلفهم النية وموقفهم عن العمل أيام حتى تحضرهم النية لذلك العمل فهذه الحكايات التي ذكرها أن صحت عمن نقلها عنهم فهي مجرد رأي خاص لا يعول عليه ولا يجعل قاعدة من قواعد الدين وهو تكلف [إغاثة اللهفان ج1 ص339، تفسير القرطبي ج15 ص231] لم يعرف مثله في استحضار النية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد أصحابه ولم يكن معروفا ولا مشهورا بين السلف ولم يقم به أئمة هذه الأمة وعلماؤها المحققون فلا ينبغي أن يعول عليه ولا يلتفت إليه.
وبعد ذكر هذه الحقائق السبع التي هي خلاصة ما مر في هذا البحث فمن المناسب ختمه بثلاث توصيات ينبغي أن يأخذ بها كل باحث وكاتب.
التوصية الأولى: صحة النسبة والأمانة في النقل: لاشك أن كل باحث وكاتب بحاجة إلى الرجوع إلى كلام من سبقه والاستفادة ممن تقدمه من العلماء على اختلاف طبقاتهم الذين تزخر المكاتب الإسلامية بمفاخرهم ومآثرهم العظيمة وفي ثنايا البحث والتفتيش والتنقيب عن المسائل سيجد الباحث أمامه في المصادر التي يرجع إليها ما يشيع نهمته ويحقق رغبته فعليه حينئذ أن يعترف بالحق لأصحابه وأن ينسب الفضل لأهله قال تعالى في صفات عباده المؤمنين {وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ} الحشر: 10] [القرطبي ج8 ص31 - 32 - 33]. وعلى الباحث أذن أن يلتزم أمورا أهمها:
1 - دقة النقل: على الباحث أن يكون دقيقا فيما ينقله من كلام العلماء السابقين فإذا أراد أن يدلل على ما يقوله ويؤيده بكلام من سبقه فليكن دقيقا متفهما للكلام الذي يريد أن يؤيد به صحة ما يذهب إليه.
2 - صحة النسبة: وكما ينبغي على الباحث أن يكون دقيقا في نقله فإنه يتعين عليه أن يكن صادقا في نسبة الأقوال والمذاهب إلى أربابها وأن لا يكون متساهلا في ذلك فإن نسبة قول إلى غير قائله كذب وظلم والله سبحانه يقول {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ} [النحل: 105] فمن تعمد الكذب على أحد العلماء ليصحح قوله ويؤيد مذهبه فله نصيبه من هذه الآية.
3 - الأمانة في النقل: النقل إما أن يكون باللفظ أو أن يكون بالمعنى. وقد وضع لذلك اصطلاحات وقواعد يسلكها الباحثون في التمييز بين ما نقله باللفظ وبين ما نقله بالمعنى فعلى الباحث أن يكون عارفا بالقواعد والاصطلاحات التي تعينه على الأمانة في النقل.
التوصية الثانية: لزوم الأدب وقصد بيان الحق: أن الباحث في أثناء البحث والتفتيش والتحقيق والموازنة وطلب الدليل سيجد أقوالا وآراء تخالف ما يذهب إليه وربما تكون في نظره مخالفة للدليل أو للقول الصحيح الذي يعلمه وهو لا ضير عليه أن يقول الحق ويبين الصواب ولكن يلزمه في أثناء الرد على القول المخالف:
1 - أن يلزم الأدب وأن يختار الأسلوب المناسب لمقام العلماء وأن يبتعد كل الابتعاد عن بذاءات اللسان وفحش القول وازدراء آراء الآخرين [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة الكناني ص41].
2 - أن يحاول بيان الحق بدليله وأن لا يخفى شيئا من أدلة المخالف بل يعرضها بأمانة ونزاهة تامة ثم يرد عليها ردا يهدف فيه إلى قول الحق وبيانه [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم ص30 و 42، وأخلاق العلماء لأبي بكر الآجري ص40 - 41 ط دار الكتاب العربي].(4/190)
التوصية الثالثة: معرفة منزلة العلماء والاعتراف لهم بالفضل والابتعاد عن الغرور بالنفس على الباحث أن لا يلوم العلماء في اختلافهم وتعدد أقوالهم وتنوع اجتهاداتهم وأن يعلم أنهم خير الأمة [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم لابن جماعة الكناني ص6 - 7 ط دار الكتب العلمية] وأفضلها قال تعالى {شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ} [آل عمران: 18]. وقال تعالى {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء} [فاطر: 28] وأن يعتقد أن العلماء العاملين المأمونين المقبولين عند الأمة لا يقصد أحد منهم مخالفة الدليل ولا يقول بخلافه ولكن هناك أسباب وأعذار جعلت علماء الأمة يختلفون في المسائل الفرعية. فقد يقول أحدهم قولا يخالف الدليل الثابت عن رسول الله أما:
1 - أن يرى أن ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منسوخا.
2 - أن يعتقد أن قول الرسول ليس متناولا ولا داخلا في ما يقوله ويذهب إليه.
3 - أن لا يبلغه ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول بخلافه. وقد صنف شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك كتابا سماه "رفع الملام عن الأئمة الأعلام" ضمنه الأسباب التي جعلت علماء هذه الأمة يختلفون في بعض المسائل الفرعية. وهو كتاب جليل نافع يكسب الناظر فيه علما بأسباب الخلاف. والحمد لله أولا وآخر وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/191)
الهجرة إلى بلاد غير المسلمين حكمها، ضوابطها وتطبيقاتها
Oعماد بن عامر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1425هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
هجرة - أحكامها
بعد هذه الرحلة العلمية المباركة – إن شاء الله تعالى – وعقب هذا التجوال والتطواف الماتع بين فصول ومباحث المذكرة، والغوص في دقائقها، وعرض أقوال أهل العلم مؤصلة بأدلتها الشرعية، أكون قد وصلت إلى نهايتها وأجلها الذي قدر لها، ولم يبق لي إلا أن أسجل أهم النتائج التي توصلت إليها في أثناء البحث مقسمة بحسب موضوعاتها، وهاكم بيانها:
في حقيقة الهجرة:
1. أن الهجرة تطلق لغة على الترك والانتقال ومجانبة الشيء، واصطلاحا يراد بها: (انتقال المسلم من بلد الفتنة والخوف على دينه إلى حيث يأمن على دينه).
2. أن الهجرة تنقسم إلى نوعين:
هجرة معنوية: وتتمثل في اجتناب المحرمات – كترك الفحش من القول -، أو جفاء الإنسان لأخيه، أو ترك العمل بشرع الله – كجفاء القرآن وهجره -، أو الفرار إلى الله ... إلخ.
وهجرة حسية: وتكون بمفارقة الأبدان تارة، وبمفارقة الأوطان تارة أخرى، ومثلنا لها بالهجرة إلى الحبشة والمدينة وهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم إلى الطائف.
3. من أهم الأحكام المستنبطة من الهجرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما يلي:
أ- مشروعية الفرار بالدين من أرض الظلم والفتنة.
ب- جواز الاستجارة بالمشرك والدخول في حماه بشرط عدم الإخلال بأحكام الدين، أو إعطاء الدنية لهم.
ج- أن المحافظة على الأديان مقدمة على المحافظة على الأبدان والأوطان ... إلخ.
د- أن منزلة الهجرة في الإسلام عالية ورفيعة ... إلى غيرها من الأحكام.
في تقسيم الدار:
أولا: أن الدار تنقسم بحسب الاعتبارات إلى ما يلي:
1 - بحسب السلطة الحاكمة، والأحكام (القوانين) السائدة فيها: تنقسم إلى دار إسلام ودار كفر.
أ- دار الإسلام: وهي نوعان:
دار الإسلام حقيقة وحكما: وهي التي تخضع لسلطة المسلمين وتجري عليها أحكام الإسلام جريانا ظاهرا، ولا وجود لها الآن، إذ لم تتحقق إلا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين الأربعة وبعض الحقبات المتقطعة في تاريخنا الإسلامي.
دار الإسلام حكما لا حقيقة: وهي التي تخضع لسلطة المسلمين وتجري عليها أغلب، أو بعض شعائر الدين، وتظهر فيها خصال كفرية أو فسقية، ما هو شأن أغلب الدول العربية اليوم، وهناك من يصطلح على تسميتها بدار الفسق أو دار الإسلام الفاسقة.
ب- دار الكفر: وهي نوعان أيضا:
دار الكفر حقيقة وحكما: وهي التي تخضع لسلطة الكفار، وتجري عليها أحكام الكفر جريانا ظاهرا، وانعدمت فيها مظاهر الدين الإسلامي تماما، وفقد فيها المسلمون صفة الأمان، كما هو شأن أغلب الدول الشيوعية سابقا، حيث بلغ انتهاك حرمات المسلمين فيها أوجه.
دار الكفر حكما لا حقيقة: وهي دار الكفر الآمنة بالنسبة للمسلمين، كأغلب الدول الأوربية اليوم وهناك من يصطلح على تسميتها بدار الأمن أو دار العهد.
2 - بحسب قيام حالة الحرب أو الهدنة أو وجود الأمن وعدمه: فالدار تنقسم إلى دار سلم ودار حرب ودار عهد ودار حياد.
ثانيا: أن دار الكفر ودار الحرب ودار الشرك ودار المخالفين تأتي بنفس المعنى عند القدامى، حيث كانوا لا يفرقون بينها.
ثالثا: أن تقسيم الفقهاء للدنيا إلى دار إسلام ودار حرب ليس توقيفيا، وإنما هو وليد الواقع الذي عايشوه (حالة الحرب القائمة).
في حكم الهجرة:
1. تحرم الهجرة إلى بلاد الكفر حقيقة وحكما إذا خشي المسلم على نفسه الفتنة في الدين أو النفس ... وتحمل جميع الأدلة التي يستفاد منها التحريم على هذه الحالة.
2. أن الأصل في التنقل والاستيطان الحل، وليس أرض بأفضل من أخرى في حق الإنسان، بل الأفضل له ما كان فيها أطوع لله ورسوله.
3. أن الهجرة تجري عليها الأحكام الفقهية الخمسة، وليس لها حكم واحد يعمم على جميع الناس، بل حكمها يختلف من شخص لآخر وبين ظرف وآخر:
فتجب الهجرة من البلد غير الآمن، أو الذي فشت فيه المنكرات، أو لتعلم علم الشرع الضروري، أو لتحقيق مصالح للمسلمين، أو إذا طلبه الإمام ... ، وتحرم الهجرة إلى بلد الفتنة أو حيث ينتشر المنكر والفساد ... ، وتكره في حق من تحتف به الظروف أو ملابسات قد تؤثر سلبا على دينه أو ذريته كالزواج من غير مسلمة ... ، وتستحب في حق من يشتغل بالدعوة لدين الله، أو خدمة الجاليات المسلمة ... ، وتباح في حق من استوت عنده المفاسد والمصالح، كالهجرة للتكسب من الحلال - فوق الحاجة – أو السياحة ... ، ويشترط في حق من يهاجر لبلاد الكفر أن يحصن نفسه بالعلم الصحيح الذي يحجزه عن الشبهات، والدين الذي يمنعه من الشهوات.(4/192)
الوساطة التجارية في المعاملات المالية
Oعبدالرحمن بن صالح الأطرم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مركز الدراسات والإعلام - دار إشبيليا
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
معاملات بنكية ومصرفية وتجارية
الخاتمة
وهي تلخيص لأبرز ما ورد في البحث، وذلك بما يلي:
1 - الأصل في المعاملات الجواز والصحة، ولا يحرم منها إلا ما ورد النص بتحريمه.
2 - الوساطة التجارية هي: عقد على عوض معلوم للوسيط، مقابل عمل يجريه بين طرفي، لا نيابة عن أحدهما.
3 - أبرز الألقاب المستعملة للوسيط: السمسار، والدلال، والمنادي، والصائح، والسفسير، والمبرطش أو المبرطس، والطواف، والنخاس، والبياع، والجلاس، والجليس، وأبرزها: لقب السمسار.
4 - أن وجه اختيار اسم (الوساطة التجارية): كونه شاملا لجميع الألقاب المذكورة، ولورود لفظ التجارة فيه، وهذا اللفظ له مزية لما ورد من تفضيل لفظ التجار على السمسار.
5 - مشروعية الوساطة مطلقا سواء قدرت بالزمن أو انتهاء العمل يسيرا كان أو كثيراً.
6 - الوساطة التجارية إذا قدرت بالزمن فهي إجارة لازمة لا يحق فسخها، ويصح حملها على الجعالة فتكون من باب العقود الجائزة.
7 - الوساطة المقدرة بالعمل عقد جائز يحق للطرفين فسخه.
8 - تفصيلات أحكام الوساطة لا تندرج تحت عقد واحد من عقود المعاملات بل تبنى على ما سبق في حالاتها وصفة العقد في كل حالة وعلى ما شابهها من الأحكام في أبواب الإجارة، والجعالة والوكالة.
وبهذا ظهر أن الوساطة التجارية عقد مستقل في الجملة.
9 - أركان الوساطة هي: الصيغة، وعاقدا الوساطة (الموسط والوسيط)، والمتوسط فيه، والعمل، والأجرة.
10 - شروط الوساطة:
- يشترط في الصيغة أن تكون مفهمة وأن يكون القبول على وفق الإيجاب وذلك في نوعي الوساطة، وأن يتصل الإيجاب بالقبول وذلك في الوساطة اللازمة.
- يشترط في عاقدي الوساطة: التراضي: وأهلية الموسط والوسيط، والأهلية تكون بالعقل والتمييز.
- يشترط في المتوسط فيه أن يكون مباحا، ومعينا، معلوما من بعض الوجوه وأن يكون العقد الذي تجري فيه الوساطة صحيحا.
- يشترط في عمل الوسيط في الوساطة اللازمة أن يكون معلوما بتحديد الزمن أو انتهاء العمل.
- يشترط في أجرة الوسيط ما اشترط في الثمن، بأن تكون مباحة معلومة مقدورا على تسليمها مملوكة للموسط.
11 - أن عقد الوساطة يصح بكل ما يدل عليه من دلالة لغوية أو عرفية استعملها الناس وأبانت عن مقصدهم سواء كان ذلك بلفظ أو إشارة أو إرسال أو معاطاة أو غير ذلك.
12 - لا تجوز وساطة الحاضر للبادي في البيع إذا قدم البادي لبيع سلعته بسعر يومها وكان جاهلا بالسعر فقصده الحاضر وكان بالناس حاجة إلى سلعته، ومثل ذلك بيع المقيم للقادم من أهل القرى والمدن الأخرى.
وإذا تمت الوساطة بهذه الشروط فعقد البيع صحيح مع إثم الوسيط بذلك. ولا يستحق أجرا على وساطته.
وأما الوساطة في الشراء فجائزة.
13 - يجوز للمسلم أن يكون وسيطا للكافر فيما كان مباحا، وكذا العكس.
14 - التصرف الذي يملكه الوسيط هو الدلالة والتقريب والإشهار للسلعة ولا يملك إمضاء العقد بمجرد عقد الوساطة إلا إذا كان وكيلا.
15 - حقوق العقد المتوسط فيه مثل استلام الثمن ومتابعة المستأجر ونحوها لا تلزم الوسيط إلا بدلالة عرف أو شرط.
16 - أن بيع المزايدة جائز، ويتولاه الوسيط غالبا، ولذا سمي عند بعضهم: بيع الدلال.
17 - يحرم النَّجْشُ، وهو زيادة من لا يريد الشراء لرفع ثمن السلعة.
18 - إذا حصل نجش، وتم البيع، فهو صحيح، وللمشتري الخيار.
19 - يجوز افتتاح المزايدة ممن لا يريد الشراء حسب العمل والعرف الجاري بما تقتضيه كلمة الافتتاح من البدء بالثمن.
20 - لا يجوز للوسيط أن يزيد لنفسه، ولا يكون شريكا لمن يزيد إلا بعلم الموسط.(4/193)
21 - لا يجوز الاتفاق من جميع الحاضرين على ترك المزايدة، ويجوز من بعضهم.
22 - لا يلزم البيع من زاد إلا بعد التفرق.
23 - للمالك أن يفضل من شاء من الراغبين في بيع المزايدة ما لم يلزم البيع، أما الوسيط فلا يمضي العقد – إذا كان وكيلا – إلا لصاحب العطاء الأكثر.
24 - لا يضمن الوسيط في الوساطة المقدرة بالزمن، إذا اختص موسطه بمنافعه أثناء المدة.
25 - يضمن الوسيط في الوساطة المقدرة بالعمل، بشرط انفراده باليد، وألا يثبت بالبينة أن التلف بأمر غالب.
26 - إذا اختلف الموسط والوسيط في أصل عقد الوساطة، فالقول قول الموسط،
27 - إذا اختلفا في التلف فلا يقبل قول الوسيط.
28 - إذا اختلفا في دعوى التفريط والتعدي عمل بقول أهل البصر، وإلا لم يقبل قول الوسيط في نفيه.
29 - إذا اختلفا في دعوى الرد، فالقول قول الموسط.
30 - إذا اختلفا في مقدار الأجرة عمل بالعرف أو التسعير إن وجد، وإلا تحالفا.
31 - إذا اختلفا في دعوى التبرع، فالقول قول الوسيط، إذا كان معروفا أنه يعمل بالأجر.
32 - لا تسقط شفعة الوسيط فيما توسط فيه.
33 - تصح كفالة السمسار وضمانه لموسطه.
34 - يجوز للوسيط أن يستنيب غيره، إذا كان العقد واردا على ذمته، وانتفى قصد عينه، وإلا فلا.
35 - يجوز اشتراك الوسطاء فيما يكسبون، وهي من باب شركة الأبدان.
36 - تقبل شهادة الوسيط ما لم يشتهر بالحلف الكاذب، أو خلف الوعد. ولا تقبل شهادته فيما يتهم فيه.
37 - يصح تقدير عمل الوسيط بالزمن المحدد، أو بانتهاء العمل المعين. ويجوز الجمع بينهما في الوساطة الجائزة.
38 - أجرة الوسيط قد تكون عينا من نقد أو غيره، وقد تكون منفعة والعين قد تكون معينة، وقد تكون في الذمة.
39 - يحصل العلم بالأجرة برؤيتها، أو وصفها بما ينضبط.
40 - تجوز الأجرة بالنسبة، كالنسبة المئوية المعمول بها اليوم.
41 - لا تجوز أجرة الوسيط بما زاد عن المسمى للمتوسط فيه، ولا بجزء مما زاد، كأن يقول: بع بكذا فما زاد فلك، أو بيني وبينك.
42 - إذا ترك الأجر بدون تسمية، استحق الوسيط أجر المثل بشرط أن يكون عمله بإذن الموسط.
43 - يجب الأجر في الوساطة اللازمة بالعقد، ويستحق بتسليم الوسيط نفسه، ويستقر كاملا بمضي المدة.
وفي الوساطة الجائزة: يجب بتمام العمل، تمام العمل يحصل بتمام العقد المتوسط فيه.
44 - إذا تم العمل عن طريق المالك أو عن طريق وسيط آخر، فإن الأول لا يستحق شيئا إلا إذا ظهر ما يدل على إرادة حرمانه.
45 - تكون أجرة الوسيط على من يحدده الشرط أو العرف، فإن لم يكن فهي على من وسطه، فإن وسطاه معا فهي بينهما.
46 - إذا باع الدلال شيئا من مال نفسه فإنه لا يستحق أجرة بمجرد كونه دلالا، إلا بشرط.
47 - لا يجوز للوسيط حبس العين التي عنده على استلام الأجرة، ولو حبسها فتلفت ضمنها، ويستحق الأجرة.
48 - إذا فسخ العقد المتوسط فيه فإن أجرة السمسار تسترد، بشرط ألا يدلس البائع، وأن يكون فسخ العقد بحكم حاكم، وأن يكون في الوساطة الجائزة.
49 - يستحق الوسيط في النكاح أجرا على وساطته، سواء كانت دلالة أو بحثا أو سعيا بين الطرفين.
50 - لا يصح فسخ الوساطة اللازمة ابتداء من أحد العاقدين، قبل تمام العمل، ويصح في الوساطة الجائزة، سواء قبل الشروع في العمل أو بعده وسواء فسخه الوسيط أم الموسط، ولا يستحق الوسيط شيئا ما دام أن العمل لم يتم.
51 - تفسخ الوساطة بسبب من الأسباب المعتبرة، كالموت، والعيب الذي يمنع الوسيط إتمام العمل، وتلف المتوسط فيه، والخوف العام، وبلوغ الوسيط إذا وقع العقد معه صغيراً. كما تفسخ الوساطة بفساد عقدها.(4/194)
52 - اهتمام العلماء والمحتسبين بالحسبة على الدلالين تأليفا وتطبيقا، والعناية بتوجيههم وإرشادهم، والأخذ على أيديهم فيما يقعون فيه.
53 - انتشار تطبيقات الوساطة في شتى أنواع التعامل، كالتوسط في بيع السيارات، والعقارات، والأسهم، والاستيراد، وبيع الخضار والفواكه. وغير ذلك.
54 - أن أساس التعامل الواقع بين الناس اليوم في مزاولة الوساطة جار على أصول الشرع في مجمله، لكن يشوب ذلك منكرات وأخطاء تختلف قلة وكثرة من نوع إلى نوع.
55 - أهمية دراسة واقع المعاملات اليوم لربطها بالأحكام الفقهية، وبيان صحيحها من فاسدها، ولا يخفى أثر ذلك، في إرشاد الناس وتوجيههم، والعناية بأمرهم من قبل أهل العلم الذين تحملوا مسؤولية كبيرة في هذا الأمر.
وفي ذلك أيضا تنبيه إلى ما يساور بعض المسلمين من شبهات بفصل أمور الدنيا عن الدين.
وهي شبهات شيطانية كادها أعداء هذه الأمة، لإبعادها عن دينها، وقطع وشائجها بشريعة رب العالمين، فكان ما كان من هذا الانحراف والضلال الذي تشهده مجتمعات المسلمين اليوم إلا من رحم الله.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا به.
وبعد:
فإني أرجو من الله التوفيق والتسديد فيما كتبت، وأسأله أن يرزقني حسن النية وإخلاص العمل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن تبعهم إلى يوم الدين.
تم بحمد الله(4/195)
الوفاة وعلاماتها بين الفقهاء والأطباء
Oعبدالله بن صالح الحديثي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المسلم - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
موت - خاتمة - أعمال شاملة أو منوعة
الخاتمة
من خلال التتبع والدراسة للمراد بالوفاة وأماراتها، والموت ومتى يجزم بنزوله عند كل من المفسرين والمحدثين، وأهل اللغة والفقهاء، والأطباء؛ اتضح أن هناك قضايا ومسائل محل اتفاق بين الجميع. فهم يتفقون على التسليم بأن الوفاة هي: مفارقة الروح للبدن. وهم يتفقون – أيضا - على أن توقف القلب عن النبض، وتوقف النفس، وتوقف الدورة الدموية توقفا تاما لا رجعة فيه يقينا كاف للحكم بأن الشخص قد مات، لكنهم مختلفون في كيفية التوصل إلى هذه الحقيقة، وهذا اليقين.
فقبل تقدم الطب وأبحاثه المتعلقة بالدماغ، ودقائق وظائفه، كان يكفي للحكم بالوفاة توقف القلب عن النبض، وتوقف التنفس. أما الآن: فإن مجرد حصول هذه الأمارات لا يكفي للحكم بالوفاة عند الأطباء.
وعلى هذا فإن ما ذكره الفقهاء من أمارات وعلامات للوفاة أكثرها ظواهر تحدث للشخص بعد حصول وفاته وهي - في العادة – لا تحصل مع شخص بقي فيه حياة؛ خصوصا ما يذكرونه من علامات عند الشك في حصول الوفاة، كتغير الرائحة.
وهذه الأمارات والعلامات أقوى دلالة على الوفاة، مما يذكره الأطباء من أمارات؛ لأن ما يذكره الفقهاء ما هو إلا ناتج عن أن الوفاة حصلت وتمت، وهي - في الغالب – أدلة وظواهر تدرك بالمشاهدة والحس، يشترك في معرفتها عموم الناس، فيجزم من يرى الشخص قد تغيرت رائحته بأنه ميت منذ فترة.
ولعل الفارق بين الفقهاء والأطباء هنا: هو ما يجب أن ينتظر من الزمن. فمعلوم أن الأطباء يوافقون الفقهاء في التمييز بين الحي والميت بعد مرور زمن على حصول الوفاة، لكن الأطباء يحتاجون إلى معرفة اللحظة التي ينتقل فيه الإنسان من الحياة إلى ما بعدها. فيريدون معرفة اللحظة التي يفارق فيه الإنسان الحياة، ومتى يمكن تحديد إعلان الوفاة – ولا يزالون مختلفين في تحديد هذه اللحظة؛ خصوصا في بعض الحالات التي تستدعي استعمال أجهزة الإنعاش – وهذه اللحظة أقل أهمية عند الفقهاء فهم يعتبرون الشخص حيا – استصحابا للأصل – مهما حصل له من العوارض، حتى يحصل يقين بزوال حياته، وأن روحه فارقت جميع أجزاء بدنه.
أما عن كيفية حصول مفارقة الروح للبدن، وعلاقة الروح بالبدن، فهذا سر من الأسرار، التي لا يعلمها إلا خالق الروح والبدن. {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً} [الإسراء: 85].
أسأل الله – عز وجل – أن يوفقني لحسن القول، وصالح العمل، فما ذكرته في ثنايا هذا البحث المقتضب، إنما أوردته على سبيل البحث والدراسة، لا على سبيل الجزم وتقرير الأحكام.
والموضوع يحتاج إلى دراسة متعمقة، ومتابعة مستمرة من المختصين وطلبة العلم؛ لبيان الحكم الشرعي لما قد تتوصل إليه الأبحاث الطبية المتواصلة في هذا الموضوع وجوانبه.
وإتماما للفائدة: ألحق بهذا البحث توصيات ندوة (الحياة الإنسانية، بدايتها ونهايتها) التي عقدت في الكويت في ربيع الآخر من عام 1405هـ.
وقد اقتصرت في عرض تلك التوصيات على ما يتعلق بنهاية الحياة. والله من وراء القصد.
وصلى الله على نبينا محمد(4/196)
اليمين المشروعة واليمين الممنوعة
Oزاهر بن محمد الشهري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار إشبيليا
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نذور وأيمان
الخاتمة
لقد تمت هذه الرسالة المختصرة، والتي يمكن تلخيص أهم نتائجها في النقاط التالية:
أولا: خطر الشرك بقسميه الأكبر والأصغر، وأنه أعظم ذنب عصي الله - عز وجل - به {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} [لقمان: 13].
ثانيا: الحلف بغير الله - عز وجل - محرم وهو من الشرك الأصغر، وقد يكون من الشرك الأكبر إذا قام بقلب الحالف تعظيم المحلوف به كتعظيم الله تعالى.
ثالثا: أن الشرك الأصغر أكبر من كبائر الذنوب كما أفتى بذلك صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رابعا: أن الألفاظ التي يحلف بها الناس منها ما هو جائز، ومنها ما هو محرم وشرك، ومنها ما يحتاج فيه إلى معرفة نية الحالف وقصده.
خامسا: خطر الحلف بملة غير ملة الإسلام كاليهودية والنصرانية وغيرها.
سادسا: كفارة من حلف بغير الله أن يقول: لا إله إلا الله وحده ثلاثا، ويتفل عن يساره ثلاثا، ويتعوذ بالله من الشيطان، ولا يعد إلى الحلف بغير الله.
سابعا: أن من حلف له بالله - عز وجل - فيجب عليه أن يرضى، ومن لم يرض فليس من الله.
ثامنا: التحذير من كثرة الحلف بالله - عز وجل - وأنه ينافي كمال التوحيد.
تاسعا: خطر اليمين الغموس والتحذير من أخذها وسيلة لأكل الأموال وترويج السلع وكسب الخصومات والقضايا.
سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.(4/197)
اليمين والآثار المترتبة عليه
Oعطية الجبوري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الندوة الحديثة
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1406هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نذور وأيمان
خاتمة في نتائج البحث
الذي يطالع هذا البحث يخرج بنتيجة هي أن اليمين لا يجوز بغير اسم الله سبحانه وتعالى أو بصفة من صفاته العلية وأن الحلف بسواه تعالى لا يجوز والشخص آثم مهما كان المحلوف فيه عظيما كالشرف والوطن وغيرهما.
وكذلك اتضح أن اليمين تقسم إلى ثلاثة أقسام هي الغموس وتدعى بالفاجرة وهذه لا كفارة فيها وفيها المأثم وعلى الحالف أن يستغفر الله سبحانه وتعالى.
والقسم الثاني هو اليمين اللاغية وهذه لا إثم فيها ولا كفارة.
والثالث هو اليمين المنعقدة ولعل هذا هو المهم في البحث وأتضح أن الحالف إذا بر بها لا شيء عليه أما إذا حنث فيها فتلزمه الكفارة.
وكذلك اتضح أن الكفارة في اليمين تختلف عن بقية الكفارات إذ الشخص مخير فيها ولا يلزمه الترتيب بل يخير بين الإطعام والإكساء أما الإعتاق فلا يوجد الآن وإذا تعذر عليه الأمر أن الأولان انتقل إلى الصوم.
وكذلك اتضح لنا أن اليمين وسيلة من وسائل الإثبات وأنها تتوجه إلى المنكر وإذا نكل حكم عليه بالحق وأنه يجوز أن يقضي القاضي بشاهد ويمين وأن بعض الأمور المعتبر فيها قول المدعي مع يمينه وفي بعضها القول للمدعي عليه مع يمينه.
أما القسامة فإنها أمر كان معروفا زمن الجاهلية ثم جاء الإسلام فأقرها.
والحمد لله رب العالمين.(4/198)
انتفاع الأموات من سعي الأحياء
Oعامر عبدالله فالح
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن عفان - الخبر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
وصول الثواب للميت
الخاتمة: بعد أن تناولنا العبادات المالية والبدنية والتي ينتفع الميت بأدائها الأحياء له، هاهنا تنبيه هام يتعلق بهذا المبحث العام وهو أن تقرير هذا المذهب ملزم بالنسبة لأداء الكفارات والنذور والوصايا عن الأموات لهذه العبادات المالية والبدنية، وأما الإهداء فأقل ما فيه أنه جائز ولكنه ليس بمندوب كما قال ذلك الشيخ محمد بن صالح العثيمين في "المجموع الثمين" في إهداء قراءة القرآن للميت: لذلك ما نجده من عامة الناس من التفريط في أداء العبادات عن الأموات كالذبح والصلاة والصيام وغيرها من العبادات والتقليل من أهمية الدعاء للأموات فهذا خلاف هدي السلف رضوان الله عليهم، فهم لم يكثروا من أداء هذه العبادات عن الأموات بل كان أكثر ما يؤدونه عن أمواتهم هو الدعاء لهم والاستغفار كما قال ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" فلا ينبغي للناس أن يعدلوا عن طريق السلف فهو أكمل وأفضل، هذا بالنسبة لإهداء هذه الطاعات للأموات أما الكفارات والنذور والوصايا والدين من العبادات فقد تقدم بيان مشروعيته وأنه تقرير لمذهب أهل السنة والجماعة. والحمد لله رب العالمين.(4/199)
بدع القبور أنواعها وأحكامها
Oصالح بن مقبل العصيمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1426هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قبور - بدعها وما فيها من مخالفات
الحمد لله أولا وآخرا ظاهرا وباطنا سرا وجهارا ليلا ونهارا، والصلاة والسلام على الرحمة المسداة والقدوة المهداة وعلى آله وصحبه وبعد:
فقد يسر الله لي بحوله وطوله وجوده ولطفه ورحمته وكرمه وتفضله وإحسانه إتمام هذه الرسالة التي ما كانت لتتم لولا عطاؤه العظيم، وقد ظهر لي من خلالها بعض النتائج التي من أهمها:
1. خطورة البدعة على المسلم، وبأنها باب كل شر ومولج يخشى على صاحبه الخطر، وبأن البدعة يتفاوت حجمها، فكلما كبرت تعاظم شرها، وهي إما بدعة صغيرة أو بدع كبيرة، وبعضها قد أخرج صاحبها من الملة، وقذف به خارج حدود الديانة، وضمه إلى إبليس وحزبه، وبعضها أبقى صاحبها في دائرة الإسلام، وهو على خطر الانضمام إلى رجس الشيطان، كما ظهر لي الاختلاف في الحكم بين المبتدعة وبين متأول وعالم وجاهل، وكل يحكم عليه من خلال وصفه.
2. توصلت الرسالة إلى وجوب التفريق بين العمل والعامل، فقد يكون العمل شركيا وكفريا، لكن لا يحكم على صاحبه بالكفر والردة لوجود موانع ذلك كعدم قيام الحجة، فعلى طالب العلم ألا يتسرع في الحكم على ممارسي البدع، وإنما يحكم على أفعالهم، وإما على أشخاصهم فكل يحكم عليه بحسبه وبعينه.
3. ظهر من خلال هذه الرسالة أن بدع القبور من أخطر البدع التي ظهرت في التاريخ الإسلامي، بل وأثبتت الرسالة أن القبور ومظاهر تعظيمها في العالم الإسلامي ما هو إلا امتداد لجاهلية قديمة، وقد أوردت الرسالة نماذج هذا: كمسألة العكوف عند القبور والذبح لها ودعائها. وأثبتت بأنه امتداد لجاهلية ما قبل الإسلام.
4. توصلت الرسالة إلى الكيفية الشرعية للقبور التي جاء بها الإسلام، وظهر من خلالها بأن من تمسكوا بمنهجية الشريعة بصفات القبور في الإسلام قلة قليلة، وهكذا الإسلام لا يتمسك به إلا الصفوة.
5. توصلت الرسالة إلى أسباب افتتان الناس بالقبور، وظهر لها أسباب كثيرة، لعل من أخطرها دور وسائل الإعلام من صحافة وتلفاز في الترويج للبضاعة المزجاة، وهي عبادة القبور. وقد ورد في الرسالة نماذج من ذلك.
6. توصلت الرسالة إلى أهم البدع المنتشرة والمتفشية بالعالم الإسلامي وحذرت منها.
7. لعل أبرز ما في الرسالة أنها حاولت قدر المستطاع التعرض لشبه القبورية، وقامت بتفنيدها تفنيدا مدعوما بكلام أئمة السلف وعلى رأسهم شيخ الإسلام-قدس الله روحه-.
8. أثبتت الرسالة الجهود العظيمة التي بذلها شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله وقدس روحه-وجمعنا وإياه مع قدوتنا صلى الله عليه وسلم حيث ثبت كالجبل في وجوه أهل البدع، فلم تستطع أمواجهم وحيلهم وكيدهم ومكرهم أن تزعزعه أو أن تغيره عن موقفه، فوقف أمام جموعهم وأصناف بدعهم ينافح عن الوحيين ويذب عن سنة أبي القاسم صلى الله عليه وسلم، فعلى الأمة أن تنهل من معينه الصافي وعلمه المؤصل وعمله الدؤوب، ووسطيته. كما ظهر بالرسالة عظم ما قام به الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله- والذي مازال خيره يعم وهداياه على الأمة تتجدد، ومنها كتبه العظيمة: كالتوحيد، وكشف الشبهات، كما ظهر من الرسالة الجهود المشكورة للعلماء والدعاة في شتى الصقاع والبقاع الذين بينوا خطورة البدع وعظيم شرها، كالإمام الصنعاني، والشوكاني وابن باز، وابن عثيمين، والكثير ممن لا أحصيهم، فجزاهم عن الإسلام خير الجزاء، وأجزل لهم من عظيم العطاء. وفي الختام هذا جهد مقل وعمل مقصر وجهد دخيل على العلم وأهله، يرجو نفعه ويؤمل حصول خيره ويعترف بضعفه وتقصيره، والله أعلم وأحكم. فما كان من صواب فمن الله، وما كان من خطأ وتقصير فمن نفسي والشيطان، فأستغفر الله وأستعيذ به من شر الشيطان ووساوسه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. تمت هذه الرسالة في شهر شوال لعام 1423هـ.(4/200)
بدل الخلو (بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة)
Oمحمد بن سليمان الأشقر
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - خلو الرجل
الخاتمة:
1 - للمالك أن يأخذ بدل الخلو إن أنشأ الخلو "أي بيع جزء من منفعة العقار" صريحاً، وذلك فيما جرى العرف بإنشاء الخلو فيه، وقد جرى العرف بإنشاء الخلو في الحوانيت دون المساكن.
وينبغي في إنشاء الخلوات مراعاة شروط خاصة يرجع إليها في البحث.
2 - إذا اشترى المستأجر الخلو من المالك صريحاً ملكه، ويكون له حق القرار في العقار. ويدفع أجرة الجزء الآخر من المنفعة. ويجب تعديل تلك الأجرة بعد انتهاء مدة التعاقد الأصلية، لتلحق بأجرة المثل باستمرار، وللمستأجر بيع خلوه للمالك أو غيره، ويورث عنه.
3 - إذا أخذ مالك الحانوت من المستأجر مالاً سوى الأجرة لتمكينه من الحانوت دون تصريح بإنشاء حق الخلو، فهذا النوع مشتبه، والظاهر أن يكون خلواً يثبت به حق القرار. وللمستأجر حينئذ بيع الخلو، وأخذ بدله، ويورث عنه، ما لم يمنع من ذلك عرف أو قانون.
4 - في غير الصورتين المتقدمتين يجوز للمستأجر أخذ بدل خلو من المالك أو غيره إن كان ذلك أثناء المدة التعاقدية الأصلية. وأما بعد انتهائها فليس له أخذه، والحق للمالك في تجديد الإجارة أو استرجاع عقاره. فإن وجد قانون يمنعه من ذلك فالظاهر أن القانون لا يكون مشروعاً إلا في حالات الضرورة. وليس للمستأجر استغلال ذلك الوضع للحصول على بدل الخلو.
5 - الجدك "أو الأعيان الثابتة التي يضعها المستأجر متصلة بالعقار" لا تعطيه حق القرار في الوقف أو غيره، وبالتالي لا يحق له أخذ بدل الخلو بسبب جدكه، وله أن يبيعها للمالك أو المستأجر اللاحق بثمن المثل لا أكثر، لئلا يكون حيلة على أكل مال المالك بالباطل.
والله أعلم.(4/201)
بطاقة التخفيض حقيقتها التجارية وأحكامها الشرعية
Oبكر بن عبدالله أبو زيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مؤسسة الرسالة - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
بطاقات بنكية - تجارية
والخلاصة:
أن "بطاقة التخفيض" المذكورة لا يجوز إصدارها، ولا حملها، ولا التعامل بها، وعلى كل مسلم ناصح لدينه، مشفق على نفسه والمسلمين أن يتقي الله – سبحانه – وأن يترك التعامل بها: إصداراً، أو اشتراكاً، وفي الحلال غنية عن الحرام، وقليل حلال خير من كثير حرام. ويجب على من بسط الله يده منعها من السوق حماية للمسلمين من التلاعب بعقولهم وأكل أموالهم بالباطل، وحماية لمكاسبهم مما حرمه الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم- والله أعلم.(4/202)
بعض الأحكام المتعلقة بالحياة الزوجية
Oعبدالعزيز بن محمد داود
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مجلة أضواء الشريعة
الطبعة:
العدد 12
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حقوق الزوجين
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ..
وبعد:
فهذه خاتمة نذكر فيها إن شاء الله تعالى موجزا لما تم بحثه في المواضيع السالفة الذكر نسأل الله تعالى أن يختم لنا بخير ويرزقنا حسن الخاتمة إنه على كل شيء قدير.
فنقول وبالله التوفيق .. اشتمل هذا البحث على ما يأتي:
أولا: أحكام النشوز- وتناولنا فيه هناك ما إذا كان النشوز من جانب المرأة وأنه يعالج أولا بالوعظ وذلك أن الزوج يخوفها بالله وبذكر ما أعد الله للزوجة المطيعة للزوج وما أعد للزوجة العاصية من أليم عقابه فإن صحت الأحوال واستقامت فالحمد لله وإن لم تستقم الأمور وأصرت المرأة على عصيانها وعدم القيام بحقوق زوجها انتقل إلى الهجر في المضجع فالهجر في المضجع له مغزاه وله أن يهجرها في الكلام ثلاثة أيام فإن استقامت الأمور فذلك. وإن لم ينجح هذا العلاج ارتقى بعده إلى الضرب غير الشديد وذكرنا أن يتجنب الوجه والمقاتل لأن المقصود منه التأديب والتوجيه لا الإيذاء والتشويه. وبهذا التدرج عرفنا كيف تدرج الإسلام في معالجة حال المرأة من الأسهل إلى الأصعب ولا شك أنه علاج ناجع إذا أراد الله التوفيق والسداد، قال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً}.
وأما إذا كان الشقاق والنزاع من الزوج والزوجة وتبادل العصيان وعدم الانقياد وادعى كل واحد تقصير الآخر. فإن علاج القضية يتجاوز بيت الزوجية وينتقل إلى الحاكم، وذكرنا هنا أن الحاكم يبعث الحكمين واحداً من أقارب الزوج والآخر من أقارب الزوجة.
قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا}.
إما إذا كان النشوز من جانب الزوج وادعت المرأة تقصيره ذكرنا هناك أن الحاكم يلزمه بالقيام بحقوق الزوجة.
كما ذكرنا هناك أن للمرأة أن تسقط بعض حقوقها نظير بقائها في ذمة الزوج متى رأت مصلحتها في ذلك.
قال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ}.
وذكرنا قصة سودة أم المؤمنين بالتفصيل وأنها وهبت يومها لعائشة رضي الله عن الجميع.
ثانياً: الخلع – وبينا أنه من الأمور التي تعالج به حال المرأة الناشز وذكرنا هناك تعريفه وأدلة مشروعيته من الكتاب والسنة. وأن للمرأة أن تبذل ما أعطاها الزوج نظير فراقها وأنه يجوز لها أن تبذل أكثر مما أعطاها حلا للنزاع وقطعاً لدابر الخصومات.
وذكرنا الخلاف في هذه المسألة والراجح. وبينا شروط الخلع وألفاظه أن المرأة تملك أمر نفسها بعد الخلع، بمعنى أنه لا يعود إليها الزوج مرة ثانية إلا برضاها وعقد جديد، إذا كان الخلع على طلاق دون الثلاث وكما بينا الخلاف في الخلع هل يعتبر طلاقا أو فسخا.
وذكرنا الراجح وسبب الترجيح والنتيجة المترتبة على ذلك.
وذكرنا أن الخلع يعتبر بينونة صغرى إذا كان على طلاق دون ثلاث.
ثالثاً: الطلاق – وذكرنا تعريفه وأدلته من الكتاب والسنة، والحكمة من مشروعية وبينا سبب ذلك. ثم ذكرنا أن الطلاق تدور فيه الأحكام الخمسة، وتناولنا فيه كل واحد بالتفصيل مع ذكر الأدلة حسب الإمكان.
وذكرنا الخلاف في وقوع طلاق السكران، وذكرنا أن الراجح عدم وقوعه، وذكرنا مستند ذلك، كما تناولنا الحديث عن طلاق الغضبان والتفصيل فيه.
هذا وقد بسطنا القول في حكم طلاق المكره وذكرنا الخلاف فيما فيه من خلاف والراجح من الأقوال بدليله ثم تحدثنا عن طلاق السنة وطلاق البدعة وحكم وقوع الطلاق الثلاث بلفظ واحد والخلاف فيه مع ذكر الأدلة. كما تناولنا بالحديث ألفاظ طلاق الكناية والصريح والفرق بينهما وكذلك اليمين في الطلاق وفصلنا القول في ذلك وبينا حكم حل اليمين قبل وقوعه وأن ذلك ممكن على الراجح وبسطنا الأدلة في ذلك حسب الإمكان.
رابعاً: الرجعة – وذكرنا تعريفها ودليلها من الكتاب ومن السنة، وأنها من محاسن الشريعة وأنواع المطلقات وشروط الرجعة كل ذلك بالتفصيل والدليل أو التعليل.
وتحدثنا عن حكم الإشهاد على الرجعة والخلاف فيه وبينته وأن الراجح عدم وجوب الإشهاد وأنه يستحب وذكرنا ذلك.
كما ذكرنا لمحة موجزة عن أنواع المعتدات لأن المقام يقتضيه إذ أن الزوجة الرجعية موضوع الحديث لابد وأن تكون في العدة.
هذا عرض مجمل لأهم المواضيع التي تم مناقشتها في هذا البحث. مع أن هناك بعض المسائل التي لم نتعرض لذكرها في هذه الخاتمة وهي موجودة في البحث،
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.(4/203)
بهجة الأسماع في أحكام السماع في الفقه الإسلامي
Oعلي بن ذريان بن فارس الحسن الجفري العنزي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة المنار - الكويت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
غناء ومعازف ونشيد
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:
من خلال بحثي لأحكام السماع في الفقه الإسلامي فإني – والحمد لله – توصلت إلى النتائج التالية التي استخلصتها من مادة هذا البحث وهي كالتالي:
1 - الاستماع للقرآن الكريم عبادة مستقلة يستحق بها المسلم الأجر والصواب.
2 - قراءة القرآن الكريم أفضل من الاستماع له في الأصل أما بالنسبة لحال القارئ أو المستمع فإن الاستماع أفضل من القراءة إذا كان حال المستمع باستماعه أفضل من حاله بقراءته.
3 - وجوب الاستماع والإنصات لقراءة الإمام في الصلاة على المأموم.
4 - سقوط قراءة الفاتحة عن المأموم بقراءة الإمام لها في الصلاة الجهرية ووجوب سماع المأموم لها وكراهة قراءته لها على الراجح.
5 - استحباب قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة السرية لعدم تحقق السماع في هذه الحالة على الراجح.
6 - استحباب قراءة الفاتحة للمأموم عند تعذر سماعها من الإمام لبعد أو غيره من الموانع على الراجح.
7 - جواز الفتح على الإمام من المأموم عند سماع الخطأ في قراءته على الراجح.
8 - عدم جواز فتح المأموم على غير إمامه عند سماع الخطأ في القراءة وبطلان الصلاة إن تكرر ذلك من المأموم على الراجح.
9 - عدم جواز فتح المأموم على من ليس في صلاة عند سماع الخطأ في قراءته وبطلان الصلاة بذلك على الراجح.
10 - جواز فتح من ليس في صلاة على المصلي عند سماع الخطأ في قراءته.
11 - الاستماع للقرآن الكريم خارج الصلاة حكمه الاستحباب على الراجح.
12 - استحباب سجود التلاوة للمستمع على الراجح.
13 - عدم سنية سجود التلاوة لسامع دون المستمع على الراجح.
14 - إذا سمع المأموم سجدة التلاوة من إمامه لبعد أو طرش وسجد الإمام وجب عليه متابعة الإمام في السجود.
15 - إذا سمع المأموم سجدة التلاوة من إمامه ولم يسجد الإمام لا يجوز سجود المأموم دون إمامه.
16 - إذا لم يسمع المأموم سجدة التلاوة من إمامه لبعد أو طرش وسجد الإمام وجب عليه متابعة الإمام في السجود.
17 - إذا سمع المأموم سجدة التلاوة من الإمام قبل الدخول معه في الصلاة ففيها حالتان:
الأولى: إذا كان الإمام لم يسجدها بعد فإن المأموم يجب عليه السجود مع الإمام.
الثانية: إذا كان الإمام سجدها قبل أن يدخل المأموم معه في الصلاة فلا يجوز له.
18 - جواز قراءة الإمام لآية السجود في الصلاة السرية على الراجح.
19 - إذا سجد الإمام في الصلاة السرية سجود التلاوة وجب على المأموم متابعته وإن لم يسمع على الراجح.
20 - إذا سمع المأموم سجدة التلاوة من غير إمامه فلا يجوز له السجود لها اتفاقا ولا يسجد لها بعد الصلاة على الراجح.
21 - إذا سمع المأموم سجود التلاوة من نفسه فلا يجوز له السجود لقراءة نفسه وتبطل صلاته بذلك.
22 - إذا سمع الإمام سجود التلاوة من المأموم فلا يجوز له السجود في الصلاة اتفاقا ولا بعد الفراغ منها على الراجح
23 - يشترط لصحة سجدة التلاوة من السامع والمستمع ما يشترط لصحة الصلاة.
24 - يشترط لصحة سجدة التلاوة من المستمع أن يكون التالي ممن تصلح إمامته للمستمع على الراجح.
25 - لا يسجد السامع بسماع سجدة التلاوة من غير الآدمي كالطيور المعلمة مثل الببغاء وكسماعها من الصدى.
26 - يتكرر سجود التلاوة على المستمع بتكرر سماعه لعدة آيات فيها سجدات مختلفة.
27 - إذا تكرر سماع سجدة التلاوة في المجلس الواحد واتحد المجلس فإن المستمع تكفيه سجدة واحدة على الراجح.(4/204)
28 - إذا تكرر سماع سجدة التلاوة عند اختلاف المجلس حكما تكرر السجود لها.
29 - إذا تكرر سماع سجدة التلاوة عند اختلاف المجلس حقيقة تكرر السجود لها اتفاقا.
30 - استحباب ترديد السامع للأذان وعدم وجوبه على الراجح.
31 - قطع القراءة عند سماع الأذان لإجابته وكراهة الانشغال عنه بسواه.
32 - استحباب متابعة السامع للأذان وأن يقول كما يقول المؤذن إلا في الحيعلة فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله والتثويب فيقول: صدقت وبررت ـ على الراجح.
33 - تقديم سماع الأذان ومتابعة المؤذن على تحية المسجد عند دخول المسجد إلا الجمعة.
34 - حرمة الخروج من المسجد بعد سماع الأذان إلا لعذر على الراجح.
35 - استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد سماع الأذان.
36 - استحباب الدعاء بالدعاء المأثور بعد سماع الأذان وهو: (اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته).
37 - استحباب الدعاء بعد سماع الأذان.
38 - استحباب إجابة السامع للمقيم ومتابعته في الإقامة في قوله: (قد قامت الصلاة) فيقول: أقامها الله وأدامها.
39 - قيام المأموم للصلاة عند سماع الإقامة غير محدد بحد ومتروك لطاقة الناس ومقدرتهم على الراجح.
40 - استحباب المشي بسكينة ووقار عند سماع الإقامة ولا يسرع في المشي إلى الصلاة.
41 - إذا سمع الإقامة بعد شروعه في النافلة فهذه حالتان:
الأولى: إذا لم يخش فوات الجماعة أتمها ولم يقطعها على الراجح.
الثانية: إذا خشي فوات الجماعة قطعها ولحق بالجماعة على الراجح.
42 - وجوب الاستماع والإنصات لخطبة الجمعة وحرمة الكلام فيها إلا للإمام أو لمن كلمه الإمام على الراجح مع عدم بطلان الجمعة بخرق الاستماع فيها.
43 - استحباب تسكيت المتكلم في أثناء الخطبة بالإشارة لمن سمعه أثناء الخطبة.
44 - عدم جواز رد السلام وتشميت العاطس لمن سمعها في الخطبة على الراجح.
45 - عدم جواز الكلام في أثناء الخطبة عند تعذر السماع لها لبعد أو غيره إلا أن للعبد أن يشتغل بالذكر سرا لا جهرا على الراجح.
46 - جواز قطع الاستماع والإنصات للخطبة إذا كانت هناك ضرورة داعية لذلك كتحذير ضرير أو إرشاد مسلم.
47 - استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع ذكره في الخطبة في نفسه دون الجهر بذلك إدراكا للفضيلتين.
48 - استحباب الاستماع لخطبة العيدين وعدم وجوبه.
49 - استحباب الاستماع لخطبة الكسوف – عند من قال باستحباب خطبة الكسوف (الشافعية).
50 - استحباب الاستماع لخطبة الاستسقاء وعدم وجوبه عند من قال باستحباب الخطبة في الاستسقاء (الجمهور ما عدا أبا حنيفة) ز
51 - استحباب الاستماع لخطب الحج وعدم وجوبه وهي:
- خطبة سابع ذي الحجة.
- خطبة عرفة (تاسع ذي الحجة).
- خطبة يوم النحر (عاشر ذي الحجة)
- خطبة حادي عشر من ذي الحجة.
- خطبة ثاني أيام التشريق.
52 - وجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عند سماع ذكره على الراجح.
53 - الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء وعند سماع ذكره يترتب عليها فضائل كثيرة منها:
1 - صلاة الله عشرا على من صلى عليه صلى الله عليه وسلم.
2 - رفع الدرجات وحط الخطيئات لمن صلى عليه صلى الله عليه وسلم.
3 - شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لمن صلى عليه صلى الله عليه وسلم.
4 - ذهاب الهموم ومغفرة الذنوب لمن صلى عليه صلى الله عليه وسلم.
54 - جواز الاستماع لصوت المرأة وأن صوت المرأة ليس بعورة مع مراعاة الضوابط التالية:
1 - عدم رفع صوتها بحضرة الرجال الأجانب لغير حاجة.
2 - عدم تليين صوتها والخضوع بالقول والتمايل في الحديث.
3 - عدم تنعيم صوتها وتلحينه بحضرة الأجانب.(4/205)
55 - عدم جواز الأذان من المرأة وعدم جواز سماع الرجال لأذانها خشية الافتنان بها.
56 - كراهة رفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بمقدار ما تسمع نفسها أو رفيقها.
57 - الاستماع لحديث الآخرين بغير رضاهم من التجسس المحرم.
58 - جواز قتل الجاسوس الحربي والجاسوس الذمي والمستأمن إذا رأى الإمام ذلك. وأما الجاسوس المسلم فإن كان تجسسه لحساب الكافرين فإن عقوبته التعزير ويترك تقديرها للإمام أو نائبه فيما يراه مصلحة للمسلمين فيجوز للإمام قتله سياسة وإن كان تجسسه على المسلمين في ديارهم وليس لأجل الكافرين فعقوبته التعزيز إما بحبسه أو ضربه أو تغريمه أو غيره مما يردعه عن مثل هذا الأمر ز
59 - جواز التجسس والتصنت على الكفار في الحرب لمعرفة عددهم وعتادهم وخططهم ومكائدهم.
60 - عدم جواز تجسس ولي الأمر على الرعية إلا إذا كان في ترك التجسس انتهاك حرمة يفوت استدراكها فيجوز له في هذه الحال التعسس والتنصت للمصلحة ويسمى في هذه الحالة تعسسا لا تجسسا.
61 - عدم جواز تجسس المحتسب إلا إذا كان ظهرت المحظورات أو كان في ترك التجسس انتهاك حرمة يفوت استدراكها.
62 - حرمة سماع الغيبة والجلوس غليها ويجب على المستمع الرد عن عرض أخيه مع إعراضه عن سماع الغيبة فإن لم يستطع خرج من مجلس الغيبة ولم يجلس فيه.
63 - يجوز سماع الغيبة في حالات وهي:
1 - التظلم
2 - الاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب
3 - الاستفتاء
4 - استحباب تحذير المسلمين وفيه وجوه:
- جرح المجروحين من الرواة للحديث والشهود.
- الإخبار عن الغائبين عند المشاورة في الزواج وغيره.
- النصح عند شراء سلعة فاسدة لا يعلمها المشتري
- التردد على المبتدع والفاسق للتحذير من بدعته وفسقه
- أن تكون له ولاية ولا يقوم بها على وجهها
5 - المجاهر بفسقه وبدعته
6 - التعريف كأن يكون معروفا بلقب كالأعمش والأعرج وغيره
64 - وجوب رد السلام على من سمعه وإن كان المستحقون جماعة كان الرد واجبا كفائيا يسقطه الرد أحدهم.
65 - رد السلام من الصبي غير واجب عليه إذا سمعه.
66 - إذا سلم على جماعة منهم صبي فرد الصبي السلام فلا يسقط فرض السلام عنهم على الراجح.
67 - إذا سلم الصبي وجب رد السلام على من سمعه على الراجح.
68 - وجوب رد السلام من المرأة على مثلها إذا سمعته.
69 - جواز رد السلام على المرأة إذا سمع سلامها إن كانت عجوزا لا يخشى الافتتان بها وكراهة ردها إذا سمعته.
70 - كراهة رد السلام على المرأة إذا سمع سلامها إذا كانت شابة يخشى الافتتان بها وكراهة ردها إذا سمعته.
71 - كراهة رد السلام على الفساق وأصحاب الكبائر والمجاهر بقصد زجرهم وتأديبهم.
72 - وجوب رد السلام على أهل الذمة ويقتصر في الرد عليهم بقول (وعليكم) أو (وعليك) – على الراجح.
73 - رد السلام لمن سمعه أقله أن يقول (وعليك السلام) أو (وعليكم السلام) والحد الواجب أن يرد عليه مثل تحيته والمستحب أن يزيد عليها (ورحمة الله وبركاته).
74 - كراهة رد السلام بالإشارة أو تحريك الرأس لمن سمعه مع قدرة السامع على الكلام.
75 - رد السلام على الأخرس يكون باللفظ وعلى الأصم يكون باللفظ والإشارة لإفهامه.
76 - يسقط رد السلام على من سمعه في الأحوال التالية:
أ- عند قضاء الحاجة.
ب- إذا كان نائما أو ناعسا
ج- إذا كان مشغولا بأكل واللقمة في فمه
د- إذا كان في صلاة أو أذان أو حال الخطبة.
هـ إذا كان مشغولا بقراءة القرآن والدعاء والذكر والتلبية.
وإذا كان مشغولا بالجماع.
77 - تشميت العاطس عند سماع عطاسه فرض على الكفاية على الراجح.
78 - إذا لم يسمع المشمت قول العاطس (الحمد لله) ففيها صور:(4/206)
الأولى: إذا لم يحمد العاطس بعد عطاسه فلا يشمت ولا يستحق التشميت.
الثانية: إذا حمد العاطس ولم يسمعه المشمت وإنما سمع من شمت عطاسه فإنه يشرع له التشميت ولا يجب على الراجح.
الثالثة: إذا لم يسمع المشمت حمد العاطس ولم يسمع من يشمته استحب له أن يذكره الحمد على الراجح.
الرابعة: إذا لم يحمد العاطس بعد عطاسه ولكن أتى بلفظ آخر غير الحمد فإنه لا يشمت ويذكر بما يقول.
79 - كراهية تشميت الرجل للمرأة الشابة التي يخشى الافتتان بها عند سماع عطاسها وكراهية تشميت المرأة الشابة للرجل إذا سمعت عطاسه وكراهية ردها على من شمتها.
80 - جواز تشميت الرجل للمرأة العجوز التي لا يخشى الافتتان بها وجواز تشميتها له وردها عليه.
81 - كراهية تشميت المسلم للكافر إذا سمع عطاسه وحمده وإنما يدعو لهم بالهداية يقول (يهديكم الله ويصلح بالكم).
82 - إذا تكرر العطاس وجب التشميت حتى بلوغ الثالثة فيدعو له بالشفاء.
83 - استحباب رد العاطس على التشميت بقوله (يهديكم الله ويصلح بالكم) أو (يغفر الله لنا ولكم) – على الراجح
84 - كراهية تشميت العاطس إذا سمع عطاسه وهو في الخلاء وكراهية الرد على المشمت وهو في الخلاء.
85 - استحباب التسبيح عند سماع الرعد وقوله (سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته).
86 - استحباب سؤال الله من فضله عند سماع صياح الديك.
87 - استحباب الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم عند سماع شهيق الحمار ونباح الكلب.
88 - استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر الله عند طنين الأذن.
89 - كلمة (الموسيقى) كلمة عامة وليست مصطلحا شرعيا يتعلق به حل وحرمه وإنما يرجع إلى تكييفها والحل والحرمة يتعلقان بالآلة.
90 - تحريم سماع مطلق الآلات فيه نظر وإباحة سماع مطلق الآلات فيه نظر فالآلات منها المحرم ومنها المباح.
91 - تحريم سماع المعازف والمزامير (وكراهية مزمار الراعي) وطبل الكوبة على الراجح.
92 - إباحة ضرب الدف وسماعه وطبل الحرب ونحوهما وإطلاق الدف دون تقييده بنوع دون آخر.
93 - إطلاق جواز الدف في الأعراس وغيرها والأعياد وغيرها ومن النساء والجواري.
94 - جواز ضرب الرجال للدف لإطلاق النصوص وعدم ورود المنع مع كراهة مداومة الرجل عليه أو اتخاذه صنعة لأنه من عادة النساء وخواصهن.
95 - لا فرق بين إخراج صوت الدف من آلة أو غير هـ فالعبرة بصوت الدف.
96 - إقرار أن اليسير مغتفر من حرمة المعازف وما كان يصعب التحرز عنه ولم يكن مقصودا.
97 - إباحة سماع الأصوات الموسيقية الصادرة من غير الآلات والمعازف المحرمة كالتي تصدر من صوت الإنسان وغيره.
98 - التسامح في سماع الأطفال للآلات الموسيقية قياسا على لعبهم وأمنا عليهم من الفتنة وارتفاع التكليف عنهم.
99 - إباحة سماع بعض الأصوات المشابهة لبعض الآلات كمزمار السيارة وأجراس المدارس للحاجة إليهما في التنبيه. 100 - الحكم على مطلق الغناء بالحل أو الحرمة غير صحيح لأن الغناء أنواع وأبرزها:
1 - غناء المسافرين 2 - غناء المجاهدين 3 - غناء العمل
4 - غناء الأطفال 5 - غناء الأحزان والنياحة 6 - غناء الأعياد والأعراس.
101 - ينقسم الحكم على الغناء إلى ثلاثة أقسام:
1 - الغناء المتفق على جوازه وهو غناء الأعياد والأعراس.
2 - الغناء المتفق على حرمته وهو غناء النياحة إلا ما تناول محاسن الموتى دون تهييج للمصيبة ودون أن يؤدي إلى شق الجيوب ولطم الخدود.
3 - الغناء المختلف فيه هو غناء العشاق والمحبين وفيه النتائج التالية:
• الاتفاق على حرمة الغناء الفاحش وهو المحتوي على الكلمات الفاحشة أو المهيجة للشهوات وكان الافتتان به ظاهرا بينا.(4/207)
• ترجيح كلام الغزالي في هذا الشأن وهو أن الأصل في الغناء الجواز إلا أن له خمسة عوارض تمنع جوازه وهي:
- عارض في (المسمع) أو المغني كالمرأة التي لا يحل النظر إليها ويخشى الفتنة من سماعها.
- عارض في (الآلة) بأن تكون من شعارات أهل الباطل والشرب وهي الآلات المحرمة من الأوتار والمزامير وطبل الكوبة.
- عارض في (المستمع) وهو أن تكون الشهوة غالبة عليه.
- عارض في (الكلمة الملحنة) وهو الشعر فلا يكون فيه شيء من الفحش والهجو والكذب والخنا وما كان فيه وصف امرأة بعينها فلا يجوز وصف المرأة بين الرجال.
- أن يكون الشخص من عوام الخلق ولم يغلب عليه حب الله تعالى فيكون السماع له محبوبا ولا غلبت عليه الشهوة فيكون السماع له محظورا ولكنه أبيح له كسائر أنواع اللذات المباحة إلا أنه إذا اتخذه ديدنه وقصر عليه أكثر أوقاته فهو السفيه الذي ترد شهادته.
102 - إن حكم الغناء المجرد عن الآلة متعلقة بالكلية المنقولة فيه وبالحالة التي يكون عليها فإن كانت الكلمة مباحة والحالة مباحة فيباح الغناء واستماعه وإن كانت الكلمة ممنوعة أو الحالة التي يكون عليها الغناء ممنوعة فيمنع الغناء واستماعه وعلى هذا تحمل أدلة المحرمين والمجوزين وتوجه.
103 - حكم سماع الشعر كحكم سماع الكلام والمنع والإباحة تتعلقان بحكم الكلام المنقول أو المسموع فما كان موافقا لقواعد الدين وأحكام الشريعة فهو مباح نظمه واستماعه وما كان مخالفا لقواعد الدين وأحكام الشريعة فهو ممنوع نظمه واستماعه.
104 - سماع الشعر في المسجد حكمه الجواز في الأصل إلا إذا كان مشتملا على هجاء أو سب أو وصف للنساء أو مدح ظالم أو افتخار منهي عنه فيمنع.
105 - كراهة الامتلاء والإكثار من الشعر ومن الاستماع إليه.
وختاما .. أحمد الله تعالى حمدا كثيرا كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه ... وأسأله تعالى بفضله الكريم أن يتقبل مني هذا العمل المتواضع وأن ينفع به المسلمين وأن يغفر لي زلاتي ويجازيني بالإحسان إحسانا وبالخطأ والزلل عفوا وغفرانا ..
فصوابي فضل من الله وحده ... وزللي مني ومن الشيطان ...
إن تجد عيبا فسدا الخللا جل من لا عيب فيه وعلا
وصدق من قال:
من عاب عيبا له عذر فلا وزر ينجيه من عزمات اللوم متئرا
وإنما هي أعمال بينتها خذ ما صفا واحتمل بالعفو ما كدرا
وآخر دعوانا الحمد الله رب العالمين
وصلى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين.(4/208)
بيان الحجة في حكم استعمال الذهب والفضة
Oعبدالرحمن بن محمد الهرفي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الذخائر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1419هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - آنية وجلود
نتائج البحث
1ـ أن الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة محرم لا يجوز البتة ولا يحل التحايل على الشرع المطهر.
2ـ أن لبس الذهب والفضة جائز للنساء مطلقا سواء كان محلقا أو غير محلق، ويحرم منه ما كان على شكل صنم أو به صورة منحوتة.
3ـ أن لبس الفضة جائز للرجال إلا ما كان على وجه التشبه بالنساء فهو محرم قطعا.
4ـ لا يجوز للرجال خاتم الذهب إجماعا.
5ـ المموه بالذهب والفضة جائز للرجال والنساء سواء لبسه أو أكل فيه أو شرب، لعدم تناول النهي له بشرط أن لا يخرج منه شيء إذا عرض على النار، والأفضل ألا يأكل ولا يشرب فيه.
6ـ أن لبس الرجال للذهب جائز إن كان يسيرا وهو أربعة أصابع أو دونه ولا يكون على وجه مشابهة النساء ويكون تابعا غير أصل.
7ـ كل ما يحتاج إليه من الذهب والفضة جائز وأجمع العلماء على الأنف والسن.
8ـ يجوز للرجال تحلية السيوف وآلات الحرب بالذهب والفضة لقهر عدو الله وبيان العزة والقوة.
9ـ يجوز تحلية كتب العلم والمصاحف من الخارج دون كلام الله حتى لا يشغل
10ـ يحرم بناء أبواب المساجد بالذهب وكذا تزيينها ويجب إزالته إلا إذا لم يكن جمع شيء منه لو أزيل والكعبة ـ شرفها الله ـ من باب أولى
11ـ يصح الوضوء من آنية الذهب والفضة ولا يحرم.
12ـ لا يصح التيمم بالذهب والفضة.
13ـ يجوز التداوي بالذهب والفضة إذا ثبت نفعها وعدم الضرر.
14ـ يجوز استعمال واتخاذ الذهب والفضة سواء على شكل آنية أو أقلام أو نحوها.
15ـ ويجوز استعمال واتخاذ الجواهر النفيسة للجنسين مطلقا إلا ما كان فيه تشبه من الرجال بالنساء وفي النفس من الأكل والشرب بها شيء ولو قيل بالمنع لكان أولى.
هذا والحمد لله وحده وصلى الله على محمد وآله وأصحابه وسلم.(4/209)
بيع التقسيط تحليل فقهي واقتصادي
Oرفيق يونس المصري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار القلم - دمشق
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع تقسيط وآجل
الخاتمة
1 - بيع التقسيط نوع من البيع المؤجل، يقسط فيه الثمن أقساطا متعددة، كل قسط وله أجل معلوم، وقد كثر انتشاره في عصرنا هذا.
2 - لم يفرد الفقهاء القدامى كتابا أو بابا لبيع التقسيط، لكنهم تكلموا عنه في ثنايا مباحثهم الفقهية.
3 - بيع التقسيط فيه فائدة لكل من البائع والمشتري، فالبائع يزداد في الثمن، والمشتري يحصل على المبيع قبل تمكنه من دفع الثمن كاملا. فهو بيع ائتماني (= تمويل)، والائتمان فيه هو نوع من الائتمان المباشر (لا وسيط فيه).
4 - يجب ألا يتجاوز المشتري قدرته على السداد في الآجال المضروبة للأقساط المختلفة، كي لا يعجز عن السداد، مع ما يؤدي إليه هذا من أوضاع غير مرغوب فيها، ولا سيما إذا كان الدائن غير مسلم.
5 - يجب ألا يشتري بالتقسيط إلا من كان عازما على السداد، بالإضافة إلى كونه قادرا عليه. وعلى البائع أن يتأكد من هذا، ما لم يقصد الإرفاق والمسامحة.
6 - يقوم المصرف المركزي بالرقابة الائتمانية على بيع التقسيط، وتشمل هذه الرقابة: الدفعة المعجلة، ومدة التقسيط، ومعدل زيادة الثمن لأجل التقسيط.
7 - ساعد على انتشار بيع التقسيط قيام منشآت وسيطة تدفع القيمة نقدا إلى البائع، وتقسطها على المشتري.
8 - يجب التفريق بين بيوع التقسيط (= بيوع الأجل) وبيوع الآجال (= بيوع العينة)، فالأولى جائزة والثانية ممنوعة، لأنها حيل ربوية محرمة، فلا يجوز اتخاذ الأولى ذريعة إلى الأخرى.
9 - لا يجوز اتخاذ بيع التقسيط ذريعة إلى التورق، ولا سيما إذا اتخذ هذا التورق شكل نظام معروف، بحيث يشتري المشتري بثمن مقسط، ليبيع، بثمن نقدي، ما اشتراه، إلى إحدى المنشآت التابعة للبائع.
10 - قد يتم التحايل على بيع التقسيط ببعض الحيل، مثل البيع الإيجاري (= الإيجار المنتهي بالتمليك) الذي يتحيل به البائع بغرض عدم نقل الملكية إلى المشتري إلا بعد سداد الأقساط كلها، أو مثل بيع التقسيط مع شرط الاحتفاظ بالملكية.
وربما يخطر في البال أن بيع التقسيط يغني عن البيع الإيجاري (وعن بيع التقسيط مع شرط الاحتفاظ بالملكية) حيث يمكن رهن المبيع نفسه رهنا غير حيازي.
لكن هذا البديل بالنسبة للباعة لا يشكل بديلا كاملا، فالبيع الإيجاري، وشرط الاحتفاظ بالملكية، يقدمان لهم ميزات لا تتوافر في الرهن المذكور.
11 - إذا جاز رهن المبيع نفسه، فمن الجائز كذلك أن يشترط البائع على المشتري، في بيع التقسيط، عدم التصرف بالمبيع إلا بعد استيفاء الأقساط كلها.
12 - ومن الحيل القريبة من البيع الإيجاري، ما يعرف اليوم بـ "التمويل الإيجاري "، وهو غير جائز أيضا، لما ذكرناه في البيع الإيجاري، ولسبب آخر هو أن السلعة يؤجرها المؤجر قبل أن تدخل في ملكه (= إيجار قبل الشراء).
وإذا أجريت هذه العمليات على أساس المواعدة، وكانت المواعدة ملزمة، فالحكم لا يتغير، لأن الوعد بالبيع، إذا كان هذا الوعد ملزما، فهو بيع.
وكذلك الحكم على بيع المرابحة للآمر بالشراء، إذا كانت المواعدة فيه ملزمة.
13 - تأجيل الثمن جائز إذا كان المبيع ليس ثمنا، فتبادل ثمن بثمن صرف لا يجوز فيه الأجل.
14 - بيع التقسيط مباح إذا عقد بزيادة في الثمن (= معاوضة كاملة)، ومستحب إذا عقد إرفاقا بالمدين بدون زيادة عليه في الثمن للأجل (= معاوضة ناقصة)، أو بدون طلب رهن أو كفالة.
15 - إذا لم يبع إلا بالتقسيط، فهو جائز، ما دام البائع لا يتخذ هذا ذريعة إلى بيوع العينة، أي بيوع الآجال (= الحيل الربوية).(4/210)
16 - بيع التقسيط قد يشتبه بالربا المحرم، لما فيه من نساء (= أجل) وفضل (= زيادة)، وقد أزلنا هذا الاشتباه بأدلة متعددة تراجع في مواضعها.
17 - بيع التقسيط أثبتنا جوازه في السلع المثلية، فصار جوازه في السلع القيمية أولى.
18 - الزيادة في بيع التقسيط لأجل النساء جائزة عند جمهور الفقهاء، وقد نقلنا عددا من عباراتهم، مع بيان مصادرها من كتب الفقه على المذاهب المختلفة.
19 - إننا نميل، مع بعض العلماء، إلى جواز الحطيطة للتعجيل، ميلنا، مع جمهور العلماء، إلى جواز الزيادة للتأجيل، ما دام هذا بين البائع والشاري، بدون وسيط بينهما، كالمصرف في خصم الأوراق التجارية، أو في المرابحة ذات المواعدة الملزمة.
20 - دافعنا عن جواز الحطيطة للتعطيل بأدلة مختلفة عن أدلة ابن القيم، لما رأيناه من ضعف أدلته.
21 - وكذلك عرضنا لبعض الاستدلالات التي رأيناها خاطئة في إثبات جواز الزيادة في الثمن المقسط.
22 - الزيادة في الثمن لأجل الزمن، كما ذكرنا، جائزة. ولكن الزمن ليس إلا أحد مسوغات هذه الزيادة، فهناك مسوغان آخران: المخاطرة، والخدمة (=العمل).
23 - الزيادة لأجل الزمن تلحق البدل المؤجل في البيع: الثمن إذا كان البيع بيع نسيئة، والمبيع إذا كان البيع بيع سلم. وبيع السلم هو نظير بيع النسيئة.
24 - ثمة صور غير جائزة في بيع التقسيط، ذكرنا بعضها.
25 - لم يكتف بإثبات جواز الزيادة في بيع التقسيط بالأدلة. بل قمنا أيضا بالرد على الآراء المخالفة، لأجل المزيد من الاطمئنان.
26 - عرضنا لمسألة تأخر المشتري في سداد الأقساط، أولا إذا كان هذا التأخر عن عجز، وثانيا عن مماطلة. ونقلنا آراء بعض العلماء المعاصرين في الحكم على المدين المماطل، دون أن نرتضي حكمهم.
27 - بصدد الكلام عن المماطلة، تساءلنا عما إذا كان من الجائز التفرقة في الحكم بين مدين اشترى سلعة مثلية ومدين اشترى سلعة قيمية.
28 - إذا أفلس المشتري بالتقسيط، فقد منع الإسلام استرقاقه بالدين، كما منع التضييق على حوائجه الأصلية (= حاجاته الأساسية)، وأجاز للبائع استرداد المبيع، إذا كان هذا المبيع لا يزال بحاله عند المشتري، ولم يستوف البائع من ثمنه شيئا.
29 - كشف لنا بحث بيع التقسيط عن أربعة مبادئ مهمة في العلوم الحديثة:
1) مبدأ المعجل خير من المؤجل؛
2) مبدأ التفضيل الزمني؛
3) مبدأ القيمة المالية للزمن (= القيمة الزمنية للنقود)؛
4) مبدأ الربا ربوان: حرام وحلال.
وبينا أدلة " الربا الحلال "، وأهمية هذا المفهوم في كل من البيوع المؤجلة، وتقويم المشروعات.
30 - وأخيرا اتخذنا توصية بضرورة إعادة النظر في المناهج والكتب الدراسية المتعلقة بالموضوع، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/211)
بيع التقسيط وأحكامه
Oسليمان بن تركي التركي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار إشبيليا - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع تقسيط وآجل
أختم هذا البحث بتدوين أهم النتائج التي توصلت إليها وهي كالتالي:
أولا: بيع التقسيط هو: (عقد على مبيع حال بثمن مؤجل يؤدى مفرقا على أجزاء معلومة في أوقات معلومة وبين التقسيط والتأجيل علاقة عموم وخصوص مطلق فكل تقسيط تأجيل وقد يكون التأجيل تقسيطا وقد لا يكون فالتأجيل هو الأعم مطلقا.
ثانيا: يشترط لبيع التقسيط – فوق الشروط العامة للبيع – جملة من الشروط. هي كالتالي:
الشرط الأول: أن يكون بيع التقسيط ذريعة إلى الربا. وأبرز الصور التي يتحقق فيها التذرع بالتقسيط إلى الربا: بيع العينة.
الشرط الثاني: أن يكون البائع مالكا للسلعة فلا يجوز أن يقدم البائع على بيع سلعة ليست مملوكة له على نية إذا أتم العقد مع المشتري اشتراها وسلمها بعد ذلك. أما طلب شراء السلعة من شخص ليست عنده ليقوم بتمليكها ومن ثم بيعها على طالبها بربح فجائز إن كان المأمور يشتري لنفسه ويتملك ملكا حقيقيا ومن غير إلزام للآمر بتنفيذ ما وعد به من شراء السلعة.
الشرط الثالث: أن تكون السلعة مقبوضة للبائع فلا يكفي تملك البائع للسلعة التي يرغب في بيعها بالتقسيط بل لابد من قبض السلعة المراد بيعها بالتقسيط القبض المعتبر لمثلها قبل التصرف فيها بالبيع أيا كانت تلك السلعة طعاما أو غيره الشرط الرابع: أن يكون العوضان مما لا يجري بينهما ربا النسيئة وذلك للتلازم بين بيع التقسيط وبين الأجل الموجب لانتفاء الاشتراك في علة الربا.
الشرط الخامس: أن يكون الثمن في بيع التقسيط دينا لا عينا لأن الثمن في بيع التقسيط لا يكون إلا مؤجلا والأجل لا يصح دخوله إلا على الديون التي تقبل الثبوت في الذمة دون الأعيان.
الشرط السادس: أن تكون السلعة المبيعة حالة لا مؤجلة لأن المبيع إذا أجل – مع أن الثمن مؤجل أصلا – فقد تحقق كون ذلك من بيع الكالئ بالكالئ. وهو منهي عنه.
الشرط السابع: أن يكون الأجل معلوما فلابد من بيان عدد الأقساط ووقت أداء كل قسط ومدة التقسيط كاملة يحدد هذا تحديدا منضبطا لا يحصل معه نزاع بين الطرفين.
الشرط الثامن: أن يكون بيع التقسيط منجزا فلا يصح تعليق عقد البيع على أداء جميع الأقساط بل لابد أن يتم البيع بصورة منجزة تترتب عليه جميع الآثار المترتبة على عقد البيع فور صدوره.
ثالثا: تجوز زيادة الثمن المؤجل عن ثمن الحال في بيع التقسيط في قول جماهير أهل العلم من السلف والخلف ومن غير مخالف يعتد بخلافه بل قد حكى بعض أهل العلم الإجماع على جواز أن يكون الثمن أزيد من الثمن الحال. ومع ذلك فقد وجد من شذ في هذه المسألة ورأى تحريم زيادة الثمن المؤجل عن الثمن الحال لاشتباه هذه الزيادة عليه بالربا. تبين من خلال البحث شذوذ هذا الرأي وضعف أدلته.
رابعا: يجوز الحط من الدين المؤجل مقابل تعجيل الأداء فيسوغ لمن أدى الأقساط قبل زمن حلولها أن يطلب بالحط عنه الثمن بقدر ما زيد أصلا مقابل تلك المدة الملغاة.
خامسا: لا يجوز إلزام البائع بقبول الأقساط المعجلة التي سوف يترتب على قبولها حط من الثمن لأن في ذلك إضرار به فهو لم يقصد من البيع بالتقسيط إلا هذه المصلحة والأجل حق لهما فلا يستبد أحدهما بإسقاطه.
سادسا: يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من أقساط ومع ذلك فلا يجوز فرض تعويض مالي على المدين الموسر في أداء بعضها.(4/212)
ثامنا: لا يجوز أن يتم العقد في بيع التقسيط على عدة آجال لكل أجل ثمنه كأن يتم التعاقد على بيع سيارة إلى سنة بمائة ألف وإلى سنتين بمائة وعشرين وإلى ثلاث بمائة وثلاثين بل لابد أن يكون الثمن والأجل واحدا باتا من أول العقد.
تاسعا: لا يجوز للبائع المطالبة بالثمن قبل حلول الأجل كما لا يعد المشتري مماطلا لو امتنع من أداء الأقساط قبل حلولها ولا حق للبائع في المطالبة إلا بانقضاء الأجل وبلوغ غايته أو باتفاق المتعاقدين على إسقاطه.
عاشرا: إذا مات المشتري بالتقسيط قبل أداء جميع الثمن فإن ديونه لا تحل بموته إذا وثق الورثة ذلك الدين برهن أو كفيل فإن حل الدين لعدم توثيقه فلابد من الحط منه بمقدار ما زيد فيه للمدة الباقية التي عجلت أقساطها.
حادي عشر: لا تحل الديون المؤجلة والأقساط المتبقية لإفلاس المشتري وإنما يقسم مال المفلس بين أصحاب الديون الحالة وتبقى الديون المؤجلة في ذمة المدين إلى وقت حلولها.
ثاني عشر: تنتقل ملكية المبيع للمشتري وملكية الثمن للبائع فور صدور عقد بيع التقسيط وبناء عليه فلا يجوز للبائع حبس السلعة لاستيفاء ثمنها المؤجل ولو اشترط البائع ذلك فإن العقد يكون فاسدا.
ثالث عشر: إذا أفلس المشتري وفي يده عين مال ثمنها مؤجل فالبائع أحق بسلعته من بقية غرماء المشتري أصحاب الديون الحالة فتوفق السلعة المبيعة إلى حلول الدين وانقضاء الأجل ويخير البائع – أن ذلك بشرط أن لا يكون البائع قد قبض من ثمن السلعة شيئا وأن يكون المشتري حيا.
رابع عشر: يجوز للبائع اشتراط رهن على ثمنه – رهنا حيازيا أو رسميا – لضمان حقه في استيفاء الأقساط المؤجلة.
خامس عشر: لا يجوز اشتراط كون المواعدة السابقة لعقد البيع بالتقسيط ملزمة للطرفين لأن الإلزام بالوعد يصيره عقدا ولأن الإلزام السابق يجعل العقد اللاحق عن غير تراض.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(4/213)
بيع العينة أو (الأنموذج) في الشريعة والقانون
Oمحمد عقلة الإبراهيم
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الضياء
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع منهي عنها
الخلاصة
بعد استعراض أقوال الفقهاء وأدلتهم ومناقشاتهم في موضوع بيع الأنموذج، وبعد النظر في نصوص القانون المتعلقة بهذا البيع أخلص إلى ما يأتي:
أولاً: من الناحية الفقهية:
(1) أن جمهور فقهاء المسلمين يرون صحة بيع الأنموذج، وجواز الاكتفاء برؤية بعض المبيع ما دام يدل بصورة كافية على بقيته، وأن أدلة القائلين بمنعه لا ينتهض بها حجة على ما قالوا، فالأولى المصير إلى مذهب الجمهور.
(2) أن جميع من أجازوا بيع الأنموذج من الفقهاء متفقون على اشتراط أن يكون المعقود عليه من المثليات التي لا تتفاوت آحادها، ويبطلونه في غير المثلي كالعددي المتفاوت.
(3) أن مذهب الشافعية قد انفرد باشتراط أن يرى المشتري النموذج بعيداً مستقلاً عن المبيع، وأن يدخل النموذج في العقد، وأن يخلط به في رأي بعضهم.
(4) أن مذهب الحنفية أكثر المذاهب تفصيلاً في أحكام هذا البيع، ولاسيما ما يترتب عليه من ثبوت الخيار للمشتري عند رؤية سائر المبيع فلا يكون مطابقاً للأنموذج، وما يترتب على هذا الخيار من رد المبيع كله أو إمساكه كله، والتعرض لحالة اختلاف المشتري والبائع في المطابقة بين العينة وسائر المبيع. وهذه النقاط جميعاً لم يتعرض لها سائر الفقهاء كلية، أو بإيجاز لا يبلغ حد التوضيح والتفصيل الذي يظهر في فقه الحنفية.
ثانياً: من الناحية القانونية:
(1) أن القانون يلتقي مع الفقه في جواز بيع الأنموذج، وأن محله المثليات، حيث فيها وحدها يصلح النموذج للدلالة على سائر البيع.
(2) أن القانون يشترط كالفقه مطابقة المبيع للعينة، ويعطي للمشتري الخيار في حالة اختلال هذا الشرط، وأن الحلول التي أعطاها للمشتري كأثر للخيار تتفق بقدر كبير مع رأي الفقه، غير أن المتقنن لم يبين كالفقه ما إذا كانت هذه الاحتمالات قبل قبض المبيع أوبعده نظراً لما يترتب على ذلك من تفريق الصفقة وهو ممنوع قبل القبض أو عدمه أو عدم الضرر وهو جائز بعد القبض.
(3) أن القانون قد أولى جانب النزاع بين البائع والمشتري في مطابقة النموذج للمبيع جل اهتمامه وفصل في حلول هذا النزاع من حيث كون العينة موجودة أو هالكة، ومن حيث كونها في الحالتين في يد البائع أو المشتري أو طرف ثالث، وهو ما لم يصنعه الفقه. ويبدو أن ذلك راجع إلى روح العصر التي طغت عليها السمة المادية، وفقدان الثقة بين المتعاقدين نتيجة ضعف الوازع الإيماني، وتزعزع الضابط الديني، والله أعلم.(4/214)
بيع العينة مع دراسة مداينات الأسواق
Oحمد بن عبدالعزيز الخضيري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراية - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع منهي عنها
الخاتمة
وفي ختام هذا البحث، نذكر أهم النتائج التي توصلت إليها من خلاله وهي كالتالي:
البيع في اللغة يأتي لعدة معاني منها – بيع الشيء وهو ضد الشراء.,
2) تعريف البيع اصطلاحاً هو: عقد معاوضة مالية يفيد ملك عين أو منفعة على التأييد.
3) لقد نهى الشارع الحكيم عن أنواع من البيوع وهي محصورة، وترجع أسباب النهي إلى ما يلي:
أ) الجهالة والغرر.
ب) الضرر.
جـ) الربا.
د) الذريعة إلى الربا.
هـ) النجاسة.
و) الوقت.
4) الحنفية يقسمون البيوع المنهي عنها إلى ثلاثة أقسام، ويدخلون الأسباب التي ذكرنا فيها وهي:
أ) باطل.
ب) فاسد.
جـ) مكروه.
5) العينة في اللغة تأتي لعدة معاني منها – شراء الشيء نسيئة، وشراء ما باع مؤجلاً بأقل من ثمنه.
6) تعريف بيع العينة اصطلاحاً هو – تحيل في بيع دراهم بدراهم أكثر من إلى أجل بينهما سلعة محللة –
7) ذكرت جميع الصور التي أدخلها العلماء في العينة، وناقشت بعضها وتبين أن للعينة أربع صور.
8) توسع المالكية في صور العينة، وسبب ذلك: أن بعض علمائهم أدخل بيع ما ليس عند الإنسان في العينة. وبينت أن أكثر الصور التي ذكروها لا تدخل في حقيقة بيع العينة.
9) أن بيع العينة حرام.
10) أن العقد الثاني في بيع العينة باطل بالاتفاق.
11) أن العقد الأول في بيع العينة باطل على الراجح من أقوال أهل العلم.
12) أن شروط بيع العينة خمسة هي:
أ) كون العقد الثاني قبل قبض الثمن الأول.
ب) عدم تغير المبيع بنقص أو عيب.
جـ) أن يكون المشتري هو البائع.
د) كون الثمن من جنس الأول.
هـ) أن يشتريها من المشتري أو وكيله.
13) لا يجوز كون المشتري وكيلاً أو قريباً أو وارثاً للبائع.
14) يجوز شراء السلعة بعرض إذا بيعت بنقد بالاتفاق.
15) لا يجوز شراء السلعة بجنس آخر.
16) لا يجوز شراء السلعة من وارث المشتري.
17) يجوز الشراء من الأجنبي إذا آلت إليه السلعة.
18) أن الحيل لاستباحة العينة محرمة.
19) لا تجوز مسألة عكس العينة.
20) التورق في اللغة يأتي لعدة معاني منها – الدراهم، والمال بجميع أنواعه.
21) تعريف بيع التورق اصطلاحاً هو:
أن يشتري من يحتاج مالاً سلعة مؤجلة بأكثر من قيمتها حالة، ثم يبيعها على أجنبي نقداً.
22) أن التورق جائز، بشرط – أن يكون محتاجاً إلى الدراهم -.
23) ذكرت طريقة المداينات الموجودة في الأسواق، ونماذج منها.
24) أن هذا النوع من المداينة محرم لتضمنه الأمور الآتية:
أ- بيع ما لا يملكه.
ب- بيع السلعة قبل قبضها.
جـ- الحيلة على الربا.
د- بيع العينة (أحياناً).
هـ- قلب الدين على المعسر – وهو ربا الجاهلية – (أحياناً).
25) لا يجوز بيع السلعة قبل ملكها.
26) لا يجوز بيع جميع السلع قبل قبضها.
27) يحرم التحايل على الربا.
28) يجوز بدون كراهة قولهم (العشرة أحد عشر ونحوها).
29) لا يجوز قلب الدين على المعسر، بل الواجب إمهاله.
30) أن هذا النوع من المداينة سبب لمفاسد كبيرة وأضرار جسيمة.
والله أعلم، وهو الموفق والهادي إلى سواء السبيل.(4/215)
بيع الكالئ بالكالئ (بيع الدين بالدين)
Oنزيه كمال حماد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الملك عبدالعزيز - جدة
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - بيوع منهي عنها
الخاتمة
1 - لقد اتضح لنا من خلال هذه الراسة أن النهي عن بيع الكالئ بالكالئ قاعدة متفق عليها بين الفقهاء، وأن مقتضاه التحريم والفساد، وقد دل على ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه في حديث ضعيف السند في نظر علماء الحديث، غير أن تلقي الأمة له بالقبول رفعه إلى رتبة الحجية ووجوب العمل به، يضاف إلى ذلك إجماع الفقهاء على منع هذا البيع.
2 - كما تبين لنا أن معنى بيع الكالئ عند أئمة اللغة والفقهاء: بيع النسيئة بالنسيئة، أو الدين المؤخر بالدين المؤخر. وأنه يطلق عند الفقهاء على خمس صور:
3 - إحداها: بيع دين مؤخر لم يكن ثابتا في الذمة بدين مؤخر كذلك. وقد قصر ابن تيمية محل النهي والإجماع عليه، وسماه المالكية "ابتداء الدين بالدين". أما تعليل حظره فهو من خمسة وجوه: (أحدها): انتفاء الفائدة الشرعية منه فور صدوره. (والثاني): أنه ذريعة إلى ربا النسيئة. (والثالث): افضاؤه للخصومه والنزاع. (والرابع): افضاؤه إلى تعاظم الغرر في العقد. (والخامس): بلوغ الخطر فيه حد الغرر الممنوع شرعاً.
4 - والثانية: بيع دين مؤخر سابق التقرر في الذمة للمدين بما يصير دينا مؤجلاً من غير جنسه، وقد ذكر التقي السبكي أنه محل الإجماع على ما نهي عنه من بيع الكالئ بالكالئ، وسماه المالكية "فسخ الدين في الدين". أما علة منعه فهي أنه ذريعة إلى ربا النسيئة.
5 - والثالثة: بيع دين مؤخر سابق التقرر في الذمة للمدين إلى أجل آخر بزيادة عليه. وقد أدرجه المالكية تحت "فسخ الدين في الدين" والعلة في منعه تضمنه لربا النسيئة.
6 - والرابعة: بيع دين مؤخر سابق التقرر في الذمة لغير المدين بثمن موصوف في الذمة مؤجل. وقد حكاها مالك في الموطأ، وسماها المالكية "بيع الدين بالدين". وعلة النهي عنها الغرر الناشيء عن عدم قدرة البائع على تسليم الدين للمشتري.
7 - والخامسة: بيع دين مؤخر سابق التقرير في الذمة بدين مماثل لشخص آخر على نفس المدين. وعلة منعه هي الغرر الناشئ عن عدم قدرة كل من العاقدين على تسليم ما باعه للمشتري.
8 - وبعد التتبع والاستقصاء لمعنى بيع الكالئ بالكالئ لدى أئمة اللغة والفقهاء ونقلة الحديث وشراحه خلصنا إلى وضع ضابط ينتظم سائر صوره وحالاته، ويحدد مدلوله، وهو أنه "بيع دين مؤخر سابق التقرر في الذمة بدين مثله لشخص ثالث على نفس المدين – سواء اتحد أجل الدينين وجنسهما وقدرهما أو اختلف – أو بدين جديد مؤجل إلى أجل آخر – من غير جنسه أو من جنسه مع زيادة في القدر – للمدين نفسه أو لغيره – وكذا بيع دين مؤخر لم يكن ثابتاً في الذمة بدين مؤخر كذلك، سواء اتفق أجل الدينين وجنسهما وقدرهما أو اختلف".
9 - ثم بينا أن تسامح كثير من الفقهاء في تعريفه بأنه "بيع الدين بالدين" – مع أن قصدهم الدين المؤخر بالدين المؤخر – أوقع كثيراً من الفقهاء في لبس وخلط، فمنعوا من جواز صور يصدق عليها بيع الدين بالدين، ولكن ليس فيه نسيئة من الطرفين، والنهي إنما ورد عن بيع النسيئة باتفاق الفقهاء.
10 - ومن ذلك: نص الشافعية والحنابلة على عدم جواز تطارح الدينين – أو صرف ما في الذمة – بحجة أنه بيع دين بدين. ولا يخفى أنه رأي غير سديد، لانتفاء النسيئة بالنسيئة فيه.
11 - ومن ذلك أيضا: قول مالك والحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم بعدم جواز جعل مطلق الدين الذين على المسلم إليه رأس مال سلم، لافضائه إلى بيع الدين بالدين. وهو إطلاق غير وجيه، لعدم صدق محل النهي – وهو الدين المؤخر بالدين المؤخر – عليه فيما إذا كان الدين المجعول رأس مال سلم غير مؤجل في ذمة المدين.
12 - ومن ذلك أيضا: قول الشافعية في الأصح وأكثر المالكية أن حكم الحوالة في الأصل هو الحظر، لأنها بيع دين بدين، وإنما جازت استثناء للحاجة. وهو تخريج فقهي غير مسلم، لأنها ليست من قبيل بيع النسيئة بالنسيئة حتى يكون الأصل فيها المنع، بل هي من جنس إيفاء الحق، فافترقا ...
13 - ثم تناولنا مدى الحاجة في هذا العصر إلى بيع الكالئ بالكالئ، فبدا لنا قيام الحاجة الخاصة إليه – بالنسبة لطائفة التجار والصناعيين والمقاولين – في صورته الأولى فقط، وهي "ابتداء الدين بالدين" دون باقي صوره الأخرى.
ولما كانت الحاجة الخاصة تنزل منزلة الضرورة في إباحة المحظور، فإنه لا يكون هناك مانع شرعي من القول باباحته في تلك الصورة فقط لهذا الداعي مادام قائما بمعياره الشرعي، فإذا انتفى عاد الحكم الأصلي للعقد، وهو الحرمة والمنع.
وآخر دعوانا الحمد لله
رب العالمين(4/216)
بيع المرابحة للواعد الملزم بالشراء والدور التنموي
Oربيع محمود الروبي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة أم القرى - مكة المكرمة
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1411هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مرابحة
الخاتمة والتوصيات
المرابحة الثنائية البسيطة التي أجازها جمهور الفقهاء لا تتماثل مع المرابحة الثلاثية للأمر بالشراء التي تمارس حاليا في المصارف الإسلامية، ومن ثم لا ينسحب عليها تلقائيا حكم الجواز بسبب ما يسبقها من مواعدة، فهي عند الشافعية لا تجوز إلا إذا كان وعدها غير ملزم، فإن ألزم به تحول البيع والوعد معاً إلى بيع مفسوخ، وهي عند المالكية – وهم الأكثر تقبلا لإلزام الوعد عموما – إما مكروهة أو محظورة، ومن ثم لا مجال عندهم للإلزام بمكروه أو محظور، أما إذا انتفت العلاقة بين المواعدة والمرابحة فهي جائزة. وبالنسبة للحنفية والحنابلة فقد أثر عن بعض علمائهم حيلة شرعية بشأنها لتفادي مضار نكول العميل فلم يفتوا بإلزام وعدها.
بيد أن بعض العلماء المعاصرين طالعونا بفتوى تلفيقية تجيز المرابحة ذات المواعدة اعتمادا على الجزء الأول من رأي الشافعي مع بتر الجزء الثاني الذي يجعلها بيعا مفسوخا إذا اقترنت بمواعدة ملزمة، ثم أجازوا إلزام هذه المواعدة اعتمادا على بعض آراء المالكية في لزوم الوعد. وفضلا عن ما في هذا المنحى من مخالفة صريحة لنصوص حديثية وللرأي الراجح، فإن استنباط الحكم على هذا النحو يخالف منطق القياس؛ فالمسألة المفتى بشأنها هي مدى إلزام وعد المرابحة قضاء، وليست أي إلزام بأي وعد، وطالما أن الإلزام بالوعد في ذاته – حتى عند القائلين به – ليس مطلقا (لاستثناء ما أحل حراما وحرم حلالا) فإن وعد المرابحة قد يكون داخلا في هذا الاستثناء، وهذا ما رآه فعلا أئمة الفقه الذين تناولوا هذا الموضوع.
إن حجة هؤلاء الذين أفتوا بالمرجوح وتركوا الراجح كانت التيسير أو ما تصوروه مصلحة، ولذلك انصب هذا البحث على دراسة الآثار الاقتصادية والاجتماعية للمرابحة الملزمة، فتبين منها أن علة الفتوى انطوت في الواقع على محاباة للمصلحة الضيقة للمصرف على حساب مصلحة مجموع العملاء والاقتصاد القومي، أي أنها غلبت جانبا من المصلحة الخاصة على كل المصلحة العامة؛ إذ أفرغ الإلزام بيع المرابحة من محتواه الاقتصادي، فخلا من معظم المهم الإنتاجية للتجارة الحقيقية، وصار في التطبيق عملا مكتبيا لوساطة مالية لا تختلف في بعدها الاقتصادي عن الإقراض الربوي، وبذلك حرم المجتمع والعملاء من الدور الاقتصادي الذي تنطوي عليه المرابحة الحقيقية، وألقى بكل الأعباء والمسؤوليات والمخاطر على العميل وحده.
وأكثر من ذلك أن السهولة التي أضفاها الإلزام على صفقات المرابحة شكلت إغراء انحرف بالمصرف عن مساره الأصلي ودوره الأساسي؛ إذ مكنته من جني كل مغانم التجارة دون التعرض لمغارمها، فلاذ بالمرابحة فرارا من أعباء الاستثمار المباشر والمشاركات والمضاربات والاستصناع والتأجير التمويلي وغيرها من صيغ الاستثمار الإسلامية، على الرغم من أنها أكثر من المرابحة قدرة على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعلى الرغم من أنها تمثل المهام الأساسية للمصرف الإسلامي، ليس أدل على ذلك من أن نصيب المرابحة من إجمالي استثمارات المصارف التي أخذت بإلزام وعدها وصل إلى 97.8% في بعض هذه المصارف، ولم يقل عن 75% في بقيتها.(4/217)
ومن ثم لو أخذنا بالرأي الراجح الذي يعطي الخيار للطرفين فلن يتمكن المصرف من التهرب من الدور الاقتصادي الحقيقي للمرابحة الجادة، وذلك خشية نكول العميل ومواجهة السوق بصفقة لم تنل ما تستحقه من الدراسة والعناية. إن ربط الغنم بالغرم على هذا النحو فيه من الحوافز ما يشكل المصلحة الحقيقية للمصرف نفسه وللعملاء وللاقتصاد القومي، بل إن هذه المصلحة ستتضاعف أكثر بسبب أن المرابحة الجادة ستنطوي على أعباء ومخاطر، ومن ثم ستفقد الكثير من عوامل التشجيع على ترك وسائل التمويل الأخرى ذات الربحية الاجتماعية العالية. نعم إن الخيار سيزيد من مخاطر نكول العميل، لكن هذه المخاطر لن تنطوي في الغالب على أضرار محققه؛ إذ طالما أن الصفقة أخذت حظها من العناية، وحازت على أجود الأصناف وأقل الأسعار وأفضل الشروط فإن نكول العميل الأصلي لن يحول دون تهافت عشرات العملاء الجدد على شرائها، أما إذا واجه المصرف ظروفا غير عادية يمكن أن تتعرض معها الصفقة للخسارة عند النكول – وهذا أمر طبيعي يجب أخذه في الحسبان – فنوصي باتخاذ كل أو بعض هذه التوصيات:
1 - يجب أن يتحرز المصرف من التعامل في سلع ضيقة الاستعمال أو غير رائجة أو يجهل كافة أبعاد ظروف تسويقها، وأن يتجنب التعامل مع العملاء غير الجادين أو الذين ثبت عنهم عدم الوفاء بالتزاماتهم.
2 - يجب أن يتسلح المصرف بالإمكانيات المادية للتاجر وبالجهاز الفني الكفء القادر على دراسة جدوى الصفقات والمشروعات وعلى تصريف السلعة عند النكول.
3 - يمكن للمصرف أن يستفيد من الحيلة الشرعية التي أفتى بها كل من محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة وابن قيم الجوزية – والتي أسماها البعض "بيع المخابرة" حيث يشتري السلعة من المورد مع شرط الخيار لمدة أسبوع مثلا، ثم يعرضها على العميل خلال هذه المهلة. فإن قبلها ألزم بها، وإن رفضها أعيدت للمورد. أما في المرابحات الخارجية فيمكن للعميل أو مندوبه معاينة البضاعة وقبولها أو رفضها قبل أن تشحن.
4 - يجب ألا يكتفي المصرف بالوساطة التجارية التي يكون فيها مأمورا بالشراء وإنما يتحول تدريجيا إلى منتج وتاجر ذي مهام متعددة ومتكاملة، فيمتلك أو يساهم في شركات إنتاجية، ويكون بائعا أصليا لسلع حصل عليها بالسلم أو الاستصناع، ووكيلا ومسوقاً لمنتجات شركات أخرى، عندئذ لن يبيع ما ليس عنده، ولا مجال للمواعدة أو أضرار النكول.
نعم قد لا تسمح القوانين السائدة والإمكانيات المتاحة الآن أن يمارس المصرف كل هذه المهام بحرية، وقد لا تسمح موارده الذاتية الضئيلة بما تتطلبه من استثمارات طويلة الأجل، لكن في مقدوره أن ينشئ – ولو مستقبلا وتدريجيا – شركات متخصصة – مع المصارف الإسلامية الأخرى أو بمساهمة بعض العملاء – لتولي هذه المهام – (كما أن من مصلحته أن يتحول بعض المودعين إلى مساهمين حتى ينمي موارده الذاتية) وذلك من منطلق أن المصارف الإسلامية هي في الأصل مضارب بالعمل أو مستثمر وليست كالمصارف الربوية وسيطا ماليا.
5 - من الضروري أن تتعاون المصارف الإسلامية في إنشاء شركات تأمين تعاوني وفقا لأحكام الشريعة لمواجهة أخطار بعض الصفقات، وبقية الاستثمارات الأخرى، كما يجب أن تتعاون في تبادل فائض السيولة لديها حتى لا تعاني منه، أو تحجم عن بعض المشروعات لنقص السيولة.(4/218)
وإذا جاز أن ندلي برأي في مجال الرقابة الشرعية فنوصي بأمرين: يتعلق أولهما ضوابط الأخذ بالسهل من كل مذهب؛ إن المذهب الفقهي الواحد عندما يتجاوز عن قيد معين قد يتمسك في مقابله بقيد آخر يحول دون الأضرار التي يمكن أن تنجم عن هذا التجاوز، وبالتالي لا يمكن الاستمرار في ترقيع الفتاوى والنظرة الجزئية لموضوع الفتوى، وإنما لابد أن يعاد النظر في مجمل الفتاوى الخاصة بالمعاملة الواحدة في نظرة شمولية تركز على مدى انسجام وانضباط تفاعل هذه الجزئيات، وإلا وقعنا في ممارسة عملية غير منضبطة؛ كما هو حال المرابحة الملزمة وبقية فتاويها. أما الأمر الثاني فيذهب إلى الفصل بين الفتاوى والرقابة الشرعية، إذ من المناسب أن يقتصر عمل هيئة الرقابة الشرعية بالمصرف على التأكد من مدى الالتزام بالقواعد الشرعية والفتاوى المعتمدة. أما الإفتاء فيستحسن أن يسند إلى لجنة متخصصة – مزودة بالمعلومات الاقتصادية الكافية – تنبثق عن مجالس البحوث والإفتاء في الدول الإسلامية، ويجب ألا يكافأ أعضاؤها من المصارف، ولا أن يكونوا مساهمين فيها، ولا يجتمعون في ضيافتها. ومعاذ الله أن نقصد بذلك تشكيكا في نزاهة علمائنا الأفاضل – أثابهم الله – ولكننا أردنا الاستفادة من المنهج الإسلامي في التشريع، فقد علمنا أنه كلما كان الفعل المحرم مغلظا اتسعت حوله – خشية الوقوع فيه – دوائر الخطر والكراهة التحريمية والتنزيهية.
وأخيرا فإن تناولنا للمرابحة الملزمة بالنقد العلمي لا يعني تقليلا من شأن المصارف الإسلامية. فهي مازالت في بداية الطريق، وتحتاج إلى فترة طويلة نسبيا كي تتغلب على العقبات والتحديات التي تواجهها، وتتأهل أكثر لتحقيق الآمال الطموحة المعقودة عليها، ومع ذلك فقد حققت نجاحات طيبة؛ إذ يكفيها أن فتحت أبوابا واسعة للخلاص من المعاملات الربوية، وإنما قصدنا التوجيه إلى الأفضل. ولذلك لن نخشى الاتجاه الذي يجد في كل انتقاد لهذه المصارف هدما لها، فقد يكون الآباء من أشد المنتقدين لسلوكيات أبنائهم، ومع ذلك هم أبعد الناس عن تهمة هدمهم، جعلنا الله ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.(4/219)
بيع المزاد
Oعبدالله بن محمد المطلق
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المسلم
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - مزايدة ومناقصة
خاتمة
في خاتمة هذا البحث الذي تحدثت فيه عن أحكام بيع المزاد في الفقه الإسلامي أسجل النتائج التالية:
1 - إن بيع المزاد من البيوع الجائزة في الشريعة الإسلامية، وإن ما يذكره بعض العلماء من الخلاف فيه خلاف قد انتهى بما ذكره الموفق في المغني بأن جواز هذا البيع مما أجمع عليه المسلمون في أسواقهم.
2 - إن هذا النوع من البيوع قد تعددت أسواقه في هذا العصر وتخصص كل سوق منها بنوع من السلع وهذا يحملنا على المزيد من البحوث لإثراء هذا الجانب من التعامل وسد حاجة المتعاملين في هذه الأسواق لمعرفة الأحكام الشرعية في جميع ما يقع فيه من المعاملات.
3 - إن بعض الشروط التي يجعلها أحد العاقدين في هذا البيع لإلزام الآخر باطلة لأنها تخالف مقتضى العقد، فلا تؤتي ثمراتها ولا تترتب عليها آثارها مثل شرط البراءة من عيب يعلمه ويكتمه غشا وتدليسا.
4 - إن ما اعتاده بعض المتعاملين في هذه الأسواق من إبطال بعض الحقوق الشرعية وإضاعتها على أصحابها بدعوى مخالفتها لعرف التعامل كإسقاط خيار المجلس وخيار العيب عمل لا يقره الشرع ولا يعترف به القضاء في الإسلام.
5 - إن ما يأخذه الدلال مقابل عمله قد يكون أجرة في عقد إجارة وقد يكون جعلا في عقد جعالة وقد يكون نصيبا في عقد مشاركة ويحدد ذلك الاتفاق بينه وبين صاحب المبيع نطقا أو عرفا.
6 - إن كثرة المنكرات العلنية في هذه الأسواق قد يكون سببا في نزع البركة وتساهم في بناء جيل بعيد عن الحق والهدى فإن المال الحرام يؤثر في بركة الأعمار والأولاد ويساهم في جلب الشقاء وعدم إجابة الدعاء، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم (الرجل أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك).
7 - إن على مؤسسات الدعوة الاستفادة من الإمكانيات المتاحة لتوعية المتعاملين في هذه الأسواق بالنشرات الصغيرة وأشرطة التسجيل ونحوها مما يوصل إليهم الأحكام الفقهية لجميع المعاملات الواقعة في هذه الأسواق فيحصل بذلك العلم ويرتفع الجهل كما وأن عليها أن تساهم في التحذير من خداع الكاذبين وحيل الظالمين الذين يأكلون أموال الناس بالباطل.
8 - إن على الجهات الحكومية التي تقوم بالاحتساب في أسواق المزاد أن تستفيد مما لها من السلطات في تنظيف أسواق المسلمين من الغش والخداع والحلف الكاذب، وغبن من لا يحسن المماكسة وأن تقصد بذلك وجه الله، ورفع الظلم والقضاء على حيل المخادعين قياما بالواجب وامتثالا لقوله صلى الله عليه وسلم من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).(4/220)
بيع المزايدة المزاد العلني أحكامه وتطبيقاته المعاصرة دراسة فقهية معاصرة
Oنجاتي محمد إلياس قوقازي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - مزايدة ومناقصة
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وبعد:
النتائج والتوصيات:
فقد وفقني الله عز وجل لإنهاء هذه الدراسة وأستطيع أن ألخص دراستي بالنتائج التالية:
1 - بيع المزايدة من العقود التي أباحتها الشريعة الإسلامية، وتكاد كلمة الفقهاء تتفق على أن هذا البيع من البيوع الجائزة شرعاً.
2 - إن هذا البيع يختلف عن بعض البيوع التي نهت الشريعة الغراء عنها كالنجش والسوم على السوم وإن كان الكل يشترك في عنصر المنافسة.
3 - إن من هذا البيع عقد يشبهه يسمى عقد المناقصة وقد ظهر في العصر الحديث، وهو وإن كان يعاكسه إلا أنه يشترك معه في كثير من الجزئيات.
4 - أن لبيع المزايدة ضوابط شرعية وقانونية، وأن له مسقطات كذلك.
5 - أن لبيع المزايدة تقسيمات منها الاختيارية والإجبارية والعلنية والسرية.
7 - لا يزال لهذا البيع أهمية في عصرنا هذا ومن صوره المعاصرة:
أ- بيع السيارات (الحراج).
ب- بيع الفواكه والخضار.
جـ- الحراج الشعبي.
د- بيع التحف واللوحات الفنية والنوادر.
هـ- المزايدة في استثمار البنوك. وغيرها.
8 - إن للقانون المدني الأردني اهتماماً بهذا البيع مثله كمثل قوانين الدول العربية والإسلامية الأخرى.
9 - إن لبيع المزايدة اهتماماً ليس إسلامياً فحسب بل هو بيع عرفته البشرية جمعاء إلا أن الشريعة وضعت له ضوابط وشروط.
التوصيات:
في ضوء النتائج السابقة يوصي الباحث على بعض الأمور التي يرى أنها بحاجة إلى عناية أكثر:
بيع المزايدة يحتاج إلى عناية أكثر في كتب الفقه حيث إن أكثر كتب الفقه لم تعطه الحيز الكافي في دراستها.
يجب التنبيه إلى بعض أوجه التلاعب المعاصرة والحيل في بيوع المزايدة.
أن يسد النقص الذي احتوته هذه الرسالة من بحوث ودراسات تخص بيع المزايدة ولكنها فاتت الباحث – إذ بحوثنا تبقى محضر جهود بشرية.
مراقبة بعض البيوع المعاصرة التي تتولد في السوق والتي تشبه بيوع المزايدة.(4/221)
ثلاث مسائل فقهية في الصلاة
Oنزار محمد عرعور
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الراية - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1408هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - أعمال منوعة
الخلاصة:
الأحاديث والآثار تدل على أنهم في حالة الاختيار كانوا يباشرون الأرض بالجباه، وعند الحاجة كالحر ونحوه، يتقون بما يتصل بهم من طرف ثوب وعمامة وقلنسوة.
قال الحافظ في "الفتح" (1/ 493):
(وفيه – أي حديث أنس رضي الله عنه – إشارة إلى أن مباشرة الأرض عند السجود هو الأصل لأنه علق بسط الثوب بعدم الاستطاعة).
قال ابن تيمية: "لذلك كان أعدل الأقوال في هذه المسألة أن يرخص في ذلك عند الحاجة ويكره السجود على العمامة ونحوها عند عدم الحاجة". الفتاوى (22/ 172).
من كل ذلك نخلص إلى أن وجوب الكشف لم يأت به دليل صريح، كما أن السجود على العمامة أو القلنسوة وما في معناهما لا يوجد ما ينهي عنه.
لذلك لا نستطيع أن نقول بالكراهية لأن الكراهية ما كرهها الله ورسوله، ولكن نستطيع أن نقول هو من باب ترك الأولى والأفضل.
قال الشوكاني (2/ 291):
(القول بوجوب الكشف يحتاج إلى دليل إلا أن يقال أن الأمر بالسجود على الأعضاء المذكورة يقتضي أن لا يكون بينهما وبين الأرض حائل، وقد قدمنا أن مسمى السجود يحصل بوضعها دون كشفها) أ. هـ.
وقال الصنعاني في "سبل السلام" (1/ 182):
(والأحاديث من الجانبين غير ناهضة على الإيجاب وقوله: "سجد على جبهته" يصدق على الأمرين وإن كان مع عدم الحائل أظهر فالأصل جواز الأمرين) أ. هـ.
[ويستأنس لهذا المذهب الصحيح بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضوان الله عليهم بالخفاف والجوارب: ولا يخفى أن الجورب والخف يمنع مس القدم الأرض، بل الجورب والخف أعظم حائلاً من العمامة والقلنسوة والثياب، والأعضاء السبعة التي أمرنا بالسجود عليها كلها ذو حكم واحد وعهدنا بالقوم أصحاب قياس .. فتأمل: وهذا من الأمثلة الكثيرة على أن كثيراً من آراء بعضهم لا السنة فيها اتبعوا، ولا القياس الصحيح سلكوا. (عدنان)]
فائدة:
وفي النهاية لا يفوتني وأنا أختم هذه الوريقات أن أنبه كما نبه غيري إلى أن هناك بعض الأحاديث وردت في أن الرسول صلى الله عليه وسلم "كان يسجد على كور عمامته" وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة.
وقد ذكرها البيهقي رحمه الله ثم قال:
(أحاديث "كان يسجد على كور عمامته" لا يثبت فيها شيء يعن مرفوعاً).
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(4/222)
جامع المسائل في أحكام قنوت النوازل
Oسعد بن صالح الزيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة-الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قنوت
الخاتمة: نسأل الله حسن الخاتمة
وتشتمل على أهم نتائج البحث:
1 - أكثر من تحدث عن قنوت النازلة من المذاهب الأربعة: الشافعية ثم الحنابلة، ثم الحنفية، ثم المالكية.
2 - أن العداء لهذا الدين له أسباب كثيرة في مقدمتها: بعد المسلمين عن دينهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، وغفلتهم عما يحاك لهم من المؤامرات من أعدائهم المتربصين.
3 - أن القنوت في اللغة يطلق على معان عدة منها: الطاعة، ودوامها، والصلاة، والقيام، والسكوت، والخضوع، والذكر، والتسبيح، ومن أعظمها الدعاء.
4 - أن المراد بقنوت النازلة: الدعاء في الصلاة الفريضة في محل مخصوص إذا نزلت بالمسلمين نازلة؛ كعدو، أو خوف، أو ضرر ظاهر بالمسلمين جماعات وأفراداً.
5 - أن القول الراجح في حكم القنوت في صلاة الفجر: عدم المشروعية إلا إذا نزلت النازلة. وهو اختيار جمع من المحققين منهم: شيخ الإسلام، وتلميذه، ومن المعاصرين: اللجنة الدائمة، وابن عثيمين.
6 - أن من صلى خلف من يقنت في صلاة الفجر في غير نازلة فإنه يتابعه ويؤمن على دعائه، ثبت ذلك عن الإمام أحمد، وقرره شيخ الإسلام، وصاحب الإنصاف، واللجنة الدائمة، وابن عثيمين.
7 - اتفق الفقهاء على أن قنوت النوازل غير واجب، وتركه لا يفسد الصلاة. حكاه الطبري إجماعاً، ونقل الإجماع أيضاً: الشوكاني، وابن عثيمين.
8 - أن لقنوت النوازل حكماً عظيمة من أهمها: مشاركة المأموم للإمام في الدعاء، ولو بالتأمين؛ وفي ذلك نصرة للمؤمنين وحرب على الكافرين، وفيه أيضاً: الاهتمام بأمر المسلمين والرغبة في حل مشاكلهم، والفرح لأفراحهم، والحزن لمصابهم وجراحهم.
9 - جواز القنوت إذا نزلت النازلة، وجواز الترك، في أي نازلة تنزل بالمسلمين مما يكون الضرر فيها ظاهراً شديداً؛ سواء كان على بلد مسلمة، أو جماعة مسلمة، أو أفراد مسلمين، ولا إنكار على من قنت أو ترك في نازلة. قرر ذلك ابن القيم في زاد المعاد.
10 - إذا نزلت بالكفار نازلة فذلك مما يشكر الله عليه وليس مما يدعي برفعه.
11 - أن القول الراجح فيمن يقنت للنوازل: أنه عام للإمام والمأموم والمنفرد، ولكن ينبغي مراجعة ولاة الأمر وهم العلماء لكي تنضبط الأمور. قرر ذلك ابن عثيمين في مجموع الفتاوى.
12 - أنه إذا نزلت بالسلمين نازلة فإنه يستحب لكل مؤمن أن يقنت لإخوانه لرفع تلك النازلة، ولا يختص القنوت لمن نزلت بهم النوازل فحسب على القول الصحيح؛ لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في قصة دعائه للمستضعفين بمكة.
13 - أنه يستحب القنوت جهراً في الصلوات الخمس إذا نزلت بالمسلمين نازلة. قرر ذلك شيخ الإسلام، وتلميذه، وابن حزم، والشوكاني، واللجنة الدائمة، وابن عثيمين، وبكر أبو زيد.
14 - الراجح - والله أعلم - أنه لا يقنت في غير الفرائض الخمس، لا في الجمعة، ولا في السنن الرواتب، ونحوها. اختاره شيخ الإسلام، وابن قدامة.
15 - الصحيح أنه يجوز القنوت قبل الركوع وبعد الركوع؛ ثبت ذلك عن بعض الصحابة كعمر، وعثمان رضي الله عنهم، وإن كان الأكثر - خاصة في قنوت النوازل - أن يكون بعد الركوع. اختاره جمع من المحققين منهم: البخاري، وشيخ الإسلام، وابن حجر، وابن عثيمين، والألباني.
16 - الراجح - والله أعلم - أن القانت في النازلة - مأموماً أو إماماً - يرفع يديه، وهو رأي الجمهور، واختاره ابن باز، وابن عثيمين، والألباني.
17 - صفة رفع اليدين لا تخلو من أمرين: إما أن يرفع يديه حذو منكبيه أو نحوهما ضاماً لهما غير مفرقتين، باسطاً بطونهما نحو السماء، وظهورهما نحو الأرض، وإن شاء قنع بهما وجهه وظهورهما نحو القبلة.(4/223)
وإما أن يرفع يديه نحو السماء، ويجعل بينهما فرجة حتى يرى بياض إبطيه من المبالغة في الرفع، وهذه الصفة أخص من سابقتها، وهي خاصة في حالة الشدة والرهبة؛ كما لو عظمت النازلة بتسلط الأعداء على المسلمين وعلى ديارهم.
18 - اتفق العلماء على أنه لا يستحب مسح غير الوجه كمسح الصدر ونحوه، واختلفوا في مسح الوجه على قولين، لا ينكر على من أخذ بأحدهما. والأقرب: عدم مشروعية المسح؛ اختاره شيخ الإسلام، وابن عثيمين، والألباني، وبكر وأبو زيد.
19 - ذكر بعض العلماء أنه إذا قنت قبل الركوع أنه يكبر قبل بدء القنوت؛ روي عن بعض الصحابة.
20 - الصحيح الذي قطع به الجمهور أنه لا يتعين دعاء مخصص في قنوت النوازل، بل يدعو بما يناسب تلك النازلة، ولا بأس أن يدعو بما دعا به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
21 - أن قول الله تعالى: {ليس لك من الأمر شيء} [آل عمران: 128] أكثر العلماء على أنها ليست ناسخة لقنوت النوازل، وإنما نزلت تأديباً للنبي صلى الله عليه وسلم، وعليه يجوز الدعاء على الكافرين ولعنتهم.
والدعاء عليهم ينقسم إلى قسمين:
1 - الذين يحاربون المؤمنين، ويصدون عن الدين؛ فهؤلاء تجوز لعنتهم في قول أكثر العلماء.
2 - الذين لم ينتهكوا حرمة الدين ولم يقاتلوا المؤمنين، ويرجى تألفهم ودخولهم في الإسلام، فهؤلاء لا تجوز لعنتهم، وإنما يدعا لهم بالهداية والتوبة، وفي ذلك جمع بين الأدلة.
22 - القول الراجح أن المأموم يتابع الإمام فيؤمن عند دعائه، ويسكت عند ثنائه، وإن شاركه فلا بأس؛ كأن يقول: سبحانه، ونحو ذلك. ولا يقنت ويجهر مع إمامه، وبهذا أفتت اللجنة الدائمة برئاسة ابن باز.
23 - الراجح: استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وآله كما ذهب إليه الجمهور، واختاره شيخ الإسلام، وأما المأموم عند صلاة القانت على النبي صلى الله عليه وسلم وآله هل يؤمن فيها أو يشارك؟ المعتمد هو الأول، ولو جمع بينهما لكان حسناً كما قرره بعض الشافعية، والأمر في ذلك واسع إن شاء الله.
24 - إذا لم يسمع المأموم قنوت الإمام لعارض، قنت سراً والحمد لله.
25 - الراجح والله أعلم أن سجود السهو لا يشرع لترك قنوت النوازل، ومن سجد فقد خالف السنة؛ لأن القنوت في الأصل سنة فلا تبطل الصلاة بتركه عمداً أو سهواً، اختاره ابن قدامة، وابن قاسم.
26 - أن من أدرك الركعة الأخيرة مع الإمام سواء قنت قبل الركوع أو بعده فإنه لا يعيد القنوت، وأما من لم يدرك الركعة الأخيرة بأن دخل مع الإمام بعد الركوع وهو يقنت فإنه يعيد إن شاء. أفتى به مالك.
27 - أنه يجب على الإمام أن يجتنب الإطالة في دعاء القنوت مما يشق على المأمومين ويضارهم، وإذا كان النهي عن إطالة القراءة في الصلاة فالدعاء من باب أولى.
28 - أن الإمام يقنت في الصلوات الخمس عند أول نزول النازلة، ثم إذا خفت النازلة قنت في الفجر والمغرب لكونهما طرفي النهار، ومظنة إجابة الدعاء فيهما، ثم إذا زالت ترك القنوت، وكل ذلك يخضع إلى مصلحة المسلمين وحاجتهم إلى الدعاء والاستنصار؛ لأنه قد تعود النازلة مرة أخرى فلا يمنع أن يعيد القنوت في الصلوات الخمس تبعاً لحال النازلة شدة أو استمراراً، أومأت إلى ذلك اللجنة.
وختاماً:
أعلم أيها الخِل المكافح، والمحب المصافح، أن أول ما تعتقده أن الخطأ والنسيان من أوصاف الإنسان، وإن كان في المعارف عظيم القدر رفيع الشأن، وله في الحفظ والذكاء والفهم باع مديد وعقل حديد، وقد وقع في ذلك الفحول والعلماء مع تبحرهم في المعقول والنقول، واطلاعهم على الروايات والمنقول. وقد قال إمام دار الهجرة سيد بني أصبح، مالك بن أنس: كل كلام فيه مقبول ومردود إلا كلام صاحب هذا القبر، ويشير إلى قبر هادي البشرية، ومنقذ الإنسانية، سيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم.
وكما يجوز الغلط والزلة على الإنسان كذلك لا نستبعد أن يهب الله لبعض عبيده ما نبا وشرد على عقول من تقدمه من فحول الأئمة، وكذلك قال الإمام النحوي اللغوي الأديب أبو عبد الله محمد بن مالك: (إذا كانت العلوم منحاً إلهية، ومواهب اختصاصية، فغير مستبعد أن يدخر لبعض المتأخرين ما عسر على كثير من المتقدمين).
ومن أمثلة العلماء السائرة:
(يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر) قالوا: الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. وورد أن الحجاج قال في بعض خطبه: إن الله تكفل لنا برزق الدنيا، ووكلنا إلى رزق الآخرة، فياليته تكفل لنا برزق الآخرة ووكلنا إلى رزق الدنيا. قال إمام الزاهدين الحسن البصري: كلمة حكمة صدرت من فاسق.
وليس مثلي إلا كما قال الخليل بن أحمد:
خذ العلوم ولا تعبأ بناقلها ... واقصد بذلك وجه الواحد الباري
إن العلوم كما الأشجار مثمرة ... اجن الثمار وخل العود للنار
اعمل بعلمي ولا تنظر إلى عملي ... ينفعك علمي ولا يضرك تقصاري(4/224)
جدة داخل المواقيت ولن تكون ميقاتا لغير أهلها
Oأبو بكر جابر الجزائري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1416هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - مواقيت الإحرام
خاتمة القول
وخلاصته
إن جدة الواقعة بين ميقاتين وهما يلملم جنوباً، والجحفة "رابغ" شمالاً هي ميقات لأهلها ومن نزل بها وهو لا يريد حجاً أو عمرة لكن بدا له بعد ذلك أن يحج أو يعتمر فله أن يحرم منها لمحاذاتها لميقاتين، وقد أذن الشارع صلى الله عليه وسلم لمن حاذى ميقاتاً أن يحرم منه ولا حرج، وكذلك من أتاها من غربها من البحر الأحمر فإنه يحرم منها؛ إذ هي ميقاته لمحاذاتها لميقاتين شرعيين يلملم، والجحفة "رابغ" وكذلك هي ميقات لركاب الطائرات التي سلكت الخط الجوي الذي تقدم رسمه وهو خط يمر بعيداً عن المواقيت التي حددها الشارع صلى الله عليه وسلم، وينزل من غرب جدة حيث البحر الأحمر بمطار جدة الذي يتعين أن التزمت الخطوط الجوية بالسير على الخط الذي رسم لها بعيداً عن المواقيت. يتعين أن يبنى بجوار المطار عشرات بل مئات الحمامات في كل حمام كرسي للتغوط والتبول، حوض للاغتسال. فالحاج أو المعتمر إذا نزل من الطائرة يحمل إزاره ورداءه بيده ويدخل الحمام فيتبول ويغتسل ويتوضأ، ويركب السيارة إلى مكة وهو يلبي بحجته أو عمرته.
بهذا أصبحت جدة ميقاتاً لأهلها ولمن أتى إليها وهو لا يريد حجاً ولا عمرة ثم بدا له أن يحج، أو يعتمر، وميقاتاً لمن أتاها من غربها راكباً باخرة أو طائرة مرت بالخط الجوي المرسوم في هذه الرسالة بحيث لم تمر الطائرة بالمواقيت وإنما تمر بعيدة عنها حتى تنزل جدة من غربها فوق البحر الأحمر.
أما أن نقول جدة ميقاتاً كما قال: الدكتور عدنان عرعور في رسالة تحت عنوان: "أدلة إثبات، أن جدة ميقات". فهذا لا يقوله ذو علم وبصيرة بدين الله، ولا يحل الأخذ به أبداً، لأنه نسخ لما وقته النبي صلى الله عليه وسلم من مواقيت، وهل بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم نسخ وقد انقطع الوحي الذي ينزل بالنسخ وبالتثبيت والإقرار؟ اللهم لا، لا.
وعليه فإني أدعو الدكتور إلى إبطال ما كتبه ونقضه كما أدعو الأمة إلى عدم الأخذ به، لأنه باطل والباطل يترك ولا يعمل به، ولا يلتفت إليه. وآخر قولي: الحمد لله رب العالمين.(4/225)
جزء في مسح الوجه باليدين بعد رفعهما للدعاء
Oبكر بن عبدالله أبو زيد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرشد - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أذكار وأدعية - علم ومنوع
خلاصة البحث في فصوله الأربعة: مما تقدم يعلم ما يلي:
1 - المسح في السنة النبوية على صاحبها الصلاة والتسليم.
2 - المسح عند الصحابة رضي الله عنهم.
3 - المسح عند من بعدهم من سلف الأمة رحمهم الله تعالى.
4 - المسح في علم الخلافيات الفقهية.
5 - محل المسح.
وخلاصة البحث في كل منها على النحو الآتي:
أما المسح في السنة النبوية الشريفة فجموع ما روي سبعة أحاديث وهي من حيث تقسيم السنن إلى قولية وفعلية تنقسم إلى قسمين:
أحاديث مروية من فعله صلى الله عليه وسلم وهي أربعة: حديث ابن عمر عن أبيه عمر رضي الله عنهما، وحديث عمر في الاستسقاء، وحديث يزيد الكندي رضي الله عنه. ومرسل الزهري رحمه الله تعالى. وأن حديث عمر في رواية ابنه عبدالله عنه مدار أسانيده على حماد بن عيسى الجهني وهو ضعيف ضعف عدالة لا حفظ. وأن حديث يزيد فيه علتان عنعنة ابن لهيعة وهو مدلس وهو ضعيف من قبل حفظه ولم يتابع، وجهالة حفص بن هاشم، وأن مرسل الزهري من شر المراسيل كما ذكره القطان. وأن حديث عمر في الاستسقاء لم يكشف لنا عن إسناده حتى نعرف حاله. والله أعلم.
وأحاديث مروية من قوله صلى الله عليه وسلم وهي ثلاثة: معضل ابن أبي مغيث، وحديث ابن عمر وفيه: الجارود وهو متروك الحديث. فهذان ليسا بحجة ولا في باب المتابعات والشواهد كما يعلم من فن الاصطلاح. وحديث ابن عباس رضي الله عنهما ومدار أسانيده مع تعدد مخارجها على صالح بن حسان وهو متروك وعيسى بن ميمون وهو ضعيف ضعف عدالة فلا تصلح متابعة أحدهما للأخر. ومن الطريف أن جميع رواة الحديث المذكورين لم يترجمه أحد منهم بما يفيد مشروعية المسح سوى المروزي في كتاب صلاة الوتر كما تقدم – ولعل هذا والله أعلم لأن الأحاديث لا تقوى على المشروعية للمسح بعد الرفع للدعاء، وعبدالرزاق ترجم بها لأثر معمر رحمه الله تعالى.
والمتخلص أن: الأحاديث القولية هذه لا يقام بمثلها سنة تشريعية، وأن الأحاديث الفعلية قبلها لم يكشف لنا في حديث عمر في: الاستسقاء عن إسناده حتى نعلم ضمه إلى حديث يزيد فيقوى أحدهما الآخر أو يكون طرده على نحو أحاديث المسألة هذه فتعلم البراءة من تشريع المسح قطعا والله أعلم.
المسح عند الصحابة رضي الله عنهم: وأما المسح في المأثور عنهم فلم نحس له بأثر ولا إثارة ويبعد انتشار سنة بينهم ثم لا يكون نقلها إلا سيما وهي من السنن الظاهرة. وهذا يقوي جانب البراءة وعدم المشروعية.
المسح عند من بعدهم: وأن المسح صرح غير واحد من التابعين فمن بعدهم بعدم مشروعيته أو عدم ثبوت السنة به منهم: مالك، وابن المبارك، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والعز بن عبدالسلام، والنووي في أحد قوليه وابن تيمية، وابن عرفة، وابن مرزوق، والفيروز آبادي، وابن عباس بل منهم من صرح بأنه بدعة والله أعلم.
وفي مقابل هؤلاء جاءت رواية الفعل له عن بعض السلف منهم: الحسن وأبو كعب، ومعمر، وعبدالرزاق، وابن راهويه، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، والجويني أبو محمد، والله أعلم.
ومعلوم أن هذه هيئة تشريعية الحاكم فيها نص المعصوم صلى الله عليه وسلم وحده والله أعلم.
المسح في علم الخلافيات: وأن المسح عند المالكية غير مشروع. وكذا عند الشافعية في أصح الوجهين من مذهبهم. والحنابلة في الرواية عن أحمد من قوله وفعله والله أعلم.
محل المسح: وأنه لا خلاف أن محل المسح على القول بمشروعيته هو الوجه لا غير ولا خلاف أن المسح على القول بمشروعيته إنما يكون بعد رفع اليدين للدعاء أم مسح لا يسبقه رفع الدعاء فليس محل خلاف من أنه لا يشرع.
وأن النصوص الواردة في رفع الأيدي للدعاء كثيرة جدا ولم ترد واقعة المسح في شيء منها سوى ما تقدم وحالها كما علم. وأن المسح بعد الرفع للدعاء في القنوت داخل الصلاة لم يثبت به سنة نبوية ولا فعل صحابي له. وأما خارج الصلاة فثبوته من السنة النبوية محل نظر للوقف في حديث عمر في الاستسقاء، وعن الصحابة رضي الله عنهم لم يحصل الوقوف على ما يؤثر ومن بعدهم بين الفعل، والترك، والنهي.
وعليه فلو فعله الداعي أحياناً خارج الصلاة من غير ملازمة لكان له وجه مما تقدم وبه نعلم أن ما قرره الإمام البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى 2/ 212 هو كلام من درى السنن وخبر الأثر وقد تقدم سياقه بنصه في ثنايا الفصل الثالث من هذا الجزء المبارك فليرجع إليه فإنه مهم.
وانتهى ما أردت تحريره في المدينة النبوية في عام أربع وتسعين بعد الثلاثمائة والألف من الهجرة النبوية ثم أعدت النظر فيه وتم نسخه صباح الإثنين الموافق لليوم السابع من الشهر الحادي عشر من عام ثلاثة بعد الأربعمائة والألف من الهجرة وذلك في منزلي العامر بحي الخادمية من بلد الطائف المحروس، وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه.(4/226)
جمع الدرر في أحكام التصوير والصور
Oأحمد بن نصر الله المصري
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن القيم - الدمام
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1412هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تصوير ونحت تماثيل
خلاصة البحث:
1 - مسألة التصاوير ذات فروع متشابكة، وفي نصوصها ما يحتاج إلى التوفيق والجمع؛ فلابد من عرضها مرتبة فروعها ليسهل على الناظر التوصل إلى أحكامها.
2 - لابد عند التعرف على الأحكام ودراسة المسألة من الفصل بين فعل التصوير وبين استعمال الصور، فلكل أحكامه الخاصة على الوجه التالي:
3 - التصوير على ثلاثة أنواع:
الأول: باليد .. وينتج عن ذلك صور مجسمة لها ظل فهذه تحرم باتفاق، عدا لعب الأطفال فالجمهور على استثنائه.
الثاني: باليد كذلك .. إلا أنه ينتج عنه صور غير مجسمة ولا ظل لها كالرسم على الورق ونحوه، فهذا محل نزاع بين العلماء سلفاً وخلفاً والراجح حرمته لانطباق فعل التصوير عليه بالمعنى الشرعي.
الثالث: بالآلة .. وهو التقاط صور وإخراجها غير مجسمة ولا ظل لها .. وقد انقسم العلماء المعاصرون بشأن هذه المسألة على فريقين:
أحدهما يرى إلحاقها بالتصوير المحرم.
والآخر يرى جوازها وعدم انطباقها على التصوير المحرم.
والراجح عدم إلحاق هذا النوع بالتصوير الذي تتحدث عنه النصوص، حيث لا ينطبق والمعنى الشرعي للتصوير والذي عبر عنه العلماء كالشيخ أحمد طاحون – في شرحه للأسماء الحسنى عند اسم المصور – قال: "ومعنى التصوير: التخطيط والتشكيل" فصاحب الآلة وكذا الآلة بريئان من التخطيط والتشكيل الذي هو رأس المعنى الشرعي للتصوير وعليه العمدة في التحريم، وإنما اقتصرت مهمتهما على التقاط نفس خلق الله دون الذهاب إلى إيجاد خلق لم يكن موجوداً، مما لا يدع مجالاً مطلقاً للمضاهاة.
والمسألة كما ترى اجتهادية كغيرها من عشرات المسائل الفقهية التي اختلف فيها أهل العلم وكان فيها قولان أو أكثر، فلا ينكر فيها على المخالف لأن علماء الأصول متفقون على أن الإنكار في المتفق عليه لا المختلف فيه ..
وإن كنا نتواصى بالخروج من الخلاف والتورع وحصر الأمر في الحاجة والمصلحة.
هذا .. ومن الجدير بالذكر أنه قد وقع الإجماع من الفريقين على جواز استعمال مثل هذا النوع من الصور عند الضرورة كإثبات الشخصية والتعرف على الأحداث الهامة كوقائع السرقات والجرائم ...
والقياس يقضي – من باب أولى – إلحاق حالات الجهاد بالجواز في كشف مخططات العدو وغير ذلك من الأهداف لأنه ليس على وجه الأرض جرائم أشد من اغتصاب سلطان الله والاعتداء على دينه وحرماته، لاسيما وقد أثبتنا – في بحث آخر – أن الجهاد يباح فيه ما لا يباح في غيره.
هذه خلاصة القول في المسألة ومن أراد التفصيل فليرجع في البحث.
4 - في باب استعمال الصور يحرم تعظيمها أياً كان مخرجها باليد أو بالآلة سواء كانت مجسمة أو غير مجسمة ..
وهنا يتبين أهمية الفصل بين أحكام ذات التصوير وأحكام استعمال الصور؛ ففي حين ترجح عدم اعتبار الالتقاط بالآلة تصويراً بالمعنى الشرعي إلا أن الصورة إذا استعملت على وجه فيه تعظيم حرمت من جهة الاستعمال لا من جهة التقاطها .. والفارق كبير لا يخفى.
أما ما عدا التعظيم فالأمر لا بد له من تفصيل: فالتماثيل المجسمة يحرم استعمالها على أي وجه ويستثنى من ذلك لعب الأطفال .. أما الصور التي لا ظل لها فيكره تعليقها على الحوائط أو الستائر ...
أما إذا كانت الصور لا ظل لها وغيره معلقة فيباح استعمالها على وجه ممتهن كالبساط والوسادة ونحو ذلك، وأيضاً يدخل في الإباحة الصورة إذا كانت في الثوب أو في كتاب ما دامت لم تعظم أو تعلق ... والله تعالى أعلم.
5 - العلل الظاهرة لتحريم التصوير تدور حول مزاحمة الله عز وجل في إحدى صفاته؛ وهي ما تعبر عنه الأحاديث بالمضاهاة والذهاب لإيجاد خلق يشبه خلق الله .... أما علل تحريم الاستعمال تدور جلها حول شبهة التعظيم من دون الله ... والمسألة كلها من باب سد الذرائع إلى الشرك.
6 - لم يثبت نص قولي يفيد وجوب نقض الصور؛ وإنما ورد من فعله صلى الله عليه وسلم، وهو أيضاً ليس على عمومه بل مخصص بما ثبتت فيه الكراهة أو الحرمة، أما الذي أجازت الشريعة استعماله فبديهي أنه لا يشمله النقض.
7 - حديث: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه صورة" ثبت أنه ليس على عمومه من حيث الملائكة ومن حيث الصور؛ بل هو مقيد بنوع من الملائكة وبالصور التي يحظر استعمالها.
8 - المسائل الخلافية لا مجال فيها لإساءة الظن أو معاداة البعض، ولا تؤثر في الأخوة الإسلامية التي ينبغي أن ترتفع فوق الخلاف ..
فلا يلومن أحد علينا إن نحا خلاف ما نحونا فوالله غير الحق ما ابتغينا ..
وهذا هو بيت القصد وخلاصة الخلاصة حتى نلتقي جميعاً في صف متماسك كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
والله اسأل أن يجنبنا الزلل ويهدينا لأقرب من هذا رشداً ويستعملنا لدينه، ويجعلنا جنداً من جنوده.
العبد الضعيف أبو إبراهيم المصري.(4/227)
جمعية الموظفين (القرض التعاوني)
Oعبدالله بن عبدالعزيز الجبرين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عالم الفوائد - مكة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1999م
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - مداينة
الخاتمة
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فمن خلال هذا البحث المتواضع عن (حكم الأجل في القرض) توصلت إلى النتائج الآتية:
1 - أهمية هذا الموضوع، وذلك أن في القول بثبوت الأجل تحقيقا للحكم والمصالح التي شرع القرض من أجلها.
2 - أن الصحيح هو القول بثبوت الأجل عند الاتفاق عليه.
3 - أن الصحيح أيضا القول بالتأجيل عند عدم الاتفاق عليه، متى لحق المقترض ضرر بتعجيل السداد، أو كان هناك قرينة تدل على الأجل أو عرف يقتضيه، فإن لم يكن هناك قرينة ولا عرف، ولا ضرر على المقترض في السداد، وجب عليه الوفاء عند طلب المقرض.
وفي الختام أسأل الله أن يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم، وأن ينفع به كاتبه وجميع المسلمين وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما كثيرا.(4/228)
حجر الكعبة المشرفة – تاريخه – فضائله – أحكامه الفقهية
Oسائد بكداش
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البشائر الإسلامية – بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مكة المكرمة - تاريخ
الخاتمة:
• تم في هذه الدراسة الوافية – ولله الحمد – التعرف على حجر الكعبة المشرفة: حجر إسماعيل عليه الصلاة والسلام، والوقوف على أصله وتاريخه، وقصة بنائه في عدة مراحل زمنية، ومعرفة مقدار مقاساته، وكان هذا هو الفصل الأول من هذه الدراسة.
• وأما الفصل الثاني: فجاء خاصاً ببيان فضل الحجر، وفضل الدخول إليه، والصلاة فيه.
وقد تبين لنا الفضل العظيم للصلاة في المسجد الحرام، وأنها تضاعف بمائة ألف صلاة، وأن الصلاة داخل الكعبة المشرفة تزيد على ذلك فضلاً أعظم؛ لزيادة شرف المكان، ولما روي عنه صلى الله عليه وسلم من قوله: (من دخل البيت: دخل في حسنة، وخرج من سيئة، وخرج مغفوراً له).
• كما ظهر لنا أن من صلى في مقدم الحجر في الأذرع السبعة منه –تقريبا- إلى جهة البيت فهو كمن صلى داخل البيت؛ إذ إن هذه البقعة من الحجر هي من الكعبة المشرفة، لكنها اقتطعت منها وضمت إليه.
• ثم جاء الفصل الثالث – وهو أطولها – لبيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالحجر بالتفصيل على المذاهب الفقهية الأربعة، مع ذكر أدلة كل قول، وما ذكر حولها من مناقشات وجوابات.
وقد تضمن هذا الفصل ثلاثة مباحث:
الأول منها: جاء لبيان الأحكام الفقهية المتعلقة بالصلاة في الحجر، وقد جاءت فيه مسائل أربع:
• المسألة الأولى: لبيان حكم صلاة الفريضة في مقدم الحجر الذي هو قطعة من الكعبة المشرفة، ورأينا أن جمهور العلماء من الحنفية والشافعية وغيرهم يرون صحة الفريضة فيهما، وأما المالكية فيرون صحتها مع الكراهة التنزيهية، وأما الحنابلة فقالوا بعدم صحتها، وقد تم عرض أدلة كل قول، وما ذكر حولها من مناقشات وجوابات.
• وأما المسألة الثانية: فجاءت لبيان حكم صلاة النافلة في مقدم الحجر المكرم، ورأينا أنها تصح فيه؛ بل مع الاستحباب، وهذا هو رأي جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وكذا المالكية في النافلة؛ من غير السنن المؤكدة، وأما المؤكدة كالوتر والضحى وأربع قبل الظهر ونحوها؛ فيرى المالكية صحتها، لكن مع الكراهة التنزيهية، وذلك كله مع عرض الأدلة، وما ذكر حولها من مناقشات.
• وأما المسألة الثالثة: فجاءت لبيان حكم صلاة الفريضة، والنافلة داخل الحجر في البقعة التي ليست هي من الكعبة المشرفة، ورأينا أن من صلى الفريضة - وكذا النافلة مطلقاً - داخل الحجر في البقعة التي تلي الأذرع السبعة والتي هي ليست من الكعبة، أنها تصح، وحكمها كحكم من صلى في المسجد الحرام، من المضاعفة والثواب العظيم.
• كما تبين لنا في المسألة الرابعة استحباب صلاة ركعتي الطواف في الحجر.
• وعرفنا في المسألة الخامسة حكم صلاة النساء في الحجر، وأنه يستحب لهن ذلك؛ إلا إذا أدَّت صلاتهن فيه إلى مزاحمة الرجال وحصول الفتنة من جرَّاء ذلك.
• ثم تبين لنا في المسألة السادسة حكم استقبال الحجر وهوائه في الصلاة، وأن الفقهاء اختلفوا في ذلك على قولين، الأول منهما: أنها لا تصح؛ وبه قال الحنفية والمالكية والشافعية، والقول الثاني: أنها تصح؛ وبه قال الحنابلة.
• أما المبحث الثاني - من الفصل الثالث من هذه الدراسة - فجاء لبيان حكم الطواف داخل الحجر، وقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أن الطواف من داخل الحجر لا يصح، ولابد من الطواف من وراء الحجر، وبهذا قال المالكية والشافعية والحنابلة.(4/229)
القول الثاني: أن الطواف من وراء الأذرع السبعة في الحجر من الواجبات وليس من الفرائض، فمن طاف دون السبعة أذرع: صح طوافه، ووجب عليه الدم؛ لتركه الواجب، ويأثم إن كان معتمداً.
ومن طاف في داخل الحجر من وراء السبعة أذرع: فطوافه صحيح، ولا شيء عليه، وبهذا قال الحنفية.
القول الثالث: أن من طاف داخل الحجر وجعل بينه وبين البيت سبعة أذرع: صح طوافه مع الكراهة، ومن طاف داخل الحجر دون السبعة أذرع: لم يصح طوافه، وبهذا قال جماعة من كبار العلماء كالجويني وإمام الحرمين والبغوي واللخمي وغيرهم.
• ثم عرفنا - في مسألة ملحقة بمسألة الطواف السابقة - حكم من طاف وهو ماد يده في هواء جدار الحجر، أو طاف فوق جداره، وأن الخلاف فيها مبني على الخلاف في المسألة السابقة، فصحَّح طوافه الحنفية دون غيرهم.
• أما المبحث الثالث من الفصل الثالث من هذه الدراسة؛ فقد تضمن خمس مسائل:
• الأولى: في استحباب دخول الحجر، وعلى ذلك نص فقهاء المذاهب الأربعة.
• والثانية: في استحباب الجلوس في الحجر، وفيه أحاديث وآثار عديدة في جلوس النبي صلى الله عليه وسلم في الحجر، وجلوس أصحابه ومن بعدهم، وأن قلب النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم شق فيه، ومنه أسري به صلى الله عليه وسلم، وفيه حدَّث النبي صلى الله عليه وسلم الكفار عن وصف بيت المقدس بعد عودته من رحلة الإسراء والمعراج.
• والثالثة: في استحباب الدعاء في الحجر، وعلى هذا نص فقهاء المذاهب الأربعة.
• والرابعة: في التزام الكعبة المشرفة واعتناقها من داخل الحجر تحت الميزاب، وفيها ذكر بعض الآثار عن السلف رضي الله عنهم في ذلك.
• والخامسة: في حكم الشرب والاغتسال من ميزاب الكعبة المشرفة حال كونه مصنوعاً من الذهب، وحكم ذلك مطلقاً.
وقبل بيان الحكم تم الإطلاع على تاريخ تصنيع ذهب الميزاب وإلباسه إياه.
ثم عرفنا حكم الشرب منه، وأن القرآن الكريم جاء بالنص على بركة الماء النازل من السماء، وبركة بيت الله؛ فكان الماء النازل من الميزاب ماء مباركاً على مبارك.(4/230)
حجية القرائن في الشريعة الإسلامية -البصمات / القيافة
Oعدنان حسن عزايزة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار عمار - عمان
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قضاء - طرق إثبات وشهادة (شهادة - قرينة - خط - يمين)
الخاتمة:
بعد هذه الجولة الطيبة في ظل الفقه الإسلامي وكتبه ومسائله وآراء علمائه وبعد التعريج على كتب علم البصمات وتحليل الدم والقرائن المستجدة الأخرى ومصاحبة أهلها في أبحاثهم ومختبراتهم توصلت بفضل الله عز وجل إلى النتائج التالية:
1 - أن القرائن القوية الظاهرة وسيلة معتبرة من وسائل الإثبات، سواء منها ما كان منصوصا عليه أو كان اجتهادا للقضاة من وقائع الدعوى وملابساتها اعتمادا على أمور ظاهرة بينة، أو اعتمادا على اكتشافات علمية وسنن كونية وصفات ومميزات وضعها الله عز وجل في مخلوقاته، وأن اعتبارها قد أجمع عليه عامة الفقهاء فمنهم من ذكر اعتبارها صراحة ومنهم من جعلها مستنده في بناء الأحكام.
2 - إن وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية ليست محصورة في عدد معين يجب الاقتصار عليه ولا نتجاوزه إلى غيره، وإنما هي وسائل لإثبات الحق وإظهاره، فكل ما يؤدي إلى معرفة الحق وإقامة العدل وإشاعة الأمن فهو معتبر في الإثبات ما دام يوافق روح الشريعة ويحقق مقاصدها، والقول بهذا يفتح ميادين واسعة للاستفادة من كل ما توصل إليه الفكر البشري من تجربة واختراع واكتشاف لسنن الله في كونه.
3 - إن القضاء في الشريعة الإسلامية مرتبط ارتباطا وثيقا بعقيدة المسلم وخلقه فالعقيدة تواكب القضاء ولا تفارقه، فمن وقت سماع الدعوى وأقوال الشهود وملابسات القضية حتى النطق بالحكم والقاضي لا يتصرف تصرفا ولا يتحرك حركة إلا وفق ما بينته الشريعة وحددته من آداب وتصرفات لا يجوز له الخروج عنها، لأنه يعلم أول ما يعلم أنه موقع عن رب العالمين وأن أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم أمانة في عنقه سوف يسأله عنها رب العالمين فلأجل هذا كان علماء المسلمين يهربون من تولي القضاء وينالهم في سبيل هذا العنت والأذى فهم يعلمون أن قاضيا في الجنة وقاضيان في النار، فكل هذا يجعل من يتولى القضاء يخشى الله ويتقه ويتحرى العدل والإنصاف فيقل بذلك الظلم والجور والفساد.
4 - أثناء دراستي عن القضاة وعدلهم وفطنتهم ومراقبتهم لله عز وجل علمت كم تخسر هذه الأمة المسلمة في هذا الزمان لما حالت بين العلماء الصادقين وبين القضاء في حين أباحته لمن لا يؤمن بالله واليوم الأخر، فضلا عن أكله للربا وشربه للخمر وفعله للفواحش، فكم أرواح ازهقت وكم أموال أكلت وكم أعراض انتهكت بغير حق لما أسند الأمر إلى غير أهله.
5 - إن الناس اليوم يشكون ويجأرون من كثرة الجرائم والمجرمين وقلة العدل وانعدام الأمن وما علموا أن ما أصابهم فمن عند أنفسهم، فإنه في ظل قوانين البشر ومناهجهم لا يحصدون إلا القلق والاضطراب وانعدام الأمن، وأما الأمن والاطمئنان فلا يوفره إلا شرع الله ومنهجه.
قال الله تعالى {الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ} الأنعام 82. فهو وحده المنهج الكامل الشامل الذي يصلح الحياة ويواكب تطور الفكر البشري واحتياجات الناس ومطالبهم في كل عصر فمع وجوده وتطبيقه وهيمنته على واقع الحياة يأمن الناس ويزول الظلم وتنعدم الجرائم.(4/231)
6 - إن هناك قرائن قوية قاطعة مستندها الاعتماد على سنن الله في الكون وخواص المواد ومميزاتها التي منحها الله عز وجل لهذه المواد، يجب الاعتماد عليها في الإثبات لأنها تحقق الحق وتظهره، وإن عدم اعتبارها فتح لباب الشر والفساد وإغراء للمجرمين وتسليطهم على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم – بعد أن تقدمت الجريمة بما يناسب روح العصر – واتهام للشريعة بالتقصير وعدم مواكبة التقدم العلمي والفكري للبشر ويجعلها تعيش في عصر غير عصرها وأوان غير أوانها، ومن هذه القرائن البصمات وتحليل الدم.
7 - إذا تعارضت القرائن القوية القاطعة مع القواعد الشرعية الثابتة كالفراش وأيمان اللعان، فإن العمل يكون بحسب هذه القواعد وتلغى القرائن لأنها صارت مع هذه القواعد بمنزلة أضعف الدليلين مع أقواهما، وأما إذا خلت هذه القرائن عن المعارض القوي فتبقى على أصلها في العمل والاعتبار.
8 - إن القرائن الضعيفة لا يعمل بها ولا تعتبر حجة من حجج الشرع ولا وسيلة من وسائل الإثبات، وإن كان يمكن جعلها دليلاً أوليا يرجح بها جانب على جانب لا دليلا قويا مستقلا، فبناء على هذا لم نعتبر دلالة كلاب الأثر والتسجيل والتصوير حجة في الإثبات لأنها قرائن ضعيفة ترد عليها احتمالات كثيرة تضعف دلالتها وتوهي حجتها.
9 - إن الراجح اعتبار قرينة الحمل من غير زوج دليلا على الزنا تحد المرأة بموجبها إذا لم تدع إكراها وغصبا، وأن اللقطة تدفع إلى واصفها إذا أصاب حقيقة الصفة، وأن سكوت البكر علامة على رضاها وقبولها، وأن وجود المسروقات في حوزة شخص دليل على أنه السارق فيضمن المال وتقطع يده إذا لم تشهد له البينة أو القرائن بغير ذلك.
وأن رائحة الخمر دليل قوي على شربها يحد بموجبها وخصوصا بعد أن أصبح سهلا ميسرا معرفة شربه للخمر بتحليل دمه والكشف عن الكحول فيه.
وأن القيافة طريق معتبر لإلحاق النسب ويمكن التأكد من قول القائف بتحليل الدم ومعرفة فصيلة دم الأب والأم والولد، فإن وافق التحليل قول القائف فبها ونعمت وإلا قدمت نتيجة تحليل الدم المبنية على أسس علمية ثابتة أودعها الله الإنسان في حين أن القائف يعتمد على خبرته ونظره المجرد.
10 - إن أهل القانون يتميزون بالترتيب والتنظيم وهذا يدعو علماء المسلمين وفقهاءهم الذين هم أولى بهذا الترتيب والتنظيم وأحق إلى تكثيف جهودهم وصياغة أحكام الشريعة بما يناسب روح العصر ومقاصد الشريعة مستفيدين من الإمكانيات الهائلة المتوفرة من التقدم العلمي والتجربة التي توصل إليها الفكر البشري لتيسير تطبيق الشريعة وقطع الطريق على من يدعون أن العالق عن تطبيق الشريعة هو عدم وجود قوانين شرعية مصاغة صياغة عصرية تسهل على القاضي تطبيق الأحكام دون الرجوع إلى كتب الفقه والبحث عن الحكم الذي يكلف وقتا وجهداً.
11 - عند إعادة البحث لكثير من المسائل الفقهية التي جرى فيها خلاف بين الفقهاء ودراستها من جديد بروح هذا العصر ومعطياته في إطار روح الشريعة ومقاصدها سيستقر الأمر في معظمها على رأي واحد وخصوصا بعد أن دونت السنة وصنفت وعرف صحيحها من سقيمها، وقعدت القواعد وحررت الآراء وأسباب الخلاف، وتقدم الفكر البشري وظهرت الاكتشافات والتجارب التي توضح وتبين كثيرا من الغموض في كثير من المسائل وتقف بنا على عين الحقيقة، فمثلا جرى الخلاف بين العلماء في حد من شمت منه رائحة الخمر وتمسكوا بهذه الشبهة ودرأوا بسببها عنه الحد مع أن هذه الشبهة تتلاشى الآن لأنه أصبح بالإمكان معرفة هل الشخص قد شرب الخمر أم لا؟ سواء أخرجت منه رائحة الخمر أم لا، وذلك عن طريق تحليل دمه والكشف عن الكحول فيه، والنتيجة التي نحصل عليها دقيقة جدا، فيحلل دم هذا الذي شمت منه الرائحة فإن ظهر بعد التحليل أنه قد شرب الخمر فقد زال الشك باليقين ويحد بهذه القرائن القوية، الرائحة وتحليل الدم.
فلذلك بقاء الخلاف في هذه المسألة لا مسوغ له بعد زوال الشبهة والتحقق من حقيقة الرائحة، وقل مثل هذا في مسائل كثيرة يستخدم العلم الحديث في إظهار حقيقتها وبيان الحق فيها، وهذا يؤدي كما أسلفنا إلى استقرار الأمر في كثير من المسائل التي جرى فيها الخلاف على رأي واحد يمكن اعتماده عند صياغة أحكام الشريعة على هيئة قوانين جاهزة للتطبيق.
والله من وراء القصد.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين(4/232)
حد الإقامة الذي تنتهي به أحكام السفر
Oسليمان بن عبدالله الماجد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
سفر - أحكام
خاتمة بأهم نتائج البحث
1 - لم يظهر – من خلال استقراء الإمام ابن تيمية وغيره – أن الشريعة دلت على اعتبار المدد التي ذكرها بعض الفقهاء – كالأربعة أيام أو الخمسة عشر يوماً أو العشرين – حداً فاصلاً بين السفر والإقامة.
2 - لم يظهر من هدي النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة تصحيح قول من قال بأن من قيد نزوله بوقت أو عمل فهو مسافر؛ فتثبت الرخصة – على هذا القول – للطلبة والموظفين والعمال الذين وجدت فيهم هذه الصفة؛ كما لم تظهر صحة قول من حدها بالاستيطان.
3 - ظهر أن الراجح في ضبط الإقامة هو العرف؛ فمن وصفه الناس بأنه مسافر أو مقيم فهو كذلك تبنى على حاله العرفية جميع أحكام السفر أو الإقامة.
4 - أن حقيقة الإقامة في العرف هي: وجود أسباب التعلق بمكان النزول، فمتى اكتملت هذه الأسباب أو كثرت أو قويت عد النازل من المقيمين، ومتى عدمت هذه الأسباب كلها أو قلت أو ضعفت فصاحبها مسافر، أو في حكم المسافرين.
فمن هذه الأسباب نية الإقامة المستقرة ومدتها: فالطمأنينة لا تتحقق أصلا إلا بقصد المدة الطويلة بنية مستقرة لا تردد فيها، وحدها هو العرف. ومنها المكان: فالإقامة لا تكون إلا في مكانها المعتاد. ومنها المسكن: فمن نزل بلداً ولم يتخذ فيه سكن مثله لم يره الناس مقيماً. ومنها التأهل: وله أحوال فصلت في هذا البحث.
5 - أن الوصفين الرئيسين للسفر هما مجاوزة بنيان البلد وقطع المسافة الطويلة، وكلاهما أمر عرفي؛ فما دام الشخص على هذه الحال سائراً متنقلاً فهو في أعلى أحوال السفر.
6 - أن من أحوال النزول التابعة للسفر هي حال من نزل مكاناً لم ينو فيه المقام ولا قطع السفر؛ فبقى مضطرباً غير مستقر ينظر إلى مواصلة سيره، أو الرجوع إلى بلده في وقت يسير عادة؛ كعشرين يوماً أو ثلاثين ونحو ذلك، أو في وقت كثير لم توجد فيه بقية أسباب الإقامة الأخرى؛ كالمكان والمسكن، أو وجد مكان المثل وسكنه في هذه المدة الطويلة، ولكنه يتوقع خروجه كل حين في مثل ذلك الوقت القليل، وأمثلة هذه الأحوال في أسفار الناس كثيرة؛ فمنها: حال من نزل بلداً لجهاد أو إدارة تجارة عاجلة أو لأجل علاج أو مرافعة أو سؤال لأهل العلم أو زيارة أو نزهة، أو مراجعة لدائرة، في مدة قصيرة لا يعتبر معها المسافر مقيماً قاطعاً لسفره؛ كما لا يعد بلد نزوله هذا من دور إقامته، ولو سئل الناس عنه لقالوا بأنه غير مقيم فهو مسافر حقيقة، أو هو باق على حكم سفره؛ لعدم تحقق الإقامة بحدودها المعلومة عند الناس؛ إذ أن حكم السفر العرفي لا ينتهي إلا بإقامة عرفية.
7 - أن ما سوى هذه الأحوال هي أحوال إقامة لا سفر؛ كحال المستوطنين في بلدانهم والمغتربين من الموظفين والطلبة والعمال وأصحاب الدورات المطولة، ونحوهم، حيث ينزلون مكاناً صالحاً للإقامة، في سكن المثل، مع نية مستقرة للمكث مدة طويلة.
8 - أن أكثر أحوال الناس العرفية في السفر والإقامة واضحة بينة، وما قد يشكل من المدد والمسافات أو غيرها من الأسباب فهو قليل، ومع قلته فإنه لا يبنى على التحديد الدقيق وإنما يبنى على التقدير التقريبي، ونظير ذلك مما تعتبر فيه المدد والمسافات كثير.
9 - إذا أشكل على العبد شيء من المسائل العرفية هل يعتبر بها النازل مقيماً أو مسافراً استصحب في ذلك الحال السابقة للوصف الطارئ؛ فإن كان مقيماً وشك في قيام وصف السفر فهو مقيم، وإن كان مسافراً وشك في قيام وصف الإقامة فهو مسافر.
10 - عند تأمل أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار بعض الصحابة والتابعين المذكورة في هذا البحث وما جاء فيها من الترخص المدد الطويلة لا تجدها معارضة لاعتبار العرف في ضبط الإقامة؛ فليس فيها حال واحدة ثبتت فيها الإقامة بمعناها المعروف عند الناس، ولم تكن أحوالهم إلا كأحوال النزول المذكورة قريباً في الفقرة السادسة.
11 - لم يظهر أن ابن تيمية وابن القيم وعبدالله بن محمد بن عبدالوهاب وابن سعدي ورشيد رضا قد قالوا بتأثير تقييد النزول بوقت أو عمل في ثبوت الرخصة.
12 - ظهر من خلال هذا البحث أن ابن تيمية وعبدالله بن محمد بن عبدالوهاب ورشيد رضا يعتبرون العرف في تحديد الإقامة.
13 - ظهر من كلامي ابن القيم وابن سعدي ما يدل على عدم مشروعية ترخص المغتربين وأمثالهم ممن عزموا على الإقامة مدة طويلة بنية مستقرة.
والله تعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/233)
حدود الصفا والمروة (التوسعة الحديثة) دراسة تاريخية فقهية
Oعبدالملك بن عبدالله بن دهيش
المحقق/ المترجم:
هشام بن عبدالملك بن دهيش
الناشر:
مكتبة الأسدي – مكة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - سعي
الخلاصة: أن جبلي الصفا والمروة ممتدان بأكثر مما هو واقع اليوم، وقد شهدت ذلك بنفسي قبل التوسعة السعودية، كما أسلفت، وقد شهد بذلك أيضاً عدداً كبيراً من كبار السن من سكان الصفا والمروة، وقد صدق فيهم المثل القائل: (أهل مكة أخبر بشعابها).
وقال العلامة الحنبلي الشيخ ابن سعيد رحمه الله: (فمنهم من قال بأن عرضه لا يحد بأذرع معينة، بل كل ما كان بين الصفا والمروة فإنه داخل في المسعى كما هو ظاهر النصوص من الكتاب والسنة، وكما هو ظاهر فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ومن بعدهم ومنهم من قال يقتصر فيه على الموجود، لا يزاد فيه إلا زيادة يسيرة يعني في عرضه).
فهذا الرأي هو الذي ترجح عندي بعد دراستي المتعمقة لهذا الموضوع، والوقوف على النصوص الشرعية، وأقوال أهل العلم من الفقهاء والمؤرخين، والرأي الثاني، هو الزيادة فيه زيادة يسيرة، فكلا الرأيين يجيز الزيادة.
ويقول الأخ الأستاذ الدكتور عبد الوهاب أبو سليمان: (أن النقول بالتوارث من طرق الإثبات، كما بينه العلماء، وحرره ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، فقال: وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن، فكنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع المنبر، وموقفه للصلاة، والقبر، والحجرة، ومسجد قباء، وتعيين الروضة، والبقيع، والمصلى ونحو ذلك).
ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك كالصفا والمروة ومنى، ومزدلفة، ومواضع الجمرات، ومواضع الإحرام، كذي الحليفة، والجحفة، وغيرهما، وسنة متلقاة بالقبول.
كما أيد العلم الحديث تلك الحقيقة، فقد قامت هيئة المساحة الجيولوجية، باستخدام آليات خاصة، وحفارات عملاقة، نزلت في أعماق الصخور الموجودة بالمنطقة التي أقيمت التوسعة عليها، فأخذت عينات من جبلي الصفا والمروة من مكانهما قبل التوسعة، ومن منطقة الامتداد الشرقي التي أقيمت عليها التوسعة، فتبين لها:
• أن جبل الصفا لسان من جبل أبي قبيس، وأن لديه امتداداً سطحياً بالناحية الشرقية مسامتاً للمشعر الذي كان قائماً قبل توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بما يقارب (30 متراً).
• أن جبل المروة يمتد امتداداً سطحياً مسامتاً للمشعر قبل توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز بما يقارب (31 متراً).
وذلك في تقرير أعد لمعهد خادم الحرمين الشريفين لأبحاث الحج بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
كما لم يكن للمسعى في السابق بنيان يحده من الجهتين فكان الناس عند الزحام يسعون خارج نطاق البنيان لعدم وجود الجدران، ولوجود امتداد الجبلين قبل تكسيرهما لبناء المسمى، فالأصل أن المسعى، كان مفتوحاً وأن ما تم من بناء وتظليل جاء بقصد حماية الحجاج والمعتمرين خلال السعي من حرارة الشمس وإبعاد الباعة وغيرهم عن طريقهم، ومن البديهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع كان معه عشرة آلاف حاج يؤمهم وهو يسعى بين الصفا والمروة ويعلمهم النسك دون إلزامهم بحدود معينة، ولم يقل لا تتعدوا العرض المعين، أو قفوا عند هذا الحد، ولا تتجاوزوا عرضه، بل حج معه كل هذا العدد وكانوا يسيرون كلهم في المسعى، الأمر الذي يعني أن الأصل في الشرع السعي بين جبل الصفا وجبل المروة في كل شوط والرمل في منتصف الوادي بينهما، ولم يحدد المصطفى صلى الله عليه وسلم مساراً لهذا السعي كي لا يجهد أمته، وما سئل صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم عن شيء إلا قال: (افعل ولا حرج).
كما أن المبنى الذي أزيل في توسعة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله كان لابد من إزالته، وإعادة بناؤه بما يتلاءم مع الزيادة العددية الغفيرة من حجاج بيت الله ومعتمريه، حيث أن المبنى السابق كان مصمماً على قدرة تحمل محدودة، لا تتحمل تلك الأعداد، ويخشى من تهدمه وحدوث كارثة لا يعلم مداها إلا الله سبحانه وتعالى، فندعو الله لخادم الحرمين الشريفين بالتأييد والتمكين، والصحة والعافية، وأن يجزل له العطاء على ما متعه الله به من بعد نظر، وتفكير دائم في نفع المسلمين.(4/234)
حقيقة الجندر وموقف الإسلام منه
Oمنى السروي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مؤسسة الرشد الخيرية
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
2007م
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أسرة واجتماعيات
الخاتمة:
بعد حمد الله تعالى على توفيقه لي بإتمام هذا البحث، أبيِّن في خاتمته أهم ما توصلت إليه من نتائج:
1 - إن اشتراك اللغة العربية واللغة الإنجليزية في كلمة الجندر إنما هو اشتراك لفظي فقط، واستعمل بمعان واستعمالات أخرى؛ فليس له وجود عربي كمصطلح؛ ولذلك أوجدوا له تعريباً في اللغة العربية بـ (النوع الاجتماعي)، وهو في حقيقته مصطلح غامض وموهم وغير مفهوم، تندرج تحته معظم مصطلحات الأمم المتحدة، تدعو في الظاهر إلى مصطلحات برَّاقة، وهي تسعى في الحقيقة إلى هدم الأسرة، وهدم القيم الدينية ونشر الرذيلة.
2 - تعتمد فلسفة الجندر (النوع الاجتماعي) على أن المجتمع وثقافته هو الذي يصنع الفروق بين الرجل والمرأة، وأنه هو الذي قسم الأدوار بينهما، وبدوره جعل الأنثى تنظر لنفسها أنها أنثى والذكر أنه ذكر؛ بل تقول: إن الذكورة والأنوثة هي ما يشعر به الذكر والأنثى، وما يريده كل منهما لنفسه؛ ولو كان ذلك مخالفاً للواقع البيولوجي، أي أن هذه الفلسفة تسعى في جميع أفكارها إلى التماثل الكامل بين الذكر والأنثى.
3 - يحارِب الجندر جميع الأديان، وعلى رأسها الإسلام؛ لأنه يحارب الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فالأديان في الأصل تدعو إلى الخير والفضيلة، وهو يدعو إلى الشر والرذيلة.
4 - يرجع أصل نشأة فلسفة الجندر وأفكاره إلى علم الاجتماع، وإلى نظريات علم النفس الاجتماعي.
5 - مر الجندر بمراحل تطور مختلفة، حتى نشأ على صورته الحالية، ظهرت مع نهاية القرن التاسع عشر بمفهوم المساواة المنصفة، التي تمثلت بالمطالبة بتحسين واقع المرأة الاجتماعي والاقتصادي والأخذ بعين الاعتبار وظائف المرأة البيولوجية - من حمل وولادة ورضاعة وتربية الأولاد .. -، ثم تطور المفهوم إلى المساواة الكاملة أو المطلقة الذي بدأ منذ بداية النصف الثاني من القرن العشرين، وانتهى هذا القرن بالمطالبة بالتماثل بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات والخصائص والوظائف، وهو ما يسمى بالجندر؛ حيث تكفلت بمطالب المرحلتين الأخيرتين المواثيق الدولية التي أصبح لها منظمات خاصة، وأقيمت لها مؤتمرات عالمية تدعو إلى أفكارها.
6 - يدعو الجندر إلى إعادة صياغة اللغة؛ وذلك بوضع معجم أنثوي جديد، كما أنه يدعو إلى التماثل بين الرجل والمرأة؛ وذلك عن طريق المطالبة بضرورة المساواة بينهما في الحقوق والواجبات والخصائص والوظائف دون مراعاة لأي فوارق بينهما!
ويدعو إلى نشر الأمية الفكرية، والتخلف والرذيلة، وإشاعة التثقيف الجنسي الشامل الذي يكون إلزامياً على المجتمعات؛ لاسيما من هم في سن المراهقة؛ وذلك عن طريق حرصهم على إيجاد فرص التعليم وتشجيعهم عليه.
ويدعو إلى حرية الحياة غير المنطقية؛ وذلك عن طريق:
أ) الدعوة إلى زواج المثلين: رجل برجل، وامرأة بامرأة، وإيجاد حلول لغريزة حب الإنجاب لهذا الزواج المثلي؛ عن طريق تأخير الأرحام أو التلقيح الصناعي.
ب) تشجيع إنشاء العلاقات بين الخلان، والدعوة إلى الإجهاض وتحديد النسل، وينتج عن ذلك كله إلغاء الأسرة التقليدية، والدعوة إلى بناء الأسرة اللانمطية أو المتعددة الأسر، ورفض السلطة الأبوية، ورفض الزواج، أو أن يكون للزوج قوامة.
كما يدعو إلى تحرير المرأة وسفورها، وضرورة إدماج المرأة في عملية التنمية، ويعتبر ذلك أسلوباً لتحقيق أهداف الجندر لا مطلباً في حد ذاته؛ حتى تتحقق دعوة التماثل بين الرجل والمرأة.(4/235)
7 - تثبت الحقائق العلمية الحديثة وجود فروق أساسية جينية وجسدية ووظيفية بين الذكر والأنثى؛ وذلك منذ بدء خلق الجنين في بطن أمه، وتؤثر على سلوك كل منهما بعد الولادة، وتستمر في التأثير حتى البلوغ والشيخوخة، وليست الفروق قاصرة على البنية الجسدية الخارجية فحسب؛ بل إن الفروق بينهما كائنة في أجهزة الجسم ومكوناته؛ بل في كل خلية من خلايا جسم كل منهما.
كما أنه يوجد اختلاف سيكولوجي (عقلي – نفسي – أخلاقي) في كل منهما، يرجع أصلها إلى اختلافات جينية وراثية خَلقية خاصة بكل جنس، ويتعدى ذلك إلى اختلاف في ميل كل من الجنسين لبعض الأمراض أكثر من الآخر، وذلك كله يُثبت الإعجاز العلمي في قوله تعالى: {وليس الذكر كالأنثى}، وهذا يدحض شبهة أن الاختلاف الكائن بين الذكر والأنثى أصله ومنبعه من المجتمع وثقافته، ويعني ذلك استحالة ما يدعو إليه الجندر من التماثل بين الذكر والأنثى.
8 - رفع الإسلام مكانة المرأة ومنزلتها، وجعلها شقيقة للرجل؛ فاعترف بها إنساناً بعد أن كانت مهانة في الأمم السابقة، وجعلها مساوية للرجل في التكاليف الربانية والجزاء الأخروي، واعترف بحقوقها الشخصية كاملة، وبحقوقها المدنية؛ ولكنه لم يهمل الفوارق الذهنية والنفسية والجسمية والتركيبية التي أودعها الله بين الجنسين؛ بل راعى هذه الفوارق في التشريع؛ ليكون بمثل ذلك دين الوسطية الذي يحمل السر في عظمة تشريعه.
9 - يركز دعاة الجندر في شبهاتهم على المرأة التي يحاربون بها الدين، وذلك عن طريق الآتي:
أ- المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الولاية، وهو أمر يردُّه الإسلام؛ لأن ذلك يقتضي مناقضة أوامر الشرع من كثرة خروج المرأة من البيت والظهور أمام الناس، والخلوة بالرجل، وهذا محرم، وهي مأمورة بالقرار في البيت، ولم يُوَلِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة، ولا فعل الصحابة رضي الله عنهم من بعده ذلك.
ب- المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في القوامة، وهو أمر يرده الشرع؛ لأن الرجل أقدر من المرأة على صراع مشاكل الحياة وأقوى منها، وأقدر في احتمال أعصابه وتحمُّل التبعات والنتائج، ولأنه هو المكلف والملزم بالنفقة على الزوجة والأولاد والبيت.
ج- المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في تعدد الأزواج، وهذا مردود في كل الشرائع والأعراف كذلك؛ فهو يدخل اضطراباً في عمود النسب، فلا يدري ابن من يكون المولود، وتنشأ الأمراض والعقد النفسية فيهم؛ ولأن ذلك يحطم كيان الأسرة والمجتمع.
د- المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الميراث، وهو أمر يردُّه الشرع، وحكمته في أن جعل للذكر مثل حظ الأنثيين كقاعدة عامة: أن الرجل مكلَّف بالإنفاق على البيت والزوجة والأولاد، وما يصل إليه من ميراث وغيره يستخدمه في النفقة له ولغيره (زوجته وأولاده ... )، بينما المرأة لا يلزمها أن تنفق شيئاً، فما يصل إليها من ميراث يبقى لها وحدها؛ ولذلك كان لها نصف ما للرجل.
هـ- المطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الشهادة؛ سواء في المعاملات والتصرفات المالية، أو في الجنايات، وهذا مردود في الشريعة؛ فأما اعتبار الشرع شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل في المعاملات والتصرفات المالية فلقلِّة خبرة المرأة ومشاركتها في مثل هذه الأمور، عكس الرجل؛ الذي يلازم المعاملات المالية والشؤون التجارية، ولأن طبيعة المرأة انفعالية وتتأثر بالمواقف، ولأن تركيبة الذاكرة عندها لا تمنحها الأهلية الكاملة في الشهادة إلا بوجود امرأة أخرى معها؛ لذلك اعتبر الشارع شهادة امرأتين مقابل شهادة رجل، فإذا شهدت إحداهما ذكَّرتها الأخرى إن ضلت أو نسيت.(4/236)
وأما عن عدم اعتبار شهادة المرأة في الجنايات فلأنها لا تحضر مجالس الخصومات، وإذا حضرتها فإنها لا تستطيع البقاء حتى تشهد جريمة القتل مثلاً، وبالتالي فإنها لا تستطيع أن تصف الجريمة كما هي.
والمطالبة بمساواة المرأة بالرجل في الدية، وهذا أمر يردُّه الشرع أيضاً؛ وذلك لأن الدية ليست للرجل أو للمرأة، وإنما هي للورثة، ولأنه عند قتل الرجل خطأً فإنه يترتب على ذلك خسارة مادية ومعنوية على من يعولهم؛ لأنه مكلف بالنفقة عليهم، على خلاف فقدهم للمرأة، أمّاً كانت أو بنتاً أو زوجة؛ فإنه لا يترتب على ذلك خسارة مادية وإنما معنوية.
فالشرع لا يعتبر الدية تقديراً لقيمة الإنسان؛ وإنما هي تقدير لقيمة الخسارة المادية التي لحقت أسرته بفقده؛ ولذلك فإنه لا ينتقص من شأن المرأة ولا يحتقرها، ودليل ذلك: أن الرجل والمرأة متساويان في القصاص عند القتل العمد.
10 - حرم الإسلام الجندر، وتحريمه ثابت من القرآن الكريم والسنة النبوية، وذلك من خلال تحريم مبادئه وأفكاره، وأنه مخالف للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومناوئ لها، وقد أصدر العلماء فتاوى بتحريمه.
11 - يتجلى الموقف الإسلامي تجاه أفكار دعاة الجندر من خلال الآتي:
أ- دحض دعوى التماثل بين الرجل والمرأة من خلال قوله تعالى: {وليس الذكر كالآنثى} [آل عمران: 36].
ب- تحريم دعوتهم إلى الصحة الإنجابية التي تدعو إلى الآتي:
1) تحديد النسل؛ لأنه يهدد بقاء الأمة.
2) التلقيح الصناعي وتأجير الأرحام، وهو محرم؛ لأنه يقع بغير ماء الزوج، ولأن ذلك يُعدُّ جريمة خُلقية واجتماعية، ولأن فيه اختلاطاً للأنساب.
3) الإجهاض، وقد حرمه الإسلام منذ نفخ الروح في الجنين؛ لأنه يعتبر قتلاً للنفس التي حرم الله بغير حق.
4) نقد الزواج المبكر، ومقابل ذلك فإن الإسلام يحبب التبكير بالزواج؛ لأن في تأخيره مضارّاً خُلقية ونفسية ومعنوية.
ج- تحريم دعوتهم إلى حرية الحياة غير النمطية والتي تتمثل في الآتي:
1) الشذوذ الجنسي بجميع صوره:
1 - إتيان الذكور: حيث اعتبره الشرع من أكبر الجرائم؛ لما فيه من مفسدة للخلق والفطرة، وللحياة نفسها.
2 - السحاق: وهو علاقة محرمة شرعاً.
2) الزنا: وقد حرمه الشارع لما يترتب عليه من مضار عمرانية واجتماعية.
3) استبدال الأسرة التقليدية بالأسرة الجديدة المكونة من زواج رجل برجل، أو امرأة بامرأة؛ وهو ما يسمى بزواج المثلين، أو أن تتكون أسرة من التقاء رجل بامرأة خارج نطاق الزواج الشرعي، مع إلغائهم لسلطة الأب أو الزوج على الأسرة.
وموقف الشرع من ذلك أنه يحرم هذه الأفكار ويحاربها، ويضع للأسرة اعتبارها؛ فهي تتكون تحت إطار الزواج الشرعي، كما أن الشرع حكيم في جعل قوامة الأب أو الزوج على الأسرة؛ وذلك لأن هذه المسؤولية قائمة على الرعاية الكاملة تجاه أفراد الأسرة.
د- النهي عن تبرج المرأة، وقد حذر الشارع منه؛ لما يترتب عليه من أضرار خطيرة؛ تتمثل في جلب الخزي والعار، والدعوة إلى الفتنة والدمار.
كما حرم الشرع سفور المرأة؛ لما يظهر من ذلك من مخالفات شرعية، منها: الخلوة المحرَّمة، والخضوع بالقول مع الرجال، وإطلاق البصر، وانتشار الزنا والسفاح، وذهاب الكثير من حياء المرأة .. وهذه جميعها محرمة.
أما إذا كان خروج المرأة من البيت لضرورة مع التزامها بالشروط التي اشترطها الإسلام: فجوَّز الشرع ذلك، وهذه الشروط هي:
1) إذن الولي في الخروج.
2) عدم الاختلاط أو الخلوة بالأجنبي.
3) عدم التبرج وإظهار الزينة.
4) عدم التطيب عند الخروج.
5) الالتزام بالحجاب الشرعي.
هـ- تحريم دعوة مؤسلمي الجندر؛ لأن أصحابها يُعتبرون دمى تحركها الأيدي الخفية - من دعاة الجندر الغربيين - لتنفيذ مخططاتهم.(4/237)
حكم الأرجل في الوضوء
Oجعفر السبحاني
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مؤسسة الإمام الصادق
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
طهارة - أعمال منوعة
خاتمة المطاف: الآن حصحص الحق
لقد بانت الحقيقة وظهرت بأجلى مظاهرها وذلك بالأمور التالية:
1ـ تصريح الكتاب بمسح الأرجل وأن غسلها لا يوافق القرآن الكريم.
2ـ إن هناك لفيفا من أعلام الصحابة وسنامها الذين هم عيبة السنة وحفظة الآثار كانوا يمسحون وينكرون الغسل أشد الإنكار وقد وقفت على رواياتهم الكثيرة الناهزة حد التضافر.
3ـ إن أئمة أهل البيت، وفيهم: الإمامان الباقر والصادق عليهم السلام بينوا وضوء رسول الله [صلى الله عليه وسلم] وأنه كان يمسح الأرجل بدل غسلها وقد مرت كلماتهم.
4ـ إن ما دل على غسل الأرجل وإن كان فيه الصحيح لكن فيه الضعيف أيضا، بل الضعاف أكثر من الصحاح، فعلى الفقيهة معالجة تعارض الروايات الدالة على الغسل، بالكتاب أولا وبالسنة الدالة على المسح ثانيا.
5ـ إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمر المسلمين قاطبة بالأخذ بأقوال العترة حيث قال: " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " فالتمسك بأقوالهم وأحاديثهم تمسك بما ينقذه من الضلالة، ومن أخذ بواحد منهما فقد خالف الرسول.
مضافا إلى أن عليا ـ باب علم النبي ـ هو المعروف بالقول بالمسح وقد قال الرازي في هذا الصدد " ومن اقتدى في دينه بعلي بن أبي طالب فقد اهتدى والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: اللهم أدر الحق مع علي حيث ما دار"
6ـ إذا كان الاجتهاد بمعنى بذل الجهد في استنباط الأحكام عن أدلتها الشرعية فماذا اختصت هذه النعمة الكبرى بالأئمة الأربعة دون سواهم وكيف صار السلف أولى بها من الخلف؟!
هذا ونظيره يقتضي لزوم فتح باب الاجتهاد في أعصارنا هذه والإمعان في عطاء الكتاب والسنة في حكم هذه المسألة متجردا عن قول الأئمة الأربعة ونظرائهم.
إن الاجتهاد رمز خلود الدين وصلاحيته للظروف والبيئات وليس من البدع المحدثة بل كان مفتوحا منذ زمن النبي وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم وقد أغلق لأمور سياسية عام 665هـ.
قال المقريزي في بدء انحصار المذاهب في أربعة "فاستمرت ولاية القضاة الأربعة من سنة 556هـ حتى لم يبق في مجموع أقطار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب الإسلام غير هذه الأربعة وعودي من تمذهب بغيرها وأنكر عليه ولم يول قاض ولا قبلت شهادة أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب وأفتى فقهاؤهم في هذه الأمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم عداها والعمل على هذا إلى اليوم(4/238)
حكم الإضراب عن الطعام في الفقه الإسلامي
Oعبدالله بن مبارك بن عبدالله آل سيف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - عمادة البحث العلمي
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1427هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أطعمة وأشربة
الخاتمة والتوصيات:
وفي نهاية البحث نحمد الله أولاً وآخراً، على تيسيره وعونه، فهو صاحب الفضل والنعم والجود والكرم، كما نلخص أهم نتائج البحث فيما يلي:
1 - أن الإضراب عن الطعام من الأمور الجديدة التي لم تعرف في تاريخ الأمة وهو: الامتناع عن بعض أو كل أنواع الطعام أو الشراب أو هما معاً، مدة محددة أو مفتوحة للمطالبة بحقٍ ما لدى طرف ثان، وأن له أنواعاً عدة وصوراً متنوعة.
2 - أن الإضراب له شروط لنجاحه, وهي شروط مؤثرة في الحكم.
3 - أن الإضراب له مجالات كثيرة منها: الإضراب عن العمل، أو عن العلاج، أو عن الكلام وغيرها.
4 - أما حكمه فقد اختلف العلماء في حكمه على ثلاثة أقوال: القول الأول: التحريم المطلق، والثاني الجواز المطلق، والثالث التفصيل وهو قول جمهور العلماء المعاصرين: أنه يجوز ما لم يصل لمرحلة الخطر أو الموت.
5 - وعند الترجيح تبين رجحان القول الثالث القائل بالتفصيل.
6 - والترجيح في قضية التكييف أنه:
• إن اقترن به نية صوم فهو وصال، ثم إن وصل للموت فهو انتحار محرم.
• وإن لم يقترن به نية صوم، فهو نوع من أنواع رفع الظلم، فهو مباح بكل وسيلة ما لم يصل إلى درجة الموت فيحرم، ولا يصح تكييفه على أنه دفع للصائل؛ لأنه تعمد للموت في منأى عن العدو, ومدافعته المباشرة، والمقصود يحصل بالإضراب غير المفتوح أو غير الشامل.
7 - تبين أن الصيام للتضامن مع المضربين بدعة محدثة لم يرد بها الدليل، والله أعلم.
أما أهم التوصيات فأقترح ما يلي:
1 - بحث مسألة الإضراب عن العمل؛ نظراً لأهميتها وتشعبها وانتشارها، وكون كثير من القوانين الدولية والمحلية تنص على أحقية العمال في الإضراب عن العمل وفق شروط معينة.
2 - بحث مسألة: الإضراب عن التعاون في مجالات معينة.
3 - بحث مسألة الأشياء المتزامنة مع الإضرابات مثل: الاعتصامات والمظاهرات والاحتجاجات والإثارة الإعلامية، وأحداث الشغب وغيرها.(4/239)
حكم الاستعانة بغير المسلمين في الجهاد
Oمحمد بن عبدالله بن سبيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد - الاستعانة بغير المسلمين
الخاتمة
وبعد هذا الإيضاح لقولي العلماء في المسألة وأدلتهم يظهر لنا جواز الاستعانة بالكفار في القتال عند الحاجة المقتضية أو الضرورة الملحة، كما هو مذهب جمهور العلماء، للأدلة التي استدلوا بها على ما ذهبوا إليه. والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.(4/240)
حكم الاستعانة بغير المسلمين في الجهاد الإسلامي
Oمحمد عثمان شبير
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد - الاستعانة بغير المسلمين
الخاتمة
هذه هي أحكام الاستعانة بغير المسلمين في مجالات الجهاد المختلفة حاولت جهدي ضبط مسائلها، وتحقيق أدلتها، وتحرير مواطن الاتفاق والاختلاف فيها وترجيح ما تؤيده الأدلة الثابتة القوية، وتحديد ضوابطها وقيودها التي تعصم الأمة من الوقوع في مكائد الأعداء. ويتضح من هذا البحث الأمور التالية:
1 - إن الاستعانة بغير المسلمين تعني الاستعانة بمطلق الكافرين من حربيين وذميين ومستأمنين، ولا يدخل فيها الاستعانة بالمنافقين والفاسقين وأهل الأهواء والبدع والبغاة الخارجين على الإمام؛ لأن الاستعانة بهؤلاء تدخل في الاستعانة بالمسلمين لا بالمشركين، وهي أمر واجب: فيجب على المسلمين أن يتعاونوا فيما بينهم لدفع الاعتداء على دار الإسلام قال تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].
2 - إن الاستعانة بغير المسلمين في مجالات الجهاد السلمية من حماية الدعوة والداعية وحماية الدولة في بداية عهدها، والتجسس على الأعداء، وشراء السلاح والتخذيل عن المسلمين جائزة عند الحاجة، وبشروط منها الوثوق بالمستعان بهم، وعدم التنازل عن المبدأ والعقيدة وعما هو ثابت في الإسلام.
3 - إن الاستعانة بغير المسلمين في مجال الخدمة والهدم والتخريب جائزة باتفاق الفقهاء.
4 - إن الاستعانة بغير المسلمين في مجال القتال لا تجوز إلا للضرورة أو الحاجة، وبشروط منها الوثوق بالمستعان بهم، والقدرة على رد كيدهم، وألا يستعان بهم في قتال المسلمين، وألا يترتب على الاستعانة بهم التنازل عن المبدأ، أو المقاتلة تحت رايتهم، أو الموالاة لهم والتحسين لأفكارهم.
5 - إن الإسلام يوجب على المسلمين الوفاء بما التزموه من شروط وحقوق لغير المسلمين الذين استعانوا بهم في الجهاد.
6 - إن الإسلام يوجب على المسلمين الدفاع عن الذميين الذين يعيشون في دار الإسلام بعقد ذمة أو أمان، كما يوجب عليهم استنقاذ من وقع منهم أسيرا في يد الأعداء الحربيين.
7 - إن إعانة المسلمين لغيرهم بالرجال والسلاح غير جائزة إلا للضرورة خاصة إذا كانوا يقاتلون المسلمين، أما إذا كان القتال بينهم وبين كفار آخرين فلا تجوز أيضا إلا لحاجة.
8 - إن الذمي لا يجوز له أن يعقد عقد أمان لحربي ولو اشترك مع المسلمين في القتال.
9 - إن الذمي لا يطلق عليه شهيد ولو مات في معركة من معارك التحرير أو الدفاع عن دار الإسلام.
10 - وفي الختام يجب على المسلمين أن يعتمدوا على أنفسهم في تحقيق أهدافهم الجهادية، فيحرصوا على إيجاد ذوي الجاه والكلمة المسموعة من المسلمين ممن يقدرون على دفع الأذى عن المسلمين بالمداراة المشروعة والكلمة الطيبة، ويحرصوا على وجود متخصصين في الإعلام لنشر مآثر الإسلام ودفع الشبهات التي يطرحها الأعداء، ووجود مراكز متخصصة لجمع المعلومات والأسرار العسكرية عن الأعداء الحربيين، ووجود علماء متخصصين في علم النفس العسكري لتوظيف الإشاعة والأراجيف في خدمة المعارك الإسلامية، ويحرصوا على وجود علماء متخصصين في صناعة الأسلحة وتطويرها، ووجود خبراء عسكريين قادرين على تخريج جنود محترفين في القتال.
والله أسأل أن يبرم لهذه الأمة أمرا رشيدا يعز فيه وليه ويذل فيه عدوه، ويعمل فيه بطاعته وينهي فيه عن معصيته.
وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.(4/241)
حكم البسملة في الصلاة
Oأحمد العالم
المحقق/ المترجم:
عبدالسلام محمد الشريف العالم
الناشر:
دار الغرب الإسلامي - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1993م
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - البسملة
الخلاصة
دائماً يكون الحكم على البحث والباحث من خلال المصادر والمراجع المستخدمة في البحث والشيخ صاحب الإجابة وكذلك المعقب قد استخدم كل منهما المراجع والمصادر المعتمدة في هذا المجال يظهر ذلك واضحاً للعيان من خلال مراجعة ثبوت الكتب الواردة في النص المحقق.
وبذلك ابتعد المؤلف عن السرد العفوي للأحكام، وتجاوز العرض الأفقي، واستخدم المنهج التحليلي للغوص في الأعماق فضمن النص ما هو من صلب العلم موضوع السؤال والجواب، وما هو من ملحقه فتناول علم القراءات والفقه والأصول واللغة والمنطق وغيرها.
والسائل والمجيب والمعقب كلهم من أهل العلم المشهود لهم بالكفاءة العلمية في عصرهم، وتوفرت فيهم شروطه وهي:
أ- أن يكون عارفاً بأصوله وما ينبني عليه ذلك العلم.
ب- أن يكون قادراً على التعبير عن مقصوده فيه.
ج- أن يكون عارفاً بما يلزم منه.
د- أن يكون قائماً على دفع الشبه الواردة عليه فيه.
وإذا نظرنا في مضمون هذه الرسالة وما حوته من سؤال، وجواب وتعقيب وما عليه علماء السلف الصالح وجدناهم قد اتصفوا بوصف العالم العامل بعلمه.
والعلم نور يهدي به الله من يشاء، ومن علاماته التجافي عن الغرور والإنابة إلى دار الخلود.
ومسألة البسملة في الصلاة من المسائل التي يلزم الخروج فيها عن الخلاف، وذلك بالبسملة سراً في الصلاة الجهرية والسرية فرضاً أو نفلاً على حد سواء، والصلاة على هذا النحو صحيحة باتفاق العلماء لا خلاف فيها، والخروج من الخلاف إلى الإجماع والاتفاق مطلوب لأن الله لم يجعل علينا في الدين من حرج، والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.(4/242)
حكم الشرع في لعب الورق "الشدة"
Oمشهور بن حسن آل سلمان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن حزم - بيروت
الطبعة:
الثالثة
سنة الطبع:
1419هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ألعاب
خاتمة
تبين لنا حرمة (اللعب بالورق) من وجوه عديدة، وهو ما جزم بهم حققوا أهل هذا العصر من العلماء والفضلاء، وزيادة على ما قيل في مضار ومفاسد (اللعب بالورق) في المبحث الثاني، نضيف هنا:
إن اللعب به فيه إضاعة للوقت، الذي هو أنفس ما يملك الإنسان، و"ترجع نفاسة الوقت إلى أنه وعاء لكل عمل وكل إنتاج، فهو في الواقع رأس المال الحقيقي للإنسان فرداً أو مجتمعاً. إن الوقت ليس من ذهب فقط كما يقول المثل الشائع، بل هو أغلى في حقيقة الأمر من الذهب واللؤلؤ والماس، ومن كل جوهر نفيس، وحجر كريم".
فالوقت هو الحياة، فمن الواجب على المسلم أن يحافظ عليه، كما يحافظ على بدنه وماله، بل أكثر، وأن يحرص على الاستفادة منه فيما ينفعه في دينه ودنياه، وفيما يعود على أمته بالخير والسعادة والتقدم نحو الطاعة والفضيلة.
فقد جاءت الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية الشريفة، وأقوال السلف الكرام والعلماء والصالحين والزهاد والشعراء في المحافظة عليه والاستفادة منه، وإليك قطوفاً من ذلك، نجعلها خاتمة هذه الرسالة، التي نسأل الله رب العرش العظيم أن ينفع بها المسلمين.
قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا}.
أي: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، ليتعظ المسلم ويعتبر باختلافهما، أو أراد شكر الله تعالى فيهما، فمن فاته عمل في أحدهما، حاول أن يتداركه في الآخر.
• عن معاذ بن جبل: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لن تزول قدما عبدٍ يوم القيامة، حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن عمله ماذا عمل به".
فالوقت خصَّه صلى الله عليه وسلم بسؤالين رئيسين من ضمن الأسئلة الأساسية الأربعة التي توجه إلى المكلف يوم الحساب، وبين صلى الله عليه وسلم أن الإنسان يسأل "عن عمره عامة، وعن شبابه خاصة، والشباب جزء من العمر، ولكن له قيمة متميزة باعتباره سن الحيوية الدافقة، والعزيمة الماضية، ومرحلة القوة بين ضعفين، ضعف الطفولة، وضعف الشيخوخة، كما قال تعالى:
{اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ}.
• وكان الحسن البصري يقول: "ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادي: يا ابن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة".
• وكان يقول: "يا ابن آدم! إنما أنت أيام مجموعة، كلما ذهب يوم ذهب بعضك! ".
• وكان يقول أيضاً: "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم! ".
• وكان عمر بن عبدالعزيز يقول: "إن الليل والنهار يعملان فيك، فاعمل فيهما! ".
• وكانوا يقولون: "من علامة المقت إضاعة الوقت".
• ويقولون: "الوقت سيف إن لم تقتطعه قطعك".
• وقال حكيم: "من أمضى يوماً من عمره في غير حق قضاه، أو فرض أداه، أو مجد أثله، أو حمد حصله، أو خير أسسه، أو علم اقتبسه، فقد عق يومه، وظلم نفسه! ".
• وقال الشاعر:
وما المرء إلا راكب ظهر عمره
على سفر يفنيه باليوم والشهر
يبيت ويضحى كل يوم وليلة
بعيداً عن الدنيا قريباً إلى القبر(4/243)
فيا من تقبلون على (لعب الورق)! هذا هو حرص سلفكم الصالح على الوقت، فقدروا قيمته وخطره، فإن فعلكم هذا وهدركم لأنفس ما تملكون يمزق الكبد أسى وأسفاً، وتذكروا أن السفه في إنفاق الأوقات أشد خطراً من السفه في إنفاق الأموال، فإن المال إذا ضاع قد يعوض، والوقت إذا ضاع لا عوض له.
واعلموا أن الفراغ نعمة عظيمة إن أحسنتم الاستفادة منها، وإليكم ما يدل على ذلك:
• أخرج البخاري في "صحيحه" عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "نعمتان من نعم الله مغبون فيهم كثير من الناس: الصحة، والفراغ".
• وأخرج الحاكم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك".
• وقال بعض الصالحين: فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة بأن فتح على نفسه باب الهوى، وانجر في قياد الشهوات، شوش الله عليه نعمة قلبه، وسلبه ما كان يجده من صفاء قلبه.
• فيا من تقضون أوقاتكم في اللهو والعبث! ألا تعلمون أنكم بفعلكم هذا تعملون على قتل أنفسكم؟! فإن قتل الوقت في الحقيقة قتل النفس، فهو جريمة انتحار بطيء ترتكب على مرأى ومسمع من الناس، ولا يعاقب أحد عليها! وكيف يعاقب عليها من لا يشعر بها، ولا يدري مدى خطرها؟!
واعلموا – رحمكم الله – أن الفراغ لا يبقى فراغاً أبدا، فلابد أن يملأ بخير أو شر، ومن لم يشغل نفسه بالحق، شغلته نفسه بالباطل، فهيا أيها اللاهون! ... أيها العابثون ... ! يا من تلعبون بـ (الورق) وغيره مما لا يجدي ... املؤوا أوقاتكم بالخير والصلاح ... في أداء الصلوات جماعة في بيوت الله ... في الإقبال على القرآن الكريم: تلاوة وحفظاً وتفسيراً ... في مدارسة حديث الرسول صلى الله عليه وسلم ... في الجثو على الركب بين يدي العلماء ورثة الأنبياء ... ناهلين عن علمهم ... مستفيدين من هديهم وسمتهم ... وحينها فقط، إن فعلتم ذلك ... هنؤت لكم توبتكم ... وطوبى لكم ... وإلا فالويل عليكم ... والضلال مصيركم ... وابحثوا – إن استطعتم – عمن تبيعون له أوقاتكم ... فإنكم عناصر خمول وكسل ... ومعاول ... ولا فائدة من أوقاتكم ... ورحم الله جمال الدين القاسمي، فإنه لما كان يمر بـ (المقاهي) ويرى (لاعبي الورق) وغيرهم، كان رحمه الله تعالى يقول: "يا ليت الوقت يباع فأشتريه منهم".
وأقول لكم ... أخيراً ... أيها العابثون! يا ليت أوقاتكم تباع، فيشتريها منكم الدعاة وطلبة العلم والمصلحون ... وحينها لأرحتمونا من رقم هذه الكلمات والسطور ... ولا حول ولا قوة إلا بالله ... نسأل الله لنا ولكم الهداية إلى سواء السبيل ... وفقنا الله وإياكم لفعل الطاعات ... وترك المنكرات ... وحب المساكين ... وجعلنا وإياكم مفاتيح خير ... مغاليق شر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/244)
حكم الشريعة الإسلامية في عقود التأمين
Oحسين حامد حسان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الاعتصام
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تأمين
خاتمة: "نتائج البحث": وفي نهاية هذا البحث نعرض النتائج التي انتهينا إليها فيه على الوجه التالي:
أولا: أن التأمين باعتباره نظرية ونظاما غير منظور فيه إلى الوسائل العلمية لتحقيق النظرية وتطبيق النظام، أمر يتفق مع مقاصد الشريعة العامة وتدعو إليه أدلتها الجزئية. ذلك أن نظرية التأمين كما يقول أحد شراح القانون "ليست إلا تعاونا منظما تنظيما دقيقا بين عدد كبير من الناس معرضين جميعا لخطر واحد، حتى إذا تحقق هذا الخطر بالنسبة إلى بعضهم، تعاون الجميع على مواجهته، بتضحية قليلة يبذلها كل منهم، يتلافون بها أضرار جسيمة تحيق بمن نزل به الخطر منهم، لولا هذا التعاون".
ونحن لا نظن أنه قد ثار خلاف في جواز التأمين بهذا المعنى أعني التعاون والتضامن على تفتيت آثار المخاطر وتوزيعها على عدد من الناس، وإنما ثار الخلاف في بعض الوسائل العلمية التي ظهرت في العمل لتحقيق النظرية وتطبيق النظام، وأعني بذلك العقود التي تبرمها شركات التأمين التجارية.
ثانيا: أن مشروعية الغاية والمقصد لا يلزم منها حتما جواز كل وسيلة تؤدي إلى هذه الغاية أو تحقق ذلك المقصد. فمن الأصول المسلمة في الشريعة الإسلامية أن الغايات والمقاصد الشرعية يجب الوصول إليها وتحقيقها بالوسائل الشرعية دون المحرمة، لأن الوسيلة المحرمة إذا حققت مقصدا شرعياً فوتت مقصدا شرعياً آخر، والشارع الحكيم قاصد بشرعه تحقيق جميع مقاصده كما قلنا. ولقد سن سبحانه من الأحكام وشرع من المعاملات ما يكفي لتحقيق جميع مقاصده، وإذا سدت الشريعة طريقا أو منعت وسيلة تؤدي لمقصد شرعي، فإنها تشرع وسائل وتفتح طرقا أخرى لتحقيق هذا المقصد دون تفويت لغيره. فجمع المدخرات واستثمارها مقصد شرعي ولكن يجب تحقيقه بوسائل مشروعة لا تقوم على نظرية الفائدة الربوية، وتبادل الأموال مقصد شرعي، ويجب تحقيقه بوسائل لا تنطوي على غرر أو قمار أو ربا.
فالتعاون والتضامن على ترميم آثار الأخطار وجبر ما تجره على الناس من أضرار أمر يتفق مع مقاصد الشريعة، ولكن هذا الترميم وذلك الجبر يجب أن يكون بالوسائل المشروعة التي لا تنطوي على غرر وقمار وربا.
ثالثا: أن الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات هي عقود التبرع حيث لا يقصد المتعاون والمضحي فيها ربحا من تعاونه وتضامنه ولا يطلب عوضاً مالياً مقابلا لما بذل، ومن ثم جازت هذه العقود مع الجهالة والغرر، ولم يدخلها القمار والمراهنة والربا. ذلك أن محل التبرع إذا فات على من أحسن إليه به، بسبب هذه الأمور، لم يلحقه بفواته ضرر، لأنه لم يبذل في مقابل هذا الإحسان عوضا، بخلاف عقود المعاوضات، فإن محل المعاوضة إذا فات على من بذل فيه العوض، لحقه الضرر بضياع المال المبذول في مقابلته، وما قبل بشأن الجهالة والغدر والقمار والمراهنة يقال مثله في الربا، فالمرابي يعطي القليل ويأخذ الكثير بعد الأجل، والمتبرع يعطي ولا يأخذ، فلا يتحقق الربا في التبرع.(4/245)
رابعا: أن كلا من التأمين التعاوني والتأمين الاجتماعي يحقق الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات، فهذان النوعان من التأمين يقومان على قصد التعاون والتضامن والتبرع، دون الرغبة في استثمار الأموال، وطلب الربح، فيعدان تطبيقا سليما لنظرية التأمين في رأينا، لأنهما "ليسا إلا تعاونا منظما تنظيما دقيقاً بين عدد كبير من الناس معرضين جميعا لخطر واحد، حتى إذا تحقق الخطر بالنسبة إلى بعضهم، تعاون الجميع على مواجهته، بتضحية قليلة يبذلها كل منهم، يتلافون بها أضرارا جسيمة تحيق بمن نزل به الخطر منهم، لولا هذا التعاون".
خامسا: أن التأمين بقسط ثابت، وهو الذي تقوم به شركات التأمين، لا يحقق الصيغة العملية التي شرعها الإسلام للتعاون والتضامن وبذل التضحيات، لأن العقود التي تبرمها هذه الشركات معاوضات مالية دخلها الغرر والقمار والربا وعقود المعاوضات إذا دخلتها هذه الأمور بطلت. ولقد بذلت محاولات كثيرة من بعض الباحثين لنفي هذه الحقيقة، تارة بإدخال التأمين في عقود التبرع، واعتباره تعاونا بين المستأمنين الذين يتعاملون مع شركة تأمين معينة، بدعوى أن هذا العقد ينشئ علاقة بين طائفة المستأمنين أساسها التعاون والتضامن ويكون دور شركة التأمين في هذا التعاون دور النائب والوسيط الذي ينظم تعاونهم، وتارة أخرى ينفي الغرر في جانب شركة التأمين بدعوى أن عقد التأمين ينشئ علاقة بين شركة التأمين ومجموع المؤمن لهم، وأن هذه الشركة تستطيع بواسطة حساب الاحتمالات وقانون الكثرة وقواعد الإحصاء، أن تحدد على وجه يقرب من الدقة مقدار ما تعطي لمجموع المؤمن لهم وما تأخذ منهم، وتارة ثالثة بدعوى انتفاء الغرر والقمار في جانب المستأمن، على أساس أن المعاوضة في عقد التأمين أنما هي بين الأقساط التي يدفعهما المستأمن والأمان الذي يحصل عليه. وأن المستأمن يحصل على هذا الأمان من وقت العقد دون توقف على وقوع الخطر، فلا يكون هناك غرر في جانبه لأنه يستوي لديه في هذه الحالة وقوع الخطر وعدم وقوعه، فهو إذا وقع حصل على الأمان بقيام مبلغ التأمين بإحياء ما هلك من أمواله وحقوقه ومصالحه، وإذا لم يقع فإنه يحصل على الأمان ببقاء أمواله وحقوقه ومصالحه سليمة.
وهذه المحاولات جميعا لم تؤد الهدف المنشود، لأنها تقوم على مجرد الفرض والتقدير ولا تعتمد على واقع هذه العقود كما فصلنا.
سادسا: أن التطبيق الكامل للشريعة الإسلامية يحقق التعاون والتضامن والتكافل على أساس محكم لم يسبق له نظير، وأن توسع الدولة الإسلامية في التأمينات الاجتماعية حتى تشمل جميع طبقات الشعب التي تعجز مواردها عن مواجهة الأخطار أمر لازم لا بد منه، فإن الدولة الإسلامية، في نظر الإسلام، تلتزم بتأمين فرصة عمل لكل قادر على العمل، وبتأمين العاجز عن العمل بإعطائه ما يكفيه مأكلا ومشربا وملبسا ومسكنا ومركبا كما يقول بعض الفقهاء، ولها في موارد الزكاة ما يقوم بذلك، وإلا كان لها أن تفرض من الضرائب على الأغنياء ما يسد حاجة الفقراء.
سابعا: أن الصيغة المشروعة المتاحة للأفراد حتى الآن لتحقيق أهداف التأمين ومقاصده من التعاون والتضامن على توقي آثار المخاطر هي التأمين التبادلي الذي تقوم به الجمعيات التعاونية، إذا قامت دراسات جادة للتوسع في هذا النوع من التأمين واستخدام الوسائل العلمية لتنظيمه على الوجه الذي يحقق به هذه الغايات والمقاصد.
وهناك تجارب مفيدة في هذا المجال قامت بها بعض الدول الإسلامية يمكن الاستفادة منها.(4/246)
حكم التجنس بجنسية دولة غير إسلامية
Oمحمد بن عبدالله بن سبيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه - أحكام مسائل فقهية منوعة مفردة
الخاتمة
تقدم لنا ذكر الأدلة من القرآن والسنة وكلام العلماء وفتاواهم - رحمهم الله - حول موضوع المقام بين أظهر المشركين، ومحبتهم، ومودتهم، وموالاتهم، والركون والميل إليهم، والقعود معهم على مسمع من كفرهم بآيات الله والاستهزاء بها، وطاعتهم في بعض الأمر، والبقاء معهم مع القدرة على الهجرة إلى بلاد المسلمين، والتحاكم إليهم، والرضى بذلك، والاطمئنان لبعض أوامر الشريعة مما يوافق هواهم، وكراهيتهم لما لا يوافق هواهم، وعدم القيام به، ولحوقهم بالكفار بعدما عرفوا الإسلام ونشأوا بدار الإسلام، واتباعهم لما يسخط الله مما عليه أعداء الله، ووعدهم للكفار بأن يكونوا معهم ضد أعدائهم وأعداء بلادهم بدون استثناء، ومحبة الآباء والأبناء والإخوان والأزواج والأموال والمكاسب التجارية والمساكن الملائمة لهم على محبة الله ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم كل ذلك تقدم مفصلا.
وبعد تأمل أقوال أئمة التفسير ومحققي العلماء على الآيات الكريمات في هذا الشأن، وما نقل عنهم مما يتعلق بهذا الموضوع كقول ابن جرير - رحمه الله - {فَلَيْسَ مِنَ اللهِ فِي شَيْءٍ} أي فقد برئ من الله وبرئ منه بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر ".
وقول شيخ الإسلام ابن تيمية: " من جمز إلى معسكر التتر، ولحق بهم، ارتد وحل دمه وماله ".
وتأمل حديث أبي بكرة في المسند في قصة بني قنطوراء: " وقوم أخذوا لأنفسهم - أي الأمان - وكفروا ".
وقول الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ آبَاءكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاء إَنِ اسْتَحَبُّواْ الْكُفْرَ عَلَى الإِيمَانِ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] بعد كلامه على تلك الآيتين: " فكيف بمن اتخذ الكفار الأباعد أولياء وأصحابا، وأظهر لهم الموافقة على دينهم خوفا على بعض هذه الأمور، وهي الأموال والمساكن ونحوها، ومحبة لها ومن العجب استحسانهم لذلك، واستحلالهم له، فجمعوا مع الردة استحلال الحرام ".
وقول الشيخ عبد الله أبا بطين رحمه الله: " دل القرآن والسنة على أن المسلم إذا حصلت منه موالاة أهل الشرك بالانقياد لهم ارتد بذلك عن دينه ".
وقول الإمام ابن جرير - رحمه الله - على قوله تعالى: {قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ}: " يوم نزلت هذه الآية كان من أسلم ولم يهاجر فهو كافر حتى يهاجر إلا المستضعفين ".
وما نقله ابن كثير رحمه الله على قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51]: عن ابن سيرين قال: قال عبد الله بن عتيق: ليتق أحدكم أن يكون يهوديا أو نصرانيا وهو لا يشعر، قال: فظنناه يريد هذه الآية ". وقصة بعض بني حنيفة حينما كانوا جالسين في المسجد بعد ما تابوا وهاجروا وسكنوا في الثغور للجهاد، لما قال أحدهم وهم في مسجدهم قد صلوا المغرب وينتظرون صلاة العشاء، قال شخص: إن مسيلمة على حق. أجمع الصحابة على كفرهم وردتهم، ولكن اختلفوا هل تقبل لهم توبة أو لا تقبل؟ فحكموا بردة كل من كان في المسجد، وليس المتكلم فحسب، بل الجميع لسكوتهم عن الباطل، وعدم إنكارهم.(4/247)
وقول الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف والشيخ إبراهيم والشيخ ابن سحمان - رحمهم الله - بعد كلام طويل سبق إيراده: " وأما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام ".
وقول السيد محمد رشيد رضا - رحمه الله -: " وجملة القول إن المسلم الذي يقبل الانتظام في سلك الجنسية يستبدل أحكامها بأحكام القرآن فهو ممن يتبدل الكفر بالإيمان. فلا يعامل معاملة المسلمين ".
وكذلك خلاصة فتوى لجنة الفتوى المصرية الذي وقع عنها رئيس اللجنة الشيخ على محفوظ وأمينها الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني، الحكم بردة من يقبل الجنسية الفرنسية.
وكذلك أفتى بذلك الشيخ يوسف الدجوي من كبار العلماء بالأزهر .. إلى غير ذلك مما تقدم تفصيله.
فإذا تأملت هذه الآيات وما دلت عليه، وكلام العلماء، وقارنت بينها وبين ما يفعله بعض الناس في هذه الأزمنة من طلب التجنس، الذي من لوازمه أن يصير المتجنس تابعا لقوانين وضعية نصوصها صريحة بالحكم بغير ما أنزل الله، وإباحة الزنا، وتعاطي الخمور، وارتكاب الفجور، وتحليل الربا، والاكتساب من طرق غير مشروعة، ومنع تعدد الزوجات، واعتبار ما زاد على الواحدة من قبيل الزنا المعاقب عليه، وإنكار نسب ما ولد له من زوجة أخرى حالة وجودها عنده، ولا حق له في نفقة ولا إرث، وفك العصمة من الزواج لا يتم إلا إذا كان لدى المحكمة الرسمية عندهم، وقسمة المواريث على طريقة مخالفة للفرائض الشرعية، وكون المتجنس مجبورا على الخدمة العسكرية في جيش الدولة التي انتمى إليها بهذه الجنسية، واستعداده للقتال في أي وقت الصلاة تقوم حرب على دولته، حتى ولو كان على دولة مسلمة.
يتضح من ذلك أن من يطلب الجنسية أو الرعوة كما يعبر عنها البعض من دولة كافرة ميلا إليهم، ومحبة في القرب منهم، والانضمام إليهم، والدخول في سلكهم، والرضا بسيطرتهم عليه، وعلى ذريته، فإنه داخل تحت قوله تعالى: {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22] وقوله: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا} [النساء: 115] إلى غير ذلك من الآيات في هذا المعنى.
ولكن نظرا إلى اختلاف أحوال المتجنسين بجنسية دولة كافرة فقد رأيت أن أقسمهم إلى ثلاثة أقسام، حسب ما فهمته من تتبع الأحوال، واستقراء لواقع الناس اليوم، وأنه ينبغي التفصيل في الحكم بالردة أو عدمها:
القسم الأول: إذا أخذ الجنسية من يرغب بلاد الكفار، ويحبهم، ويحب البقاء بينهم، ويرى أن معاملتهم والانتماء إليهم أفضل من المسلمين، وأنه راض بإجراء أحكامهم عليه من الحكم بغير ما أنزل الله في الأحكام والنكاح والطلاق والميراث، فهذا لا شك في كفره، وهو مرتد عن دين الإسلام، ردة صريحة، حتى ولو قال: إنه مسلم، ولو شهد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وصلى وعمل ببعض شرائع الإسلام، لأن الله يقول: {وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} ويقول: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ} [البقرة: 85]، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((المرء مع من أحب)).(4/248)
القسم الثاني: راض بالانتماء إليهم لمصالحه الدنيوية ومعاملاتهم التجارية، فأخذ الجنسية منهم ليتم مقصوده من حصول الدنيا والتسهيلات التي تحصل للمنتمين إليهم، وهو مؤد لشرائع الإسلام، مظهر لدينه، ولا يترافع إليهم باختياره، فإذا صدر منهم الحكم له بما لا يخالف الشريعة قبله. وإن صدر بما يخالف الشريعة رفضه. فأرى أن مثل هذا على خطر عظيم من تناول بعض الآيات، حيث آثر دنياه على آخرته، وقد ارتكب منكرا عظيما، فهو على خطر من الردة عن دين الإسلام، لركونه إليهم، وبقائه بين أظهرهم، لكن لا أجزم بالحكم عليه بالردة، فأتوقف في ذلك، ولكنه بأخذه الجنسية أظهر الميل والمحبة لهم، وعرض نفسه للدخول تحت قوله تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ} [التوبة: 24]، وقوله تعالى {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [المجادلة: 22].
القسم الثالث: من بلي بهم في بلاده وهو كاره لهم، ومبغض لدينهم، وحكموه بغير رضاه، وأرغموه على التجنس، أو مغادرة بلاده، وأهله وأولاده، فقبلها للبقاء في بلاده على ماله وأهله وولده، ومع ذلك مقيم لشرائع الدين، مظهر لدينه، معلنا العداء لهم، مصارحا لهم بكفرهم، وأنهم على باطل، وأن دينه هو الحق، فمثل هذا لا شك أنه على خطر في بقائه، عاص، وآثم بقبوله الجنسية، بمقدار ما ألزم نفسه فيها، لكن لا نحكم عليه بالكفر ما دام أنه عمل ما في وسعه من عدم اتباعهم وموافقتهم على باطلهم ومن إظهار دينه، ولكن بقاؤه بين أظهر الكفار فيه خطر عليه، وعلى أولاده، ومن تحت يده.
أما البقاء بين أظهر الكفار بدون أخذ للجنسية أو طلب لها فهذا قد فصله العلماء رحمهم الله في كتبهم قديما وحديثا.
وخلاصته أن من استطاع أن يظهر دينه بأن يعمل الواجبات الشرعية بدون تحفظ من أحد مع إعلانه لمن هو بين أظهرهم أن دين الإسلام هو الدين الصحيح، وهو دين الحق، وما سواه من الأديان فهو باطل، ولابد من التصريح لهم بأن ما هم عليه من الدين ليس بصحيح، وأنه يجب عليهم اعتناق دين الإسلام، والإيمان بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والعمل بشرائع الإسلام، فإذا فعل هذا، فإنه يجوز في حقه البقاء عندهم، وإذا لم يستطع فإنه يجب عليه الهجرة إلى بلاد الإسلام، ولا يجوز له البقاء بينهم، وهو لا يستطيع إظهار دينه.
هذا وأسأل الله العفو عن زلة قلم، أو نبو فهم، كما أبتهل إلى الله جل شأنه أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه.(4/249)
حكم التسعير في الإسلام (بحوث فقهية في قضايا اقتصادية معاصرة)
Oماجد أبو رخية
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار النفائس
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1418هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
احتكار وتسعير
الرأي المختار: وبعد فهذا ما قدرني الله من الكتابة في موضوع التسعير وقد توصلت من خلاله إلى الأمور التالية: 1 - حرمة التسعير في الأحوال العادية التي تكون فيها الأسعار طبيعية، وقد قمت بتوضيح أدلة هذا الرأي من قبل.
2 - حرمة التسعير في الأحوال التي يكون فيها غلاء طبيعي وليس في مقدور التجار وغيرهم الحيلولة دونه أو الحد منه. 3 - جواز التسعير في الأحوال التي يكون فيها الغلاء بسبب مباشر أو غير مباشر يتبع إدارة الإنسان حيث تلعب الأهواء والشهوات والمطامع دورها في الموضوع.
4 - إن مسألة التسعير تتناول جميع الأشياء المعدة للتجارة دون التفريق بين متاع ومتاع.
5 - إن زيادة السعر زيادة متعمدة شأنها شأن الحط من السعر عمداً، فكما يطلب من الذي زاد في السعر أن يحط تلك الزيادة فإننا نطلب من الذي حط عن السعر المعتاد أن يرفع ذلك السعر بحيث يكون موازياً لسعر السوق.
والحمد لله رب العالمين.(4/250)
حكم التعاقد عبر أجهزة الاتصال الحديثة في الشريعة الإسلامية
Oعبدالرزاق رحيم الهيتي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار البيارق - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - استعمال وسائل الاتصال الحديثة
خلاصة البحث ونتائجه
قمنا في بداية كتابنا هذا بتقسيم أجهزة الاتصال التي يمكن من خلالها إجراء العقود إلى قسمين:
قسم خاص بنقل الأصوات فقط، ويشمل كلاً من: الهاتف "التلفون"، اللاسلكي، الراديو، التلفزيون، وأشرطة التسجيل الناقلة للأصوات فقط أولها وللصورة معاً. أما القسم الآخر فهو المعني بنقل الحروف فقط، ويشمل كلاً من: البرق "التلغراف"، التلكس، البريد المصور "الفاكس" الحاسب الآلي "الكمبيوتر". وقد توصلنا إلى أن جهاز الهاتف يقوم بنقل الكلام بين المتحدثين بدقة متناهية، وعليه فإن العقد فيه لا يختلف عن العقد بين الحاضرين إلا من حيث البعد المكاني بين المتعاقدين إذا كان ناقلاً للصورة والصوت معا، أو مضاف إليه عدم رؤية كلا المتعاقدين للآخر، إذا كان الجهاز نقلاً للصوت فقط.
وبينا أن عدم تحقق الرؤية بين المتعاقدين لا يترتب عليها شيء في باب العقود لأن القاعدة الشرعية في العقود تقتضي فقط تحقق الرضا بين المتعاقدين بصورة واضحة ومفهومة، وإن المرجع في ذلك كله يعود إلى العرف، كما نص على ذلك جمهور الفقهاء وأما بالنسبة للبعد المكاني بين المتعاقدين من خلال جهاز الهاتف، فقد وجدت مسألة شبيهة بهذه الحالة يذكرها فقهاء الشافعية "وهي مسألة التعاقد بين المتباعدين" اعتمدت عليها في القول بجواز التعاقد من خلال هذا الجهاز وما شبهه.
ونظراً لأن البعد المكاني تترتب عليه بعض المسائل المتعلقة بمجلس العقد؛ فلقد قمت ببحث ثلاث أنواع من الخيارات لها علاقة مباشرة بموضوعنا هذا، هي خيار الإيجاب وخيار القبول، وخيار المجلس بشكل مفصل.
وقد توصلت إلى أنه يحق للموجب الرجوع عن إيجابه ما دام أن الطرف الآخر في العقد الموجه إليه الخطاب لم يغادر مجلس العقد، حتى ولو اقترن به قبول الطرف الثاني في العقد، معتمداً في ذلك على ما ذكره بعض فقهاء الشافعية من القول بامتداد خيار الموجب بطريق الكتابة إلى حين انقضاء مجلس وصول الخطاب "مجلس العقد".
أما إذا كان الهاتف ناقلاً للصورة والصوت معاً، فإنه يحق للموجب الرجوع في إيجابه إضافة إلى ما سبق فيما لو شاهد من خلال هذا الجهاز ما يدل على إعراض الطرف الثاني عن العقد أو انشغاله عنه، أما بالنسبة لخيار القبول: فلقد توصلت إلى القول: بأنه لابد لمن وجه إليه الخطاب من إعلان قبوله مباشرة، وإنه لا يحق له التأخر في ذلك، قياساً على تعاقد الماشيين والراكبين، والتي يذكرها فقهاء الحنفية، رحمهم الله، نظراً لتجدد العقد وعدم استقراره في كلا الحالتين.
وأما ما يتعلق بخيار المجلس: فإني لم أتفق مع ما ذهب إليه بعض الفقهاء والقائلين بخيار المجلس من القول بإسقاط هذا الخيار في حق المتبايعين المتباعدين، بل منحت هذا الحق للمتعاقدين من خلال جهاز الهاتف وألحقته بحكم المتعاقدين الحاضرين بخصوص هذه المسألة، لكنني حددته بفترة المكالمة الهاتفية، باعتبارها هي مجلس العقد بين المتعاقدين من خلال هذا الجهاز، فإذا ما أعلن من وجه إليه الخطاب قبوله مباشرة فقد انعقد العقد، لكنه يبقى لكلا المتعاقدين الحق في الرجوع عما صدر عنهما، ما دام أن مجلس العقد "فترة المكالمة الهاتفية" لا يزال قائماً بينهما، فإذا ما انتهت المكالمة أو قطع الخط، فقد انتهى مجلس العقد ذلك لأن المتعاقدين هما متفرقان من حيث الواقع ولا يربط بينهما سوى هذا الاتصال الهاتفي، فمجلس العقد بينهما قائم حكماً، فإذا ما انقطع الخط الهاتفي فقد انتهى ذلك المجلس في الحقيقة والحكم معاً.(4/251)
وقد ألحقت جهاز اللاسلكي بجهاز الهاتف في جميع هذه الأحكام، سواء أكان نقله للصوت كما هو مباشرة أو عن طريق الشفرات، ما دام أن الطرف الآخر يفهم مضمونه.
وفي نهاية المبحث الأول تطرقت لمسألتين مهمتين لهما علاقة بالتعاقد من خلال هذه الأجهزة.
الأولى منهما هي: مسألة عقد النكاح من خلال هذه الأجهزة، وقد توصلت إلى القول: بإمكان إبرام هذا العقد من خلال الأجهزة الناقلة للصوت مباشرة، إذا تمكن من وجه إليه الخطاب إحضار شاهدين لمجلس العقد وإسماعهما الإيجاب الصادر من الموجب عبر هذه الأجهزة وقبوله له أمامها، قياساً على إبرام هذا العقد بطريق الكتابة والذي قال بجوازه فقهاء الحنفية، رحمهم الله.
وأما المسألة الثانية فتتعلق بحكم التعاقد من خلال هذه الأجهزة إذا كان المتعاقد عليه مالاً ربوياً لابد من تحقق القبض فيه فوراً ومباشرة.
وقد تمكنت من الوصول إلى حل شرعي لذلك، وفي حالة تمكن المتعاقدين تحقيق التقابض بينهما في مجلس العقد عن طريق وكيلهما في كلا البلدين.
وقد استعرضت في بحثي لهذه المسألة عملية التحويل للأموال النقدية بين البلدان الإسلامية عبر هذه الأجهزة، وقد توصلت إلى القول بجواز ذلك مطلقاً سواء كان بأجر أو بدون أجر شريطة أن يتم التقابض بين المتصارفين "صاحب المبلغ، والناقل للمبلغ" في مجلس العقد مباشرة أو عن طريق وكيلهما أولاً، وشريطة أن يتم تسليم المبلغ المحول إلى صاحبه الشرعي أو من يوكله بنفس سعر الصرف الذي تم الاتفاق عليه بين المتعاقدين أو عن طريق القيام ببيع المبلغ المراد تحويله بشكل مُجزء، كما ألحقت بحكم هذه المسألة مسألة أخرى وهي عملية نقل المبالغ النقدية بين البلدان الإسلامية "الحوالة النقدية" وأعطيتها نفس الحكم، معتمداً في جميع ذلك على عدة آراء فقهية وردت عن أئمة المذاهب الفقهية الأربعة.
وبعد أن انتقلت إلى بحث حكم التعاقد بالأجهزة الناقلة للحروف فقط، ألحقتها هي والأجهزة الناقلة للصوت نقلاً غير مباشر، بحكم التعاقد بطريق الكتابة التي قال بجوازها جمهور فقهاء الأمة.
وقد حددت مجلس العقد المبرم بطريق الكتابة بشتى صورها وأشكالها برقاً كانت أم تلكساً، أم حاسباً آلياً "كمبيوتر" أم بريداً مصوراً "فاكس" بمجلس وصول الخطاب، كما نص على ذلك معظم الفقهاء رحمهم الله.
وعليه فإنه لا يمكن للقابل إعلان قبوله بعد انتهاء هذا المجلس في جميع العقود باستثناء عقد النكاح – لخصوصية فيه – وبهذا الصدد قمت بالرد على رأي من يرى إلحاق بقية العقود بعقد النكاح بالنسبة لهذا.
وأما وقت تمام العقد بالنسبة للمتعاقدين بطريق الكتابة: فقد استعرضت النظريات الأربع المطروحة حول هذه المسألة، ورجحت النظرية القائلة بإعلان القبول، والتي ترى أن العقد يكون تاماً وملزماً لكلا الطرفين بمجرد صدور القبول ممن وجه إليه الخطاب وإعلانه له وذلك لاتفاقها مع ما أجمع عليه فقهاء المذاهب الأربعة.
وأما بالنسبة للخيارات المتعلقة بمجلس العقد المبرم من خلال مجموع الأجهزة الناقلة للحروف، فقد رجحت ما ذهب إليه الشافعية في منح الموجب حق الرجوع عن إيجابه ما دام أن مجلس العقد بين المتعاقدين وهو "مجلس وصول الخطاب" لا يزال قائماً، بحيث أنه لو قبل الطرف الموجه إليه الخطاب في ذلك المجلس دون أن يعلم برجوع الموجب عن إيجابه، لم يعتد بذلك القبول، لأن الأصل في الإيجاب هذا أن لا يكون ملزماً.
وأما خيار القبول: فقد توصلت إلى القول، بأنه لا يجوز للطرف الثاني في العقد إعلان قبوله في أي وقت يرغب فيه إعلان ذلك ما دام أن مجلس وصول الخطاب لا يزال قائماً، معتمداً في ذلك على ما ذهب إليه فقهاء المذاهب الثلاثة: الأحناف، المالكية، الحنابلة. أما فقهاء الشافعية، فقد اشترطوا الفورية في ذلك، ولكنهم أعطوه حق الرجوع في قبوله ما دام أن مجلس العقد لا يزال قائماً.
أما خيار المجلس: فقد توصلت إلى القول بأنه يحق لكلا المتعاقدين الرجوع عما صدر عنه ما دام مجلس العقد لا يزال قائماً بينهما، معتمداً في ذلك على ما ذهب إليه فقهاء الشافعية والحنابلة القائلين بخيار المجلس.
أخيراً: استعرضت رأي فقهاء الحنفية القائلين بجواز إبرام عقد النكاح بطريق الكتابة، وأدلتهم في ذلك والتي اعتمدت عليه في القول بجواز إبرام هذا العقد بطريق أجهزة نقل الصوت المباشر، وبجميع الأجهزة الناقلة للحروف.
في الختام أضرع إلى العلي القدير أن يجعل عملي هذا خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجنبني الزلل فيه، إنه سميع مجيب.
.... وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/252)
حكم التعزير بأخذ المال في الإسلام
Oماجد أبو رخية
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الأقصى - الأردن
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تعزير - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة: وبعد: فهذا ما قدرني الله عليه من الكتابة في موضوع التعزير بأخذ المال وقد رجعت فيه لأكثر من أربعين كتاباً ما بين مصدر ومرجع وتوصلت فيه إلى ما يلي:
1 - إن أصحاب المذاهب الأربعة متفقون على عدم جواز التعزير بأخذ المال.
2 - إن الحنابلة قد استثنوا بعض المسائل، وذهبوا إلى جواز العقوبة فيها بأخذ المال مستندين في ذلك إلى بعض النصوص الواردة، وإنهم لم يعدوا حكم هذه المسائل إلى غيرها نظراً لورودها على خلاف الأصل.
3 - إن جمهور الفقهاء لم يتابعوا الحنابلة في حكم هذه المسائل بل قاموا بردها.
4 - إن موضوع التعزير بأخذ المال لم يفرد في بحث مستقل عند معظم الفقهاء قديماً وحديثاً، وإنما جاء ضمن بحثهم للتعزير المالي بشكل عام، ولذلك وجدنا الخلط واضحاً في كثير من الكتب بين ضمان المتلفات وإتلاف المال والتعزير بأخذ المال، وقد تبين هذا الخلط من خلال الأدلة التي كانت تذكر في سياق البحث.
5 - إن ما ذهب إليه ابن تيمية وابن قيم الجوزية وإسحق بن راهويه وغيرهم بشأن مانع الزكاة، وأنه يؤخذ منه شطر ماله زيادة على المقدار الواجب هو الصحيح، وذلك اعتماداً على ما توصلت إليه في الحديث بهز بن حكيم مع ملاحظة أنني أرى أنه ورد على خلاف الأصل، فلا يقاس غيره عليه.
والحمد لله رب العالمين.(4/253)
حكم التمثيل في الدعوة إلى الله
Oعبدالله بن محمد آل هادي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
تمثيل - رقص
خاتمة: أحمد الله الذي أنعم علي بإتمام هذا البحث الذي ترددت فيه كثيراً، ولما كان الكلام فيه كثيراً، ومتداخلاً، وبعضه مكرر لضرورة التوضيح؛ فقد رأيت أن أجمع شمل ما تشتت في نقاط على وجه الاختصار:
1 - إن التمثيل وسيلة وليس غاية أو مقصداً.
2 - إن له أنواعاً وصوراً متعددة.
3 - إن أغلب الذين أفتوا بتحريمه عنوا نوعاً واحداً من أنواعه أو بعض صوره.
4 - إنه لمن الخطأ إباحة أو تحريم التمثيل على إطلاقه وبجميع صوره.
5 - إن الأولى عدم الإكثار مما هو جائز منه.
6 - إنه إن كان ولا بد منه؛ فيلزم مراعاة الضوابط والمحاذير التي ذكرت سابقاً.
7 - إنه لا ينبغي أن نفاضل من أجل مسألة فقهية اختلف فيها.
8 - إن على الدعاة إلى الله أن يتقوه، وأن يراقبوا أنفسهم وأعمالهم وإخوانهم، وأن يحذروا الوقوع في الحرام.
هذا، وأسأل الله العلي القدير أن أكون قد وفقت في إيصال ما أعتقد أنه الحق لشباب الدعوة؛ فإن أصبت؛ فمن الله، وإن أخطأت؛ فمن نفسي ومن الشيطان.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. المؤلف.(4/254)
حكم التنفل إذا أقيمت الصلاة
Oالأمين الحاج محمد أحمد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار السلفية - مكة المكرمة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1414هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة التطوع - أعمال شاملة ومنوعة
الخلاصة:-
والخلاصة في هذه المسألة – والذي نرجحه – أنه لا يجوز الشروع في نفل بعد أن يشرع المؤذن في إقامة الصلاة المكتوبة عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة" سواء في ذلك ركعتي الفجر أو غيرهما.
أما إذا دخل في النفل قبل أن يشرع المؤذن في الإقامة فله أن يتم ركع أم لم يركع، وعليه أن يتجوز فيه ليتمكن من إدراك أكبر قدر من الركعة الأولى، والله أعلم بالصواب وله المرجع والمآب وصلى الله وسلم على المبعوث رحمة للعباد محمد بن عبدالله وعلى آله وصحبه الأخيار.(4/255)
حكم العربون في الإسلام
Oماجد أبو رخية
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الأقصى - عمان
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1407هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقود مالية - منوعات
الخاتمة
وبعد: فهذا ما قدر لي أن أكتبه في موضوع العربون وقد توصلت من خلاله إلى الأمور التالية:
1 - أن اشتراط العربون ليس مخالفاً لمقتضى العقد وإن جرى على خلاف الأصل.
2 - أن التعامل بالعربون جائز في عقود البيع والإجارة كما ذهب إلى ذلك الحنابلة، وإن كنت أرى أن الأولى هو رد العربون إقالة لعثرة صاحبه، كما بينت من قبل.
3 - أن، القانون لم يكن موفقاً حين عد بيع الأراضي ونحوها من العقود التي تحتاج إلى توثيق عقودا باطلة ما لم توثق في الدوائر المختصة، الأمر الذي ترتب عليه عدم اعتبار العربون في مثل هذه العقود.
4 - أن الحنابلة جعلوا الخيار في العقد للمشتري أو المستأجر وهو الذي يقوم بدفع العربون، وأن القانون جعل الخيار لكل من الطرفين بغض النظر عن دافع العربون.
5 - والذي أراه أن الخيار يكون لدافع العربون وهو عادة ما يكون المشتري أو المستأجر.
6 - أن عقد العربون يجب أن يكون ملزما في حق قابض العربون ذلك أن اشتراطه قد جرى على خلاف الأصل فينبغي أن لا يتوسع به حرصا على مبدأ استقرار المعاملات وهذا خلاف ما أخذ به القانون بموجب نص المادة (107).
7 - يجب أن يكون الاشتراط في بيع العربون أو إجارته محددا بوقت معين، لأن الإطلاق ينافي المصلحة ويحلق الضرر، فإن جاء دافع العربون في الوقت المحدد حسب له وإلا كان الطرف الآخر في حل من الالتزام إن شاء فسخ العقد وإن شاء أمضاه، وهذا ما بينه صاحب مطالب أولى النهي خلافاً للمشهور عند الحنابلة – كما بينا من قبل.
وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين(4/256)
حكم الكلام وما شابهه في الصلاة دراسة فقهية مقارنة
Oعبدالسلام بن سالم السحيمي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
أضواء السلف - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - العمل فيها - المباح والمكروه والمحرم
الخاتمة
وتتضمن أهم النتائج التي توصلت إليها من هذا البحث، وأجملها في النقاط التالية:
1 - أن الكلام الأجنبي المعتمد في الصلاة يبطلها، سواء أكان لمصلحتها أم لا، وسواء أكان واجباً أم غير واجب.
2 - أن كلام الجاهل لا يبطل الصلاة.
3 - أن الأحوط للمكره على الكلام في الصلاة إعادة صلاته.
4 - أن الكلام في الصلاة سهواً لا يبطلها.
5 - جواز رد السلام في الصلاة بالإشارة.
6 - أن تحميد العاطس وتشميته يبطل الصلاة.
7 - أنه يجوز الفتح على الإمام إذا أرتج عليه، كما يجوز الرد عليه إذا غلط وأن ذلك لا يبطل الصلاة.
8 - أن التبسم في الصلاة لا يبطلها.
9 - أن الضحك قهقهة يبطل الصلاة.
10 - أن النحنحة والنفخ والبكاء والأنين والتأوه والعطاس وما في معناها لا يبطل الصلاة، وأن الأصوات الحلقية التي لا تدل بالوضع فيها نزاع بين العلماء، وأن الأظهر فيها جميعاً أنها لا تبطل الصلاة؛ فإن الأصوات من جنس الحركات، فكما أن العمل اليسير لا يبطل فالصوت اليسير لا يبطل.(4/257)
حكم بيع الذهب القديم بالذهب الجديد وحكم بيع العملة الورقية بعملة أخرى
Oصفوت الشوادفي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الفضيلة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1421هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه معاملات - بيوع
خاتمة الدراسة
تبين لنا من خلال ما ذكرناه في هذه الرسالة من النصوص، وأقوال أهل العلم ما يلي:
1 - أن الربا من أكبر الكبائر، وله عواقب وخيمة في الدنيا والآخرة.
2 - الربا قسمان: ربا الفضل، وهو الزيادة، وربا النسيئة، وهو التأجيل.
3 - ربا الفضل هو الربا الخفي، وربا النسيئة واضح جلي.
4 - لا يجوز بيع الحلي من الذهب، أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه مهما اختلفت الجودة أو القيمة، فلا يجوز – مثلاً – شراء مائه جرام ذهب جديد بمائة وخمسة جرامات ذهب قديم، أو مائة جرام عيار 24 بمائة وعشرة جرامات عيار 18.
ويجب – كذلك – أن يكون بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة يداً بيد.
5 - الطريقة الشرعية لذلك هي: أن يبيع الذهب القديم، ويقبض، ثم يشتري ما أراد من الذهب الجديد من نفس الصائغ أو غيره بغير مشارطة.
6 - لا يجوز بيع نقد بنقد مثله إلا إذا كانا متساويين، وكانا يداً بيد، ويجوز بيع نقد بنقد آخر، أو عملة نقدية ورقية بعملة أخرى. بدون شرط التساوي، ولكن بشرط أن يكون ذلك يداً بيد أي في مجلس واحد قبل افتراقهما.
7 - القاعدة الفقهية المتبعة في الربويات هي: "إذا اتحد الجنسان حرم الزيادة والنسَّاء، وإذا اختلف الجنسان حل التفضل، وحرم النسَّاء.
8 - الشيك يقوم مقام العملة الغائبة، وله حكم القبض.
أسأل الله بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى أن يجزل المثوبة، ويحسن الخاتمة، لمن يقرأها، وعمل بما فيها، وأعان على نشرها، فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه.
اللهم اكفنا بحلالك عن حرامك، وأغننا بفضلك عن من سواك. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.(4/258)
حكم دخول غير المسلمين للمساجد في ضوء الآيات التي تحدثت عن ذلك
Oعبدالله بن محمد الأمين الشنقيطي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مساجد - أحكام وفضائل
ومما تقدم يتضح أنه لا يجوز دخول المسجد الحرام لأي كافر، وأن الحرم كله حكمه حكم المسجد الحرام، بدليل قوله تعالى: {وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله}. وبوجود أدلة مصرحة بأن الحرم يسمى المسجد الحرام، لقوله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}. وكان صلى الله عليه وسلم في بيت أم هانئ.
كما اتضح أن حرم المدينة يجوز دخول الكفار فيه لحاجة، وأن النصوص لا منع فيها من ذلك.
أما مسجد النبي صلى الله عليه وسلم فلا أعرف فيه خصوصية تخصه بمنع خاص إلا ما ورد من الآيات والأحاديث العامة في تطهير بيوت الله تعالى من النجاسات.
ويدخل في ذلك مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وسائر المساجد، ولذلك لا ينبغي أن يمكن الكفار من دخول بيوت أذن الله أن يرفعها، وأن تطهر للعبادة، وقد حكم الله تعالى على الكفار بالنجاسة، وأمر بتطهير المساجد من النجاسات.
ولكن الله تعالى جعل في ديننا فسحة، فإن اضطررنا لإدخال الكافر في المسجد، فإن الله تعالى أخبر بأنه لم يجعل لنا في الدين من حرج. وأنه فصل لنا ما حرم علينا إلا ما اضطررنا إليه، ولكن الضرورة تقدر بقدرها. والله يعلم المفسد من المصلح.
أما ترك الكفار يدخلون بيوت الله المأمور بتطهيرها وعمارتها، وإبعاد المشركين عنها لأجل الفرجة والنزهة، فهذا الذي لا أراه. وينبغي أن يعمم على المراكز الإسلامية في جميع أنحاء الأرض، بعدم السماح للكفار بدخول المساجد إلا لضرورة تدعو إلى ذلك، أو لمصلحة تعود على الإسلام والمسلمين راجحة على مفسدة دخول الكفار للمساجد.(4/259)
حكم رفع اليدين مع تكبيرات الجنازة
Oمحمد العلاوي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الإيمان - المنصورة - مصر
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة التطوع - جنائز
الحاصل في المسألة
الحمد لله على امتنانه وتوفيقه ورحمته فقد وسع كل شيء رحمة وعلماً، أما بعد.
فبعد عرض هذه المسألة على النحو السابق تلخص لنا ما يلي:
أولاً: من قال بالرفع بالأولى فقط استدل بحديثين:
أولهما: حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر على جنازة فرفع يديه في أول تكبيرة، ووضع اليمني على اليسرى.
والثاني: حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه على الجنازة في أول تكبيرة ثم لا يعود.
وكلاهما ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإطباق أكثر أهل العلم على تضعيفه، بل لا نعلم من صححهما من أهل العلم المتقدمين والمتأخرين – ولا يثبت فيها شيء أيضاً، واستدلوا ببعض آثار التابعين، وقد ثبت بعضها وهم قلة في ذلك. وأخذ بهذا الرأي بعض أهل العلم منهم: سفيان الثوري والحنفية ورواية عن مالك، وتابعهم على ذلك الإمام ابن حزم والعلامة الشوكاني والعلامة الألباني:
• وأما الرأي الثاني: وهو رفع اليدين في جميع التكبيرات: استدلوا كذلك بحديثين من طريق ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى على الجنازة رفع يديه في كل تكبيرة: أحدهما تالف الإسناد، والآخر الصحيح فيه الوقف، ولا يثبت في ذلك شيء مرفوعاً كما قال العلامة المباركفوري، وقال: ولم أجد حديثاً صحيحاً في هذا الباب، واستدلوا أيضا ببعض آثار الصحابة، وسلم لهم أثر عبدالله بن عمر – رضي الله عنهما -، وأثر ابن عباس – رضي الله عنهما – على ما صححه الحافظ ابن حجر وسوى ذلك متكلم فيه من ناحية الإسناد، واستدلوا ببعض آثار التابعين وسلم لهم الكثير، فإن أكثر التابعين على ذلك، وصح السند إليهم وأخذ بهذا أكثر أهل العلم، على ما ذكره الإمام الترمذي في "جامعه" وهي رواية عن الإمام أبي حنيفة ورواية عن الإمام مالك، وهو قول الإمام الشافعي، وهو قول الإمام أحمد بن حنبل وإسحاق، وتابعهم على ذلك أكثر العلماء.
ومن هنا يتضح أن المسألة خالية تماماً من حديث صحيح، ولذا قال الحافظ ابن حجر – بعد تضعيفه لحديثي أبي هريرة وابن عباس-: ولا يصح فيه شيء.
وقال المباركفوري: ولا أعلم حديثاً صحيحاً في هذا الباب.
ولذلك أصبحت المسألة قابلة للأخذ والرد، ووسع فيها الخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل لو قال قائل: إن الرأي الأوجه: الرأي الثاني لفعل ابن عمر، وهو من أفضل الصحابة تتبعاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وعدم وجود من يخالفه من الصحابة وأكثر التابعين على ذلك، وجمهور أهل العلم أخذوا بهذا؛ لكان رأيا وجيها، ولكن نقول: إنه ما دام لم يصح في الباب شيء فهذا مما يسع فيه الخلاف أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وندعو الله جل وعلا أن تتفق الأمة وتقوى شوكتها لتصمد أمام أعدائها في الداخل والخارج، وتنبذ كل المشاحنات والمشاجرات من أجل الغاية العظمى والفكرة الكبرى، وهي الائتلاف وعدم الاختلاف والاجتماع على الحق ونبذ الباطل والتمذهب الممقوت، واتباع سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.(4/260)
حكم تولي المرأة الإمامة الكبرى والقضاء
Oالأمين الحاج محمد أحمد
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار المطبوعات الحديثة - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1410هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
فقه المرأة - أعمال منوعة
خاتمة
الحمد لله الكبير المتعال مكور الليل على النهار الفاعل لما يشاء ويختار القائل: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ} والقائل: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ} والقائل: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً}.
فسبحان من فضل بعض مخلوقاته على بعض وخص بعض الناس بما لم يخص به الآخرين، فلا معقب لأمره ولا راد لفعله: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ}.
وبعد:
ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه قوله: "كمل من الرجال كثير ولم يكمُل من النساء غير مريم بنت عمران وآسيا امرأة فرعون، وإن فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام".
الكمال المطلق لله سبحانه وتعالى، ولكن المراد هنا الكمال النسبي، فأكمل نوع الإنسان على الإطلاق الأنبياء ثم يليهم الأولياء من الصديقين والشهداء والصالحين مع هذا الكمال الذي أثبته صلى الله عليه وسلم لمريم بنت عمران وآسيا امرأة فرعون، وحصره صلى الله عليه وسلم للكمال فيهما، لم تكن واحدة منهن نبية، لأن أعلى مرتبة تصلها المرأة هي درجة الصديقية كما يقول العلماء المحققون وذلك لقوله عز وجل عن عيسى عليه السلام وأمه صديقة" فالنبوة مما خص الله به الرجال دون النساء لأن النبي قائد لأمته وإمام لها وداع، فهو يحتاج إلى مخاطبة النساء، وإلى الأسفار وإلى جهاد من عانده وكابره، وإلى عقد العهود والمواثيق، وكل هذا لا تصلح له امرأة: هذا مع علمنا أن النبي مؤيد بالوحي ومعصوم من الزلل والوقوع في الخطأ.
فإذا لم تصلح للإمامة الكبرى والقيادة العليا، أمثال مريم، وآسيا، وخديجة، وعائشة، وفاطمة، مع كمالهن وفضلهن فكيف تصلح لها غيرهن من النساء مع ما هن فيه من قلة العلم والدين والفضل والعقل؟.
وطالما أن نسبة الفضل والكمال النسبي في النساء بالنسبة للرجال لا تساوي شيئاً يذكر، فعلام يصر البعض على أن تكون إمامتهم امرأة مع وجود ملايين الرجال الأكفاء، الأخيار، العلماء، الذين يمتازون عليها بتوفر جميع شروط الإمامة الكبرى فيهم؟.
قل لي بربك ما الذي دفع الأعداد الهائلة من المسلمين في جمهورية باكستان الإسلامية – حرسها الله وحفظها من كل سوء – لاختيار "بنازير بوتو" مثلا لتكون إمامة أو رئيسة وزراء لدولة تعد من أكبر الدول الإسلامية؟ أليس في باكستان العديد من العلماء والقواد والسياسيين، الأكفاء، المقتدرين على إدارة دفة الحكم في البلاد؟ ألا يوجد رجل واحد ولو في حزبها يصلح لهذا المنصب، هل عقرت النساء في باكستان أن تلدن ما يقارب "بنازير بوتو" مثلا على كل رجالات باكستان العاملين في السياسة؟.(4/261)
دعك عن محادة تولي المرأة للإمامة الكبرى لله ورسوله، ومخالفة هذا الأمر لصريح القرآن والسنة وهتكه للإجماع. أليس من واجب الإمام والحاكم أن يؤم الناس في الصلاة المكتوبة وفي العيدين والكسوف ونحو ذلك؟ هذا بجانب قيادة الجيش وكثرة الأسفار وعقد العهود والمواثيق وحضور المؤتمرات والاختلاط بالرجال الأجانب وغير ذلك، من الأمور التي لا يأبه بها كثير ممن لا خلاق لهم من الرجال والنساء، والتي يخالفون فيها النصوص الشرعية الصريحة الصحيحة، فكيف يحق لها مثلاً أن تصلي إمامة ولو للنساء ولم يجز الأحناف إمامة المرأة للنساء ولو وقفت وسطهن لا في فريضة ولا نافلة؟.
وكما قال العلامة ابن القيم فالعجب كل العجب لمن يمنع المرأة من أن تؤم النساء في الصلاة مع ورود النصوص بجواز ذلك، ويجوز لها تولي القضاء في الأموال مع ورود النهي عن ذلك، فأي الأمرين أكثر خطراً وضرراً؟ هذا بجانب المخالفة الصريحة للنصوص؟.
وأحسن ما يقال لهؤلاء ما قاله الصحابي الجليل ابن عمر رضي الله عنهما لبعض من سأله من أهل العراق عن نجاسة دم البعوض!! فقال له عبدالله: عجبت لكم يا أهل العراق تقتلون ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وتتحرجون من دم البعوض؟!!.
والخلاصة فإن مسألة تولي المرأة للإمامة الكبرى والقضاء والحكم ليس لها مستند شرعي ولا عقلي ولا عرفي، ولكن مستندها الأول والأخير هو تقليد الكفار والتشبه بهم والسير على طريقهم، طريق المغضوب عليهم والضالين الموصل إلى سواء الجحيم.
وليتذكر المسلمون قبل غيرهم أن الله عز وجل لا تنفعه طاعة المؤمن كما لا تضره معصية الكافر كما جاء ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل: " ... يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً .. يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها فمن وجد خيراً فليحمد الله عز وجل ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه".
وأخيراً أرجو أن أكون قد وفقت لبيان حكم الشرع في مسألة تولي المرأة الإمامة الكبرى، والحكم، والقضاء، وذلك بذكر الأدلة الشرعية وأقوال أئمة الفتوى سلفاً وخلفاً وبدحض بعض الشبه التي تثار في هذا الأمر {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ} {مَّنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا} والله أسأل أن يوفق جميع المسلمين لما فيه خيرهم وصلاحهم في دينهم وأن يجنبنا وإياهم الزلل وأن يلهمنا وإياهم الرشاد وصلى الله وسلم وبارك على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن سلك سبيلهم إلى يوم الدين.(4/262)
حكم ممارسة الفن في الشريعة الإسلامية دراسة فقهية موازنة
Oصالح بن أحمد الغزالي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الوطن - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1417هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إسلام وفن - فنون إسلامية
الخاتمة:
أولا: نتائج البحث:
أ - نتائج إجمالية:
1 - شمولية الشريعة الإسلامية للحكم والتوجيه في مجالات الفنون والترويح كغيرها من المجالات الخاصة والعامة، وتلاؤم أحكامها بما يحقق به المصلحة العامة والخاصة في الدنيا والآخرة، ويعد هذا من دلائل محاسن دين الله الحق - الإسلام - الذي ميزه الله بالكمال والثبات والخلود.
2 - إن مصطلح الفن - بممارسته الحديثة المتحللة - لا يتوافق مع الشريعة، لا في أحكامها العامة ومقاصدها، ولا في أحكامها الخاصة ونصوصها.
وإنما يتلاءم مع المذاهب الغربية الحديثة القائمة على الإباحية باسم حرية الفنان وتقديس الفن، ومن أباح هذه الصفة من ممارسة الفنون ونسبها إلى الشرع - من المنتسبين إلى العلم أو غيرهم - فقد أباح الشرع المبدل الذي يكفر من أباحه متى قامت عليه الحجة يقول ابن تيمية رحمه الله: الشرع المبدل وهو الكذب على الله ورسوله أو على الناس بشهادات الزور ونحوها والظلم البين، فمن قال إن هذا من شرع الله فقد كفر بلا نزاع، كمن قال: إن الدم والميتة حلال، ولو قال هذا مذهبي ونحو ذلك.
3 - إن الشرع لم يكن له حكم واحد، لا بالقبول المطلق، ولا بالرفض المطلق، فيما يطلق عليه اسم الفنون من جهة أصلها - لا من جهة ممارستها المتحللة - بل قبل النافع منها ومنع الضار، ووضع للنافع منها ضوابط وشروطا بحيث لا تطغى على ما هو أهم منها:
4 - إن قول بعض المنتسبين للعلم وغيرهم وفتواهم بأن الفن - بممارسته الحديثة المتحللة - سائغ في الشرع أو في بعض أقوال أهل العلم، قول باطل مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف ومن يعتد بهم من أهل العلم.
نتائج تفصيلية:
إن كلمة الفن في الاصطلاح العلمي من حيث الأصل تطلق على عدة أعمال مختلفة ومتباينة في حقيقتها تباينا كبيرا، فلا يسوغ من جهة الواجب الشرعي ومن جهة منهج البحث العلمي إطلاق الحكم على هذا المعنى المجمل، بل ينبغي التفصيل فيما تعود إليه كلمة الفن منها وعلى أي صفة ثم بيان الحكم.
والذي انتهيت إليه في هذا البحث: التفصيل في حكم ممارسة الفنون على النحو التالي:
أولا الشعر:
1 - إن الشعر من جهة كونه شعرا مباح بالإجماع.
2 - إن الشعر من جهة المعنى منقسم إلى حسن وهو المباح وقبيح وهو المحرم والمكروه.
3 - إن الشعر يتضمن أربعة أقسام:
1 - مباح وهو ما خلا عن محرم أو مكروه، ولم يشغل عما هو أولى منه.
2 - مكروه وهو الشعر الذي يشغل عما هو أولى منه.
3 - مندوب وهو ما ترتب عليه أمر مرغب إليه في الشرع.
4 - محرم: ما اشتمل على معنى محرم أو أدى إلى محرم.
ثانيا: الغناء بدون آله:
إن لفظ الغناء يطلق على عدة أعمال - من جهة الحقيقة والمقصد فلا بد من التفصيل في حكمه على النحو التالي:
1 - ما يطلق عليه اسم الحداء والنصب وما كان في معناهما فيباح بدون خلاف بين أهل العلم، بضوابطه الشرعية.
2 - الغناء بالألحان المطربة بدون آله وحكمه:
ا- في الأصل الكراهة لكونه من اللهو.
ب - يباح في المناسبات كالعيد والعرس والختان بشرط أن لا يكون على نسق غناء أهل المجون في التلحين أو الكلمات.
ج) يحرم إذا اقترن به معازف، أو كلمات محرمة، أو أفعال محرمة كالخمر والاختلاط، أو كان بألحان ماجنة.
3 - ما قصد منه التعبد وهذا يطلق عليه السماع الصوفي، والقول الصحيح في حكمه كما دل عليه الكتاب والسنة وإجماع السلف هو القول ببدعيته وحرمته سواء كان بآله أو بدونها.(4/263)
4 - ما يطلق عليه النشيد الإسلامي، وهذا ينبغي التفصيل في حكمه لتنوعه في الألحان والمقاصد والكلمات وكيفية الاستماع وهو أن:
- يلحق بالحداء والنصب إذا كان على صفتهما، ويكون حينئذ مباحا.
- ويلحق بالغناء بالألحان المطربة إذا كان على صفتهما ويكون حينئذ مكروها.
- ويلحق بالسماع المحدث إذا كان على صفته ويكون حينئذ سماعا محدثا مذموما.
وذلك بناء على قاعدة الفرع الذي يتنازعه أكثر من أصل يلحق بأكثرها شبها.
ثالثا: المعازف والدف:
ا- إن المعازف محرمة بأدلة الكتاب والسنة والمعقول والإجماع وليس للمخالف دليل سائغ على إباحتها، والقول بإباحتها أو بعض أنواعها عند بعض أهل العلم المعتبرين يعد من زلاتهم التي يعذرون فيها دون أن يقلدوا فيما أخطأوا فيه، كما قال عبد الله بن المبارك: رب رجل في الإسلام له قدم حسن وآثار صالحة كانت منه الهفوة والزلة لا يُقتدى به في هفوته وزلته.
2 - إن ما ينقل عن الصحابة أو بعض الأئمة الكبار من إباحة المعازف لم يثبت ولم يرو بإسناد صحيح، كالمنقول عن ابن عمرو وعبد الله بن جعفر ومالك بن أنس.
3 - إن تحريمها يشمل تحريم جميع أنواعها الحديثة والقديمة باستثناء الدف الذي وردت به الرخصة بقيود.
4 - إن تحريمها يشمل تحريم تعليمها أو تعلمها أو تأليف الكتب لها أو احترافها أو غير ذلك، وصاحبها المنتسب إليها فاسق ويعد مصرا على معصية.
5 - حكم التحريم يشمل سماعها في المناسبات وغيرها وبغناء وبدونه، وفي آلات التسجيل وغيرها.
ب - الدف:
1 - إجماع العلماء دون خلاف بينهم على جوازه إذا كان بدون جلاجل وللنساء في الأعراس
2 - وعلى خلاف بينهم إذا كان بجلاجل وللرجال وفي غير العرس ويترجح:
1 - عدم جواز إدخال الجلاجل المطربة معه.
2 - جوازه في العرس والعيد وقدوم غائب والختان لورود النصوص بذلك.
3 - جواز سماعه للرجال في المناسبات لورود الرخصة بذلك.
4 - لم يرد عن السلف الذي يلزمنا اتباع جماعتهم أن يضرب الرجل بالدف، فيقتصر على ما ورد وهو السماع دون ما لم يرد وهو الضرب. والله تعالى أعلم.
رابعا: الرقص:
ينقسم حكم الرقص بحسب صفته والمقصد منه إلى ثلاثة أقسام متباينة وهي:
أ - ما قصد به التعبد لغير الله وهذا يعد شركا أكبر، لتضمنه عبادة غير الله تعالى.
ب - ما قصد به التعبد لله وهذا رقص المتصوفة، وهو بدعة محرمة بالكتاب والسنة والإجماع والمعقول.
ج- الرقص الدنيوي وينقسم إلى أقسام ثلاثة:
1 - إن الأصل فيه إذا خلا من محرم الكراهة لكونه من اللهو.
2 - يباح فعله للرجال بما يليق بهم، وللنساء بما يليق بهن في المناسبات بشرط: أن لا يكون على هيئة محرمة، ولا يقصد به محرم، ولا يقترن به محرم.
3 - يحرم وهو غالب أنواع الرقص المطبقة، في صور كثيرة جدا تعود إلى ثلاثة صور رئيسية هي:
ا- إذا فعل على وجه محرم كالتكسر والتميع.
ب- إذا قصد به محرم.
ج- إذا اقترن بمحرم كوجود آلات اللهو المحرمة أو الغناء المحرم أو الاختلاط.
خامسا: التمثيل:
يترجح أنه ثلاثة أنواع متباينة في الحقيقة والحكم:
النوع الأول: التمثيل المتحلل من قيود الشرع المطبق عند عامة أهل الفن وهذا يعد محل اتفاق بين أهل العلم في تحريمه.
النوع الثاني: التمثيل بمعناه الاصطلاحي المجرد، وهذا لا يجوز ولا يمكن تطبيقه بصورة شرعية صحيحة، لكونه مبنيا على أصول وقواعد مخالفة لقواعد الشرع ومن أعظمها وجود المرأة فيه.
النوع الثالث: التمثيل بمعناه اللغوي أي المحاكاة، ويترجح إلحاقه بالمعاريض لكونهما يتضمنان معنى الصدق والكذب من جهات متنوعة، فيباح عند الحاجة بشروط خمسة، هي:
1 - فعله عند الحاجة إليه بحيث لا يمكن تحقيق مصلحة معتبرة أو دفع مفسدة إلا به،(4/264)
2 - أن لا يمثل ما علمنا من أدلة الشرع النهي عن تمثيلهم.
3 - أن لا يقترن التمثيل بمحرم كالمعازف والمرأة.
4 - أن لا يدعو التمثيل إلى محرم.
5 - أن لا يؤدي إلى محرم أو مكروه.
سادسا: التصوير:
1 - تصوير غير ذات الروح وهو مباح كما دل على ذلك الجمع بين نصوص النهي عن التصوير، ويستثنى من إباحة تصوير ما ليس له روح إذا قصد به أمر محرم، كمن يصور ما ليس له روح للعبادة أو التعظيم أو بقصد المضاهاة أو التعبير عن فكرة ومعنى منهي عنه، فيحرم تصوير ما ليس له روح في هذه المسائل بناء على قاعدة (الوسائل لها أحكام المقاصد).
2 - حرمة تصوير ماله روح، سواء كان له ظل أم لا بدلالة السنة المتواترة وعليه جماهير أهل العلم سلفا وخلفا.
3 - التصوير الفتوغرافي:
ا- دخوله في عموم النهي عن التصوير من جهة الأصل لكونه تصويرا لغة وشرعا.
ب - إباحته عند الحاجة إليه وهي وجود مصلحة أو دفع مفسدة لا تأتي إلا عن طريقه.
ج- الصورة الفتوغرافية صورة من جهة الشرع يترتب عليها ما ورد عن الصور من إزالتها، والأمر بطمسها، وعدم دخول الملائكة بيتا هي فيه، مالا تكن ممتهنة، أو كانت من جنس الصور التي أبيحت للحاجة ولم تكن ظاهرة
4 - التصوير التلفزيوني:
1 - دخوله في عموم النهي عن التصوير.
2 - إباحته عند الحاجة.
3 - الصورة التلفزيونية لا تكون من جنس الصور المنهي عنها لكونها زائلة.
4 - حكم النظر إلى الصور التلفزيونية مرتبط بموضوع الصورة.
سابعا: الزخرفة:
ا - إن زخرفة المساجد بدعة محرمة بدلالة عموم الكتاب والسنة وأقوال الصحابة.
ب - إن الزخرفة من الأمور المكروهة في الشرع، لأنه لا يترتب عليها مصلحة معتبرة في الأصل.
ثامنا: العمارة:
ا- إن الأصل في حكم العمارة الإباحة استصحابا، وفيها:
1 - ما هو محرم كعمارة دور العبادات الباطلة، وإيواء الأعمال المحرمة، والبناء في الأماكن التي نهى الشرع عن البناء فيها.
2 - ما هو مندوب، كالمساكن التي تؤوي أبناء السبيل والفقراء والمحتاجين وهو فرض كفاية في حق الجماعة.
3 - ما هو مكروه كالبناء فوق الحاجة.
ب - إن ما يسمى بالعمارة الإسلامية -أو بتعبير أدق العمارة المباحة في الإسلام -لا يصح أن يؤخذ وصفها من فعل بعض المسلمين في العصور الإسلامية المختلفة؛ لأن فعل بعض المسلمين لم يكن من أدلة الشرع باتفاق أهل العلم، وإنما تؤخذ من نصوص الشرع ومقاصده بما يمكن أن يتحقق به أحكام الشرع في المسكن، وقد مضى بيان كثير منها في البحث.(4/265)
خطبة الجمعة وأحكامها الفقهية
Oعبدالعزيز بن محمد الحجيلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1423هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
خطابة ومحاضرات
الخاتمة: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمده وأشكره على توفيقه في البدء والختام، وأصلي وأسلم على خير الأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه الكرام.
أما بعد، فلا يخفى أن كل باحث يطرق موضوعا لابد أن يتوصل فيه إلى بعض النتائج، وقد توصلت في هذا البحث إلى نتائج كثيرة، منها ما هو عام، ومنها ما هو خاص، ومن أبرزها ما يلي:
أولا: من أبرز النتائج العامة:
1 - أن أكثر الأدلة التي استدل بها الفقهاء على خطبة الجمعة وأحكامها أفعال مجردة، وأفعال النبي – صلى الله عليه وسلم – المجردة لا تدل على الوجوب، وإنما على الاستحباب كما هو معلوم في أصول الفقه، ولذلك ترجح في أكثر المسائل السنية، حتى فيما يعتبره كثير من الفقهاء شروطا وأركانا؛ لأن القول بالشرط والركن لابد أن يعتمد على أدلة صحيحة وصريحة؛ لما يترتب عليه من بطلان الخطبة بفقده، وبطلان الصلاة بناء عليه؛ لأن الخطبة شرط لصحتها.
2 - أن أعظم المقاصد الشرعية من خطبة الجمعة هو الوعظ والتذكير، بما فيه صلاح الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة، فيجب أن تدور حوله الخطبة.
3 - عند تطبيق هذه الأحكام على واقع كثير من الخطباء اليوم يتضح وجود تقصير واضح، وسنن مهجورة، وأخطاء ظاهرة. ثانيا: ومن أبرز النتائج الخاصة:
1 - أن خطبة الجمعة شرط لصحة الصلاة، وأن الشرط خطبتان، لا خطبة واحدة.
2 - أنه يشترط لخطبة الجمعة: النية، وحضور جماعة يتحقق بهم المقصود من الوعظ والتذكير – وإن لم يكونوا بالعدد الذي تنعقد به الجمعة – للقدر الواجب من الخطبة، وأن تكون بعد دخول وقت الجمعة وهو زوال الشمس إن لم تكن حاجة في بعض الأحيان وإلا جازت في الساعة الخامسة أو السادسة، وأن تقدم على الصلاة، والقيام مع القدرة، والجهر بها، وأن تكون باللغة العربية للقادر عليها ما لم يكن السامعون جميعاً غير عرب فتجزئ بلغتهم، والموالاة بين أجزائها، وبينها وبين الصلاة.
3 - أنه ليس لخطبة الجمعة أركان معينة بعينها، بل تحصل بما يطلق عليه خطبة في العرف، ويحصل به مقصودها الشرعي وهو الوعظ والتذكير، فلا يعد الحمد لله، والصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – وقراءة شيء من القرآن أركانا، بل هي سنن، وأما الموعظة فهي ركن لكونها المقصود الشرعي الأعظم من الخطبة كما أسلفت.
وأقل مقدار لقراءة القرآن هو ما يستقل بمعنى، سواء كان آية أو أقل، ويباح قراءة ما فيه آية سجود في الخطة. كما يسن ترتيب الأمور الأربعة المتقدمة، وهي أركان في كل من الخطبتين عند من قال بركنيتها.
4 - أنه لا يشترط لخطبة الجمعة الطهارة من الحدثين الأصغر والأكبر، ولا ستر العورة وإزالة النجاسة، ولا الجلسة بين الخطبتين، بل يسن ذلك لها، ومقدار الجلسة بقدر قراءة سورة الإخلاص.
كما يسن لها التجمل بلبس أحسن الثياب، والأفضل البياض، وأن تكون على منبر أو موضع عال، والسنة كون المنبر على يمين المحراب، ويقف الخطيب على الدرجة التي تلي المستراح، وأن يستقبل الخطيب الناس بوجهه، ويقصد تلقاء وجهه ولا يتلفت، وأن يستقبل الناس الخطيب ما لم يكن هناك حرج ومشقة، وأن يسلم على من حوله إذا دخل وقبل أن يصعد المنبر، ويسلم على الناس إذا صعد المنبر واستقبلهم، وأن يجلس على المنبر حتى يفرغ المؤذن، وأن يعتمد على قوس أو عصا ونحوهما، ولا يشرع الاعتماد على السيف، ويكون بما شاء من يديه، فإن لم يعتمد على شيء فهو بالخيار بين إمساك يده الشمال باليمين أو يرسلهما، وأن يرفع صوته بالخطبة زيادة على القدر والواجب وحسب الطاقة.(4/266)
5 - أنه يسن في خطبة الجمعة التقصير، وتكون الثانية أقصر من الأولى، وأن تكون فصيحة بليغة مؤخرة مرتبة، وأن يقرأ فيها سورة {ق} في أكثر الأحيان، وأن يدعو للمسلمين في الثانية، وأن يدعو لولاة أمور المسلمين عامة، ولولي أمر البلد بعينه ما لم يأمر بذلك فيجب، وأن يختم الثانية بالاستغفار.
6 - أن على الخطيب في الجمعة الاعتناء بإعداد الخطبة وعدم الاعتماد على دواوين قديمة أو نحو ذلك، وألا يخرجها عن مقصودها الشرعي من الوعظ والتذكير والثناء على الله وتمجيده، والحث على طاعته والتحذير من معصيته إلى غير ذلك، ولا تشرع له تحية المسجد عند دخوله، ولا الدعاء عند صعود المنبر وقبل جلوسه للأذان بل هو بدعة، ولا يشرع له الخطبة من صحيفة إن أحسن بدونها. ولا يجوز للخطيب الكلام بغير الخطبة إلا لمصلحة، كما لا يجوز الكلام للحاضر إلا مخاطبة الإمام لحاجة سواء سمع الخطبة أم لا، حتى رد السلام وتشميت العاطس، وأما الصلاة على النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا ذكره الخطيب والتأمين على الدعاء فيجوز سراً، ويستثنى من التحريم ما كان لأمر واجب ناجز كتحذير ضرير ونحوه، ويجوز الكلام بعد دخول الخطيب وقبل الشروع في الخطبة، وبين الخطبتين وبعدها وقبل الصلاة، ولا يجوز حال التنفس والدعاء. ولا يشرع للخطيب الدق بالسيف على المنبر، ولا قصد الإشارة باليد أثناء الخطبة بل بالأصبع، ولا قصد الالتفات يميناً وشمالاً في أثنائها، ولا المداومة على قوله في آخر الأولى: "أدعو الله وأنتم موقنون الإجابة" ونحو ذلك، ولا المبالغة في الإسراع في الخطبة الثانية وخفض الصوت بها، كما لا يشرع رفع اليدين حال الدعاء في الخطبة إلا في الاستسقاء.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.(4/267)
دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة
Oمحمد مصطفى أبوه الشنقيطي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة العلوم والحكم - المدينة المنورة
الطبعة:
الثانية
سنة الطبع:
1422هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
عقيدة - أعمال منوعة
الخاتمة ونتائج البحث: لقد أدى طول الصحبة لمسائل العقود المستحدثة إلى وضع اليد على جملة من القضايا والمسائل المستخلصة من معاني متفرقة تقع للناظر الممحص للجزئيات التي لا ينظمها ولا يجمعها إلا كونها عقوداً مالية. وأهم هذه القضايا أو النتائج:
1 - ضبط الله حياة البشر فأرسل لهم الرسل وأنزل الشرائع لتستقر أحوالهم وتجرى أمورهم على وتيرة واجدة قوامها العدل والقسط وجعل لذلك أعلاماً تبين ذلك تلك الأعلام هي الأوامر والنواهي وما يمكن أن يفهم منها أو يقاس عليها.
2 - لزوم النظر في العقود المستحدثة وبذل غاية الجهد في تخريجها لحمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي.
3 - لاشك في صلاحية الشريعة لعموم الزمان والمكان ويتضح ذلك من ابتناء الدين على الفطرة مما سهل جريان أحوال الناس وفقها لأنه مغروز في خلقتهم استحسان مسائل الفطرة على اختلاف الأجيال والعصور ولذا قامت الأحكام الشرعية على أدلة يستفاد منها العموم أو يتأسس عليها معنى كلي يعرف بالقاعدة الشرعية. وكل ذلك ممكن تطبيق الناس للأحكام الشرعية بلا حرج.
4 - أقر النبي صلى الله عليه وسلم جملة من العقود التي بعث والناس يتعاملون بها فالنبي صلى الله عليه وسلم إنما بعث ليتمم مكارم الأخلاق وإبقاء الصالح من أحوال الأمم وتقويم المعوج فالشريعة تتسم بالتقرير والتغيير.
5 - يلزم للناظر في العقود المستحدثات أن يلزم بجوانب العقد من الناحية القانونية والاقتصادية ولا بأس أن يتداعى لذلك طوائف من أهل الاختصاص في تلك الفنون ويقدموا دراسات يتأملها الفقهاء ويمعنوا النظر فيها.
6 - لا يصح أن تبني نتائج على مقدمات غير سليمة لكي يتأتى إصدار حكم شرعي يغلب على الظن أنه حكم الله في المسألة فكون العقد قد نشأ في بلاد الكفر أو تعوم لبه هناك لا يؤثر في الحكم الشرعي فذلك من الوهم الذي يقع فيه بعض الباحثين. 7 - يلزم التحرز والحيطة وبذل الوسع واستفراغ الجهد قبل أن يحكم على عقد بأنه حرام أو حلال وقد يستسهل وصف الشيء بكونه حراماً وحمل ذلك على أنه من التورع والشأن أن تحريم الحلال كتحليل الحرام قال تعالى: {وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ} [النحل: 116].
8 - إن عدم بيان حكم العقود المستحدثة من الناحية الشرعية له أثر غير مرغوب فيه على مستقبل الدعوة الإسلامية حيث إن عدم ضبط ذلك على نحو سليم بإصدار الأحكام بلا روية يظهر الشريعة بمظهر النابذ لما أحدثه الإنسان من وسائل تحصيل المعاش والشرع حكم كله ومصلحه كله.
9 - الحرج مرفوع عن هذه الأمة رحمة بها وترد كثير من الأحكام الشرعية إلى هذا المعنى وذلك راجع إلى الفطرة. والفقهاء خرجوا كثيراً من الأحكام على الأصل الكلي وقعدوا القواعد وفقاً له.
10 - أسس الفقهاء وقرروا القواعد التي يبنى عليها العقود – والأحكام الشرعية الأخرى – وذلك استنتاجاً من الأدلة التفصيلية بعد استدامة النظر فيها وطول الدرس لها وذلك خلافاً لبعض الباحثين والمحدثين. 11 - الحاجة الشديدة إلى الاجتهاد في هذا الزمان لطروء نوازل عديدة توجب النظر فيها فيلزم بحث حكمها في الأدلة الشرعية فإن لم يظفر بنص هرع على القواعد والكليات والمقاصد.
12 - ليس في الشرع ما يمنع من تقبل مستحدثات العقود مع مراعاة عدم مخالفة مقصود الشارع. ويمكن تعديل العقود الفاسد بنبذ معاني الفاسد فيها وإصلاح الخلل الذي أدى إلى عدم اعتبارها شرعاً.(4/268)
13 - يخطى من زعم أن باب الاجتهاد قد أغلق والظاهر أن من زعم ذلك قد ناقض نفسه لأنه بهذا القول يكون قد اجتهد وأعمل رأيه فيكون قد منع الناس ما لم يمنع منه نفسه.
14 - العقود لها سمات وخصائص كالرضا ومنع الغش والغرر واعتبار العرف ولزوم موافقة مقصود المكلف لمقصود الشارع والاستقرار والعدل والعفو وتحقيق الفائدة للعاقدين وهذه السمات تتواطأ جميعاً على جعل العقد موافقاً لمقصود الشارع من تحقيق المصلحة ودرء المفسدة.
15 - أن العقود تشمل جملة من التصرفات والالتزامات الناشئة بين شخصين وكل مجموعة من هذه التصرفات تنظمها أحكام متشابهة فبعضها يكون بعوض فتسمى معاوضة وبعضها لا يكون كذلك فتسمى تبرعاً وبعضها ظهر التعامل به في زمان التشريع فأقر كالمضاربة وبعضها استحدثته الحضارة وتشعب العلائق الاقتصادية بين الناس فكان محل نظر طائفة من الفقهاء كالتأمين وعقود المصارف والبورصة وبعض هذه العقود قابل لظهور أثره فهو العقد الصحيح وبعضها ليس كذلك فهو الفاسد ... وهكذا.
16 - أن العقود المنصوص عليها بلغت خمسة وعشرين عقداً ولا حصر لما يمكن أن يلحق بها ويتأسس على فقهها لأن ذلك رهين بما يحتاجه الناس ويتعارفوه من أنواع وسائل انتقال المنافع والأعيان بينهم ولهذا فإن المعتبر من أقوال العلماء هو أن الأصل في العقود الصحة إلا ما دل على ضدها وهذا دل عليه استقراء ما لا حصر له من الأدلة العامة المفيدة للتيسير على العباد وتحقيق مصالحهم بالإضافة إلى أدلة خاصة على عين هذه المسألة. بل إنه يتسامح عن يسير الخلل الذي قد يعتور العقد المستحدث تيسيراً على الناس وتحقيقاً لمقصودهم من العقد ما لم يناقض مقصود الشارع.
17 - لا دليل على التعقيدات التي لا دخل لها في تحقيق معنى العقد ومن ثم لزم العمل على نبذ ما قد يحدثه الناس من تعقيد وتشديد على أنفسهم في هذا الباب – وفي غيره – لئلا يكون ذلك سبباً في استثقال الناس ونفوهم من التكليف كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ولذلك رجحوا جانب المصلحة الظاهرة على ما قد يشوبها من مفسدة كالغرر والحرج مرفوع عن المكلفين.
18 - العقود تخالف العبادات من جهة لزوم النص على عين العبادة لئلا يعبد الله إلا بما شرع وأما المعاملات أو العادات فإنه لا يسأل عن دليل إباحتها لأن الأصل فيها أنها مباحة وإنما يسأل عن الدليل الناقل عن هذا الأصل فالمحرم لها يلزمه الدليل أما المبيح فلا.
19 - يتساهل الناس في تحريم الحلال فيسارعون إلى تحريم بعض العقود المستحدثة وهذا ليس من التورع إذ من المعلوم أن تحريم الحلال كتحليل الحرام والسلف كانوا شديدي التحرج من ذلك فكانوا لا يسارعون إلى التحريم فإذا رأى أحدهم شيئاً من ذلك قال: أكرهه ونحو ذلك.
20 - توسع الشارع في بيان العلل والمصالح في باب العادات والمعاملات فلذا يلزم الدوران مع هذه العلل وتلك المصالح للنظر في العقود المستحدثة.
21 - يجوز للمتعاقدين أن يشترطا ما يشاءان شريطة ألا يؤثر ذلك في مقتضى العقد أو مقصوده ولا يؤدى إلى محرم.
22 - تصح العقود بالصيغة المفهمة الدالة على المقصود سواء بالأقوال والأفعال وهو ما يسمى بالمعاطاة لأنها لو تصحح لفسدت عقود كثير من الناس وقد جرى العرف بذلك فكل ما عده الناس بيعاً فهو بيع، كما قال الإمام مالك.
23 - تصح المعاملة والتعاقد بالمراسلة أو الهاتف ولا يشترط في مجلس العقد أن يكون كلا المتعاقدين في مكان واحد بل هو زمن تبلغ القابل لإيجاب الموجب. وليس في الشرع حد لذلك بل يتنوع باختلاف اصطلاح الناس وأعرافهم.(4/269)
24 - الشارع يحرص على رفع التنازع وقطع السبل المؤدية إليه ولذا يلزم أن يكون محل العقد معلوماً للمتعاقدين في العقد والأجل في عقود المعاوضات وكذلك يلزم أن يكون مملوكاً للبائع ومقدوراً على تسليمه وهذا ما يعبر عنه العلماء بعدم جواز عقود الغرر لأن فيها موجب الخصومة والنزاع بين أطراف التعاقد.
25 - مقصود العاقد من العقد يلزم أن يكون موافقاً لمقصود الشارع من التشريع فلا يصح أن يتعاقد الناس على ما يفضي إلى محرم ولهذا المعنى حرم كثير من العلماء العينة ونحوها من عقود الآجال المؤدية إلى معنى ربوي.
26 - ينبغي أن يكون مجتمع المسلمين مبنياً على الأخوة والمودة والأثرة وينتج ذلك أثره في العقود فيلزم تجنب الغش والخيانة والتدليس والغبن والتغرير.
27 - لما علم أن العقد ارتباطا قائم بين المتعاقدين يلزم أن يكون هناك وسيلة لفك هذه الرابطة فشرعت وسائل متعددة لفكها عند اقتضاء المصلحة ذلك كالخيار والإقالة والموت وعدم نفاذ العقد الموقوف وغير ذلك مما ينبغي أن يكون قاطعاً لاستمرار العقد.
28 - عند النظر في أعمال المصارف يلزم التمييز بين نوعين من الأعمال التي تمارسها حيث إن بعضها خدمات بحته تؤديها المصارف للأفراد والمؤسسات كفتح الحسابات وتأجير الخزائن ونحو ذلك مما لا إشكال في أخذ العوض عنه وبعض الخدمات محل نظر يلزم تمحيصها ومعرفة حقيقة أمرها كالأعمال المتصلة بالتسليف والاستثمار واختلاط الودائع الربوية بسواها وغير ذلك.
29 - انتفاع المصارف باستثمار ما تحت يديها من ودائع نقدية يمكن تصحيحه وأن الربح يطيب للبنك وذلك في مقابل الضمان لا البنك ضامن لما تحت يده من أموال المودعين ولكن لا يفهم من ذلك جواز ما يدفعه البنك لأصحاب الودائع لأن ذلك رباً واضح والله أعلم.
30 - يلزم التمييز في مسألة الاعتمادات المستندية بين ما هو مغطى وما هو مكشوف فالمغطى لا أشكال في أن ما يأخذه البنك من عمولة أن هو إلا نظير الخدمة التي يقدمها للعميل أما الجزء من عمولة أن هو إلا نظير الخدمة التي يقدمها للعميل أما الجزء غير المغطى فإن ابنك يعتبر مقرضاً للعميل بمقدار الغطاء الذي قدمه الغطاء الذي قدمه فيكون ما يأخذه من زيادة داخلاً في أدلة الربا والله أعلم.
31 - العمولة المصرفية وهي ما يأخذه البنك نظير خدماته "وليست التي يأخذها نظير قرض" تعتبر أجرة لهذه الخدمات لأن البنك بمثابة الأجير المشترك. أما الأعمال التي تتضمن إقراضا فإن الأمر مختلف تماماً لذا يلزم دراسة كل حالة يتلقى فيها البنك عمولة لمعرفة هل هي مقابل قرض أو خدمة مصرفية أخرى. ومن ثم فإن ما يأخذه البنك عند ابتداء العملية لا يكون من الربا لأن ذمة العميل خالية من القرض أما ما يأخذه بعد دفع أي شيء فيلزم تمحيصه.
32 - يصح أخذ الأجرة على خطاب الضمان لعدم وجود دليل تحرم ذلك فيما أعلم وقد أجاز العلماء هبة الثواب فإذا صح العوض لقاء تبرع محض وهو الهبة ففيما سوى ذلك أولى. 33 - القبول المصرفي لا يجوز أخذ الأجرة عليه لأنه يعتبر قرضاً جر نفعاً وقد ينتفع البنك من الغطاء الذي قدمه العميل والغطاء يعتبر رهناً لا يصح استعماله واستهلاكه.
34 - خصم الكمبيالات غير جائز لأنه من باب ربا الفضل لأنه بيع نقد بجنسه متفاضلاً كما يدخلها ربا النساء لأن المصرف يقرض صاحب الورقة التجارية بفائدة ربوية مخصومة من الأصل نظير الأجل.(4/270)
35 - لا حرج في إصدار الشيكات ولا تحصيلها ولا الأجرة التي تؤخذ على ذلك لأنها نظير خدمة يقدمها البنك للعميل. 36 - المرابحة للآمر بالشراء جائزة على تخريج يتضمن جملة عقود لا يمنع اجتماع هذه العقود في معاملة واحدة لأنها لما جازت في حال الافتراق جازت في حال الاجتماع وهي ليست من باب بيع ليس عند البائع.
37 - المشاركة المتناقصة – أو المشاركة المنتهية بالتمليك – جائزة وهي من باب الشركة المعلقة على شرط مقترن بالعقد وهذا الشرط يقتضى ملك أحد الشريكين لمحل العقد والشرط لازم الوفاء به.
38 - أن المقصود بالقبض في الصرف هو إثبات اليد فإذا كان ذلك حاصلاً اكتفى به فلذا يصح التصارف على ما في الذمة كما نص على ذلك ابن عبدالبر وغيره. وإبراز للذمة فإذا توصل إلى ذلك الإبراء بدون أن يبرز كل طرف ما عليه من دين الآخر فإنه يجوز وليس من باب بيع غائب بغائب.
39 - أن الصرف الأجنبي العاجل وتحويل العملة من مكان إلى آخر بالبرق أو البريد أو أية وسيلة جائز وليس في قواعد الشرع ما يمنع من أخذ الأجرة على ما يتكلفه أحد العاقدين فيمكن أن يزيد على ثمن الصرف سواء كان ذلك نسبة من المبلغ أو ثمناً مقطوعاً عن كل عملية يقوم بها البنك.
أما الصرف على أساس سعر الصرف الآجل فهي جائزة أيضاً ما لم يكن العوض الآخر مؤجلاً لئلا يكون ذلك من باب بيع الدين بالدين. وهي من باب المواعدة على الصرف وقد أجاز المواعدة عليه بعض العلماء منهم الشافعية وأهل الظاهر وغيرهم.
40 - الحوالة المصرفية جائز أخذ الأجرة عليها مهما يكن تخريجها إلا نوعاً من التحويلات تقوم بها البنوك لعملائها الذين تثق في ملاءتهم فتحول المبلغ دون أن يدفع العميل ذلك المبلغ فيكون قرضاً ومن ثم لا يصح الزيادة عليه لأن الزيادة على القرض رباً فلا يصح أخذ العمولة على هذا النوع.
41 - يجوز البيع بالتقسيط سواء كان إلى أجل واحد أو دفع المبلغ المؤجل منجماً بأن يجعل لكل قسط أجلاً معلوماً ولا مانع من زيادة الثمن لقاء ذلك وليست هي من الزيادة الربوية لأنه لابد من وجود علة الربا ولم توجد في هذه المسألة لأن الانتظار وحده ليس كافياً من المنع من الزيادة والأجل المعتبر هنا كل ما ينضبط به ذلك من تقويم هجري أو ميلادي.
42 - يصح أن يتعاقد مستأجر مع مالك على أن ينتفع المستأجر بمحل العقد بأجرة محددة بأقساط موزعة على مدد معلومة على أن ينتهي هذا العقد بملك المستأجر للمحل إذا كانت مدة الإجارة مضبوطة ومبلغ كل قسط معلوماً.
43 - سندات المقارضة التي تقوم بإصدارها بعض المؤسسات الإسلامية جائزة شرعاً وتقاس على المضاربة أو شركة العنان ليس هناك مانع فيما ظهر لي والله أعلم من إصدار هذه السندات أو تداولها ويصح العقد عليها – أي على السندات – بالبيع أو الرهن أو الهبة ... وغير ذلك.
44 - أن اختلاف فقهاء الوقت في بعض المسائل ناشئ عن عدم تحرير محل الخلاف ومن ذلك أنهم اختلفوا في مسألة التأمين وكل منهم نظر إليه من وجه فالمبيح نظراً إلى ناحية التعاون فيه "وهو معنى موجود" والمانع نظر لناحية الغرر والقمار والربا "وهي معاني موجودة أيضاً" فلزم تحرير محل الخلاف والاتفاق على صورة النزاع لكي يكون الحكم الذي يصدره كلا الطرفيان منصباً على ذات المسألة ومحل الخلاف الذي ينبغي أن يكون هو ما تقوم به شركات التأمين من جهة العاقة بين المستأمن الغرر والمؤمن أي شركة التأمين وهو عقد معاوضة بين هذين الطرفين وتستخدم الوسائل العلمية لمعرفة مقدار العوضين أما التأمين التعاوني والاجتماعي فليس محل البحث إذ لا خلاف في جوازه.(4/271)
وقد كان أول من ناقش موضوع التأمين هو ابن عابدين في الخمسينات من المائة الثالثة عشرة وكان رأيه عدم جواز ذلك ونال هذا الموضوع حظا غير يسير من الدرس وأكثر العلماء على عدم جوازه.
45 - أن الذي بدا لي من استدلالات العلماء في موضوع التأمين رجحان أدلة من ذهبوا إلى التحريم لقوة استدلالهم وأبرزها ظهور عنصر الغرر الكثير الغالب على العقد بالإضافة إلى القمار والرهان أما المجيزون فكثير من أدلتهم غير متجه وبعضها ظاهر قوي ولكن أجوبة المانعين فندوا هذه الشبهة، ويؤيد ذلك صدور فتاوى عن جلة علماء هذا الزمان وقرارات من المجامع الفقهية التي تجمع هؤلاء العلماء.
46 - يخطئ كثير من تراجمة هذا الزمان عند نقل بعض الكلمات إلى اللغة العربية فيترجمون الكلمة الأجنبية إلى معنى لا يناسبها في اللغة العربية وخصوصاً إذا كان لذلك اللفظ اصطلاح عرفي فمثلاً كلمة مضاربة في اصطلاح أهل البورصة ترجمة عن كلمة في اللغة الإنجليزية فكان مناسباً أن تختار كلمة أخرى دفعاً للبس لأن المضاربة لها معنى في اللغة وفي الاصطلاح لا يشبه هذه الكلمة ولا يقاربها كما هو واضح ويحسن أن تسمى مسابقة ومثل ذلك ظاهر في كلمات تجارية عديدة منها العمولة والفائدة والبوليصة والائتمان.
47 - عند النظر في عقود البورصة يلزم التمييز بين العقود العاجلة والعقود الآجلة لأن كلا منها يختلف في طبيعته عن الآخر ففارقه في الحكم. فالعقود العاجلة على السلع الموجودة في حوزة البائع لا إشكال في جوازها أما إذا لم توجد في ملك البائع فإنه يمكن أن يطبق عليها شروط عقد السلم. هذا إذا كان محل العقد جائزاً في نفسه فلا يجوز العقد على الخمور أو الخنزير أو الكتب الضارة أو نحو ذلك من الأمور غير المباحة. أما العقود الآجلة التي تجرى في هذه السوق فإنه لا يجرى التقابض في العوضين ولا أحدهما والبائع غالباً يبيع ما لا يملك والمشتري يبيع ما اشتراه قيل أن يقبضه والآخر يبيعه لآخر أيضاً دون أن يتم القبض والتقابض إنما يتم في فرق السعر وفي هذا كله معنى المقامرة ولذلك لا تصح هذه العقود. 48 - تعتبر المنافع أموالاً لأنها مقصود الناس مع العقد على الأعيان ويتجه إليها قصد العقلاء جميعاً وجعلها غير أموال يؤدى إلى ضياع الحقوق لأن من يجعلها مالاً لم يقل بتضمين الغاصب منفعة المغصوب مثلاً وفي ذلك ضياع الحق على أهله. واشتراط الحيازة لاعتبار الشيء مالاً غير متجه لأن قبض كل شيء بحسبه والمنافع عرض يستحيل قبض عينها والشارع لا يشترط المستحيل.
49 - يصح الاعتياض عن الحقوق سواء كانت حقوقاً مجردة أو غير مجردة لأن الجميع مال وما كان مالاً يصح الاعتياض عنه.
50 - يصح انتقال الحقوق المالية بالميراث.
51 - تسقط الحقوق بالإسقاط ويستثنى من ذلك مسائل كحق الإرث وحق المستأجر في الانتفاع بالعين المؤجرة. أما حقوق الله تعالى فلا تسقط بالإسقاط.
52 - خلو العقارات جائز لأن ما يأخذه يعتبر جزءاً معجلاً من الأجرة المشروطة في العقد وكذلك ما يأخذه المستأجر من المال مقابل ترك العقار لشخص آخر يحل محله.
53 - لا يجوز الاعتياض عن خلو الوظائف العامة لعدم جريان عرف زماننا بالجواز لأن المستدلين بالعرف كابن عابدين وابن نجيم يقصدون عرف زمانهم فنحن نتمسك بنفس الدليل فعرف زماننا لا يجوز فيه ذلك.
54 - تظاهرت جملة من الأدلة على صحة عرف هذا الزمان بجواز الاعتياض عن حقوق المؤلف بشرط أن يكون الكتاب غير مشتمل على مخالفة شرعية.
55 - يصح انتقال حقوق التأليف بالإرث لأنه – أي حق المؤلف – من الحقوق المالية غير المجردة أي أنه حق متقرر في محله وله وجود في الخارج ومحله الكتاب وهذا النوع من الحقوق ينتقل بالإرث.
56 - أن العلاقة بين المؤلف والطابع دائرة بين الوكالة والإجارة فالطابع – أي الناشر – وكيلاً عن المؤلف في نشر الكتاب ويمكن أن يخرج على أن العقد بينهما إجارة بأجر المؤلف بموجبه الطابع على نشر كتابه وتوزيعه حسب تفاصيل العقد المبرم بينهما.
57 - يتحدد حق المؤلف في كتابه بعدد النسخ لأنها هي الوسيلة التي تعارف الناس على استعمالها في ضبط هذا الحق ويتحدد القدر الذي ينتفع به المشتري للكتاب بعدد النسخ التي اشتراها ولا يملك من المنفعة إلا المقدار الذي يحصل عليه من ذلك العدد من النسخ ولا يجوز له أن يطبع أو يصور نسخاً أخرى أما المؤلف فإنه يملك كل الحق فله أن يمنح ويمنع ذلك الحق لأنه ملك له.
وبعد: فهذا ما يسر الله وكتب لي أن أجمعه في هذا الباب فإن كان صواباً فمن الله وأحمده على ذلك وأسأله المزيد من التوفيق والإرشاد. وإن كانت الأخرى فمني ومن الشيطان فأستغفر الله وأسأله أن يلهمني رشدي ويقيني شر نفسي والله المستعان وإليه المآب. وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/272)
ذبائح المسلمين والكتابيين بين الشك واليقين
Oعلي محمد إسماعيل
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الهجرة - الخبر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1413هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
أطعمة وأشربة
الخاتمة
إخوتي ..
وبعد أن ذكرنا أقوال أهل العلم بشأن الذبائح التي تأتي من بلد حالها من حال بلادنا يجب أن نقف موقفا إيجابيا. فكفانا أكلا للميتة وتحليلا لما حرم الله و .. وكل جسم نبت من حرام فالنار أولى به – وإنما ينصرنا الله عز وجل على أعدائنا بالدعاء فكيف يستجيب الله لنا دعاء ونحن نأكل حراما؟ كيف بنا ندعي الإلتزام بسنة النبي صلى الله عليه وسلم ثم نقع في أكل الميتة؟ وكيف بنا نتيقن بأنها ميتة ثم نضعف أمام تلك الميتة اتباعا لشهوة البطن؟ أين نحن من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا لما بأس به)) وأين نحن من النبي وصحابته الذين كانوا يعصبون بطونهم بالأحجار من شدة الجوع. فاتقوا الله إخواني وجاهدوا أنفسكم على ترك ما حرم الله. فعجبا لمن يريد أن يجاهد عدوه وقد هزمته نفسه التي بين جنبيه.
إخواني .. هذه تذكرة لمن شاء أن يستقيم ويتبع الطريق القويم الذي رسمه لنا رسول الله محمد النبي الأمين صلى الله عليه وسلم الذي جاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين وحرم علينا مناكحة وموارثة وأكل لحوم المرتدين وأخبرنا أن هذا هو الصراط المستقيم وأنه في مخالفة أصحاب الجحيم فأوجب علينا مخالفتهم وحرم علينا مشابهتهم ...
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين
والله من وراء القصد والله أكبر والعزة للمسلمين(4/273)
رسائل فقهية
Oمحمد بن صالح العثيمين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
مجموعة رسائل وبحوث
خاتمة: ولنختم هذا البحث بما ورد في الكتاب والسنة من تحريم الربا والتشديد فيه قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ} ففي هذه الآية تهديد شديد ووعيد أكيد لمن لم يترك الربا وذلك بمحاربته لله ورسوله فأي ذنب في المعاملة أعظم من ذنب يكون فيه فاعله محاربا لله ورسوله. ولذلك قال بعض السلف: من كان مقيما على الربا لا يتوب منه كان حقا على إمام المسلمين أن يستتبه فإن نزع وإلا ضرب عنقه. وفي قوله تعالى: {وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} إشارة إلى أن: آكل الربا بأنه لو كان مؤمنا بالله ورسوله حق الإيمان راجيا ثواب الله في الآخرة خائفا من عقابه لما استمر على أكل الربا والعياذ بالله تعالى. وقال تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}. ففي هذه الآية وصف آكلي الربا بأنهم يقومون من قبورهم يوم القيامة أمام العالم كلهم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس يعني كالمصروعين الذين تصرعهم الشياطين وتخنقهم. قال ابن عباس رضي الله عنهما: آكل الربا يبعث يوم القيامة مجنونا يخنق.
ثم يبين الله ما وقع لهم من الشبهة التي أعمت بصائرهم عن التمييز بين الحق والباطل فقال تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا} وهذا يحتمل أنهم قالوه لشبهة وقعت لهم وتأويل فاسد لجأوا إليه كما يحتج أهل الحيل على الربا ويحتمل أنهم قالوا ذلك عنادا وجحودا.
وعلى كلا الاحتمالين فإن هذا يدل على أنهم مستمرون في باطلهم، منهمكون في أكلهم الربا، مجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق. نعوذ بالله من ذلك.
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ وَأَطِيعُواْ اللهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ففي هاتين الآيتين: نهى الله عباده المؤمنين بوصفهم مؤمنين عن أكل الربا ثم حذرهم من نفسه في قوله {وَاتَّقُواْ اللهَ} ثم حذرهم النار التي أعدت للكافرين وبين أن تقواه وطاعته سبب للفلاح والرحمة {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.(4/274)
وهذا كله دليل على تعظيم شأن الربا وأنه سبب لعذاب الله تعالى ودخول النار والعياذ بالله تعالى من ذلك. وقال تعالى: {وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ}. {يَمْحَقُ اللهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}. فالربا لا يربو عند الله ولا يزداد صاحبه به قربة عند ربه فإنه مال مكتسب بطريق حرام فلا خير فيه ولا بركة ولو أن صاحبه تصدق به لم يقبل منه إلا إذا كان تائباً إلى الله تعالى من ذلك الذنب الكبير فيصدق به للخروج من تبعته عند عدم معرفته لأصحابه وبذلك يكون بارئا منه. أما إن تصدق به لنفسه فإنه لا يقبل منه لأنه لا يرو عند الله بينما الصدقات المقبولة تربو عند الله، وإن أنفقه لم يبارك الله له فيه لأن الله يمحق بركته، فلا خير ولا بركة في الربا. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ?: (رأيت الليلة رجلين أتياني فأخرجاني إلى أرض مقدسة حتى أتينا على نهر من دم فيه رجل قائم وعلى شط النهر رجل بين يديه حجارة، فأقبل الرجل الذي في النهر فإذا أراد أن يخرج رمى الرجل بحجر في فيه فرده حيث كان فجعل كلما أراد أن يخرج رمى في فيه بحجر فيرجع كما كان فقلت ما هذا الذي رأيته في النهر؟ قال: آكل الربا." "رواه البخاري". وعن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله ? آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه. وقال: هم سواء". رواه مسلم وغيره. وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قال رسول الله ?: "الربا اثنان وسبعون بابا أدناهما مثل إتيان الرجل أمه" رواه الطبراني وله شواهد.
وقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من الربا وبيان تحريمه وأنه من كبائر الذنوب وعظائمها، فليحذر المؤمن الناصح لنفسه من هذا الأمر العظيم وليتب إلى الله تعالى قبل فوات الأوان وانتقاله عن المال، وانتقال المال إلى غيره فيكون عليه إثمه وغرمه ولغيره كسبه وغنمه وليحذر من التحايل عليه بأنواع الحيل لأنه إذا تحيل فإنما يتحيل على من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ولن تفيده هذه الحيل، لأن الصور لا تغير الحقائق.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب إبطال التحليل ص108: ... فيا سبحان الله العظيم أيعود الربا الذي قد عظم الله شأنه في القرآن وأوجب محاربة مستحله ولعن آكله وموكله وشاهديه وكاتبه، وجاء فيه من الوعيد ما لم يجئ في غيره إلى أن يستحل جميعه بأدنى سعي من غير كلفة أصلا إلا بصورة عقد هي عبث ولعب يضحك منها ويستهزئ بها ... أم يستحسن مؤمن أن ينسب نبيا من الأنبياء فضلا عن سيد المرسلين بل أن ينسب رب العالمين إلى أن يحرم هذه المحارم العظيمة ثم يبيحها بنوع من العبث والهزل الذي لم يقصد ولم يكن له حقيقة وليس فيه مقصود للمتعاقدين قط.
وقال في ص137: ... وكلما كان المرء أفقه في الدين وأبصر بمحاسنه كان فراره من الحيل أشد. قال: وأظن كثيرا من الحيل إنما استحلها من لم يفقه حكمة الشارع ولم يكن له بد من التزام ظاهر الحكم، فأقام رسم الدين دون حقيقته، ولو هدي إلى رشده لسلم لله ورسوله وأطاع الله ظاهرا وباطنا في كل أمره.
أسأل الله تعالى أن يوقظ بمنه وكرمه عباده المؤمنين من هذه الغفلة العظيمة، وأن يقيهم شح أنفسهم ويهديهم صراطه المستقيم إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/275)
رسالة في حكم تقديم السعي على الطواف
Oإبراهيم بن عبدالله الجريسي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بدون
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1431هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حج وعمرة - سعي
الخاتمة:
الحمد لله أولاً وآخراً على ما يسره لي ربي من إتمام هذه الرسالة، فلك الحمد يا ربي حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا ..
وقد عرضت في هذه الرسالة (حكم تقديم السعي على الطواف) أقوال أهل العلم، وبلغت خمسة أقوال كما تقدم، وهي على النحو التالي:
القول الأول: عدم صحة تقديم السعي على الطواف مطلقاً.
القول الثاني: صحة تقديم السعي على الطواف مطلقاً.
القول الثالث: صحة تقديم السعي على الطواف في الحج والعمرة في حق الجاهل والناسي؛ دون العامد.
القول الرابع: صحة تقديم السعي على الطواف في الحج والعمرة؛ مع وجوب الدم.
القول الخامس: صحة تقديم السعي على الطواف في الحج، وجواز ذلك مقيداً بتقديمه على طواف الإفاضة يوم النحر وما بعده؛ فلا يصح تقديمه على طواف القدوم، أما العمرة فلا يصح تقديم السعي على طوافها مطلقاً.
وقد قمت بجمع هذه الأقوال من مواطنها المتفرقة، وذلك من خلال عدد كبير من المراجع حتى يتمكن القارئ من معرفتها والاطلاع عليها، ثم قمت باستعراض أدلة الأقوال، وجعلت أدلة كل قول على حدة؛ مع مناقشتها وذكر الاعتراضات والأجوبة والردود – إن وجدت – عليها، كما قمت بحصر صور تقديم السعي على الطواف، وقد بلغت عشرين صورة، أهمها سبع عشرة صورة، وممن انفرد بالإفتاء بها - إما نصاً أو بقياس الأولى أو على سبيل العموم - سماحة شيخنا عبد العزيز بن باز رحمه الله، وقد رجحت القول الثاني منها؛ نظراً لقوة ما استدلوا به، ولإجابتهم عما استدل به أصحاب الأقوال الأخرى، وذكرت أسباب الترجيح على شكل نقاط كما تقدم.
ولا شك أن معرفة سبب الخلاف يعين على تصور المسألة، ومن أسباب الخلاف المهمة: هو فعله صلى الله عليه وسلم، فهل مجرد فعله صلى الله عليه وسلم في الحج والعمرة وغيرهما من العبادات يدل على الوجوب أم على الاستحباب؟! فمن قال بالأول منع تقديم السعي على الطواف، ومن قال بالثاني لم يمنع ذلك.
وأما حديث أسامة بن شريك أن رجلاً قال: يا رسول الله، سعيت قبل أن أطوف؟ قال: (لا حرج)، فلا يدخل تصحيحه وتضعيفه في سبب الخلاف عند الجمهور؛ حيث إن أكثر أهل العلم قد صححوه، وقد سبق ذكر من صححه من أهل العلم، كما أن الحنفية الشافعية قد صححوه؛ ولكنهم تأولوه، فأما الحنفية: فقد أوَّلوه بأن هذا الترخيص كان في أول الإسلام؛ حيث لم تستقر شرائع الحج، أما اليوم فلا، وتقدم الجواب عن هذا التأويل. والشافعية أوَّلوه بأن مقصود السائل: سعيت عقب طواف القدوم وقبل أن أطوف للإفاضة. وقد ظهر ضعف هذا التأويل كما تقدم، كما أن بعض من أعله بالتفرد منهم لم يجزم بتضعيفه؛ حيث قال بعد ذكره لتفرد جرير عن الشيباني: فإن كان محفوظاً فمراده ... وذكر التأويل السابق.
وأما المالكية؛ فلم يرد عن مالك في هذا الحديث شيء، ولم أجد له ذكراً فيما وقفت عليه من كتبهم؛ باستثناء الإمام ابن عبد البر؛ فقد ساقه بسنده من طريق أبي داود كما في التمهيد، والقاضي عياض في إكمال المعلم، ولم يذكرا شيئاً في تصحيحه أو تضعيفه، كما نقله الزرقاني في شرحه للموطأ، وقد نقله من كلام الحافظ في الفتح.
وأما الحنابلة؛ فلم يرد عن أحمد في هذا الحديث شيء أيضاً؛ بل لم أجد له ذكراً فيما وقفت عليه من كتب مسائل الإمام أحمد وكتب المذهب؛ باستثناء الإمام ابن القيم؛ فقد ذكره في زاد المعاد وحكم عليه بالضعف، كما تقدم، وباستثناء علمائنا المعاصرين – أيضاً –؛ كسماحة مشايخنا: الباز والعثيمين والجبرين.(4/276)
وفي الحقيقة إن حديث أسامة بن شريك كان ينبغي أن يكون دليلاً على الجواز لمن يرى صحته؛ لأنه نص صريح في مسألة جواز تقديم السعي على الطواف، ولم يكن كذلك عند الأحناف والشافعية؛ لأنهم تأوَّلوه.
وأما من قال: إن حديث أسامة بن شريك مقيد بجوازه في حال الجهل أو النسيان دون العمد - كما في القول الثالث في المسألة - فقد أجيب عنه بأجوبة، منها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن حال السائل، ولم يقل له: هل أنت عامد أو ناسٍ أو جاهل؟ فلمَّا لم يستفصل عليه الصلاة والسلام دل على جواز ذلك مطلقاً، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُسقط الحرج إلا وقد أجزأ الفعل؛ إذ لو لم يجزئ لأمره بالإعادة؛ لأن الجهل والنسيان لا يضعان عن المرء الحكم الذي يلزمه في الحج، كما لو ترك الرمي ونحوه فإنه لا يأثم بتركه جاهلاً أو ناسياً؛ لكن يجب عليه الإعادة.
وأما من قال: إن حديث أسامة بن شريك مقيد في الحج دون العمرة، وجوازه في الحج مقيد بما بعد الوقوف وما بعده، وليس قبل الوقوف. كما هو القول الخامس، وقال به فضيلة الشيخ العثيمين، أما دليل منعه من العمرة: أن السؤال ورد في الحج دون العمرة، فأجبنا عنه بما تقدم.
وأجبنا عنه من كلام الشيخ العثيمين رحمه الله؛ وأن ذلك معارَض بقول فضيلته: بأن كل ما يُفعل في الحج يُفعل في العمرة، وأن الأصل مشاركة العمرةِ الحج َّفي الأفعال والأحكام إلا ما استُثني، فإن قيل- كما تقدم -: يلزم من ذلك وجوب طواف الوداع في العمر، كما هو واجب في الحج وأنتم لا تقولون بذلك؟ فالجواب عنه بقول فضيلته أيضاً: فإن الأصل مشاركة العمرة الحج في الأفعال والأحكام إلا ما استُثني، وطواف الوداع مما استُثني بعدم وجوبه في العمرة؛ لوجود القرائن الدالة على ذلك والتي سبق بيانها، وأما قول فضيلته بأن الجواز مقيد بيوم العيد وليس قبل ذلك؛ لأن السؤال وقع يوم النحر ولم يسأل قبل ذلك، فأجبنا عنه أيضاً بقول فضيلته بما تقدم، ومن ذلك قول فضيلته: وإذا كان الحديث عامّاً فإنه لا فرق بين أن يأتي ذلك يوم العيد أو فيما بعده، كما أجبنا عنه بأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستفصل عن حال نسك السائل أو وقت أدائه مع علمه صلى الله عليه وسلم بكل ذلك، وبيّنا أثر ما تقدم من التعارض، وأنه يضعف هذا القول؛ لأن عدم الاستمرار على طريقة واحدة من الاستدلال – بحيث يستعمل في مكان ما لا يستعمل في غيره – يحصل فيه انقلاب النظر.
وأما خلاف العلماء في تقديم بعض الأمور على بعض في يوم النحر فلا يدخل أيضاً في سبب الخلاف في تقديم السعي على الطواف؛ لأن خلافهم - كما نصوا على ذلك - في غير تقديم السعي على الطواف كما تقدم.
وأما القول بأن السعي تبع للطواف على سبيل الفرض؛ فقد أجيب عن ذلك بعدة أجوبة، كان من أهمها: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما رخّص في تقديم السعي على الطواف علمنا أن ذلك جائز، وأن تقديم الطواف هو الأفضل والأبر، فإن لم يسلَّم بذلك؛ فيقال: كيف يصح أن يكون السعي ركناً في الحج – كما هو قول الجمهور – مع أنه تبع للطواف؟! وكيف يصح – أيضاً – أن يقدم طواف القدوم عليه؛ مع أنه سنة عند الجمهور؟! وكيف يكون التابع أعلى من المتبوع؟!
وأما العذر في ذلك - كما هو عند الأحناف - وهو أن الشرع أجاز له أداء السعي عقيب طواف هو سنة للتيسير؛ لأن الطواف الذي هو ركن لا يجوز قبل يوم النحر، وفي يوم النحر أعمال كثيرة، ولو وجب عليه السعي في هذا اليوم للحقته المشقة، فأجبنا عنه بأن ما ذكروه كلام لفظي لا يغير من حقيقة الأمر، وهو أن التابع تقدم على المتبوع، والله أعلم.(4/277)
وبقي أن أذكر في هذه الخاتمة الكلام على حديث عائشة رضي الله عنها لما حاضت وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (افعلي ما يفعل الحاج؛ غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري)؛ فقد استدل به كلٌّ من أصحاب القول الأول والقول الثاني.
أما أصحاب القول الأول - وبالأخص منهم أصحاب الشافعي - فقد استدلوا به على المنع بقولهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسعَ كما لم تطُف، فلو لم يكن السعي متوقفاً على تقدم الطواف عليه ما أخرته، واعتُرض عليه بأن السنة جاءت برفع الحرج عمن قدم السعي على الطواف، فإن لم يُسلَّم بذلك؛ فيمكن أن يقال كما تقدم: إن عائشة رضي الله عنها لم تفعل السعي كما فعلت غيره من المناسك – والله أعلم – لا لأجل أن تقديم الطواف عليه شرط؛ بل لأن الإتيان بالسعي بعد الطواف كمالٌ واتباع للسنة، وأن ما أباحه الله ورسوله ولم يُرَ فيه حرج فهو مشروع، ولكنه ترك الأفضل، كما أن فعلها رضي الله عنها لا يدل بنفسه على الوجوب ولا يخصص العموم، ومما أيَّد عدم ارتباط حكم المسألة بفعل عائشة رضي الله عنها ما ورد من الأحاديث الأخرى في ذلك؛ كحديث: (الحائض تقضي المناسك كلها إلا الطواف بالبيت)، وغيره من الأحاديث التي تقدم الكلام عليها، ثم ختمتُ مناقشة هذا الدليل بإلزام من استدل بهذا الحديث على المنع أن يقوم باشتراط الطهارة للسعي؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمرها أن تصنع ما يصنع الحاج غير الطواف بالبيت، ولم تسعَ رضي الله عنها على غير طهارة كما لم تطُف، فلو لم يكن السعي متوقفاً على الطهارة لما أخرته؛ وهم لا يشترطون ذلك، ومعلوم أن جماهير الأمة – إلا من شذ – لا يشترطون الطهارة للسعي؛ أخذاً بعموم حديث عائشة: (افعلي ما يفعل الحاج) ويدخل فيه السعي، وهم بذلك قد استعملوا شيئاً في مكان وتركوه في آخر، كما فرقوا بين الفعل وأوصافه، والفعل لا ينفك عن أوصافه، فإذا جاء فعل عم أوصافه المقترنة به، فإذا جاز الاستدلال بحديث عائشة رضي الله عنها على عدم اشتراط الطهارة للسعي؛ كان فعل السعي نظيره، وإلا كان مخير أحدهما – إذا منع الآخر – متحكماً، والتحكم لا يعجز عنه أحد. ثم لا يتصور أن يُستدل بالحديث على جواز وصف الفعل دون أصله، فما لا يجوز أصله كيف يجوز وصفه؟ فكيف يستدل بالحديث على جواز السعي على غير طهارة ولا يستدل على جواز أصل السعي؟ والله أعلم.
ولذلك حاول البعض أن يكون قوله مطَّرداً في ذلك؛ فمنع الاستدلال بحديث عائشة رضي الله عنها على عدم اشتراط الطهارة للسعي؛ لأنه يلزم منه تقديم السعي على الطواف. وأما توجيه الحافظ العراقي وابن رجب وأبي الوليد الباحي وغيرهم بأن السعي لم يدخل في عموم الحديث؛ لأنه تابع للطواف ولا يفعل إلا بعده، فأجبنا عنه بأن ما ذكروا مصادرة على المطلوب؛ لأن كون السعي لا يكون إلا بعد الطواف، وهو محل النزاع، والله أعلم.
وأما أصحاب القول الثاني: فقد استدلوا بحديث عائشة رضي الله عنها المتقدم على الجواز؛ مع ذكري لأحاديث أخرى في هذا الباب في معنى حديث عائشة رضي الله عنها، واجتهدت في ذكر وجوه الدلالة من هذه الأحاديث، وذكرت خمسة أوجه، ولم أجد ما يمكن أن يعترض به عليها؛ سوى ما تقدم من عدم التسليم بدخول السعي في عموم حديث: (افعلي ما يفعل الحاج)؛ لأنه تابع للطواف فلا يفعل إلا بعده. وتقدم الجواب عنه –أيضاً- وأنه استدلال في محل النزاع كما نبهت على رواية: (ولا بين الصفا والمروة)، وذكرت كلام أهل العلم في شذوذها وعدم الأخذ بها. وأنبِّه أيضاً إلى أنني لم أجد من استدل بحديث عائشة - المتقدم على الجواز - سوى الإمام ابن حزم، وهو ظاهر قول عكرمة كما تقدم، وظاهر النص موافق لما ذكروه، والله أعلم.(4/278)
رفع العتاب والملام عمن قال: "العمل بالحديث الضعيف اختيارا حرام"
Oمحمد بن قاسم الفاسي
المحقق/ المترجم:
محمد المعتصم بالله البغدادي
الناشر:
دار الكتاب العربي - بيروت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1406هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
العمل بالحديث الضعيف
الخاتمة
ختم الله لنا بالحسنى ومتعنا بالنظر لوجهه الكريم الذي لا يفنى
اعلم أني لما وقفت على كلام سيدي عبدالرحمن الفاسي في تحفة الأكابر المتقدم بعضه في الفصل الثالث وكان متضمناً لما حاصله أنه يجب العمل بأحد القولين الذي هو أقوى من مقابله كما أنه يخير في العمل بأحد القولين المتساويين أردت أن أبسط ذلك بذكر الصور اللائقة بالمقام على جهة التفصيل والتمام وحاصل هذه الصور أنها عشرة: ستة فيها أحد القولين أقوى من مقابله فيجب العمل به ويحرم العمل بمقابله وأربعة القولان فيها متساويان في ترجيح كل منهما أو في عدم ترجيح كل واحد منهما.
فالستة الأولى هي أن يكون أحد القولين مشهوراً ومقابله شاذ أو أحد القولين راجحاً ومقابله ضعيفاً أو أحد القولين راجحاً ومقابله مشهوراً أو أحد القولين مشهوراً أو راجحاً ومقابله شاذا أو ضعيفاً أو أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر راجحاً فقط أو أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر مشهوراً فقط فهذه ست صور يجب فيها العمل بالأقوى ويحرم العمل بمقابله إلا في الضرورة والقوة حصلت في الصورة الأولى بالمشهورية وفي الثانية بالراجحية وفي الثالثة بالراجحية أيضاً فإنها أقوى من المشهور كما تقدم ذلك عن الهلالي في الفصل الثاني وفي الرابعة باجتماع المشهورية والراجحية وفي الخامسة باجتماع ذلك أيضاً فإن اجتماع ذلك أقوى من انفراد الراجحية وفي السادسة باجتماع ذلك أيضاً فإن اجتماع ذلك أقوى من انفراد المشهورية وإلى القول الأقوى المذكور في هذه الست صور أشار خليل بقوله مبيناً لما به الفتوى أي مقتصراً على القول القوي الذي يجب الحكم والفتوى والعمل به في هذا المختصر غالباً وهو ما كان راجحاً ومشهوراً أو راجحاً فقط أو مشهوراً فقط.
والصور الأربع الباقية التي فيها القولان متساويان تنقسم على قسمين الأول أن يكون القولان متساويين في التقوية وفيه ثلاث صور.
أحدها أن يكون القولان مشهورين معاً.
ثانيها أن يكون القولان راجحين معاً.
ثالثها أن يكون كل من القولين راجحاً ومشهوراً بأن يكون كل منهما قالت به جماعة وكل منهما له دليل قوي وإلى هذه الصور الثلاث أشار خليل بقوله وحيث قلت خلاف فذلك للاختلاف في التشهير لأن مراده باختلاف التشهير الاختلاف في التقوية عبر المختلفون في ذلك بلفظ التشهير أو الترجيح كما يفيده الحطاب في الكلام على النص المذكور ونصه وسواء كان اختلافهم بلفظ التشهير أو بما يدل عليه كقولهم المذهب كذا أو الظاهر أو الراجح أو المفتي به كذا أو العمل على كذا أو نحو ذلك اهـ نقله بناني عند قول خليل في الظهار وهل هو العزم على الوطء الخ وسلمه وكذا نقله الرهوني ثمة وسلمه.
والثاني من المتساويين أن يكون لا ترجيح في واحد من القولين وفيه صورة فقط وإلى هذه الصورة أشار خليل بقوله وحيث ذكرت قولين أو أقوالاً الخ وحكم هذه الصور الأربعة أن المكلف مخير فيما يعمل به من القولين كما نص عليه سيدي عبدالرحمن الفاسي وما ذكرناه عن سيدي عبدالرحمن الفاسي من أنه يعمل بالقولين في الست صور ويخير في الأربعة يؤخذ من كلام سيدي محمد الرهوني في غير ما موضع من حاشيته.(4/279)
مثال الصورة الأولى وهي ما إذا كان أحد القولين مشهوراً والآخر شإذا كراء الأرض بما يخرج منها فإن المذهب أي المشهور كما قال الشيخ التاودي على التحفة المنع تبعاً لناظمها قال ابن رشد في المقدمات، مذهب مالك وأكثر أصحابه أنه يجوز كراؤها بالدنانير والدراهم والعروض والثياب والحيوان ما عدا كراءها بالطعام وإن لم تنبته كالسمن والزيت وبما تنبته ولو غير طعام كالقطن والكتان اهـ " وقال سحنون من اكترى أرضاً بما يخرج منها فذلك جرحة في حقه وتأوّله أبو محمد بما إذا كان عالماً بالمنع وهو مذهبه أو قلد مذهب المانع وإلا فلا على قول مالك وأكثر أصحابه عول خليل إذ قال عاطفاً على المنع ما نصه وكراء الأرض بطعام أو بما تنبته إلا كخشب الخ وقد سلم كلامه كل من شرحه أو حشي عليه والمقابل وهو الليث يقول بالجواز فلا يحل لعالم أن يفتي به لأحد وإنما يجوز له أن يعمل به في نفسه عند الضرورة فإن وقع ذلك الكراء المحرم على المشهور فإن اطلع عليه قبل حرثها فالفسخ ليس إلا وإلا فالزرع أو المقتاة كله للمكتري وعليه لربها كراء المثل عيناً هذا إن اكتراها لِسَنة واحدة فإن اكتراها بجزء مما تخرجه سنين واطلع على ذلك في أثنائها فالأعوام الباقية تفسخ فيها الكراء وما مضى يكون فيه كراء المثل.
وكذا من ذبح ذبيحة وجعل الكرجمة كلها لجهة البدن فالمذهب أي المشهور أنها لا تؤكل وهو قول مالك وابن القاسم وأشهب وأصبغ وابن مزين قال التلمساني وهو المشهور وقال في الشامل ولو حاز الجوزة للبدن من غير قطع فمشهورها المنع وقال ابن الحرب لا تؤكل مطلقاً أي لا يأكلها غني ولا فقير وممن صرح بحرمتها السيوري، وكلامه محمول على عدم الصعوبة في الدين وكذا ذكر ابن رشد أن المشهور منع أكلها فعلى هذا القول وهو حرمتها على الفقير والغني لا بيع فيها ولا صدقة وإنما ترمى للكلاب قال ابن ناجي ويضمن الجزار قبعتها إن فرط كثقب اللؤلؤة ومن استؤجر على نقل زجاج فكسره أو أذن له في تقليب فخّار فكسره والبيطار في حال علاجه للدابّة والطبيب في حال طبه والمؤدب إذا ضرب ضرباً لا يجوز له أمّا ما يجوز له ونشأ منه فساد فلا شيء عليه والقاضي إذا حد حداً ونشأ منه فساد فلا ضمان عليه والمقابل القائل بجواز الأكل وهو ابن وهب، ومن تبعه وإن كان قوياً في نفسه فهو شاذ بالنسبة للقول بالحرمة.(4/280)
وكذا من خشي باشتغاله بالوضوء أو بالغسل من الحدث الأكبر خروج الوقت فالمشهور أنه يتيمم مطلقاً كان يداوم على الصلاة في الوقت أم لا وهو قول مالك الذي رواه الأبهري عنه وهو مذهب ابن القصار وعبدالوهاب وغيرهما من العراقيين وهو الذي اختاره التونسي وابن يونس وصاحب التوضيح وأقامه اللخمي وعياض من المدونة وصرح ابن الحاجب بتشهيره والمراد بالوقت الذي هو فيه اختيارياً أو ضرورياً كما يؤخذ من سيدي محمد الرهوني والشاذ يقول أنه يتوضأ أو يغتسل ولو أدى ذلك للصلاة خارج الوقت ولم يطلع خليل على أن هذا الثاني شاذ بالنسبة إلى الأول فأشار إلى تشهيرهما معاً بقوله وهل إن خاف فواته باستعماله خلاف وكذا إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه ومكانه فالمشهور فيها الوجوب والشاذ يقول بالاستحباب وقد صرح بشذوذ القول بالاستحباب شيخ الشيوخ سيدي عبدالقادر الفاسي في نوازله الكبرى قال ولا يعمل بهذا القول الشاذ إلا عند الضرورة وقد اعترض العارف بالله مولاي أحمد التجاني القول بالسنية ولم يَرْتض ِ إلا القول بالوجوب مستدلاً بقوله تعالى وثيابك فطهر قال لأن الأمر للوجوب حقيقة وإذا أبطل رضي الله عنه القول بالسنية فكيف يرتضي القول بالاستحباب ثم أن ما للحطاب وصدر به الزرقاني واختاره المسناوي فإنه قال والنفس لما يقوله الحطاب أميل نقل ذلك تلميذه جسوس في شرح الفقهية وكذا اختاره الشيخ بناني وسلمه الرهوني بسكوته عنه وكذا سلمه شيخنا في اختصاره من أن الخلاف بين السنية والوجوب لفظي هو الصواب خلافاً لمن جعله من الشراح حقيقياً كالشيخ الإمام أبي سالم العياشي، في ترجمة حكيم الإسلام الروداني فقد رد عليه العلامة الشريف الحسني سيدي أبو عبدالله محمد بن عبدالسلام القادري رحمه الله ورضي عنه في كتابه " نشر المثاني " في ترجمة حكيم الإسلام المذكور بأن كون الخلاف حقيقياً يفيد أنه على السنية تكون الإعادة وقتية مع أن الصواب أن الإعادة على السنية أبدية.
فإن قلت: كيف تجعل الخلاف لفظياً وتجعل الإعادة على السنية أبدية وهم نسبوا لمالك وجميع أصحابه إلا ابن وهب وأبا الفرج أن الإعادة على القول بالسنية وقتية فقط قلت: مرادهم بجميع أصحابه من أدركه فقط لا كل من تمذهب بمذهبه ومعلوم أن أصحابه الذين لم يدركوه هم أكثر ممن أدركه وكلهم اختاروا أن الخلاف لفظي وانظر الحطاب وبهذا التحقيق تعلم ما وقع للشيخ سيدي علي الأجهوري في النظم الذي نسب إليه ونصه.
فرضٌ إزالة ُ النجاسةِ وقيل ندب وقيل سنة خذ يا نبيل
وكلها مشهر في المذهب من اقتدى بواحد لم يذنب
وحاصل ما وقع له أمران.
الأول أنه جعل القول بالسنية مقابلاً للقول بالوجوب وبنى عليه كما في نوازله أن من صلى بالنجاسة ذاكراً قادراً يعيد في الوقت فقط ولا يعيد أبداً إلا على القول بالوجوب وهذه وإن كانت طريقة منسوبة لمالك فهي ضعيفة بالنسبة للطريقة الأخرى القائلة بوجوب الإعادة أبداً ولو على السنية وقد رواها ابن وهب عن مالك فالصواب أنهما قول واحد وأن الخلاف لفظي.(4/281)
والثاني أنه شهر القول بالاستحباب معتمدا ًعلى تشهير الفاكهاني والصواب أن القول بالاستحباب شاذ لأن تشهير القول بالاستحباب الذي عزاه سيدي علي الأجهوري للفاكهاني رده الشيخ مصطفي بأنه وقف على كلام الفاكهاني فوجده يدل على خلاف ذلك وكلام الأجهوري الروداني بأنه بحث عنه في كلام الفاكهاني فلم يجده وكلام الروداني صواب وأما رد أبي سالم العياشي على الروداني فباطل كما ذكره صاحب نشر المثاني فانظره وقول الشيخ علي الأجهوري في نظمه من اقتدى بواحد الخ يحمل الاقتداء في كل من الأقوال الثلاثة على ما يليق به ففي الاختيار يقتدي بالقول بالوجوب المرادف للسنية على الصواب وفي الضرورة يقتدي بالقول بالاستحباب أو بالسنية على كلامه من الغرق بينها وبين الوجوب والله تعالى أعلم وبهذا التأويل يسقط البحث معه بأن كلامه يوهم جواز الاقتداء بالقول بالاستحباب في الاختيار ولا قائل به وكذا يوهم جواز الاقتداء في الاختيار بالسنية على كلامه من مباينة القول بالسنية للوجوب وهو ليس بصواب لأن القول بالإعادة في الوقت المبني على السنية على تسليم مباينتها للوجوب لا يقوى قوّة القول بالإعادة على جهة الوجوب المبني على الوجوب وإذا كان لا يعمل في الاختيار بالاستحباب ولا بالسنية على القول بمباينتها للوجوب فلا يفتى بواحد منهما خلافاً لعلي الأجهوري في نوازله فإنه أفتى بالإعادة في الوقت على السنية وهذا على أن ما في نوازله أفتى هو به وقيل إن ما فيها إنما هو لبعض تلامذته وعليه فالاعتراض على ذلك البعض والله أعلم.
ثم اعلم أن المشهور القائل بالوجوب مع الشرطية مطلقاً من غير تقييد بالذكر والقدرة.
وقيل واجب غير شرط مطلقاً والأول من هذه الأقوال الثلاثة هو الصواب وعليه مشى الشيخ خليل فإنه ذكر الوجوب مع الذكر والقُدْرة في فصل إزالة النجاسة ثم بين أن هذا الوجوب على جهة الشرطية في قوله شرط لصلاة طهارة حدث وخبث وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها ابن رشد في الأجوبة ونقلها الشيخ الرهوني عند قول الشيخ خليل في ستر العورة إن ذكر وكذا بيع الطعام لأهل الحرب المشهور منع ذلك ولو في زمن الهدنة والشاذ يقول بجواز ذلك في زمن الهدنة وهو لابن حبيب.
وكذا استنشاق النفحة فإنه حرام على المشهور فقد صرح بحرمة ذلك الولي الصالح سيدي عبدالقادر الفاسي وتبعه ولده سيدي عبدالرحمن ونظم ذلك في العمليات بقوله.
وحرَّمُوا طَابا للاستعمال وللتجارة على المنوال(4/282)
وقد صرح بحرمة ذلك العلامة الزبادي ذكر ذلك في رحلته وكذا صرح بذلك الرهوني في حاشيته عند قول خليل وفي كره القرد الخ وكذا صرح بذلك سيدي الطالب بن الحاج في حاشيته على ميارة وكذا صرح بذلك سيدي بدر الدين الحموي في بعض أجوبته ناقلاً عن العلقمي أنه استدل على حرمة ذلك الاستنشاق بالحديث الذي رواه مسلم والسيوطي في الجامع الكبير عن أم هانئ أنها قالت نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر وهذا الحديث نبه السيوطي على صحته وروي عن أم سلمة أيضاً وكذا نص على حرمة ذلك الاستنشاق شيخنا العلامة المرنيسي في بعض أجوبته وكذا صرح بحرمة ذلك العلامة الزرهوني مستدلاً على ذلك بالحديث المتقدم قال ووجه الدليل منه أن القاعدة عند المحدثين أن النهي إذا ورد عن شيئين وقد علم حكم النهي عن أحدهما أعطي الآخر حكمه بدليل اقترانهما في الذكر اهـ أي فالمسكر حرام فكذا ما قارنه وهو المفتر ومنه النفحة المستنشقة ثم اعلم أنها حرام على المشهور سواء قلنا مفترة أم لا أما إذا قلنا أنها مفترة فعلة التحريم المأخوذ من الحديث المتقدم زوال العقل مع أن حفظه من الكليات الخمس المجمع عليها عند أهل الملل وهي العقل والدين والمال والعرض والدم قال صلى الله عليه وسلم " كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " وقال صلى الله عليه وسلم " إن الله نهاكم عن قيل وقال وإضاعة المال أو كما قال وقالت أم هانئ نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر والله أعلم وأما إذا قلنا أنها غير مفترة فالعلة في ذلك أنها تخل بالمروءة كما صرح بذلك سيدي عبدالقادر الفاسي والله أعلم.
والشاذ القائل بجواز ذلك مأخوذ من قول سيدي الطالب بن الحاج في حاشيته على ميارة في الكلام على الاستفاف وأفتى جمع من أئمة كل مذهب بالإباحة اهـ لأنهم إذا أباحوا الاستفاف فأحرى الاستنشاق وذكر أنه كما يحرم ما ذكر يحرم مسميتها بطابة لأن السفهاء الذين يستعملونها يسمونها بذلك.(4/283)
ومثال ما إذا كان أحد القولين راجحاً والآخر ضعيفاً التفرقة بين الصبيان في المضاجع المذكورة في حديث أبي داود مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرقوا بينهم في المضاجع فالتفرقة المذكورة مندوبة عند العشر سنين على الراجح وهي رواية عبدالوهاب عن مالك والضعيف هو قول ابن القاسم يقول أن التفرقة تستحب عند سبع سنين قال ابن رشد الصواب رواية ابن وهب لا قول ابن القاسم وكذا الوليمة مندوبة على الراجح واجبة على الضعيف وكذا إخراج الريح في المسجد حرام على الراجح جائز على الضعيف وهو قول ابن العربي وكذا غسل الرجلين في الوضوء من الجنابة في قولان الراجح تأخير غسلهما وهو الذي روته سيدتنا ميمونة رضي الله عنها فإنها ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤخر غسل رجليه والقول الضعيف يقول بتقديم غسلهما ولا دليل له فيما روته عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الغسل توضأ وضوءه للصلاة لأن كلامها مطلق وكلام ميمونة مقيد والمطلق يحمل على المقيد فيحمل كلام عائشة على ما عدا الرجلين هذا حاصل ما للشيخ بناني وغيره ومثال الصورة الثالثة وهي ما إذا كان أحد القولين مشهوراً والآخر راجحاً تحلية الصبي بالذهب أو بالفضة أو لباس الحرير الخالص فإن الراجح الذي أخذه الفقهاء المجتهدون من قول النبي صلى الله عليه وسلم " من تحلى ذهباً أو حلى ولده مثل خربصيصة لم يدخل الجنة " هو التحريم في حق الصبي والمخاطب به وليه وقوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: لم يدخل الجنة المراد به أنه لا يدخل الجنة مع السابقين الأولين إلا أن يتوب أو يقابله الله بالفضل أو يشفع فيه النبي صلى الله عليه وسلم فسيدخل مع الأولين وهذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والخربصيصة بفتح الخاء وسكون الراء وبفتح الباء الموحدة شيء من الحلي كما فسره الجوهري في الصِّحاح بذلك وفسره في القاموس بالخرزة محركة وفسر الخرزة بالجوهر والمشهور جواز تحلية الصبي بالفضة وكراهة تحليته بالذهب وكراهة إلباس الولي الحرير له فيجب تقديم الراجح على المشهور ولذلك قال خليل وحرم استعمال ذكر فعبر بذكر ليشمل الصبي ولم يعبر برجل القاصر على البالغ.(4/284)
وكذا قراءة ركعتي الفجر فيها قولان الراجح منهما ندب قراءة قل ياأيها الكافرون في الركعة الأولى وقل هو الله أحد في الركعة الثانية فقد روي الإِمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في ركعتي الفجر قل يا أيها الكافرون في الأولى وقل هو الله أحد في الثانية ومثل هذه الرواية رواية أبي داود عن عبدالله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم والمشهور في قراءة ركعتي الفجر ندب الاقتصار على الفاتحة عملاً بقول عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف قراءة ركعتي الفجر وعلى هذا المشهور مشى خليل إذ قال وندب الاقتصار على الفاتحة واعترضه الشيخ الرهوني بأن الراجح المقدم على المشهور هو قراءة قل ياأيها الكافرون وقل هو الله أحد ولا دليل للمشهور في قول عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخفف القراءة فيهما لأن التخفيف لا يستلزم ترك السورتين المذكورتين والله أعلم وقيدنا في الكلام على المحلى بالصبي لأن الخلاف في الجواز وعدمه قاصر عليه وأما الرجل فيحرم عليه الذهب والفضة من غير خلاف فالمجانة إذا كانت من الفضة الخالِصَة أو الذهب الخالص فهي حرام على الرجل محمولة كانت أو معلقة لقول خليل وحرم استعمال ذكر محلى كما أدخلها في كلامه العلامة الشيخ بناني فقد ذكر أنه أراد الخروج لزيارة الغوث الكامل مولانا عبدالسلام بن مشيش نفعنا الله به في الدارين واحتاج إلى مجانة ليعرف بها أوقات الصلاة فلم يجد إلا مستعملة من ذهب أو فضة فطلب النصوص التي تبيحها له فلم يجدها ونقل عنه أنه استدل على حرمتها بقول خليل وحرم الخ فسافر بلا مجانة ومن المتأخرين من أجازها معللاً ذلك بأنها تعين على الصلاة في وقتها وفي هذا التعليل بحث لعدم توقف معرفة الوقت على المجانة ولكثرة غير الخالصة في هذا الزمان ومنهم من فصل فأباح المجمولة دون المعلقة والاحتياط هو القول الأول إلا لضرورة فحينئذ يقلد الثالث والله أعلم وقولنا فهي حرام على الرجل مفهومه أنها جائزة للمرأة وهو كذلك لأن المحلى لا يحرم لباسه على المرأة وكذلك يجوز للمرأة المخايد التي فيها الصقلي الخالص لأن ذلك من قبيل المفروش الذي هو من اللباس وكذلك يجوز لها النطعة العمياء لأنها مفروشة فهي ملحقة باللباس أيضاً والله أعلم فكل لباس لها أو ما جرى مجرى لباسها كما إذا كان مفروشاً لها فهو جائز.
قال الحطاب عند قول خليل وجاز للمرأة الخ ما نصه قال في الزاهي وما اتخذه النساء لشعورهن وأزرار جيوبهن وأقفال ثيابهن وما يجري مجرى لباسهن فجائز اهـ والمراد بقوله وما اتخذه النساء لشعورهن ما يلففن فيه شعورهن لا المشط من الذهب أو الفضة فإنه حرام كالمكحلة والمرآة والمدهن ومثل ما للحطاب للمواق وسيأتي نصه قريباً والله أعلم.(4/285)
وأما الستور المفضضة أي المطرزة بالفضة الخالصة أو المذهبة كالحيطي المعروف عندنا بالزحاف وكالخامية المعروفة عندنا أيضاً بالحمقاء فإنهما محرمان على الرجل وكذا هما محرمان على الأنثى لأنهما ملبوسان للحائط لا للمرأة والشارع إنما أباح للمرأة الذهب والفضة إذا كان ملبوسين لها وقد نص على حرمة الستور المذكورة على الرجل والمرأة الحطاب والمواق عند قول خليل وجاز للمرأة إلى قوله لا كسرير ونص الحطاب قال في الجواهر وكذا المكاحل والمرايا المحلات وأقفال الصناديق والأسرة والمذاب والمقرمات وشبه ذلك لا يجوز اتخاذ شيء من ذلك من ذهب أو فضة ولا تحلية شيء منها لا للرجال ولا للنساء ثم قال والمرايا جمع مرآة بكسر الميم والمذاب جمع مذبة ما يطرد به الذباب والأسرة جمع سرير والمقرمات جمع مقرمة بكسر الميم والراء ستر فيه نقش وتصاوير قاله في الصحاح اهـ المقصود منه والشاهد في قوله والمقرمات فإنه لما ذكرها في سياق قول خليل لا كسرير وبعد قوله لا يجوز اتخاذ شيء من ذلك من ذهب أو فضة علمنا أن نقشها هو بالذهب أو بالفضة ولذلك حرمت عليهما والله أعلم ونص المواق وفي ابن يونس ما يتخذه النساء لشعورهن وأزرار جيوبهن وأقفال ثيابهن وما يجري مجرى لباسهن فلا زكاة فيه وليس كما يتخذنه للمرايا وأقفال الصناديق وتحلية المديات والأسرة والمقرمات وشبه ذلك اهـ.
فإذا كانت المقرمات وهي الستور التي فيها نقش من الذهب أو الفضة تحرم على النساء كما هو صريح المواق عن ابن يونس فأحرى الرجال والله أعلم فأخذ حرمة الحيطي الزحاف والخامية الحمقاء من كلام الحطاب والمواق مسلم عند كل من له دراية بكلام الفقهاء والله أعلم وأما ما وقع في كلام العلامة الدسوقي من جواز الستور المذهبة والمفضضة فلا يعول عليه لأنه مخالف لكلام ابن يونس والجواهر والحطاب والمواق وغيرهم وكذا يحرم على الذكر والأنثى نقش الجدران والخشب بالذهب والفضة كما نص على ذلك العلامة الزرقاني ونصه لا كسرير ذهب أو فضة أو محلى بأحدهما ومرآة ومشط ومدية وقفل صندوق ومكحلة كمْروَد إلا لِتَداو ٍ وإن تعين طريقاً جاز لهما وإلا منع عليهما ودخل تحت الكاف مروحة محلاة بأحد النقدين وما اتخذ في جدران وسقوف وخشوب وأغشية لغير القرآن فلا يجوز شيء من ذلك لرجل ولا امرأة انظر الحطاب اهـ والشاهد في قوله وما اتخذ في جدران وسقوف وخشوب الخ وكلامه هذا سلمه الشيخ بناني والشيخ التاودي والشيخ الرهوني وكلام الحطاب الذي أشار إليه هو ما نصه وكذلك أي يحرم على الرجال والنساء ما يتخذ في الجدران والسقف والأخشاب كما في الطراز وغيره قال في الزاهي وكذلك ما جعل للزجاج وأزرار وأقفالاً لثياب الرجال وقصب للأطفال والكبار وأغشية لغير القرآن وما يجري مجرى الأحراز ثم قال والقصب بفتح القاف والصاد المهملة المجوف والله أعلم وبما ذكر تعلم أن قول العلامة الدسوقي عند قول خليل وجاز للمرأة الملبوس مطلقاً ما نصه واعلم أن تزويق الحيطان والسقف والخشب والساتر بالذهب والفضة جائز في البيوت وفي المساجد مكروه إذا كان يشغل المصلي وإلا فلا اهـ ليس بصواب.(4/286)
واعلم أن من ملك شيئاً من الحلي وهو حرام عليه كالحيطي المذهب والخامية المذهبة فإنه تجب عليه الزكاة فيه كل سنة كما نص عليه الشيخ خليل في باب الزكاة بقوله إلا محرماً لأنه استثناه مما لا زكاة فيه وما ذكرناه من حرمة نقش الجدْران بالذهب والفضة هو في غير الكعبة المشرفة أما الكعبة وما ألحق بها من المسجد النبوي ومن أضرحة الأولياء فلا يحرم نقش ما ذكر فيها فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل الكعبة قال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء أي عزمت أن لا أترك في الكعبة المشرفة أما الكعبة وما ألحق بها من المسجد النبوي ومن أضرحة الأولياء فلا يحرم نقش ما ذكر فيها فقد ورد أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما دخل الكعبة قال هممت أن لا أدع فيها صفراء ولا بيضاء أي عزمت أن لا أترك في الكعبة ذهباً ولا فضة بل أتصدق على الفقراء بالجميع فقال له حاجب الكعبة لا تقدر أن تفعل ذلك قال ولم قال لأن صاحبيك يعني النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه أبا بكر رضي الله عنه لم يفعلا ذلك فقال عمر رضي الله عنه المرآن الكاملان اللذان يجب عليّ اتباعهما أو كلاماً هذا معناه وكذلك يجوز بيع الشيء القليل الذي ترجى بركته بما هو أكثر من ثمنه بأضعاف مضاعفة كبيع الشمعة التي تساوي مثقالاً بمائة وكبيع جزء قليل من الكسوة الذي لا يساوي مثقالاً واحداً بمائة ودليل إباحة ما ذكر كلامه جسوس على الشمائل فإنه قال في باب ما جاء في صفة مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم ما نصه قال ابن حجر واشترى أي قدح مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان عند أنس بن مالك خديم مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ميراث النضر بن أنس بثمان مائة ألف أي من الدراهم الشرعية كما صرح بذلك الشيخ إبراهيم البيجوري في حاشيته على الشمائل فإذا كان السلف الصالح يشترون الشيء القليل بالثمن الكثير لرجاء بركته فكذلك يجوز لنا ذلك لرجاء بركة الصالحين وأهل العلم وأهل البيت.
وقد كان الولي الصالح سيدي عبدالقادر الفاسي يستسقي بأهل البيت كما كان السلف يستسقون بجدهم صلى الله عليه وسلم فمن كانت عنده محبة في سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم كان شراؤه لحاجة مملوكه لواحد من أهل البيت كشراء السلف الصالح حاجة من حوائج رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد قال أبوبكر الصديق رضي الله عنه ارقبوا محمداً في أهل بيته أي من أراد أن ينظر إلى وجه سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم فلينظر إلى واحد من أهل بيته كما فسره بذلك ابن وفا رحمه الله والله أعلم.(4/287)
ومثال الرابع وهو ما إذا كان أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر شإذا وضعيفاً الجلوس على الحرير الخالص للرجال فإنه حرام على المشهور لكثرة قائلة وحرام على الراجح أيضاً لقوة دليل التحريم وهو نهيه صلى الله عليه وسلم الرجال عن لباس الحرير فإن الجلوس عليه من جملة اللباس بدليل قول أنس بن مالك أن هذا الحصير قد اسود من طول ما لبس ومعلوم أن لباس الحصير هو الجلوس عليه وأما قول ابن الماجشون أن الجلوس ليس من اللباس في شيء فمَرْدود بكلام أنس المتقدم وأما تأويله كلام أنس بأنه كان يجعل حصيره غطاء فبعيد جداً وهذا على تسليم أن النهي إنما ورد عن اللباس فقط وليس كذلك بل ورد عن الجلوس أيضاً فيكون مقابله وهو الجواز شإذا وضعيفاً وهو لابن الماجشون وبعض الشافعية والكوفيين والمراد بالكوفيين الحنفية كما صرح به الأمير وكما يؤخذ ذلك من كلام القسطلاني في كتاب الشفعة وبيان وجه الأخذ منه أنه نسب القول بثبوت الشفعة للجار للحنفية فقط ثم بعد ذلك عبر عنهم بالكوفيين ونسبه لهم فقط والله أعلم ثم أن الجلوس عليه حرام على الرجل ولو بالتبعية للمرأة والقول بجوازه تبعاً لها ضعيف لا يعمل به إلا في الضرورة هذا حكم الجلوس عليه وأما لباسه فحرام على الرجال إجماعا وقد صرح العلامة الخرشي بالإجماع عند قول الشيخ خليل وعصى وصحت وكذا صرح به غير واحد ومستند الإجماع الحديث المتقدم قريباً وما أخرجه ابن حبان في صحيحه أن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار وأشهدكم أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من لبس الحرير في الدنيا حرمه في الآخرة وأما ما ذكره القلشاني في شرح الرسالة من الخلاف فقال بعض العلماء من الفاسيين أن ذلك الخلاف كان قبل انعقاد الإجماع وحينئذ فلا ينبغي أن لا يذكر هذا الخلاف لئلا يغتر به إلا بقصد التنبيه على أنه كان قبل انعقاد الإجماع هذا حكم لباسه وأما تعليقه فإن كان مع استناد الرجال عليه فهو حرام كالجلوس عليه وإن كان من دون استناد إليه فهو جائز قال العارف الفاسي رضي الله عنه في حاشيته على المختصر عند قول خليل في الوليمة كفرش حرير وقد ذكر ابن عرفة أن ما كان من ذلك أي من الحرير الخالص لمجرد الزينة بحيث لا يستند إليه ولا يجلس عليه إلا ظهر خفته قال ولا يصح كونه مانعاً من وجوب الإجابة للولائم وكذا قال ذلك التتائي اهـ منها وفي كتاب الجامع لجمل من الفوائد والمنافع للشيخ زروق رضي الله عنه ما نصه فأما فرش الحرير فلا يجوز الجلوس عليها ولا يمتنع من الإجابة لأجلها اهـ المقصود منه فقوله ولا يمتنع من الإجابة لأجلها أي إذا كان فرش الحرير لا يجلس عليها أحد بحضرته كما لا يجلس هو عليها وإلا فتحرم الإجابة كما يدل على ذلك قوله فلا يجوز الجلوس عليها ومثل جلوس الرجال على الحرير استنادهم إليه وقد نص الخرشي والزرقاني في باب الوليمة على أن تعليق الحرير من غير استناد رجل إليه لا يمنع من الإجابة للولائم وسلم كلامهما كل من حشى عليهما وهذا كله في الخالص بلا حائل فلو كان مع الحائل فقيل يحرم أيضاً وهو للمازري وعياض كما عند الزرقاني عند قول خ وعصى وصحت الخ وقيل يجوز وهو الذي صرح به العارف بالله الفاسي والبرزلي والبطريني والمرجاني ونقله الشيخ بناني في باب الوليمة ويلمه.
فإن قلت: إن الشيخ بناني وغيره ذكرو أن جواز الجلوس على الحائل مقيس على الصلاة على الثوب الذي تحته نجاسة ومعلوم أن المنصوص وهو ما للمازري وعياض مقدم على المخرج.(4/288)
قلت: كما تقوّى الأول بكونه منصوصاً تقوى الثاني بتلقي العلماء المذكورين آنفاً له بالقبول وبكونه مأخوذاً من المدونة كما ذكر ذلك العلامة الرهوني عند قول خ ولمريض بستر نجس إلى قوله وكذا الصحيح على الأرجح وباقتصار الشيخ بناني عليه في شرحه على المختصر فالقولان مرجحان معاً والله أعلم.
هذا كله حكم الحرير الخالص ويلحق به كما ذكره الشيخ علي الأجهوري ما إذا كان الغالب فيه حريراً بأن كان سداه حريراً ولحمتُه من حرير وغيره أو العكس نقله الصعيدي على الرسالة وأما الخز ففيه طريقان مرجحان معاً الأولى أنه ما سداه حرير ولجمته صوف أو قطن أو كتان فهذا فيه أقوال ثلاثة فقيل جائز وعليه يحمل لباس الإمام مالك له وكذلك شيخه ربيعة وقيل حرام وقيل مكروه وهو أشهر الأقوال وأما إذا كان سداه من صوف ولحمته من حرير فهو حرام على هذه الطريقة وقد صرح بحرمته الخرشي في الكبير كما نقله عنه الصعيدي ويؤخذ هذا التحريم من تعريف الخز المذكور عند الزرقاني وقد سلم ذلك التعريف الشيخ بناني والتاودي والرهوني الثانية أن الخز هو ما سداه حرير ولحمته صوف أو بالعكس فكلا الصورتين من الخز مكروه على هذه الطريقة وعليها مشى الشيخ جسوس في شرح الشمائل والصعيدي على الرسالة والشيخ التاودي على البخاري ناقلاً ذلك عن ابن العربي والله أعلم وأما تغطية الُجدْران بالحرير الخالص فلا يحرم إلا استناد الرجال إليه نعم تغطية الجدران بالستر المذهَّبة أو المفضضة فذلك حرام ولو من غير استناد إليها والفرق بين ستر الحرير والستر المذهبة أن حرمة الحرير أخف من حرمة الذهب والفضة كما نص على ذلك غير واحد وممن نص على ذلك عز الدين ونصه بعد كلام لأن أمر الحرير وغيره إذا كان الحرير مغلوباً ولا يجوز مثل ذلك في الذهب والفضة نقله عنه البرزلي في مسائل الصلاة ونقل ذلك عن البزرلي شارح العمل وكذا نقل ذلك عن البرزلي الشيخ الطيب بن كيران في بعض تآليفه.
ويدل أيضاً على أن الحرير أخف حرمة ستور الذهب والفضة على الرجل والأنثى كما مر بخلاف ستور الحرير فإنه يجوز للمرأة الاستناد إليها دون الرجل فمن نظر للستور المذهبة أو المفضضة على جهة الرضا باستعمالها فقد رضي بالمعصية والرضا بالمعصية معصية وأما قول الصعيدي وقد رأيت ما نصه ويجوز الجلوس تحت الستائر التي على الجدران وكذا تحت السقف المذهبة اهـ كلامه فهو إما ضعيف أو يحمل على الجلوس اضطراراً لا اختياراً والله أعلم.
فإن قلت: إنا أدركنا جماعة من العلماء يحضرون الولائم وفيها سترٌ مذهبة ولا ينكرون شيئاً من ذلك.
قلت: لا دليل في فعلهم على جواز ذلك لأنهم غير معصومين ولو سألتهم لصرحوا بالحرمة.(4/289)
وكذا استعمال آلة اللهو فإنه حرام على المشهور لكثرة قائله وعلى الراجح لقوة دليله فقد سئل العلامة المحقق البركة أبو محمد سيدي عبدالسلام القادري الحسني عن مسئلة السماع والغناء لا يحل سماع شيء منه سواء كان بآلة أو غيرها على المذهب أي المشهور وكذا الملاهي الملهية وهي الآلة المطربة المعروفة حسبما نص عليه أصبغ وابن رشد والشيخ ابن أبي زيد وغيرهم ووجه المنع في ذلك أنه من اللهو وكل لهو باطل كما في الحديث إلا الثلاثة المستثنيات فيه والباطل خلاف الحق فهو ضلال كما في الآية والضلال محرم على المؤمنين وعلة تحريم المسؤول عنه كونه صارفاً عن الحق ملهياً عن الملك الحق مشغلاً عن التعلق بالرب مثيراً للهوى النفساني ومحركاً للباعث الشيطاني فإذا وجدو أنه يوجد من جمع قلبه على مولاه وملك زمام نفسه وهواه انتفت هذه العلة ولم يصادف النهي محله ولذلك لم يمنعوا في حق الصوفية وأمثالهم وإنما اختلف فيه قولهم بالنسبة إليهم بالكراهة والجواز وأكثرهم قولهم فيه بالجواز ثم جوازه لهم مشروط بأمور ذكرها الشيخ زروق في شرح الرسالة وهي السلامة من ممنوع شرعاً كحضور النساء والصبيان وكون المسموع مما يقع به تنبيه وإرشاد أو زيادة يقين وكونه لا ينكر فيه شيء معنى ولا لفظاً وكونه خالياً عن الآلات والكف.
وليعلم أن موضوع المسئلة المتكلم عليها هو الغناء المشتمل على ما يسوغ التكلم به في الشرع لفظاً ومعنى كالغزل والنسيب والمدح لمن يحق أن يثنى عليه وشبه ذلك أمّا ما كان فاسد المعنى أو المبنى فمن الباطل الذي لا خلاف في تحريمه فلا يحل سماعه ولا التكلم به اتفاقاً فاعرف ذلك والله الموفق اهـ ولا يخفي أن مراده بالغناء الذي هو حرام على غير مذهب الصوفية ما فيه الخدود والقدود وتمطيط وتزويق في الكلام كما يؤخذ ذلك من قوله في الكلام على العلة مثيراً للهوى النفساني ومحركاً للباعث الشيطاني فيؤخذ منه أن السماع على غير هذا الوجه بأن كان فيه مدح الرسول عليه الصلاة والسلام من غير تمطيط وتزويق جائز ولو لغير الصوفية والله أعلم والشاهد في قوله وكذا الملاهي المهلية الخ فإنه يفيد حرمتها على المشهور وقوله إلا الثلاث المستثنيات الثلاثة المستثناة هي لعب الرجل مع زوجته والمسابقة والرمي بالنبل وقوله كما في الآية أشار به بقوله تعالى {فمإذا بعد الحق إلا الضلال} وقوله في الكلام على الصوفية نقلاً عن الشيخ زروق وكونه خالياً عن الآلات انظره مع ما صرح به غير واحد من جواز الآلة للصوفية قال الإمام السيوطي حين سئل عن الآلة (حرمها من عليهم المعّول في الأحكام) يعني وهم علماء الظاهر المقتدى بهم وسمعها من لا سبيل إلى الإنكار عليه يعني وهم الصوفية رضي الله عنهم اهـ وقال عبد الباقي الزرقاني عند قول خليل وبطلت بقهقهة ما نصه.(4/290)
فائدة: القهقهة في غير الصلاة مكروهة عند الفقهاء وحرام عند الصوفية قاله الأقفَهْسِي كما في الشيخ أحمد ولعل المراد بالحرمة الكراهية الشديدة أو أنهم نظروا لمعنى يوجب التحريم عند الفقهاء لو اطلعوا عليه إذ الصوفية لا يخالفون الشرع ومن ذلك قول بعض الصوفية بجواز سماع آلة اللهو المحرمة عند الفقهاء لسماعهم منها ذكر الله دون اللهو فالجواز قاصر على من هو بتلك الصفة ومنه إتلاف الشبلي ما يلبسه بنحو حرقه مجيباً من قال له جاء النهي عن إضاعة المال بأن إضاعته لمداواة مرض بدني غير منهي عنه بل مطلوب فكيف بإضاعته لمداواة مرض ديني وأنا أفعله لذلك اهـ وسلمه محشوه والشاهد في قوله المحرمة عند الفقهاء أي جمهورهم فهذا يدل على جوازها للصوفية خلافاً للشيخ زروق وقد يجاب عنه بأنه لم يبحها جميعهم بل بعضهم فيكون هو ماشياً على قول من منعها منهم ويدل على أن منهم من منعها كلام الزرقاني المتقدم فإنه نسب الجواز لبعضهم لا لجميعهم.
ويدل على ما ذكر أيضاً قول العارف الرباني سيدي عبدالوهاب الشعراني في كتابه لطائف المنن ما نصه ومما أنعم الله تبارك وتعالى به عليّ كراهة سماعي للغناء على الآلات المطربة من حين كنت صبياً عملاً بنهي الشارع صلى الله عليه وسلم عن ذلك فتحصل أنه كما اختلف فيها أهل الظاهر اختلف فيها أهل الباطن إلا أن الراجح مختلف فالراجح عند أهل الظاهر المنع والراجح عند الصوفية الجواز والله أعلم.
ولنرجح لما نحن بصدده من النصوص الدالة على أن المشهور الحرمة فنقول وقال العلامة أبو عبدالله سيدي الطالب بن الحاج في حاشيته على المرشد المعين ما نصه الملاهي الملهية وهي العود وجميع ذوات الأوتار حرام في الأعراس وغيرها كما في باب الشهادة من التوضيح نقلاً عن المازري ونحوه لابن عرفة وصاحب المدخل وهو المشهور في مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد قال ولم أر من صرح بالخلاف في ذلك من المالكية إلا من عبر في كراء المعازف بالكراهية ومن عبر في العود والرباب بالكراهة كابن المواز وابن عبدالحكم قال وقد يريدون بالكراهة التحريم كما في التوضيح والعلة في ذلك شدة الإطراب المؤدي إلى الاستكثار المنبت للنفاق في القلب نقله في المدخل عن ابن عيينة اهـ منه وقوله ولم أر من صرح بالخلاف في ذلك من المالكية انظر مع ما نقله هو نفسه قريباً عن ابن العربي في العارضة من أن مذهبه الإباحة وهو من المالكية فلعله لم يطلع على كلامه أولاً فتحصل أن سماع الآلة جائز للصوفية حرام على غيرهم على المشهور كما صرح بذلك أصبغ وابن رشد والشيخ ابن أبي زيد والتوضيح والمازري وابن عرفة وهو المشهور أيضاً في مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد وأن علة التحريم كونه ملهياً عن الملك الحق لما فيه من شدة الإطراب وقد صرح بهذه العلة الإمام الساحلي والشيخ بناني والشيخ التاودي وابن حجر والحطاب وابن رشد وأنه لا فرق في التحريم بين الأعراس وغيرها خلافاً لتفصيل الزرقاني ونصه واعلم أن الغناء إما بآلة أو بغيرها وفي كل إما أن يحمل على تعلق بمحرم أو لا وفي كل إما أن يتكرر أو لا وفي كل إما فعلاً أو سماعاً وفي كل إما في عرس أو صنيع وإما في غير ذلك فمتى حمل على تعلق بمحرم حرم فعلاً وسماعاً تكرر أم لا بآلة أو لا في عرس أو صنيع أو نحوهما أو في غير ذلك ومتى لم يحمل على محرم جاز بعرس وصنيع فيمنع إن تكرر بآلة وغيرها فعلاً وسماعاً وإن لم يتكرر كره سماعاً وهل كذا فعلاً أو يمنع اختلاف اهـ كلامه بلفظه وقد رده العلامة الرهوني بأنه خلاف ما في المعيار عن المازري من أنه بالآلة حرام وبكلام ابن عرفة فإنه قال الظاهر عند العلماء حرمته اهـ.(4/291)
ومن الأدلة على الحرمة قوله تعالى {ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل .... أليم} فإن جمهور المفسرين على أن لهو الحديث الغناء والمزامير كما في القسطلاني.
والحاصل أن الآلة فيها طرق ثلاثة.
حرمتها على المشهور في المذاهب الأربعة وهي أقرب إلى الصواب.
المحققين كالإمام الولي الصالح أبي عبدالله سيدي محمّد الأنصاري الساحلي في كتاب بغية السالك في أشرف المسالك والولي الصالح أبي محمد العبدري المعروف بابن الحاج في كتابه المدخل والشيخ يوسف بن عمر وابن حجر الهيتمي في الزواجر نقلاً عن القرطبي وصاحب المعيار والشيخ زروق في قواعده وصاحب روح البيان والشهاب الخفاجي على الشفاء وأبي بكر الطرطوشي وابن الصلاح.
الطريقة الثالثة تحكي الاجماع على الاباحة حكاها ابن حجر في فتح الباري عن قوم وهي ضعيفة جداً وأغرب ابن حجر في ذلك فإنه يتوسع في حكاية الأقوال حتى يحكى أقوال الكفار وقد رد عليه جماعة من الفحول في هذا المعنى منهم الإمام العلامة المحقق أبو العباس سيدي أحمد بن مبارك اللمطي السجلماسي في كتابه ازالة اللبس فانظره هذا حكم السماع والآلات وأما حكم الرقص فحاصله أنه تعرض له أحكام أربعة الحرمة وهي لمن فعل ذلك رياء أو سمعة والكراهة وهي لمن فعل ذلك لأجل مساعفة الناس والوجوب وهو لمن فعل ذلك بقصد فك نفسه من الهلاك الذي يحصل له لو لم يرقص بأن كان من أهل الوجد والندب وهو لمن فعل ذلك بقصد التشبه بالصوفية أهل الحال والوجد والله أعلم.
ومثال الخامس: وهو ما إذا كان أحد القولين راجحاً ومشهوراً والآخر راجحاً فقط الدلك في الغسل فإن القول بوجوبه لذاته مشهور وراجح أما كونه مشهوراً فلأنه صرح به جماعة من المالكية بل نسبوه لمالك وأتباعه وأما كونه راجحا ً فالأحاديث الدالة على وجوب الدلك والأصل أن وجوبه لذاته والقول بوجوبه لإيصال الماء للبشرة راجح فقط للدلالة المذكورة عند الشافعية.
ومثال السادس: وهو ما إذا كان أحد القولين مشهوراً وراجحاً والآخر مشهوراً فقط وقت المغرب فالمشهور والراجح الامتداد ودليله ما في صحيح مسلم وأبي داود والترمذي والنسائي في حديث السائل عن وقت الصلاة ظانه صلاها في اليوم الأول حين غابت الشمس وفي الثاني عند سقوط الشفق وفي رواية قبل أن يغيب الشفق وفي صحيح مسلم أيضاً إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق والمشهور فقط هو الذي مشى عليه خ في قوله تقدر بفعلها بعد شروطها.(4/292)
ومثال السابع: وهو ما إذا كان كل من القولين مشهوراً لستر العورة في الصلاة فإن القول باشتراطه للذاكر القادر شهره ابن عطاء الله قائلاً هو المعروف من المذهب والقول بعدم اشتراطه شهره ابن العربي وإليه أشار الشيخ خ بقوله هل ستر العورة إلى قوله خلاف وكذا نضح الجسد أو غسله لمن شك في إصابة النجاسة له فإن القول بالنضح شهره ابن شاس وابن الحاجب والمازري والثاني شهره ابن رشد وابن عرفة وإليه أشار خ بقوله وهل الجسد كالثوب أو يجب غسله خلاف وكذا من عجز عن الموالاة عجزاً حقيقياً فإنه اختلف فيه على قولين مشهورين هل يبني إن طال وهو الذي اختاره الحطاب وجزم به اللخمي وحكى ابن هارون الاتفاق عليه وصرح ابن بزيزة بأنه المشهور وكذا صرح ابن جزي في قوانينه بتشهيره والذي حرره الشيخ مصطفى أن العاجز عجزاً حقيقياً لا يبني مع الطول وهو ظاهر المدونة وعليه حملها الباجي وابن يونس وعبدالحق والونوغي والمشذالي وجزم به ابن الجلاب والقاضي عبدالوهاب في التلقين ورجحه الفاكهاني وابن العربي والعجز الحقيقي هو أن يكره على تفريق الطهارة بما يعد إكراهاً شرعاً أو بعروض مرض له في الأثناء منعه من إتمامها ولم يجد منا ولا أواعد من الماء ما جزم بأنه يكفيه فأهرق له أو غصب منه أو أهرقه هو من غير قصد وتبين أنه لا يكفيه فهذه الأمثلة كلها من العجز الحقيقي ومفهوم قولنا إن طال أنه إذا عجز عجزاً حقيقياً ولم يطل فإنه يبني اتفاقاً وأما غير الحقيقي فإنه يبني مع القرب دون الطول اتفاقاً والطول هو مقدار ما تجف به الأعضاء المعتدلة في الزمان المعتدل مثاله ما إذا أعد من الماء ما ظن أنه يكفيه فعجز ماؤه.
ومثال الثامن: وهو ما فيه قولان راجحان تأخير الصلاة عن وقتها الاختياري إلى الضروري فقيل ذلك حرام وهو الذي مشى عليه خليل في قوله وأثم إلا لعذر وقيل مكروه فقط وهو مأخوذ من قول المصنف أيضاً والكل أداء فإن العلماء قالوا أن الأداء لا يجتمع مع الإثم ودليل الأول قوله صلى الله عليه وسلم " من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى باباً من أبواب الكبائر " وقوله " من فاتته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله " ودليل الثاني قول النبي صلى الله عليه وسلم " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " فإنه قد أخذ منه العلماء أن من أدرك ركعة في الوقت الضروري فكأنه أدرك جميع الصلاة في الوقت فلا إثم عليه حينئذ وإنما الإثم إذا أوقعها كلها خارجة الوقت وقد بسط الكلام على هذه المسئلة أبو حفص الفاسي في تقييد له فيها وانفصل على القول بالكراهة والله أعلم.
ومثال التاسع: وهو ما إذا كان كل من القولين مشهوراً وراجحاً وقت صلاة الصبح فإن الذي مشى عليه خ أن مختارها من طلوع الفجر إلى الإسفار أي الضوء وضروريها من الإسفار إلى طلوع الشمس حيث قال وللصبح من الفجر الصادق وإلى الإسفار لا على قال الزرقاني وما اقتصر عليه المصنف هو رواية ابن القاسم وابن عبدالحكم ومذهب المدونة وقال ابن عبدالسلام أنه المشهور وقيل أن مختار الصبح يمتد من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس وهو رواية ابن وهب في المدونة والأكثر وعزاه عياض لكافة العلماء وأئمة الفتوى قال وهو مشهور قول مالك وابن عبدالبر وعليه الناس وهو المتبادر من الرسالة وابن العربي ولا يصح عن مالك غيره فعلى هذا القول لا ضروري لها اهـ كلام الزرقاني.(4/293)
فعلمت منه أن كلا ً من القولين مشهور لكثرة القائل بكل واحد منهما وكذا كل واحد راجح من جهة الدليل ففي الموطأ جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن وقت صلاة الصبح فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد بعد أن أسفر وفي رواية فصلاها من الغد أمام الشمس أي قدامها بحيث طلعت الشمس بعد سلامه منها ثم قال صلى الله عليه وسلم أين السائل عن وقت صلاة الغداة أي الصبح فقال السائل ها أنا ذا يا رسول الله فقال صلى الله عليه وسلم ما بين هذين وقت يعني هذين وما بينهما وقت لصلاة الصبح فهذا الحديث الشريف يدل على امتداد وقت الصبح من الفجر إلى طلوع الشمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها في اليوم الأول في أول وقتها الذي هو طلوع الفجر وفي اليوم الذي بعده صلاها قرب الشمس وقد حمل العلماء صلاته في اليوم الثاني على الوقت المختار كاليوم الأول وأما دليل القول الذي مشى عليه خ فحديث جبريل على نبينا وعليه الصلاة والسلام المذكور في أول الموطأ وفي الصحيح وغيرهما من إمامة جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم الفجر قبل الإسفار فأخذ منه العلماء رضي الله عنهم عدم امتداد مختار الصبح إلى طلوع الشمس.(4/294)
ومثال العاشر: وهو ما إذا كان كل من القولين لا ترجيح فيه ولا تشهير التطهير بالماء المجعول في الفم الذي أشار له خ بقوله وفي التطهير بماء جعل في الفم قولان ثم اعلم أن الخلاف إما يكون حقيقياً أو لفظياً أو في حال أو في شهادة أو معنوياً والفرق بينها أن الخلاف اللفظي هو الراجح إلى اللفظ والتسمية مع الاتفاق في المعنى كان يقول الشافعي الوتر مستحب ويقول مالك هو سنة لا مستحب مع اتفاقهما على أنه ليس بواجب وأنه مؤكد فوق غيره من المندوبات فهذا الخلاف إنما هو في تسمية الوتر مستحباً لأنه محبوب للشارع ويقول المالكي لا لمحبوبيته ولكني أميزه باسم السنة لأنها طريقة داوم عليها النبي صلى الله عليه وسلم فيقول الشافعي أنا أسلم لك أنه طريقة ولكن كل محبوب فهو طريقة مشروعة فالسنة والمستحب عندي مترادفان ويقول المالكي هما عندي متباينان يحصل التمييز بين أقسام المندوب وينعكس القولان في صلاة الضحى فالشافعي يسميه سنة والمالكي لا يسميه بها ومثاله في كلام المؤلف أي خ الخلاف الذي حكاه في إزالة النجاسة هل هي واجبة أو سنة فإن المعتمد كما في الحطاب أن الخلاف بين الوجوب والسنية لفظي ويقابل الخلاف اللفظي الخلاف المعنوي وهو الكثير وقوعاً عند الفقهاء وهو ما كان راجعاً إلى المعنى والحكم كالخلاف في جعل الموافق كالمخالف في حكمه وعدم جعله مثله فيه وأما الخلاف في حال فهو الذي يراعي فيه أحد القائلين أمراً يعتقد أنه الواقع في نفس الأمر ويراعي القائل الآخر ضده معتقداً أنه الواقع في نفس الأمر فينبني على ذلك اختلافهما في الحكم وذلك حيث يكون الحكم عليه محتملاً لوصفين متضادين يقتضي كل منهما حكماً يخالف ما يقتضيه الآخر كاختلاف العلماء في طهورية الماء الذي يسقط فيه عود صلب من الطيب فأخرج مكانه وتغير ريح الماء فرجعه كما نبه عليه المازري إلى حال العود هل يمكن عادة انفصال أجزاء منه تخالط الماء فيكون مضافاً أو لا يمكن انفصال أجزاء منه تخالط الماء فيكون تغييره بالمجاورة فقط فيكون غير مضاف والظاهر أن منه الخلاف في مسئلة دهن لاصق كما تقدم وكالاختلاف في مسئلة عدم صحة التطهير بماء جعل في الفم أو صحته فهو راجع إلى الاختلاف في حال هذا المحكوم عليه أعني الماء هل ينفصل عن الفم سالماً أو مغيراً بالريق فلو اتفقا على إحدى الحالتين بأن رأى أحدهما أن الواقع من حال الماء هو ما رآه مقابله لوافقه في الحكم.
وكذلك الاختلاف في بعض البلدان هل يجوز بيع دورها أم لا فإنه راجع إلى الخلاف في حالة فتحها هل فتحت عنوة أو صلحاً وأما الخلاف في شهادة فهو الذي لا يتوارد فيه القولان على محل واحد كاختلاف مالك والشافعي رضي الله عنهما في البسملة أهي آية في أوائل السور أم لا فمالك يقول لا وذلك باعتبار ما شهره من قراءة شيخه نافع بدونها والشافعي يقول نعم هي آية وذلك باعتبار ما شهره من قراءة ابن كثير فكل منهما مصيب باعتبار ما ذكر هكذا قرر بعض العلماء هذا الخلاف في البسملة ذلك في الكلام عليها ومثاله في كلام المؤلف قوله في مفوتات البيع الفاسد وبطول زمان حيوان إلى قوله بل في شهادة بيانه أن المحل الذي قال فيه الشهر فوت هو باعتبار حيوان يتغير في تلك المدة كالجذاع والخرفان والمحل الذي قال فيه الشهران والثلاثة ليست بفوت هو باعتبار حيوان لا يتغير في تلك لمدة كالثيرة والبعران.
وأما الخلاف الحقيقي فهو مقابل للخلاف اللفظي والخلاف في حال والخلاف في شهادة فإذا لم يرجع الخلاف إلى التسمية وإلى الخلاف في المحكوم عليه وتوارد على محل واحد فهو الحقيقي اهـ من العلامة الهلالي بمعناه وقوله كاختلاف مالك الخ ليس بصواب والصواب كما قال ابن عبدالسلام الفاسي وسيدي إدريس البدراوي نفعنا الله بهما أن الخلاف بين مالك والشافعي حقيقي نشأ عن الاجتهاد انظر بَسْط ذلك في حاشيتنا على شرح العلامة ابن كيران نجانا الله وإياه من النيران والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب اللهم إنا نسألك التوبة ودوامها ونعوذ بك من المعصية وأسبابها سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
حمداً لمن فقه في دينه من اصطفاه من عباده والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الفائزين بامداده أما بعد فقد تم طبع هذه الرسالة الجميلة الحاوية للمحاسن الجليلة الموسومة برفع العتاب والملام عمن قال العمل بالضعيف اختياراً حراً تأليف خلاصة السادة الأشراف صفوة بني عبد مناف العلامة الأفضل والفهامة الأمثل فريد العصر ذي الفخر السني سيدي محمد بن قاسم القدري الحسني لازالت إطلال العلماء ببقائه معمورة وآمال الفضلاء على مكارمِهِ مقصورة وكان تمام طبعها الباهر وكما شكلها الزاهر بالمطبعة العامرة التي هي للقطب الدردير مجاورة المملوكة لذي المعارف والوفا حضرة محمد أفندي مصطفي في أواخر شهر شعبان سنة 1308من هجرة سيد ولد عدنان صلى الله وسلم عليه وعلى آله وكل منتسب إليه.(4/295)
زكاة الأسهم والسندات
Oصالح بن غانم السدلان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الدار العالمية للكتاب الإسلامي
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
زكاة - الأموال غير النقدية - أسهم - استثمارات
والخلاصة: أن الذين قالوا بإلحاق الأوراق النقدية بالفلوس أعطوا أحكامها أحكام الفلوس، وقد بحث الفقهاء – رحمهم الله أحكام الفلوس، واختلفوا في تكييفها، وانقسموا في ذلك الاختلاف قسمين:
القول الأول: نظر إلى أصلها، ففرق بينها وبين النقدين في الربا والصرف والسلم والزكاة. وقال بهذا الحنابلة والشافعية والمالكية والحنفية.
القسم الأول: نظر إلى واقعها بعد انتقالها عن أصلها، فاعتبرها أثماناً، وأثبت لها أحكام الأثمان في الربا والصرف والسلم والزكاة. وقال بهذا القول أبو الخطاب عند الحنابلة، وبعض المالكية والحنفية.
القول الرابع: ويرى أصحاب هذا القول أن الأوراق النقدية بدل لما استعيض بها عنه، وهما النقدان الذهب والفضة، وللبدل حكم المبدل عنه مطلقاً. ويرى القائلون بهذا القول: أن الأوراق النقدية قائمة بذاتها في الثمنية مقام ما تفرعت عنه من ذهب أو فضة حالة محلها جارية مجراها، معتمدة على تغطيتها بما تفرعت عنه منها [والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها، لا بألفاظها ومبانيها] وأنه إذا زالت عنها الثمنية أصبحت مجرد قصاصات من الورق لا تساوي بعد إبطالها شيئاً مما كانت تساوية من ذي قبل. فلهذا ثبت لها حكم النقدين مطلقاً، [لأن ما ثبت للمبدل يثبت للبدل]. ويترتب على القول بهذا:
1 - جريان الربا بنوعيه في الأوراق النقدية.
2 - ثبوت الزكاة فيها متى بلغت قيمتها نصاباً واستكملت شروط الزكاة. 3 - جواز السلم بها.
4 - ما كان له منها غطاء من ذهب له حكم الذهب، وما كان غطاؤه من فضة فله حكم الفضة عند الصرف.
5 - يشترط التساوي في القيمة عند اتفاق نوعين من الورق متفرعاً عن ذهب أو فضة كالريال السعودي والليرة اللبنانية مثلاً، ويمتنع التفاضل حينئذ بينهما.
6 - إذا اتفق جنسان من الورق النقدي، أحدهما متفرع عن ذهب، والآخر عن فضة جاز فيهما التفاضل إذا كان يداً بيد. وهذا القول لا يجد ما يسنده من دنيا الواقع بعد أن عرفنا أن غطاء الأوراق النقدية لا يلزم أن يكون ذهباً أو فضة، بل قد يكون عقاراً أو بترولاً، أو ما إلى ذلك، وهم يشترطون أن يكون الغطاء ذهباً أو فضة كي تتحقق البدلية. ومجمل القول: أن الأوراق النقدية تحصل من وجهة نظر الفقهاء فيها أربعة أقوال:
القول الأول: أنها سندات ديون على جهة إصدارها.
القول الثاني: أنها عرض من عروض التجارة.
القول الثالث: أنها كالفلوس في طروء الثمنية عليها.
القول الرابع: أنها بدل عما تفرعت عنه من النقدين: الذهب والفضة. وتقدم دليل كل قول وما يترتب عليه من الأحكام.
والذي يظهر أن أقرب هذه الأقوال إلى الصحة وأوفقها بالدليل واعتبار الأحكام المتعلقة بالأوراق النقدية من حيث التعامل والزكاة وغير ذلك: هو أن الأوراق النقدية قائمة في الثمنية مقام ما تفرعت عنه، ويدل عما حلت محله من عملات الذهب والفضة، وما كان منها متفرعاً عن الفضة فله حكم الفضة، والأمور الشرعية بمقاصدها ومعانيها لا بألفاظها تساوي بعد إبطالها شيئاً مما كانت تساويه قبل إبطالها إذن: فلها حكم النقدين الذهب والفضة مطلقاً. لأن ما يثبت للمبدل عنه يثبت للبدل.
وقد اعتبرت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية هذا القول ووافق عليه أكثرية الأعضاء، في مضمون قرارها رقم (10) بتاريخ 16/ 4/1393هـ في موضوع الأوراق النقدية. وكذلك اعتبره مجلس المجتمع الفقهي الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في مقر رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة في ربيع الثاني سنة 1402هـ.(4/296)
وجاءت القرارات الآتية موافقة لهذا القول، ومبنية عليه، وهاك البيان: أولاً أن العملة الورقية قد أصبحت ثمناً، وقامت مقام الذهب والفضة في التعامل بها وتمولها وتداولها وحصول الثقة بها كوسيط للتداول بين الأفراد.
لهذا فإن الورق النقدي قائم بذاته له حكم النقدين من الذهب والفضة فتجب الزكاة فيها إذا بلغت قيمتها، أو في النصابين من ذهب أو فضة، أو كانت تكمل النصاب مع غيرها من الأثمان والعروض المعدة للتجارة.
وكذلك يجري الربا عليها بنوعيه فضلاً ونساء، كما يجري ذلك في النقدين الذهب والفضة تماماً، وتأخذ الأوراق النقدية أحكام النقود في كل الالتزامات التي تفرضها الشريعة فيها، كما يعتبر الورق النقدي أجناساً مختلفة تتعدد بتعدد جبهات الإصدار في البلدان المختلفة، بمعنى أن الورق السعودي جنس، والورق الأمريكي جنس، وهكذا كل عملة ورقية جنس مستقل بذاته، ولا يجوز بيع الورق النقدي بعضه ببعض أو بغيره من الأجناس النقدية الأخرى من ذهب أو فضة أو غيرهما نسيئة مطلقاً، متفاضلاً بدون تقابض.
ولا يجوز – أيضاً – بيع الجنس الواحد من العملة الورقية بعضه ببعض متفاضلاً، سواء كان نسيئة أو يداً بيد، ويجوز بيع بعضه ببعض من غير جنسه مطلقاً إذا كان ذلك يداً بيد. ويجوز جعل الأوراق النقدية رأس مال في بيع السلم والشركات. والله أعلم،،،
تم الفراغ من كتابة هذا البحث غرة محرم الحرام سنة تسع وأربعمائة بعد الألف من هجرة النبي الكريم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. كتبه وأرخ له راجي عفو ربه المنان د. صالح بن غانم السدلان.(4/297)
زكاة الحقوق المعنوية (ندوات قضايا الزكاة المعاصرة)
Oعبدالحميد البعلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
بيت الزكاة - الكويت
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
زكاة - حقوق معنوية
خلائص البحث
في الفصل التمهيدي تناولنا:
الزكاة في الاقتصاد الإسلامي ركن في منهج الإصلاح الاقتصادي بخصائصها ودورها في تحريك مكونات العملية الاقتصادية، بل إن الإنسان جزء من معناها وهو أساس وهدف عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، ولذلك نقول: أما آن الأوان لأن تأخذ موقعها الصحيح في ظل ظروف إعادة هيكلة النظم الاقتصادية التي يعيشها العالم العربي والإسلامي وتمويل برامجها.
وفي زكاة عروض التجارة:
فإن المتأمل لتعريفات الفقهاء للتجارة يجد أن منهم من غلب ربطها بالشخص التاجر وقال: التجارة محاولة الكسب ومن ثم قصد الاتجار عند اكتساب الملك، وتبع ذلك تفصيل القول في التاجر المدير والتاجر المحتكر كما ذهب المالكية، ولذا قيل: هي في الأصل مصدر دال على المهنة.
ومنهم من غلب موضوع التجارة ونظراً إلى مال التجارة وقال: إن التجارة تقليب المال؛ أي البيع والشراء وما يعد لذلك من أجل الربح وقصد الاتجار به معاوضة.
وكلا النظرين مهم في تأصيل نظريات الأعمال التجارية والتاجر والمتجر في النظم التجارية، والمالية المعاصرة.
متي يصير المال من عروض التجارة؟
ويصير المال من عروض التجارة بثلاثة ضوابط فقهية مجتمعة هي:
الأول: الإعداد للبيع بقصد التجارة والربح ومن ثم يتحقق في المال وصف النماء كشرط لخضوعه لزكاة التجارة، فالسلعة إذا مورس فيها النشاط لا بقصد الربح وإنما بقصد الاقتناء لا تعتبر من عروض التجارة.
والأمر في هذا مداره إلى ظواهر عرفية، والبيع من الأضداد يقال باعه الشيء، وباعه منه، وبعت الشيء اشتريته وبعته، وشريت الشيء اشتريته وبعته.
والإعداد للبيع وكينونته للتجارة فيما له قيمة مالية يثبته العرف التجاري أيضاً.
والثاني: تشترط نية التجارة مما يصح فيه نية التجارة.
والثالث: ولابد من اقتران عمل التجارة – (أي يملكها بفعله) – بنيتها (عند الشراء وحال التملك) حتى تعمل نيته لأن مجرد النية لا تعمل، فالأصل في العروض القنية لذا وجبت نية التجارة فيها، وإذا ثبت حكم التجارة فلا تحتاج كل معاملة إلى نية جديدة ويكفيه استصحاب حكمها بأن لا ينويها للقنية.
وفي الفصل الثاني تناولنا: الحقوق المعنوية والزكاة: وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: المقصود بالحقوق المعنوية وأنواعها:
مصطلح الحقوق المعنوية سليل القانون الوضعي والدراسات القانونية لقيام النظام القانوني على التفريق بين الأشياء والأموال.
وقد غدت الحقوق المعنوية تتمتع بتنظيم قانوني وحماية إقليمية وعالمية منذ ما يزيد على قرن من الزمن واستقرت في العرف الخاص والعام العالمي والإقليمي، بل واستقرت في النفوس من جهة العقول وتلقتها الطباع السليمة بالقبول.
فالحق المعنوي عند الأصوليين ليس بخال منه حكم شرعي بامتثال أوامر الله ونواهيه، والامتثال أمر معنوي باطني غير محسوس أخص من الفعل.
وعند الفقهاء وعلى الأصح فهو علاقة شرعية تؤدي إلى الاختصاص بشيء مع امتثال شخص آخر وتخول صاحبه سلطة المطالبة به ومنعه من غيره والتنازل عنه، ومن ثم يطلق على المصالح والمنافع الاعتبارية الشرعية التي لا اعتبار لها إلا باعتبار الشارع والمنافع تدخل في زمن الحقوق المختلف في ماليتها.
ومن ثم تندرج الحقوق المعنوية تحت طائفة الحقوق المالية وعلى الأخص المنافع.
الحقوق المعنوية والمنافع:(4/298)
والمنافع فيما نحن بصدده تشمل ما يقابل الأعيان وهو الأعراض وثمرات الأعيان سواء كانت متولدة منها أو غير متولدة منها والمنافع المختلف فيها هي المقابلة للأعيان، والمال عند المالكية يشمل المنافع والحقوق.
والمنافع بحد ذاتها تعتبر أموالاً عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة وأنها تحاز بحيازة أصلها ومصدرها.
وسبب اختلاف الحنفية مع سائر الفقهاء في تعريف المال ثم في مالية المنافع اختلاف الأعراف فيما يعد مالاً وما لا يعد، فالمال ليس له حد في اللغة ولا في الشرع، فرجع في تحديده للعرف.
ولا شك في ترجيح مذهب الجمهور لأنه هو المتفق مع عرف الناس والمتسق مع أغراضهم ومعاملاتهم؛ فاسم المال كما يقول السيوطي: "لا يقع إلا على ما له قيمة وما لا يطرحه الناس".
والمنافع عند الحنفية لضرورة الحاجة أعطيت حكم الموجود وجوزوا أن تكون محلاً للعقد فأقاموا العين مقام المنفعة في العقود، وعلى ذلك تعتبر عندهم مالاً بورود العقد عليها مراعاة للمصلحة وإن لم تكن مالاً عندهم بحسب الأصل.
بل إن المنافع المتوقعة يصح أن تكون محلاً للبيع كما يقول الرملي، وصرح بالتجارة في المنافع.
وفي هذا يقول الدسوقي: المنافع المتمولة يعاوض عليها.
والحقوق المعنوية بما ترد عليه من أشياء غير مادية لها قيمة مالية ومتمولة بتمول الناس لها وجريان أعرافهم العامة والخاصة بذلك لحاجة الانتفاع بها وحمايتها، ومن هنا تماثل المنافع في الاصطلاح الفقهي ومن ثم تجري فيها – أي الحقوق المعنوية – الحيازة الخاصة بها والمتمثلة في نسبتها إلى صاحبها وصدورها عنه.
وأنها كذلك – أي الحقوق المعنوية – تكون محلاً للملك بمعنى الاختصاص والاستئثار ومن ثم الاستغلال المالي.
وعلى هذا فالحقوق المعنوية تمثل منفعة معتبرة أو هي من قبيل المنافع المعتبرة في نظر الشارع، وليست في ذلك أقل شأناً من هبة الثواب على ما ذهب إليه بعض الفقهاء كالشاطبي من ماليتها وقابليتها للملك والتصرف ولا أقل شأناً من بيع حق التعلي عند المالكية حيث جاز فيه بيع الهواء.
وقد أجاز الفقهاء إطلاق الحق على المنافع والمصالح سواء كان الحق مجرداً أو غير مجرد، أي مقرراً، وإذا أطلق الحق على المنافع فهو من المال عند جمهور الفقهاء عدا الحنفية إذا أريد به منفعة أو مصلحة مالية.
والحقوق المعنوية تجمع بين صفتي الحق المجرد والمقرر معاً:
فالجانب الأدبي المعنوي فيها متعلق برغبة ومشيئة صاحبها مملوكة له ومنسوبة إليه وصادرة عنه، إن رأى الخير في الانتفاع بها انتفع وإن رأى غير ذلك ترك.
التعامل التجاري بيعاً وشراء، والحقوق المعنوية مناطها الفكر الابتكاري والجديد وهي أمور ذهنية لصيقة بالشخصية الطبيعية إن لم تكن منها، وهذا الشق لا ينفك عنه أي من الحقوق المعنوية بما يستطيعه صاحبه فيه من التغيير أو الإلغاء أو التجديد.
ومن هذا الجانب أو الشق يصعب القول بأن الحق المعنوي يمكن إدخاله في "كينونة الإعداد للبيع" التي هي جوهر ضوابط عروض التجارة التي تخضع للزكاة، ومن ثم يصعب القول بأن هذه الحقوق أصبحت بمثابة السلع المعدة للبيع؛ فالشق المعنوي أو الأدبي كامن فيها يتمتع فيه صاحبه بإرادته وما يترتب على ذلك من سلطات حقوقية مالية له فيها.
ولهذا يدخلها أهل المحاسبة ضمن الأصول الثابتة في المشاريع الاستثمارية المعاصرة لأنها لم تتخذ بقصد بيعها وإنما بقصد استغلالها في زيادة معدلات الربح للمشروع.
هل الجانب المالي في الحقوق المعنوية من قبيل المستغلات؟
إذا اتخذ الحق المعنوي للاستغلال ومن ثم تتجدد منفعته فهو يدر على صاحبه كسباً ودخلاً، ولكن "عينه قد لا تبقى" فهي تدور مع رغبة صاحبه وتعديله أو تحسينه أو العدول عنه.
والمستغلات تتفق مع الحق المعنوي من وجهة إدراره على صاحبه كسباً ودخلاً، وتختلف عنه في بقاء عينها ما أعدت للنماء أي في أصلها المادي البحث، فضلاً عن أن زكاة المستغلات إنما تجب على رأي الموسعين في إيجاب الزكاة لعموم الأدلة وقياس المال المستغل على المال المتجر فيه؛ وفي أن يصبح المقيس أي الفرع أصلاً أو في اعتبار المقيس أصلاً كلام ليس هنا بحاله.
وعلى ذلك تزكى زكاة النقدية بشروطها، هذا والله أعلم.(4/299)
زكاة النقود الورقية المعاصرة
Oمحمود الخالدي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الرسالة الحديثة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1405هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
زكاة - النقدين
خاتمة البحث: إن ربط الشريعة الإسلامية لبعض الأحكام بالدينار والدرهم لم يكن عبثاً، ولا محض صدفة، لأنهما كانا النقد المتداول أيام النبوة. فإقرار رسول الله ? التعامل بالدينار البيزنطي والدرهم الفارسي هو تشريع من الله تعالى، الأمر الذي لا يترك لأهواء البشر. وهو التشريع الكامل الثابت الشامل الصالح لإصلاح واقع كل الناس في كل زمان ومكان.
وهذا البحث وإن دل على شيء فإنما يدل على أن الأمة الإسلامية بحاجة إلى الفهم الصحيح للإسلام، ضمن بقاء باب الاجتهاد مفتوحاً بتبني الطرق الشرعية الصحيحة في الاستنباط دونما أي ارتباط بالهوى والمشاعر والوجدان. فالله تعالى يقول: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا}. ورسول الله ? يقول: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد).
ولتنظر الدول المنتجة والمصدرة للنفط القائمة في العالم الإسلامي، كم استنزف الدولار الأمريكي مخزونهم من النفط، وهو قائم قاعد في الهبوط والتذبذب في سعر صرفه مقابل الذهب والنقود الورقية المتداولة الأخرى. وليسأل وزراء النفط أنفسهم حول مقادير أرصدتهم في الاحتياطي النقدي لو أنهم باعوا نفطهم بالذهب أو بنقود ورقية نائبة مغطاة بالذهب؟ إن التبعية للدولار بعد إلغاء نيكسون لاتفاقية "بريتون وودز" جعلت الاقتصاد في العالم الإسلامي في فلك الجنرال، لذلك فإنه يترتب على عقلاء الأمة المبادرة إلى إصدار نقود ورقية معاصرة جديدة، تكون مغطاة بالكامل ذهباً. به نبيع نفطنا ومنه نزكي أموالنا، وبتداوله نحافظ على أرصدتنا من تآمر صندوق النقد الدولي، الذي يخطط لعودة الدول العربية النفطية إلى صحراء الفقر من جديد. وما الذي يحدث بين العراق وإيران ببعيد عن أصابع صندوق روبرت مكنمارا للنهب الدولي الذي يعلن الحرب على المسلمين بالجنرال دولار.(4/300)
زكاة عروض التجارة
Oأمجد طلبة وسيد زيدان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ماجد عسيري - جدة
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
2000م
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
زكاة - عروض التجارة
الخلاصة
بعد مراجعة هذه المسألة وأدلتها وجدنا أنه يوجد شبه إجماع بين العلماء على (وجوب زكاة عروض التجارة) فقد قال بذلك الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وأبو عبيد وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وغيرهم – رحمهم الله جميعاً-.
واستدلوا على ذلك بعدة أدلة زكرنا منها:
• قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ ..... الآية}.
• قوله تعالى: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً .... الآية}.
• وحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (وأما خالد فإنكم تظلمون خالداً ... ).
• وحديث: (كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع).
وقد بينا ضعفه.
• وحديث: (وفي البر صدقته .. ) وهو ضعيف أيضاً.
• وأثر عمر ?: (ألا تؤدي زكاة مالك يا حماس؟) وعلمنا ضعفه.
• وأثر ابن عمر ?: (ألا تؤدي زكاة مالك يا حماس؟) وعلمنا ضعفه.
• وأثر ابن عمر ?: (ليس في العرض زكاة إلا أن يراد به التجارة).
أما القائلون بـ (عدم وجوب زكاة عروض التجارة) فهم: عطاء وأهل الظاهر ومن المعاصرين الشيخ الألباني – رحم الله الجميع -.
ومن أدلتهم على ذلك:
• قوله تعالى: {لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ .... الآية}.
• وحديث: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام ... ) فاستدلوا بهذا الحديث مع الآية السابقة على حرمة المال الأصلية فلا يؤخذ منه شيء إلا بدليل صريح ولم يصح عندهم دليل على ذلك.
كما استدلوا بأحاديث تسقط الزكاة عن بعض الأشياء منها:
• حديث: (ليس على المسلم صدقة في عبده ولا فرسه).
• حديث: (ليس فيما دون خمس أوق صدقة ... الحديث).
• حديث: (أنه إنما أخذ الصدقة من الزبيب والحنطة والشعير والتمر).
• حديث: (يا معشر التجار إن هذا البيع يحضره اللغو والحلف فشوبوه بالصدقة)، واستدلوا به على الاستحباب ككفارة لما يحضر البيع من لغو وحلف ويكون بما تطيب به النفس.
• واستدلوا بأثر عطاء حيث قال: (في الميزان إن كان يدار كهيئة الرقيق زكي ثمنه).
وقال في العبد للتجارة: (ليس عليه زكاة إلا الفطر).
كما استدلوا ببعض الآثار الأخرى. وهذا ملخص أدلة الفريقين:
وثم فريق آخر نحا منحى الوسيطة بين الفريقين فقال: بـ
(وجوب زكاة عروض التجارة في كل ما يتجر فيه إلا ما سماه الدليل) مثل العبد والفرس والخضروات وما دون الخمسة أوسق وما دون الخمسة ذود وغيرها من الأشياء فليس عليها زكاة؛ لأن الدليل جاء بإسقاط الزكاة عنها، ولم يأت دليل يستثني وجوب الزكاة عليها إن كانت للتجارة أو غيرها، وممن نحا هذا المنحى كما يظهر من تبويبه الإمام الدراقطني حيث بوب باباً قال فيه: (باب زكاة مال التجارة وسقوطها عن الخيل والرقيق).
هذا والله أعلم بالصواب
وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.(4/301)
زواج المسيار دراسة فقهية واجتماعية نقدية
Oعبدالملك بن يوسف المطلق
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار ابن لعبون - الرياض
الطبعة:
بدون
سنة الطبع:
بدون
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
نكاح - أعمال شاملة ومنوعة
الخاتمة
بعد حمد الله وشكره على توفيقه لي على إتمام هذا البحث:
فإني وبعد هذه الدارسة والبحث المستفيض في زواج المسيار فقهياً واجتماعياً أخلص إلى النتائج التالية:
1) زواج المسيار زواج مستكمل للأركان والشروط المتعارف عليها عند جمهور الفقهاء، من تراضى الزوجين وحضور الولي والشهود، ونحو ذلك، ولكنه يتضمن تنازل الزوجة عن بعض حقوقها الشرعية باختيارها ورضاها مثل النفقة والقسم، والعقد فيه صحيح، ولكن هذا الزواج مخالف لكثير من الحكم والمقاصد التي أرادها الشارع من الزواج. ولذلك يجب عدم التشجيع على هذا الزواج واتخاذ الوسائل اللازمة لمنعة وعدم انتشاره في المجتمع والتوقف عن القول بإباحته بشكل عام.
2) جاءت تسمية هذا الزواج بالمسيار من باب كلام العامة، وتمييزاً له عما تعارف عليه الناس في الزواج العادي لأن الرجل في هذا الزواج يسير إلى زوجته في أوقات متفرقة ولا يستقر عندها طويلاً.
3) هذا الزوج بهذه الصورة حديث عهد بالمجتمع، فلم يظهر إلا منذ سنوات معدودة، ولكن الذي يبدو أن له صوراً مشابهة في الماضي القريب والبعيد فقد كان التجار قديماً في منطقة الخليج يتزوجون زواجاً قريباً من هذا خلال أسفارهم، كما أوردت بعض الكتب الفقهية القديمة حالات فيها بعض الشبه من هذا الزواج.
4) هناك أسباب كثيرة أدت إلى ظهور هذا الشكل من الزواج، منها ما يعود إلى النساء وعلى رأسها كثرة عدد العوانس والمطلقات والأرامل وصواحب الظروف الخاصة، وكذلك رفض كثير من الزوجات لفكرة التعدد.
ومنها ما يعود للرجال وعلى رأسها رغبة بعض الرجال الإعفاف والحصول على المتعة الحلال مع ما يتوافق وظروفهم الخاصة، ومنها ما يعود للمجتمع وعلى رأسها الأعراف السائدة في بعض المجتمعات من مغالاة في المهور والنظر بشيء من الازدراء لمن يرغب في التعدد ونحو ذلك.
5) لزواج المسيار بعض الفوائد والمزايا تتمثل في إعفاف قدر كبير من نساء ورجال المجتمع اضطرتهم ظروفهم الشخصية أو الظروف المجتمعية إلى اللجوء إلى الزواج بهذه الصورة، بدلا من سلوك مسالك غير شرعية.
5) وكذلك فإن للزواج بهذه الصورة مساوئ ومفاسد كثيرة، فقد يتحول الزواج بهذه الصورة إلى سوق للمتعة وينتقل فيه الرجل من امرأة إلى أخرى، وكذلك المرأة تنتقل من رجل لآخر.
كما يترتب عليه تهدم مفهوم الأسرة من حيث السكن الكامل والرحمة والود بين الزوجين، وقد تشعر المرأة فيه بالمهانة وعدم قوامة الرجل عليها مما يؤدي إلى سلوكها سلوكيات سيئة تضر بنفسها وبالمجتمع، كذلك قد يترتب عليه عدم إحكام تربية الأولاد وتنشئتهم تنشئة سوية متكاملة، ويؤثر سلبا في تكوين شخصيتهم.
7) زواج المسيار يختلف كليا وجزئيا عن زواج المتعة والمحلل، فهو زواج مستكمل الأركان والشروط وإن اختلف في الموازنة بين فوائده ومفاسده، أما زواج المتعة والمحلل فحرام باتفاق أهل السنة لأنه ليس مقصودا لذاته.(4/302)
سجود السهو (رسائل فقهية)
Oمحمد بن صالح العثيمين
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار طيبة - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1404هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
صلاة - سجود السهو
والخلاصة
يتبين لما مما سبق:
أن سجود السهو تارة يكون قبل السلام، وتارة يكون بعده.
فيكون قبل السلام في موضعين.
الأول: إذا كان في نقص، لحديث عبدالله بن بحينة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو قبل السلام حين ترك التشهد الأول. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
الثاني: إذا كان عن شك لم يترجح فيه أحد الأمرين، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه فيمن شك في صلاته فلم يدركه صلى ثلاثاً أم أربعاً؛ حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يسجد سجدتين قبل أن يسلم، وسبق ذكر الحديث بلفظه.
ويكون سجود السهو بعد السلام في موضعين.
الأول: إذا كان عن زيادة لحديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه حين صلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر خمساً فذكروه بعد السلام، فسجد سجدتين ثم سلم ولم يبين أن سجوده بعد السلام من أجل أنه لم يعلم بالزيادة إلا بعده، فدل على عموم الحكم وأن السجود عن الزيادة يكون بعد السلام سواء علم بالزيادة قبل الإسلام أم بعده.
ومن ذلك:
إذا سلم قبل إتمام صلاته ناسياً ثم ذكر فأتمها؛ فإنه زاد سلاماً في أثناء صلاته، فيسجد بعد السلام لحديث أبي هريرة رضي الله عنه حين سلم النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الظهر أو العصر من ركعتين فذكروه فأتم صلاته وسلم ثم سجد للسهو وسلم ثم سجد للسهو وسلم وسبق ذكر الحديث بلفظه.
الثاني: إذا كان عن شك ترجح فيه أحد الأمرين لحديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من شك في صلاته أن يتحرى الصواب، فيتم عليه ثم يسلم ويسجد. وسبق ذكر الحديث بلفظه.
وإذا اجتمع عليه سهوان؛ موضع أحدهما قبل السلام، وموضع الثاني بعده فقد قال العلماء: يغلب ما قبل السلام فيسجد قبله.
مثال ذلك:
شخص يصلي الظهر فقام إلى الثالثة ولم يجلس للتشهد الأول وجلس في الثالثة يظنها الثانية ثم ذكر أنها الثالثة؛ فإنه يقوم ويأتي بركعة ويسجد للسهو ثم يسلم.
فهذا الشخص ترك التشهد الأول؛ وسجوده قبل السلام وزاد جلوساً في الركعة الثالثة؛ وسجوده بعد السلام، فغلب ما قبل السلام. والله أعلم.
والله أسأل أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لفهم كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والعمل بهما ظاهراً وباطناً في العقيدة والعبادة والمعاملة وأن يحسن العاقبة لنا جميعاً إنه جواد كريم.
والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.(4/303)
سلطة ولي الأمر في فرض وظائف مالية (الضرائب) دراسة فقهية مقارنة
Oصلاح الدين عبدالحليم سلطان
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
هجر - مصر
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1409هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
ضرائب ومكوس وجمارك
نتائج البحث:
من أهم النقاط التي انتهى إليها هذا البحث ما يلي:
1 - أن الدولة في النظام الإسلامي تراعى مصالح المحكومين في الدين والدينا والآخرة وهو بهذا يختلف تماما عن النظام الرأسمالي والاشتراكي اللذين يراعيان المصالح الدنيوية فقط مع جنوح الأول نحو خدمة أصحاب رؤوس الأموال على حساب العاملين والكادحين، وجنوح الثاني نحو إزهاق أصحاب رؤوس الأموال والمناداة بحقوق العاملين مع فشلها في ميدان الواقع في تحقيق ذلك، وبهذا تبين أن هذه الأنظمة لا تصلح للقيام بالمصالح العامة لأنها بشرية منحازة إلى فئة معينة ولا تراعي المصالح العامة كما يراعيها النظام الإسلامي في توازن دقيق ومراعاة للفطرة في إطار تحقيق العدل والخير.
2 - أن الزكاة كمورد مالي تقوم الدولة بجمعه يعد من أهم الموارد المالية الدورية، وقد جمع بين قواعد الضريبة التي فتن بها الدارسون وهي العدالة حيث تحققت في تقدير النصاب وتفاوت نسبة الزكاة وفقا للجهد المبذول في المال، وأخذ الوسط من المال ومنع الإعفاءات منها، كما أنها تحقق اليقين والملاءمة والاقتصاد، بل وتتميز بصفات لا توجد في أية فريضة مالية في النظم الوضعية مثل كونها عبادة روحية، وتؤدى عن طيب خاطر وحسن العلاقة بين المصدق وصاحب المال، والمسئولية الدينية في التهرب منها.
3 - تؤخذ العشور من المسلم بنفس طريقة الزكاة وتؤخذ من الذمي ضعف نسبة المسلم مع ضرورة إعفائه من العشور حتى يبلغ المال نصابا، أما الحربي فيعامل بالمثل.
4 - من موارد الدولة في النظام الإسلامي الأملاك العامة مثل الأرض التي تحجزها الدولة لمصلحة عامة أو الأرض المأخوذة من المشركين أو الموارد الطبيعية من باطن الأرض أو إيراد المشروعات التي يلزم قيام الدولة بها لمصلحة عامة.
5 - أن الفكر الإسلامي ثرى في أسس تقدير الفريضة المالية على الأراضي ونلحظ ذلك في أسس تقدير الخراج حيث روعي مدى جودة الأرض، واختلاف أنواع الحبوب والثمار، ومدى الجهد المبذول في السقي والقرب من العمران.
6 - تعد الأرض المفتوحة عنوة من الموارد المالية للدولة حيث إن للإمام الحق في التصرف فيها إن شاء قسمها بين القائمين أو حبسها لصالح المحكومين.
7 - أن الخراج والفيء والغنيمة والجزية سوف تعود موردا للدولة متى عادت إسلامية لأنها سوف تعيد فريضة الجهاد في سبيل الله ومن لوازم ذلك حدوث انتصارات وغيرها، وعند النصر تكون الأراضي الخراجية والغنائم في الأموال وتفرض الجزية على أهل الذمة، ومن ألحق بهم.
8 - أن المصلحة العامة الآن تقتضي قيام الدولة بإخراج المعادن الظاهرة والباطنة، مثل النفط والحديد والرصاص والنحاس والملح وغيرها، لأن لكل أحد قيد حقا، ويستحيل تحقق ذلك إلا بأن تأخذ الدولة هذه المعادن ثم تنفق العائد منها على مصالح المسلمين، وقد تعطي حق إخراج المعدن لشركة خاصة مع بقاء ملكية المعدن للمسلمين وليس لشركة بعينها.
9 - من موارد الدولة الإسلامية: الوظائف المالية والتبرعات وتركة من لا وارث له، ومال المرتد والأوقاف الخيرية.
10 - أن هناك عوامل مترابطة في النظام الإسلامي تؤدي حتما مع تطبيقها إلى وفرة الإيرادات العامة في الدولة الإسلامية مع التنبيه على أن الإسلام دين دعوة لا جباية.(4/304)
11 - تعد الضرائب من أهم الموارد في جميع دول العالم الآن ومنها ضرائب على الأشخاص أو على الأموال، ومنها ضرائب واحدة وأخرى متعددة، ومنها ضرائب نسبية وأخرى تصاعدية، وتفرض الضريبة شخصية أي تراعي ظروف الممول الشخصية أو عينية بدون مراعاة ذلك، كما أنها تفرض بصورة مباشرة في المال أو غير مباشرة أي تختفي في السلع، وتفرض على رأس المال أو الدخل أو الإنفاق، وهو نظام ضريبي معقد يقوم على تسلط الدولة على أموال الأشخاص.
12 - يعد من موارد الدولة النظم الوضعية أيضا: الرسوم ومقابل التحسين والقروض العامة والإصدار النقدي والهدايا والهبات واليانصيب، وأن هذه النظم لا تتورع عن اعتماد مورد مالي مع ظهور وجه الضرر فيه مثل القروض والإصدار النقدي واليانصيب.
13 - أن النفقات العامة في الدولة الإسلامية تعنى بتحقيق التكافل الاجتماعي، ثم نفقات الجهاد في سبيل الله، وتحقيق الأمن الداخلي وتحقيق العدالة، ونفقات التربية والتعليم، وتحقيق التنمية الاقتصادية، ثم نفقات الجهاز الإداري في الدولة، كما أن هناك إدارتان في الإنفاق هي الإدارة المركزية والإدارية المحلية، وقد بدا مدى اعتدال النفقات العامة مع التزام بأحكام الإسلام.
14 - أن الأنظمة الوضعية لا تعطي نفقات الضمان الاجتماعي ما تستحقه، بل إن بعضها يرى ضرورة ترك المحتاجين حتى يهلكوا جميعا، كما أن هناك تزايدا مستمرا في النفقات العامة في النظم الوضعية.
15 - أنه بمقارنة الميزانية العامة في النظام الإسلامي مع النظم الوضعية تبين أن الإسلام قد حدد الأصول العامة للميزانية مثل مبدأ السنوية والتخصيص وأن الأنظمة الوضعية تطور ميزانياتها لتصل إلى ما أسسه الإسلام في ذلك.
16 - أن هناك آيات وأحاديث توجب حقوقا في المال غير الزكاة ويمكن أن يستدل بها على شرعية فرض وظائف مالية ووجه ذلك أنه لما كان حقا واجب الأداء، فمن امتنع عنه ألزمه الإمام به، وهذا هو التوظيف، ويؤكد شرعية التوظيف القواعد الفقهية التي تؤكد على رفع الضرر، وكذلك القياس على وجوب البذل للمضطر.
17 - أنه بعرض ما يشير إلى التوظيف عند الفقهاء سواء مباشرة أم بطريقة غير مباشرة تبين أن هذه القضية لم تأخذ حظها من البحث عند الفقهاء، ومع هذا فقد اجتهدوا لزمانهم وتحدثوا عن وجه المصلحة في فرض الوظائف وشروطها وكيفيتها بما يعد مدخلا جيدا للموضوع.
18 - أن هناك شروطا للتوظيف اشترطها الفقهاء وهي شروط تصح لزمانهم، أما في زماننا فقد وجد عليه ما يجعل من المصلحة عدم الأخذ ببعض هذه الشروط مثل شرط خلو بيت المال أو عدالة الإمام أو عدم إمكان الاستقراض، وقد صنفت شروط التوظيف إلى شروط في أصل فرض الوظائف وشروط في طريقة التوظيف. وأخرى في معرفة الوظائف.
19 - أن في تطبيق النظام الإسلامي في عصرنا يمكن الاستغناء عن كثير من الوظائف المالية حيث تكثر التبرعات، ويحافظ الأفراد على المال العام، ويكون المسئولون قدوة في المال العام، تشتد الرقابة عليهم بما يوفر كثيرا من الأموال، وهي نفس الأسباب التي أدت إلى الاستغناء عن التوظيف في صدر الإسلام.
20 - أن من دواعي التوظيف نرى أن الإسلام يرعى مصالح المحكومين في دينهم ودنياهم فيوظف لتحقيق التكافل الاجتماعي ودفع الأعداء وفداء الأسرى، ومواجهة الكوارث، وإنتاج السلع الضرورية، ودفع رواتب الأعمال العامة، ومن أجل الدعوة إلى الله، أو حماية السلع المحلية أو القيام بمشروعات عامة، وقد بدا لنا دقة النظام المالي الإسلامي، في التفريق بين المشروعات التي يستفيد منها جموع المسلمين، فيدفع الجميع الوظيفة، والمشروعات التي يفيد منها قوم دون غيرهم فيتحملون الإنفاق عليها ويوظف عليهم دون غيرهم.(4/305)
21 - أن التوظيف ينبغي أن يكون على الأشخاص حتى لا تكون كجزية الرؤوس وتفرض على جميع أنواع المال حتى يتحقق التوازن وتقل نسبة الوظيفة المالية، كما يجب إعفاء حد النصاب الشرعي بما يوفر العيش الكريم لكل فرد مما يؤكد ضرورة مراعاة المصلحة الفردية، والجماعية في آن واحد، وأن الاختيار الصحيح في التوظيف أن يكون بنفس طريقة الزكاة لا الضرائب بمعنى أن تكون الوظائف مباشرة ونسبية وليست غير مباشرة أو تصاعدية ويجوز للدولة أن تفرض الوظائف عينية من العينيات ونقدا من النقود وبهما إذا شاءت على أن يكون ذلك في إطار تحقيق الرفق بالناس في تحصيل الوظائف المالية.
22 - انه لا يجوز أن تفرض وظيفة مالية بصفة مستمرة ودائمة لأن ذلك يخالف علة فرضها وهو وجود الحاجة العامة، فإن ارتفعت بالموارد العادية، أو انتهاء نفس الحاجة فينبغي إنهاء هذه الوظائف.
23 - إذا كان يصح للحكومة المصرية في وضعها الحالي فرض ضرائب مالية على رعاياها فإنه لا يجوز أن تفرضها بصورة غير مباشرة لأنها ظلم فادح على محدودي الدخل الذين يتحملون عبئها الأكبر كما لا يجوز فرضها بصورة تصاعدية لأنه ظلم للأغنياء، ويؤدي إلى تهريبهم لارتفاع سعرها أو نقل عبئها على الآخرين بما يؤكد أن الضرائب ترسو أخيرا على ذوي الدخل المحدود فهم يدفعون الضريبة المباشرة عند اقتطاعها من الدخل، ويدفعون الضرائب غير المباشرة عند إنفاق دخلهم.
24 - من أنواع الظلم الفادح في النظام الضريبي المصري ضريبة التركات التي تدل على استغلال سيء النفوذ، وتقطيع للأرحام، وأخذ المال بغير حق.
25 - أن مما يعد صحيحا في القانون الضريبي المصري إعفاء بعض المشروعات التي تفيد الصالح العام كاستصلاح الأراضي والمزارع ومشروعات تربية المواشي. وكذا إعفاء الأجانب بشرط المعاملة بالمثل، لكن الإعفاء لأعباء المعيشة مع صحته إلا أنه قليل بالإضافة إلى متطلبات العيش بما يدل بوضوح على أن الحكومة المصرية تجبى الضرائب من أناس يعتبرون فقراء بالمفهوم الشرعي وكان الواجب أن تعطيهم لا أن تأخذ منهم.
26 - أن حرمة المال الخاص ثابتة شرعاً، ولا يجوز فرض أية وظائف مالية إلا بحق وإلا عد من يفعل ذلك من أصحاب المكوس الجائرة.
27 - أن للمال الخاص حرمته، ولا يجوز انتهاكها أو أخذ شيء منها إلا بحق ثابت معروف وإلا عد ذلك من باب فرض المكوس الجائرة التي وردت النصوص بحرمتها وتأثيم فاعلها.
28 - أنه يصح للدولة شرعاً فرض وظائف مالية كسد حاجة عامة شرعية بشروط مخصوصة، وكيفية معينة، وعدم مراعاة شيء من ذلك يعد انتهاكاً لحرمة الأملاك الخاصة أو تعسفاً في استعمال الحق.(4/306)
سلم الأماني في إجابة من يقول بالحجاب بقول الألباني: جواب عن حكم حجاب أجيب به عمن جرى في وجوههن ماء الشباب
Oعقيل بن أحمد العقيلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار الخضيري- المدينة النبوية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
حجاب وتبرج
الخاتمة:
وبعد: فقد توصلت في هذا البحث إلى:
1 - أن الحجاب هو الذي دعت إليه الشريعة والفطرة.
2 - الإجماع على أن للمرأة أن تستر وجهها وهي محرمة عن نظر الرجال، مع أن الجمهور على وجوب كشفه للإحرام والواجب لا يترك إلا لواجب.
3 - الخبر المروي في أن المرأة عورة بالإجماع.
4 - أن التأويل معول هدم للنصوص الواضحة.
5 - القول الذي عليه الجمهور هو الحجاب في مناسبته كما نوه به الشيخ ابن باز وغيره.
6 - أن القول بجواز كشف المرأة وجهها أمام الأجانب ليس قولاً للجمهور فضلاً عما فوقه كما تبين من مذهب أحمد ومالك والشافعي، وجاء القول بوجوبه في غير كتاب من كتب الحنفية. وأما بالنسبة لأحمد فالأمر ظاهر، وأما بالنسبة لمالك فإن المرأة لا تكشف وجهها إلا عند الضرورة، كما قال ابن القطان. وكما أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية حين استعراضه لهذه المسألة. وأما الشافعية فعامة كتبهم على رجحان القول بوجوب الحجاب.
7 - أن الحجاب الذي أمر الله به فرض بالإجماع، فلا التفات إلى من لم يتلفت لهذا.
8 - ليس مع من نفى فرضيته دليل يوجب نسخ الفرضية.
9 - قد أجيب على أدلة المخالف سلفاً وخلفاً.
10 - الاحتجاج بالعادة لنفي وجوب الحجاب لا يعول عليه مع وجود نصوص شرعية جلية في الموضوع نقلت الناس من عادة الكشف إلى عادة الحجاب.
11 - استقرت القاعدة على أنه إذا تعارض حاظر ومبيح جعل الحاظر متأخراً كما في عمدة القاري وغيره.
12 - يتوجه إلى أدلة المخالف شبهة الاحتجاج بالشبه.
13 - الأمر بالحجاب أمر وسط بين الإفراط والتفريط على حد قوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} فللمرأة الكشف عند الحاجة والضرورة وفي مناسبات الخطبة أو كونها من القواعد.
14 - ليست الأعمال التي تستدعي حركة مانعة من الحجاب.
15 - أن المراد بـ {ما ظهر منها}، ما ظهر عفواً من غير قصد عند حركة ومزاولة عمل لا حرج على المرأة فيه.
16 - أن الأدلة الآمرة بالحجاب أقوى وأظهر من أدلة المخالف.
17 - أن الألباني رحمه الله يقول بمشروعية الحجاب واستحبابه خلافاً للمتنطعين الذين لا يقولون باستحبابه فضلاً عن وجوبه وذلك منهم ورعاً من مخالفة الدين إذ القول بوجوبه أو استحبابه يؤدي عندهم إلى أن الشارع أقر الكاشفات على محرم أو مكروه!! فهم كما قيل:
رام نفعاً فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقاً
18 - المثال الأعلى في أسلوب الأمر بالحجاب في قوله تعالى: {وليضربن بخمرهن على يجوبهن} وقوله: {يدنين عليهن من جلابيبهن} في مراعاة مشاعر المأمورات بالحجاب.
19 - فهم أمهات المؤمنين ومن سار على منهجهن من السلف والخلف هو الأسلم لتمكن أمهات المؤمنين من فهم القرآن واللغة سيما وأن الشأن شأنهن ومن على أثرهن.
20 - القول بعدم الحجاب مزاحمة لأمهات المؤمنين على منهجهن في هذا الفهم طال الزمان أم قصر.
21 - دعوى الخصوصية بالحجاب دعوى لا تقوم على رجلين وأبعد من أن تتوكأ على عودين.
22 - الألباني رحمه الله يقول بفريضة الجلباب على المرأة أمام الأجنبي داخل بيتها أو خارجه فهل الذين يقولون بقول الألباني يلتزمون بهذه الفريضة أم أنهم يأخذون بترك الحجاب ويخالفونه في هذه الفرضية؟
23 - الذي يظهر لي من تحريرات شيخنا أنه يفسر فرضية الحجاب بفرضية الجلباب.
24 - كان الحجاب هو اللازم في العالم الإسلامي ثم انحسر في فئات منه.
25 - ليس الحجاب بتشريع من البشر وإنما هو من رب البشر.
26 - الحجاب هو الستر عن رؤية الأبصار، كما قال الشاعر:
ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... أن السماء ترجى حين تحتجب
27 - إن الذي يأذن للنساء في كشف وجوههن أمام الأجانب ويحمل الجنسين إثم ما يترتب على ذلك هو كما قيل:
ألقاه في اليم مكتوفاً وقال له ... إياك وإياك أن تبتل بالماء
أو كمن يشمس قديده في طريق يمكن أن تمر معه السباع من غير ستر أو حفظ.
28 - الحجاب هو سنة المؤمنين منذ فرضيته إلى يومنا هذا.
29 - لم يقصر السلف في بيان حكمه وكيفيته.
30 - بمعرفة الأصل عند النساء قبل الحجاب يتبين حكم الحجاب.
31 - الأسلم عدم إثارة الخلاف في هذا الموضوع.
32 - من أراد إثارته فعليه أن ينظر إلى المكاسب التي تجتني من إثارته وما يحلقها من تبعات.
33 - إذا صح لدى القارئ ولو دليل واحد من هذا البحث المؤيد لوجوب الحجاب فهو كاف في قيام الحجة.
34 - أن الجمال في الوجه أظهر منه في غيره إن لم يتوحد الجمال فيه، بخلاف ما قد يفهم من قول المخالف إن الجمال الذي يتوجه إليه الأمر بالحجاب هو جمال شعر الرأس استناداً إلى: (كأن على رؤوسهن الغربان من أكسية سود يلبسنها)!!
35 - أن الهلكة في تتبع الرخص.
36 - أن هذا البحث يفتح آفاق الموضوع لمن أراد أن يكتب فيه كتابة أمكن.(4/307)
سندات الإجارة والأعيان المؤجرة
Oمنذر قحف
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
البنك الإسلامي للتنمية
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1415هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إجارة
الخاتمة والنتائج
درسنا في هذه الورقة إمكان استخدام عقد الإجارة بتعريفه، وشروطه، وأنواعه، المعروفة في الشريعة الإسلامية، أساسا لإصدار أدوات مالية قابلة للتداول. مما يعتبر أصلا رئيسيا من أصول إقامة سوق إسلامية مالية.
وقد أسمينا هذه الأدوات المالية سندات الإجارة والأعيان المؤجرة مراعاة للتشابه فيما بينها وبين سندات القرض، من حيث الأغراض التي تحققها، والمنافع التي يحصل عليها حامل السند. وكذلك من حيث استقرار العائد، والعلم المسبق به، وإن كانت تختلف عنها، اختلافا كبيرا، من حيث ما يمثله السند من أعيان، أو خدمات، أو منافع موصوفة (بالنسبة لسندات الإجارة)، أو ديون (بالنسبة لسندات القرض).
وقد استعرضنا الأنواع المتعددة لسندات الإجارة والأعيان المؤجرة، فلاحظنا أنها يمكن أن تصدر لتكون ممثلة لأعيان، معمرة، مرتبطة بعقود إجارة، وأن شروط عقود الإجارة هذه يمكن أن تختلف، من إصدار لآخر، مما يتيح الفرصة لوجود حالات مختلفة لكل من صور سندات الأعيان المؤجرة. ورأينا أيضا أن سندات الإجارة يمكن أن تصدر لتمثل خدمات موصوفة في الذمة، تستحق في زمن مستقبل. كما يمكن أن تمثل منافع أعيان، وهي منافع موصوفة في الذمة أيضا، ومعلقة على زمن مستقبل.
ودرسنا خصائص سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، من حيث تداولها في السوق، بسعر تحدده عوامل العرض والطلب، ومن حيث عوامل الأمان، والعائد، والسيولة. وكذلك خصائصها، من حيث المرونة في الإصدار، والتداول، والتنوع، وتلبية الحاجات التمويلية المتعددة. ولاحظنا أن المعوقات التطبيقية لإدخال سندات الإجارة والأعيان المؤجرة في التداول، في الأسواق القائمة في البلدان الإسلامية للأوراق المالية، ليست على درجة تجعلها صعبة التجاوز. كما أنه لا توجد معوقات شرعية، تحول دون وجود سندات إجارة، أو دون قيام بعض البنوك الإسلامية، بطرح سندات إجارة، وبيعها للمدخرين.
ولقد استنتجنا، من مقارنة سندات الإجارة والأعيان المؤجرة مع غيرها من الأوراق المالية، أن معظم صور هذه السندات تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار، والثبات في العائد، وبدرجة عالية أيضاً من العلم المسبق، بمقدار هذا العائد، بتاريخ شراء السند. كما أنها جميعا ترتبط – ارتباطا مباشرا – بالأعيان والمنافع والخدمات، أي بدورة الإنتاج، والتوزيع للسلع الاقتصادية. وذلك على الرغم من أن بعض أنواع سندات الإجارة، لديه من المرونة، ما يجعله مصدراً لتمويل الاحتياجات النقدية الآنية، مما يجعلها صالحة لتمويل رأس المال العامل في المشروعات التي تصدرها.
إن جميع هذه الخصائص تجعل من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة أدوات مالية متفوقة المزايا، وبخاصة، أنها يمكن أن تصدر – في معظم الأحيان – على أساس علاقة مباشرة بين مستعمل العين المعمرة، وحاملي السندات، دون الحاجة إلى وجود شخصية قانونية (أو معنوية)، يندرج تحت ظلها حاملوا السندات، كما هو الشأن في الأسهم، ورأس مال المضاربة، والوحدات الاستثمارية في مختلف أنواع صناديق الاستثمار. فسندات الإجارة – في هذا – تشبه سندات القرض، من حيث العلاقة المباشرة بين صاحب السند والمتمول بحصيلته. وهذا مما يقلل الكلفة الإدارية للسند بحيث يصبح إيراد حامل السند هو نفس ما يدفعه المتمول دون أن يقتطع منه حصة لإدارة وتكاليف الشخصية المعنوية الوسيطة [ومن الواضح أن ذلك لا يمنع الإفادة من خدمات الترويج والتعهد بالتسويق Underwriting عند الإصدار].(4/308)
كل ذلك يؤهل سندات الإجارة لتكون أداة تمويلية إسلامية تقع في موضع متوسط بين الأسهم – وما تتضمنه من مخاطرة – من جهة، وسندات القرض – وما تتضمنه من مرونة وضمان – من جهة أخرى، وذلك دون أن تقع في وهدة الربا الذي حرمه رب العباد.
ومن جهة أخرى، فإن اعتماد سندات الإجارة والأعيان المؤجرة كأداة لتمويل كثير من المشروعات الحكومية، سواء أكانت إنمائية، أم عادية، يضيف عنصرا آخر ينبغي أن يشار إليه. ذلك أن الربط المباشر بين المشروع الحكومي، وبين المدخرين الأفراد، يعتبر بمثابة إعطاء فرصة أخرى لجمهور الناس للتصويت على المشروع الحكومي. فإن نجحت الحكومة في اجتذاب أصحاب المدخرات لتمويل مشروعها، فإن ذلك يعتبر موافقة منهم على المشروع، وإذا لم يُقبل الناس على الاستثمار في المشروع المقترح تمويله، فإن ذلك يدل على عدم قناعتهم بجدواه الاقتصادية، أو بعدم قدرة المشروع على المنافسة مع البدائل الأخرى المتاحة لاستعمال المدخرات.
لماذا لم تستعمل سندات الإجارة والأعيان المؤجرة حتى الآن؟
رغم المزايا الكثيرة التي تتمتع بها سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، فإنه لم تقم الحكومات الإسلامية، أو غيرها، باستخدامها كأداة لتعبئة الموارد المالية اللازمة لمشروعاتها التنموية المختلفة، كما لم تقم البنوك الإسلامية باللجوء إليها، سواء في تجهيز السيولة النقدية اللازمة، أم في تمويل الاحتياجات المالية الكبرى، وبخاصة ذات الأجل الطويل. فلماذا لم تمارس الحكومات والبنوك عمليات التمويل عن طريق إصدار سندات إجارة؟
إن الإجابة على هذا السؤال تتضمن نقاطا عديدة نذكر أهمها فيما يلي:
1 - على الرغم من أن عقد الإجارة عقد قديم جدا، فقد ذكر في القرآن الكريم على عهد موسى، صلى الله عليه وسلم، فإن الإفادة من هذا العقد في العمليات التمويلية المنظمة، على مستوى الأسواق المالية، أمر حديث جدا، لدرجة أن دراسته لم تدخل الكتب المدرسية في التمويل إلا في السنوات الأخيرة فقط. وما زالت الإجارة التمويلية في أوائل طريقها، فهي تعتبر من الممارسات النامية في عالم التمويل المعاصر.
2 - إن عملية تحويل مجموعة من الموجودات إلى سندات
[حاشية الشبراملسي]
ecuritization هي أيضا عملية حديثة جداً. ففيما عدا الأسهم وسندات القرض المعروفة منذ زمن طويل في الغرب، والتي هي في الواقع عملية تجميع مدخرات للقيام بمشروع، وليست تحويل موجودات إلى سندات، فإن عملية التحويل إلى سندات
[حاشية الشبراملسي]
ecuritization لم يتم تنظيمها رسميا من قبل هيئة تبادل الأوراق المالية في أمريكا
[حاشية الشبراملسي]
EC إلا في عام 1992. لذلك يمكن القول، إن فكرة سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، التي تستند إلى قضيتي الاستخدام المنظم للإجارة كوسيلة تمويلية، وتحويل الموجودات إلى سندات، هي مسألة حديثة تقترح للجهات المالية كأداة تمويلية جديدة.
3 - إن الفكر التمويلي الغربي، الذي يجد أمامه سعة كبيرة في مختلف أنواع سندات القرض الربوي، لا يوجد لديه الدافع القوي، أو الحافز الحاد، لابتكار أفكار تمويلية لا تستند إلى المديونية. ذلك لأن الأدوات المالية المستندة إلى المديونية قابلة للتداول عنده على أساس قيمتها الحالية، عند انتقالها من يد لأخرى.
4 - إن بعض القوانين الغربية تقيد تحويل الموجودات إلى سندات.(4/309)
فالقانون البريطاني مثلاً يمنع إصدار سندات قابلة للتداول، إذا كانت تمثل أصلا ثابتا واحدا. ولعل هذا المنع ما أعاق التفكير في سندات للإجارة وللأعيان المؤجرة، وبخاصة أنه يقل في الدول الرأسمالية الغربية احتياج الحكومة إلى تمويل مشروعات كبيرة بالإجارة، لأسباب متعددة، من أهمها ضخامة دور القطاع الخاص، وقدرته على تبني المشروعات الاستثمارية الكبيرة، ودرجة النمو الاقتصادي التي وصلتها هذه البلدان، وعراقة السوق التمويلية، وقدرتها على تعبئة الموارد المالية بكميات كبيرة، من خلال الأدوات الربوية وغيرها.
ولقد وجدت حاجة في بعض هذه البلدان، كبريطانيا مثلا، إلى تمويل بعض الموجودات الثابتة، عن طريق إصدار سندات، ولكن القيود القانونية اضطرت المنظرين والممارسين الماليين، معا، إلى اللجوء إلى أفكار أخرى، تتجنب إصدار سندات متداولة، تمثل أصلا واحدا. فظهرت في بريطانيا سندات داخل العقارات Property Income Certificates، وهي سندات تمويل مجرد ترتبط بدخل عمارة معينة، ولكنها لا تمثل – بحال من الأحوال – أي حق ملكية في العمارة.
وتعمل هذه السندات من خلال وسيط مالي، وشركة مديرة للعقار. وقد ساعد على التفكير بهذا الأسلوب، كون العقار موزعا إلى وحدات استعمالية صغيرة، على شكل مكاتب تجارية، لابد لها من إدارة مباشرة، تهتم بشؤون عقود الإجارة الكثيرة مع الساكنين، وتتابع شؤون العمارة المتنوعة. في حين أن سندات الأعيان المؤجرة المقترحة في هذه الورقة تمثل عقد إجارة أحد مع مستأجر واحد، ولا تحتاج – بالضرورة – إلى وسيط مالي، ولا إلى شركة مديرة.
5 - الاعتبارات الضريبية المعقدة، التي تتعلق بالتمويل بالإجارة في الأنظمة الضريبية الغربية. وهذه الاعتبارات هي من أهم أسباب إعاقة استخدام الإجارة في العمليات التمويلية. ولا شك أن تحويل التمويل بالإجارة إلى سندات، في ظل الأنظمة الضريبية السائدة، في معظم الدول الغربية، يضيف تساؤلات ضريبية جديدة، مما يزيد في تعقيد التحليل الضريبي لسندات الإجارة في الغرب.
6 - تحريم الربا في الشريعة الإسلامية يجعل الحاجة كبيرة – في الفكر الاقتصادي والمالي الإسلامي – إلى التفكير في وسائل تمويلية، ترتبط ارتباطا محوريا بالتداول السلعي. الأمر الذي أدى إلى البحث عن وسائل للتمويل تعتمد على تملك السلع، والمنافع، وعلى انتقال الملكية من يد إلى يد، وربط العملية التمويلية دائماً بحق الملك وبانتقاله.
يضاف إلى ذلك أن حرمة انتقال الدين، من يد إلى يد، بغير قيمته الأسمية – وهذا نفسه من مقتضيات تحريم الربا – دفع المنظرين والممارسين المسلمين، في عالم المال والاقتصاد، إلى التفكير في أدوات مالية، تقوم على تملك الأعيان، والمنافع، والخدمات، حتى يمكن لهذه الأدوات أن تتداول في السوق دون الوقوع في الممنوعات الشرعية.
7 - إن انشغال المفكرين الاقتصاديين المسلمين المعاصرين بالمضاربة والمرابحة، كأساسين للوسائل التمويلية الإسلامية، لم يترك لهم مجالا كثيرا للتفكير المنظم بالإجارة كوسيلة تمويلية إسلامية. ومن باب أولى، فقد قلل ذلك من النظر في تحويل الإجارة إلى سندات وبخاصة أن بعضهم يراها مفضولة بالمضاربة.
ومع ذلك فقد ذكر بعضهم شهادات الإجارة، وإن لم يعرفها بشكل يقترب من تعريفنا لها، كما لم يتعرض أحد من الكتاب المسلمين إلى أنواع سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، وصورها كما تم في هذا البحث. على أن عددا من الكتاب قد تعرض لإمكان استعمال الإجارة في تعبئة الموارد المالية لتمويل بعض أنواع المشروعات الحكومية والخاصة.
آفاق المستقبل متقرحات لأبحاث جديدة:(4/310)
يمكن لسندات الإجارة أن تقدم أداة تمويلية قادرة على تعبئة الموارد من صغار المدخرين، كما يمكن النظر إليها على أنها أداة استثمارية، سريعة التحويل إلى نقد بسبب سهولة تداولها. الأمر الذي يجعلها صالحة لاستيعاب الفوائض النقدية للبنوك الإسلامية، والاستثمارات القصيرة الأجل للأموال التي هي قيد الانتظار.
وهي بنفس الوقت أداة تصلح لتمويل التنمية بكل قطاعاتها الرئيسية، سواء في ذلك مشروعات البنية التحتية، أم الخدمات العامة، من ماء، وكهرباء، ومواصلات سلكية أو لاسلكية، ونقل، وغيره، كما تصلح لتمويل المشاريع الإنتاجية الكبيرة.
لذلك نرى أن تعميق وتوسيع البحث العلمي حول سندات الإجارة والأعيان المؤجرة يمكن أن يؤديا دور كبيرا، في إعادة هيكلة تمويل التنمية، في البلدان الإسلامية، وإعادة تشكيل سوق المال، بشكل يجعل منها وسيلة فعالة لدعم التنمية السلعية وتنمية الإنتاج الحقيقي للسلع والخدمات.
ويتأتى على البنوك الإسلامية أن تدرس إمكان إصدار سندات إجارة وأعيان مؤجرة لتمويل كثير من المشروعات الإنمائية في البلدان الإسلامية. ولعله لن يكون بعيدا اليوم الذي نجد فيه شركات متخصصة، تتوسط في إصدار وترويج سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، بكل أنواع صورها. بالإضافة إلى إنشاء هيئات حكومية متخصصة في تعبئة الموارد المالية اللازمة للمشروعات التنموية على أساس سندات الإجارة.
وحتى يتسنى ذلك، نقترح أن تركز الأبحاث المستقبلية – في هذا المجال – على المسائل الإجرائية والقانونية اللازمة لإدخال أنواع من سندات الإجارة والأعيان المؤجرة، في أسواق الاستثمار، في البلدان الإسلامية، وأن تكون للبنوك الإسلامية مبادرة في هذا المجال. وذلك خدمة للمستثمر المسلم، ولأهداف التنمية في الدول الإسلامية، مع مراعاة التوجه الربحي للبنك الإسلامي. كما يقترح دراسة المشكلات الضريبية، التي تنشأ عن تطبيق كل من الإجارة، وسندات الإجارة والأعيان المؤجرة في ظل الأنظمة الضريبية، الموجودة في البلدان الإسلامية. وذلك إضافة إلى بعض المسائل الفقهية الجانبية، التي أشرت إليها في طيات البحث.
يضاف إلى ذلك مسألة، تجنبها البحث الراهن، وهي الحصول على الأموال الجاهزة – بواسطة الإجارة – من خلال الإفادة من الموجودات الثابتة المملوكة للمتمول نفسه، سواء أكان حكومة، أم مؤسسة من مؤسسات القطاع الخاص. وهو ما يسمى بالبيع مع شرط الإجارة للبائع
[حاشية الشبراملسي]
ale and lease Back. والسبب في عدم بحثها هو أنها لا تعتمد على إنتاج عين، توضح في الدورة الاقتصادية، أو منفعة أو خدمة يبرمج إنتاجها، ويلتزم المنتج – من خلال سندات إجارة المنافع والخدمات – بتقديمها لحامل السند. بل إنها تقصد إلى إعادة تمويل Refinancing عين موجودة، بقصد استعمال الأموال الجاهزة لهدف آخر، قد يكون تنمويا، وقد لا يكون.
يضاف إلي تلك، أن مسألة البيع مع شرط الإجارة للبائع تتضمن جوانب شرعية تحتاج إلى اجتهاد جديد، ليس الباحث مؤهلا له. ولكن الموضوع جدير بالاهتمام الشرعي والمالي، نظرا لما يمكن أن يكون له من تطبيقات كثيرة في أسواق التمويل.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(4/311)
شرح الصدور ببيان بدع الجنائز والقبور
Oعبدالله بن محمد الحمادي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
مكتبة الصحابة - الإمارات
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1420هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
قبور - بدعها وما فيها من مخالفات
الخاتمة: هذا ما تيسر جمعه حول موضوعنا الشائك، والمترامي الأطراف، بعد يسر من الله وتوفيقه ولقد علمت - يا أخي في الله - من خلال ما قرأت كيف يتلاعب الشيطان بعقائد الناس فيرمي عليهم شبهة فيوقعهم في شباك الشبهات والشركيات، فيمرض قلوبهم بداء يصعب علاجه وذلك لأن أمراض القلوب أخطرها مرض الشهوة والشبهة، فأيهم أصاب القلب أعله، فأحلاهما مر.
ثم الذي ساعد على نشر مثل هذه البدع والمحدثات وجود من يدعي العلم والفضل حيث روج لها في كثير من كتبه ومجالسه، وجاء بشبهه يزعم أنها أدلة، وهي -والله- كبيت العنكبوت وإن أوهى البيوت لبيت العنكبوت، فلا تغتر -يا رعاك الله- بمثل هذه الخدع فقد نسفها وأبطلها علماء سخرهم الله لخدمة هذا الدين وحمايته. أخلصوا لله في الدعوة والنصح فأعانهم ووفقهم، وكاد لهم أرباب البدع والقبور ولكن الله أبطل كيدهم.
فعليك بأهل العقيدة الصحيحه الصافية من شوائب البدع والخرافات، أتباع السلف الصالح فهم يأخذون الدين من السنة الصحيحة المروية عن النبي -?- لا من القصص والخرافات والمنامات المكذوبات. ورحم الله محمد رشيد رضا يوم أن قال: "فمن أراد أن يتبع الهدى ويتقي جعل الدين تابعاً للهوى؛ فليقف عند النصوص الصحيحة ويتبع فيها سيرة السلف الصالح، ويعرض عن أقيسة بعض الخلف المروجة للبدع. وإذا زين لك الشيطان أنه يمكنك أن تكون أهدى وأكمل عملاً بالدين من الصحابة والتابعين فحاسب نفسك على الفرائض والفضائل المجمع عليها والصحيح التي يضعف الخلاف فيها وانظر أين مكانك فيها، فإن رأيت ولو بعين العجب والغرور أنك بلغت من أحدهم أو نصيفه من الكمال فيها، فعند ذلك تعذر في الزيادة عليها، وهيهات هيهات لا يدعي ذلك إلا جهول مفتون، أو من به مس من الجنون، وأن أكثر المتعذبين بالبدع، مقصرون في أداء الفرائض أو في المواظبة على السنن، ومنهم المصرون على الفواحش والمنكرات كإصرارهم على ما التزموا في المقابر من العبادات، كاتخاذها أعياداً تشد إليها الرحال ويجتمع لديها النساء والرجال والأطفال، ولاسيما في ليلتي العيدين وأول جمعة من رجب وتذبح عندها الذبائح، وتطبخ أنواع المآكل، فيأكلون ثم يشربون، ويبولون، ويغوطون ويلغون، ويصخبون ويقرأ لهم القرآن، من يستأجرون لذلك من العميان، ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون، وإذا كان ما يأتون من القراءة والذكر هناك من البدع المنكرة، وكان بعض المباحات يعد هنالك من الأمور المكروهه أو المحرمة، فما القول في سائر أفعالهم الظاهرة والباطنة؟ ولقد كان بعض الصحابة وغيرهم من علماء السلف يتركون بعض السنة أحياناً حتى لا يظن العوام أنها مفروضة بالتزامها تأسياً بالرسول ? في ترك المواظبة على بعض الفضائل خشية أن تصير من الفرائض، فخلف من بعدهم خلف قصدوا في الفرائض، وتركوا السنة والشعائر، وواظبو على هذه البدع، حتى أنهم ليتركون لأجلها الأعياد والجمع لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." اهـ.
وهذه وصية ناصح لك مسلم محب للخير، فرحم الله قائلها رحمة واسعة، فعليك يا أخي المسلم بالاجتهاد في السنة وإن كانت قليلة، ودع البدعة، وإن كانت في نظرك عظيمة، لأن السنة عليها أجر وثواب، وأما البدعة فلا.(4/312)
وتذكر قول عبدالله بن مسعود ?: "الاقتصاد في السنة خير من الاجتهاد في البدعة". ورحم الله سفيان الثوري القائل: "البدعة أحب إلى إبليس من المعصية". وهذا كلام فيه حكمة بليغة، لأن صاحب المعصية كالذي يشرب الخمر مثلاً، إن وجهت له نصيحة ورغبته في التوبة، وأخفته من عاقبة المعصية، غاية ما يعترف به أنه مقصر ومذنب، ويطلب منك أن تدعو له بالهداية، وأما صاحب البدعة إن بينت له أنه على خطأ، فغنه يعاديك، ويقاتلك من أجل بدعته لأنه يعتقد أنه على دين وصراط مستقيم، لذا قد يظل على بدعته إلى أن يموت. فالدين - بارك الله فيك - يثبت بالدليل لا بالتشهي والرغبات والأهواء، ورحم الله من قال:
دين النبي محمد أخبار ... نعم المطية للفتى الآثار
لا ترغبن عن الحديث ... فالرأي ليل والحديث نهار
ولربما جهل الفتى أثر ... والشمس بازغة لها أنوار.
وأختم نصيحتي لأحبتي، بوصية عظيمة وأوصى بها محمد ? أصحابه في آخر أيامه فعن العرباض بن سارية ? قال: "صلى بنا رسول الله ? ذات يوم، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟. فقال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة، وإن عبداً حبشياً، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء المهديين الراشدين تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة".
هذا ما نصحت به، وأدعو الله - سبحانه - الهداية والثبات على الحق لكل مسلم موحد، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وكتب أبو عمر عبدالله بن محمد الجونم الحمادي
دولة الإمارات - الشارقة حرسها الله
وانتهت المراجعة: غرة رجب 1420هـ الموافق: 10/ 10/1999م
والحمد لله رب العالمين(4/313)
صبغ اللحية بالسواد بين المانعين والمجيزين عرض ونقد على منهج المحدثين
Oخليل بن عثمان الجبور السبيعي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
دار أطلس الخضراء - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1424هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
لباس وزينة - زينة الشعر
خلاصة البحث والرأي الراجح
يصعب على المرء وخصوصاً إذا كانت مسألة اختلف السلف والخلف فيها، وكل أدلى بحجة وبرهان – يعصب عليه – أن يختار أياً على الأخر وليس اختيار الرأي الأخر معناه ضعف الرأي الأول، لا .. بل قد يكون من باب صواب وأصوب، وقوي، وأقوى، وراجح، وأرجح.
وقد مر في هذا البحث:
الكلام على حديث جابر ? وفيه "جنبوه السواد" وهو عند مسلم وبينت أن هناك ثقتان ثبتان لم يذكرا هذه الزيادة وهما: أبو خيثمة زهير ابن معاوية، وروايته أخرجها مسلم وغيره، وبينت اتفاق سبعة من الرواة الثقات الأثبات على رواية زهير وأنه حفظها ولم يهم فيها.
وتصريح ثلاثة من الثقات الأثبات (شبابة، الحسن بن موسى، وأحمد بن عبدالملك) أن زهيراً سأل أبا الزبير، أقال جابر "وجنبوه السواد؟ " قال: لا.
مما يدل على ضبط زهير لروايته، دون ابن جريج الراوي للزيادة.
وذكرت أن عزره بن ثابت وهو ثقة، ثبت لم يرو هذه الزيادة عن أبي الزبير، وأن إسنادها صحيح.
وذكرت بعد ذلك الذين رووا الزيادة وهم: (أحمد القهستاني) من طريق أيوب، وبيان من أخرج روايته: وأنها رواية منكرة باطلة لا تصح فهي من رواية مجهول وصاحب مناكير).
ومن الذين رووا الزيادة: ليث بن أبي سليم وبينت أنه ضعيف جداً وأن مخالفته تعد منكرة كما صرح بذلك أئمة الحديث. وذكرت من أخرج هذه الزيادة.
وأثناء ذلك: بينت وهماً وقع للمباركفوري، والألباني وغيرهم. وأن ليثاً المذكور هو ابن سعد: رددت على ذلك من ثلاثة أوجه.
ومن الذين روو الزيادة: شريك القاضي عن الأجلح وبينت نكارتها. وكلام أهل العلم فيها.
وممن ذكر الزيادة: داود بن الزبرقان عن مطر الوراق وليث ابن أبي سليم عن أبي الزبير، وبينت أن هذا الطريق ضعيف جداً غير صالح؛ لحال المذكورين الثلاثة فهم ضعفاء جداً. بل داود: كذبه بعض أهل العلم ومن كان هذا حاله فلا تقبل روايته فضلاً عن مخالفته.
ثم رواية ابن جريج عن أبي الزبير وهو في صحيح مسلم وغيره، ولم أجد تصريحاً لابن جريج في روايته عن أبي الزبير، ولا أبا الزبير كذلك – مع أنهما من الطبقة الثالثة من المدلسين. وقد بين الحافظ ابن حجر حالهم.
وأعقب ذلك الروايات عن أبي الزبير وأنها على ثلاثة أقسام.
بعد ذلك: ذكرت قواعد مهمة في علم المصطلح لأئمة هذا الفن في بيان: الشاذ، والمنكر، وزيادة الثقة، وانفراد الراوي بنقولات عزيزة عن ابن رجب، وابن حجر، والنووي، والذهبي، وغيرهم.
ثم القول الفصل في أيهما أولى بالصواب أو أيهما أرجح؟
الذين ذكروا الزيادة، أو الذين لم يذكروها، بعد عرض للأدلة ومناقشتي لها تبين لي:
أنها مدرجة، ومع ذلك فهي شاذة لمخالفة ابن جريج ثقتان اثنان أحدهما: أخرج روايته مسلم في صحيحه، وبينت رد هذه الزيادة بخمسة أدلة علمية وهي – باختصار:
الأول: اتفاق ثلاثة من الثقات: أن زهيراً سأل أبا الزبير: أقال: "وجنبوه السواد؟ " قال: لا.
الثاني: اتفاق سبعة في روايتهم على أبي خيثمة بلفظ حديث مسلم، مما يدل على ضبطه، وحفظه دون ابن جريج. فالحمل متعين عليه.
الثالث: إذا لم نقل بالإدراج: فقد خالف ابن جريج ثقتان اثنان أحد هؤلاء أخرج روايته مسلم في صحيحه، فماذا يسمى المحدثون هذا؟.
الرابع: نقل عزيز جداً عن الإمام الحافظ أبو الحسن بن القطان وتضعيفه لهذا الحديث بهذه الزيادة من أجل ابن جريج وتدليسه، وكذا أبا الزبير، وأعقبته بكلام أئمة الجرح والتعديل في تدليس أبي الزبير.(4/314)
الخامس: وهو قرينة لرواية خيثمة وعزرة. حديث أسماء – رضي الله عنها – ومن خرجه وأنه حسن لذاته.
فهذه خمسة أدلة: لرد هذه الزيادة.
وذكر إجابات عدة على فرض الثبوت – عن هذه الزيادة -.
وذكرت الحديث الثاني: حديث ابن عباس وصحته، والرد على ابن الجوزي في إدخاله في الموضوعات، وإجابات أهل العلم عنه. وأنه ليس صريحاً في الدلالة.
وسقت الأدلة على التحريم بعد ذلك (أربعة عشرة حديثاً) وهي ما بين موضوع وضعيف جداً ومنكر لا يصح بعضها أن يشد بعضاً. وذكرت خلاصتها.
ومن هم القائلون بالنهي من الصحابة فمن بعدهم حتى عصرنا الحاضر مع تخريج آثار الصحابة، وأن القائل بالنهي من الصحابة هو: أبو هريرة فقط. مع أن السند لا يصح إليه، وأما التابعون فبلغوا (خمسة) وهم قلة، ورأي أصحاب المذاهب الأربعة، وأن الجمهور على جوازه، وقلة منهم قال بالتحريم، وأن من مواطن الاتفاق: المجاهد، ومن صبغ للغش والخداع. فالأول: جائز. والثاني: محرم.
وما عدا هاتين الحالتين: هي التي وقع فيها الخلاف.
بعد ذلك سقت أدلة القائلين بالجواز، وأوجه استدلالهم وبلغت (عشر أحاديث) كلها صحيحة عدا (السابع والعاشر) وذكرت أن المانعين أجابوا بجوابين: النسخ، وقد رد هذا القول، والتقييد أو الخصوص.
وذكرت من قال بالجواز من الصحابة فبلغوا (عشرة) صح منها (سبعة).
وتوقفت في الحكم على أثر (عمر وعثمان – رضي الله عنهما-) لعدم اطلاعي على رجال إسنادهما.
وذكرت (ثلاثة وثلاثين) من التابعين فمن بعدهم إلى وقتنا الحاضر، فمن قال بالجواز. ومن ألف في جواز ذلك.
وبعد هذا العرض الموجز: الذي أدى إليه اجتهادي في هذه المسألة، بعد عرض أدلة الطرفين: أن الخضاب بالسواد جائز لا شيء فيه، وأن هذا ما دل عليه الدليل، وعضده أقوال الصحابة فمن بعدهم، غير أن الشيخ الكبير رأى – وهو مجرد رأي – أن لا يتصابى عملاً بقول ابن شهاب المتقدم، والقول بالتحريم صعب جداً. إذ التحريم أشد من التحليل، فالإباحة لا تحتاج إلى دليل في أمور المعاملات والعادات ونحوها، بخلاف التحريم.
ولا يقولن قائل: الخروج من الخلاف أو الأحوط هو المنع.
فهذه القاعدة ليست على إطلاقها، وليس كل من طلب العلم جاز له الفتوى بها والعمل، أو التلفظ، لا يقولها: إلا من أدرج السنة بين عينيه وأحاط بأقوال العلماء وأدلتهم، ومنزعهم في كل دليل.
والأحوط والواجب في دين الله: ألا يقول أحد هذا حرام إلا بدليل صريح صحيح، غير معارض، وإلا فأين نحن من قوله: ( .. وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون).
سقت هذا الكلام لأن بعضاً من طلبة العلم: يسوقون القول الآنف الذكر، أو القاعدة على أنه دليل قطعي، قاطع للنزاع، دون ذكر الدليل من الكتاب أو السنة، أو أقوال الصحابة أو التابعين، في أي مسألة كانت.
أخي الكريم:
هذا ما خطه القلم، وكتبته اليد، وإني لأرجو الله أن ينفع به من نالته يده، وإني لأسأل الله أن يغفر ما زل به القلم، أو طغى به الفكر، إنه حسبي نعم الوكيل، ولا حول ولا قوة إلى بالله العلي العظيم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.(4/315)
صد عدوان الملحدين وحكم الاستعانة على قتالهم بغير المسلمين
Oربيع بن هادي عمير المدخلي
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الفرقان - الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1411هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
جهاد - الاستعانة بغير المسلمين
خاتمة البحث: وإنني ألفت النظر إلى ما يأتي:
1 - إن أدلة كثيرة من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من معاهداته مواقفه وتصرفاته وتقريراته تدل دلالة واضحة على جواز الاستعانة بالكفار عند الحاجة أو الضرورة. فلا ينبغي لمسلم يطلع على هذه الأدلة الكثيرة من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة وعلى أقوال أئمة الهدى، ثم يتبنى بعد ذلك رأيا مضاداً لهذا الهدي ويلجأ إلى التأويلات التي لا يقرها شرع ولا عقل.
2 - إنه يظهر من أقوال المانعين أمران:
أ- إنهم لم يطلعوا على أكثر الأدلة الواردة في هذا الموضوع في كتب السنة والسيرة النبوية.
ب- إن ما اطلعوا عليه من الأدلة لم يستقصوا طرقها. ولهذا نرى ابن المنذر يقول: "والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت" فنقول لابن المنذر مع إكبارنا له: إن هناك أدلة كثيرة على الجواز قد ثبتت، ونقول لمن يتعلق بقوله: إن الإمام ابن المنذر لو وقف على هذه الأدلة لما تجاوزها ولسلم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأذعن له غاية التسليم والإذعان، ونقول لإخواننا المسلمين، وخاصة السلفيين منهم: نرجو منكم الانقياد لمنهج رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته والتسليم له والاحتكام إليه. كما قال تعالى: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} [النساء: 65].
ونذكرهم بأنهم ليسوا أشد غيرة على الإسلام من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أئمة الإسلام.
ونأمل من الشباب المسلم أن لا يفتح باب التأويلات المدمرة للسنة وللمنهج السلفي كما نأمل منهم الالتزام بقواعد وضوابط المنهج السلفي القائم على احترام سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمها وهيبتها وإجلالها.
وإن التأويلات والإمعان فيها يسقط هذه المكانة العظيمة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويفتح الباب على مصراعيه لكل من هب ودب للتلاعب بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهجه.
وأخيراً ننصح المسلمين عموماً والشباب منهم بالأخص:
1 - بأن يعتصموا بكتاب ربهم وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم في عقائدهم وعباداتهم وأخلاقهم وسائر شؤون حياتهم.
2 - أن يسعوا جادين لتوحيد المسلمين على التوحيد والسنة والحق والعدل.
3 - أن يخلصوا لله في عباداتهم وجهادهم وأعمالهم وعلومهم وسائر تصرفاتهم.
4 - أن يعدوا أنفسهم للجهاد في سبيل الله، ولتكون كلمة الله هي العليا وأن يتجه شباب هذا البلد الذي أحدقت به الأخطار إلى ميادين التدريب العسكري فيتدربوا على فنون الحرب والقتال لإعلاء كلمة الله، ولحماية عقيدتهم ودينهم وأعراضهم وبلادهم التي هي معقل الإسلام ومأرزه.
5 - وأن يشيعوا فيما بينهم أسباب المحبة والأخوة والألفة، وأن يبتعدوا كل الابتعاد عن أسباب الخلاف والفرقة، فإن الفرقة والاختلاف أخطر سلاح وأفتكه بالأمة الإسلامية ووحدتها وأقوى عامل في ذهاب ريحها.
6 - وأن يحسنوا الظن بعلماء السنة والتوحيد، فإن سوء الظن بهم خطير جداً، وعدم الثقة بهم واحترامهم يقود الشباب إلى أن يسلموا زمامهم لأهل البدع والضلال وإلى الضياع والجهل والهلاك المدمر في الدنيا والدين.
فإننا نلمس بوادر خطيرة من بعض الشباب فندعوهم بحرارة إلى تقوى الله ومراقبته والابتعاد عن الاندفاع العاطفي والاتجاه إلى حلقات العلماء ليتعلموا منهم العلم والأدب والتواضع ولين الجانب للمسلمين فيرحموا صغارهم ويوقروا كبارهم ويعرفوا لهم قدرهم ومنزلتهم ثم الاتجاه إلى ميادين الجهاد لصد عدوان المعتدين ودحر الطامعين وعدم الالتفات إلى المخذلين والمرجفين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز به أهل طاعتك ويذل به أهل معصيتك وتعلو به كلمتك، وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.(4/316)
صكوك الإجارة – دراسة فقهية تأصيلية تطبيقية
Oحامد بن حسن بن محمد علي ميرة
المحقق/ المترجم:
بدون
الناشر:
الميمان – الرياض
الطبعة:
الأولى
سنة الطبع:
1429هـ
تصنيف رئيس:
فقه
تصنيف فرعي:
إجارة
الخاتمة:
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، أحمد الله سبحانه وتعالى على ما مَنَّ به علي من إتمام هذا البحث، فما كان فيه من صواب فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان. والله ورسوله منه بريئان.
هذا وقد توصلت من خلال هذا البحث المتواضع إلى النتائج الآتية:
- عقد الإجارة الأصل فيه أنه مشروع على سبيل الجواز، وقد ثبتت مشروعيته بالأدلة من الكتاب والسنة والإجماع المعقول.
- الصكوك جمع صك، والصك عند أهل الاختصاص من القانونيين والاقتصاديين قريب من معناه اللغوي، حيث يطلق الصك عندهم على الوثيقة التي تتضمن إثباتاً لحق من الحقوق، أو الورقة التي تمثل حقاً من الحقوق، كما يطلق مصطلح الصك على الكتاب الذي تكتب فيه وقائع الدعوى وما يتعلق بها من الإقرارات وغيرها.
- توصل الباحث إلى تعريف صكوك الإجارة بأنها: (وثائق متساوية القيمة عند إصدارها ولا تقبل التجزئة، ويمكن تداولها بالطرق التجارية، تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان مؤجرة، أو ملكية منافع أو خدمات من عين معينة أو موصوفة في الذمة).
- يمكن تعريف الصكوك المالية الإسلامية بأنها: (وثائق متساوية القيمة عند إصدارها تمثل حصصاً شائعة في ملكية أعيان أو منافع أو خدمات، أو في موجودات مشروع معين أو نشاط استثماري خاص).
- هذا وقد تضمن تفصيل أحكام تأجير المستأجر للعين المستأجرة خمس مسائل هي:
المسألة الأولى: حكم إجارة العين المستأجرة لغير المؤجر قبل قبضها.
هذا وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على ثلاثة أقوال، الراجح منها القول بالجواز، وهو قول في مذهب الحنفية، والمذهب عند المالكية، وقول لبعض الشافعية، والراجح في مذهب الحنابلة، وقد استدلوا بأدلة منها:
1 - الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولا يوجد مانع شرعي من إجارة المستأجر للعين المؤجرة قبل قبضها.
2 - لما كان المعقود عليه في الإجارة هو منفعة العين المستأجرة لا ذاتها، ترتب على ذلك فروق مهمة بين أحكام البيع والإجارة منها: أن قبض العين المستأجرة لا ينتقل به الضمان إلى المتسأجر؛ وعليه فلم يقف جواز التصرف في العين المستأجرة على القبض، بخلاف بيع العين قبل قبضها.
المسألة الثانية: حكم إجارة العين المستأجرة للمؤجر قبل قبضها.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين، الراجح منها القول بالجواز، وهو المذهب عند المالكية، والصحيح في مذهب الشافعية، والراجح في مذهب الحنابلة، وقد استدلوا بأدلة منها:
1 - الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولا يوجد مانع شرعي من إجارة العين المستأجرة للمؤجر قبل قبضها.
2 - ولأن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد. كالبيع، إلا أنه يجب تقييد القول بالجواز بشرط ألا يكون ذلك حيلة على الربا – صورة العينة – مثال ذلك: أن يؤجر شخص عيناً لآخر لمدة عام بأجرة مقدارها ألف مقدارها ألف ريال مؤجلة إلى نهاية العام، ثم يستأجرها منه بثمانمائة حالة.
المسألة الثالثة: حكم إجارة العين المستأجرة لغير المؤجر بعد قبضها.
وقد اختلف العلماء في حكم هذه المسألة على قولين. الراجح منها: القول بالجواز. وهو مروي عن بعض التابعين، وهو المذهب عند الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وقد استدلوا بجملة من الأدلة أهمها.
1 - لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع، بدليل أنه يجوز التصرف فيها؛ فجاز العقد عليها، كبيع الثمرة على الشجرة.
2 - لأن موجب عقد الإجارة ملك المنفعة، والتسلط على استيفائها بنفسه وبمن يقوم مقامه.(4/317)
المسألة الرابعة: حكم إجارة العين المستأجرة للمؤجر بعد قبضها.
اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة على قولين، الراجح منهما القول بالجواز، وهو قول عند الحنفية، والمذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، وقد استدلوا بأدلة أبرزها:
1 - أن كل عقد جاز مع غير العاقد جاز مع العاقد كالبيع.
2 - الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولا يوجد مانع شرعي من إجارة المستأجر للعين المؤجرة على مالكها.
3 - منفعة العين المستأجرة مملوكة للمستأجر ملكاً تاماً بعقد الإجارة المستوفي لشروطه؛ وعليه فيجوز له التصرف في ملكه بنفسه، أو بتأجيره على غيره سواء على مالك العين، أو على غيره.
إلا أنه يجب تقييد القول بالجواز بشرط ألا يكون ذلك حيلة على الربا.
المسألة الخامسة: حكم تأجير المستأجر للعين بأكثر مما استأجرها به.
اختلف أهل العلم في حكم هذه المسألة على أربعة أقوال، الراجح منها القول بجواز أن يؤجر المستأجر العين المؤجرة بمثل ما استأجرها به وزيادة، وهو مروي عن بعض التابعين، وهو المذهب عند المالكية والشافعية والحنابلة، وقد استدلوا لجواز ذلك بجملة أدلة منها:
1 - المستأجر مالك للمنفعة بعقد صحيح؛ فجاز له التصرف في ملكه بنفسه وبغيره، بعوض وبغير عوض، بمثل ما استأجر به وبأقل أو أكثر، ولا يوجد مانع شرعي يمنع من ذلك.
2 - لأنه عقد يجوز برأس المال، فجاز بنقص وزيادة.
3 - أما جواز الإجارة فلا شك فيه؛ لأن الزيادة في عقد لا تعتبر فيه المساواة بين البلد والمبدل فلا تمنع صحة العقد.
4 - المنافع كالأعيان الموجودة حكماً، فتصير مملوكة له بالعقد مسلمة إليه بتسليم الدار فكان بمنزلة من اشترى شيئاً وقبضه ثم باعه وربح فيه، فالربح يطيب له؛ لأنه ربح على ملك حلال له.
- اختلف الفقهاء في حكم إجارة العين الموصوفة في الذمة على قولين، الراجح منهما ما ذهب إليه الجمهور من المالكية والشافعية والحنابلة من القول بجواز إجارة العين الموصوفة في الذمة، وعدوها من باب السلم في المنافع؛ وعليه فإن جواز إجارة منافع الأعيان الموصوفة في الذمة منوط بتوفر شروط السلم فيها كما نص على ذلك الفقهاء، ومن أهم هذه الشروط:
1 - أن تكون العين المؤجرة مما ينضبط بالوصف.
2 - وصف العين المؤجرة وصفاً مجلياً يدفع الجهالة والغرر.
3 - تحديد موعد استيفاء العين المؤجرة.
4 - تعجيل تسليم الأجرة.
إلا أنه ومع اتفاق الجمهور – في الجملة – على اشتراط تعجيل الأجرة في إجارة الأعيان الموصوفة في الذمة إلا أنهم قد اختلفوا في تفصيلات ذلك؛ بناء على خلافهم في تسليم رأس مال السلم في مجلس العقد.
فقد ذهب المالكية إلى جواز تأخير تسليم أجرة العين الموصوفة في الذمة إلى ثلاثة أيام وأن ذلك في حكم التسليم في مجلس العقد، وأما الشافعية فإنهم يشترطون الحلول والتقابض في مجلس العقد، وبمثل رأي الشافعية قال الحنابلة إلا أنهم قصروا اشتراط الحلول والتقابض في تسليم الأجرة في مجلس العقد فيما إذا عقدت الإجارة على منافع الأعيان الموصوفة في الذمة بلفظ السلم، وأما إذا عقدت بلفظ الإجارة فلا يشترط لصحتها تسليم الأجرة في مجلس العقد بل يجوز تأجيلها مطلقاً.
- فصل الباحث أحكام تصرفات المؤجر في العين المؤجرة على أربع مسائل هي:
المسألة الأولى: حكم بيع العين المؤجرة لغير المستأجر.(4/318)
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة على ثلاثة أقوال، الراجح منها القول بأن بيع المؤجر للعين المستأجرة لغير المستأجر بيع صحيح، ولا تنفسخ الإجارة به، وليس للمستأجر خيار، وهو مذهب المالكية والشافعية والحنابلة، إلا أنهم قد أثبتوا للمشتري خيار العيب – بين فسخ البيع وإمضائه – فيما إذا لم يعلم بأن العين مؤجرة؛ ليكون مالكاً للعين دون منفعتها حتى انقضاء مدة الإجارة، هذا وقد استدلوا لذلك بأدلة منها:
1 - الإجارة إنما ترد على منفعة العين دون رقبتها، والبيع إنما يرد – في الأصل – على رقبة العين؛ وعليه فلا يمنع كون المنفعة مستحقة بعقد الإجارة من بيع الرقبة لاختلاف مورد العقدين، ولا تعارض. ولا تنفسخ الإجارة ببيع العين المؤجرة كما لا ينفسخ النكاح ببيع الأمة المزوجة.
2 - وأما الخيار للمشتري فلأن انشغال منفعة العين مدة بملك المستأجر عيب على المبيع، فكانت مثبتاً للخيار.
المسألة الثانية: حكم بيع العين المؤجرة للمستأجر.
اتفق العلماء في