وعندما كتب ابن خلدون عن علم العمران، ذكر أن من فوائده معرفة الواقع (والمنتظر) وكأن الذي يتقن هذا العلم يمكن له أن يستشرف المستقبل ويتوقع ما تأتي به الأيام، ولعل أهم علامة مميزة لمفكر هي رؤيته المستقبلية لأنه يرى ما لا تستطيع العقول الصغيرة أن تتصوره، وقد يكون ما نتوقعه يحدث ببطء، وقد يكون هناك مفاجآت لأن المتغيرات كثيرة، ولكن كما يقول الجاحظ: "إنما حمدت العلماء بحسن التثبت في أوائل الأمور واستشفافهم ما تجيء به العواقب، وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم، أما معرفة الأمور عند تكشفها، فذاك أمر يعتدل فيه الفاضل والمفضول والعالمون والجاهلون"
لا شك أن الحديث عن المستقبل يشكل تحدياً كبيراً، ولكن محاولة تصوره أفضل من داء الارتجال الذي نعاني منه، فلا إعداد للأمر عدته، ولا أخذ الأهبة والاحتياط للأمر قبل أوانه، ولكنه الارتجال على ضوء الحاضر، وأبسط مثال عل ذلك هو تخطيط المدن في بلادنا فبعد أن تتوسع المدينة توسعاً كبيراً، يتذكر القائمون على إدارتها أنه لا بد من حفر الشوارع وتخريبها لتمديد الكهرباء والماء ... ولا نتكلم عن هدر الطاقات في ميادين التربية والثقافة والاقتصاد، وهدر الطاقات في ميادين العلم والدخول إلى الحضارة التي أساسها عندنا هو الدين.
هل كنا بحاجة إلى ذكاء شديد لنتوقع ماذا سيحدث بعد سقوط بغداد؟ وهل من الصعوبة توقع ماذا يريد الغرب عندما يلح على انفصال جنوب السودان؟ ليس بالأمر العسير معرفة هذا، ولكنه عدم التبصر في العواقب.
قد تكون صورة الأوضاع في الواقع الحالي قاتمة ولكن لا ينبغي أن يتسرب اليأس إلى نفس المسلم، فاليأس شر سلاح يفتك بالإنسان، ولا ينبغي أن يتوقع المسلم كل يوم شراً، فمستقبل الشعوب لا يُرسم وكأن العالم لن يتغير، فالتقدم والتأخر منوط أيضاً بمشيئة الإنسان التي هي ضمن مشيئة الله {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37] فالعمل اليسير قد يقوم به عدد قليل من البشر، ولكنهم يصنعون مستقبلاً، فالتجار الحضارمة والعمانيين الذين وصلوا إلى جزائر إندونيسيا كان من آثار رحلتهم أن أسلم أهل تلك البلاد والسفن التي كانت تتاجر بالعبيد في إفريقيا وأمريكا، كان من نتائجها أن يوجد اليوم في أمريكا مليونا مسلم من الأمريكيين السود ولهم تأثير في مجرى الأحداث هناك.
إن فريضة الحج فرصة نادرة للالتقاء بين المسلمين ولها من الجذب والتأثير ما يفوق أي عمل بشري، وهذا من أسرار هذه الفريضة العظيمة "فقوافل الحجاج في الماضي والحاضر تشق أرجاء العالم الإسلامي في مسيرة لا تتوقف ولا تبالي بالعقبات، فقد كان حجاج بيت الله من الأندلس والسودان والصين والملايو وكأن قوافل الحج كانت أسلحة محاريث تشق الأرض الإسلامية وتقلب تربتها، وتأذن لشمس العقيدة أن تتخللها في عمق، وتبعث فيها الحياة"
يملك المسلمون أشياء كثيرة، ولكنها بحاجة لمن يستفيد منها ويستغلها، فالموقع الجغرافي في وسط العالم له تأثيره وميزاته، وخاصة بوجود الأماكن الإستراتيجية كالممرات المائية المعروفة
يملك المسلمون ثروة فقهية (قانونية) لا نظير لها في تاريخ البشرية، تبحث في تفاصيل حياة الإنسان، وفيها من المرونة ما يتسع لكل مشكلة طارئة. يقول المستشار القانوني طارق البشري متحدثاً عن هذه الثروة: "إن العبقرية الإسلامية تدهشني في هذا المجال، فأنا حتى اليوم وبعد ما يقرب من نصف قرن في العمل في القضاء أشعر أني ما زلت تلميذاً عند هؤلاء القوم (الفقهاء) "(1/274)
يعيش العالم تخبطاً فكرياً واقتصادياً واجتماعياً، فمن الحداثة إلى ما بعد الحداثة، ومن البنيوية إلى التفكيكية، يقول الباحث الأمريكي (دانيال بل) عن الحداثة: "لقد وصلت إلى منتهاها، إلى نهاية الشوط التاريخي، ولم تحقق السعادة للبشر بالرغم من شيوع السلع وتوافرها، مما أدى إلى العودة للبحث عن (الإشباع الروحي) .. "ومذهب التفكيكية في الأدب هو الفوضى الشاملة، لأن المعرفة في نظرها كيان متغير، دائم التحول في دوامة الصيرورة، وأنه من الاستحالة تثبيت معنى واحد للكلمة، بل لها معانٍ تتكاثر وتنتشر بلا حد، وهذا المذهب هو التخريب بعينه لأنه تشكيك في الأفكار واللغة والنص والسياق
وفي الاقتصاد وبعد أن هيمنت نظرية (السوق) والرأسمالية المتوحشة، سقطت كثير من الدول في المديونية والإفلاس، وخضع القرار السياسي للقرار الاقتصادي.
هل يستطيع المسلمون أمام هذا الاضطراب في الأفكار أن يقدموا شيئاً قوياً للإنسان وللإنسانية في الفكر والسلوك والأعمال الاجتماعية؟
إن واقع المسلمين ينبئنا على أن هناك بعض المبشرات:
1 - فشل الأفكار التي غزت المنطقة: كانت المنطقة العربية في عمومها وكأنها محطة تجارب لأفكار مستوردة، نبتة غريبة أرادوا زرعها في أرض غير أرضها، وإذا صلحت في مكانها فهي لا تصلح في مكان آخر، جربوا الليبرالية والقومية العنصرية والاشتراكية ... وقد فشلت كل هذه الأفكار على أرض الواقع والتطبيق العملي، وكان من نتائجها كوارث كبرى أصابت المنطقة. ومنها كارثة 1967 فيما سمي بحرب الأيام الستة بين إسرائيل والدول العربية المحيطة بها، حيث خسرت هذه الدول صحراء سيناء والضفة الغربية والجولان، وكذلك كارثة 1991 حين استولى العراق على أرض الكويت، وما تبع ذلك من انقسام في العالم العربي، وتدخل الغرب وفرض الحصار على العراق. وهذه الأفكار المستوردة كانت أفكاراً هجينة، فلم تكن الليبرالية العربية هي ليبرالية الغرب، ولا الاشتراكية العربية هي اشتراكية بعض الدول والأحزاب في الغرب، وإنما هي صورة مشوهة مختلطة بالفساد الإداري والنزعات العائلية والقبلية والصراع بين المدينة والريف، عدا عن أنها أفكار هي في الأصل مضادة لعقيدة الأمة وتطلعاتها، وكان البديل هو الإسلام، فالناس يريدون حكاماً لا ينهبون خيرات البلاد، ويريدون حكاماً يعملون لصالح أوطانهم كما حدث في تركيا بعد أن عاشت عقوداً من العلمانية المتطرفة ومصداق ذلك نتائج الانتخابات في أي بلد عربي إذا أجريت بنزاهة وتجرد.(1/275)
2 - تراجع العولمة: العولمة كفكرة هي في الغالب مبدأ للهيمنة الاقتصادية، ولا بد أيضاً من الهيمنة الثقافية التي تخدم الاقتصادية، وقد بدأت بالشركات الكبرى متعددة الجنسية، وكذلك مؤسسات النقد العالمية في أمريكا، والعولمة الثقافية تحاول فرض (التغريب) على شعوب المنطقة، وهذه العولمة وإن كانت قد فرضت نفسها على الواقع في كثير من المناطق في العالم وهي مستمرة، ولكنها لم تنتشر وتتقوى كما كان يخطط لها أصحابها أو كما يتصورون، والمعارضة لها قوية خاصة من الذين يريدون الحفاظ على البيئة، والمسلمون يمكن أن يستفيدوا من العالمية لا من العولمة فرسالتهم عالمية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107] والعالم واسع، والعالم ليس الغرب فقط، العالم مفتوح للدعوة بالحسنى، الشرق الأقصى بكل دوله له مكانته الآن، البلدان التي استقلت عن الاتحاد السوفييتي أكثر سكانها مسلمون، وهي مجال حيوي لإستراتيجية إسلامية، عندما يحمل المسلم نفسية العالمية وعندما يملك المعرفة والشجاعة، فستكون القارات الخمس من مجاله الدعوي، وسنرى أن هناك جوانب عقدية وسلوكية تفتح للمسلم منافذ للقوة والرزق، وفي العادة فإن المغامر لا يكون من غثاء الناس بل هو الذي يحوّل المكان لخدمته، وإن سنة التدافع تجعل المسلم في المشاركين في موجات التاريخ وأن يقدم نموذج الإنسان الذي تخلص من أمراض الحضارة المعاصرة، وهو النموذج الذي تفتقده البشرية اليوم، حيث تعاني من الرأسمالية المتوحشة كما تعاني من الاتجاهات المادية وتغوّل الدولة على الفرد.
3 - ظاهرة النمو السكاني: من عوامل قوة الدول كثرة سكانها، وكان من مظاهر ضعف الدولة العثمانية في أواخر أيامها قلة السكان وفي الوقت نفسه كان الانفجار السكاني في بريطانيا الذي رافق النزعات الاستعمارية عند الأوروبيين، وكان من نتائجه الهجرة إلى أمريكا وأستراليا وتكوين دول ومستعمرات، وفي العصر الحديث لا شك أن أحد أسباب النمو الكبير في اقتصاد الصين هو كثرة سكانها. وقد يقال أن الكثرة ليست دائماً مؤشراً على القوة، وهذا صحيح، ولكن هذه الكثرة مع التعليم والتدريب العالي وتوفر العدالة الاجتماعية، وزرع الثقة في النفوس كل ذلك سيجعل في الكثرة قوة صالحة. تعاني أوروبا اليوم من النقص من عدد السكان، وتحاول التعويض عن ذلك باحتكار التفوق التكنولوجي والعسكري، ففي عام 2000 للميلاد كان عدد سكان أوروبا 728 مليون وسيصبح هذا العدد 600 مليون عام 2025م، وهذا يعني نقصاً في الأجيال الشابة، المسلمون اليوم هم أكثر من خمس سكان العالم، ونسبة الشباب في هذا العدد الكبير هي المتفوقة على الشعوب الأخرى، وهذا مؤشر لتنمية قوية تعيد للمسلمين دورهم الإيجابي في العالم.(1/276)
4 - ردة الفعل على المواقف الموتورة من الإسلام: المواقف التي تظهر بين الحين والآخر ضد الإسلام والمسلمين، سواء كانت رسمية أو من جهات مؤسساتية، وسواء كانت ظاهرة مكشوفة أو مخفية، وآخرها محاولة حرق المصحف في أمريكا، هذه المواقف زادت المسلمين حرصاً وتفانياً على دينهم، وجعلتهم ينتبهون إلى شيء لم يحسبوا حسابه، وهذا مما أدى إلى الرجوع إلى هويتهم وثقافتهم وحضارتهم. وإن إصرار طفلة في فرنسا على ارتداء الحجاب وتحديها للسلطات الفرنسية ليعد حدثاً قوياً، وهذا التأييد الأعمى للصهيونية من قبل أمريكا والغرب وهذا الاحتلال لبلاد المسلمين، مما زاد في التحديات التي تصقل شخصية المسلم، وتعيده إلى الواقع الحقيقي لمجرى الأحداث، وليفكر كيف تكون الحلول المناسبة. نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية مقالاً بعنوان (بوش والحرب) ذكرت فيه أن الرئيس الأمريكي كان متأثراً بدوافع دينية تجاه المشرق الإسلامي، وهو يبدأ نهاره بقراءة من كتاب (مختارات دينية) وقد أصبح معلوماً أن أحد أسباب تأييد رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) للحرب على العراق هو الدين. لا يتجرأ إعلامي في الغرب على تفسير الكتب المقدسة لدى البوذي أو اليهودي مثلاً، ولكن كل إعلامي أو سياسي هناك لديه الجرأة على أن يفسر الإسلام، بل ويفسره حسب أهوائه للمسلمين؟! كل هذا مما ساعد على اتضاح الصورة أمام المسلمين ليكونوا على بينة من أمرهم، هذا مع وجود من يرى أن السبيل الصحيح هو الحوار القائم على التفاهم واحترام خصوصيات المسلمين، وهم قلة، وهذا مما دعا وزير الثقافة الفرنسي ليعتذر للشعب التونسي عن تأييد حكومته للديكتاتورية التي كانت تحكم تونس سابقاً.
5 - الإعلام: عندما ظهرت قوة الإعلام في السنوات الأخيرة تخوف بعض الناس من هذا التطور الجديد، وذلك لأن هذا الإعلام إخطبوط كوني يمتص كل شيء، ويجرد ضحاياه من القدرة على التفكير المستقل، والقدرة على النقد والحوار الصادق الجريء، فهو يبث من طرف واحد، وصاحب الثروة الكبيرة يستطيع أن يسخر هذا الإعلام لمصلحته أو مصلحة فئته أو حزبه، ولكن هذه النظرة للإعلام والتخوف منه قد تتغير بعد أن استطاع المسلمون الاستفادة من (الإنترنت) وإنشاء المواقع القوية الجيدة، ومن خلال هذه الشبكة يستطيع كل إنسان أن يبدي رأيه أو يحاور الطرف الآخر، وهكذا ظهرت الحوارات الكثيرة عن الإسلام وتعرف الناس في البلاد العربية على أمور كانوا يجهلونها من خلال بعض القنوات الفضائية، وكانت ممنوعة عنهم بسبب الأنظمة الاستبدادية.
6 - الرجوع إلى التدين وزوال العصر الصناعي: أصاب الغرور كثيراً من علماء أوروبا وفلاسفتها في القرن التاسع عشر، وذلك حين ظنوا أن التقدم العلمي سيحل كل مشاكل الإنسان، واقترن هذا الغرور بالإلحاد والمادية واللأدرية كما نجده عند (فيور باخ) و (ماركس) و (داروين) و (نيتشه). فماركس يعتبر أن الدين له دور سلبي، فهو إلى جانب الرأسمالي الذي يستغل الطبقة العاملة وأن الطبقة الفوقية تستعمل الدين كمخدر تبريري لأعمالها. ولكن العلماء في أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين عادوا ليطمئنوا من هذا الغرور، عاد عباقرة الرياضيات والفيزياء من أمثال (ماكس بلانك) و (ألبرت آينشتاين) ليقولوا: إن التعبير عن الحقيقة يزداد صعوبة وأن الاحتمال هو أعلى درجات اليقين، وأن العلم أعرج من دون دين، والدين هو الذي يقرب من الحقيقة.(1/277)
وفي كتابه الشهير (الموجة الثالثة) تنبأ (توفلر) بزوال الليبرالية الغربية خلال العقدين القادمين، كما زالت الشيوعية، بما أن كلاً من الليبرالية الغربية والشيوعية هي من نتاج القرن التاسع عشر، أي نتاج العصر الصناعي الذي ينتهي اليوم ليحل محله عصر ما بعد الصناعي، عصر توزع جديد للسلطة على مستوى العالم يطال جميع الألوان والأعراق والثقافات.
يتساءل الكاتب (دين هامر) في كتابه ( The God Gene) كيف يتمركز الإيمان في نفوس البشر؟ لماذا يكون للروحانية هذه القوة وتلك السيطرة على العالم؟ ويصل في بحثه إلى أن الروحانية أو على الأقل جزء منها تتمركز في حياتنا الوراثية، ولو أطلع المؤلف على القرآن الكريم لعلم أن ما يبحث عنه هو الفطرة التي ذكرها القرآن الكريم، وهو الميثاق الذي جاء في الآية {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ... } [الأعراف: 172]
وهذا الذي ذكرناه عن التحولات في الغرب لا يعني أن تقدم المسلمين مرهون بانهيار الغرب، ويجب على المسلمين ألا ينتظروا تدهور الغرب حتى يخططوا للمستقبل، فإن الغرب رغم ابتعاده فعلاً عن الأسس التي قامت عليها حضارته، ورغم ما يكتبه بعض مفكريه الحريصين عليه والذين يشعرون بخطر التراجع عن القيم والأخلاق التي ترسخ الحضارات، ورغم تراجع الحرية التي أعطت الغرب قوته، فإنه يحاول دائماً إصلاح نفسه وتدارك أخطائه، وتدارك الأخطار التي تحيط به.
هذه المبشرات لا تعني المستقبل الواعد، لأن المستقبل مرهون بوجود مرتكزات أساسية، سواء كانت موجودة تحتاج إلى تفعيل أكثر، أو أنها لا بد أن توجد، ولا تنفع الآمال دون عمل، ولا ينفع التفاؤل المفرط دون الأخذ بالأسباب.
ومن هذه المرتكزات:
1 - الاهتمام بالمؤسسات والجمعيات الأهلية التي تخدم المسلم، وأن تكون هذه المؤسسات تابعة للأمة، لأن المؤسسات الوقفية الخيرية في تاريخ المسلمين هي التي استمرت وأبقت الأمة قوية في العلم والتضامن الاجتماعي حتى لو لم تساعدها الدولة، بل رغم استبداد بعض تلك الدول وانشغالها بالصراعات الداخلية. والملاحظ أن الغرب يهتم كثيراً بهذا النوع من المؤسسات الاجتماعية والثقافية والخيرية، والتي كانت أيضاً من أسباب نهضة، ولكنه يعمل على إلغائها أو تهميشها في العالم الإسلامي.
2 - الاهتمام بالإنسان: فقد استغرق العصر الصناعي مائتي سنة ليبدأ عصر (الكمبيوتر) وأما عصر (الإنترنت) فما يزال في بدايته وعلى المسلمين أن يتهيأوا لهذا القادم، حيث أصبحت المعلومات قيمة كبيرة، وأصبحت الأدمغة البشرية المفكرة هي رأس المال الحقيقي، كانت ثروة الأمم تقاس بما عندها من ذهب أو معادن وغير ذلك من كنوز الأرض، وأما اليوم فإن الثروة هو الإنسان المتعلم المتفوق، والعالم الإسلامي يملك ثروة بشرية متعلمة، ولكنه يعاني من هجرة الأدمغة إلى الغرب بسبب سوء أحواله السياسية والاقتصادية، وفي المجتمع الإسلامي ما تزال العلاقات بين الناس يسودها نوع من التضامن والتعاون، وما تزال الأسرة متماسكة والعلاقات العائلية جيدة بشكل عام.(1/278)
3 - لا مستقبل إلا بالدين: هذه الأمة أخرجت بالدين (هو الذي اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج) وإن القطيعة مع الماضي هي أسوأ ما تبتلى به أمة من الأمم، لأن الماضي هو الجذور المنغرسة في حياتنا الثقافية، ومن الغريب أن أمماً أخرى وبلاداً أخرى عندما عزمت على النهوض بلورت نظامها التعليمي بالتأكيد على الهوية الخاصة بعقائدها وتقاليدها والمثال على ذلك (سنغافورة) وكان التركيز على التاريخ لأن الجهل بتاريخ الأمة يعوق الشعور بأهمية العمل، كما كان التركيز أيضاً على القيم والأخلاق
العلماء في الأمة الإسلامية هم القادة، وما أتى المسلمون إلا من قلة العلماء الربانيين، العلماء الذين لا يُيئِسون الناس من المستقبل، ويفقهون أحاديث الفتن ويضعونها موضعها الصحيح وفي سياقها، فهذه الأحاديث "لم يخبر بها الرسول صلى الله عليه وسلم أمته إلا لأجل أن يكونوا على بصيرة من مقاومة ضرها، واتقاء تفاقم شرها، لا لأجل أن يتعمدوا إثارة تلك الفتن والاصطلاء بنارها"
4 - البعد عن الخوف وعن اقتصاد التبذير: لا نستطيع التحدث عن المستقبل ونحن نعيش ثقافة الخوف وحياة السفه في إنفاق الأموال، فالأخطار الخارجية ليست هي التي تأتي بالدرجة الأولى، المشكلة تكمن في الأخطار الداخلية، "إن أفضل طريقة لمقاومة البرودة الخارجية هي أن يجري الدم في الداخل، الشجاعة تأتي من الداخل، من القلب، نتحدث كثيراً عن الهزائم التي ألحقها بنا الآخرون، وحان الوقت لكي نبدأ الحديث عن الهزائم والخسائر التي ألحقناها بأنفسنا"
ماذا يخاف المسلمون ولماذا يضعون أنفسهم موضع المدافع والمُحاصر، ولماذا يشعرون وكأنهم سينقرضون وهم الآن أكثر من خمس سكان العالم، ولماذا يضخمون من نظرية المؤامرة وتكالب الأعداء حيث يصبح الفرد يائساً من المستقبل ومن النهوض والتقدم. ولماذا لا يكونوا حاضرين في مراكز القرار العالمي، ويحاورون الآخرين من موقع القوة وموقع النديّة، وهم قوة حضارية لها قيمها وسبلها ومناهجها، وهم قوة سياسية واقتصادية. وإذا كان الإسلام سيصبح قوة (جيوسياسية) كما يقول الرئيس الأمريكي السابق (نيكسون): وإذا كان العالم الإسلامي سوف تكون له أهمية كبرى خلال القرن القادم وأنه قوة مستقبلية كما يقول الكاتب الروسي (سولجنستن): إذا كان هكذا فيجب ألا نرضخ لما يجري اليوم، ولا نسلم بغرق المركب، وأمريكا لن تتحول إلى إمبراطورية، لأنه ما من دولة تبتدئ بالتراجع الاقتصادي إلا وتحاول أن تغطي عن ضعفها بتركيز سياستها على التفوق العسكري، وهنا يبدأ التراجع كما يقول المؤرخ الأمريكي (بول كينيدي) إننا نعيش فترة انتقالية كبرى، وعالم الغد لا يحتمل أن تحتكره أية دولة أو كتلة من الكتل.
5 - لا بد أن يثق المسلمون بوعد الله، وأن تتسع الآمال التي هي من فطرة الإنسان، "ولو قصرت الآمال ما تجاوز الإنسان حاجة يومه، وفرق بين الآمال والأماني، فالآمال هي التي تتقيد بالأسباب، والأماني ما تجردت عنها". وإذا كان المطلوب من الإنسان تحقيق الغاية التي خلق لأجلها (ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) فالإنسان يستطيع بإذن الله تحقيق المستقبل عندما يحقق الغاية.
الأمة الإسلامية نجت من خطرين اجتمعا عليها: الخطر الصليبي والخطر المغولي، وخرجت بعد عشرات السنين أقوى بنياناً، ولو تعرضت أمة أخرى لمثل ما تعرضت له هذه الأمة لاندثرت وأصبحت أحاديث القصاص. الأمة الإسلامية لها وزنها وقيمتها، والله سبحانه وتعالى جعل الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، وهذا يفرض على المسلمين مسؤولية كبيرة لمقاومة الفساد في الأرض، والإصلاح لا يتم في ليلة واحدة، والخير لا يأتي دفعة واحدة، وسنة الله في خلقه التدرُّج، والإسلام يستطيع أي يؤدي دوراً حاسماً لثقافة مضادة لثقافة العولمة، ويستطيع الإسلام مناقشة القضايا الكبرى التي تتحدث عنها البشرية اليوم (الهوية، البيئة، الاستقلال، والعولمة ... )
6 - الاستفادة من هجرة المسلمين إلى الغرب واستقرارهم فيه وخاصةً الشباب المتعلم الذي حافظ على دينه وخلقه، وإن الانفتاح الإيجابي يستطيع أن يفعل شيئاً كثيراً، والمشاركة السياسية لحماية حقوق المسلمين سيكون لها دور في الحفاظ على الهوية كما أن التعاون مع الأغلبية في القضايا التي تحقق قيم الإسلام وقيم الإنسانية سينهي الخوف الذي تشعر به بعض الشعوب العربية بسب الأخطاء التي ترتكب باسم الإسلام، والذين أسلموا من أهل تلك البلاد يمكن أن يكون لهم دور مهم في بلادهم لصالح الإسلام والمسلمين.(1/279)
التعامل مع المبتدعة في مقام الدعوة
(1/ 4)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
28 ربيع الثاني 1432هـ
مقدمة
أقسام البدع
خطر البدع
حكم التعامل مع المبتدع
هجر المبتدع
أنواع الهجر
صفات الهجر
ضوابط الهجر
أصل التعامل مع المبتدع
ضوابط دعوة المبتدع
ضوابط مناظرة المبتدع
تنبيهات عند دعوة المبتدع
مقدمة:
دعوة أهل البدع إلى الحق وظيفة العلماء، لا يجوز التساهل فيها، أو التقصير في أدائها، إذ بها تتم حماية الدين وتنقيته من شائبة الباطل.
وعلى من تصدى لدعوة أهل البدع أن يعرف: ما هي الأصول والضوابط التي ينبغي التزامها؟ وما هي المحاذير والمزالق التي ينبغي تجنبها؟
وقبل البدء في الموضوع، نعرج بشيء من الإيجاز على تعريف المبتدع، والبدعة، وذكر أنواعها، وخطرها، ثم ذكر حكم المبتدع، وما هو الأصل في التعامل معه؟
البدعة: هي طريقة في الدِّين مخترعة، تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه؛ وهذا على رأي من لا يدخل العادات في معنى البدعة، وإنما يخصها بالعبادات. [((الاعتصام)) (1/ 21).] وهي ليست على درجة واحدة من الشر، بل هي متفاوتة.
ويصنف العلماء البدعة من عدة زوايا، فمن حيث مجالها، تنقسم إلى:
- بدعة اعتقادية: وهي اعتقاد الشيء على خلاف ما جاء به النبي -صلى الله عليه وسلم، كبدعة الخوارج في اعتقادهم تكفير العصاة من المسلمين؛ وكالمجسمة والمشبهة الذين شبهوا الله بخلقه -تعالى الله علواً كبيراً.
- وبدعة عملية: وهي التي تكون في المسائل الفقهية القطعية أو الظنية، كالتي تكون في العمل الظاهر، كصلاة تخالف ما ورد عن النبي -صلى الله عليه وسلم، ونحو ذلك من الأعمال. وكلها داخلة تحت قوله -صلى الله عليه وسلم: (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). [أخرجه مسلم في كتاب الأقضية.]
- وبدعية قولية: وهي ما كان فيه تغيير لما جاء في كتاب الله عز وجل، ولما ثبت في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كأقوال المبتدعة من الفرق المشهورة، مما هو ظاهر المخالفة للكتاب والسنة، وظاهر الفساد والقبح، كأقوال الرافضة والخوارج والجهمية والمعتزلة والأشعرية؛ وجميع الفرق المؤولة، التي وضعت لنفسها مناهج مخالفة لمنهج الطائفة الناجية المنصورة، الظاهرة على الحق إلى قيام الساعة.
ومنهم من قسمها إلى نوعين: نوع في الأقوال والاعتقادات، ونوع في الأفعال والعبادات، والثاني يتضمن الأول، كما أن الأول يدعو إلى الثاني.
وتُقسم البدعة بحسب ما يؤول إليها صاحبها إلى: بدعة مكفرة، وبدعة غير مكفرة.
وربما تخلف الحكم على المعين بالبدعة رغم قيامه بها إذا توفر مانع أو انتفى شرط؛ فالحكم على العمل أو القول لا يلزم منه تبديع المعين القائل أو العامل به إلا إذا أقيمت عليه الحجة وتوفرت الشروط وانتفت الموانع.
خطر البدع:
البدعة أشد من المعصية، ويرجع ضررها إلى وجوه:
الأول: أن البدع مفسدة للقلوب، مزاحمة للسُّنة في إصلاح النفوس، فهي أشبه ما تكون بالطعام الخبيث، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (الشرائع أغذية القلوب، فمتى اغتذت القلوب بالبدع لم يبق فيها فضل للسنن، فتكون بمنزلة من اغتذى بالطعام الخبيث). [اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 281).]
فهي تلبس لباس الدِّين، فيظن المنتسب لها أنها حق وأنه مأجور عليها، وبذلك فإنه يعقد عليها الكره والحب والولاء والبراء والثواب والعقاب، فتزاحم السنن، تقود أصحابها إلى الاعتقادات الباطلة، والأعمال الفاسدة، والخروج عن الشريعة.(1/280)
الثاني: أنه في مقابل كل بدعة تهدم سنة، وفي هذا المعنى يقول شيخ الإسلام أيضاً: (من أسباب هذه الاعتقادات والأحوال الفاسدة الخروج عن الشِّرعة والمنهاج الذي بعث به الرسول صلى الله عليه وسلم إلينا، فإن البدع هي مبادئ الكفر ومظان الكفر، كما أن السنن المشروعة هي مظاهر الإيمان، ومقوية للإيمان، فإنه يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية). [مجموع الفتاوى (10/ 565).] لذا كان منهج المبتدعة قائما على معارضة نصوص الكتاب والسنة، كما قال شيخ الإسلام. [راجع كلامه في: درء تعارض العقل والنقل (1/ 149).]
حكم التعامل مع المبتدع:
المبتدع في الأساس شخص يريد الحق ويقصد التقرب وهذا الغالب في أحوال الكثير من أتباع البدع، يقول الله تعالى: {ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آَثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآَتَيْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}، [الحديد: 27]. فالمبتدع مريد للحق لكنه ضل طريقه إليه.
لذا فإنَّ أهل البدعة قد يظهروا من التنسك أو الأحوال ما يُعبِّر عن اعتقادهم الحق فيما يؤمنون به؛ ومن أجل ذلك فإن المبتدع -ما لم يكن زنديقا- يحكم له بالإسلام ويبقى شأنه وحاله أفضل بكثير ممن قصد الكفر البواح أو الشرك الظاهر. إلا أنه ونظرا لخطورة البدعة على الدِّين نفسه من حيث هو فإن المبتدع (أخطر) شأنا على الدِّين وأهل الإسلام من الكافر والمشرك، لأن البدعة تفسد الإسلام وتحرف الناس عن الحق إلى مزالق لتأويله ما يقسمهم شيعا وأحزابا. وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم في حديثه عن افتراق اليهود والنصارى وهذه الأمة إلى مدى تأثير الاختلاف في الدين على وقوع كثير من الفرق في النار.
لذا كان من منهج الرسول صلى الله عليه وسلم حازما وصارما مع من أظهروا الغلو أو أحوال وأقوال بعيدة عن سنته، وتوعد من اتخذ هذا المسلك وحذر أمته منه. لا لشيء إلا لكي يظل الحق الذي أنزله الله ناصعا نقيا مما قد يشوبه من أهواء الناس التي وإن لبت رغبة قوم أو ذائقتهم أو وافقت آراءهم العقلية إلا أنها لن توافق قوما آخرين؛ أما الحق الذي أنزله الله تعالى فيوافق العقول السليمة جميعا وذائقة النفوس البشرية كافة ويدور في حدود طاقاتهم وقدراتهم دون تكلف وتنطع. فكم شوهت البدع -رغم نظر أصحابها إليها بالحسن- الإسلام في نظر غير المسلمين فصرفتهم إلى باطل وزهدتهم في الحق!(1/281)
وإذا كان المبتدع جزءا من الكيان الإسلامي وجسد الأمة فإن حقوق الأخوة الإيمانية التي قررها الإسلام تظل محفوظة له، متمتعا بكافة الحقوق الشرعية التي فرضها الإسلام. إلا أن هنا ملحظا مهما وهي أن من طبيعة المجتمعات أن تتعامل في الجانب المادي من حياتها عند وجود الضرر والأذى من قبل شخص مريض أو مختل أن يباشروا من التدابير ما يعينهم على إزالة الضرر ورفع الأذى أو في أقل الأحوال حصرها وبما لا يخل بحق المريض أو المختل في الرعاية، مع إمكانية تقييد بعض حرياته أو إسقاط بعض حقوقه لمصلحة أكبر؛ هذه الصورة المادية تقابلها صورة معنوية في حال كان الشخص مجرما أو صاحب خلق سيئ حيث يأتي عوضا عن الحجر الصحي والعلاج المادي حَجْرٌ من نوع آخر وعلاجٌ من نوع آخر؛ وهذه السُّنة الاجتماعية لا يغفلها الإسلام في المبتدع، باعتباره شخصا (مختلا) في جانب (الدِّين) ومن ثمَّ فكما أن للجوانب الأخرى تدابيرها لصيانتها في حياة المجتمع يكون الدِّين أحق بهذه التدابير.
ومن هنا يأتي الإسلام ليرسم أحكام التعامل مع المبتدع من هذه الزاوية، زاوية أن المقصود من التعامل مع المبتدع أمران:
الأول: معالجة (المبتدع) وإخضاعه للتدابير التي من شأنها تحقيق العلاج لأهدافه.
الثاني: صيانة (المجتمع) من الآثار التي قد تلحق به (دينيا) من البدعة ذاتها فضلا عن المبتدع.
وكما هي حالات المرض، يتفاوت تقييم الإسلام للبدعة وصاحبها ومن ثمَّ يختلف تعامل المجتمع الإسلامي مع المبتدع بحسب البدعة ذاتها وبحسب تأثير المبتدع من جهة أخرى.
ومن أولى أحكام التعامل مع المبتدع:
1 - بيان مخالفته للدِّين بالحجة والبرهان والدليل، وهذا ما سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم مع ذلك الشاب الذي أتى يستأذن الرسول صلى الله عليه وسلم في الزنا!! ومع ذلك الشخص الذي توجه إلى الرسول -عليه الصلاة والسلام- بالقول: اعدل يا محمد!
2 - نصح المبتدع وإظهار الشفقة به، مع بيان عظم ما وقع فيه وعظم الآثار التي ستترتب على بدعته؛ وهذا بالفعل ما قام به عبد الله بن عباس رضي الله عنه وهو يحاور الخوارج ويلزمهم بلازم مذهبهم الذي ذهبوا إليه في شأن الفريقين المتقاتلين من الصحابة.
3 - الوقوف بصرامة إزاء تحول هذه البدعة إلى مذهب يتلقفه الناس ويتخذونه منهجا؛ لذا حذر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم من البناء على القبور واتخاذها مساجد ولعن اليهود والنصارى معرضا بهم كل من يقوم في هذه الأمة بهذه البدعة. كما واجه الرسول عليه الصلاة والسلام النفر الذين تقالوا عبادته في شأنهم لما قد غُفِرَ للرسول عليه الصلاة والسلام بالبيان والتحذير والإنكار الشديد.
4 - وفي جميع الأحوال السابقة يبقى للمرء حقوق الإسلام وعليه واجباته لا يسقط منها شيء، لذا فإنه نادرا ما كان يُقصي الرسول صلى الله عليه وسلم من جاء بأمر منكر في الدِّين، بل احتمل عليه والصلاة والسلام بقاءهم في المجتمع ولكن مع إنكاره عليهم وتحذيره مما صنعوا. فقد كان يعلم الرسول الكريم أن للشيطان مداخله على بعض الصالحين من جهة تشددهم أو فهمهم خطأ للدين أو تعبدهم لله بما يستحسنونه من حال أو هيئة؛ فإذا لم يُحسن إلى هؤلاء تحولوا إلى أعداء؛ كيف وقد صبر على أعدائه من المشركين وأهل الكتاب ومنافقي المدينة.
5 - غير أن هناك وضعا آخر تتحول معه البدعة إلى مهدد حقيقي للدين أو المجتمع وحدته وأمنه واستقراره؛ ما يلزم في هذه الحالة معالجة جادة وصارمة لذلك:
أ- إن كانت البدعة مكفرة: أي أن يحدث المرء من العقائد أو الأفعال أو الأقوال ما يوجب تكفيره، فإن كان ذلك صادر منه عن جهل أو تأول، بُيِّن له، وروجع في الأمر، وأقيمت عليه الحجة، واستتيب من قبل ولي الأمر، فإن وجد أن بدعته صادرة عن زندقة وإلحاد منه عُزر، وإن كان بالقتل. وقتل المبتدع الذي تصل بدعته حدَّ الكفر والزندقة التي بحيث ينتقد الدين بها عادة متبعة في دول الإسلام؛ ويدل عليه الوقائع التي وقعت لبعض المبتدعة، كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالسبئية حين حرقهم، وكذلك قتل الجعد بن درهم والحلاج وغيرهم. والحاصل: أن القتل مما يعاقب به صاحب البدعة إذا كانت بدعته مغلَّظة مكفرة واستتيب ولم يتب، أو رأى أهل الحل والعقد أو الإمام أو من أفتى من العلماء أن هذا المبتدع يُقتل وإن لم يُستتب.
ب- وإن كانت البدعة مفسقة لكن لها أثرها على وحدة الأمة وأمنها واستقرارها (كبدعة التكفير عند الخوارج)، فلا يُكفَّر صاحبها، لكن مقاتلته فيما لو أفسد في الأرض وحمل السيف واجبة لوأد الفتنة وإخماد ثورتهم، وهذا فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مع الخوارج، حيث لم يبادئهم بقتال ولا حكم بكفرهم ولا بنفاقهم ومع ذلك قاتلهم لما حملوا السيف على المسلمين.(1/282)
(2/ 4)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
الأربعاء 6رجب1432هـ
الهجر كعلاج للبدعة:
ومن بين أهم المعالجات التي شرعها الإسلام في مواجهة بعض الانحرافات -ومن بينها البدعة- هجر أصحابها، وذلك لتضييق دائرة تأثير أصحابها وقصر مفسدتها وإظهار المجتمع في موقف الرافض لها ليستفيق صاحبها من غفلته ويعود إلى رشده.
ومن فوائد الهجر التي قصدها الشارع:
1 - بعث اليقظة في نفوس المسلمين من الوقوع في البدعة وتحذيرهم منها.
2 - تحجيم انتشار البدعة.
3 - إعطاء ضمانة للسنن من شائبة البدع.
4 - قمع المبتدع وزجره ليضعف عن نشر بدعته. [انظر رسالة (هجر المبتدع)، بكر بن عبد الله أبو زيد -رحمه الله، إعداد سلمان بن عبد القادر أبوزيد، بتصرف.].
فمعاشرة صاحب البدعة ومخالطته فتولد في صاحب البدعة طمأنينة إلى ما هو عليه، وربما أشعره بقبول المجتمع لبدعته وتزكيته إياها؛ وهذا قد يُغرر بالعامة، إذ أن العامة غالبا في حال جهلهم لا يفرقون بين السنة والبدعة، وربما استحسنوا ما استحسنه المبتدع فوقعوا فيما وقع فيه، فلا بد إذاً من الحجر على المبتدع استصلاحاً للديانة، وأحوال الجماعة، وهو ألزم من الحجر الصحي لاستصلاح الأبدان.
وبعد أن نقل الشاطبي -رحمه الله تعالى- بعض الآثار في النهي عن توقير المبتدع، قال: (فإن الإيواء يجامع التوقير، ووجه ذلك ظاهر؛ لأن المشي إليه والتوقير له تعظيمٌ له لأجل بدعته؛ وقد علمنا أن الشرع يأمر بزجره وإهانته وإذلاله بما هو أشد من هذا كالضرب والقتل، فصار توقيره صدوداً عن العمل بشرع الإسلام، وإقبالاً على ما يضاده وينافيه، والإسلام لا ينهدم إلا بترك العمل به، والعمل بما ينافيه)
[(الاعتصام) (1/ 85).].
وعلى كل حال فإن غياب التعامل الصحيح للمبتدع يحيي البدع ويميت السنن، وفي هذا هدم للإسلام بعينه.
أنواع الهجر:
أنواع الهجر ثلاثة:
الأول: الهجر ديانة، أي: الهجر لحق الله تعالى، وهو من عمل أهل التقوى، في هجر السيئة، وهجر فاعلها، مبتدعًا أو عاصيًا.
وهذا النوع من الهجر على قسمين:
1 - هجر ترك: بمعنى هجر السيئات، وهجر قرناء السوء الذين تضره صحبتهم إلا لحاجة أو مصلحة راجحة، قال الله تعالى: {وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} [المدثر: 5]، وقال سبحانه: {وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل: 10]، وقال تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، وقال تعالى: {وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ} [النساء: 140]، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)) [أخرجه البخاري في الإيمان.].
2 - هجر تعزير: وهذا من العقوبات الشرعية التبصيرية التي يوقعها المسلم على المبتدعة على وجه التأديب، في دائرة الضوابط الشرعية للهجر حتى يتوب المبتدع ويفيء.
وهذا النوع بقسميه من أصول الاعتقاد، والأمر فيه أمر إيجاب في أصل الشرع، ومباحثه في كتب السنن والتوحيد والاعتقاد وغيرها.
النوع الثاني: الهجر لاستصلاح أمر دنيوي، أي الهجر لحق العبد، وفيه جاءت أحاديث الهجر بما دون ثلاث ليال، رواها جماعة من الصحابة رضي الله عنهم بأسانيد في الصحيحين وغيرها، وجميعها تفيد أن الشرع لم يرخص بهذا النوع من الهجر بين المسلمين إلا بما دون ثلاث ليال. وليس هو مجال حديثنا.(1/283)
النوع الثالث: الهجر قضاء، وهو من العقوبات التعزيرية للمعتدين، وهذا يبحثه الفقهاء في باب التعزير. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف].
وجعل شيخ الإسلام -رحمه الله- أنواع الهجر في الشرع قسمين، فقال:
(الهجر الشرعي نوعان:
أحدهما: بمعنى الترك للمنكرات.
والثاني: بمعنى العقوبة عليها.
فالأول: هو المذكور في قوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68]، .. فهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك
النوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم، حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعين عليهم بغير عذر) [((مجموع الفتاوى)) (28/ 20)].
صفات الهجر:
الأصل في الهجر هو الإعراض عن المبتدع والبراءة منه. ومن مفرداته تركُ: مجالسته، ومجاورته، وتوقيره، ومكالمته، والسلام عليه، والتسمية له، وبسط الوجه له، وسماع كلامه، ومشاورته .. كل ذلك بقصد إصلاحه إذا عُلم تحقق ذلك؛ أما إذا عُلم فساد حاله أكثر أو تضييع مصلحة المسلمين فتقدر الأمور بقدرها.
وللهجر الشرعي ضوابط، منها:
1 - لا بد أن يؤدي هذا الهجر إلى الهدف الذي شرع من أجله، وهو الإقلاع عن هذه البدعة، وإلى عدم فعل ما يشبهها من قبله، أو من قبل غيره، أما إذا كان المبتدع لا يزيده الهجر إلا تمادياً في السوء، وركوناً إلى أهل السوء، أو غير ذلك من المفاسد فإنه لا يهجر.
فالمؤمن كالطبيب إذا رأى العلاج نافعاً فعله؛ لأن الهجر من باب العلاج، فإن كان الهجر يؤثر خيراً وينفع هُجر، وكان ذلك من باب العلاج لعله يتوب ويرجع عن خطئه إذا رأى من إخوانه أنهم يهجرونه، أما إذا كان الهجر يسبب مزيداً من الشر وكثرة أهل الشر وتعاونهم فإنه لا يهجر، ولكن يديم له النصح والتوجيه وإظهار الكراهة لما عمل، ولا يبين له موافقته على باطله، ولكن يستمر في النصيحة والتوجيه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم فإن المقصود به -يعني الهجر- زجر المهجور وتأديبه، ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعاً، وإن كان لا المهجور ولاغيره يرتدع بذلك، بل يزيد الشر، والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر؛ بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف ... وجواب الأئمة كأحمد وغيره في هذا الباب مبني على هذا الأصل، ولهذا كان يفرق بين الأماكن التي كثرت فيها البدع -كما كثر القدَر في البصرة والتنجيم بخراسان والتشيع بالكوفة- وبين ما ليس كذلك، ويفرق بين الأئمة المطاعين وغيرهم، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه) [((مجموع الفتاوى)) (28/ 203)].
ولو أن طالب علم مثلاً ذهب إلى أهله في بادية بعيدة وخاصة التي يغلبُ عليها البدع، فوجدهم يفعلون ما يفعلون من البدع، فقال: أنا أعرف أن من أصول أهل السنة والجماعة هجر أهل البدع فلنهجرهم، فإنه لن يدع أحداً إلا هجره؛ لأن الناس ألفوا هذه البدع وعاشوا عليها، فيصير هو المنكر المهجور؛ لأن الهاجر في هذه الحالة ضعيف والمصلحة لا تتحقق، والمشكلة ليست في عدم قيام طالب العلم بالإنكار أو عدم هجره لأهل البدع، ولكن المشكلة أن المصلحة الشرعية غير حاصلة. [من رسالة (هجر المبتدع)، مرجع سابق، بتصرف.]
2 - الهجر الشرعي عبادة من جنس الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والعبادة لا بد من توفر ركنيها: الإخلاص، والمتابعة، أي بأن يكون الهجر خالصاً صواباً، خالصاً لله صواباً وفق السنة، وإن هوى النفس ينقض ركنية الإخلاص، كما أن ركن المتابعة ينقضه عدم موافقة الهجر للمأمور به.
3 - هجر المبتدع ليس عاماً في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، كما أن ترك الهجر والإعراض عنه بالكلية، تفريط، وهجر لهذا الواجب الشرعي المعلوم وجوبه بالنص والإجماع، وإن مشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد، وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها، واختلاف مبتدعها، واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، فلا بد من مراعاة كل هذا.(1/284)
(3/ 4)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
الأربعاء 5 شعبان 1432هـ
الأصل في التعامل مع المبتدع:
الموقف الأصلي العام للسلف من المبتدعة هو هجرهم، وترك مجالستهم ومناظرتهم؛ لأن الأمور الباعثة لهم على الهجر من المصالح الدائمة الغالب وجودها مثل الخوف من انتشار البدعة، أو التأثر بها، أما إن تخلفت هذه المصالح، أو كانت المصلحة في غير ذلك الهجر فإن الحكم هنا دائر مع منفعته، وإذا عرف مقصود الشريعة سلك في حصوله أوصل الطرق إليه كما قال ابن تيمية [الفتاوى 8/ 206]
قال ابن عبد البر في فوائد حديث كعب بن مالك في الذين خلفوا: (وهذا أصل عند العلماء في مجانبة من ابتدع، وهجرته، وقطع الكلام عنه [التمهيد 4/ 87] وقال البَغْوي: (وفيه -أي حديث كعب بن مالك- دليل على أن هجران أهل البدع على التأبيد) [شرح السنة 1/ 227.]. وقد مضى الصحابة والتابعون وأتباعهم وعلماء السنة على هذا مجمعين على معاداة أهل البدع ومهاجرتهم.
ضوابط في دعوة المبتدعة:
هناك ضوابط ومعالم للمنهج الشرعي في دعوة المبتدعة، والتعامل مع عامة ذوي المخالفات الشرعية، منها:
1 - لا بد أن تكون دعوة أهل البدع قائمة على أصلين: الإخلاص والمتابعة. وذلك أن الحكم ببدعة ما، واتخاذ موقف من أهلها، مسائل شرعية نحن متعبدون بها، فيشترط لها ما يشترط لسائر العبادات، ومعنى الأخذ بالإخلاص أنه ينبغي ألا يكون الموقف عقاباً، أو تألفاً إزاء أحد من المبتدعة تشهياً ولا تشفياً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فمن هجر لهوى نفسه، أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله [مجموع الفتاوى 28/ 207].، وقال -رحمه الله-: (إذا كان مبتدعاً يدعو إلى عقائد تخالف الكتاب والسنة، أو يسلك طريقاً يخالف الكتاب والسنة ... بُيِّن أمره للناس؛ ليتقوا ضلاله، ويعلموا حاله، وهذا كله يجب أن يكون على وجه النصح، وابتغاء وجه الله تعالى لا لهوى الشخص مع الإنسان؛ مثل أن يكون بينهما عداوة دنيوية، أو تحاسد أو تباغض أو تنازع على الرئاسة، فيتكلم بمساوئه مظهراً للنصح، وقصده في الباطن الغض من الشخص، واستيفاؤه منه؛ فهذا من عمل الشيطان [مجموع الفتاوى 28/ 221].
2 - ومن المهم عند دعوة أهل البدع معرفة أن البدع ليست بدرجة واحدة، بل تتفاوت بقدر ما ارتبط بها من مفسدة، فمنها ما هو معصية، ومنها ما هو كفر أو شرك، وقد تكون بعض البدع ذريعة إلى الشرك.
فلا بد أن ينزل كل إنسان منزلته، ويدعى بما يناسب حاله، كما قال الشاطبي -رحمه الله-: (كل بدعة عظيمة بالإضافة إلى مجاوزة حدود الله بالتشريع إلا أنها وإن عظمت لما ذكرناه فإذا نسب بعضها إلى بعض تفاوتت رتبها، فيكون منها صغار وكبار؛ إما باعتبار أن بعضها أشد عقاباً من بعض؛ فالأشد عقاباً أكبر مما دونه، وإما باعتبار فوات المطلوب في المفسدة [الاعتصام 1/ 359].
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن الطوائف المنتسبة إلى مبتدعين في أصول الدين على درجات: فمنهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون قد خالف السنة في أمور دقيقة [مجموع الفتاوى 3/ 348].(1/285)
3 - من المهم عند دعوة أهل البدع معرفة أن من صفات أهل السنة أنهم يعلمون الحق ويرحمون الخلق: والمبتدع من أولئك الخلق الذين يرحمهم أهل السنة مع يقينهم بكونهم على بدعة يستحقون بها العقوبة، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (وأئمة السنة والجماعة وأهل العلم والإيمان فيهم العلم والعدل والرحمة، فيعلمون الحق الذي يكونون فيه موافقين للسنة سالمين من البدعة، ويعدلون مع من خرج منها ولو ظلمهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، المائدة: 8، ويرحمون الخلق فيريدون لهم الخير والهدى والعلم، ولا يقصدون لهم الشر ابتداءاً، بل إذا عاقبوهم وبينوا خطأهم وجهلهم وظلمهم كان قصدهم بذلك بيان الحق ورحمة الخلق [الرد على البكري 2/ 490].
وقال: (وإذا نظرت إلى المبتدعة بعين القَدَر والحَيْرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم رحمتهم وترفقت بهم؛ أوتوا ذكاءاً وما أوتوا زكاءاً، وأعطوا فهوماً، وما أعطوا علوماً، وأعطوا سمعاً وأبصاراً وأفئدة {فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلاَ أَبْصَارُهُمْ وَلاَ أَفْئِدَتُهُم مِّن شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ}، الأحقاف: 26) [مجموع الفتاوى 5/ 119].
ويمثل هذا الخلق العالي أبو أمامة الباهلي -رضي الله عنه- لما رأى سبعين رأساً من رؤوس الخوارج وقد جُزَّت ونُصِبَتْ على درج دمشق، قال: (سبحان الله! ما يصنع الشيطان ببني آدم؟ كلاب جهنم، شر قتلى تحت ظل السماء، ثم بكى، وقال: إنما بكيت رحمة لهم حين رأيتهم كانوا من أهل الإسلام) [مسند أحمد 22314].
4 - ومن المهم عند دعوة أهل البدع معرفة أن المبتدع والفاسق ينقص من موالاتهما بحسب جريرتهما، ولذلك قد يجتمع في المسلم حب وبغض، فيُحَبُّ لما معه من إيمان، ويُبْغَضُ لما اقترفه من بدعة وعصيان، كما قال شيخ الإسلام: (وإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر، وفجور وطاعة، وسنة وبدعة، استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير، واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر، فيجتمع في الشخص الواحد موجبات الإكرام والإهانة، كاللص الفقير تقطع يده لسرقته، ويعطى من بيت المال ما يكفيه لحاجته، وهذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة) [مجموع الفتاوى 28/ 209].
ضوابط مناظرة أهل البدع:
ولا بد أن يُعلم عند دعوة أهل البدع أن مناظرة أهل الأهواء من أخطر أنواع المناظرات، وعليه يحمل أكثر كلام السلف في التحذير من ذلك، فينبغي على من تصدى لدعوتهم ومناظرتهم أن يتسلح بالعلم الشرعي، وذلك لما يترتب عليه من آثار مثل:
- ما يمكن أن يقع في قلب من يناظر أهل البدع من شبه أو شكوك.
- في مناظرتهم نشر لبدعتهم، وفي الإعراض عنهم إخماد لها.
- في مناظرتهم تقوية لهم ورفع لشأنهم.
ولذا لا بد عند مناظرة أهل البدع من ضوابط، منها:(1/286)
1 - ألا تكون المناظرة لأهل البدع عبثاً وتضييعاً للوقت، وإظهاراً للقدرة على قوة الحجة، والتفوق في العلوم، كما كان يحصل كثيراً في مجالس الخلفاء، ولكن لا بد أن تكون في مقام تمييز حق من باطل، وصدع بالسنة وبطريقة السلف في مواجهة الزحف البدعي الظالم فهذا من الجهاد المشروع في سبيل الله باللسان والبيان، وهو قسيم الجهاد في سبيل الله بالسلاح والسنان، ولما كان المجاهد في سبيل الله موعوداً بالنصر بالظفر أو الشهادة فإن المجاهد باللسان لا بد أن يكون كذلك إذا اتقى الله ما استطاع، وكان له من العلم ما يؤهله لخوض غمار معركة المبتدعة بالحجة؛ إذ الحجة في جهاد اللسان تقابل القوة في جهاد الطِّعان، فمن كانت هذه حاله فإنه إذا ناظر المبتدع لم يكن إلا قد قام بواجب الدين عليه، والله تعالى أكرم من أن يضيع من هذه حاله في دينه ونفسه، بل يحميه من البدعة ومن أن يقر ذلك في قلبه، أو أن يكون سبباً مفضياً به إلى الزيغ والبدعة.
2 - ألا تكون المناظرة هدفاً لذاتها بحيث يظن أنها سبيل صحيح لتحصيل العلم، ويحصل بسبب ذلك التوسع والمسامحة في مخالطة المبتدعة فهذا مذموم أيضاً، كما ورد في ترجمة الإمام العلامة المتفنن أبو الوفاء ابن عقيل (ت 513هـ) أنه قال عن نفسه: (وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء، وكان ذلك يحرمني علماً نافعاً) [ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1/ 126، والمنتظم لابن الجوزي 9/ 213، وسير أعلام النبلاء 19/ 447].، قال الذهبي معلقاً: (قلتُ: كانوا ينهونه عن مجالسة المبتدعة، ويأبى حتى وقع في حبائلهم، وتجسَّر على تأويل النصوص، نسأل الله السلامة) [سير أعلام النبلاء 19/ 447].
3 - وكذا يُذَم البحث والنظر -فضلاً عن الجدال والمناظرة- إذا كان هذا الباحث متشككاً متحيراً متهوِّكاً؛ فهذا يجب عليه أن يطلب الهدى من مظانه لا أن يخرج للبيداء يلتمس السُقيا.
قال شيخ الإسلام: (وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة، فيُخاف عليه أن يُفسده ذلك المضل، كما يُنهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجاً قوياً من علوج الكفار؛ فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة، وقد يُنهى عنها إذا كان المناظر معانداً يظهر له الحق فلا يقبله، والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة مَنْ لا يقوم بواجبها، أو مع من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة، أو فيها مفسدة راجحة، فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال، وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة، ومستحبة أخرى، وفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها محمود ومذموم ومفسدة ومصلحة وحق وباطل) [درء تعارض العقل والنقل: ج7/ 172 - 174].
4 - ومن المناسب أن تُتبع هذه المناظرات في حالة إذاعتها في تلفاز ونحوه ببرامج هادفة يكون المتحدث فيها من أهل السنة ليغسل في برنامجه أوضار المناظرة، ويجيب فيها عن الإشكالات التي قد ذكرت ولم يسع الوقت لنقاشها.
5 - الأصل في المناظرات العلنية ألا يُقدم عليها إلا أن يتضح وجه المصلحة فيها بحيث يكون عظيماً ظاهراً، ويكون خوف الضرر والمفسدة فيها قليلاً؛ بحيث يغلب هذا على الظن.
6 - يجب الحذر من كون المناظرة داعية للمبتدع في الإيغال في بدعته.
7 - ومن المهم أن يراعى ألا يكون المناظر هو سبب تبغيض الحق إلى الطرف المقابل بالبغي عليه بالقول أو الفعل، أو بسوء خلق، أو بضعف حجة، فليست دعوى المدعي أنه من أهل الحق بعذر له في عدم إظهار البراهين، قال الإمام ابن القيم: (ما كل من وجد شيئاً وعلمه وتيقنه أَحْسَنَ أن يستدلَّ عليه ويقرره ويدفع الشبه القادحة فيه، فهذا لون، ووجوده لون) [مدارج السالكين: ج3/ 486].، وقد قال بشر المريسي للإمام الشافعي رحمه الله: (إذا رأيتني أناظر إنساناً وقد علا صوتي عليه فاعلم أني ظالم، وإنما أرفع صوتي عليه لذلك) [مناقب الشافعي، للبيهقي: ج1/ 199].، وعلى كل حال فالأكمل للمناظر أن يكون قاصداً لإيصال الحق إلى الطرف الآخر الذي يناظره متلطفاً في ذلك، فإن أهل السنة يعلمون الحق ويرحمون الخلق كما سبق.
ومن وسائل المناظرة والمجادلة ما يتلطف به إلى إيصال الحق إلى الخصم شيئاً فشيئاً حتى يتشربه، وقد يفتح الله على قلبه فيتبعه، فيكون لهذا المناظر أجر هداية المبتدع، ولو لم يعلم الناس أو المبتدع نفسه بذلك، ولكن قد علم ذلك وأثبته في صحائفه اللطيف الخبير سبحانه وتعالى.(1/287)
(4/ 4)
مؤسسة الدرر السنية - القسم العلمي
تنبيهات عند دعوة المبتدع:
وهذه أمور ينبغي أن يُنتبه لها عند قصد دعوة أهل البدع:
1 - ألا يحملنا كراهة البدعة وأهلها على الغلو مع المبتدعة، بل لا بد من العلم ومعرفة القواعد والمقاصد الشرعية التي تضبط تصرفات المكلفين وتقدير المصالح والمفاسد أثناء دعوتهم، فقد ظن أناس أن هجر المبتدع حكم شرعي لازم كملازمة المسببات لأسبابها، وهو بمنزلة الحد أو هو كالبراء، والواقع أن هجر المبتدع كغيره من عقوبات المبتدعة وأهل المنكرات من المصالح المرسَلة التي تقدر بقدرها، ويعمل بها حسب الحال.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- مبيناً اختلاف الناس في أخذهم بعقوبة هجر المبتدع: (إن أقواماً جعلوا ذلك عاماً فاستعملوا من الهجر والإنكار ما لم يؤمروا به مما لا يجب ولا يستحب، وربما تركوا به واجبات أو مستحبات وفعلوا به محرمات، وآخرون أعرضوا عن ذلك بالكلية؛ فلم يهجروا ما أُمِروا بهجره من السيئات البدعية، بل تركوها ترك المعرض لا ترك المنتهي الكاره ... ولا يعاقبون بالهجرة ونحوها من يستحق العقوبة عليها، فيكونون قد ضيعوا من النهي عن المنكر ما أمروا به إيجاباً أو استحباباً ... ودين الله وسط بين الغالي فيه والجافي عنه) (1).
2 - كما أنه لا يجوز اتخاذ موقف سلبي من مسلم بسبب أمور وقع فيها إلا بعد أن يغلب على الظن أنها بدعة، أو معصية، من خلال معرفة كون ذلك العمل أو الأعمال بدعة فعلاً أو معصية؛ فإن جملة من الخلافات التي تقع بين الناس في المسائل الشرعية يكون سببها قصر النظر في فهم الخلاف المذهبي الفقهي، وفي الوقت ذاته توسيع دائرته ليصبح خلافاً عقدياً أو مخالفات شرعية، أو ربما كانت في أمور دنيوية ليست من الشرع أصلاً (2).
فينبغي للمسلم أن يعرف مفهوم البدعة وماذا يشمل؟ فإن الحكم على الشيء فرع عن تصوره.
3 - كما أنه لا بد من العدل مع المبتدعة حتى يكون ذلك سبباً لاستجابتهم، فإن العدل فضيلة مطلقة؛ لا تقييد في فضله؛ فهو ممدوح في كل زمان، وكل مكان، وكل حال، ممدوح من كل أحد، مع كل أحد، بخلاف كثير من الأخلاق فإنه يلحقها الاستثناء والتقييد، ولهذا اتفقت على فضله الشرائع والفطر والعقول، وما من أمة أو أهل ملة إلا يرون للعدل مقامه.
وبالعدل تحصيل العبودية لله وحده، وبه تُعطى الحقوق، وتُرد المظالم، وبه تأتلف القلوب؛ لأن من أسباب الاختلاف الظلم والبغي والعدوان، وبه يُقبل القول، أو يعذر قائله، وبه تحصل الطمأنينة والاستقرار النفسي، فالخلاف مضيق لآراء الناس ومواقفهم، وعند المضايق يذهب اللب، وإذا ذهب اللب فلا تسأل عن ضياع حقوق المخالف؛ بل ضياع الحق نفسه في أحيان كثيرة، ففي الوقت الذي ندين لله تعالى ببغض المبتدع واستيقان استحقاقه للعقوبة نلزم أنفسنا بما ألزمنا الله به من العدل والإنصاف؛ فالعدل منهج شرعي في كل شيء، على أن العدل المحض في كل شيء -كما يقول شيخ الإسلام- متعذر علماً وعملاً، ولكن الأمثل فالأمثل (3).
_________
(1) مجموع الفتاوى: ج28/ 213.
(2) قضايا دعوية .. كيف نتعامل مع المبتدعة؟، لسليمان الخضير، بتصرف.
(3) مجموع الفتاوى: ج10/ 99.(1/288)
وأصل هذا قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}، [المائدة: 8]، فمن العدل ذكر ما لهم من صواب، وذلك بحسب المقام والحال، واعتبار المصالح والمفاسد؛ والجمع بين ذكر محاسن المبتدع والتحذير منه غير سائغ في كل مقام، وإفراد المحاسن بالذكر مظنة الاغترار، والاقتصار في جميع الأحوال على التحذير وذكر المثالب بخس وإجحاف، ولكن حسب ما يقتضيه المقام.
ويتمثل هذا العدل شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في حديثه عن الباقلاني الأشعري مثلاً حيث يقول: (مع ما كان فيه من الفضائل العظيمة، والمحاسن الكثيرة، والرد على الزنادقة والملحدين، وأهل البدع حتى إنه لم يكن من المنتسبين إلى ابن كُلاَّب والأشعري أجلَّ منه، ولا أحسن كتباً وتصنيفاً) (1).
وقد ألف شيخ الإسلام كتابه العظيم (درء تعارض العقل والنقل) وهو مخصص للرد على الأشاعرة، وعلى رأسهم أبو عبد الله فخر الدين الرزاي، وقد ذكره في (261) موضعاً لم يصفه فيها بلفظ شائن، ولا عبارة مقذعة، ولا سماه بالمبتدع.
4 - من كان راداً على المبتدعة فليتحلَّ بالصبر وإلا فلا يشق على نفسه وعلى المسلمين، وليكف عن الناس أذى لسانه وبنانه فهو صدقة منه على نفسه، وليس لأحد عذر في أن يرد على الباطل بالباطل، والبدعة بالبدعة أبداً.
5 - لا بد من الحرص على دعوة المبتدعة والرغبة في إيصال الحق إليهم.
6 - الرغبة في مزاحمة المبتدعة في الوصول إلى الناس، وإعطائهم الأمصال الواقية من تلك البدع وإظهار ضعف حجة المبتدع، والطمع في التأثير على أبناء ملته، وأتباعه على بدعته إذ رجوعهم إلى الحق أيسر من رجوعه إليه.
7 - الحرص على جمع الناس على كلمة سواء، وذلك أن المسلمين مأمورون بالاعتصام بحبل الله، ولا يمكن اجتماعهم على غيره أصلاً، ففي نفي زغل البدعة وأهلها تقدُّمٌ نحو تحقيق هذا المقصد الشرعي العظيم؛ وليكن ذلك بالحكمة والموعظة الحسنة.
_________
(1) درء تعارض العقل والنقل: ج1/ 283.(1/289)
8 - اغتفار زلة العلماء والدعاة الذين ثبت أن منهجهم هو منهج أهل السنة، ثم وقع منهم هفوة أو زلة أو بدعة متأولة ينبغي نصحهم والتحذير من الخطأ الذي وقعوا فيه، لكن لا ينبغي إسقاطهم بالكلية، وإخراجهم من المنهج لزلة أو هفوة، فإن العصمة ليست لأحد سوى الأنبياء، كما قال ابن القيم: (وكيف يعصم من الخطأ من خلق ظلوماً جهولاً؟! ولكن من عدت غلطاته أقرب إلى الصواب ممن عدت إصاباته) (1)، فإذا كان واجبنا أن نلتمس العذر للمسلم بصفة عامة فينبغي أن يكون لدعاتنا وعلمائنا نصيب أكبر في العذر وإحسان الظن؛ وقد أشار شيخ الإسلام -رحمه الله- إلى الأساس الذي يقوم عليه هذا المنهج وهو الموازنة بين حسنات الرجل وسيئاته، وما له وما عليه، يقول شيخ الإسلام: (إن ما ثبت قبحه من البدع وغير البدع من المنهي عنه في الكتاب والسنة أو المخالف للكتاب والسنة إذا صدر عن شخص من الأشخاص فقد يكون على وجه يعذر فيه، إما لاجتهاد أو تقليد يعذر فيه، وإما لعدم قدرته كما قررته في غير هذا الموضع) (2) وقال أيضاً: (إن الرجل الجليل الذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة وهو من الإسلام وأهله بمكانة عليا قد تكون منه الهفوة والزلة هو فيها معذور بل مأجور لا يجوز أن يتبع فيها مع بقاء مكانته ومنزلته في قلوب المؤمنين) (3) وقال الشاطبي: (زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ولا الأخذ بها تقليداً له وذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ولذلك عدت زلة وإلا فلو كانت معتداً بهالم يجعل لها هذه الرتبة ولا نسب إلى صاحبها الزلل فيها كما أنه لا ينبغي أن ينسب صاحبها إلى التقصير، ولا أن يشنع عليه بها ولا ينتقص من أجلها أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتاً فإن هذا كله خلاف ما تقتضي رتبته في الدين) (4).
وقال الذهبي: (ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه، يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه، وننسى محاسنه، ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك) (5).
9 - لا بد أن نعلم أن عبارات السلف الشديدة في حق المبتدعة خرجت في حق أهل العناد والدعاين إلى البد ع، ومن هذه العبارات ما خرج من أجل الزجر عن الوقوع في البدع والتساهل فيها، أو مع أهلها، قال ابن القيم -رحمه الله-: (كان ابن عباس -رضي الله عنهما- شديداً على القدرية، وكذلك الصحابة) (6) ومما يُظهِرُ شدة الصحابة على المبتدعة وتبرئهم منهم قول ابن عمر -رضي الله عنهما- حينما سئل عن القدرية فقال: (فإذا لقيت أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني) (7).
فينبغي على الداعية لأهل البدع أن يعرف متى يستخدم الشدة؟ ومتى يستخدم اللين؟ وما يحقق المصلحة الشرعية وما لا يحققها، فيضع الشدة في مكانها، واللين في مكانه؛ لأن إغفال هذا الأمر مضر، وكما قال المتنبي:
ووضعُ الندى في موضع السيف بالعلا ... مضرٌ كوضع السيف في موضع الندى (8).
والله الموفق للصواب.
_________
(1) مدارج السالكين: ج3/ 522.
(2) الفتاوى الكبرى: ج6/ 92.
(3) مجموع الفتاوى: ج10/ 371.
(4) الموافقات: ج4/ 170.
(5) سير أعلام النبلاء: ج5/ 271.
(6) شفاء العليل: ج1/ 29.
(7) أخرجه مسلم في الإيمان: ج1/ 28 - 102.
(8) البيت في شرح ديوان المتنبي: ج1/ 266، وفي الصبح المنبي عن حيثية المتنبي: ج1/ 42.(1/290)
بيان بشأن أحداث البحرين
18 ربيع الآخر 1432هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد
فإن رابطة علماء المسلمين تتابع ما يقع في البحرين من أحداث مؤسفة، اعتدى فيها المتظاهرون من الشيعة على أهل السنة من رجال أمن ومقيمين عزل في مملكة البحرين بالضرب والقتل بصورة وحشية، وإننا في رابطة علماء المسلمين إذ نستنكر هذه الأفعال نود بيان الأمور الآتية:
1 - إن أحداث مملكة البحرين لا تشبه ما حصل في مصر وتونس بحال من الأحوال، فإن ما حدث في تلك الشعوب ثورات سلمية تطالب بالحرية والكرامة، واتفق على ذلك جميع الشعب؛ أما ما يحدث في مملكة البحرين فهي فتنة طائفية تستهدف القضاء على الوجود السني فيها حكومة وشعباً، وأغلب الشعب يرفضها.
2 - تدعو الرابطة جميع المسلمين في العالم إلى توخي الدقة في تلقي الأخبار عن أحداث مملكة البحرين وعدم الاعتماد على القنوات الطائفية التابعة لحزب الله في لبنان أو التابعة لإيران؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَل َى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} [الحجرات: 6] كما تطالب الرابطة وسائل الإعلام والقنوات الإسلامية تسليط الضوء على حقيقة الأحداث من داخل البحرين، وإن الرابطة ليؤسفها ضعف الأداء الإعلامي الرسمي في كشف الحقائق.
3 - إن رابطة علماء المسلمين قد حذرت في بيان سابق لها من المد الصفوي في مملكة البحرين، وقد كشفت الأحداث حقيقة ما حذرت منه الرابطة من تدخل إيران بشكل سافر في البحرين وبقية دول الخليج.
4 - إن الرابطة استبشرت خيراً بتعاون دول الخليج في إرسالهم لقوات درع الجزيرة -حسب الاتفاق للدفاع عن أي دولة من دول الخليج - لمواجهة هذا المخطط الصفوي الذي يريد أن يجعل من البحرين بوابة ينطلق منها إلى بقية دول الخليج؛ وقد أمر الله بالتعاون على البر والتقوى بقوله، {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى} [المائدة: 2]، ودخول قوات درع الجزيرة إلى مملكة البحرين يندرج ضمن هذا الأمر، ولا يعد احتلالاً كما يصوره أنصار المد الصفوي في العالم، كما تدعو الرابطة دول الخليج لتكوين وحدة خليجية تنضم دولهم في سلك واحد لمواجهة مثل هذا العدو الصفوي.
5 - إن رابطة العلماء لتدعو أهل السنة إلى التلاحم وتحذر السنة والقبائل العربية على وجه الخصوص من الهجرة من البحرين فإن في هذا إضعاف لأهل السنة وإضاعة لأرضهم.
6 - تدعو رابطة العلماء حاكم البحرين إلى الحزم في عقوبة كل من يثبت تورطه في الأحداث، وعدم العفو عنهم حتى يرتدع الجاني ويخاف المتربص وحتى يذهب ما في قلوب أهل السنة من الحزن والضيق {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 14].
7 - إن الاستقالات الجماعية التي حصلت من الشيعة في شتى أعمالهم ومناصبهم في مملكة البحرين لترشد اللبيب إلى أهمية البعد عن اتخاذهم بطانة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [آل عمران: 118] لذا فإننا ندعو ملك البحرين إلى عدم اتخاذهم مستشارين وتوليتهم بمناصب مؤثرة في أي حكومة ولكم في أهل السنة غنية وكفاية، ولكم في التاريخ عبرة وعظة.(1/291)
8 - تدعو الرابطة حكومة البحرين وشعبها للرجوع الى الله انطلاقا من قوله تعالى (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ... )، وذلك بتحكيم شرع الله وإزالة أوجه الفساد من خمر ومراقص وغيرها، ورفع الظلم وإقامة العدل؛ فما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع إلا بتوبة.
9 - حثنا النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذه الفتن على الإكثار من العبادة؛ فقال صلى الله عليه وسلم (العبادة في الهرج - يعني الفتن- كهجرة إلي) [أخرجه مسلم]، والعبادة في خضم هذه الأحداث والفتن تفيد فائدتين عظيمتين؛ أولاها: أنه تستنزل البركات من السماء وتنشرها في الأرض (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض)، والثانية: أن العبادة سبب للهداية والتوفيق في مثل هذه الفتن التي تختلط فيها الآراء وتزيغ فيها العقول ولا يعرف فيها الحق من الباطل.
10 - نذكر أهل السنة في البحرين بأهمية تلمس أوجه الخير في الحدث ـ وهي كثيرة- ونشرها بين الناس فإن ذلك يرفع من معنوياتهم، وأن يجتنبوا كل ما يثبط الناس ويخذلهم في مواجهة عدوهم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يبشر بملك كسرى وقيصر وهم محاصرون في غزوة الخندق.
نسأل الله أن يحفظ أهل السنة في البحرين وفي كل مكان، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
رئيس الرابطة الأمين العام للرابطة
الشيخ الأمين الحاج د. ناصر بن سليمان العمر(1/292)
البيان الختامي للمؤتمر الأول لرابطة علماء المسلمين
رابطة علماء المسلمين
28 ربيع الأول 1432هـ
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
أما بعد،
فقد انعقد المؤتمر الأول لرابطة علماء المسلمين باسطنبول في الفترة من 27 - 28 ربيع الأول من عام ألف وأربعمائة واثنين وثلاثين من الهجرة يوافقه 2 - 3 مارس من عام ألفين وأحد عشر ميلادية، وحضره أكثر من مائة عالم وداعية من خمس وثلاثين دولة.
وكان عنوان المؤتمر: ((العلماء ونهضة الأمة)) وقد عقدت بالمؤتمر خمس جلسات في موضوعه، ألقيت فيها خمس عشرة ورقة، وأقيمت أربع ندوات مصاحبة للمؤتمر حول ما يشهده العالم الإسلامي من تغيرات ومطالبات شعبية بالإصلاح. وانتهى المؤتمرون إلى توجيه هذا البيان إلى الأمة الإسلامية:
أولاً: إن صلاح الأمة الإسلامية مرهون بصلاح العلماء والحكام فهم ولاة الأمر وقادة البلاد وقدوة العباد، وإن إحياء الربانية في الأمة فريضة شرعية، وضرورة مجتمعية، وطريق قاصد للإصلاح ومنطلق أصيل لتحقيق النهضة في جميع المجالات.
ثانياً: إن تجديد هذا الدين والحفاظ على وحدة المسلمين وتعزيز القيم الإسلامية، ورعاية الحقوق الإنسانية، والحريات المنضبطة بالضوابط الشرعية، وقيادة الأمة وإرشادها في مهماتها وملماتها، منوط بأهل العلم الربانيين.
ثالثاً: إن نهضة الأمة المسلمة اليوم تنطلق في بواعثها من كمال دينها وشمول وسعة مفهوم العبادة والعمل الصالح، وعقيدتها الصحيحة وشريعتها السمحة، وخيريتها التي سطرتها كلمات الوحي، وأكدتها صفحات التاريخ والحضارة الإسلامية التليدة.
رابعاً: على الأمة الإسلامية اليوم أن تعي حجم التحديات الكبرى التي تواجهها والتي تمنع تقدمها نحو نهضتها وسؤددها؛ فبالعلم والسنة تواجه الجهل والبدعة، وبالتسلح بالفقه والوعي تواجه المكائد والمخططات الداخلية والخارجية، وبالأخذ بالعلوم المعاصرة والاستفادة من التقنية تتحقق التنمية الشاملة ويقضى على التخلف.
خامساً: على أهل الحل والعقد في الأمة من العلماء العاملين ومن اتبعهم من الولاة الصالحين التصدي للاستعمار الغربي والاحتلال الأجنبي لبلاد المسلمين وإنهاض الأمة لاسترداد عزتها والمفقود من كرامتها بإحياء فقه الجهاد وإقامته في مواطنه المشروعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقبل ذلك وبعده العودة إلى تحكيم الشريعة الإسلامية وتعظيمها، قال تعالى ((إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه)).
سادساً: يطلب من علماء أهل السنة في كل قطر أن تجتمع كلمتهم، وأن يتحد صفهم في إقامة الدين، والاحتساب على الظالمين وإنصاف المظلومين ونصح الحكام، عبر جهات وهيئات شرعية، وروابط دعوية وعلمية مستقلة عن أنظمة الاستبداد والفساد، والتي تسلطت على حريات العباد بالسجن والاعتقال بغير تهمة أو محاكمة.
سابعاً: لقد اتجهت الأمة الإسلامية اليوم بكل فئاتها نحو التغيير إلى الأفضل وتحقيق الإصلاح بما لا يجوز تعويقه ولا الإبطاء في إنجازه، وهذه المطالبات السلمية المنضبطة لا تعد خروجا على الشرعية ولا مخالفة للشريعة الإسلامية.
ثامناً: يعتبر الظرف الراهن فرصة مواتية لالتحام الأمة بعلمائها، وتحقيق إصلاحات جذرية تشمل الاحتكام إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وهما ضمانة تحقيق العدالة الاجتماعية، وضبط مسيرة السياسات التعليمية والإعلامية والاقتصادية في الأمة على حد سواء.
تاسعاً: تحيي الرابطة إنجازات الأمة الإسلامية في تونس ومصر وغيرهما من بلاد الإسلام، وتذكر بأن التغيير الحقيقي هو ما يبدأ من القلوب توبة إلى الله، واعتصاماً بهداه، وتهيب بكل القوى السياسية والاجتماعية أن تقوم على تحقيق الصلاح ومحاربة الفساد بكل صوره، واختيار خير من يقوم بالأمانة بدون مزايدة أو شعارات جوفاء، قال تعالى: ((إن خير من استأجرت القوي الأمين)).
عاشراً: تقف الرابطة خلف جهاد الشعب الليبي للتحرر من نظامه الفاسد وقائده الخارج عن الإسلام الباغي على أهله، وتدعوهم للصبر والمصابرة حتى يقطع الله دابره، قال تعالى: ((ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله)).
حادي عشر: تحذر الرابطة من المد الصفوي والانخداع بشعاراته المضللة في البحرين وغيره. وتدعو أهل السنة حكومة وشعباً إلى إقامة العدل ومحاربة الظلم والاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -.
ثاني عشر: العلماء الصالحون في كل بلد هم مرجعية الأمة في نوازلها وعنهم تصدر الأمة في مواقفها، والأصل ألا يفتئت عليهم أحد. والمناصحة واجب شرعي وعمل مرضي، فعلى أهل اليمن والشام وسائر بلاد الإسلام أن يجتمعوا على فتاوى علمائهم وهيئاتهم الشرعية، وأن يقووا كلمتهم.
والله نسأل أن يكتب التوفيق للمسلمين، وأن يلهمهم الصواب والسداد في القول والعمل.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين،
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(1/293)
العلماء .. وقصور الرسالة!
(الحلقة الأولى)
عبد العزيز الطريفي
24 ربيع الأول 1432هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
من أظهر أسباب قصور النتائج الجهل بحقيقة الذوات، وعدم إدراك ميزانها.
وحصر منافع الأشياء أو قصرها على بعض وجوهها واستعمالاتها، تعطيل لنتائج تعظم وتحقر بحسب المفقود من قيمتها، وهذه سنة كونية، نراها حتى في مخلوقات الله المادية، فالمعادن وكنوز الأرض كانت بين يدي الإنسان منذ أول الخليقة، فهو لم يصنع الطائرة والتقنيات من عدم، ولكنه حينما جهل حقائق الماديات ووجوه الانتفاع منها أثر هذا على نتائجه من قصور مادي شديد إلى حضارة مادية كبيرة، فمعدن الطائرة والتقنية هو المعدن الذي كان بين كفي الإنسان يشرب به ويأكل وغير ذلك من الاستعمالات، فالمادة هي المادة والإنسان هو الإنسان ولكن العلم بحقائق الذوات قاصر، فقصرت النتائج.
وهكذا العالم في كل علم مع معلوماته ورسالته ومواقعها وآثارها في الناس، وكلما توسعت العلوم وتكاثرت تداخلت وتنازعت وزاحم بعضها بعضاً حتى في فروع العلم الواحد، ويجب الإيمان أن كل العلوم في الأرض والسماء متداخلة مهما اختلفت، ولو في أجزاء يسيرة، ويغيب عن الإنسان أكثرها ويعلم القليل جداً (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً)، والعلم المطلق لله سبحانه وتعالى وحده.
إن العالم ورسالته في الإسلام دخلها الجهل بحقيقتها على عصور طويلة، فأثر ذلك على العالم في ذاته وفي مدى العلم الذي ينبغي أن يأخذه، ويؤديه ويبلغه، ونوع خطابه ورسالته، وسمته وحرفته التي يتقوت منها ويرتزق، وصلته بالناس، وعلاقته بالمادة، والسياسة وارتباطه بها، ومن جهل ذاته لم يؤد رسالته، وأخطر أنواع الجهل جهل الرجل بذاته.
لقد جاء الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوالى في ضبط الدين والدنيا وتكوين الصلة بينهما، وجاءت نصوص الوحي في أحكام الصلاة والزكاة والصوم والحج كما جاءت في ضبط البيع والشراء والتعامل مع الخلق والبهائم، وسياسة البشر والرؤساء وذوي الهيئات، والمتباينين في الديانة.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم إمام العلماء وسلطان الله في الأرض، يأمر وينهى كما أُمر ونُهي من ربه تعالى، وكانت صورة العالم السلطان مكتملة في جسد النبوة، فأثمر ذلك الأمان للأمة قال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: (أنا أمنة لأصحابي فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون).
ولهذا جاء تفسير السلف من التابعين لولي الأمر في القرآن أنهم العلماء تارة وتارة أنهم الأمراء، فهم يرون ذلك من المترادفات، لأنه في زمانهم لا يكون أمير يصدر عامة الناس عن قوله إلا وهو عالم عارف، قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) وقال تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) فسر ولاية الأمر بالعلم ابن عباس وأبو العالية ومجاهد وعطاء والحسن البصري وعكرمة.
وقد بقي سلطان الأمر والعلم في جسد محمد صلى الله عليه وسلم، ومن بعده من الأمراء كالخلفاء رضي الله عنهم، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: (أصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما توعد).
وقد أخذ هذا التركيب ينفك شيئاً فشيئاً، حتى انفصل الأمر عن العلم، وأخذ السلطان يأمر وينهى بسياسة وقصور علم، وانزوى العالم وأخذ يأمر مع قصور في السياسة، فيرى السلطان ما لا يراه العالم، ويعلم العالم ما لا يعلمه السلطان.(1/294)
وأي اختلال للأمان في الأمة، واضطراب في المجتمعات، فهو بسبب القصور في فهم العالم ورسالته، وانقسام جسد الأمر إلى عالم في جسد، وسلطان في جسد، وانفرد كل واحد منهما بشطر الرسالة، والعملة لا ينفصل أحد وجهيها عن الآخر وتَنْفُق على وجه صحيح في سوق الدين والدنيا.
وقد أحدث هذا الانفكاك فساداً في بعض أنواع العلماء وبعض أنواع السلاطين، ليكتمل وجه القصور في دولة الإسلام دولة الدين والدنيا، فيُحابي العالم في علمه ويترخص للسلاطين مظالمهم، وأخذ السلطان يُميْل إليه وجه العالم ليشتري منه الرأي ليكتمل النقص المفقود عنده وهو العلم والتشريع، فيضعُف العالم فيعطي السلطان رغبته ليكتمل له الأمر المفقود وهو نفوذ الجاه والأمر على الناس لقربه من السلطان.
وقد كان العلماء العارفون من السلف يُدركون أثر هذا الانفكاك، روى الدارمي في سننه عن الزهري قال: كان من مضى من علمائنا يقولون: نشر العلم ثبات الدين والدنيا، وفي ذهاب العلم ذهاب ذلك كله.
وهذا الانفكاك يزداد بقصور السلطان عن تحليه بالعلم، واكتفاؤه بثبوت الطاعة وتحققها، وبقصور العالم عن فهم السياسة ومصالح الناس في الأموال والحقوق، واكتفاؤه ببراءة الذمة لأنه يرى أن ذلك ليس من شأنه.
وهذا الانفكاك لا يُلغي أهلية العالم عن إكمال المنفك منه ليصدر قوله عن رأي نافذ ناضج، ولا يُلغي أهلية السلطان عن إكمال المنفك منه ليصدر حكمه وأمره ونهيه عن علم محكم، ولا يُلغي أيضاً السمع والطاعة بالمعروف للآمر عالماً أو سلطاناً، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يُنبِّيء في كثير من الأخبار ضمناً على انفكاك الأمر في الأمة واختلال نظر العامة في فهم وجهته، وهذا يُفهم كثيراً من حثه على السمع والطاعة في المنشط والمكرة بالمعروف مع إخباره بفساد الآمرين، ولذا قال عبادة بن الصامت رضي الله عنه: (دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان)، وهذا الاستثناء في الحديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً) إشارة إلى البعد في انفصال العلم عن السلطان بُعداً يستوجب توحيد الكلمة ما لم يبلغ الكفر.
والطاعة لولي الأمر إنما جاءت في النصوص قوية في آخر الزمان مع فساد الأمر لأجل بيان ثبوت هذا الاختلال في الأمر، وأن ضبط الموازين والجمع بين هذه المفترقات الدقيقة أمر يفوق إدراك العامة ودهماء الناس، ومخاطبتهم بالعلاج متعذر، لهذا فيُكتفى بأمرهم بالسمع والطاعة بالمعروف، وأما العلماء فيعرفون حقيقة الرسالة التي حملوها، وتوجيه الناس بها كل زمن بحسب علمائه.
وإن من وجوه الخطأ أن يُدخل العالم نفسَه في خطاب العامة، فينزوي عن فهم حقيقة رسالته ومهماته، وماذا أنيط به من واجبات تجاه الناس وأحوالهم، ومحاولة إتمام القصور في الأمة وغرس الأمان فيها، وأظهر وجوه قصور العالم التي نراها اليوم:(1/295)
أولاً: التغافل عن عموم الرسالة، وشمول خطاب الوحي في ضبط الدين والدنيا، وحصر العناية بالأحوال والأفعال والعلوم التعبدية الخالصة مما يُشترط فيها النية لحصول الثواب ورفع العقاب، كالصلاة والصيام والحج والذكر ونحوها، وتصحيح وجوه الخطأ والابتداع فيها، وأمر الناس بذلك وأطرهم عليه، ونهيهم عن الترك، وتغافل العلماء عن ضبط دنيا الناس، والاحتراز لأموالهم وصونها من العبث، وأخذها بالظلم والسلب والاختلاس، وما يتعلق بحقوقهم فيما بينهم، وتعاملاتهم في شأنهم كإصلاح ذات البين، وغشيان نواديهم، قصور في فهم الرسالة، وخطاب الوحي وميثاق الله المأخوذ عليهم، وقد أورث هذا اغتراباً في الأفعال وعزلاً للعالم وسلوكه في باب من أبواب العمل والتكسب، والترفع عن مخالطة العامة بالتكسب بالحرفة والصناعة وعمل اليد، والمتاجرة في الأسواق، بدلاً من ترقب يد من يستميله إليه فيعطيه ويمنعه.
ويوسف عليه السلام ولج إلى تصحيح دنيا الناس، لعلمه بها وخبرته السابقة بذلك لذا لما طلب إدارة خزائن الأرض قال: (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم) يرى استحقاقه لذلك بسبب الحفظ وهو الأمانة وكذلك العلم وهو معرفة أمر المال وشأنه وتدبير أمور الناس المالية.
وانشغال العالم بالنوع التعبدي الخالص، والتغافل التام عن الآخر أورث انفصالاً في فهم الرسالة، وتهيئةً للأفكار الداخلة على العلم في الإسلام أن الدين والدنيا منفكان عن بعضهما، وأصبح تغافل كثيرٍ من العلماء عن حياة الناس وشأنهم، أرضاً تنبت عليها الأفكار المادية كالعلمانية والليبرالية والشيوعية الاشتراكية لأنها بديلٌ في ضبط دنيا الناس عند فساد دنياهم من ظلم ظالم وقهر قاهر، وربما كان انشغال العالم بشطر رسالته مسوغاً لاستنكار دخول العلماء العارفين في ضبط حياة الناس والعناية بشأنهم، وينتج عنه أن وَجد رموز الفكر العلماني بيئة الإسلام منفكة إلى أصحاب دين وإلى أصحاب دنيا، فاحتاجوا إلى تنزيل الأسماء فحسب، من غير حاجة إلى فصل الأفعال.
وأصبح هذا القصور دعوة مؤيدةً لتصنيف العلماء وتحزيبهم، وربما اضطرب العلماء الداخلون في مصالح الناس في معرفة الوجه الصحيح لموقفهم، بسبب عزلتهم عن مسالك غيرهم من العلماء، فيشعرون بالغربة والعزلة، ومع طول عهد يضعف في كثيرٍ منهم التدين، ويبقى الدين والورع ملازماً لكثيرٍ ممن نأى بنفسه، فتضطرب العامة في فهم الطريق الصحيح إلى أي العلماء يسلك وبأيهم يقتدي.
والعالم وإن انفك عنه السلطان في الأمر ينبغي أن يُكمل ما نقص من أمر السلطان في الأرض فيكون له عوناً إن غفل أو تغافل أو ظلم ببينة ومكابرة ويكون ذلك بالبيان ومقتضى الحال بالمعروف والحسنى، لا بالمنازعة والمغالبة في كل حال لأن ذلك قد يفضي إلى إضاعة الأمر كله بعد أن ضاع شطره.
وإنما تضعف منزلة العالم في الناس إذا انشغل عن دنياهم.
ثانياً: الخلط بين زهد العالم في حفظ الماديات لنفسه، وزهده في حفظ الماديات للناس، وكثيراً ما لا يتم التفريق بين المقامين، فزهد العالم في الدنيا لنفسه محمود، وزهد العالم في حفظ أموال الناس والعطاء لهم وصون حقوقهم مذموم، فالنبي صلى الله عليه وسلم لو أراد الدنيا لكان أكثر الناس مالاً وحظاً فيها، ولكن زهد فيها، ومع هذا فكان أكثر الناس حرصاً على العطاء وإغداق المال على الناس، وإصلاح ذات البين والحث على حفظ أموال الناس وتحريم أكلها.
ففي الصحيح عن أنس أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر، فقال أنس: إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها.(1/296)
وكان ينتصر لحق الضعيف بالبيان للناس إذا أُخذ ماله ولو كان عبداً مملوكاً، فبريرة أمَة مظلومة اشترط أهلها الولاء لهم بعد عتقها لنفسها، فقام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وقال: ما بال رجال يشترطون شروطاً ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل ولو كان مائة شرط.
ومع هذا فكان زاهداً في حق نفسه ينام على حصير يؤثر على جنبه، ويقول له الصحابة: لو اتخذنا لك وطأة؟ فقال: مالي وما للدنيا ما أنا فيها إلا كراكب استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها.
بل الخوض في مصالحهم بالصلح أفضل من الانشغال بنوافل الصلاة والصيام ففي سنن الترمذي عن أبي الدرداء قال صلى الله عليه وسلم: ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة.
وهذا أكثر وقعاً على العامة أن يزهد في المال من يُعطيه، لأنه كان في يده فأوصله لغيره، ويمكنه حبسه لنفسه.
والزهد في الحديث عن حفظ أموال الناس والمجتمعات وبيان خطورة التعدي عليها ثلم عظيم في مهمة الرسالة، وكسر لمفاتيح قلوب الناس، التي لا يُدخل إليها إلا بدنياهم.
والنبي صلى الله عليه وسلم كان يُعطي الناس المال تأليفاً واستمالة لقلوبهم، ويحفظ لهم حظ الدنيا ليبقى حظ الدين، ومقتضى ذلك أن من قصر في حفظ دنياهم وتهاون مع قدرته على ضبطها، فهو مضيع لدينهم، ومن نظر إلى مصارف الزكاة الثمانية في القرآن عرف أن المقصود بدفع المال هو حفظ الدنيا ليُحفظ الدين، فلا دين إلا بدنيا.
ثالثاً: حصر التفقه في الدين على أبواب مخصوصة من العلم، ولضعف خوض العالم في دنيا الناس وأفكارهم وصونها ضعُف أخذه للعلم الذي يؤدي إلى تحقيق ما تركه وزهد فيه، فإذا بعُد عملاً وخوضاً في سياسة المجتمعات والدول والحقوق والأفكار المتعلقة بذلك، فهو سيبتعد غالباً عن الخوض في العلوم المؤدية إلى معرفتها ولو كان الجهل بها مضراً بالدين ومسوغاً للتسلل إلى نقض حماه، لهذا يُحسن كثيرٌ من العلماء المعاصرين معرفة الطوائف والفرق السالفة لوجودها في بطون الكتب، ويعرف حجج أهلها ونقضها، ولكنهم ربما يجهلون كثيراً من الطوائف المعاصرة التي هي أشد خطراً من الطوائف السابقة في الناس كالعلمانية والليبرالية والمدارس الفكرية المعاصرة وأثرها على عقائد الناس ودينهم ودنياهم، وإذا ظهر ضعف تفسيرهم لها، وهوان الرد عليها، قويت حجة المخالف ولو كانت ضعيفة لأن حجة العالم أضعف في العرض وإن كانت أقوى في الأصل، والسلاح براميه، فالحاذق العارف يصيب ولو بالسهم، والجاهل يخطيء ولو بالبندقية.
يتبع بإذن الله ..(1/297)
إضاءات في طريق البناء الفكري المتوازن
سلطان العميري
22 ربيع الأول 1432هـ
تمثل هزيمة حزيران سنة 67م منعطفاً حاداً في تاريخ الفكر العربي المعاصر, فقد أضحت أطياف عديدة مقتنعة بأن التخلف العربي نابع من الداخل, ومن ثم فالإصلاح والخروج من الأزمة لا بد أن يكون منطلقاً ابتدءا من القواعد الداخلية لا من المعسكرات الخارجية.
فقامت نتيجة لتلك القناعة مشاريع فكرية عملاقة متوجهة نحو التراث تبحث في مواده، وتنقب في أرضيته وتحلل في أفكاره وتفكك في مضامينه, وقطعت شوطاً كبيراً في سبيل الظفر بما يمكن أن يكون مخلصاً للأمة العربية مما هي فيه من أزمات, وقد تنوعت تلك المشاريع في مناهجها ومبادئها ومنطلقاتها, وبالتالي في نتائجها ومستخلصاتها.
ثم شهد الفكر العربي منعطفا حادا آخر جعل لتلك المشاريع حضوراً مكثفاً في الوسط الثقافي, وانتشاراً واسعاً لدى الأجيال الشبابية, وغدت تمثل المادة الفكرية التي يبنى عليها ما يسمى بالفكر العربي, فأول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع هذا المصطلح (الفكر العربي) هو تلك المشاريع التي انصبت على التراث الإسلامي بمناهجها المختلفة, مع أن الفكر العربي أوسع منها بكثير!
وذلك راجع إلى أن تلك المشاريع نالت نصيباً عالياً من الدعوة، وحظاً وافراً من الترويج، وقدراً كبيراً من الاستدعاء والتجميل والتحسين .. مع خلو الساحة الفكرية من المشاريع المنافسة التي تلبي حاجيات العقول المتسائلة.
وهذا النوع من الدعوة عادة ما يؤدي إلى حالة فقدان التوازن في عقلية المتلقي لتلك المشاريع, فهي توصل إلى استغراق عميق في تلقي الأفكار المتضمنة, وتؤول إلى ضعف شديد في الحاسة النقدية لدى المتلقي, وتنتهي إلى خفوت ظاهر في ثوران التساؤلات المشروعة حول منهجية البحث وآليات التحليل المتبعة في تلك المشاريع.
فإذا اجتمعت هذه الأحوال النفسية مع ما تعانيه تلك المشاريع نفسها من إشكاليات معرفية وتسربات منهجية طافحة, فإنه سيؤدي بالضرورة إلى إحداث أضرار جسيمة في كيان الفكر العربي المعاصر, ليس أقلها شيوع التقليد, واختفاء النقد والتجديد، وضحالة الحيوية والإبداع, وتحريف الحقائق وتضليل المفاهيم.
والأساسات البنائية للمسيرة الفكرية تبنى على الانفصال التام في عقلية القارئ عن تلك المشاريع, وتتطلب الحرص الشديد على التوازن في التعامل معها, وتتطلب أيضا الوعي بالتساؤلات المنهجية التي تحاكم إليها المواد المكونة لها, وتستوجب استحضار الإشكاليات النقدية التي تضفي على ذهنية المتلقي والقارئ الاستقلال وعدم الذوبان في أودية تلك المشاريع.
ومن المهم أن نشير إلى أن الخطابات المنصبة على التراث مكونة من مواد معرفية ثلاث, وكل مادة منها تدور حولها تساؤلات نقدية تحتاج إلى أجوبة واضحة ومحددة, وتتطلب فحصاً منهجياً ومعرفياً صارما.
أما المادة الأولى: فهي الآليات والمناهج التي تمثل الأرضية والقاعدة الصلبة للعملية النقدية, والغالب عليها أنها مستعارة ومنقولة من الفكر الغربي, وهذه المادة تتطلب الفحص المعرفي من جهات عديدة:
1 - التحقق من إمكانية نقل المناهج الفكرية من محاضنها الأصلية إلى محاضن أخرى مختلفة عنها في الخلفيات والطبيعة والتاريخ.
2 - التحقق من اكتمال بناء تلك المناهج والانتهاء من جميع متطلباتها, والتأكد من أنها في محضنها الأصلي انتهت من طور البناء والتكميل.
3 - التثبت من فهم الناقل لها، واستيعابه لمضمونها، وإدراكه لحقيقتها ولمسارها وتفاصيلها ومستلزماتها.
4 - التحقق من سلامة تطبيق المستعير وتنفيذه لأجندتها على الأرضية الأخرى بشكل يتوافق مع مقتضياتها.(1/298)
5 - التأكد من صحتها في نفسها واستقامتها، وانضباطها في مقدماتها ومراحلها, والتحقق من المواقف النقدية التي أقيمت حولها في الأرضية الأصلية.
وأما المادة الثانية: فهي المادة التراثية, وتعد بمثابة المواد الخام التي تطبق عليها تلك المنهجيات والآليات, وهي تتطلب الفحص المعرفي من عد جهات:
1 - البحث في نوع المصادر والمراجع التي تم الاعتماد عليها في الوصول إلى المادة التراثية, والتأكد من قيمتها العلمية.
2 - التحقق من صحة المادة التراثية وسلامتها من الخطأ والتحريف.
3 - التوصل إلى كيفية التعامل مع المادة التراثية وإجراءات العرض لمحتواها.
4 - التثبت من فهم المادة التراثية بشكل صحيح، والإدراك الصحيح لمضمونها الحقيقي المتوافق مع منظومتها المعرفية.
5 - التأكد من استيعاب جميع الشواهد التراثية التي لها ارتباط وعلاقة بموضوع البحث.
وأما المادة الثالثة: فهي النتائج المعرفية التي تم استخلاصها, وهذه المادة تتطلب الفحص من عدة جهات:
1 - مدى اتساق النتيجة مع العقل، واستقامتها مع مبادئه وأصوله الفطرية.
2 - مدى توافق النتيجة مع التاريخ التراثي, واتساقها مع طبيعته ومجرياته ومراحله ومشاهده وتطوراته.
3 - مدى موافقة النتيجة لأصول الشريعة, ومطابقتها لمقتضيات دلالات النصوص الموثوقة.
الخطابات المضادة:
وقد شهد الفكر العربي في المقابل نمواً ظاهراً لخطابات قامت بالفحص المنهجي لتلك المشاريع، ومارست عمليات نقدية هامة كشفت فيها عن الأخطاء المعرفية التي تشربتها, وأظهرت مواطن الخلل الفكري التي استشرت في جسدها, وأثارت حولها تساؤلات منهجية تضرب في الأعماق, وقامت بمساءلة معرفية جادة للمنهجيات والآليات المتبعة فيها, ومارست عمليات تمحيصية علنية لموادها المعرفية ونتائجها الفكرية.
وقد تنوعت تلك الخطابات المضادة, فمنها ما هو متضمن في غيره, سواء كان ذلك الغير مؤلفات بحثية عامة أو مجلات علمية, ومنها ما هو مستقل بنفسه, وهذا النوع منه ما هو خاص بفحص اتجاه أو مشروع محدد, كمثل النقد الذي قام به جورج طرابيشي لمشروع الجابري, أو النقد الذي قام به لنقد مشروع حسن حنفي, وكمثل النقد الذي قام به طيب تيزيني لنقد مشروع الجابري, ومنها ما هو عام يتناول القضايا المنهجية في التعامل مع المشاريع الحداثية بشكل عام.
ويبرز التنوع فيها أيضا من جهة أخرى, فقد اشترك في تلك العملية التمحيصية أطياف مختلفة منهم من يدين بدين الإسلام ومنهم من يدين بدين النصرانية, ومنهم الإسلامي ومنهم العلماني, ومنهم من هو بين بين, فكل هؤلاء جمع بينهم النقد الموجه إلى الخطاب الحداثي المسلط على التراث الإسلامي.
وإبراز تلك الخطابات وتسليط الأضواء على مضامينها من أقوى ما يحدث التوازن الفكري في التعاطي مع تلك المشاريع العملاقة, ومن أصلب ما يؤدي إلى تنمية الوعي النقدي لدى القارئ بشكل ناضج وقوي.
وسنقوم بعرض جملة من تلك الخطابات التي توجهت إلى المشروع الحداثي بالنقد. ولا بد أن ننبه على أن اختيار مؤلف بعينه لا يعني تأييد كل ما جاء فيه من أفكار, ولا يتعرض لاتجاه مؤلفه بمدح أو ذم, وليس القصد من عرضه بيان كل ما تضمنه, ولا عرض لكل أفكاره, ولا مدح لطريقة البحث ومنهجيته ... كل هذه الأمور غير مقصودة .. وإنما المقصود توضيح فكرة الكتاب بشكل مختصر جدا، وإبراز بعض المضامين النقدية التي اشتمل عليها .. حتى يتسنى الاستفادة منه بالقدر المناسب.
الكتاب الأول: إشكالية تأصيل الحداثة في الخطاب النقدي العربي المعاصر, ومؤلفه: عبد الغني بارة.(1/299)
وقام هذا الكتاب بتسليط الأضواء على الصعوبات التي تقف في طريق توضيح مفهوم الحداثة وتأسيسها, واحتوى على مناقشة مطولة لقضية استعارة المناهج الغربية, وبيان الإشكاليات المنهجية والمعرفية التي ترتبط بها, واحتوى أيضا على حشد نصوص كثيرة تضمنت اعترافات عدد من كبار المفكرين العرب بالأزمة المنهجية التي يعشها الخطاب العربي جراء الاقتراض الشديد من الفكري الغربي.
وتضمن الكتاب أيضا أوجه نقدية هامة وجهها عدد من المفكرين العرب إلى خطاب الحداثة تتعلق ببنية المناهج والآليات التي تم تفعليها في مشروعهم.
الكتاب الثاني: القراءة الجديدة للنص الديني, ومؤلفه: د. عبد المجيد النجار.
احتوى هذا الكتاب على مادة شرعية وتاريخية، تم التأصيل من خلالها لطبيعة النص الديني والتأكيد على أنه نص إلهي, وليس مجرد منتج ثقافي, وقرر من خلالها موثوقية النص الديني وسلامته من النقص ودخول الخلل فيه, وأوضح موضوعية النص الديني واستقرار دلالاته ومعانيه ومضامينه الحكمية.
وأبان عما في القراءة الجديد التي قام بها الخطاب الحداثي من إشكاليات منهجية ومخالفات دينية وتجاوزات للمبادئ العقلية وقفز على الحقائق التاريخية.
الكتاب الثالث: استقبال الآخر, الغرب في النقد العربي المعاصر, ومؤلفه: سعد البازعي.
ويقدم هذا الكتاب صورة للنقد العربي المعاصر, ويكشف عن التحديات والمشكلات التي يعاني منها, ويؤكد على أنها أكثر من المنجزات وأوسع منها.
واستهل الكتاب بشرح معالم الإشكاليات المنهجية في الخطاب العربي, وكشف عن مقدار التهالك والارتماء في أحضان الفكر الغربي، ودرجة الإعجاب والتقليد التي وصل إليها.
ثم أكد على أهمية الخصوصية السياقية للنقد الغربي, وعلى ارتباطها العضوي بالأرضية التي نبتت فيها.
وقدم الكتاب مادة نقدية قوية, يمثل الوقوف عليها ترسانة هامة في التعامل مع الخطاب العربي المعاصر .. فقد حشد مواقف عدد من كبار المفكرين العرب الذين وقفوا ضد الاقتراض المحموم من الفكري الغربي, وكشف عن أن عددا من المناهج المستعارة لم تكتمل بعد في موطنها الأصلي, وأبان عن الأغلاط التي وقع فيها المقترضون حين نقلوا المناهج الغربية, سواء في فهمها، أو في نقلها، أو في تصويرها, أو في مقدار وطريقة اقتراضهم, وأوضح أيضا الآثار العلمية التي تنتج عن الاستهلاك للمنتج الغربي.
الكتاب الرابع: التيار العلماني الحديث, وموقفه من تفسير القرآن, ومؤلفه: منى الشافعي.
يظهر في هذا المؤلف استغراق في العرض، ويظهر فيه خفوت في تحليل مقالات العلمانية وتحرير مواقفهم, وكثرت فيه المباحث الاستطرادية.
ومع هذا فقد كشف تشكيك الخطاب العلماني في مصدرية القرآن وثبوته، وأظهر مقدار التحريف الذي مارسه على التفسير، والتجاوزات المنهجية التي وقع فيها.
وكشف أيضا عن المراوغة العلمانية في نشر أفكارهم، وشرح طريقتهم وأساليبهم في إضفاء الشرعية عليها, وأبان عن التجاوزات في المادة التراثية التي قام العلمانية بتحليلها، وأوضح الخلل المنهجي الذي وقعوا فيه.
وأزال الغطاء عن غياب الموازين، وتحديد المعايير العلمية في التعامل مع المواد التراثية والشرعية.
وجمع الكتاب قدراً كبيراً من التناقضات المعرفية التي وقع فيها بعض الخطاب العلماني.
الكتاب الخامس: العلمانيون والقرآن الكريم, ومؤلفه: د: أحمد الطعان.
ويعد هذا الكتاب موسوعة ضخمة, جمع فيه مؤلفه قدراً كبيراً من تقريرات الخطاب الحداثي ومواقفهم, وحشد فيها جملة كبيرة من نصوصهم ومقالاتهم, وهو يعد خزينة كبيرة تقدم خدمة عالية لمن يقصد الوقوف على حقيقة المشروع الحداثي, ولكن ذلك الجمع على حساب النقد والتمحيص, فقد بدت هذه المهمة خافتة.(1/300)
وقد كشف الكتاب عن تناقضات عديدة وقع فيها الخطاب الحداثي, وكشف أيضا عن الانتقائية في التعامل مع التراث, وتصفية بعضه لحساب بعض, كما فعل مع الشافعي لحساب الشاطبي.
وأشار إلى عمليات التزوير التي مورست في الأحداث التاريخية والفكرية, وأشار إلى شذوذات مورست خرج بها الخطاب الحداثي عن المعقول وعن قطعيات الشريعة, وقام بعملية نقدية احتوت على المقارنة بين المادة التراثية كما هي في المصادر الأصلية وبين حضورها في المنتج الحداثي, وأبان مدى التخليط الكبير الذي وقع.
وشرح الطريقة الخاطئة التي مورست في الاقتراض من الفكر الغربي, مما يجلي ظاهرة الاستلاب الفكري الذي يعيشه الخطاب العربي بشكل ظاهر.
الكتاب السادس: تجديد المنهج في تقويم التراث, ومؤلفه: د. طه عبد الرحمن.
يقوم هذا الكتاب على الجانب البنائي من حيث الأصل, فالمقصد الأصلي له هو اكتشاف الآليات والمناهج التي تشبع بها التراث, ومحاولة تجديدها وتسليط الأضواء عليها، وبيان فاعليتها, وكان من ضروريات العملية البنائية المرور على المشاريع التي تناولت التراث بالدرس لتقييمها وفحصها, وتقديم نظرة فاحصة حولها, انكشف من خلالها جملة من الإشكاليات المنهجية التي تعاني منها تلك المشاريع.
وكان التركيز على مشروع الجابري بشكل مكثف, لمبررات عديدة تظهر من خلال قراءة الكتاب.
وقام المؤلف بمحاكمة واسعة شملت قطاعات متعددة من مكونات النقد الحداثي, فانطلق من تأكيد جهل الحداثيين بالثراث، ودلل على ذلك, وأبرز الآفات الكبرى التي تشبعت بها مشاريعهم.
وقد أولى الآليات المنهجية التي قام عليها النقد الحداثي مزيد اهتمام, وبين أنها لا تتناسب مع طبيعة التراث العربي, وفضلا عن ذلك فإن نقلها لم يسلم من التحريف والتغيير, حيث إن الناقل لها لم يتمتع بالفهم الجيد لها ولم يستوف واجبات الترجمة والنقل, وبين أن الآليات التي اعتمد عليها الجابري لا تمثل نسقا متكاملا حيث إنها تؤدي إلى مقتضيات متناقضة.
الكتاب السابع: روح الحداثة, ومؤلفه د: طه عبد الرحمن.
أراد المؤلف في هذا الكتاب أن يؤسس لحداثة إسلامية لا تعتمد على المنطلقات الغربية، وإنما تنبع من الأصول الإسلامية, وحاول أن يشرح روح الحداثة التي يرى أنها تمثل القيم الإسلامية بشكل مكثف.
ويعد الكتاب في جملته نقداً إجمالياً لظاهرة الاقتراض من الفكر الغربي, وتقييماً منهجياً لحالة الاستهلاك الكبرى التي وقع فيها الخطاب الحداثي.
وقد عقد المؤلف فصلاً تناول فيه القراءة الحداثية للنص الديني, وكشف عن خططها واستراتيجياتها, ونقد من خلاله فكرة التأنيس للنص الديني وقطع صلته بالله تعالى, ونقد كذلك عقلنة النص وإزالة الجانب الغيبي منه, ثم تناول فكرة التاريخية التي تعد مرتكزا هامة للقراءة الجديدة بالنقد والتفكيك.
وانتهى بعد قراءة مطولة إلى أن الخطاب الحداثي يعاني من فقد القدرة على النقد، حيث إنه لم يكن لديه تصور تام للموضوع, ويعاني أيضا من ضعف التصور للمنهجيات التي نقلها, وكشف عن أنه نقل منهجيات مازالت في طور البناء ولم تكتمل بعد, وأنه نقل أفكاراً عبارة عن وسائل نقدية أشبه بالموجات الفكرية الزائلة منها بالمنجزات العلمية الراسخة.(1/301)
ولا بد من التنبيه على أن هذا الكتاب والذي قبله يتصف بالصعوبة في العبارة والتعقيد في التركيب, والدقة العالية في الترتيب، والتركيز الشديد في الألفاظ, بحيث يصعب فهمه والاستمرار في قراءته, ولكن يمكن التغلب على هذه الإشكالية بالاطلاع على كتاب "حوارات المستقبل" للمؤلف نفسه, فإن هذا الكتاب يعد كالمدخل لفكر طه عبد الرحمن؛ لأنه عبارة عن حوارات دارت بينه وبين كبار القريبين منه, وقد قرب فيها أفكاره ومصطلحاته بشكل جيد وسهل في نفس الوقت.
الكتاب الثامن: الحداثيون العرب في العقود الثلاثة الأخيرة والقرآن الكريم, ومؤلفه: د. الجيلاني مفتاح.
قام المؤلف في كتابه برصد تاريخي للخطاب الحداثي العربي, وأوضح مراحله التي مر بها, ومدارسه واتجاهاته، وأبان عن موقف الحداثيين من القرآن وعلومه, وكشف عن منهجهم في فهم القرآن, وجمع عدداً من تطبيقاتهم العقدية والفقهية, وهو في كل ذلك يقدم أوجها نقدية يكشف فيها عن الخلل الغائر في الخطاب الحداثي.
وفي تشخيص الممارسات المنهجية الخاطئة لدى الحداثيين العرب كشف عن: المجازفة وغياب الدليل, وانتشار التناقض والتصادم الكثيف, والتمويه والمراوغة, والانتقائية وغياب الاتساق, والقفز على الحقائق التاريخية, فضلا عن المجاوزة الظاهرة لقطعيات النصوص الشرعية.
الكتاب التاسع: ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر, ومؤلفه: د. خالد السيف.
قام المؤلف برصد تاريخي لظاهرة التأويل، وتتبع لمسيرته التاريخية والجغرافية, وتتبع لنموها في الفكر العربي وتطوراتها وتشكلاتها, وجذورها التي استمدت منها.
والكتاب في جملته يعد عرضاً شيقاً لأبرز الأفكار التي قامت عليها القراءة الحداثية للنص الشرعي, إلا أنه يظهر فيه الاستغراق في الشرح والبيان على حساب النقد والتفكيك لكثير من المضامين التي تم عرضها في الكتاب.
ويقف القارئ له على بيان جيد للإشكاليات المنهجية التي وقعت فيها القراءة الحداثية, ومنها: ظاهرة الإسقاط المنهجي التي لم يراع فيها التناسب بين طبيعة المناهج المستعارة وبين طبيعة الأرضية المطبقة عليها, ومنها: المبالغة والتجاوزات في ادعاء النتائج, ومنها: نقل مناهج وآليات لم تكتمل بعد ولم يحسم الأمر فيها, ومنها: الكشف عن أثر غياب التدليل على الأفكار والدعاوى, ومنها: مخالفة الأسس النظرية التي قامت عليها القراءة الجديدة للمبادئ الفطرية.
الكتاب العاشر: المرايا المحدبة, ومؤلفه: د. عبد العزيز حمودة.
يعد هذا الكتاب أول ثلاثية الدكتور عبد العزيز حمودة التي قام فيها بنقد موسع للخطاب الحداثي العربي المعاصر, والكتاب الثاني منها يحمل اسم: المرايا المقعرة, وحمل الثالث اسم: الخروج من التيه, وقد كشف فيها المؤلف عن الإشكاليات المعرفية والمنهجية المتجذرة في بنية الحداثة, وتعد هذه الثلاثية موسوعة ضخمة تحتاج إلى دراسات مطولة تكشف ما تضمنته من قيم نقدية ومبادئ تمحيصية.
ولعل من أبرز ما تضمنه كتاب المرايا المحدبة: كشفه عن أساليب الخطاب الحداثي الدعوية حيث يقصد إلى الغموض في العبارات والألفاظ، والتكلف في المصطلحات، والمراوغة المتعمدة, وإظهاره للتناقضات العديدة التي وقع فيها, واكتشافه للانتقالات التي يقوم بها الحداثيون من مشروع إلى مشروع مناقض له من غير أي مبرر, وتبيانه كيف أنهم استعاروا مناهج غربية نقدها الغرب نفسه وتجاوزها بمراحل متقدمة, وحشده للأزمات التي يعيشها الخطاب الحداثي, سواء الأزمة في المصلح نفسه، أو في نقله واستعارته، أو في فهمه واستيعابه.(1/302)
ويتضمن الكتاب أيضا جمعا للأدلة العقلية الواقعية التي يثبت من خلالها بطلان نظرية التفكيك التي نادى بها عدد من الفلاسفة الحداثيين, ويشتمل الكتاب أيضا على حشد كبير لأقوال عدد من كبار المفكرين العرب أقروا فيها بالمأزق المنهجي الذي وقع فيه الخطاب الحداثي.
الكتاب الحادي عشر: القرآن الكريم والقراءة الجديدة, دراسة تحليلية نقدية لإشكالية النص عند محمد أركون, ومؤلفه: د. الحسن العباقي.
يقف الكتاب من أول صفحاته وقفة جادة وصارمة مع المشروع الأركوني, ويواجهه بأسئلة واعتراضات شرعية وتاريخية وعقلية عديدة, يشكف من خلالها القفزات الهائلة التي وقعت من أركون في بناء مشروعه النقدي, وهو كتاب نقدي تساؤلي من أوله إلى آخره, ويكاد يستوعب المواد الثلاث المكونة للمشاريع النقدية.
فقد وقف مع أركون في كثير من المضامين المعرفية التي نسبها إلى التراث، وبين كيف أن توصيفه لها لم يكن صحيحا, وخاصة مما ادعى فيه أركون بأنها من اللامفكر فيه.
وقام بحصر تعاملات أركون مع القرآن الكريم وقدم حولها تساؤلات منهجية تضرب في العمق, وتكشف مقدار الخلل المنهجي الذي وقع فيه.
وحكام النتائج التي توصل إليها إلى العقل والمبادئ الفطرية، وكشف عن مخالفتها الظاهرة لذلك.
وأظهر في أثناء الكتاب عددا غير قليل من التناقضات التي وقع فيها أركون, وبين أبعادها على فكره ومشروعه.
الكتاب الثاني عشر: الغارة على التراث الإسلامي, ومؤلفه: جمال سلطان.
يحتوي هذا المؤلف - مع صغر حجمه - على مادة علمية جيدة تساعد بشكل كبير على انعتاق عقلية القارئ من ذلك الزخم الكبير الذي أحيطت به المشاريع الحداثية، فقد جمع عددا من الاعتبارات التي تؤكد قيمة التراث, وضرورة الصرامة المنهجية في التعامل معه، وسلط الأضواء على الأمور التي تبرز خصوصيات التراث الإسلامي عن غيره, وأشار إلى آثار القفز على هذه الخصوصية، ونبه على غياب الأبجديات المنهجية في الدراسات التراثية المعاصرة، وأولى قضية الإسقاط المنهجي اهتمام خاصة، وضرب أمثلة على التزوير التاريخي في تلك الدراسات
في تصوري أن الوقوف على هذه المؤلفات واستخلاص ما اشتملت عليه من رؤى نقدية من أقوى ما يؤسس العقلية النقدية, ومن أصلب ما يحقق التوازن الفكري في التعامل مع المنتج الحداثي. وبلا شك فهناك مؤلفات أخرى تحتاج إلى إبراز وتتطلب تسليط الأضواء عليها, ولعل ذلك يكون في مناسبات أخرى إن شاء الله تعالى.(1/303)
تهافت الفراعنة
عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
22 ربيع الأول 1432هـ
«اللهم أنت أمتَّه فاقطع عنا سُنته، فإنه أتانا أخيفش أعيمش، يمدُّ بيد قصيرة البنان، والله ما عرق فيها عنان في سبيل الله، يرجّل جمته ويخطر في مشيته، ويصعد المنبر، فيهذر حتى تفوته الصلاة، لا من إله يتقي، ولا من الناس يستحي، فوقه الله وتحته مائة ألف أو يزيدون، لا يقول له قائل الصلاة أيها الرجل، ثم قال الحسن: هيهات والله حال دون ذلك السيف والسوط» (1).
هكذا قال سيد التابعين الحسن البصري -رحمه الله- بعد أن سجد لله شكراً لما بلغه هلاك الحجاج بن يوسف (2).
ومصارع الطغاة، وزوال سلطانهم، وتهاوى عروشهم من سنين الله تعالى وآياته التي توجب التفكر والاعتبار، وها أنت تعاين أنظمة وحكومات في غاية الجبروت والبطش والاستبداد، ثم يفجؤهم الخطب فإذا هي أنظمة هشّة تتساقط كأوراق الخريف .. فالأمر كله لله تعالى، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن.
قال الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26].
لكن هؤلاء الفراعنة والطغاة ما كان لهم أن يقارفوا طغيانهم واستبدادهم إلا بوجود جماهير تمنحهم الثقة المطلقة، والاستجابة العمياء، فالشعوب التافهة في كل زمان ومكان هي التي تصنع المستبدين، وتغريهم بالطغيان (3).
وأما الشعوب التي تربى أبناؤها على الشجاعة والإقدام، فما كان لهم أن يرضوا بالهوان، أو يستكينوا للطغيان، ولسان حالهم يقول:
ولا يقيم على خسف يُراد به ... إلا الأذلّان عيرُ الحيّ والوتدُ
هذا على الخسف معقول برمُته ... وذا يشجُ فلا يبكي له أحد
وفي أحداث تونس ومصر أروع الأمثلة في دور الشعوب عموماً والشباب خصوصاً في مدافعة الفساد ومحاربة الطغيان.
يقول الأستاذ محمد الغزالي - رحمه الله -: «وقد راقبنا الثورات التي اشتعلت في أرجاء الشرق ضد الغزاة المغيرين على بلاد الإسلام، فوجدنا جماهير الشباب هم الذين صلوا حرها، وحملوا عبئها، واندفعوا بحماستهم الملتهبة وإقدامهم الرائع يخطّون مصارع الأعداء، ويرسمون لأمتهم صور التضحية والفداء.
ولا يزال الشباب من طلاب وعمال وقود الحركات الحرة، وطليعة الثائرين على الفساد والاستبداد، وقبلة المربين والمرشدين (4).
بل إن عامة هؤلاء الشباب - في تونس ومصر - لا يجمعهم حزب منظّم ولا فكر «مؤدلج» فكان خلوهم من ذلك من أسباب إقدامهم وعفوية موقفهم وصدق مدافعتهم .. وقد أدرك العباسيون هذه الحقيقة أثناء القيام بدولتهم، فبعثوا دعاتهم إلى خراسان حيث القلوب الفارغة والصدور السليمة.
فقد حكى ابن الجوزي في حوادث سنة مائة أن محمد بن علي العباسي كان يقول لدعاة الدولة العباسية: «أما الكوفة فهناك شيعة علي وولده، وأما البصرة فعثمانية ترى الكفّ، تقول كن عبد الله المقتول ولا تكن القاتل، وأما الجزيرة فحرورية، وأما الرقة فمسلمون أحلاف النصارى، وأما أهل الشام فلا يعرفون إلا طاعة بني مروان، وأما أهل مكة والمدينة فقد غلب عليها أبو بكر وعمر.
ولكن عليكم بخراسان فإن هناك الصدور السليمة والقلوب الفارغة التي لم تتقسمها الأهواء ولم تتوزعها النحل» (5).
_________
(1) أحكام القرآن للجصاص (3/ 404).
(2) انظر: كتاب المتوارين الذين اختفوا خوفاً من الحجاج لعبد الغني الأزدي (ت 409هـ) (ص 46).
(3) انظر: من معالم الحق لمحمد الغزالي (ص 239).
(4) في موكب الدعوة (ص 49).
(5) المنتظم (7/ 56).(1/304)
ومهما يكن السيل جارفاً وهادراً، فما دام أن بغيته الإصلاح واجتثاث الفساد، فلابد من البدار في مثل هذه الأحداث قبل فوات الأوان، وكما قيل «الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود» وإن على الإسلاميين أن يبذلوا قصارى جهدهم في تصحيح مسار هذه الاحتجاجات وتعديل وجهتها وفق الأحكام الشرعية والمصالح المرعية، فلا يسوغ أن نواري هويتنا الإسلامية في غمرة هذه الأحداث، ولا أن نغيّب الخطاب الشرعي المنزل لأجل أن نجامل واقعاً متردياً أو قوى أجنبية ..
كما لا يسوغ لبعض المنتسبين للعلم والدعوة أن يؤثروا الاختفاء، ويصمتوا عن واجب البلاغ المبين، والاحتساب في هذه الوقائع، فليس لهم أن يتنصلوا عن مدافعة الظلم وإقامة العدل والتعارف مع الأحرار على البر والتقوى .. وأسوأ من ذلك أن يتلفّع أولئك باعتزال الفتن ما ظهر منها وما بطن!
وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوف الفتنة من أدواء النفاق قديماً وحديثاً، وتلوث به بعض المتديِّنة في الماضي والحاضر .. وهذا ما كشفه ابن تيمية بقوله: «ولما كان في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله من الابتلاء والمحن ما يتعرض به المرء للفتنة، صار في الناس من يتعلل لترك ما وجب عليه من ذلك بأنه يطلب السلامة من الفتنة.
كما قال تعالى عن المنافقين، {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49]. وقد ذكر في التفسير أنها نزلت في الجد بن قيس لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالتجهز لغزوم الروم .. فقال: «يا رسول الله إني رجل لا أصبر على النساء، وإني أخاف الفتنة بنساء بني الأصفر فائذن لي ولا تفتني فأنزل الله فيه {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ} [التوبة: 49] يقول: إن نفس إعراضه عن الجهاد الواجب ونكوله عنه الذي زيّن له ترك الجهاد فتنة عظيمة قد سقط فيها، فكيف يطلب التخلص من فتنة صغيرة لم تصبه، بوقوعه في فتنة عظيمة قد أصابته؟
وهذه حال كثير من المتدينين يتركون ما يجب عليهم من أمر ونهي وجهاد يكون به الدين لله وتكون به كلمة الله هي العليا، لئلا يفتنوا بجنس الشهوات، وهم قد وقعوا في الفتنة التي هي أعظم مما زعموا أنهم فروا منها .. » (1).
ولم يقتصر ابن تيمية على هذا التأصيل بل أتبعه بالتحقيق والتطبيق .. فجاهد في سبيل الله، وأزال المنكرات، وأتلف الشركيات ومحاها .. بل أقام الحدود وعزر .. حتى ثار عليه بعض الذين في قلوبهم مرض، فبيّن خطأهم وأزال لبسهم فسكنوا وسكتوا (2).
وعند سقوط نظام، وخلو بلادٍ من سلطان، فإن المتعين القيام بالإصلاح حسب المستطاع، ودرء الفساد عن البلاد .. وهذا ما حرره أبو المعالي الجويني (ت 478هـ) حيث قال: «ولو سعى عند شغور الزمان طوائف من ذوي النجدة والبأس في نفض الطرق عن السعاة في الأرض بالفساد، فهو من أهم أبواب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وإنما ينهى آحاد الناس عن شهر الأسلحة استبداداً إذا كان في الزمان وزر قوّام على أهل الإسلام، فإذا خلا الزمان عن السلطان وجب البدار على حسب الإمكان إلى درء البوائق عن أهل الإيمان ..
وإذا لم يصادف الناس قوّاماً بأمورهم يلوذون به فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عمّا يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عمّ الفساد البلاد والعباد» (3).
_________
(1) الاستقامة (3/ 287 - 291) = باختصار.
(2) انظر البداية لابن كثير (14/ 19، 34)
(3) غياث الأمم في التياث الظلم (ص 386).(1/305)
فما سطّره الجويني يعدّ أنموذجاً مهماً في التعامل مع النوازل، وتحقيقاً لفقه الأزمات والأحداث الطارئة، ولئن كان نظام الطوارئ في الحكومات القمعية قد خلّف شللاً في الحياة، وخنوعاً وسلبية في المواقف والأحوال، فإن التجارب الرائدة والمبادرات العملية في تكوين اللجان الشعبية والتطوعية ونحوها من أجل إصلاح دنيا الناس ومعاشهم وتوفيراً منهم وقت الأزمات .. إن ذلك أورث تراحماً وتعاوناً واجتماعاً وتآلفاً.
وأخيراً: إن أحداث تونس ومصر كشفت عن أزمة في فقه السياسة الشرعية لدى فئام من إخواننا السلفيين، فهناك من هاله تتابع الخطوب وعجلة الأحداث، فآثر الصمت والعي، واستروح إلى السلبية والعجز، متدثراً بالرزانة والوقار ومجانبة الغوغاء والدهماء!
ورحم الله الإمام الشعبي إذ يقول: «نعم الشيء الغَوغاء، يسدّون السيل، ويطفئون الحريق، ويشغبون على ولاة السّوء».
وأشنع من ذلك أن يدّعي بعضهم أن هذه المظاهرات والاحتجاجات خروج على الإمام! فأين تذهب عقول هؤلاء! فهل ثبتت شرعية هذه الأنظمة العلمانية - التي تجاهر بمنابذة الشرع المنزّل في قونينها وواقعها - حتى يقال بالخروج عليها؟!
ورضي الله عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب القائل: «لابد للناس من إمارة برّة كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين هذه البّرة قد عرفناها، فما بال الفاجرة؟ فقال: يقام بها الحدود وتأمن بها السبل، ويجاهد بها العدو، ويقسم بها الفيء».
فانظر - رحمك الله - هل تحسّ بهذه الولاية الفاجرة في نظام تونس ومصر ونظائرها؟!
وكما قال ابن تيمية: «وجماع السياسة العادلة في أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل».
وهذه الأنظمة المذكورة وأشباهها قائمة على الخيانات والظلم والاستبداد.
ثم إن الخروج يكون بالسيف، وهذه المظاهرات والاحتجاجات قد جانبت القوة والسلاح، على عكس هذه الأنظمة البربرية التي لا تفهم إلا السحق والقمع، وأيضاً فإن هذه المظاهرات مطالبة بإقامة العدل وأداء الأمانات إلى أهلها، ومحاسبة اللصوص الكبار .. بل قد يتحقق لهم جملة من هذه المطالب - كما هو واقع مشاهد - وإن اكتنف هذه التجمعات بعض المفاسد والشرور، فإن مصالحها تربو على مفاسدها، والشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها.
وفي التاريخ وقائع متعددة من هذا القبيل، ومن ذلك أن في سنة 308هـ ارتفع الغلاء والمكوس في بغداد، فاضطربت العامة لذلك، وأوقعوا شغباً .. وعندئذ أزيلت المكوس وهبطت الأسعار.
والحاصل أن على إخواننا السلفيين أن يراجعوا مواقفهم تجاه الأنظمة وبنظرة شمولية فاحصة، متحرين الفقه والدليل، والدراية بالواقع والحال، فكما يُتقى التهور وقمع السلطان، فكذلك يُتقى الركون للظالمين أو الذبّ عن الخائنين بلسان الحال أو لسان المقال والله المستعان.(1/306)
نظرة واقعية في أحداث ليبيا
علوي بن عبد القادر السَّقاف
20 ربيع الأول 1432هـ
الحمد لله، كاسر الأكاسرة، وقاصم القياصرة، وقاهر الهراقلة، ومهلك الفراعنة، وهازم الأباطرة، أحمده حمد الشاكرين على ما منَّ به على أهل مصر وتونس، ونسأله المزيد من الصلاح والإصلاح لهم ولأهل ليبيا، وهو القائل سبحانه: {لئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُم}.
أما بعد:
فلا يخفى على أحدٍ حالُ حاكم ليبيا ومحاربته للإسلام، عيانًا بيانًا، جهارًا نهارًا، حتى بات يعرف ذلك الصغير والكبير، والعالم والجاهل، حتى وصفه بعض الزعماء العرب بأنه صنيعة الاستعمار، وقد صدق من وصَفَه بذلك، فها هو يُصرِّح في خطابه الأخير باعتزائه إلى الغرب والقانون الدولي لحرب شعبه وتدميره بيتًا بيتًا، وها هو الغرب يسكت عن جرائم صنيعتهم، ويتفرج على ذبحه للعُزَّلِ من الناس، وهم الذين صمُّوا آذاننا بالديمقراطية وحقوق الإنسان، وقد خرسوا وعَمُوا لما تعارضت مبادؤهم تلك مع مصالحهم الاقتصادية في ليبيا، فبئست هذه الازدواجية.
ولما كان حال هذا الرجل غير خافٍ على أحد، وأنه ممن أظهر الكفر البواح الذي عندنا فيه من الله برهان؛ مما جعل هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية وفيهم المشايخ العلماء - الشيخ عبد الله بن حميد والشيخ عبد العزيز بن باز والشيخ صالح اللحيدان وغيرهم - يصدرون بياناً بتكفيره في عام 1402 هـ، جاء فيه:
(( ... وفي طليعة هذه الطوائف المنحرفة والموجهة طاغية ليبيا معمر القذافي، ذلك الرجل الذي نذر نفسه لخدمة الشر، وإشاعة الفوضى، وإثارة الشغب، والتشكيك في الإسلام.
لقد استعرض المجلس أطوار هذا الرجل، وسرعة استجابته لعناصر الشر والكيد والحسد، حيث صار يهذي في أجهزة إعلامه بما يستحي مِن ذكره مَن له ذوق سليم أو عقل مستقيم, يتضح ذلك في أقواله وأفعاله وتقلباته في جميع ميادين عمله، داخل بلاده وخارجها، وفي مقدمة ذلك تعرُّضه للعقيدة الإسلامية. فلقد أقبر هذا الرجل السنة النبوية، وسخر من الحج إلى بيت الله الحرام، ومن المسلمين الذين يقفون في عرفات، وصدرت بتفنيده فتاوى شرعية من هيئات ومجالس إسلامية عليا، ومع ذلك لا يزال هذا المسكين يتخبط في متاهات من الزيف والضلال تعطي القناعة التامة أنه ضال ملحد.
إن مجلس هيئة كبار العلماء وهو يستنكر تمادي هذا الدَّعي على الإسلام والمسلمين ليقرر ويؤكد أنه بإنكاره لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستفتائه بالحج (كذا)، واستهانته ببعض التعاليم الإسلامية، واتجهاته الآثمة الباطلة يعتبر بذلك كافراً وضالا مضلاً)) (انظر كتاب: "الرد الشافي على مفتريات القذافي" (ص 101)، من مطبوعات رابطة العالم الإسلامي).
والكل يعلم من حال الرجل أنه لا يزال في ضلاله القديم، وفي استكباره، واستخفافه بالشريعة.
لما كان حاله كذلك، لم نرَ أحداً يشكك في حكم الخروج عليه من الناحية الشرعية، فضلاً عن حكم التظاهر السلمي عليه. لكن الحديث ينصب في مثل هذه الحالة على تحقق القدرة على ذلك.
وفي مثل هذه النوازل والأزمات تثور عادةً أسئلةٌ كثيرة في أذهان الناس، منها:
هل ما فعله الليبيون وهم يعلمون جبروت حاكمهم صوابٌ أم خطأ؟ وهل يستمرون في ثورتهم مع إصراره هو وابنه على سفك الدماء أم يتخلَّوْن ويعودون أدراجهم؟ وغير ذلك من الأسئلة.
فأقول وبالله التوفيق:(1/307)
أولاً: ما قام به الليبيون ابتداءً - ومن قبلهم أهل تونس ومصر- وإن عدَّه البعض خروجاً على الحاكم إلا أنه ليس من باب الخروج الذي يمنع منه الفقهاء والسلف (والذي من صفته أن يكون فيه التقاء مجموعتين بأسلحتهما ويترتب عليه من الاضطراب والفتنة والهرج والمرج ما يقتضي عدم جوازه ابتداءً واستدامة)، ولكن الحالة المعاصرة التي نتحدث عنها لم تكن معروفة من قبل، وجدَّ فيها ما يُغيِّر مناطها عن مناط ما اتفقت كلمة الأئمة على المنع منه، ألا وهي الاحتجاجات السلمية التي قد تؤدي إلى مواجهة مسلحة من طرف واحد وتُفضي إلى ذهاب أرواح كثيرة، وقد تفضي -في المقابل- إلى مفاسد قليلة في مقابل مكاسب كبيرة كما حصل في تونس ومصر، ومسألة إراقة الدماء في أمثال هذه المظاهرات ربما يُقال: إنها مصاحبة أحياناً، ولكنها ليست بلازمةٍ لها على كل حال؛ إذ إنها قد تنفكُّ عنها، وتنجح هذه الثورات دون دماء، ومقاتلة من أيٍ من الجهتين. ولذلك لما رأى السلف أن القيام على حكام الجور والفسق يؤدي إلى مفسدة كبيرة أجمعوا على منع ذلك، كما قال الحافظ ابن حجر في (تهذيب التهذيب) (1/ 399): (لكن استقرّ الأمر على ترك ذلك -أي الخروج- لما رأوه قد أفضى إلى أشدّ منه؛ ففي وقعة الحرّة ووقعة ابن الأشعث وغيرهما عِظةٌ لمن تدبَّر)، أما في وقعة تونس ومصر القريبتين فالأمر على خلاف ذلك، ولم تُفضِيا إلى ما هو أشد من ذلك.
ثانياً: أن الحالة في ليبيا تختلف عن الحالة في مصر حيث إن حاكم ليبيا معروف بكبريائه، وجنون عظمته، وحبه لسفك الدماء، وهذا ما رأينا نتيجته منذ الأيام الأولى من اندلاع التظاهرات حتى الآن. كما أنه معروف بسيطرته على الجيش، وكافة الأجهزة الأمنية، إلا أنه قد خذله الشرفاءُ منهم.
ثالثاً: الحديث عن ثورة أهل ليبيا على حاكمهم وصوابه من خطئه، قد فات أوانه، بعد أن فرضتْ الأحداث نفسها على أرض الواقع، فليس من المصلحة الخوض فيه الآن، فهو أمرٌ قد مضى وانقضى. على أنه لا ينبغي أن يغيب عن الأذهان اعتبار أن توقيت الثورة الليبية جاء متزامنًا مع نجاح الثورتين في الجارتين عن اليمين والشمال (تونس ومصر). الأمر الذي سهَّل على الساعين لإسقاط القذافي مهمتهم، ومهَّد لتوحيد الصف، ومنْع -أو تحجيم- الاختلاف في تقدير المصالح والمفاسد.
رابعاً: أنه بعد أن قامت المواجهة بين الشعب وهذا المجرم لا يشك عاقل أن تراجع الليبيين عن ثورتهم فيه من المفاسد الشيء الكثير.
ومما ينبغي التنبيه عليه حول هذا الأمر:
1 - أنَّ إيقاف المواجهة الآن لن يكون في صالح الشعب حتماً؛ لأن هذا السَّفَّاح سوف ينتقم من شعبه، ويسفك من دماء أبنائه خلال الأشهر القادمة أكثر مما يُتوقع سفكُهُ خلال أيام ثورة الشعب عليه، وتاريخه الأسود يشهد بذلك، فقد قتل أكثر من 1200 سجينٍ ليبيٍّ في حادثة واحدة عام 1996م.
2 - أنَّ هزيمة الشعب الليبي أمام حاكمه وتراجعه عن ثورته تشجع أمثاله ومن على شاكلته لسلوك المسلك نفسه في التصدي لأي مواجهة سلمية قادمة ضد الظلم والطغيان.
3 - وفي المقابل، فإنَّ هزيمة الشعب الليبي أمام حاكمه سوف تثبط من عزيمة وهمة أي شعب آخر يمكن أن يزيح من أمامه الظلم والطغيان. وقد يجعلها آخر ثورات الشعوب ضد من يحكمها بغير شرع الله من أمثال القذافي.
4 - أثبتت تجربتا تونس ومصر لليبيا أن الحاكم مهما كان طغيانه لا يستطيع أن يقف أمام شعب كامل ثائر مقهور مظلوم.
5 - القبلية الليبية عامل مرجح لجعل الكفة في صالح الشعب. وشعب عمر المختار معروف بقوته وصبره وجلَده.(1/308)
6 - أن النصر إنما هو صبر ساعة، وفي كل يوم تكتسب الثورة قوة وتزداد الانشقاقات في صفِّ النظام الليبي، ويستقيل من نظامه الواحد تلو الآخر، ويتبرأ منه كل شريف منضمًا إلى الشعب في ثورته.
7 - بدأ العالم الغربي محاولةً منه لحفظ ماء وجهه يندد ويدين على استحياء، وفي كل يوم تتعالى صيحات المستنكرين على جرائم هذا الطاغية مما يزيد من الضغوط عليه.
لهذه الأسباب وغيرها صار من الواجب على كل ليبيٍّ أن ينحاز إلى شعبه في هذه الثورة ضدَّ هذا السفاح، وأن يعمل ما في مقدوره للتخلص منه. ويجب على قوات الجيش وأجهزة الأمن أن تعلن رفضها له، وتضييقها عليه، وتأييدها للشعب حفاظًا على أمنه وأرواحه وممتلكاته.
ومن واجب الحكومات العربية والإسلامية التدخل السريع في وقف شلالات الدم ومجازر الحاكم الليبي، وألا تدع الفرصة لتدخلات أجنبية تفرض أجندتها وسيطرتها على بلد إسلامي بدعوى الحفاظ على الأمن أو بما يحقق مصلحتها.
أمَّا إخواننا في ليبيا الشقيقة شعباً العدوة نظاماً، فإننا ننصحهم بالصبر والثبات، وأنه مما يزيد الأمل في نصرتهم سماعنا لكثرة تردادهم لذكر الله من التهليل والتكبير، وصدق اللجأ إلى الله تعالى، وهذا ما لم نكن نسمعه في ثورتي تونس ومصر إلا قليلاً.
وأمَّا إخوانهم المسلمون في كافة المعمورة فعليهم الدعاء بالنصر والتأييد لأحيائهم، والمغفرة والرحمة لموتاهم، وأن يقنتوا لهم في صلواتهم؛ فإنها نازلة وأي نازلة.
وبعد انكشاف الغمة يُنصح الجميع، ويُذكَّرون بوجوب التحاكم إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بعد أن ظلت كثيرٌ من دول المسلمين تتخبط لعشرات السنين وراء الأوهام المستوردة، فلم تُسعدها الدكتاتوريات، ولا الديمقراطيات، لا الشرق ولا الغرب، فلا يجوز ولا يسوغ بعد هذه التضحيات أن يوسَّد أمر المسلمين ثانية إلى غير أهله، أو إلى من يغصب الأمة دينها، وخيراتها من غير الأمناء. و ((لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين)) رواه البخاري ومسلم.
نسأل الله أن يكشف عن المسلمين الغمة، وأن يجعل في هذه الأحداث عبرة وعظة للأمة، وأن يُهلك مَن بهلاكه صلاح المسلمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(1/309)
بيان حول أحداث ليبيا
رابطة علماء المسلمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد:
فإن رابطة علماء المسلمين تتابع الأحداث الجارية على أرض ليبيا، وإنها لتأسف على دماء المسلمين التي تهدر، وأرواحهم التي تزهق، بسبب الظلم ووأد الحرية، وإن الرابطة وهي تتابع تلك الأحداث ومن واقع الواجب الملقى عليها تؤكد على ما يأتي:
أولًا: إن المطالبة بتحقيق العدل ورفع الظلم مقصد شرعي، وإن المناداة بتحقيق التنمية ومحاربة التخلف حق إنساني، وإن الإلحاح على شُوريَّة الحكم في البلاد واختيار الشعب من يمثله بصدق أساسٌ من أسس الاستقرار، ولا تمثل تلك المطالبات خروجًا أو مخالفة شرعية، بل ذلك من جنس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ثانيًا: إن حاكم ليبيا قد حكم عليه العلماء بالردة قبل أكثر من ثلاثين سنة، وعليه فتكون ولايته غير شرعية، ولا يجوز طاعته، وعند القدرة يجوز الخروج عليه، وحكم القصاص واجب لمن قتل مسلما فكيف بمن طاش في دماء المسلمين وقتل منهم المئات، فالواجب على المسلمين دفعه بكل سبيل قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم". الفتاوى الكبرى (4/ 608).
ثالثًا: على رجال الجيش الأمناء أن يقوموا بواجبهم الذي تحملوه بحماية أمتهم، ويصدروا الأوامر بمنع استخدام القوة ضد العزل الشرفاء، وألا يلوثوا أيديهم بدماء الأبرياء، فإن حرمة الدماء عند الله عظيمة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا».
رابعًا: على أهل العلم والمصلحين والدعاة القيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة أمتهم وتسديد مسيرتها، وتوجيهها نحو أعدل السبل وأقوم الطرق، التي بها يصلح حال البلاد والعباد، متحرين في ذلك رضا ربهم، ومراعين فقه واقعهم، دون حيف أو خوف، أو مراعاة لشرق أو غرب، وندعو الأئمة للدعاء في الصلوات لإخوانهم.
خامسًا: إلى الشعب الليبي العريق، إننا نقف معكم، وخلف مطالبكم، ونرفض كلَّ ظلمٍ واقع عليكم، مع التأكيد على ضرورة الالتزام بسلمية تلك المطالبات، والحفاظ على الممتلكات، حتى تقطعوا كل طريق على المتربصين بكم، ونذكركم بالتمسك بحبل الله المتين وصراطه المستقيم، وجمع القلوب والائتلاف، والبعد عن الفرقة وأسباب الاختلاف مع لزوم الصبر والثبات والفزع إلى الدعاء حتى يفرج الله تعالى الغُمَّة، ويكشف الكربة، والحرص على إصلاح النوايا فإن هذه النفوس أنفس من أن تزهق لغير الله.
سادسًا: إن الشعب الليبي شعب مسلم أبيٌّ يأنف من الظلم، ويتأبى على الضيم، ولا يصلح بحال أن يكون محكومًا إلا بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وفي ذلك تحقيق ما ينشده من حرية وعدالة وتنمية.
سابعًا: على الجهات الخيرية الإسلامية، المحلية والدولية القيام بواجبها نحو إغاثة الشعب الليبي المسلم، وعلى وسائل الإعلام العربية القيام بدورها في نقل وتصوير هذه المأساة الإنسانية ببشاعتها؛ ليقف العالم على خطورة ما يجري على أرض ليبيا وليقوم كل بواجبه.
وأخيرًا نذكر بقول الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ} [إبراهيم:42]، نسأل الله تعالى أن يلطف بعباده في ليبيا، وأن يرزقهم الثبات، ويربط على قلوبهم، وأن يعجل برفع الظلم عنهم، والحمد لله رب العالمين.(1/310)
بيان العلماء والدعاة في أحداث مصر وتونس
17 ربيع الأول 1432هـ
الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الإسلام، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للأنام نبينا محمد وعلى آله وصحبه أهل الفضل والإنعام.
أما بعد.
فقد رأى العالم كيف سقط طاغوت مصر الذي بدل الشريعة، وأذل شعبه، وتسبب في جعله من أفقر شعوب الأرض، وسخر أجهزة الدولة لخدمة وحماية شخصه، وحول أمن الدولة لإرهاب الشعب، وأعان اليهود على المسلمين في غزة بغلق معبر رفح، وملاحقة الأنفاق ودفنها، وبناء الجدار الفولاذي بوصاية كاملة من المخابرات اليهودية والأمريكية، وأشد منه ولاءً لليهود وعَداءً للإسلام والمسلمين طاغوتُ تونس، الذي خنق الشعب التونسي المسلم، ونهب أمواله، وصادر حقوقه، وسامه سوء العذاب، وفتن المسلمين عن دينهم، وحارب مظاهر الإسلام، وفتح أبواب الفاحشة والفساد والمجون، ومنع الحجاب، وأقام دور البغاء بإشراف رسمي مباشر من وزارة الداخلية، فأحل الحرام، وحرم الحلال، وفعل ما لم تفعله دول الكفر، كل ذلك سعياً منه في إخراج جيل تونسي ممسوخ من الإسلام، وهذا العمل الذي تبناه طاغوت تونس لهو أشد فتكاً بالمجتمع التونسي من القتل بالسلاح؛ كما قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة 191)، وقال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ} (البقرة 217).
أما السجون والتعذيب والفساد المالي والإداري والسياسي في تونس ومصر فباب لو فتحناه لم نستطع إغلاقه.
ثم هرب الطاغيتان، على أشد حال من الذل، وهذه سنة الله تعالى في الظالمين، قال الله تعالى: { .. إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (السجدة22)، وقال تعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ .. } (إبراهيم42).
وسقوطهما ليس حدثاً مختصاً بأهل مصر وتونس بل هو نعمة كبرى من الله تعالى على المسلمين جميعاً، فالحمد لله حمداً كثيراً.
وتأسيساً على ما سبق، وانطلاقاً مما أوجبه الله تعالى على أهل العلم من بيان الحق والنصح للخلق، فإننا نذكر أنفسنا وإخواننا المسلمين بالآتي:(1/311)
أولاً: وجوب شكر نعمة الله تعالى علينا، وذلك بالعودة إلى الإيمان والعمل الصالح، قال الله تعالى: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ} (الحج41)، وقال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّآ آمَنُواْ كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ} (يونس98)، والعودة إلى دين الله تعالى وتحكيم شرعه ليس مختصاً بالجانب السياسي فقط بل يعم جميع مناحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والإعلامية والصحية والقضائية والأمنية مع إقامة ذكر الله تعالى، وإظهار شعائره، والدعوة إلى الله تعالى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فحكم الله تعالى فيه الخير والعدل والصلاح للعباد والبلاد، وهو الذي يحفظ للناس كرامتها وحريتها وحقوقها قال الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} (المائدة50)، وقال تعالى: {إنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف40)، وقال تعالى: {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة44)، وهذه وصيتنا لكل حكام الدول الإسلامية التي لم تحكم بالشريعة، وأن يتذكروا وقوفهم بين يدي الله تعالى.
ثانياً: لقد ذمت الشريعةُ الاستبدادَ بالرأي سواء أكان ذلك صادراً من حاكم أو وزير أو مدير، وأمَر الله تعالى بالشورى، وجعلها من أهم صفات المؤمنين، قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ} (الشورى38)، وقال تعالى: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ .. } (آل عمران159) وليس الفرق بين الشورى الربانية، وبين الديمقراطية الوضعية في طريقة الانتخابات أو استطلاع الرأي العام، وإنما الفرق في المنطلق العقدي؛ فالديمقراطية الوضعية تجعل الحاكم في كل شيء هو الشعب؛ فيصوتون حتى على المحرمات في الإسلام كإقامة دور البغاء، والسماح بالشذوذ، والخمر، والربا، أو منع الأذان، والحجاب، ونحو ذلك.
أما الشورى في الإسلام فالحكم فيها لله وحده، فما أوجبه الشرع أو نهى عنه فلا يملك أحدٌ تغييره، وإنما البحث والتصويت في كل ما كان داخلاً في دائرة المباح في جميع مناحي الحياة.
ثالثاً: لقد أمر الله تعالى بالاجتماع ونهى عن التنازع والبغي، لكنه اشترط أن يكون الاجتماع على الكتاب والسنة، قال الله تعالى:" وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ" (الأنفال46)، وقال تعالى:" وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ .. " (103آل عمران)، وحبل الله هو القرآن الكريم.
فنوصي إخواننا وأحبتنا في مصر وتونس أن تجتمع كلمتهم على من يتبنى تحكيم الشريعة، أما الأحزاب المعاندة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم؛ كالشيوعية والعلمانية، فإنه لا يجوز ترشيحها، ولا الانخراط فيها.
رابعاً: العودة إلى القرآن الكريم من خلال إنشاء حلقات تحفيظ القرآن الكريم وتعليمه، وإقامة الدورات والدروس العلمية، في العقيدة والتفسير والحديث والفقه، وإدخال العلوم الشرعية في مناهج التعليم، وإعادة الجامعات الإسلامية إلى عزها ومجدها.(1/312)
خامساً: القيام بدعوة الرسل وهي دعوة الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تكون عبادته بما شرع، والتحذير من الشرك، ومن مظاهره المنتشرة في كثير من البلاد العربية والإسلامية: شرك القبور، فمن صرف نوعاً من أنواع العبادة لغير الله؛ كالدعاء، أوالاستغاثة، أوالذبح لغير الله فقد أشرك، قال الله تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ .. } (النحل36)، وقال تعالى: {وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً} (الجن18).
والتحذير من مظاهر الابتداع في الدين، فمن عبد الله بغير ما شرع فقد وقع في البدعة، قال نبينا محمد صلى الله عليه وسلم:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد" متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها.
سادساً: إقامة شعائر الإسلام وعلى رأسها عمود الإسلام "الصلاة" جماعة في المساجد؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" ليس صلاة أثقل على المنافقين من الفجر والعشاء، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا، ولقد هممت أن آمر المؤذن فيقيم، ثم آمر رجلا يؤم الناس، ثم آخذ شعلا من نار، فأحرق على من لا يخرج إلى الصلاة بعد" متفق عليه.
سابعاً: إلى أخواتنا المؤمنات في تونس على وجه الخصوص لقد أمركن الله تعالى بالجلباب، ونهاكن عنه ابن علي، وقد أزاحه الله تعالى عن تونس، فلا عذر للمؤمنة في تركه، وأنت من نساء المؤمنين اللاتي أمرهن الله تعالى في قوله:} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً} (الأحزاب59).
ثامناً: من سنة الله في الأمم والأفراد أنها إذا أصرت على معصية الله أخذها بذنوبها، ومن هذه الذنوب التي طغت: الظلم، والاستبداد، وعدم تحكيم الشريعة، وتمكين البطانة المفسدة، ونهب خيرات المسلمين، والفساد المالي، والإداري، والربا، والإعلام الماجن، وترك الصلاة، ومظاهر البدع المخالفة لعقيدة التوحيد، والسكوت عن المنكرات، فلنبادر جميعاً بالتوبة الصادقة, والإقبال على طاعة الرحمن قال الله تعالى: {فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنبِهِ .. } (العنكبوت 40)، وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ} (الأنعام 44)، وقد يؤخر الله العقوبة ابتلاءً واستدراجاً قال الله تعالى: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} (القلم45).
تاسعاً: الواجب محاكمة هؤلاء الطواغيت وأعوانهم في الظلم محاكمةً شرعية.
عاشراً: أن يكون القضاء الشرعي مستقلاً، ولا سلطان عليه إلا الكتاب والسنة، وعدم استثناء أحد من المثول أمام القضاء رئيساً كان أو إعلامياً، وسواء أكان الاستثناء بطريقة مباشرة أو ملتفة؛ كوضع أنظمة ولوائح مآلها إلى تقييد أو منع دعاوى الحسبة، أو وضع حصانة تقيد مقاضاة المسؤولين أو الإعلاميين، أو إرهاب المدعي ومحاصرته بطريقة غير مباشرة.(1/313)
حادي عشر: قال الله تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} (هود116)، وقال تعالى: {فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ} (الأعراف165)، فكانت النجاة لمن كان ينهى عن السوء والفساد، والمراد بالسوء والفساد هو ما اعتبره الشرع سوء وفساداً؛ من ترك الفرائض والواجبات وارتكاب الموبقات والمحرمات، فالواجب محاربة السوءِ والفسادِ بجميع أنواعه؛ الفسادِ المالي، والإداري، والقضائي، والإعلامي، والأمني، والخلقي، وغيرها وأن تضع الدولة جهازاً لمحاربة الفساد وهو الذي سماه الله تعالى بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما في قول الله تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (آل عمران104)، وقال تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ .. } (آل عمران110).
ثاني عشر: الحذر من استرضاءِ أعداء الإسلام، وتقديمِ التنازلات لهم، والانهزاميةِ النفسية أمامهم، قال الله تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} (هود113)، وقال تعالى: {وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً (74) إِذاً لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً} (الإسراء75).
ثالث عشر: الأجهزة الأمنية إنما هي لحماية الناس، وحفظ حقوقهم وحرياتهم التي كفلها لهم الإسلام، لا أن تكون أداة للحاكم في ظلم الشعب، وإرهابه، وسلب حقوقه.
والخطاب هنا يتجه إلى جميع حكام الدول العربية والإسلامية، وننتظر منهم عاجلاً إيقاف عجلة الفساد، وأن لا يحول أحدٌ من الحجَّاب بينهم وبين القيام بواجبات الإمامة وحاجة الناس.
نسأل الله تعالى أن يحفظ تونس ومصر وجميع بلاد المسلمين بحفظه، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الموقعون:
العلامة: عبدالله بن محمد الغنيمان - أستاذ العقيدة بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية سابقاً.
الشيخ: د. عبدالله بن حمود التويجري - أستاذ الحديث وعلومه في السعودية.
الشيخ: د. عبدالمجيد بن عزيز الزنداني - رئيس جامعة الإيمان باليمن.
الشيخ: سليمان عثمان أبو نارو - أمير جماعة الاعتصام بالكتاب والسنة بالسودان.
الشيخ: داعي الإسلام بن سالم الشهال - مؤسس التيار السلفي بلبنان.
الشيخ: عبد الآخر حماد الغنيمي - داعية إسلامي بمصر.
الشيخ: د. عبدالعزيز بن محمد آل عبداللطيف - أستاذ العقيدة المشارك في جامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: عصام بن محمد بن إسحاق العباسي - باحث شرعي في مملكة البحرين
الشيخ: د. محمد بن موسى العامر - عضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: د. عبدالغني بن أحمد التميمي - رئيس هيئة علماء فلسطين في الخارج.
الشيخ: أ. د. محمد بن تركي التركي أستاذ الحديث بجامعة الملك سعود بالرياض.
الشيخ: زهير بن مصطفى الشاويش - مؤسس المكتب الإسلامي في بيروت.
الشيخ: بدر بن ناصر الشبيب - الأمين العام للحركة السلفية بالكويت.
الشيخ: د. وجدي غنيم - داعية إسلامي.(1/314)
الشيخ: د. شوكت كرانسكي - داعية إسلامي في كسوفا.
الشيخ: محمد بن عبد الله الحويط داعية إسلامي في ألمانيا.
الشيخ: د. عبد الله بن محمد الحاشدي - أستاذ جامعي بجامعة الإيمان باليمن.
الشيخ: مرصاد موتشاى - داعية إسلامي في جمهورية الجبل الأسود.
الشيخ: د. حامد بن حمد العلي - أستاذ الحديث في الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الكويت.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن عمير النعيمي - عضو هيئة التدريس بجامعة قطر.
الشيخ: أ. د. عبد العزيز مختار إبراهيم - أستاذ الحديث وعلومه بجامعة تبوك.
الشيخ: د. علي بن سعيد الغامدي - أستاذ الفقه بالمسجد النبوي والجامعة الإسلامية بالمدينة.
الشيخ: خالد بن أحمد زعرور - مؤسس وقف إحياء السنة بلبنان.
الشيخ: د. وليد بن عثمان الرشودي - عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود.
الشيخ: د. طارق بن محمد الطواري - أستاذ الحديث في الدراسات العليا بكلية الشريعة بجامعة الكويت
الشيخ: ذياب بن سعد آل حمدان الغامدي - باحث شرعي بالطايف.
الشيخ: د. عدنان محمد أمامة - داعية إسلامي بلبنان.
الشيخ: د. محسن بن حسين العواجي - عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
الشيخ: عبد الوهاب الحميقاني - داعية إسلامي باليمن.
الشيخ: د. يوسف بن عبدالله الأحمد - عضو هيئة التدريس في جامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: حسن قاري الحسيني - داعية إسلامي بالبحرين.
الشيخ: د. خالد بن عبدالله الشمراني - أستاذ الفقه المشارك بجامعة أم القرى
الشيخ: د. محمد بن سليمان البراك - عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
الشيخ: د. حمد بن إبراهيم الحيدري - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: فهد بن سليمان القاضي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عبد الله بن ناصر السليمان - مفتش قضائي بالرياض.
الشيخ: د. محمد بن عبد الله الهبدان - المشرف العام على مؤسسة نور الإسلام العالمية بالرياض.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن جميل قصاص - الأستاذ المشارك بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
الشيخ: سعد بن ناصر الغنام - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد الصادق مغلس - قاضي في وزارة العدل وعضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: عبد الله بن علي الغامدي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عارف بن أحمد الصبري - عضو لجنة تقنين الشريعة في مجلس النواب باليمن.
الشيخ: إبراهيم بن محمد الحقيل - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. مهران ماهر عثمان - داعية إسلامي بالسودان.
الشيخ: عبدالمحسن بن محمد الأحمد - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. محمد عبدالكريم - رئيس قسم الثقافة الإسلامية بجامعة الخرطوم بالسودان.
الشيخ: قاسم بن علي العصيمي - داعية إسلامي باليمن.
الشيخ: د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي - أستاذ العقيدة بجامعة أم القرى بمكة الكرمة.
الشيخ: عبد الرحمن بن محمد الهرفي - عضو الدعوة بوزارة الشؤون الإسلامية بالسعودية.
الشيخ: د. ناصر بن يحيى الحنيني - المشرف العام على مركز الفكر المعاصر بالسعودية.
الشيخ: عادل بن حسن بن يوسف الحمد - داعية إسلامي بالبحرين.
الشيخ: حمد بن عبدالله الجمعة - باحث شرعي في الرياض.
الشيخ: د. عبدالله بن عمر الدميجي - عميد كلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى سابقاً
الشيخ: حسين بن محمد الحبشي - باحث شرعي بالسعودية.
الشيخ: د. رياض بن محمد المسيميري - أستاذ التفسير المشارك بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: مراد بن أحمد القدسي - عضو هيئة علماء اليمن وعضو رابطة علماء المسلمين.
الشيخ: د. ستر بن ثواب الجعيد - رئيس قسم القضاء بجامعة أم القرى سابقاً بمكة المكرمة.
الشيخ: سلطان بن عثمان البصيري - القاضي بالمدينة النبوية.(1/315)
الشيخ: د. عبد الله بن عبد العزيز الزايدي - أستاذ الثقافة الإسلامية بكلية الشريعة بالرياض.
الشيخ: د. إبراهيم بن علي الحذيفي - عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.
الشيخ: د. خالد بن محمد الماجد - أستاذ الفقه في كلية الشريعة بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: د. عبد الله بن ناصر الصبيح - عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض.
الشيخ: ناصر بن محمد الأحمد - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. سليمان بن صالح الجربوع - عضو رابطة الفقه الإسلامي بالسعودية.
الشيخ: بدر بن إبراهيم الراجحي - القاضي بالمحكمة العامة بمكة المكرمة.
الشيخ: د. عبدالعزيز بن محمد الوهيبي - المشرف العام على مجلة مؤتمر الأمة.
الشيخ: جمال بن إبراهيم الناجم - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد بن عبدالله الحصم - داعية إسلامي بالكويت.
الشيخ: عبدالعزيز بن عبدالله الوهيبي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد بن عبدالعزيز اللاحم - أستاذ العقيدة بوزارة التربية والتعليم.
الشيخ: عبدالله بن علي الربع - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: أحمد بن عبدالله الراجحي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: محمد بن علي عبد الله الغيلي - عضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن محمد الفارس - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: الشيخ: د. عبد الملك التاج - رئيس قسم الأصول بجامعة الإيمان وعضو هيئة علماء اليمن.
مسفر بن عبدالله البواردي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عبدالعزيز بن صالح العقل - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. صالح بن عبدالله الهذلول - عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم.
الشيخ: عبدالله بن عمر السحيباني - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: د. عبدالرحمن بن صالح المزيني - المشرف العام على موقع رياض الإسلام.
الشيخ: د. سعيد بن ناصر الغامدي - أستاذ العقيدة المشارك بجامعة الملك عبدالعزيز بجدة.
الشيخ: د. عيسى بن عواض العضياني - مدير التوجيه والإرشاد بإسكان وزارة الدفاع بالمدينة النبوية.
الشيخ: محمد بن على الآنسي - خطيب مسجد الشهداء وداعية إسلامي باليمن.
الشيخ: غازي جبر الرياشي - عضو هيئة علماء اليمن.
الشيخ: د. محمد بن عبدالعزيز الخضيري - أستاذ القرآن وعلومه المساعد بجامعة الملك سعود بالرياض.
الشيخ: عبدالمحسن بن مريسي الحارثي - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: عبدالله بن فهد السويلم - باحث شرعي بالسعودية.
الشيخ: د. محمد بشر القباطي - داعية إسلامي باليمن.
الشيخ: د. سليمان بن محمد العثيم - داعية إسلامي بالسعودية.
الشيخ: حسين بن عبدالرحمن الغامدي - داعية إسلامي بالسعودية.(1/316)
بيان حول أحداث البحرين
مجموعة من المشايخ
15 ربيع الأول 1432هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا
أما بعد:
فإن العالم اليوم يتابع المتغيرات المتسارعة في تونس ومصر وما حصل فيهما - بتوفيق من الله - من سقوط ذريع لرموز الظلم والطغيان، ثم ما تبع ذلك من خروج متظاهرين في مملكة البحرين على نسق من سبقهم في تونس ومصر مطالبين بالإصلاح وبعضهم نادى بإسقاط النظام كما شوهد في وسائل الإعلام، ولنا مع هذه المظاهرات في مملكة البحرين وقفات:
1 - نذكر ملك البحرين وكافة ملوك وقادة العالم الإسلامي أن صلاح البلاد والعباد يكون بإقامة حكم الله فيهم وتطبيق الشريعة عليهم ورد التنازع لحكم الله ورسوله عملا بقول الله جل في علاه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) وسياسة الناس بالشريعة هو الخير المطلق والسعادة التامة للراعي والرعية وهو أهم وظائف الإمامة ونوصيكم وفقكم الله بما أوصى به الحسن البصري عمر بن عبد العزيز رحمهما الله حيث قال: (إن الله جعل الإمام العادل قوام كل مائل، وقصد كل جائر، وصلاح كل فاسد، وقوة كل ضعيف، ونصفة لكل مظلوم، ومفزع كل ملهوف، وهو القائم بين الله وبين عباده، يسمع كلام الله ويسمعهم، وينظر إلى الله ويريهم، وينقاد إلى الله ويقودهم، وهو كالعبد الذي ائتمنه سيده واستحفظه ماله وعياله، وهو الذي لا يحكم في عباد الله بحكم الجاهلية ولا يسلك بهم سبيل الظالمين، ولا يسلط المستكبرين على المستضعفين، فهو وصي اليتامى وخازن المساكين يربي صغيرهم ويمون كبيرهم).
2 - النصيحة واجبة على كل مسلم عملا بالحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم من حديث تميم بن أوس الداري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الدين النصيحة قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة هذه الأمة وسبب خيريتها كما قال الله جل في علاه (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ) والنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تكون إلا بالطرق المشروعة والإقتداء الحق بالسنة حتى لا تخرج عن دائرة البر والخير إلى دائرة الإحداث والشر.
3 - إن المتابع للمظاهرات في البحرين يجد أنها تخرج عن دائرة المطالبة بالحقوق، إلى دائرة تنفيذ مخططات مشبوهة وأجندات ظاهرة، تمثل طليعةً لمدٍ صفوي مجوسي يحلم بالاستيلاء على الخليج العربي وتكوين هلال فارسي طالما نادوا به وسعوا لتحقيقه، ومصداق ذلك أنه بمراجعة مراكز الإحصاء العالمية يتبين أن مملكة البحرين من أقل بلدان العالم بطالة مع قلة مواردها المادية وأن جملة كبيرة من المتظاهرين هم أصحاب وظائف وأعمال، ودعاوى المطالبة بإطلاق الحريات المزعومة؛ مقصودها الحقيقي؛ تغيير هوية الحكم وتمكين المد الصفوي منه لا قدر الله، فعلى العقلاء أن يبصروا هذا الخطر وأن لا يكونوا عونا لهذا المد الصفوي في المنطقة وليأخذوا العبرة من العراق الذي سلب أمنه واستقلاله وخيراته.(1/317)
4 - أن المطالبة بالإصلاح والدعوة لذلك، يكون مقبولا وناجحاً كما هو الحال في ثورتي تونس ومصر حين يتجرد من أي إملاءات خارجية، وحين يتبناه غالب الشعب، لا طائفة من طوائفه.
5 - ننصح إخواننا في البحرين؛ بأن لا ينخدعوا بمثل هذه الفتنة، وألا يشاركوا في هذه المظاهرات التي تخدم المد الصفوي والذي سيقوض أركان دولتهم ويهز وحدتهم وأن يعلموا أن الخروج في مثل هذه المظاهرات محرم شرعا؛ نظرا لظهور مقاصدها الخبيثة، ولما هو مقرر شرعاً من أن الوسائل لها أحكام المقاصد، وبالتالي فلا يجوز المشاركة فيها ولا الوقوف في صف من يدعوا لها أو ينظمها وليعلم أنه شريك في الأثم معه
نسأل الله يحفظ إخواننا في البحرين بحفظه وأن يقينا وإياهم الفتن ما ظهر منها وما بطن ... وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الموقعون:
1 - د. سعد الحميد جامعة الملك سعود
2 - د. محمد القحطاني جامعة أم القرى سابقا
3 - د. خالد الشمراني جامعة أم القرى
4 - د. أحمد الزهراني الجامعة الإسلامية سابقا
5 - د. محمد الخضيري جامعة القصيم
6 - د. ناصر الحنيني جامعة الإمام محمد بن سعود
7 - د. خالد العجيمي جامعة الإمام محمد بن سعود سابقا
8 - الشيخ / أحمد الحمدان وزارة الشؤون الإسلامية
9 - الشيخ / حمود التويجري داعية مكة المكرمة
10 - د. عبدالله الدميجي جامعة أم القرى
11 - د. يوسف الأحمد جامعة الإمام محمد بن سعود
12 - الشيخ / فهد القاضي داعية الرياض
13 - د. وليد الرشودي جامعة الملك سعود(1/318)
توحيد القلوب أولى من الحكم على صدَّام
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
18 ذو الحجة 1427هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
فقد كنت عزمت على ألاَّ أكتب في هذا الموضوع شيئاً وقد كتب فيه كثيرون، وكلما كتب أو تكلم عالمٌ أو طالبُ علمٍ زادت الهوة واتسع الخلاف -مع الأسف- ما بين مؤيدٍ لهذا أو معارضٍ لذاك، وهذا من القصور في النظر وضيق الأفق، فالمسألة لا تعدو أن تكون مسألة اجتهادية في تحقيق المناط لمسألة شرعية، إذ الكل متفق على الأصول الشرعية التي تحكم هذا الباب وإنما اختلافهم في تنزيل هذا الحكم على شخص معين لاختلاف أنظارهم في بعض أحوال هذا المعين والواقع الفعلي لأيامه الأخيرة، إنما الأمر الذي يجب ألا يُختلف فيه هو أن توحيد الصف وائتلاف الكلمة أولى بكثير من الحكم على صدَّام: هل مات مسلماً أم كافراً؟ أمَّا أن تكون هذه المسألة سبباً في الطعن في العلماء وطلاب العلم والدعاة، وسبباً للفرقة والاختلاف فهذا مما يكرهه الله ورسوله، ولا ينبغي لأهل العلم أن يجعلوا هذه المسألة شعاراً يفاضلون بها بين العلماء، وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى (20/ 207): ((مسائل الاجتهاد من عَمل فيها بقول بعض العلماء لم يُنكر عليه ولم يُهجر، ومن عمل بأحد القولين لم يُنكر عليه، وإذا كان في المسألة قولان؛ فإن كان الإنسان يظهر له رجحان أحد القولين عمل به، وإلا؛ قلَّد بعض العلماء الذين يعتمد عليهم في بيان أرجح القولين، والله أعلم)) فكان ينبغي على من خاض في هذه المسألة إن ظهر له رجحان أحد القولين أن يأخذ به دون أن ينكر على غيره، وإلا قلَّد من يثق فيه من العلماء وانتهى الأمر. أمَّا تسويد الصفحات والوجوه بالردود على هذا أو ذاك دون أخذ العبر والدروس من إعدامه، وما لابس ذلك من ظروف زمانية ومكانية وغير ذلك فهو من الحرمان، أو قل من قلة التوفيق لملاحظة حكمة الله، وسنته في خلقه.
إنَّ صدَّام حسين كان يعلن انتماءه لحزب البعث العربي الاشتراكي -الكافر- بل إنه أحد دعائمه، وقد حارب الله ورسوله أيام حكمه وقتل من العلماء والمصلحين والأبرياء ما الله به عليم، وكان يحكم شعبه بغير ما أنزل الله، وجرَّ على شعبه وعلى الأمة الإسلامية الويلات والدمار، وكان يتحدث باسم البعث لا باسم الله، ثم نُقل عنه بالتواتر من أهل العراق أنه قد تغير في نهاية حكمه للعراق وربما صحب هذا الزعم شيءٌ من المبالغة، وقد وُجد في زمن المتناقضات من يرفع شعار الإسلام ويحاربه في آن واحد!، فإذا لاحظت ذلك كُلَّه ثُم أضفت إليه أن العلماء نصُّوا على أن من كان مرتكباً ناقضاً من نواقض الإسلام ولكنه ينطق بالشهادتين على وجه العادة فهو كافر حتى يتبرأ من هذا الناقض = علِمتَ مأخذ من حكم بكفر صدَّام وعدم الترحم عليه من العلماء.(1/319)
وأما الفريق الآخر فقد لحظوا أن صدَّاماً بعد سقوط بغداد وهروبه ظهرت منه قرائن تدل على نوع تغير عنده: فقد قُبض عليه في مكان يدل على أنه كان يقرأ القرآن ويصلي فيه وحده أو مع نفرٍ قليلٍ من حرسه، وهذا ينفي عنه أنه كان يفعل ذلك على وجه العادة أو الخداع للشعب حيث لا شعب ولا دولة، وكذا ما نَقل عنه الأعداء والأصدقاء عن حاله في السجن من كثرة صلاته وقراءته للقرآن حيث لا يراه إلا الله عزَّ وجل وأعداؤه وهذا نقلٌ ثابتٌ لا يتطرق إليه الشك، وفي هذه الأثناء لا يُعرف عن الرجل أنه كان يدعو لمبادئ حزب البعث الكفرية مما قد يشير إلى أنه أقلع عنها، فمن كان يرى من أهل العلم أنه لابد من التبرؤ مما كان يعلنه من الكفر رأى أنه ما زال على كفره، ومن كان يرى أن الإقلاع عن الكفر وعدم الوقوع فيه مع قرائن أخرى تدل على إسلامه حكم بإسلامه ولو لم يتبرأ صراحة، فالمسألة اجتهادية.
ومن القرائن التي تدل على تغير صدَّام في أيامه الأخيرة، آخرُ وصية كتبها قبل إعدامه ففيها الكثير من التوجه إلى الله، والاستشهاد بالآيات، ولم يذكر حزب البعث ولا لمرة واحدة إلا إشادته بثورة 1968م التي مكنته من مسك زمام الحكم في العراق.
وعندما سيق إلى المشنقة ولم يبق بينه وبين الموت إلا لحظات لم يتوجه إلى حزب البعث، ولم يذكره، بل ذكر الله وتوجه إليه، ونطق بالشهادتين في ظروف يعرفها من استمع إليها وشاهدها، ومثل هذا التشهد في مثل هذا الظرف يصعب أن يكون على وجه العادة، ولو قالها خوفاً من المشنقة لقلنا لمن كفره: أشققت عن قلبه؟ فكيف وقد قالها أمام من ساءهم نطقُه بها، وقد ثبت في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة))، فالذي يغلب على الظن -والعلم عند الله- أن الرجل مات مسلماً تُرجى له الرحمة، وليس كلُّ من مات مسلماً يجب الترحم عليه، ورحمة الله واسعة ((وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل الجنة فيدخلها))
وأمَّا ما يذكره بعضهم من أن الحكم على صدَّام بإسلام يقتضي أنه كلما نطق مرتدٌ محاربٌ للإسلام بالشهادتين عند موته حكمنا بإسلامه، فجوابه: هل من كان حاله الكفر المحض عملاً واعتقاداً يثبِّته الله ويوفقه للنطق بالشهادتين عند وفاته وهو باقٍ على كفره؟ قال البغوي في تفسيره: ((قوله تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ} كلمة التوحيد، وهي قول: لا إله إلا الله {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} يعني قبل الموت، {وَفِي الآخِرَةِ} يعني في القبر. هذا قول أكثر أهل التفسير. وقيل: {فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} عند السؤال في القبر، {وَفِي الآخِرَةِ} عند البعث، والأول أصح.)) أ. هـ ولو سلمنا أنَّ ذلك جائزٌ عقلاً، أليس هناك فرقٌ بين من كان يصرح بالكفر حتى إذا ما أدركه الموت نطق بالشهادتين وبين من أظهر الإسلام قبل وفاته بزمن ولم يصرح بكفر ثم نطق بالشهادتين عند وفاته؟ أليس هذا من تثبيت الله له؟
وإني لأعجب من حماس بعض الناس لتكفير صدَّام، كما أعجب من حماس آخرين للترحم عليه والغلو في التعاطف معه حتى عدُّوه شهيداً! وهو لم يقاتل في سبيل الله يوماً واحداً في حياته، ناسين جرائمه وقتله لعلماء المسلمين، فما أضعف العقول!
وأيَّاً كان الأمر فالمسألة اجتهادية، وتوحيد القلوب أولى من اختلافها في الحكم عليه.
والله أعلم.(1/320)
الرد على من زعم جواز التبرك بالآثار النبوية المكانية
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
أما بعد:
فقد أرسل لي أحد الفضلاء - جزاه الله خيراً - نسخة من كتاب للشيخ الدكتور عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ بعنوان ((الآثار النبوية في المدينة المنورة وجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها)) مكتوب عليه: (وقف لله تعالى 1427هـ)، فشدني عنوانه وبخاصة قوله (وجواز التبرك بها)، فقرأته على عجل، وشدني أكثر تفسيره للآثار النبوية: بالآثار النبوية المكانية، فعدت له ثانية بعد أيام لأسجل هذه الملاحظات والوقفات مع الكتاب، ولو فسح الله في الوقت والعمر فسأفرد لهذا الموضوع كتاباً مستقلاً.
يقع الكتاب في خمسٍ وسبعين صفحة من الحجم المتوسط بدأه الشيخ بتقسيم الآثار إلى ثلاثة أصناف:
الصنف الأول:
آثار تاريخية كأنواع المباني والأواني والنقود القديمة وهذا جعله الشيخ من اهتمام دارسي التاريخ والحضارة.
الصنف الثاني:
آثار خرافية كالقبور والأضرحة. وهذا استنكره المؤلف ودعا لمحاربته - جزاه اللهُ خيراً -
الصنف الثالث:
آثار إسلامية نبوية وهذه يرى وجوب المحافظة عليها وجواز التبرك بها كما هو صريح عنوان الكتاب.
وذكر للمحافظة على هذا الصنف أربع فوائد: الاعتبار بها، والتبرك بها، وأنها تساعد على دراسة السيرة النبوية، وأنها زينة للمدينة.
وهذه الورقات تناقش المؤلف في دعواه جواز التبرك بهذا الصنف من الآثار - وليس معنى هذا أني أوافقه فيما عدا ذلك -
فدعوى الشيخ إذن: وجوب المحافظة على هذه الآثار من أجل التبرك بها.
هذا، وقد استدل المؤلف - عفا الله عنه - على دعواه تلك بأدلة، لا تنهض للدلالة على تلك الدعوى بحال، ولذا أرى لزاماً بيان سرِّ الخلط الذي وقع بسببه الشيخ ومن سبقه، ذلكم هو عدم التفريق بين التبرك والتعبد، أو قل بين التبرك من جهة، وبين الاقتداء والذي منه شدة الاتباع للنبي صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، وكذا عدم التفريق بين آثار النبي صلى الله عليه وسلم التي هي جزءٌ منه كنخامته، وشعره، أو ما لامس جسده الشريف الطاهر كماء وضوئه، وملابسه، ورمانة منبره التي كان يمسك بها أثناء الخطبة، عدم التفريق بين هذه الآثار وبين الأماكن التي جلس عليها أو صلى فيها، أو مرَّ بها.
أمَّا آثاره صلى الله عليه وسلم سواءً كانت جزءاً منه ثم انفصلت عنه، أو خارجةً عنه لكنها لامست جسده الطاهر، فهذه هي التي كان الصحابة رضي الله عنهم يتبركون بها دون توسع، وربما استمر الأمر على ذلك سنوات معدودات ممن أتى بعدهم، ثم انقرضت الآثار وانقرض تبعًا لذلك هذا التبرك، أما تلك الأماكن التي جلس عليها أو صلى فيها ثم بمرور الزمن اندرس منها ما لامس جسده الشريف وبقيت البقعة المكانية كما هي، فهذه هي التي وقع فيها الخلط عند المؤلف كما هو الحال عند غيره، ولذا عدَّها بعضُ الخلف مما يُتبرك به.(1/321)
والتبرك معناه: طلب البركة، وهي زيادة الخير، ويكون بالأعمال كالصلاة والصيام والصدقة وكل أمر شرعه الله ففيه بركة الأجر والثواب، ويكون بالذوات وآثارها، وقد تقدم أن ما كان بذات النبي صلى الله عليه وسلم وما لامسها أنه جائز، والشيخ في كتابه هذا إنما يعني التبرك بالذوات سواءً لامست جسده أم لا، ولذا ذكر جواز التبرك بالمكان في الصفحات: (25،24،23،16)، وجواز التبرك بالمواضع والآثار ذكره صفحة (17)، والتبرك بالمسح على رمانة المنبر ذكره صفحة: (13 و 25)، ومما يدل على أنَّ الشيخ - عفا الله عنه - يخلط بين هذين المعنيين ما قاله عن قول عتبان رضي الله عنه لما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته: ((فأتخذه مصلى)) - وسيأتي الكلام عنه -، قال عنه تارة (ص15): ((ومعنى قول عتبان هذا: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلي فيه)) وقال (ص23): ((أقرَّ النبي صلى الله عليه وسلم عتبان على التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم)) فهو تارة يجعل التبرك بالصلاة وتارة يجعله بالمكان.
وقد استدل الشيخ على صحة دعواه بستة أدلة:
الأول:
حديث عتبان بن مالك الأنصاري رضي الله عنه وطلبه من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى ففعل عليه الصلاة والسلام، والحديث في الصحيحين.
الثاني:
حديث سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأنه كان يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عندها. والحديث في الصحيحين.
الثالث:
تحري الصحابة رضي الله عنهم الصلاة عند أسطوانة عائشة رضي الله عنها. وهو حديث منكر سيأتي الكلام عنه.
الرابع:
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وأنه كان يأتي مسجد الفتح ويدعو عنده، وسيأتي الكلام عنه.
الخامس:
ما ورد من تتبع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما للأماكن النبوية تبركاً بها.
السادس:
ما نُقل عن بعض أئمة السلف، كمالك وأحمد والبخاري.
وقبل الإجابة على هذه الأدلة أو الشبهات، لابد من التأكيد على أنَّ جواز التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى الذي ذكره المؤلف، ليس مما قال به أحدٌ من سلف الأمة، بل ولا قال به أحدٌ من الأئمة الكبار عند سبر أقوالهم ومدلولاتها، وليس هو من باب ما يسوغ فيه الاجتهاد، ولذا فإن الرد على هذه الشبهات لا يتعلق بتصحيح حديث اختلف المحدثون فيه، ولا بتوثيق رجل اختلف علماء الجرح والتعديل في شأنه، ولا هو بمأخذ في دلالة لفظة، حمالة أوجه، وإنما هو في تصور الدلالة وانطباقها على الواقع، الأمر الذي غاب عن الشيخ - غفر الله له -، وأنا على يقين تام بأنه لو تأملها، لرجع عن قوله، كيف لا؟! وهو المعروف بدفاعه عن السنة، وذوده عن حياضها في مدينة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.
والرد على ما ذكره واستدل به الشيخ سيكون إن شاء الله على وجهين: مجمل، ومفصل:
فأما المجمل، فيقال:(1/322)
لو كان الأمر كما قال الشيخ - عفا الله عنه - (ص14) ((التبرك بما يسمى (الآثار النبوية المكانية) أي الأماكن التي وُجد فيها النبي صلى الله عليه وسلم أو صلى فيها أو سكن بها أو مكث بها ولو لبرهة)) أ. هـ، لو كان المشروع من التبرك بآثاره صلى الله عليه وسلم يبلغ هذا الحد، لكان حجم المنقول من ذلكم التبرك من أفعال الصحابة أكثر من أن يحصر وبما يغني الشيخ عن عناء تتبع الوارد في هذا الباب، ذلك أن عدد ما نَزَله النبي صلى الله عليه وسلم من الأماكن يفوق العد والحصر، وما وطئته قدماه الشريفتان يتجاوز التعداد، ومع ذلك فلم يثبت عن الصحابة رضي الله عنهم أنهم تبركوا بالمكان الذي نزله، أو أنهم تتبَّعوا مواطئ أقدامه صلى الله عليه وسلم لا في حياته ولا بعد وفاته، كتبركهم بآثاره صلى الله عليه وسلم كشعره ووضوئه ونخامته، دع عنك أن يتتابعوا عليه، فلما تركوه وهم من هم حرصاً على الخير وحباً للنبي صلى الله عليه وسلم كان فيه أبلغ دليل على عدم مشروعية مثل هذا الصنيع بل وبدعيته وخروجه عن الهدي الأول. فدعوى التبرك بما مكث به ولو لبرهة: دعوة للتبرك بغار حراء، وشعاب مكة، وجبال مكة والمدينة وسهولهما، وما لا حصر له من الأماكن.
أمَّا الجواب المفصل فيقال:
= أمَّا حديث عتبان بن مالك رضي الله عنه فقد أورده بتمامه (ص14) ثم قال: ((والدلالة من هذا الحديث واضحة في قول عتبان رضي الله عنه "فأتخذه مصلى" وفي إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ومعنى قول عتبان هذا: لأتبرك بالصلاة في المكان الذي ستصلي فيه، قال الحافظ ابن حجر: وفيه التبرك بالمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم أو وطئها، قال ويستفاد منه أن من دعي من الصالحين ليتبرك به أنه يجيب إذا أمن الفتنة. وقد علق سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز على هذه الفقرة بقوله: هذا فيه نظر، والصواب أن مثل هذا خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم لما جعل الله فيه من البركة وغيره لا يُقاس عليه لما بينهما من الفرق العظيم .... ثم قال المؤلف: يفهم من كلامه هذا - أي ابن باز - الإقرار بدلالة حديث عتبان على مشروعية التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم وهو المقصود)) اهـ.
فأنت ترى هنا أن الدعوى أكبر من الدليل، فالدعوى هي وجوب المحافظة على آثار النبي صلى الله عليه وسلم المكانية من أجل التبرك بها حيث إنَّ من فوائد المحافظة عليها - كما ذكر في الفائدة الثانية - التبرك بها، فالشيخ - عفا الله عنه - يوجب المحافظة على هذه الآثار حتى نتمكن من التبرك بها، وأين في حديث عتبان، أو من كلام ابن حجر، أو حتى من كلام ابن باز المحافظة على هذه الآثار؟!، غاية ما في الحديث أن عتبان رضي الله عنه طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته كي يتخذه مصلى هذا أوّلاً. ثم بعد ذلك نأتي لمناقشة ما إذا كان ذلك للتبرك أم لا؟ فالحديث يحتمل احتمالات عدة ذكرها العلماء:
منها: ما نقله المؤلف عن ابن حجر.
ومنها: مالم ينقله المؤلف من قول ابن حجر في الصفحة نفسها: ((ويحتمل أن يكون عتبان إنما طلب بذلك الوقوف على جهة القبلة بالقطع)) (هامش فتح الباري) (1/ 522) وقد كان رضي الله عنه ضريراً.(1/323)
والاحتمال الثالث: ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (17/ 468) حيث قال: ((فإنه قصد أن يبني مسجداً وأحب أن يكون أول من يصلي فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبنيه في الموضع الذي صلى فيه، فالمقصود كان بناء المسجد)) وقال في (اقتضاء الصراط المستقيم) (2/ 754): ((ففي هذا الحديث دلالة على أن من قصد أن يبني مسجده في موضع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا بأس به، وكذلك قصد الصلاة في موضع صلاته، لكن هذا أصلُ قصدِه بناء مسجد فأحب أن يكون موضعاً يصلي له فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليكون النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رسم المسجد)) أ. هـ.
فأهل بيت عتبان رضي الله عنه لم يُنقل عنهم أنهم فعلوا ذلك، ولا أحدٌ من الصحابة تبعه في ذلك وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم ما طلبه عتبان مع أنَّ فيهم من هو أفضل وأحرص على الاقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم منه كأبي بكر وعمر وغيرهما، بل لم يُنقل عنهم حرصهم على التنفُّل في محرابه صلى الله عليه وسلم. ثم إن هذا ينسحب أيضاً على النساء، فنساؤه في بيوته صلى الله عليه وسلم لم يُنقل عنهن أنهن كنَّ يفعلن ذلك، أم أنَّ التبرك خاص بالرجال دون النساء؟!. كلُّ ما في الأمر أن عِتبان كلَّ بصرُه، وفعل فعلاً كان يرى عليه فيه غضاضة، وهو صلاته في بيته، فأراد إقرار النبي صلى الله عليه وسلم له على فعله، وأراد النبي صلى الله عليه وسلم إكرامه ومواساته، وهو الرؤوف الرحيم بصحابته وبالمؤمنين صلى الله عليه وسلم.
وقد ذكر المؤلف (ص23) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذهب مع النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله عنه إلى بيت عتبان رضي الله عنه وفي (ص14) قال: ((وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه)) أ. هـ يعني حديث المعرور بن سويد والذي فيه إنكار عمر بن الخطاب رضي الله عنه على من قصد الصلاة في مكان صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم - وسيأتي - فهذا فقه عمر رضي الله عنه، وهو الذي ذهب مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيت عتبان بن مالك رضي الله عنه كما ذكر المؤلف، فمن أولى بالاتباع؟!
وأياً كان الأمر فلا يُعرف أن الصحابة رضي الله عنهم أو من أتى بعدهم، حافظوا على مصلى عتبان رضي الله عنه ليتبركوا به، إلا ما رواه ابن سعد في الطبقات (3/ 550) عن الواقدي أنه قال: (فذلك البيت - يعني بيت عتبان - يصلي فيه الناس بالمدينة إلى اليوم) والواقدي متروك كذاب.
= أمَّا الدليل الثاني وهو أثر سلمة بن الأكوع رضي الله عنه فقد قال المؤلف - عفا الله عنه - (ص17): ((وثبت عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه كان يتحرى المكان الذي كان يصلي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بين المنبر والقبلة: ففي الصحيحين عن يزيد بن أبي عبيد عن سلمة رضي الله عنه أنه كان يتحرى موضع مكان المصحف يسبح فيه، وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى ذلك المكان.
وفي رواية في الصحيح أيضاً قال يزيد كان سلمة يتحرى الصلاة عند الأسطوانة التي عند المصحف فقلت له: يا أبا مسلم أراك تتحرى الصلاة عند هذه الأسطوانة قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها)) أ. هـ(1/324)
فأين في أثر سلمة رضي الله عنه التبرك بالأسطوانة أو بالمصلى خلفها، غاية ما فيه تحريه الصلاة عندها اقتداء بتحري النبي صلى الله عليه وسلم وهذا من جنس الصلاة خلف مقام إبراهيم أو في مسجد قباء مع أن الصلاة عندهما أوكد من الصلاة عند الأسطوانة لما ثبت من فعله وقوله وترتيب الأجر على ذلك، ومع ذلك لم يقل أحدٌ من السلف أن الصلاة خلف المقام أو في مسجد قباء، كانت للتبرك بالمكان بل هو اقتداءٌ بالنبي صلى الله عليه وسلم طلباً للأجر لا لبركة المكان، ثم لو كان ذلك للتبرك فأين سلمة وسائر الصحابة رضي الله عنهم من محرابه صلى الله عليه وسلم، وهذا ما سبق الحديث عنه من أنَّ الشيخ يخلط بين التبرك والتعبد والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك علق شيخ الإسلام ابن تيمية كما في (مجموع الفتاوى) (17/ 467) على حديث سلمة رضي الله عنه بقوله: ((وقد كان سلمة بن الأكوع يتحرى الصلاة عند الأسطوانة قال لأني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحرى الصلاة عندها فلما رآه يقصد تلك البقعة لأجل الصلاة كان ذلك القصد للصلاة متابعة)) أ. هـ فهي متابعةٌ قصداً للأجر وليست تبركاً بالمكان، ويتأكد هذا التخريج بأنَّ سلمة رضي الله عنه وغيره من الصحابة كذلك، ما كانوا يتحرون كلَّ بقعةٍ صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم إنما كانوا يتحرون ما كان يتحراه صلى الله عليه وسلم، ومذهب الشيخ أن كل مكان مكث فيه النبي صلى الله عليه وسلم ولو لبرهة فهو محلٌ للتبرك وهو على خلاف مذهب سلمة المستدل بفعله، ثم أين في الأثر إشارة إلى التبرك المزعوم؟! غاية ما فيه تحريه الصلاة حيث تحرَّاها النبي صلى الله عليه وسلم، ولو سلمنا جدلاً أن التحري كان للتبرك فهو تبركٌ بما لامس جسده الشريف في ذلك الوقت، وليس تبركاً بالبقعة ذاتها، فلو أراد أحدٌ اليوم أن يصلي خلف الأسطوانة تأسياً فله ذلك، أما تبركاً فلا، أيتبرك بالفرش الأعجمية أم بأنواع الرخام المصنوع في الشرق أو الغرب؟! فليس ثمة ما مسَّ جسده الطاهر صلوات الله وسلامه عليه.
ومن الغرائب أن الشيخَ يعدُّ هذا الأثر من قسم المرفوع حتى يعارض به أثر عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيقول (ص27): ((فهذا أثر موقوف على عمر رضي الله عنه فكيف يناهض حديثين مرفوعين مقطوعاً بهما رواهما البخاري ومسلم، وهما: حديث عتبان، وحديث سلمة بن الأكوع المتفق عليه)) ولا أدري ما وجه كون حديث سلمة رضي الله عنه مرفوعاً وهو من فعله واجتهاده بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم؟!
= أمَّا ثالث أدلته وهو تحري الصحابة الصلاة عند أسطوانة عائشة رضي الله عنها فقد أورد فيه حديثاً منكراً، ولو صح فليس فيه دليل على التبرك، فقد قال - عفا الله عنه - (ص21): ((وأسطوانة عائشة كانت تسمى أسطوانة المهاجرين حيث كانوا يجتمعون عندها، وكان الصحابة يتحرون الصلاة عندها، ذكر ذلك الحافظ في الفتح، ... ثم قال: روى الطبراني في الأوسط عن عائشة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن في المسجد لبقعة قِبَل هذه الأسطوانة، لو يعلم الناس ما صلُّوا فيها إلا أن تُطَيَّر لهم فيها قرعة ... الخ الحديث)).أ. هـ
والحديث رواه الطبراني في (الأوسط) (1/ 475) من طريق عتيق بن يعقوب قال حدثنا عبد الله ومحمد ابنا المنذر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، ومحمد بن المنذر هو الزبيري يروي عن هشام أحاديث موضوعة ومنكرة، وعبد الله أخوه لا تُعرف له ترجمة. انظر: (السلسلة الضعيفة) للألباني (2390)(1/325)
والحديث - لو صح - ليس فيه دليل أنهم كانوا يتحرُّون الصلاة عند الأسطوانة تبركاً بل اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل كان الصحابة رضي الله عنهم يبتدرون السواري وهي الأسطوانات - وقد كانت من خشب - للصلاة عندها وجعلها سترة لهم، وهذا معروف مشهور.
ثم إن الغريب من الشيخ أنه لم يكتفِ بأسطوانة عائشة المزعومة بل زاد عليها وقال (ص20): ((ومن الأماكن النبوية في الروضة الشريفة الأسطوانات الأخرى، وهي: أسطوانة السرير، وأسطوانة الحرس، وأسطوانة الوفود، وأسطوانة التوبة، وأسطوانة التهجد)) ولا أدري أيريد من الناس الذهاب إلى هذه الأسطوانات ليلتمسوا البركة عندها؟!
مع العلم أن أياً من هذه الأسطوانات لم يرد فيها حديث خلا أسطوانة التوبة - والتي تيب عندها على أبي لبابة رضي الله عنه - فقد ورد فيها حديث إسناده ضعيف، انظر: صحيح ابن خزيمة (رقم2236) وضعيف ابن ماجه (رقم350).
= أمَّا دليله الرابع، فهو حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما فقد قال الشيخ (ص23): ((وثبت عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أنه كان يأتي مسجد الفتح الذي على الجبل، يتحرى الساعة التي دعا فيها النبي صلى الله عليه وسلم على الأحزاب ويتحرى المكان أيضاً ويقول: ولم ينزل بي أمر مهم غائظ إلا توخيت تلك الساعة فدعوت الله فيه بين الصلاتين يوم الأربعاء إلا عرفت الإجابة)) وقال في موضع آخر (ص59): بعد أن ذكر الحديث ((يقصد رضي الله عنه أنه يتوخى الزمان والمكان أي يدعو في تلك الساعة في ذلك المكان الذي دعا فيه النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد الفتح، بدليل رواية البخاري في الأدب المفرد ولفظه: .. - ثم ذكر اللفظ المتقدم آنفاً -)) أ. هـ
وحديث جابر هذا رواه الإمام أحمد في (المسند) (22/ 425 بتحقيق الأرنؤوط) والبزار في مسنده ومن طريقه ابن عبد البر في التمهيد (19/ 200) من طريق أبي عامر العَقَدي عن كثير بن زيد بلفظ: ((إلا توخيت تلك الساعة فأدعو فيها فأعرف الإجابة))، وفي إحدى روايات البزار أنه: ((يدعو في تلك الساعة في مسجد قباء)) ذكرها المؤلف نفسه (ص59)، ورواه ابن سعد في الطبقات (2/ 73) وابن الغطريف في جزئه (ص107) ومن طريقه عبد الغني المقدسي في الترغيب في الدعاء (ص49) من طريق عبيد الله بن عبد المجيد عن كثير بن زيد بلفظ: ((إلا توخيت تلك الساعة من ذلك اليوم فدعوت فعرفت الإجابة)) ورواه البخاري في الأدب المفرد (2/ 167 مع الشرح) من طريق سفيان بن حمزة عن كثير بن زيد بلفظ: ((إلا توخيت تلك الساعة فدعوت الله فيه))، وأصح هذه الروايات إسناداً رواية أحمد فأبو عامر أوثق من عبيد الله ومن سفيان لذلك قال المنذري في الترغيب والترهيب (2/ 142): رواه أحمد والبزار وغيرهما وإسناد أحمد جيد، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (4/ 12): رواه أحمد والبزار ورجال أحمد ثقات، وكثير بن زيد نفسُه فيه كلام انظر: (السنن والأحكام) (4/ 300) للضياء المقدسي و (اقتضاء الصراط المستقيم) (2/ 816) لابن تيمية، والحديث ضعف إسناده الأرنؤوط في تخريجه للمسند من أجل كثير بن زيد، وحسَّنه الألباني في (صحيح الأدب المفرد) (1/ 256) و (صحيح الترغيب والترهيب) (2/ 24) باللفظين معاً، وأنكر ابن تيمية أن يكون جابر رضي الله عنه كان يتحرى المكان فقال في اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 816) ((ولم يُنقل عن جابر رضي الله عنه أنه تحرى الدعاء في المكان بل في الزمان)).(1/326)
= أمَّا تتبع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما للأماكن النبوية فقال المصنف (ص17): ((وقد بوب البخاري في صحيحه فقال: "باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم " وذكر فيه أحاديث فيها تتبع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لهذه المواضع والتبرك بها، ومثله سالم ابنه كان يتحرى هذه المواضع، ويُفهم من تبويب البخاري وذكره لهذه المواضع أنه يرى مشروعية التبرك بذلك)) وفي (ص23) قال: ((ولذلك لم ينقل أن عمر أنكر على ابنه عبد الله شدة تتبعه للأماكن النبوية وتبركه بها، بل لم يرد عن أي أحدٍ من الصحابة أنه أنكر عليه ذلك، فهم وإن لم يُنقل عنهم أنهم كانوا يفعلون ذلك مثله لكن عدم إنكارهم يدل على مشروعية فعله رضي الله عنه)) أ. هـ
والعجب لا ينقضي من صنيع المؤلف هذا! فقد زعم أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يفعل ذلك تبركاً وليس فيما أورده ما يشير إلى ذلك، ثم زعم أن البخاري من تبويبه هذا يُفهم منه أنه يرى مشروعية التبرك، فبنى خطأً على خطأ، والبخاري بريء من ذلك، ثم زعم أن عمر رضي الله عنه لم ينكر على ابنه وسيأتي أنه أنكر على ما هو أشد من ذلك، فماذا يريد الشيخ من كل ذلك؟!
وهاكم نص الحديث كما أورده البخاري، ولنفتش سوياً عما زعمه المؤلف من تبرك ابن عمر رضي الله عنهما بهذه الأماكن، قال البخاري: ((حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي قال: حدثنا فضيل بن سليمان قال: حدثنا موسى بن عقبة قال: رأيت سالم بن عبد الله يتحرى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدث أن أباه كان يصلي فيها وأنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في تلك الأمكنة. وحدثني نافع عن ابن عمر أنه كان يصلي في تلك الأمكنة وسألت سالماً فلا أعلمه إلا وافق نافعاً في الأمكنة كلها إلا أنهما اختلفا في مسجد بشرف الروحاء)) أ. هـ، فأين في الحديث أن ابن عمر كان يتبرك بهذه الأماكن حتى يرتب عليها المؤلف كلامه السابق؟! وكذا تبويب البخاري: ((باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم)) أين فيه مشروعية التبرك بهذه المساجد والمواضع التي صلى فيها النبي صلى الله عليه وسلم؟! وهذا يؤكد ما ذكرته من أنَّ مبنى خطأ المؤلف هو الخلط بين ما كان يفعله الصحابة اقتداءً واتباعاً للنبي صلى الله عليه وسلم وما كانوا يفعلونه تبركاً.(1/327)
أما زعمه أن عمر رضي الله عنه لم ينكر على ابنه عبد الله فجوابه: أنه أنكر على جمع من الصحابة فعلوا فعل ابن عمر رضي الله عنهم، فعن المعرور بن سويد الأسدي قال: ((وافيت الموسم مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فلما انصرف إلى المدينة، وانصرفت معه، صلى لنا صلاة الغداة، فقرأ فيها: {ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل} و {لإيلاف قريش}، ثم رأى أناساً يذهبون مذهباً، فقال: أين يذهبون هؤلاء؟ قالوا: يأتون مسجداً ها هنا صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إنما أهلك من كان قبلكم بأشباه هذه يتبعون آثار أنبيائهم، فاتخذوها كنائس وبيعاً، ومن أدركته الصلاة في شيء من هذه المساجد التي صلى فيها رسول الله، فليصل فيها، ولا يتعمدنَْها)). رواه الطحاوي في (مشكل الآثار) (12/ 544) واللفظ له، وابن أبي شيبة في (المصنف) (2/ 376) وهذا الأثر صحح إسناده ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (1/ 281) والألباني في (تخريج فضائل الشام) (ص49) وقال في (الثمر المستطاب) (1/ 472): وهذا إسناد صحيح على شرط الستة. والحديث صريح في إنكار عمر رضي الله عنه على من فعل ذلك وهذا الإنكار كان أمام جمعٍ من الصحابة، ولا أدري كيف خفي هذا على الشيخ؟ بل لم يخف عليه، فقد سبقت الإشارة إلى أنه قال (ص14): ((وليس مع المانعين سوى حديث موقوف على عمر بن الخطاب رضي الله عنه)) فهو - غفر الله له - يعرف حديث عمر الذي أنكر فيه على من فَعَلَ فِعْلَ ابنه عبد الله ثم يقول ولم يُنقل عن عمر أنه أنكر على ابنه! ومن نظر في سيرة عمر رضي الله عنه يجدها مُطَّرِدَةً في إنكار مثل هذا الصنيع حتى أنه أمر بقطع الشجرة التي بويع النبي صلى الله عليه وسلم تحتها لما بلغه أنَّ ناساً يأتونها ويصلون عندها. كما في مصنف ابن أبي شيبة (2/ 375) وقال ابن حجر في الفتح: ((ثم وجدت عند ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر رضي الله عنه بلغه أن قوماً يأتون شجرة فيصلون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت)) أما على رأي الشيخ فإنه تجب المحافظة على الشجرة، ويجوز التبرك عندها كذلك!
قال ابن تيمية كما في (اقتضاء الصراط المستقيم) (2/ 756): ((كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار يذهبون من المدينة إلى مكة حجاجاً وعماراً ومسافرين ولم ينقل عن أحدٍ منهم أنه تحرى الصلاة في مصليات النبي صلى الله عليه وسلم ومعلوم أن هذا لو كان عندهم مستحباً لكانوا إليه أسبق، فإنهم أعلم بسنته وأتبع لها من غيرهم))، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز «الذي عدَّه المؤلف ممن يجيزون التبرك بالمكان الذي صلى فيه النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق نقله عنه: ((والحق أن عمر رضي الله عنه أراد بالنهي عن تتبع آثار الأنبياء، سد الذريعة إلى الشرك، وهو أعلم بهذا الشأن من ابنه رضي الله عنهما، وقد أخذ الجمهور بما رآه عمر، وليس في قصة عتبان ما يخالف ذلك، لأنه في حديث عتبان قد قصد أن يتأسى به صلى الله عليه وسلم في ذلك، بخلاف آثاره في الطرق ونحوها فإن التأسي به فيها وتتبعها لذلك غير مشروع، كما دل عليه فعل عمر، وربما أفضى ذلك بمن فعله إلى الغلو والشرك كما فعل أهل الكتاب والله أعلم)) (هامش فتح الباري) (1/ 569).
ثم إنَّ عبد الله ابن عمر رضي الله عنهما كان من شدة تتبعه للنبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يقضي حاجته حيث قضاها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك عنه في مسند الإمام أحمد (10/ 294 رقم 6151 بتحقيق الأرنؤوط) وصحيح البخاري (2/ 519 رقم 1668)، فهل كان ذلك منه تبركاً؟!(1/328)
= أمَّا استشهاده بأقوالٍ لأئمة السلف كمالك وأحمد والبخاري فقد قال - عفا الله عنه - (ص25): ((ومشروعية التبرك بالأماكن النبوية هو مذهب البخاري كما ذكرنا - يعني تبويبه في كتاب الصلاة، باب: المساجد التي على طريق المدينة وسبق الرد عليه - ومذهب البغوي، والنووي، وابن حجر، بل هو مذهب الإمام أحمد «وقد استدل الإمام على ذلك بأن الصحابة كانوا يتبركون برمانة المنبر، يتبركون بالموضع الذي مسته يد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب مالك، فقد روى أبو نعيم في الحلية أن هارون الرشيد أراد أن ينقض منبر النبي صلى الله عليه وسلم ويتخذه من جوهر وذهب وفضة فقال له مالك: لا أرى أن تُحرم الناس من أثر النبي صلى الله عليه وسلم، وسبق كلامه في استحباب صلاة النافلة في مكان مصلاه صلى الله عليه وسلم من مسجده)) أ. هـ. يعني بذلك ما ذكره (ص20) أن مالكاً سئل أي المواضع أحب إليك الصلاة فيه؟ قال: أما النافلة فموضع مصلاه، وأما المكتوبة فأول الصفوف.
والذي يهمنا هنا هو النقل عن الأئمة الثلاثة مالك وأحمد والبخاري، وبغض النظر عن صحة أسانيد هذه الأقوال فأين هي مما يدعو إليه المؤلف من المحافظة على آثار النبي صلى الله عليه وسلم المكانية للتبرك بها؟! فكلام الإمام أحمد عن رمانة منبره صلى الله عليه وسلم وكلام الإمام مالك عن نقض المنبر هو عمَّا مسته يد النبي صلى الله عليه وسلم لا عن آثاره المكانية، فأين هو المنبر اليوم وأين رمانته؟!
أمَّا ما نقله عن الإمام مالك وأنه يرى أفضلية صلاة النافلة في موضع مصلاه فهذا على سبيل الاقتداء لا التبرك، وقد قال ابن وضاح القرطبي في البدع والنهي عنها (ص108): ((وكان مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة يكرهون إتيان تلك المساجد وتلك الآثار للنبي صلى الله عليه وسلم ماعدا قباءً وأحداً -يعني شهداء أحد)) وقال ابن بطال في شرح البخاري (3/ 159) ((روى أشهب عن مالك أنه سئل عن الصلاة في المواضع التي صلى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: ما يعجبني ذلك إلا مسجد قباء))، أما الإمام أحمد فقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم (2/ 754): ((وأما أحمد فرخَّص منها فيما جاء به الأثر من ذلك إلا إذا اتخذت عيداً، مثل أن تنتاب لذلك، ويجتمع عندها في وقت معلوم)) يعني حتى ما جاء فيه الأثر كمسجد قباء يشدد فيه أحمد إذا اتخذ عيداً، فماذا بعد ذلك؟!
ومن عجائب الشيخ في هذا الكتاب أنه يدعو إلى التبرك الآن بشرب ماء الآبار التي سقط فيها خاتم النبي صلى الله عليه وسلم قبل أربعة عشر قرناً، قال - عفا الله عنه - (ص13): ((ومنه - أي التبرك - قصدُ الآبار النبوية التي نُقل أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم تفل فيها أو صبَّ وضوءه فيها، أو سقط شيء من متعلقاته فيها، كبئر أرِيس التي سقط فيها خاتمه بقصد التبرك بالشرب منها، فهذا أمر مشروع لأنه متفرع من مسألة التبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه صلى الله عليه وسلم الذي كان الصحابة يتسابقون إلى التبرك به)) أ. هـ، وهذا لا أعرف أحداً سبق الشيخ إليه، وقوله: ((لا فرق في الحكم بينه وبين وضوئه))، غير صحيح فالصحابة رضي الله عنهم فَرَّقوا بينهما فكانوا يتبركون بوضوئه ولم يُنقل عنهم أنهم كانوا يشربون من ماء بئر أرِيس تبركاً بعد سقوط خاتم النبي صلى الله عليه وسلم فيه من يد عثمان رضي الله عنه كما في الصحيحين.
والخلاصة:
أنَّ التبركَ بآثار النبي صلى الله عليه وسلم الحسيَّة كبطنه وشعره ونخامته وكذا ما لامس جسده الطاهر الشريف كوضوئه وملابسه؛ صحيحٌ، قد فعله الصحابة ومِن بعدهم بعض التابعين ثم عفا الفعل كما عفا الأثر، وما قَصَدَه النبي صلى الله عليه وسلم للصلاة أو الدعاء عنده من الأماكن كمسجد قباء ومقام إبراهيم فقصده للصلاة أو الدعاء اقتداءً به، سنةٌ مستحبة، أمَّا التبرك بها فبدعةٌ منكرة، وأمَّا ما لم يقصده من الأماكن فالصحيح عدم قصد الصلاة عنده إلا إذا وافق ذلك وقت صلاة، أمَّا وجوب المحافظة على الآثار النبوية المكانية لغرض التبرك عندها فلم يقل به أحدٌ من العلماء لا من السلف ولا من الخلف، وفتحه فتح باب شرٍ وفتنة.
والله أعلم وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين(1/329)
وقفات مع موضوع المسعى الجديد
بقلم المشرف على موقع الدرر السنية
الشيخ علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
aasaggaf@dorar.net
16/4/1429 هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
بادئ ذي بدء أود التنويه إلى أن هذه الوقفات ليست فتوى بصحة السعي في المسعى الجديد أو بطلانه، ولا هي بحث علمي يسرد الأدلة ويناقشها، ولكنها توصيف للحال وتكييف للمشكلة وتوضيح للموقف الذي ينبغي أن يتخذه المسلم إزاءها.
الوقفة الأولى:
أن هذه القضية معضلة وليست بالهينة، ونازلة من النوازل التي ما ينبغي أن يفتي فيها متوسطو طلبة العلم فضلاً عن صغارهم، وما ينبغي أن يُترك من هب ودب من الإعلاميين وغيرهم يخوضون فيها بجهل أوهوى أو لأطماع شخصية.
الوقفة الثانية:
أنها قضية تمس ركناً من أركان الإسلام، وعبادة من أشرف العبادات (الحج والعمرة)، فعلى المسلم ألاَّ يستخف بها ويبحث عن أيسر الفتاوى فيها، بل عليه أن يتحرى أصوبها وأحوطها ولا يغتر بكثرة المفتين والمؤيدين، لكن عليه أن ينظر في أقوال أكثرهم علماً وورعاً، وأحرصهم على اتباع السنة.
الوقفة الثالثة:
على طالب الحق ألا يغتر بما تتناقله وسائل الإعلام من مجلات وصحف وإنترنت وغيرها فهذه ليست مصادر لتلقي العلم إلا ما كان منها منقولاً عن الثقات الأثبات.
الوقفة الرابعة:
أصل الخلاف في المسألة قضيتان:
الأولى: هل نحن مقيدون في السعي بين الصفا والمروة بعرضهما أم يجوز الخروج عنهما بما يقاربهما أو يحاذيهما؟
والثانية: كم عرض الصفا والمروة وهل يتسعان فتشملهما التوسعة الجديدة أم لا؟
لذلك انقسم المتكلمون في هذه المسألة إلى ثلاث فئات:
الأولى: ترى جواز السعي خارج عرض جبلي الصفا والمروة.
والثانية: ترى أنه لابد من السعي بين الجبلين عرضاً وطولاً ولكنهم يرون أن عرضهما يتسع ليشمل المسعى الجديد وزيادة، وهاتان الفئتان تجوِّزان السعي في المسعى الجديد.
والثالثة: ترى أنه لابد من السعي بين الجبلين عرضاً وطولاً وأن المسعى الجديد خارج عرض الجبلين من جهة الشرق المقابلة للكعبة من الجهة الأخرى، وبالتالي فهم لا يجيزون السعي في المسعى الجديد.
الوقفة الخامسة:
أن غالبية هيئة كبار العلماء بالمملكة العربية السعودية إضافة إلى علماء كبار ليسوا فيها، هم من الفئة الثالثة. وحجتهم أنه ثبت تاريخياً أن عرض المسعى ستة وثلاثون ذراعاً تقريباً أي ما يعادل 20 متراً وهو عرض المسعى الحالي بعد آخر توسعة حصلت له عام 1375هـ، وأن الجدار القائم وضع بفتوى من سماحة مفتي المملكة آنذاك الشيخ محمد بن إبراهيم بعد أن كلف لجنة عاينت الموقع وحددت عرض الصفا وبناء على هذه الفتوى تمت التوسعة المذكورة آنفاً، وهذا أقوى دليل لدى المانعين.
الوقفة السادسة:
أنه صدرت خلال الأشهر الماضية فتاوى لبعض العلماء وبحوث علمية لبعض طلبة العلم ودراسات تاريخية وجغرافية وجيولوجية وتقارير هندسية لمنطقة المسعى وتم توثيق شهادة عدد من كبار السن من أهالي مكة لدى المحكمة بمكة يشهدون أن المسعى ممتد إلى التوسعة الجديدة، وهذا أقوى أدلة المجيزين، وقد قرأت هذه الفتاوى والبحوث، وتناقشت مع عدد ممن لديهم الصور والخرائط والتقارير الجغرافية والجيولوجية واطلعت على شهادة الشهود.
الوقفة السابعة: أن وسائل الإعلام نقلت لنا تأييد عدد كبير من علماء ومفتي العالم الإسلامي لبناء التوسعة الجديدة وأغلبهم علق ذلك بالمصلحة والتوسعة على الحجاج والمعتمرين، وهذا فيه دلالة على أحد أمرين: إما أن يكون هذا المؤيِّد لم يحط علماً بالقضية ويظن -ثقة- أن المسعى الجديد لا يخرج عن عرض الصفا، أو أنه ممن لا يرون بأساً بالسعي خارج الصفا تيسيراً على الناس.
الوقفة الثامنة:(1/330)
أن علماء الشيعة كبارهم وصغارهم مختلفون كذلك فمنهم المجيز ومنهم المانع، وإنما ذكرتهم -مع أنه لا يُعتد بفقههم- لما لهم من ثقل سياسي وحضور كثيف في الحج والعمرة وقد يكون له تأثير في مسار القضية.
الوقفة التاسعة:
إن أعمال التوسعة للمسعى حتى كتابة هذه السطور تسير على قدم وساق، ليل نهار، وما هي إلا أشهر ويصبح المسعيان الجديد والقديم -بعد إعادة بنائه- جاهزين للاستخدام وتتحول القضية من نقاش علمي نظري إلى تطبيق عملي وسيسأل الناس نحج أم لا نحج؟ نعتمر أم لا نعتمر؟ نسعى أم لا نسعى؟ وكيف نسعى؟
الوقفة العاشرة:
وهي بيت القصيد، ما موقف المسلم من كل ما يجري؟ وما العمل الآن؟ وما المتوقع أن يحصل في الأشهر القليلة القادمة؟ وما الذي سيسفر عنه هذا الخلاف القائم اليوم؟ وهذه كلها أسئلة تحتاج إلى إجابة:
أولاً: من الناحية الشرعية فلن يعدو الأمر ثلاث احتمالات:
1 - أن يقتنع المانعون بأدلة المجيزين ويصدروا فتوى بالجواز (ولو بالأغلبية)
2 - أن يقتنع المجيزون بأدلة المانعين ويتراجعوا عن أقوالهم (ولو بالأغلبية) وأعني بهم العلماء وبعض طلبة العلم الذين كتبوا بحوثاً علمية في الموضوع أما أصحاب الإشادة والتهنئة والتبريك فليسوا من أهل هذه المسائل في قبيل ولا دبير.
3 - أن يبقى كلٌ على رأيه. وإن تراجع بعض هؤلاء وبعض هؤلاء بما لا يؤثر في رفع الخلاف.
ثانياً: من الناحية العملية فلن يعدو الأمر ثلاثة احتمالات أيضاً وهي تبع للناحية الشرعية:
1 - في حال اقتناع المانعين بأدلة المجيزين فالأمر واضح، وسيمضي المشروع كما خُطط له وسيسعى الناس في المسعى الجديد (إلا قليل منهم ولا حكم لهم)
2 - في حال اقتناع المجيزين بأدلة المانعين فالأمر أيضاً واضح وسيكون السعي في المسعى القديم بعد أن يكون قد تم تجديده آنذاك، أما مبنى المسعى الجديد فستكون له وظيفة أخرى يحددها المسئولون عن إدارة المسجد الحرام.
3 - الحالة الثالثة وهي بقاء كلٍّ من الفريقين -أو أغلبهم- على رأيه، فها هنا لا يخلو الأمر من حالين:
الحال الأول: أن يمضي الأمر بما يوافق رأي المانعين فيؤول الأمر إلى ما ذُكر قبل قليل وهو: حال اقتناع المجيزين بأدلة المانعين
الحال الثانية: أن يمضي الأمر بما يوافق رأي المجيزين وهنا لا يخلو من حالين أيضاً:
الأول: أن يكون المسعى الجديد في اتجاه واحد من الصفا إلى المروة والقديم في اتجاه واحد أيضاً من المروة إلى الصفا -وهذا هو ما صُمم له حسب اطلاعي على المخططات- وهنا لا بد أن يكون للعلماء المانعين وقفة مع الحدث وفتوى تتناسب مع هذه النازلة ومع الوضع القائم.
الثاني: أن يكون كلٌّ من المسعيين القديم والجديد باتجاهين، فيكون السعي في مبنى المسعى الجديد من باب الاختيار لا الإجبار، وهنا سيقلد الساعون من يثقون في فتواه وسيتبع بعضهم الأيسر له دون النظر في الحكم كما هو الحال في السعي في الطابق العلوي.
وعليه فالخوض في هذا الآن ليس مجدياً وفيه تضييع للأوقات، كما أنه ليس من الحكمة التسرع في إطلاق الأحكام واتخاذ موقف قد يندم عليه المرء مستقبلاً.
الوقفة الحادية عشرة:
ما العمل الآن وقد تم هدم المسعى القديم ولا يوجد إلا المسعى الجديد ومن العلماء من يفتي بجواز وإجزاء السعي فيه ومنهم من يفتي ببطلانه؟
والجواب أنه مادام الأمر كذلك فلا يخلو الأمر من حالات ثلاث:
1 - أن يكون المرء مقتنعاً بقول المانعين فلا يسعه خلافه ولا يجزئه السعي.
2 - أن يكون المرء مقتنعاً شرعاً لا هوىً بقول المجيزين فيقلدهم وكلٌّ يتحمل مسئولية فتواه.
3 - أن يكون متردداً ولم يظهر له رجحان أحد القولين فهذا الأولى في حقه الأخذ بالأحوط وبما عليه الأكثر علماً واتباعاً للسنة.(1/331)
بقي أمرٌ آخر، وهو: هل هذا الاختلاف من الأمور الاجتهادية التي يسوغ فيها الخلاف ولا إنكار في مسائل الاجتهاد أم هو من المسائل التوقيفية المنصوص عليها؟
وهذا محله الوقفة الأخيرة.
الوقفة الأخيرة:
هذه المسألة المعضلة، والنازلة المجلجلة، من حيث النظر إلى النصوص الشرعية فهي مسألة توقيفية وليست اجتهادية فالسعي بين الصفا والمروة طولاً وعرضاً يكاد يكون محل اتفاق بين العلماء ولو خالف البعض فيه، ومن حيث توصيف الحال وهل المسعى الجديد يقع ضمن الصفا والمروة أم خارجهما؟ فمحل نظر وبحث واجتهاد وعليه يدور الخلاف.
وبالنظر إلى أدلة الفريقين تبين أن أقوى دليل لدى المانعين كما سبق ذكره شهود العيان عند بدء أول توسعة للمسعى بين عامي 1374هـ و 1378هـ وأقوى دليل لدى المجيزين شهود كبار السن الموجودين الآن، وهذه المسألة تحتاج إلى بسط ليس هذا محله، ولكن لا بأس في الاختصار لتتضح الصورة:
(1) أما شهود العيان فكان ذلك عام 1374هـ حيث شُكلت لجنة لمعاينة موضع المسعى ورفعت تقريرها لسماحة مفتي المملكة آن ذاك الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ والذي بناء عليه أصدر فتواه قائلاً: (تأملت قرار الهيئة المنتدبة من لدن سمو وزير الداخلية، وهم فضيلة الأخ الشيخ عبدالملك بن إبراهيم وفضيلة الشيخ عبدالله بن دهيش وفضيلة الشيخ علوي المالكي حول حدود موضع السعي مما يلي الصفا المتضمن أنه لا بأس بالسعي في بعض دار آل الشيبي والأغوات المهدومتين هذه الأيام توسعة، وذلك البعض الذي يسوغ السعي فيه هو ما دفعه الميل الموجود في دار آل الشيبي إلى المسعى فقط وهو الأقل، دون ما دفعه هذا الميل إلى جهة بطن الوادي مما يلي باب الصفا وهو الأكثر؛ فإنه لا يسوغ السعي فيه، فبعد الوقوف على هذا الموضع في عدة رجال من الثقات رأيت هذا القرار صحيحًا، وأفتيت بمقتضاه) (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 5/ 132)
والجدير بالذكر هنا أن اللجنة كما في تقريرها اصطحبت معها مهندساً وفنياً وقالت في نهاية التقرير: (هذا ما تقرر متفقاً عليه بعد بذلنا الوسع، سائلين من الله تعالى السداد والتوفيق) ثم وقع الجميع، وهذا يعني أن قرارهم هذا كان إجماعاً منهم كما أنهم بذلوا فيه وسعهم وطاقتهم.
وفي يوم الثلاثاء الموافق 10/ 2/1378هـ شُكلت لجنة أخرى من عدد من المشايخ وأعيان أهالي مكة وهم: الشيخ عبدالملك بن إبراهيم، والشيخ عبدالله بن جاسر، والشيخ عبدالله بن دهيش، والسيد علوي المالكي، والشيخ محمد الحركان، والشيخ يحيى أمان، وبحضور صالح قزاز وعبدالله ابن سعيد مندوبي محمد بن لادن لمعاينة مساحة الصفا والمروة، واستبدال الدرج بمزلقان، ونهاية أرض المسعى ومما جاء في تقرير اللجنة: (وبالنظر لكون الصفا شرعًا هو الصخرات الملساء التي تقع في سفح جبل أبي قبيس، ولكون الصخرات المذكورة لا تزال موجودة للآن وبادية للعيان، ولكون العقود الثلاثة القديمة لم تستوعب كامل الصخرات عرضًا. فقد رأت اللجنة أنه لا مانع شرعًا من توسيع المصعد المذكور بقدر عرض الصفا. وبناء على ذلك فقد جرى ذرع عرض الصفا ابتداء من الطرف الغربي للصخرات إلى نهاية محاذاة الطرف الشرقي للصخرات المذكورة في مسامتة موضع العقود القديمة ... ) (فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم 5/ 141)
وجاء في مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم (5/ 138):
(من محمد بن إبراهيم إلى حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم أيده الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .. وبعد:(1/332)
فبناء على أمركم الكريم المبلغ إلينا من الشيخ يوسف ياسين في العام الماضي حول تنبيه الابن عبدالعزيز على وضع الصفا ومراجعة ابن لادن لجلالتكم في ذلك، وحيث قد وعدت جلالتكم بالنظر في موضوع الصفا ففي هذا العام بمكة المكرمة بحثنا ذلك، وتقرر لدي ولدى المشايخ: الشيخ عبدالعزيز بن باز، والشيخ علوي عباس المالكي، والأخ الشيخ عبدالملك بن إبراهيم، والشيخ عبدالله بن دهيش، والشيخ عبدالله بن جاسر، والشيخ عبدالعزيز ابن رشيد: على أن المحل المحجور بالأخشاب في أسفل الصفا داخل في الصفا، ماعدا فسحة الأرض الواقعة على يمين النازل من الصفا فإننا لم نتحقق أنها من الصفا، أما باقي المحجور بالأخشاب فهو داخل في مسمى الصفا، ومن وقف عليه فقد وقف على الصفا كما هو مشاهد، ونرى أن ما كان مسامتاً للجدار القديم الموجود حتى ينتهي إلى صبة الأسمنت التي قد وضع فيها أصياخ الحديد هو منتهى محل الوقوف من اليمين للنازل من الصفا. أما إذا نزل الساعي من الصفا فإن الذي نراه أن جميع ما أدخلته هذه العمارة الجديدة فإنه يشمله اسم المسعى، لأنه داخل في مسمى ما بين الصفا والمروة، ويصدق على من سعى في ذلك أنه سعى بين الصفا والمروة. هذا وعند إزالة هذا الحاجز والتحديد باللينبغي حضور كلاً من المشائخ: الأخ الشيخ عبدالملك، والشيخ علوي المالكي، والشيخ عبدالله بن جاسر والشيخ عبدالله بن دهيش، حتى يحصل تطبيق ما قرر هنا، وبالله التوفيق)
وعندما أرادت الدولة السعودية عام 1393هـ توسعة المسعى أصدرت هيئة كبار العلماء وقتها فتوى بجواز السعي فوق سقف المسعى نظراً لأن المسعى قد استوعب مابين الصفا والمروة طولاً وعرضاً وجاء في الفتوى: (وبعد تداول الرأي والمناقشة انتهى المجلس بالأكثرية إلى الإفتاء بجواز السعي فوق سقف المسعى عند الحاجة، بشرط استيعاب ما بين الصفا والمروة، وأن لا يخرج عن مسامتة المسعى عرضاً)
وكل هذا يعني أن حدود نهاية الصفا قد تم تحديدها منذ ذلك الوقت وبناء عليه تم بناء الجدار الواصل من الصفا إلى المروة لذلك كان يفتي العلماء بعد ذلك ببطلان من سعى خارج هذا الجدار.
(2) وأما شهود الحال فقد وُثقت شهادة سبعة من كبار السن من أهالي مكة بالمحكمة العامة بمكة المكرمة وصدر بها صك شرعي بتاريخ 24/ 12/1427هـ جاءت شهاداتهم على النحو التالي:
1 - فوزان بن سلطان بن راجح العبدلي الشريف من مواليد عام 1349هـ، قرر قائلاً: إنني أذكر أن جبل المروة يمتد شمالاً متصلاً بجبل قعيقعان وأما من الجهة الشرقية فلا أتذكر وأما موضوع الصفا فإنني أتوقف.
2 - عويد بن عياد بن عايد الكحيلي المطرفي، من مواليد عام 1353هـ، قرر قائلاً: إن جبل المروة كان يمتد شرقاً من موقعه الحالي بما لا يقل عن ثمانية وثلاثين متراً، وأما الصفا فإنه يمتد شرقاً بأكثر من ذلك بكثير.
3 - عبد العزيز بن عبدالله بن عبدالقادر شيبي، من مواليد عام 1349هـ، قرر قائلاً: إن جبل المروة يمتد شرقاً وغرباً وشمالاً ولا أتذكر تحديد ذلك بالمتر، وأما الصفا فإنه يمتد شرقاً بمسافة طويلة حتى يقرب من القشاشية بما لا يزيد عن خمسين متراً.
4 - حسني بن صالح بن محمد سابق، من مواليد عام 1357هـ، قرر قائلاً: إن جبل المروة يمتد غرباً ويمتد شرقاً بما لا يقل عن اثنين وثلاثين متراً. وكنا نشاهد البيوت على الجبل ولما أزيلت البيوت ظهر الجبل وتم تكسيره في المشروع، وأما جبل الصفا فإنه يمتد من جهة الشرق بأكثر من خمسة وثلاثين أو أربعين متراً.(1/333)
5 - محمد بن عمر ابن عبدالله زبير، من مواليد عام 1351هـ، قرر قائلاً: إن المروة لا علم لي بها وأما الصفا فالذي كنت أشاهده أن الذي يسعى كان ينزل من الصفا ويدخل في برحة عن يمينه، وهذه البرحة يعتبرونها من شارع القشاشية ثم يعود إلى امتداد المسعى بما يدل على أن المسعى في تلك الأماكن أوسع.
6 - درويش بن صديق بن درويش جستنيه، من مواليد عام 1357هـ، قرر قائلاً: إن بيتنا سابقاً كان في الجهة الشرقية من نهاية السعي في المروة وكان يقع على الصخور المرتفعة التي هي جزء من جبل المروة، وقد أزيل جزء كبير من هذا الجبل بما في ذلك المنطقة التي كان عليها بيتنا وذلك أثناء التوسعة التي تمت في عام 1375هـ، وهذا يعني امتداد جبل المروة شرقاً في حدود من خمسة وثلاثين إلى أربعين متراً شرق المسعى الحالي، وأما الصفا فإنها كانت منطقة جبلية امتداداً متصلاً بجبل أبي قبيس ويعتبر جزءاً منه وكنت أصعد من منطقة السعي في الصفا إلى منطقة أجياد خلف الجبل.
7 - محمد بن حسين بن محمد سعيد جستنيه، من مواليد عام 1361هـ، قرر قائلاً إن جبل المروة كان يمتد من الجهة الشرقية والظاهر أنه يمتد إلى المدعى وأما جبل الصفا فإنه يمتد شرقاً أيضاً أكثر من امتداد جبل المروة.
والملاحظ على هذه الشهادات أنها غير متطابقة فمنهم من لا يذكر الامتداد، ومنهم من أثبت الامتداد ولا يذكر المسافة، والذين أثبتوها على خلاف كم هي؟ ولم يتفق اثنان على قول واحد، وإن كان الغالبية يرون -حسب ذاكرتهم- أن هناك زيادة على الموجود حالياً.
وخلاصة الأمر أن دليل المانعين القوي هو شهود العيان قبل البدء في أول توسعة عام 1375هـ ودليل المجيزين القوي هو شهادة الشهود بعد ذلك بـ 54 عاماً، ولكلٍ منهما أدلة أخرى لا ترفع الخلاف، من ذلك نقل المانعين لأقوال عدد من العلماء وخاصة علماء الشافعية والتي منها ما ذكره النووي في (المجموع) (8/ 76): (قال الشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي فلو مر ورواء موضع السعي في زقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف، قال أبو علي البندنيجي في كتابه (الجامع): موضع السعي بطن الوادي، قال الشافعي في القديم: فإن التوى شيئاً يسيراً أجزأه وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤدي إلى زقاق العطارين لم يجزئه) انتهى.
ومن ذلك أيضاً قول الرملي الشافعي كما في (نهاية المحتاج شرح المنهاج) (3/ 383): (إن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، ولو التوى في سعيه عن محل السعي يسيراً لم يضر كما نص عليه الشافعي رضي الله عنه).
فقول الشافعي: (إن التوى شيئاً يسيراً أجزأه) مفهومه: لو التوى كثيراً لم يجزئه فكيف بالعشرين متراً وهي زيادة المسعى الجديد؟!
وغيرها من الأقوال الموجودة في مظانها من كتب الفقه وذكرها عدٌد ممن كتب في هذا الموضوع بتوسع وليس هنا محل التفصيل فيها.
لذلك ختمت اللجنة -التي تمت الإشارة إليها وفيها عددٌ من علماء وأعيان الحجاز ونجد- تقريرها بقولها: (وحيث أن الحال ما ذكر بعاليه، ونظراً إلى أنه في أوقات الزحمة عندما ينصرف بعض الجهال من أهل البوادي ونحوهم من الصفا قاصداً المروة يلتوي كثيراً حتى يسقط في الشارع العام فيخرج من حد الطول من ناحية باب الصفا والعرض معاً ويخالف المقصود من البينية بين الصفا والمروة. وحيث أن الأصل في السعي عدم وجود بناء وأن البناء حادث قديما وحديثا. وأن مكان السعي تعبدي، وأن الالتواء اليسير لا يضر، لأن التحديد المذكور بعاليه العرض تقريبي، بخلاف الالتواء الكثير كما تقدمت الإشارة إليه في كلامهم فإننا نقرر ما يلي: ......... )(1/334)
كما استشهد المانعون بذرع عددٍ من المؤرخين عرض المسعى كالأزرقي والفاكهي وغيرهما وقد نصوا أنه خمسة وثلاثون ذراعاً ونصف ذراع، أي ما لا يزيد عن عشرين متراً وهو عرض المسعى القديم.
أما المجيزون فمن أدلتهم الأخرى أن الصفا والمروة كانا أكبر مما هما عليه الآن، وأن الفقهاء لم يحددوا عرض المسعى، وأن المؤرخين اختلفوا فيه وأن لديهم دراسة جيولوجية وخريطة تم إعدادها قبل عشرين عاماً توضح امتداد جبل الصفا إلى جبل أبي قبيس، الخ. ولكن يبقى كما سبق ذكره أن أقوى أدلة لدى الطرفين: شهود العيان عام 1375هـ وشهود الحال الآن.
وبعد:
فعلى المسلم أن يتحرى الصواب ولا يتعصب لرأي أو شخص، فالمسألة لها ما بعدها سنين عديدة وعليه أن يحذر من أن يأخذه الحماس والعاطفة والتعصب لرأي دون آخر، وليتذكر الوقوف بين يدي الله تعالى وألا يجعل ما يتوهم أنه مصلحة أو تيسير على الناس هو الفيصل في القضية، كما لا يضيق على الناس ما يسَّره الله وأباحه لهم.
وأختم بكلام للشيخ محمد بن إبراهيم يتناسب مع هذا المقام حيث قال كما في مجموع فتاويه (5/ 146): (إنه يتعين ترك الصفا والمروة على ما هما عليه أولاً، ويسعنا ما وسع من قبلنا في ذلك، ولو فتحت أبواب الاقتراحات في المشاعر لأدى ذلك إلى أن تكون في المستقبل مسرحاً للآراء، وميداناً للاجتهادات، ونافذة يولج منها لتغيير المشاعر وأحكام الحج، فيحصل بذلك فساد كبير. ... ولا ينبغي أن يلتفت إلى أماني بعض المستصعبين لبعض أعمال الحج واقتراحاتهم، بل ينبغي أن يعمل حول ذلك البيانات الشرعية بالدلائل القطعية المشتملة على مزيد البحث والترغيب في الطاعة والتمسك بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته في المعتقدات والأعمال، وتعظيم شعائر الله ومزيد احترامها)
وما أحوج طلاب العلم اليوم لكلام قاله الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله لطلابه يوصيهم قائلاً: (أوصيكم بالثبات في جميع أموركم فإنه من أعظم ما انتفعت به، فإني أخذت على نفسي أن لا أغير رأياً رأيته في أمر علمي أو عملي حتى يثبت لي خطؤه كما ثبت لي صوابه فانتفعت بذلك كثيراً)
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا إتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(1/335)
في الأحداث عبرة - رؤية منهجية
فالح بن محمد الصغير
13 ربيع الأول 1432هـ
حديثنا اليوم يفرضه الواقع ليقرأ قراءة تأملية لاستنباط ما يمكن استنباطه من تلك الأحداث التي قدرها الله سبحانه وتعالى علينا في هذه الأزمنة وبخاصة مع تطور عالم الإتصال ليعيش الحدث كل من يحيا على وجه الكرة الأرضية بيسر وسهولة، مما جعل كثيرا من المعطيات تأخذ حقها بوضوح فيستطيع المتأمل الوقوف عند بعضها فلعل بارقة تظهر تمثل معلما من معالم المسيرة في هذه الحياة على كافة المستويات.
ونظرة سريعة في واقع العالم العربي والإسلامي نجد أن أحداثا متسارعة ومتلاحقة فعلى سبيل المثال:- الوضع في تونس وما آل إليه وضع الحاكم والشعب، وكذا الوضع في السودان وما جرى من استفتاء في الجنوب نحو الإنفصال، وقبله في وبعده المنازعات في دار فور، وكذلك الوضع في مصر وما آل إليه الآن، ولا يخفى وضع الصومال وما فيه من تناحر الطوائف والقبائل وغيرها. أما العراق وأفغانستان فلا زالت الأرض محتقنة لا يعلم مدى احتقانها إلا الله سبحانه، وثمة أحداث تمثل قلاقل من هنا وهناك، كأحداث الإرهاب المتكررة في مناطق مختلفة ونالت بلادنا نصيب منها، والنزاعات في لبنان وتدخل قوى وأطراف أخرى في الشأن اللبناني، ناهيك عن المواقف الطائفية بمنازعها المبدئية والسياسية، وحدث بملئ فيك عن الأزمات الاقتصادية وما آلت إليه، وبخاصة في البلدان متوسطة الدخل تلك التي أوجعتها هذه الأزمات. أما المشكلات الاجتماعية المتنوعة، والتي تشكل أزمات مجتمعية متتابعة فأخذت أشكالا أكثر بروزا مع تعمق الأحداث السياسية والاقتصادية.
في ظل هذه الأحداث تبرز أسئلة للمتأملين، أسئلة منهجية، وأسئلة في قضايا جزئية، أسئلة في المواقف، وأسئلة تنحو منحى البحث عن العلاج.
ما سبب هذه الأحداث؟ ما أبعادها؟ ومن المحرك لها؟ وهل هي عفوية أو خطط لها؟ ومن المسؤول؟ وما موقف الأفراد؟ والمؤسسات المدنية؟ والدول؟ ... الخ
وترد افتراضات وحتميات، وإستنتاجات قد تكون في دائرة (اللامعقول) في النظرة الأولية عند المتلقي.
وفي كل الأحداث يذهب ضحايا، ويعلو أشخاص، وتبرز مشكلات ويدخل المحللون في دوامة أخرى، وهكذا دواليك.
لست أزعم أن لدي إجابة على هذه الأطروحات فهي تحتاج إلى مراكز علمية، وبيوت خبرة، تحمل أفقا واسعا، ونظرة شمولية وتنويعا في التخصص، وعمقا في ربط الأحداث، وقدرة على الاستيعاب، وتأنيا في المعالجة، وهذا بلا شك ينفي النظرة الفردية، ويطرد الانفعال تجاه حدث ما، وبكبح جماح الاستعجال.
ويبعد النزعة تجاه العمومية في الطرح لمجرد الاستباق وهذا لا يعني: الإهمال، وعدم المشاركة، والمناقشة والتأمل، وطرح الأفكار الهادفة إلى الإثراء
أظن أنها معادلات صعبة بصعوبة تلك المواقف، ولكنها بتلك النظرة الشمولية الواسعة المتأنية المتعمقة من تلك المراكز والبيوت تتجلى، والمهم: أن تتجلى فيها المواقف السلمية والرؤى المقاربة الصواب، وبهذا يُتحرى النجاة، وتتجاوز الصعاب.
من هنا أطرح هذه التأملات فلعلها تصب في دائرة المشاركة الإيجابية. وذلك من خلال الاستنتاجات الآتية: -
أولها: أظن أن من الخير أن نجدد ما نتيقنه ونعتقده من أن مدبر هذا الكون
هو الله سبحانه وتعالى، وبيده مقادير كل شيء، يقول تعالى نفسه جل وعلا:] يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور [، وقال عليه الصلاة والسلام:) يعلم دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء (, فما من حدث يقع إلا وقد قدره سبحانه وتعالى، ولا يرفعه إلا هو سبحانه وتعالى] ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها [.
وهذا يفرض علينا: -(1/336)
1 - الإيمان بذلك لنربط الأحداث بالخالق جل وعلا.
2 - أن ما يتلمس ما هو إلا أسباب يتحرى فيها الصواب للخروج من المآزق.
3 - أن هذه الأحداث تقع لأغراض: - إما ابتلاءً، أو عقوبة، أو ابدالاً لقوم بدل قوم، أو انتقالا لمرحلة تاريخية معينة، والأدلة على ذلك أكثر من أن تحصر.
4 - أن الكون متحرك وتكون حركته إيجابية إذا إقتفى الناس السنن الشرعية والسنن الكونية والقدرية التي وضعها الله سبحانه.
5 - أن نتلمس الوقوف مع المواقف الإيجابية وهذا لا يكون إلا وفق هذه السنن.
6 - أن حركة الناس لا تكون إيجابية مثمرة إذا خالفت منهج الله سبحانه في هذه الأرض، وإن أمهلهم فترة من الزمن ليبقى وقتا للمراجعة فيستدركوا أمرهم.
7 - أن نعلم أن تلك الأقدار لا تعني -في منهج الله تعالى - السلبية والابتعاد والتنحي في زوايا ينوح فيها الأفراد، والمؤسسات على أنفسهم بل تفرض الإيجابية في التفكير والتخطيط والمشاركة والعمل، ولذلك جعل الله سبحانه وتعالى عمارة الكون غاية من الغايات التي خلق الإنسان من أجلها،] قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون [.
8 - إدراك أن هذه - الابتلاءات أو العقوبات، أو التغيير أيا كانت حكمة وقوعها - تتطلب الرجوع الصادق إلى الله تعالى، أفرادًا أو مؤسسات ودولاً، هذا الرجوع الذي يتمثل بتجديد الاعتقاد به سبحانه، والعمل بشرعه في جميع مناحي الحياة، والتواصي بذلك، والتعاون عليه، وإدراك أن السلامة والنجاة، والرقي والتقدم، مرهون بتنفيذ أوامر الله جل وعلا، والانتهاء عن نواهيه، والوقوف عند حدوده، فمن المعلوم أن حركة الكون إيجابًا وسلبًا مرهونة بحركة الإنسان، وكلها بتقدير الله جل وعلا، والدلالة على ذلك صريحة وواضحة في كتاب الله] لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ. أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَآئِمُونَ. أَوَ أَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ اللهِ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [[الأعراف،96 - 99].
وإدراكنا أن هذه الأحداث هي منذر واضح من الفقه الحي الذي يجب أن يسود ثقافتنا وتعاملنا لئلا تزل الألسن وتنزلق الأقدام.
لعل تلك منطلقات يمكن إبرازها لاستدعاء المواقف الصائبة لئلا نغرق في النظرات البشرية البحتة القاصرة فننحرف أو نضل.
الثاني: هذه الأحداث ليست بدعا في التاريخ القديم والحديث فقد مر مثلها وأشد وأخف، ولذا كما نستدعي عند دراستنا لتلك الأحداث الكبرى الأدلة الشرعية، والسنن الإلهية، نستدعي أيضا المواقف التاريخية، فلا يبقى سردا للتغني به وأمجاده، أو النوح وضرب الخدود والصدور لموت فلان أو علان، أو لمرور مرحلة تاريخية صعبة. أزعم أن هذا من أوجب ما يمكن استدعاؤه على تلك المراكز العلمية، وبيوت الخبرة بل على المفكرين والعقلاء الذين يحترمون كلمتهم ويقدرون آراءهم قبل غيرهم.
ولماذا يكون كذلك؟ لأن سنن الله تعالى في الكون واحدة لا تتغير، وإنما الذي يتغير الحدث نفسه، وإن كانت الحقيقة متقاربة.
فما مر من أحداث في تونس - مثلاً - فقد سبق مثله في التاريخ القريب والبعيد.
هذا يفرض أن لا يقع الشعب التونسي فيما وقع فيه غيره من الشعوب فيستغله المتربصون فعادت لتبدأ من الصفر، وهذا يستدعي من عقلاء البلد وحكماؤه أن يتأملوا ذلك جيدا.(1/337)
وما يجري في السودان فقد سبق مثله في التاريخ القريب من تقسيم الشام، وهذا يحتم على عقلاء السودان وأهل الحل والعقد فيه أن يتأملوا الموقف ومآلاته.
وما ينشط من طوائف من هنا وهناك فقد نشطت مثيلاتها فدراسة عوامل ذلك وفق تلك السنن تفرض على العقلاء الوعي التام، وعدم التساهل والتغاضي، وما تنتشر من أفكار مخالفة للدين -وإن حاول أصحابها أن يُلَبِّسوها لباسه - فهم أول من يدرك أن الآخرين يعلمون منهجهم وطريقة تفكيرهم وكثيرا من سلوكياتهم، أقول في التاريخ القريب مر مثل ذلك وما فكرة القومية العربية عنا ببعيد ولم تفلح في إنقاذ الأمة العربية. وقل مثل ذلك في المشكلات الاقتصادية والتربوية والاجتماعية.
وهمسة هنا لأهل الدعوة أن يعو جيدا هذا المنطلق فالمسألة ليست عواطف, ولا مواقف للتسابق، ولا أمجادا شخصية، أو تشبعًا بما لم يعط. فالمرحلة ليست كسابقتها وفي التاريخ عبرة. (فليتأمل).
الثالث: يجتمع في تلك الأحداث الأقدار الكونية، والأقدار الشرعية، وللإسلام منهج في التعامل معهما يجمعها الإيمان بما وقع ومن ثم حسن التعامل معها وفق المنهج الشرعي، وما تقتضيه قواعد المصالح والمفاسد، من منظور أهل الحل والعقد، والعقلاء والحكماء، وأهل التخصص، والخبرة.
ولعل من ما يندرج في ذلك:-
عدم تفسير الظواهر بالمنظار الأولي وإن كان يتوافق مع العواطف، أو الرغبات الكامنة في النفوس، فلا شك أن مثل هذه الأحداث بقدر الله تعالى، لكن الله جل وعلا علمنا الربط بين الأسباب ومسبباتها، ومما يؤكد ذلك قوله تعالى:] إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم [. وعليه فلن تتغير المجتمعات إلى الأحسن، أو ترقى رقيا يطغى على المصالح الذاتية، والحزبية, ما لم يتغير الناس نحو التعامل مع سنن الله الشرعية، فالله جل وعلا أمر بعبادته، وبحسن الاعتقاد تجاهه، وبمكارم الأخلاق، وضرورة التعامل الاقتصادي وفق شرعه، ومعالجة المشكلات الاجتماعية من منظور الكتاب والسنة، والمناهج التربوية من منطلق مفردات التأصيل الشرعي .. أزعم أنه إذا لم يتغير الناس وفق هذه السنن لن تتبدل أحوالهم نحو الأصلح والأمثل لمجرد ذهاب شخص وإتيان آخر، وإن تغنى من تغنى بذلك.
وفي الوقت نفسه ما لم تتجه الأنظمة نحو القيم العليا، والعدل، وإعطاء الحقوق، وتجنب الظلم والاعتداء على حقوق الناس وأموالهم، والنظر إلى المصالح العليا على حساب المصالح الخاصة والذاتية والفردية والحزبية.
ما لم يكن كذلك فالمعادلة واحدة، والنتيجة واحدة، من استمرار السلبيات, وتفاقم المشكلات.
الرابع: هذه الأحداث تجلّي عظم المسؤولية على أهلها، واستجلاب النصوص المعظمة لذلك، وكلما كبرت الأعمال زادت المسؤولية، فلنتأمل قوله تعالى:] إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا [وقوله عليه الصلاة والسلام (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته) وغيرها من النصوص.
هذا يحتم على أهل المسؤوليات استشعار عظم المسؤولية وما تقتضيه هذه المسؤولية من أعمال يجب أن يقوموا بها، ابتداء بمسؤولية الفرد عن نفسه، وانتهاء بمسؤوليات الولاة والعلماء لأنها أعظم المسؤوليات.
في هذا الشعور - أعني الشعور بالمسؤولية - تتولد القيم العليا السابقة ومن أعظمها: شدة الحرص على هذه القيم، وإيجاد السبل للقيام بها، وأحياؤها في النفوس، وتمثلها في الواقع، فالحاكم، والوزير، والمدير، والعالم، والقاضي، والموظف، والمؤتمن على الأموال، والداعية، والمعلم, ورب الأسرة (كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته).(1/338)
إن واقع كثير من هؤلاء لا يتعدى نظره لهذه الأحداث سوى علامات التعجب والإستغراب لما يقع خلاف السياق عند غيره في الظاهر .. لكن أن ننتقل إلى سلوك واضح بعد تقويم عملي فهذا قد لا يدخل دائرة تفكيره ..
فإذا أردنا العبرة الحقة فلينتقل السياق إلى التصور الصحيح، والعمل السليم المبني على الشعور بالمسؤولية، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة في مسيرة دعوته كلها. ابتداء من وصفه بالأمين قبل البعثة إلى أن أشهد الناس في حجة الوداع على قيامه بالتبليغ .. ولكل من هؤلاء وأولئك مجال عظيم في سيرته لتلقي ما يعنيه. وهذا يحتم على كل مسؤول أيا كان نوع المسؤولية القيام بها بمقتضى الأمانة وعظمها، ومن هنا تسد كل ثغرة يمكن أن يلج منها كل مفسد ومخرب، وعدو متربص، وحاسد وحاقد، كما يسد فيها باب الظلم والتعدي، والتجاوز.
الخامس: أظنه لم يعد خافيا أن للأعداء أيد متنوعة تهدف إلى العبث في ديار المسلمين مستهدفة ما يجعلها في المرتبات المتأخرة، والتابعة لغيرها سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا، كما تكون بحاجة مستمرة لهؤلاء الأعداء, وعالة عليهم حتى في أدق حاجياتهم من المآكل والمشارب، والألبسة, والمراكب .. الخ
وهذا يحتم علينا -في جميع المستويات -أمور منها:-
1 - تجديد الوعي بما ذكره الله سبحانه وتعالى من عداوة الشيطان لبني آدم, والعمل الجاد لمحاربته.
2 - تجديد الوعي بما ذكره الله سبحانه وتعالى من تربص أعداء الإسلام والمسلمين بالمسلمين وإن بدت نواجذهم بالضحك، ويتبع ذلك دراسة أحوالهم وخططهم وحيلهم ضد الإسلام وأهله ودياره.
3 - إعادة النظر في مناهجنا الحياتية وسائر أحوالنا المختلفة وترتيب الأولويات للقضايا والأعمال على مستوى الأفراد والمؤسسات.
4 - وهذا لا يعني عدم التعامل مع الأعداء بل يجب أن يتعامل معهم وفق المنهج الشرعي القائم على الحسنى، لكن هذه الحسنى تفرض ذلك الوعي المنشود.
5 - ترك المناقشات والمماحكاة التي لا تؤدي إلى نتائج إيجابية مثل (قضية المؤامرة)
إقرارا لها أو نفيا لها فالإقرار المطلق لكل شيء مرفوض عقيدة، والنفي المطلق مثله، ويبقى حسن الوعي للأمور العملية هكذا أحسب كما جاء في تعاليم القرآن الكريم.
6 - تربية الأمة - من أهل التربية كل فيما يخصه - على حقائق القرآن الكريم الخاصة بالتعامل مع الآخرين أيا كانوا لندرك تلك القيم العليا التي تحفظ الأمة من الشرور والآثام، وتسد الثغرات التي ينفذ منها الأعداء والحساد، كما تحفظها من الاستعجال، وردود الأفعال، واقتراف المحرمات والمنكرات.
السادس: لا شك أن مبدأ الإصلاح: مبدأ إسلامي منطلق من القرآن الكريم والسنة النبوية، بل إنه مهمة الأنبياء والمرسلين، ومن ذلك: إصلاح الأفراد -أيا كانت مواقعهم وأحوالهم - والمؤسسات، والوزارات، لكن مما ينبغي تذكّره هنا:
1 - أن للإصلاح منهجا يقوم عليه، ذكره الله في القرآن الكريم وفصلّه رسول الله صلى الله عليه وسلم في السنة النبوية، وطبقه عمليا عليه الصلاة والسلام في سيرته, وكتب فيه الأئمة والعلماء كتابات مستفيضة قديما وحديثا، وعليه ينبغي بل يتأكد على أهل العلم إبراز ذلك المنهج بوضوح، وله تفصيلات ليس هذا مقامها فهو العاصم بإذن الله من الزلل والإنحراف والغلو والشطط.
2 - من أهم المهمات في الإصلاح وضوح الغاية والهدف، فلا تكفي الشعارات البراقة ولا العمومات، ولا الدعاوى غير الواقعية، وهذا الوضوح ينفي الفردية والأنانية، والمصالح الذاتية، والارتقاء على كتف الإصلاح إلى مآرب أخرى، والغاية حددها الله سبحانه بـ (البلاغ) وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع (اللهم هل بلغت فاشهد).(1/339)
3 - حسن الغاية لا يبرر الوسيلة، وهذه قاعدة راسخة من أعظم القواعد في الإصلاح، تعني أنه لا يجوز الوصول إلى الغاية الشريفة بوسائل محرمة مهما كان حسن الغاية، وشرفها، وعظمها، وبذلك يجب تحكيم الشرع في هذه الوسائل
ومن ذلك: الإنتحار وحرق الأجساد والأنفس، والتعدي على الممتلكات، والتخريب والدمار، ولقد مر على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الضيق والشدة والكرب في مكة وفي المدينة مالم يمر مثله على كثيرين مما لا يعلمه إلا الله تعالى لكنه عليه الصلاة والسلام لم يتجاوز المشروع إلى الممنوع، بل رسم منهجا يجب أن يقتفيه أهل الإصلاح عنوانه (العمل والصبر) مهما كانت الأحوال ومهما بلغت من الضيق والشدة. وبلا شك أن هذا المنهج ينفي ردود الأفعال السلبية، والعواطف غير المرشدة، كما ينفي الجمود وعدم التحرك للإصلاح والقعود والكسل.
4 - ولكي يبلغ الإصلاح المبلغ المطلوب ويوصل إلى غايته يجب أن يتمسك بآدابه حتى لا ينفرط الزمام، وتتسع الفجوات لدخول الأعداء والمتربصين،
وتلك - وأيم الله - مهمة عظيمة - أعني مهمة المصلحين - لكن لا يبلغ شرفها إلا من اتسم بتلك الآداب، وأخلص فيها القصد، وتحرر من الذاتية والحزبية.
السابع: الظلم عاقبته وخيمة، والظلم ظلمات ونتيجته حتمية في الدنيا والآخرة، تأملوا قوله تعالى:] ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [وقوله صلى الله عليه وسلم: (واتق دعوة المظلوم فإن دعوته مستجابة) وقوله أيضا: (الظلم ظلمات).
وعند التأمل في بعض ما جرى من أحداث نجده نتيجة للظلم، فالدوائر تدور على الظالمين ولو بعد حين. ومن هنا يتحتم العمل بتحري العدل في كل شيء حتى على مستوى الأسرة الصغيرة، فكثير من الإنحراف والبغي والعدوان والقتل والتدمير سببه الظلم.
وبالظلم تحصل كثير من الآفات المجتمعية، والأمراض الفتاكة والجوع والبطالة، والقهر، ومن ثم السرقة، والمخدرات، والاعتداء على الأعراض، وسلب الأموال، كلها نتائج مؤهلة للظلم. وهذا يستوجب الوعي بذلك في مختلف الأحوال، لكي يبتعد الجميع عن الظلم، ليس في الأموال فحسب وإنما في سائر الحقوق.
ولا شك أن ضد الظلم: العدل، وهو المنشود في كل مسؤولية.
الثامن: في مثل هذه الأحوال التي تدور بين اليأس - كما في حال العراق، والصومال، والسودان (الآن) ولبنان -وبين التطلع إلى الأفضل كما يراه البعض في حال تونس، يرد سؤال وهو: أننا نردد وجوب الاتحاد بين الدول وتوحيد الكلمة، فنلقي باللائمة والواجب إما على الدول، وإما على المجتمعات وإما على الحكام .. وهكذا دواليك، لكن ما الواجب على الفرد المسلم في سائر المجتمعات؟ وهو سؤال في غاية الأهمية ينحى فيه المجيبون مناح عدة منها:- العودة إلى الإجابة العمومية وهنا يبقى الإشكال نفسه، ومنها: الإنتقال إلى عمومية أخرى كالإتيان ببعض البشارات العامة وطلب الفأل دون تفقيط عملي.
ومنها: اليأس والقنوط أنه لا مخلص أبدا ومن ثم القعود والكسل وعدم العمل. ومنها: أن هذه الأحداث لا تخص الأفراد مطلقا بل هي واجب على الحكومات ومن ثم يقع الفرد في توتر مستمر، ويتواصل التوتر إلى الأسرة والشارع ويقع ما يقع من المفاسد العظمى .. ومنها: الإجابة بدور الفرد إلى أن يحمل ما لا يحتمل فيباشر التغيير العام، فيقع فريسة للأحزاب والمنظمات والمتربصين ونتيجة ذلك: القتل والتدمير والرجوع إلى الوراء، ولذلك أرى أنه يتحتم على العلماء والعقلاء وأهل الرأي والفكر والدعوة أن يفقطوا دور الفرد بشفافية ووضوح ويوصلوه إلى الأفراد لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، وأشارك هنا في ذكر النقاط الآتية:-
1 - أن من دور الفرد: الإعداد العلمي والتربوي له ولمن تحت يده كل بحسبه.(1/340)
2 - الشعور بكل قضية بحسبها فليست كل القضايا في ميزان واحد، فقضية السودان ليست كقضية لبنان، والصومال غير مصر، وأحوال السياسة غير الاقتصاد، وهكذا، فينبغي أخذ كل قضية بمعطياتها، ومعرفة ما هو المشترك بينها وغير المشترك.
3 - الدعاء لكل المسلمين حكامهم وعلمائهم ومفكريهم وقادتهم، وهو من أهم الواجبات الفردية والجماعية، وهذا منطلق من معرفة أن هذا الكون بقدر الله، ولا يرد القضاء إلا الدعاء، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح.
4 - عدم قياس مجتمعك على أي مجتمع آخر فلكل ظروفه وأحواله التي تجعل النظر والأحكام مختلفة، فتستوجب الرجوع إلى علماء البلد وعقلائه وحكمائه ليرسموا المنهاج العملي لأهله.
5 - عدم الوصاية على الآخرين، فمما يسمع ويقرأ أنه على أهل البلد الفلاني أن يعملوا كذا وكذا، مثل دخولهم في حكومة فلان أو عدم دخولهم، أو مناهضتهم لهم أو عدم ذلك .. وهكذا مما يربي في النفوس الاحتقان والتوتر والفرقة والتناحر .. وربما يكون لبعض الأفراد صلة معينة مع من يوجد في تلك البلدان فيصل إلى أن يملي عليه .. وهذا من الآفات للفرقة، ولعل بديل ذلك إرجاع أي أمر إلى علماء البلد نفسه وحكمائه وأهل الحل والعقد فيه لئلا تتسع دائرة المشكلات فتصعب الحلول، وأزعم أن هذا مما أسهم في تعقيد مشكلة العراق وأفغانستان والصومال وغيرها.
6 - الإسهام بما يطلب من الفرد فعند طلب المساعدة المادية، أو الفكرية، أو الرأي أو غيرها يسهم بما يستطيع من خلال القنوات الواضحة.
7 - التأكيد على أن الواجبات متفاوتة فهناك واجب وأوجب، وواجب ومستحب، وما يسمى اليوم (فقه الأولويات) فيتنبه الفرد إلى ألا يقفز إلى المستحب وهو لم يعمل الواجب، ومن الواجبات القيام بمهامك الواجبة عليك ثم التي تليها. وهذا من الفقه الأكبر الذي يعصم من وقوع الفرد في قواصم كثيرة.
8 - ضبط اللسان لئلا يزل، فزلته قد تسري إلى آفاق بعيدة من حيث لا يشعر الفرد، ولهذا جاءت الآثار الكثيرة بأهمية: ضبط المشاعر، وأهمية العبادة في الفتن، وعدم الوقوع فيها، والصبر، والدعاء. وما يرى من التناقض بين مقالات بعض الأفراد مع أنفسهم كان بهذا السبب (فليتأمل).
9 - البعد عن مواطن الفتن والشبهات والشهوات التي يكون الفرد مسهما فيها بتأجيج الفتن فيقع في المحظور، مثل الخوض في بعض القضايا الشرعية الكبرى وهو لا يحسنها، ومما سمعته في هذه الأحداث: تجويز الانتحار، والسمة بالبطولية لهؤلاء ونحو ذلك، وهي زلة ليست بالسهلة.
ومن ذلك: إلقاء المعلومات والجزم فيها ولو لم تكن من مصدر موثوق ومن ثم تداول هذه المعلومات حتى تصبح حقائق وهي ليست كذلك أصلا.
10 - المبادرة بالأعمال الخيرية والتطوعية وبخاصة عند الحاجة إليها كما يكون ذلك في بعض الأزمات.
* * *
أحسب أن هذه من مهمات الأفراد سواء تلك التي توجب عملا ما أو تنفيه, والنفي المؤكد كالواجب المؤكد.
التاسع: تعيش المجتمعات والمؤسسات بل والأفراد بين خطين متوازيين هما خط البناء والتنمية، وخط معالجة المشكلات، وللبناء والتنمية خططها الخمسية والعشرية، وكذا مراجعة نظمها وأحوالها ومعالجة مشكلاتها.
ومن المهم: إدراك أن الأصل هو العمل بخط البناء، وفي ذات الأمر تعالج المشكلات الواقعة من خلال قنواتها الطبيعية.
وعند التأمل هنا: نجد أن كثيرا من تفاقم المشكلات لعدم وجود استراتيجية (عملية) للعمل بالخطين، أو لإهمال احدهما، أو لضعف الإخلاص في التخطيط والأداء، وكلها آفات تستوجب من أهل الحل والعقد النظر فيها، وما تفاقم مشكلات المخدرات، والبطالة، والسرقة، والفقر، والإعتداء .. وسائر الجرائم إلا بسبب إحدى إهمال تلك الخطوط أو بعضها.(1/341)
أعتقد أننا بحاجة للنظر الجاد في سائر المجتمعات العربية والإسلامية بجد وعزم ونية صادقة للعمل بهذين الخطين.
إن الواجب في هذا المعلم كبير على أهل الحل والعقد والحكمة والرأي بمختلف التخصصات والمسؤوليات مما يستوجب المبادرة والجدية.
العاشر: وأختم بالعودة إلى النفوس البشرية، وضرورة تعاملها بالقيم العليا، فأزعم أننا كبارا وصغارا ذكورا وإناثا، بحاجة إلى تجديد غرس تلك القيم: فالإخلاص، والصدق، والشفافية، وحسن الأداء، ومحاولة الإتقان، والعمل، والعدل، وإعطاء الحقوق، والأمانة، ومعالجة المشكلات، وصد المناوئين، وسد الأبواب التي ينفذ منها الحقد والحسد والتعدي والظلم والاعتداء والإخلال بالأمن والغش والرشوة وأكل أموال الناس بالباطل، كلها مقررات أساسية للبناء والتنمية، وهذه المقررات هي جزء من العودة إلى شرع الله تعالى ودينه وتعاليمه التي يجب أن تكون المصدر الأساس للانطلاقة إلى الإصلاح والبناء والتنمية والسير بحرية نحو التقدم والمنافسة ومعالجة المشكلات الكبرى والصغرى.
* * *
أعود لأقول: تلك خواطر متفرقة لا يجمعها سوى ما جرى ويجري من أحداث تهز المشاعر لأخذ العبرة والدرس، وهي إسهام فردي أرجو أن يصب في باب المنهجية السلمية للتعامل مع هذه المشكلات وأمثالها، وهي لا تعدو إلا أن تحمل تذكيرًا لمن يهمهم الأمر، كما أحسب أنها نقطة إيجابية في هذا الباب، وتفاؤل يحمل نقاطا عملية عند اجتماعها قد يتكون منها منهاج عملي يسهم في الإصلاح المنشود. فإن لم تكن هذا ولا ذاك فلعلها تفيد في براءة الذمة، ومشاركة الآخرين خواطرهم.
وأختم ذلك كله بالنداء لقادة الفكر والرأي والعلم والحكمة والدعوة والمسؤولية بأن لا تحملوا الرجل العامي أكثر مما يتحمل في عملية البناء والمعالجة، فالمسؤولية تكبر بكبر همّة أصحابها في العلم والعمل والمسؤولية, وأنتم أهل لها وعلى مستواها. أعانكم الله.
سدد الله الخطى وحقق الآمال(1/342)
غداً سأحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم
ناصر العلي
جامعة أم القرى
11 ربيع الأول 1432هـ
وُلِد الهُدى فالكائنات ضياءُ * وفَمُ الزمانِ تبسُّمٌ وسناءُ
يا خيرَ من جاء الوجودَ تحيةً * من مُرْسَلِين إلى الهدى بك جاؤوا
يومٌ يَتِيهُ على الزمان صباحُهُ * ومساؤه بِمُحمَّدٍ وضَّاءُ
سألت نفسي سؤالاً: لماذا لا أحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟ أيعقل أن كل المحتفلين به على خطأ؟!
لماذا لا نعلن حُبَّنا للرسول صلى الله عليه وسلم مثلهم؟! ونثبت لهم أننا نحبه.
فهم يتهموننا أننا لا نحبه!!
أستغفر الله .. معاذ الله .. أن يتهم مسلمٌ مسلماً أنه لا يحب النبي صلى الله عليه وسلم؟!
فكَّرت وقدَّرت .. ثم قرَّرت أن أحتفل رغم كون الفكرة لم تَحْظَ بقناعتي حتى الآن، لكني سأحتفل.
ولماذا لا أحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟
دعونا نحتفل! فقد يكون الحق والصواب مع المحتفلين؟
لديَّ عقلٌ وإدراك، وقد درست الشريعة وعرفت بعضاً من أحكامها، ولا أدعي إحاطتي بعلومها.
ولكن بما لدي من بصيص علم - ولاسيما القواعد الكلية والمبادئ العامة للشريعة - سأجرب أن أحتفل.
يا تُرى كيف سيكون احتفالي؟!
سأحاول وأنا أحتفل بالمولد ألَّا أرتكب منكرًا وألَّا أغشى زُوْرًا.
غداً هو يوم الثاني عشر من ربيع الأول،
وسأبدأ فيه احتفالي أولاً بقراءة كتب السيرة النبوية والشمائل المحمدية صلى الله عليه وسلم.
ولكني لن أتغنى بقصيدة البُرْدَة للبُوْصِيْري, فقد درستُ العقيدة وعلمت بأن فيها ما يناقض التوحيد والعقيدة والعياذ بالله.
حسنًا .. سأبدأ بقراءة كتاب "الرحيق المختوم"
لكني لما قرأته تفاجأت إذ وجدت مكتوباً فيه: ((ولد سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بشِعْبِ بني هاشم بمكة في صبيحة يوم الاثنين التاسع من شهر ربيع الأول)).
قلت في نفسي: المشهور المعروف عند الناس أنه وُلِد صلى الله عليه وسلم في يوم الثاني عشر من ربيع الأول؟!
فعرَّجْت على كتبٍ أخرى في السيرة كالإمام ابن كثير الشافعي وغيره، فإذا بها تذكر اختلافاتٍ شتى في تاريخ مولده: أكانت ولادته صباحاً أم مساءً؟ أكانت في ربيع الأول أم ربيع الآخر أم في صفر أم في رمضان؟ وبكلٍّ قيل، بل اختلفوا في تحديد عام ولادته؟.
اختلف علماء السير والتاريخ في تحديد سنة ولادته وشهر ميلاده ويومه وساعته.
ولما علمتُ أن عمر رضي الله عنه أرَّخ بهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم بإقرارٍ من الصحابة، ولم يؤرِّخْ بمولده صلى الله عليه وسلم، أدركتُ أن الصحابة رضي الله عنه لم يكونوا يعلمون جزماً يوم ولادته، بل لم يكونوا يرون أنّ ضبط تاريخ مولده صلى الله عليه وسلم له أهميةٌ يترتَّب عليها حكمٌ شرعي.
فقلت: إذن لماذا أحتفل في الثاني عشر ولا يوجد سند تاريخي يؤيده!! فتضعضعت قناعتي.
ولكني سأستمر في القراءة والبحث والاحتفال.
إن كتب السير والتاريخ بل وكتب الحديث الشريف أجمعت على أن ولادته صلى الله عليه وسلم كانت يوم الإثنين، وكان حبيبنا صلى الله عليه وسلم يصومه شكراً لله؛ ولمَّا سئل عن ذلك؟ قال «ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَىَّ فِيهِ» رواه مسلم.
ولم أجد فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرَّى صيام الثاني عشر من ربيع الأول مرةً في السنة، بل كان يصوم كل إثنين بمناسبة ولادته وبعثته فيه.
لكنَّ كثيرًا من المحتفلين بالمولد في كل عام مرة أو أكثر! ربما لا يحرصون على صوم يوم الإثنين من كلِّ أسبوع! أليس هذا قلباً للحقائق؟! ?أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ?.(1/343)
ثم إن صاحب المولد صلى الله عليه وسلم لم يُضِفْ إلى الصيامِ احتفالاً كاحتفال أرباب الموالد من تجمعاتٍ ومدائحَ وذبائحَ وحلوى وحمص وأذكارٍ وصلواتٍ عليه صلى الله عليه وسلم بألفاظٍ غريبةٍ ومحدثة.
ثم سألت نفسي: أفلا يكفي الأمةَ ما كفى نبيَّها، ألسنا نحب المصطفى صلى الله عليه وسلم؟ ?وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ?.
ومن عجيب ما قرأت ورأيت في بعض البلدان العربية والإسلامية أنهم يحتفلون بالمولد بإقامة حفلات غنائية أو إنشادية تصحبها دفوف ومعازف موسيقية.
فقلت في نفسي: أليس المصطفى صلى الله عليه وسلم قال «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف». رواه البخاري تعليقا ووصله غيره، وهو صحيح.
لقد رأيتهم يتراقصون ويتمايلون ويتواثبون، لقد كانوا رجالا ونساء، أيعقل هذا؟!.تساءلت أيرضى أحدهم أن يراه رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه الحال؟!
يا راقصا أو زاحفا لتَعَبّدٍ ** ما كان هذا من صنيع محمد
ما كان يرقص بالدفوف عبادة ** أو كان يزحف للقبور بمسجد
ثم أعدت السؤال على نفسي مرة أخرى:
لماذا لا أحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم بطريقة أخرى؟ بلا معازف، ولا رقص، ولا بردة.
سأفرح بيوم ميلاده صلى الله عليه وسلم، وسأحتفل - كما احتفل صاحب المولد صلى الله عليه وسلم - كل إثنينٍ بصيامه كل أسبوع قدر استطاعتي.
حسنا .. أمسكت بكتاب آخر عن الشمائل المحمدية وبدأت أقرأ فيه، فاليوم هو الثاني عشر من ربيع الأول.
لكن عقلي شرد سابحا في تفكير عميق: يا ترى هل سأقتصر على قراءة كتب السير والشمائل المحمدية في هذا اليوم السنوي فقط؟!
يا ألله! هل حبي وكثرة ذكري للنبي صلى الله عليه وسلم فقط في هذا اليوم؟! .. ألست أحبه وأذكره كل يوم؟! أيُّ معنىً لتخصيص يومٍ واحدٍ في السنة نتذكر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟.
هل نسيناه حتى نتذكره؟!
هل يجوز ألَّا نفرح به صلى الله عليه وسلم إلا مرة واحدة في السنة؟
هل هذه الطريقة فيها توقير للمصطفى صلى الله عليه وسلم أم أنها إجحاف بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم؟
هل أصبحت محبة النبي صلى الله عليه وسلم يوماً في السنة؟! وهو القائل: «البخيلُ مَنْ ذُكِرتُ عنده ولم يُصَلِّ عليَّ».
فبالله عليكم! أي بخل تصفون به من يقول نخصص للنبي صلى الله عليه وسلم يوماً واحداً أو يومين أو ثلاثًا أو عشرًا أو عددًا محدودًا في السنة نحتفل به صلى الله عليه وسلم ونقرأ سيرته، ونصلي عليه صلى الله عليه وسلم؟ أليس هذا بُخلاً وإجحافًا في حقِّ نبينا الهادي صلى الله عليه وسلم؟!.
يجب على الأمة المسلمة أن تجعل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نصب أعينها في كل حين، وأن تتعلم من سيرته وسنته وآدابه ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.
ينبغي أن نذكر النبي صلى الله عليه وسلم في صلاتنا، وإذا سمعنا الأذان، وإذا دخلنا المسجد، ونذكره في أوقات كثيرة، بل يكون ذكره صلى الله عليه وسلم برؤية من يمتثل سنته صلى الله عليه وسلم.
فمثلاً إذا رأيتَ شاباً مؤمناً يتمثل في مظهره سنة صلى الله عليه وسلم معفياً لحيته، مقصراً ثوبه، مستاكاً بأراكه، فإنك سرعان ما تتذكر النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا رأيت القرآن تذكرت النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه هو الذي جاءنا بهذا القرآن، فمتى يغفل المؤمن عن ذكرى النبي صلى الله عليه وسلم!!
فيجب علينا أن تكون محبته صلى الله عليه وسلم تملك شغاف قلوبنا، وكل أمر من أمورنا نزنها بميزانه، ونطبقه على سنته صلى الله عليه وسلم، فيكون تذكرنا له في الحقيقة في كل وقت، وفي كل عمل.(1/344)
فإذا رأيت امرأة في الطريق أو على الشاشة أتذكر أنه صلى الله عليه وسلم أمرني أن أغض بصري، فأغضه. وإذا أردتُ أن أخيط ثوباً عند خياطٍ أتذكر نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إسباله، فأقصره. وإذا تعاملت مع الجمهور أتذكر نبيي صلى الله عليه وسلم المبسام، فأبتسم في وجوههم. وفي البيت وبين أهلي أتذكر حبيبنا صلى الله عليه وسلم كيف كان خيرنا لأهله.
وهكذا يا حبيب رسول الله في كل أمر من الأمور نحن ملزمون باتباع هدي النبي صلى الله عليه وسلم ?لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً?.
ثم كرَّةً بعد مرَّة أسائل نفسي: لماذا لا أحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟
وقبل أن أجيب، جال بخاطري سؤال وأنا أفكر في الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، وهو:
هل نحن لمّا نحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم نبتغي بذلك أجراً وثواباً وقربى من الله أو أننا نحتفل لمجرد العادات وأكل الحلوى والرز بالحمص والتلهي بالألحان الشجية المطربة؟
أظن في الناس خيراً، إنهم ينشدون بفعلهم هذا الأجر من الله تعالى.
عندئذ تذكرت حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد» رواه الشيخان. وقوله: «مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.
نعم تذكرت هذين الحديثين، وتذكرت ما قرره العلماء من أن جميع العبادات توقيفية، أي لا نعبد الله ولا نتقرب إليه إلا بما أمرنا به صلى الله عليه وسلم؛ لأنه قال: «ما تركتُ شيئاً يُقربكم إلى الله إلا وأمرتكم به» رواه الطبراني.
فالقاعدة في العبادات أن نتعبد الله بما شرع لا بالبدع، حتى لو بدا العمل حسنا، فهو مردود على صاحبه.
وسمعت أرباب الموالد يقولون: إن المولد بدعة حسنة.
لكني قرأت حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان يردده ويفتتح به خطبه، يقول:
«أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار» رواه النسائي وغيره. قال: "كل بدعة ضلالة".
وتذكرتُ قول إمام دار هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو عالم المدينة في عصره الإمام مالك بن أنس رحمه الله، قال: ((من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة، فقد زعم أن محمداً صلى الله عليه وسلم خان الرسالة)). هذا شيء خطير جداً، ما الدليل على ذلك يا إمام؟ قال الإمام مالك: ((اقرؤا إن شئتم قول الله تعالى:?الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً? فما لم يكن يومئذٍ ديناً لا يكون اليومَ ديناً)). متى قال الإمام مالك هذا الكلام؟ قاله في القرن الثاني من الهجرة، أحدِ القرون المفضلةِ المشهودِ لها بالخيرية! فما بالكم بالقرن الخامس عشر؟!
هذا كلامٌ يُكتب بماء الذهب، لكننا عن أقوال الأئمة الذين نزعم أننا نقتدي بهم غافلون.
تذكرت كل هذه المعاني فخفت والله أن أكون مبتدعا في احتفالي.
خفت أن ينطبق فيَّ قول الله تعالى? قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً?.
وخشيت أن يصدق فيَّ قول ابن مسعود رضي الله عنه ((كم من مريد للخير لا يصيبه!!)).
فقررت أن أترك الاحتفال بمولد النبي صلى الله عليه وسلم.
لكني واصلت قراءة سيرة المصطفى العطرة صلى الله عليه وسلم.(1/345)
وعدت واتهمت نفسي بالقصور في العلم، وطفقت أبحث عن فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والأئمة الأربعة (أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد) عليهم رحمة الله، فهالني أنني لم أجد حديثاً واحداً لا صحيحًا ولا ضعيفًا بل ولا موضوعًا أن النبي صلى الله عليه وسلم احتفل بمولد نبيٍّ من الأنبياء، ولم أجد أثراً واحداً لا صحيحًا ولا ضعيفًا بل ولا موضوعًا عن صحابيٍّ واحدٍ أنه احتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم، بل لم أجد إماماً واحداً من الأئمة الأربعة فعل ذلك.
فقلت يا سبحان الله!
أمرٌ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا صحابته الكرام رضي الله عنهم ولا إمامٌ من الأئمة الأربعة المتبوعين، وأفعله أنا، لا والله.
ومع ذلك أكملت قراءتي وأنهيت قراءة الغزوات وفتح مكة، وها أنا ذا قاربت من نهاية كتاب السيرة الذي بين يدي.
إنها اللحظات الأخيرة الحرجة في حياته صلى الله عليه وسلم, إنها الساعة التي أظلم فيها كل شيء، ساعة وفاته صلى الله عليه وسلم.
إنها الداهية العظمى والمصيبة الكبرى التي قال لنا فيها صلى الله عليه وسلم: «إِذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ مُصِيبَةٌ فَلْيَذْكُرْ مُصِيبَتِهِ بِي فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْمَصَائِبِ».
حقًّا إنه يوم الخسران الأكبر، يوم أن انقطع الوحي الشريف، وانقطعت السماء عن الأرض. يقول أنسرضي الله عنه: ((لما كان اليومُ الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ أضاء منها كلُّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كلَّ شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأيديَ حتى أنكرنا قلوبنا)) رواه الترمذي بسند صحيح.
لقد فاضت روحه الشريفة صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى في الثاني عشر من ربيع الأول في السنة الحاديةَ عشرةَ للهجرة.
هنا لم تختلف كتب السير في تحديد يومِ وفاته كما اختلفت في تحديد يوم ولادته.
ربطتُ بين المناسبتين، مناسبة الوفاة المجزوم بها مع مناسبة الولادة المظنون بها في شهر واحد وفي يوم واحد.
فصرختُ: يا إلهي!! كيف لي أن أحتفل بيوم وفاته صلى الله عليه وسلم؟!
كيف لعقلٍ أن يجمع بين فرح وسرور وحزن وألم في نفس الوقت؟!
يا إلهي!! أيجوز لأحد يُحِبُّ النبي صلى الله عليه وسلم أن يحتفل بموته صلى الله عليه وسلم؟!
بل لو دعا إنسانٌ إلى جعل يوم الثاني عشر من ربيع الأول يوم حزن لكانت شبهته أقوى من شبهة المحتفلين بذلك اليوم، لماذا؟
لأن الأحزان غَلَّابةٌ على الأفراح، فلو قُدِّر أنه توفي والد أحد الزوجين في ليلة عرسهما، لعُدَّ احتفالهم تلك الليلة ضربا من الجنون. وهكذا لو مات ولدك يوم العيد، لانقلب فرح العيد حُزْنًا ومأتماً وعزاءً.
إن أعداء المسلمين سيضحكون علينا:
فإن نحن ابتهجنا وفَرِحْنَا بولادته صلى الله عليه وسلم قالوا: انظروا إلى المسلمين إنهم يفرحون بوفاة نبيهم!
وإن نحن حَزِنَّا وصَنَعْنا مأتماً لوفاته صلى الله عليه وسلم قالوا: انظروا إلى المسلمين إنهم يحزنون لولادة نبيهم.
فماذا نفعل؟
الأمر يسير، إننا لسنا بحاجة إلى احتفاء أو عزاء، إنما اتباع للنبي صلى الله عليه وسلم.
ولهذا لا غرابة أن كان العُبَيْديون الرافضة هم أول من أحدث بدعة المولد. فهل هؤلاء أهل للاقتداء والائتساء؟!.
إلى هنا وسأستريح قليلا عن قراءة السيرة بعدما تبينت لي الأمور، وانكشفت لي الحقائق.
هل سأحتفل بمولد النبي صلى الله عليه وسلم؟
لا، لن أحتفل بالمولد بعد اليوم.
إن احتفالي الحقيقي هو أن أسير على خطاه صلى الله عليه وسلم، وأن أحيي سنته، وأن أدافع عنها, وأن أُحِبَّه وأحبَّ آلَ بيته الطيبين الطاهرين وصحابته الغر الميامين.
اللهم إنا نُشهدك يا الله بأننا نحب عبدَك ونبيَّك سيدَنا محمداً صلى الله عليه وسلم، اللهم ارزقنا بمحبتنا له شفاعةً تنجينا بها من عذاب أليم، وتُدخِلُنا بها جنتك ياربَّ العالمين. وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.(1/346)
بيان من الهيئة الشرعية لحماية الحقوق والحريات بشأن الأحداث
4 ربيع الأول 1432هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم وبارك على من لا نبي بعده، وبعد؛
فإن الأمة المصرية تمر اليوم بمرحلة بالغة الخطورة، تستوجب أن يقوم العلماء والدعاة وأصحاب الرأي والحكماء بواجبهم نحو مناصحة أمتهم.
والموقعون على هذا البيان يتوجهون إلى مختلف طوائف الأمة بما يلي:
أولاً: إن المخرج الوحيد من هذه الأزمة هو الاعتصام بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، والتعاون على البر والتقوى، وترك التعاون على الإثم والعدوان.
ثانيًا: إن الأمة لن تسمح بالمساس بالمادة الدستورية التي تنص على أن الإسلام هو دين الدولة، واحترام مرجعية الشريعة الإسلامية وأنها المصدر الرئيس للتشريع، وذلك لأنها صمام الأمن والأمان والسلام لجميع أفراد الوطن مع التأكيد على ضرورة إلغاء قانون الطوارئ وكل ما يشير إليه.
ثالثًا: لقد اتجهت الأمة اليوم بكل طوائفها نحو التغيير والإصلاح بما لا يجوز تعويقه، ولا الإبطاء في إنجازه، وإن إقامة العدل وتحقيق التنمية وإصلاح الحكم ومؤسساته -هو اختيار الشعب الذي يمثل الاستقرار المنشود. وهذه المطالبات السلمية المنضبطة لا تعد خروجًا على الشرعية، أو مخالفة للشريعة الإسلامية.
رابعًا: إن تحقيق الأمن والسلام والتكافل والتراحم بين فئات المجتمع مرهون بإجابة مطالب الشباب المشروعة، وإعطاء الضمانات الكفيلة بتأمين جموع المتظاهرين، واتخاذ الإجراءات التي تكشف عن صدق النوايا، والتي يمكن إعادة بناء جسر الثقة والمصداقية الذي انهار بسبب ما وقع من أخطاء ونقض للعهود.
خامسًا: تؤكد قوى المجتمع على حفظ مكتسباتها وتطالب بالوقوف خلف مطالب الشباب، وإنجاز التغيير في الاتجاه الصحيح، دون انزلاق مع توجهات منحرفة، أو شعارات مضللة، وتنبه إلى أن هذه المطالب تتفق مع جميع الشرائع السماوية والمواثيق الدولية فضلاً عن إجماع الأمة.
سادسًا: يناشد الجميع المسئولين عن البلاد بحقن الدماء وحفظ الأرواح وضبط الأمن، وسرعة اتخاذ الإجراءات لمحاسبة الفاسدين دون إبطاء تحقيقًا لمصالح البلاد والعباد.
سابعًا: يحتسب الموقِّعون على هذا البيان المقتولين من أهل الإيمان بسبب الاعتداء عليهم -شهداء عند الله تعالى، ويستحق أهلهم تعويضًا عما لحقهم من الخسائر والأضرار في الأنفس والممتلكات.
ثامنًا: على جموع المتظاهرين أن يعملوا على حفظ مطالباتهم بسلوك الطرق السلمية في التعبير والمطالبة، والبعد عن كل ما يعرِّض هذا الجمع للأخطار، وكل ما يؤدي إلى الإضرار بالوطن والمواطنين، ويوجد ذرائع البطش والتنكيل.
تاسعًا: يشيد الموقعون على هذا البيان بالموقف الوطني المشرف للجيش المصري ورسالته في حفظ أمن الوطن والمواطنين.
عاشرًا: ندعو جموع الشعب المصري إلى إشاعة الرحمة والرفق، والعفو والصفح، عن كل من أساء أو اعتدى بشرط تحقق المطالب، ونجاح المقاصد، قال -تعالى-: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله إنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِين) (الشورى:40).
حفظ الله مصرنا آمنة مطمئنة، وحمى شبابها ورجالها، وولّى عليها خيارها، وجعل ولايتها فيمن خافه واتقاه واتبع رضاه، برحمته إنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، والحمد لله رب العالمين.
القاهرة، ليلة السبت الموافق: 2/ 3/1432هـ- 5/ 2/2011م.
الموقعون على البيان:
1 - أ. د. نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية سابقًا.
2 - أ. د. عبد الستار فتح الله سعيد أستاذ التفسير وعلوم القرآن بجامعتي الأزهر وأم القرى.(1/347)
3 - أ. د. علي أحمد السالوس أستاذ الفقه والأصول والنائب الأول لرئيس مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا.
4 - أ. د. مروان شاهين أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
5 - أ. د. الخشوعي الخشوعي محمد وكيل كلية أصول الدين بجامعة الأزهر سابقًا.
6 - د. يحيى إسماعيل أستاذ الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر سابقًا.
7 - د. عبد المنعم البري الأستاذ بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر.
8 - أ. د. عمر عبد العزيز الأستاذ بكلية الدعوة جامعة الأزهر.
9 - أ. د. محمد عبد المقصود داعية إسلامي.
10 - د. محمد إسماعيل المقدم داعية إسلامي.
11 - فضيلة الشيخ مصطفى محمد داعية إسلامي.
12 - د. سعيد عبد العظيم داعية إسلامي.
13 - د. ياسر برهامي داعية إسلامي.
14 - د. محمد يسري إبراهيم المستشار بجامعة المدينة العالمية.
15 - د. صفوت حجازي داعية إسلامي.
16 - د. محمد عبد السلام داعية إسلامي.
17 - د. أحمد النقيب داعية إسلامي.
18 - فضيلة الشيخ خالد صقر داعية إسلامي.
19 - د. عطية عدلان عطية الأستاذ بجامعة المدينة.
20 - د. أحمد فريد داعية إسلامي.
21 - فضيلة الشيخ أحمد هليل داعية إسلامي.
22 - د. هشام عقدة داعية إسلامي.
23 - د. هشام برغش داعية إسلامي.
24 - د. محمد رجب داعية إسلامي.
25 - فضيلة الشيخ نشأت أحمد داعية إسلامي.
26 - د. ياسر الفقي المدرس المساعد بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر.
27 - د. وليد الجوهري داعية إسلامي.
28 - د. مدحت عبد الباري داعية إسلامي.(1/348)
نظرة شرعية في الأحداث الراهنة
علوي بن عبدالقادر السقاف
2 ربيع الأول 1432هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله .. أما بعد:
فإن الأمة العربية تمر هذه الأيام بأحداث عصيبة وعسيرة؛ تنبئ عن تغيرٍ كبيرٍ ربما طال بعضًا من الأنظمة التي جثمت على صدور شعوبها عقوداً من الزمن، ويتابع الناس أحداث تونس ومصر بكل اهتمام وشغف، وقلوبهم معلقة بآمال المستقبل المجهول، وما يدري المرء هل ستلحق دولٌ أخرى بأختيها أم لا؟
وفي خضم هذه الأحداث تدور أسئلةٌ كثيرةٌ في أذهان كثيرٍ من الشباب، ويجري نقاشٌ عريضٌ عبر مجالسهم، ونواديهم، وعبر التقنيات الحديثة من مجموعات بريدية، ومواقع اجتماعية، كالموقع الشهير (الفيسبوك) وغيره، ويتساءلون عن مشروعية الاحتجاجات الجماعية وجدواها، وهل هي صورة من صور الخروج على الحاكم؟ وما الموقف الصحيح منها؟ ولماذا لا نرى بعض الرموز الدعوية تشارك فيها وتقود المسيرة؟ وهل هذا خطأ منهم أو صواب؟ وهل سيجني ثمرتها الإسلاميون أم سيقطفها غيرهم؟ وغيرها من الإشكالات والاستفسارات التي يبحثون لها عن إجابات؛ وللأسف لا يجدون!
فأقول وبالله أستعين:
أما الخروج على الحاكم المسلم الذي يحكم بشرع الله، وقد أقام في المسلمين الصلاة، ولم يروا منه كفراً بواحاً، فمنهج أهل السنة والجماعة واضح في تحريمه، ولو جار أو ظلم، لحديث: ((ما أقاموا فيكم الصلاة)) رواه مسلم، ولحديث: ((إلا أن تروا كفراً بواحاً، عندكم من الله فيه برهان)) رواه الشيخان، وقد كان هناك خلاف بين السلف في حكم الخروج على الحاكم الجائر، ثم استقر أمرهم على ما سبق، نص على ذلك القاضي عياض والنووي كما في شرحه لمسلم (11/ 433)، وابن تيمية في منهاج السنة (4/ 529)، وابن حجر في تهذيب التهذيب (1/ 399)، وغيرهم، وهو الحق إن شاء الله، وكأنه إجماع منهم.
وأما من نحَّى شريعة الله ولم يحكم بها، وأظهر الكفر البواح؛ فقد أجاز العلماء الخروج عليه بشرط القدرة حتى لا تُسفك دماءٌ معصومة، وتزهق أرواحٌ بريئة، قال الإمام ابن باز رحمه الله: (لا يجوز الخروج على السلطان إلا بشرطين، أحدهما: وجود كفر بواح عندهم من الله فيه برهان. والشرط الثاني: القدرة على إزالة الحاكم إزالة لا يترتب عليها شرٌ أكبر منه) (مجموع فتاوى ابن باز) (8/ 206)
وأعني بالخروج هنا: الخروج بالقوة بحيث يتقاتل الطرفان، ويحمل كلٌّ منهما السلاح في وجه الآخر.
وقد عانت الأمة الإسلامية كثيراً من حركات الخروج هذه، حيث ذهبت فيها أرواحٌ كثيرة دون طائل، لكن تسمية المطالبات بالحقوق الدينية والدنيوية - ولو كانت جماعية - خروجاً فيه نظر، وقياس الوفيات التي قد تحدث فيها سواء بسب الازدحام والاختناق أو بسبب الاعتداء عليهم؛ قياس ذلك على الدماء التي تُسفك عند الخروج المسلَّح قياسٌ مع الفارق، فشتان بين هذا وبين الهرج والمرج الذي يحصل عند الخروج بالسيف كما حصل في ثورة ابن الأشعث وغيرها.(1/349)
والتاريخ الإسلامي حافلٌ بمثل هذا النوع من الخروج بكل أسفٍ، لكن هذا النوع من المطالبات الجماعية السلمية حديثة على العالم الإسلامي، ولا يُعرف لها مثيل في تاريخ المسلمين، والمستجدات العصرية في وسائل التغيير والتعبير لا ينبغي إغفالها وإهمالها، طالما لم يرد نصٌّ بإلغائها وإبطالها، ولعلَّها لا تخرج عن نطاق "المصالح المرسلة"، وقاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد". ووجود بعض المفاسد عند استخدام مثل هذه الوسائل، ليس قاطعاً على حرمتها، فإن هذه المفاسد قد تسوغ مقابل دفع مفاسد أعظم منها: عملاً بقاعدة: "جواز ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما"، فشريعة الله قائمة على مراعاة مصالح العباد. والمهم الآن هو القول بأن مطالبة الإنسان بحقوقه الدينية والدنيوية مطالبة مشروعة في أصلها، ما لم يُرتكب فيها محرم كإتلاف الأموال وإزهاق الأنفس، وخاصة إذا كان هذا الحاكم مستبداً ظالماً ناهباً لخيرات الأمة، يسجن ويقتل منهم المئات بل الآلاف.
وتتأكد هذه المشروعية إذا كان -مع منعهم من حقوقهم الدنيوية- يمنعهم من حقوقهم الدينية، ويجاهر بمحاربة الدين صباح مساء ويعلن أن نظامه نظامٌ علماني، ويفضل القانون الوضعي على شريعة رب العالمين.
لكن لمَّا كانت هذه المطالبات الجماعية يشترك فيها عامة الناس، المثقفون منهم والغوغائيون، وقد تحصل فيها فوضى وشغب، ومنكرات عديدة: كتبرجٍ سافرٍ من بعض النساء -هداهن الله- واختلاطٍ مشين، واحتكاكٍ بالرجال بسبب الزحام، وصوت موسيقى في بعض هذه التجمعات، ورفع راياتٍ عُميَّةٍ وشعاراتٍ جاهلية، وربما شارك بعضَها أصحابُ أحزابٍ علمانية وأتباع دياناتٍ أخرى، إلى غير ذلك؛ فإن مشاركة العلماء وطلاب العلم الكبار ورموز الدعوة وقادتها، قد تتعذر حينئذٍ، ولا تلزمهم، ويكفي منهم التأييد العام بالبيانات والكلمات والخطب مع توجيه العامة نحو ما يحفظ على البلاد أمنها وممتلكاتها، وعدم ارتكاب محظورات في أثناء هذه المطالبات.
كما أن سكوتهم فضلاً عن معارضتهم لها، قد يفقد ثقة الناس فيهم، ويتسبب في انفضاضهم عنهم، وربما يتجهون إلى أصحاب الدعوات الباطلة؛ لأنهم سيرون أنهم هم وحدهم الذين وقفوا معهم للمطالبة بحقوقهم المشروعة.
ولا شك أن غياب العلماء والدعاة حضوراً أو توجيهاً وانزواءهم في الزوايا فيه مفسدة
ومن يثني الأصاغرَ عن مرادٍ ..... إذا جلس الأكابرُ في الزوايا
وقد يستشكل بعض الناس مشروعية هذه المطالبة مع ما قد يحصل معها من فوضى وشغب، وربما تُسفك بسببها دماء، ولا شك أن هذه مفاسد لكنها قد تُحتمل مقابل المصالح العظيمة التي تحصل من تغيير أحوال الشعوب الدينية والدنيوية إلى حال أحسن، وهنا تتفاوت أنظار العلماء وتختلف اجتهاداتهم في تقدير المصلحة وتوقع لمن تكون الغلبة، وعلماء كل بلد أعرف بحاله، مع التأكيد على عدم جواز ارتكاب أي من هذه المفاسد، وأن تكون المطالب سلمية بالشروط والأحوال المذكورة آنفاً.
وتظل هذه المسألة من مسائل الاجتهاد الدقيقة، التي تختلف في توصيفها الأنظار، ويتردد المرء فيها ويحار، فلا ينبغي أن تكون سبباً للفرقة وإلقاء التهم وإساءة الظن.
وينبغي أن يُعلم أن ما يصح أو يصلح أن يقال في بلد لا يصح ولا يصلح أن يقال في بلد آخر، إذا كانت مفسدة المطالبة فيه أعظم من السكوت عنها.(1/350)
فمثلاً بلدٌ كاليمن، أهله مسلَّحون، وفيه قبائل متناحرة، وتنظيمات بدعيَّة مسلحة لها (أجندات) خاصة، ومطالبات انفصالية في أجزاء منه، وفوضى عارمة، قد لا يكون من المصلحة قيام ثورات فيه، لمظنة وقوع هرج ومرْج وفساد عريض، وقد يستثمر مثل هذه الثورات أصحاب الفرق الضالة المنظمة المسلحة المدعومة من الخارج في حين أن أهل السنة فيه مختلفون متناحرون، وقل مثل ذلك في بلد نسبة أهل السنة فيه أقل من أهل البدع ولو ظهرت فيه مثل هذه الثورات لكان أهل البدع أقرب للوصول إلى السلطة من أهل السنة، فلا شك أنه في مثل هذه الحالات التي يغلب على الظن أن تؤدي المطالبات الجماعية فيها إلى وضع وحالٍ أسوأ مما هو عليه = أنها لا تجوز، لأن الشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسد وتقليلها، وجاءت لتدفع أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما كما قرر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في أكثر من موضع من كتبه وفتاويه، وخلاصة الأمر أن هذه المطالبات الجماعية تختلف من بلد إلى آخر، والحكم عليها خاضعٌ للنظر في المصالح والمفاسد، وهي بهذا تُعد من المصالح المرسلة التي لم يشهد لها الشرع بإبطال ولا باعتبار معين.
وهنا يتساءل بعض الناس، ما الموقف الصحيح مما يجري على الساحة اليوم؟
والجواب: لا شك أن زوال طاغية محارب لدين الله مما يثلج صدور المؤمنين لاسيما إذا لم يُتيقن مجيء من هو أسوأ منه، لأن الفرح إنما يكون بزواله ولا أحدَ يعلم الغيب، ولا بمن سيأتي بعده. وقد فرح المسلمون بموت الحجاج بن يوسف الثقفي، ونقلت لنا كتب التاريخ سجود الحسن البصري وعمر بن عبدالعزيز شكراً لله على موته، ولما أُخبر إبراهيم النخعي بموته بكى من الفرح، ولما بُشِّر طاووس بموته فرح وتلا قول الله تعالى: {فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين} وما كانوا يدرون من يحكمهم بعده. وفي عالمنا المعاصر فرح المسلمون والعلماء بزوال الاستعمار، وحُقَّ لهم ذلك، بل شارك بعض العلماء في الثورات التي أخرجته من بلدان المسلمين رغم أنه خَلَفَهم بعد ذلك في بعض الدول من هو أسوأ منه، فهذا الفرح والدعاء بزوال كل محارب للدين هو أقل ما يجب على العبد المسلم المعظِّم لشرع الله؛ إذْ رفعُ الظلم وإقامةُ العدل مقصودٌ لذاته في الشريعة الإسلامية، وفي الفِطَر السوية، والعقول السليمة. أما المشاركة فقد سبق القول أنها تخضع للمصالح والمفاسد يقدرها علماء كل بلد.
والقول بأن تأييد ذهاب أمثال هؤلاء فيه إعانة على من سيأتي بعدهم من أهل السوء، قولٌ صحيح، لكن هاهنا ثلاثة أمور ينبغي التفطن لها:
أولاً: أن زوال أمثال هؤلاء مقصود لذاته كما سبق بيانه.
ثانياً: أن بقاءهم متيقن في استمرار الفساد في حين مجيء غيرهم مظنة أن يكون أفضل منه، وزوال مفسدة متيقنة أولى من بقائها خشية من مفسدة مظنونة، وإنما يُمنع من زوال المفسدة إذا كانت تؤدي إلى مفسدة أعظم منها كما سبق بيانه.
ثالثاً: أنه مما لاشك فيه أن الأمة إذا تخلصت من أمثال هؤلاء أنها ستعيش عقب ذلك فترة من الزمن تستعيد فيها حقوقها الدينية والدنيوية لأن كل من سيأتي بعدهم أياً كان سيحسب لمثل هذه المواقف ألف حساب، وهذا وحده مصلحة غالبة الظن.
ويتساءل آخرون: لماذا لا يستثمر الإسلاميون هذه الأوضاع؟
والجواب: إن كان المقصود بالاستثمار المشاركة في السلطة فلا أظن أنهم في حالٍ تمكنهم من ذلك (والمراد بالإسلاميين هنا أعداء الديمقراطية). أما إن كان المقصود المشاركة في اختيار الأصلح أو الأقل سوءًا فهذا ممكن مع كثير من الحرج. لكن واجب الوقت الآن هو استثمار الحدث بالقرب من الناس وتوجيههم، وتسجيل مواقف تدفع بدعوتهم إلى الأمام بعد هدوء العاصفة.
وختاماً:
فإنَّ على عامة المسلمين في مثل هذه الأوضاع الاسترشاد بالعلماء الربانين والدعاة الموثوقين، والصدور عن رأيهم فيما يشكل عليهم، وعلى العلماء والدعاة تقدير المصالح والمفاسد وفق المنهج الشرعي، مع التحلي بالرويَّة والأناة والحلم في مثل هذه المواقف، وألا يتسرعوا في اتخاذ المواقف إقداماً أو إحجاماً، وأن يجعلوا أمرهم شورى بينهم.
أسأل الله عزَّ وجلَّ أن يعصمنا من الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وأن يولي على المسلمين خيارهم، ويدفع عنهم شرارهم، وأن يوحد صفوفهم، ويجمع كلمتهم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(1/351)
الثورة على الظلم والعلمانية
د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي
2 ربيع الأول 1432هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فإن المظاهرات التي نشاهدها هذه الأيام في تونس ومصر والأردن واليمن وغيرها ذات دلالات عميقة، فالمجتمعات الإسلامية سئمت من الأنظمة الظالمة التي تتحاكم إلى غير شريعة الله، وتحمي مصالح القوى الاستعمارية، وتوظف إمكانيات البلاد والعباد لأغراض ذاتية فئوية متعدية على حقوق الشعوب الدينية والدنيوية.
إنها ثورة ضد المذاهب والأيديولوجيات المستوردة التي فشلت فشلاً ذريعاً في تعاملها مع الشعوب، فشلت في المحافظة على هوية الأمة وتعبيد الناس لله تعالى، وتحريرهم من الاستبداد والتبعية للغرب، وأخفقت في تطوير وتنمية بلدانهم.
لقد فتح الشباب والفتيات الجدد أعينهم على مجتمع يمتلك كل عناصر النهوض والتميز، ويحوي إمكانيات هائلة للخروج من البؤس الحضاري والتراجع التنموي؛ ولعل من أبرز مقومات النهضة الكامنة في الأمة: الدين الصحيح، والتاريخ العريق، والثروات الطبيعية الثرية (النفط، والمياه، والزراعة ... )، والكثرة السكانية وخاصة الشباب، فالأمة الإسلامية المعاصرة أمة شابة فتية، ومع كل هذه المقومات الواعدة إلا أن هذه الشعوب متراجعة ومتأخرة في كافة المجالات، فالتغريب وضياع الهوية والاستبداد وغياب الحريات الشرعية والفقر والبطالة وسرقة الأموال العامة وتحطيم معنوياتها هي من أبرز معالم الواقع المعاش.
إن من حق هذه الشعوب - التي يزيد في كل يوم شعورها بالقهر والظلم في دينها ودنياها - أن تنال استقلالها من الفاسدين، والطواغيت الذين يحكمون بغير الشريعة، ويوظفون إمكانيات البلاد في إفساد المجتمع في دينه وأخلاقه، ويسرقون حقوقه وثرواته.
هذه المظاهرات التي نراها في العالم الإسلامي اليوم تؤكد حقيقة فكرية مهمة وهي فشل التيارات الفكرية العلمانية التي توصلت إلى الحكم بعد خروج الاستعمار المباشر من البلاد الإسلامية، لقد فشلت هذه التيارات الفكرية عندما أقصت الشريعة الإسلامية عن الحكم، وألزمت الأمة بقوانين ومناهج تناقض دينها وهويتها، وعندما استولت زمرة من الفاسدين على الحكم واحتكروا السلطة، ونفذوا أجندة الدول الاستعمارية، وساروا ببلادهم على خلاف مصالحها الحقيقية، ونهبوا ثروات الشعوب، وجوعوا وأفقروا وأذلوا وأهانوا وحطموا واحتقروا وسرقوا شعوبهم: خدمة لأعدائهم، وتحقيقاً لشهواتهم الخاصة.
إن الراصد لنتائج وكيفيات ومآلات التيارات الفكرية العلمانية التي استولت على حكم البلاد العربية والإسلامية يتعجب من صبر هذه الشعوب المظلومة عليهم كل هذه المدة، وبعد كل هذه الفترة والمدة التي ابتليت بهم الأمة ما هي النتائج؟: الحكم بغير الشريعة، تنفيذ رغبات المستعمرين، سرقة أموال الدولة، إفساد أخلاق الناس، مطاردة العلماء والدعاة وكل من يطالب بالنهوض والحريات المشروعة التي تنمي البلاد وتعطي المجتمع الثقة بنفسه وإمكانياته، إخراج أعداد هائلة من الزنادقة والملحدين وأعداء الدين، وأعداد كثيفة مثلها من الراقصات والفاسدات، في الوقت الذي غابت فيه التنمية الحقيقية للمجتمع، والتطوير المفيد لإمكاناته.
هذه الثورات هي ثورة على العلمانية والمشروع التغريبي والفاسدين والمستبدين الظلمة، والسارقين لأقوات الفقراء، والناهبين لحقوقهم، والمحتقرين لشعوبهم، والخونة الذين ينسقون مع الأعداء ضد مصالح أهليهم وبلدانهم.
هذه الثورة تدل على أن الظلم بلغ مداه، وهذا ما جعل الغرب المستعمر يدعو حلفاءه إلى ضرورة التغيير، وهي حيلة غربية للتخفيف من الاحتقان، والالتفاف على استحقاقات الإصلاح الحقيقية، وإيهام الناس ومخادعتهم بالإصلاح.
إن من الواجب على العلماء والمثقفين وقادة الفكر والرأي أن يشاركوا في توجيه هذه الشعوب، وضبط بوصلة هذه الثورات العفوية الناتجة عن احتياجات حقيقية حتى لا يتم اختطافها من سارقي الإنجازات والمتربصين بالأمجاد الذاتية على حساب الحقوق المشروعة للمجتمع.
ويجب أن تكون المطالب واضحة وبينة وهي الرجوع الحقيقي إلى الإسلام والتطبيق الصحيح له في الحكم والأخلاق والحقوق والحريات والشورى والتوزيع العادل للثروات والمحافظة على مقدرات البلاد وإمكانياتها وثرواتها، وتطويرها بما يحقق الأهداف المجتمعية الصحيحة، وتنمية المجتمع دينياً ودنيوياً، والعودة إلى الهوية الإسلامية للمجتمع وتاريخه العريق، وعدم السماح بتطبيق التجارب المخالفة لدينه وحضارته، فالأمة لم تعد حقلاً للتجارب الشرقية والغربية بل يجب أن تكون لها خصوصيتها الإسلامية والتاريخية والأخلاقية التي تميز نهضتها وتنميتها وتطورها وحضارتها بخصائصها الذاتية.(1/352)
على هامش أحداث تونس
أحمد بن صالح الزهراني
27 صفر 1432هـ
لا يمكن لمن يريد أن يسطّر مقالًا في هذه الأيّام أن يعاند رغبة جامحة في التعليق على الحدث الأكبر في هذه الأيّام، أعني سقوط جلاّد من جلاّدي الغرب الّذين نصّبهم على البلاد الإسلامية حارسًا لها من أيّ صوت حُر، خاصّة إن كان صوتًا إسلاميًا مَهما كان بعده عن روح الدّين الحقيقي ..
لديَّ أربع مسائل أحبُّ لفت النَّظر إليها:
الأولى: تونس اليوم تعيش أيّام فتنة حقيقيَّة نسأل الله أن يقيهم شرَّها، وأن يمكِّن فيها لمن في تمكينه رفعة البلاد وخير العباد، وأن يوفقهم لتحكيم شريعة الله وسنّة رسوله -صلى الله عليه وسلّم- الّتي لا عصمة لأمّة محمّد -صلى الله عليه وسلّم- إلاّ بها.
في أيّام الفتن يكثر المتكلّمون، ويطيب للبعض أن يساير الجموع وألاّ يقول إلاّ ما يرضيهم، لكن واجب أهل العلم والعقلاء أن يقولوا الحقيقة، وأن يبيّنوا للنّاس حدود ما أنزل الله على رسوله.
واحد من أهمّ ما تمّ التدّليس بشأنه منهج الإسلام في مثل هذه الظروف؛ إذ طلع علينا بعض المنسوبين للدّعوة يصرّح بأنّ الخروج على الحكّام الظّلمة جائز بل واجب، وأنّ القول بتحريم الخروج هو قول وعّاظ السّلاطين وعلماء الحكام.
وهذا والله الظّلم بعينه، وقائل هذا الكلام جاهل بحقيقة نفسه قبل أن يكون جاهلًا بحقيقة السنّة؛ فإنّ السنّة مضت واستفاضت بتحريم الخروج بالسلاح والقوة على السّلطان، لا أريد أن أفيض بذكر النصوص الشرعيّة الدّالّة على ذلك؛ فمصادر السنة وأقوال الأئمّة كثيرة جدًا لا تسمح بأيّ تأويل أو تنصّل، وبعض أقوال الأئمّة كانت في عصر واحد من أكثر الطغاة والسّفاكين للدماء، ألا وهو الحجّاج بن يوسف الثقفي، وبعضها كان في أيّام يزيد بن معاوية، لكن تأمّل معي هذا الحديث الّذي يصف فيه النّبيّ -صلى الله عليه وسلّم- الحالة بين الحاكم والمحكوم بأبلغ وصف، قال عليه الصلاة والسّلام: «شرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» .. أرأيت أكثر من ذلك، ترى ما الّذي يجعل شعبًا يبغض حاكمه ويلعنه؟ وأيّ حاكم هذا الّذي بلغ منه الأمر أن يبغض شعبه ويلعنه، وأيّ معاملة سيعامله بها وهو يبغضه ويلعنه؟
تستطيع أن تفرض ما تشاء من الأسباب والصّور، فكلّ ذلك يدخل فيه، ومع هذا تأمّل جواب النّبيّ -صلى الله عليه وسلّم- لمّا قال له الصّحابة: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه فاكرهوا عمله ولا تنزعوا يدًا من طاعة»، والحديث في صحيح مسلم وهناك غيره كثير.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: «وكان الحسن البصري يقول: إن الحَجّاج عذاب الله؛ فلا تدفعوا عذاب الله بأيديكم ولكن عليكم بالاستكانة والتضرع فإن الله تعالى يقول: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)» .. وكان أفاضل المسلمين ينهون عن الخروج والقتال في الفتنة، كما كان عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وعلي بن الحسين وغيرهم ينهون عام الحرة عن الخروج على يزيد، وكما كان الحسن البصري ومجاهد وغيرهما ينهون عن الخروج في فتنة ابن الأشعث، ولهذا استقر أمر أهل السنة على ترك القتال في الفتنة للأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاروا يذكرون هذا في عقائدهم ويأمرون بالصبر على جور الأئمة وترك قتالهم» انتهى.
وهؤلاء الأئمّة الذين ذكرهم شيخ الإسلام ومن على دينهم من علماء العصر الحديث لا ينهون عن القتال والخروج حبًّا أو حرصًا على ولاة الجور -لا كثّرهم الله- وإنّما خشية على الناس أن يكونوا وقودًا للحرب، خاصّة وهم لا قوة لهم .. هذا من جهة.(1/353)
ومن جهة أخرى فإنّ كثيرًا من الانقلابات والخروجات لم تأتِ بحكومات خير ممّن سبقها، بل هي مثلها إن لم تكن أسوأ منها، فتذهب دماء النّاس وأعراضهم وأموالهم بلا فائدة.
لكن ليس معنى ذلك أنّه لا يجوز سعي النّاس في خلع الحاكم بالطرق السلميّة كالنصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فأفضل الجهاد كما قال النّبيّ -صلى الله عليه وسلّم- كلمة حق عند سلطان جائر.
والشّاهد أنّه لا يجوز استغلال ما حصل في تونس لتهييج النّاس وحثّهم على الفتنة والشغب، خاصة من أقوام يعيشون في الخارج في الدّعة والراحة، ويطلقون الصيحات التثويريّة التي لا تراعي اختلاف الظروف بين بلد وآخر، وبين حاكم وآخر، وبين مطالبات حقيقيّة سببها الجوع والفقر، وبين أخرى دافعها الترف والحريات الموهومة.
الثانية: أنّني وإن قرّرت مذهب السنّة في الخروج على الحكّام، فإنّي أحبّ لفت النّظر إلى ملحظ مهمّ لا نملك معه إلاّ أن نردّد: سبحان الله!
فقد ظلّت تونس محجوبة عن الشّمس عقودًا طويلة منذ طاغيتها الأوّل بورقيبة حتّى خلفه زين العابدين بن علي ففعل في شعبه الأفاعيل، وأسوأ ذلك معاداته للتديّن بكل أشكاله وصوره ..
والآن مزّقه الله كلّ ممزّق، ورأى العالم كلّه من شرقه إلى غربه كيف أسقط الله الطاغية بأدنى الأسباب ..
عجيب هذا التقدير الرباني ..
لم تحرك جيوش أمريكا ولا أوروبا، ولا عملت أجهزة استخبارات، ولم تدفع الملايين لرشوة القادة والعسكر، ولم يتم استنفار طبع الخيانة لدى طائفة من المارقين ..
كانت انتفاضة عفوية طبيعية قدّرها الله تقديرًا ..
وإذا جاءت هذه الأحداث قدرية سبّبها مسبّب الأسباب على أيدي من لم يفكر في شرع ولا شريعة، فمن العبث ما قرأناه للبعض من الاستماتة لتأصيل مذهب السّلف في الخروج على الحكّام الظّلمة وتوصيفه للحالة التونسيّة؛ لأنّ القدر في تونس حلّ وحكَم وفصَل، والتأصيل الشرعي لمسألة الخروج في مثل هذه الظروف ليس له محل، وإنّما المطلوب تأصيل الحالة الراهنة والمطالبة بوضع مريح للدّعوة الإسلامية.
وشيء آخر هو أنّ زين العابدين وأمثاله لا يجوز أن يُدخل في نطاق مسألة الخروج على حكام الجور؛ لأنّ الأمر فيه أكبر من ذلك بكثير .. فحكومة تونس ونظامها لم تجُر في حقوق الدنيا فقط، بل كانت محارِبة لله ورسوله، وكثير من الشّعائر الإسلامية كان المسلم يستطيع أن يظهرها في أوروبا، ولكنه لا يستطيع أن يظهرها في تونس، حتّى الصّلاة يُضايق في أدائها، فلا ينبغي أن يشكّ عاقل عن أنّ مثلها لا يدخل في مسألة الخروج، أمّا مسألة الفتنة وتقدير المصالح فهذه لها مجال آخر.
الثّالثة: يا لها من عبرة ..
بعض حكّام العرب يشعر بأمان وطمأنينة كبيرة؛ لأنّه يركن إلى ركن شديد -أعني أمريكا والغرب- أو تغرّه قوّته الداخلية ومنصبه وزبانيته من حوله ..
لكن حين يأتي تقدير اللّطيف والخبير يتمّ الأمر بألطف الأسباب، ويرى الحاكم بأمّ عينيه أنّ الرّكن الّذي آوى إليه لم يغن عنه شيئًا، كما رأينا زين العابدين يتسوّل مدرجًا تهبط عليه طائرته قبل أن تسقط بمن فيها ..(1/354)
وحين أكتب هذا الكلام لا أنظر إلى من يرأس الحكومات العربية فقط، وإنّما أنظر إلى ثلة من المتنفّذين فيها الّذين وصل ببعضهم الحال إلى قريب من حال زين العابدين، سواء من الوزراء أو الأمراء أو المدراء أو قادة الجيوش وذوي المناصب .. فبعض هؤلاء حالهم ليس ببعيد من حال زين العابدين، فما إن يُمكّن للواحد منهم في منصب كبير أو صغير حتّى يبدأ بالظّلم والاستبداد، بعضهم يقفل المساجد، وبعضهم يحارب القرآن، وبعضهم يحارب الحجاب، وبعضهم يحارب أيّ منشط دعوي، وبعضهم يروّج للتغريب والانحطاط الخلقي، ويشيع الفاحشة وأسبابها، ويعلي من شأن الفسقة والمارقين، ويحطّ من شأن العلماء وأهل الشريعة. كلّ ذلك بدعوى محاربة الرجعيّة والظلامية والصعود بمن معه إلى الرقي والعالم الأوّل.
ولكنّ الله تعالى يُري هؤلاء آيات في الآفاق؛ فكلّ هؤلاء ليسوا أغنى من زين العابدين، ولا أكثر قوّة وبوليسيّة منه، ولا أشدّ بطشًا، ومع هذا رأينا كيف أذلّه الله لمن سحقهم وأهانهم، وبدأ يسترحمهم أن يبقى، وأن يعطوه فرصة أخرى، ولكنّ الشّعب قال له بكل قوّة: لا ..
وأقول أنا لبعض أشباهه الذين نعايشهم: وما هي من الظّالمين ببعيد.
الرّابعة والأخيرة: لأهل العلم والدّعاة أن يعوا جيّدًا أنّ المذهب السّلفي يجب أن يبقى نزيهًا بعيدًا عن توظيفه في خدمة الطّغاة وجلاوزتهم، بمعنى أنّه لا يجوز في مثل هذه الظّروف أن يكون الصّوت الوحيد الّذي يجيّر لصالح الظّلمة هو صوت العلماء السلفيّين، نعم أنا أعي جيّدًا حرص الكثيرين على السنّة، وأن لا يتمّ تهميشها في زحمة المتكلمين ورغبات الثائرين، وأعلم كذلك شفقة أهل العلم على النّاس أن يتاجر بهم طلاّب السلّطة وزعماء الأحزاب الذين يستغلون حماس الجماهير لزحزحة أعدائهم، ثمّ يكونون أوّل النّاكثين لوعودهم إذا تمكّنوا .. أعي ذلك جيدًا.
والمطلوب موقف وسط، كلّ نظام حاكم يهمّش العلماء وأهل الشّريعة، ويقصيهم وقت رخائه، فيضرب بفتاويهم وأقوالهم عرض الحائط لا يجوز أن يوظّف الحكم الشّرعي بأيّ طريقة ليقوّيه، ويدفع عنه سخط الجماهير، خاصّة ونحن نعلم أنّ هذه الجماهير الّتي نشأت على عينه وربّاها هو على احتقار العلماء، وعدم الأخذ بأقوالهم، ولا نصائحهم لن تحترم أقوال هؤلاء العلماء حين يرون فيها ترسًا يتترّس به الظّالم والمستبدّ لظلمه واستبداده.
يجب أن تكون فتاوى أهل السنّة لمن يطيعهم من أهل العلم والدين؛ حتّى لا يشاركوا في الفتنة، ولا تنغمس أيديهم في دم أو مال حرام، أمّا الجماهير الثائرة فليتحمّل ثورتها من ألجأها إلى ذلك تجويعًا وظلمًا وقهرًا وتهميشًا، وليتحمّل ذلك من ربّاها على تنحية الشريعة وإقصاء الدّين؛ فهذه الجماهير الّتي تعوّدت إبّان رخائها في الإعلام الرّسمي والتعامل الحكومي على تهميش أهل العلم لن تأبه لهم، ولا لأقوالهم إبّان شدّتها وعسرها ..
وساعتها يحقّ لأهل العلم أن يقولوا لكلّ حاكم ونظام حارب الدين والعلم الشرعي والفضيلة وأقصاها عن حياة النّاس: يداك أوكتا وفوك نفخ.(1/355)
التسربات الفكرية
فهد بن صالح العجلان
23 صفر 1432هـ
لا تمرّ ساعة دون أن يدخل (محمد) إلى أحد المواقع الالكترونية ليناقش عدداً من أصحاب الطوائف والتوجهات المختلفة في مسائل وقضايا كثيرة، ثمّ بعد أشهرٍ من الجدل والحوار المستمرّ يظهر (محمد) برؤى وأفكار منحرفة يظنّها ضرورية وأساسيّة للدفاع عن أحكام الشريعة وتصحيح صورة الإسلام والسنة.
ولقد أصاب أخونا (عبد الرحمن) قريباً مما أصاب (محمد) غير أنّه كان أقلّ انهماكاً في هذه المعمعة فكان دوره يقتصر على المتابعة والقراءة مع بعض الحوارات الهامشية، فما دارت الأيام حتى كان قلب (عبد الرحمن) يحتضن كثيراً من الإشكاليات والشبهات التي كانت تمرّ على عينيه الساخطتين فما لبثت أن سكنت قلبه بعد ذلك.
(عبد الرحمن) و (محمد) نموذجان لظاهرتين منتشرتين في واقعنا المعاصر، ظاهرة الشخص الغيور الذي يدخل في نقاش الشبهات دفعاً لها وتحذيراً منها وظاهرة القارئ المطّلع على هذه الحوارات فضولاً وثقافة ثم ما يلبثا بعد هذا إلا قليلاً حتى ينقلب بعضهم على عقبيه أو يكون قد تأثّر - كثيراً- وتشرّب عدداً من الأصول والمقدمات الفاسدة.
سأقف مع سبب واحد يفسّر واقع هذه المشكلة، وسأدع بقية الأسباب المؤثّرة لمقام آخر، فلن أتحدّث عن ضعف جانب العبادة والاتصال بالله، أو عن إشكالية تهاون المسلم في تحريك دفعات الشبهات على قلبه من دون أن يشدّ حبل قلبه بالله، ولا عن سبب العجب والثقة والاتكال على النفس الذي يضعف افتقار العبد إلى مولاه، ولا عن ضعف التأصيل الشرعي، ولا عن التفرّد والاستقلال الموهوم الذي يجعل أمثال هؤلاء يأنفون عن سؤال أهل العلم والرجوع إليهم، بل لربّما ظنّ- لعظم الوهم الذي يسكنه- أنه يخوض غماراً لا ينقذ الإسلام ولا يحفظ أصول الدين إلا رأيه وفكره.
السبب الذي أريده يتعلّق بواقعة (التسليم بالمقدمات والأصول الفاسدة) فيدخل المحاور والقارئ لهذه الحوارات، وفي غمارمعمعة قضاياها وأمواج إشكالاتها يتخذ لنفسه عدداً من الأصول والقضايا الثابتة يدافع عنها ويجيب عن الشبهات بناءً عليها، وقد غفل عن أن هذه الأصول والقضايا لم تأته من قراءة تدبّرية لكتاب الله ولا من جلوس طويل على صحيح السنة ولا من دراسة بحثية لكتب الفقه وإنما جزم بها من خلال هذه الحوارات وحسم أمرها بعد إلزام من هنا أو ورطة هناك.
هي مشكلة قديمة، كثيراً ما يبتلى بها من يقرر أصوله ومحكماته من خلال هذه الحوارات، وقد كانت سبباً ظاهراً لبذور الانحراف العقدي الذي مزّق أمة محمد صلى الله عليه وسلم من قديم، فرأس المنحرفين (الجهم بن صفوان) لم يقرر عقيدته في نفي أسماء الله وصفاته إلا بعد نقاشٍ مع فرقة وثنية أحرجته بأنه لا يستطيع أن يحسّ خالقه ولا يشمه ولا يسمع صوته فهو إذنغير موجود، فحيّرته هذه الشبهة ومكث أياماً يبحث عن جواب مريحٍ لها، ثم خرج إليهم فأجابهم بأن وجود الله مثل وجود الروح التي في جسد الإنسان، يقرّ الإنسان بوجودها لكنّه لا يراها ولا يسمع صوتها، ومن خلال هذا الدليل الذي قرّره ليتخلّص من ورطته مع الوثنيين بنى تصوّره عن الله فنفى عنه الصفات التي أخبرنا بها عن نفسه. (انظر: الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد بن حنبل 93)
وقد بذلت الفرق الكلامية جهداً عظيماً في سبيل إقناع الملاحدة بوجود الله فجاؤوا بالدليل العقلي الشهير (دليل حدوث الأعراض والأجسام) وجعلوا إثبات الله لا يقوم إلا به، فحطموا وعبثوا بسببه بكثير من النصوص والأصول الشرعية.(1/356)
لاحظ أنّهم لم يكن يرونها أصولاً فاسدة، أبداً، بل كانت عندهم دليلاً شرعياً وأصلاً ضرورياً لحفظ الإسلام وصدّ هجمات أعدائه، فزادهم ثقة وتمسكاً بهذه الأصول ورفضاً لأي قاعدة أو دليل يخالفها لأنه سيكون مضراً بالإسلام حسب رأيهم.
وإذا أردنا أن نتخفّف من عرض الإشكالات القديمة ونأتي لواقع إشكالاتنا المعاصرة فسنجد ذات المشكلة حاضرة لم تتغيّر، فمجموعة من الفضلاء يدخلون في حوارات وصدامات فكرية مختلفة وعلى أصعدة متعددة، يضطر بسبب هذه الحوارات لتبني عدداً من القضايا والمقدمات التي يراها مرتكزات أساسية للدفاع عن نصوص الشريعة وحفظ أحكامها، ويدعمها بعدد من الأدلة الشرعية، لكنه قد التقط هذه القواعد من هذه الحوارات ثمبحث بعد ذلك عن أدلتها في الشريعة، ولم يستخرجها من قراءة لنصوص الشريعة أو فحص لكلام الفقهاء.
مثلاً: يخوض حواراً مع الغربيين دفاعاً عن بناء المساجد وحق المسلمين في العبادة، ويقوم بجهود مشكورة في إحراج الغربيين بما في موقفهم من تحيّز ضد المسلمين، فيقولون له: (إنّكم لا تسمحون ببناء الكنائس في بلادكم؟) فيجيب مباشرة بأنّ هذا غير صحيح وأن حرية العبادة مكفولة في بلادنا، وإذا كان أحسن حالاً قال: عدم بناء الكنائس خاص بجزيرة العرب بسبب خاصيتها الدينية أو بسبب انتفاء وجود نصراني فيها.
فلم يكن بحث بناء الكنائس هنا معتمداً على نصوص الشريعة ولا آراء الفقهاء - وإن جاء ذلك فيما بعد- وإنما جاء لضرورة التخلّص من هذا الإلزام المحرج، فلحاجته لجواب مريح قرر مثل هذه القاعدة مع أن بإمكانه أن يقرر بسهولة أنّ حديثه مع الغربي هو مطالبة له لأن يكون صادقاً مع مبادئه وقيمه، فبما أنكم تقررون الحياد مع الأديان فيجب أن تكونوا كذلك أو تعترفوا بأنكم غير صادقين، وأما موضوع الكنائس في بلادنا فهي متعلقة بأصولنا وقيمنا.
وينتفض آخر: غيرة ودفاعاً عن الانتهاكات التي تلحق ببعض الدعاة والمصلحين بناءً على (حرية الرأي) وأنّه حق مكفول للجميع ما دام لم يقع منه عدوان على أحد، ومع مواصلة الحوار والسجال يضطرّ لأن يجعل حرية الرأي في الشريعة مكفولة لأي أحد، فلا عقوبة ولا منع في الشريعة للرأي، وإنما يكون ممنوعاً ما كان اعتداءً على الناس، وأما الرأي المجرّد فهو حق مصان ولا إشكال فيه، ويسوق لذلك بعض النصوص، وهي رؤية علمانية صريحة لا وجود لها في أي تراث فقهي بتاتاً، لكنها ذات المشكلة والمرض القديم، يريد الشخص أن يدافع عن الإسلام فيعتقد بأصل فاسد يرى أنّه لا يمكن تحقيق مقصود الشريعة إلا من خلال هذا الأصل الفاسد.
ويعيب شخص ثالث على النصارى تغييبهم للعقل وتعطيلهم له ويسوق لهم شواهد من ذلك في معتقدات الخلاص والتثليث وغيرها فيلزمونه ويقولون: (لديكم أيضاً في الإسلام مخالفة للعقل وسنذكر لك أمثلة) فيذكر لهم بارتياح أنّ الإسلام (يقدّم العقل على النقل) فلا وجه لإشكالكم، وقد ظنّ أنه قدّم جواباً رائعاً لهذه الشبهة، وما درى أنّ أراد أن يصلح خدشاً فهدم قصراً! فتخلّص بهذا الجواب من إحراجهم له لكنّه ادخل على عقله وقلبه فيروساً خطيراً ما دخل عقل احد إلا وعبث بدينه ويقينه.
ورابع: يخوض غمار الدفاع عن أحكام الإسلام في المرأة، فيبذل - مشكوراً- غاية جهده في البرهنة والعقلنة لتلك الأحكام لأنه يستشعر أنّ أي ضعف في الدفاع عن هذه الإيرادات المثارة سيكون سبباً للتشكيك في الإسلام ذاته، ثم يخرج من هذه الحوارات بآراء من مثل المساواة المرأة للرجل في الشهادة وجواز توليّها للولايات العامة مطلقاً وبما شاء من القواعد التي يشعر بحاجته لها لدفع الصائلين على الشريعة!(1/357)
يزيد المشكلة تعقيداً أنّ الشخص في معمعة هذا الحوار لا يشعر بمثل هذه القواعد والمقدمات الفاسدة من أين دخلت عليه، فيحسب أنّه تلقاها من معين الفقه وما يدري أنه إنما غرفها من مستنقع آخر.
إذن ما هو الحلّ؟
هل نترك الدفاع عن قضايا الإسلام ودفع الشبهات؟
لا، أبداً، ليس الحلّ بأن نترك الدفاع عن قضايا الإسلام ولا أن نضعف عنه أو نهوّن من أي نشاطٍ فيه، فهذا باب من أبواب الجهاد في سبيل الله، وإنما المطلوب - تحديداً - أن يتحصّن الشخص بالعلم الشرعي أولاً فلا يخوض غمار هذه السجالات من لم يكن عالماً بدينه، ثمّ أن لا يعتمد على نفسه في تقرير القواعد والأصول والأحكام، بل يجب أن يراجع كلام العلماء وتقريرات المتقدمين ويستشير أهل العلم المعاصرين، لأن المقصود ليس أي جواب عن الشبهة، بل لا بدّ أن يكون الجواب صحيحاً ومستقيماً، وإلا وقع الشخص في مشكلتين: تسرّب الأفكار المنحرفة إليه، وعدم قدرته على الإقناع والبرهنة ما دام أنّه قد وقف على أرضٍ زلقة فأقوى عامل يقوّي المحاور أن يكون مستقيماً على الحق لم يخلط معه شيء من الباطل لأنّه (من المعلوم أن كل مبطل أنكر على خصمه شيئاً من الباطل قد شاركه في بعضه أو نظيره فإنه لا يتمكن من دحض حجته لأن خصمه تسلط عليه بمثل ما تسلط هو به عليه) (مختصر الصواعق المرسلة 80)
ثبّت الله قلوبنا على دينه، ورزقنا اليقين،
وصرف عنا مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن.(1/358)
عفواً يا شيخ سلمان، إنه رسول الله!
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
15 صفر 1429هـ
الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة داعيةٌ معروف، له جهودُ في الدعوة إلى الله تعالى لا تنكر، يُسَرُّ المؤمن والداعية بكثيرٍ منها، وله أطروحاتٌ يخالفه فيها كثير ممن يحبونه بصدق ويريدون له الخير -فصديقك من صَدَقك لا من صدَّقك- وفي بعضها وخاصة السنوات الأخيرة خروج عن المألوف عنه قبل سنوات مضت، وبعض هذه الأطروحات لا يجوز السكوت عنها لما فيها من المخالفة الواضحة للهدي النبوي، والناظر إلى أخطائه هذه يجدها منتظمةً في مسارٍ معيَّن، للشيخ فيه تأويل لا يُوافَق عليه، وواجب الأخوة في الله، والنصح لعامة المؤمنين وخاصتهم تقتضي بأن يُذَكَّر الشيخ، لعله يقف وقفةَ مراجعةٍ وتأمُّلٍ في دلالاتِ الشريعة ومآلاتِ الأمور، وألا يستمر في إعراضه عن نصح الناصحين ونقد المحبين له؛ لأن هذا قد يُفضي به إلى مزيدٍ من الابتعادِ والإغرابِ في الاجتهاد؛ لكونه بشراً ضعيفاً محتاجاً لعون الله ونصح إخوانه.
من هذه الأطروحات التي لا يجوز السكوتُ عنها مقالة نشرها الشيخ في موقع الإسلام اليوم قبل عام بعنوان ((بين الولاء الإسلامي والفطري)) والتي رد عليه فيها عددٌ من المشايخ الفضلاء، ومنها ما طرحه مؤخراً حول الحدث الأخير المتعلِّق بالرسوم المسيئة للنبي صلى الله عليه وسلم التي قام بها حفنة من الكفرة أعداء الله ورسوله في الدانمرك في سبع عشرة صحيفة دانمركية متحدين بذلك مشاعر المسلمين ومسيئين ومستهترين بأعظم مَن له على المسلمين حقٌ ألا وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، حيث نشرت وسائل الإعلام الدانمركية خبراً مفاده أن مجموعةً من المسلمين في الدانمرك خططوا لاغتيال أحدِ رسامي الرسوم المسيئة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاستبعد الشيخ سلمان -وفقه الله- وقوع هذا التخطيط لقتل الرسَّام، وقدَّر أن الموضوع مجرَّدَ مؤامرةٍ من الحكومة الدانمركية، ولكنه عاد ليقول: ((إذا وُجد في هذه الأيام مَن يفكرون بهذه الطريقة فهم يسيئون إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- بنفس القدر الذي أساء به أصحاب الرسوم، أياً كانت المنطلقات والعواطف التي انطلقوا منها)) قال هذا في برنامج الحياة كلمة على قناة الـ ( mbc) الفضائية يشاهده ويسمعه آلاف المسلمين، ثم نُشر ذلك في موقع الإسلام اليوم بتاريخ 9/ 2/1429هـ
فيا سبحان الله!!
كيف يكون قاتل المسيء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قد أساء إليه كمن رسم رسوماً يستهزئ فيها به عليه الصلاة والسلام؟
لقد كان بإمكان الشيخ العودة -حفظه الله- أن يبدي وجهة نظره في محاولة قتل من أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بغير هذا الأسلوب الذي تقشعر منه جلود الذين آمنوا، والعجيب منه أنه يردف ذلك بقوله: ((أياً كانت المنطلقات والعواطف التي انطلقوا منها)) وهذا يعني أنه لو انطلق أحدُ هؤلاء من نصوص الشرع وأخذ بتوجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إهدار دم سابِّهِ والمستهزئ به، وبما أجمع عليه علماءُ المسلمين - كما نقل ذلك عنهم ابن المنذر والقاضي عياض وغيرهما- يكون فعله هذا كفعل من أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟!
بل لو قدَّرنا أنَّ أحدهم فعل ذلك من باب العاطفة وحبه للنبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلم شيئاً عن هذه النصوص؛ أيكون فعله كفعل من أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟! بل لو سَلَّمنا أن هذا خطأ كما يراه الشيخ سلمان، ومفسدته أعظم من مصلحته، أيكون خطؤه هذا كخطأ وجريمة من أساء إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟!
لا شك أن هذه زلة من الشيخ سلمان لكن لعلها زلة لسان، ولعله أراد أن يقول بأن كلاًّ من هؤلاء وهؤلاء مسيء، وعلى كل حال ما يزال هناك فرصة للشيخ يوضح فيها مراده بهذا التصريح، ولولا أنه ذكره أمام آلاف المشاهدين لساررته به.
ولا ينسى كثير من المسلمين موقف الشيخ ومن كان معه ودورهم المؤثّر سلباً في إفشال المقاطعة الشعبية العارمة قبل نحو عامين عند نشر الرسوم للمرة الأولى مما جرأهم على إعادة الكرة مرة أخرى غير آبهين بمشاعر مليار مسلم مادام فيهم من يسعى إلى وأدها في مهدها.
وأخيراً، أسأل الله تعالى أن يقي الشيخ سلمان عواقب ومغبة هذه الطريق الوعرة، وأن يهدينا وإياه إلى الحق وأن يلهمنا رشدنا.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(1/359)
رابطة علماء أهل السنة تهنئ شعب تونس
12 صفر 1432هـ
الحمد لله الذي قشع الغمة عن تونس وأهلها, ودك عرش الطغيان، وأذل أهل البغي والعدوان، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: (وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَىِ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا) سنن أبي داود: (4/ 213)
أما بعد
فإن رابطة علماء أهل السنة ترفع تحية احترام وتقدير وإعزاز لشعب تونس الأبي، الذي أصبح علامة بارزة في رفض الظلم ومقاومة الطغيان ورد العدوان وطلب الحرية التي جاء الإسلام بها وتحت ظلالها الشرعية نمت حضارة القيروان والزيتونة ورباط المنستير.
إن المصائب التي مارسها النظام البائد بدأت منذ أن حارب هويتكم وعارض قيم دينكم وصادر شريعة خالقكم وسعى لغرس هوية مستعارة وقيم ونظم مستوردة، مخالفة لأمر الله ومضادة لشريعته التي رضيها لنا وجعلها مناط عزتنا وموئل نهضتننا وكرامتنا.
ولم يتوقف هذا البغي العلماني الغاشم المدعوم من أعداء الإسلام عند هذا الحد من الطغيان حتى ضايق الناس في معيشتها ولاحقها متربصا بها الدوائر ملحقا بعلمائها ودعاتها وكل معارض له أنواع الأذى وأصناف الضرر، حتى غدا أولئك تحت طائلة السجن والتحقيق والتشريد
وبذلك عاش شعب تونس حياة صعبة عرفها أحرار المسلمين والمنصفين من غيرهم، وأسهموا بما يقدرون عليه في رفع الظلم ودفعه، على تفاوت في ذلك تفاعلا وفاعلية.
ولكن عقلية الاستبداد تجعل المستبد في حالة سكر بالسلطة المطلقة، فيتصور أنه قادر على ممارسة طغيانه مادام مدعوما أو مسكوتا عنه من الغرب، غير آبه بشعبه المضطهد المنتهك الحقوق، ولكن شعب تونس الحر أثبت أن نظرية الاستبداد تتهاوى أمام صدق العزيمة وعلو الهمة ووحدة الهدف، وأعطى درسا للواقع والتاريخ تخفق به قلوب المستضعفين في دينهم أو دنياهم وترجف منه قلوب الظالمين.
وإننا إذ نهنيء شعب تونس على إنجازه التاريخي هذا ونشاركه البهجة باندحار الطغيان نلفت نظره إلى الحذر من سرقة إنجازه بأيد أخرى ظاهرها مختلف عن العهدين البائدين وحقيقتها ذات الحقيقة، ونذكره بأننا قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، وأن الانتقام ليس من أخلاق الإسلام.
نسأل الله أن يوفق أهل تونس لكل خير ورشد وصلاح وفلاح في الدنيا والآخرة.
وإن الرابطة تناشد خادم الحرمين الشريفين بطرد هذا الطاغية من أرض الوحي ومهبط الرسالة وتطهيرها منه؛ لأنه كان من أكابر أعداء الوحي والرسالة.
وإننا ننادي الطغاة في مشارق الأرض ومغاربها أن يتعظوا بما حدث لهذا الطاغية، وليسارعوا بالعودة إلى الحق، ولا يغرنهم ما تحت أيديهم من القوة الباطلة ولا ما حولهم من الأعوان والجنود، فإن أمر الله إذا أتى فلا راد له.
وإنه من توفيق الله عز وجل ومن المبشرات للرابطة أن يكون سقوط هذا الطاغية يوم الجمعة المبارك 10 صفر 1432 هـ الموافق 13 يناير 2011 وهو يوم الإعلان عن تأسيس رابطة علماء أهل السنة في مدينة استنبول حاضرة الخلافة
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
أمين عام رابطة علماء أهل السنة / دكتور: صفوت حجازي
رئيس رابطة علماء أهل السنة / دكتور: أحمد الريسوني(1/360)
بيان رابطة علماء المسلمين بشأن أحداث تونس
11 صفر 1432هـ
الحمد لله الذي أمر بالعدل، وبه أقام السموات والأرض قال تعالى {إن الله يأمر بالعدل} [النحل:90]، وجعل القسط نظام الملك وقانون الحكم في الدنيا والآخرة قال تعالى: {وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} [النساء: 58]، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الذي قال «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به» وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد،
فلقد تابع العلماء الأحداث المؤسفة، والاعتداءات الغاشمة على الشعب التونسي المسلم، والتي تقع عليه لا من أعدائه، وإنما من قادته وحكومته، وإن رابطة علماء المسلمين ومن واقع الواجب الملقى عليها تستنكر الظلم والاستبداد أياً كان نوعه والحرب على دين الله وعلى المسلمين في تونس, وترفع مناشدتها لعلماء وعقلاء وحكماء وسياسي شعب تونس المناضل لضبط الأمور والحيلولة دون إشاعة الفوضى والانفلات الأمني وتفويت الفرصة على أعداء الإسلام في استثمار هذه الانتفاضة العظيمة.
وإن إقامة العدل هو مطلب الشعب التونسي وما أحسن قول مفسر تونس الشهير الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «والعدل مما تواطأت على حسنه الشرائع الإلهية والعقول الحكيمة، وتمدَّح بادعاء القيام به عظماء الأمم، وسجَّلوا تمدُّحهم على نقوش الهياكل من كلدانية ومصرية وهندية .. ».
وإن التاريخ سوف يكتب أن السبب الرئيس لمثل هذه الاضطرابات والقلاقل هو الظلم السياسي الناشئ عن الانحراف عن دين الله عز وجل، واستدبار شريعته، ومحاربة أوليائه، والصد عن سبيله.
كما تطالب رابطة علماء المسلمين المخلصين من أبناء الشعب التونسي من العلماء والمفكرين والمصلحين الالتزام بالإسلام العظيم ومبادئه وتطبيق الشريعة الإسلامية حتى يسود الإحسان المأمور به مع العدل في قوله تعالى {إن الله يأمر بالعدل والإحسان} [النحل:90]، وتؤكد الرابطة على أهمية قيام الحكم الذي يعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية على قاعدة الشورى التي طريقها الحوار بين الأمة ممثلة -في أهل الحل والعقد منها- وبين حكَّامها، وقد قال الله تعالى آمرًا نبيه المعصوم صلى الله عليه وسلم {وشاورهم في الأمر} [آل عمران:159] وأثنى على أئمة المسلمين وسيَر الراشدين في الشورى بقوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} [الشورى:38].
كما تدعو رابطة علماء المسلمين العلماء والدعاة للقيام بواجباتهم الشرعية والعملية في قيادة هذه الأمم المظلومة والشعوب المضطهدة، وليجددوا في الأمة سيرة العلماء والحكام المجاهدين، ولتبقى الراية في توجيه الأمة إسلامية نقية.
وعلى المؤسسات الإسلامية والعالمية، والمنظمات الدولية أن تقوم بواجبها تجاه الدفاع عن حقوق هؤلاء المظلومين ومطالبة الحكومات بإيقاف هذه المجازر، والاستجابة للمطالب المشروعة لهذه الشعوب المغاربية.
ووسائل الإعلام الإسلامية والعالمية عليها أن تبرز هذه المآسي، وأن تظهر هذه المخازي، حتى يتنادى القاصي والداني بإيقافها، وتحقيق العدل الذي على أساسه تقوم الدول ولو كانت كافرة، ونفي ومحاربة الظلم الذي يهدم الدول ولو كانت مسلمة.
وتوصي رابطة علماء المسلمين الأمة في الشمال الإفريقي بالانضباط بمشروعية الوسائل للتعبير عن المطالب العادلة؛ إذ الغاية وإن شرُفت لا تبرر الوسيلة إذا نزلت، وتحقيق العدالة لا يكون بارتكاب المحرَّمات وإتلاف الممتلكات الخاصة أو العامة، وعلى الجميع التأني والتثبت والبعد عن الفتن، وسد الثغور التي قد ينفذ منها من يريد التشويه أو التشويش على تلك المطالب العادلة أو استغلال هذه الظروف من لصوص الأموال والأعراض والدماء فينطلقوا لتحقيق أغراضهم العدائية أو الانتقامية، ولا يتأتَّى هذا إلا بصبر وشجاعة وثبات وتؤدة ومرابطة على الحق.
وعلى العلماء والدعاة والوجهاء وأهل الحل والعقد والمسئولين في البلد أن يتنادوا إلى انتخاب حكومة عادلة تطبق شريعة الإسلام , وتعطي الشعب حقوقه.
وقى الله بلاد المسلمين عامة والأمة في الشمال الإفريقي خاصة الفتن ما ظهر منها وما بطن، وجعل عواقب هذه الأمور إلى خير.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(1/361)
من تجديد الفقه إلى تجديد الفقيه
ياسر بن ماطر المطرفي
6 صفر 1432هـ
مدخل مفاهيمي:
عادةً ما تسيطر على الوسط الفكري مجموعة من المفاهيم التي تظل ممسكة بزمام البحث في تلك الأوساط على اختلاف مرجعياتها، ويظل الجدل الفكري متمركزاً حولها بشكل أو بآخر، وكلما كانت تلك المفاهيم مستندة إلى مرجعية تمتلك عوامل البقاء كلما بقيت فاعليتها واستمرارها؛ كما هو الحال في مرجعية الإسلام؛ ولذلك فإن الدعوات الفكرية الحداثية التي تسعى إلى إحداث قطيعة معرفية (أو ما يسمى «القطيعة الإبستمولوجية» (1) مع المفاهيم الإسلامية المحْكَمة، لا يمكنها أن تنجح في سعيها؛ لأن بقاء هذه المفاهيم مرتهَن ببقاء الإسلام نفسه؛ ولذلك فإن هذه الدعوة بالقطيعة مستلهَمَة من التجربة الغربية التي أحدث فيها الفكر الغربي - كما يقول دعاة القطيعة - مجموعة من القطائع الإبستمولوجية في تاريخه، كالقطيعة بين اليونان والرومان والعصور الوسطى، ثم القطيعة بين العصور الوسطى وعصور الحداثة وهكذا، بداية على يد غاليلو وديكارت، ثم نيوتن وكانط ثم آينشتاين وباشلار.
وإننا لو سلمنا بأن تلك المحاولات كانت تمثل قطيعة حقيقية مع المراحل التاريخية السابقة في هذا الفكر؛ فإن محاولة نقل هذه التجربة إلى واقع الفكر الإسلامي هي محاولة استنبات في أرض غير صالحة لذلك، وسبب ذلك: أن كثيراً من تلك المفاهيم التي صنعها الفكر الغربي هي مفاهيم بشرية خاضعة للبيئة التي نشأت فيها، والظرف التاريخي الذي ولدت فيه، بينما مفاهيم الإسلام المُحْكَمة هي مفاهيم إلهيةُ المصدرِ، مطلقةُ الزمانِ والمكانِ؛ فلا يمكن أن يحدث في الواقع الإسلامي قطيعة مع مفاهيم التوحيد، والإيمان، والحق، والعدل ... ونحوها. أما المفاهيم البشرية الزائفة فلقد جاء الإسلام بالدعوة إلى تخليص الناس منها وإحداث القطيعة التامة بينهم وبينها؛ فهو - سبحانه - ينهى عن الخرافة والشرك فيقول عن ذلك: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَار} ٍ المائدة.72
ويحذر من مفهوم الغلو فيقول: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إلاَّ الْحَقَ}: النساء171.
ويريد - سبحانه - أن يحرر العقل الإنساني من مفهوم تبعية الآباء والأجداد فيقول: {وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَ لَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ} البقرة:170
ويتحدث - سبحانه - عن مفهوم الفساد ويصحح طريقة النظر إليه فيقول: {وَإذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ} البقرة: 11 - 12
_________
(1) القطيعة الإبستيمولوجية: مصطلح فلسفي أسسه العالم الفرنسي غاستون باشلار، ويذهب فيه إلى أن حركة تاريخ الفكر تمر بمجموعة مراحل انتقالية كل مرحلة تحدث قطيعة وانفصالاً مع مفاهيم وبنية تفكير المرحلة السابقة. وهي فكرة ليست محل اتفاق تام في الحقل الفلسفي الغربي، لكن عدداً من المفكرين العرب: كمحمد عابد الجابري ومحمد أركون وهاشم صالح، يدعون لتطبيق هذه الفكرة في واقع الفكر الإسلامي.(1/362)
وبناءً على ذلك فنحن بحاجة دائمة إلى دعوة الإنسان لتحرير عقله من تلك المفاهيم الزائفة، وإلى إحداث نوع من الوعي بالمفاهيم الإسلامية المحْكَمة، وبثِّ الروح من جديد في هذه المفاهيم.
وأحد تلك المفاهيم الخصبة الأصيلة في الفكر الإسلامي، هو مفهوم (التجديد)، وهو من المفاهيم التي أحدثت كثيراً من الجدل في الوسط الفكري في القديم والجديد، وقد يكون من أسباب ذلك الإجمال الذي يكتنف لفظ (التجديد)، وهذا ما جعله عُرْضة لأن تختلف المناهج في معالجته تبعاً لاختلاف فكر أصحابها، حتى تمكَّن بعض دارسيه من استخدامه لتغيير معالم الدين بدعوى تجديده؛ لكن هذا المفهوم يحفزنا نحو تجديد الرؤية في الموضوعات التي نتطرق إليها تجديداً ملتزماً بمحكمات الشريعة ومبادئها، وهذا ما يجعلنا مطالَبين على نحو دائم بتجديد طريقة تناولنا لكثير من القضايا التي تشغل هذا الواقع المتجدد. وليس المقصود هنا البحث في هذا المفهوم، وإنما تسليط الضوء على جانب من جوانبه فهو يُستخدَم على مستويات عديدة وفي مجالات مختلفة، يعنينا منها في هذا المقال التجديد على الصعيد الفقهي؛ أي: (تجديد الفقه)، والمقصود من الحديث حول هذا المفهوم محاولة نقل مركزية الحديث من حقل تجديد الفقه إلى حقل تجديد الفقيه؛ وهو حامل هذا الفقه. وموجب هذا النقل أن مَنْ يتابع المعالجات المُحْكمة التي طُرحت لنقاش هذا الموضوع يرى اقتصارها على جانب واحدٍ من جوانبه؛ وهو جانب تجديد العلم نفسه، في حين أن ثمة جوانب أخرى ربما لا تَقِل أهمية عن سابقتها غاب الحديث عنها أو كاد، ومنها الحديث عن تجديد (الفقيه)؛ أي: إعادة النظر في وسائل إعداده وتأهيله.
وإن عملية نقل مركز الحديث نحو تجديد الفقيه لا تعني القطيعة مع مفهوم تجديد الفقه، ولكنها تعني بشكل أساسي توسيع مساحة البحث في جوانب أخرى مهمة في هذا الموضوع.
لماذا تجديد الفقيه؟
في وقت تعقدت فيه مسائل الفقه الواقعية نظراً لتعقُّد الواقع وتشابكه وتداخله، أصبح من الضروري إعادة هيكلة المحاضن التربوية والعلمية التي تصنع الفقيه؛ فلم تَعُد إشكالية هذا الموضوع تنحصر في جانب العلم نفسه وتجديد أساليبه وموضوعاته؛ بل تجاوزت ذلك إلى الفقيه الجديد ونمط تنميته وتطويره. وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «وربَّ حامل فقه وليس بفقيه» (1) إلى التفريق بين الفقه نفسه وبين حامله؛ وهو ما يعني أن حَمْل الفقه لا يُلبِس صاحبَه لقب (الفقيه).
لقد أصبح كافياً في وعي كثيرين أنه حتى يتسمى الدارس باسم (الفقيه)، وحتى يباشر الحديث حول القضايا الفقهية، لا بد أن يضبط جملة الفروع الفقهية من بعض الكتب المختصرة، ويستحضر أدلتها، ويعرف الراجح فيها وبذلك يحظى بأن يكون واحداً من الفقهاء، وبسبب هذا النمط من التفكير قلَّت العناية بالبرامج التدريبية العملية لتمنية الفقيه وتطويره. يقول الطاهر بن عاشور في وصف هذه الحال: «وكان معنى العلم عندهم: هو سعة المحفوظات - سواء من علوم الشريعة أم من علوم العربية - فلا يعتبَر العالم عالماً ما لم يكن كثير الحفظ، وليس العلم عندهم إلا الحفظ؛ لأنهم كانوا يميلون إلى شيء محسوس مشاهَد في العالِم؛ ومن المعلوم أن الذكاء والنباهة لا يشاهَد لأحد» (2).
_________
(1) أخرجه الترمذي.
(2) أليس الصبح بقريب، ابن عاشور، (ص: 46).(1/363)
إنه لم يعد كافياً حتى يكون المتعلم فقيهاً فاعلاً في واقعه أن يكتفي بما ترسمه بعض كتب التراث من شروط لمواصفات الفقيه؛ لأن ثمة معارف جديدة تتطلب من فقيه اليوم قَدْراً من الدراية والإحاطة لا نجد الحديث عنها بالقدر الكافي في صورة الفقيه القديمة، وإن السعي لاستنساخ ذلك دون محاولة تطويره أو معرفة الفوارق بين الحاجات العلمية التي كان يتطلبها واقعه وبين حاجات واقعنا العلمية، يعني مزيداً من خلق المشكلات في حياة المتلقين؛ بل ربما أدى ذلك إلى إضعاف هيبة الفقه الإسلامية، وتعرُّضها لكثير من النقد والتشكيك بسبب عدم تأهيل حامليه التأهيلَ المناسب لهذه المرحلة الجديدة، ولقد كانت هذه المشكلة - وهي ضعف تأهيل الفقيه - إحدى أسباب تقليل المتكلمين من شأن الفقه وجعلهم أغلبَ فروعه من باب الظنون وليست من باب اليقين؛ وذلك بسبب ضعف استعداد الفقهاء الذين قدَّموا لهم الفقه في تلك المرحلة. يقول ابن تيمية في ذلك: «إنه لكثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى والقضاء، استطال عليهم أولئك المتكلمون، حتى أخرجوا الفقه الذي نجد فيه كل العلوم من أصل العلم، لما رأوه من تقليد أصحابه وظنهم» (1).
إن ما قاله ابن تيمية من استطالة المتكلمين على الفقهاء في ذاك الزمن، ربما قد يتكرر في هذا الزمن لكن بصورة أخرى وهي صورة التشكيك الفكري التغريبي في أحكام الفقه الإسلامية، وإن من أهم سبل مدافعته: التأهيل المناسب للفقيه الجديد الذي يستوعب مقالات هذا الفكر حتى يُحسِن مدافعته، «ومن لم يعرف أسباب المقالات - وإن كانت باطلة - لم يتمكن من مداواة أصحابها وإزالة شبهاتهم» (2).
وإن حالة الضعف الفقهي في كتب متأخري الفقهاء هي التي جعلت شيخ الشاطبي يوصيه بعدم الانشغال بكتب الفقه المتأخرة في زمانه والاكتفاء بما كتبه المتقدمون في الفقه؛ حيث يقول: «وأما ما ذكرتُ لكم من عدم اعتمادي على التآليف المتأخرة، فلم يكن ذلك مني - بحمد الله - محضَ رأيٍ؛ ولكن اعتمدت بسبب الخبرة عند النظر في كتب المتقدمين مع كتب المتأخرين، وأعني بالمتأخرين: كابن بشير (ت بعد 526هـ)، وابن شاس (ت 610هـ)، وابن الحاجب (ت 646هـ)، ومن بعدهم، ولأن بعض من لقيته من العلماء بالفقه أوصاني بالتحامي عن كتب المتأخرين، وأتى بعبارة خشنة في السمع لكنها محض النصيحة» (3).
لكن الونشريسي كشف عن تلك العبارة الخشنة التي أبهمها الشاطبي، فقال بعد ذكر كلامه: (والعبارة الخشنة التي أشار إليها كان - رحمه الله - ينقلها عن شيخه أبي العباس أحمد القباب (ت حوالي 779هـ)، وهي أنه كان يقول في ابن بشير وابن الحاج وابن شاس: فسَّدوا الفقه) (4)؛ أي: أفسدوا الفقه.
وحتى يتضح عمق الحاجة لإعادة صناعة الفقيه الجديد فَلْنبتعد قليلاً عن حالنا اليوم وَلْنتأمل حجم التعقيدات الواقعية المستقبلية في ذهن المتعلم الذي نريد تأهيله ليكون فقيهاً لأمته بعد ثلاثين سنة؛ هل الطرق المنهجية المتداولة اليوم في الساحة العلمية كافية لتأهيل هذا الفقيه ليكون الرجل المناسب لتلك المرحلة؛ أم أننا بحاجة لآليات عملية جديدة تساعد في تأهيل الفقيه الجديد لتعقيدات المستقبل المنتظرة؟
أتصور أن هذا التساؤل هو من جنس التساؤلات الكبيرة التي من غير المنطقي أن يتلخص جوابها في مقال مختصر كهذا، وحَسْبُ هذا المقال أن يضع مجموعة من الرؤى التي يمكن أن تساهم في توضيح هذه القضية.
تجديد الفقيه مسؤولية مَنْ؟
_________
(1) الاستقامة، ابن تيمية، (1/ 56).
(2) الاستغاثة في الرد على البكري، ابن تيمية، (1/ 244).
(3) فتاوى الإمام الشاطبي، (ص: 120 - 122).
(4) المعيار المعرِب والجامع المغرِب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب، (11/ 142).(1/364)
يحيلنا الحديث عن مسؤولية تجديد الفقيه وتأهيله إلى الحديث عن واقع العمل المؤسسي في الوسط التعليمي الشرعي؛ فإن الراصد لحركة التعليم خارج إطار الجامعات والكليات يجد أنها تفتقد كثيراً لنظام مؤسسي مبنيٍّ على رسم إستراتيجيات تعليمية بعيدة المدى، وربما يصدق في واقعنا - وإلى حد كبير - ما قاله مالك بن نبي: «لم أكن أعلم أن العمل الجماعي بما يفرضه من تبعات إنما هو من المقومات التي فقدها المجتمع الإسلامي ثم لم يسترجعها بَعْدُ خصوصاً بين مثقفيه» (1).
فبينما نلاحظ توجُّها منظَّماً نحو تخريج النجوم والرموز في الفن والرياضة والإعلام، لا نجد جهداً يوازيه في تأهيل وتخريج وتطوير أصحاب التخصصات الشرعية، وإن الذي يتابع سِيَر كثيرٍ من فقهاء اليوم يجد أن الذي صنعهم في الغالب هو جهدهم الذاتي - بعد عون الله سبحانه - ولم تصنعهم مؤسسات تعليمية معيَّنة.
وإن ما سيُطرح من رؤى وأفكار حول هذا الموضوع - سواء في هذا المقال أو غيره - ربما تُفهَم على أنها دعوات مثالية، وهذا صحيح إذا ما نظرنا إليها على المستوى الفردي وليس المؤسسي؛ أما على صعيد المؤسسات فهي ليست كذلك، كما أن التطبيق العملي كفيل بأن يُهذِّب هذه المثالية حتى تتناسب مع الواقع العلمي.
تجديد ملكات الفقيه:
إن الدراسة الفقهية اليوم تتسم بالتقرير المدرسي من خلال دراسة الكتب المذهبية المعتمَدة، ويغيب فيها الدرس الذي يعتني بالتدريب الفقهي أثناء عملية التأهيل الفقهية، والذي يتدرب فيه المتفقه على مجموعة من المهارات الفقهية لتبني له عدداً من الملَكات العلمية؛ فالفقيه الجديد يتطلب في إعداده وتكوينه جملةً من المهارات التي تساعده في تحقيق رسالته بالشكل المطلوب في هذا الزمن، ومن المهارات التي ينبغي أن يُدَرَّب عليها الفقيه الجديد:
أولاً: بناء مَلَكَة التفكير الفقهي:
التفقه في أصله عملية فكرية؛ لأنه راجع في أصل معناه إلى (الفهم)؛ فهو نوع من ممارسة التفهم في نصوص الشرعية، وعملية التفكير هذه لا تتأتَّى من خلال التلقين المجرد للفروع الفقهية، وإنما من خلال توجيه الدرس الفقهي إلى حَلْقات علمية خاصة تهتم بتطوير عقلية المتفقه الجديد وتمرينها حتى تكتسب القدرة العالية على معالجة المسائل وإدراكها.
وحتى لا يجاهد المتفقه الجديد في غير ميدانه، ولا يستنبت عقليته في أرض غير صالحة؛ فمن المهم أن تكون عملية التمرين والتطوير في ميدانها المناسب، ومن تلك الميادين التي تساعد على تقوية تفكير الفقيه ما يلي:
1 - بناء الملَكة التي تعتمد على إرجاع فروع الشريعة إلى كليَّاتها العامة: وذلك حتى يُعرفَ مدى اطراد التشريع الإسلامي، ويتمكن الفقيه من إرجاع الفروع بعضها إلى بعض، وإظهارها على وجه متماسك مطَّرد.0 والمتأمل في واقع التعليم الفقهي اليوم يجد أن الغالب عليه تقرير آحاد المسائل الفقهية بعيداً عن الاهتمام بربط هذه المسائل بمثيلاتها وما يعضدها من كليات الشريعة وأصولها الكبرى. يقول ابن رشد منبهاً إلى هذا المعنى: «رأينا أن نذكر في هذا الكتاب (كتاب الصرف) سبع مسائل مشهورة تجري مجرى الأصول لما يطرأ على المجتهد من مسائل هذا الباب؛ فإن هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد ... وبهذه الرتبة يسمى فقيهاً لا بحفظ مسائل الفقه؛ لو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان كما نجد متفقهة زماننا يظنون أن الأفقه هو الذي حفظ مسائل أكثر» (2).
_________
(1) مذكرات شاهد على القرن، مالك بن نبي، (ص 236).
(2) بداية المجتهد، ابن رشد، (1/ 664).(1/365)
وبسبب فَقْدِ هذه الملَكة أصبح من غير المستغرَب أن يُقرِّر بعض الفقهاء مسألة في بابٍ على وجهٍ، ثم يقرر في نظيرها تقريراً مخالفاً لها في باب آخر وكلاهما يرجعان إلى تأصيل واحد. يقول ابن تيمية عن حال بعض متبعي الأثر ممن قلَّت معرفته بطريقة التعامل مع القياس الصحيح: «وتجد المستن الذي يشاركه في القياس قد يقول ذلك القياس في مواضع، مع استشعاره التناقض تارة، وبدون استشعاره تارة؛ وهو الأغلب» (1).أما الجويني فيقول أثناء بيانه لأصول مذهب الشافعي: «ومن أراد أخذ المذهب (أي: الشافعي) مِنْ حفظ الصور: اضطرب عليه أمثال هذه الفصول، ومن تلقَّاه من معرفة الأصول: استهان عليه أن يدرك هذه الفصول». وفي نهاية الأمر فإن «نقل الفقه إن لم يعرف الناقلُ مأخذَ الفقيه، وإلا فقد يقع فيه الغلط كثيراً» (2).
2 - بناء الملَكَة التي تراعى فيها الأحكام اللازمة عندما تتحول إلى أحكام عارضة؛ أي: عندما يتحول الحكم الواجب إلى حرام، والحرام إلى واجب أو مباح؛ بحسب العوارض التي تَعرِض لهذه الأحكام وَفْقاً لفقه الضرورة أو المشقة أو الحاجة: إن من يتأمل الفقه يجد أنه في الغالب يعطي المتفقه الأحكام اللازمة؛ لكنه في كثير من الأبواب قد لا يعطيه الأحكام العارضة، فهو يقرر الحكم بناءً على الأصل؛ لكن هذا الأصل قد يحتف به مجموعة من الأمور الواقعية التي قد تغيِّر من طبيعة النظر في المسألة؛ وحينئذٍ فإن طريقة التعامل معها محكومة بمجموعة من المعايير ليست من اهتمام كتب الفقه وإنما مجال بحثها: إما علم القواعد الفقهية: كقاعدة المشقة والضرورة والعرف ونحو ذلك. أو علم أصول الفقه في مبحث عوارض الأهلية، ومبحث الأسباب والشروط والموانع.
إن كثيراً من المتفقهة يمكنه أن يضبط قاعدة المشقة أو قاعدة الضرورة والحاجة من جهة التنظير الكلي العام لكنه قد لا يُحسِن تنزيلها على الواقع، وحينها ربما قد يحصل منه إفراط أو تفريط في التطبيق، وسبب ذلك: أنه لم يتدريب على ذلك في الدرس الفقهي، وهذا ما يؤدي به إلى ضعف الملكة في هذا الباب، كما أن التدريب على هذه المَلَكة وإن لم يُمَكِّن المتفقه من تنزيل بعض أحكامها على الواقع، فليس أقلَّ من أن يساعده على تَفهُّم بعض فتاوى العلماء التي ذهبت إلى القول بجواز مسألة هي في أصلها حرام بناءً على قاعدة الضرورة أو المشقة أو الحاجة أو العكس، وهذا التفهم من شأنه أن يساهم أيضاً في معالجة واحد من أهم أسباب الفرقة والتناحر التي يشهدها الوسط الشرعي. يقول ابن تيمية في ذلك: «فإن كثيراً من الناس يستشعر سوء الفعل، ولا ينظر إلى الحاجة المعارضة له التي يحصل بها ثواب الحسنة ما يربو على ذلك؛ بحيث يصير المحظور مندرجاً في المحبوب، أو يصير مباحاً إذا لم يعارضه إلا مجرد الحاجة ... » ثم تحدث عن الصورة الثانية وقال: «فهذا القسم كثر في دول الملوك؛ إذ هو واقع فيهم وفي كثير من أمرائهم، وقضاتهم، وعلمائهم، وعبَّادهم؛ أعني: أهل زمانهم، وبسببه نشأت الفتن بين الأمة» (3).
_________
(1) الفتاوى، ابن تيمية، (4/ 46).
(2) اقتضاء الصراط المستقيم، ابن تيمية، (2/ 541).
(3) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (35/ 28).(1/366)
كما أن التدريب على هذا النوع من التفقه يُعيْن على إعادة حالة التوازن بين من جَعَل الحُكم العارض الذي فرضته بعض الظروف حكماً لازماً في جميع الأزمنة؛ لأن الخطأ في ذلك ربما يتسبب في الجناية على بعض أحكام الشريعة، وإلى هذا نبَّه ابن القيم عندما بيَّن خطأ بعض المتفقهة في فهم بعض تصرفات عمر - رضي الله عنه - فقال: «والمقصود: أن هذا وأمثاله سياسة جزئية بحسب المصلحة يختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة، ولكلٍّ عذر وأجر» (1).
3 - بناء الملَكة التي تُحسِن التوازن بين اعتبار المدلول اللفظي للنص وبين تفعيل مقصوده: إن الدرس الفقهي اليوم يتحدث عن المقاصد وأهميتها حديثاً نظرياً، وهذا أمر إيجابي لا بد من تكثيفه؛ لكن هذا الدرس في المقابل لا يعتني بالتدريب الفعلي لتطبيق فقه المقاصد، والإشكال الحقيقي في هذا الموضوع يكمن في أن من يحسنون التنظير والضبط لموضوع المقاصد كثيراً ما يحصل بينهم نزاع أثناء التطبيق؛ وذلك لأن الدخول في التفاصيل هو الذي يبين دقة الفهم وعمق الإشكال، والطاهر بن عاشور أشار إلى هذا المعنى وبيَّن أن المفاصل الكبرى في باب المقاصد والمصالح والمفاسد، مقام سهل؛ لكن المشكلة تتعقد عندما تأتي التفاصيل والتطبيقات، فقال: «فأصول المصالح والمفاسد قد لا تكاد تخفى على أهل العقول المستقيمة؛ فمقام الشريعة في اجتلاب صالحها ودرء فاسدها مقام سهل، والامتثال إليه فيها هين. واتفاق علماء الشرائع في شأنها يسير، فأما دقائق المصالح والمفاسد وآثارها ووسائل تحصيلها وانخرامها فذاك المقام المرتبك؛ وفيه تتفاوت مدارك العقلاء اهتداءً وغفلةً وقبولاً وإعراضاً» (2).
وهذا النوع من البحث المقاصدي التفصيلي هو البحث الأخطر في باب المقاصد. يقول ابن عاشور في موطن آخر من كتابه: «وفي إثبات هذا النوع من العلل (وهو ما كانت علته خفية) خطر على التفقه في الدين؛ فمِن أجل إلغائه وتوقِّيه مالت الظاهرية إلى الأخذ بالظواهر ونفوا القياس، ومن الاهتمام به تفننت أساليب الخلاف بين الفقهاء» (3).
وإن تدريب المتفقه من زمن مبكر على محاولة التطبيق والتدريب على استعمال المقاصد في حقول التعليم الخاصة وتحت الإشراف العلمي المتزن، سيعين على تجنُّب كثير من مشكلات التفعيل المقاصدي التي نشهدها اليوم؛ فإنه على الرغم من الضعف التأصيلي لفقه المقاصد عند بعض من يمارسه إلا أن مشكلات التفعيل المقاصدي لا تنحصر في ذلك، بل من مشكلاته أيضاً: عدم امتلاك كثيرٍ ممن يمارس التفعيل المقاصدي لملَكة هذا التعامل التي تحتاج إلى قَدْر من الخبرة والنضوج حتى يمتلك الفقيه ناصيتها، وابن تيمية أشار إلى أهمية هذا النوع من الإدراك وأنه يتطلب خبرة طويلة وممارسة عملية فقال: «العلم بصحيح القياس وفاسده من أجلِّ العلوم، وإنما يعرف ذلك من كان خبيراً بأسرار الشريعة ومقاصدها وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن التي تفوق التعداد» (4).
_________
(1) الطرق الحكمية، ابن القيم، (1/ 47).
(2) مقاصد الشريعة، ابن عاشور، (ص 258).
(3) مقاصد الشريعة، ابن عاشور، (ص 151).
(4) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (20/ 583).(1/367)
4 - ويتبع ذلك بناء الملَكة التي تُحسِن التعامل مع فقه المصالح والمفاسد: وإن بناءَ هذه الملَكة سيساعد كثيراً في التعامل مع كثيرٍ من الوقائع المشكِلة، وسيساعد أيضاً - وبشكل كبير - على تجاوز كثيرٍ من الخلافات العلمية التي تحصل بناءً على عدم الاستيعاب الكافي لهذه القضية. يقول ابن تيمية: «وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لا سيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة؛ فإن هذه المسائل تكثر فيها، وكلما ازداد النقص ازدادت هذه المسائل، ووجود ذلك من أسباب الفتنة بين الأمة؛ فإنه إذا اختلطت الحسنات بالسيئات وقع الاشتباه والتلازم؛ فأقوام قد ينظرون إلى الحسنات فيرجِّحون هذا الجانب وإن تضمن سيئات عظيمة، وأقوام قد ينظرون إلى السيئات فيرجِّحون الجانب الآخر وإن ترك حسنات عظيمة، والمتوسطون الذين ينظرون الأمرين قد لا يتبين لهم أو لأكثرهم العمل بالحسنات، وترك السيئات لكون الأهواء قارنت الآراء ... فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل؛ قد يكون الواجب في بعضها ... العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط: مثل أن يكون نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف أعظم منفعة من ترك المنكرات فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر» (1).
وهذه المهارات والمَلَكات الفقهية لا تؤخذ بمجرد التقرير النظري ما لم يكن معها ممارسة عملية تدريبية. قال رجل لإياس بن معاوية: علمني القضاء. فقال: «إن القضاء لا يُعَلَّم، إنما القضاء الفهم، ولكن قل: علمني من العلم» (2).
إن المهارات التي نتحدث عنها هي من جنس مهارة القضاء، هي بحاجة إلى تطبيقات عملية من خلال إقامة دورات علمية متخصصة، أو إجراء حلقات حوارية تتبنى سياسة التدريب الفقهي، سياسةً عملية تنتقل من مجرد التجريد النظري لفقه المقاصد والمصالح والقواعد والضرورة إلى حلقات وبرامج تطبيقية تجمع عدداً من قضايا الواقع التي يلامسها المتفقه ولا يُحسِن التعامل معها ثم تُطرَح على طاولة النقاش والمباحثة العلمية.
وإن كثيراً من الحلْقات التي اهتمت بجانب المسائل الواقعية اعتمدت على أسلوب جمع بعض مسائل النوازل وتقرير الكلام فيها بعيداً عن الحوار والنقاش الذي يُرسِّخ في ذهن المتعلم مأخذ المسألة، ومواطن الخطأ والصواب أثناء عملية التطبيق، وإن أسلوب التقرير المجرد سيحوِّل هذه المسائل النوازل بعد زمن إلى متن فقهي جديد يحفظه الفقهاء الجدد دون وعي كبير بطريقة النظر وأسلوب المعالجة.
ثانياً: بناء ملَكة الاعتدال الفقهي:
إن نفسية الشخص التي تربى عليها، كثيراً ما تؤثر على طبيعة تعامله مع القضايا العلمية والواقعية، ومن المهم إحداث نوع من التوازن في التعامل مع طبيعة تكوين الإنسان وشخصيته؛ ولذلك يقول ابن تيمية عن جانب من كمالات الشيخين - رضي الله عنهما -: «كان من كمال أبي بكر أن يولِّي الشديد ويستعين به ليعتدل أمره، ويخلط الشديد باللين، فإن مجرد اللين يُفسِد، ومجرد الشدة تُفسِد؛ فكان يستعين باستشارة عمر وباستنابة خالد ونحو ذلك ... وأما عمر فكان شديداً في نفسه؛ فكان من كماله استعانته باللين ليعتدل أمره، فكان يستعين بأبي عبيدة بن الجراح، وسعد بن أبي وقاص وأبي عبيدة الثقفي» (3).
_________
(1) مجموع الفتاوى، ابن تيمية، (20/ 57).
(2) تهذيب الكمال، المزي، (3/ 435).
(3) منهاج السنة، (6/ 138).(1/368)
وإن نفسية الفقيه ليست بمعزل عن هذا الكلام؛ فقد تؤثِّر نفسية الفقيه في اختياراته الفقهية، وفي طريقة عرضه للمسائل والخلاف الفقهي، وفي هذا المعنى يقول ابن حزم: «إن الناس مختلفون في هممهم واختيارهم وآرائهم وطبائعهم الداعية إلى اختيار ما يختارونه وينفرون عما سواه، متباينون في ذلك تبايناً شديداً متفاوتاً جداً: فمنهم رقيق القلب، يميل إلى الرفق بالناس، ومنهم قاسي القلب شديد يميل إلى التشديد على الناس ... ومنهم معتدل في كل ذلك يميل إلى التوسط، ومنهم شديد الغضب، يميل إلى شدة الإنكار، ومنهم حليم يميل إلى الإغضاء» (1).
وفي ظل هذا التنوع الكبير في نفسيات المتلقين فإن واحداً من أهم عوامل بناء الاعتدال الفقهي وضبط عملية التوازن، هو أن يتعلم المتفقه الجديد مرتبة الخلاف في المسائل التي يتلقاها؛ وهذا من خلال معرفة ضوابط الخلاف السائغ وغير السائغ بين العلماء، وكيفية التعامل مع كل نوع من هذه الخلافات من حيث القائلُ، والقولُ، وطريقةُ المناقشة؛ لا يتعلمه من الجهة النظرية فحسب، بل يتعلمه من الناحية التطبيقية، فيُعْرَض عليه كثير من المسائل ليطبِّق عليها تلك الضوابط؛ لأن بناء النفسية المعتدلة في الأداء الفقهي يحتاج إلى تدريب وممارسة من خلال عقد حوارات علمية تعليمية يتدرب فيها المتفقه على أسلوب النقاش والحوار، وعندما يتدرب على ممارسة الحوار والنقاش في مكان علمي هادئ، سيتمكن من تطوير نفسه في التعامل مع أقوال الآخرين.
لقد نجح خطابنا الفقهي في تربية المتفقه على لغة الراجح ولغة البحث عن الدليل؛ لكن هذا الجانب - على أهميته - لا يكفي وحدَه؛ بل لا بد أن يتربى وعي المتفقه - بالإضافة إلى القول الذي يختاره ويدين اللهَ به - على معرفة كيفية التعامل مع الأقوال الأخرى التي لا يعتقد رجحانَها، وهذا يعني أن ينضم إلى لغة الراجح والمرجوح لغةُ الخلاف السائغ وغير السائغ، وإن هذا التدريب سيجنِّب المتفقه التعصب لهذا الراجح الذي يعتقده؛ ليس من جهة الالتزام به وإنما من جهة عدم اعتداده بالأقوال الفقهية المعتبَرة الأخرى لمجرد أنها ليست راجحة.
وإن إدراك هذا الجانب مهم في تكوين الفقيه. يقول ابن تيمية عن حال غالب الفقهاء وعدم تمييزهم بين درجات المسائل وهو ما يفقدهم الاعتدال في تقرير حكمها: «وأما الخائض فيه (أي: الفقه) فغالبهم إنما يعرف أحدهم مذهب إمامه، وقد يعلمه جملة، لا يميز بين المسائل القطعية المنصوصة والمجمَع عليها، وبين مفاريده، أو ما شاع فيه الاجتهاد؛ فتجده يفتي بمسائل النصوص والإجماع من جنس فتياه بمسائل الاجتهاد والنزاع ... لكن هؤلاء ليسوا في الحقيقة فقهاء في الدين، بل هم نَقَلَة لكلام بعض العلماء ومذهبه» (2).
تفعيل مهارة البحث الفقهي:
عندما لا يتسلح الفقيه بقدر كافٍ من الملَكة البحثية فمن الممكن أن يؤثر ذلك على صناعته الفقهية، وكثيرٌ من المتعلمين لا يملك إلا قدراً متواضعاً من معرفة المصادر العلمية، ومناهجها، وكيفية التعامل معها، وهذا يتطلب حلقات تعليمية لا تكتفي بمجرد سرد المصادر وبيان طرق وأساليب البحث؛ بل تنتقل إلى داخل أروقة المكتبات العامة، لتُعَرِّف المتفقهةَ الجدد بمصادر العلوم، ومن ثَّم تكليفهم ببحوث عملية داخل هذه المكتبات، وتقيم عدداً من المناقشات العلمية حول بعض البحوث المعاصرة ومعرفة مَواطن التميُّز المنهجي فيها ومواطن الضعف.
_________
(1) الإحكام في أصول الأحكام، ابن حزم، (4/ 138).
(2) الاستقامة: 1/ 60.(1/369)
كما أن من جوانب البحث المهمة تفعيل دور البحث التاريخي في العلوم؛ فمن المهم أن يُدرَّب المتفقه الجديد على استكشاف الجانب التاريخي للعلوم والمسائل؛ فقد يدرس المتعلم علم الفقه أو غيره؛ لكنه لا يملك دراية كافية بالتطور التاريخي لهذا العلم ومسائله؛ مع أن هذه المعرفة التاريخية لها أثرها الكبير في فتح ذهنية المتفقه إلى إشكالات العلم، وتفريعاته، وأساليب بنائه.
وإن بناء هذه المنهجية البحثية عند المتفقه ستقوده للوصول إلى الصواب الذي يبحث عنه، فإن «من حكى خلافاً في مسألة ولم يستوعب أقوال الناس فيها فهو ناقص؛ إذ قد يكون الصواب في الذي تركه» (1).
تنمية مهارة التواصل الفقهي مع الجماهير:
تواصل الفقيه مع الناس من خلال الكتابة أو الحديث المباشر بحاجة إلى مهارات لا بد من امتلاكها، ومن خلالها يمكن أن يوصل الفقيه رسالته للآخرين على أكمل وجه، ومن الزوايا المهمة في هذا الجانب ما يلي:
1 - في الوقت الذي كثرت فيه الشُُّّبه والتشكيك في الأحكام الشرعية فنحن بحاجة إلى لغة الحديث التي تعتمد أسلوب الإقناع بالأحكام إلى جانب التقرير العلمي المجرد، والتي تُبين محاسن التشريع الإسلامي وفلسفته في تقرير أحكامه، بل تتعدى ذلك إلى مقارنته مع أحكام الشرائع الأخرى حتى تظهر سماحة هذا الدين وتميُّزه عن غيره من الديانات. يقول ابن تيمية: «وإنما ننبه على عِظَم المصلحة في ذلك بياناً لحكمة الشرع؛ لأن القلوب إلى ما فهمت حكمته أسرع انقياداً، والنفوس إلى ما تطَّلع على مصلحته أعطش أكباداً» (2).
وربما كان من أخصر الطرق للإقناع - أو حتى الإحراج لمن لا يريد ذلك - أن يستعمل الخطابُ لغة الأرقام والإحصائيات في تأييد بعض الأحكام الشرعية، أو أن يذكر بعض التجارب التي حصلت في بلاد أخرى حول بعض القضايا الشرعية.
2 - ونحن بحاجة في لغة الفقيه الجديد إلى لغة تراعي في حديثها البعد العالمي، وإن مراعاة هذا البعد يعني أن الفقيه لا يكفيه اعتماده على الرصيد الشعبي الذي يجده بين بني قومه، بل لا بد من حديث يستند إلى الأساس العلمي أكثر من استناده إلى الأساس الذاتي الذي يرجع لشخص الفقيه، ويُلْمح ابن تيمية إلى قريب من هذا المعنى؛ حيث يقول: «الاعتماد على الأجوبة العلمية يكون على ما يشترك الناس في علمه، لا يكون بما اختص بعلمه المجيب؛ إلا أن يكون الجواب لمن يصدقه فيما يخبر به» (3).
ومن أجل هذا النوع من العالمية فإننا بحاجة إلى أن نعيد النظر في الأسلوب الذي يعتمد على (اجتماع الجيوش) والذي يجمع صحيح الاستدلال مع ضعيفه من باب تضافر الأدلة، ولنقدِّر له أحواله الخاصة، ولنقتصر في الاستدلال على الاستدلالات الصحيحة، مع استبعاد ما لم يكن كذلك حتى لا يُشَغب عليها.
_________
(1) الفتاوى: 13/ 367.
(2) الصارم: 3/ 905.
(3) الفتاوى: 4/ 168.(1/370)
3 - ونحن بحاجة كذلك إلى اللغة التي لا تستغرق في مشكلات البيئة التي يعيش فيها المتحدث؛ بل تتجاوزها إلى مراعاة المشكلات التي يعاني منها المسلمون في بلدان أخرى إسلامية وغير إسلامية، وإن تسميتنا لفقه بعض هذه البلدان بـ (فقه الأقليات) ربما أشعرتنا أحياناً بجعل هذا الفقه على هامش الاهتمام والعناية، لكن الواقع اليوم يثبت أن مسائل هذه الأطراف لم تعد تعني (أقلية) في قطر معيَّن، بل إنها تعني في بلدان أخرى (أكثرية) لكنها محكومة بنظام غير إسلامي ويتعرض أهلها للمشكلات نفسها التي تتعرض لها الأقليات في بلدان أخرى، ثم إننا عندما نغض الطرف عن مقارنتهم بغيرهم فإنهم لم يعودوا (أقلية) بل أصبحت الأرقام تتحدث عنهم بلغة الملايين، ثم إن هذه الأقلية أصبحت مندمجة بصورة غير مباشرة مع الآخرين، فأصبحتَ لا تكاد تستمع لبرنامج مباشر يتلقى فيه الفقيه أسئلة من هنا أو هناك إلا وتجد عدداً من المشاركات التي تأتي من تلك البلدان؛ لتسأل وتستفسر عن مشكلاتها، بل ربما تستشكل بعضَ الأجوبة التي لا تراعي أحوالها.
تجديد معارف الفقيه:
الفقيه الجديد ينبغي أن يُدْخَل في إعداده وتكوينه مجموعة من المعارف التي تطلبتها التحولات الكبيرة التي يشهدها واقعه، وقبل أن أدخل في دائرة هذه المعارف فإننا لا نريد أن نحوِّل الفقيه الجديد إلى رجل أسطورة تجتمع فيه كافة التخصصات والمعارف، بل كل الذي نريده أن ننظر إلى تلك المعارف بقدر من الاعتدال بين دعوات تدعو أن يكون الفقيه موسوعي المعرفة، وبين دعوات أخرى تريد أن تهمِّش الفقيه حتى تُفقدَه دورَه الإصلاحي بحجة عدم إدراكه لما يتحدث عنه.
إن هذه المعارف ستساعد الفقيه على استيعاب عمق المسائل المطروحة عليه؛ فيُميِّز بين تلك المسائل التي يحتاج إلى تحويلها إلى المتخصصين في مجالها، وبين تلك المسائل التي يمكن للفقيه بما يملكه من معارف ضرورية أن يتحدث حولها.
كما أن المقصود من إدراك هذه المعارف، هو إدراك القَدْر الأساسي الذي لا يسعه جهله، وليس المراد المعرفة الشاملة التي يحتاجها المتخصصون.
فعندما يتحدث الفقيه عن مسألة الربا، ويُبيِّن شيئاً من آثارها، فلا بد أن يكون على دراية بالقدر الأساسي من المعرفة بنظام الاقتصاد الدولي الحديث ونحو ذلك من معارف الاقتصاد الأساسية.
كما أن الواقع المعاصر أصبح يفرض على فقيه اليوم - وبشكل متزايد - واجبات أكبر من واجبات الفقيه السابق؛ فإن كثيراً من الناس مهما تحدثنا معهم عن اختلاف التخصصات، واختلاف الأدوار، فلا يزال عند شريحة كبيرة منهم نوع من التمسك بالتوجيه الذي يتلقاه من الفقيه، ومن أكبر أسباب ذلك البعد الديني الذي يحتاجه السائل في حل بعض هذه المشكلات، ومن ثَمَّ فلم يعد بوسع الفقيه اليوم أن يتجنب التوجيه الاجتماعي الرشيد وهو يجيب المستفتي - مثلاً - حول مسألة الطلاق أو اللعان؛ لأن كثيراً من الناس اليوم عندما يسألون قد لا يطلبون من الفقيه فقط بيان الحكم الشرعي للطلاق الذي هو داخل دائرة اختصاصه، بل إنهم يسألونه ليرشدهم كذلك كيف يواجهون مشكلاتهم التي تقودهم إلى الطلاق؟ وهذه وظيفة أخرى ليست داخلة تحت دائرة اختصاصه، وهذا يعني أنه قد أضيف له دور آخر غير دور الإفتاء المجرد.
وإن السائل الذي يأتي ليسأل حول بعض المسائل التي تتعلق بالوسوسة في أداء العبادات تتطلب من الفقيه أن يدرك بعض أساسيات التعامل مع مرض الوسوسة ويمكنه بعد ذلك أن يوجه السائل إلى متخصص في هذا المجال.
فهل سنضيف لمعارف الفقيه الجديد قدراً - ولو متواضعاً - من بعض الأسس التربوية والنفسية في التعامل مع مشكلات الحياة، كالمشكلات الزوجية وغيرها؛ من التي كثيراً ما تتردد على ألسنة الناس؟(1/371)
وفي جانب آخر من المعارف فإن حديث الفقيه حديث يراد منه إحداث التغيير في المجتمع؛ وهذا يعني أن يدخل في بناء الفقيه الجديد معارف ضرورية في سُنن التغيير في المجتمع، فليس من دور الفقيه أن يُبيِّن الحكم للناس دون مراعاةٍ لأبعاد هذا الحكم، أو النظر في إمكانية تطبيقه على أرض الواقع. يقول ابن تيمية في هذا المعنى: «فالعالِم في البيان والبلاغ كذلك، قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن، كما أخَّر الله - سبحانه - إنزالَ آياتٍ، وبيان أحكام إلى وقت تمكُّن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيانها ... ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد، وهو ما يراه من دين الله، فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فَعَل الممكن من العدل والإحسان، ونال بالسلطان من إكرام المؤمنين من أهل بيته ما لم يكن يمكن أن يناله بدون ذلك، وهذا داخل في قوله: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْرًا لأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [التغابن: 16] (1)، وفي سير الأنبياء ثروة عظيمة من سنن التغيير في المجتمعات استفادت منها مجموعة من الدراسات الإسلامية التي كتبت في (علم الاجتماع).
أنني أُدرك إدراكاً تامّاً أن هذه الرؤى التي تقدمت إنما هي بحاجة إلى مزيد من المراجعة والتنقيح، والحديث حولها بحاجة كذلك إلى مجموعة من الورش العملية التي تخرِّج الرؤى حول هذا الموضوع أكثر نضجاً وواقعية، ولعل هذه الأسطر أن تثير مجموعة من التساؤلات حول هذا الموضوع الكبير.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
_________
(1) الفتاوى: 20/ 58 - 65.(1/372)
المدخل الفقهي للمشروع التغريبي
د. عبدالرحيم بن صمايل السلمي
29 محرم 1432هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
منذ انتهاء حقبة الاستعمار العسكري المباشر على بلاد المسلمين تم تسليم المجتمعات الإسلامية لنخب فكرية علمانية تسعى إلى صبغ هذه المجتمعات بالصبغة الغربية في مجال السياسة والاقتصاد والأسرة والتعليم وغيرها من المجالات الاجتماعية.
هذه الحقيقة العلمية والتاريخية لم تعد تخفى على المتابع، وليست من قبيل الأوهام أو عقدة المؤامرة كما يردده كُتاب المشروع التغريبي الذين آلمهم كشف المشروع وفضحه أمام المجتمع وتوعية الأمة بمخاطره، وخصوصا بعض المجتمعات التي نشط فيها المشروع التغريبي في فترة متأخرة بعد أن قوي التدين وانتشر العلم وظهرت الدعوة الإسلامية ظهوراً كبيراً وأقبل الناس عليها واستفادوا من منتجاتها النافعة.
وطبيعة المشروع التغريبي أنه مشروع خفي لا يظهر مقاصده وغاياته للناس مباشرة لأنه يعلم الموقف الطبيعي للمجتمع الإسلامي من فكره ومنهجه ونتائج مشروعه النهائية التي تتعارض تعارضاً جذرياً مع أصول الإسلام وحقائقه الكبرى، وهذا التخفي هو حال المنافقين الذي وضحه القرآن الكريم.
وأمام هذه الإشكالية المعيقة لتقدم المشروع فلا بد من اعتماد مداخل خفية على المجتمع تنقلهم بشكل تدريجي إلى الغايات دون الحاجة إلى مصادمة له لأن الخاسر الوحيد في حال الصدامات هو المشروع الدخيل والوافد الذي لا ينبع من تراث الأمة وهويتها واحتياجاتها الحقيقية.
وقد تعددت المداخل الخفية التغريبية على المجتمع الإسلامي وهي بشكل عام تعود إلى نوعين .. مدخل فكري منهجي، ومدخل عملي تنفيذي، فمن النوع الأول: استخدام الشهوات للتغيير الفكري والاجتماعي، وخاصة شهوة المال والجاه والنساء، واحتواء الاتجاه العصراني وما يسمى بالتنوير الإسلامي وتوجيه نتائج منظومته الفكرية لتصب في وعاء المشروع وإنائه، وتغطية المشروع ببعض المفاهيم الشرعية والمسائل الفقهية واستخدامها كمطية للتوصل إلى أهدافهم، والتركيز على المرأة، وإضعاف التدين وهيبة الشريعة في النفوس، ومن النوع الثاني: التغيير النظامي والقانوني وخاصة السياسات العامة، والتأثير الإعلامي، والتنسيق مع الجهات الأجنبية الرسمية وغير الرسمية، ونحوها من الوسائل العملية.
وفي هذه الخاطرة الوجيزة سيكون التنبيه على المدخل الفقهي للمشروع التغريبي.
الخلاف مع المشروع التغريبي ليس خلافاً في مسائل فقهية، أو في النظر في الأدلة، ومناقشة الراجح والمرجوح، وأقوال العلماء، بل الخلاف معهم في أصول الدين، والرضا بحاكمية الشريعة الإسلامية وهيمنتها على كل أجزاء الحياة والمجتمع؛ فالمشروع التغريبي يريد أن يفرض على الأمة منهجاً فكرياً، ونمطا اجتماعيا، وسلوكا أخلاقيا مستندا الى الفكر الغربي.
والنظرة التجزيئية للمشروع التغريبي، أو حصر الخلاف معه في الخلاف الفقهي المجرد نقص في التصور الكلي للمشروع، فهو مشروع شمولي يعتمد على تغيير اجتماعي وسلوكي قائم على أساس فكري علماني، فهو ليس مشروع اختلاط أو حفلات غنائية أو غير ذلك مما يعد من المعاصي إذا أُخِذ بمعزل عن الرؤية الفكرية الكلية التي ينطلق منها.(1/373)
وبهذه الرؤية الكلية يتضح أن القضية قضية عقدية مهمة يجب الإلمام بها، وعدم تقزيمها والاستخفاف بها، فصاحب المعصية الممارس لها أيا كانت معصيته إذا كانت دون الشرك والكفر معدود من أبناء المجتمع الإسلامي، وهو في خندق واحد مع بقية المسلمين المعظمين للشريعة في مواجهة هذا المشروع، وهو أحد المستهدفين به، وخلافنا العقدي ليس مع هذه الفئة من إخواننا، ولكن الخلاف مع من يتبنى الفكر الغربي منهجا للحياة، ويرى أن النموذج الاجتماعي والفكري الغربي هو الأهدى سبيلاً، والأصلح للأمة الإسلامية المعاصرة.
ومن خداع الفكر التغريبي للأمة أن يحول نظرها عن الرؤية الكلية لمشروعه ويفتتها إلى مسائل جزئية يدعي فيها الخلاف الفقهي الذي ينبغي فيه الإعذار، ويصور المسألة وكأنها اختلاف بين العلماء في مسألة فقهية.
ويجد هذا الفكر الدخيل من الفقهاء الذين وقعت في نفوسهم الهزيمة أمام ضغط الواقع ما يمكن أن يحتج به، فالفتاوى الشاذة المخالفة للإجماع، والفتاوى المغفلة من أقوى الأدوات والآليات التي يستعملها الفكر التغريبي في واقعنا المعاصر.
وقد جاء في الأثر: " ثلاث يهدمن الدين: زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والأئمة المضلين"، وهذا الأثر ذو معنى عميق، وهو قاعدة علمية في المداخل الفكرية التي يستغلها الزنادقة في كل عصر لهدم الدين، وزلات العلماء تكثر في أزمان الهزيمة النفسية والفكرية؛ لأن أصحابها يبحثون عن مخرج يتعايش مع الواقع الصعب حسب ظنهم، ولهذا ينبغي أن ينتبه لهذا المنفذ الدعاة والمصلحون ويحسنوا سده على الأمة.
فزلة العالم، وأفعال الأئمة المضلين في ذاتها ليست أكثر من الذنوب المعتادة، ومع ذلك جاء التعبير في الأثر بأن مآلها ونتيجتها " هدم الدين"، لأنها مدخل موصل لهدم الدين.
ومن غرائب ألوان الهزيمة الفكرية التي يفتح بها بعض المنتسبين إلى العلم أبواب الشر على الأمة أن يفتي في مسألة متغافلا عن مناط الواقع، ثم تُستغل فتواه، ويُروج لها لنشر الفساد والانحراف، وسواء قصد هذا أم لم يقصده فهي بوابة مشرعة للطاعنين في الدين والمفسدين للمجتمع.
فمثلا من يُسأل عن الغناء فيفتي بجوازه، وهو يريد الغناء الذي يذكره العلماء قديما من تحسين الصوت، أو على قول من يبيح بعض المعازف، والناس لا تعرف إلاّ الكليبات الراقصة المثيرة للشهوات وهي التي تُمارس في الواقع، والتي لو أفتى أحد بجوازها تحديدا لكان كافراً خارجاً عن دائرة الإسلام، أما ما يتحدث عنه فلا يعرفه الناس، ولا يرونه، وليس هو محل الأسئلة المعاصرة.
ومن هذه الفتاوى الغريبة من يفتي بممارسة الفتاة للرياضة في المدارس بصورة محتشمة وهو يشاهد المطالبات والصراع المحتدم على رياضة الفتاة لتأهيلها للأولمبياد، وجعل الرياضة النسائية مشروعا متكاملا كما هو الحال في الرياضة للشباب، ففي مثل هذه الحالة؛ فإن من الغفلة الاستدلال بمسابقة عائشة للرسول صلى الله عليه وسلم، أو محاولة التأكيد على الفوائد الطبية للرياضة، فالمناط متعلق بأمر آخر، ولا يُخدع بهذا إلاّ متغافل أو مغفل لا يمتلك الوعي الكافي لمعالجة الأمور.
وهذه الفتاوى المغفلة تُعد بوابة مشرعة للفكر التغريبي في تغيير صبغة المجتمع الإسلامي تدريجيا حتى يصبح مجتمعا شهوانيا يسهل تحويله فكريا الى الفكر الغربي الجاهلي.
ليس الغاية من هذا الإيراد اتهام من زل من العلماء بأنه تغريبي أو غيرها من التهم معاذ الله، ولكن الغاية هو الانتباه للتغطية الفقهية التي تنتج عن هذه الفتاوى المغفلة التي لا تراعي مآلات الخطاب، ونهايات الأقوال.
وأمام هذه التغطية التغريبية للمشروع الفكري والاجتماعي فإنه من الواجب العمل على مواجهة هذا المدخل من جهتين:(1/374)
الأولى: الكشف عن حقيقة التعامل التغريبي مع المسائل الفقهية وخصوصا مع كثرة من يترخص من دعاة التيسير والتعايش، وربط الجزئيات بالأهداف الكبرى لهذا المشروع، وتوضيح خداعه ومناوراته الفقهية.
الثانية: التبيين لخطأ من وقع في مخالفة للإجماع، أو أفتى في أمر خارج مناطه مما يسهل عملية التوظيف التغريبي لها، ومناقشة الأدلة التفصيلية والرد عليها، ورد الأمور إلى صورتها الكلية التي يريدها الفكر التغريبي.
فالمشروع التغريبي لا ينتظر فتوى شرعية، أو مسألة فقهية، ولكنه يوظف كل ما من شأنه التأثير على المجتمع المسلم الذي لا يقبل أمرا من الأمور إلا بعد معرفة حكم الله تعالى فيه.
وهناك حالة مرتبطة بهذا الموضوع تحتاج إلى تأمل وتحليل وهي حالة الاحتقان في مجتمعنا من بعض المسائل المعدودة من المسائل الفقهية، والمثير للاستغراب أن ذلك ليس في كل المسائل الفقهية، والمحاولات التفسيرية لهذه الحالة كثيرة، فالبعض يرى أن السبب أحادية الرأي، أو عدم معرفة آداب الخلاف، بينما التفسير الأقرب أن هذه المسائل جاءت في سياقات معينة أوجبت التعامل معها وفق سياقها، ويدل لذلك عدم التعامل مع نظائرها التي لم يتم توظيفها لغايات فكرية خرجت بها عن كونها مسائل جزئية إلى رؤى فكرية أصولية شاملة.
ولا يكاد توجد مسألة من المسائل الفقهية التي حاول التغريبيون توظيفها إلا وهي معدودة عند العلماء من المسائل الشاذة المخالفة للإجماع والنصوص الصريحة ومقاصد الشريعة والقواعد الكبرى، حتى لو قال بها بعض المنتسبين إلى العلم الشرعي، ففي مرحلة ما بعد الاستعمار ظهر فقهاء ومفتون جاءوا بآراء غريبة ليس لهم فيها دليل واضح، ولا عالم مقتدى، مثل إباحة الربا، وشرعية القوانين الوضعية، وجواز الانضمام لجيش كافر يقاتل المسلمين بحجة الحاجة الوظيفية!!، وغيرها من الفتاوى الغريبة، خاصة ذات الارتباط بضغوط الواقع، والاستسلام له، والتعايش معه، وتبريره.(1/375)
بيان حول تمثيل شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم وجميع
الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم
المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي
27 محرم 1432هـ
فإن المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي في دورته العشرين المنعقدة بمكة المكرمة، في الفترة من 19 - 23 محرم 1432هـ التي يوافقها: 25ــ29 ديسمبر 2010م لاحظ استمرار بعض شركات الإنتاج السينمائي في إعداد أفلام ومسلسلات فيها تمثيل أشخاص الأنبياء والصحابة فأصدر البيان التالي:
تأكيداً لقرار المجمع في دورته الثامنة المنعقدة عام 1405هـ الصادر في هذا الشأن، المتضمن تحريم تصوير النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسائر الرسل والأنبياء عليهم السلام والصحابة رضي الله عنهم، ووجوب منع ذلك.
ونظراً لاستمرار بعض شركات الإنتاج السينمائي في إخراج أفلام ومسلسلات تمثل أشخاص الأنبياء والصحابة، فإن المجمع يؤكد على قراره السابق في تحريم إنتاج هذه الأفلام والمسلسلات، وترويجها والدعاية لها واقتنائها ومشاهدتها والإسهام فيها وعرضها في القنوات، لأن ذلك قد يكون مدعاة إلى انتقاصهم والحط من قدرهم وكرامتهم، وذريعة إلى السخرية منهم، والاستهزاء بهم.
ولا مبرر لمن يدعي أن في تلك المسلسلات التمثيلية والأفلام السينمائية التعرف عليهم وعلى سيرتهم؛ لأن كتاب الله قد كفى وشفى في ذلك قال تعالى: (نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن) يوسف (3) وقال تعالى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون) يوسف (111)
ويذكِّر المجمع بقرار هيئة كبار العلماء، وفتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في المملكة العربية السعودية، وفتوى مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، وغيرها من الهيئات والمجامع الإسلامية في أقطار العالم التي أجمعت على تحريم تمثيل أشخاص الأنبياء والرسل عليهم السلام مما لا يدع مجالاً للاجتهادات الفردية، كما يذكِّر بما صدر عن الرابطة في 16/ 11/1431هـ.
ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الله تعالى فضل الأنبياء والرسل على غيرهم من العالمين، كما قال تعالى في محكم كتابه الكريم: (وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إن ربك حكيم عليم (83) ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونوحا هدينا من قبل ومن ذريته داوود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين (84) وزكريا ويحيى وعيسى وإلياس كل من الصالحين (85) وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) الأنعام (83 - 86)
ففي قوله (وكلاً فضلنا على العالمين) تفضيل الأنبياء على سائر الخلق، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو خير الأنبياء وأفضلهم، كما قال عن نفسه: " أنا سيد ولد آدم ولا فخر، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع " رواه مسلم.
وهذا التفضيل الإلهي للأنبياء الكرام ـ وفي مقدمتهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ـ يقتضي توقيرهم واحترامهم، فمن ألحق بهم أيّ نوع من أنواع الأذى فقد باء بالخيبة والخسران في الدنيا والآخرة، قال تعالى ـ في حق نبيه محمد صلى الله عليه وسلم ـ: (إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا) الأحزاب (57). فجعل أذى الرسول صلى الله عليه وسلم من أذى الله تعالى، وحكم على مؤذيه بالطرد والإبعاد عن رحمته، والعذاب المهين له.
وقد قرّر أهل العلم أن أذية الرسول صلى الله عليه وسلم تحصل بكل ما يؤذيه من الأقوال والأفعال.(1/376)
وتمثيل أنبياء الله يفتح أبواب التشكيك في أحوالهم والكذب عليهم، إذ لا يمكن أن يطابق حال الممثلين حال الأنبياء في أحوالهم وتصرفاتهم وما كانوا عليه ـ عليهم السلام ـ من سمت وهيئة وهدي، وقد يؤدي هؤلاء الممثلون أدواراً غير مناسبة ـ سابقاً أو لاحقاً ـ ينطبع في ذهن المتلقي اتصاف ذلك النبي بصفات تلك الشخصيات التي مثلها ذلك الممثل.
فعلى الأمة أن تقوم بواجبها الشرعي في الذبّ عن الأنبياء والمحافظة على مكانتهم، والوقوف ضد من يتعرض لهم بشيء من الأذى.
والصحابة الكرام رضوان الله عليهم شرفهم الله بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم، واختصهم بها دون غيرهم من الناس، ولكرامتهم عند الله اثنى الله عليهم بقوله: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) الفتح (29).
ولا يمكن للممثلين مطابقة ما كان عليه الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ من سمت وهدي.
والذين يقومون بإعداد السيناريو في تمثيل الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ ينقلون الغث والسمين، ويحرصون على نقل ما يساعدهم في حبكة المسلسل أو الفيلم وإثارة المشاهد، وربما زادوا عليها أشياء يتخيلونها وأحداثاً يستنتجونها، والواقع بخلاف ذلك.
وقد يتضمن ذلك أن يمثل بعض الممثلين دور الكفار ممن حارب الصحابة أو عذب ضعفاءهم، ويتكلمون بكلمات كفرية كالحلف باللات والعزى، أو ذم النبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به، مما لا يجوز التلفظ به ولا إقراره.
وما يقال من أن تمثيل الأنبياء عليهم السلام والصحابة الكرام فيه مصلحة للدعوة إلى الإسلام، وإظهار لمكارم الأخلاق، ومحاسن الآداب غير صحيح.
ولو فرض أن فيه مصلحة فإنها لا تعتبر أيضاً، لأنه يعارضها مفسدة أعظم منها، وهي ما سبق ذكره مما قد يكون ذريعة لانتقاص الأنبياء والصحابة والحط من قدرهم.
ومن القواعد المقررة في الشريعة الإسلامية أن المصلحة المتوهمة لا تعتبر، ومن قواعدها أيضاً: أن المصلحة إذا عارضتها مفسدة مساوية لها لا تعتبر؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، فكيف إذا كانت المفسدة أعظم من المصلحة وأرجح، كما هو الشأن في تمثيل الأنبياء والصحابة.
ثم إن الدعوة إلى الإسلام وإظهار مكارم الأخلاق تكون بالوسائل المشروعة التي أثبتت نجاحها على مدار تاريخ الأمة الإسلامية.
ووسائل الإعلام مدعوة إلى الإسهام في نشر سير الأنبياء والرسل عليهم السلام والصحابة الكرام رضي الله عنهم دون تمثيل شخصياتهم، وهي مدعوة إلى امتثال التوجيهات الإلهية والنبوية في القيام بالمسؤوليات المتضمنة توعية الجماهير؛ لكي تتمسك بدينها وتحترم سلفها.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحابته أجمعين(1/377)
شيوخ بني أمية "طبعة جديدة"!
عبد العزيز العبد اللطيف
26 محرم 1432هـ
سئل عبد الله بن المبارك عن الملوك؟ فقال: الزهاد, قيل: فمن السّفلة؟ قال: الذي يأكل بدينه, (صفة الصفوة لابن الجوزي 4/ 139)، ولما أراد يزيد بن عبد الملك أن يسير بسيرة عمر بن عبد العزيز- رحمه الله - فجاء إليه جماعة من شيوخ بني أمية فحلفوا له بالله الذي لا إله إلا هو أنه إذا ولّى الله على الناس إماماً تقبل الله منه الحسنات وتجاوز عن السيئات.
قال ابن تيمية: "كثير من أتباع بني أمية - أو أكثرهم - كانوا يعتقدون أن الإمام لا حساب عليه ولا عذاب, وأن الله لا يؤاخذهم على ما يطيعون فيه الإمام, بل تجب عليهم طاعة الإمام في كل شيء, والله أمرهم بذلك .. " (المنهاج 4/ 541) هذه الطاعة العمياء كانت مضرب المثل, فيقال "طاعة شامية"! بل إن الخصوم قد أدركوا ذلك, حتى قال داعي الدولة العباسية "أما أهل الشام فلا يعرفون إلا طاعة بني مروان" (المنتظم لابن الجوزي 7/ 56).
وها هو الحجاج المبير قد استعبدته هذه الطاعة, ثم هو يحاصر عبد الله بن الزبير- رضي الله عنهما - في البلد الحرام, ويصيح قائلاً: يا أهل الشام الله الله في الطاعة! (البداية لابن كثير 8/ 329) , وكان الحجاج - ومعه سيّده عبد الملك بن مروان - يقولان: "ننهى عن ذكر عمر الفاروق - رضي الله عنه - فإنه مرارة للأمراء مفسدة للرعية"! (البداية 9/ 66).
ومن خطب الحجاج: "اسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك". (أخرجه أبو داود 4643)
واستمر الحجاج على إدمان الطاعة العمياء حتى هلك, فقد جاء في وصيته أنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك عليها يحيى, وعليها يموت, وعليها يبعث!! (البداية 9/ 139)
هذه الوثنية السياسية لم يسكت عنها سلف الأمة, فما كان لقمع السطوة الحاكم أن يمنعهم من تبليغ رسالات الله تعالى, فإن الإمام الزهري - رحمه الله - لما سأله الوليد بن عبد الملك عن حديث "إن الله إذا استرعى عبداً الخلافة كتب له الحسنات, ولم يكتب عليه السيئات" , فقال: هذا كذب , ثم تلا قوله تعالى: {يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ} ص26, فقال الوليد: إن الناس ليغروننا عن ديننا. (فتح الباري 13/ 113)
وكان الحسن البصري - رحمه الله - يقول: سيأتي أمراء يدعون الناس إلى مخالفة السنة فتطيعهم الرعية خوفاً على دنياهم, فعندها سلبهم الله الإيمان، وأورثهم الفقر ونزع منهم الصبر, ولم يأجرهم عليه.
وقال الشعبي: "إذا أطاع الناس سلطانهم فيما يبتدع لهم أخرج الله من قلوبهم الإيمان وأسكنها الرعب".
وقال يونس بن عبيد: "إذا خالف السلطان السنة, وقالت الرعية قد أمرنا بطاعته أسكن الله قلوبهم الشك وأورثهم التطاعن" (الإبانة الصغرى لابن بطة صـ55)
وإن كان هؤلاء الشيوخ قد أضحوا أثراً بعد عين إلا أن داءهم قد استفحل في السنوات الأخيرة, فهناك نماذج أكثر نفاقاً وتملقاً من شيوخ بني أمية, بل صار العقلاء يترحمون على شيوخ بني أمية لما رأوا أفراخهم وورثتهم, وكان الشعبي يقول: " يأتي على الناس زمان يصلّون (يدعون) للحجاج! " فهذا الصنف مصابٌ بالوله للأمراء والهيام بالحكام! فلا يزال لسانه رطباً بذكرهم, ويستهلّ حديثه بتعظيم إمام الزمان, ويختمه بالتسليم والإذعان للسلطان!(1/378)
ومن المفارقات أن الروافض قد تململوا وضجروا من وثنية أصل "الإمامة" عندهم, فأحدثوا تبديلاً وتمرّداً على ما أصّلوه كما صنع الخميني في "ولاية الفقيه", وفي المقابل فإن بعض متسننة هذه العصر قد اعتراهم هذا النَفَس الرافضي المتهافت من حيث لا يشعرون, فتراهم يقررون بلسان الحال أو المقال أن الإمامة مقصودة لذاتها, وأن للإمام "المنتهى" أو قريباً من ذلك!
وقد قرر المحققون من أهل العلم أن مقصود جميع الولايات أن يكون الدين كله لله عز وجل, وإصلاح دين الناس , فالولاة إنما ن ُ صبوا من أجل إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما هو محرر في الأحكام السلطانية للماوردي صـ5, والحسبة والسياسة الشرعية لابن تيمية بمجموع الفتاوى 28/ 61 , 262 والطرق الحكمية لابن القيم صـ217.
وقال الطيبي في شرحه لحديث "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته"
"في هذا الحديث أن الراعي ليس مطلوباً لذاته, وإنما أقيم لحفظ ما استرعاه المالك فينبغي أن لا يتصرف إلا بما أذن الشارع فيه" (فتح الباري 13/ 13)
ثم إن متسننةً قد خلعوا لقب "الإمام" و"أمير المؤمنين" ونحوهما على حكام يجاهرون بالعلمنة في السّراء والضراء والمنشط والمكره وينابذون الشرع المنزّل بل والمؤول, حتى أفتى بعضهم - في هذه الأيام - بقتل أحد المرشحين في الانتخابات, لأن في ذلك منازعة وافتياتاً على الإمام الأعظم, والذي قد أَذِن بمسرحية الانتخابات وأقرّها!
إنها بلاهة صلعاء وتزلف مقيت, وشماتة بأهل السنة والجماعة ولئن كان قمع الحكام واستبدادهم قد خلّف مهانة وخوراً عند قوم, كما أورث تملقاً ومداهنة ع ند آخرين, فلن تخلو الأرض من قائم لله بحجة من الذين يبلغون رسالات الله ولا يخشون أحداً إلا الله, ولئن عجز الكثير عن الصدع بالحق فلا أقل أن يسكتوا عن التلبيس وتزويق الباطل وتلميع الطاغوت.
ولئن كان بعضهم يتدثّر بلبوس خوف الفتنة .. فلا يُسوّغ ذلك أن تُضفى الشرعية الإسلامية على أنظمة علمانية صارخة في نظمها وموادها, وإنما جاءت الشريعة الإسلامية بتحصيل المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها, فكما يتعيّن مجانبة التزلف الرخيص والإفك المبين وقلب الحقائق, فكذا تراعى قواعد المصالح والمفاسد, فلا يصلح التهور والمصادمة لهذه الأنظمة دون فقه لتلك القواعد والأصول.
والتحذير من التهوّر والطيش لا يبرر تقديس الحكام ومداهنتهم, وإن نقد الأنظمة والحكام ومحاسبتهم لا ينفك عن محاسبة أنفسنا وتقويمها, إذ هما أمران متلازمان, فكما تكونوا يُولّى عليكم, فظهور المعاصي وتنوّع الكوارث والبلايا ملازمٌ لظلم الحكام وبطشهم وكما قال ابن القيم: "قد جعل الله سبحانه أعمال البَرّ والفاجر مقضيات لآثارها في هذا العالم اقتضاء لابد منه .. فجعل ظلم المساكين والبخس في المكاييل والموازين, وتعديّ القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذين لا يرحمون أن استُرحِموا, ولا يعطفون إن استُعطِفوا, وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صور ولاتهم, فإن الله سبحانه بحكمته وعدله يُظهر للناس أعمالهم في قوالب وصور تناسبها, فتارة بولاة جائرين .. " (زاد المعاد باختصار 4/ 463, 464)
والحاصل أنه لابد من مدافعة هذا الفساد العريض لدى الراعي والرعية على وفق ما جاء به الشرع المنزّل كما قال عبد القادر الجيلاني: "نازعت أقدار الحق بالحق للحق".
ونقول في الختام كما قال عمر بن عبد العزيز: اللهم أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم, وأهلك من كان في هلاكه صلاح لأمة محمد صلى الله عليه وسلم. (أخرجه ابن أبي شيبة 13/ 469)(1/379)
مستقبل السودان بعد الانفصال
مدثر أحمد إسماعيل
22/ محرم 1342هـ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ..
بدأت عجلة الأزمة تتسارع، ويقترب توقيت الاستفتاء على فصل جنوب السودان أو بقائه متحداً، والحقيقة المرَّة التي يعلمها كبار الساسة في السودان أنّ عملية الاستفتاء ما هو إلا تحصيل حاصل (1).
فالجنوب فعلياً منفصلٌ عن حكومة الشمال قبل الاستفتاء وما تملك حكومة الشمال في أرض الجنوب من قطمير لا سياسياً ولا أمنياً ولا عسكرياً ناهيك عن المحافظة على البقية الباقية من تراث المسلمين إن جازت التسمية لما بقي من لون إسلامي أو عروبي بالتراث؟
كما يعلم كبار الساسة وللأسف الشديد أن الوضع في السودان لن يستقر بمجرد انفصال الجنوب، وإنما ستكون هناك بؤر توتر مستمرة بين الشمال والجنوب، وأن تقرير المصير في جنوب السودان لن يكون آخر
تقرير مصير في السودان فهناك دارفور التي يتصاعد فيها الآن الحديث عن العمل المسلح لإسقاط النظام، كما يتصاعد تدريجيا الحديث عن تقرير المصير، وليس دارفور وحدها بل هناك أيضا منطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق اللتين تقول بعض القيادات الجنوبية أنَّهما سيلحقان عاجلاً أم آجلاً بالجنوب، باعتبارهما جزءاً من نضاله على حد تعبيرهم (2).
وكم هي الحقائق المرَّة التي يتغافل عنها كبار الساسة ولا يتعاملون حيالها بما يمليه عليهم دينهم إن كانوا بما في دينهم يعلمون أو يعملون!!
فهل يا ترى غاب عن علمهم أنَّ عملية الانفصال سوف تواجهها مجموعة معقدة من التحديات؟ (3) أهمها على سبيل المثال وليس الحصر:
الوجود الإسرائيلي القوي ضمن اللعبة.
فإسرائيل عملت منذ فترة ليست بالقصيرة على استمالة زعماء التمرد في الجنوب ودعمهم وتسليحهم وتدريب العصابات التي يتزعمونها, كما عملت جاهدةً على استمالة حركات التمرد والانفصال في دارفور.
_________
(1) لا يخفي على كل ذي بصر وبصيرة المكر الكبَّار والمؤامرة الظاهرة التي تقودها أمريكا وإسرائيل لتفتيت العالم الإسلامي بما يسمى الشرق الأوسط الجديد، بدءاً بالعراق - كما قرر الكونجرس الأميركي تقسيمه - إلى مناطق ثلاث، كردية في الشمال، وسُنية في الوسط، وشيعية في الجنوب. وهو ما يجري الآن بالنسبة إلى السودان وتقسيمه إلى شمال عربي إسلامي، وجنوب نصراني، وغرب عرقي وشرق قبلي. والخطر زاحف إلى بعض مناطق الخليج العربي لتقسيمه طائفياً ومذهبياً إلى سُنة وشيعة، والخطر يهدد المغرب العربي كله وتقسيمه إلى عرب وبربر!
(2) عبد العزيز الحلو عضو في المكتب السياسي للحركة الشعبية، حذر في حوار مع «الشرق الأوسط»، من أن مصير شمال السودان قد يكون مثل يوغسلافيا حال انفصال الجنوب. (صحيفة الشرق الأوسط - الاثنين 11 جمادى الثاني 1431هـ - 24 مايو 2010 - العدد 11500).
(3) انفصال الجنوب لن يكون في صالح دولة شمال السودان، بل سيكون وبالاً عليها وعلى كل دول الجوار مثل أوغندا وكينيا وإثيوبيا.
وقد صرح السياسي البارز في جنوب السودان، لام أكول، للبي بي سي أنه يعتقد أن الاستقلال عن الشمال سيكون بمثابة كارثة بالنسبة للجنوب. وأضاف أكول "في الوقت الراهن .. وفي ظل وجود الأعمال العدائية في الجنوب والنزاعات بين القبائل، والنزاعات حتى ضمن القبيلة الواحدة، فإن أي دعوة للانفصال ستكون دعوة لصوملة جنوب السودان، وفي الجانب المتعلق بدول الجوار. بينما يُعارض رئيس (تشاد) غير العربي، إدريس ديبي، أيَّ انفصال ٍكهذا باعتباره "كارثة"، ليعلن قائلا: "إنني أقولها بصوت مرتفع: أنا ضد هذا الانفصال؛ لأن انفصال الجنوب السوداني سيفتت السودان ويجعله سابقة سلبية في القارة الإفريقية.(1/380)
يقول آفي ديختر وزير الأمن الصهيوني في محاضرة ألقاها في 4 سبتمبر 2008 في معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي:
(يتساءل البعض في إسرائيل: لماذا نهتم بالسودان ونعطيه هذا القدر من الأهمية؟ ولماذا التدخل في شئونه الداخلية في الجنوب سابقًا وفي الغرب (دارفور) حالياً طالما أن السودان لا يجاورنا جغرافيا، وطالما أن مشاركته في إسرائيل معدومة أو هامشية وارتباطه بقضية فلسطين حتى نهاية الثمانينات ارتباطا واهيا وهشا؟
وحتى لا نطيل في الإجابة يتعين أن نسجل هنا عدة نقاط محورية تكفي لتقديم إجابات على هذه التساؤلات:
* السودان بموارده ومساحته الشاسعة وعدد سكانه كان من الممكن أن يصبح دولة إقليمية قوية منافسة لدول عربية رئيسة مثل مصر والعراق والسعودية.
* لا يجب أن يسمح لهذا البلد رغم بعده عنا أن يصبح قوة مضافة إلى قوة العالم العربي لأن موارده إن استمرت في ظل أوضاع مستقرة ستجعل منه قوة يحسب لها ألف حساب.
* لا بدَّ أن نعمل على إضعاف السودان وانتزاع المبادرة منه لبناء دولة قوية موحدة رغم أنها تعد بالتعددية الاثنية والطائفية.
وراح ديختر يورد المعطيات عن وقائع الدور الإسرائيلي في إشعال الصراع في جنوب السودان انطلاقاً من مرتكزات قد أقيمت في إثيوبيا وفي أوغندا وكينيا وزائير سابقاً، الكونغو الديمقراطية حالياً.
وقال: (إن جميع رؤساء الحكومات في إسرائيل من بنجوريون وليفي أشكول وجولدا مائير وإسحاق رابين ومناحم بيجين ثم شامير وشارون وأولمرت تبنوا الخط الاستراتيجي في التعاطي مع السودان الذي يرتكز على تفجير بؤرة أزمات مزمنة ومستعصية في الجنوب وفي أعقاب ذلك في دارفور).
* ما أقدمنا عليه من جهود على مدى ثلاثة عقود يجب أن لا يتوقف لأن تلك الجهود تضع نصب أعينها أن السودان ضعيف ومجزأ وهش أفضل من السودان قوي وموحد وفاعل.
* من واجبنا الأدبي والأخلاقي أن ندعم تطلعات وطموحات سكان الجنوب ودارفور. حركتنا في دارفور لم تعد قاصرة على الجانب الرسمي وعلى نشاط أجهزة معينة. المجتمع الإسرائيلي بمنظماته المدنية وقواه وحركاته وامتداداتها في الخارج تقوم بواجبها لصالح سكان دارفور.
* الموقف الذي أعبر عنه بصفتي وزيراً إزاء ما يدور في دارفور من فظائع وعمليات إبادة ومذابح جماعية هو موقف شخصي وشعبىي ورسمي.
* من هنا نحن متواجدين في دارفور لوقف الفظائع وفي ذات الوقت لتأكيد خطنا الإستراتيجي من أن دارفور كجنوب السودان من حقه أن يتمتع بالاستقلال وإدارة شؤونه بنفسه ووضع حد لنظام السيطرة المفروض عنوة من قبل حكومة الخرطوم.
* لحسن الطالع أن العالم يتفق معنا من أنه لا بد من التدخل في دارفور سياسياً واجتماعياً وعسكرياً. الدور الأمريكي في دارفور دور مؤثر وفعال ومن الطبيعي أن يسهم أيضا في تفعيل الدور الإسرائيلي ويسانده.
* صانعوا القرار في إسرائيل كانوا من أوائل المبادرين إلى وضع خطة للتدخل الإسرائيلي في دارفور 2003 والفضل يعود إلى رئيس الوزراء السابق إرييل شارون، في كلمة ألقاها خلال اجتماع الحكومة في عام 2003 (حان الوقت للتدخل في غرب السودان وبنفس الآلية والوسائل وبنفس أهداف تدخلنا في جنوب السودان).
* وعندما سئل ديختر: ما هي نظرته إلى مستقبل السودان على خلفية أزماته المستعصية في الجنوب وفي الغرب والاضطراب السياسي وعدم الاستقرار في الشمال وفي مركز القرار الخرطوم؟ - هذا السؤال طرحه نائب وزير الدفاع السابق جنرال الاحتياط إفرايم سنيه رد ديختر على هذا السؤال: (هناك قوى دولية تتزعمها الولايات المتحدة مصرة على التدخل المكثف في السودان لصالح خيارات تتعلق بضرورة أن يستقل جنوب السودان وكذلك إقليم دارفور على غرار استقلال إقليم كوسوفو).(1/381)
* السودان في ظل أوضاعه المتردية والصراعات المحتدمة في جنوبه وغربه وحتى في شرقه غير قادر على التأثير بعمق في بيئته العربية والأفريقية؛ لأنه متورط ومشتبك في صراعات ستنتهي إن عاجلاً أو آجلاً بتقسيمه إلى عدة كيانات ودول، مثل يوغوسلافيا التي انقسمت إلى عدة دول: البوسنة والهرسك وكرواتيا وكوسوفو ومقدونيا وصربيا، ويبقى السؤال عالقا متى؟) (1)
بعد هذه النقولات الهامة والخطرة يأتي سؤال هام:
هل سيعقب الانفصال ازدهار ورخاء كما يتمنَّى ويمنِّي البعض ويكون بين الشمال والجنوب التعايش وحسن الجوار أم سيكون الأمر عكس ذلك؟
والإجابة عليه تكون من خلال التتبع والاستقراء للاتفاقية والمخاض العسير الذي لا زالت تمر به مع استصحاب النقولات السابقة.
فالاستقرار والازدهار في السودان الشمالي بعد إعلان الانفصال قد يكون سراباً بقيعة، حسبته الإنقاذ ماءً حتى إذا جاءته لم تجده شيئاً!
إنَّ عملية انفصال الجنوب ليست بمثل هذه البساطة التي توحي بها أحاديث البعض، كما أنَّ آثارها لن تتوقف عند جنوب السودان أو شماله بل سوف تشمل وتؤثر على دوائر أكثر اتساعاً بكثير، وستبدأ الحلقة الثانية من مسلسل السودان الجديد (2).
لذا فإنَّ الواجب المحتم على الغيورين والحادبين أن ينظروا النظر العميق وبأقصى درجةٍ من الوضوح والموضوعية في مآلات هذا الوضع الحرج والخطر في آنٍ واحد، ومن ثمَّ تحديد خطوات عملية لمواجهة هذا المستقبل وإدارة الصراع مع الخصوم بمنهجيةٍ سياسيةٍ إسلاميةٍ شرعية.
وقد أحسن الطيب زين العابدين في سرد المآلات والمخاطر والمحاذير الناجمة عن انفصال الجنوب وهذه نبذ ومقتطفات مما كتبه (3):
التحديات الأمنية:
هناك ستة تحديات أمنية متوقعة يُخشى منها على استقرار السودان في الشمال والجنوب إذا ما وقع الانفصال بين الإقليمين:
1 - حرب بين الشمال والجنوب بسبب الاختلاف على ترسيم الحدود في منطقة أبيي أو غيرها من حدود 1956م التي لم تحسم بعد، أو تنفيذ قانون الاستفتاء حول تبعية أبيي أو القبول بنتيجته، أو عدم الاتفاق على حل قضايا ما بعد الانفصال التي نصَّ عليها قانون الاستفتاء: الجنسية، العملة، الخدمة العامة، الوحدات المدمجة، والأمن الوطني والمخابرات، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الأصول والديون، حقول النفط وإنتاجه وترحيله وتصديره، العقود والبيئة في حقول النفط، المياه، الملكية، أي مسائل أخرى يتفق عليها الطرفان. اهـ.
واحتمالية هذه الحرب كبيرة فقد كشفت تقارير الدوائر الغربية مؤخرا أن سنوات الهدنة الخمس الماضية تم استغلالها بشكل ملفت للانتباه في تسليح الجنوب وتأهيل ما يسمى الجيش الجنوبي والذي لم يدمج حتى الآن في الجيش المركزي للدولة حيث وصل الأمر إلى إنشاء قوات جوية وبحرية وبرية وقواعد عسكرية بلغت تكاليفها بحدود 2,5 مليار بدعوى تحديث قوات الجنوب, ناهيك عن مساعدة دول الجوار الأفريقي في الدعم العسكري للمتمردين مثل إثيوبيا وأوغندا وغيرها من خلال سفن الأسلحة المحملة للمتردين في جنوب السودان والتي تم اختطافها قبالة السواحل الصومالية.
_________
(1) انظر الموقع الإلكتروني لمركز دمشق للدراسات النظرية والحقوق المدنية / مقال السودان في عيون صهيونية /إعداد محمد سيف الدولة - 17/ 5/2009م
(2) السودان الجديد باختصار يعني تفكيك النموذج الإسلامي العربي، وإعادة تشكيل السودان وفق (أفريقانية الهوية وعلمانية الدولة).
(3) تداعيات انفصال جنوب السودان مقال منشور في موقع الجزيرة نت.(1/382)
كما أن تقاسم أموال النفط حسب اتفاقية نيفاشا بين الشمال والجنوب أتاح لحكومة جنوب السودان مبلغاً شهرياً يتراوح بين 160 - 240 مليون دولار من نصيبها في بيع النفط السوداني وهذا كله ينفق على الاستعدادات العسكرية والتسليح ولا ينفق منه شيْ على التنمية أو تحديث البنية التحتية بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية تقدم دعماً تبلغ قيمته مليار دولار سنوياً للحركة الانفصالية بحجة صرفها على إنشاء البنية التحتية كمساعدة إنسانية.
ويرى الطيب زين العابدين أنَّ قرار هيئة التحكيم الدولية في لاهاي ليس مرضياً عنه من كلا المجموعتين الأساسيتين في المنطقة: دينكا نقوك، والمسيرية؛ فالمجموعة الأولى تظن أن حقول البترول في هجليج قد أُخذت منها بغير حق، والثانية تعتبر أن الحدود الشمالية التي ضُمَّت إلى أبيي قد توغلت كثيراً في مناطقهم وحرمتهم من الأراضي ذات المياه الوفيرة التي يعتمدون عليها في سقي بهائمهم وقطعانهم زمن الخريف.
وفي ذات الوقت فإن إضافة المنطقة الشمالية لا يخلو من مشكلة بالنسبة للدينكا؛ لأنه يعطي المسيرية الذين يعيشون في تلك المواقع حسب تفسير الحكومة حق التصويت في الاستفتاء حول تبعية المنطقة لبحر الغزال أو إلى جنوب كردفان، فهم يخشون من تصويت المسيرية لصالح الانضمام إلى كردفان.
ولكن الحركة الشعبية لا تقر بهذا الحق للمسيرية على أساس أنهم رُحَّل ولا يقيمون في المنطقة بصورة دائمة فلا ينطبق عليهم ما نصت عليه اتفاقية السلام الشامل.
تحديد من سيصوت في الاستفتاء بجانب "أعضاء مجتمع دينكا نقوك" ما زال عالقاً، وأحيل البت فيه إلى مفوضية الاستفتاء التي ستحدد معايير الإقامة التي تؤهل صاحبها لحق التصويت في الاستفتاء.
وقد يبدأ تمردٌ مسلحٌ جديد في كلٍّ من جنوب كردفان والنيل الأزرق بسبب عدم الرضى عن تنفيذ الاتفاقية التي تخصهما وستقوده عناصر الحركة الشعبية التي جاءت إلى السلطة في الولايتين بقوة السلاح، وربما تدعم الحركة مثل هذا التمرد خاصة إذا كان الانفصال متوتراً ومضطرباً بين طرفي الاتفاقية.
2 - أن تسري عدوى الانفصال من الجنوب إلى حركات التمرد في دارفور إذا لم تُحل المشكلة قبل الاستفتاء، وإذا لم تشارك الحركات المسلحة وأهل دارفور بصورة كاملة في انتخابات أبريل/نيسان 2010م.
3 - وربما يندلع عنفٌ قبلي في الجنوب أكثر مما هو واقع حالياً، وستتهم الحركة الشعبية كما فعلت في الماضي، المؤتمر الوطني بدعم ذلك العنف ومن ثمَّ تجد العذر لدعم أي تمردٍ يقع في الشمال خاصة في ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق.
4 - ومن المرجَّح أن يزداد الانفلات الأمني والنهب المسلح في مناطق التوتر (دارفور، جنوب كردفان، النيل الأزرق) بسبب الاضطراب السياسي وانتشار السلاح والفقر وازدياد العطالة، خاصةً في أوساط الشباب والخريجين.
5 - وفي حالة الاضطراب السياسي والانفلات الأمني سيكون السودان أكثر عرضةً للتدخلات الخارجية من دول الجوار (تشاد، ارتريا، ليبيا) وربما من قبل القوات الدولية في السودان التي ستكلَّف بحماية المدنيين ولو ضد القوات المسلحة السودانية.
التحديات السياسية:
من المؤكد أن انفصال الجنوب سيؤدي إلى تداعياتٍ سياسيةٍ في الشمال، خاصةً إذا ما كان انفصالاً متوتراً صحبته عمليات عسكرية أو انفلات أمني، وأهم تلك التداعيات المحتملة هي:(1/383)
1 - زيادة وتيرة الاضطرابات السياسية في أقاليم السودان الشمالية مطالبةً بالمزيد من الحكم اللامركزي ومن اقتسام الثروة مع المركز واحتجاجاً على معالجة الحكومة لبعض القضايا، مثل تنفيذ اتفاقية الشرق أو توطين المتأثرين بسد مروي أو إنشاء خزان كجبار أو غيرها، وربما تشتط بعض الجماعات لتطالب بتقرير المصير أو الانفصال كليةً عن السودان مثل ما فعل الجنوب.
ولعل مناطق التوتر الأولى في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وربما شرق السودان تأتي في مقدمة من قد يرفع مثل تلك المطالب من خلال آلية المشورة الشعبية التي قد تُستغل سياسياً ضد الحكومة المركزية؛ كما أن ضعف الموقف الاقتصادي للبلاد المتوقع بعد خروج عائدات بترول الجنوب من موازنة الدولة، وتأثر تلك المناطق بالوضع الاقتصادي الجديد سيشجع على مثل تلك الاضطرابات.
2 - سيزداد الاستقطاب السياسي بين الحكومة والمعارضة، وستحمِّل المعارضة الشمالية حزب المؤتمر الوطني الحاكم مسئولية انفصال الجنوب واشتعال الاضطرابات في مناطق أخرى، ومن ثمَّ فإنه غير جديرٍ بالاستمرار في الحكم حتى ولو فاز في الانتخابات القادمة لأن استمراره يعني المزيد من التفكيك والانشقاقات، وربما تستغل المعارضة الاضطرابات السياسية لمحاولة تغيير السلطة في الخرطوم خاصةً إذا ما بقيت خارج الحكم عن طريق انتفاضة شعبية ظلت ترددها لسنوات عديدة.
3 - ازدياد الضغوط الدولية على السودان في مجالات التعامل مع المحكمة الجنائية الدولية، ورعاية حقوق الإنسان، وتحقيق بنود اتفاقيات السلام، وغيرها، وذلك بقصد الضغط على الحكومة حتى تستجيب لمطالب أهل دارفور وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق أو يتغير النظام.
التحديات الاقتصادية:
لعل أهم هذه التحديات هي:
1 - خروج نصيب حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب والتي تساوي حالياً حوالي 80% من كل عائدات البترول (تبلغ عائدات البترول بصورة عامة حوالي 60% من موازنة الدولة الاتحادية، وأن الانفصال يعني خروج أكثر من نصف هذه النسبة من الموازنة العامة بعد 2011م)، وهذا نقصٌ كبير سيتسبب في كثيرٍ من المشاكل الاقتصادية لشمال السودان.
2 - إذا وقعت عقب الانفصال نزاعات عسكرية، أو انفلاتات أمنية، واضطرابات سياسية، فإن الوضع الاقتصادي سيكون في حالةٍ متردية، وفي تلك الحالة سيتوقف ضخ الأموال من أجل الاستثمار في البلاد.
3 - لن تستطيع الحكومة مقابلة تعهداتها الداخلية في اتفاقيات السلام تجاه تعمير وتأهيل وتنمية مناطق دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان، وسيجر عليها ذلك بعض المشكلات والاحتقانات السياسية أو النزاعات المكشوفة، وقد لا تتمكن الدولة من الوفاء بمستحقاتها تجاه الديون الخارجية مما يشكل عليها بعض الضغوط.
4 - إزاء مثل هذه الأوضاع المتقلبة قد تضطر الدولة لزيادة الضرائب والرسوم الجمركية دون أن تزيد الأجور بنفس النسبة، وهذا يعني زيادة العبء المعيشي على الطبقات المتوسطة والضعيفة التي ظلت تعاني لسنواتٍ من الضائقة المعيشية، ولم تتحسن أحوالها حتى بعد تدفق عائدات البترول، وسيصب ذلك في اتجاه زيادة الاضطرابات السياسية.
العلمانيون بعد الانفصال:
هنالك مثلٌ سودانيٌّ شائعٌ يقول (إذا وقع الثور كثرت سكاكينه).
فالعلمانيون ترتفع أصواتهم لوضع الترتيبات لاستمرار العمل السياسي في الشمال بعد انفصال الجنوب لتطبيق رؤية السودان الجديد.
فإسقاط حكومة البشير, إلغاء الشريعة الإسلامية، بسط الحريات العامة
الانفتاح على الغرب، كبت الإسلاميين وكتم أنفاسهم.(1/384)
هذه بعض أهدافهم التي يؤمِّلونها ويجتهدون في تحقيقها، فالأحزاب العلمانية في السودان بمختلف لافتاتهم السياسية يسعون للهيمنة على المجتمع، وجره إلى التعاسة والشقاء، ومحاولة مسخ دين هذا البلد وعقائده وأخلاقه، بل وحتى عاداته الاجتماعية، تحت شعار السودان الجديد، وبقيادة الحركة الشعبية.
وقد بدأت خطواتهم في تحقيق ذلك وقطعوا أشواطا، فمن ضمن خطواتهم:
1) استغلال التباينات العرقية أو الدينية - وتوظيفها لزعزعة أمن البلاد:
ومن أكبر الدلائل على هذا: (تصريح قيادات الحركة الشعبية في جبال النوبة والنيل الأزرق، وهم يعلنون في مؤتمر صحفي بقاء الحركة الشعبية بالشمال لتغيير الخرطوم ويرون أنَّ انتهاء بنود الاتفاقية لا يعني عدم وجود صراع بين المركز والهامش، لوجود التهميش بدارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق .... وأن التعدد موجود وقال بعضهم (لن يستطيع أحد إلغاء التعدد في السودان) (1)، وأن مشروع السودان الجديد وُجد ليبقى في الشمال في حالتي الوحدة أو الانفصال.
وهددوا وتوعدوا بأنَّ عدم الالتزام بذلك سيؤدي لوجود نفس عوامل انفصال الجنوب في مناطق بالشمال من بينها جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق والشرق .... ) (2)
2) تحطيم الشعائر الدينية والمظاهر الإسلامية، واستبدال قيم الإسلام وأخلاقياته بقيم غربية:
فيتعرضون لأحكام الشريعة الإسلامية نقداً، ويتعرضون للعلماء طعناً في مناهجهم وتنقصاً لجهودهم أو حطاً لقدرهم، وتكون عندهم جراءة على الشرع، في وسائلهم وخطبهم وأحاديثهم وكلماتهم.
3) تحريك الوضع الاجتماعي:
من خلال اللعب بورقة المرأة، بوصف المرأة مؤثراً قوياً في هز المجتمع. وخير شاهد على هذا ضجيجهم الذي ملؤا به سمع العالم وبصره في قصة فتاة الفيديو المجلودة، ومن قبلُ الصحفية التي استجارت ببطاقة الأمم المتحدة.
4) استغلال الأحداث والأزمات:
خاصة الأزمات السياسية، والاقتصادية، والتحرك في أوساط القوى المعارضة والمعادية، تمهيداً للهيمنة الكاملة التي يتمنون حصولها فيما بعد لهم، ولا أدل على ذلك من استغلالهم أزمة انفصال جنوب السودان وما بعد الاستفتاء؛ ليفرضوا علمانية الدولة ويطالبوا بدستورٍ علمانيٍّ ملحد، تشهد عليهم تصريحاتهم في الصحف ووسائل الإعلام وفي سبيل ذلك يكونون الجمعيات، وينظمون المسيرات، ويصدرون النشرات، ويعقدون المؤتمرات، ويتحالفون مع الأعداء الخارجيين، كاليهود والنصارى وهذا كله معروفٌ مشهود.
ففي آخر تصريحٍ لقيادات الحركة الشعبية في الشمال، شددوا على أنهم سيواصلون نشاطهم في الشمال بمشروع السودان الجديد حتى في حالة انفصال الجنوب، وشددوا على أن «التعدد سيكون أساس الدولة الجديدة في الشمال»، ودعوا الحركات المسلحة للعمل من أجل التغيير من الداخل.
وقالوا إنَّ (الانفصال لا يعني نهاية الاتفاقية وأنَّ كافة الأحزاب سترتب أوضاعها في حالة الانفصال باعتبار أن هناك خارطة سياسية جديدة.) (3)
وقد ردت الحركة الشعبية على إعلان الرئيس عمر البشير بأنَّ الشمال سيكون دولة إسلامية وعربية، حيث قال نائب رئيس الحركة الشعبية (إن مستقبل الحركة في الشمال يماثل مستقبل أي حزب آخر) (4)
5) العمل على نشر الانحلال والفساد وإشاعة الفواحش والشهوات.
السودان والشيعة الرافضة:
_________
(1) تصريح عبد العزيز الحلو.
(2) الجزيرة نت, سودانيز أون لاين, الصحف السودانية يوم الجمعة 24/ 12/2010م.
(3) الجزيرة نت, سودانيز أون لاين, الصحف السودانية يوم الجمعة 24/ 12/2010م.
(4) المصدر السابق.(1/385)
إنَّ من التحديات التي تواجهنا في السودان بعد انفصال الجنوب، تمدد الشيعة الرافضة، والتي تغذيها وتدعمها دولة إيران والتي استغلت التعاطف السوداني الرسمي مع الثورة الإيرانية، ومساندة إيران لحكومة الإنقاذ السودانية، وتعمق العلاقات بين البلدين كان له دورٌ كبير في انتشار المذهب الشيعي في السودان، وساعد عليه وجود تعاطف سوداني طبيعي بحكم انتشار التصوف في السودان المعروف عنه الحب الشديد لآل بيت النبي صلى الله عليه وسلم.
وتزايد هذا النفوذ الشيعي مؤخراً نتيجة التعاطف الشعبي السوداني مع "حزب الله" الشيعي إبان العدوان "الإسرائيلي" الأخير على لبنان صيف 2007، مما رفع أسهم حسن نصر الله زعيم "حزب الله" دون النظر أيضاً إلى عقيدته ومذهبه ورأيه في أهل السنة والجماعة.
ويؤكد خبراء سودانيون أن الشيعة دخلوا للسودان عبر العلاقات السياسية بين الحكومة وإيران، إضافةً لانتشار التصوف الذي يعلي من شأن آل البيت وحب آل النبي صلى عليه وسلم، والذي يستغله الشيعة في نشر أفكارهم، وأن بعض الصحفيين والكتاب السودانيين العلمانيين والليبراليين استغلوا القضية لتأييد الشيعة بدعوى "حرية الرأي" ومحاربة ما يسمونه "الهوس الديني والإرهاب والظلاميين"، وأنهم يوظفون ذلك في حربهم ضد الإسلام السياسي والسلفي بغطاء حرية الرأي للشيعة.
وبشكلٍ عام، التواجد الشيعي في السودان، بدأ في الظهور عبر زوايا وحسينياتٍ معروفة، ولديهم مراكز تعليمية ومنظمات للمرأة، ولديهم انتشار في المناطق المشهورة بالتصوف، وكان أبرز نشاطٍ للشيعة في السودان ظهورهم علناً للمرة الأولى في تجمعاتٍ ضمت مئات الأشخاص في ضاحية جنوب العاصمة الخرطوم، واحتفلوا بذكرى مولد الإمام المهدي، أحد أبرز الأئمة الشيعة.
وقال مشاركون في الاحتفال لجريدة "الشرق الأوسط" اللندنية إن الاحتفال الذي أقيم يوم الجمعة حضره المئات من معتنقي المذهب الشيعي في السودان، جاءوا من مختلف أنحاء البلاد.
وشارك في الاحتفال الذي أقيم في استراحةٍ في ضاحية جبل أولياء، نحو 40 كيلومترا جنوب العاصمة الخرطوم، ممثلون للشيعة من مختلف المواقع في السودان، خصوصا من كردفان، والنيل الأبيض وأم ضوبان، وسط، ونهر النيل، شمال. ومن بين المشاركين طلابٌ في الجامعات والمراحل الثانوية، وأساتذة جامعات، وسياسيون، وصحافيون، وطلاب يدرسون في الحوزات الدينية في مدينة قم بإيران.
وتقول تقارير غير مؤكدة (إن للشيعة في السودان نحو 15 حسينية، أغلب هذا العدد في العاصمة الخرطوم، وأشهرها حسينية في الخرطوم شرق قلب العاصمة، ينظم فيها منتدى دوري يتناول الأمور الخاصة بالمذهب الشيعي، فيما تشير التقارير إلى أن عملها أقرب إلى السرية، "ليس تخوفا من السلطات السودانية، حيث تغمض عينيها حيال نشاطها، ولكن تخوفاً من الجماعات السلفية") (1).
وحسب التقارير فإن هذه الحسينيات تلحق بها مكتبات مقروءة وصوتية، وعبرها يتم الحصول على بعثات دراسية في إيران.
الواجب المحتم على كل مسلم:
1) ضرورة الكشف عن العلمانيين:
_________
(1) موقع شبكة الإعلام العربية. moheet.com.(1/386)
إن الله كشف المنافقين، وأنزل سوراً عديدةً، منها التوبة، حتى كانت تسمى "المقشقشة" ما تركت أحداً إلا ذكرته منهم، حتى بينتهم وفضحتهم، وكانت تسمى "الفاضحة" أيضاً، فنريد من أهل الإسلام - علماء الإسلام وطلبة العلم والدعاة - أن يترسموا ويستلهموا منهج هذه السورة في فضح العلمانيين، وكشفهم، وبيان عوراتهم، خاصةً وأن كثيراً من العامة ينخدعون بهم، وهذه مصيبة، أن تسير الأمة خلف ركابهم مخدوعة؛ لأنهم يستخدمون ألفاظاً إسلامية، وقد يستشهد أحدهم بآيةٍ أو حديث، أو كتابٍ لأهل العلم، وقد ينقل قاعدةً فقهية، وقد يتكلم، وقد يصلي أحياناً، وهذا الفضح لا يجوز بحالٍ من الأحوال أن يكون من خلال التشويش والتهويش والغضب والانفعال والصراخ أبداً، يجب أن يكون من خلال الوثائق والحقائق والمعلومات الدامغة التي تجعل حتى عدوك لا يملك إلا أن يوافقك على ما تقول.
2/ على أمّة السودان حكاماً ومحكومين أن ينتبهوا لهذه الأخطار المحيطة بهم في الداخل والخارج والتي تهددهم في دنياهم آخرتهم.
3/ نداء نوجهه إلى كل صفوف العمل الإسلامي أن يؤجلوا خلافاتهم في هذه المرحلة العصيبة التي تمر بالعباد والبلاد وليفرغوا طاقاتهم ويركزوا جهودهم لمواجهة هذه التحديات. والوقوف أمام المخطط الأميركي الصهيوني لتفتيت بلاد المسلمين، بدايةً بالعراق -وكما قرر الكونجرس الأميركي بجلسته أخيراً - إلى مناطق ثلاث، كردية في الشمال، وسُنية في الوسط، وشيعية في الجنوب. وهو ما يجري الآن بالنسبة إلى السودان وتقسيمه إلى شمالٍ عربيٍّ إسلامي، وجنوبٍ زنجيٍّ مسيحي، وغربٍ عرقيٍّ وشرق قبليٍّ. والخطر مازال قائماً على بعض مناطق الخليج العربي وتقسيمه طائفياً ومذهبياً إلى سُنةٍ وشيعة، أو عرقياً، والأمم المتحدة بالمرصاد تتلقى توجيهات الدول الكبرى باسم حقوق الإنسان، وحقوق الأقليات، والخطر يهدد المغرب العربي كله وتقسيمه إلى عرب وبربر.
البدار البدار بالتوبة النصوح:
يقول سيدنا علي رضي الله عنه (ما نزل بلاء إلا بذنب، ولا رفع بلاء إلا بتوبة). وقال الحسن البصري (بلغنا أنه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبة قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر).
لقد صدق فينا قول رب العزة (ومن أعرض عن ذكري، فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى). وصدق رسول الله صلى الله عليه في الحديث الصحيح الذي رواه ابن ماجة والحاكم عن ابن عمر مرفوعا: (كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن:
ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا. ولا نقص قوم المكيال إلا ابتلوا بالسنين وشدة المئونة وجور السلطان. وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولا خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم. وما لم تعمل أئمتهم بما أنزل الله في كتابه إلا جعل بأسهم بينهم شديداً).
فنحن أمةٌ خفرنا العهد مع الله فسلط علينا عدونا من كل جهة، وتداعت علينا الأمم كما تداعت الأكلة على قصعتها.
لقد ذقنا مرارة بعدنا عن كتاب الله، وتجرعنا آلام تنكبنا لطريق الله، وحصدنا ما زرعنا من التساهل والتلاعب بدين الله.
لقد آن لنا أن نرجع إلى الله، ونفر إليه فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه.
وحال البلاد والعباد ليس لها من دون الله كاشفة.
عليكم عباد الله أن تتوبوا إلى ربكم توبةً نصوحاً، وأن تحولوا مما يكره ربكم إلى ما يحب، لعل الله أن يتحول لكم مما تكرهون إلى ما تحبون، قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [سورة النور آية: 31].
وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [سورة التحريم آية: 8].
وقال تعالى: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ} [سورة هود آية: 3].
أسأل الله تعالى وأتوسل إليه بأسمائه الحسنى وصفاته العليا، أن يجعل في قلوب المؤمنين الحماس والرغبة الصادقة في العمل الجاد لما يرضيه، وفي الجهاد الصادق في سبيله، وفي قول كلمة الحق، وفي الدعوة إلى الله تعالى، وفي جمع الكلمة، وفي بذل النصيحة، وفي محاولة رد كيد الكائدين، سواء كانوا من العدو الداخلي المستتر، أم من العدو الخارجي المعلن، وأسأله تعالى أن يكلل العاملين بالنجاح، وأن يرزقنا جميعاً الإخلاص؛ إنه على كل شيء قدير.(1/387)
حلقات التحفيظ .. توقف وعودة
أحمد بن عبد العزيز الحمدان
22 محرم 1431هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد.
فإن من أعظم ما يجب صرف الهمم إليه في تربية الأبناء: تعليمهم كتاب الله تعالى، الذي جعل الله نجاة الأمة وعزتها ورفعتها منوطة بتعلمه وتعليمه والاعتصام به، قال الله تعالى: {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ} *الزخرف: 44* أي: إن القرآن العظيم لفخر لك وللمؤمنين به ومنقبة جليلة لكم، ونعمة لا يقدر قدرها إلاّ العاملون العاقلون، وهو ذكر لكم يذكركم بخيري الدنيا والآخرة، وسوف تسألون عنه، هل أديتم حقه حتى انتفعتم وارتفعتم به، أم جعلتموه وراء ظهوركم كما صنعت الأمم السابقة بكتبها؟ فـ ((القرآن حجة لك أو عليك))
وأمة الإسلام إنما أعزها الله تعالى بكتابه، فمتى تأخرت عنه مقتها الله وأخرها، ومتى اعتصمت به وفقها وقدمها، قال رسول الهدى صلى الله عليه وسلم: ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين))، فلا عزة ولا رفعة لنا إلاّ باعتصامنا بكتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم، فنحن أمة أعزها الله بالإسلام، ومهما ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله، ولن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، وقد دلّ القرآن على أن الناس فيهم كريم يرفعه الله بالقرآن، ولئيم يهينه الله بهجره القرآن.
ولقد جرب أبناء المسلمين بعد أن استخربت ديارهم مناهج عدة، فما جنوا من شوكها إلا الحنظل، وآن لهم أن يوقنوا أنهم لن ينهضوا من كبوتها، ولن تصلح أحوالهم، ولن ينالوا عزتهم، ولن ينالوا موعود ربهم بالخيرية إلا باعتصامهم بالقرآن العظيم؛ إيماناً وتعلماً وتعليماً وعملاً وصبراً.
ومن عظيم النماذج التي ضربها سلفنا الصالح في التضحية في باب تعليم القرآن الكريم: التابعي أبو عبد الرحمن السلمي رحمه الله، الذي جلس للناس يعلمهم القرآن من خلافة أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه إلى زمن الحجاج بن يوسف، وكان بين تولي الأول وهلاك الآخر اثنتان وسبعون سنة، وكان إذا سئل عما أجلسه للناس مجلسه هذا معلماً؟ قال: سمعت أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)). وكان أبو عبد الرحمن يقول: وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا.
قال السيوطي رحمه الله: تعليم الصبيان القرآن أصل من أصول الإسلام، فينشأون على الفطرة، ويسبق إلى قلوبهم أنوار الحكمة قبل تمكن الأهواء منها.
وقال ابن خلدون رحمه الله: تعليم الولدان للقرآن شعار من شعائر الدين، أخذ به أهالي الملة، ودرجوا عليه في جميع أمصارهم؛ لما يسبق إلى القلوب من رسوخ الإيمان وعقائده، بسبب آيات القرآن، ومتون الأحاديث، وصار القرآن أصل التعليم الذي بني عليه ما يحصل بعد من الملكات.
ومن الأمثلة المشرفة الواقعة الآن أنه نشرت الصحف المحلية في 10/ 1/1432هـ إعلان مدير (المركز الوطني للقياس والتقويم) الأمير الدكتور فيصل المشاري نتائج اختبارات القدرات التي أجراها المركز لطلاب المرحلة الثانوية على مستوى المملكة فحصدت (مدارس تحفيظ القرآن الكريم الحكومية والأهلية للبنين والبنات) التي تعد قطرة في بحر آلاف المدارس المراكز الأولى في التخصصات النظرية لثلاث سنوات متتالية.(1/388)
وقد ظهر عند كل أمة، أن الأمة تفكر بلغتها، وأعظم تأسيس للعقل المفكر: أن يكون مدركاً لما يقرأ، ومعلوم أنه كلما كان الإنسان متمكناً من حفظ وإتقان كتاب الله كلما كان محباً للقراءة، متمكناً من فهم وإدراك ما يقرأ، الكل بالكل والحصة بالحصة؛ لذلك كان الغالب على هذه الفئة أنها أينما توجهت في التخصصات المختلفة تبذ غيرها إدراكاً وإبداعاً.
وإن الأمة في عمومها يوم أن جعلت مناهلها غير هذا المنهل العذب الصافي، والمصدر اللجَب الكافي، ورضيت المناهل التي كدرها وطء الرعاء، ونزح الدلاء، وجدناها كلما أرادت أن تخطوا إلى الأمام خطوة من خطوات رجعت إلى الوراء خطوات في خطوة: ((إنّ الله يرفع بهذا الكتاب أقواماً ويضع به آخرين)).
وإن بني يعرب لما ترك جمهورهم تعليم أبنائهم مصدر عزتهم وقوتهم ورفعتهم، متوهمين أنهم بذلك يخطون خطوة نحو عالم الغرب الأول، وجدناهم من تدهور إلى تدهور أشدّ منه.
وإنّ الحدث الذي مرّ بنا منذ السابع عشر من شهر شوال من العام 1431هـ وانتهى - بإذن الله تعالى- بعد مرور خمسة وثمانين يوماً عجافاً، توقفت فيها حلقات تحفيظ القرآن الكريم في منطقة مكة المكرمة، وانصرف ستة آلاف معلم للقرآن، و185 ألف طالب ينتظرون ويترقبون عودة الحلقات إلى أن يسر الله تعالى عودتها.
إنّ هذا الحدث يحمل في طياته منحاً في محن، وعبراً بيّنات تجود بها تأملات، أحببت أن أضع بعضها بين يدي القارئ الكريم، علّها تكون سبباً في انقداح غيرها من العبر في عقول المتأملين، ونفتح الباب لتلقي دروسنا من هذه الحادثة، ونسعى لنستفيد منها في مستقبل أيّامنا، ولا يغرّ بطيب العيش إنسان، وإلاّ فإنّنا سنظل نتلقى الصفعات تلو الركلات، ونحن لم نستطع أن نضع وسيلة لتلافيها، وسنظل نرى من ينام بين كل ركلة وركلة، وبين كلّ صفعة وأختها.
وأولى هذه العبر: أنّ كتاب الله تعالى محفوظ بحفظ الله، {إِنَّا نَحْنُ نزلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} *الحجر: 9*، فهذا وعد متحقق جزماً ويقيناً، والله لا يخلف الميعاد، ومن رحمة الله بنا أنّه لم يكل حفظ كتابه إلينا، وكتاب الله ليس بحاجة إلى دفاعنا عنه، بل نحن بحاجة إلى تمسكنا به؛ لذلك نحن لا نخاف على كتاب الله تعالى، وإنّما نخاف من ذنوبنا أن تكون سبباً في حرماننا منه، وفصلنا عنه.
ثانيها: ضعف دعمنا الشعبي للجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم كان من أسباب وقوف هذه الجمعيات عاجزة عن جعل عمل معلميها وظيفة رسمية، يتقاضى عليها المعلم راتباً يعيش به حياة كريمة، ويترقى من مرتبة إلى مرتبة، ويكون كغيره من الموظفين الذين يجدون مرتباً بعد تقاعدهم يستطيع كلّ منهم أن يعيش به عيشة كريمة، وينال الحقوق التي كفلتها الدولة للموظفين والعمال حين ينطبق عليه نظامهم، لا أن يكون كريشة في مهب ريح.
ثالثها: ظهر أنّنا لا نملك خطة بديلة في حال الطوارئ، فما إن أقفلت الحلقات حتى وجدنا الناس بين صمت مخيّم على أجوائهم، وصدمة ملأت نفوسهم، وتحيّر شوّش تفكيرهم، وبدأت عمليات الإسقاط تتوالى، كلٌّ يريد تبرئة نفسه، ورمي لوم التقاعس على غيره، وتناسى أنّه مطالب بالعمل كما أنّ غيره مطالب بالعمل، وإن كانت درجات المطالبة تتفاوت، ونوع العمل يختلف، إلاّ أنّه على كلّ حال مطالب بالعمل من أجل كتاب الله عزّ وجلّ، وتقصير المقصّر ليس عذراً لمقصّر آخر، ولا حجّة يتذرع بها؛ لينجو من المسؤولية الملقاة على عاتقه، وما كان كلّ ذلك ليقع لولا أنّنا مقصّرون في وضع خطط للطوارئ.(1/389)
وأتذكر أنّه في زمن سيطرة الاتحاد السوفيتي على بلدان المسلمين في وسط آسيا (الجمهوريات الإسلامية)، كانت تأتينا أنباء من بعض من كان يزور تلك الديار ذات الجدار الحديدي، أنّ المساجد عُطّلت، وأصبحت قراءة القرآن وكتب الدين تعد جريمة يعاقب عليها القانون الشيوعي، وأنّ النّاس أبعدوا عن دينهم، ومنعوا من كتاب ربهم قسراً، ومع ذلك كانوا يدخلون الأقبية يتعلمون فيها القرآن، وكنت أسمعه كضرب من الأساطير.
وفي حجّ عام 1416هـ كنت والشيخ طلال بن أحمد العقيل، والدكتور رضوان بن حسن الرضوان مع سماحة شيخنا الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله، في زيارته المعتادة التي كان يقوم بها كل عام قبل وبعد الحجّ؛ ليلتقي حجاج الخارج في المطار، وزرنا حجاج دولة من الدول الإسلامية التي خرجت للتو من نير السيطرة السوفيتية، وكانوا قد نزلوا من طائرتهم، ينتظرون إنهاء إجراءات جوازاتهم، وكان جمهورهم من كبار السن الذين شابت لحاهم، فطلب الشيخ مترجماً، فوجدنا أحد المطوفين الذين يتكلمون لغتهم لكنه لا يجيدها، وبدأ الشيخ حديثه معهم في بيان توحيد الربوبية الذي ولج منه إلى تقرير الألوهية، ولم يرعنا إلا صوت شاب يركض من بعيد، وينادي بصوته: أنا أترجم .. أنا أترجم، فأعطاه مكبر الصوت، وبدأ يترجم ويتكلم بطلاقة، ورأينا المستمعين يبدو عليهم التأثر أكثر، وبعد أن فرغ الشيخ، أقبل على الشيخ يسأل: من الشيخ؟ فرد الشيخ مبتسماً: محمد بن عثيمين. وإذا بالشاب ينظر إلى الشيخ باندهاش، ويقول بصوت عال: الشيخ محمد؟! قال: نعم. قال: ابن صالح؟! قال: نعم. قال: ابن عثيمين؟! قال الشيخ: نعم. وإذا بالشاب يضم الشيخ ويقبل رأسه ويبكي، ثم قال للشيخ: يا شيخ، أتأذن لي أن أبلغهم، من أنت؟ قال الشيخ: نعم.
وكان الشيخ ونحن معه في دهشة من أمره، فأخذ الشاب مكبر الصوت وحدثهم بكلام لم نفهم منه إلاّ اسم الشيخ، ولقد كان منظراً مؤثراً تأثرنا به جميعاً، حين رأينا الشاب يخبرهم وهو فرح متأثر، وما إن ختم كلامه حتى رأينا أصوات بكاء الحجاج، واللحي قد خضبت بالدموع، وقاموا يصطفون أمام الشيخ، وهذا زاد من دهشتنا، فالتفت الشاب إلى الشيخ، وقال: يا شيخ، هؤلاء كلهم طلابك، لقد كانوا يقرؤون القرآن، ويتفقهون على كتبك وبرامجك الإذاعية في الأقبية تحت الأرض، يا شيخ كلهم يعرفونك، ولكنهم لم يروك، وقد بكوا فرحاً برؤياك، وهم يستأذنونك في السلام عليك، ثم سلموا على الشيخ، وانصرفنا.
لقد تمكن هؤلاء الناس في الأقبية تحت نير الحكم الشيوعي أن يواصلوا حفظ كتاب الله، ويتفقهوا بما يمكنهم الوصول إليه من كتب العلماء، ولم يقولوا: لم لم يفعل فلان كذا؟ ولم لم يقل فلان كذا؟ بل عملوا هذه الخطة التي دامت أكثر من سبعين سنة، فحفظ الله تعالى لهم دينهم بها، فما بالنا نحن تعطل فينا كلّ شيء بأدنى هزة؟!
رابع هذه العبر: رأينا سنّة الله تعالى في الشامتين من بعض المتلبرلين، الذين طبلوا وزمروا فرحاً بالخبر، حتى أنّ أحدهم كتب في موقع من مواقعهم: هذه خطوة جريئة إلى الأمام، قطعت الصلة بمصدر من مصادر الخرافة والرجعية في هذا الزمن. ويا لها من كلمة {لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الأرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا} *مريم: 89 - 90*. وقام بعضهم بكيل التهم ضد إخواننا الذين علّمونا وعلموا كبار مشايخنا القرآن الكريم، فمنهم من اتهمه بالإرهاب، ومنهم من اتهمه بانحراف في العقيدة ... إلخ.(1/390)
ولا يجد المؤمن أمراً يخفف عنا صدمة بعض كلماتهم إلا يقيننا بأنّ هذه سنّة المجرمين مع الأنبياء والصالحين إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ قال تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} *الذاريات: 52، 53*.
وعن ربيعة بن عباد رضي الله عنه، قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يمر في فجاج ذي المجاز، قبل أن يهاجر، وهو يدعو الناس إلى الإسلام، يتبع الناس، يدعوهم إلى الله في منازلهم، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، إلا إنهم يتبعونه، وهو لا يسكت، يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا. فلم يزل يرددها مراراً، وخلفه رجل أحول وضيء الوجه، ذو غديرتين، يتبعه، يقول: يا أيها الناس، لا تقبلوا منه، إنه غوي، صابئ، كاذب، لا يفتنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم. ويرمي عقبيه بالحجارة حتى أدمى عقبيه. قلت لأبي: من هذا؟ قال: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، وهو يذكر النبوة. قلت: ومن هذا الأحول، الذي يمشي خلفه يكذبه؟ قال: هذا عمه أبو لهب. قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يفر منه، وهو على أثره، ونحن نتبعه، ونحن غلمان).
خامس عبرة: أنّ الإغراق في الترفه، وجعله هدفاً لا يحيد المرء عنه، يحول بينه وبين كثير من أعمال الخير والاحتساب، ولقد ظهر ذلك جليّاً في عزوف السعوديين عن الجلوس إلى طلاب التحفيظ، ونيل شرف تعليمهم كتاب الله تعالى، ولقد أخبرني بعض مسؤولي الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم عن عزوف السعوديين عن التشرف بهذه المهنة، وأنّ الجمعية تعطيه راتب المعلم غير السعودي الحافظ المجاز، وهو لا يحفظ إلا ثلث القرآن، وغير مجاز، ومع ذلك يشترط المسجد الذي يريد أن يكون فيه، ويوافقونه على طلبه، ثم لا يلبث - بعد مدة قد لا تطول- أن يتركنا فجأة، ويوقعنا في حرج البحث عمن يسد مكانه، وها هم من بين أكثر من ألف معلم لم يجدوا إلاّ أقل من ثلاثين وافقوا موافقة مبدئية، ولا شكّ أنّ هذا خلل كبير لابدّ من إيجاد حلّ له.
سادس عبرة: كثرت الدندنة حول (مخرجات التعليم وسوق العمل)، ومع أنّ هذا سوق عمل كبير جداً، إلا أنا لم نر من أشار إليه أدنى إشارة، بل جلّ ما نقرؤه تحريض ضد أن تهتم الجامعات بهذا النوع من التخصص، وإذا كانت جمعيات منطقة مكة المكرمة فقط تحتاج إلى أكثر من ستة آلاف معلم ومعلمة لتعليم القرآن - غير الحلقات التي لم تجد معلمين إلى الآن - فأين من سودوا صفحات زواياهم بالمنادات للمواءمة بين مخرجات التعليم وسوق العمل؟ لقد أقاموا الدنيا وما أقعدوها من أجل 168 عمل كاشيرة، بحجة أنها تنهي بطالة النساء، فأين هم من 3000 وظيفة معلمة، تنهي -حسب رأيهم - بطالة آلاف النساء.
سابعها: الكلمة أمانة، وقد رأينا جميعاً كثيراً ممن خاض في هذه المسألة بدون علم، أو بهوى، وتكلم بكلام، أسأل الله أن يوفقه للتوبة منه، فيه من المجازفات شيء كثير، ولو أنّه تذكر قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} *ق: 18*، وقوله: {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُون} *الصافات: 24*، وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله عز وجل ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل بها عليه سخطه إلى يوم القيامة)). وهذا يجعلنا نتنبه إلى أنّ ليس كل ما يقال يمكن تصديقه، فكم من بريء اتهموه، وكم من متهم برؤوه، قال تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا} *النساء: 112*.(1/391)
ثامنها: سلاح المؤمن: دعاؤه ربّه أن يسهل له أمره، وتملقه وإلحاحه عليه، ورفعه خاضعاً يديه، هو من أعظم ما يدخره العبد للملمات، هذا السلاح الذي يستحي الله جلّ جلاله أن يرد يدي صاحبه صفراً، كذلك يغضب ممن يلقيه جانباً ويجعله آخر اهتماماته، ولقد رأينا أننا لم نعط هذا السلاح حقّه في هذه الفترة التي توقفت فيها الحلقات، وغفل بعضنا عن قوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} *غافر: 60*، وقوله: {أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأرْضِ أَءِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلا مَا تَذَكَّرُونَ} *النمل:62*.
قال الماوردي رحمه الله: وإنما خص إجابة المضطر لأمرين:
أحدهما: لأن رغبته أقوى وسؤاله أخضع.
الثاني: لأن إجابته أعم وأعظم؛ لأنها تتضمن كشف بلوى وإسداء نعمى.
وإني لأدعو الله والأمرُ ضيق ... عليّ فما ينفك أن يتفرجا
وربّ أخ سُدت عليه وجوهه ... أصاب لها لما دعا الله مخرجا
مع أنّ كثيراً منّا رأى نماذج تثلج الصدر في التواصي بالدعاء، وتحري مواطن الإجابة، حتى في خارج بلادنا، فقد أخبر إمام مسجد معروف، قال: اتصل بي رجل تركي كان يعمل في جدة، وسألني: يا شيخ ماذا حصل عندكم، فقد سمعت إمام مسجدنا في تركيا يقنت لعودة الحلقات في مكة المكرمة؟!
تاسعها: ما تزال مجالس بعضنا لا تتجاوز البكاء عند وقوع ما لا نرضاه، ولا تنطلق إلى فعل ما يرضي الله، بل قد يقع بعضهم في تجاوزات شرعية، يحاول بها سد خلل ضعفه، وستر عجزه وخوره، ولا يسعى لفعل شيء موجب يكون من ورائه ما يخدم الإسلام والمسلمين، متواكلاً في ذلك على من يسعى لرمي عبء المسؤولية عليه، متذرعاً بأنه لا يستطيع أن يصنع شيئاً. وهذه بلية ابتلي بها بعضنا، فلابدّ من إنكارها؛ بتوجيه من يكثر منها إلى أن يكون فاعلاً لا بكّاءً لوّاماً فقط.
عاشرها: ظهور عظمة كتاب الله تعالى في نفوس المسلمين حيث اهتزت مشاعرهم، وهالهم ما وقع، وهذا أمر مهم حريّ بالعاقل أن لا يهمل استثماره؛ لصالح كتاب الله تعالى.
العبرة الحادية عشرة: لنتذكر جيداً أنّ هذا الأمر لم يكن ليصيبنا إلاّ بتفريط منّا في جنب الله تعالى، قال تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} *الشورى: 30*، ولنعلم أنّه لم ينزل بلاء من السماء إلاّ بذنب، ولا يكشف إلاّ بتوبة، فلنبادر إلى التوبة النّصوح؛ ليرفع البلاء، ويعمّ الرخاء، قال تعالى: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} *نوح:10 - 12*(1/392)
الثانية عشرة: أنّ المملكة العربية السعوديّة مع تكالب أعدائها، والضغوط التي تمارسها القوى العظمى الدوليّة عليها، وانحسار أداء الجهات الدعوية والإغاثية عمّا كانت عليه خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وظهور بعض النماذج غير الموفقة التي كانت وما زالت تستعدي علينا غيرنا، وتسعى لتشويه صورتنا؛ بالنّفخ في كلّ خطأ يقع، وتشويه كلّ خير يظهر، بل وبنشر الفساد من خلال بعض وسائل الإعلام، مع كل ذلك وغيره ما زالت أمامنا فسحة لتصحيح الوضع؛ لأنّ مقومات التصحيح موجودة، والمسلمون قاطبة تشرئب أعناقهم لكلّ حدث يقع في قبلة المسلمين، ويتألمون أشدّ الألم لكلّ ما يرونه خروجاً عن النّهج الذي قامت عليه هذه البلاد، ويشتدّ نكيرهم علينا، ولا يحقّ لنا أن نلومهم؛ لأنّ ما يؤملونه فينا ومنّا أفضل ممّا نحن عليه، وأكبر ممّا نظنّه مرض لنا، فهم لم يعرفونا ويحبونا لأنسابنا وجاهنا، ولا عقاراتنا وأرصدتنا، ولا لإبلنا وأغنامنا، ولا لمنتدياتنا وأفلامنا، وإنّما لأنّنا البلد الوحيدة التي ينادي حكامها ليل نهار أنّهم يطبقون الشريعة، ويحمون الملّة، ويخدمون الحرمين الشريفين، وينصرون قضايا المسلمين، أحبونا لما رأوا النّماذج المسلمة المشرقة منّا التي قادت الخير في كلّ موطئ قدم تطؤه، أحبونا لجائزة الملك عبد العزيز، والأمير نايف وسلمان ومحمد بن فهد للقرآن والسنة، فإذا خرجنا أمامهم بغير هذه الصورة، فلا نلم أنفسنا إذا تغير حبهم إلى كره، وإعجابهم إلى احتقار، وتعلقهم إلى نفور، قال تعالى: {ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ} *آل عمران:182*، والعرب تقول: يداك أوكتا وفوك نفخ.
الثالثة عشرة: ظهرت قيمة حلقات تحفيظ القرآن، ومعلمي التحفيظ، وتجلت في النّفوس لما حُرم أبناؤنا منها 85 يوماً، وظهر لكثير من الآباء والأمهات أنّ أبناءهم والحلقات؛ كحبّ قمح في سنبله، لا يصلح إلاّ فيه، وإن أخرج منه قبل اشتداده لم ينتفع به. وهذه حادثة من مئات غيرها لامرأة كان ابنها ذو السنوات الست في حلقة تحفيظ، وكانت أمّه تأتي به كلّ يوم عند باب المسجد، ثم تنتظره، فإذا خرج أخذته إلى بيتها، وبعد أن توقفت الحلقات، اتصلت بمشرف الحلقات تطلب منه أن يوافق على انضمام ابنها إلى الحلقة التي بقيت، فأخبرها أنّ هذه حلقة مؤقتة لطلاب الثانوية والجامعة، يقوم عليها أحد الطلاب تطوعاً بانتظار أن يعود معلمهم إليهم، ولا أستطيع إلحاق ابنك بهم لفارق السنّ، وأرى أن تعلميه في بيتك قصار السور، يقول المشرف: فهالتني إجابتها، حيث قالت: يا أستاذ، أنا حافظة وعندي إجازة في القرآن الكريم، لكن ولدي يحترم معلمه ويستجيب له أكثر مني، وينتفع به. قال: حينها ظهرت أمامي الخيرية التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن وعلمه))، وأنها تقتضي المنزلة العالية والهيبة لمن جلس يعلم الناس القرآن؛ لأنها مرتبطة بعظيم، وهو كتاب الله تعالى. قال: فاعتذرت منها، وطلبت منها أن تصبر لحين عودة الحلقات، فظلت تردد: يا رب، يا رب، يا رب، وتبكي، وأنهت المكالمة.
الرابعة عشرة: المحن تكون سبباً في صقل أفذاذ الرجال، فما أحوجنا إلى اهتبال هذه الفرصة ليتحمل شبابنا مسؤولياتهم، في زمن أصبح التواكل وعدم الاهتمام سمة بعض الشباب، ولكنّه قد ينتفض إذا رأى أنّه في وجه العاصفة. قال أحد المعلمين: لما جاء خبر إبعادنا عن الحلقات، جمعت الشباب الذين أعلمهم، ونظرت إليهم نظرة تحفيز، ووضعت يدي على أكتافهم، وقلت لهم: هذا زمنكم ... إني قد مضى زمني. فكان ذلك الموقف سبباً في تأثر الطلاب تأثراً عميقاً، وتقدم أحد الشباب وهو يسكن في بلدة تبعد عن الحلقة 70 كيلو، ولسان حاله يقول: أنا لها. وقام بالمهمة خلفاً لمعلمه. فكم نحن بحاجة إلى صناعة الرجال الذين يحملون المسؤولية ويواصلون الطريق على مائدة القرآن.
العبرة الخامسة عشرة: تعودنا أنّه كلّما وقعت مسألة من مسائل ما يسمى بـ (حقوق الإنسان)، ضجّت بعض الهيئات والجمعيات الخارجية، مدّعية أنّ حقوق الإنسان تنتهك، ونحو ذلك من (شجب واستنكار)، أمّا في هذا الحدث فقد مرّ وكأنّ الأمر لا يعنيهم، ونحن لا نريد تدخلهم في جليل ولا حقير، ولا قنطار ولا قطمير، ولكنّا نظهر المكاييل المختلفة التي يعاملون بها الناس، {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} *المطففين:1 - 3*
ولا أشك أنّ العبر في هذا الحدث أضعاف ما ذكرتُ، ولم يكن القصد من المقال الحصر، ولكنه محاولة لفتح باب التأمل، واستخراج العبر، وإضافتها. والله تعالى أعلم.(1/393)
ولا تهنوا
د. سليمان بن صالح الجربوع
22 محرم 1432هـ
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله
لا يخفى على أحد الفتن التي تحدث كل يوم في أمتنا الإسلامية من انتهاك لحرمتها وتدنيسٍ لمقدساتها واستهزاء بها، ومن ناحية أخرى فقد بدأ الوهن ينتشر في قلوب كثير من الناس وفقدوا الثقة في استعادة مجد تلك الأمة بل ربما فقدوا الثقة في ربهم هل تخلى عنهم أم لا يستطيع نصرهم؟! واستبد بهم اليأس من إمكانية التغيير من وضع الهزيمة إلى نصر.
أريد في هذه الأسطر أن أوضح للقارئ أن مرحلة الضعف التي تمر بها الأمة الآن ليست أولَ مرحلةِ ضعفٍ تمر بها، وليس أولَ انهزامٍ تراه الأمة على مر تاريخها وعصورها، ولكنها دائما ما حاول أعداؤها القضاءَ عليها فإذا بها تقوم من جديد، قال أحد المستشرقين على فترة ضعف المسلمين أيام الغزو التتاري والصليبي:" كانت المقولة في بداية القرن الثاني عشر الميلادي متى سيموت جيش محمد، وما إن قارب القرن على الانتهاء حتى تبددت المقولة أي شيء سيوقف جيش محمد"؟
وأريد أيضا أن أوضح أن الإسلام لا يهزم قط وإنما تهزم أجيال؛ لأنها ليست جديرة بالنصر ولا بالتمكين، قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} .... [المائدة: 54].
وقال أيضا: {إِلاَّ تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} .... [التوبة: 39].
وهاك بعض مراحل الضعف التي ألمت بالأمة على مدى عصورها لترى أن كل هذه المراحل لم تزدها إلا قوة إلى قوتها وكانت كالأسد في براثنه.
1. في بداية البعثة واجه المسلمون محنا وضعفا وانهزاما كثيرا وعظيما ولكنَّ روحَهُمْ كانت تطَّلع إلى النصر حتى جاء بعد عشر سنين ـ بهجرتهم إلى المدينة ـ قضوها بين آلام التعذيب والمقاطعة المالية والمعنوية التي دامت ثلاث سنوات، ومع كل ذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يمر عليهم ويقول لهم ـ وهذا ما نود أن نقوله للناس اليوم مؤمنهم وكافرهم، طائعهم وعاصيهم ـ)) ليبلغن هذا الأمرُ ما بلغَ الليلُ والنهارُ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله اللهُ هذا الدينَ بعز عزيز أو بذل ذليل، عزا يعز الله به الإسلام وأهله وذلا يذل الله به الكفر (( .... [قال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح].
2. وعندما طلب منه أصحابه النصرة خاطبهم بقوله صلى الله عليه وسلم:)) .... والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ والذئبَ على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون (( .... [رواه البخاري].(1/394)
3. في غزوة أحد انقلب نصرنا أمام أعيننا إلى هزيمة كادت نهايتها أن تكون بمقتل رسول الهدى محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن الله سلم، فسبب الهزيمة مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وليس قوة الأعداء ـ، وكانت في السنة الثانية للهجرة يوم السبت، ولكن ونحن مثخنون بجراح الانهزام نودينا من فوق سبع سماوات بقوله تعالى:)) وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (( .... [آل عمران: 139]. حتى ونحن في حال انهزامنا وانكسارنا نحن الأعلون بنص كتاب الله؛ لأننا ونحن منهزمون لا نزال الطائفة الوحيدة على وجه البسيطة وربوعها تقول لا إله إلا الله. ومع تلك الجراحات التي أصابت المسلمين يوم السبت يؤمروا بأن يخرجوا يوم الأحد لملاقاة المشركين في حمراء الأسد، بل زيادة في العزة لا يخرج إلا من خرج بالأمس معهم، وتحقق ما أراد الرسول صلى الله عليه وسلم فلما رأى أبو سفيان هذا تراجع عن مهاجمة المدينة وقفل راجعا إلى مكة المكرمة.
4. وعندما أحيط المسلمون بعشرة آلاف مقاتل من جُلِّ قبائل العرب واليهود، بل أحيط من خارج المدينة ومن داخلها ـ أرى أن التاريخ يعيد نفسه من جديد ـ، وانظر إلى الموقف ساعتها، قال تعالى: {إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً
شَدِيداً} .... [الأحزاب: 10 - 11]. في تحالف الأشرار وقتئذ ـ كما هو الحال الآن ـ انقسم الناس إلى أقسام: قسم المنافقين ـ يمثلهم في الوقت الحاضر المنافقين والضعفاء والعملاء ـ قالوا: {وَإِذْ يَقُولُ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَاراً} .... [الأحزاب: 12 - 13]. وقسم المؤمنين الثابتين الواثقين بنصر لله ـ يمثلهم في عصرنا المتفائلين العاملين في الدعوة بروح تحمل حلاوة النصر واستنشاق رياحه من قريب ـ: {وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَاناً وَتَسْلِيماً مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} .... [الأحزاب: 22 - 23]. وقسم النبي صلى الله عليه وسلم الذي مثل أقصى حالات الشموخ في زمن الانكسار والثقة بنصر الله والتفاؤل وأجمل معاني الأمل، إذ لما استعصت الصخرة على أصحابه استدعوه فكسرها على ثلاث ضربات، كل ضربة يخرج منها برقة ويبشر الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه بأنه مع الضربة الأولى فتح الله لي اليمن، والضربة الثانية فتح الله لي الشام والمغرب، والضربة الثالثة فتح الله لي المشرق .... [رواه ابن إسحاق في السيرة والنسائي]، والمنافقون والمرجفون يثبطون الهمم ويحبطون الآمال: " يعدنا كنوز كسرى وقيصر ولا يقدر أحدنا أن يذهب إلى الغائط ".(1/395)
5. ومات القائد والرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم وكانت المصيبة العظمى في تاريخ الأمة، وهام الصحابة على وجوههم، ولكن أبو بكر فهم الأمر فهما عميقا لذلك صار أكمل الأمة إيمانا:" من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌ لا يموت "، ما كان قوله هذا إلا لإيضاح أن هذا الإسلام ليس مرتبطا بأحد، وإلا لانتهى بموته صلى الله عليه وسلم، وإنما هو مرتبط بالله فقط، ورتل الآية التي أنزلها الله يوم أحد يوم أُعْلِنَ موتُهُ صلى الله عليه وسلم فاتنبه لذلك الصحابة فبين الله لهم أن محمدا بشرٌ يجري عليه شئون الكون مجريها، وأن الجهاد يكون لله والنصر بيد لله ليس بيد أحد من مخلوقاته: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} .... [آل عمران: 144].
6. وتكالب الأعداء مرة أخرى على هذه الأمة من خلال فئات ثلاث: الفئة الأولى: مانعو الزكاة وأصر أبو بكر على محاربتهم. والفئة الثانية: حروب الردة وحاربهم أبو بكر حتى قضى عليهم. والفئة الثالثة: الروم على حدود الدولة وأنفذ لهم أبو بكر جيش أسامة، وعندما دخل عليه الفاروق بأمر من أصحابه بأن يكف عن إرسال جيش أسامة لحاجة المدينة لمن يحميها قال رضي الله عنه قولته المشهورة:" والله لو أن الطير تخطفني، وأن السباع من حول المدينة، وأن الكلاب جَرَتْ بأرجل أمهات المؤمنين ما رددت جيشا وجّهه رسول الله ولا حللت لواءً عقده، والله لو لم يكن في القرى غيري لأنفذته، أو أطيعه حيا وأعصيه ميتًا؟! " لأنه كان واثقا في نصر الله لهذه الأمة مهما تكالب عليها أعداؤها ومهما رأى المثبطون أن الأمة ضعيفة عن مواجهة كل هذا الكم من الهجمات، لذلك مات رضي الله عنه بعدها بسنتين وجيوشه تغزو في اليرموك.
7. وفي بدايات القرن الرابع الهجري دخل القرموطي كما يروي لنا ابنُ كثير بيت الله الحرام يوم التروية، ووقف هو وجنوده في ساحته يفتكون بالحجيج وبكل من تعلق بأستار الكعبة، وما فتئ يقول: أنا اللهُ أنا الذي أحي أنا الذي أميت، أين الطير الأبابيل؟ أين الحجارة من سجيل؟ واقتلع ـ عليه من الله ما يستحق ـ الحجر الأسود وأخذه معه إلى خراسان، حتى عاد إلى مكانه بعد ثلاث وعشرين سنة. هل هزم الإسلام؟ هل وقف الطواف طيلة هذه المدة؟ لأن الإسلام ليس مرتبطا بمدينة ما وإنما هو مرتبط بالله لا غير.
8. وفي عام اثنين وتسعين وأربعمائة للهجرة دخل الصليبيون بيت المقدس، ويصور دخولهم وما فعلوه ابن كثير في كتابه البداية والنهاية: " استحوذ الفرنج لعنهم الله بيت المقدس شرفه الله وكانوا في نحو ألف ألف مقاتل ـ أي: مليون ـ فقتلوا في وسطه أزيد من سبعين ألف قتيل من المسلمين، وجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا. قال ابن الجوزي وأخذوا من حول الصخرة اثنين وأربعين قنديلا من فضة زنة كل واحد منها ثلاثة آلاف وستمائة درهم، وأخذوا تنورا من فضة زنته أربعون رطلا بالشامي، وثلاثة وعشرين قنديلا من ذهب، وذهب الناس على وجوههم هازعين من الشام إلى العراق مستغيثين على الفرنج إلى الخليفة(1/396)
والسلطان ... " ولكن لم ينجدهم أحد. وتصور كتب الغربيين الموقف من شدة سفك جنودهم لدماء المسلمين أن خيولهم غاصت في هذا الدماء. وصار المسجد الأقصى مشتى لخنازيرهم، وظل هكذا المسجد أسيرا لا تقام فيه الصلاة ولا يرفع فيه الآذان ثنتين وتسعين سنة ـ عمر اليهود في المسجد الأقصى واحد وستون سنة والصلاة تقام فيه والآذان يرفع فيه ـ حتى قيض الله لفتحه صلاح الدين الأيوبي رحمه الله. فتأمل كم جيلًا مر وعاش ومات ولم يرَ المسجد الأقصى حرا في أيدي المسلمين؛ لأنها أجيال لم تستحق النصر، ولكن جيل صلاح الدين جيل يستحق أن يتوج بطلا للملحمة الإسلامية لذلك فتح الله على يديه القدس، وسيقيض الله لهذه الأمة من هو مثل صلاح الدين لإعادة مجدها من جديد، ولكنكم قوم تستعجلون.
8 - وفي القرن السابع الهجري بدأ التتار التحرش بالدولة الإسلامية فسفك أعراض المؤمنات في بخارى وسمرقند وترمذ وغيرها من البلاد، بل كانت النساء يربطن من أثدائهن ويشددن منها، وقتل خلق كثير وغدر وفجر وبقر بطون الحوامل واستباحت بيضة الإسلام. ثم كانت الفجيعة الكبرى والحدث الضخم وهو دخوله بغداد، معتقدا ـ كما يعتقد أحفاده اليوم ـ أنه بالقضاء على بغداد دار الخلافة وقَتْلِ الخليفة يكون قد قضى على الإسلام. ولكن أريد أن أنقل لك بالنص تصوير ابن كثير لهذا الموقف:" وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنشاب من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه وكانت من جملة حظاياه وكانت مولدة تسمى عرفة جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك، وفزع فزعا شديدا " وقد أحصى ابن كثير عدد القتلى الذين قتلهم التتار في بغداد فقط من بين ثمانمائة ألف قتيل إلى ألف ألف قتيل إلى قول بعضهم أنهم ألفا ألف قتيل، حتى ذكر أن الناس في دمشق قد مرضوا بسبب تعفن الجثث في بغداد مما أفسد الهواء، بل كان الرجل " يستدعى به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه، فيذهب به إلى مقبرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويُؤسر من يختارون من بناته وجواريه ". وبل كان التتاري إذا مر على المسلم في بغداد ولم يكن حاملا سيفه يقول للمسلم انتظر هنا حتى آتي بسيفي وأقتلك فينتظره المسلم المغلوب على أمره.(1/397)
وقد أعمل السيف فيها أربعين يوما، وجرت أنهار بغداد مرة باللون الأسود لكثرة ما أغرق فيها من الكتب، ومرة باللون الأحمر لكثرة قتل المسلمين. يقول ابن كثير: " ولما انقضى أمد الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول ـ جمع تل ـ، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاءُ والوباءُ والفناءُ والطعنُ والطاعونُ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقني والمغاير كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضا، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباءُ الشديدُ فتفانوا ولحقوا بمن سبقهم من القتلى واجتمعوا في البلى تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى ". وانطلقوا بعد ذلك إلى الديار الشامية ـ كما يخطط أحفادهم اليوم الذين لم يقرؤوا تاريخنا ـ يأسرون ويقتلون ويفتكون بالمسلمين وأحرقوا أسوار قلعة دمشق ودكوها دكا، وساندوا النصارى على المسلمين في دمشق فظل النصارى يشربون الخمر في المساجد ويسكبونها على عتبات المساجد.
وبعد هذا الانهزام والانكسار الذي مرت به الأمة الإسلامية بعده بسنتين في عين جالوت ينتصر المسلمون عليهم بقيادة الملك المظفر قطز، ويهزمونهم شر هزيمة، بل بدأ التتاريون في الهروب من الديار الشامية " فتتبعهم المسلمون ـ كما يقول ابن كثير ـ: " من دمشق يقتلون ويأسرون وينهبون الأموال فيهم، ويستفكون الأسارى من أيديهم قهرا ولله الحمد والمنن على جبره الإسلام ومعاملته إياهم بلطفه الحسن. وجاءت بذلك البشارة السارة فجاوبتها البشائر من القلعة المنصورة وفرح المؤمنون يومئذ بنصر لله فرحا شديدا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدا، وكبت أعداء الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون، ونصر الله دينه ونبيه ولو كره الكافرون ".
9. وفي سنة ستة عشر وستمائة دخل الصليبيون دمياط وقتلوا أهلها وظلوا يفجرون بالنساء في المساجد ويفتضون العذارى، وأخذوا نسخة من القرآن وأرسلوها إلى الجزائر. وبعد سنتين استنجد الملك الكامل بأخيه الأشرف فنجد وحاصروا الصليبيين في دمياط حتى اضطروهم على الصلح وطردوا شر طردة وقتل منهم عشرة آلاف كافر بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
10 - وفي عام سبع وستين وتسعمائة وألف قام اليهود بضرب مصر وسوريا فدكوا الأراضي المصرية وضربوا المطارات المصرية، وحتى ضربوا الطائرات على الأرض قبل أن تقلع، وتاه الجنود في الصحراء وضلت أمة قيل أنها سترمي اليهود ومن ورائهم في البحر. وفي عام ثلاث وسبعين أي بعدها بست سنين ـ بما تبقى منها من إيمان ـ انتصر المسلمون وعبروا خط بارليف واستردت الأمة كرامتها لتعلم الدرس: {إِنْ تَنْصُروا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبْتَ أَقْدَامَكُمْ}.
11 - وعندما تدخل شارون المسجد الأقصى عام 2000 وظن أنه بهذا الصنيع يهزم المسلمين هزيمة روحية انطلقت انتفاضة لم تكن في حماس والفتح فقط، وإنما ـ بحسب تعبير بعض الجرائد الإسرائيلية ـ امتدت لتشمل عناصر لم تشملها من قبل.(1/398)
وفي الختام لن تنتصر هذه الأمة إلا عندما تؤتى صبر نوح على قومه فقد دعاهم عشرة قرون ولم ييأس ويستعجل النصر حتى أتاه بعد عشرة قرون ـ عمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم حتى الآن خمسة عشر قرنا ـ وظل يدعو بين قومه سرا وجهارا، يدعو بالصوت والقدوة حتى إذا استغشوا ثيابهم دعاهم بالإشارة ـ عليه السلام ـ ثم يؤمر ببناء السفينة فيسخر قومه منه فيسخر منهم، وفي نهاية هذه القصة قال تعالى لنبيه ـ صلى الله عليه وسلم ـ: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} .... [هود: 49]. وحاول أن تتأمل ختام هذه الملحمة.
وتؤتى يقين موسى بنصر ربها في أشد وأصعب الأوقات، فانظر إلى موقفه مع السحرة وقد جمعوا له سبعين ألف ساحر إذ قال لهم بعزة المؤمن الواثق بنصر الله:"فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُم مُّوسَى أَلْقُوا مَا أَنتُم مُّلْقُونَ" قمة الاستهزاء بمكرهم وألاعيبهم، حتى إذا ألقوا: " فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُم بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المُفْسِدِينَ " فكانت النتيجة:" وَيُحِقُّ اللَّهُ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ " .... [هود: 80 - 82]. ولما لحقه فرعون فصار فأحاطه من الخلف وأحاطه البحر من الأمام وظن قومه أنهم هالكون على يد فرعون لا محالة، كان موسى يردد:" قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ " فكانت النتيجة:" فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ العَظِيمِ " .... [الشعراء: 62 - 63].
وتؤتى ابتسامة محمد صلى الله عليه وسلم وشموخه وثقته بنصر ربه له وهو في الغار مع صاحبه وقريش كلها تطلبه حيا أو ميتا:" ما ظنك باثنين الله ثالثهما " .... [متفق عليه].
اعلم أخي الكريم أنه لن يهزم قوم نزل فيهم:" وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " .... [آل عمران: 139].
والحمد لله رب العالمين.(1/399)
هوس التفسير السياسي
بقلم: فهد العجلان
11محرم 1432هـ
تتملكني الدهشة والإعجاب كلما نظرت في بعض المواقف الصارمة لأئمة السلف من الأحكام الفقهية المتعلقة بالتعامل مع (السلطة السياسية).
ولو فتح الشخص صفحة ذلك التاريخ لانهالت على ناظريه عشرات القصص والأخبار في إنكار الدخول على السلاطين، أو تولي القضاء لهم، وإسقاط الرواية عمَّن وجدوه مترخصاً في ذلك، إلى مواقف أشد حسماً وصرامة كمثل ما روي أن (خلفاً البزار) رفض الرواية عن شيخه (الكسائي) بسبب أنه سمعه مرة يقول: سيدي الرشيد، فقال: (إن إنساناً مقدار الدنيا عنده أن يجعل من إجلالها هذا الإجلال لحري أن لا يؤخذ عنه شيء من العلم) (1).
وأتساءل مع القارئ الكريم: ما سبب هذه الصرامة المنهجية التي سلكها أولئك الأئمة؟
يحلو لكثير من الناس أن يبحث لها عن مبررات وأعذار؛ لأن ثَمَّ قناعة في التفكير الفقهي المعاصر بعدم رجحان مثل هذه
المواقف بناءً على قاعدة جلب المصالح ودفع المفاسد، وهي آراء قابلة في تفاصيلها للاجتهاد والأخذ والرد.
غير أن ما يدهش المتابع حقاً أن هذا الموقف في جملته قد كان صيانة ربانية وعناية إلهية لهذه الشريعة من حيث لا نشعر؛ لأن (التفسير السياسي) هو أعظم قوس جائرة سُدِّدت إلى جسد التراث الإسلامي؛ فكل الدراسات الفكرية المعاصرة التي أخذت تنبش في تاريخ الإسلام وتراثه كانت تعتمد بشكل رئيس على تأثير السياسة على النصوص الشرعية وطرائق الاستدلال والاجتهاد، وأن الأحكام والنصوص لم يكن مردُّها إلى التشريع والديانة بقدر ما هي متأثرة بواقعها الذي صاغته السياسة.
وحين يعرف المتابع حقيقة ما كان عليه العلماء في ذلك الزمن، وبُعدَهم عن السلطة، وتحاشيهم عنها، وتحفُّظهم من مجرد الدخول عليها أو تولي القضاء لديها، فإنه سيجد أن مثل هذا الاتهام ضرب من الهجاء والشتيمة لا أساس له من البحث العلمي.
يغطي التفسير السياسي مساحة واسعة في حركة خلايا العقل العَلماني المعاصر، ولو تعطل هذا التفسير لتوقفت حركة تلك القراءات عن البحث في تراث الفقهاء ونصوص السَّنة؛ فلا يقرأ الباحث منهم أي حكم أو ينظر في أي نص إلا ويفتش عن أثر السياسة في الموضوع، وبطريقة كسولة جداً لا تتعدى ربط أي نص شرعي بأقرب حدث سياسي، وتعليق أي حكم بأدنى سلطان
(فما من شيء في هذا التاريخ إلا وهو مبصوم بخاتم السياسة: الفكر، والفقه، والاجتماع، والاقتصاد، واللغة، والفن، والجغرافيا، والسيكولوجيا، بل النص الشرعي ذاته) (2).
فكلها مصبوغة بالسياسة، ولم يبقَ ما هو خارج عن تأثير السياسة إلا شيء واحد، وهو ما يكتبه مثل هذا المؤلف، والبحوث والأفكار التي يقررها فهي بلا شك بعيدة عن تأثير السياسة التي تبصم على كل شيء.
ومع أن التفسير السياسي هو أكبر الأدوات التفسيرية التي يعتمدها هؤلاء في قراءتهم للتراث، وهو أكثرها شيوعاً وحضوراً؛ إلا أنه في الوقت نفسه أضعف نقطة وأهش زاوية يعتمدون عليها؛ فنشر نماذج وأمثلة للتفسير السياسي على السطح كافٍ لكشف المستوى الموضوعي والعلمي لتلك الدراسات، وأن هذا التفسير يعبر عن حالة مَرَضيَّة أكثر من تعبيره عن روح علمية.
فأحدهم يقرر تأثير السياسة على الشافعي؛ لأنه:
(الفقيه الوحيد من فقهاء عصره الذي تعاون مع الأمويين مختاراً راضياً) (3).
ولشدة ضغط المرض السياسي خفي عليه معرفة مولد الشافعي الذي يعرفه الجميع وهو (سنة 150هـ)؛ أي: بعد زوال الدولة الأموية بثماني عشرة سنة.
_________
(1) انظر: الآداب الشرعية لابن مفلح: 2/ 133.
(2) السلطة في الإسلام، العقل الفقهي السلفي بين النص والتاريخ، لعبد الجواد ياسين، ص 168.
(3) الإمام الشافعي وتأسيس الأيديولوجية الوسطية، نصر حامد أبو زيد، ص 16.(1/400)
وباحث آخر يفسر الظاهرية التي كان عليها (ابن حزم) بأنها موقف سياسي اتخذه ابن حزم لأجل أن الدولة الأموية بالأندلس تحتاج لمشروع يناهض المشروع الثقافي لخصميها (العباسي) و (العبيدي) فجاءت بابن حزم:
(لينطق باسمها ويحمل مشروعها الثقافي) (1).
وقد أعماه التفسير السياسي عن إدراك الحقيقة التاريخية الواضحة من أن الدولة الأموية بالأندلس قامت سنة (138 هـ)؛ أي: قبل مولد ابن حزم بما يقارب قرنين ونصف من الزمان؛ إذ ولد سنة (384 هـ)، وسقطت الدولة سنة (422 هـ) وابن حزم ما يزال في عز شبابه (ت 456هـ).
ومؤلِّف ثالث يتهم كعب الأحبار بأنه يروي الأخبار تملُّقاً لعبد الملك بن مروان (2) مع أن كعباً قد توفي عام 34 هـ قبل أن يتولى عبد الملك الخلافة بما يزيد عن ثلاثين سنة، وهي فضيحة يستحي منها أي باحث لم يبتلى بمرض التفسير السياسي.
وقد كنا نحسب مصطلح (إجماع أهل المدينة) عند المالكية دليلاً وأصلاً شرعياً، لكننا لم ننتبه لكونه سلاحاً سياسيّاً وعصياناً للسلطة كما تفطَّن أحدهم حين قال: (فلو أراد إمام دار الهجرة التقرب إلى السلطة السياسية لوجد الطريق إلى ذلك سهلاً، بإسقاط هذا الأصل الذي انفرد به دون غيره، والذي يكفي لندرك بعده أن نرى فيه محاولة لإضفاء الشرعية على إجماع أولئك الذين قاوموا طويلاً سلطتي دمشق وبغداد) (3).
وخذ من الأمثلة والقراءات العقلانية التي تحكم على الحديث إذا ورد في فضل أحدٍ بأنه من وضع أنصاره، وإذا ورد في ذم أحد بأنه من وضع أعدائه، وأي نص له علاقة بالواقع فهو من صياغة الواقع له.
ومع ذلك، فالهوس بالتفسير السياسي لم يكن من إبداعهم وابتكارهم، بل نقلته تلك الدراسات المعاصرة من المدرسة الاستشراقية التي غرستها في أدمغة تلاميذها المقلدة فما عادوا يبصرون جيداً من دونها، وقد أحسن العلاَّمة (المعلمي) وصف بعض أسباب الخلل لديهم من أنهم:
(إ نما يعرفون الدواعي إلى الكذب ولا يعرفون معظم الموانع منها) (4)؛
فهؤلاء الناس يعرفون الدواعي لتأثير السياسة من جهة قوة السلطان ورغبة الناس في التملق إليهم لكنهم لا يعرفون الموانع التي تحول دون تأثير السياسة كمثل ما عليه العلماء من الديانة والعدالة، ونفرتهم من الكذب، وما جرى من صيانة للعلم بالرواية والتدوين والجرح والتعديل مما يجعل تأثير السياسة فيها مستحيلاً.
فحقيقة الأمر أن كثيراً من القوم إنما يعبرون عما يجدونه في نفوسهم، فإذا شاهدوا تأثير السياسة على تغيير قناعاتهم ومذاهبهم ظنوا أن غيرهم لن يكون أحسن حالاً منهم، مع كثافة جهلٍ تحول دون فهمهم لحال التراث والشريعة التي يريدون تقديم تفسير لها، للحد الذي يقرر فيه أحدهم:
(لقد كان القائمون بجمع الروايات (النصوص) من المحدثين هم أنفسهم الفقهاء الذين يمارسون اللحظة ذاتها، عملية التدوين النصي وعملية التنظير الفقهي وفي ظل هذا الوضع لا يؤمَن من التداخل والقلب بين التشريع والتفسير) (5)،
فهو يتصور أن الفقهاء لم يكونوا يفرقون بين أقوالهم وبين أقوال النبي صلى الله عليه وسلم؛ فيمكن للفقيه أن تختلط عليه فيجعل قوله هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث لا يشعر، فهذا التصور الظريف في فهم تاريخ المسلمين يفسر لك سر تضخم هذا الوهم في رؤوسهم.
_________
(1) تكوين العقل العربي، لمحمد عابد الجابري، ص 309.
(2) السلطة في الإسلام، لعبد الجواد ياسين، ص 274.
(3) الفكر الأصولي وإشكالية السلطة العلمية في الإسلام، لعبد المجيد الصغير، ص 235.
(4) التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل، لعبد الرحمن المعلمي: 1/ 27.
(5) السلطة في الإسلام، لعبد الجواد ياسين، ص 321.(1/401)
هذا (التفسير السياسي) لا يقوم على أي إثبات أو برهنة علمية، فطريقتهم تقوم على ربط أي حكم أو نص شرعي بالسياسة من دون أي دلائل قاطعة، وإنما لأنه يشك - أو يريد أن يشك بالأصح - يبدأ في البحث عن أي مؤثر سياسي من دون أي يقدم على ذلك أي برهنة، وهذه الطريقة في إنكار الحقائق والطعن في الشرائع بمحض الأوهام ليست مبتكرة لهم فهي طريقة قديمة في التعامل مع محكمات الشريعة،
فهذا أحد المبتدعة القدامى يدعي أن الزنادقة قد دسوا على أهل الحديث اثنا عشر ألف حديث من حيث لا يشعرون (لاحظ ضخامة العدد)، وهو ما دفع الإمام الدارمي إلى الجواب عنه متهكماً:
(دونك أيها المعارض فأوجدنا عشرة أحاديث دلسوها على أهل العلم ... أو جرب أنت فدلس عليهم عشرة حتى تراهم كيف يردونها في نحرك) (1).
هل معنى هذا أن السياسة لا تؤثر ولا تستغل الأحكام الشرعية؟
أبداً، بل لها تأثير ولا شك في ذلك، لكن تأثيرهم لم يمسَّ أصل الشريعة ولا نصوصها ولا مذاهب الفقهاء وأصولهم؛ فالتأثير يكمن في استغلال بعض النصوص والمواقف، وربما في تقديم بعض الفقهاء لأهوائهم وشهواتهم إرضاءً للسياسة لكن ذلك لا يضر إلا من فعل، أما نصوص الشريعة وأصول الاستدلال وقواعد الفقه فقد كانت في منعة أي منعة، عن التأثر بذلك، وكل محاولة تُثبِت خلاف ذلك فإنها ما زالت عاجزة عن إقامة أي إثبات علمي سوى الاعتماد على الشك والخرص على طريقة أحدهم حين يحلل أحداث التاريخ منطلقاً من (يبدو) و (أظن) و (لا يُسْتبعَد)، ثم بعد ذلك (فتحصل يقيناً) (2).
_________
(1) نقض عثمان بن سعيد، ص 401.
(2) أشير هنا وأشيد برسالة لطيفة بعنوان (التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر) للأستاذ الباحث: سلطان العميري، وهي من إصدارات مركز التأصيل للدراسات والبحوث، فهي جديرة بالقراءة والاطلاع.(1/402)
مقاصد المحتسبين
فهد العجلان
6 محرم 1432هـ
بين يديّ عشرات الإيرادات والشبهات التي توضع باستمرار أمام ناظري المحتسبين (الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر)، تأتي بمقصّها على شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فتأخذ من أطرافها وجوانبها وأعاليها حتى تنزل بها إلى الموضع المناسب الذي لا ينالها فيه تهكّمات وتذمّرات المنحرفين والعلمانيين، كما تقوم هذه الإيرادات بدور قاتم السلبية في الضغط على صدور المحتسبين ليصبحوا أقل غيرة وأخفّ حماسة وأضعف يقيناً.
سأستعرض هذه الإيرادات سريعاً، وسأنثرها جميعاً على الطاولة، وسأحاكّمها إلى المقاصد التي أرادتها الشريعة من شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلنتدبّر نصوص القرآن والسنة لنعرف مراد الله ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم ثمّ نسلّط هذه الإضاءة على تلك الإيرادات لنكشف عوارها وخللها:
أول سؤال هنا: في كيفية معرفة مقاصد الشريعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو في أي باب آخر؟
قد ذكر المختصون عدداً من الوسائل والطرق الكاشفة عن مقاصد التشريع، أهمها وأوضحها هي ذات الأوامر والنواهي الصريحة في النصوص الشرعية، فكلّ نصّ شرعي جاء بأمر أو نهي فهو مما يريده الله ويقصده.
إذاً؛ فالمقصد الأول للاحتساب هو الامتثال لمراد الشريعة في وجود الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والانتهاء عن نهيها في ترك هذه الشعيرة.
نقرأ في كتاب الله: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} *آل عمران: 104*
وهو من صفات النبي صلى الله عليه وسلم التي ذكرها القرآن: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ} *الأعراف:157*
ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من رأى منكم منكراً فليغيّره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه)).
فالمسلم حين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر قد حقق المقصد والغاية والمعنى الذي يريده الله منه ويريده منه النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا قمت بأداء الصلاة الفريضة جماعة، أو أدّيت فريضة الحجّ، أو صمت مع المسلمين شهر رمضان، فإنّك تقوم بذلك امتثالاً وطاعة وعبودية لله، ولا تطلب من وراء ذلك مصلحة ولا سمعة ولا غاية دنيوية، ولو اعترض عليك أحد: (بأنّ هذه العبادات لا تقدّم لك شيئاً مادياً ملموساً) لرفعت يدك حمداً لله أن لم يحرمك الهداية كما حرم هذا المسكين.
كما أنّ من يقوم بهذه العبادات لن يلتفت إلى ضاحك أو عابث أو مثبّط أو حتّى مؤذٍ ومعتدٍ لأنّه يرى أنّ طاعة الله لا تقبل المفاضلة مع حظوظ النفس وأهوائها.
كذلك المحتسب، فهو حين ينصح ويذكّر بالله يقوم بعبادةٍ كالصلاة والزكاة، لا يبحث من ورائها عن غاية دنيوية ولا مصلحة عاجلة، ولا يفتّ في عضده ساخر أو عابث أو مثبّط لأن شأن العبادات ومرضاة الله أعظم.
حين يتجلّى هذا المعنى العظيم في قلب المسلم، فيرى أن (الأمر بالمعروف) و (النهي عن المنكر) عبادة يحبّها الله ويقصدها ويريد من عباده القيام بها، حين يتصلب هذا الأصل تتفتّت معه أشكال الاعتراضات والإيرادات:
فحين يعترض معترض بأن (كلّ شخص مسؤول عن نفسه ولن يضرّ إلا نفسه) أو يطلب (بأن لا تتدخّل في خصوصيات الآخرين) أو إذا حسن حاله قال (أصلح حالك ولا عليك منهم).
فهو إنسان قد غاب عنه مقصد الشريعة تماماً، لأن من أمرني بالصلاة هو من أمرني بهذه الشعيرة.
وإذا قال قائل: (لا فائدة من هذا الإنكار؛ فسواء نصحت أم لم تنصح فالمنكر لم ولن يتغيّر!)(1/403)
فهو إنسان لم يستوعب بعد أن المسلم لن يبحث عن فائدة أعظم من امتثال أمر الله، والقيام بما يريد الله.
ولو قال قائل: (هم يعرفون أنه حرام وربّما يكونوا أعلم منك به فلا معنى لإنكاره) فقد غاب عنه أن هذه الشعيرة ليست موجهة إلى تعليم الناس ما جهلوه فقط، بل التعليم جزء من هذه الشعيرة وليس هو كلّ الشعيرة.
وسنجد في القرآن من مقاصد هذه الشعيرة: تحصيل المعاني الشريفة التي ألبسها الله للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكرين.
فقد وصف الله هذه الأمة بالخيرية لقيامها بهذه الشعيرة: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ} *آل عمران:110*
ووصفها بالفلاح بسبب ذلك: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} *آل عمران: 104*.
وجعله من صفات المؤمنين، ورتّب لهم الرحمة بسببه: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} *التوبة:71*
كما ذمّ الله التاركين لهذه الشعيرة المفرّطين فيها فقال سبحانه: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} *المائدة:63*، وعابهم فقال تعالى: {كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} *المائدة:79*
فالفلاح والخيرية والرحمة وغيرها من المعاني العظيمة هي ثمرة من ثمار القيام بهذه الشعيرة، وإهمالها سبب للعيب والذم والهلاك.
إذن؛ فمن غير المتوقّع ممن فهم هذه المقاصد وكان مستحضراً لها أن يكون اعتراض بعضهم (بأنّ طبيعة الاحتساب تجعلك إنساناً غير مقبول لدى قطاع كبير من الناس، وربّما ينفرون منك ويستثقلون مجالسك، فالسكوت والمداراة والدخول في الموضوعات المشتركة يجعلك أكثر جاذبية وأقدر على التواصل والتعايش) لن تكون هذه إلا ممازحة ثقيلة الاعتبار لأنّ مقامه عند الله لا يدانيه شيء، وهو يستحضر أن استجلاب رضا الناس هبة ربانية لطالما حُرم منها من داهنهم، ووهبها الله لمن كان صادقاً معهم ولو خالفوه (من التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس).
لا يشكّ أحد أن المحتسب يضحّي بقدر واضح من سمعته ومكانته وتقدير الناس له من جرّاء هذا الأمر، فمن يدخل في مكان تصدع فيه أصوات الموسيقى فيقوم ناصحاً لهم أو من يحضر في مجالس تلاك فيها أعراض الناس فينصحهم وينكر حديثهم ... فربما يكون في محلّ امتعاضهم وتذمّرهم من وجوده لكنّ هذا ثمن لا بدّ أن يقدّم لتحصيل المقامات العالية.
وأما حين يكون المحتسب لديه سلطة تجعله حائلاً بين بعض الناس وشهواتهم - كالقائمين على جهاز الحسبة - أو حين يلتهب غيرة على انتهاكات من لديهم سطوة الإعلام فإنه سيناله من التشويه والإسقاط والتبشيع ما لا يقدره له إلا الله.
ومن مقاصد الاحتساب في الشريعة: تغيير المنكر وإزالته وتطهير المجتمعات المسلمة منه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)
فالأمر بالمعروف في مقصود الشريعة يراد به (الدعوة إليه وتثبيته والإلزام به)، والنهي عن المنكر في مقصود الشريعة يراد به (إنكاره ومنعه وإزالته).(1/404)
فحين يحاول بعضهم تقديم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع (سحب وصف الإلزام والمنع) فيكون من باب النصيحة والتعبير عن الرأي من دون أي فرض أو إلزام فيقول: (ينصح الإنسان ويبين له المنكر لكن من دون فرض وصاية عليه) فهو رأي بعيد عن المعنى الشرعي لهذه الشريعة.
هي محاولة تلفيقية لتقريب مفهوم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) من المفهوم العلماني، لأنّ العلمانية لا تعارض من تعبير الإنسان عن رأيه فيُظهر ما يراه معروفاً وُينكر ما يراه منكراً، لكن من المرفوض والمستهجن تماماً أن يكون ثمّ فرض أو إكراه لأحد على أن يفعل أمراً أو يترك شيئاً بناءً على أن ذلك حكم الشريعة، لأن ذلك من قبيل انتهاك الحريات وفرض الوصاية على الآخرين.
ليس هذا التلفيق جديداً، فقد اعتادت ذاكرتنا الفكرية المعاصرة أن كلّ حكم شرعي يواجه بمعارضة ورفض علمانية لا بدّ أن يقوم من الإسلاميين من يتطوّع لمحاولة تقديمها بصورة تكون مقبولة لديهم، من خلال التقليم والتقزيم للمفهوم الشرعي حتى يبدو مقبولاً.
إذن؛ فحين تنهى الشريعة عن أمر، فلا يكفي أن يكون التعامل معه فقط بالنصيحة وإبداء الرأي من دون أن يكون ثمّ تدخل قانوني ونظامي من الدولة للإلزام به، فكلّ المحرمات في الشريعة تدخل في ضمن نطاق الممنوع نظاماً، لا يجوز انتهاكه ومن فعل فهو معرّض للعقاب.
يعترض البعض على هذا الكلام (أن كثيراً من المحرمات في الشريعة لم تحدد الشريعة لها عقاباً معيناً مما يعني أنّه لا يلزم معاقبته ولا منعه).
وهنا خطأ فاحش، فعدم وجود عقاب محدد لا يعني أن الفعل يكون مشتهراً لا يمنع منه الإنسان، فيكفي أن الشريعة حرّمته حتى يكون ممنوعاً نظاماً، وحين يكون ممنوعاً نظاماً فلا بدّ من عقاب لمن ينتهك النظام والقانون.
هذه مقدمات بدهية، [فالمحرم لا بدّ أن يكون ممنوعاً] و [الممنوع لا بدّ أن يجازى من ينتهكه] وقد يسقط عنه العقاب، لكن لا يمكن إسقاط العقوبة مطلقاً عنه، لأنّ إسقاطها مطلقاً يعني أنّك تمنع الناس من شيء وتبيح لهم في نفس الوقت أن يفعلوه مراراً وتكراراً من دون أن تفعل شيئاً، وهذا يؤدّي تلقائياً إلى أن لا يكون ممنوعاً، وحينها يكون مثل المباح مثلاً بمثل، وهذا منافٍ تماماً ومناقض لمقصود الشريعة من جعله منكراً.
مثال يوضّح المقصود: فحين تحرّم الدولة نظاماً أن يقطع الإشارة وهي حمراء، فلا بدّ أن يكون ثمّ نظام وقانون يمنع مثل هذا الأمر، وحين يقع الشخص في المخالفة فلا بدّ من مجازاته، وقد تسقط عنه العقوبة لأي سبب كان لكن لا يمكن أن تمنع الدولة شيئاً من دون أي جزاء، لأن معنى هذا أن يقطع الإنسان الإشارة مرة وعشرين وألف من دون أي جزاء، وهذا يجعل قطع الإشارة كمثل أي شيء غير ممنوع فلا قيمة لكونه ممنوعاً، وحين لا يكون ممنوعاً فيكون إذن من قبيل المباحات تماماً.
كذلك الأمر في بقية الأحكام الشرعية (فالخمر حرام، والربا حرام، والطعن في الشريعة حرام، ونشر البدع حرام ... ) فلا بدّ أن تكون ممنوعة نظاماً، وأن يكون ثمّ جزاء لمن يخالف، وحين يشرحها الإنسان على أنّها محرمات فقط في الشريعة لكنها في الواقع والنظام ليست محرّمة فهو تصوّر علماني للشريعة الإسلامية، يتصوّر أن في الإمكان أن يكون (ثمّ محرّم في الشريعة) وليس هو (محرّم في النظام والقانون) وهذه هي فلسفة العلمانية في عزل الدين عن الدولة.
وإذا عرف هذا الأصل زالت كافّة الإشكاليات التي تثار على طبيعة عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأنه يقوم ببعض الواجب في منع المنكر وإقامة المعروف.(1/405)
فقائل: (أن الأمر والنهي في الشريعة لا يحتاج لسلطة وإنما هو واجب اجتماعي يقوم به الناس) فهو بهذا يسقط صفة القوّة والإلزام التي تتّصف بها هذه الشعيرة لتكون قريبة من المفهوم العلماني.
وينفي آخر (صلاحية الدولة للتدخّل في مثل هذه القضايا لأنّ هذا ليس من اختصاصها) وهذا مبني على اعتقاد أن الدولة تكون محايدة في قضايا الدين كما هي الرؤية العلمانية.
والمقصد الرابع لهذه الشعيرة: الإعذار إلى الله، كما ذكر الله ذلك في المناظرة التي جرت بين الفئة التي سكتت عن جريمة أصحاب السبت مع الفئة التي أمرت ونهت {وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} *الأعراف:164*.
فمن مقاصد هذه الشعيرة ومعانيها أن يقوم المسلم بالواجب حتى يبرأ ويعذر أمام الله.
ليس المطلوب أن يتغيّر المنكر ويزول، أبداً ليس هذا هو المقصود الوحيد، إن حصل فبها ونعمت وإلا فقد حصل الإعذار، فحين يعترض شخص متندراً (بأنّ هذا المنكر لن يزول وأن خلفه مؤسسات ونظم وقوى ... ) فهو لا يدري ما مقصود الشريعة من هذا الاحتساب؟
فالحديث المتكرر من بعض الناس من أنّ (هذا المنكر منتشر وظاهر وكلّ الناس تفعله فلا حاجة لإنكاره) كلام من لا يعي ماذا يريد المحتسب من هذه الشعيرة.
نعم، لو كان المحتسب يعلم يقيناً أو غلب على ظنّه أن الشخص الذي وقع في الخطأ لن يقلع أبداً عن فعله ولن يستفيد بتاتاً من نصيحته فقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ هذا يكون سبباً لسقوط وجوب الأمر والنهي خلافاً للرأي الآخر - وقد حكاه بعضهم قولاً للعلماء - ممن يرون أن الوجوب لا يسقط بسبب هذا. [انظر الآداب الشرعية: 1/ 155]
لكن لاحظ أن الخلاف هنا في سقوط (الوجوب) وليس في سقوط (الأمر والنهي) فهو مشروع على كلّ حال وربّما يقول بعضهم هو جائز، لكنهم في النهاية لا يمكن أن يكون حالهم حال من يتعامل مع المحتسب في هذه القضايا على أنه (قليل بصر وضعيف فقه وغير مدرك للمقاصد الشرعية) بل وربّما تحمّس قليلاً فقال (هم سبب زيادة المنكرات)!
على أنّ الحديث عن عدم تأثير الأمر والنهي حديث تثبيطي بعيد عن الواقع، فللقيام بهذه الشعيرة دور عظيم التأثير في إصلاح الأوضاع وتعديل السلوك وتقويم الانحرافات بما لا يخفى، لكن هذه الروح الكسولة تبثّ فيروساً قاتلاً لإحساس أي شخص يريد أن يقوم بأداء هذا الواجب، بحيث أنه سيتقاعس حتى عن المنكرات التي يجزم هو بإمكانية تغييرها أو يغلب على ظنه، ومع ذلك فلن يفعل شيئاً، لأن الضعف قد سرى في روحه وسكن قلبه فما عاد يفكّر في أي إصلاح، بخلاف أصحاب العزائم والهمم فإنهم كثيراً ما يصلح الله على أيديهم من الأمور المستعصية ما لم يكونوا يحتسبون، ولو التفتوا لهذه الدعوات لما قام آمر ولا ناهٍ.
على أنّ الإصلاح ليس بالضرورة أن يكون لجميع الناس ولكافة المجتمع، يكفي أن يتحقق الإصلاح ولو على بعض الأفراد، فإصلاح بعض الناس أو بعض السلوك هو مقصد ومطلب شرعي.
يا أخي: افترض عدم وجود أي إصلاح ولا تأثير، يكفي أن تبقى المفاهيم والمعاني الشرعية ثابتة في النفوس، يكفي أن يعرفوا أن الخمر حرام والربا حرام والموسيقى حرام والتبرج حرام ولو كانت هذه المحرمات ضاربة بأطنابها في المجتمع، يكفي أن تكون الأحكام ثابتة لم تنسى ولم تمت، وبقاء الأحكام كفيل بإصلاح الأمور ولو بعد حين.(1/406)
فالكلمات التي تملأ فضاء الناس من قبيل (الحملة ضدّ هذا المشروع فاشلة) و (إنكار هذا المنكر خاسر) و (ستخسرون) و (ستفشلون) .. كلام من لا يعرف ما هو الفشل والنجاح في معادلة هذه الشعيرة، الفشل والخسارة في عدم تحقيق مقصد الشريعة، القيام بها نجاح بحدّ ذاته يكفي في نجاحه أن تبقى المفاهيم صحيحة، فلو أن شخصاً صلى في مسجدٍ ما عشر سنوات، وقام فيه الليالي الطويلة، ثم هدم هذا المسجد وسوّي بالأرض هل يكون هذا الرجل فاشلاً خاسراً؟ أبداً، ولا من قام ونصح وبيّن ثمّ ثبت المنكر واستقرّ لا يكون فاشلاً ولا خاسراً.
هذا الربا منتشر في كل المجتمعات الإسلامية لكن الجميع يقول هو حرام، وقل مثلها في الخمور والتبرج وغيرها.
وهل وقف هذا التثبيط عند هذا الحدّ؟
لا، فالضعف عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مرض يصيب النفوس فتظهر كثير من الأعراض على فكره وسلوكه من حيث لا يشعر، وتتشكّل في صور عديدة ليست إلا عرض لهذا المرض،
فمرّة يقول: (هذا المنكر قادم قادم) ويتحدّث بلغة الفاهم العارف بالمحيط السياسي والمتغيرات الدولية، وما أدري ما قيمة كونه قادم أو غير قادم في الأمر والنهي، يا أخي لو كان قائماً بجذوره لوجب إنكاره ولما ساغ السكوت عنه، فكيف تزول هذه الشعيرة مع شيء لمجرّد أنه سيقدم؟
والمشكلة الأكبر: أنّ هذه المنكرات القادمة كثيرة جداً، وإذا أبيد الحسّ الشعبي الرافض والممانع لأي سلوك أو فكر يخالف أصوله وقيمه فمعناه أننا سنكون مستعدين نفسياً للقبول بكافة المنكرات والانحرافات التي يخطّط لها، ليس فقط مجرد تخطيط، بل الأمر وصل إلى حدّ التنفيذ ومتابعة الدول ومعاقبة المتخلّف كما هي قرارات الهيئات والمؤتمرات الدولية التي تريد فرض أجندتها الفكرية في إشاعة الفاحشة وتطبيع العلاقات المحرّمة على كافة الدول، فمع هذه النفسية الهزيلة لا يمكن للمجتمعات المسلمة أن ترفض أي شيء من هذه المؤتمرات والقرارات، وما عليهم سوى أن يقرروا حتى تكون قراراتهم موضع التنفيذ لدينا لأننا أصحاب حكمة ونظر في عواقب الأمور!
ومرّة يقول (الناس لديهم تحديات كبيرة تمسّ هوية المسلم وتعرّض أصوله للذوبان ... ) ويواصل في الحديث حتى يهوّن من أي منكر غيره، وكأن وجود منكر كبير يكون سبباًَ لترك ما دونه من المنكرات؟
وآخر يستغرب: (لا يصحّ المطالبة بجميع الأحكام الشرعية وإنما تكون المطالبة بالحدّ الذي يمكن أن يكون مقبولاً وممكن التحقيق) ولا مشكلة أن يكون هذا جزء من التنوع في الإنكار، فينكر بعضنا المنكر بكلّيته، ويطالب بعضنا بالتخفيف منه، لكن الإشكالية الحقيقية أن تكون هذه المطالبة الجزئية هي الأصل والحكم الشرعي وما عداه فهو غير واعٍ ومحطّ استخفاف وعيب؟
إلى غير ذلك من التبريرات التي ليته جعلها خطاً له ومنهجاً خاصاً به، لكنّه يريد فرضها على بقية الإخوان المحتسبين الغيورين الذين فيهم عزيمة وقوّة واستعداد للتضحية والبذل فيفتّ في عضدهم بمثل هذه الأشكال التبريرية التي ليست إلا أعراض للضعف الذي يصيب الإنسان.
إن مفهوم (الإعذار) يعني أن الله تعالى يريد من عباده أن يشيعوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أن يكون ظاهراً بينهم حتى ولو لم يكن ثمّ نتيجة أو ثمرة لذلك، فالمقصود أن تعذر وتبرئ ذمتك وتظهر براءتك وإنكارك، حينها فأي دعوى أو قول ينافي هذا الأصل فهو معارض لمقصد الشريعة.(1/407)
فمن يكرر القول دائماً وأبداً بأنه (لا يجوز أن يترتب على المنكر منكر أعظم منه) كلام صحيح لكن تكراره وإعادته بمناسبة وغير مناسبة لا يعدو أن يكون تثبيطاً وتخذيلاً، فهذا شرط استثنائي لا يصحّ أن يكون هو الأصل في تقرير هذه الشعيرة، فالأصل أن تأمر وتنهي وتنصح وتذكّر وفي حالة وجود مثل هذا الأمر يتوقّف الإنسان، لا أن يكون هذا هو الأصل والقاعدة المستمرة.
على أنّ هذا الأصل يجب أن يبقى استثنائياً ويجب أن يكون صادقاً ودقيقاً فلا بدّ أن يكون ثم منكر فعلا يترتب على هذا الإنكار وقد تأكّد الإنسان من وجوده، ولا يصح أن يكون مثل هذا الكلام إيراداً ثابتاً يتحرّك في كلّ قضية.
والمؤلم حقاً أن هذا الكلام يشاع في وقت ضعف القيام بهذه الشعيرة، وانتشار التفريط الكبير فيها بين أوساط الناس، فبدلاً من أن يشدّ عزم الناس للقيام بها وإحياء معالمها، يزيد المشكلة ويعمّق الخطأ بمثل هذه التبريرات الباهتة.
قولوا لي بربّكم: لو جاء شخص فتحدّث عن الصدقة بهذه الطريقة:
(الشخص قبل أن يتصدّق عليه أن يتأكد أن يضع صدقته، فقد يترتب على صدقتك منكرات مفاسد وجرائم، فحرام عليك أن تتصدّق في هذه الحالة وأنت آثم ومفرّط حينها) وإذا سمع أحداً يتحدث عن الصدقة جاءه تحفّظ على دعوته للصدقة بأنّ الصدقة ليست مقبولة دوماً، بل قد تكون وبالاً على صاحبها، ولا يكفي أن يتصدّق الإنسان حتى ينال رضا الله والجزاء الحسن .. إلخ.
لا شكّ أنّ تصرّف مقيت ومستهجن، لكنه هو ذات الأسلوب الذي يمارس مع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويطالب بعضهم فيقول: (الحكمة والعقل أن نقبل ببعض المخالفات الشرعيّة لأنّ مجيئها حتمي الوجود، فلنقبل بها أول الأمر مع وضع الضوابط خير من رفضها مطلقاً فتأتيك بصورة أعظم من دون ضوابط).
يبدو شكلها جميلاً حقاً، أن تأتي بالمنكر بنسبة 40% مثلاً هذا اليوم، خير من أن يأتيك بعد أسبوع أو شهر أو سنة بنسبة 90%، فهذه الحسبة الرياضية رائعة جداً، لكن هذا التفكير الرياضي غير قادر على إيجاد مثال واحد فقط على هذه النظرية، سيتحدث طويلاً لكنه لن يتمكن من أن يذكر واقعة ارتكب فيها المنكر استعجالاً فحفظ بسبب ذلك من قدوم المنكر الأشنع ببركة الاستعجال في تقديمه، فالذي يحصل أن مثل هذا التفكير يضعف جانب مواجهة المنكر ونصح أصحابه ويخفف من حرارة المجتمع من وجوده حتى يمرّ مرور الكرام، وأما نسبة التخفيف فهي خيالية تجريدية تعيش في ذهن صاحبه ولا قيمة لها في الواقع، بل الواقع يقول إن المعارضة والممانعة والرفض هو الذي يخفف المنكر القادم، وهو الذي يجعل ثم ضوابط واحتياطات له، لأنّ أكبر عامل يحسب أمره هو عامل الرفض الشعبي وموقف الناس ونفرتهم، فحين لا يكون ثم أي رفض فلا معنى لأن يخفّ حضور هذا المنكر.
البنوك الإسلامية لم تنشأ إلا من جراء الرفض العلمي الكبير للبنوك الربوية، فعاشت البنوك الربوية فترة ثم نهضت البنوك الإسلامية، ولو أن المشايخ في ذلك الوقت قالوا: (نأخذ بجواز الربا ونبحث عن تأويل أو قول مرجوح هنا أو هناك ونضع بعض القيود خير من ارتكاب الناس للحرام) لما قامت البنوك الإسلامية أبداً، وقل مثل هذا في الإعلام الإسلامي وغيره.
ويبالغ بعضهم فيضع الشروط والقيود التي يجب أن يلتزم بها المسلم قبل أن يأمر أو ينهي أو ينصح فيضعون من الشرائط ما تؤدّي إلى (إجهاض) هذه الشعيرة وإماتتها في النفوس.(1/408)
فيشترط بعضهم أن (لا تكون المسألة خلافية) لأنّه لا (إنكار في مسائل الخلاف) مع أنّ مسائل الخلاف إن كان ثمّ نصّ شرعي فيها فإنها تعامل كغيرها من المسائل، وقد اتفق الفقهاء على أنّ القاضي إذا حكم بحكم فخالف الكتاب أو السنة أو الإجماع أنه يجب نقض قوله إجماعاً كما حكاه جمع من العلماء، فإذا كان في حكم القاضي فكيف بغيره؟
وهذا القول يؤدّي في نهايته إلى تصفية هذه الشعيرة من الوجود، لأن معنى هذا الكلام أن لا ينصح ولا ينهى إلا من كان عالماً بجميع مذاهب الفقهاء وأقوالهم حتى لا ينهي عن شيء فيه خلاف، وكم عدد هؤلاء الناس في المجتمع؟
ثمّ معنى هذا أن الإنسان لا يراعي وجود آية في كتاب الله أو حديث في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما يراعي وجود خلاف أو عدم خلاف، فالمتبع حينها لكلام العلماء لا لنصوص الشريعة.
ومعنى هذا أيضاً أن (المنكر) ليس هو ما أنكرته الشريعة و (المعروف) ليس هو ما أمرت به الشريعة، بل المنكر هو ما أجمع العلماء على إنكاره، والمعروف هو ما أجمع العلماء على اعتباره، فأصبح وصف الشريعة غير حاسم في الموضوع.
ولشناعة هذا اللازم قال الفقيه الظاهري ابن حزم: (ولو أن امرأً لا يأخذ إلا بما أجمعت عليه الأمة فقط، ويترك كلَّ ما اختلفوا فيه مما قد جاءت فيه النصوص، لكان فاسقاً بإجماع الأمة) [الإحكام في أصول الأحكام:1/ 291]
وإذا علمنا إضافة إلى ذلك: أن المسائل الخلافية واسعة جداً، خاصة إذا أدخلنا فيها خلافات المعاصرين فلا يوجد إذن ما يجوز إنكاره إلا المحرمات الضرورية التي من أنكرها فقد كفر، كالزنا والخمر ونحوها، وأما عامّة نصوص السنة فلا اعتبار لها ولا قيمة؟
لأجل ذلك كان الاحتجاج بالخلاف شبهة ميتة وقول ساقط كما قال ابن عبد البرّ: (الاختلاف ليس بحجَّة عند أحد عَلِمْتُه من فقهاء الأمة؛ إلا من لا بصر له ولا معرفة عنده ولا حجَّة في قوله) [جامع بيان العلم وفضله:1/ 115]
فالصحيح أنّ هذه القاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف) بعيدة جداً عن هذا التداول لها في الساحة الفكريّة، فهي قاعدة في القضايا التي لا نصوص فيها، ومن جهة أخرى إنما تكون مع الشخص الذي يتبع قولاً فقهياً باجتهاد منه أو باتباع لعالم يراه، وليس المقصود أنّ هذه المسائل لا ينكر فيها مطلقاً، وإنما إذا كان شخص ما قد اتبع عالماً واستفتاه فلا ينكر عليه لأنّه معذور.
فتطبيق هذه المسألة بهذه الطريقة يؤدّي إلى إبادة الحسّ الاحتسابي في النفوس فلا يأمر أحد ولا ينهى، وتفعل المحرمات وتشاع ويبحث عن أي قول فقهي فيها، وكلّ هذا منافٍ لمقصد الشريعة من (الإبراء) و (الإعذار).
لا مشكلة كبيرة لديّ مع الشخص الذي يتخذ لنفسه منهجاً في عدم الإنكار في مسائل الخلاف بناءً على فهمه لهذه القاعدة أو توسيعه لمفهوم الخلاف المعتبر، فهذا في النهاية اختياره واجتهاده وإن كنت أراه مخطئاً، لكن الخلل الأكبر أن يعتقدها قاعدة كلّية يحاكم الناس إليها، ويلاحق إخوانه بها ويضعف من نشاطهم وحماسهم، وقد كان كافيه أن يعرف أن هذه القاعدة هي محلّ خلاف أيضاً، وبالتالي فلا يجوز له أن ينكر بها على الآخرين لأنّه يعتقد بالصوابية المطلقة لقاعدة (لا إنكار في مسائل الخلاف).(1/409)
خامس هذه المقاصد القرآنية للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: النجاة من العقاب الدنيوي، فوجود الناصحين الغيورين ضمان في الدنيا من عقاب الله، كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} *هود:117* فكون الإنسان صالحاً في نفسه لا يكفي للنجاة من الهلاك؛ فالعقوبة إذا نزلت لم تقتصر على الظالمين فقط {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً} *الأنفال:25*
وفي الصحيحين لما قام النبي صلى الله عليه وسلم فزعاً يقول: (ويل للعرب من شر قد اقترب) فقالت له أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها: (أنهلك وفينا الصالحون؟) قال: (نعم إذا كثر الخبث).
إذا عرفت هذا، أدركت سر هذا التلازم بين (الإيمان بوجود العقوبات الإلهية) وبين (احترام شعيرة الاحتساب) فكلّ من لا يبالي بهذه الشعيرة تجد لديه إشكال عميق مع العقوبات، فالتفسير المادي للحوادث يؤدّي به إلى إنكار وجود عقوبات إلهية على المعاصي والذنوب، سواءً أنكرها بلسانه أو بحاله، وأما من يؤمن بوجود عقوبات إلهية على المعاصي والذنوب فهو يسلّم بخطر هذه المعاصي وضرورة الاحتساب عليها.
ومن المقاصد الشرعية لها أيضاً: بيان الأحكام الشرعية، فإظهار الأحكام الشرعية، وإخبار الناس بما يريد الله ويريده النبي صلى الله عليه وسلم منهم، هذا مقصد بحدّ ذاته وغاية شريفة وعمل عظيم، ولو لم يحصل عمل وقد أخذ الله الميثاق الغليظ على أهل العلم بالبيان {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} *آل عمران:187*
فالعلم بالشريعة بحدّ ذاته بركة ونور وخير، وهو سبب للعمل بها وإشاعة تطبيقها، لأجل ذلك جاءت النصوص الشرعية في الحث على العلم والتعلم والثناء على العلماء، وحين ينتشر الخطأ ويعمّ الانحراف ويسكت العلماء عن البيان بدعوى (فساد الزمان) و (عدم إمكانية التغيير) و (أنّ الفساد قادم لا محالة) أو (مجاملة لأحدٍ من الناس) فإن معنى هذا أن تسود الغربة لكثير من أحكام الشريعة.
كثيراً ما يقول بعض الناس (تخوضون معارك خاسرة مع الموسيقى-الربا-الاختلاط-البدع- .. ) وهي شائعة ظاهرة، وهب أنّ أكثر الناس لم يعملوا بهذه الأحكام، بل هبهم كلّهم تركوها، يكفي أن تبقى مفاهيم الشريعة ظاهرة بيّنة واضحة يعرفها الصغير والكبير، فهذا مقصد شرعي عظيم، وهو ضمانة لعودة الناس إلى الالتزام بها يوماً ما عاجلاً أو آجلاً، ولئن شاع مثلاً سماع الموسيقى في زماننا في أمكنة كثيرة فصار الشخص يسمعها دائماً وأبداً إلا أنّه مع هذا الظهور الكبير لها، ومع وجود أقوال وفتاوى كثيرة تبحث لها عن مخرج شرعي إلا أنك لو سألت أي أحد من الناس عن حكمها لقال لك مباشرة: هي حرام، وربما ساق لك بعض أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من بركة البيان والتعليم الذي ينظر في أهمية بيان الحكم الشرعي أولاً وأخيراً بغضّ النظر عن تطبيق الناس أو التزامهم، قارن هذا بمن ينظر في هذا الموضوع فيرى انتشار المخالفة وابتلاء الناس فيرى أنه (لا بدّ من البحث عن رأي يوسّع على الناس ما ضاق عليهم حتى لا يقعوا في الحرج ولا يكون هذا سبباً لمزيد من انحرافهم) فيسكت عن القول بالتحريم وربما أفتاهم بالجواز أو حكى لهم القولين جميعاً، تأمل كيف سيعود الأمر في النهاية على الحكم الشرعي فينسى أو يغيب لا بسبب أن الشخص لا يرى الحكم أو يضعف أدلته بل بسبب مراعاته لحال الناس التي بسببها أضعف أصل الحكم الشرعي، وما ذاك إلا لغفلة المسلم عن مقصد البيان وضرورته.(1/410)
ولو نظر المسلم في موضوع البدعة ومدى شناعتها وتحذير الشريعة منها لوجد أن من خطورة البدعة أنها تأتي بمفاهيم وأصول جديدة محلّ أصول الشريعة، فتأتي البدعة لتدفن السنّة، حتى تشيع وتنتشر في الناس فتكون هي الأصل والسائد والواقع بسبب غياب الآمرين والناهين الذي يظهرون الأحكام، وهنا ظهرت عظمة الذين قاموا بمقاومتها وإظهار السنن فيها كيف استطاعوا أن يبينوا أحكام الشريعة ويظهروها بعد أن عاشت مدفونة بسبب ضعف البيان والتعليم.
فحين يتحذلق بعض الناس فيقول: (إذا جاء الأمر وتعود المجتمع عليه فستخفّ المعارضة والممانعة كما خفّت وضعفت في أمور أخرى، وبالتالي فالنفرة التي تجدونها هي بسبب عدم الاعتياد لا غير).
نعم، صدق ولا شك، فالشيء إذا تعوّدت النفوس عليه فستألفه وتعتاده ولا تجد نحوه النفرة والاستنكار الكبير، فمن يتعوّد على رؤية الخمور ومشاهدة المناظر الإباحية والمعاملات الربوية لن يجد في نفسه تلك النفرة التي يجدها من كان بعيداً عن هذه المحرمات.
فهذا الوصف صحيح، لكنه وصف لا علاقة له بالموضوع، فسواء اعتادت النفوس أم لم تعتد، العبرة بكونه منكراً أو معروفاً بما هو متقرر في الشريعة، بل ومثل هذا الكلام يستدعي منه المزيد من الحرص على هذه الشعيرة - لو كان صادقاً- حتى لا تعتاد النفوس على المنكرات وتألفها لا أن يطالب ويحرص على تطبيعها في المجتمع حتى تخفّ حرارة الغيرة والاستنكار، فلئلا يكون الاعتياد أو عدم الاعتياد هو الحاكم والمؤثر على تحديد المعروف والمنكر يجب البيان والتعليم والإشهار للأحكام الشرعية حتى يكون المعيار هو النص لا الواقع والدليل لا العادة والإلف.
فهذه أبرز مقاصد الشريعة من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر " الامتثال لأمر الله"، و"الظفر بالصفات الحسنة"، و"البراءة من الصفات الذميمة"، و"صيانة المجتمعات من المنكرات"، و"بيان ما يريد الله وما لا يريد"، و"الإعذار إلى الله"، و"النجاة في الدنيا والآخرة" يجزم المسلم من مجموعها أنّ الله تعالى يريد "إشاعة" هذه الصفة وترسيخها وتعظيمها في النفوس وأن تكون أصلاً وقاعدة ومنهجاً شاملاً للمجتمع المسلم، وأي رأي أو اجتهاد في هذه الشعيرة يجب أن يستحضر هذه المقاصد، ولا إشكال في وجود قدر من التباين والاختلاف والاجتهاد في تحقيق مناط هذه الشعيرة، شريطة أن يكون هذا تنوعاً في القيام بهذه الشعيرة لا تهويناً من جهود الآخرين ولا تثبيطاً لعزائمهم أو استخفافاً بدورهم، وليس المقصود بأي حال من الأحوال أن لا يكون ثمّ خطأ أو انحراف في أفعال بعض المحتسبين أو طرائقهم أو الدعوة لعدم التعرّض لها، كلا؛ فالإنكار عليهم جزء من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.(1/411)
وثائق ويكيليكس .. صيد ثمين أم طعم مثير؟!
مصطفى عبدالجواد
1 محرم 1432هـ
لا شك أن عملية تسريب مئات الآلاف من الوثائق الأمريكية عبر موقع "ويكيليكس" تُعد الأضخم على مر التاريخ، فلم يحدث أن تعرضت دولة من قبل لتسريب هذا الكم من وثائقها السرية إلى وسائل الإعلام، لتصبح مداولات دبلوماسييها وتقديراتهم وآرائها الخاصة متاحة لعشرات الملايين عبر الانترنت، لكن تقدير الخطورة والأهمية التي تحملها هذه الوثائق يبقى أمراً غير محسوماً حتى الآن، فالبعض يراها مجرد "ثرثرة" لا تحمل جديداً، بينما يرى آخرون أن مصداقية أمريكا تعرضت لضربة عنيفة، وأن الكثيرين من ساسة العالم سوف يترددون كثيراً قبل الإفصاح عن مواقفهم الخاصة في حضرة المسئولين الأمريكيين، خشية أن يفاجئوا بها في اليوم التالي منشورة عبر العالم.
ورغم أن الطريقة التي وصلت بها هذه الوثائق إلى القائمين على موقع "ويكيليكس" مازالت مجهولة حتى الآن، إلا أن تقارير صحفية أشارت لتورط مجند بالجيش الأمريكي يدعي برادلي ماننج في الأمر، مستغلاً عمله في قسم تحليل المعلومات بالمخابرات العسكرية الأمريكية، ما منحه صلاحية الدخول لقواعد المعلومات الموصوفة بالسرية، والتي تتضمن ملايين الوثائق الخاصة بمختلف الوزارات والوكالات الفيدرالية، لكن صلاحيات ماننج، بحكم كونه مجنداً صغيراً، اقتصرت على قواعد المعلومات الأقل سرية وخطورة والمصنفة تحت بند "سري"، بينما لم تطل يده الوثائق الأكثر خطورة المنصفة تحت فئة "سري للغاية".
تحت الحزام
وبالفعل فإن ما جرى نشره حتى الآن من تلك الوثائق يخلو من أي معلومات أو وثائق خطيرة، فمعظم الوثائق الخاصة بوزارة الخارجية الأمريكية عبارة عن مراسلات روتينية بين مقر الوزارة بواشنطن والدبلوماسيين الأمريكيين عبر العالم، لكنها لا تخلو مع ذلك من تقديرات وتقييمات و"همز ولمز" قد يغضب مسئولي الدول التي يعمل فيها هؤلاء الدبلوماسيون، كما أنها - وهذا هو الأشد خطراً وإحراجاً لواشنطن - تتضمن مواقف غير معلنة أفضى بها ساسة هذه الدول إلى مسئولين ودبلوماسيين أمريكيين في جلسات خاصة، ومن ثم فإن الإفصاح عنها يضع قائليها وناقليها في حرج بالغ.
وقد حاولت الولايات المتحدة استباق هذا الحرج والتقليل من وطأته بإجراء سلسلة اتصالات مع مسئولي الدول الواردة في تلك الوثائق، لإطلاعهم مسبقاً على فحواها قبل أن يتم نشرها على "ويكيليكس"، إلا أن ذلك لم يقلل من حجم الغضب في دولة مثل روسيا، التي تضمنت الوثائق انتقادات واتهامات عنيفة بحق رئيسها دميتري ميدفيديف ورئيس وزرائها فلاديمير بوتين، خاصة الأخير الذي اتهمته إحدى الوثائق بإقامة علاقة وثيقة مع المافيا وتربحه والدائرة المقربة منه مليارات الدولارات جراء ذلك.
أما تركيا فقد تضمنت إحدى الوثائق مزاعم بحصول رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان على أموال بطريقة غير مشروعة وامتلاكه حسابات سرية في بنوك سويسرا، إضافة لمزاعم أخرى حول مساعدة مقاتلي تنظيم القاعدة في العراق، وتزويد إيران بمعدات لبرنامجها النووي. ولم تقتصر القائمة على روسيا وتركيا، وإنما امتدت لتشمل دول عدة، مثل فرنسا وإيطاليا وباكستان وأفغانستان، إضافة إلى معظم الدول العربية.
من المستفيد؟(1/412)
وكان لافتاً فيما سرب من وثائق حتى الآن خلوها من أي مواقف أو معلومات تضر بإسرائيل، بل إن ما تضمنته الوثائق يصب بشكل مباشر في مصلحة إسرائيل، سواء من جهة تشويه صورة تركيا ورئيس وزرائها أردوغان، عدو إسرائيل الجديد، عبر وصمه بالفساد وإظهاره بمظهر المتواطئ مع إيران، كما أن الوثائق تحاول الإيحاء بوجود إجماع غير معلن من جانب دول الجوار العربي على ضرورة قيام الولايات المتحدة بتوجيه ضربة عسكرية إلى إيران، وذلك على عكس ما يصرح به قادة هذه الدول في العلن، ولا شك أن ضرب إيران يشكل مطلباً إسرائيلياً ملحاً، كي تبقى تل أبيب متفردة بامتلاك السلاح النووي في المنطقة.
هذه الملاحظة دفعت الرئيس التركي عبد الله جول، ومعه الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، الذي تعد بلاده أحد أشد المتضررين من نشر الوثائق، للاستنتاج بأن ما يحدث ليس تسريباً وإنما عملية منظمة ومنسقة تمر عبر "مصفاة" لتحقيق أهداف محددة سلفاً، أما وزير الداخلية التركي فقد كان أكثر تحديداً واتهم إسرائيل صراحة بالوقوف وراء تسريبات ويكيليكس، منطلقاً من نظرية بوليسية تدعو للبحث عن "من المستفيد؟ ومن الخاسر؟ " لفك لغز أي قضية، وبهذا المنطق خلص الوزير التركي إلى كون إسرائيل هي المستفيد لخلو الوثائق من أي إدانة تمسها، في حين أن أكبر الخاسرين هم خصوم إسرائيل، سواء تركيا أو إيران، وبالتالي فإن الفائدة الإسرائيلية مزدوجة.
تسريب منظم
وإذا ما اعتمدنا نظرية التسريب المتعمد للوثائق، فإن هناك عدة سيناريوهات لذلك:
الأول: يتهم جهات في الاستخبارات الأمريكية بالوقوف وراء ذلك بهدف تضييق الخناق على إيران، وإيصال رسالة للعالم بأن إجهاض برنامج طهران النووي، ولو عبر القوة العسكرية، يعد هدفاً مشتركاً ليس فقط بين إسرائيل والولايات المتحدة، وإنما تتفق عليه دول الجوار العربي، وإن كانت تقول في العلن عكس ذلك، كذلك فإن التسريبات تبالغ كثيراً في إظهار طبيعة العلاقة بين إيران وتركيا، ما قد يجعل أنقرة أكثر حذراً في المستقبل تجاه أي تعاون مع طهران.
ويرى أنصار هذا السيناريو أن دفع هذه الوثائق، التي أشبه ما تكون بمداولات داخلية، إلى العلن ربما يساعد في دفع الرأي العام الأمريكي لمساندة مواقف بعينها، حسبما يخطط مسربو الوثائق، أي أنهم يريدون مساندة الرأي العام لتمرير وجهة نظرهم على حساب تيارات أخرى داخل الإدارة الأمريكية، كذلك فإن إطلاع الأمريكيين على المخاوف والتحذيرات الواردة في الوثائق سوف يبرر للإدارة الأمريكية اتخاذ مواقف أكثر حدة تجاه بعض حلفائها، متذرعة في ذلك بإرضاء الرأي العام، وهو ما ينطبق بشكل خاص على الأوضاع في باكستان وأفغانستان.
أما ثاني السيناريوهات فيتهم التيارات اليمينية ومناصري إسرائيل بالوقوف وراء التسريبات، أولا: لإحراج الرئيس أوباما وتصويره بمظهر العاجز حتى عن حماية وثائق إدارته، فما بالك بأمن الولايات المتحدة ومواطنيها؟، وثانيا: لدفع أوباما لتبني سياسات أكثر شدة تجاه إيران وصولاً إلى وضع الخيار العسكري على الطاولة، كذلك فإن الوثائق تستهدف كشف حجم المشكلات والإخفاقات التي تعاني منها إدارة أوباما في مجال إدارة السياسة الخارجية، وعجزها عن اتخاذ مواقف رادعة تحفظ مصالح أمريكا، مع الخصوم والحلفاء على حد سواء.
تحالف ثلاثي
ويذهب السيناريو الثالث إلى وقوف تحالف من المخابرات الأمريكية والهندية والإسرائيلية وراء الوثائق المسرَّبة، فالأمريكية والإسرائيلية تريدان تكثيف الضغوط على إيران، وعزلها عن جيرانها العرب عبر زرع الشكوك بينهما، إضافة لردع تركيا عن تعزيز علاقتها مع طهران، أما المخابرات الهندية فإن ما تضمنته الوثائق عن برنامج باكستان النووي يعد صيداً ثميناً، إذ أنها تحذر من إمكانية سيطرة المتشددين الإسلاميين على منشآت إسلام آباد النووية، أو نجاح تنظيم القاعدة في اختراق العاملين في تلك المنشآت بما يمكنه من امتلاك سلاح نووي، وهو ما يعزز وجهة نظر نيودلهي القائلة بأن باكستان غير جديرة بامتلاك سلاح نووي، وأنه يجب تجريدها من ذلك أو على الأقل وضع منشآتها النووية تحت إدارة دولية.
ورغم أنه لا يمكن القطع بمدى صحة أي من تلك السيناريوهات، إلا أن ما يتم تسريبه من وثائق يؤكد يوماً بعد آخر أن ما يحدث ليس عملاً عبثياً أو مجرد فشل أمني أدى لتسريب الوثائق، وإنما هي عملية منظمة يقف وراءها أشخاص أو جهات تدرك قيمة ما تتضمنه الوثائق من وقائع ومعلومات وتقوم بنشره بشكل منهجي ومبرمج، أي أن ما تصوره البعض "صيد ثمين" عبر الإطلاع على وثائق الخارجية الأمريكية والبنتاجون ومعرفة خفايا ما يدور في الدهاليز، ربما يكون "طعم مثير" لاصطياد فريسة أهم وأخطر مما تضمنته الوثائق من مواقف قد تضر بدبلوماسية واشنطن ومصداقيتها على المدى القريب.(1/413)
الانقلاب على المنهج .. الأسباب والعلاج
إبراهيم بن محمد الحقيل
25 ذو الحجة 1431هـ
{رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} [آل عمران:8] ((يا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي على طَاعَتِكَ)) ((يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قلبي على دِينِكَ)) ((اللهم إني أعوذ بك من الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ)) ((اللهم إني أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ اللهم إني أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ في ديني ودنياي وأهلي ومالي)).
لا يعرف العبد قيمة هذه الأدعية المأثورة وأهميتها إلا حين يرى كثرة الانتكاس في الناس، وتقلب قلوبهم، وتغير مناهجهم، وانتقالهم من فكر إلى فكر، ومن منهج إلى آخر، بل من الاستسلام لله تعالى ولشريعته إلى التمرد عليه وعلى شريعته.
لقد رأينا وسمعنا لأناس كانوا من أهل الخير والصلاح والعلم والدعوة والاحتساب والجهاد، أضحوا من أهل الردة والزندقة والإلحاد!
ورأينا دعاة رزقهم الله تعالى من تحصيل العلم وقوة الحجة وحدة العقل وروعة البيان ما حشد جمهور الأمة خلفهم، وشرقت محاضراتهم في الأرض وغربت، ثم خلعوا جلودهم ولبسوا جلودا غيرها، واقتحموا ميادين من كانوا قبل ينتقدونهم، وقبلوا منهم استضافتهم في صحفهم وفضائياتهم، ولم يكن ذلك بالمجان أو لتبليغ الدعوة فحسب ... ولكل تنازل ثمنه!
ورأينا من استسهلوا إباحة المحرمات، وإسقاط الواجبات .. ومنهم من قضوا شطر حياتهم في حراسة الفضيلة ثم انقلبوا يبيحون ما يروج للرذيلة ويقضي على الفضيلة.
وسمعنا عمن بكت الجموع لحسن أصواتهم بالقرآن، ولبكائهم في قراءتهم ودعائهم فارقوا المحاريب إلى غيرها!
ورأينا من خضعوا لضغط الواقع الاقتصادي فتساهلوا في أنواع من المعاملات المحرمة، ووظفتهم قلاع الربا في لجانها لتسبغ الشرعية على كثير من تجاوزاتها!
ورأينا من خضعوا لضغط الواقع السياسي، ومتطلبات الجاه والإعلام فحولوا قطعيات الشريعة إلى ظنيات، ثم أتوا عليها بالمسح والتحوير والتدوير لإضعاف الولاء والبراء، وإعلاء شأن الروابط الجاهلية، وتفتيت الرابطة الإيمانية، وتسويق آثام الحضارة المعاصرة.
كل أولئك وقع ولا يزال يقع، وهو مرشح للازدياد، وما كان أحد يظن قبل عقدين أن شيئا من هذا سيحدث، وهو ينبئ عن ضعف النفس البشرية التي قد تتبدل قناعاتها بين لحظة وأخرى، فلا حول ولا قوة للعبد إلا بالله العزيز الحكيم.
ولقد حاولت أن أتلمس أسباب انقلاب القلوب، وتبدل القناعات، وانتكاس المفاهيم عند المبدلين فوجدت أن منها ما يعود إلى ذات المنقلب، ومنها ما يعود إلى المجتمع ..
القسم الأول: أسباب تعود لذات المنقلب:
السبب الأول: مشارطة الله تعالى في دينه، وقلَّ من الناس من يسلم من ذلك لكنهم لا يشعرون به، ولا يبين لهم إلا عند الابتلاء، ولو تأملنا أشهر حديث في النية الذي لا يكاد يوجد باب من أبواب الشريعة إلا دخله، بل كان أساساً فيه حتى عده بعضهم نصف الشريعة لوجدنا معنى المشارطة فيه: ((فَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى الله وَرَسُولِهِ وَمَنْ كانت هِجْرَتُهُ لدُنْيَا يُصِيبُهَا أو امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلى ما هَاجَرَ إليه.)) (1) ومشارطة العبد لله تعالى في التزام دينه، والأخذ بعزائم شريعته قد تكون لغاية واحدة، وقد تكون لغايات عدة، وقد تكون لغاية صحيحة، كما قد تكون لغاية غير صحيحة، لكن أصل المشارطة غير صحيح.
_________
(1) رواه من حديث عمر رضي الله عنه: البخاري (54) ومسلم (1907).(1/414)
فمن المشارطة على غاية غير صحيحة التزام الشريعة لغاية دنيوية كطلب رئاسة دينية، فإذا لم تحصل بدّل حاله لنيلها بطريق أخرى، أو إذا حصلت له رئاسة دنيوية تخلى عن شيء من الدين لأجلها.
وقد يصبر صبراً طويلاً على الدين لما يرجو من عاقبته الدنيوية، كما وقع لرويم البغدادي الزاهد (ت:303) قال جعفر الخلدي: من أراد أن يستكتم سراً فليفعل كما فعل رويم كتم حب الدنيا أربعين سنة، فقيل: وكيف يتصور ذلك؟ قال ولي إسماعيل بن إسحاق القاضي قضاء بغداد وكانت بينهما مودة أكيدة، فجذبه إليه وجعله وكيلاً على بابه، فترك لُبْس التصوف، وَلَبِس الخز والقصب والديبقى وأكل الطيبات وبنى الدور وإذا هو كان يكتم حب الدنيا ما لم يجدها، فلما وجدها أظهر ما كان يكتم من حبها. (1) نقل حادثته هذه شيخ الإسلام ابن تيمية وعلق عليها بقوله: هذا مع أنه رحمه الله كان له من العبادات ما هو معروف، وكان فقيهاً على مذهب داود. (2) وكم رأينا في زمننا هذا من أشخاص بدلوا حالهم بعد الجاه والمال أو في سبيل طلبهما؟!
ومن المشارطة على غاية صحيحة طلب العز والنصر والتمكين للأمة؛ فبعض الناس يلتحق بركب الأخيار ويلتزم حدود الشريعة، وينافح عن الدين بيده وقلمه ولسانه، ولكنه لا يجعل غايته من ذلك تحقيق العبودية لله تعالى، وطلب مرضاته، أو لربما اشترك في قلبه مع هذه الغاية غايات أخر، كمن يجعل التزامه بالمنهج الصحيح سلماً لعز الأمة ورفعتها وتمكينها، كونه يوقن بهذه الحقيقة المقررة في الكتاب والسنة.
وقد يرى كثير من الناس أن هذه غاية نبيلة ومطلوبة ومرغوب فيها، لكن يفوت عليهم أن تحقيق العبودية لله تعالى يجب أن يكون غاية لا يزحمها شيء البتة، ويكفي في سوء هذا المنهج أن أصحابه حولوا دين الله تعالى إلى وسيلة لتحقيق غاية أخرى وهي عز الأمة وتمكينها ونصرها، فإذا فات هذا المطلوب غيروا الوسيلة لتحقيقه.
ومن راجع الخطاب الدعوي قبل عقدين فسيرى تكثيفاً في المبشرات بقرب نصر الأمة وعزها والتمكين لها، وأنها تعيش مرحلة مخاض، وأن نصر الله تعالى قريب، وأن اشتداد الظلمة يعقبه الفجر، وأن بعد العسر يسراً، فلما لم يقع ذلك كما قرروه في أذهانهم في زمن معين انسلخوا من منهجهم، وانقلبوا على من بقي عليه بالتنقيص والثلب؛ ليثبتوا للناس أن تحولهم عنه كان صحيحاً .. وليتهم لما فعلوا ذلك كفوا أقلامهم وألسنتهم عن منهج الأمس ومن ثبت عليه، ولم يصطفوا مع المنافقين في حربهم عليه.
_________
(1) المنتظم: 13/ 163.
(2) الاستقامة: 2/ 91.(1/415)
ومن جعل المنهج الحق وسيلة لغاية أخرى فحري أن يفارق الحق إلى الباطل إذا لم تتحقق الغاية أو استبطأها. والواجب على المسلم أن يربي نفسه، وعلى الدعاة أن يربوا أتباعهم على جعل الحق هو الغاية، ولا يكون وسيلة لأي شيء آخر، ولنا عبرة في أنبياء الله تعالى الذين لم يُمَكَّن لبعضهم في الأرض، بل قتلهم أعداؤهم، وآخرون لم يتبعهم إلا قليل من الناس فهذا نبي الله تعالى نوح عليه السلام يخبر الله عنه فيقول {وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ} [هود:40] ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم يقول: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الْأُمَمُ فَرَأَيْتُ النبي وَمَعَهُ الرُّهَيْطُ وَالنَّبِيَّ وَمَعَهُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالنَّبِيَّ ليس معه.)) (1) السبب الثاني: الجهل بسنة الله تعالى في معاملته لعباده، فيرى المتمسك بالدين أن نصوص النصر والعز والتمكين، وكون العاقبة للمتقين تتناوله وإخوانه، وأنهم الموعودون بذلك، مع ما فيهم من نقص وخلل في تحقيق شروطه، وأيضاً ما يعتريهم من استعجال في وقوعه، واستبطاء لتحقيقه؛ فيكيفون وعد الله تعالى لعباده بالنصر والتمكين على ما في أذهانهم، ويخضعون سنن الله تعالى في خلقه لمطلوبهم وعجلتهم.
والعجلة طبع في الإنسان لا يكاد ينفك عنه {خُلِقَ الإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} [الأنبياء:37] والنبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر عن تمكين الله تعالى لدينه قال: ((وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ)) (2) فهو استعجال في طلب النصر، وتحقق سنن الله تعالى في عباده، ومن هنا ندرك الحكمة من كثرة التأكيد على أن وعد الله تعالى حق وقرنه بالأمر بالصبر والإخبار أن العاقبة للمتقين؛ لأن النفس البشرية جزوعة ملولة كثيرة السخط والتذمر، نزاعة للكسل والدعة والهوى، فلا بد من اليقين مع الصبر لتحقق الوعد {فَاصْبِرْ إِنَّ العَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود:49] {فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ} [الرُّوم:60] وتكرر هذا الأمر في آيتين أخريين، وأمة بني إسرائيل عذبت عذاباً أليماً طويلاً على يد فرعون وجنده، ومع ذلك كانت وصية موسى لهم هي الصبر {قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِالله وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لله يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [الأعراف:128] وليس من الصبر في شيء تغيير المنهج الصحيح والانقلاب عليه استبطاء للنصر والتمكين.
فالواجب على المؤمنين عموماً وأهل الدعوة خصوصاً أن يجعلوا مشاعرهم وسلوكهم وتصوراتهم تجاه الأمة وقضاياها، وما يحصل لها من الألم والذل والهوان على أيدي أعدائها، وما يُرغب فيه من نصرها وعزها والتمكين لها .. خاضعة للنصوص لا أن نخضع النصوص لرغباتنا وأهوائنا، فإن سنن الله تعالى لا تتبدل.
ولو نظرنا إلى أشهر قضية للمسلمين مع أعدائهم في عصرنا، وأكثرها تناولاً في كتاباتهم وخطبهم ومحاضراتهم ومجالسهم هي قضية احتلال اليهود بمعونة النصارى لبيت المقدس قبل ستة عقود، وهي القضية التي عجز المسلمون عن نجدة إخوانهم فيها، فأدى ذلك إلى يأس كثير من الناس حتى ممن ينتسبون للعلم والدعوة من حلها، فركبوا مراكب التطبيع مع اليهود، أو على الأقل سكتوا عن هذه القضية لمللهم من تناولها.
_________
(1) رواه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: البخاري (5378) ومسلم (220).
(2) رواه من حديث خباب رضي الله عنه: البخاري (3416).(1/416)
ولو أنعمنا النظر في التاريخ لوجدنا أن الصليبيين احتلوا بيت المقدس زهاء تسعين سنة، وعطلت الصلاة في المسجد الأقصى، ورفع الصليبيون عليه صلبانهم، واتخذوه اصطبلات لخيولهم، وحظائر لخنازيرهم، وربما داخل كثيراً من القلوب آنذاك يأس من عودته للمسلمين، لكنه عاد بعد تسعين سنة من البناء والدعوة والجهاد، وكثير من الذين شاركوا في إعادة بناء صفوف الأمة آنذاك، ودعوة الناس إلى أن يعودوا إلى دينهم، ويتوبوا من ذنوبهم، وكانوا فاعلين في تحقق النصر العظيم الذي توج على يد صلاح الدين رحمه الله تعالى بطرد الصليبيين منه .. كثير منهم لم يذوقوا حلاوة هذا النصر، واخترمتهم المنايا قبل إدراكه، ومنهم الملك العادل نور الدين، وليس صلاح الدين إلا ثمرة من ثمراته.
إن كثيراً من المتحمسين لدين الله تعالى يزعجهم حال الأمة وضعفها، وانتهاك الملأ منها للحرمات، وتعطيل الشرائع، والصد عن دين الله تعالى، فلا يتحلون بالصبر والحكمة في مواجهة هذا الواقع الأليم، ولا يصدرون عن العلماء الربانيين، بل منهم من يطعنون فيهم متهمين إياهم بالمداهنة والجبن والضعف، ويظنون أنهم أقدر من العلماء على مواجهة الملأ من أقوامهم، وأن الناس ينصرونهم، فيعرضون أنفسهم لما لا يطيقون من البلاء، فيؤدي ذلك بهم إلى الانتكاس، والانقلاب على المنهج الصحيح.
والله تعالى رحيم بعباده، عليم بقدرتهم وطاقتهم، فلم يكلفهم ما لا يطيقون {لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [البقرة:286] {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن:16] وتغيير المنكر كان فيه تدرج من اليد إلى اللسان إلى القلب حسب القدرة، وأباح الله تعالى النطق بكلمة الكفر لدفع البلاء، ولحماية المؤمن نفسه من الافتتان، مع أن كلمة الكفر أسوأ شيء يقال وهي سبب للعذاب.
وقد روى حذيفة وهو أعلم الصحابة بالفتن وأسباب النجاة منها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لاَ ينبغي لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ، قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قال: يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاَءِ لِمَا لاَ يُطِيقُ)) (1) والمؤمن مطالب بإصلاح نفسه، ثم تعدية هذا الصلاح إلى غيره، فإذا كان سعيه في إصلاح غيره يعود على نفسه بالفساد كف عن ذلك .. وهذا يتصور وقوعه حال الفتن، وغلبة الأهواء، وقوة أهل الفساد، وتمكنهم من البلاد والعباد؛ ولذا جاء الأمر بالعزلة حال غربة الدين، وكثرة الفتن؛ للحفاظ على النفس من التردي والتبديل والانقلاب، وعلى هذه الأحوال تحمل الأحاديث والآثار، ومنها:
_________
(1) رواه أحمد: 5/ 405، والترمذي وقال: حسن غريب (2254) وابن ماجه (4016)(1/417)
1 - حديث أبي ثعلبة الخشني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنَاهَوْا عن الْمُنْكَرِ حتى إذا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً وَإِعْجَابَ كل ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِكَ وَدَعْ الْعَوَامَّ)) (1) 2 - حديث عَبْدَ الله بن عَمْرٍو قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كَيْفَ أنت إذ بَقِيتَ في حُثَالَةٍ مِنَ الناس؟ قال: قلت: يا رَسُولَ الله، كَيْفَ ذلك؟ قال: إذا مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَكَانُوا هَكَذَا -وَشَبَّكَ الراوي بين أَصَابِعِهِ يَصِفُ ذَاكَ- قال: قلت: ما أَصْنَعُ عِنْدَ ذَاكَ يا رَسُولَ الله؟ قال: اتَّقِ الله عز وجل، وَخُذْ ما تَعْرِفُ، وَدَعْ ما تُنْكِرُ، وَعَلَيْكَ بِخَاصَّتِكَ وَإِيَّاكَ وَعَوَامَّهِمْ)) (2) 3 - قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (إنَّ أول ما تُغْلَبُونَ عليه من الْجِهَادِ الْجِهَادُ بِأَيْدِيكُمْ ثُمَّ الْجِهَادُ بِأَلْسِنَتِكُمْ ثُمَّ الْجِهَادُ بِقُلُوبِكُمْ، فَأَيُّ قَلْبٍ لم يَعْرِفْ الْمَعْرُوفَ وَلاَ يُنْكِرُ الْمُنْكَرَ نُكِّسَ فَجُعِلَ أَعْلاَهُ أَسْفَلَهُ) (3) 4 - حديث سَعِيدِ بن جُبَيْرٍ قال: قال رَجُلٌ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: (آمُرُ أَمِيرِي بِالْمَعْرُوفِ؟ قال: إنْ خِفْت أَنْ يَقْتُلَك فَلاَ تُؤَنِّبْ الإِمَامَ فَإِنْ كُنْت َلاَ بُدَّ فَاعِلاً فِيمَا بَيْنَك وَبَيْنَهُ (4) 5 - قول حذيفة رضي الله عنه قال: (إني لأشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله») (5) 6 - قول ابن مسعود رضي الله عنه قال: (إنكم في زمن الناطق فيه خير من الصامت، والقائم فيه خير من القاعد، وسيأتي عليكم زمان الصامت فيه خير من الناطق، والقاعد فيه خير من القائم، فقال له رجل: كيف يكون أمر من عمل به اليوم كان هدى، ومن عمل به بعد اليوم كان ضلالة؟ فقال: اعتبر ذلك برجلين من القوم يعملون بالمعاصي، فصمت أحدهما فسلم، وقال الآخر: إنكم تفعلون وتفعلون فأخذوه فذهبوا به إلى سلطانهم، فلم يزالوا به حتى عمل مثل عملهم) (6) 7 - كان الأحنف رحمه الله تعالى جالساً عند معاوية رضي الله عنه فقال: (يا أبا بحر، ألا تتكلم؟ قال: إني أخاف الله إن كذبت وأخافكم إن صدقت) (7) 8 - قال مطرف بن عبد الله بن الشخير رحمه الله تعالى: (لئن لم يكن لي دين حتى أقوم إلى رجل معه مئة ألف سيف أرمي إليه كلمة فيقتلني إن ديني إذاً لضيق) (8) قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى بعد أن ساق جملة من الآثار: (أجمع المسلمون على أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه، وأنه إذا لم يلحقه في تغييره إلا اللوم الذي لا يتعدى إلى الأذى، فإن ذلك لا يجب أن يمنعه من تغييره بيده، فإن لم يقدر فبلسانه، فإن لم يقدر فبقلبه، ليس عليه أكثر من ذلك، وإذا أنكره بقلبه فقد أدى ما عليه إذا لم يستطع سوى ذلك، والأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في تأكيد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة جداً لكنها كلها مقيدة بالاستطاعة) (9)
_________
(1) رواه أبو داود (4341) والترمذي وقال: حسن غريب (3058) وابن ماجه (4014) وصححه ابن حبان (385).
(2) رواه أحمد: 2/ 162وأبو داود (4342) وابن ماجه (3957) وصححه ابن حبان (5951)
(3) رواه ابن أبي شيبة: 7/ 504
(4) رواه ابن أبي شيبة: 7/ 504
(5) رواه ابن أبي شيبة: 7/ 470.
(6) رواه ابن عبد البر في التمهيد: 24/ 314.
(7) رواه ابن سعد في الطبقات: 7/ 95.
(8) رواه ابن عبد البر في التمهيد: 23/ 283.
(9) التمهيد: 23/ 281 - 282 ..(1/418)
والناس في هذا الباب طرفان ووسط؛ فطائفة اتكئوا على نصوص الرخصة لتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسوغوا المنكرات بأنواع الحيل، وعدوا النهي عن المنكر نوعاً من الخروج المذموم، وهؤلاء هم مرجئة العصر، ولا فرق بينهم وبين العلمانيين إلا أن هؤلاء يتمسحون بالشريعة، وينطقون بالكتاب والسنة، وإلا فهم في النهاية يلتقون مع المشروع العلماني التغريبي.
وطائفة أخرى أخذوا بنصوص العزيمة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولم يفطنوا لقدراتهم، وظنوا أنهم يقوون على البلاء، لكنهم لما ابتلوا افتتنوا فغيروا مناهجهم، وانقلبوا على إخوانهم، وكانوا طرائق قدداً.
وأهل الوسط هم الذين عملوا بنصوص العزيمة في مواطنها، وأخذوا بنصوص الرخصة في مواضعها، وفروا من الفتن، ولم يعرضوا أنفسهم لما لا طاقة لها به من البلاء، فسلم لهم دينهم، ودرءوا من الشر ما استطاعوا، ولا زالوا ثابتين، ثبتنا الله تعالى وإياهم على الحق المبين.
والمؤمن إذا عجز عن النهي عن المنكر مباشرة لجأ إلى الأمر بالمعروف، فإن أمره بالمعروف نهي عن المنكر بطريق غير مباشر. والانفتاح الذي أصيبت به بلادنا وإن أدى إلى تسرب منكرات كثيرة، وتسبب في تطاول المنافقين على الشريعة وحملتها ومؤسسات تبليغها؛ فإن فيه خيراً من جهة تنشيط الإنكار باللسان وبالقلم؛ فإن دعاوى حرية الرأي التي يتكئ المنافق عليها في تسويق المنكر يستطيع المحتسب أن يتكئ عليها في النهي عن المنكر، وذم أهله، وفضيحة المسوقين له.
السبب الثالث: عدم العناية بعلم الباطن والسلوك، وإهمال تزكية النفس بالأعمال الصالحة، وربما كان للمنقلب معاص في السر أهملها، فكان ضعيفاً في مواجهة المنكر وأهله، خائراً في مقابلة الابتلاء بالصبر والثبات، فانهار في الابتلاء وانقلب على منهجه، وقل أن نجد عالماً من علماء السلف إلا وله كتابة في الزهد أو الرقاق أو تزكية النفس، سواء كانت مفردة أم ضمن مصنف، وهم وإن كانوا يكتبون لغيرهم فإنهم أول من ينتفع بما يكتبون.
والمؤمن إذا اعتنى بصلاح باطنه، وسعى في زيادة إيمانه، وعمل على رسوخ يقينه، وأرى الله تعالى من نفسه اجتهاداً وجِدَّاً في ذلك أعانه الله تعالى وسدده ووفقه لما أراد، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جداً، قال الله تعالى: {وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى} [مريم:76] وقال تعالى {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآَتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ} [محمد:17] أي: والذين قصدوا الهداية وفقهم الله تعالى لها فهداهم إليها وثبتهم عليها وزادهم منها. (1) السبب الرابع: تأصل فساد القلب بالشبهات أو بالشهوات، فقد يبتلى العبد بشبهة لا يصرفها عن نفسه بالمحكم من الشريعة، ولا يستعيذ بالله تعالى من شرها، ولا يلجأ إلى العلماء الراسخين في دحضها، فتتمكن من قلبه، وتعمل عملها فيه، فينقلب بسببها عن منهجه، وبسبب الشبهة في الدين انتكس عدد من الأذكياء المشاهير قديما وحديثا.
وقد يرد على القلب شهوة تفسده سواء كانت شهوة معصية يلتمس لها الإباحة بعسف النصوص وتحريف معانيها، فيستسيغ ذلك في كل ما يعرض له من شهوة، حتى يكون ديدنه تحريف الشريعة، واتباع المتشابه منها، واستخراج شواذ الفقه، فيردى بسبب شهوته.
وأحياناً يكون تحريفه للشريعة لأجل غيره من ذوي الجاه أو المال أو الإعلام؛ لينال حظوة عندهم، فشهوته تكون في حظوته عندهم، ولا ينال ذلك إلا باتباع شهواتهم في إباحة ما حرم الله تعالى عليهم، أو إسقاط بعض الواجبات عنهم.
_________
(1) تفسير ابن كثير: 4/ 178.(1/419)
أو يكون فيه شهوة بغي وانتصار للنفس، تظهر حال مساجلته لأقرانه، فينتصر لنفسه بمخالفة منهجهم ولو كان حقاً؛ لمجرد أنه يريد مناكفتهم فيه، والانتقام منهم، وهو في واقع الأمر لا ينتقم إلا من نفسه، والانتصار للنفس سبب للذل وضعف الانتصار للحق.
يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: والقلب يتوارده جيشان من الباطل: جيش شهوات الغي، وجيش شبهات الباطل، فأيما قلب صغا إليها وركن إليها تشربها وامتلأ بها، فنضح لسانه وجوارحه بموجبها، فإن أشرب شبهات الباطل تفجرت على لسانه الشكوك والشبهات والإيرادات، فيظن الجاهل أن ذلك لسعة علمه، وإنما ذلك من عدم علمه ويقينه، وقال لي شيخ الإسلام رضي الله عنه وقد جعلت أورد عليه إيراداً بعد إيراد: لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل السفنجة، فيتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر فيها فيراها بصفائه، ويدفعها بصلابته، وإلا فإذا أشربت قلبك كل شبهة تمر عليها صار مقراً للشبهات، أو كما قال، فما أعلم أني انتفعت بوصية في دفع الشبهات كانتفاعي بذلك. (1) ففساد القلب وزيغه إنما يكون بسبب شبهة أو شهوة يستسلم لها العبد فيسلب التوفيق، ويحيق به الخذلان، ويعاقب على تقصيره في تحصين قلبه، واستسلامه لوارد الشبهة أو الشهوة، وقد قال الله تعالى في المنافقين {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا} [البقرة:10] وقال سبحانه في اليهود {فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ} [الصَّف:5] وقال عز وجل في المؤمنين الذين دافعوا وارد الشبهات والشهوات {وَلَمَّا رَأَى المُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} [الأحزاب:22]، وكما لا يمكن للإنسان أن يصعد سلماً ثم يجد نفسه في القبو، فلا يمكن أن يترقى في الإيمان واليقين، ويجاهد في صلاح قلبه ثم يجد نفسه زائغاً منحرفاً عن الحق مفارقاً أهله؛ فإن عدل الله تعالى وحكمته ورحمته تأبى ذلك، قيل للإمام أحمد رحمه الله تعالى: من نسأل بعدك؟ قال: عبد الوهاب الوراق، قيل له: إنه ليس له اتساع في العلم، قال: إنه رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق. (2) السبب الرابع: الانفصام بين الظاهر والباطن، ثم اليأس من رحمة الله تعالى، وذلك بأن يكون العبد مقيماً على معصية لم يستطع الانتهاء عنها مع محولاته المكرورة، ولا سيما إذا كان ذلك مما يتعلق بالشهوات، فيقذف الشيطان في قلبه أنه منافق؛ إذ كيف يقيم على هذه المعصية، ويخفيها عن مشايخه وأقرانه، ويظهر أمامهم بمظهر أهل الاستقامة والتقوى، ولا يزال هذا الصراع في قلبه إلى أن ييأس من الإقلاع عن معصيته، ويرى أنه لا يمكن أن يصاحب الأخيار وهو على هذا الحال، فيتنصل منهم شيئاً بعد شيء، ويتخذ رفقة أخرى لا ضير أن يبوح لهم بسره، ويظهر معصيته أمامهم، ويظن أنه ارتاح من تأنيب ضميره.
ولو علم المسكين أن تأنيب قلبه له الذي يجده وهو مع الأخيار خير له من مفارقتهم، فهو دليل على حياة قلبه، وعلى بقاء النفس اللوامة، أما مفارقته لهم، وإظهاره لمعصيته، وانقلاب حاله فهو إماتة للنفس اللوامة، وتسليم قياده للنفس الأمارة بالسوء.
_________
(1) مفتاح دار السعادة: 1/ 140.
(2) رواه المروزي في الورع (5) وينظر جامع العلوم والحكم: 95.(1/420)
السبب الخامس: منافسة الأقران، فقد يكون له قرين في مثل استقامته أو علمه لكنه تقدم عليه بالحظوة عند الناس أو بمنصب ديني أو بالشهرة أو يفتح الله تعالى له بابا من العلم أو الرزق لا يفتحه لقرينه، فيحسده على ذلك، ويركب الصعب والذلول للحاق به ولو تنازل عن بعض مبادئه أو أكثرها .. وينحصر همه في أن يصله أو يتعداه، ويعظم ذلك إذا كان قرينه أقل منه علماً أو دعوة، أو كان أحد تلاميذه، أو اهتدى عليه فيغار منه، وأعرف شخصا كذلك، إذ ما زال يتقرب لذوي الجاه بالوشاية في قرين أصغر منه لحسده إياه على ما آتاه الله تعالى من العلم حتى فاقه، ومنافسة الأقران في حظوظ الدنيا تؤدي إلى ذل النفس وانحطاطها، وبيعها الدين وتسخيرها الفقه لخدمة الخلق؛ لطلب نصرتهم وعزهم، يقول ابن عاشور رحمه الله تعالى: الحاجة إلى الناصر لا تكون إلا من العجز عن الانتصار للنفس. (1) السبب السادس: أن يكون للشخص أتباع يظن أنهم ينصرونه ولا يتخلون عنه، فلا يقع ما ظنه منهم فينتقم منهم -من حيث يشعر أو لا يشعر- بمخالفة منهجهم ولو كان صواباً، وكل نبي حمل أعباء الدعوة وحده، وتحمل ما يناله منها وحده، ولم ينتظروا نصرة من غير الله تعالى، وهم قدوة الدعاة إلى الله تعالى.
أسباب تتعلق بالمجتمع (مجتمع العلماء والدعاة):
السبب الأول: صد الطاقات الواعدة، والمواهب الصاعدة، وإهمالها وعدم العناية بها، مع أنها ترى أنها أميز من غيرها من الأقران، والواجب على التابع أن لا يؤثر ذلك فيه لكن بعض الأتباع ضعيف، فعند إهمال المتبوع له -عالم أو داعية أو مرب- يفارق التابع مجلس متبوعه ودرسه، وربما انقلب عليهم بالحط والثلب، وحينها يجد من يتلقفه من أهل الشر، فيرفعه ويعتني به ويستخدمه معول هدم للحق، وأذكر أن فتى يافعاً نبيهاً صار بينه وبين مشايخ بلدته جفوة واختلاف فيمم شطره لبعض مشاهير الشعراء من النصارى، فاعتنى به عناية فائقة لما رأى من نبوغه وعبقريته، وظل يتعاهده ويواصله بالمراسلة مع أن هذا الفتى في العشرينيات، والنصراني في الثمانينيات.
وحدثني بعض أهل العلم والأدب عمن عاصر عبد الله القصيمي -العالم السلفي الذي انقلب إلى ملحد- أن من أسباب صدوده عن أهل العلم، وثورته على الدين وأهله أنه لما قدم من مصر كان يعتمر العقال، ويعتني بمظهره اعتناء زاد على المألوف، فكأن بعض أهل العلم استوحشوا ذلك منه فجفوه، وكان دُعي إلى وليمة لبعض أهل العلم، فلم يأبهوا به ولم يقدموه، فحمل ذلك في نفسه وفارقهم.
وفي مقابل ذلك نرى جلدا من أتباع الباطل في تكثير أتباعهم، والدفاع عنهم، واستماتتهم في نشر باطلهم، وكان لي قريب في المرحلة المتوسطة وكان كتب قصيدة فيها شيء من تمرد ونشرها في بعض الصحف، فاطلع عليها سفير سبعيني، فأرسل له رسالة خاصة يثني عليه بها.
ورأيت شاباً انتحل مذهب الحداثيين في التمرد، فجاوز المعهود في قوله، فأُخذ به، فوقف معه الحداثيون وسائر المنحرفين وقوفاً عجيباً، ودافعوا عنه باستماتة حتى ألغوا ما يستحق من العقاب.
وفي مقابل ذلك فإن كثيراً ممن ابتلوا وهم على الحق لم يلتفت لهم أحد، فربما ضعف بعضهم بسبب ذلك، وانقلب على منهجه السابق.
_________
(1) تفسير التحرير والتنوير: 15/ 239.(1/421)
وتفسير خذلان أهل الحق لأتباعهم، ونصرة أهل الباطل لأفراخهم أن أهل الباطل في مجتمعات المسلمين هم الأقلية، وأهل الحق هم الأكثرية، ومن السنن البشرية أن الأقلية دائمة التكتل، وتسعى في تكثير الأتباع، وتكون معتادة على أجواء التوتر، وتتقن التعامل مع الأزمات، بينما الأكثرية تكون في حالة أمن واسترخاء، ولم تعتد على أجواء التوتر، ولا تحس بفقد بعض أفرادها لكثرتهم. كما أن الحكومات قد تعودت من الأقليات على أنواع من التمرد فلا تستنكره منهم مهما كان عظيماً، بخلاف الأكثرية التي يستكثر منها ما هو صغير.
السبب الثاني: الانفصام بين العلم والعمل: فأحياناً يقع الطالب على مخالفة وقع فيها شيخه -وهو يراه مثله الأعلى- فيسقط من عينه، ويجني على نفسه بإسقاط المنهج الذي ينتهجه شيخه، ويبحث له عن منهج آخر، وقد حُدثت عن بعض أهل العلم ممن هام في بعض المبتدعة، فتعصب له أن بداية ذلك: رحلته لشيخ يأخذ عنه، فرأى في بيته ما يكره أن يراه من شيخه، فنفر منه وتحول إلى شيخ مبتدع كان قد سمع به، فرآه على حال من الزهد لم يره في شيخه الأول، فكان ذلك فتنة له؛ فلزمه وهام به، وركب شيئاً من بدعته. ولو أنه أحسن لسأل شيخه عما كره فلعله معذور فيه، أو متأول، أو غير ذلك. ولو وفق للهدى لفرق بين علم الرجل وسمته؛ فليس كل زاهد في الدنيا يصيب السنة، وليس كل مخطئ في سلوكه يهجر لخطئه ولو كان من علماء السنة، والحق يعرف بالأدلة من الشريعة، ولا يعرف الحق بالرجال، كما أن الباطل يعرف بطلانه بالأدلة، ولا يحيله زهد صاحبه إلى حق.
السبب الثالث: ضعف الفقه في علاج خطأ من أخطأ من أهل العلم والصلاح، أو فعل خلاف ما هو أولى أو ما لا يليق بأمثاله، أو أتى بقول شاذ، فيكون حقه التعنيف والتقريع والسخرية في كثير من الأحيان مما يجعله يصر ويكابر ويدافع عن موقفه ولو كان خطأ، وهنا يتسلل الشيطان إلى قلبه، ويركبه أهل السوء والنفاق؛ لتنفيره من أهل استقامة والصلاح، أو يحرج فيجتنبهم فيجد في الطرف الآخر من يحسن استقباله وتسليته.
وأعرف واحداً من النابهين في العلم خالف في مسائل ولم يكن من أهل البلد الذي عاش طيلة عمره فيه، فكأن بعض الحاسدين له اقتنصوا مخالفته فشنعوا عليه وضايقوه حتى فارقهم ورحل عن بلادهم، فتلقفه آخرون، وأحسنوا احتواءه، ووضعوه في مقامه اللائق به علمياً، وسخروا قوته العلمية في تشريع كثير من الرخص على وفق منهجهم، ونقد المنهج السابق بحجة التشدد. ولا شك في أنه يلام في ذلك، لكن النفس البشرية تضعف أمام المضايقات، وتستعبد لإحسان الآخرين ولو كانوا مخالفين في المنهج الصحيح.(1/422)
ولو تأملنا السنة النبوية لوجدناها مليئة بحفظ مكانة الشخص ولو أخطأ، وعدم الإسراف في الإنكار عليه بتنقيصه والإزراء به، وفرق بين التعرض لشخصه بالهمز واللمز والتعرض لقوله بالتخطئة والنقد، وكثير من الناقدين لا يفرقون بينهما، والنبي صلى الله عليه وسلم لما أقام الحد على الشارب فسبه بعض القوم قال صلى الله عليه وسلم رداً عليهم: ((لَا تَقُولُوا هَكَذَا، لَا تُعِينُوا عليه الشَّيْطَانَ، وفي رواية: لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ على أَخِيكُمْ)) (1) وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم إنزال الناس منازلهم (2)، ووضعهم في المقام اللائق بهم، وقال في سعد بن معاذ رضي الله عنه: قوموا إلى سيدكم، (3) وأنزل سيد قريش أبا سفيان منزلته فقال في الفتح: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن. (4) فالنابهون والمميزون وذوو الشأن ليسوا كغيرهم، وينبغي إعطاؤهم حقهم من التوقير والاحترام والاهتمام؛ لأن في تأليفهم خدمة للدعوة وإعزاز للدين بهم.
ومنهج النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب أنه كان يعامل كل أحد بحسب إيمانه وقوته في الحق:
فهجر الثلاثة المخلفين؛ لما ظهر من صدقهم في عدم اختلاق الأعذار؛ وذلك لتربيتهم، وظهر صدق توبة كعب رضي الله عنه في رفضه لعرض ملك غسان .. فلا تكون هذه المعاملة قاعدة ثابتة، ولا تصلح مع كل أحد.
ولم يول خالد بن الوليد رضي الله عنه في أول إسلامه مع شهرته في القيادة، وجعله جنديا تحت قادة هو أولى بالقيادة منهم من الجهة العسكرية، وما أرى ذلك -والله أعلم- إلا تربية له؛ ليكون إسلامه لله تعالى ولا حظ فيه لشيء من الدنيا والهوى ... فلما صح ذلك من خالد رضي الله عنه ولم يتضعضع أنزله النبي عليه الصلاة والسلام منزلته اللائقة به وولاه وقال: سيف من سيوف الله (5)، ولما أخطأ تبرأ من خطئه (وقال اللهم أبرأ إليك مما فعل خالد) (6) لكنه لم يهدره ولم يعزله. وهكذا فعل الصديق رضي الله عنه، فلما تولى عمر خشي أن يفتن الناس به فعزله ولم يهدر منزلته بل أمر أبا عبيدة أن يستشيره في الحرب.
وأعطى المؤلفة قلوبهم وترك الأنصار، والأنصار أسلموا ولم يريدوا من الدنيا شيئا، لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أسلموا ما كان عنده شيء، بل خاطروا بدنياهم لأجله، وهذا من أبين الأدلة على تمكن الإيمان من قلوبهم، فعاملهم بحسب إيمانهم.
والمخطئون في معاملة من أخطأ من النابهين على طرفين: فطرف يداهنهم في دين الله تعالى لإرضائهم، ويوافقهم في بعض باطلهم بزعم أن يقبلوا الحق الذي عنده، وهي طريقة من يظنون أنهم من أهل التيسير، وهم في الحقيقة أهل التمييع والمداهنة في دين الله تعالى مع الكفار والمنافقين والمنحرفين، ولما ساومت قريش رسول الله على دينه أنزل الله تعالى سورة الكافرون؛ ليعلم الناس أنه لا مساومة على دين الله تعالى، وحسم النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر فقال: ((فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، والله أني لاَ أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ على الذي بعثني الله له حتى يُظْهِرَهُ الله له أو تَنْفَرِدَ هذه السَّالِفَةُ)) (7) يعني: رقبته الشريفة.
_________
(1) رواه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: البخاري (6395 - 6399).
(2) كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنها عند أبي داود (4842).
(3) رواه من حديث أبي سعيد رضي الله عنه: البخاري (2878) ومسلم (1768).
(4) رواه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: مسلم (1780).
(5) رواه من حديث أنس رضي الله عنه: البخاري (4014).
(6) رواه من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: البخاري (4084).
(7) رواه من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أحمد: 4/ 323.(1/423)
وطرف آخر يجفوهم ولا يأبه بهم، وإذا أخطئوا عنف عليهم وتجاوز في انتقاده لهم، فتخسرهم الأمة بسبب هذه المواقف التي يمكن اجتنابها. وينتج عن خروجهم من صف الدعوة مفاسد أهمها:
1 - ربما خسارتهم لدينهم، كمن ألحدوا أو انتهجوا مناهج الشك، أو صححوا أديان الكفار، نسأل الله تعالى العافية
2 - خسارة الأمة لطاقات نابهة.
3 - استخدام أعداء الإسلام لهم، وتجييشهم ضد الدعوة والدعاة من أوجه:
أ - الاستفادة مما لديهم من معلومات شرعية للطعن في الشريعة أو للاستدلال على ما يريدون من انحراف الناس، وقد رأينا بعد موجات الارتداد والانقلاب أن كثيرا من وسائل الإعلام التي تدعو الناس إلى الفساد والثورة على الدين صارت تعرض من النصوص والأقوال ما يؤيد شبهاتها، وكل هذا إنما يؤخذ من هؤلاء المنقلبين على أعقابهم سواء كان مباشرة وبأقلامهم أم بواسطة.
ب - محاولة إقناع المترددين بهؤلاء الذين سبقوهم إلى الانحراف، وخاصة أنهم يصفونهم بالجراءة والشجاعة والتحرر من التقليد، ويلقون في أنفسهم بأنهم رواد وطلائع للتغيير وللنهضة المنتظرة.
ت - الصد عن دين الله تعالى، كأنهم يقولون لمن يريد الاستقامة على دين الله تعالى والانتظام في سلك الصالحين: هؤلاء جربوا الطريق قبلك.
ث - كشف عورات المسلمين، بذكر ما رأوا على الصالحين والدعاة والعلماء من هفوات وزلات لا يسلم منها بشر، وتضخيمها والكذب عليها. ومن ذلك اتهام الجمعيات الخيرية أو حلقات التحفيظ أو المراكز الصيفية ونحوها.
ج - بث الشبهات في دين الله تعالى، فكثير منهم حضروا مجالس العلماء والدعاة، ويعرض فيها بعض المسائل الخلافية والمشكلة، أو التي يثيرها الخصوم فيتلقفها فإذا انقلب صار يشغب بها على العلم والعلماء والدعوة والدعاة، وقد أخذها منهم.
السبب الرابع: اختيار أضعف ما عند الخصوم من أصحاب الفرق الضالة أو التيارات الفكرية المنحرفة والرد عليه، والإلقاء في روع الأتباع أن الشبهة انتهت وأن حجة الخصم سخيفة أو ضعيفة وهي في واقع الأمر ليست كذلك، فمع الانفتاح الإعلامي والثقافي صار الشاب يطلع على ما عند الآخرين، وإذا هو ليس ضعيفا كما صوره شيخه، بل فيه قوة، ويحتاج في رده إلى حجة، فينحرف بسبب ضعف جواب شيخه، أو يجد شبهات أخرى لم يتعرض لها شيخه.
أسباب التثبيت على الحق:
من رحمة الله تعالى بعباده أنه لما ابتلى أهل الحق بفتنة أعدائهم لهم، وتسلطهم عليهم، وانقلاب بعض إخوانهم على مناهجهم فإنه سبحانه بين أسباب الثبات على الحق ليحافظ عليها من أراد الثبات، ومن تلكم الأسباب:
1 - قراءة القرآن بتدبر، ففيه قصص الثابتين على الحق للاقتداء بهم، وقصص الناكصين للحذر من سلوك مسلكهم قال الله تعالى {قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل:102] وقال تعالى {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآَنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان:32].(1/424)
2 - نصرة الدين بشتى أنواع النصرة بلسانه أو قلمه أو يده والدفع عن الإسلام؛ فإن فاته شرف الجهاد في سبيل الله تعالى بيده فلا يفوته شرف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه من الجهاد، وخير وسيلة للدفاع هي الهجوم، ومن كان ناصرا لدين الله تعالى فإنه يستحيي أن ينقلب عليه، والله تعالى وعد من نصر دينه بالنصر، والمنصور يثبت على الحق ولا ينقلب عليه، قال الله تعالى {وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحج:40] وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد:7].
3 - الدعاء بالثبات؛ فله أثر عجيب في ذلك، ذلك أن القلوب بيد الله تعالى، قال الله تعالى {وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [البقرة:250] وقال تعالى {وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى القَوْمِ الكَافِرِينَ} [آل عمران:147] وعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: ((يَا مُقَلِّبَ القُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آمَنَّا بِكَ وَبِمَا جِئْتَ بِهِ فَهَلْ تَخَافُ عَلَيْنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إِنَّ القُلُوبَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ اللَّهِ يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ))
4 - الاستعاذة بالله تعالى من الكفر والنفاق؛ فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله تعالى من الكفر وهو معصوم منه (1)،وإذا خرج من منزله تعوذ من الزلل والضلال والظلم والجهل (2).وكان يتعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور (3)، قال الترمذي في معناه: (إِنَّمَا هُوَ الرُّجُوعُ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَى الْكُفْرِ، أَوْ مِنَ الطَّاعَةِ إِلَى المَعْصِيَةِ، إِنَّمَا يَعْنِي الرُّجُوعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الشَّرِّ.) (4) 5 - فعل المأمورات، واجتناب المحظورات؛ فإن الشيطان يزين للعاصي تسويغ معصيته بالدين، قال الله تعالى في العاصين من بني إسرائيل {وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء:66].
_________
(1) كما في حديث أبي بكرة رضي الله عنه عند أحمد: 34/ 17 ط: الرسالة، وصححه ابن خزيمة (747) وابن حبان (1028).
(2) كما في حديث أم سلمة رضي الله عنها عند أبي داود (5094)، وصححه ابن خزيمة (747) وابن حبان (1028).
(3) كما في حديث عبد الله بن سرجس رضي الله عنه عند الترمذي، وقال: حسن صحيح (3439).
(4) جامع الترمذي، ط: شاكر5/ 498.(1/425)
مع السعي الجاد في طاعة الله تعالى، وكثرة عبادته؛ فأهل الكهف لما سعوا إلى طاعة ربهم، وهربوا من شرك قومهم أعانهم الله تعالى على ما أرادوا، وثبتهم عليه، وقص الله تعالى علينا خبرهم لنتأسى بهم في الثبات {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13] والصحابة لما خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم للحديبية طائعين لله تعالى ثبتهم الله تعالى على إيمانهم قال الله تعالى {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4]. مع مجاهدة النفس على الإيمان والطاعة، والبعد عن المحرمات {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ المُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69] فوعد الله تعالى بهدايتهم متى ما جاهدوا أنفسهم، وخصهم بمعيته لأنهم محسنون.
6 - قراءة سير السلف من الثابتين على الحق {وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ] [هود:120] ولذلك قص النبي عليه الصلاة والسلام على خباب رضي الله عنه سير الثابتين قبلهم لما شكوا إليه ما يلقون من الأذى. ومنه قصة الساحر والغلام والكاهن، وقول الغلام لما خدت الأخاديد (يا أمه اصبري فإنك على الحق) (1).
7 - تعاهد القلب وملئه بمحبة الله تعالى ومحبة رسوله عليه الصلاة والسلام فإن ذلك يدفع للثبات والتضحية، فالوالد من فرط محبته لولده يفديه بحياته، والعشيق يفدي معشوقته. ومحبة الله تعالى أكبر وأسمى من محبة الولد والمعشوقة؛ لما لله تعالى من أفضال كثيرة على العبد، ولحاجة العبد الدائمة إلى العبودية لله تعالى.
8 - كراهية الكفر وأهله واستحضار عاقبتهم دائما؛ كما في حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((ثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلاَوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لاَ يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ، بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ، مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ)) (2) 9 - التواصي بالحق وبالصبر؛ فإن الله تعالى استثني من الخسران من تواصوا بهما، قال تعالى {إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3] وقال تعالى {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الخَاشِعِينَ} [البقرة:45] وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:153] وكذلك الصلاة والمحافظه عليها كما في الآيات الأخرى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر صلى ..
10 - كثرة ذكر الله تعالى {الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ} [الرعد:28] وطمأنينتها سبب لثباتها {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال:45].
11 - لزوم التقوى؛ فبها ينال العبد برهاناً ونوراً وفرقاناً يعرف به الحق من الباطل فلا يلتبس عليه كما قال تعالى {وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ} [البقرة:282] وقال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا} [الأنفال:29] {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَآَمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ} [الحديد:28] فمن علمه الله تعالى، ورزقه فرقاناً، وجعل له نوراً فلن يزيغ أو يضل أو يضعف.
_________
(1) رواه من حديث صهيب رضي الله عنه مسلم (3005).
(2) رواه البخاري (21) ومسلم (43).(1/426)
المسلمون إرهابيون .. عدا %99.6 منهم!!
سعيد حارب
24 ذو الحجة 1431هـ
عنوان المقال ليس من عندي، لكنه خلاصة تقرير نشرته الشرطة الأوروبية «يوروبول» وتناقلته «بعض» وسائل الإعلام، وجاء ليصدم كثيرا من المتابعين والمراقبين في الغرب الذين كانوا يتوقعون أن يلقي التقرير بالتهمة على المسلمين، كما حاول كثير من وسائل الإعلام أن يصور جميع المسلمين، أو الغالبية العظمى منهم، كإرهابيين، فجاء هذا التقرير الصادر عن أعلى مؤسسة أمنية أوروبية ليفاجئ معظم الغربيين بل كثيرا من المسلمين، فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر والأنظار تتجه إلى المسلمين باعتبارهم مصدر الإرهاب في العالم، ولم تبق وسيلة إعلامية أو مركز دراسات متخصص إلا وبحث هذه القضية التي أصبحت من القضايا المسلّمة عند كثير منهم، فهذا التقرير الصادر عن الفترة من 2006 وحتى 2009 الذي نشر على موقع ( loonwatch.com) اختار هذا العنوان «الساخر» ليعبر عن حالة الرعب التي ترسمها صور الإعلام وبعض السياسيين في الغرب، وقد جاء في التقرير أن مروجي «رهاب الإسلام» (الإسلاموفوبيا) يعملون من أجل نشر ادعائهم بأن «ليس كل المسلمين إرهابيين، ولكن كل الإرهابيين (تقريبا) مسلمون». ورغم أن هذه الفكرة أخذت تصبح بديهية في بعض الدوائر، فإنها ببساطة ليست صحيحة، وقد استند التقرير إلى سجلات الـ «أف. بي. آي» (مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي) الذي بين أن %6 فقط من الهجمات الإرهابية داخل الولايات المتحدة من 1980 إلى 2005 نفذت بأيدي إسلاميين متطرفين، أما الـ%94 الباقية من الهجمات فقد نفذتها مجموعات أخرى، فـ%42 نفذتها مجموعات من أميركا اللاتينية، و%24 نفذتها مجموعات يسارية، و%7 نفذها يهود متطرفون، و%5 نفذها شيوعيون، و%16 نفذتها جميع المجموعات الأخرى، وفي الواقع فإن نسبة ضخمة من الهجمات الإرهابية في أوروبا (%99.6) نفذتها مجموعات غير إسلامية. وبلغت نسبة الهجمات التي نفذتها مجموعات انفصالية لا صلة لها بالإسلام إطلاقا %84.8. وبلغت حصة المجموعات اليسارية من الهجمات الإرهابية 16 من مرة نسبة هجمات المجموعات الإسلامية، في حين إن نسبة %0.4 فقط من الهجمات الإرهابية خلال سنوات 2006 - 2008 يمكن أن تنسب إلى مجموعات إسلامية، وكمثال على ذلك، فإنه في عام 2006 وقعت 498 عمليه إرهابية كان منها 424 عملية قامت بها مجموعات انفصالية، و55 عملية قامت بها مجموعات يسارية، بينما لم توجه التهمة «الإسلامية» بصفة رسمية إلا لعملية واحدة!! وفي عام 2007 وقعت في أوروبا 583 عملية إرهابية كان من بينها أربع عمليات فقط وجهت لها صفة «الإسلامية» بصفة رسمية حيث وقعت اثنتان منها في بريطانيا وواحدة في الدنمارك وواحدة في ألمانيا، بينما كان هناك 532 عملية قامت بها مجموعات انفصالية، و21 عملية قامت بها مجموعات يسارية، وهكذا يمضي التقرير ليحدد طبيعة العمليات التي وقعت في أوروبا وتوصف بالإرهابية، ليتبين أن العمليات التي وصفت بـ «الإسلامية» لا تتجاوز %0.(1/427)
4 من مجمل العمليات التي توصف بالإرهابية في أوروبا!! فما السر في هذه «الضجة» حول الإرهاب «الإسلامي» بينما يتجاهل الجميع مئات العمليات الإرهابية التي يقوم بها الانفصاليون واليساريون وغيرهم؟ يجيب التقرير: «التصور ليس هو الواقع، ونتيجة لنفوذ ودعاية التيار اليميني، هناك أناس يعتقدون خطأ أن (الإرهاب الإسلامي) هو أكبر تهديد للعالم الغربي، حتى إن هناك اعتقادا شائعا بأن (الإرهاب الإسلامي) يشكل تهديدا وجوديا، أي أن بقاء العالم الغربي بحد ذاته مطروح في الميزان، هناك تهويل وتركيز متعمدان عندما يتعلق الأمر بأعمال يرتكبها مسلمون، ما يروج لفكرة أن جميع الإرهابيين (تقريبا) هم مسلمون».
بقي أن نسأل: هل من العدالة والإنصاف أن يتهم المسلمون جميعا بالإرهاب لأن عددا محدودا منهم يمارس ذلك؟ ولماذا كلما انفجر إطار سيارة في مكان ما من العالم تلفت الناس حولهم يبحثون عن أي مسلم حتى يلصقوا التهمة به، بحيث أصبح كل مسلم -خاصة إذا كان عربيا- موضع اشتباه في مطارات العالم ومحطات القطارات ومواقف السيارات، حتى أصبح بعض الطيارين يرفض الإقلاع بالطائرة لأن أحد ركابها مسلم؟!!
لقد مضت السنوات العشر الأخيرة وموضوع «الإرهاب الإسلامي» يتصدر عناوين الكتب ووسائل الإعلام وأفلام السينما وتقارير المراكز وخطب السياسيين، بل أصبح الشماعة التي تعلق عليها كل الممارسات الخاطئة من كبت للحريات وغياب للديمقراطية وانتهاك لحقوق الإنسان واحتلال للدول، فكل
ذلك مبرر باسم الحرب على الإرهاب، هذه الحرب «الوهمية» التي لم تقض على الإرهاب بل زادته انتشارا وسعيرا؛ لأن الإسلام لم ولن يكون سببا للإرهاب، بل هو أهم الحلول للقضاء على الإرهاب، إن أحدا لا يمكن أن يتجاهل هذه الظاهرة التي تعود في جذورها إلى أسباب كثيرة لم تعمل الدول على حلها ومعالجتها، بل سلطت وسائل الإعلام لـ «تضخيمها»، بل جعلتها «صناعة» يقتات عليها البعض من الإعلاميين والباحثين، وتتصدر عناوين الأخبار والصحف، بحيث يصبح خبر إلقاء القبض على متهم بالإرهاب في قرية من القرى العربية خبرا عاجلا على شاشات التلفزيون وصفحات الإنترنت، ويتصدر نشرات الأخبار، بينما يتراجع خبر إقرار الكنيست الإسرائيلي ليهودية الدولة ليصبح الخبر الثالث في نشرة الأخبار أو ضمن العناوين الفرعية للصحف وصفحات الإنترنت!! ويصبح اكتشاف مجموعة إرهابية أهم من اكتشاف طبي!! وإذا كان هذا متصورا في وسائل الإعلام الغربية، فما السر في «انجرار» بعض وسائل الإعلام العربية لهذا الطريق، إلا إذا كنت تقوم بدور في تضخيم هذه الظاهرة لتحقيق مصالح أخرى؟ فتضخيمها لا يخدم المجتمعات، بل يجعلها أسيرة الخوف والرعب، ويعطل تنميتها، ويجعل الشعوب تضحي بحريتها وحقوقها في سبيل مواجهة الإرهاب، فهل هذا هو المطلوب؟!!(1/428)
بيان آل البيت النبوي من أهل الحرمين الشريفين في الدفاع عن الصحابة وأمهات المؤمنين رضي الله عنهم أجمعين وإعلان حقيقة مذهبهم قديما وحديثا في تعظيم وإجلال الأزواج والأصحاب
...
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله القائل: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعًا سجدًا يبتغون فضلًا من الله ورضوانا) والقائل: (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله)
والصلاة والسلام على سيدنا وحبيبنا ونبينا محمد القائل: (لا تسبوا أصحابي) وعلى آله المعظمين لجنابه الشريف الحافظين لحرمة أصحابه وزوجاته أمهات المؤمنين وعلى جميع أصحابه أحفظ الناس للوصية النبوية في الآل المطهّرين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين … وبعد:
فإن مما عظمت به المصيبة وجلّ به الخطب أن يسمع المسلمون من حين لآخر تطاولًا على أحد سادة هذه الأمة وأئمة الهدى, من بعض الموتورين والمرجفين من أهل الباطل والضلالة ودعاة الفتنة، والذين يتبرأ من فعلهم كل علماء المسلمين وعقلائهم .. ومن أقبح ذلك التطاول الذي يُروِّجُ له بعضُ أهلِ الباطل: إفكُهم ووقيعتُهم في أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت أبي بكر الصديق (رضي الله عنها وعن أبيها) التي برأها الله تعالى من فوق سبع سموات، وجعل براءتها قرآنًا يتلى ويتعبد به إلى قيام الساعة.
فكانت تلك البراءةُ والفضيلةُ والطهارةُ نورًا ساطعًا في وضيء سيرتها الكريمة يبقى ما بقي القرآن يتلى. فهذا كلام الله سبحانه وتعالى فاضحٌ ذلك الإفكَ والبهتان والتزييف, كاشفٌ فسادَ وضلال وجرم من تجرَّأ على مقامها المنيف رافعٌ قدرَها, مقرِّرٌ طهرَها, مبرئٌ عِرْضَها, يذبُّ عن جنابها الشريف.
قال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ {، وقال تعالى إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ {، وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ {، وقال تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ {.
ولا ينكر طهارتها وبراءتها بعد هذا الوحي الإلهي المنزَّل؛ إلا من خذلته الضلالة وأعماه الهوى, وانحرف عن الصراط المستقيم، فلا يخرج عن باطل التأويل إلا إلى تكذيب التنزيل ولا من الضلال المبين إلا إلى الكفر برب العالمين.(1/429)
وجميع ما ذكر هو مما أجمعت عليه أمة الإسلام ومنهم آل البيت فإن آل بيت النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حافظون لحقها ولحق باقي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأخيار البررة, لما لهم من الشرف الرفيع والقدر الكبير والفضل المشهور، معتقدين أن الطاعن في أي واحد منهم آثمٌ معتدٍ مأزور، فحق الصحب الكرام (رضي الله عنهم أجمعين) واجب على جميع المسلمين، وفضلهم ومحبتهم ومعرفة مكانتهم أمرٌ لازمٌ على جميع المؤمنين.
ولم يكن في يوم من الأيام حِفْظُ حق أمهات المؤمنين ومعرفةُ حق الصحب الأكرمين سببًا لتجاهل حق قرابات النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذريته المطهرين، بدءًا بالصحب الكرام, إلى الأئمة الأعلام من أمة الإسلام, فكلهم عاملون بوصية النبي صلى الله عليه وآله وسلم في آل بيته, مكرمون لهم, عارفون لهم مكانتهم, يرون لهم في الحب حقًّا لا يشاركهم فيه غيرهم، وأخبارهم في ذلك مبسوطة طويلة في محلِّها, ومصنفاتهم شاهدة على صدقها.
فهي محبة صادقة ألفت بين قلوب الآل والأصحاب لا غلو فيها ولا جفاء, تمثل منهج الاعتدال والوسطيَّة بالمحبة المتبادلة بين القرابة والصحابة، ومن زعم غير ذلك فقد افترى إثمًا وبهتانًا عظيمًا.
ونحن إذ نخرج هذا البيان ونسطره فإنما نقوم بذلك قولًا للحق وردًّا على الباطل, ودفاعًا عن أمنا أم المؤمنين عائشة الصديقة بنت الصديق (رضي الله عنها وعن أبيها) فلئن كان حقها على كل مسلم عظيمًا, فحقها علينا آل البيت أعظم, فذرية النبي صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين أهل بيت واحد, وفيهم جميعًا قال النبي عليه الصلاة والسلام في تعليمه لأمته الصلاة عليه كما في الصحيحين من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنهم قالوا: يا رسول الله، كيف نصلي عليك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قولوا اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم، وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
ومع الحق الكبير لأم المؤمنين عائشة (رضي الله عنها) على آل البيت بكونها واحدةً من سادة البيت النبوي (كما سبق) , فيزداد حقُّها عليهم عظمًا, بصلة قربى بين آل البيت الحسنيين والحسينيين وآل أبي بكر الصديق من جهة المصاهرة والولادة:
فقسمٌ كبير من ذرية سيدنا الحسن بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما) من أشراف الحجاز وأشراف المخلاف السليماني وبعض من في العراق ومصر وغيرها من البلاد الإسلاميَّة والسواد الأعظم منهم لهم صلةُ نسبٍ من أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)؛ لأن جدهم عبد الله الرضا بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي رضي الله عنهم أمه هي أم سلمة بنت محمد بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر, وأم طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن عائشة بنت طلحة بن عبيد الله وأمها أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق, كما هو منصوص عليه في كتب الأنساب المعتمدة.
ومثلهم في ذلك ذريةُ سيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب (رضي الله عنهما): فبنو جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين الشهيد بن علي رضي الله عنهم في مختلف البلاد ممن يفخرون بولادةٍ من جدِّهم أبي بكر الصديق رضي الله عنه كذلك؛ فأم جعفر الصادق هي فروة بنت القاسم الفقيه بن محمد بن أبي بكر, وأمها أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر, ولهذا كان جعفر الصادق يعتزُّ بهذه الولادة فيقول (فيما يُروى عنه): ولدني أبو بكر مرتين.(1/430)
فحق لنا آل البيت من هذه البطون والأصول المعروفة وغيرهم من آل البيت أن نكون أولى بأمنا أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها وعن أبيها من غيرنا وأن يكون واجب الدفاع عنها أوجبَ علينا منه على غيرنا وأن نكون أقوى سدٍّ وأمنع حصنٍ لجنابها الشريف من تعدي ووقيعة المفسدين ومن تطاول وإساءة المفترين.
فإن لها رضي الله عنها من خصائص التفضيل بعدما جاءت بطهارتها آيُ التنزيل عَلَمًا شامخًا ومجدًا باذخًا, ما علاه كبيرُ أحدٍ من السادة الأخيار, ولا حازه أكثرُ ذوي الأقدار، فكثير من فضائلها (رضي الله عنها) قد ثبتت بالأسانيد الصحيحة, وتزيَّنَت بعاطر سيرتها دواوين الإسلام, وتوثَّقت بعروتها كتب الحديث المعتبرة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه الكرام رضي الله عنهم.
ومن ذلك ما أخرجه البخاري أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعث عمار بن ياسر وابنه الحسن بن علي رضي الله عنهما للبصرة فقدما الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه وقام عمار أسفل من الحسن وكان عمار يقول عن عائشة حينها: (والله إنها لزوجة نبيكم في الدنيا والآخرة).
وغير ذلك من فضائلها الجليلة ومناقبها الكريمة, وإنما قصدنا لنغترف هذا الخبر خاصة من بحر فضائلها وأن نقتبس جذوةً من شمس مناقبها لحكمة لطيفة, منها أنه خبرُ عمار بن ياسر في محضر الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين, وأنه خبرٌ قاله عمار (رضي الله عنه) المبعوث من علي (رضي الله عنه) - سيد آل البيت - أيام خلافته وخلافة من قبله من الخلفاء الراشدين, وأنه بيانٌ لفضلها ومكانتها في الدنيا والآخرة.
وإن أمَّة الإسلام كلها (وفي مقدمتهم آل البيت) قد أجمعوا على أن أم المؤمنين الصديقة عائشة بنت أبي بكر الصديق (رضي الله عنها وعن أبيها) سيدةٌ من سيدات هذه الأمَّة, اختارها الله تعالى لنبيه, فهي زوجته في الدنيا والآخرة, واعتقدوا لها واجبَ التعظيم والإجلال والتوقير, لمكانتها من قلب رسول الله وحبّه, ولإيمانها وتعبّدها وتألّهها, ولفقهها وعلمها, ولرَفْعِ الله تعالى قدرَها بتبريئها في قرآن يُتلى إلى قيام الساعة.
ومما يشهد لحفظ آل البيت حقَّ أمهم عائشة الصديقة (رضي الله عنها) ورعايتهم غايةَ الرعاية لواجبها الخاصِّ عليهم: قصصٌ جليلةٌ وأخبارٌ كثيرة, أرّخها التاريخ ووعاها الرواة.
ومنها خبر لأحد أكابر سلالة سيد شباب أهل الجنة وريحانة رسول الله وأهل بيته وأمته الحسن بن علي رضي الله عنهما وهو السيد الحسن الملقب بالداعي الكبير بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما مؤسِّس دولة آل البيت العلويين بطبرستان ونواحيها سنة 250هـ فقد سطَّر موقفًا من مواقف الكرم والوفاء والإيمان في الذبِّ والدفاع عن عرض وجناب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وذلك فيما رواه اللالكائي وغيره عن أبي السائب عتبة بن عبد الله الهمداني قال: (كنت يومًا بحضرة الحسن بن زيد الداعي بطبرستان وكان يلبس الصوف ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويوجه في كل سنة بعشرين ألف دينار إلى مدينة السلام يفرق على سائر ولد الصحابة، وكان بحضرته رجل، فذكر عائشة بذِكرٍ قبيح من الفاحشة، فقال: يا غلام اضرب عنقه، فقال له العلويون: هذا رجل من شيعتنا! فقال: معاذ الله! هذا رجل طعن على النبي صلى الله عليه وسلم، قال الله تعالى: {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم}، فإن كانت عائشة خبيثة فالنبي صلى الله عليه وسلم خبيث (حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم) فهو كافر فاضربوا عنقه فضربوا عنقه وأنا حاضر).(1/431)
وروى اللالكائي أيضًا عن أخيه محمد بن زيد الداعي الصغير الذي تولى أمر طبرستان من بعده أنه قدم عليه رجل من العراق، فذكر عائشة بسوء وفُحش, فقام إليه فقتله.
والخلاصة أن منهج آل بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم هو معرفة حق أصحاب رسول صلى الله عليه وآله وسلم وزوجاته أمهات المؤمنين، والاعتراف بفضلهم والترضي عنهم والترحم والاستغفار لهم، ونشر محاسنهم ومناقبهم، والتذكير بمواقفهم الجليلة في خدمة الدين.
فهذا هو المنهج الحق الذي كان عليه أكابر أئمة أهل البيت والعترة المطهرة في القرون المفضَّلة, ومقالاتهم في ذلك ساطعة البرهان واضحة البيان.
بل لقد نقل محمد الباقر بن علي زين العابدين إجماعَ آل البيت على تعظيم الشيخين أجلّ تعظيم, فقد رُوي عنه أنه كان يقول: أجمع بنو فاطمة على أن يقولوا في أبي بكر وعمر أحسن ما يكون من القول.
وهكذا كان أهل البيت حقًّا في كل زمان ومكان: أهلَ اعتدالٍ ووسطيَّة, ودعاةً لاجتماع الكلمة على الدين والسنة.
وهم من أشدّ الناس نبذًا لأسباب الاختلاف وبغضًا لدواعي الفتنة، حريصون على القيام بالحق وللحق, منكرون للباطل الذي أنكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, ومنه الوقيعة في سلف هذه الأمة ورعيلها المبارك الأول, الذين جاء تعديلهم وتزكيتهم والثناء عليهم في كتاب الله العزيز، فقال تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا {. وقال تعالى {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ {، والذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم).
وما نقرِّره هنا هو منهج آل البيت في أطهر البقاع المقدَّسة على وجه الأرض في الحرمين الشريفين ونواحيهما، وهو نهج أسلافنا من قبل ومن بعد، مشايخَ وأعيانًا, وقبائلَ وأفرادًا.
ولا نقول في ختام هذا البيان إلا: الله الله في كتاب الله أن يُتعرض له ولأهله أو يهان.
والله الله في حق نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ومقامه الكريم أن يناله أحدٌ بالتنقّص والبهتان.
والله الله في آل البيت النبوي من أن تُضيّعَ مكانتهم ووصيةُ جدهم فيهم بالمودة والإحسان.
والله الله في زوجاته أمهات المؤمنين اللاتي ذكر الله تعالى فضلهن وطهارتهن في آي القرآن.
والله الله في أصحابه الذين جاء في الوحيين مقامهم العظيم بجليل المناقب والرضوان.
والله الله في أئمة الإسلام وقدوة الهدى من أن يُنالوا بسوء من أهل الفتنة والعصيان.
والله الله في أمَّة الإسلام من إثارة الفتن والنزاعات الطائفيَّة والمذهبيَّة فيها, بما لا يُرضي الله تعالى ولا ينتفع به إلا أعداءُ أمتنا من أهل الكفر والطغيان.
والله الله في كل مسلم ومسلمة في مشارق الأرض ومغاربها, فلهم حقوق أخوة الإيمان.
هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأزواجه وصحابته والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
...
كتبه من آل البيت:
1 - الشريف هزاع بن شاكر العبدلي
رئيس اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة العربية السعودية شيخ الأشراف العبادلة ذوي حمود
2 - د/ الشريف حاتم بن عارف بن ناصر العوني عضو مجلس الشورى السعودي والأستاذ المشارك في علوم السنة والحديث النبوي بجامعة أم القرى(1/432)
3 - الفريق م الشريف طلال بن محسن العنقاوي من كبار الأشراف العناقوة
4 - الشريف أحمد بن محمد بن حسن بشير المعافا قاضي محكمة التمييز بمكة المكرمة سابقاً عضو مجلس منطقة جازان
5 - الشريف فوزان بن سلطان بن راجح آل عون العبدلي ناظر وقف الشريف زيد بن فواز عضو اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة العربية السعودية.
6 - الشريف شرف بن عبد الله بن جساس البركاتي شيخ الأشراف البراكيت ذوي حسين
7 - الشريف محمد بن عبد الله بن عبد الكريم بن بديوي الهجاري شيخ قرية الأشراف بينبع
8 - الشريف ناصر بن علي بن شحاذ آل راضي الحسيني ناظر وقف الشريف ناصر بن علي بن حسين آل راضي سابقًا بالمدينة المنورة من كبار أشراف بني حسين بالمدينة المنورة
9 - الشريف منصور بن ناصر آل شهيل الحسيني ناظر وقف الأشراف بني حسين بالمدينة المنورة من كبار الأشراف بني حسين بالمدينة المنورة
10 - الشريف حميد بن حمود آل نامي شيخ الأشراف ببدر
11 - الشريف محمد بن عبد الله بن علي آل عون العبدلي شيخ الأشراف العبادلة ذوي ناصر آل عون
12 - الشريف عبد الله بن فراج بن عبد المعين آل عون العبدلي رئيس قسم الدراسات الإسلامية بالكلية المتوسطة بمكة المكرمة سابقًا والكاتب الصحفي والمفكر الإسلامي، ومن كبار الأشراف العبادلة ذوي هزاع آل عون
13 - الشريف محمد بن حسين بن زيد آل عون العبدلي من كبار الأشراف بالطائف
14 - الشريف إبراهيم بن حسن بن علي الذروي شيخ قبائل الحسيني والنجوع عضو المجلس البلدي في محافظة صبيا.
15 - الشريف ممدوح بن نامي بن شاهين الشدقمي الحسيني ناظر وقف الأشراف الشداقمة من كبار الأشراف بني حسين بالمدينة المنورة
16 - الشريف ناصر بن عبد الكريم البركاتي القاضي بديوان المظالم بمنطقة مكة المكرمة.
17 - الشريف محمد بن الحسين بن ناصر خواجي رئيس كتابة العدل الثانية بجازان عضو مجلس الأوقاف الفرعي في منطقة جازان.
18 - د/ الشريف سامي بن محسن العنقاوي مدير مركز أبحاث الحج بجامعة أم القرى سابقًا وأستاذ العمارة والحضارة الإسلاميَّة
19 - د/ الشريف حسن بن علي بن عون الحارثي الأستاذ المشارك بقسم التاريخ بجامعة أم القرى
20 - د/ الشريف عدنان بن محمد بن فايز الحارثي عميد شئون المكتبات بجامعة أم القرى عضو المجلس العلمي في موسوعة الحرمين بمؤسسة الفرقان
21 - د/ الشريف نامي بن عوض الفعر رئيس قسم التربية الإسلامية بتعليم جدة عضو لجنة تطوير جمعيات تحفيظ القرآن الكريم الخيرية بمنطقة مكة
22 - د/حسن محمد البركاتي رئيس المجلس البلدي في الليث
23 - د/محمد أحمد النعيري موجه تربية إسلامية في إدارة تعليم الليث.
24 - أ/ الشريف عصام بن ناهض الهجاري المحاضر بقسم الدراسات الإسلامية بجامعة طيبة عضو اللجنة الخاصة لضبط وتوثيق أنساب الأشراف بالمملكة العربية السعودية
25 - أ/ الشريف وائل بن سلطان بن عبد الكريم الحارثي المحاضر بقسم أصول الفقه بجامعة أم القرى الباحث في الشريعة والفكر الإسلامي
26 - الشريف محمد بن حسين الصمداني مشرف عام موقع آل البيت حول العالم وباحث في الشريعة والتاريخ والأنساب
27 - الشريف شاكر بن ناصر بن مستور الفعر العبدلي تربوي وباحث في الشريعة والتاريخ والأنساب ومشرف في موقع آل البيت حول العالم
28 - الشريف علي بن محمد بن أحمد أبو الخير المعافا المشرف العام على موقع الأشراف السليمانيين بالمخلاف السليماني وباحث في الشريعة والتاريخ والأنساب
29 - محمد أبو بكر الصعب إمام وخطيب جامع الوسقة الكبير بمحافظة الليث.
30 - الشريف خالد بن عبد المعين آل مهنا الحارثي باحث في الدكتوراه في الحديث وعلومه بجامعة أم القرى
31 - الشريف يحيى بن محمد الطالبي الخيراتي باحث في الماجستير في التربية الإسلامية بجامعة أم القرى إمام وخطيب جامع سعد بن معاذ بمكة المكرمة
32 - الشريف خالد بن خلف بن سند الجودي باحث في الماجستير في الحديث وعلومه بجامعة أم القرى.(1/433)
فقه التيسير: الواجهة الخلفية للعصرانية
أحمد بن صالح الزهراني
7 ذو الحجة 1431هـ
لاشكّ أنّ العصرانيّة أو الليبرالية الإسلامية أو العلمانية في ثوبها الجديد تتفق على أسلوب خطير في حربها للقيم الشرعية، ألا وهو الحرب من داخل صفوف الخصم، بمعنى استنبات أو دعم وإبراز عيّنات في صفوف الإسلاميين تبقى منتسبة للصف الإسلامي من حيث الاسم والمظهر، لكنّها من حيث الحقيقة والمضمون لا يُعلم لها وجه من قفا؛ فهي تتحدث عن الإسلام وللإسلام كثيراً، لكنّه كلام وحديث يصبّ في جعبة الخصم، وهذه العينات متفاوتة في السمات والخصائص، والتخصصات كذلك، لكنّ أشدّهم عبثاً ونكاية في الشريعة هم الشرعيّون، أعني من كانت بدايته وشهرته في العلم الشرعي تلقّياً وأداءً وإفتاء.
ولهذا ظهرت في وقتنا مناهج جديدةٌ للتفقّه والإفتاء عجيبةٌ غريبةٌ، روّجها أدعياء دخلاء على الفقه بمعناه الصّحيح، الفقه الّذي جاء عن صحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وتابعيهم بإحسان، وعليه تفقّه الأئمّة الأربعة، الفقه القائم على الكتاب والسنّة، والتأمّل فيهما في ضوء منهج السّلف الصّالح، لا بمنهجٍ منفلتٍ، يتلمّس الثغرات، ويبحث عن هفوات الأئمّة، وأخطاء الفقهاء ليصيّرها مذاهب فقهيةً، وآراء علميةً يتصدّر بها مجالس الفقه والإفتاء، ويزعم التّجديد في الفقه والشّريعة، «وقد قيل: إنّما يفسد النّاس نصف متكلّمٍ، ونصف فقيهٍ، ونصف نحويّ، ونصف طبيبٍ، هذا يفسد الأديان، وهذا يفسد البلدان، وهذا يفسد اللّسان، وهذا يفسد الأبدان».
وهذا الأمر ندر من يتكلّم فيه، ويبيّن دخنه وزغله، بل يُتّهم من يتكلّم فيه أنّه حاسدٌ، وأنه منفّرٌ، وأنّه ضدّ أيّ عملٍ ناجح، وأنّه مثاليٌّ لا واقعيّ، ويُقال له: إنّ الأمة بحاجةٍ لكلّ جهدٍ، وإنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلّم- أمر كلّ النّاس بتبليغ الدّين .. إلى آخر هذه التلبيسات الّتي روّجها بعض من لا يستطيع الحياة والعمل إلاّ تحت أجواء السكوت عن الباطل، والمجاملة في الحق، والله المستعان.
قال السّخاوي ـ رحمه الله ـ في ذكره الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره: «ويلتحق بذلك المتساهل في الفتوى، أو التّصنيف، أو الأحكام، أو الشهادات، أو النّقل، أو الوعظ، حيث يذكر الأكاذيب وما لا أصل له على رؤوس العوام».
التساهل في الفتوى له عند صاحبه مسوّغات عديدة، ولعلّ أسوأها وأشدّها خطراً ما يسمّى عند أصحابه (فقه التيسير) أو الفقه المتسامح، ومصدر خطورته أنّه تجاوز مرحلة خطأ المسلك الفردي، بل أصبح منهجاً ومقصداً بذاته، ثمّ أصبح بعد ذلك واجهة خلفيّة شرعية ومرجعاً علمياً لكل الدعوات العلمانية والعصرانية والليبرالية وغيرها من تشكّلات النفاق المعاصر.(1/434)
وأصبحت الجرأة على الفتوى المخالفة للنّصوص سمة بارزة لرموز هذا المنهج، مدّعين بذلك التّيسير على النّاس، حتى أبطلوا شرائع، وأحدثوا في دين الله أمراً جللاً، استغلّه أفراخ العصرانيين ومدّعو الاستنارة في تقنين التّفلّت من الدّين، وتشريعه؛ ليكون فقهاً عصرياً يناسب المرحلة الراهنة، وهي - للأسف- هرطقة تتلبس بلباس المصلحة، وتتّخذ من المنهج التّيسيري مركباً تركبه، ووطاءً تطؤه، فيفضي ذلك إلى تحريف الشّريعة. قال ابن القيّم في سبب تحريف شريعة النصارى: «وانضاف إلى هذا السبب ما في كتابهم المعروف عندهم بافر كسيس أن قوماً من النصارى خرجوا من بيت المقدس وأتوا أنطاكية وغيرها من الشام، فدعوا الناس إلى دين المسيح الصّحيح، فدعوهم إلى العمل بالتوراة، وتحريم ذبائح من ليس من أهلها، وإلى الختان وإقامة السبت، وتحريم الخنزير وتحريم ما حرمته التوراة، فشقّ ذلك على الأمم، واستثقلوه، فاجتمع النصارى ببيت المقدس وتشاوروا فيما يحتالون به على الأمم ليحبّبوهم إلى دين المسيح، ويدخلوا فيه، فاتفق رأيهم على مداخلة الأمم والترخيص لهم والاختلاط بهم، وأكل ذبائحهم، والانحطاط في أهوائهم، والتخلّق بأخلاقهم وإنشاء شريعة تكون بين شريعة الإنجيل وما عليه الأمم» [هداية الحيارى ص (266 ـ 267)] ..
ولهؤلاء (التيسيريّين) طرق شتّى في تطبيق هذا المنهج منها:
1 ـ التّوسّع في قاعدة الضّرورات.
فيسوّغون مخالفة النّصوص الشّرعيّة بكلّ ما يعتبرونه ضرورة، وإن كان ليس كذلك، ولو لم تنطبق على الحالة شروط الضّرورة المعتبرة عند الفقهاء والعلماء الّذين بيّنوا متى يمكن اعتبار الحال ضرورة يُسوّغ معها الاستثناء من النّص.
كمن يفتي بجواز سفر المرأة إلى ديار الكفر للدّراسة للضّرورة، فأين هي الضّرورة المسوّغة لمخالفة النّهي عن سفر المرأة بلا محرم وإقامتها في بلاد الكفّار؟!
2 ـ التّوسّع في القول بالمصلحة.
وهذه من بدع العصر الحاضر؛ إذ كان القول بالمصلحة والتّوسّع فيها مسوّغاً ليس فقط للقول على الله بلا علم وتشريع ما لم يأذن به الله، بل كان باباً يلج منه كلّ من أراد التّصدّر للفتوى، ولهذا دخل في القول في مسائل الشّرع بعض من لا يفقه؛ إذ تصوّر هؤلاء أنّه بمجرّد علمه ونظره في المصالح يستطيع الاجتهاد في مسائل شرعيّة، مستدلاً بأقوال من مثل مقالة ابن القيّم «حيثما وجدت المصلحة فثمّ دين الله»، ونسي أو جهل هؤلاء أنّ هذا يسوغ في حالة فقدان النص العام أو الخاص، والحاجة إلى الاجتهاد في المصلحة، والموازنة، أمّا الولوج إلى الكلام في المسائل الشّرعيّة دون علم بما في النّصوص والآثار خصوصاً من الأحكام فيها وفي مثلها؛ فهذا في الحقيقة تقديمٌ بين يدي الله ورسوله، والله تعالى نهى عنه، وقد تقدّم الكلام فيه عند الكلام في الاستصلاح فيما مر.
3 ـ تتبّع الرّخص والأقوال الضّعيفة والشّاذّة.
فإذا ضاق بهؤلاء الأمر لجؤوا إلى التّفتيش عن الأقوال والمذاهب الشّاذّة والضّعيفة المخالفة للنّصوص فأفتوا بها مع علمهم بمخالفتها للنّصوص؛ وحجّتهم في هذا أنّ لهم سلفاً في قولهم، وهذا ليس بسائغ في الحقيقة، بل إذا جاء النّص فبراءة إلى الله وإلى رسوله من كلّ قول يخالف الكتاب والسّنّة ولو قال به من قال، فكيف إذا كان القول محكوماً عليه بالشّذوذ والضّعف.
4 ـ التّلاعب بالألفاظ الشّرعيّة.
كلّنا يعلم أنّ دلالات الألفاظ في اللّغة أوسع منها في الشّرع، لأنّ الاصطلاح الشّرعي استخدم اللفظ العربي وقيّده، فيأتي الواحد من هؤلاء ليأخذ دلالة اللفظ بكلّ سعته اللغويّة، ممّا يعني إدخال عناصر جديدة لم يشملها الاصطلاح الشّرعي.(1/435)
فلفظ الحجاب مثلاً يمكن أن يشمل كل ما تحتجب به المرأة، مهما كان لونه أو صفته المهم أنّه حجاب للجسم، فيتوسّع بعض المفتين ليسوّغوا للمرأة أيّ نوع من الألبسة الّتي تستر الجسم، وهذا خطأ بلا ريب.
بل الحجاب الشّرعي هو الّذي فعله وطبّقه نساء المؤمنين عندما نزلت آية الحجاب، فهو الحجاب الّذي فيه من الشّروط ما يجعله يحقّق الحكمة من مشروعية الحجاب، وهو بُعد المرأة عن الشّبهة وإثارة الفتنة ولفت النّظر.
فإذا توسّعنا كما توسّع فقهاء التّيسير قلنا بمشروعيّة الحجاب الأحمر المزركش بالأصفر اللافت للنّظر الّذي جمّل المرأة وزاد من لفت الأنظار إليها.
أقول: إنّ هذا المنهج بملامحه البيّنة هو منهج بعيد عن السنّة، والكلام فيه من أصعب الأمور لدقّة مسائل الفقه، بخلاف قضايا العقيدة الكبرى. قال العلاّمة الشّاطبي ـ رحمه الله ـ: «جاء في بعض روايات الحديث [أي حديث الافتراق]: «أعظمها فتنةً الّذين يقيسون الأمور برأيهم، فيحلّون الحرام ويحرّمون الحلال» [أخرجه الطبراني في الكبير (18/ 50 ـ 51) (ح90)، والحاكم (3/ 547) و (4/ 430)، وهو منكر لا أصل له، وحديث الافتراق مشهور صحيح] فجعل أعظم تلك الفرق فتنةً على الأمّة أهل القياس، ولا كلّ قياسٍ، بل القياس على غير أصلٍ، فإنّ أهل القياس متّفقون على أنّه على غير أصلٍ لا يصحّ، وإنّما يكون على أصلٍ من كتابٍ أو سنّةٍ صحيحةٍ أو إجماعٍ معتبر، فإذا لم يكن للقياس أصلٌ ـ وهو القياس الفاسد ـ فهو الّذي لا يصحّ أن يوضع في الدّين، فإنه يؤدّي إلى مخالفة الشّرع، وأن يصير الحلال بالشّرع حراماً بذلك القياس، والحرام حلالاً، فإنّ الرّأي من حيث هو رأيٌ لا ينضبط إلى قانونٍ شرعيّ إذا لم يكن له أصلٌ شرعيّ، فإنّ العقول تستحسن ما لا يُستحسن شرعاً، وتستقبح ما لا يُستقبح شرعاً، وإذا كان كذلك صار القياس على غير أصلٍ فتنةً على النّاس.
ثم أخبر في الحديث أنّ المعلّمين لهذا القياس أضرّ على النّاس من سائر أهل الفرق، وأشدّ فتنةً، وبيانه أنّ مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردّها واستفاضت، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصّة والعامّة، بخلاف الفتيا، فإنّ أدلّتها من الكتاب والسنة لا يعرفها إلاّ الأفراد، ولا يميّز ضعيفها من قويّها إلاّ الخاصّة، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممّن يخالفها كثيرٌ».
قلت: صدق رحمه الله، ولذلك فإنّ من أصعب الأمور اليوم أن تبيّن للعامة بل لكثير من طلاب العلم زيف دعوة بعض فقهاء الرّخص من المشهورين الآن، والسبب دقّة المآخذ عليهم ممّا لا يحسنه ولا يعيه أكثر النّاس.
ثم قال الشاطبي: «وقد جاء مثل معناه محفوظاً من حديث ابن مسعودٍ أنّه قال: «ليس عام إلاّ والّذي بعده شرٌّ منه، لا أقول: عامٌ أمطر من عامٍ، ولاعامٌ أخصب من عامٍ، ولا أميرٌ خيرٌ من أميرٍ، ولكن: ذهاب خياركم وعلمائكم، ثم يحدّث قومٌ يقيسون الأمور برأيهم، فيُهدم الإسلام ويُثلم».
وهذا الذي في حديث ابن مسعودٍ موجودٌ في الحديث الصّحيح، حيث قال عليه الصّلاة والسّلام: «ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم، فيبقى ناسٌ جهّالٌ يستفتون فيفتون برأيهم، فيضلّون ويضلّون» [متفق عليه].
وقد تقدّم في ذمّ الرأي آثارٌ مشهورةٌ عن الصّحابة ـ رضي الله عنهم ـ والتابعين تبيّن فيها أنّ الأخذ بالرّأي يحلّ الحرام ويحرّم الحلال.(1/436)
ومعلومٌ أنّ هذه الآثار الذامّة للرّأي لا يمكن أن يكون المقصود بها ذمّ الاجتهاد على الأصول في نازلةٍ لم توجدْ في كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ، ممّن يعرف الأشباه والنّظائر، ويفهم معاني الأحكام، فيقيس قياس تشبيهٍ وتعليلٍ، قياساً لم يعارضْه ما هو أوْلى منه، فإنّ هذا ليس فيه تحليلٌ وتحريمٌ ولا العكس، وإنّما القياس الهادم ما عارض الكتاب والسنّة، أو ما عليه سلف الأمّة، أو معانيها المعتبرة.
ثم إنّ مخالفة هذه الأصول على قسمين:
أحدهما: أن يخالف أصلاً مخالفةً ظاهرةً من غير استمساكٍ بأصلٍ آخر، فهذا لا يقع من مفتٍ مشهورٍ، إلاّ إذا كان الأصل لم يبلغْه، كما وقع لكثيرٍ من الأئمة، حيث لم يبلغهم بعض السّنن، فخالفوها خطأً، وأمّا الأصول المشهورة فلا يخالفها مسلمٌ خلافاً ظاهراً من غير معارضةٍ بأصلٍ آخر، فضلاً عن أن يخالفها بعض المشهورين بالفتيا.
والثّاني: أن يخالف الأصل بنوعٍ من التّأويل هو فيه مخطئٌ، بأن يضع الاسم على غير موضعه، أو على بعض مواضعه، أو يراعي فيه مجرّد اللّفظ دون اعتبار المقصود، أو غير ذلك من أنواع التّأويل.
والدّليل على أنّ هذا هو المراد بالحديث وما في معناه؛ أنّ تحليل الشّيء إذا كان مشهوراً فحرّمه بغير تأويلٍ، أو التّحريم مشهوراً فحلّله بغير تأويلٍ كان كفراً وعناداً، ومثل هذا لا تتّخذه الأمّة رأساً قط، إلاّ أن تكون الأمّة قد كفرت، والأمّة لا تكفر أبداً.
وإذا كانّ التّحليل أو التّحريم غير مشهورٍ فخالفه مخالفٌ لم يبلغْه دليله، فمثل هذا لم يزل موجوداً من لدن زمان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذا إنّما يكون في آحاد المسائل، فلا تضلّ الأمّة، ولا ينهدم الإسلام، ولا يُقال لهذا: إنّه محدثٌ عند قبض العلماء.
فظهر أنّ المراد إنّما هو استحلال المحرمات الظاهرة أو المعلومة عنده بنوع تأويلٍ، وهذا بيّنٌ في المبتدعة الّذين تركوا معظم الكتاب، والّذي تضافرت عليه أدلّته، وتواطأت على معناه شواهده، وأخذوا في اتّباع بعض المتشابهات وترك أمّ الكتاب.
فإذاً هذا ـ كما قال الله تعالى ـ زيغٌ وميلٌ عن الصّراط المستقيم، فإن تقدّموا [أي تصدّروا] أئمةً يفتون ويُقتدى بهم بأقوالهم وأعمالهم سكنت إليهم الدّهماء، ظناً أنّهم بالغوا لهم في الاحتياط على الدّين، وهم يضلّون بغير علم، ولا شيء أعظم على الإنسان من داهيةٍ تقع به من حيث لا يحتسب، فإنّه لو علم طريقها لتوقّاها ما استطاع، فإذا جاءته على غرةٍ فهي أدهى وأعظم على من وقعت به، وهو ظاهرٌ، فكذلك البدعة؛ إذا جاءت العامّيّ من طريق الفتيا؛ لأنّه يستند في دينه إلى من ظهر في رتبة أهل العلم، فيضلّ من حيث يطلب الهداية». [الاعتصام ص534]
وذكر ـ رحمه الله ـ أيضاً قصّةً طريفة تطابق ما هو مشهورٌ عن بعض من يُشار لهم بالفتوى في عصرنا هذا من متتبّعي سقطات ورخص الفقهاء بدعوى التيسير، قال ـ رحمه الله ـ: «ذكروا عن محمّد بن يحيى بن لبابة ـ أخ الشيخ ابن لبابة المشهور ـ فإنّه عزل عن قضاء ألبيرة، ثم عزل عن الشورى لأشياء نقمت عليه، وسجّل بسخطته القاضي حبيب بن زيادة، وأمر بإسقاط عدالته وإلزامه بيته، وأن لا يفتي أحداً.(1/437)
ثم إنّ النّاصر [أي: الأمير] احتاج إلى شراء مجشر [حوض لا يستقى فيه لجشره أو لوسخه وقذره، المعجم الوسيط (ص124)] من أحباس المرضى بقرطبة بعدوة النّهر، فشكا إلى القاضي ابن بقيّ ضرورته إليه لمقابلته منزهه، وتأذيه برؤيتهم أوان تطلّعه من علاليه، فقال له ابن بقيّ: لا حيلة عندي فيه، وهو أولى أن يُحاط بحرمة الحبس، فقال له: تكلّمْ مع الفقهاء فيه وعرّفهم رغبتي، وما أجزله من أضعاف القيمة فيه، فلعلّهم أن يجدوا لي في ذلك رخصةً، فتكلّم ابن بقيّ معهم فلم يجدوا إليه سبيلاً، فغضب النّاصر عليهم وأمر الوزراء بالتّوجيه فيهم إلى القصر، وتوبيخهم، فجرت بينهم وبين بعض الوزراء مكالمةٌ، ولم يصل الناصر معهم إلى مقصوده.
وبلغ ابن لبابة هذا الخبر، فدفع إلى النّاصر بعضاً من أصحابه الفقهاء، ويقول: إنّهم حجّروا عليه واسعاً، ولو كان حاضراً لأفتاه بجواز المعاوضة، وتقلّد حقاً وناظر أصحابه فيها، فوقع الأمر بنفس الناصر، وأمر بإعادة محمّد بن لبابة إلى الشّورى على حالته الأولى، ثمّ أمر القاضي بإعادة المشورة في المسألة، فاجتمع القاضي والفقهاء وجاء ابن لبابة آخرهم، وعرّفهم القاضي ابن بقيّ بالمسألة الّتي جمعهم من أجلها وغبطة المعاوضة.
فقال جميعهم بقولهم الأوّل من المنع من تغيير الحبس عن وجهه، وابن لبابة ساكت، فقال له القاضي: ما تقول أنت يا أبا عبد الله؟ قال: أمّا قول إمامنا مالك بن أنسٍ فالّذي قاله أصحابنا الفقهاء، وأمّا أهل العراق فإنّهم لا يجيزون الحبس أصلاً، وهم علماء أعلامٌ يقتدي بهم أكثر الأمّة، وإذا بأمير المؤمنين من الحاجة إلى هذا المجشر ما به، فما ينبغي أن يردّ عنه، وله في السّنّة فسحة، وأنا أقول بقول أهل العراق، وأتقلّد ذلك رأياً.
فقال له الفقهاء: سبحان الله! تترك قول مالكٍ الّذي أفتى به أسلافنا ومضوا عليه واعتقدناه بعدهم وأفتينا به لا نحيد عنهم بوجه، وهو رأي أمير المؤمنين ورأي الأئمّة آبائه؟ فقال لهم محمّد بن يحيى: ناشدتكم الله العظيم! ألم تنزلْ بأحدٍ منكم ملمّة بلغت بكم أن أخذتم فيها بغير قول مالكٍ في خاصّة أنفسكم، وأرخصتم لأنفسكم في ذلك؟ قالوا: بلى! قال: فأمير المؤمنين أولى بذلك، فخُذوا به مأخذكم، وتعلّقوا بقول من يوافقه من العلماء فكلّهم قدوة، فسكتوا، فقال للقاضي: أنْهِ إلى أمير المؤمنين فتياي.
فكتب القاضي إلى أمير المؤمنين بصورة المجلس، وبقي مع أصحابه بمكانهم إلى أن أتى الجواب بأن يُؤخذ له بفُتيا محمّد بن لبابة، وينفذ ذلك، ويعوّض المرضى من هذا المجشر بأملاكٍ ثمينةٍ عجيبةٍ، وكانت عظيمة القدر جداً، تزيد أضعافاً على المجشر، ثم جيء بكتابٍ من عند أمير المؤمنين منه إلى ابن لبابة بولاية خطّة الوثائق ليكون هو المتولّي لعقد هذه المعاوضة، فهنئ بالولاية، وأمضى القاضي الحكم بفتواه وأشهد عليه وانصرفوا، فلم يزل ابن لبابة يتقلّد خطة الوثائق والشّورى إلى أن مات سنة ست وثلاثين وثلاثمائة».
قال الشاطبي: «فتأمّلوا كيف اتّباع الهوى، وأولى أن ينتهي بصاحبه، فشأن مثل هذا لا يحلّ أصلاً من وجهين: ... الثاني: أنّه إن سلّمنا فلا يصحّ للحاكم أن يرجع في حكمه في أحد القولين بالمحبّة والإمارة أو قضاء الحاجة، إنّما الترجيح بالوجوه المعتبرة شرعاً، وهذا متّفقٌ عليه بين العلماء، فكلّ من اعتمد على تقليد قولٍ غير محقّق، أو رجّح بغير معنى فقد خلع الرّبقة، واستند إلى غير شرعٍ، عافانا الله من ذلك بفضله.
فهذه الطّريقة في الفتيا من جملة البدع المحدثات في دين الله تعالى، كما أنّ تحكيم العقل على الدّين مطلقاً محدثٌ». [الاعتصام (ص450)].(1/438)
قلت: تأمّل ـ بارك الله فيك ـ ما في وصف الشاطبي لهذا الصّنيع باتباع الهوى، وهو صنيع ـ والله ـ بهذا الوصف حقيق، وكم في عصرنا هذا من نماذج وصور لهذا المفتي، فأصبح كثير من المتكلمين في مسائل الفقه غاية مرامه أن يحكي أقوال الفقهاء، حتى الشاذّ منها، ثم يميع قضيّة الفتوى ويدع للسائل الحرية في اختيار ما يهواه قلبه دون تنبيه إلى الكتاب والسنة وما يفيدانه في هذه المسألة محل السؤال، وهذا يفعله إمّا لجهله بالقول الحق الذي دلّ عليه النص، وإمّا لأنّه من المبتدعة الّذين لا يرفعون بالسنّة والاتّباع رأساً نسأل الله العافية.
وهو ما يعبّر عنه الآن بالتّيسير، فأصبح قضاء حوائج الناس كبارهم وصغارهم مقصداً بارزاً أمام من يريد الفتوى من فقهاء منهج (التّسليك) المسمى: بالتيسير، وفي هذا اعتراف ضمني منهم أنّ الكتاب والسنة جاءا بالعسر والمشقة على الناس، وهذا خلاف منهج أهل السنة في الفتوى؛ فالتيسير الحقيقي هو تطلّب دلالات النّصوص الشرعية، والرّخصة التي جاء بها النص الشرعي، لا التملّص من النصوص بحجة التيسير على الناس، فضلاً عن أصحاب الجاه كما فعل هذا المفتي الذي حكى عنه الشاطبي، ولو تأمّلنا ما فعله ابن لبابة مع الأمير لعرفنا أنّه يحدث الآن لكن لصالح وجهاء آخرين كالأمراء وأصحاب القنوات الفضائية والأثرياء من ملاّك الشركات، وكذلك بعض الأنظمة الحاكمة والوزراء، كل هؤلاء أصبحوا لا يعدمون فقيهاً أو جهة معينة مهمتها (تبليع) النّاس ما لا يُبلع من الأقوال الشاذة والفتاوى المخالفة للنصوص بل الإجماع أحياناً فقط؛ لأنّ شخصاً في أعماق التاريخ قال بقول يخالفه هو معذور فيه؛ لأنّه لم يبلغه نصّ أو لعله مخالف لهواه، فيكون هذا حجّة على كتاب الله وسنّة رسول الله -صلى الله عليه وسلّم- وأقوال المئات من أئمّة العلم والدين على مر العصور.
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلاّ بالله.(1/439)
الحسابات الجارية - حقيقتها وتكييفها
د. حسين بن معلوي الشهراني
2ذي الحجة1431هـ
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
هذا بحث مختصر في موضوع مهم من موضوعات القضايا المالية المعاصرة، وبالتحديد المعاملات المصرفية المعاصرة، وعنوانه:
(الحسابات الجارية: حقيقتها وتكييفها)، وقد وضعت لهذا البحث خطة تتكون من مقدمة وخمسة مباحث، وكانت المباحث كالتالي:
المبحث الأول: حقيقة الحسابات الجارية.
المبحث الثاني: أهمية الحسابات الجارية.
المبحث الثالث: تكييفها الفقهي.
المبحث الرابع: الإشكالات الواردة على التكييف المختار.
المبحث الخامس: الأحكام والآثار المترتبة على التكييف المختار.
المبحث الأول: حقيقة الحساب الجاري (1):
الحساب الجاري هو أحد العمليات المصرفية المعاصرة، وتندرج في عرف المصارف تحت مسمى الوديعة النقدية الصرفية، وسيأتي بيان أهميته _إن شاء الله تعالى_، والمراد هنا تعريفه وبيان حقيقته.
والناظر في كتب الباحثين المعاصرين الذين كتبوا في هذه المسائل، سواء أكانت من الناحية الشرعية أم القانونية، أم الاقتصادية البحتة، يلحظ اختلاف المسميات التي أطلقوها على الحساب الجاري مع اتحاد المسمى، ومن تلك التسميات:
(1) الحساب الجاري.
(2) الحساب تحت الطلب.
(3) الوديعة الجارية.
(4) الوديعة المتحركة.
(5) الودائع تحت الطلب.
(6) ودائع الحساب الجاري.
(7) الودائع الواجبة للدفع عند الطلب.
(8) ودائع بدون تفويض بالاستثمار، وهذه تسمية بنك دبي الإسلامي
(تأسس عام 1395هـ).
ومن المسميات السابقة يظهر أن بعضها استخدم عبارة الحساب، وبعضها الآخر استخدم عبارة الوديعة، مع تعدد الوصف على كلٍ، فبعضها يصفها بالجارية أو تحت الطلب أو المتحركة.
والاختلاف في هذه الإطلاقات هو من باب التنوع لا التضاد، إلا أن بعضها نظر إلى ذات المبلغ الذي تم التعاقد عليه بين المصرف والعميل فأطلق لفظ الوديعة، والقسم الآخر نظر إلى المعاملة والقائمة التي تقيد بها المعاملات المتبادلة بين الطرفين فاختار لفظ الحساب.
والحقيقة أن الوديعة المصرفية أو المبالغ أو النقود التي يعهد بها الشخص إلى المصرف هي التي تنشئ الحساب الجاري، وليست هي الحساب الجاري ذاته.
وقد يقال: إن من التجوّز تعريف الحساب الجاري بأنه النقود أو المبالغ، كمن أطلق لفظ السفتجة على النقود المقرضة، وهي في الأصل ورقة يكتب فيها الدين.
والذي يظهر أن البحث منصب على حكم المال أو النقود التي يعهد بها صاحبها إلى المصرف، ويتعاقد عليها، وليس البحث في الحساب أو القائمة التي تقيّد فيها المعاملات بين الطرفين.
ولأن عنوان البحث المطروح هو: الحسابات الجارية، وحتى أتجنب الحكم المبكر على المسألة؛ فإني سوف أستعمل هذا الإطلاق في هذا البحث فيما يأتي من المباحث، والله الموفق.
تعريف الحساب الجاري:
_________
(1) الحساب في اللغة مأخوذ من الفعل حسب، والحاء والسين والياء أصول أربعة، أحدها: العدّ، وثانيها: الكفاية.
والحسابُ والحِسابة: عدك الشيء، وحسب الشيء يحسبه بالضم حسباً وحساباً وحسابة: عدّه.
ونقل ابن منظور عن الأزهري قوله: وإنما سمي الحساب في المعاملات حساباً؛ لأنه يُعلم به ما فيه كفاية ليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان. ينظر: معجم مقاييس اللغة ص 244، لسان العرب 3/ 161
وأما لفظ (الجاري) فقد قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة (ص 195):
"الجيم والراء والياء أصل واحد، وهو انسياق الشيء، يقال: جرى الماء يجري جرية وجرياً وجرياناً.
وفي المعجم الوسيط ص171: "والحساب الجاري (في الاقتصاد) اتفاق بين شخصين بينهما معاملات مستمرة. (مج) " ..(1/440)
عرف الحساب الجاري: بأنه القائمة التي تقيَّد بها المعاملات المتبادلة بين العميل والبنك (1).
وعرفت ودائع الحساب الجاري: بأنها "المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بشرط أن يردها عليهم البنك كلما أرادوا" (2).
أو "هي النقود التي يعهد بها الأفراد أو الهيئات إلى البنك على أن يتعهد الأخير بردها أو برد مبلغ مساوٍ لها لدى الطلب أو بالشروط المتفق عليها" (3).
أو "هي المبالغ التي يودعها أصحابها في البنوك بقصد أن تكون حاضرة التداول، والسحب عليها لحظة الحاجة بحيث ترد بمجرد الطلب، ودون توقف على أي إخطار سابق من أي نوع" (4).
والتعاريف السابقة في مجملها متقاربة، وبعضها اهتم بتعريف المعاملة أو المعاقدة التي تكون بين الطرفين (المصرف والعميل)، وبعضها الآخر عرف انطلاقاً من المال الذي يتم عليه العقد بين الطرفين.
ويمكن القول - كما سبق - بأن الوديعة المصرفية أو المال الموضوع لدى المصرف هو الذي ينشئ الحساب الجاري؛ فالحساب الجاري عبارة عن قائمة تقيد بها المعاملات المصرفية المتبادلة بين العميل والمصرف؛ ويقوم صاحب المال بفتح هذا الحساب في المصرف لوضع ماله فيه، بغرض حفظها وصونها ثم طلبها عند الحاجة إليها، أو لأغراض التعامل اليومي والتجاري، دون الاضطرار إلى حمل النقود (5).
وقد يسلم المصرف للعميل دفتر شيكات، يسمح له بموجبه - وبحسب إجراءات معروفة - بالسحب متى شاء من حسابه، بحيث لا تزيد المبالغ عن مقدار المال الذي تم تسليمه للمصرف عالياً، وقد يدفع صاحب المال للمصرف مصاريف يسيرة مقابل الاحتفاظ بالحساب الجاري على هذا النحو.
وبهذا يتبين أن الحسابات الجارية أو تحت الطلب هي حسابات ليس هدفها الاستثمار وإنما هي حسابات لغرض حفظ هذه الأموال وصيانتها من السرقة أو الهلاك، أو لغرض تسهيل التعامل التجاري والمعاملات المصرفية الأخرى التي تقدمها هذه المصارف لعملائها؛ لذا فإن هذه الحسابات ليس لها أي علاقة بالمضاربة أو المشاركة، ولا تستحق أي عائد أو ربح في المصارف الإسلامية، بل إنه قد يتقاضى المصرف عليها أجراً أو عمالة في مقابل ما يمنحه لأصحابها من امتيازات (6).
وإنما سمي الحساب الجاري بهذا الاسم؛ لأن طبيعته تجعله في حركة مستمرة من زيادة بالإيداع أو نقصان بسبب ما يطرأ عليه من قيود بالحسب والإيداع فتغير من حاله بحيث لا يبقى على صفة واحدة (7).
وتختلف طرق المصارف في التعامل مع الحسابات الجارية، ويمكن حصرها في أربعة طرق (8):
الأول: ألا يتقاضى المصرف أية أجور مقابل خدمة فتح الحساب وما يتعبه من خدمات؛ كإصدار الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وغيرها.
الثاني: أن يتقاضى المصرف أجوراً مقابل خدمة فتح الحساب الجاري، وما يتبعه من خدمات.
_________
(1) الودائع المصرفية، د. حسين كامل فهمي، (مجلة مجمع الفقه الإسلامي، 9/ 1/689).
(2) أحكام الودائع المصرفية، محمد تقي العثماني (مجلة المجمع 9/ 1/792).
(3) المصارف والأعمال المصرفية في الشريعة الإسلامية والقانون، د. غريب الجمال (ص36).
(4) الودائع المصرفية النقدية، واستثمارها في الإسلام، د. حسن عبد الله الأمين (ص209).
(5) ينظر: المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، د. عبد الرزاق الهيتي (ص258، 259).
(6) ينظر: المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق (ص245).
(7) ينظر: بنوك تجارية بدون ربا، د. محمد بن عبد الله الشيباني (ص74).
(8) ينظر: الحسابات والودائع المصرفية، د. محمد علي القري (مجلة المجمع 9/ 1/720، 721)، الربا والمعاملات المصرفية ... ، د. عمر المترك (ص346)، البنوك الإسلامية، عائشة الشرقاوي المالقي (ص228)، المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق، للهيتي (ص245).(1/441)
الثالث: أن يتقاضى المصرف أجوراً مقابل ما سبق إذا نقص رصيد العميل في الحساب عن مبلغ محدد.
الرابع: أن يمنح المصرف فوائد للعميل مقابل وجود المبلغ في الحساب، وبعضها يشترط مبلغاً معيناً لأجل منح الفوائد، وهذا هو المعمول به في البنوك الربوية.
المبحث الثاني: أهمية الحسابات الجارية:
تتضح أهمية الحسابات الجارية في المنافع التي يحصل عليها طرفا العقد، وهما المصرف والعميل من فتح هذه الحسابات والتعامل بها، وفيما يلي ذكر لأهم المنافع والفوائد التي يحصل عليها كل منهما:
أولاً: المنافع التي تعود على المصرف (1).
1 - استثمار الأموال الموجودة في الحسابات الجارية دون أن يشترك عملاؤه - أصحاب هذه الأموال - في الأرباح التي تدرها هذه الاستثمارات.
ويتبين هذا إذا علمنا أن أموال الحسابات الجارية تعد أهم موارد المصرف، وتمثل ما قد يزيد في غالب الأحوال على 90% من مجمل الموارد، ونادراً ما تقل عن 20% (2)، وبهذا يستفيد منها المصرف في توفير السيولة والوفاء باحتياجاته واحتياجات عملائه (3).
2 - فتح حساب جارٍ لأحد العملاء يؤدي غالباً إلى أن هذا العميل يحتاج إلى خدمات مصرفية أخرى - يستفيد منها المصرف، وطبعي أن يلجأ العميل إلى المصرف الذي به حسابه الجاري.
3 - فتح الحسابات الجارية يزيد من قدرة المصرف على توسيع الائتمان أو ما يسمى (بخلق الودائع) واستثمارها، حيث يزيد الرصيد النقدي لهذا المصرف، وبالتالي يزيد ربحه من جراء استثمار هذه المبالغ.
4 - الأجور التي تتقاضاها بعض المصارف مقابل الخدمات التي تقدمها للعملاء؛ كفتح الحساب، وإصدار الشيكات، وبطاقات السحب الآلي وغيرها.
5 - يستفيد المصرف من الحسابات الجارية التي تفتحها لديه المصارف الأخرى التي تعامل معها - وهي تمثل قرابة 10% من مجموع الخصوم - في عمليات المقاصّة في الشيكات المحررة من قبل عملاء المصارف الأخرى، وفي عملية الحوالات التي يقومون بها من المصارف الأخرى، ولا سيما التحويلات من بلد إلى آخر، وغير ذلك من الأعمال المصرفية التي تستدعي وجود رصيد كاف لدى المصرف.
ثانياً: المنافع التي تعود على العميل (صاحب الحساب الجاري) (4)
1 - حفظ أمواله من المخاطر المختلفة؛ كالسرقة أو الضياع، وهذا يتبين أكثر كلما كانت الأموال كثيرة؛ بحيث يشق حفظها في المنزل أو في المحل التجاري، ولذا يلاحظ في الشركات التجارية الكبرى والمصانع الكبيرة التي تكثر فيها عمليات البيع والتحصيل أن موظف الخزينة لا يستبق لديه أية مبالغ نقدية في الخزينة، بل عليه أن يودعها في المصرف يومياً.
2 - إضافة إلى ميزة حفظ المال فإنه يكون مضموناً على المصرف، ولصاحبه حرية التصرف فيه متى شاء.
3 - الانتفاع من الخدمات التي يقدمها المصرف لصاحب الحساب الجاري غالباً بدون مقابل، ومن ذلك:
أ- الحصول على دفتر الشيكات مما يسهل على صاحب الحساب الوفاء بالتزاماته واحتياجاته المختلفة دون الحاجة إلى حمل النقود وعدها ومراجعتها مع الأمن من ضياعها وسرقتها وبخاصة في المبالغ الكبيرة.
ب- الحصول على بطاقة السحب الآلي، والتي يمكنه بواسطتها:
_________
(1) ينظر: بنوك الودائع، كمال الدين صدقي (ص104)، الودائع المصرفية النقدية، حسن الأمين (ص211).
(2) ينظر: الحسابات والودائع المصرفية، د. محمد علي القري (مجلة المجمع 9/ 1/720).
(3) ينظر: النظام المصرفي الإسلامي، د. محمد أحمد سراج (ص87).
(4) ينظر: بنوك الودائع، كمال الدين صدقي (ص105)، الحسابات والودائع المصرفية، د. محمد علي القري (مجلة المجمع 9/ 1/724)، الودائع المصرفية النقدية، حسن الأمين (ص216)، الربا والمعاملات المصرفية (ص349)، الترشيد الشرعي للبنوك القائمة، جهاد عبد الله أبو عويمر (ص164 - 166).(1/442)
- سحب ما يحتاجه من أموال في أي زمان ومكان.
ت- تسديد قيمة مشترياته عن طريق أجهزة نقاط البيع بواسطة الشبكة الإلكترونية.
ث- تسديد فواتير الخدمات العامة؛ كفواتير الكهرباء والهاتف والماء ونحوها.
ج- الاستعلام عن رصيده في حسابه الجاري، وطلب كشف لحسابه.
ح- التحويلات والإيداعات المصرفية.
4 - يعد فتح الحساب الجاري المصرفي أسهل وأيسر طريقة لعمل حسابات نظامية دقيقة عن أي نوع من أنواع النشاط الذي يقوم به العميل؛ كأن يعرف ربحه بالفرق بين رصيد أول السنة ورصيد آخر السنة.
5 - توثيق الحسابات وضبطها، بحيث يحصل العميل في نهاية كل شهر أو أقل أو أكثر - على كشف مفصل يتضمن جميع المدفوعات وتواريخها ومبالغها والمدفوعة إليهم، وكذلك الحال في الأموال التي يتلقاها من الآخرين مثل أثمان السلع التي يبيع أو موارده من الإيجارات والأرباح ... إلخ، وهذا يغنيه عن موظف متخصص في المحاسبة.
6 - تمكين العميل من إثباته وتوثيقه لمدفوعاته للآخرين، سواء عن طريق الشبكات تكفي عن الإيصالات؛ لأن المستفيد من الشيك يوقع على ظهر الشيك عند تحصيله من المصرف، أم عن طريق بطاقة السحب الآلي في تسديد فواتير الخدمات.
7 - الحصول على الخدمة المصرفية عن طريق الهاتف - بواسطة البطاقة - بحيث يستطيع صاحب الحساب الجاري تحريك معاملاته المصرفية والتجارية عن طريق الهاتف مما يوفر عليه وقتاً طويلاً في التنقل وإجراء هذه المعاملات.
8 - سهولة وسرعة تحصيل النقود المحولة إلى المصرف من جهات حكومية أو غير حكومية؛ كتحويل الرواتب الشهرية مثلاً.
9 - الأسعار المميزة للخدمات الأخرى التي يقدمها المصرف، والتي تتعلق غالباً بالحوالات والصرف الأجنبي ورسوم فتح الاعتمادات وبطاقات الائتمان وخطابات الضمان.
10 - شهادة المصرف بملاءة العميل (صاحب الحساب) وأكثر ما يحتاج لهذا التجار ورجال الأعمال الذين يحتاجون إلى شهادة تثبت ملاءتهم يقدمونها إلى الجهات الحكومية أو الخاصة بحيث يتمكنون بموجبها من الدخول في المناقصات والمزايدات أو عقود المقاولة أو التوريد وغيرها.
11 - استخدام الأموال في الحساب الجاري كرهن، وذلك بأن يتفق العميل مع مصرفه على حجز مبلغ من المال في حسابه الجاري لا يسمح له أن يسحبه أو يحرر الشيكات مقابله؛ ليكون رهناً لضمان وفائه بالتزاماته الواجبة أو التي مآلها إلى الوجوب للمصرف أو لمؤسسة أخرى، مثل حالات فتح الاعتماد المستندي للاستيراد، أو إصدار البطاقة الائتمانية، أو كفالة جهة أخرى من قبل ذلك العميل.
12 - يعد كشف الحساب للعميل مستنداً قوياً لما جاء فيه من أرقام، ويستفيد من هذا الموظفون الملزمون بتقديم تقارير سنوية عن التغييرات الطارئة في ثرواتهم طبقاً لأنظمة الكسب غير المشروع في بعض الدول.
إضافة إلى ما سبق فإن الحساب الجاري يستفيد منه الطرفان في تيسير واختصار كثير من العمليات التي تحصل بينهما؛ إذ إن تسوية كل عملية من العمليات المتتابعة يسبب كثيراً من التعقيد، بينما يمكن بواسطة الحساب الجاري تجميع العمليات كلها وإخضاعها لنظام واحد، وكذلك فإن من فوائد الحسابات الجارية عدم تعطيل رؤوس الأموال؛ لأنه إذا استحق على أحد طرفيه دين فإنه لا يدفعه نقداً ومباشرة، بل يستغله ويقيد في حساب الدائن ما يقابله.
ومن فوائدها كذلك أنها تقوم بوظيفة نقدية مهمة؛ إذ إنها تمثل وسائل دفع في المجال الاقتصادي والتجاري، وأداة وفاء لتسوية الديون عن طريق نقل ملكيتها من شخص لآخر باستعمال الشيكات والتحويل المصرفي والمقاصة.(1/443)
وبهذا يتبين أن أموال الحسابات الجارية هي مما يمثل قطب الرحى بالنسبة لموارد البنوك ومحور نشاطاتها في المجال الاقتصادي والتجاري وفي ميادين أنشطتها الأخرى.
المبحث الثالث: التكييف (التخريج) الفقهي للحسابات الجارية:
اختلفت آراء الفقهاء والباحثين المعاصرين في التكييف الفقهي للحسابات، ومما يلي عرض للخلاف:
أولاً: الأقوال في المسألة:
القول الأول: إنها قرض؛ فالمودع هو المقرض، والمصرف هو المقترض.
وهذا قول أكثر الفقهاء والباحثين المعاصرين (1)، وهو رأي مجمع الفقه الإسلامي المنبثق من منظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ونص عليه بالقرار رقم 86 (3/ 9) في دورته التاسعة المنعقدة في أبي ظبي 1 - 5 ذي القعدة 1415هـ، وفيما يلي نص القرار:
"إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره التاسع بأبي ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة من 1 - 6 ذي القعدة 1415هـ، الموافق 1 - 6 نيسان (أبريل) 1995م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع الودائع المصرفية (حسابات المصارف)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله، قرر ما يلي:
أولاً: الودائع تحت الطلب (الحسابات الجارية)، سواء أكانت لدى البنوك الإسلامية أو البنوك الربوية هي قروض بالمنظور الفقهي، حيث إن المصرف المستلم لهذه الودائع يده يد ضمان لها وهو ملزم شرعاً بالرد عند الطلب، ولا يؤثر على حكم القرض كون البنك (المقترض) مليئاً (2).
القول الثاني: إنها وديعة بالمعنى الفقهي، وقال به بعض الباحثين المعاصرين (3)، وبه أخذ بنك دبي الإسلامي (4).
_________
(1) ينظر: مجلة مجمع الفقه الإسلامي (9/ 1/730، 777، 802، 838، 883، 888، 890، 906)، حكم ودائع البنوك وشهادات الاستثمار في الفقه الإسلامي، د. علي السالوس (ص52، 55) بحوث في المعاملات المصرفية، د. رفيق يونس المصري (ص203)، موقف الشريعة الإسلامية من المصارف المعاصرة، د. عبد الله العبادي (ص198، 199)، المصارف والأعمال المصرفية في الشريعة الإسلامية والقانون، د. غريب الجمال (ص59)، الشامل في معاملات وعمليات المصارف الإسلامية، د. محمود عبد الكريم الرشيد (ص159، 160)، الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية، د. عمر المترك (ص346)، النظام المصرفي الإسلامي، د. محمد أحمد سراج (ص93)، الودائع المصرفية، أحمد بن حسن الحسني، المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي، د. محمد عثمان شبير (ص222).
(2) قرارات وتوصيات مجمع الفقه الإسلامي، الدورات 1 - 10، القرارات 1 - 97، (ص196)، مجلة المجمع، العدد التاسع، الجزء الأول (ص931).
(3) وممن قال بهذا القول: الدكتور: حسن عبد الله الأمين في كتابه (الودائع المصرفية النقدية ص233)، والدكتور عيسى عبده (مستشار سابق لبنك دبي الإسلامي) في كتابه العقود الشرعية الحاكمة للمعاملات المالية المعاصرة (ص113)، نقلاً عن: د. رفيق المصري في كتابه (بحوث في المعاملات المصرفية) (ص193)، والدكتور عبد الرزاق الهيتي في كتابه (المصارف الإسلامية بين النظرية والتطبيق) (ص261)، والدكتور أحمد عبيد الكبيسي في بحثه المقدم لمجمع الفقه الإسلامي (مجلة المجمع 9/ 1/755).
(4) نصت المادة 53 من النظام الأساسي للبنك الذي تأسس عام 1395 - 1975م على أن البنك يقبل نوعين من الودائع:
1 - ودائع بدون تفويض بالاستثمار: وتأخذ صورة الحسابات الجارية ودفاتر الادخار المعمول بها في النظم المصرفية المعاصرة، وهذه تأخذ حكم "الوديعة" المعتمدة في الشريعة الإسلامية.
ينظر: بحوث في المصارف الإسلامية، د. رفيق المصري (ص190) ..(1/444)
ومال إليه الدكتور حسين كامل فهمي، ورأى ضرورة إعادة النظر في التكييف الفقهي المعمول به حالياً بالنسبة للحسابات الجارية في البنوك الإسلامية ليصبح: وديعة (بمفهومها الشرعي) لدى كل من البنك الإسلامي، والبنك المركزي في نفس الوقت، مع الإذن للبنك المركزي فقط باستخدامها (1).
القول الثالث: إنها تدخل تحت عقد الإجارة.
أي أن الإجارة واقعة على النقود، وأن ما يدفعه المصرف لصاحب النقود هو أجر لاستعمال هذه النقود، وهذا القول نقله بعض الباحثين ولم ينسبه لأحد، وانتقد بأنه قول من أراد أن يستحل فوائد الربا من البنوك (2).
وهناك قولان آخران، يغلب عليهما أنهما من أقوال القانونيين؛ فأكتفي بإيرادهما فقط:
الأول: إنها وديعة شاذة أو ناقصة، أي: وديعة مع الإذن بالاستعمال.
الثاني: إنه عقد ذو طبيعة خاصة، أو إنه ليس من العقود المسماة.
أدلة الأقوال:
أدلة القول الأول:
1 - إن المال في الحساب الجاري عبارة عن نقود يضعها صاحب الحساب وهو يعلم أن المصرف يتصرف فيها، ويخلطها بالأموال التي لديه بمجرد استلامها وإدخال بياناتها بالحاسب، ثم يستثمرها، وقد دفعها إليه راضياً بذلك فكان إذناً بالتصرف؛ فهذه الأموال في حقيقتها قرض وليست وديعة (3).
2 - أن المصرف يملك المال في الحساب الجاري، ويتصرف فيه فيكون قرضاً، وليس إيداعاً، إذ في عقد الإيداع لا يملك الوديع الوديعة، وليس له أن يتصرف فيها، والعبرة في العقود للمعاني لا للألفاظ والمباني، وتسميتها وديعة إنما هو على سبيل المجاز لا الحقيقة لعدم توفر حقيقة الوديعة فيها (4).
3 - أن المصرف يعد ضامناً لأموال الحساب الجاري برد مثلها، ولو كانت هذه الأموال وديعة بالمعنى الحقيقي لما ضمنها المصرف، والمديونية والضمان ينافيان الأمانة، بل لو شرط رب الوديعة على الوديع ضمان الوديعة لم يصح الشرط؛ لأنه شرط ينافي مقتضى العقد، وكذلك لو قال الوديع: أنا ضامن للوديعة لم يضمن ما تلف بغير تعد أو تفريط؛ لأن ضمان الأمانات غير صحيح، وهذا على خلاف المعمول به في المصارف قول على أن مال الحساب الجاري قرض وليس وديعة (5).
4 - من المعلوم أن المصرف لا يأخذ أموال الحسابات الجارية كأمانة يحتفظ بعيها لترد إلى أصحابها، وإنما يستهلكها ويستثمرها في أعماله، ومن عرف أعمال البنوك علم أنها تستهلك نسبة كبيرة من هذه الحسابات، وتلتزم برد مثلها، وهذا واضح في أموال الحسابات الجارية التي تدفع بعض المصارف عليها فوائد ربوية، فما كان المصرف ليدفع هذه الفوائد مقابل الاحتفاظ بالأمانات وردها إلى أصحابها فقط (6).
أدلة القول الثاني:
(1) أن أموال الحساب الجاري عبارة عن مبالغ توضع لدى المصرف ويسحب منها في الوقت الذي يختاره المودع، وذلك كل ما يطلب في الوديعة الحقيقية، ولا توجد أي شائبة في ذلك (7).
_________
(1) ينظر: مجلة المجمع 9/ 1/694، 700.
(2) ينظر: حكم ودائع البنوك، للسالوس (ص51)، الحسابات الجارية، د. مسعود الثبيتي (مجلة المجمع ص835).
(3) ينظر: بحوث في المصارف الإسلامية (ص201).
(4) ينظر: حكم ودائع البنوك (ص61)، النظام المصرفي الإسلامي، د. محمد سراج (ص93)، مجلة المجمع (ص730).
(5) ينظر: الودائع المصرفية، للحسني (ص105)، حكم ودائع البنوك (ص52)، النظام المصرفي الإسلامي (ص88)، الربا والمعاملات المصرفية، للمترك (ص347)، مجلة المجمع (ص883).
(6) ينظر: حكم ودائع البنوك (ص52)، بحوث في المصارف الإسلامية (ص201).
(7) ينظر: الودائع المصرفية، للأمين (ص233).(1/445)
ونوقش هذا الاستدلال بعدم التسليم؛ وذلك لأن الوديعة وإن كان المقصود ردها عند الطلب، إلا أنه يقصد بها أيضاً عدم التصرف فيها، وأموال الحسابات الجارية يتصرف فيها المصرف بمجرد استلامها ثم يرد بدلها، وهذا ينطبق على القرض بمعناه الشرعي لا على الوديعة (1).
(2) أن المصرف لا يتسلم هذه الوديعة على أنها قرض، بدليل أنه يتقاضى أجرة (عمولة) على حفظ الوديعة تحت الطلب، بعكس الوديعة لأجل التي يدفع هو عليها فائدة (2).
ونوقش بأن الأجور التي يأخذها المصرف من صاحب الحساب الجاري لا يُسلم على أنها في مقابل الحفظ، بل هي في مقابل الخدمات التي يقدمها المصرف لصاحب الحساب؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشوف الحساب وغيرها من الخدمات، مع أن الواقع أن أغلب المصارف لا تأخذ أجوراً في مقابل فتح الحساب.
(3) أن المصرف يتعامل بحذر شديد عند استعمال أموال الحسابات الجارية والتصرف فيها، ثم يبادر بردها فوراً عند طلبها مما يدل على أنها وديعة (3).
نوقش بأن هذا التصرف من المصرف لا يغير من حقيقة العقد، والواقع أن المصرف يتصرف في مال الحساب الجاري بخلاف ما ذُكر حيث يقوم بخلطها بماله ومال العملاء الآخرين بمجرد استلامها، ثم يتصرف فيها كما لو كانت ملكه.
وأما كونه يبادر بردها عند طلبها فهذا لا ينفي كونها قرضاً؛ لأن المقرض له طلب بدل القرض في الحال مطلقا (4)؛ لأن القرض يثبت في الذمة حالاً فكان له طلبه كسائر الديون الحالة، ولأنه سبب يوجب رد المثل أو القيمة فكان حالاً (5).
وكذلك فإن المبادرة بردها عند طلبها فيه حفاظ على سمعة المصرف، وتحفيز للتعامل معه، وفي هذا التعامل فوائد ترجع إلى المصرف، كما هو معلوم.
(4) أن المودع عندما يدفع المال في الحساب الجاري للمصرف لا يقصد أبداً أن يقرض المصرف، ولا أن يشاركه في الأرباح العائدة للمصرف من استغلال لمال المودع ومال غيره، وإنما مقصوده - أي المودع - حفظ ماله ثم طلبه عند الحاجة إليه وهذا مقتضى عقد الوديعة؛ فلا يسمى فعله إقراضاً (6).
نوقش بأن كون المودع لا يقصد إقراض المصرف لا يؤثر في حقيقة العقد؛ لأن عامة المتعاملين مع المصارف لا يدركون الفرق بين معنى القرض ومعنى الوديعة، ولا يستحضرون الفروق بينهما، فهم لا تهمهم المصطلحات بقدر ما تهمهم النتائج والغايات، والحاصل أن المتعاملين مع المصارف بوضع أموالهم في الحسابات الجارية يريدون حفظ أموالهم مع ضمانها من المصرف، وهذا في حقيقته قرض لا وديعة، ومن المعلوم كذلك أن المصرف لا يقبل حفظ هذه الأموال إلا لأجل التصرف فيها، وهذا هو معنى القرض، والقاعدة أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني (7).
الترجيح:
الذي يترجح - والعلم عند الله تعالى - أن الأموال التي يضعها أصحابها في حساب جارٍ لدى المصرف الأقرب أنها قرض وليست وديعة، وذلك للأسباب الآتية:
1 - أن تعريف القرض وأحكامه متمشية مع هذه المسألة؛ فقد عرف القرض بأنه "عبارة عن دفع مال إلى الغير؛ لينتفع به ويرد بدله" (8)، ومال الحساب الجاري يدفعه صاحبه إلى المصرف، لينتفع به ويرد بدله.
_________
(1) ينظر: المنفعة في القرض (ص304).
(2) ينظر: الودائع المصرفية (ص233).
(3) ينظر: الودائع المصرفية (ص234).
(4) ينظر: الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف (12/ 332)، كشاف القناع (3/ 314).
(5) ينظر: كشاف القناع (3/ 314).
(6) ينظر: الودائع المصرفية (ص233، 234).
(7) ينظر: مجلة المجمع (ص795).
(8) الإنصاف (12/ 323).(1/446)
2 - أن صاحب الحساب الجاري يعلم أن المصرف الذي يتلقى ماله لن يحتفظ له بهذا المال ساكناً مستقراً في صناديقه ليعيده بعينه عند الطلب، بل إنه سوف يختلط بغيره من الأموال وبأموال المصرف، كما أن المصرف سوف يستعمل هذه الأموال في أعماله واستثماراته، وهذا يعني أن المصرف لن يعيد عين المال، بل يعيد مثله عند الطلب، وهذه الأموال في حقيقتها قروض لا ودائع (1).
3 - أن صاحب المال إذا وضعه في حساب جارٍ لا يقصد مجرد الحفظ فقط، بل يريد الحفظ والضمان معاً، بدليل أنه لا يقوم على الإيداع ما لم يكن المال مضموناً، وكذلك المصرف لا يقبل هذه الأموال لحفظها فقط، بل للانتفاع بها مع ضمانها، وهذه حقيقة القرض.
4 - في القرض يضمن المقترض، وفي الوديعة يضمن المودع - ما لم يكن المودع مفرطاً - وكل منهما ضامن لأنه مالك، وعلى هذا فالوديعة في العرف المصرفي القائم قرض في الشرع الإسلامي (2)
5 - أن القاعدة الفقهية المشهورة نصت على أن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وتسمية هذا العقد بين صاحب المال والمصرف وديعة لا يغير من حقيقة العقد وأنه قرض، وإنما سمي وديعة أو إيداعاً لأسباب منها (3):
أ- أن هذه الكلمة استعملت بمعناها اللغوي؛ فإنها فعيلة من "ودع يدع: بمعنى أنها متروكة عند المودع، وهو المصرف هنا بغض النظر عن كونها أمانة أو مضمونة.
ب- لأن تأريخها بدأت بشكل ودائع وتطورت خلال تجارب المصارف واتساع أعمالها إلى قروض؛ فظلت محتفظة من الناحية اللفظية باسم الودائع، وإن فقدت المضمون الفقهي لهذا المصطلح، وعليه فاستخدام لفظ "ودائع" بدلاً من "قروض" إنما كان صحيحاً في مرحلة تأريخية من مراحل التطور المصرفي، حيث كان الناس يودعون نقودهم عند الصائغ أو الصيرفي مقابل أجر يتقاضاه، لكن عندما بدأ هؤلاء الصيارفة باستغلال هذه الأموال وبإقراضها إلى غيرهم أو استغلالها، لم تعد هذه العمليات ودائع، وكان ينبغي منذ ذلك الوقت هجر هذه التسمية وتركها لعمليات أخرى؛ (كإيداع الأشياء الثمينة) والانتقال إلى التسمية الحقيقية قروض.
وإذا أغفلت البنوك الروية هذا فحري بالمصارف الإسلامية أن تتنبه لهذا، وألا تقلد البنوك الربوية في هذه التسمية وغيرها، سواء كان ذلك في المقاصد والمعاني، أم في الألفاظ والمباني.
المبحث الرابع: الإشكالات الواردة على تخريجها قرضاً:
على القول الراجح بأن الأقرب في أموال الحساب الجاري تخريجها أنها قرض لا وديعة، قد يرد من الإشكالات ما يلي:
الإشكال الأول: إن الأصل في مشروعية القرض هو الإرفاق، وأدلة مشروعيته تؤكد هذا، ولذا عرفه بعض الفقهاء بأنه: دفع مال إرفاقاً لمن ينتفع به ويرد بدله (4).
ومن المعلوم أن الذين يدفعون أموالهم إلى المصارف - على شكل حسابات جارية - لا يقصدون الرفق بالمصارف والإحسان إليها، والمصارف ليست فقيرة أو محتاجة حتى تقرض، وإنما يريدون نفع أنفسهم بحفظ أموالهم ثم طلبها عند الحاجة.
الجواب: يمكن أن يجاب عن هذا الإشكال بأن القرض - وإن كان الأصل في مشروعيته هو الإرفاق - قد يخرج عن هذا الأصل؛ فليس في جميع حالاته من باب الإرفاق، وليس الإرفاق شرطاً في صحته؛ بمعنى أن الإرفاق صفة غالبة على القرض لا مقيدة له، ويدل على هذا ما يلي:
_________
(1) ينظر: بحوث في المصارف الإسلامية (ص201، 202).
(2) ينظر: المرجع نفسه (ص203).
(3) ينظر: أحكام الودائع المصرفية، محمد تقي العثماني (مجلة المجمع 9/ 1/794)، الربا والمعاملات المصرفية .. ، د. عمر المترك (ص348)، مجلة المجمع 9/ 1/782 بحوث في المصارف الإسلامية (ص204).
(4) كشاف القناع (3/ 312).(1/447)
1 - ما ثبت في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير _رضي الله تعالى عنه_ قال: " ... وإنما كان دينه - أي الزبير رضي الله تعالى عنه - الذي عليه أن الرجل كان يأتيه بالمال فيستودعه إياه؛ فيقول الزبير: لا، ولكنه سلف، فإني أخشى عليه الضيعة ..
قال عبد الله بن الزبير: فحسبت ما عليه من الدين فوجدته ألفي ألف ومائتي ألف
قال: وكان للزبير أربع نسوة، ورفع الثلث فأصاب كل امرأة ألف ألف ومائتا ألف".
وفي بعض النسخ: "فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائتا ألف" (1)
وجه الدلالة من الحديث: أن الزبير - رضي الله تعالى عنه - كان قد قبل تلك الأموال على أنها قرض مضمون لا وديعة مع عدم حاجته إليها، بل كان - رضي الله تعالى عنه - من أكثر الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - مالاً؛ فدل على أنه لا يشترط في القرض قصد الإرفاق بالمقترض، ولا أن كونه فقيراً أو محتاجاً.
قال ابن حجر - رحمه الله تعالى -: "قوله: "لا، ولكنه سلف" أي ما كان يقبض من أحد وديعة إلا إن رضي صاحبها أن يجعلها في ذمته، وكان غرضه بذلك أنه كان يخشى على المال أن يضيع؛ فيُظن به التقصير في حفظه؛ فرأى أن يجعله مضموناً فيكون أوثق لصاحب المال وأبقى لمروءته.
زاد ابن بطال: وليطيب له ربح ذلك المال" (2).
وقال ابن حجر: "وفيه مبالغة الزبير في الإحسان لأصدقائه؛ لأنه رضي أن يحفظ لهم ودائعهم في غيبتهم، ويقوم بوصاياهم على أولادهم بعد موتهم، ولم يكتف بذلك حتى احتاط لأموالهم وديعة أو وصية بأن كان يتوصل إلى تصييرها في ذمته مع عدم احتياجه إليها غالباً، وإنما ينقلها من اليد للذمة مبالغة في حفظها لهم" (3).
2 - مسألة السفتجة (4)، وهي قرض لم يقصد به الإرفاق، ومع ذلك فهي جائزة على الصحيح، قال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى -: "والصحيح الجواز؛ لأن المقترض رأى النفع بأمن خطر الطريق إلى نقل دراهمه إلى بلد دراهم المقترض؛ فكلاهما منتفع بهذا الاقتراض، والشارع لا ينهى عما ينفع الناس ويصلحهم ويحتاجون إليه، وإنما نهى عما يضرهم ويفسدهم، وقد أغناهم الله عنه، والله أعلم" (5).
3 - ما ذكره العلماء من أن للوصي قرض مال اليتيم في بلد آخر ليربح خطر الطريق، قال ابن قدامة - رحمه الله تعالى -: "والصحيح جوازه؛ لأنه مصلحة لهما من غير ضرر بواحد منهما، والشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا مضرة فيها، بل بمشروعيتها" (6).
_________
(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب فرض الخمس، باب بركة الغازي في ماله حيّاً وميتاً مع النبي _صلى الله عليه وسلم_ وولاة الأمر، حديث رقم 3129، (الفتح 6/ 273) ط دار السلام.
(2) فتح الباري (6/ 277).
(3) المرجع نفسه (6/ 282). وعقب المصنف على قول ابن بطال المتقدم بقوله: "وفي قول ابن بطال المتقدم: "كان يفعل ذلك ليطيب له رب ذلك المال" نظر؛ لأنه يتوقف على ثبوت أنه كان يتصرف فيه بالتجارة، وأن كثرة ماله إنما زادت بالتجارة، والذي يظهر خلاف ذلك".
أقول: ولو استعمله في التجارة لطاب له ذلك؛ لأنه يصبح مالكاً للمال فيجوز له التصرف فيه.
(4) السفتجة في الأصل كلمة فارسية معرّبة، أصلها (سفتة) وهي ورقة أو رقعة أو كتاب أو صك يكتبه الشخص لنائبه أو مدينه في بلد آخر يُلزمه فيه بدفع مبلغ من المال لشخص أقرضه مثله، وسميت هذه المعاملة سفتجة لما فيها من إحكام الأمر وتوثيقه وتجنب العناء والخطر. (معجم المصطلحات الاقتصادية في لغة الفقهاء، د. نزيه حماد ص190) وينظر: مجموع الفتاوى 19/ 455،456، والمغني (6/ 436).
(5) مجموع الفتاوى (19/ 456).
(6) المغني (6/ 437).(1/448)
ومن المعلوم أن الغاية من إقراض مال اليتيم الرفق باليتيم لا بالمقترض، ومصلحة اليتيم لا مصلحة المقترض، والمراد والمقصود الإيداع والحفظ غير أن الوديعة لا تضمن؛ ففضل الإقراض لغني أمين حتى يحفظ المال لصالح اليتيم لا لصالح الغني (1).
وبهذا يتبين أنه لا يشترط في القرض أن يكون إرفاقاً من غني لمحتاج، وإن كان الأصل فيه كذلك.
الإشكال الثاني: إن اعتبار مال الحساب الجاري قرض يترتب عليه بعض الصعوبات في إخضاع استعمالها وسيلة دفع وأداة وفاء من الناحية الشرعية، ومن ذلك (2):
1 - أنه لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يشتري بضاعة مؤجلة - أي سلماً - ويكتب لصاحب البضاعة شيكاً بالثمن على المصرف؛ لأنه يؤدي إلى بيع الكالئ بالكالئ؛ فيبطل الشراء.
2 - أنه لا يجوز لصاحب الحساب الجاري أن يهب شيئاً من مال حسابه الجاري لشخص ثالث؛ لأنه من هبة الدائن للدين الذي يملكه في ذمة شخص آخر؛ فالهبة باطلة عند من يرى من الفقهاء أن قبض الموهوب له المال الموهوب شرط في صحة الهبة.
ويمكن أن يجاب عن هذا الإشكال: بفرعيه بأن ما ذُكِر غير مسلّم، وبيان ذلك أن صاحب الحساب الجاري إذا اشترى بضاعة مؤجلة (سلماً) وكتب لصاحب البضاعة شيكاً فقبله كان ذلك بمنزلة تسليمه الثمن نقداً، وذلك أن العرف المصرفي مضى على صرف الشيك فوراً إذا كان مستوفياً لشروطه، وكذلك الحال بالنسبة للهبة؛ فإذا وهب إنسان ماله في حسابه الجاري إلى غير مدينه - المصرف - وحرر شيكاً للموهوب له ورضي به فقد تم القبض (3)، وقد سبق أن القرض يثبت في الذمة حالاً، وأن للمقرِض المطالبة ببدله في الحال كسائر الديون الحالّة (4).
الإشكال الثالث: استخدام مال الحساب الجاري كرهن أو ضمان.
عند الجمهور أن المرهون يجب أن يكون عيناً متقومة يجوز بيعها؛ فلا يجوز رهن الدين (5)، وبناء على هذا فلا يجوز استخدام مال الحساب الجاري كرهن أو ضمان؛ لأنه دين لصاحب الحساب في ذمة المصرف.
قال الدكتور الصديق الضرير - أثابه الله تعالى -: "لا أتصور رهن وديعة حسابية من صاحب الوديعة؛ لأن هذا مقرض والمقرض يخرج المال عن ملكه، ويكون في يد المقترض فلا محل لرهنه" (6).
الإشكال الرابع: من المعلوم أن صاحب الحساب الجاري يمكنه أن يسحب من المال الذي في الحساب في أي وقت، بل قد يسحب جميع المال في وقت واحد، والمال المسحوب ليس هو عين ماله الذي أقرضه للمصرف، فإذا ما سحب جزءاً من المال مثلاً؛ فهل المال الذي يسحبه من الحساب هو استرجاع للمال الذي أقرضه للمصرف أو لجزء منه، أم أنه قرض جديد اقترضه هو من المصرف بعقد آخر؟
هذه المسألة تحتاج إلى نظر لما يترتب عليها من ثمرات، وهي مطروحة هنا للمناقشة.
الإشكال الخامس: إذا أدخل شخص مالاً جديداً في حسابه الجاري؛ فهل هذا المال عقد قرض جديد بينه وبين المصرف، أو هو ملحق بالعقد الأول؟
الإشكال السادس: إذا أدخل شخص مبلغاً من المال في حساب شخص آخر؛ فهل هذا المبلغ يعد قرضاً للمصرف، أم أن المصرف وسيلة للوفاء فقط؟ وإذا قلنا إنه قرض من صاحب الحساب؛ فهل يمكن أن يتم القرض إذا كان صاحب الحساب لا يعلم بدخول المال في حسابه؟
_________
(1) ينظر: حكم ودائع البنوك .. ، د. علي السالوس (ص60).
(2) ينظر: الودائع المصرفية، للأمين (ص237، 238)، المصارف الإسلامية، للهيتي (ص263).
(3) ينظر: الودائع المصرفية، للحسني (ص105)، دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة، د. محمد مصطفى أبوه الشنقيطي (1/ 282).
(4) ينظر: ص من هذا البحث.
(5) ينظر: بدائع الصنائع (5/ 195)، بداية المجتهد (2/ 329)، الغاية والتقريب (ص29)، المنثور في القواعد (3/ 139)، المغني (6/ 455)، كشاف القناع (3/ 321).
(6) مجلة المجمع (المناقشات) 9/ 1/901.(1/449)
المبحث الخامس: الأحكام والآثار المترتبة على تكييف الحسابات الجارية بأنها قرض.
الخلاف السابق في تكييف الحسابات الجارية يترتب آثار وثمرات عملية مهمة، تدل على أهمية الموضوع وأهمية صرحه والبحث فيه، ومن ذلك:
أولاً: أحكام المنافع العائدة من فتح الحساب الجاري:
إذا دفع صاحب المال نقوده إلى المصرف فإن الأخير تلقائياً يفتح لصاحب المال حساباً جارياً، تتم عن طريقه المعاملات التي تكون بين الطرفين، ويترتب على فتح الحساب الجاري منافع منها ما يرجع إلى المصرف (المقترض)، ومنها ما يرجع إلى صاحب الحساب (المقرِض)، ومنها ما يرجع إليهما.
(أ) المنافع العائدة إلى المصرف (المقترض):
1 - استثمار أموال الحساب الجاري:
من المعلوم أن المصرف بمجرد استلام المال من العميل يقوم بخلطه مباشرة بالأموال الموجودة لديه، وبناءً على أن هذه الأموال هي في الواقع قروض؛ فإن للمصرف حق التصرف فيها بموجب هذا العقد، بناء على أن عقد القرض ينقل الملكية إلى المقترض؛ إذ إن المقصود من القرض استهلاكه والانتفاع به، وبالتالي فإن المنافع العائدة من استثمار هذا القرض هي للمصرف دون أن يكون للمقرض منها شيء (1).
ويترتب على هذا أن للمصرف الاستفادة من مجموع الأموال التي آلت إلى ملكيته من مجموع الحسابات الجارية في توليد الائتمان أو ما يسمى بـ (خلق الودائع)، وهذا ناتج عن طبيعة عمله واستثماره لمجموع القروض.
2 - أخذ عمولة (2) مقابل الخدمات التي يقدمها لصاحب الحساب:
يترتب على فتح الحساب الجاري أن يقدم المصرف بعض الخدمات أو الأعمال في نطاق المعاملة بينهما؛ كإصدار دفتر الشيكات، وبطاقة السحب الآلي، وكشف بالأعمال التي قام بها صاحب الحساب، وغيرها من الخدمات، ومن المصارف ما يأخذ مقابلاً لهذه الخدمات، والذي يظهر - والله تعالى أعلم - أنه لا مانع من أخذ مقابل لهذه الخدمات على أنها أجرة لما يقدمه المصرف من أعمال.
(ب) المنافع العائدة على صاحب الحساب الجاري (المقرِض):
1 - منفعة حفظ ماله وضمانه: الغرض الأساسي من تعامل غالب الناس مع المصارف عن طريق الحسابات الجارية أنهم يريدون حفظ أموالهم وضمانها بإقراضها للمصرف، ومن ثم استرجاعها أو بعضها عند الحاجة إليها، وقد تقدم فيما سبق بحثه أن إقراض الشخص ماله لآخر بقصد الحفظ يجوز ولا إشكال فيه، كما في قصة الزبير _رضي الله تعالى عنه_.
وأما مسألة قصد أن يكون المال مضموناً فإن الضمان أثر من الآثار المترتبة على عقد القرض ساء قصده المقرض أم لم يقصده، والله أعلم.
2 - الحصول على الخدمات التي يقدمها المصرف؛ كدفتر الشيكات وبطاقة السحب الآلي وغيرها:
البحث هنا في مسألة الاستفادة من هذه الخدمات إذا كانت بدون مقابل؛ حيث سبق أنها إذا كانت بمقابل فإنها تأخذ حكم الإجارة، ولا يظهر في هذا إشكال.
وأما إذا كانت بدون مقابل، فهل يجوز الاستفادة منها؟
جرى الخلاف في هذه المسألة على قولين (3):
القول الأول: إنه يجوز لصاحب الحساب الجاري الانتفاع بدفتر الشيكات وبطاقة السحب الآلي بدون مقابل (4).
_________
(1) ينظر: المنفعة في القرض، عبد الله العمراني (رسالة ماجستير غير منشورة) (ص311).
(2) العمولة اصطلاح متداول في المصارف، ويقصد به ما يأخذه المصرف نظير عمل من أعماله، ويقابله في الاصطلاح الفقهي أجرة أو جعالة، ويلاحظ أن لفظة عمولة غير صحيحة لغة، ولم يرد هذا الاشتقاق في القواميس، والصحيح (عمالة) بضم العين أو كسرها، ومعناها: رزق العامل.
ينظر: دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة 2/ 256 (الهامش).
(3) ينظر: المنفعة في القرض (ص315).
(4) ينظر: مجلة المجمع 9/ 1/734،735 (بحث د. محمد القره داغي)، الربا والمعاملات المصرفية، د. عمر المترك (ص349).(1/450)
القول الثاني: إنه يكره له الانتفاع بهذه الخدمات بدون مقابل (1).
أدلة القول الأول:
الدليل الأول: إن هذه المنافع والخدمات مشتركة يستفيد منها الطرفان - المقرض والمقترض - وربما تكون مصلحة المصرف فيها غالبة بل أساسية، وذلك أنه بإصدار الشيكات وبطاقات السحب الآلي يخفض من نسبة التكاليف وعدد الموظفين الذين يحتاجهم في القيام بأعماله مثل تحرير أوامر السحب النقدي وتنفيذها، وتحرير المستندات التي يسحب بها العميل بعض ماله أو كله، واستخدام الشيك يوفر عليه كل ذلك.
وكذلك فإن المصرف بإصداره لهذه الشيكات والبطاقات يقلل من استخدام العملاء المباشر للنقود الورقية، مما يوفر لديه سيولة نقدية ورقية يستفيد منها باستثمارها وبتسيير عملياته المصرفية، إضافة إلى أنه يحافظ على هذه النقود من السرقة والتزوير، وذلك بتقليص تداولها، كما أنه يقلل من عناء عدها ونقلها وحفظها.
الدليل الثاني: إن هذه المنافع والخدمات هي وسيلة لوفاء المصرف للقروض التي يقترضها، وليست منفعة منفصلة عن القرض؛ حيث إنه مطالب بسداد القروض لكل مقرض متى طلب ذلك.
دليل القول الثاني:
إن المنافع التي يحصل عليها صاحب الحساب الجاري بدون مقابل ذات صلة قوية بسداد الدين والوفاء به؛ فتكون مكروهة، وأقل ما يقال فيها إنها شبهة، وقد تكون ذريعة إلى الوقوع في الحرام.
ونوقش بأن هذه المنفعة مشتركة بين الطرفين، بل إن منفعة المقترض (المصرف) أظهر، وقد أجاز بعض العلماء المنفعة في القرض إذا كانت مشتركة للطرفين، كما في مسألة السفتجة (2)، والله تعالى أعلم.
3 - الانتفاع بالأسعار المميزة لبعض الخدمات:
قد تعطي بعض المصارف لعملائها أو لبعضهم أسعاراً مميزة لبعض الخدمات؛ كالسكن في الفنادق، أو شراء بعض السلع، ونحو ذلك؛ فإذا كانت هذه المنفعة للعميل دون غيره، ولم يكن للمصرف منفعة في بذلها سوى القرض؛ فإنه يتوجه القول بتحريمها؛ لأنها منفعة للمقرض لا يقابلها عوض سوى القرض، وهي وإن لم تكن مشروطة إلا أنها واقعة قبل الوفاء بسبب القرض.
ومثل ذلك أن تنص تعليمات المصرف وأنظمته على نسبة معينة من الربح - قد تحددها إدارة المصرف - في نهاية كل دورة مالية، أو جوائز بالقرعة، أو أولوية في الحصول على قرض من المصرف؛ فإن هذه المزايا لا تخلو من شبهة الربا، وخاصة إذا كانت معانة مسبقاً على أساس ثابت مؤكد (3)، وجوائز المقرضين إذا كانت معروفة تكون كأنها مشروطة؛ فلا تجوز مطلقاً (4).
4 - الانتفاع بشهادة المصرف بملاءة صاحب الحساب:
الذي يظهر أن هذه الشهادة من المصرف هي إخبار عن حال العميل وواقعه من خلال تعامله مع المصرف عن طريق الحساب الجاري بصفته - أي المصرف - المصدر لهذه المعلومات؛ فالذي يظهر أنه لا مانع من انتفاع صاحب الحساب بهذه الشهادة، والله تعالى أعلم.
5 - الانتفاع بتنظيم الحسابات وضبطها:
هذه المنفعة هي منفعة آلية تأتي تبعاً لإجراءات المصرف في ضبط حساباته وتنظيمها وتوثيقها، بدليل أن هذه قد لا تكون حاضرة أحياناً قبل أن يطلبها العميل كما في الكشف المختصر للحساب؛ فالذي يظهر أنه لا مانع من الانتفاع بهذه الخدمة بدون مقابل.
6 - الانتفاع بأخذ الفوائد المشروطة أو ما في حكمها:
يحرم أخذ هذه الفوائد، سواء أكانت مشروطة أم معروفة؛ إذ المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، والمعروف بين التجار كالمشروط فيما بينهم، وعليه فهذه الفوائد زيادة مشروطة أو في حكم المشروطة في بدل القرض للمقرض فهي ربا محرم دلت الأدلة على تحريمها (5).
ثانياً: من الآثار المترتبة على تكييف الحسابات الجارية بأنها قروض:
يترتب على القول بتكييف الحسابات الجارية على أنها قروض بعض الآثار والثمرات، من أهمها:
1 - أن ضمان تلك المبالغ في الحسابات الجارية هي على المصرف كذلك (المقترض) (6)، ويمثله المؤسسون والمساهمون؛ لأنها مملوكة له، والقاعدة الفقهية المشهورة أن (الخراج بالضمان)، وأن (الغنم بالغرم).
2 - إذا أفلس المصرف فليس للمودع أن يدخل في التفليس على أنه مالك للوديعة وتكون له الأولوية، بل على أساس أنه دائن عادي يخضع لقسمة غرمائه (7).
هذا ما تيسر جمعه وتحريره، إن كان من صواب فمن الله _تعالى_ هو الموفق له، وإن يكن من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأنا راجع عنه، وأستغفر الله.
_________
(1) ينظر: تحول المصرف الربوي إلى مصرف إسلامي، سعود بن محمد الربيعة (ص1/ 199)، نقلاً عن عبد الله العمراني في رسالته المنفعة في القرض (ص315).
(2) ينظر: مجموع الفتاوى 29/ 456.
(3) ينظر: المصارف الإسلامية، د. رفيق يونس المصري (ص18).
(4) مجلة المجمع 9/ 1/900 (مناقشة د. الصديق الضرير).
(5) ينظر: الحسابات الجارية، د. مسعود الثبيتي (مجلة المجمع 9/ 1/839،841)، المنفعة في القرض (ص321).
(6) ينظر: مجلة المجمع (9/ 1/782، 803، 883)، وينظر نص القرار.
(7) ينظر: الربا والمعاملات المصرفية، للمترك (ص347).(1/451)
المدخل المنهجي في التعامل مع جيل الصحابة
(رؤية بنائية)
سلطان العميري
1ذي الحجة1431هـ
يمثل الصحابة رضي الله عنهم الجيل الأول من دعوة الإسلام، ويكونون اللبنة الأولى التي قام عليها الدين الختام للأديان.
وبالتالي فهم بالضرورة يتمتعون بالخواص التي تتمتع بها الأجيال الأولى من الدعوات العملاقة وتتصف بها اللبنات الأساسية فيها.
فالمستقرئ لمسيرة التاريخ السحيق لنشوء الدعوات الدينية يجد أن النماذج الأولى التي انبنت عليها تتصف بخواص لا توجد في غيرها من الأجيال اللاحقة، ويؤكد المفكر المصري: إبراهيم مدكور هذه الملاحظة فيقول عن الدعوات الدينية: " تقوم إبان نشأتها على معتنقين اتجهوا نحوها بقلوبهم وتفانوا فيها بأرواحهم" (في الأخلاق والاجتماع 26).
ومن أبين تلك الخواص خاصيتان: الأولى: الصدق الإيماني، فالجيل الأول عادة يكون أصدق الأجيال في الأخذ بمبادئ الدعوة وأعمق إيمانا بأصولها وأشد تفانيا في الأخذ بقيمها، والثانية: العمق الإدراكي، فالجيل الأول عادة يكون أوسع الأجيال إدراكا لحقيقة الدعوة وأعمق تصورا لأحكامها وأكثر خبرة بتفاصيلها.
ومستند تلك الخواص يرجع إلى أن الجيل الأول يعيش حالة الانبثاق الأولى للدعوة ويشعر بلذة الإحساس بحالة الانتقال إليها، ويعايش مؤسس الدعوة ومرشدها الأول، ويشاهد اللحظات الأولى من ولادتها وبنائها، ويبصر تطوراتها وأحوالها وملابساتها، ويعاني من مصاعب تأسيسها وويلات نشرها ومتاعب الدعوة إليها وإقناع الناس بها, وبالتالي سيكون ولاؤه لها في غاية الشدة، وحبه إياها في نهاية المحبة، وإدراكه لحقيقتها في منتهي الوضوح.
وإذا كان هذا الأمر عاما تشترك فيه كل الأجيال الأولى من كل دعوة، فإن الصحابة رضي الله عنهم يفوقون غيرهم في تلك الخواص، فهم أصدق جيل عرف في التاريخ في التمسك بمبادئ دعوته، وهم أعلم جيل عرف في التاريخ في الإدراك لأصول ما آمن به، فليس في الأمة المحمدية ولا في غيرها من الأمم مثل الصحابة في الصدق الإيماني وفي العمق الإدراكي، وفقد حازوا قصبات السبق وارتقوا أعلى المعالي، وفي تأكيد هذا التفوق يقول النبي صلى الله عليه وسلم: " خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" (البخاري3650)، والخيرية هنا مطلقة تشمل كل خيرة، الخيرة الدينية والخيرة العلمية.
وفي تصوير حال الصحابة في الخيرية يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنه:" كانوا أفضل هذه الأمة، أبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، اختارهم الله لصحبة نبيه، ولإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم على أثرهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم، فإنهم كانوا على الهدى المستقيم" ويؤكد عبدالله بن مسعود ذلك الوصف فيقول: " إن الله تعالى نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير القلوب، فاصطفاه لنفسه، واستخلصه، وانبعث بالرسالة، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد صلى الله عليه وسلم فوجد قلب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء لنبيه صلى الله عليه وسلم، يقاتلون على دينه".
وهذا التوصيف متعلق بمجمل جيل الصحابة، وليس المراد منه التوصل إلى القول بعصمة الصحابة من الوقوع في المعاصي والذنوب، فهم ليسوا معصومين من ذلك، وليس المراد التوصل إلى القول بعصمتهم من الوقوع في الخطأ العلمي، وإنما غاية المراد بذلك القول بأن الصحابة لم يقع منهم ما يخرم القيم الإسلامية الكبرى ولا ما يتناقض أصوله الظاهرة، ولم يقع من أحدهم ما يعد خطأ منهجيا في الاستدلال، بل أكثر الأقوال التي خالف فيه أحدهم الكتاب والسنة راجعة إلى عدم علمه بالنص الشرعي لا إلى طريقته الاستدلالية، وأقلها راجع إلى خطئه الجزئي في فهم النص المعين.(1/452)
المؤكدات الشرعية:
وهذا ما يفسر لنا كثرة الثناءات الشرعية التي جاءت في حق الصحابة رضي الله عنهم، فالقاري للقرآن الكريم وللسنة النبوية، تستوقفه عشرات النصوص التي تضمنت مدح الصحابة والإعلاء من شأنهم، وقد جاءت في سياقات مختلفة ومشاهد متنوعة:
فالقرآن تارة يمتدح الصحابة على مواقفهم المشهودة مع النبي صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِين وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيم إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَام إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ فَاضْرِبُواْ فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُواْ مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان} [الأنفال:9 - 12]
وتارة ينوه على جهادهم وبذلهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى: {لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ جَاهَدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة:89].
وتارة يصرح برضى الله عنهم ويظهر ما في قلوبهم من الرضى عن الله، كما في قوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم} [التوبة:100]، وكما في قوله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [الفتح:18].
وتارة يخبر بصدقهم ويلفت الأنظار إلى تضحيتهم وبذلهم، كما في وقوله تعالى: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُون وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون} [الحشر:8 - 9].(1/453)
وتارة يشير إلى أن لهم أمثالا مضروبة في كتب الأمم السابقة - كالتوراة والإنجيل-، كما في قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الفتح:29].
وتارة يصرح بتحقق توبة الله عليهم ونزول رحمته بهم، كما في قوله تعالى: {لَقَد تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيم} [التوبة:117].
وتارة يعلن النبي صلى الله عليه وسلم بأن صحابته أمنة لأمته وحفاظ لها، وأنهم لأمته كالنجوم للسماء، كما في قوله: " النجوم أمنة للسماء، فإذا ذهبت النجوم أتي السماء ما توعد، وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي فإذا ذهب أصحابي أتى أمتى ما يوعدون " (مسلم 2531).
والتزكيات البليغة للصحابة في نصوص الشريعة مستفيضة بدرجة عالية، وكلها تؤكد على مدى العمق الإيماني الذي كان الصحابة يتمتعون به وعلى الصلابة الدينية التي اتصفوا بها وعلى العمق الإدراكي التي توصلوا إليه.
ومن المستبعد عقلا أن تأتي تلك الثناءات في حق أقوام مصابون بالضعف في التمسك بقيم الإسلام أو يتصفون بالليونة في الأخذ بتعاليم دينهم وقيمه، أو يعانون من السطحية الإدراكية لحقيقته، فهل من المقبول عقلا أن يكثر الله تعالى من الثناء على الصحابة في القرآن وهو يعلم أنهم غير صادقين في دينهم أو غير صارمين في التمسك به أو غير مدركين لحقيقة أصوله؟! وهل من المقبول عقلا أن يثني الله عليهم بذلك الثناء وهو يعلم أنهم سينقلبون على تعاليم دينه وسيتخلون عن قيمه وأصوله بعد موت رسوله ويعودون إلى قيم الجاهلية؟!!
إن إمكان حدوث ذلك من أكبر القوادح في بيان القرآن، ومن أفتك الخروقات التي تنخر في هدايته وإرشاده للخلق، ومن أعظم ما يصرف الناس عن قبول أحكامه والرجوع إليه.
بل إمكان حدوث ذلك سيفتح الباب أمام الباطنية القديمة والمعاصرة الذين أولوا المعاني الكبرى في القرآن، كالصلاة والزكاة والصيام والحج بمعاني مختلفة تماما عن المراد منها وعما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وسيقولون: إذا جاز أن تكون تلك الثناءات الكثيرة التي جاءت في القرآن على الصحابة ليست تأكيدا على إيمانهم ولا على صلابة تدينهم ولا على عمقهم علمهم، وأنها جاءت في حق أناس سينقلبون على ما أظهروه بعد موت نبيهم، فإنه يجوز لنا أن نؤل المعاني المستفيضة على غير ظاهرها.
الدلائل العقلية والحالية:
ويدلل على صحة تفوق الصحابة في خواص الأجيال الأولى دلائل عديدة من العقل والواقع، ومن تلك الدلائل:
الدليل الأول: الارتباط الروحي والمعاشي بالنبي صلى الله عليه وسلم:(1/454)
فالتاريخ يكشف لنا بصورة قاطعة مدى ارتباط الصحابة بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياتهم، فقد كانوا محيطين به لا يفارقونه في حضر أو سفر ويلازمونه في المسجد وفي البستان ويلتقون به في كل يوم لا يغيب عنهم ولا يغيبون عنه، وهذا الارتباط من أقوى الأدلة العقلية والواقعية التي تدل على منزلة الصحابة في فهم الدين وعلى عمق إيمانهم بقيمه وأصوله وشرائعه وعلى صلابة تدينهم وتمسكهم به؛ لأن الله تعالى اختار لخاتم أديانه وأكملها وأوسعها أكمل الخلق في المؤهلات المستوجبة لتبليغ الدين العظيم وغرسه في قلوب الناس ومشاعرهم، فهو صلى الله عليه وسلم أعلم الناس بالدين وبلغة العرب وهو أفصح الناس في البيان وهو أنصح الناس للناس وأحرصهم على الهداية، وهذه الأوصاف الثلاث متوفرة فيه في غاية الكمال.
وفي شرح هذه الكمالات وغيرها يقول ابن تيمية: " معلوم للمؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم من غيره وأنصح من غيره للأمة وأفصح من غيره عبارة وبيانا، بل هو أعلم الخلق بذلك، وأنصح الخلق للأمة، وأفصحهم، فقد اجتمع في حقه كمال العلم والقدرة والإرادة. ومعلوم أن المتكلم أو الفاعل إذا كمل علمه وقدرته وإرادته كمل كلامه وفعله وإنما يدخل النقص إما من نقص علمه وإما من عجزه عن بيان علمه وإما لعدم إرادته البيان. والرسول هو الغاية في كمال العلم والغاية في كمال إرادة البلاغ المبين والغاية في قدرته على البلاغ المبين" (الفتاوى 5/ 31).
وفضلا عن ذلك ما وهبه الله من الكمالات التي اتصف بها والمواهب الإلهية التي تفيض عليه جراء اتصاله بالوحي الرباني، وهذا الأحوال تستوجب على المحيطين به الاستغراق في التفاني في محبته، والتعلق به والاندماج في التأسي بما بنصائحه وتوجيهاته، وقد وصف عروة بن مسعود يوم كان مشركا حب الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له فقال: " والله لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي والله ما رأيت ملكا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدا صلى الله عليه وسلم" (مسند الإمام أحمد 18928).
وهذا التأثير يعد من الكرامات الإلهية التي اختص الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم, وقد اعترف به القاضي والداني، وفي توصيفه يقول حسن البنا: " تأثير النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه لم يرى التاريخ مثله في وقت من أوقاته ولا صفحة من صفحاته، وما رأت الدنيا جماعة من الجماعات سارت على هدى نبيها واتبعت سنة قائدها كتلك الجماعة المؤمنة المخلصة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "، ويقول ول ديورانت - وهو من أصحاب الانطباعات غير الجيدة عن الإسلام ونبيه - ومع هذا يقر بالعظمة التأثيرية للنبي صلى الله عليه وسلم فيقول: " إذا ما حكمنا على العظمة بما كان للعظيم من أثر قلنا إن محمدا كان م أعظم عظماء التاريخ، فلقد أخذ على نفسه أن يرفع المستوى الروحي والأخلاقي لشعب ألقت به في دياجير الهمجية حرارة الجو وجدب الصحراء، وقد نجح في تحقيق هذا الغرض نجاحا لم يدانه فيه أي مصلح آخر في التاريخ كله " (قصة الحضارة 13/ 47).
ويسجل مستشرق آخر تأكيده على القوة التأثيرية للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول هارث: " إن اختياري لمحمد ليكون في رأس القائمة التي تضم الأشخاص الذين كان لهم أعظم تأثير عالمي في مختلف المجالات ربما أدهش كثيرا من القراء ... ولكن في اعتقادي أن محمدا كان الرجل الوحيد في التاريخ الذي نجح بشكل أسمى وأبرز في كلا المستويين الديني والسياسي (قالوا عن الإسلام، عماد الدين خليل 145).(1/455)
فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يمتلك تلك القوة التأثيرية نتيجة الكمالات والمواهب الإلهية التي حلت به فإنه من المستبعد عقلا وذوقا ومنطقا ألا يستطيع أن يؤثر في من عاش معه ولازمه في حياته وأسفاره وحروبه، ولا يستطيع أن يغرس فيهم قيم الدين وأصوله والتقبل لشرائعه وينتزع من نفوسهم مبادئ الجاهلية.
فالمنسجم مع العقل السليم والمتوافق مع المنهجيات التحليلية المنضبطة أن يكون تأثيره فيهم أبلغ تأثير وتغييره فيهم أعمق تغيير.
ومن المستبعد عقلا وذوقا ومنطقا أن يكون المؤمن الصادق الذي ارتبط ارتباطا معاشيا بالنبي صلى الله عليه وسلم وسمع خطبه وتوجيهاته مباشرة وشاهد سيرته بالعيان وعاشها بالإبصار ضعيف التمسك بدينه وقيمه، ومن المستبعد في العقل السليم أن يكون من عاش مع النبي صلى الله عليه سلم وعرف طريقة حديثه وكيفية بيانه ضعيف الإدراك لحقيقة ما جاء به من الدين مع ذلك الكمال في الفصاحة والنصح والبيان، فكيف يستقيم في العقل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم في المنزلة العالية من الكمال وفي القمة المرتفعة من التأثير والبلاغة والفصاحة ثم مع ذلك لا يؤثر في من ارتبط به ولازمه وعاش معه سنوات عديدة.
فإن من عايش شخصا كاملا كالنبي صلى الله عليه وسلم لا بد أن يتأثر به غاية التأثر ويتشرب مبادئه غاية التشرب، وتفتح عليه مغاليق العلم، فإذا كانت شخصية النبي صلى الله عليه وسلم تؤثر في المستمعين لها وتحدث أثر بالغا في المطلعين عليها عن طريق القراءة، فكيف بمن عاش معه وسافر معه وأكل وشرب معه وحارب معه وصلى خلفه واستمع إلى قراءة القرآن منه مباشرة وجالسه وصادقه؟!! ألا يدل العقل السليم على أنه أولى بالتأثر من غير؟!!
وقد حلّقَ أبو الحسن الندوي بقرائه وارتفع بأذواقهم في وصف تأثير النبي صلى الله عليه وسلم في الصحابة فقال: "الرسول صلى الله عليه وسلم يغذِّي أرواحهم بالقرآن ويربي نفوسهم بالإيمان ويخضعهم أمام رب العالمين خمس مرات في اليوم عن طهارة بدن وخشوع قلب وخضوع جسم وحضور عقل، فيزدادون كل يوم سمو روح ونقاء قلب ونظافة خلق وتحرراً من سلطان الماديات ومقاومة للشهوات ونزوعاً إلى رب الأرض والسموات ... ولم يزل الرسول صلى الله عليه وسلم يربيهم تربية دقيقة عميقة. ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم. ولم تزل مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم تزيدهم رسوخاً في الدين وعزوفاً عن الشهوات، وتفانياً في سبيل المرضاة، وحنيناً إلى الجنة، وحرصاً على العلم وفقهاً في الدين ومحاسبة للنفس. يطيعون الرسل في المنشط والمكره. وينفرون في سبيل الله خفافاً وثقالاً. قد خرجوا مع الرسول للقتال سبعاً وعشرين مرة في عشر سنين. وخرجوا بأمره لقتال العدو أكثر من مائة مرة. فهان عليهم التخلي عن الدنيا وهانت عليهم رزيئة أولادهم ونسائهم في نفوسهم. ونزلت الآيات بكثير مما لم يألفوه ولم يتعودوه. وبكل ما يشق على النفس إتيانه في المال والنفس والولد والعشيرة فنشطوا وخفوا لامتثال أمرها ..... لقد كان هذا الانقلاب الذي أحدثه صلى الله عليه وسلم في نفوس المسلمين وبواسطتهم في المجتمع الإنساني أغرب ما في تاريخ البشر، وقد كان هذا الانقلاب غريباً في كل شيء: كان غريباً في سرعته وكان غريباً في عمقه وكان غريباً في سعته وشموله. وكان غريباً في وضوحه وقربه إلى الفهم" (ماذا خر العالم بانحطاط المسلمين 102 - 104)
وهذا كله يجعل من المستبعد عقلا وواقعا أن يوجد أحد أصدق من الصحابة في التمسك بالإسلام أو يوجد أحد أعلم من الصحابة في إدراك حقيقة دين الإسلام ومعرفة أحكامه وتفاصيله.
الدليل الثاني: الحال السلوكي:(1/456)
لعل من الأمور الملفتة في التاريخ أن مجمل تاريخ الصحابة نقل إلينا بشكل مفصل، بحيث إنا نستطيع من خلاله أن نتعرف على تفاصيل حياتهم ونقف على جزيئات أحوالهم، وهذا يسهل لنا مهمة التدليل على تفوقهم على غيرهم من الأجيال في صدق الإيمان بقيم الدين وعمق الإدراك لأحكامه ومقاصده، فالناظر في أحوال الصحابة وما كانوا عليه من العبادة والذكر والجهاد وقوة الإيمان والحب للرسول صلى الله عليه وسلم والبذل في دينه والخضوع لأوامره والاجتهاد في طاعته، والحرص على تعلم دينه يدرك بسهولة أنه من المستبعد عقلا أن يكون أولئك القوم ضعفاء في الإيمان بمبادئ دينهم ومن المستبعد عقلا أن ينقلبوا على قيمه أو يتخلوا عن أصوله وشرائعه، ومن المستبعد عقلا أن يكونوا جهالا بمقاصده وأحكامه.
وقد نبه على قيمة هذا الدليل الخطيب البغدادي، وأكد على أنه دليل قائم بنفسه حتى ولو لم ترد النصوص الشرعية بفضائل الصحابة حيث يقول: " على أنه لو لم يرد من الله عز وجل ورسوله فيهم شيء مما ذكرناه لأوجبت الحال التي كانوا عليها من الهجرة والجهاد والنصرة وبذل المهج والأموال وقتل الآباء والأولاد والمناصحة في الدين وقوة الإيمان واليقين القطع على عدالتهم والاعتقاد لنزاهتهم وأنهم أفضل من جميع المعدلين والمزكين الذين يجيؤن من بعدهم أبد الآبدين، هذا مذهب كافة العلماء ومن يعتد بقوله من الفقهاء" (الكفاية 49).
وهذا الدليل اعتمده العقلاء والعظماء في الحكم على الناس، وجعلوه طريقا يحصلون به العلم بحالهم ويبنون عليه مواقفهم من الآخرين، وممن اعتمد عليه: هرقل -ملك الروم- فإنه لما أرسل إليه النبي صلى الله عليه وسلم كتابه، استدعى من كان في بلاده من العرب، وسألهم أسئلة عديدة تتعلق بسلوك النبي وأحواله، فلما أجابوه بالصدق، اعترف بنبوته وصدقه في دعوته وقال: " لوددت أني أخلص إليه ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين "، فقد استفاد هذا العاقل اللبيب علما جازما باطلاعه على أحوال النبي من غير أن يلقاه، ولا شك أن النبي أعلى قدرا من الصحابة ومن كل الخلق، ولكن غاية ما نريد الوصول إليه أنا نستطيع بالعقل أن نصل إلى العلم الجازم بعمق إيمان الصحابة بمبادئ دينهم وقيمه وقوة علمهم بالاعتماد على المسلك السلوكي لديهم.
ونحن إذا التزمنا بالعملية الصحيحة في الاستدلال - كما التزم بها ذلك اللبيب - نستطيع أن نقول بأنه من المستبعد في العقل أن الصحابة أكثرهم أو كلهم ارتدوا عن دينهم أو أنهم تخلوا عن قيمه، ونجزم بأنه من المستبعد في العقل أن يتراجعوا عن الفداءات التي قدموها بمجرد موت النبي صلى الله عليه وسلم أو أن يضعفوا عن التمسك بأصول الإسلام وشرائعه، ومن المستبعد عقلا أن تكون مبادئ الجاهلية هي المؤثر الأول والأخير فيهم كما صور ذلك الجابري في كتابه العقل السياسي العربي.
الدليل الثالث: التفوق في المؤهلات:
العارف بحال الصحابة والمدرك لطبيعة علاقتهم بشأة دعوة الإسلام وملابستها الحالية والزمانية سيصل إلى أن لديهم مؤهلات تجعلهم يتفوقون على غيرهم في معرفة حقيقة الإسلام ويتبوؤن مكانة عالية في ملكة الفهم والاجتهاد والغوص في أعماقه، وقد سلط ابن تيمية الأضواء على خصائص الصحابة في المؤهلات المعرفية فقال: " وللصحابة فهم في القرآن يخفى على أكثر المتأخرين كما أن لهم معرفة بأمور من السنة وأحوال الرسول لا يعرفها أكثر المتأخرين فإنهم شهدوا الرسول والتنزيل وعاينوا الرسول وعرفوا من أقواله وأفعاله وأحواله مما يستدلون به على مرادهم ما لم يعرفه أكثر المتأخرين الذين لم يعرفوا ذلك" (الفتاوى 19/ 200).(1/457)
وتوقف الشاطبي عند تلك المؤهلات كثيرا وأخذ يبين مستنداتها وموجبات الالتزام بها في كتاب المنهجي (الموافقات)، فقد أقام هذا الكتاب على أسس علمية عديدة منها: اعتبار فهم الصحابة لزوم الأخذ به وتقديمه على غيره في التصورات الشرعية؛ لأجل أنه سعى إلى شرح ما يختص بهم من أوصاف، وفي ذلك يقول: " وأما بيان الصحابة فإن أجمعوا على ما بينوه؛ فلا إشكال في صحته أيضًا ... وإن لم يجمعوا عليه؛ فهل يكون بيانهم حجة، أم لا؟ هذا فيه نظر وتفصيل، ولكنهم يترجح الاعتماد عليهم في البيان من وجهين:
أحدهما: معرفتهم باللسان العربي؛ فإنهم عرب فصحاء، لم تتغير ألسنتهم ولم تنزل عن رتبتها العليا فصاحتهم؛ فهم أعرف في فهم الكتاب والسنة من غيرهم، فإذا جاء عنهم قول أو عمل واقع موقع البيان؛ صح اعتماده من هذه الجهة.
والثاني: مباشرتهم للوقائع والنوازل، وتنزيل الوحي بالكتاب والسنة؛ فهم أقعد في فهم القرائن الحالية وأعرف بأسباب التنزيل، ويدركون ما لا يدركه غيرهم بسبب ذلك، والشاهد يرى ما لا يرى الغائب" (4/ 127).
مستلزمات عملية:
بعد الانتهاء من عرض المؤكدات الشرعية على تفوقات الصحابة وتفسير الدلائل العقلية والحالية على ذلك، فإن المنهجية العلمية الصلبة تستوجب على المتمسك بها في بناء تصوراته ومفاهيمه الدينية والتاريخية أمورا عملية عديدة، ومن تلك الأمور:
الأمر الأول: لزوم الرجوع إلى فهم الصحابة وإلى ما كانوا عليه من حالة دينية وسلوكية، فالمنهجية العملية البناءة تؤكد على المشاريع الإصلاحية الحرص على استجلاء الصورة الحقيقة التي تمثل ما كان عليه الصحابة، وتدعوا إلى السعي في جمع كل ما نقل عنهم من آثار صحيحة، وتحث على محاولة الكشف عن الأسس العلمية التي أقاموا عليها فهمهم للنصوص الشرعية، وبنوا عليها استنباطاتهم العلمية؛ لأنه يستطيع بذلك أن يقف على النموذج الكامل لتطبيق الإسلام، وبالتالي يتفوق في عمليته الإصلاحية، وهذه النتيجة صدع بها الإمام مالك منذ زمن مبكر في مقولته الشهيرة: "لن يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها "، وقبل ذلك صرح النبي صلى الله عليه وسلم بأن الرجوع إلى ما كان عليه الصحابة يحقق النجاة من الخطأ، وذلك حين سئل عن الفرقة الناجية فقال: " من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي "، وهذا يؤكد على أن الصحابة يمثلون النموذج الكامل في الحالة الدينية والعلمية الشرعية.
الأمر الثاني: الاحتياط الشديد في نسبة الخروقات القيمية والأصولية إلى الصحابة، فالمنهجية العملية الصلبة تستوجب على الباحثين الحذر الشديد في نسبة أي أمر ينافي الصدق الإيماني التي تمتع به الصحابة أو يناقض الصلابة الدينية عندهم أو يقدح في العمق الإدراكي لديهم، وليس المراد بهذا التوصل إلى القول بعصمة الصحابة من الوقوع في المعاصي والذنوب، فهم ليسوا معصومين، وإنما المراد نسبة الأخطاء المتعلقة بأصول الإسلام وبقيمه الكبرى الواضحة.
وكما أن المنهجيات الناضجة تطالب بالاحتياط الشديد في نسبة أقوال لا تتوافق مع أحوال بعض المفكرين ولا تتماشى مع الظروف المحيطة بهم، ولا تنسجم مع العقلية التي يفكر بها، فكذلك هو الحال فيما يتعلق بالصحابة لابد أن تراعى جميع التفوقات التي امتازوا بها عن غيرهم.
إزهاقات تفوقات الصحابة:
مع ظهور الدلائل على تفوق جنس الصحابة على غيرهم في الحالة الدينية والعملية والسلوكية، إلا أنا نشهد مناقضات عديدة لتلك التفوقات ونقف على إزهاقات ظاهرة للدلالات البينة.
ومن أول ما نشهده من ذلك: المواقف التي يمارسها الفكر الشيعي الإمامي، فإن مواقفه من الصحابة تتنافى مع الدلالات الشرعية والعقلية، وتزهق الخواص الإيمانية والسلوكية لديهم.(1/458)
ولكن ذلك ليس مستغربا من الحالة الشيعة الإمامية، فإن المتابع للتاريخ يدرك بسهولة أن الفكر الشيعي يعاني من عقدة " قابلية الانخراط في الخرافة "، فهو من أكثر المذاهب تداولا للأفكار التي تتناقض مع العقل، ومن أكثر المذاهب التي يربى فيها أتباعه على التعالي عن مقتضيات العقل السليم، حتى أن بعض من مارس العملية الفلسفية منهم لم يستطع أن يتخلص من آثار " القابلية للانخراط في الخرافة "، ومن الأمثلة البارزة على ذلك: الحالة التي مارسها محمد باقر الصدر، فقد بلغ قدرا كبيرا في الفلسفة العقلية، ولكنه ما زال يعتقد أن المهدي دخل السرداب منذ سنة 260 للهجرة، وأنه باق إلى الآن، وأنه سيخرج في الزمن القادم، وغير ذلك من المسلمات الإمامية.
ولكن الغريب حقا أن يمارس تلك الإزهاقات كبار المفكرين العرب، ووجه الغرابة في ذلك: أن الخطاب العربي نادى بأصوات مرتفعة بالعقلانية العلمية، وشن حملة شعواء على من خالف العقل، وأقام حربا ضروسا على من لم يلتزم بمقتضى الدلالات العقلية في ممارساته التحليلية وبناءاته المعرفية.
ولكننا إذا رجعنا إلى تحليلات كثير منهم لمواقف الصحابة نجد أنهم لم يلتزموا بالمنهجية الصلبة، ولم يسيروا على مقتضيات العملية التحليلية الناضجة، بل وقعوا في مزاولات عديدة لا تتماشى مع العملية النقدية الصحيحة.
وسنضرب أمثلة على ما ذكره الجابري في كتابه " العقل العربي السياسي " ليتبين لنا صدق ما ذكرنا:
المثل الأول: حين حلل الجابري الطريقة التي استعملها الصحابة في تحديد الخليفة من بعد النبي صلى الله عليه وسلم يوم السقيفة جعل القبيلة هي المؤثر الأول والأخير من منطلقاتهم، حيث يقول: " المرجعية التي حكمت الكيفية التي جرت بها الأمور عند بيعة أبي بكر خليفة للنبي، أو الكيفية التي قرنت بها مجريات ذلك البيعة لم تكن العقيدة ولا الغنيمة، وإنما الكلمة الأولى والأخيرة منطلق القبيلة، لقد حاول الأنصار الانفراد بالأمر دون المهاجرين، ولكن التناقضات القبلية الداخلية مزقت وحدتهم، وأضعفت موقفهم، فصار الأمر إلى المهاجرين" (العقل السياسي140)، بل إنه صور حال الأنصار بأن لديهم إرادة باستباق المهاجرين في اتخاذ قرر تحديد الخليفة (العقل السياسي132).
وقد تكرر هذا التفخيم لدور القبيلة عند محمد أركون، فإنه زعم بأنا نجهل الكثير عن حالة السقيفة، ثم أكد بأن المؤثر الأكبر واللاعب البارز فيها هي العنصرية القبلية، وأن الصحابة أخذوا يتصارعون في تحديد الخليفة بناءً على انتماءاتهم القبلية (تاريخية الفكر الإسلامي 282).
ونحن إذا طالعنا هذا التحليل نجد فيه من الوهلة الأولى تجريدا للصحابة من القيم الإسلامية المحورية، وانتهاكا للخصوصية التربوية للصحابة، وتعاليا على الصلابة الدينية لديهم، وخرقا للقوة التأثرية لدى النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان من أبرز القيم التي جاء الإسلام بتقريرها: محاربة الجاهلية وانتزاعها من قلوب الناس، وإزالة التأثيرات القبلية في تصرفاتهم الحياتية والدينية، فمن المستبعد عقلا أن يتخلى الصحابة عن تلك القيم بمجرد موت النبي صلى الله عليه وسلم ويكون للقبيلة التأثير الأكبر في قضية من أكبر القضايا الشرعية لديهم.(1/459)
ثم إن لو حاكمنا ذلك التحليل إلى المعروف من عادات العرب في المنازعات القبلية لا نجده متوافقا معها، ولا منسجما مع مجرياتها، فمن المعلوم أن الاختلافات المتعلقة بالقبيلة عند العرب من أصعب الاختلافات ولا تكاد تنتهي إلا بعد مفاوضات طويلة ومعقدة، وغالبا لا تنتهي إلا بإسالة الدماء وإزهاق الأرواح، ولكن الحوار الذي دار بين الصحابة في سقيفة بني ساعدة انتهى بشكل انسيابي وفي زمن قياسي، فهل من المقبول عقلا أن يحصل ذلك بينهم - وهم عرب أقحاح - لو كان المحرك الأول والأخير فيهم هو المحرك القبلي فقط؟! أليس هذا خارجا عما هو معروف من عادات العرب ومتنافر عما هو الغالب لديهم؟!.
والذي أوقع الجابري في مثل هذه المخالفة غفلته عن الخصوصية النوعية لجيل الصحابة ونوعية المصادر التي اعتمد عليها في معرفة ما دار بين الصحابة كما سيأتي التنبيه عليه.
المثل الثاني: توصل الجابري إلى أن عليا رضي الله عنه دفع ثمن موقفه من بيعة أبي بكر، وذكر أن:" المصادر تسكت تماما عن علي ابن أبي طالب زمن أبي بكر، وكأنه لا وجود له" (العقل السياسي143)، وهذا التحليل فضلا عن أنه مخالف للدلالات العقلية التي تؤكد على صعوبة تصور أن يقع مثل هذا الفعل من أبي بكر ومن كبار الصحابة، ولا يصح لنا أن ننسب إلى أبي بكر مثل هذا التصرف السطحي إلا بأدلة قوية، وهذا ما لم يقدمه الجابري في تحليله السابق.
ومع ذلك فهو أيضا مخالف لما هو منقول في كتب الحديث والتاريخ من سيرة علي رضي الله عنه في هذه المدة، فقد ذكر ابن كثير أن عليا ممن خرج مع أبي بكر إلى ذي القصة لما ارتد أهلها، وذكر أن أبا بكر جعل عليا أحد القادة الذين يحمون مداخل المدينة مع طلحة والزبير وعبد الله ابن مسعود (البداية والنهاية 6/ 334).
وجاء أن أبا بكر العصر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بليال وعلي ابن أبي طالب يمشي إلى جنبه، فمر بحسن بن علي يلعب مع غلمان، فاحتمله على رقبته وهو يقول أوه بأبي شبه النبي ليس شبيها بعلي وعلي يضحك" (المسند 40, وإسناده صحيح).
ثم إن فترة خلافة أبي بكر اتسمت بالقصر وبوقوع أحداث كبيرة سيطرة على المؤرخين فلم يهتموا بنقل الأحداث الفردية، ومن يطالع تاريخ خلافة أبي بكر يجد أن كثيرا من كبار الصحابة لم يكن له ذكر كعثمان بن عفان وغيره.
وبناء على هذه الدلائل فضلا عما تم تقديمه من أدلة عقلية على نزاهة الصحاب من حدوث مثل تلك التصرفات يتبين أن الجابري لم يوفق في تحليله ولم يسلك الطريقة الصحيحة في تبين الأمور واكتشافها على حقيقتها المطابقة للتاريخ.
المثل الثالث: صور الجابري للقاري العربي حالة الشورى التي كانت بعد موت عمر رضي الله عنه على أنه ثمة صراعا محتدما بين علي وعثمان، وأنهما استصحبوا الصراع الجاهلي بين قبائلهم، حيث يقول: " وقائع الشورى تؤكد أن الصراع كان بالفعل شديدا بين علي وأنصاره وعثمان وأهله، أي بين بني هاشم وبني أمية، غنه الصراع نفسه الذي كان قائما بينهما في الجاهلية، الذي غطى عنه الإسلام لمدة من الزمن ليبعث بأقوى مما كان عليه" (العقل السياسي 146).(1/460)
وابتداءً نحن لا ننكر أن ثمة خلافا في وجهات النظر حصل بين الصحابة رضي الله عنهم في تحديد الخليفة بعد عمر، وهو من جنس الخلاف الذي حصل بينهم في خلافة أبي بكر، ولكن التعاطي الذي مارسه الجابري مع قضية الشورى، يتعارض على طول الخط مع الأدلة العقلية والحالية التي تؤكد على أن حدوث هذه الصراعات القبلية مستبعدة في العقل، ولا يكاد المدرك لتلك الأدلة أن يتقبل التحليل الذي مارسه الجابري عن الصحابة في الشورى، ويصعب عليه جدا أن يأخذ به، فعلي وعثمان من كبار الصحابة الذين ارتبطوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ارتباطا روحيا ومعاشيا كبيرا، فمن المستبعد عقلا أن يتخلوا عن القيم الذي غرست في أنفسهم لأجل الخلافة، ومن المستبعد عقلا أن يرجعوا إلى الحالية الجاهلية التي حاربها الإسلام بشكل مكثف، وهذا الاستبعاد لا يصح أن ننتقل عنه إلا بأدلة قوية جدا، وهذا ما لم يقدمه الجابري في تحليله السابق.
ثم إن السؤال يعود هنا مرة أخرى، هل من المعروف من عادات العرب أن تنتهي المنازعات القبلية بينهم بمثل الصورة التي كانت بين الصحابة، فقد انتهت مهمة الشورى في ثلاثة أيام فقط، وعين عثمان ابن عفان خليفة للمسلمين، ولم يعترض علي ولا أحد من بني هاشم، ولم يقيموا كتلا سياسية معارضة، بل يذكر التاريخ أن عليا كان على وفاق تام مع عثمان، وكذلك هو الحال في كل بني هاشم.
وقد أكدت روايات عديدة على أن الرأي العام في آخر أيام عمر بن الخطاب كان متوجها إلى بيعة عثمان بن عفان، فقد سأل عمر حذيفة بن اليمان في الحج فقال: من ترى قومك مؤمرين من بعدي؟ قال حذيفة: رأيت الناس قد أسندوا أمرهم إلى عثمان بن عفان" (تاريخ المدينة ابن شبة3/ 392، بسند صحيح)،وقال خارجة بن مضرب: "حججتُ مع عمر فلم يكونوا يشكُون أن الخلافة من بعده لعثمان" (المصنف, ابن أبي شيبة38230, بسند صحيح).
ثم ما صوره الجابري من خلافات سياسية بين بني هاشم وبين أمية في عهد كبار الصحابة غير صحيح، فإنه لم يكن بينهم شيئا من مخلفات الجاهلية، وكان كثيرا من ولاة النبي صلى الله عليه وسلم من بني أمية، وقد تزوج منهم وهم تزوجوا من بني هاشم، وهذا كله يدل على أن الإسلام اقتلع مخلفات الجاهلية من نفوسهم
وهذا الدلائل فضلا عما سبق تقديمه من الأدلة العقلية والحالية كلها تدل على خلاف ما توصل إليه الجابري حين صور أن الصحابة تخلوا عن قيم الإسلام ورجعوا إلى مبادئ الجاهلية بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم.
المثل الرابع: أن الجابري عول كثيرا على المصادر المشكوك فيها في تحليل الحوادث الواقعة في جيل الصحابة، فقد اعتمد كثيرا على كتاب " الإمامة والسياسة", وتكرر ذكره في كتابه "العقل السياسي" أكثر من خمس وثلاثين مرة، واعتمد عليه وحده في أكثر من عشرين مرة، وكان أحد ما اعتمد عليه في نقل تفاصيل ما حدث بين الصحابة يوم السقفية.
وهذا الاعتماد من الجابري مخالف للمنهجية العملية الصلبة التي تستوجبها حالة جيل الصحابة، فهذا الجيل قامت الأدلة العقلية والحالية على تفوقه الإيماني والعلمي وعلى صلابته في التمسك بالقيم الإسلامية، وهذه الحالة تحتم الاحتياط الشديد في نسبة أي موقف يخالف ذلك، فهل من الاحتياط الشديد أن نعتمد على كتاب مشكوك في نسبته، وهل من الالتزام بالمنهجية العملية التحليلية أن نبادر إلى إزهاق تفوقات الصحابة بالاعتماد على مثل كتاب الإمامة والسياسة، المنسوب إلى ابن قتيبة.
والغريب حقا أن الجابري نفسه متوجس من صحة نسبة ذلك الكتاب ابن قتيبة، فإنه قال عنه: " لعل أقدم كتاب وصلنا في هذا الموضوع -الإمامة- هو كتاب الإمامة والسياسة، المنسوب إلى المؤرخ الكبير والمؤلف السني الواسع الإطلاع أبي محمد عبدالله ابن قتيبة الدينوري، وعلى الرغم من الشكوك التي تحوم حول صحة نسبة هذا الكتاب إلى ابن قتيبة، وعلى الرغم من الهنات والأخطاء التي سجلها عليه الباحثون المختصون، فإنه يبقى مع ذلك أول محاولة سنية في الكلام في الإمامة " (تكوين العقل العربي108).
فهل يجوز في المنهجيات العلمية الصارمة التي تراعي الأحوال المحيطة بالقضية ولا تغفل عن الاحتياط الشديدة التي توجبها الأدلة المحيطة بها أن نعتمد على مثل كتاب الإمامة والسياسة؟!(1/461)
إيقاف القنوات الإسلامية ... الأسباب والحلول
د. مالك الأحمد
17ذي القعدة1431هـ
لم يكن إيقاف بعض القنوات الإسلامية مفاجئاً للمراقب الإعلامي .. كانت المفاجأة بكثرة القنوات التي أوقفت والأخرى التي أنذرت في وقت واحد
البداية كانت مع قناة الرحمة والتي يديرها ويقدم الكثير من برامجها الشيخ محمود حسان قبل 6 أشهر .. كان الإيقاف بطلب من هيئة مراقبة البث السمعي البصري الفرنسية بدعوى اللاسامية وتعرضها لليهود ..
وسبق لهذه الهيئة إيقاف قناة المنار (الشيعية) لنفس الأسباب عندما كانت تبث على قمر أوروبي (مازالت تبث على النيل سات!!)
القناة عاودت البث باسم جديد "نسائم الرحمة" حتى تعرضت - مع أخواتها - للإغلاق للمرة الثانية ..
من المهم استحضار وثيقة البث الفضائي العربية, والتي أقرها وزراء الإعلام قبل سنتين وتضمنت بعض البنود الإيجابية, والكثير من البنود السلبية, وتحفظت عليها قطر ولبنان:
من البنود الإيجابية: عدم التأثير سلباً على السلم الاجتماعي, والوحدة الوطنية, والنظام العام, والآداب العامة، والامتناع عن التحريض على الكراهية, أو التمييز القائم على أساس الأصل العرقي, أو اللون, أو الجنس, أو الدين، وحماية الأطفال والناشئة في كل ما يمكن أن يمس بنموهم البدني والذهني والأخلاقي, أو يحرضهم على فساد الأخلاق، والامتناع عن بث كل ما يسيء إلى الذات الإلهية, والأديان السماوية, والرسل, والمذاهب, والرموز الدينية الخاصة بكل فئة ... وهي بنود ممتازة لكن يعيبها عدم التطبيق على الواقع.
من البنود الأخرى: الامتناع عن بث كل شكل من أشكال التحريض على العنف والإرهاب ... الالتزام بالموضوعية والأمانة, واحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية, وعدم تناول قادتها أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح .... وهي عبارات مطاطة يسهل تطبيقها على القنوات التي لا تعجب الجهة المنظمة للبث لأنها هي التي تمتلك حق التفسير ..
الوثيقة أعطت الجهات المنظمة للبث (وزارات الإعلام، مدن الإنتاج، شركات الأقمار الصناعية) الأدوات اللازمة للضبط وإيقاع العقاب.
من المهم استحضار التطورات السياسية في المنطقة والتي - لا شك - أثرت على موضوع القنوات الإسلامية
هناك تقارب مصري إيراني عراقي .. بمعنى آخر هناك مصالح متبادلة تتطلب من الجهتين السنية والشيعية مراعاة مصالح الطرف الآخر ..
هذه المراعاة والمجاملة (المبنية على المصالح وليس المبادئ, حيث أن لمصر موقف صريح وواضح من نشر التشيع في مصر, وجهوده على الأراضي المصرية) .. تطلبت أمرين:
الأول: السماح لعدد كبير من القنوات الشيعية العراقية والكويتية (أكثر من 20 قناة) , وأيضاً تتبع القنوات السلفية التي تحاور - وليست تهاجم الفكر الشيعي- وبطريقة لطيفة محببة (قناة صفا على سبيل المثال)
البعد الثاني في القضية: هو الأثر الملموس للقنوات الإسلامية (بالذات السلفية) على الجمهور المصري وما أثمره من حركة تدين واسعة، لا شك أنها تزعج الفئات العلمانية سواء التي في السلطة, أو المسيطرة على الإعلام حتى لو كان تدين هذه الفئات مسالم ولا يحمل أي توجه عنف أو مواجهة.
لا ننسى أهل الشهوات من أصحاب الأفلام المسمومة, والذين مافتئوا يستفزون المسئولين, ويحرضون على القنوات الإسلامية بدعاوى باطلة كيدية, مستغلين حضورهم الإعلامي القوي ومواقع النفوذ التي يمتلكونها هنا وهناك(1/462)
إن نجاح القنوات الإسلامية أقض مضاجع البعض, وجعلهم يسارعون للتحرك رغم أن العملية (وهي السماح لهذه القنوات بالبث) نوع من التوازن مع القنوات الأخرى المنفلتة - وهي بالمئات - سواءاً الحكومية أو الخاصة, وهذه القنوات لم تحصل على تراخيص بصفتها قنوات دينية (تمنع النيل سات القنوات الدينية) بل بصفتها اجتماعية ثقافية منوعة, ومع ذلك تم السماح لبعض القنوات النصرانية (بعد ضغوط متوالية من الكنيسة القبطية) والتي تجاهر بنصرانيتها وبعدها الديني بلا مواربة
كما لا ننسى الضغوط الأمريكية على المنطقة حيث فشل إعلامها العربي (قناة الحرة) (خصوصاً أن بعض القنوات الإسلامية تؤيد مقاومة الاحتلال الأمريكي سواء في العراق أو أفغانستان)، وهذه الضغوط ليست مباشرة بقدر ما هي ملاحظات لأصحاب القرار للانتباه (والحر تكفيه الإشارة كما يقولون).
مبررات الإغلاق التي ذكرت من الجهات الرسمية (وزارة الإعلام، النيل سات) لم تكن مقنعة, وليست منطقية ابتداءاً ..
"لتنقية الفضاء العربي من دعاوى الفتنة والجهل والتطرف والانحراف ". ... " تستهدف في مجملها الحفاظ على قيم المجتمع المصري والعربي ". ... "سعت بعض هذه القنوات إلى التكسب من خلال نشر طب بديل, مبني على الدجل والشعوذة تحت ساتر الدين والتشبث بالرسول صلى الله عليه وسلم ". ... " نشر هذه الخرافات, وخداع المتلقي المصري والعربي بوصفات تعتمد على الدجل والخرافة, فضلاً عن الترويج للمنشطات الجنسية, وطرق العلاج بالحجامة "
أما ما ذكر من شروط لإعادة البث والذي يتضمن التدخل في محتوى القنوات (لم يتم التأكد من صحة هذه المطالبات) فلا أظن عاقلاً - فضلاً عن مسئول عن قطاع إعلامي - يؤمن بها, بل ويطالب القنوات الإسلامية الالتزام بها!!
.. " لا تتعدى مساحة البرامج الإسلامية في القناة أكثر من 50% من خريطة القناة. أن لا تكون هناك برامج للفتوى الشرعية مهما كان ضيف البرنامج. تخصيص مساحة كافية لإذاعة أفلام, أو أغنيات, أو مسرحيات. إشراك عناصر نسائية صوتاً وصورة في الخريطة البرامجية الجديدة ... "
أما في جانب الحلول - في نظري - بالنسبة للقنوات الإسلامية (جميعها) فالمطلوب التالي:
مراقبة المحتوى بدقة, والتأكد من عدم مخالفة وثيقة الشروط (بشكل عام) أي شروط التعاقد مع جهة البث.
أيضاً الحكمة في معالجة بعض القضايا المعاصرة ذات العلاقة بالطوائف, أو اليهود, أو النصارى, ولا يعني هذا إغلاق هذه الملفات بقدر ما هو التعامل معها بذكاء وروية
مراقبة الإعلانات التجارية والتي لا يخلو بعضها من مبالغة وأحياناً كذب (رأيت بعض اً منها في بعض القنوات) وهي وإ ن كانت قليلة فالأولى عدم عرضها, ويعوض الله خيراً منها
الاستعداد الفني للانطلاق من خلال أقمار أخرى, والفضاء اليوم فيه من التنافس الشيء الكثير .. هناك أقمار آسيوية تغطي المنطقة العربية وهي - في ظني - أقل حساسية من العربية والأوروبية
أيضاً الاستعداد الفني الكامل للبث من خلال الانترنت خصوصاً مع توفر سرعات اتصال معقولة لدى الكثير من الأسر وبسعر معقول، علماً بأن الدراسات والبحوث تشير إلى حلول البث التلفزيوني من خلال الانترنت محل البث عبر الستالايت خلال بضع سنوات (5 - 10 سنوات).
التنسيق والتعاون بين القنوات الإسلامية بحيث يسد البعض مكان الآخر, ولا يتم التفرد بهذه القنوات بشكل فردي (أكلت يوم أكل الثور الأبيض!!) وهذا في الجانب الفني وأيضاً المحتوى، والبعد عن التنافس السلبي.
الاقتراح الأخير: لابد من وجود مقرات ومكاتب واستوديوهات في أماكن مناسبة (خارج العالم العربي) تكون رديفة وبديل في حال إغلاق الاستوديوهات والمقرات الإدارية, والانتقال السلس والسريع للبث من خلال أقمار أخرى غير مسيسة من خلال قاعدة فنية جاهزة ..(1/463)
لماذا فشلت الليبرالية العربيَّة ... ؟
عائض الدوسري
15ذي القعدة1431هـ
في البدء قالت .. "كيركبا تريك" المستشارة في إدارة الرئيس "ريغان" وممثلة أمريكا في الأمم المتحدة، تؤكد أن الديمقراطية مجرد لعبة لتحقيق مصالح الغرب، وأن قيم الغرب وسياساته خاضعة للعبة المعايير المزدوجة .. تقول:
(إنه ينبغي علينا عدم تشجيع الديمقراطية في وقت تكون فيه الحكومة المؤيدة من قبلنا تصارع أعداءها من أجل البقاء، وإن الإصلاحات المقترحة بعد ذلك لا بد أن يكون منها إحداث التغيير، وليس إقامة ديمقراطية).
تساؤل عقلي مشروع يطوف في أذهان بعض الإسلاميين والعلمانيين العرب: لماذا فشلت الليبرالية العربيَّة؟
وجواب هذا التساؤل معلق على جواب تساؤل آخر: فهل يوجد أصلاً ليبرالية عربية حقيقية؟!
هنا جوهر المشكلة لأن بعض الإسلاميين وخصومهم يخلطون بين العلمانية وبين الليبرالية، فلا يلزم من كون الإنسان علمانياً أن يكون ليبرالياً، إذ العلمانية موقف أيديولوجي فكري من الدين أو النص أو المقدس، فالعلماني قد يكون ديكتاتورياً -وهذا الغالب- وقد يتحالف مع الشيطان، ومع الديكتاتور، ومع أي جهة كانت، ما دامت تساعده في إدارة رحى معركته ضد الدين أو ضد المتدينين.
لذا فلا وجود موضوعي لليبرالية عربية، ولا أدل على ذلك من غياب ممارسة حقيقية للتسامح واحترام المخالف، وغياب أي مشروع إصلاحي مدني حقيقي، ينفع المواطن العربي في عالمنا العربي المتألم!
إن سلوك العلماني العربي جعل "الليبرالية" كلمة مكروهة مشوهة تحتقرها الجماهير الصارخة بآلامها، لأنها تشاهد بأم أعينها خيانة النخب العلمانية العربية لهمومها وآمالها، ولا تجد من هذه النخب إلا تحالفاً وتبريراً للدكتاتور، مع أن هذه النخب المتخمة بالعلمنة تصيح صباح مساء قائلة: قدسوا الحرية كي لا يدوسكم الطغاة!
وهم كل يوم بل كل لحظة يدوسون هموم الشعوب، ويتحالفون مع الشيطان الأصغر والأكبر، كي يتمكنوا من أغراضهم الخاصة، ونزواتهم الشخصية.
العقلاء -يا سادة- مع اختلافهم وتباين توجهاتهم فإنهم قد يحترمون من يخالفهم إذا رأوه صادقاً مع نفسه ومبادئه. إن الليبرالي الذي يؤمن بمبادئه ويمارسها حقيقة، ويدافع عن كرامة الناس وحقوقهم، ويتسامح مع خصومه، ويتقبلهم، يضع له خصومه حساباً لأنهم يعلمون أنه مؤمن حقيقة بقضيته.
ومن يتأمل الصحابي الكريم "عمرو بن العاص" الذي يقول عن الروم .. ما ورد في صحيح مسلم ما قد يبيّن بعض طباع هؤلاء الناس، مع إنصافهم وعدم غمط حقهم. فقد روى مسلم عن المستورد القرشي أنه قال عند "عمرو بن العاص" رضي الله عنه:
(سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " تقوم الساعة والروم أكثر الناس ". فقال له عمرو: أبصر ما تقول. قال: أقول ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: لئن قلت ذلك، إن فيهم لخصالاً أربعاً:
إنهم لأحلم الناس عند فتنة.
وأسرعهم إفاقة بعد مصيبة.
وأوشكهم كرة بعد فرة.
وخيرهم لمسكين ويتيم وضعيف.
وخامسة حسنة وجميلة: وأمنعهم من ظلم الملوك).
فتأملوا كلام هذا الصحابي العظيم رضي الله عنه، وكيف أنصفهم وشهد لهم بما هم أهله، مع كفرهم وعداوتهم، وتأملوا في المقابل المثقف العلماني العربي فستجدونه -في أكثر الأحيان- متسلطاً دكتاتوراً محارباً للدين في أصوله وتفاصيله، لا يهمه مسكين أو يتيم، بل سليط اللسان بذيء الألفاظ، إذا خاصم فجر، عنده كل القابلية لأن يطعن في أعراض خصومه بالبهتان، تجده يمارس أشد أنواع الإقصاء، فهو دغمائي، سادي -كما يعبرون- ليس عنده أي قابلية لأن يتسامح.
وما أجمل ما صوره النصراني العلماني (رفيق حبيب) لهذه النخبة حينما قال:(1/464)
(الانبهار بالغرب أدى إلى هزيمة عقل الأمة ومن العقول المهزومة ظهر فريق يحاول أن يتحد مع المنتصر ويتبنى حضارة الغرب، ولكن لدى وكلاء الغرب كانت الصدمة سببا في الالتحاق بالغرب ونقل قيمه وأفكاره ونموذج حياته وكانت الدعوة للحرية الغربية تجد طريقها لدى النخبة المثقفة، إن وكلاء الغرب يشكون من عدم إتاحة الفرصة كاملة لحرية البحث ويؤكدون أن حضارتنا وتراثنا قيود على البحث العلمي، والحقيقة أن هذه الشكوى تنبع من قضية على جانب كبير من الخطورة، لأن تطبيق العلم الغربي في سياق حضارتنا يمثل تعديا على كل مقدسات الأمة ولذلك فانه يواجه من مجموع الأمة ومن هنا يشكو وكلاء الغرب بسبب إن حرية البحث العلمي مقيدة والحقيقة أن التعدي على مقدسات الأمة مقيد).
العلماني يريد أن يمارس حريته -عبثه- مع المقدس لأنه يرى أن لا مقدس إلا هو، الدين لا قداسة له، هو متغير ومتحول، وغير ثابت، لكن الديكتاتور عند العلماني العربي ثابت غير متحول، ولذا فهو يلعق حذاء الدكتاتور ويسبح بحمده، يغرد بسرد إنجازاته، إنه يعبده ويتخذه آلهة، ولا ينبس بكليمة صغيرة من أجل ضمير الشعب المطحون تحت قهر الفقر والذل!
العلماني العربي قوي شجاع حينما يتكلم عن الله سبحانه، وعن دينه، يدعي بطولة رخيصة، فإذا ثارت الجماهير المؤمنة صارخة متألمة من أجل ربها وحبيبها نبيها ودينها، صاح العلماني العربي: أين الحرية؟ أين التسامح؟ أين قبول الرأي الأخر؟!
يا له من شجاع وجريء على دين الله، ويا له من جبان ورعديد ومنافق حينما يتحدث عن الديكتاتور!
إن الجماهير مقتت من يطنطن بالحرية وتراه لا يمارس حريته إلا حينما يتحدث عن الله ودينه، لكنه لا يتحدث بهذه الحرية حينما سرقت اللقمة الصغيرة من أفواه ملايين الشعوب، ولم يتحدث عن الأيتام، عن الفساد، عن مشاريع حقيقية ينتفع بها الإنسان.
إن ما تروجه العلمانية الغربية والأمريكية، والتي تتشدق بالحرية والديمقراطية هذه الأيام وقبلها هي أبعد ما تكون عن تطبيقها وممارستها في العالم العربي والإسلام، لأنها تعتقد أننا غير قابلين لمثل هذه القيم، ومهما تشدقوا فثقوا أن ديمقراطيتهم لا تباع ولا تستبدل، إن الديمقراطية مجرد فزاعة للأنظمة وللحكومات، وجزرة للشعوب اللاهثة.
ولذا نتفهم وجهة نظر الخبير الفرنسي بشؤون الإسلام السياسي "أوليفيه روا" حينما يتحدث عن خيارات الغرب تجاه الحرية والديمقراطية في العالم العربي البائس؛ حينما تتعرض مصالحه للخطر، فهنا يضحي بقيمه وتعاليمه المقدسة، في سبيل الحفاظ على مصالحه .. يقول:
(عندما يكون على الغرب الاختيار بين العلمانية والديمقراطية، فهو يختار العلمانية دائماً، وعندما تكون العلمانية في كفة والديمقراطية في كفة كما في الجزائر وتركيا فالغرب يختار دائماً العلمانية لا الديمقراطية، الغرب يفضل قيام نظام تسلطي دكتاتوري على وصول الإسلاميين إلى السلطة).
وقد أكد هذه الحقيقة ودون مواربة أو خجل (أدوارد ما نسفليد - وجاك سنايدر) عندما تحدثا عن فوز جبهة الإنقاذ الجزائرية، وحزب الرفاة في تركيا وضرورة ضربهما .. يقولان:
(في كلتا الحالتين، كان لا بد من انتهاك المسار الديمقراطي، وذلك لإيقاف ما أسفرت عنه العملية الديمقراطية نفسها، فقد عبر كثير من المراقبين والحكومات عن ارتياحهما لهذا، مبررين ذلك بأنه من الأفضل وجود حكومة " فاشية " نستطيع التعامل معها، بدلاً من حكومة إسلامية لا نستطيع التعامل معها).(1/465)
ولذا يقرر الغرب أنه من الخطأ الاستراتيجي دعم أعظم القيم الغربية "الديمقراطية والحرية" قيمةً في بلدان تتقاطع مصالحها مع تلك القيم، وهذه الحقيقة يقررها المفكر الغربي "روبرت كانمان" في كتاب ألفه لهذا الغرض اسماه ب " الديمقراطية والمعايير المزدوجة " ومما قاله في هذا الكتاب:
(إن الجميع - في الغرب - يتفق على أنه من الخطر دعم الديمقراطية بجميع صورها في العالم الإسلامي).
وإذا كان العلماني العربي يدرك ذلك سياسياً، فهو لا يجد غضاضة في وضع يده في يد أعداء دينه ووطنه، والصياح دائماً بالحرية التي تعني له: أنه يجب أن يلعن الدين ويشتم الله بدون أن يضايقه أحد، وهو يعلم أن الغرب لن ُيصدر أقدس قيمه "الحرية" لحفنة من البشر يراهم دون قيمة البشر!
وحينما نتجه للمرأة وما أدراك ما المرأة؟! تجده يتحدث عن المرأة .. عفواً .. ليست المرأة الإنسان، ليست المرأة الأم .. ليست المرأة اليتيمة .. ليست المرأة الفقيرة .. إنه يتحدث عن المرأة الصغيرة الجميلة، إنه يريد أن لا يتعطل نصف المجتمع في البيوت لصناعة الجيل القادم رجلاً ونساءً، إنه يريد أن يعمل نصف المجتمع قريباً منه وتحت ناظريه، ليخلو البيت!
ألم يقل كبيرهم العلماني المشهور "بوعلي ياسين":
(الرجل المثقف -العلماني- في مجتمعنا يدعو إلى المساواة ويطالب المرأة بأن تكون ندا للرجل ولكنه نادرا ما يتزوج هذه المرأة المتساوية معه أو الند له، إنه يقبلها صديقة ورفيقة وزميلة لكنه يخافها ويبتعد عنها كزوجة .. إنه يريدها غرّة، ولذلك تراه يركض وراء المراهقات).
إن الليبرالي الغربي -المؤمن بكرامة أمته- قدم نفسه وحياته قبل كلماته في الصحف المستأجرة، مات هو يخدم قضيته، ضحى من أجلها، مات وهو صارخ بها، لأنه يعتقد أن الكرامة ملك للإنسان في بلاده يجب الحصول عليها، وهي حريته وليبراليته، ولذا وقف ضد الدكتاتور، ومات تحت جنازير دباباته، وقتل برصاصه، لكنه عاد وفي كل مرة حتى بناء حلمه على أرض الحقيقة.
في أمريكا حينما ضربت في صباح عجيب، في ضحى 11 سبتمبر، توحدت العقول والقلوب، وتوحد اليمين مع اليسار، وتوحدت الديمقراطية مع الجمهورية، وتوحد الشمال مع الجنوب، وتوحد العلماني والليبرالي مع الزعيم الراديكالي الأصولي الإنجليكاني!
لقد تناسوا كل خلافاتهم وتوحدوا في وجه العدو الخارجي، لقد قرر زعيمهم "بوش" الإنجليكاني الجديد أن يتحفظ على بعض حقوق الليبرالية في وقت الأزمة، فأقروا له وأخبتوا، طاعة وحباً كرامة، لقد صارت أمريكا -يا سادة- كقطعة معدنٍ صلبة في زمن الضربة.
لكن -ويا أسفي على لكن- تجد العكس عندنا، دهمنا العدو بخيله ورجله، بصحفه وقنواته، سدد سهامه للنيل من بلادنا وشعبنا وقيادتنا وتقسيم وطننا، طعن في عقيدتنا، وتهجم على عقولنا، وسخر من كرامتنا، وداس على عزتنا .. فماذا فعلنا؟
شُتت الجهود، وتفرقنا، وتمزقنا، وصار العلماني يرحب بالفاتح الجديد ويرحب به، ويهدد من خلاله قائلاً: [غيروا بأنفسكم أحسن من يجيكم من يغيركم بالعصى]!
لقد ابتزوا في الفتنة، وشطروا البلاد، وجعلوا منبر الكلمة منبراً للطعن في ضمير الأمة، وتشتيت كلمتها، وطعن في علمائها، لقد ابتغوا الفتنة وقلبوا الأمور، واستأجروا كل مريض وصاحب سوابق، لقد مزقوا عقل الوطن وضميره وانتماءه.
ثم خرجت خارجة من شباب الوطن تضرب بره وفاجره، ولا تتحاشى مؤمنه، كفرت بطاعة الإمام، وقتل أهل الإسلام والأوثان، فبكى الوطن، واشتكى الدين إلى الله، وسكبت العبرات على عقول تاهت ووجوهٍ شاهت.(1/466)
قفز الليبرالي في منبر الكلمة وفرح بهذا الخنجر الذي طعن خاصرة الوطن والإيمان، فاستثمره لصالحه، وظفه لخدمت أجندته الخاصة، فمال على كل ما هو إسلامي فعاث به ضرباً باليمين وضرباً بالشمال .. وإلى الله المشتكى.
فبدل أن تتوحد الجهود وتتراص الأقدام، وتجتمع القلوب في أزمنة الفتنة، صارت فتنة فوق فتنة!!
فكان العلماني العربي مفلساً ليس عنده أدنى ذرة لأن يضحي لأجل مبدأ، أو دين، أو وطن، بل عنده كل الاستعداد لأن يضع نفسه ويده مع أعداء أمته ودينه ووطنه، عنده استعداد للدفاع عن إسرائيل، وتبرير جرائم الأمريكان في كل مكان، وتحويل فضيحة سجن أبوغريب إلى حديثة الزهور، مع أن الليبرالي الأمريكي لا يزال صارخاً يدين جرائم بلاده!
مفارقة غريبة .. قد يفسرها فهم كثير من العلمانيين أن الحرية هي الجنس، أو المزيد من الجنس، والفوضوية، وعدم المسؤولية، والعبث بأي شيء.
لهذا السبب كره الناس هؤلاء، ورفضوهم .. وهكذ1 فشلوا، وسوف يفشلون دائماً.
لقد أعجبني ما قاله الدكتور (برهان غليون) أستاذ كبير في جامعة السوربون، علماني يساري التوجه، ولكنه منصف وباحث جاد وحيادي:
(ليس صحيحا أن الذي يعيق الأنظمة العربية مثلا عن تحقيق الديمقراطية هو خوفها من الإسلاميين، بل هي لم ترفع شعار الديمقراطية إلا لمواجهتهم وبسببهم، إن تفجر الأزمة - كما هي اليوم - لتبدو وكأنها مواجهة أهلية شاملة، لم تحصل إلا بسبب طفوح الكيل من الغش والخداع والكذب والتلاعب بعقول الشعب، واحتقار ذكائه ومخيلته، إن ما نسميه بالمجتمع " المدني " ومنظماته هو اليوم نهب لأجهزة المخابرات وضحية لها.
إن الحركات الإسلامية لم تتوسع إلا لأن السلطات القائمة رفضت أي تشغيل للقنوات السياسية الطبيعية، وحاولت منع المجتمع من التنفس والحياة، وهذه الحركات تشكل آخر تعبير سياسي عن روح الثورة والتمرد الكامنة في شعب اغتصب حقه في المشاركة والحياة منذ عقود).
ثم يعتب الدكتور غليون على النخب العلمانية في معاونتها للطغاة في القضاء على المتدينين، بحجة العمل للديمقراطية وتنظيف الساحة منهم، وأن الحكام في الجزائر قتلوا مالا يقل عن (30) ألف إسلامي بحجة تنظيف الساحة منهم!!!
يقول الدكتور غليون بالحرف الواحد:
(من هم الإسلاميون، غير إخواننا وأبنائنا وبناتنا؟ أليسوا هم أنفسهم القوى التي نحتاج إليها لمواجهة التحديات الكبرى المادية والمعنوية، الخارجية والداخلية التي تعمل لتدميرنا؟؟).
وأخيراً ... هل يفهم العلماني العربي ما يقوله "صاموئيل هنتنغتون" الخبير في وزارة الخارجية الأمريكية:
(إن المشكلة بالنسبة للغرب ليست الإسلاميين المتطرفين، وإنما الإسلام ككل، فالإسلام بكل طوائفه وفي مختلف دوله عبارة عن حضارة كاملة تشتمل الدين والدنيا، وكل مظاهر الحياة اليومية، ولذا قلت إن الإسلام ونظام الدول الغربية لن يلتقيا، إن المسلمين يعلنون في وجه كل غربي إن دينهم هو الأحسن وأن عاداتهم وتقاليدهم هي الأفضل، كلهم يقول ذلك المتطرف والمعتدل).(1/467)
البُقْعَة التَّنْويريَّة
سليمان بن ناصر السالم
13 ذي القعدة 1431هـ
البُقْعَة صارتْ تَتَّسِعُ شيئا فشيئا لكلِّ من له خصومة أو موقف مع التيار السائد، ليست المسألةُ أن تنطلق وفقَ قواعدَ محددة ومنهج متبلورٍ وأدوارٍ واضحة؛ المهم أن يكون لك تحفظ على شيءٍ قائم على السَّطح، بعدها ستُمنح بطاقة الشرف وتذكرة الدخول لعالم الأنوار في جَذْر مكافحةِ الظُّلم ومقاومة الاستبداد؛ إنها البقعة التي رسمها أحدهم وأدخلَ في قُطْرِها كوادرَ علمية ذات اليمين وذات الشمال، وحشر في جوفها أقلاما متباينة بشكل حاد ومشاريع شتى…؛ كانت أَشْبَه بصافرةِ إنذارٍ دَوَّتْ في بعضِ دولِ العالمِ الثالثِ فإذا بالطبيب والمهندس والمزارع بجوارِ الجندي جنبا إلى جنب في أرض المعركة .. !
كانت أمانيَ أملاها الخيال الرحب والنفس المتطلعة نحو التغيير .. لكن هل لها رصيد من الواقع؟
شَغَلونا بالحديثِ عن الإصلاحِ السياسي ومناهضةِ الفساد المالي، فلما قلنا لهم: سَمُّوا لنا رجالَكَم .. ، ذكروا فلانا وفلانا من الأفاضِل .. أسماءٌ لا يُعتبرُ الإصلاحُ السياسي من صَلْبِ اهتماماتها، يا تُرى هل هو تَخَلٍ عن المشروع؟ أم أن المسألةَ لا تعدو أن تكونَ استكثارا للرِّفاقِ لمجابِهَةِ التيارِ الجارِف؛ رأوا أيديَهم خاليةً من الأوراقِ الرَّابِحة، فأدخلوها في جيوبِ الآخرين يبحثون عن أيِّ رهانٍ يضعهم في الواجِهة؛ كنت أتمنى أن يكون الخطاب التنويري واضحَ المعالم والرسوم، لكنه ويا لأسفي الشديد ليس كذلك، كل ما هُنالِك أن تُبديَ تحفظاتٍ شديدةٍ وليونةً في التعامل مع النَصِّ الشرعي في أي مجال شِئت، بعدها ستجد نفسك عضوا في نادي الأنوار .. ! لا أعلم لمَ وُضِعَتْ السِّياجاتِ الوَهْميَّة بين التيارات الإسلامية، يا تُرى هل صارَ مُبرر إثبات الوجود والتجميع المرقَّع أهمَّ من مبرِّرِ وحدةِ الكلمة والصف؟!
الغلو في مكافحة الغلو:
يسأل التنويريون: لم لا تكافحون الغلوَّ والتشدد؟
هل ثمَّ موضوعٌ تناوله الخطابُ الشرعي خلال العقدِ الماضي أكثرَ مما تناول شبهات الجهاديين ومسائل التكفير حتى بات وصف: [الغلو في مكافحة الغلو] ملائما لبعضِ حالات الخطاب .. !
ما لم يفهمه هؤلاء -تطبيقيا على الأقل- أن الشريعة نبذتْ الغلوَّ والتفلُّتَ على حدٍ سواء، فالمكتبات السلفية والمحافل المحلية والرسائل العلمية والندوات المختلفة كلها تصب في صالح مكافحة الغلو، لكن السؤال الملقى في قارعة الطريق، من يقف في وجه مطبوعات محسوبة على التنوير تخلخل الثوابت الشرعية ككتاب يتضمن قصر الصلوات الخمس إلى ثلاث، ومن ينتزع المناديل المبللة من أكف نادبي أساطين الانحراف ويصرخ في أحداقهم المحمرَّة: لملموا عواطفكم المتناثرة بحزام الدين، فهؤلاء خصوم الشريعة من المهد إلى اللحد كيف يُندبون؟!
هي الأعينُ نفسُها جمدتْ عن السيلان إثرَ وفاةِ العُلَمَاءِ الربانيين .. ؟
ثمَّ يسألون بكل براءة: من يقف في وجه الغلو؟
يقفُ في وجهِ الغلوِّ القادرون على تمييزه، وهنا -ربما- مَوضِع الإشكال، فليس من القادرين على تمييزه من يفاخرون بالأخذ بسند عالٍ عن رموز القراءة الجديدة للنص، أحدهم أراد الوقوف في وجهِ الغلو، فاستدرك على أحد العلماء ثم انتهى إلى القول أن شتم النبي صلى الله عليه وسلم مما تتسع له الحرية في حياته واستدل بآيات منها (ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذُن) .. !
من المؤكد أن هذا بمعزل عن معرفة الغلو من عدمه ..(1/468)
هل مجردُ كثرةِ الحديثِ عن الغلوِّ مفخرةٌ بحدِّ ذاته، إذن فاز بهذه المنقبة لفيفٌ من الصحفيين الليبراليين الذين وضعوا الكلمات التالية: [الغلو، التطرف، آيدلوجيا] فَوَاصِلَ بين الجَمَلِ، وهم أكثر الناس شتما وتقريعا لما يرونه غلوا، لأنهم يكتسبون شرعية بقائهم من وجوده على الساحة، يؤمل بعض هؤلاء أن تصير كتاباتهم التبريرية أقراصا منومة وحقن بنج تضخ في الشرايين حتى تبتر الأعضاء في المشرحة التنويرية دون مقاومة؛ فقط سنُبَدِّلُ نظامَ حكمك، ونتيح المجال لأهل الابتداع وأقطاب الانحراف أن يسيحوا في أرضك، ونعيد ترتيب أولويات الإصلاح لا كما رسمها القرآن بل وفق إيقاع العصر ومتطلباته، لن نفعل غير هذا، فلم الغضب والممانعة؟
نحن وإياك خطان متوازيان؛ أنت تلاحق المنكرات اليومية: البِدَع، والاختلاط، والغناء، والجزئيات الصغيرة .. ، ونحن نوطن كل هذه الأشياء بقرار حكومي .. فأي داع للغضب؟!
خصومة مفتعلة:
عبثا يحاول التنويريون أن يُظهِروا عدم قدرة الخطاب الشرعي على معالجة مشكلات العصر الجديدة، ودأبوا على وصم رجالات الخطاب القائم بالتعلق في ركب السلطة والولاء التام للحاكم وهذه هي أس المعادلة وحرف المسألة، فلتكون متسقا مع ذاتك، صاحب أطروحات مُقْنعة لغيرك؛ تحدث بإسهاب عن نقائص الآخرين، لا بقصد معالجتها بل لإسقاطها، وإلا فما الداعي لظهور خطاب جديد، وأوضِّحُ الصورةَ في مثال واقعي: النُّشَطاء السياسيون الذين دأبوا على نقد السلطة لم يمسَّهم النقدُ الجذري إلا بعد ولوجِهِم مغاراتٍ مظلمةٍ من إسقاطِ الحديثِ المتواترِ إذا كان متضمنا طاعةَ السلطان، والسخريةِ بفقه السلف، ونبز المعاصرين من علماء الشريعة بأحطِّ الأوصاف، ولو أنهم وقفوا على حدود نقد الظلم، والمطالبة بالحقوق، وتساوي الفرص، لاعتبرناهم مكمِّلين للنقص الطبيعي في أي خطاب،
أعلم جيدا أن الوقوف من أجل الإصلاح السياسي قيمة شرعية معتبرة، لكني موقنٌ أيضا أنَّ هذه الوظيفةَ محفوفةٌ بالمخاطرِ فلا يصمد لها إلا القليلُ، لذا كثيرون يطيب لهم أن يرفعوا الشعار دون تحريك حجر في طاولة الإصلاح، ليغنموا من المناضلين بطولتهم، ومن القاعدين سلامتهم.
نِتاج التَّنوير:
استطاع أمشاجٌ من هذه الفئة أن يتواصلوا مع بعض الشباب الصَّاعد، لما يتوافر عليه الشاب من ولعٍ بالجديد، ورغبةٍ في ركوب الموجات، فضلا عن شحن روحه المتوثبة بمعاني النضال والمقاومة؛ لم تكن التنظيرات الجميلة التي أُتْحِفْنا بها حول حِفظِ عقولِ الشباب من الانحراف الفكري والسلوكي مقاربةً لهذا النتاج البشري، ولا أدري هل يعلم هؤلاء أدعياء محاربةِ التشدُّدِ والغلو أيَّ جريرةٍ سيحملون وهم يوهِّنون في نفوس الجيل الجديد المعاني الشرعية المعتبرة، ويشحنونهم ضد العلماء الذين قضوا أعمارهم في دراسة الشريعة.
من المسؤولُ عن لِدَاتي الذين أعرفهم لم يقوَوا على إكمال (الملخص الفقهي) يتحدثون بشيءٍ من الفخامةِ عن التيسير الفقهي، وحاجةِ العصر، ومقاصدِ الشريعة، ثم يهمسون في تعالٍ: نحتاجُ إلى إعادة النظر في فقهِ السلف .. !، من الذي قال لهذا الفتى الغَض: كم نحن بحاجة إلى تنويري مثلك يخرجنا من غياهبِ الظلام ويخلِّصُنا من عصورِ الانحطاطِ وسلطةِ الرجعيين، فهناك أيها الأسد المغوار تغمرنا نشوةُ التحرير ونعلن انتصارنا على جحافل الليل القاتم وسننقلب في غمضة عين إلى مناضلين أحرار .. !
أيَّ نشوةٍ تَهُزُّه حيال هذا الطرح .. ؟(1/469)
لمَّا أَجَلْتُ نظرةً عجلى في (الفيس بوك) خَطَر بِبالي أنه لا داعيَ لثني الرَّكَبِ عند العُلَماء، وتضييعِ العُمُرِ بِحِفْظِ النُّصوصِ وَفَهْمِهَا، ومِنْ ثَمَّ جَرْدُ المُطَوَّلات، المسألةُ أسهلُ بكثير: فقط افتحْ حسابا هناك .. ، بعد ذلك تَمَتَّعْ بِقَدرٍ من الصفاقة، وفيضٍ من الوقاحَةِ، واجعلْ لحومَ الأكابرِ مضغةً في فَمِك، ولا تنسَ بأن تُرَدِّدَ أنَّ شطرا طويلا من عُمُرِكَ -الذي لم يتجاوزْ الثلاثين بعدُ-: خُدِعْتَ بالسَّلَفية، وأنَّ الدعوةَ الوهابيةَ سلبياتُها أكبرُ من إيجابياتِها، وفي خِضَمِّ ذلك الانتِشاء بالتنظير؛ اكتبْ مَقَالا بِعُنوان: (رحلتي من السَّلَفيةِ الضَّيقةِ إلى الإسلامِ الأرحب)، حاولْ أن تورد فيه اسمي مارتن لوثر وكالفِنْ، وطعِّمِ المقالَ بنقولٍ عن الأئمة: ابن حزم وابن تيمية … بعد هذا ستلقى من يُبَجِّلُك ويراك مظلوما في عصرك، وأن لديك من الأفكارِ ما يَسْتَحِقُّ الإشادَةَ والقِرَاءَةَ، سَتَلقى مَن يَظُنَّك أبو حامد الغزالي الذي غَرِقَ في بحر متلاطمٍ من الفَلسَفَة، لن يَعْلَموا أنَّ قُصَارى قِراءاتِك لم تتجاوزْ رواياتِ علاء الأسواني، وإحدى روايات دان براون، ثم وَجَدتَّ الطريق قصيرا نحو التَّصَدُّرِ والتَّنظيرِ ..
ما معنى أن تُطلق العباراتُ المفتوحةُ مصحوبةً بتأوهات، من نوع: الحريةِ، الفكرة الجديدة، امتداح القلق الفكري والحيرة، …؟ .. وإذا ما استُوقِفَ أحدُهم فَزِعَ من التطرف الذي يغرق فيه المجتمع، تساءلت كثيراً، كيف استطاع أن يكون دقيقا في تعبيره، متقعرا في استخراج نوايا المحتسبين، ثم إذا جاء الحديث عن المشاريع النهضوية المترجمة رأيت عباراتٍ مجملة، وحديثا فارغا حول النظر للكأس الفارغ والملآن، ونسبية الحقيقة .. ، كان أضرابُ هذا الفتى قبلَ سنين عندما يقع في ذنبٍ يستشعرُ التقصير ويستغفر الله الكريم، الآن جاء من يقول له: إن جميع ما تشتهي أن تفعله لا يعدو أن يكون قولا شرعيا معتبرا، طبعا ما لم يصل لحدِّ الإلحاد…!، كان يُقالُ له: الاستقامةُ هي التمسكُ بالهدي المحمدي ظاهرا وباطنا فاستقم كما أمرتَ، فجاء من يقول له: فاستقم كما أردتَ، ومالم تردْه فأنت في النهاية موافق لبعضِ الأقوال الفقهية، لا أدري من أين جاءت قاعدة [خذ بالأيسر -مطلقا! - ما دمنا في عصر العولمة]، ولا أعلمُ أن من وسائل الدعوة الصحيحة تقليمَ بعضِ الأوامرِ الشرعيةِ التي تتعارضُ مع رغبةِ المدعوين أثناء تكالب الفتن.
أخيرا بقي أن أقول: "حين يتحدث من لا تود عن فوائد التنفس لا تمتْ مختنقا" فلسنا في مقام تنزيه مجمل الخطاب عن الزلل أو التقصير، ومن الخطأِ المخالفِ للشرعِ والعقلِ أن يَسْتَخِفَّنا الذين لا يوقنون عن تَتِمَّة مَكامِنِ النَّقْص، فمن الذكاءِ الفرحُ بأيِّ ابتداراتٍ أمينة تسعى لسدِّ هذه الثغرة أو تلك، وتستبطن تمديد الخطاب الشرعي لا تحديده، وتعظيم النص لا تقزيمه، إننا على اعتراف تامٍ بوجود أخطاء تستلزم التصويب والتقويم، لكن رَاعَنا من أراد إزالة الذبابة الصغيرةَ بالفأس الحاد، فَنَزَعَ الفَسَائِلَ واقتلع الجذور، فحاجتنا الماسَّة للنقد لا تلغي عقولنا ومداركَنا الشرعية لقبولِ أيِّ نقد…، ومن المهمِّ لمسألةِ معالجة الأخطاء هذه أن تفردَ لها الأحاديثُ الخاصة، وتُعْقَدُ لها وُرَشُ العمل، لكني أردت هنا الإشارة الخاطفة لئلا يُظَنَّ أن الدافعَ وراء المقال العزوفُ عن المعالجة، وادعاءُ الكمال.(1/470)
قراءة بين سطور كرة الثلج التنويرية
عبد الرحيم التميمي
11ذي القعدة1431هـ
يحتاج المتابع للحراك الفكري المحلي في السعودية إلى نفس طويل ومتابعة دقيقة للتحولات الفكرية للعديد من الأشخاص والتيارات، ليحصل على رؤية أقرب للصواب في التشخيص, فلو قال قائل إن غالبية التيارات الفاعلة في الوسط السعودي لا تكشف عن أجندتها بشكل صريح لاعتبارات سياسية أو اجتماعية أو مذهبية, لما أبعد النجعة، إلا أن طبيعة الأحداث وتجددها وتنوعها يسهم ولاشك في إزالة تلك الغلالة التي كانت تلقي بظلالها على مصداقية الخطاب الإعلامي لذلك التيار أو تلك الجهة.
"التيار التنويري" الذي برز إعلامياً بعد 11 سبتمبر وفي وسط حلقة محكمة من السباع الضارية حول المائدة السلفية, ظهر له وللوهلة الأولى أن بإمكانه استثمار تلك الأجواء المشحونة في "نقد الفكر السلفي وتفكيك بنيته التقليدية"، وأن الأولوية الإصلاحية التنويرية تقتضي وضع الجسد السلفي على المشرحة قبل الاستبداد, وصرح بشكل واضح لا مداورة فيه أنه امتداد لمدرسة "الإسلام المستنير" ورموزها الفكرية، كمحمد عمارة ومحمد سليم العوا وفهمي هويدي, مع العلم بأن هؤلاء المفكرين لا يزعمون ابتداء انتسابهم للسلفية, وليس ثمة عالم سلفي معاصر يعتبرهم سلفيين كذلك.
طوال تسع سنوات من الضجيج الإعلامي عبر الفضائيات وشبكة المعلومات لم يفلح التيار في تقديم "مؤلفات فكرية رصينة" تسوق لأفكاره بوضوح, ولم ينجح كذلك في استيلاد الرمز الفكري أو الشرعي أو الدعوي "صاحب الكايرزما"، الذي بإمكانه أن يستقطب الأتباع.
ويمكن أن نقارن هنا بين شخصية سلفية برزت في الساحة حديثاً، كإبراهيم السكران ومدى ثقلها في الساحة الفكرية حتى لدى المناوئين لفكره، وبين عجز التيار التنويري عن إفراز أنموذج مقارب أو مواز له وانجذاب الكثيرين إلى أطروحاته وإن اختلفوا معها, وأنا هنا أتحدث من باب التحليل للواقع ولا أبحث في أسباب بروز هذا وخفوت ذاك.
غياب الرمز التنويري "صاحب الكاريزما"، أفرز محاولة الالتصاق ببعض الرموز العلمية والفكرية التي لا ترتبط معه إلا في خلافها مع التيار السلفي السائد في المجال السياسي أو الفقهي, ومحاولة تشكيل مجموعة غير متجانسة كتيار إصلاحي ناهض وهذا ضرب من التسويق الثقافي الساذج, فهل ثمة مراقب موضوعي يمكن أن يجعل الشيخ "حاتم العوني"، عضو مجلس الشورى السعودي، مع الدكتور حاكم المطيري، صاحب كتابي "الحرية أو الطوفان" و"تجريد الطغيان" ... ضمن تيار إصلاحي واحد!! الحقيقة أنه ليس ثمة إطار مشترك يستحق الذكر هنا سوى خلاف هاتين الشخصيتين العلميتين مع التيار السلفي السائد في مجموعة من المسائل والقضايا التي لا يربطها رابط.
ثمة عامل آخر أسهم في بروز النبرة الجديدة للتنويريين، الادعاء بأنهم جزء من التيار السلفي، إذ يعتبرون أنفسهم أبناء المدرسة السلفية، وفي تقديري أن هذا ضرب من "التقية الفكرية" التي يمارسها بعض هؤلاء بقصد تجنيد أكبر عدد من الأتباع بين الشباب السلفي أو قطع "تذكرة قبول" في الوسط السلفي، سيما وهم يضربون على وتر بعض الأخطاء الموجودة فعلا، ولكنهم يوظفونها للتسويق لرؤيتهم الخاصة في الإصلاح, وليس في كلامي هنا طعناً في النيات، وإنما هو ربط منطقي لعاملين:
الأول: أن التنويريين أعلنوا أجندتهم واضحة جلية قبل سنوات، وأنهم امتداد لمدرسة فكرية مصرية عقلانية لها رموزها وتراثها, ولم يعلنوا قط تراجعهم أو تحفظهم على تلك الأجندة.
الثاني: أن رؤيتهم لمفاهيم "الحرية" و"الديمقراطية" و"النهضة"، تتعارض مع أصول المنهج السلفي وقواعده.
المتأمل لذلك الضجيج التنويري على الشبكة العنكبوتية حول الحرية والنهضة ومناوءة الاستبداد وطبيعة الأفراد المتأثرين به، يجد غلبة الحماس وحداثة التجربة وضعف التأصيل وكثرة الحديث وقلة الفاعلية في الميدان, ومعضلة الاستبداد العربي تقاصرت دون حلها همم رجال كبار ونخب عريقة وتيارات عريضة، فضلاً عن تلك "الارستقراطية الفكرية" التي يرفل فيها المشروع التنويري, فأصغر أفران الاستبداد كافية لإذابة كرة الثلج التنويرية خلال ثواني معدودة, وليس الحديث هنا عن الأشخاص، فهذا "سقوط أخلاقي" لا يرتضيه المرء لنفسه, وإنما الحديث عن أصل الفكرة والمشروع.
الحقيقة أني أنظر بإجلال واحترام وتقدير للنخب السلفية التي تحرص على مد جسور التواصل مع الإخوة التنويريين، ومحاولة احتواء خطابهم الثائر, ولكن هذا لا يمنع أن يقوم بعض التلاميذ من تجلية ما يظنه صواباً تجاه خط فكري، يسهم ولو بحسن نية في إحداث ثقوب في السفينة السلفية, يبقى أن أختم بالقول إن ما كتبته موجه بالدرجة لعموم الشباب السلفي، وهم الدائرة الواسعة من المجتمع المحلي, فكاتب المقال لم يرد بمقاله الرد التفصيلي على هذا الشخص أو ذاك, وإنما تقديم قراءة شخصية لما يسمى بتيار "التنوير الإسلامي".(1/471)
ازدواجية ليبرالية: فضائح ملا وقس وحاخام .. وزلة شيخ
أمير سعيد
11ذي القعدة1431هـ
لقد ضرب لنا الليبراليون العرب أوضح الأمثلة في "الستر" على فضائح الآخرين ودللوا بجلاء عن إيمانهم بوجوب هذه "الفضيلة العظيمة" فيما يتعلق بالطوائف وأصحاب الديانات الأخرى إلى حد لم يعد يوجد في أمتنا من يباريهم في ذلك؛ فقصب السبق لهم وهم أصحاب المثال العصري الرائد في ذلك.
وإذا كان المخطئ من غير سوادنا الأعظم، أو كان على ملة تخالفنا فله الأعذار مجتمعة ولا بأس من صرف الشواهد على الظنيات ووهب الأخطاء لفيض الإحسان!
لك "الستر" إن لم تكن سنياً؛ فإن كنتَ "فسنجهل فوق جهل الجاهلينا"، ولو كان خطؤك زلة فتوى أو خطأ تعبير أو عبارة محتملة أو هفوة أو ذنب عابر .. هذا ما يبرهن عليه تعاطي صحافتنا العربية ومواقعنا الإلكترونية وإعلامنا المرئي مع كل صغيرة تصدر من عالم مسلم وأخرى كبيرة تصدر من حاخام أو قس أو حتى "آية" من آيات الفرس التي كان لنا فيها عبرة.
الداعية الشيعي الفار إلى حضن بريطانيا الدافئ لم يتناوله الإعلام الخائن عندنا على أنه مهرطق مسيء للدين الإسلامي ومقدساته إلا لماماً، ولم تلاحقه صحافتنا العربية كما لاحقت صاحب الرسوم المسيئة مع تشابههما في الجرم والخطيئة إلا قليلاً، وتجاهلت معظم القنوات المتلفزة تتبع أسباب هذه الإساءة وجذورها، والمعلن منها والمستور.
والليبراليون الذين يهرعون إلى أبواقهم عندما يزل عالم أو شيخ في فتوى أو في غالب الأحيان عندما يقلبون كلامه فيفهمون منه ما تريد قلوبهم المريضة، ويتلاطمون على رفض حكم الدين وتسلط "رجال الدين"، عميت أعينهم عن قراءة فتوى أصدرها خامنئي في يونيو ربط فيها منصب ولاية الفقيه في إيران بحكم الرسول وبصلاحيات أئمة الشيعة، و"ضرورة التسليم لأوامره ونواهيه"، وتأكيدات أحمد جنتي سكرتير مجلس صيانة الدستور الإيراني أن "الله حول إليه مهمة الحفاظ على الثورة الإيرانية وديمومتها"، والذي ادعى في الشهر ذاته أنه يقابل "الإمام الغائب" في خلوة! لكنهم اليوم يطبلون له بسبب فتوى "زوجة النبي صلى الله عليه وسلم" ـ على حد وصفه ـ ويزمرون بلا فهم أو تفكير أو مسحة عقل.
والذين صدعوا رؤوسنا بمحاربة ما يشتم منه على بعد آلاف الكيلومترات رائحة التكفير من علمائنا السنة، زكمت أنوفهم فلم تشم رائحة ما قاله محمد تقي مصباح يزدي الأب الروحي للرئيس الإيراني نجاد، وهو بدرجة " آية الله" الحوزوية صراحة في يونيو الماضي عن أن "من ينكر ولاية الفقيه متعمدا فهو مرتد."، بعد أن ارتمى مقبلاً حذاء مرشد الثورة علي خامنئي ـ بحسب مواقع إيرانية ـ ولم ينبسوا ببنت شفة عن هذا المعتقد الإقصائي التكفيري وأتباعه في عالمنا العربي والإسلامي، وهو لم "يتورط" في تكفير آحاد من ملاك فضائيات إباحية، بل شطب بممحاته التكفيرية أكثر من مليار ونصف المليار مسلم من ديانة الإسلام لا يؤمنون بخرافة "ولاية الفقيه" بل كل المسلمين على مر العصور، لا بل حتى السواد الأعظم من الشيعة قبل قرون ثلاثة لم يكن فيها الشيعة يعرفون إلا ولاية الإمام وليس ولاية الفقيه ..(1/472)
وعلى ذكر الإباحية وفضائياتها، هل حفلت وسائل إعلامنا التي أقامت مناحة على روح ميكي ماوس وفاضت بكل قبيح على علماء السنة بأي حديث أو مقال أو تلميح أو تصريح عن فضيحة أكبر وكلاء السيستاني والمعتمد الرئيسي للمرجعية ومسؤول هيئة الحج والعمرة في محافظة ميسان العراقية مناف الناجي الذي تحول من ممثل المرجعية إلى ممثل إباحي، وأثارت مقاطعه المرئية موجات عنيفة بين الشيعة أنفسهم في محافظته ـ لم تغطها تلك الوسائل وإنما اكتفت بتغطية الوكيل نفسه!! ـ تسبب بعضها في مقتل نساء كن ضحاياه وهدفاً لانتقام أهلهن بعد ذلك، قتلاً دفاعاً عن الشرف.
وهؤلاء الذين طاروا بمعلومات غير دقيقة عن "أجور" الدعاة التي نشرتها فوربس العربية المشبوهة والتي أغلقت مجلتها فيما بعد، وأظهر ليبراليونا لوعتهم على أموال المسلمين الضائعة الذاهبة إلى "جيوب الدعاة" (وهي أجور في أبسط الأحوال وليست اختلاسات أو سرقات)، مروا على خبر اتهام إمام المركز "الإسلامي" في مدينة ديربورن بولاية ميتشيغان حسن القزويني في يوليو الماضي بالاستيلاء على مبلغ من المال يقدر بـ350 ألف دولار جُمع عن طريق تبرعات أبناء الجالية العربية وتم تحويلها إلى مؤسسة والد القزويني في ولاية كاليفورنيا، وتجاهلوا عن عمد أخبار التدفقات المالية الذاهبة إلى بريطانيا لشراء قصور وفلل ومساكن فخمة لـ"آيات" وزوجاتهم وأبناء، لاسيما أولئك الذي يخادعون بسطاء طائفتهم بزهدهم المصطنع في العراق وإيران.
والذين قعدوا بكل صراط يوعدون ويصدون عن سبل الخير، يجهدون لتصيد أي هفوة أو ذنب عابر لشيخ سني أو عالم أو داعية ولا يجدون غالباً فيعمدون إلى التأليف والاختلاق، أخطأت قعداتهم رؤية بابا الفاتيكان محاصراً في لندن خلال زيارته لها بفضائح القساوسة الجنسية التي أضحت تلاحقه أينما ذهب كقرين لا يفارقه في كل مكان، كونها باتت ملفاً زاخراً لا تنقضي مفاجآته وأحداثه في بلدان أوروبا والأمريكتين، وسلوك لصيق بقطاع عريض من الكهنة لا مجرد حادثة ولا حتى ظاهرة هنا أو هناك.
وهم مرت عليهم منذ عام كامل، أنباء أكبر فضيحة فساد وغسيل أموال قذرة في الولايات المتحدة "أبطالها" خمسة حاخامات يهود من "إسرائيل" وسوريا إضافة إلى عشرات المعاونين، في نيويورك ونيوجيرسي، لتبييض أموال تجارة أعضاء بشرية، واختلاسات وسرقات بعشرات الملايين من الدولارات، ولم نسمع لهم ركزاً طوال تلك الفترة كلها، كما لم نسمع لهم في الشهر نفسه عن ابتزاز الحاخام يسرائيل رند الذي أرسل إحدى الداعرات لأمين الكنيس الكبير بالقدس الحاخام نفتالي هيرشطيك من أجل تسجيل موقف عليه في مسعى للإطاحة به من موقعه بالكنيس والحلول محله، وأرسل من ثم صوره المشينة للكنيس الذي اضطر إلى عزله، وإذا كانت تلك الفضائح سقطت في صحافتنا وإعلامنا بالتقادم؛ فكيف فاتهم أيضاً فضيحة "الداعية" اليهودي الذي ذكرت معاريف قصته هذا الأسبوع واصفة إياه بـ"الأبشع في تاريخ جرائم الاغتصاب"، وأوضحت أن التحقيق يجري معه بعد أن اغتصب جميع أولاده (بنين وبنات) الأربعة العشر على مدى عدة سنوات، ومزق جلد أحد أولاده ومنع أطفاله من الأكل وكسر أسنان بعضهم!!
والأحدث هو ما نقلته يديعوت أحرونوت أوائل أكتوبر عن مقال أكاديمي كتبه الحاخام اري شفات الخبير فيما يقال إنه "الشريعة اليهودية" ينص فيه على أن "الشريعة اليهودية تسمح للنساء اليهوديات بممارسة الجنس مع العدو من أجل الحصول على معلومات استخباراتية مهمة لأمن إسرائيل"، ويقدم نصائحه لأتباعه بالقول "من الأفضل إعطاء هذه المهمات لنساء فاسقات".، وكلها معطيات يمررها القوم عندنا دون ضجيج انتظاراً لسمعة شيخ ضعيف ينهشونها وموقف يتخذه يسلقونه عليه بألسنة حداد.
هذا؛ فإن صدرت فتوى شاذة هنا أو لم ترُق لبعضهم، أو اتخذ شيخ أو عالم سنة موقف لا يرضيهم، أقاموا اللطميات وعقدوا المؤتمرات وحذروا وأهابوا وطالبوا .. ثم حرضوا على تكميم الأفواه الصادقة إلا أفواههم، وأبدوا ـ في لوعة مصطنعة بغيضة ـ حدبهم على الدين وشكله وسماحته .. فسحقاً لناصية ليبرالية كاذبة خاطئة، لا ترى عيناها إلا القذة في عيون خصومها وتتعامى عن الخشبة في عيون الحلفاء!!
المصدر: موقع المسلم(1/473)
تلطف ولا تدهن
د. ناصر العمر
11ذي القعدة1431هـ
الحمد لله وكفى وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه الكرام النجبا، وبعد فبعض الدعاة وطلاب العلم وغيرهم قد يخرجهم التلطف من حيز المدارة إلى حيز المداهنة، فبدل أن يكون ناصحا أمينا، يسعى لمدارة الناس ليصلحهم، يسلك مسلك المداهنة ليكسب ودهم على حساب دين الله، وفرق بين الملاطفة والمدارة والمداهنة. قال ابن القيم رحمه الله: "المداراة صفة مدح والمداهنة صفة ذم، والفرق بينهما أن المدارى يتلطف بصاحبه حتى يستخرج منه الحق أو يرده عن الباطل، والمداهن يتلطف به ليقره على باطله ويتركه على هواه، فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النفاق، وقد ضُرب لذلك مثل مطابق وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطبيب المداوي الرفيق فتعرف حالها ثم أخذ في تليينها حتى إذا نضجت أخذ في بطها برفق وسهولة، حتى أخرج ما فيها ثم وضع على مكانها من الدواء والمرهم ما يمنع فساده ويقطع مادته، ثم تابع عليها بالمراهم التي تنبت اللحم، ثم يذر عليها بعد نبات اللحم ما ينشف رطوبتها، ثم يشد عليها الرباط، ولم يزل يتابع ذلك حتى صلحت. والمداهن قال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيوب بخرقة، ثم اله عنها فلا تزال مدتها تقوى وتستحكم حتى عظم فسادها" (1).
وقد أصاب رحمه الله كبد الحقيقة وأنت واجد عند بعض المداهنين العزوف عن دعوة الحق مداهنة وذلك باسم التلطف، فكم من المهمات يُتغافل عنها رغبة في عدم تعكير الأجواء، وقد دأب أرباب الضلال إلى السعي للظفر بمداهنة أهل الحق ولم ينقطع طمعهم في ذلك حتى من النبي صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم: 9]، وقال سبحانه: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ} [يونس: 15]، والله سبحانه يوجه خطابه الحاسم لنبيه صلى الله عليه وسلم فيقول: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف: 29].
فعلى الداعية ألا يتنازل عن الدين ثم يخادع نفسه بأنه يسلك مسلك التلطف والحكمة، بل تلك هي المداهنة المذمومة والركون المذموم للباطل، وإن كان لديه مشروع إصلاح واضح لا مجرد تعايش في ود ووئام مع الباطل وأهله، إن على الداعية أن يحمل الدين وينشره في قالب لطيف حسن ولا يصح الخلط بين اللطف في الدعوة وبين التنازل عن ثوابت الدين أو التنازل عن دعوة الناس تلطيفاً لأجواء الحياة.
ولابد أن نعي في مثل هذا المقام أنه كما يوجد من يداهن السلطان فهناك من يداهن الجمهور ويسعى لإرضائهم ولا يتكلم إلا بما يطلبه المستمعون حفاظا على التفافهم حوله، وسعيا في زيادة حبهم له لا طمعاً في نقلهم عمّا هم فيه، وهذا شأنه كشأن الأول فالمداهنة محرمة أيا كان المداهَن، وليس التلطف حينها من التلطف الممدوح، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من التمس رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس" (2).
_________
(1) الروح، 1/ 231.
(2) الترمذي، 4/ 609، (2414)، وصححه الألباني.(1/474)
وهناك بعض العاملين في حقل الدعوة قد دخل عليهم الشيطان وبلغ منهم مبلغاً أعظم وذلك من باب التلطف بالناس وتحسين صورة الإسلام في نظر غير المسلمين، فبدؤوا يؤولون أخباره ويبدلون أحكامه تلطفا بالآخرين، وتحبيبا لهم في الدين -زعموا- وهذا الذي ضل به السابقون. يقول ابن القيم رحمه الله: "ثم أخذ دين المسيح في التبديل والتغيير حتى تناسخ واضمحل، ولم يبق بأيدي النصارى منه شيء بل ركبوا دينا بين دين المسيح ودين الفلاسفة عباد الأصنام وراموا بذلك أن يتلطفوا للأمم حتى يدخلوهم في النصرانية فنقلوهم من عبادة الأصنام المجسدة إلى عبادة الصور التي لا ظل لها" (1).
وأما الذين يداهنون من أجل المكاسب الدنيوية فما أكثرهم في سائر الأزمان فكيف الشأن الآن. يذكر بعض أهل الأخبار أنه لما نصب معاوية رضي الله تعالى عنه ابنه يزيدا لبعض الولايات أقعده في قبة حمراء وجعل الناس يسلمون على معاوية رضي الله عنه ثم يسلمون على يزيد حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال يا أمير المؤمنين: أعلم إنك لو لم تول هذا أمور المسلمين لأضعتها!
والأحنف بن قيس رضي الله عنه في المجلس ساكت.
فقال معاوية رضي الله عنه: مالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال: أخاف الله تعالى إن كذبت، وأخافكم إن صدقت!
فقال: جزاك الله خيرا عما تقول، ثم أمر له بعطاء، فلما خرج الأحنف لقيه ذلك الرجل بالباب فقال له: يا أبا بحر إني لأعلم أن هذا فيه وفيه، ولكنهم استوثقوا من الأموال بالأبواب والأقفال فلسنا نطمع في إخراجها إلا بما سمعت.
فقال له الأحنف: يا هذا أمسك فإن ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند الله وجيها.
والمقصود لاطف الناس ودارهم ولكن لإيصالهم إلى ما يحبه الله ويرضاه، وإلاّ فلا تدهن فتغش ولم تكره! وارض الله ولو بسخط الناس يكتب لك رضاه .. واحذر سخطه فيحل عليك غضبه ومن يحلل عليه غضبه فقد هوى، أعاذني الله وإياك من ذلك ومن اتباع الهوى.
_________
(1) أغاثة اللهفان، 2/ 270.(1/475)
الأخطاء التاريخية والمنهجية في مؤلفات محمد أركون ومحمد عابد الجابري
-دراسة نقدية تحليلية هادفة-
الدكتور خالد كبير علال
-حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر-
مقدمة الدرر السنية:
هذه دراسة جادة عن الأخطاء التاريخية والمنهجية في مؤلفات محمد أركون ومحمد عابد الجابري أعدها الدكتور خالد كبير علال، وهو حاصل على دكتوراه دولة في التاريخ الإسلامي من جامعة الجزائر، ننشرها بعد اللغط والغبش والضبابية التي كتب بها بعض الليبراليين والإعلاميين عن هذين الرجلين بعد رحيلهما ليظهرا على حقيقتهما وليعلم الجميع أن الموقف الصحيح منهما ليس فقط من المفكرين السعوديين المتشددين -زعموا! - بل هو موقف كل مفكر مسلم عرف المنهج الصحيح ولم يتأثر بالاعتزال العقلاني الجديد.
ونحن إذ ننشر هذه الدراسة المطوَّلة ونشيد بها لا يعني بالضرورة أننا نتفق مع كل ما فيها، مع أننا ننصح كل مهتم بفكر الرجلين -الجابري وأركون- وما يُثار حولهما هذه الأيام أن يقرأ هذه الدراسة.
والله ولي التوفيق(1/476)
تقرير مصير السودان ... لا مصير الجنوب
طلعت رميح
8ذي القعدة1431هـ
يُظهِر تفحُّص العنوان الذي اختاره الساسة والإعلاميون لمتابعة تطورات وأحداث السودان، أن زاوية النظر في كل المتابعات قد تحددت سلفاً، وأن العنوان قد جرى تحديده بعناية لتعميق حالة الخداع لدى المتلقين وحرف الأنظار عن المخاطر التي تحيط بهذا البلد.
إن العنوان الذي جرى اختياره والإلحاح عليه في كل تصريحات الساسة والتغطيات الإعلامية هو (تقرير مصير الجنوب)، أو (أن الاستفتاء المزمع انعقاده في 9 يناير 2011م، سيقرر مصير الجنوب بين الوحدة والانفصال) ... إلخ، بينما الاستفتاء سيجري لتقرير مصير السودان كله بأيدي بعض المواطنين السودانيين في الجنوب، دون غيرهم من مواطني الجنوب ومن باقي مواطني السودان؛ إذ السودان سينقسم دولة وجغرافيا ومجتمعاً، ولأن هذا الفصل للجنوب سيكون بمثابة المفجر البادىء لحالة انفجار شاملة للمجتمع والدولة السودانية، وسيكون بداية لأعمال تفجير مشابهة في إفريقيا وفي الدول الإسلامية الأخرى.
إن العنوان الذي جرى اختياره للحدث وكافة مترتباته، هو: تقرير مصير الجنوب، وكأن الجنوب محتل ومستعمَر من بلد آخر، تنطبق عليه قواعد حق تقرير المصير التي استقرت خلال المرحلة التالية للحرب العالمية الثانية بشأن الدول المستعمَرة، بينما الجنوب ليس إلا جزءاً من «دولة» مرَّ على استقلالها موحَّدة ومنضوية تحت راية الأمم المتحدة ما يزيد على نصف قرن.
وهو عنوان يُظهِر تقرير المصير هذا وكأنه يجري في فراغ، وليس فعلاً انفصالياً وتقسيماً لدولة ومجتمع متكامل، لن تتأثر جراءه أوضاع الجنوب فحَسب؛ بل ستتغير من خلاله أحوال السودان في الأعم الأغلب؛ ذلك أن انفصال الجنوب ليس فعلاً ينتج عنه تأسيس دولة جديدة، بل هو طلقة البداية، لإطلاق عملية تفكيك للسودان كله، وقد ظهرت أُولَى المؤشرات بالفعل من خلال المطالبة بجعله حقاً ينطبق على بقية أقاليم السودان؛ إذ أعلنت حركة العدل والمساواة الانفصالية في دارفور، عن بدء سعيها لنيل حق تقرير المصير لكلٍّ من إقليمي (دارفور وكردفان)، وهو ما يعني نهاية السودان الحالي فعلياً.
وفي اتجاه آخر، لا تبدو كلمات الرئيس التشادي (إدريس دبي) بأن انفصال جنوب السودان سيكون بمثابة كارثة لكل إفريقيا، مجرد كلمات مجاملة للرافضين للانفصال، بل هي وصفٌ لمخاطر هذا التقسيم للسودان على قارة تعيش حالة واسعة من التفكك في مجتمعاتها وتعاني دولها من ضعف المشروعية وضعف القدرات على الحفاظ على تماسك المجتمعات واستقرارها.
وعلى الجانب العربي والإسلامي يبدو واضحاً أن فعل تقسيم السودان سيكون السابقة التي ينتظرها كثير من الانفصاليين في الدول العربية والإسلامية؛ إذ قطع مخطط تقسيم وتفكيك كثير من الدول والمجتمعات شوطاً كبيراً بالفعل.
وسؤال اللحظة الآن هو: هل الحكم والمجتمع السوداني، سيُقبِل على إتمام المخطط المرسوم للسودان بالتقسيم والتبدد (والحال نفسه بالنسبة للدول الإسلامية الأخرى)؟ أم أن اتضاح المخاطر على نحو لا يقبل الجدل، صار دافعاً للأخذ بخطط أخرى لمواجهة هذا الخطر؟ وكيف سيتحرك السودان في مواجهة تركيز الضغوط المكثفة عليه في الفترة الراهنة لإنجاز هدف تفتيته؟ وما هي الخيارات المتاحة للخروج من المأزق؟(1/477)
أولاً: إن المرحلة التي يمر بها السودان مرحلة خيار مصيري. والخيار المصيري هو ذاك الوضع الذي تواجه فيه دولة أو مجتمع تحدياً أو تحديات يترتب على طريقة التعامل معها حدوث تغييرات في هوية المجتمع والدولة والحدود الجغرافية ومناطق السيادة الأساسية ... إلخ. وفي مثل تلك الحال تتعلق النتائج بطبيعة الاستجابة لهذا التحدي؛ فهناك دول ومجتمعات قررت الرفض والمواجهة وانتصرت على التحدي، وهناك دول ومجتمعات أخرى قابلته بالضعف والتردد، فتحولت من حال موحدة إلى حالٍ أخرى.
فمثلاً لقد واجهت الولايات المتحدة تحدي انقسامها بين شمالٍ وجنوبٍ في بداية تشكُّلها، ونجحت عبر الحرب الأهلية في توحيد ولاياتها والقضاء على المحاولة الانفصالية. والشعب الفلسطيني كذلك واجه تحدي تغيير الهوية والاستيلاء على أرضه وطرد السكان واختار المقاومة، وهو لا يزال على مدار قرن من الزمان يرفض الاستسلام للتحدي المفروض عليه؛ وذلك على الرغم من نجاح القوى الغربية في إجلاء بعضٍ من السكان وتغيير هوية مساحة كبيرة من فلسطين وإعلان دولة الصهاينة. وهكذا الحال في أفغانستان والعراق؛ إذ يواصل الشعبان (الأفغاني والعراقي) تحديَ الاحتلال الذي فُرِض على بلديهما عبر الغزو الأمريكي المباشر.
وفي مقابل ذلك فإن ثمة مجتمعات أخرى واجهت تحديات مشابهة بالاستكانة والخنوع وعدم مواجهة الخطر فانتهت وتغيرت أوضاعها، كما هو حال حضارة الهنود الحمر، وكذلك عملية تقسيم إندونيسيا بظهور دولة (تيمور الشرقية) النصرانية داخل جغرافيتها ومجتمعها، وإثيوبيا التي تحقَّق تقسيمُها بظهور دولة إريتريا ... إلخ.
والآن يدخل السودان حالة من حالات الخيارات المصيرية؛ فإذا قَبِل التحدي المفروض عليه انتهى إلى وضع آخر، وإذا واجه التحدي يكون قد حسم خياره، وعاد إلى حالة المواجهة. ففي مواجهة التحدي المصيري يكون عامل الإرادة هو العامل المحدِّد لتطورات الأحداث؛ فماذا لو رفض السودان هذا التحدي؟
ثانياً: في الوضع الراهن يبدو المجتمع والدولة السودانية في وضع حرج؛ إذ يبدو أن السودان مقيَّد بضرورة إنفاذ اتفاق نيفاشا الذي تعهد نظام الحكم بمقتضاه بإعطاء الجنوبيين حق تقرير المصير، وهو يدرك أن عدم إنفاذ الاتفاق سيجلب عليه ضغوطاً أشد مما يعانيه، وقد يصل الأمر حدّاً أكثر من اشتعال الحرب الأهلية؛ إذ ثمة سيناريوهات تتحدث عن احتمال إعلان الجنوب انفصالَه من طرف واحد بالاستفتاء أو غيره، وطَلَبِ دعم عسكري من عدة دول وهو ما قد ينجم عنه تعرُّض السودان إلى هجوم عسكري أمريكي بريطاني صهيوني، بشكل غير مباشر على رأي بعض المحللين ومباشر عند بعضهم الآخر.(1/478)
وفي الجانب الآخر، فإن مخاطر انفصال الجنوب وإنفاذ الاتفاقية باتت تظهر على نحو مجسَّد، وهو ما ذهب بكل الحجج والمبررات التي جرى تداولها كثيراً خلال مرحلة إقرار اتفاق نيفاشا كأساس لقبول تقسيم السودان. وكان ثمة تصور أن توقيع الاتفاق سيوقف الضغوط الغربية على السودان، لكن ما حصل أنها تكثفت؛ إذ لم تكتفِ الولايات المتحدة باستمرار حصارها السياسي والاقتصادي للسودان، ولا باستمرار إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب، بل دفعت المحكمةَ الجنائية الدولية عبر مجلس الأمن الدولي، لتشويه سمعة الرئيس السوداني عمر البشير ومطاردته باتهامات الإبادة والتطهير العرقي. وكان متصوراً أنَّ توقيع هذا الاتفاق سيمنح السودان (مجتمعاً ودولة) مدة خمس سنوات من الهدوء والاستقرار، لكن تحركت الشياطين الأمريكية والصهيونية والغربية وحركة الجنوب الانفصالية لتفتح معركة في إقليم دارفور بهدف إنهاك المجتمع والدولة وإدارتهما بأزمة أشد خطراً حتى يأتي موعد انفصال الجنوب، فتكون في حالة من الضعف والاستسلام. وكان متصوراً أن طمأنة الجنوبيين إلى مستقبلهم وإدماجهم في الحكم وإعطائهم نصيباً من الثروة النفطية أكبر من وزن الجنوب السكاني، قد يوقف دورهم التخريبي في الحياة السياسية، فحدث العكس وصاروا ناصرين في كل مواقفهم وتحركاتهم للغرب وضغوطه ومؤامراته على السودان من جهة، وداعمين لكل الحركات الانفصالية والتفتيتية في عموم السودان. وكان ثمة تقدير بأن مدة السنوات الخمس كافية لتغيير التوجهات الانفصالية بين النخب الجنوبية فظهر العكس؛ إذ صار الشغل الشاغل لتلك النخب هو تعميق حالة الانفصال على الصعيدين (الرسمي والشعبي) وكسب أنصار جدد لها في الإقليم وعلى الصعيد الدولي. وكان ثمة رؤية أن الأمور إذا وصلت حدَّ الاستفتاء والانفصال، فإن الشمال سيكسب الراحة والبناء المستقر، في ما بقي من جغرافيةِ السودان ومجتمعِه، فتأكد الآن أن الانفصال سيأتي بدولة معادية على الحدود، تماثل الكيان الصهيوني في دوره وأهدافه؛ سواء في المذابح التي ستجري للمسلمين في الجنوب أو في الدور التفكيكي للسودان الباقي.
باختصار: لقد ظهر أن الانفصال سيكون كارثة، وأن الحرب التي توقفت لخمس سنوات في الجنوب اشتعلت في دارفور، وأن القادم المخطَّط له: أن تصبح دولة الجنوب نقطة انطلاق لإشعال الحرائق في كل أنحاء السودان.
ثالثاً: هل يجابه السودان هذا التحدي، ويقف الآن موقف الرافض والمقاوم؟ أم يستسلم لقَدَره فيتفكك انطلاقاً من الجنوب؟
في التقدير العام، يمكن القول بأن الرؤية العقلانية توجب الآن إعادة تقدير الموقف، والخروج سريعاً جداً من حالة التردد الراهنة. وفي ذلك يبدو الحساب والتقدير الإستراتيجي للبيئة الدولية والإقليمية والداخلية، قد تغير لمصلحة السودان الآن على خلاف الأوضاع التي أدت إلى توقيع الاتفاق.
ففي أثناء توقيع الاتفاق عام 2005م لم يكن العنصر الحاسم في الضغط على الحكم في السودان للتوقيع على اتفاق جائر هو عامل القوة العسكرية للمتمردين، بل على العكس من ذلك؛ إذ كان الجيش السوداني قد شارف على إنجاز مهمة تطهير أرض الجنوب من حالة التمرد. وكان الضغط الدولي والإقليمي وحاجة الحكم للاستقرار والتنمية هي العوامل الحاسمة، حتى يمكننا القول بأن العنصر الإستراتيجي الحاسم لم يكن للتمرد نفسه وقوَّته دور فيه.(1/479)
وكانت الولايات المتحدة في حالة الخيلاء بقوَّتها العسكرية، فغزت أفغانستان والعراق واحتلتهما، وصارت تهدد سوريا وليبيا والسودان بطبيعة الحال؛ حتى إن أطرافاً إقليمية نقلت للسودان وقائع محددة عن حشدٍ لقواتٍ على حدوده واستعدادها للعدوان عليه. وفي ذلك لم يكن الموقف الأوروبي ملحَقاً بالموقف الأمريكي فقط، بل أظهر استعداداً لفعل عدوان «منفرد» ضد السودان. وفي تلك المرحلة لم يكن للأطراف الدولية الأخرى عوامل قوة وتأثير في مواجهة القرارات الأمريكية.
وفي الوضع الإقليمي لم يكن التأثير الأمريكي قوياً فقط في ضغطه على قرارات دول الإقليم، بل كان الوضع الإقليمي نفسه في حالة تعبئة ضد الحكم في السودان؛ إذ كانت العلاقات السودانية مع مختلف الدول في وضع كان الأسوأ فعلياً.
أما الأوضاع الداخلية السودانية، فكانت في وضع الخطر، بسبب انتقالية الحكم في السودان بعد انشقاق الحركة الإسلامية الحاكمة وخروج الترابي من الحكم وتشكيله حزب المؤتمر الشعبي المعارض لحزب المؤتمر الوطني الذي مثَّل الحكم في الحركة السياسية. وكذا لأن أطراف المعادلة السياسية في مركز الحكم (أو الأحزاب الشمالية حسب وصف كثير من المحللين) كانت في بداية العودة لمباشرة حقوقها السياسية بعد مرحلة كانت قد تحالفت فيها مع حركة التمرد الانفصالية في الجنوب. وعلى الصعيد الاقتصادي والتنموي كان السودان في بداية الخروج من حالة الارتباك الاقتصادي التي كان يعيشها بفعل الحصار الدولي عليه، إلى حالة التنمية، استناداً إلى عائدات البترول.
في ظل تلك المعطيات، قَبِل الحكم في السودان التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وَفْقَ آمالٍ تبددت جميعها بفعل استمرار الضغط الأمريكي والغربي، وعمق الفكرة الانفصالية داخل النخب الجنوبية، وحالة الاضطراب في داخل مركز الدولة.
رابعاً: مرت مرحلة إنفاذ اتفاقية نيفاشا بحالة صراع عميقة، كان الوصف الأدق لها: أن الغرب صار يصارع الحكم داخل السودان باستخدام الشريك الجنوبي في الحكم، مع تكثيف عوامل الضغط من الخارج. وتمثلت عوامل الضغط والإرباك من الخارج باستخدام وسائل القوة الناعمة من خلال الإبقاء على العقوبات وفتح ملف دارفور في مجلس الأمن الدولي وفتح معركة ضد الرئيس البشير، أو ضد موقع الرئاسة المهيمن في النظام السياسي السوداني؛ إذ الرئيس هو رئيس الحزب الحاكم ورئيس الوزراء والقائد الأعلى للقوات المسلحه، وهو رمز الوطن السوداني، فإذا جُرِّم أو أطيح به، تحققت خطوة في تفكيك هذا البلد.
وفي الضغط من الداخل جرى تعظيم قوة حركات التمرد في دارفور وتضخيمها، والتدخل في لعبة الأطراف الداخلية لحشدها في مواجهة الحكم. وتحويل معركة المحكمة الجنائية الدولية إلى معركة داخلية في السودان. وكان الأمر الأشد بروزاً هو التحول بالعلاقات السياسية مع السلطات الجنوبية إلى طابع العلاقات بين الدول، والتشديد على الاستعداد للاعتراف الدولي بدولة الجنوب فور انفصالها. وكان المشهد الختامي في تلك المرحلة من الصراع هو مشهد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية؛ حيث مارست خلاله الولايات المتحدة والغرب أكثف الضغوط على الحكم في السودان، وإن كان الحرص بادياً على اتمام الانتخابات لأهداف عديدة أهمها: إنجاز الخطوة الأخيرة لما قبل استفتاء الانفصال، وتثبيت تمثيل الحركة الانفصالية لأبناء الجنوب.(1/480)
خامساً: لقد تغير الوضع الآن لمصلحة السودان، إذا قارناه بما كان عليه وقت توقيع اتفاقية نيفاشا؛ فالولايات المتحدة والغرب لم تعد لهم درجة الهيمنة ذاتها على القرار الدولي - على الأقل - بسبب الأزمة المالية والاقتصادية التي ضربت الاقتصاد الغربي، كما أن الولايات المتحدة قد تعمقت حالة تدهورِ أوضاعها السياسية والعسكرية بسبب تورطها في حربَي أفغانستان والعراق، وفي عشرات الأزمات المتفاعلة في المنطقة والعالم، ومعظمها صراعات تهدد باندلاع حروب. كما أن دولاً أخرى ظهرت بتأثيرها على ساحة القرار الدولي، وهو ما يضعف القدرة الأمريكية والغربية والصهيونية عن حالة التصرف الانفرادي السابقة.
أما في الوضع الإقليمي، فقد تغيرت أوضاع الحكم في السودان ولم يعد على حالة الحصار السابقة؛ فإريتريا تغيرت مواقفها من السودان وانقلبت من عداءٍ للحكم في السودان إلى موقف الداعم، وإثيوبيا في حالة اشتباك في الصومال وفي الداخل ومع إريتريا، وكذا أوغندا باتت تشعر بتهديد بعد التفجيرات في داخلها، وتشاد صارت حليفاً للسودان بفعل تبادل طرد الحركات المتمردة من كِلا البلدين وكان كلاهما مصدر تعزيز لحركات التمرد ضد الآخر. والعلاقات المصرية مختلفة عن أوضاع ما بعد محاولة اغتيال الرئيس مبارك في العاصمة الإثيوبية (أديس أبابا).
وأما على الصعيد الداخلي في السودان فقد تغيرت الأوضاع الاقتصادية خلال السنوات الخمس وتحسنت أوضاع تسليح الجيش السوداني بعد دخول السودان مجال إنتاج الأسلحه. والأوضاع في دارفور تغيرت على الأرض فعلياً لمصلحة الحكم في السودان، بسبب قطع الدعم التشادي عن المتمردين وطردهم من الأراضي التشادية، ولإجراء انتخابات تشريعية عينت ممثلين لأهالي دارفور في مؤسسات الحكومة، وهو ما نزع الشرعية عن حركات التمرد، وبسبب توقيع بعض الاتفاقيات مع بعض الحركات أيضاً، وهو ما أدى إلى عزل الأخريات وأضعف نفوذها ودورها. والأهم من ذلك أن الوضع الشعبي صار رافضاً بشكل كبير لقضية التقسيم، وتفكيك السودان، ويشعر بالخطر الجدي على مستقبل السودان.
لقد تغير كثير من المعطيات التي فرضت التوقيع على اتفاقية نيفاشا، وإن كان طرف الحركة الشعبية الانفصالية قد حصل بالمقابل على دعم تسليحي بفعل موارد النفط، كما حققت الانتخابات لها شرعية في الحكم وتمثيلَ مواطني الجنوب، إلا أن الأوضاع في الجنوب شهدت تنامياً في حالات الصراع القبلي والسياسي ضد هذه الحركة، وصلت حدَّ الأعمال العسكرية على نحو مؤثر.
سادساً: إذا أقر الحكم والقوى الرئيسة التي تمثل عصب المجتمع وتشكِّل العقل الجمعي للقرار الإستراتيجي في مواجهة التحدي كما تشي بعض مؤشرات الحركة في الآونة الأخيرة، فإن الأمر يتطلب عملاً عاجلاً، لتحقيق أوسع حالة إجماع داخلي ممكنة ضد انفصال الجنوب، باعتباره خطراً داهماً على السودان كله، على أن يشمل التحرك قوى جنوبية وشمالية، تحت شعارات إنقاذ السودان ومنع الجنوب من الانزلاق إلى فتنة تدمِّره وترتكب فيها المذابح.
ولذلك يبدو أنه من المهم، أن يجري إطلاق حركات شعبية خارج الأطر التقليدية، تتحرك لبلورة مواقف شعبية واضحة رافضة للانفصال، مع بقاء الحكم (إعلامياً وسياسياً) في موقع الضابط لإيقاع وحدة البلاد إعمالاً لمهامه الدستورية. كما يتطلب الأمر تحركاً مكثفاً لتعبئة المواقف الإقليمية وحشدها ضد الحركة الانفصالية، وإخراج المواقف الرسمية من حالة «الكلام المكتوم» إلى حالة الرفض السياسي والإعلامي المباشر. ولتحقيق حالة من توفير الجهد والقوة وتوجيه القدر الأعظم منها للضغط على الطرف الأخطر في المرحلة الحالية، ينبغي حسم معركة دارفور بأسرع ما يمكن عبر صياغات تضع خطر انفصال الجنوب أولوية. وكذا ينبغي وضع خطة إعلامية مكثفة، لإنهاء الفجوة المعرفية لدى الرأي العام العربي والإسلامي والدولي حول قضايا دارفور والجنوب، والتحول نحو هجوم إعلامي مضاد لتحركات الإعلام الغربي على الأقل في الساحة العربية.
والقصد أن ثمة ضرورة لخطة تحرُّك عاجلٍ، ينتقل بالسودان من الموقف الدفاعي الذي ساد لمرحلة طويلة مضت إلى الموقف الهجومي؛ فلم يعد هناك وقت.(1/481)
بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
في المملكة العربية السعودية
في الدفاع عن أم المؤمنين
عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنها
2 ذو القعدة 1431هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فقد اطلعت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية على ما تناقلته وسائل الإعلام من القذف والسب والطعن في عرض زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مكذباً للكتاب والسنة المطهرة وإحقاقاً للحق ودفعاً عن عرض أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها الذي هو عرض النبي صلى الله عليه وسلم.
كتبت اللجنة البيان الآتي:
إن من أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة وجوب محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتوقيرهم والترضي عنهم فهم الذين صحبوا خاتم الأنبياء والمرسلين وهم الذين عايشوا نزول الوحي وهم الذين مدحهم الله في كتابه وأثنى عليهم المصطفى عليه الصلاة والسلام في سنته وكفى بذلك منقبة وفضيلة:
قال الله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} (التوبة: 100) وقال تعالى {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} (الفتح: 18) وقال تعالى {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ? وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ} (الفتح: 29).
وثبت عنه عليه الصلاة والسلام كما عند البخاري ومسلم أنه قال: خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم وقال أيضاً عليه الصلاة والسلام: (لاتسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه) متفق عليه.
والأحاديث في تزكيتهم وذكر فضائلهم جماعة وأفراداً كثيرة جداً.
ومن أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة كذلك وجوب محبة آل بيت النبي عليه الصلاة والسلام ومعرفة حقهم وتنزيلهم المنزلة اللائقة بهم فهم وصية رسول الله كما ثبت بذلك الخبر من قوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم (أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثاً) وقد روى البخاري ومسلم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال (والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي) وقال رضي الله عنه كذلك كما في صحيح البخاري ارقبوا محمداً في أهل بيته.
ولا شك أن أزواجه وذريته عليه الصلاة والسلام من أهل بيته ويدل لذلك قوله تعالى {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ ? إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا *وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى? ? وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب 32 - 33).(1/482)
ومن معتقد أهل السنة والجماعة أن المرء لا يبرأ من النفاق إلا بسلامة المعتقد في الصحابة وآل البيت يقول الطحاوي (ومن أحسن القول في أصحاب النبي وأزواجه الطاهرات من كل دنس وذرياته المقدسين من كل رجس فقد برئ من النفاق) وقال (ونحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا نفرط في حب أحد منهم ولا نتبرأ من أحد منهم ونبغض من يبغضهم وبغير الخير يذكرهم ولا نذكرهم إلا بخير وحبهم دين وإيمان وإحسان وبغضهم كفر ونفاق وطغيان).
وبهذا يتبين أن سب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو التعرض لعرضه عليه الصلاة والسلام بقذف أزواجه جرم عظيم وخصوصاً الصديقة بنت الصديق وهي المبرأة من فوق سبع سماوات وكانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إليه وكانت أفقه نساء الأمة على الإطلاق فكان الأكابر من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين إذا أشكل عليهم الأمر في الدين استفتوها.
ومناقبها رضي الله عنها كثيرة مشهورة فقد وردت أحاديث صحيحة بخصائص انفردت بها عن سواها من أمهات المؤمنين رضي الله عنهن وأرضاهن ومنها:
1ـ مجيء الملك بصورتها إلى النبي صلى الله عليه وسلم في سرقة من حرير قبل زواجها به صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم من حديث عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير فيقول هذه امرأتك فأكشف عن وجهك فإذا أنت هي فأقول إن يكن هذا من عند الله يمضه.
2ـ ومن مناقبها رضي الله عنها أنها كانت أحب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وقد صرح بمحبتها لما سئل عن أحب الناس إليه فقد روى البخاري عن عمرو بن العاص رضي الله عنه أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم قال فقلت أي الناس أحب إليك؟ قال عائشة قلت فمن الرجال قال أبوها.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله (وهذا خبر ثابت وما كان عليه الصلاة والسلام ليحب إلا طيبا وقد قال لو كنت متخذا خليلاً من هذه الأمة لا تخذت أبا بكر خليلاً ولكن أخوة الإسلام أفضل فأحب النبي صلى الله عليه وسلم أفضل رجل من أمته وأفضل امرأة من أمته فمن أبغض حبيبي رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو حري أن يكون بغيضاً إلى الله ورسوله وحبه عليه السلام لعائشة كان أمراً مستفيضاً).
3ـ ومن مناقبها رضي الله عنها نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في لحافها دون غيرها من نسائه عليه الصلاة والسلام فقد روى البخاري عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة قالت عائشة فاجتمع صواحبي إلى أم سلمة فقلن يا أم سلمة والله إن الناس يتحرون بهداياهم يوم عائشة وإنا نريد الخير كما تريده عائشة فمري رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأمر الناس أن يهدوا إليه حيث كان أو حيث ما دار قالت فذكرت ذلك أم سلمة للنبي صلى الله عليه وسلم قالت فأعرض عني فلما عاد إلي ذكرت له ذلك فأعرض عني. فلما كان في الثالثة ذكرت له فقال يا أم سلمة لا توئذيني في عائشة فإنه والله ما نزل علي الوحي في لحاف امرأة منكن غيرها.
قال الحافظ الذهبي رحمه الله (وهذا الجواب منه دال على أن فضل عائشة على سائر أمهات المؤمنين بأمر إلهي وراء حبه لها وأن ذلك الأمر من أسباب حبه لها).
4ـ ومن مناقبها رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام أرسل إليها سلامه مع النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً يا عائشة هذا جبريل يقرئك السلام فقلت وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ترى مالا أرى تريد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال النووي وفيه فضيلة ظاهرة لعائشة رضي الله عنها.(1/483)
5ـ ومن مناقبها رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بتخييرها عند نزول آية التخيير وقرن ذلك بإرشادها إلى استشارة أبويها في ذلك الشأن لعلمه أن أبويها لا يأمرانها بفراقه فاختارت الله ورسوله والدار الآخرة فاستن بها بقية أزواجه صلى الله عليه وسلم فقد روى البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتخيير أزواجه بدأ بي فقال إني ذاكر لك أمراً فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمري أبويك قالت وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بقراقه قالت ثم قال إن الله جل ثناؤه قال {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا} (الأحزاب 28 - 29). قالت فقلت أفي هذا استأمر أبوي؟ فإني اريد الله ورسوله والدار الآخرة قالت ثم فعل أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما فعلت.
6ـ ومن مناقبها رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يمرض في بيتها فكانت وفاته صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها في يومها وجمع الله بين ريقه وريقها في آخر ساعة من ساعاته في الدنيا وأول ساعة من الآخرة ودفن في بيتها فقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما كان في مرضه جعل يدور في نسائه ويقول أين أنا غداً؟ حرصاً على بيت عائشة قالت فلما كان يومي سكن وعند مسلم عنها أيضاً قالت إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتفقد يقول أين أنا اليوم أين أنا غدا؟ استبطاء ليوم عائشة قالت فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري وروى البخاري أيضاً عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يسأل في مرضه الذي مات فيه يقول أين أنا غداً أين أنا غدا؟ يريد يوم عائشة فأذن له أزواجه يكون حيث شاء فكان في بيت عائشة حتى مات عندها قالت عائشة فمات في اليوم الذي يدور علي فيه في بيتي فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي ثم قالت دخل عبدالرحمن ابن ابي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت له (اعطني هذا السواك يا عبدالرحمن فأعطانيه فقضمته ثم مضغته فأعطيته رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستن به وهو مستند إلى صدري) وفي رواية أخرى بزيادة (فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة)
7ـ ومن مناقبها رضي الله عنها إخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنها من أصحاب الجنة فقد روى الحاكم بإسناده إلى (عائشة رضي الله عنها قالت قلت يا رسول الله من من أزواجك في الجنة؟ قال اما إنك منهن؟ قالت فخيل إلي آن ذاك أنه لم يتزوج بكراً غيري) وروى البخاري عن القاسم ابن محمد أن عائشة اشتكت فجاء ابن عباس فقال يا أم المؤمنين تقدمين على فرط صدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أبي بكر وفي هذا فضيلة عظيمة لعائشة رضي الله عنها حيث قطع لها بدخول الجنة إذ لا يقول ذلك إلا بتوقيف.
8ـ ومن مناقبها رضي الله عنها ما رواه البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام ففي هذا الحديث يبين النبي صلى الله عليه وسلم أن فضل عائشة زائد على النساء كزيادة فضل الثريد على غيره من الأطعمة.(1/484)
9ـ ومن مناقبها رضي الله عنها نزول آيات من كتاب الله بسببها فمنها ما هو في شأنها خاصة ومنها ما هو على الأمة عامة فأما الآيات الخاصة بها والتي تدل على عظم شأنها ورفعة مكانتها شهادة الباري جل وعلا لها بالبراءة مما رميت به من الإفك والبهتان وهو قوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ? لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ ? بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ? لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ? وَالَّذِي تَوَلَّى? كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النور: 11) إلى قوله تعالى {الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ ? وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ ? أُولَ?ئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ ? لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} (النور: 26).
وقد قال بعض المحققين فيها أيضاً (ومن خصائصها أن الله سبحانه وتعالى برأها مما رماها به أهل الإفك وأنزل في عذرها وبراءتها وحياً يتلى في محاريب المسلمين وصلواتهم إلى يوم القيامة وشهد لها بأنها من الطيبات ووعدها المغفرة والرزق الكريم وأخبر سبحانه أن ما قيل فيها من الإفك كان خيراً لها ولم يكن ذلك الذي قيل فيها شراً لها ولا خافضاً من شأنها بل رفعها الله بذلك وأعلى قدرها وأعظم شأنها وصار لها ذكراً بالطيب والبراءة بين أهل الأرض والسماء فيالها من منقبة ما أجلها).
وبهذا وغيره يتبين فضلها ومنزلتها رضي الله عنها وأرضاها وأن قذفها بما هي بريئة منه تكذيب لصريح القرآن والسنة يخرج صاحبه من الملة كما أجمع على ذلك العلماء قاطبة ونقل هذا الإجماع عدد من أهل العلم.
فالواجب على كل مسلم محبة صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم والترضي عنهم أجمعين وتوقيرهم ونشر محاسنهم والذب عن أعراضهم والإمساك عما شجر بينهم فهم بشر غير معصومين ولكن نحفظ فيهم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم ونتأدب معهم بأدب القرآن فنقول {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} (الحشر: 10)
هدى الله الجميع لصراطه المستقيم واتباع سيد المرسلين وصحابته الغر الميامين والحمد لله رب العالمين.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو / أحمد بن علي سير المباركي عضو/ صالح بن فوزان الفوزان
عضو / محمد بن حسن آل الشيخ عضو/ عبدالله بن محمد الخنين
عضو / عبدالله بن محمد المطلق عضو/ عبدالكريم بن عبدالله الخضير
الرئيس / عبدالعزيز بن عبدالله آل الشيخ(1/485)
فلسفة عمل المرأة
د. لطف الله خوجه
26شوال1431هـ
في هذه القضية وقع تضليل كبير .. ؟؟!!!!
المناصرون لعمل المرأة تخطوا حواجز المنطق والحكمة، متسلحين بالقرار السياسي .. فجعلوا من عمل المرأة واقعا غير قابل للنقاش؟!!.
وقبل الدخول في تفاصيل الفلسفة المتعلقة بعمل المرأة، نود الإشارة إلى ما يقطع الجدل مع منطقي رائده الحقيقة، لا متلهف للتسلق:
العمل المنتقد هو ما كان قائما على مبدأ مساواة المرأة بالرجل، في الكم (=مدة العمل)، أو الكيف (= نوع العمل)، مع رفع الحجاب (= عمل مختلط).
وليس العمل الخالي من كل هذه المحذورات، وهو: الملائم للأنوثة، في بيئة نسائية، وكونه استثناءا؛ أي لا يقدم على عملها الأصل (=عمل البيت).
فليكن هذا منا على بال.
فالمرفوض ليس مبدأ العمل، إنما مبدأ المساواة في العمل .. والثاني هو الساري حاليا، يجري على قدم وساق، وانظر في كافة أنواع عمل المرأة المستحدثة: كاشيرات، مضيفات، خادمات، موظفات إلخ .. تجده يحقق مبدأ المساواة، لا مجرد العمل.
وهنا النقطة الحرجة ..
جملة التيار الإسلامي، بمختلف توجهاته وشخصياته كانت تقاوم، لكن ذلك اليوم تغير ..
فمنها التي انضمت لحملة المساواة، تنصر بعلم أو بدونه .. ربما السبب تغير الرأي في مسائل: كالعمل المختلط.
ومنها التي لا تزال على موقفها، لكنها باتت صامتة، مستسلمة، أو تهمس همسا لا يسمن ولا يغني من جوع.
ولأنه في العادة، كثرة الكلام تورث القضية لغطا وجدلا لا ينتهي، وتمنح فرصة للمناورة غير المنطقية، فيعسر على القراء إدراك ما في الكلام من خطأ وزلل، ويبعث على الملل، لكن مع ربح السفسطائين للقضية، وضياع صوت الحقيقة ..
لأجل ذلك، لن أدخل في سرد الدلائل على فساد مبدأ المساواة في عمل المرأة، إنما بتقديم بتفصيل بسيط التركيب، يكشف أبعاد القضية، ويعطي الناظر سلما يرقى عليه ليرى المسألة من فوق، لا من زاوية دون زاوية، لا تتيح له سوى معرفة جزء من الحقيقة.
كل ما في القضية:
أن العمل عملان: عمل داخل البيت، وعمل خارج البيت.
والعامل اثنان: رجل، وامرأة.
فالقسمة العقلية أربعة صور:
الأولى: تعمل هي في البيت، وهو خارج البيت.
وهذا هو الذي عليه البشر منذ آدم حتى قيام الثورة الصناعية في أوربا، فهو السائد، ووجود استثناءات هنا وهناك لا يبطل سيادة هذه الصورة.
هذه الصورة لا عيب فيها، ولا نقص .. بل هو المنطقي، بالنظر إلى مؤهلات المرأة (= أمومة، تدبير المنزل، تربية، حضانة .. هذه من أعمال البيت)، والرجل (= السعي في المعاش .. وهو من عمل الخارج).
فإن كان في هذا شك، فلننظر في الصور الأخرى:
الثانية: تعمل هي خارج البيت، وهو داخله.
وهذه عكس، والمجتمع أو العالم إن تقبل عملها خارجه، فالجميع إلى اليوم لم يتقبل العكس؛ عمله في البيت ..
لذا لا تكاد تجد دعوة - موازية - لعمل الرجل في البيت، مقابل الدعوة لعملها خارجه، لا من الرجال ولا حتى النساء، حتى المرأة التي تدعو - وبحرارة - إلى عملها في الخارج، لا تطرح عمله داخله في المقابل ..
نوال السعداوي مثلا، متطرفة جدا في تناول مسائل المرأة، كان طرحها في البديل لخروج المرأة: إنشاء محاضن، ومطاعم، مغاسل عامة.
إن هذه الصورة مرفوضة، جملة وتفصيلا؛ لأنه لا يمكن تجزئة قضية لا تتعاطى إلا كلية، فمن نادى بعملها خارجا، وتغافل عن البديل، وسكت عن المناداة أن يكون البديل رجلا، فهو لا يعي من القضية سوى جزءا .. وليس غرضه حل مشكلة، بل توليدها لجهل أو غرض.
من المضحك أن يكون البديل: خادمة.
فهذا هو الانقلاب على الفكرة؛ إذ كيف ينادى إلى خروجها للعمل، تحررا من رق البيت، ثم يكون البديل:
أن تلج إلى بيت غير بيتها لتعمل فيه؟ ..(1/486)
تخرج من بيتها، لتعمل في بيت غيره: إذن النتيجة: هي تعمل في البيت.
ألم يكن بقاؤها في بيتها خير وأحسن تأويلا؟!!.
فبطلت هذه الصورة.
الثالثة: أن يعملا سويا في البيت.
ولا أحد يدعو إلى هذا؛ لأن معناه ترك الخارج كليا .. وهذا لم يقل به أحد، لا مناصرين، ولا متحررين.
فبطلت هذه الصورة أيضا.
الرابعة: أن يعملا سويا خارج البيت.
وهذا ما دعت إليه نوال السعداوي وغيرها، وهو مضمون فكرة عمل المرأة، لكن بمفهوم: أن تعمل خارج بيتها، ولو كان عملها الآخر في بيت آخر، المهم خروجها .. فالخروج هو المطلوب لذاته، والعمل وسيلة لذلك.
لكن هذه الصورة هي الواقعة، وهي الكارثة؛ لأنه يعطل المرأة من عمل البيت، فيبقى نصف العمل فارغا لا قائم به، والخادمة بالقطع لن تقوم به؛ إذ عملها ليس مجرد خدمة، وقيام بشئون التدبير، كلا، بل أرقى من ذلك ..
المرأة في بيتها حلقة وصل بين جميع الساكنين، فهي التي تدبر أمورهم وشئونهم كلها، وهي التي تفعل ذلك بالحب والشوق والصداقة، مندفعة بدافع الأمومة والزوجية ..
وهذا ما يبني في البيت سكنا، كحقيقته الموصوف به في القرآن: {والله جعل من بيوتكم سكنا}.
والمرأة هي سكن أيضا: {ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليه وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}.
فسكن البيت لا يتحقق إلا بسكن المرأة؛ أي سكونها في البيت؛ أي عملها فيه .. والخادمة أجنبية لا تحقق سكنا بالقطع.
هذه الصورة كذلك باطلة، والتجربة شاهدة، فكل الأنظمة التي أخذت بها، جنت من وراء ذلك:
- ازدياد نسب العنوسة.
- ازدياد نسب الطلاق.
- اختلال نظام الأسرة.
- نشوء أجيال محرومة من الأمومة.
- فساد الأعراض.
كله هذه وغيرها، عليها دلائل، بحثها وسردها في مقام آخر.
ما يعنينا: أن القسمة الأربعة لم يثبت منها منطقيا وعقليا وخلقيا إلا صورة واحدة ناجحة، هي: عملها داخله، وعمله خارجه.
هذه هي الفطرة، وهذا ما يعيد للأسرة نظامها، ويقضي على العنوسة، والطلاق، ويبني أسرا صحيحة ناجحة، إذا طبقت الشروط.
أقف هنا، بعد أن بينت تفاصيل الصور الأربعة، ولكم أن تتأملوا ..
شكرا لكم.(1/487)
(ميبي) مشروع هيمني أمريكي في الوطن العربي
الطّاهر المعز
20شوال1431هـ
ميبي ( MEPI) هي الأحرف الأولى ل"ميدل إيست بارتنرشيب إنيشيتيف"، أي "مبادرة الشراكة للشرق الأوسط"، ويعنى بالشرق الأوسط، الدول العربية إضافة للكيان الصٌهيوني، وما أسماه المشروع "الأراضي الفلسطينية"، أي الأراضي المحتلٌة عام 1967.
ميبي، هو مكتب ظهر للوجود عام 2002، صلب إدارة شؤون الشرق الأوسط، بوزارة الخارجية الأمريكية، وله مكتبان إقليميان (منذ 2004)، أحدهما في تونس والثاني في أبي ضبي (الإمارات)، وله مكاتب فرعية في كل سفارة أمريكية في البلدان المستهدفة. يغطٌي مكتب تونس المغرب العربي ومصر ولبنان وفلسطين المحتلٌة، أما مكتب أبو ضبي فيغطٌي الخليج وبقية بلدان المشرق، وميزانية كل منهما حوالي 2 مليون دولار سنويٌا، تحتسب ضمن "المساعدات الإقتصادية الثنائية التي تقدمها الولايات المتحدة سنويا لدول المنطقة، "لدعم البرامج والمشاريع التي تساعد على بناء التغيير الديمقراطي".
يعرٌف الموقع الرٌسمي ل"ميبي"، هذا المشروع كما يلي: " هي مبادرة رئاسية، تمثٌل تفاعل حكومة الولايات المتحدة مع أصوات التغيير في منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا. يموٌلها الكنغرس، لتوفير الموارد والخبرات، بهدف تعزيز الإصلاح في جميع أنحاء المنطقة. بشراكة مع منظمات غير حكومية، دولية ومحلية، ومؤسسات اقتصادية، وجامعات ومعاهد عليا، وأحيانا حكومات." وورد في مكان آخر من الموقع: "هو حلقة لتطوير ودعم مشروع الشرق الأوسط الكبير، وبقيٌة البرامج الإصلاحية. وهو جزء من السياسة الخارجية الأمريكية، للتعامل المباشر مع الإصلاحيين ونشطاء المجتمع المدني، وشركاء المبادرة، والمشاركين في برامجها، واعتماد الإرشادات والمعلومات الصٌادرة عنهم. يساهم (ميبي) في تنظيم المؤتمرات وتسهيل تبادل الزيارات وإعداد الندوات ودورات التكوين الداعمة للإصلاح. بواسطة مجموعة من المنظمات غير الربحية، التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية".
أما الأهداف المعلنة فهي أربعة:
أولا: دعم الديمقراطية (تدعيم الأحزاب والإصلاح البرلماني، تعليم أسس القيادة والإصلاح.)،
ثانيا: الإصلاح الإقتصادي وتطبيق التزامات اتفاقية التجارة الحرة (تقوية المشروعات الصغيرة والمتوسطة، التسويق، التعريف بمبادئ منظمة التجارة العالمية)،
ثالثا: إصلاح التعليم (تعليم الإنكليزية، الإصلاح الرقمي، الشراكة مع الجامعات الأمريكية)،
رابعا: تمكين المرأة، وتدريبها على القيادة (خصوصا المقاولات وربات العمل)، تكوين القيادات النسائية الشابة في الأحزاب والمنظمات، التعريف بفرص التعليم في أمريكا، وحرية المرأة.
وكل محور من هذه المحاور الأربعة يتضمن بدوره بابا خاصٌا ب"تمكين المرأة". من جملة العناوين التي تم تناولها (وتمويلها) عام 2008، نجد: تدريب باعثي المشاريع، قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات، قواعد تكوين الأحزاب السياسية، التدريب على مخاطبة الجمهور.
من أهم البرامج أيضا "المركز الدولي للمشروعات الخاصة" (أي القطاع الخاص)، ومهمته تمويل مشروعات لحاملي الأسهم، وتطوير وتنفيذ السياسات الإقتصادية "الحرة" (اللبرالية)، ودعم التجارة الحرة، حسب شروط منظمة التجارة العالمية، التي تحضى بحيٌز كبير في برامج تكوين النساء، وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسٌطة، وهناك دعاية متكرٌرة ل"منتدى المستقبل"، الذي يروج لللبرالية والتطبيع مع الكيان الصهيوني والإمبريالية، والذي ينعقد في البلدان العربية، بحضور أثرياء العالم، دولا ومؤسسات.(1/488)
أوردنا هذه المقتطفات الطويلة من الموقع الإلكتروني الرسمي، حتى يتجلٌى بكل وضوح الهدف الحقيقي، المعلن لهذا البرنامج الأمريكي الذي يدعو له عديد المعارضين اللبراليين العرب، وعدد من قادة المنظمات والجمعيات العربية، منها الفلسطينية في غزة ونابلس ورام الله. وحتى بعض المحسوبين على اليسار العربي، الذين لا يرون حرجا في التعاطي مع البرامج الحكومية الأمريكية (والأروبية) والمشاركة النشيطة بها والدعاية لها، مقابل بعض التمويل، وبعض السٌفريات. أمٌا المنظمات "غير الرٌبحية" التي تدعمها وزارة الخارجية الأمريكية، لتنفيذ هذه البرامج، فنجد من ضمنها: مكتب الدراسات الإستراتيجية للشرق الأوسط وأيركس وفريدوم هاوس وجامعة نيويورك والمركز الدولي للمشروعات الخاصٌة، ومؤسٌسة ييستر ويو آس آد، وهذه الأخيرة هي مؤسٌسة رسمية، حكومية أمريكية.
كلمة حق يراد بها باطل
تنطلق الإمبريالية الأمريكية من الغياب الفعلي للديمقراطية، ومن قمع واضطهاد المرأة، وانعدام الشفافية في الوطن العربي (وغيره) لتجعل منها ثغرة تستغلها للتدخل باسم حقوق الإنسان، وباسم الدفاع عن الديمقراطية والمرأة الخ. لكن الأنظمة القائمة تحضى جلٌها (وربما جميعها) بمساندة الولايات المتحدة، فجميعها مطبٌع علاقاته مع الكيان الصهيوني، سرٌا أو علنا، وكلها معادية لأي نفس مقاوم للإحتلال في فلسطين أو العراق، وصفٌقت للإعتداء الصهيوني على لبنان عام 2006، ولم تحرٌك ساكنا خلال القصف المكثٌف على غزٌة، كما لا يسمح نظام عربي واحد بالإحتجاجات الجماهيرية ضد العدوان والمجازر.
إن اهتمام أمريكا منصبٌ على خلق تيٌار مساند لها، في اوساط المقاولين والصحفيين والمثقفين والطلبة والشباب والنسوة، وقادة الأحزاب والمنظمات غير الحكومية. لخلق جيل من الأنتليجنسيا المشبعة بالقيم الإيديولوجية اللبرالية السائدة في الولايات المتحدة، وخلق تيٌار بديل للقيم الشعبية السٌائدة في الوطن العربي، وبديل لمعاداة الصٌهيونية والحلف الأطلسي والإمبريالية بشكل عام والأمريكية بشكل خاص، وقلب الموازنة تدريجيا لتأسيس تيٌار يدافع عن القطاع الخاص، واللبرالية والسياسات الإمبريالية والإحتلال، لدى الشباب والنسوة والمثقفين والصحفيين.
وتعلم الولايات المتحدة، علم اليقين أن الأنظمة العربية غير شعبية، ولذلك تظهر للرأي العام المحلٌي أنها غير راضية على وضعية حقوق الإنسان (من خلال التقرير السنوي لوزارة الخارجية وكذلك تقرير هيومن رايتس واتش)، ويلتقي سفراء وممثلو الحكومة الأمريكية بأطراف المعارضة، بما فيها الإخوان المسلمون وبعض قوى اليسار، للإستماع إليهم والإستفادة من نقدهم للسلطة، كي يعدٌلوا برامجهم، ويعدوا العدٌة، "لتجاوز التحديات في مجال نشر الديمقراطية والإزدهار الإقتصادي وتحسين جودة التعليم ودعم مشاركة المرأة في المجتمع"، ويقول "ستيفن فورد"، السفير الأمريكي السابق في الجزائر (قبل انتقاله إلى بغداد في حزيران 2008):" من واجب السفراء أن يكونوا على اتصال مع مواطني البلد المضيف، وهذا ما فعلته، نحن بحاجة للحديث مع الأحزاب السياسية، مع رجال الأعمال ورجال الثقافة، لنتفهٌم حاجيات الجزائريين. وهدفنا من كل هذا هو مساعدة السلطات الجزائرية على تحضير الجزائر والشباب الجزائري للإندماج في الإقتصاد العالمي والحصول على مرتبات عالية". لقد ركٌز البرنامج كثيرا على الجزائر (وفلسطين)، خاصٌة أثناء محاولات امريكا تركيز قواعد عسكرية لإيواء "أفريكوم"، ورفضت الجزائر ذلك، رغم مشاركتها في بقية برامج الحلف الأطلسي، في المتوسط.(1/489)
بمناسبة اليوم العالمي للمرأة عام 2008، دعم برنامج "ميبي" (وقنصلية أمريكا بالقدس)، ماديا وسياسيا، منظمة "غير حكومية" في غزة، اسمها "صوت المجتمع"، لتنظيم ورشات عمل وحلقات تكوينية، لتثقيف الناس، وتكوين ناشطات شابات حول "تعزيز امكانات المراة للمشاركة في المسار الديمقراطي. وخلق آليات عمل لتحريم العنف ضد النساء وجرائم الشرف والإلتزام بالمعاهدات الدولية. رغم الجو المشحون بالعدائية والعنف الذي يسيطر على غزة" (من موقع ميبي). كأن الإحتلال غير موجود ولا يمنع الغذاء والدواء ودخول وخروج المرضى والعمٌال والطٌلبة. وكأن العنف ليس نتيجة للإحتلال وإنما يبدو أنه من شيم الفلسطيني. والمشكل الوحيد لنساء غزة (ورجالها) هو تطبيق "المعاهدات الدولية" في مجال الحريات الفردية، وكأن الحصول على الغذاء والدواء والعمل ليس من الحقوق الأساسية للبشر، وكأن الفلسطينيين تحرٌروا، واستعادوا أرضهم وتخلصوا من المشاكل الناجمة عن الإحتلال.
أما مدير "صوت المجتمع" فقد انبرى يكيل المدائح لقنصلية أمريكا بالقدس ولبرنامج "ميبي"، وكأن أمريكا بريئة من جرائم الإحتلال الصهيوني، وليست مسؤولة عن إدامة الإحتلال، ومساندة الكيان الصهيوني ايديولوجيا وماليا وعسكريا ودبلوماسيا.
في نابلس خصٌص برنامج ميبي جائزة لمنظمة حقوقية، تأسست ب"فرمان" (مرسوم سلطاني في العهد العثماني) من ياسر عرفات، مباشرة بعد أوسلو، ولا زالت تحظى بمساندة سلطة الحكم الذاتي الإداري في رام الله، وقدمت على أنها "منظمة حقوقية غير حكومية"، وهللت مديرتها لهذا الإعتراف العظيم من قبل الأسياد الأمريكان فبالغت في المديح والدعوات الصٌالحة ورجت دوام النعمة والجاه، ونابلس كانت معقلا لمقاومة الإحتلال، قبل انفلات "قوات الأمن الفلسطينية" الممولة والمسلٌحة والمدرٌبة أمريكيا، لاعتقال والتنكيل بكل من يشتبه بمقاومته للإحتلال. كما حصل شاب فلسطيني آخر على جائزة الصحفي الشاب، مما يمكٌنه من منحة دراسية في الولايات المتحدة، نتمنى أن تثير فيه الرغبة لمقارنة ما فعله الأروبيون البيض بالسٌكان الأصليين في أمريكا، بما فعله الصهاينة في فلسطين.
تحت عنوان "قادة المجتمع المدني يتبادلون الخبرات"، نظٌم برنامج "ميبي"، من 9 إلى 11 يونيو/حزيران 2008، لقاء في الأردن جمع 250 من رجال (ونساء) الأعمال ومحامين وقادة "المجتمع المدني"، بهدف "توسيع شبكة علاقاتهم الشخصية والمهنية، واكتساب خبرات أكبر"، بإشراف خبراء، استدعتهم وزارة الخارجية الأمريكية،، كما شاركت نساء شابات، تعملن في مجال الأعمال، والقانون، في برنامج تدريبي بأمريكا، على قيادة قطاع الأعمال والمجتمع المدني. وشارك في البرنامجين شبان وشابات من الجزائر والمغرب وتونس والبحرين ومصر والعراق المحتل والأردن والكويت ولبنان وعمان وقطر والسعودية والإمارات واليمن و"الأراضي الفلسطينية"، إلى جانب صهاينة جاؤوا من فلسطين المحتلة.(1/490)
في إطار "تمكين النساء" و"التدريب على الديمقراطية"، خصٌص البرنامج منحة ل44 "قائدة سياسيٌة" من مختلف البلدان العربية، لمتابعة الحملة الإنتخابية الرئاسية، لمدة أسبوعين، في النصف الثاني من اكتوبر 2008، وناقشن مع الرئيس بوش " أهمٌية دعم الديمقراطية والإصلاحات لمجابهة التحدٌيات تجاه الشرق الأوسط" (أمٌا الإحتلال والهيمنة الإمبريالية والحكومات الكمبرادورية، فليست من التحديات الجديرة بالإهتمام). وقال لهن "جيمس غلاسمان"، وكيل وزارة الخارجية ". ستشهدن التاريخ أثناء صياغته، وستتاح لكن فرصة مراقبة الديمقراطية، وهي في عنفوان نشاطها، عندما يمارس الأمريكيون حقوقهم." ولم تشارك نساء الكيان الصٌهيوني في هذه التظاهرة، لأنهن لسن بحاجة "للتدريب على الديمقراطية"، فالصهيونية، حسب المفهوم الإستعماري، هي مشروع حضاري في قلب المشرق العربي المتعجرف.
خاتمة، معركة على الجبهة الإيديولوجية؟
دأبت الإدارات الأمريكية المختلفة على تكوين لجان للبحث والتفكير، في مواضيع ذات أهمية استراتيجية (أو تكتيكية)، بالنسبة لعلاقات أمريكا بمختلف مناطق العالم، ومصالحها الإستراتيجية. وقد تبقى نتائج أعمال تلك اللجان في الرٌفوف، أو لا تستغلها مصالح الدولة أو الإحتكارات، في الحين، بل تلجأ إلى تلك البحوث والدراسات عندما تنضج الظروف وتقتضي مصالحها أو مخطٌطاتها ذلك، مع تعديلها عند الضرورة، حسب مقتضيات المرحلة، أو ميزان القوى، أو المتغيٌرات على الساحة الخ. برنامج "ميبي"، هو عبارة عن فرع من "مشروع الشرق الأوسط الكبير" (كما جاء حرفيٌا في موقعه الإلكتروني)، يعنى بالجانب الإيديولوجي، وتخريب المجتمعات العربية من الداخل، وتكوين "نخب" (خصوصا من الشباب)، تتدرب على قيادة المؤسسات والأحزاب والمنظمات "غير الحكومية"، ووسائل الإعلام، متسلٌحة بأفكار تتنكٌر للتراث التقدٌمي للإنسانية، وللجوانب النٌيٌرة من حضارتنا وثقافتنا وتاريخنا. فتجعل من التطبيع قيمة حضارية، وتحول السلام إلى رضوخ لإرادة الإستعمار، وتتشبٌه بالمحتل والمستعمر والمهيمن، وتجعله مثلها الأعلى، وتساند تدخٌلاته، حتى العسكرية منها، أي الإيمان بعدم قدرة الشعوب على تقرير مصيرها، والقناعة بأن الإمبريالية هي الوحيدة القادرة على تقرير مصيرنا، وأن مثلها وقيمها الإستعمارية هي أرقى ما وصلت له الإنسانية، أي الإقرار بالعجز وبالهزيمة، دون محاولة النهوض لمقاومة الإحتلال والإستغلال والإضطهاد.
إن من أهم الإنجازات التي حقٌقتها الإمبريالية، نجاحها في إنتاج خطاب يفصل بينها وبين الأنظمة العربية القائمة، ويقدم الإمبريالية كمدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحليف للشعوب المضطهَدَة.
وبعد احتلال العراق، ظهرت في مصر وسوريا وتونس وفلسطين وغيرها، أشكال من التحالفات السياسية للمعارضة، تهلٌل للتٌدخٌل الإمبريالي في البلاد العربية، بدعوى استحالة التغيير، بالإعتماد على قدرات الفئات الشعبية والكادحة، واستنجدت بسفراء أمريكا وأروبا، ووزراء خارجيتها لمحاولة الوصول إلى الحكم، وامتدح العديد من "معارضينا"، حتى بعض من كانوا محسوبين على اليسار، ما حصل في أوكرانيا وجورجيا، من "ثورات" برتقالية ملوٌنة، من إعداد المخابرات الأمريكية.
فالخلفيٌة الإيديولوجية لمشروع الشرق الأوسط الكبير، وبالتالي "ميبي"، هي تلك النظرية التي بناها "فرنسيس فوكوياما" قبل حوالي 20 سنة، ومفادها ان الديمقراطية البرجوازية (اللبرالية)، هي قمٌة ما يمكن أن يبلغه العقل الإنساني، في المجالات السياسية والإقتصادية والثقافية، ولذا وجب فرضها على باقي الشعوب، بدهاء ولين، إن أمكن، وبقوٌة السٌلاح إن وجدت مقاومة وممانعة. وهاهي أمريكا تجرٌب الحلٌين معا، في مختلف المناطق.
* كل الإستشهادات الواردة بين معقٌفين " " مأخوذة من الموقع الرسمي ل ميبي: mepi.state.gov
أو من النشرة الإلكترونية لوزارة الخارجية الأمريكية: Usinfo.state.gov(1/491)
القلق الفكري
أحمد بن عبد الرحمن الصويان
10شوال1431هـ
من الظواهر التي لا تكاد تخطئها العين في ساحتنا الدعوية: بروز أفراد يحملون فكراً (إسلامياً)، لكنه فكر قلق غير متوازن يزداد جنوحاً وتفلُّتاً؛ كلما زادت الموضوعات التي يعالجونها. والطريف أن بعضهم يفتعل حولها أحياناً معارك جانبية، ويغرق في منازلات عنترية، ويُشعِرون أنفسهم ومَنْ حولهم بأنهم يحملون لواء التجديد الفكري والإصلاح المنهجي، ثم تراهم يجتهدون في تكبير الصغار، واصطناع الرموز!
أهم ما يميز هؤلاء: أنهم يطرحون خطوطاً عريضة بعناوين كبيرة، تشوبها الضبابية وعدم الوضوح، لا تخلو غالباً من تباين وتناقض. وحقيقة الحال أن كثيراً من هؤلاء لا يدرون ما يريدون، ولا إلى أين يسيرون؟ بل إن غاية ما عندهم: الانقلاب على الذات، ومحاولة التفلت من تبعات البيئة الدعوية التي نشؤوا وترعرعوا فيها.
من أهم أسباب هذا القلق والاضطراب:
أولاً: ضعف البناء الشرعي والفكري: وهو ما يؤدي إلى خللٍ وقصور في فهم النصوص والأحكام الشرعية، واضطرابٍ في أخذها والاستدلال بها، بل أبعد من ذلك؛ حيث نرى في أرائهم أحياناً أن بعض الأفكار المعاصرة وقيم الفكر الغربي ومصطلحاته هي الأصل الذي يُحتَكَم إليه، والمعيار الذي توزن به الاجتهادات. وقد لا يتجرؤون على رد النصوص الشرعية التي تخالفها، لكنهم قد يتكلفون الحيدة عنها، أو التأويل والتعسف في فهمها والاستدلال بها.
وصنيع هؤلاء مما حذرنا منه المولى - جل وعلا - في قوله: {كِتَابٌ أُنزِلَ إلَيْكَ فَلا يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ} [الأعراف: 2 - 3]، وهو مخالف لأمر الله ـ عز وجل ـ بالتسليم التام للنصوص الشرعية، كما قال - سبحانه وتعالى -: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُّبِينًا} [الأحزاب: 63].
وضعف العلم الشرعي أحد الأسباب الرئيسة لتطاول بعض هؤلاء المتفيهقين، ثم انحرافهم عن جادة الصواب؛ وهذا أحد مقتضيات قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبْقَ عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا» (1).
وأحسب أن بعض هؤلاء ممن يتطلع إلى الوصول إلى الحق ويحرص عليه، لكن الأمر كما قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (كم من مريد للخير لن يصيبه) (2)؛ ولهذا فإن الواجب أن يستوفي الباحث الشروط العلمية للوصول إلى الحق؛ ليسلم بإذن الله - تعالى - من الشطط والانحراف.
ثانياً: الانفتاح غير الواعي على مصادر فكرية ومعرفية جديدة عليهم (مثل كتابات الجابري وحسن حنفي والعروي ... ونحوهم): وجعل كتابات هؤلاء ندّاً لكتابات أئمة الإسلام الأثبات المجمَع على إمامتهم. فتنشأ عندهم حيرة مردُّها إلى الشبهات المثارة، ثم تتوالد لديهم بعض الأسئلة والمشكلات الفكرية والمنهجية التي لم يحسنوا الإجابة عنها أو التعامل معها.
_________
(1) أخرجه: البخاري في كتاب العلم، رقم (34)، ومسلم في كتاب العلم، رقم (2673).
(2) أخرجه الدارمي في سننه: (1/ 68 - 69)، ولهذا الأثر طرق كثيرة، صحح بعضها الهيثمي في مجمع الزوائد: (1/ 181).(1/492)
ومع كثرة الحديث عن ذم الانغلاق، والدعوة إلى الانفتاح، سقط بعض هؤلاء في معتركات صعبة، وراحوا يتقحمون فيها، ويكثرون التنقل بين الأهواء (1)، ويخوضون في قضايا فكرية معقدة بآليات هشة هزيلة، وهذا في تقديري سبَّب لبعضهم صدمة معرفية حادة أدت إلى التذبذب والانهزام، وإلى تبنِّي آراء نبتت من خليط غير متجانس من الأفكار والاجتهادات العلمية والعملية. وصدق العلاَّمة محمد الخضر حسين؛ إذ قال: (الآراء الفاسدة والشُّبه المغوية، تربي في النفوس الضعيفة أذواقاً سقيمة) (2).
ثالثاً: من أعظم ما يعصم الإنسان من فتنة الشهوات، وسطوة الشبهات: سلامة التدين، وعمق الصلة بالله، عز وجل. وكثير من أدواء النفوس إنما تنمو وتترعرع عند ضعف الإيمان، وقصور التربية.
ومن أكثر أدواء النفس خفاءً وخطورة: العُجب والاعتداد بالرأي؛ فهو باب عريض من أبواب الفساد والسقوط؛ ولهذا قال النبي: «ثلاثٌ مهلكات: شحٌّ مُطاع، وهوى متَّبع، وإعجاب المرء بنفسه» (3). فإذا اجتمع الهوى والعُجب في النفس ازداد هلاكُ الإنسان، ومن دقائق الملاحظة التي تدل على النباهة وعمق البصيرة قول عبد الله بن المبارك - رحمه الله تعالى -: (لا أعلم في المصلين شراً من العُجْب) (4).
وبعض الناس إذا قرأ كتاباً أو كتابين، وكتب مقالة أو مقالتين، استعلى بنفسه، وطار بها عجباً، وظن أنَّه أصبح مفكراً من كبار المجددين المبدعين، ولا يزال التيه يسيطر على عقله وفكره حتى يؤدي به إلى ازدراء مَنْ حوله، والتقليلِ من شأنهم، والاستخفاف بهم، بل التطاول عليهم إذا خالفوه!
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا السياق: أن المستعلي برأيه إذا أخطأ في مسألة استنكف استنكافاً شديداً عن الاعتراف بالخطأ، والرجوع إلى جادة الصواب، وقد يدفعه استعلاؤه إلى مزيد من التعصب والاستمساك بالخطأ، ظناً منه أنَّ سبيل الرفعة إنما يكون بالتعالي والتعاظم!
رابعاً: ومن أدواء النفوس أيضاً: التطلع إلى الصدارة، والبروز نحو الأضواء، والمسارعة إلى التزيُّن أمام الناس: وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم، خطورة ذلك بذكر مَثَل واضح جَلِي، فقال: «ما ذئبان جائعان أُرسِلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال، والشرف لدينه» (5). وهذه هي الشهوة الخفية التي كان يخافها شداد بن أوس - رضي الله عنه - على أصحابه (6).
وكثير ممن يقع في هذا الداء لا يسلم من أحد أمرين:
أحدهما: القدح في سلامة القصد، وحُسْن النية، وكفى بهذا إثماً وفساداً.
الثاني: التشبع بما لم يعطَ.
لكن ما علاقة هذا بالقلق الفكري؟
الحقيقة أن وهج الأضواء، وبريق الإعلام، يدفع بعض الناس أحياناً إلى التعالم، وإلى الرغبة في التميز، وقد لا يتحقق ذلك - عند ضعف البضاعة - إلا بالإغراب، والحرص على تتبع الأغلوطات، ومخالفة العلماء والتيار السائد ليس بسبب الاجتهاد العلمي، ولكن المخالفة لمجرد المخالفة.
خامساً: قصور العلماء والدعاة في الحوار مع هؤلاء الشباب، والتهاون في استيعابهم: وهو ما أوجد قطيعة فكرية وفجوة تربوية معهم، وزاد من حدَّتها أن بعض العلماء والدعاة ربما احتدَّ أحياناً في تسفيه أفكارهم أو التقليل من شأنهم، فأدى ذلك إلى استفزازهم، وتعصبهم، ومقابلتهم لغيرهم بالعزة في الرأي والمعاندة، والإعراض عن نقد الآخرين، والاستفادة من آرائهم.
_________
(1) قال عمر بن عبد العزيز ـ رحمه الله ـ: (من جعل دينه عرضاً للخصومات أكثر التنقل)، رواه: اللالكائي في شرح اعتقاد أهل السنة (1/ 128)، والآجري في الشريعة (ص56). وعبد الله ابن الإمام أحمد في السنة (1/ 138).
(2) رسائل الإصلاح: (1/ 99).
(3) أخرجه: البزار، كما في كشف الأستار عن زوائد البزار، رقم (80)، وحسنه الألباني لشواهده في السلسلة الصحيحة، رقم (1802).
(4) سير أعلام النبلاء: (8/ 407).
(5) أخرجه: الترمذي، رقم (2376)، وقال: حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.
(6) قال شداد بن أوس ـ رضي الله عنه ـ: (يا بقايا العرب، يا بقايا العرب، إنما أخاف عليكم الرياء والشهوة الخفية) وفسر أبو داود الشهوة الخفية بحب الرياسة، انظر: شرح حديث أبي ذر لابن تيمية (ص25).(1/493)
محور دعوة الرسل والمزاحمات المعاصرة - رؤية تأصيلية
سلطان العميري
10شوال1431هـ
من أظهر الأمور الدينية: أن المهمة الأولى لدعوة الرسل والهدف المركزي فيها هو تعبيد الناس لله تعالى، وغرس التعلق به في كل حياتهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ} [النحل:36].
فمقصد بعثة الرسل وأساس دعوتهم ومنتهى أعمالهم وغاية جهادهم وقطب الرحى في حياتهم والفكرة التي حولها يدندنون، ومنها يقصدون وإليها يرجعون، وفيها يبذلون هي: عبادة الله وحده، وغرس فكرة العبودية في عقول الناس وقلوبهم، وإنكار عبادة كل ما سواه من الأوثان وغيرها.
والذي يحاول أن يدقق النظر قليلا في طريقة القرآن في شرحه لمهمة الرسل يجد أنه اختار لفظ " العبادة " ومفهوم " العبودية " ليجعله مرتكز دعوة الرسل؛ وسبب ذلك: هو أن هذا اللفظ وذلك المفهوم يتضمن معاني لا يتضمنها غيره من المفاهيم، وله وظيفة لا يؤديها مفهوم آخر كما يؤديها هو، فمفهوم العبودية يتضمن معنى الحب والخوف والرجاء والإجلال والذل، فأصل معنى العبادة يرجع إلى الذل والخضوع، وهي عبارة عما يجمع غاية الحب مع غاية الخضوع للمعبود، يقول ابن تيمية: (العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب فهي تتضمن غاية الذل لله بغاية المحبة له) (10/ 153)، ويقول منبهاً على العلاقة بين الحب والذل في مفهوم العبادة: (من خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابدا له، ولو أحب شيئا ولم يخضع له لم يكن عابدا له، كما قد يحب ولده وصديقه، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والذل التام إلا الله) (10/ 153).
ولأجل هذا أكثر القرآن في بيان دعوة الرسل من ذكر اسم الله واسم الإله؛ لأن هذا الاسم يؤدي إلى نفس المضمون التي تتضمنه العبودية (فالإله هو الذي تألهه القلوب عبادة واستعانة ومحبة وتعظيما وخوفا ورجاء وإجلالا وإكراما).
وهذا يؤكد على أن المعْلَم الذي أبرزه القرآن ليكون أساس دعوة الرسل ومحور رسالتهم هو مفهوم العبودية، الذي يتضمن معنى الحب والرجاء والخوف لله تعالى، وهذا يجعل العلاقة بين الله وبين خلقه قائمة على معاني روحية متدفقة، تنبع من داخل الأعماق وتفيض على جميع جوانب الحياة، فهي علاقة أعمق وأدق من كل المعاني الأخرى التي تزاحمها، ولهذا لهج القرآن بذكر أوصاف الله تعالى وأسمائه، التي تقتضي تعلق قلوب العباد به سبحانه بالحب والرجاء والخوف والإجلال والتعظيم، فهذه المعاني الروحية الجملية هي التي جعلها القرآن محور دعوة الرسل، وهي التي سعى القرآن إلى تجذيرها في عقول الناس، وبذل كل السبل في ذلك.(1/494)
فلم يراع القرآن حين أراد أن يبين مهمة الرسل في تعليق القلوب بالله تعالى معنى الهروب من استبداد الخلق للخلق كأساس، ولم يجعل مهمة الرسل المركزية بيان منزلة الحرية أو بيان حاكمية الله تعالى على الخلق، فالعباد لا يتعلقون بالله لأنه حاكم عليهم فقط، ولا يتعلقون به لأنهم أحرار ليسوا عبيدا لأحد فقط، وإنما يتعلقون به سبحانه لأنه هو الذي يستحق الحب والإجلال والذل له والخوف والرجاء منه، يتعلقون به لأنه خالقهم ورازقهم ومحسن إليهم ورحيم بهم فهو أهلٌ لأن يتعلق به، يتعلقون به لأنه متصف بالكمال من كل وجه، فهذه هي المعاني التي كانت محور دعوة الرسل وأساس منطلقهم في الرسالة، فالمنطلق الأصلي في تعلق الناس بربهم هو أنهم أدركوا كماله واستحقاقه للعبودية لا أنهم تحصلوا على الحرية وانتصروا على الاستبداد.
ونحن إذا رجعنا إلى القرآن والسنة نجد أن الشريعة أكثرت من تفعيل مبدأ العبودية في بيان العلاقة بين الله وخلقه، وكانت تستعمل الألفاظ وتبرز المعاني التي تتضمن العلاقة الروحية الرفيعة بين الله وبين خلقه، وتشيع بين المسلمين الألفاظ التي تغرس محبة الله ومخافته ومراقبته وتعظيمه، ولم تستعمل الألفاظ الأخرى التي لا تؤدي إلى تلك المعاني الشريفة كلفظ الحاكمية مثلاً.
والذي يرجع إلى نصوص الشريعة ويقرأها قراءة تأمل وتدبر، ويحاول أن يستخلص الأهداف الأصلية لدعوة الرسل سيخلص بسهولة إلى أن المرتكز الصلب في دعوتهم هو الحب الإلهي والرضا الرباني، وسيجد أن حجر الزاوية في الإسلام هو التعلق بالله تعالى والارتباط به بمفهوم العبادة دون غيره من المفاهيم.
وسيدرك أن هذا المعنى هو الغاية من الرسالات وهو المقدم على كل غاية، وسيكتشف أنه الهدف الذي ينبغي أن يكون بارزا ظاهرا للعيان، ولا يجوز لأي غرض آخر أن يزاحمه في المحورية والمركزية، وفي بيان اهتمام القرآن بمفهوم العبودية يقول ابن القيم: (غالب سور القرآن، بل كل سورة في القرآن فهي متضمنة لنوعي التوحيد -توحيد الخبر وتوحيد الإرادة- بل نقول قولاً كلياً: إن كل آية في القرآن فهي متضمنة للتوحيد، شاهدة به، داعية إليه، فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله، فهو التوحيد العلمي الخبري، وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع كل ما يعبد من دونه فهو التوحيد الإرادي الطلبي، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته في نهيه وأمره، فهي حقوق التوحيد ومكملاته، وإما خبر عن كرامة الله لأهل توحيده وطاعته وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة، فهو جزاء توحيده، وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب، فهو خبر عمن خرج عن حكم التوحيد، فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم) (المدارج 3/ 449)، فالقرآن كله مشتغل بالله تعالى، حتى يتعلق الناس به وينصرفوا عن كل ما سواه.
فالقرآن لما أراد أن يبين الغاية من خلق الناس أبرز مفهوم العبودية للعيان، فقال سبحانه: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون} [الذاريات:56].(1/495)
ولما ذكر القرآن مناظرات الرسل لأقوامهم بين أن كل رسول يبدأ أول ما يبدأ في دعوته لقومه بالدعوة إلى العبودية لله، فقال عن نوح: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيم} [الأعراف:59]، وقال عن هود: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلاَ تَتَّقُون} [الأعراف:65]، وقال عن صالح: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73]، وقال عن شعيب: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ فَأَوْفُواْ الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِين} [الأعراف:85] , وواضح من طريقة شعيب في دعوته أنه جعل الدعوة إلى العبودية محوراً أساسياً ثم بعد ذلك بين لوازم هذه العبودية.
ولما أراد القرآن أن يبرز صفات المؤمنين أظهر الصفات المتعلقة بمفهوم العبودية المتضمنة للحب والخوف والرجاء، فقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُون **الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُون **أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيم} [الأنفال:2 - 4]، ونبه على أن هذه هي أوصاف المؤمنين سواء كانوا في حالة الاستضعاف أو في حالة القوة، كما قال سبحانه: {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُور} [الحج:41]، والمراد بالمعروف هنا: هو كل ما هو عبادة لله تعالى، والمراد بالمنكر: كل ما هو معصية له سبحانه، وقد كرر القرآن كثيرا الصفات التي يتحلى بها المؤمنون، فذكر قيام الليل والجهاد في سيبل الله والخوف من القيام بين يديه.
بل إن الوصف الذي اختاره الرسول صلى الله عليه وسلم لنفسه هو وصف العبودية، كما قال: ((أفلا أكون عبدا شكورا)) وقال: ((ولكن قولوا: عبد الله ورسوله)) ولم يكن يصف نفسه بالحرية ولا الثورة على استبداد الكفار، وما أكثره وأغلظه في زمنه!
وحين ذكر القرآن نعيم المؤمنين في الجنة كان يعلقهم بالله تعالى مباشرة، فغاية نعيم أهل الجنة هو النظر إلى وجهه الكريم، ولما ذكر أصول الأعمال التي تؤدي إلى دخول الجنة كانت كلها راجعة إلى العبودية لله تعالى، ولم يذكر منها الحصول على الحرية أو الثورة على الاستبداد.(1/496)
وكذلك لما ذكر تعذيب الكفار، وأصول الأعمال الموجبة لدخول النار لم يجعل المناط المؤثر فيها إلا فقدان معنى العبودية لله تعالى وترك أفعال الطاعة كما قال سبحانه: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَر **قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّين** وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِين **وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِين **وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّين **حَتَّى أَتَانَا الْيَقِين} [المدَّثر:41 - 47]، ولم يجعل من أصول ما يوجب دخول النار الخضوع للاستبداد ولا ترك الحرية، ولا فقدان الحاكمية، نعم نبه القرآن على أن بعض - لا كل - من بقي على الكفر ولم يدخل في الإسلام حتى دخل النار كان نتيجة تقليده لرؤساء قومه، ولكن الشريعة لم تجعل المناط المؤثر إلا ترك العبودية لا غيره.
وكان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يحث أصحابه على الأعمال الصالحة وعلى المزيد من العبودية لله تعالى يعلقهم بربهم وبالمعاني القلبية المتدفقة، فكان يقول: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليفعل كذا وكذا، ولم يقل يوما ما: من كان حرا أبيا فليفعل كذا، أو من كان متحرراً من استبداد البشر فليقل كذا، مما يدل على أن الهدف المركزي الذي يسعى إلى غرسه في قلوب الصحابة هو العبودية لله، والتعلق به بالحب والخوف والرجاء.
وحين بين النبي صلى الله عليه وسلم أمر الدين، وبين مبانيه الكبرى ولخص أصوله لما سأله جبريل عن الإسلام والإيمان والإحسان، لم يذكر إلا ما يدل على أن الغرض الأصلي للدين هو العبودية لله تعالى ومراقبته في السر والعلن، فهذا هو المعنى الذي تتمحور عليه كل الرسالات، وهو ما وصى الله به كل الرسل، كما قال سبحانه: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيب} [الشورى:13].
ومن لطيف استعمالات الشريعة أنها لما أرادت التنفير من التعلقات الأخرى المزاحمة للتعلق بالله تعالى استعلمت لفظ (العبودية) كما قال تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِين} [يس:60] , وكما قال سبحانه: {وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون} [يونس:18] , وكما قال سبحانه: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً} [الفرقان:43]، وكما قال صلى الله عليه وسلم: ((تعس عبد الدرهم تعس عبد الدينار .... ))، كل هذا حتى يتشرب الناس مفهوم العبودية المتضمن للحب والخوف والرجاء لله تعالى، وينفرون من تعليق هذه المعاني بغيره سبحانه.
ومن لطيف طريقة القرآن في بناء العبودية لله تعالى أنها لم تجعل الأصل في منطلق الدعوة إلى عبودية الله تعالى إلا بيان الكمالات التي اتصف بها الله تعالى والتي توجب تعلق القلوب به، ثم كملت ذلك ببيان الخلل في التعلقات الأخرى.(1/497)
فهذه الاستعمالات وغيرها كثير في القرآن والسنة كلها تصب في معنى واحد، وهو أن المرتكز الذي تقوم عليه دعوة الرسل هو تعليق الناس بالله بمفهوم العبودية، وأن كل الأغراض الأخرى التي جاءت الشريعة لتحقيقها إنما هي تابعة لهذا الغرض الأصلي، فالهدف الذي يتربع على رأس الهرم في دعوة الرسل هو مفهوم العبادة.
وليس المراد من الكلام السابق اختزال دعوة الرسل في الدعوة إلى العبودية فقط، ولا اختزال مفهوم العبودية في العبادات المحضة، فلا شك أن الشريعة جاءت بالدعوة إلى أغراض أخرى تتعلق بحياة الناس وأحوالهم، فمن أغراض الشريعة ترتيب دنيا الناس، وإزالة الظلم عن المظلومين، والدعوة إلى العدل، وتقنين معاش البشر، ولكن كل تلك الأغراض متأخرة عن غرض العبودية ومنخفضة عنه في المرتبة ولا يصح أن تزاحمه أو تساويه، فلفظ العبادة يتضمن معاني ويستلزم أخرى، ومن ضروريات التأصيل الشرعي أن نفرق بين المعاني المتضمنة فنجعلها الأساس وبين المعاني المتضمنة ونجعلها التابع.
... ... ...
ومع وضوح هذا الأمر وتجليه في الظهور إلا أنه لم يسلم من المضايقات، فقد غدونا نسمع من هنا وهناك دعوات تزاحم مفهوم العبودية ومرتكز لدعوة الرسل، وقد توالت أصوات عديدة في السعي إلى ذلك، ومن تلك المزاحمات:
الأولى: مزاحمة مفهوم العبادة بالدعوة إلى فكرة الحاكمية، فقد ظهرت في أوائل عصرنا الحديث دعوة تقصد إلى إرجاع مفهوم العبودية إلى معنى السلطة والحاكمية، وتجعل جوهر دعوة الرسل يعود إلى تكريس فكرة الحاكمية، ويعد أبو الأعلى المودودي هو أول من أظهر هذه الفكرة وسعى إلى بنائها، وفي هذا المعنى يقول: (خلاصة القول: أن أصل الألوهية وجوهرها هو السلطة، سواء أكان يعتقدها الناس من حيث حكمها على هذا العالم حكم معينين على قوانين الطبيعة، ومن حيث أن الإنسان في حياته الدنيا مطيع لأمرها وتابع لإرشادها، وأن أمرها في حد ذاته واجب الطاعة والإذعان، وهذا هو تصور السلطة الذي يجعله القرآن الكريم أساسا لما يأتي به من البراهين والحجج على إنكار ألوهية غير الله، وإثبات الألوهية لله تعالى) (المصطلحات الأربعة 23).
وجعل ألوهية الله تعالى كلها ترجع إلى مفهوم الحاكمية على الخلق، وبالتالي فمفهوم العبودية يرجع إلى الحاكمية، وجعل العبادات إنما شرعت لتكون طريقا لتحقيق الحاكمية.
وقد تبنى سيد قطب هذه الفكرة أيضا، وفي هذا يقول: (الجاهلية تقوم على أساس الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخص خصائص الألوهية ... وهي الحاكمية ... إنها تسند الحاكمية إلى البشر، فتجعل بعضهم لبعض أربابا) (معالم في الطريق9)، ويقول عن الذين خاطبهم القرآن: (كانوا يعرفون أن توحيد الألوهية وإفراد الله بها معناه: نزع السلطان الذي يزاوله الكهان ومشيخة القبائل والأمراء والحكام، ورده كله إلى الله) (معالم في الطريق9).
بل إنه يقول: (لا إله إلا الله - كما يدركها العربي العارف بمدلول لغته - لا حاكمية إلا لله، ولا شريعة إلا من الله، ولا سلطان لأحد على أحد لأن السلطان كله لله) (معالم في الطريق31)، وقد أطال سيد جدا في إرجاع مفهوم العبودية ومعنى لا إله إلا الله إلى الحاكمية.
ونحن إذا رجعنا إلى لغة العرب نجد أن الأمر مختلف تماما عما ذكروه، فالمعنى الذي يتضمنه مفهوم العبودية يرجع إلى الذل والتعظيم والحب، ولفظ الإله في اللغة يعني: من تألهه القلوب وتحبه وتعظمه، فكل تلك المعاني معاني زائدة على فكرة الحاكمية، بل إنه لا يتضمنها.(1/498)
وكذلك إذا رجعنا إلى الدلالات السابقة التي استعملتها الشريعة في بيان دعوة الرسل نجد أنها أبرزت معاني التأله والحب والخوف والرجاء والتعظيم والإجلال في العلاقة بين الله وبين خلقه، فهي معاني إيجابية تنطلق إلى تعليق القلوب بالله تعالى أولا وقبل كل شيء، فكيف يصح مع هذا أن تقتصر العلاقة على الحاكمية فقط، فالحاكمية هي أحد المعاني التي تدخل في العبودية ولكن ليست أساسها، وقد اجتهد عدد من المفكرين المعاصرين في بيان الخلل المنهجي الذي وقع فيه أبو الأعلى المودودي وسيد قطب في تفسير مفهوم العبودية، وفي شرحهم لمحور دعوة الرسل، ومن أقوى من بين ذلك الخلل: أبو الحسن الندوي في كتابه (التفسير السياسي للإسلام)، ووحيد الدين خان في كتابه (خطأ في التفسير).
الثانية: مزاحمة مفهوم العبودية بالدعوة إلى الحرية والثورة على الاستبداد، فقد غدونا نسمع في المجالس ونقرأ في المنتديات أن الرسل إنما جاءت لتحرر الإنسان من الاستبداد، ونقرأ أن مفهوم التوحيد والعبادة يرجع إلى مفهوم الحرية، أو أن مفهوم الحرية معنى أصلي في التوحيد، ونسمع أن الإنسان لا يكون كامل التوحيد حتى يتخلص من كل أنواع الاستبداد، ونقرأ أن جوهر جهاد الأنبياء يرجع إلى الانقلاب على الظلمة، بل سمعنا من يقول إن عبودية الاستبداد تفوق عبودية الوثن، ووجدنا من يقول إن الفكرة المحورية في الأديان هي الانتصار للمستضعفين.
ولما اطلع بعض الباحثين على هذه العبارات وغيرها أخذ يقول إن أصحابها يقصدون اختزال دعوة الرسل في الدعوة إلى الحرية، وأنهم يقللون من أهمية الشرك بالله في العبادة، وأنهم يؤخرون منزلته عن الحرية.
وإذا اعتبرنا أحوال كثير من عقلاء المشتغلين بالدعوة إلى الحرية والمختصين في شأن الإنكار على الاستبداد لا نرى ذلك الوصف منطبقا عليهم، بل هو توصيف مخالف للحقيقة، فهم لم يقصدوا إلى اختزال مفهوم التوحيد في الحرية ولم يقصدوا إلى التقليل من خطورة الشرك في العبادة.
ومكمن الخطأ في نظري راجع إلى معنى آخر، وهو أن تلك العبارات يدل ظاهرها على مزاحمة مفهوم العبادة بمفهوم الحرية، ويدل على مساواة لوازم العبودية لله تعالى بالمعاني المتضمنة فيها، ونحن إذا توجهنا بالتحليل إلى تلك الأفكار، وحاكمناها إلى نصوص الشريعة، فإنا نقف في النصوص على أن المحور الأساسي الذي سعى الإسلام لغرسه في قلوب الناس هو مفهوم العبودية، ولم يركز على مفهوم الاستبداد أو الحرية كمحور ومرتكز لدعوة الرسل، نعم هناك إشارات إلى هذا المفهوم، ولكنها لا تعدوا أن تكون مجرد إشارات لا تنقله وتؤهله لأن يكون مزاحما لمفهوم العبودية، أو يكون عنصرا أساسيا فيها بحيث إذا انخرم يقع الخلل في مفهوم العبادة!، وإنما هو مثله مثل أي طاعة أخرى.
فمما لا شك فيه أن كل الطاعات تدخل في مفهوم العبودية، وكل المعاصي تدخل في مفهوم الشرك من جهة أنها نتيجة الخضوع للهوى والنفس والشيطان، ففعل الزنى - مثلا - يمكن أن نجعله من الشرك، وأنه نتيجة الخضوع لاستبداد الهوى, ولكن هذا لا يبرر لنا أن نجعل الدعوة إلى ترك الزنى محورا أساسيا في دعوة الرسل، وإنما هو تابع للمحور.(1/499)
ثم إنا لو عقدنا مقارنة بين لفظ (العبادة) ومفهوم (العبودية) وبين لفظ (الحرية) ومفهوم (تحرير الإنسان من الاستبداد) لوجدنا أن مفهوم العبودية يتضمن معاني لا توجد في مفهوم الحرية، فهو يحمل معنى الحب والذل والخوف والرجاء والإجلال، وهذه المعاني لا يتضمنها لفظ الحرية، وإذا كان الأمر كذلك فإنه لا يصح شرعا ولا عقلا ولا ذوقا أن نزاحم به لفظ العبادة الذي يتضمن معاني روحية عميقة بلفظ آخر مادي جاف، ولا أن نرفعه لنساويه به، وإنما يجب علينا أن نجعل مرتكز دعوة الرسل قائم على مفهوم العبودية لله، ونجعل المعاني الأخرى اللازمة له والناتجة عنه ومنها الحرية تابعة له لا مزاحمة ولا مساوية.
وهذا لا يعني أنا نمنع من استعمال لفظ الحرية في التعبير عن المعاني الشرعية بإطلاق، ولكن غاية ما يعني أنه لا يصح أن نجعله مساويا للفظ الشرعي في المعنى ولا في الدلالة المتضمنة.
ثم إنا لو طالعنا النصوص الشرعية لوجدناها تدل على أنه لا علاقة بين العبودية كمالا ونقصا وبين الحرية كمالا ونقصا، فقد يكون الإنسان كامل الدين مع أنه ناقص الحرية، فقد كان عدد من الصحابة من الرقيق والعبيد، ولا يصح أن نصفهم بنقص الدين لأنهم عبيد، فقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم بالجنة وهو حي يعيش على الأرض، بل إن الشريعة أقرت نظام الرق والعبودية، وهو من أسوأ ما يضاد الحرية، ومع هذا لم تعد الشريعة هذا النظام مناقضا لأصل مفهوم العبودية لله تعالى ولا لكماله، ولو كان كذلك لسعت إلى محاربته كما سعت إلى محاربة عبادة الأوثان، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الرقيق ليسلم بين يديه لم يكن يقول له إنك عبد مسلوب الحرية أو ناقصها، فلا تقبل منك عبودية الله أو لا يمكن أن تكون كامل العبودية، ولم يكن يحرضه على الثورة على سيده، بل كان يقبل منه إعلانه لتوحيده.
وهذه الدلالة من أظهر الدلالات وأقواها على أن الحرية لا يجوز لها أن تزاحم العبودية، وإنما هي متأخرة عنها بمراحل كبيرة، وكذلك يدل على أن الحرية ليست معنى أساسيا في التوحيد والعبادة؛ إذ لو كانت كذلك لما رضي النبي صلى الله عليه وسلم بوجود نظام يكرسها، ولابد لنا أن نؤكد على أن الدلالة في هذا الدليل راجعة إلى إقرار الشريعة لنظام الرق لا في إلزام السيد بالعدل مع عبده، فإن المطالبة بالعدل معه وبترك ظلمه لا يرفع عنه كونه مسلوب الحرية التي تميز بها العبد الذي ليس برقيق.
ودلت النصوص الشرعية على أنه إذا تعارض حفظ الدين مع ما ينقص حرية الناس ويوقع عليه الاستبداد، دلت على أنه يجب تقديم ما يحفظ الدين للناس، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((خيار أئمتكم من تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون، عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قلنا: يا رسول الله، أفلا ننابذهم عند ذلك، قال: لا ما أقاموا لكم الصلاة)) (مسلم 1855).
وهذا المعنى - وهو أن مفهوم الحرية والثورة على الاستبداد لا يصح أن يزاحم مفهوم العبودية وأنه ليس معنى أساسيا في نفيها- هو ما فهمه العلماء والفقهاء والمحدثون الذين ثاروا على الاستبداد وعلى الظلم والبغي وأكل أموال الناس بغير حق، فإنهم لما ثاروا على دولة بني أمية لأجل ما حصل منهم من استبداد، لم يقل أحد منهم الحرية أو الثورة على الاستبداد هو أساس دعوة الرسل ولم يجعل أحد منهم الدعوة إلى الحرية هو جوهر التوحيد، ولم يقل أحد منهم إن الحرية من أصول المعاني العبادية، أو أن من لم يثر على الاستبداد توحيده ناقض وعبوديته مخرومة، كل ذلك لم يحصل منهم، وإنما قدروا الانحراف قدره وأنزلوه منزلته.(1/500)
ونحن هنا لا نريد أن نقلل من أهمية الدعوة إلى محاربة الاستبداد ولا إلى إزالة الشرعية عن مشروع المطالبة بحقوق الأمة المسلوبة، فالدعوة إلى ذلك عمل شرعي واجب على عموم الأمة.
بل إن محاربة الاستبداد والمطالبة بحقوق الأمة يكون في كثير من الأحوال أولى وأوجب شرعا من الدعوة إلى محاربة بعض البدع التي لا تقدح في أصل الدين.
وإن الإنسان الحريص على الاكتمال في مشروع الإسلام الكبير يسعد حين يرى من يقوم بهذا الواجب الكفائي، تأصيلا وبيانا وتطبيقا، فلا يشك عاقل فضلا عن عارف بنصوص الشريعة أن هذا عمل جليل فاضل، ولا يشك عارف بالواقع في أن ما سلب من حقوق الأمة شيء كبير جدا، يوجب علينا مساندة من تكلف بالعمل فيه ومعاونته، ولكن هذا كله لا يبرر لنا أن نرفع من قدر الثورة على الاستبداد حتى نجعلها مزاحمة لمقصود العبودية لله تعالى، ولا يبرر لنا أن نجعل المعنى الأبرز في دعوة الرسل هو الثورة على الاستبداد، ولا يبرر لنا أن نجعل جوهر العبادة راجع إلى الحرية، ولا يبرر لنا أن نجعل كمال الدين مرتبط بكمال الحرية.
فمهما كان الخطأ الذي يتضمنه الاستبداد ومهما كانت الجريمة التي يتضمنها السطو على حقوق الناس، فهذا لا يبرر لنا أن نرفعها فوق القدر الذي تستحقه في الشريعة، أفرأيتم لو أن مجتمعا ما شاعت فيه فاحشة الزنى شيوعا كبيرا، فهل هذا الشيوع يبرر لمن أدرك خطورة هذه الفاحشة وأراد إصلاح ذلك الفساد أن يجعل محاربة الزنى محورا أساسيا في دعوة الرسل؟! ويصور للناس أن الرسل إنما جاءت حتى تمنع الزنى؟! ويستدل على ذلك بقصة لوط عليه السلام، أو أن مجتمعا شاع فيه الربا، فهل يحق لمن أراد أن يصلح هذا الخلل أن يجعل محاربة الربا محورا أساسيا في دعوة الرسل؟! ويصور للناس أن الرسل إنما جاءت حتى تمنع الربا؟!! ويستدل على ذلك بقصة شعيب عليه السلام.
وحين نقدم هذه الرؤية النقدية لا نريد أن ننكر على المختصين في مجال الحرية كثرة ذكرهم للظلم والاستبداد، ولا كثرة إلحاحهم على بيان خطورة السطو على حقوق الأمة، ولا نريد أن نلزمهم بالدعوة إلى التوحيد والعبادة أو بكثرة ذكره كما يفعلون مع الحرية، فإنا لو ألزمناهم بذلك لوجب علينا إلزام المشتغلين بالنحو والمشتغلين بالبلاغة والمشتغلين بأصول الفقه؛ أن يكثروا من الدعوة إلى التوحيد وبيان معانيه كما يكثر النحاة من ذكر الاسم والفعل والحرف، وكما يكثر البلاغيون من ذكر الاستعارة والتشبيه، وكما يكثر الأصوليون من الواجب والمندوب والقياس والنسخ، وهذا ما لم يقل به أحد.
فليس محل النقد إذن اللهج بمبدأ الحرية ولا كثرة الاشتغال به ولا التخصص فيه، وإنما ينحصر محل النقد في استعمال العبارات التي تجعل الدعوة إلى الحرية والثورة على الاستبداد محورا أساسيا في دعوة الرسل، ويدخل في النقد استعمال العبارات التي توحي باختزال مهمة الرسل في الدعوة إلى الحرية حتى قال بعض الكتاب: (إن عبودية الاستبداد تفوق عبودية الوثن).
فهي دعوة إلى التوازن في الطرح وتقدير كل شيء قدره بميزان الشرع.(1/501)
الفتوى وتغيير المجتمعات
محمد بن شاكر الشريف
9شوال1431هـ
يراد بالفتوى الإخبار بالحكم الشرعي أو بيانه في الواقعة المرادة، والفتوى تقوم بمهمة تأسيس العقائد والمعارف، كما تقوم بمهمة تغييرها وتعديلها، ولها من التقدير والتبجيل عند مجموع الأمة المسلمة ما يعطيها المكانة العالية والقمة السامقة التي لا يكاد يدانيها شيء في ذلك.
ومنصب الفتوى منصب عظيم لمن قام بحقه إذ المفتي مخبر عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم بما يحبه ويرضاه أو بما يكرهه ويبغضه، ومن كان متفقها في الدين فهو ممن أراد الله به خيرا كما قال الرسول الأمين: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" كما أن المفتين الفقهاء هم سادة الأمة الذين يرجع الناس إليهم ويفزعون إليهم في الملمات، حتى يطلق عليهم بعض أهل العلم لقب "الموقعون عن رب العالمين" من أجل ذلك اعتمدها الصلحاء وأهل الخير لتصحيح العقائد ومقاومة الانحراف السلوكي والفكري، واستعانوا بها في تحقيق مرادهم من أقصر طريق.
وفي الجانب المقابل اعتمدها أهل السلطان في تدعيم سلطانهم، من أجل ذلك قربوا إليهم من أهل العلم والفتوى من يرون تعلقه بالدنيا وأعطوهم من حطامها الفاني الذي مهما كثر فلن يدوم وأعطاهم أولئك في مقابل ذلك الفتاوى التي تؤيد مسالكهم والتي يتحصنون بها في مواجهة معارضيهم ومنتقديهم، كما اعتمدها أهل الأهواء في التلبيس على العامة لنشر بدعهم وضلالاتهم.
كما اعتمد عليها أعداء الأمة والملة لاختراق المجتمعات وتغيير القناعات وإفساد العقائد والتصورات والسلوكيات، وقد ساعدت التقنيات الحديثة والتطور الهائل في وسائل الاتصال لإحداث طفرة غير مسبوقة في هذا المجال، فما أن تصدر فتوى في جانب من المعمورة إلا ونجد صداها يتردد بين جنباتها الأخرى.
وفي ظل مجتمعات مسلمة تتقيد بالأحكام الشرعية وترى في ذلك حياتها وحيويتها، تكون الفتوى الشرعية من أكبر العوامل التي تسهم في تغيير المجتمعات ونقلها من طور إلى طور.
عندما تكون الفتوى متقيدة ومنضبطة بالنصوص الشرعية والقواعد الفقهية والمنهج الصحيح في الفهم والاستنباط، يكون التغير منطقيا متفاعلا مع الواقع ويتم ذلك في سلاسة من غير طفرات، لا يشعر الناس معه بقطيعة مع ما كان سائدا، بل يراه متماشيا معه حتى وإن خالفه؛ لأن كليهما صادر عن المرجعية نفسها ومن خلال المنهج نفسه.
وعندما تكون الفتوى انتقائية هوجاء لا هدف لها سوى تغيير المفاهيم، أو التناغم مع مؤثرات دخيلة، وليس استجابة لواقع ببيان حكمه، يكون التغيير حادا يشعر الناس معه بقطيعة فكرية ووجدانية مع ما كان سائدا، وربما يظهر بجانبه خطاب التبديع أو التفسيق لما كان سائدا، وربما التكفير (في الفتاوى الغالية)، وتكون الفتوى في هذه الحالة هي المنشئة للواقع، بحيث تقحمه في حياة الناس إقحاما، ويكون من نتيجة ذلك تتذبذب القناعات عند كثير من الناس ليس بالتشكك فقط فيما كان سائدا، بل ربما بالاقتناع بالجديد المغاير والدفاع عنه ومحاولة الاستدلال له بالعقل والنقل ودعوة الناس له، فينتج من ذلك فساد عريض في الحياة العلمية والعملية، ويكثر الحديث والجدل حول هذه المواضيع حتى يصرف الناس عن الأمور الهامة والتي تؤثر في دنياهم وأخراهم.(1/502)
بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001م، ومع ضغط المجتمع الغربي المباين للإسلام، وضعف كثير من الأنظمة في مواجهة الضغوط، انفلت زمام الثبات على المعلوم المستقر من مذاهب أهل العلم، واتسع الخرق على الراتق في الفتاوى المخالفة لما عليه جماهير المسلمين ولما استقر عليه العمل قرونا متطاولة، وبدأت تظهر المقولات الفاسدة من غير أن تجد لها رادعا قويا يردعها، وكان الرد في كثير من أمره يحدث على استحياء، بل في غالب الأحيان نجد من يقبلها ويروج لها- حتى ينجو هؤلاء من وصمة الإرهاب التي اتخذها الصليبيون سيفا مصلتا على رقاب المسلمين- وقدمهم الإعلام وأبرزوهم وأسبغت عليهم الألقاب والهالات حتى طغت صورهم وأسماؤهم، وتوارى خلفها العلماء الربانيون
وفي الطرف المقابل أُهمل كثير من الثقات من أهل العلم المشهود لهم على طول العالم الإسلامي وعرضه بالعلم والتقوى والإخلاص لدينهم والحرص على مجتمعهم، فلم يُرجع إليهم ولم يُؤخذ بقولهم، بل حجم دور بعضهم وتطاول كثير من الرويبضات على الرموز الشامخة منهم.
ففي الجانب السياسي نجد كثيرا من المعاهدات المبرمة بين بعض الدول الإسلامية وبين الدول الغربية لم يؤخذ رأي الفقهاء فيها ولم يشتركوا في صياغتها، بل ولا يعلمون على وجه التفصيل ما اشتملت عليه من التزامات، ودورهم فيها لا يتجاوز إعلان شرعيتها بعد توقيعها ليس لموافقتها للأحكام الشرعية، وإنما تحسينا للظن بمن وقعها، رغم ما قد يقع فيها من طوام.
ودخل كثير ممن لا يحسن الفهم والاستنباط في الفتوى، وظن أن وضعه الذي هو فيه يعطيه الحق في الإفتاء، فنجد كثيرا ممن يعملون في الإعلام: في الصحافة أو في الإذاعة المسموعة أو الإذاعة المرئية، من يدلي برأيه في المسائل الخطيرة التي لا يَحْسُن الكلام فيها إلا من الراسخين في العلم بل نجد من أهل الفن كالأغاني أو الرقص أو التمثيل من يتكلم في ذلك بما يبين صواب مسلكه مدعيا بعض الكلمات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، كقولهم: الإسلام لا يحارب الفن، أو الإسلام لا يقف في سبيل الإبداع، أو الإسلام يرفض التشدد والتنطع ويرتبون على ذلك حل أنواع الفنون المختلفة كالأغاني والموسيقى والتمثيل والرقص والرسم والنحت ولو لذوات الأرواح بدعوى أن تحريم ذلك كان في أول الإسلام.
هناك ممن ينتسبون إلى العلم من يتعامل مع الفتوى الشرعية وكأنها من ممتلكاته الخاصة، التي يحق له أن يعطي منها ما شاء لمن يشاء، وكأنه ليس مقيدا بنصوص شرعية، أو محكوما بقواعد أصولية في استنباط الأحكام الشرعية، نجد هذا المسلك في كل أو جُل ما يتعلق بمعاملة الكفار والمشركين، الذين تم الاستعاضة عنهم بلفظ "الآخر"، وما يتعلق بأهل الذمة- ساكني دار الإسلام من غير المسلمين- الذين تم الاستعاضة عنهم بلفظ "الإخوة أو شركاء الوطن".(2/1)
إن الأحكام الشرعية ليست من كيس أحد، ولا يحق لأي مسلم مهما كانت منزلته العلمية ولو كان شيخ إسلام، أو وجاهته الدنيوية ولو كان أميرا أو رئيسا أو ملكا، أن يدخل أية تعديلات على الأحكام الشرعية، بل محاولة إدخال هذه التعديلات تقدح في دين من يحاولها، إذ عبودية المسلم لربه والإذعان لسلطانه، تقتضى قبول كل ما شرعه والتسليم له، وهو ما سجله ربنا تبارك وتعالى في قوله: "إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون"، وقوله: "فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما" ومنذ أن شنت أمريكا وحلفاؤها الحرب على الإسلام تحت ذريعة محاربة الإرهاب، لم تنقطع الفتاوى المناقضة للدين تحت مسميات متعددة تستخدم في غير مواضعها، كالتسامح والوحدة الوطنية وحقوق الإنسان وغير ذلك من المسميات. والحقيقة أن وظيفة المفتي ومكانته ودوره تقتضي منه التحرز فيما يفتي به ولا يتابع هواه وألا يستدرج من قبل بعض المغرضين أو يستغفل من قبل بعض الساسة أو أصحاب السلطان فيقع في الكذب على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم مسارعة في مرضاتهم وتحقيقا للمكانة لديهم.
نماذج من الفتاوى التغيرية:
فوجيء المسلمون بالعديد من الفتاوى التي لا فائدة من ورائها سوى تغريب المجتمعات وإفسادها، والتي تمثل استجابة لضغوطات المؤسسات أو الهيئات أو التوجهات المناوئة للإسلام:
1 - صدمتنا الفتوى الموقع عليها من عدد من ينظر إليهم على أنهم من العلماء التي تقول إنه يجوز للمسلم الأمريكي أو البريطاني ونحوه العامل في جيش بلاده أن يقاتل معهم إذا حدثت مواجهة عسكرية بين بلده وبين بلد إسلامي ولو أدى ذلك لقتل إخوانه من المسلمين وذلك إثباتا لولائه لبلده، فقدموا الولاء للوطن ولو كان دار كفر على الولاء لله ورسوله والمؤمنين.
2 - فوجئنا بمن يفتي لدولة نصرانية علمانية بأنه يحق لها أن تسن قانونا يمنع على المسلمات التقيد بلباسهن الشرعي، وأن على المسلمات الرضوخ للقوانين التي تتدخل في حقوقهن الشرعية بالمنع، وأن من لا يروق لها ذلك فعليها أن تهاجر من بلدها الذي هو موطنها وموطن آبائها وأجدادها، وليس لها وطن غيره.
3 - استقرت الفتوى عقودا طويلة على أن فوائد البنوك ربا جلي وصدر بذلك فتاوى من عدد من المجامع الفقهية، حتى ظهر من يتبجح ويقول بحل الفوائد وأنها ليست من الربا ويقول عن البنوك الربوية إنها أكثر التزاما بالشرع من البنوك الإسلامية مجرئا بذلك المسلمين على أكل الحرام، ومثبتا للبنوك على نهجها الخاطئ ووأد أية بادرة لتوبة البنوك ورجوعها عن الربا.
4 - وجدنا من يفتي بجواز أن ترضع المرأة الموظفة زميلها في العمل حتى يكون محرما لها للنجاة من عوار مشكلات الاختلاط، ولو طولب هذا المفتي أن يبين لنا قول شراح الحديث في شرح الحديث الذي يستدل به لكفه ذلك عن كثير من قوله في هذه المسألة.
5 - ثم وجدنا من يقول بجواز فك السحر بالسحر.
6 - ووجدنا بعد ذلك من يتطوع بالإفتاء بحل الاختلاط ويجهد نفسه في البحث والتنقيب عما يمكن أن يستدل به لرأيه حتى جاء من ذلك بما يتعجب منه غاية التعجب.
7 - ومنذ وقت قريب وجدنا من يقول بحل الأغاني حتى ما كان منها مصحوبا بالآلات، ويخطأ جمهور أهل العلم القائل بعكس ذلك.
فهذه عينة من الفتاوى التي لو عمل بها جرفت المجتمع بعيدا عن دائرة السداد وأدخلته في دوائر متعددة من الانحراف.(2/2)
مجتمع تزيغ فيه العقائد حيث الذهاب للسحرة والاستعانة بهم، وتضيع فيه معاني الولاء والبراء حيث يقدم الولاء للتراب على الولاء للعقيدة، ويتعيش من المال الحرام حيث يشيع التعامل بالربا، وتفسد الأخلاق حيث يشيع الاختلاط، وتضيع معاني الرجولة حيث الاستماع للأغاني المصحوبة بآلات الطرب، وغير ذلك مما يترتب على تلك الفتاوى، فلو تصورنا المجتمع وقد وصل إلى تلك الحالة جراء تلك الفتاوى بعد علينا تصور أن ذلك المجتمع ينتمي إلى المنظومة الإسلامية
علاج ذلك:
الفتاوى التغيرية تحتاج إلى علاج ناجع يكف ضررها عن الملة والأمة، علاج تشارك فيه أكثر من جهة:
1 - جهة المستفتين: وذلك بنشر الوعي بينهم حيث لا يستفتون إلا من يُوثق في دينه وأمانته وعلمه، ولا يكتفون في ذلك بمجرد ظهوره في فضائية، أو بقدرته الوعظية، فالفتوى غير الوعظ وغير الترغيب والترهيب، والفتوى أمرها خطير ولو كانت في أمر يظن الناس أنه سهل، وقد كان يتهيب من الإقدام عليها كثير من أهل العلم فعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت مائة وعشرين من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول" فلا ينبغي للمستفتي أن يسأل إلا ثقة ولا يقبل منه قولا إلا أن يبين له دليله إن كان يفهم الدليل، أو يبين له عمن أخذه من أهل العلم، وعلى المستفتي أن يعلم أن أغلب من يفتي مهما بلغ علمه فليس مجتهدا مطلقا وإنما هو تابع لمذهب من المذاهب المعروفة، ومن ثم فليس له إلا أن ينقل عن المذهب، ولو أن المستفتي طلب من المفتي أن ينقل له نص إمامه أو نص المذهب لمنع المفتي من كثير من الفتاوى التي يطلقها بغير زمام ولا خطام قد يقول المفتي: ما قلته هو نص الحديث النبوي، ورغم إقرارنا أن الحديث الصحيح حجة بنفسه ولا يحتاج في ذلك أن يكون قال به قائل، لكننا قد لا نثق في تطبيق المفتي للحديث على الواقعة المعروضة، لذا نطلب منه أن يخبرنا مَن من أهل العلم قبله فهم من الحديث الفهم الذي يقول به.
2 - جهة المفتين: حيث يعلم المفتي الخطورة التي وضع نفسه فيها بارتقائه ذاك المرتقى الصعب، كما جاء في الحديث: أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار" قال المناوي: "لأن المفتي مبين عن الله حكمه فإذا أفتى على جهل أو بغير ما علمه أو تهاون في تحريره أو استنباطه فقد تسبب في إدخال نفسه النار لجرأته على المجازفة في أحكام الجبار"
وقال الله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلاَلاً قُلْ آللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللهِ تَفْتَرُونَ} (يوسف: 59) قال الزمخشري: كفى بهذه الآية زاجرة زجرا بليغا عن التجوز فيما يسأل من الأحكام، وباعثة على وجوب الاحتياط فيها، وأن لا يقول أحد في شيء جائز أو غير جائز إلا بعد إتقان وإيقان، ومن لم يوقن فليتق الله وليصمت وإلا فهو مفتر على الله تعالى"، وقال ابن المنكدر: "المفتي يدخل بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يفعل فعليه التوقف والتحرز لعظم الخطر".
3 - جهة الولاية: حيث إن ولاة أمر المسلمين مكلفون بالحفاظ على دين المسلمين كما هم مكلفون بالحفاظ على دنياهم، لذا فإن من واجب ولاة الأمر الحجر على المفتين الذين يفسدون بفتاواهم الدين، وذلك كالمفتين الذين يفتون بالأقوال الشاذة ويتتبعون زلات العلماء، أو الذين يعلمون الناس الحيل حتى يتفلتوا من الأحكام الشرعية، أو الذين يفتون وهم غير مؤهلين للفتيا، ورحم الله ربيعة شيخ مالك حينما قال: لَبعض من يفتي هنا أحق بالسجن من السراق، ورحم الله الحنفية عندما أفتوا بالحجر على المفتي الماجن (الماجن: من لديه الآلة الفقهية لكن تنقصه الأمانة العلمية، فيفتي الناس بما يحبون ويدلهم على الحيل)، وقالوا: هو أحق بالحجر من الذي يمارس الطب وليس بطبيب، فإذا كان من يتطبب وليس هو بطبيب يفسد الأبدان، فإن من يفتي وليس هو بمفت حقيقة يفسد الأديان.
نسأل الله تعالى من فضله أن يحمي مجتمعاتنا من زلل الفتوى وخطلها وأن يوفق أهل العلم لقول الحق والثبات عليه، وألا يضعفوا أمام الواقع فيكون دورهم البحث عن مخارج له لا قيادته وتغ ييره ليكون موافقا لشرع الله تعالى.
المصدر: مجلة البيان(2/3)
دراسة علمية شرعية
مجموعة من الباحثين الشرعيين
5 شوال 1431هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وبعد:
طالعتنا الصحف يوم الاثنين الرابع من شهر شوال لعام 1431هـ بإدانة من عدد قليل من الفعاليات الشيعية لما يقوم به المدعو ياسر الحبيب وصهره مجتبى الشيرازي من كفريات في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها, وطالعتنا الصحف بعدد من المباركات والتشكرات من عدد من الكتاب السعوديين لأولئك.
وقد قرأنا جميع ما نقل عنهم فلم نجد فيه ما يحملنا على شكرهم أو الزعم بأن ما صدر عنهم يصب في خانة الوحدة الوطنية والسعي إليها, وذلك للأمور التالية:
أولاً: موقف ياسر الحبيب ليس موقفاً معزولاً عن التراث المعتمد عند مراجع الشيعة, فكتبهم المعتمدة في مذهبهم تقول في عائشة الأقوال الخبيثة نفسها التي تفوه بها ياسر الحبيب وصهره الشيرازي، ومن قبلهم محمد العاملي مؤلف كتاب "خيانة عائشة".
ومن هذه الكتب "الكافي" للكليني, و "الأنوار النعمانية", و "من لا يحضره الفقيه", و "بحار الأنوار", و "تفسير القمي" و "مشارق أنوار اليقين" و "البرهان في تفسير القرآن" و "الهداية الكبرى" وغيرها من المصادر القديمة. وأيضاً توجد هذه العقيدة في المراجع المعاصرة كـ "مصباح الفقاهة" و "حق اليقين في معرفة أصول الدين"، وكتاب (خيانة عائشة) للعاملي, وغيرها.
ومع هذا فإن هؤلاء المثقفين الشيعة ينصّون بأن ما يقوله ياسر الحبيب لا يمت للمذهب بصلة، وهذا ما يجعلنا نشعر بأن ما صدر عنهم هو نوع من أنواع الاستغفال, إذ كيف تُجمع مصادر الشيعة على هذه العقيدة العفنة ثم يقول هؤلاء: إنها لا تمت للمذهب بصلة. لذلك فإن المنتظر منهم أن يتبرأوا من القول أياً كان قائله، والرد على هذه المصادر، والنقد الصريح لما فيها والبراءة منها كما تبرأوا من الحبيب وصهره. ولذلك فبراءة هؤلاء المثقفين من ياسر الحبيب ليست كافية في تبرئة الشيعة من هذا المعتقد الخبيث ما لم تتم البراءة من القول نفسه وممن قاله أياً كان، كل ذلك فضلاً عن قلة عدد المتبرئين إذا ما قورن بعدد من أعلن غضبه حينما صدرت بعض التصريحات ضد السيستاني.
ثانياً: كل ما قرأناه ليس فيه حديث عن تبرئة عائشة رضي الله عنها من الكفر أو الفسق, وكل ما وجدناه إنما هو البراءة من ياسر الحبيب ومن صهره ومن قولهم هذا. ولم يأت عنهم نص على براءة عائشة رضي الله عنها مما ينسبه هؤلاء إليها. ولم يتحدث أحد من هؤلاء عن طهارتها وعفتها إلا بطريق التلميح، كاستنكارهم لأن يتعرض أحد للحديث عن عرض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وعدم تجويزهم إيذاءه صلى الله عليه وآله وسلم, والحقيقة أن المسألة أكبر من ذلك.
ثالثا: الشيعة الاثني عشرية يؤمنون بالمرجعية, وكل فرد منهم له مرجعه العظيم، كما يسمونهم, ولهذا فإن أي بيان من طلبة علم ومثقفين لا يعبر في نظر الشيعة عن المذهب. وفي كل ما قرأناه لم نقرأ نقلا من أحد هؤلاء المثقفين عن أحد هؤلاء المراجع, وكلهم -أي المراجع- مع الأسف لا يوجد بينهم سعودي واحد.
رابعاً: المصرّحون بالطعن على عائشة رضي الله عنها، منهم من يحمل لقب آية الله وهو مجتبى الشيرازي، وهذا اللقب لا يحمله أحد ممن تبرأ من ياسر الحبيب, ولا يخفى أن التدرج اللقبي له وزنه الكبير لدى الشيعة.
خامساً: لا شك أن ما يتفوه به ياسر الحبيب ومن لف لفه تكذيب للقرآن الكريم الذي برأ عائشة رضي الله عنها وحكم على متهميها بالنفاق. لهذا فإن مجرد استنكار قول ياسر الحبيب غير كاف في إدانته بل المطلوب النص على حكم مكذب القرآن أو آية منه عند الشيعة وتطبيقه على ياسر الحبيب.(2/4)
سادساً: قرأنا ما صدر عن المجمع العالمي لأهل البيت في أواخر شهر رمضان من استنكار لما يدلي به ياسر الحبيب من تصريحات، فلاحظنا أنه يعتمد على التلبيس على الأمة واستغلال جهلها بمصادر الشيعة لتمرير بعض المغالطات, من ذلك عدم ذكرهم لاسم عائشة رضي الله عنها ولا وصفها رضي الله عنها بأم المؤمنين, وهذا الوصف اكتسبته رضي الله عنها بقطعي القرآن (وأزواجه أمهاتهم) , كما أن البيان ينفي نسبة الطعن فيها إلى المذهب الشيعي بل ينسبها إلى الاستعمار, وهذا تلبيس عظيم لما قدمناه من عراقة هذه العقيدة في مصادر التشيع, وكذلك تأكيد البيان أن سبب صدوره هو منطلقات مصلحية وليس غضبة لأم المؤمنين وللقرآن الكريم الذي ثبتت فيه براءتها رضي الله عنها. كما أن البيان ينسب لأئمة الشيعة بشكل إجمالي تحريم التطاول على عرض الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم ينقل البيان نصاً واحداً يحرم قذف عائشة رضي الله عنها أو تكفيرها أو تفسيقها.
سابعاً: استشهدوا بالخميني في مقام المدح له على تصدّيه لسلمان رشدي مع أن عقيدة الخميني في أم المؤمنين رضي الله عنها هي خلاف ما حاولوا إيهام الناس به، حيث وصفها في كتابه المسمى (كتاب الطهارة) بأنها أخبث من الكلاب والخنازير!
وأخيرا فإننا على يقين بأن كثيراً ممن سيقرأ ما كتبناه، سيصنفونه من باب ترسيخ العداوة والحقد والانفصام بين مكونات الوطن, والحقيقة أن ما نقوله يصب في خدمة التوافق والتعايش على أسس صحيحة ومتينة، وليس على أسس هشة وموهومة, ولو سكت هؤلاء المثقفون الشيعة عن البراءة أصلاً لما طالبهم أحد بها, أما وقد بادروا من تلقاء أنفسهم، فمن حقنا أن نطالبهم ببناء براءتهم هذه على أسس متينة قوية لها صفة الديمومة والبقاء, لا على أسس هشة تتغير بتغير الأحوال والأزمان والأمكنة.
دراسة علمية شرعية كتبها ودققها:
- د/ محمد بن إبراهيم السعيدي (عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى).
- د/ خالد بن محمد الغيث (عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى بمكة المكرمة).
- الشيخ توفيق مصيري (عضو الهيئة العالمية للسنة النبوية) ..
- الشيخ خالد بن أحمد الزهراني (عضو الجمعية العلمية السعودية لعلوم العقيدة والأديان والفرق والمذاهب بالجامعة الإسلامية).
- د فاروق الشمري (كاتب ومفكر إسلامي).
- د/ محمد بن سليمان البراك (أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى).
- الشيخ عبدالله بن سليمان الشايع (عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود بالرياض).
- الشيخ عبدالرحمن بن عبدالله الحمد (رئيس قسم التوعية بإدارة الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني).
- الشيخ عبدالله بن محمد الزقيل (كاتب ومفكر إسلامي).
- د/ عبدالعزيز بن عبدالله المبدل (الأستاذ بكلية التربية بجامعة الملك سعود).
- د/ عبدالرحمن بن جميل القصاص (أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى).
- د إبراهيم بن علي الحذيفي (أستاذ مشارك بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى).
- الشيخ خالد بن إبراهيم الصقعبي (المستشار الأسري).
- د/ صالح بن عبدالله الملحم (عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام بالأحساء).
- الشيخ جازع بن عبدالعزيز الدوسري (نائب مكتب الإرشاد والتوجيه بالحرس الوطني بالمدينة السكنية).
- د/ عبدالله بن محمد الحكمي (عضو متقاعد بهيئة التدريس بجامعة الإمام بالرياض).
- الشيخ منذر النابلسي (الأمين العام بلجنة الدفاع عن عقيدة أهل السنة بفلسطين).
- د/ محمد بن إبراهيم النعيم (عضو هيئة التدريس بجامعة الملك فيصل بالإحساء).
- الشيخ عبدالله حيدري (باحث إيراني).
- الشيخ صالح بن محمد الحمودي (الداعية الإسلامي المعروف).
- الشيخ عمر بن عبدالعزيز بالطيور (القاضي بديوان المظالم بجدة).
- د/ إبراهيم عباس (استشاري).
- الشيخ تركي بن علي اللطيف (باحث في شؤون الفرق).(2/5)
بين (مقاصد الشريعة) و (مقاصد النفوس)!
فهد بن صالح العجلان
(نحن بحاجة إلى إعادة النظر في هذا الحكم حسب المقاصد الشرعية) و (لا بد من مراعاة المقاصد الشرعية عندما نتحدث عن هذه القضية).
وعبارات أخرى مختلفة، ستسمعها - ولا بد - عند أي رؤية منحرفة تتعامل مع النصوص والأحكام الشرعية؛ فعامة الانحراف المعاصر حين يتعامل مع النصوص والأحكام الشرعية الجزئية فإنه لا بد - في سياق تجاوزه لأي حكم وإنكاره له - أن يرفع لافتة (المقاصد الشرعية) كتصريح شرعي للمارسات غير الشرعية.
المقاصد الشرعية التي كتب فيها فقهاء الإسلام بدءاً من الجويني والغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشاطبي تختلف اختلافاً تاماً عن هذه المقاصد التي يُشِيع كثير من الناس الحديث فيها؛ فالمقاصد عند فقهاء الإسلام قواعد كلية مستخرَجة من استقراء كلي لكافة النصوص والأحكام الجزئية، ولا يصح أن يُردَّ بها أيُّ حكم أو نص جزئي، بخلاف هذه المقاصد التي تترِجم المقاصدَ التي تريدها (نفوسهم) وتميل إليها (اختياراتهم) ويسعون من خلالها لرد جملة من النصوص والأحكام غير المرغوب فيها.
من أهم قواعد المقاصد الشرعية أن لا يُردَّ بها أي حكم جزئي، فإذا ثبت نص شرعي أو حكم فقهي فلا يجوز أن يُنقَض ويُتجاوَز بدعوى أنه مخالف لقاعدة مقاصدية؛ فهذا باطل لا علاقة له بعلم المقاصد (فإن ما يخرم قاعدة شرعية أو حكماً شرعياً ليس بحق في نفسه) (1).
وإذا كانت المقاصد الشرعية تقوم على ضرورة اعتبار (الكليات) فإنها تقوم على اعتبار الجزئيات كذلك (كما أن من أخذ بالجزئي مُعرِضَاً عن كليِّه فهو مخطئ، كذلك من أخذ بالكلي مُعرِضَاً عن جزئيِّه) (2).
فالمقاصد الشرعية تعتمد على تفاصيل الأحكام الجزئية، تقوم عليها، ولا تنكرها، بل حتى ولو وُجِد تعارض بين قاعدة مقاصدية وحكم جزئي تفصيلي فإن المنهج الصحيح في ذلك ليس إنكار الجزئي بل (إذا ثبت بالاستقراء قاعدة كلية ثم أتى النص على جزئي يخالف القاعدة بوجه من وجوه المخالفة فلا بد من الجمع في النظر بينهما) (3).
فإذا وصل الأمر إلى حصول تعارض بين (الكليات) و (الفروع) فهذا يستدعي الجمع بينهما لأهمية كلٍّ من الكليات والفروع التفصيلية، وهو شيء لا يفهمه (مقاصديو النفوس)؛ حيث ينكرون النصوص والأحكام الشرعية ثم يبحثون بعد هذا عن الطريقة المقاصدية المناسبة لرفض مثل هذه الأحكام!
لقد كان الشاطبي مدركاً غاية الإدراك خطورة استعمال المقاصد من غير المؤهلين، ولأجله منعهم من موافقاته وجعلهم في حرج من قراءته أو الاستفادة منه: (لا يُسمَح للناظر في هذا الكتاب أن ينظر فيه نظرَ مفيدٍ أو مستفيدٍ حتى يكون ريَّان من علم الشريعة؛ أصولها وفروعها، معقولها ومنقولها) (4).
كما أطال الحديث عن ضرورة العناية بالجزئيات، وأن المقاصد لا تقوم إلا عليها، وهذا كله لإدراكه أن طبيعة المقاصد وما فيها من كليات عامة يستدعي دخولَ غير المؤهلين واستغلالَ بعض المنحرفين، وهو ما يؤدي إلى تعطيل الشريعة، وهذا ما دعا بعض المنحرفين الذين يفهمون حقيقة المقاصد الشرعية أن يسمي المقاصد بأنها (تبرير) للأحكام الشرعية ليس إلا، وقد صدق؛ فالمقاصد ليست إلا بحثاًَ عن (فلسفة) لقواعد وعلل للشريعة من خلال الأحكام والنصوص، فإذا وُجِد نص مخالف فإن المقاصد تعدَّل في (الفلسفة) حتى تدخل هذا الحكم لا أن تلغيه لمخالفته للمقاصد.
_________
(1) الموافقات للشاطبي: 2/ 556.
(2) الموافقات: 3/ 8.
(3) الموافقات: 3/ 9.
(4) الموافقات: 1/ 78.(2/6)
إن دعوتهم للأخذ بالمقاصد لإسقاط بعض الأحكام الشرعية يؤدي إلى نسف الشريعة بكاملها، وتعطيل كافة أحكامها، وإسقاط قطعياتها وضرورياتها، وليس عسيراً على أي أحد أن ينفي أي حكم شرعي ويربط ذلك بمقاصد عُليَا، وقد مارس المعاصرون في ذلك من ألوان العدوان على الأحكام الشرعية ما لا يحصيه إلا الله؛ فـ (الحدود الشرعية) منافية لمقصد الشريعة في الرحمة وإشاعة الأمن و (حد الردة) منافٍ لمقصد الشريعة في التسامح والحرية و (الحجاب) منافٍ لتكريم المرأة و (كل فتوى بتحريم أي حكم) تنافي مقصد الشريعة في التيسير ورفع الحرج و (الحكم بكفر من لم يؤمن برسالة محمد صلى الله عليه وسلم) يتعارض مع مقصد إرساله رحمة للعالمين و (حرمة الربا) أو (منع المحرمات) يؤدي إلى حصول حرج ومشقة تنافي مقصد الشريعة.
ولأجل ذلك كان شيخ الإسلام ابن تيمية بصيراً بأمر عموميات المقاصد حين قال: (فمن استحل أن يحكم بين الناس بما يراه هو عدلاً من غير اتباع لما أنزل الله فهو كافر) (1). فهذه المقاصد الكلية تتسم بالعمومية المطلقة التي يشترك فيها عامة الناس، فاختصاص الشريعة إنما يكون بتفصيل هذه المقاصد وشرحها وتقييدها فإذا ألغى الإنسان الاعتبار بها لم يكن قد أخذ من الشريعة بشيء.
وهكذا تغيب أحكام الشريعة الجزئية، بسبب مخالفتها لمقاصد (النفوس) - كما يسميها بعض الفضلاء - فهي مقاصد لما تريده نفوسهم وأهواؤهم وما يتوافق مع شهواتهم جعلوها قواعد كلية تحاكَم إليها النصوص والأحكام الفقهية، وتلك (النفوس) تكاد تُحصَر مقاصدها في الجانب الدنيوي المحض، وهو ما يختلف تماماً عن المقاصد الشرعية المستفادة من نصوص الكتاب والسُّنة التي تدلك على أن (الشارع قد قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية) (2).
بل إن المصالح الدنيوية تابعة للمصالح الأخروية؛ فـ (المصالح المجتلَبة شرعاً والمفاسد المستدفَعة إنما تعتبر من حيث تقام الحياة الدنيا للحياة الأخرى، لا من حيث أهواء النفوس في جلب مصالحها العادية أو درء مفاسدها العادية) (3).
وإذا كانت إشاعة علم المقاصد الشرعية ضروريةً في مرحلةٍ ما لشيوع التعصب والجهل والتضييق على الناس، فإن المبالغة في تقرير المقاصد الشرعية وإشاعتها وتعظيم قدرها وضرورتها عند عامة الناس - وقد اختلف الحال - سيكون على حساب تعظيم النص الشرعي والانقياد له، وسيكون سبباً لظهور مقاصد النفوس لتُشِيع عبثَها وانحرافَها بدعوى (مقاصد الشريعة).
المصدر: مجلة البيان
_________
(1) منهاج السنة النبوية: 5/ 130.
(2) الموافقات: 2/ 350.
(3) الموافقات: 2/ 351.(2/7)
بـ اسم سبتمبر
د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان
4شوال 1431هـ
تحل الذكرى السابعة لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول، ويبقى ذلك الثلاثاء من أكثر الأيام إثارة للجدل، ولا تزال الآراء والتحليلات ووجهات النظر حول ما جرى مستمرة ومتباينة.
الحدث كان قاسياً على المجتمع الأمريكي، إلا أن ردة الفعل على ذلك الحدث كانت أقسى على الكثير من المجتمعات والدول والشعوب.
هل كانت تلك الأحداث تستحق - من أجلها - أن تُسحق شعوبٌ بأكملها؟
هل كانت تلك الأحداث تستحق أن تحتل أفغانستان والعراق؟ ومن يدري ما القادم على خارطة الشرق الأوسط الجديد! وفقاً للفوضى الخلاقة التي وعدت بها وزيرة الخارجية الأمريكية "كونداليزا رايس"!!
أما أعلن الرئيس الأمريكي "جورج بوش" بعد الهجمات بأنه سيقود حرباً (صليبية) تمتد لعشر سنوات تطال 60 دولة؟!
هل حقاً كانت أحداث سبتمبر تستحق كل ما جرى باسمها؟
هل حقاً ما زال هناك ما يبرر أحداث القتل اليومية التي تطال المدنيين سواء في أفغانستان أو العراق؟
هل حقاً كانت تلك الحروب انتقاماً لضحايا سبتمبر؟
هل حقاً ما يقال بأن هجمات سبتمبر وما نتج عنها من تداعيات خطيرة كانت وراءها أيادٍ صهيونية خبيثة أرادت من هذا الحدث الذي هزَّ العالم أن توقف المدَّ الإسلامي وتشوِّه صورة الإسلام والمسلمين وتتخذ من هذه الهجمات ذريعة للهيمنة على العالم الإسلامي واستلاب خيراته؟
لعل كثيراً من الشواهد على هذه المقولة ستظهر وستُكشَف لنا بعد ذهاب الحكومة الأمريكية الحالية.
هل كانت أحداث سبتمبر إعادة سيناريو لما جرى في ميناء بيرل هاربور عام 1941هـ، لتلقي أمريكا بعدها قنابلها الذرية على مدينة هيروشيما في السادس من أغسطس سنة 1945م وتدمر 90% من المدينة وتقتل ما يزيد على 80.000 شخص، وتجرح 90.000 آخرين، وتكمل الدمار بعد ثلاثة أيام بقنبلة أخرى على مدينة ناجازاكي، قتل على أثرها أكثر من 75.000 شخص.
لقد كانت الإمبراطورية اليابانية تحتضر - في ذلك الحين - ولم يكن الأمر يستدعي قنبلتين نوويتين لإرغام اليابان على الاستسلام، ولكنه الطغيان والعلو وإرادة فرض السيطرة على العالم.
هل حقاً تسود الأمم بالموت؟
هل حقاً تنتصر الأمم بنشر الفتنة بين الشعوب؟
هل حقاً يكتب المجد والتاريخ للقتلة وتجار الموت؟
نحسب أن جماجم الضحايا الذين قتلوا باسم سبتمبر لو جمعت فسوف تبني أبراجاً أعلى من أبراج مركز التجارة العالمي.
تعالوا وابحثوا في سيرة رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، ونقبوا في تاريخ أمتنا الطويل، لن تروا إلا العدل والسماحة والرحمة والوفاء، ليس في التجارة وليس في العلاقات السياسية والدبلوماسية فحسب بل حتى في الحروب وفي ساحات القتال, لا والله ما عرف التاريخ الإنساني أرحم ولا أعدل ولا أكرم من المقاتل المسلم, ولم يكن قتالهم لأجل السيطرة على الشعوب وإذلالها, وظلمها واستلاب خيراتها, وإنما كان لإعلاء كلمة الله, وإقامة العدل في الأرض, وتحرير العباد من عبادة الطواغيت وسائر المخلوقات إلى عبادة رب الأرض والسماوات, وإخراجهم من ضيق الدنيا إلى سعتها, ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام.
لقد فتح الفاتحون القلوب قبل الحصون، لقد كانت أخلاقهم تسبق خيولهم، لقد صنعوا الحياة والحضارة، كيف لا! وهم من أدركوا تعاليم الإسلام الخالدة.(2/8)
قال تعالى: {لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (سورة الممتحنة/ 8) فأمر بالبر بهم, والإحسان إليهم, وهو أمر فوق العدل معهم, الذي هو واجب حتى مع الكفار المحاربين, كما قال ربنا عزوجل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}. (المائدة/8) وقال: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ} (البقرة/190) فأمرنا الله بقتال من يقاتلوننا, ونهانا عن ظلمهم والعدوان عليهم وترك العدل معهم حتى في حال مقاتلتهم كالتمثيل بجثثهم أو قتل من لا شأن له بالقتال من نسائهم وأطفالهم وشيوخهم وعبَّادهم.
أما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أمَّر أميراً على جيش أو سرية أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال: " اغزوا باسم الله وفي سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدا ... " أخرجه مسلم.
فاغزوا باسم سبتمبر .. أو باسم ما تشاءون .. ولكنا لن نغزو إلا باسم الله .. إنا نريد أن ننقذ الناس، إن ديننا هو دين الرحمة للعالمين، لن تهلك خير الأمم، لن يقضي على دين الله طاغوت أو مستكبر، قال تعالى: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} (سورة النور/55).
وستمضي هذه الرسالة، وسيمتد نورها بجهاد الحجة والبرهان وجهاد السيف والسنان، قال صلى الله عليه وسلم: " لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَلاَ يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إِلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ عِزًّا يُعِزُّ الله به الإسلام وَذُلاًّ يُذِلُّ الله به الْكُفْرَ " أخرجه أحمد والحاكم.
وقال صلى الله عليه وسلم:" بَشِّرْ هذه الأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ وَالنَّصْرِ وَالتَّمْكِينِ في الأرض فَمَنْ عَمِلَ منهم عمل الآخِرَةِ لِلدُّنْيَا لم يَكُنْ له في الآخِرَةِ نَصِيبٌ " أخرجه احمد والحاكم وصححه الألباني.
قال تعالى: {وَاللهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} (يوسف/21).(2/9)
على هامش حجب المواقع وإيقاف القنوات
عبد الوهاب آل غظيف
28 رمضان 1431هـ
سلسة من الإجراءت التي تصنف في دائرة التضييق تم إيقاعها مؤخرا بعدد من رجالات العلم والدعوة، تمثلت في حجب مواقع، وإيقاف قنوات، وخدمات تواصلية كرسائل الجوال وغير ذلك، وربما نسمع مزيدا في قابل الأيام، وقد كانت مثارا لكثير من الأسئلة، وكثير من التعليقات التي تمحورت حول هوية هذه الإجراءات وهل كانت بدافع من الغيرة على الدين وصيانة الفتوى (فأينها عن عبث الليبراليين بالدين؟) وما علاقتها بموقف المشايخ أنفسهم من الحريات والحجر على الآراء، وكذلك التنبؤ بمآلاتها بعد صدور الآلية التطبيقية للتوجيه الملكي من قبل سماحة المفتي بعد العيد كما وعدنا، في أشياء أخر كانت حديث الناس بعد هذه الوقائع.
وبين يدي وقفة متواضعة: لأمهد بما هو ذكرى للمؤمنين، محذراً من التعلق بالماديات والأسباب بعيدا عن مسببها سبحانه، فليس شيء من العقبات المادية كفيلا بأن يفت في عضد أهل الحق أو يخذلهم عن الحق الذي معهم أو يعيق همتهم في الدعوة إليه والصبر على الأذى فيه، فإن مما يحمده الرب ويحبه أن يغالب عباده المشاق ويتحملون الأذى في سبيل الدعوة إليه، ولقد كلفهم سبحانه بذلك ووعدهم في كتابه وعلى لسان رسوله بمضاعفة الثواب، ولم يطلب منهم ولا كلفهم أن يسيطروا على الناس أو يضمنوا قبولهم الدعوة وأخذهم بها، ولذا كانت هذه المعوقات المادية كلها بأمر الله الكوني وتحت تدبيره، ليرى من أوليائه صدق الإيمان والثبات على الحق وقوة التمسك به والثقة بالله وليرى منهم اطراح التعويل على الماديات وعدم الركون إليها
هذا الحديث الناظر بعين الإيجابية لواقعِ مقدرٍ، يجري في نسق واحد مع الحديث الإيجابي في الجهة الأخرى، الجهة التي تكون فيها الحصانة لأهل الحق كما هي لأهل الباطل، التي يساوى فيها بين الحق والباطل في ضمانات التعبير، جهة الحرية الوضعية التي يبررها أصحابها بقولهم: إنه (لا خوف على الحق منها، لأنها ستكون مجالا للتدافع وفي النهاية لن يسبق الباطلُ فيها الحقَ)، حسنا .. نفس الكلام يردده المناوئون للحرية الوضعية حال فرضها، وهو - كسابقه المسلي حال القمع - ينظر بعين الإيجابية للواقع الذي تختلط فيه الأفكار، وكما لا يحتمل الكلام الأول أي قدر من تبرير أو تشريع حالة القمع، فكذلك الثاني لا يحتمل تبريرا للحرية الوضعية ولا تشريعا لها، هو كلام متجه لوصف الحسن من الحالتين فحسب، ولا يعني أنه لا توجد حالة ثالثة أفضل منهما، تكون هي المشروعة والمبررة، يطرح فيها ما لا يحتمله الشرع من رأي، ويكفل فيها حق التعبير لكل رأي لا يخالف الشرع، تمييزا للحق عن الباطل، ودفعا للباطل عن الحق.
(انخرط البعض في تدبيج مواعظ الحريات) التي تنطوي على قدر لا بأس به من لوم المشايخ وتأنيبهم كونهم لم يطالبوا بالحريات ولم يكفلوها في خطابهم الدعوي، بل ساغ فيه قمع الآراء المخالفة لهم، فكان ما يتجرعونه الآن نتيجة لهذا الخطاب، ونتيجة لمطالباتهم بالحجر على الآراء، وصاحب ذلك اللوم روح من الثقة دفعتهم إلى التلويح بالحل السحري الذي يملكونه وهو الكفيل بإنهاء أزمة المشايخ، والمتمثل في ضمان الحرية، لا حرية التعبير بالحق فحسب، بل (الحرية للجميع) كما كتبوها في تعويذاتهم.
ونحو الوقوف على حقيقة الدعوى بطرفيها (أن خطاب المشايخ هو سبب ما حصل لهم وأن الحل يكمن في الحرية) لا بد لنا من تمييز موقف هؤلاء إلى مستويين:
الأول: المطالب بضمان الحرية للجميع في الخطاب الدعوي وتبديل الموقف من الحرية.
الثاني: المطالب بضمان حرية الاختلاف الفقهي، ويعزوا ما حدث إلى المطالبة بالحجر على الأقوال الشاذة.(2/10)
وفي إطار المستوى الأول نقول: إننا لا زلنا نسمع منهم أنه لا وجود للحرية المطلقة، وأن التزاحم يدفع باتجاه تحديد الحريات، عليه فلا اعتراض على مبدأ التحديد، وإذا جئنا للمعيار الذي تحدد الحريات على ضوءه فهو عند المشايخ يكون في الشريعة فما تحتمله الشريعة من رأي فهو مكفول، وما يصادمها فباطل مردود، فإذا كنتم لا توافقون على هذا المعيار وتفترضون معيار آخر يحد الحريات فأنتم في النهاية تحدون الحرية، فليس نصبكم عقبة الحرية كفيلا بإلغاء التحديد الشرعي إلا إذا كان كفيلا بإلغاء تحديدكم، وأنتم تقرون أنها ليست مطلقة!
أما أن تروا الحل يكمن في تنازل المشايخ عن تحديدهم للحرية مقابل أخذهم بتحديدكم فإنهم يقولون لكم:
لا فرق عندنا بين منع المحقين، وبين حصانة المبطلين، فكلاهما يضران بالمبدأ الشرعي الذي نراه حقا، فحالكم في زعمكم أن الحل في حريتكم كحال المستجير من الرمضاء بالنار، وليس الحل في أن يكون الحق الذي دلت عليه الشريعة مكفولا بإزاء الباطل الذي مع أهل الضلال، ليستويا في الميزان كبديل عن قمع الحق وإسكاته، من دون أن يكون الحل في الحق المهيمن على غيره والحاكم عليه
ومن يتحدث عن (الحق الذي لا يضره الباطل)، وعن (التدافع بين الحق والباطل)، وعن (الرأي الذي يدفع برأي) لا مكان لحديثه هنا، إذ كل هذه المقررات لم تكن كفيلة بإتاحة الأحكام الجاهلية الأخرى لتنافس الحكم بالإسلام داخل الدولة المسلمة، ولا تكفل توفير بيئة للكفار للدعوة إلى عقائدهم والصدع بشعائرهم من داخل المجتمع المسلم بزعم التدافع، وإن كنا نرددها ونمتثلها حال التعاطي مع الدول الأخرى التي لا تحكم بالإسلام، ومع الكفار الذين ينشرون عقائدهم من بلادهم، فهي عبارات جميلة تتجه لمحاسن واقع معين مفروض والتعاطي معه لا تحتمل تشريع هذا الواقع ولا تبريره كما سلفت الإشارة بذلك
أما في إطار المستوى الثاني: فإني لا أعرف أحدا من المشايخ صادر الخلاف الفقهي أو قال بعدم احترامه، ودعوتهم للحجر على أصحاب الفتاوى الشاذة لا يمكن جعلها مصادرة للخلاف الفقهي، لما يلي:
أنها متوجهة إلى الأقوال الشاذة والمفردات المرجوحة، التي استقر أمر الناس على خلافها من الآراء الأشهر أو الأقرب للدليل التي إن لم تكن حقا فليست بباطل قطعا، والتعبير بما يخالف هذه الآراء أحدث بلبلة وشوش على الناس، ولربما عاد بضعف هيبة الشريعة في نفوسهم، فسوغوا المنع هنا فقط، فآل إلى كونه منعاً ضيقاً لا منعاً للخلاف الفقهي كما يطلقون، قابل مسوغوه بين مصلحة الفرد في التعبير عن رأيه، ومصلحة الجماعة في توحيد العمل على الأرجح بعيدا عما يشوش عليهم، فقدموا مصلحة الجماعة، وهذا من جنس التنظيم الذي يقر به أرباب الحرية حال التزاحم، وليس في معنى ما وقع على المشايخ من مصادرة تعبيرهم مطلقا ومنعهم عن قول الحق إلا بإذن.
ولعلي أختم - بعد هذه الوقفة المتواضعة - بتلخيص يتمثل في:
أن ما ادعاه البعض من كون المشايخ تجرعوا ما نادوا به غير دقيق، فإن ما نادوا به من حجر - وأنا هنا أبرره لا أوافقه - لا يحتمل منع الخلاف المعتبر السائغ اجتماعيا (كيف وهم يختلفون في آرائهم الفقهية ويشهرون هذا الاختلاف؟) فضلاً عن أن يحتمل المنع من قول الحق كما هو الذي وقع عليهم.
كما أن ما يزعمه البعض من كون الحل يكمن في تشريع الحرية وضمانها بدل مناوئتها وإبطالها، هو زعم متهافت، لا يعدوا أن يكون استغلالا للأزمة، لتمرير المبدأ المخالف في تحديد الحرية تحت ستار الحل، والحل ممكن بالتحديد الشرعي للحرية الذي يتمثله المشايخ.
والله أعلم(2/11)
أبشركم .. مسلسل القعقاع حقق أكثر نسبة مشاهدة!
أحمد بن صالح الزهراني
18رمضان1431هـ
أصبح بعض من أشربوا في قلوبهم الإعلام والأضواء مصبوغين بصبغة البيئات الّتي يعيشون فيها، وأصبحت المعاني الشرعية والأصول الدينية في مرتبة متأخرة ..
هذا لا نقوله عن عامة، وإنّما نقوله عن منتسبين للعلم وأكثر من ذلك أن يكونوا متزيّين بزيّ الديّن والتمسّك.
هذا الزّيّ الّذي أصبح في عصرنا بضاعة رائجة وسلعة ثمينة يُماكس صاحبها بما أراد، وسبحان الله العظيم، لاحظت شيئا في الدين يختلف عن كلّ السّلع الّتي يتاجر بها أصحابها ..
فكل السلع تصبح باهضة الثمن وتُقابل بالكثير كلّما غلا ثمنها وزادت نفاسة عند أصحابها ..
إلاّ الدّين، فكلّما رخص وابتُذل وهان على صاحبه كلّما جلب له المزيد والمزيد من حظوظ الدنيا ..
ولهذا كان عند السّلف من أشدّ النّاس هوانا من باع دينه أو ابتاع به ..
هذ استطراد قد لا يكون له علاقة بالموضوع وإنّما جاء على ذكر التزيّي بالدين ..
أقول إنّ بعض النّاس للأسف استبدل المعايير الإعلامية وألفاظ الإعلاميين بالمعاني والألفاظ الشّرعيّة ..
وهذا أمر طبيعي فإنّ جرَبَ هذه القنوات الهابطة الّتي يتعاملون معها يعدي أشدّ مما يعدي جرب البعير الأجرب، ولهذا كان وصية السّلف بالمباعدة من أهل الأهواء والأفكار المنحرفة وأهل الفسوق في محلّها متجاوبة مع النص القرآني.
اليوم اطلعت على مقابلة مع الدكتور علي الصلابي متحدثا عن مسلسل القعقاع بن عمرو التميمي الذي هو ممن شارك بوضع مادته التاريخية كما فهمت من اللقاء ..
وكان الدكتور منتشياً بأنّ المسلسل (حقّق أكبر مشاهدة للمسلسلات التاريخية) ..
لا أخفيكم سراً .. ذهبت لأحد المواقع وبحثت عن مقاطع من هذا المسلسل إذ ساورني الشك بعد هذه الفرحة العامرة من الدكتور أن يكون المسلسل خاليا من المنكرات ..
ووجدت ما يندى له جبين من بقي معظما لحرمات الله من وجود النساء والموسيقى .. إضافة إلى الاعتداء على حرمة الصحابة بتمثيلهم من قبل فساق الممثلين وقيل إنّ بعضهم نصارى ..
والعجيب أنّ الدكتور لما ذُكر له اعتراض البعض بوجود المخالفات الشّرعية عزف مباشرة مقطوعة المصالح والاختلاف وغير ذلك من شنشنة المتفلتين من أحكام الله ..
ولا أريد أن أفوّت أنّ في بعض المقاطع نطقا مضحكا للغة يزدريه متعلم مبتدئ فضلاً عن أن تكون تلك لغة بني تميم ..
ومما لاحظته - وصادف ذلك قراءتي لبعض النقد للمسلسل قبلاً - الإصرار على مدح قبيلة بني تميم وأنّها لا تذلّ ولا تخضع وغير ذلك من الألفاظ الّتي أشعرتني بصدق ما ذكر من أنّ اختيار شخصية القعقاع محورا للمسلسل جاء عمداً استجلابا لأموال حكام قطر ..
عموما ليس هذا مهما عندي .. وإنّما يهمني انتشاء الدكتور الصلابي بكثرة المشاهدين وتهاونه في أحكام الشريعة هو ومن معه من فقهاء فقه المعجنات!
بالله عليكم تأملوا معي ما رواه ربيع بن عتاب قال: كنت أمشي مع زياد ابن جرير فسمع رجلاً يحلف بالأمانة، قال: فنظرت إليه وهو يبكي، قلت: ما يبكيك؟ فقال: أما سمعت هذا يحلف بالأمانة؟! فلئن تُحكّ أحشائي حتى تدمى أحبّ إليّ من أحلف بالأمانة». انتهى من حلية الأولياء.
أرأيت كيف هي منزلة حرمات الله عند من يعظّمها؟
ترى هل تأثر الدكتور الصلابي ومن معه من منظر السافرات في المسلسل؟
هل اهتزّ فؤاد أحدهم من منظر بعضهم وهو يمسك بجسد امرأة لا تحلّ له وهي تكلمه بغنج ودلال؟
ألم ينزعج من أصوات المعازف الّتي توعّد الله مستحلّها بالهلاك؟
ألم تبكي عيونهم من بقاء النساء بلا محارم في اختلاط وخلوة وتلامس غير مأمون مع رجال لا يحلون لهم؟
ألم تهتزّ مشاعرهم أن يمثل دور الصحابة المجاهرون بالفسق من ممثلين وممثلات؟
ألم يفكر هو ومن معه كم حكما شرعيا أعرضوا عنه وأهملوه واستخفوا به بذريعة الخلاف والمصالح؟
ألم يعنّ لهم كم بابا فتحوه لأعداء الله ليقعوا في صحابة رسول الله بدعوى تمثيل أدوارهم في عصر لا ضوابط فيه ولا قوانين؟
لقد كان الغرب وفساق الشرق يتهيبون الصحابة عندما كان أهل الدين يتهيبونهم ..
فالآن وقد فتحتم الباب لمن يمثل هذا وذاك فغدا سيمثل كل إنسان ما شاء بدعوى العرض التاريخي والتثقيف ..
وستصبح شخصيّات الصحابة لعبة بيد فسقة المنتجين والمخرجين وقنوات أبعد ما تكون عن الدين والفضيلة ..
كم بابا من الخير تركه السلف وتحرجوا منه خوفا من أن يُتخذ طريقا للمخالفين وأعداء الملة ..
فهل أنتم خير منهم وأكثر غيرة على الدين وأكثر حرصاً على نشر الإسلام ..
بالله عليكم لا تلبسوا على الناس ولا تخلطوا أهواءكم بمصالح الشريعة .. وفلتات ألسنتكم تعرب عمّا تكنّه صدوركم ..
أكثر مشاهدة ..
أصبحت فتنة الفتن لهؤلاء المتهوكين الذين جعلوا دين الله لعبة بيد رؤوس الفتنة ودعاة الضلالة من ملاك الفضائيات ومروجيها ..
لا يهم كم شريعة سقطت وكم حرمة انتهكت ..
المهم تحصيل أكبر نسبة مشاهدة ..
والله المستعان ..(2/12)
حَتّى لا يَتَهاوَى القٌدَواَت
د. حمزة بن فايع الفتحي
9 رمضان 1431هـ
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه
وبعد
فإن من الإشعاعات الإيمانية التي ينشرها الله في حياة الأمة المسلمة، بزوغ أنوار تشرق في العلم، والعمل التربية والسمت الحسن، ربما تعلم الناس من هديهم وأخلاقهم أكثر من محاضراتهم ودروسهم، وقد كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فاتحة الاقتداء، وعنوان الائتساء، من حين ما قال الله تعالى:
{لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً} [الاحزاب: 21].
وجعل الله تعالى منهج الاقتداء بين الناس سنة متوارثة، ينقلها جيل إلى جيل، فقال عز وجل:
{أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ} [الانعام: 90].
وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123].
ولم يحك الله تعالى عشرات القصص القرآني والأخبار التاريخية إلا لمزيد القدوة والاعتبار.
قال تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الأَلْبَابِ} [يوسف: 111].
وقال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنْ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35].
وقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49].
ومن هذا المنهاج النبوي، ومن المدرسة المحمدية يبزغ علماء وصالحون، ومربون وعباد ينفع الله بعلومهم وأعمالهم وتعبق أخلاقهم ومواقفهم، ويصبحون حديث الناس حسناً وحباً وأقتداء، بسبب صدقهم وعلمهم، وجمال دينهم وإخباتهم.
ومن ثم يصبح لهم قبول عارم، وشعبية هائلة، وصيت زاحف، ومع ظهور وسائل الإعلام المتدفقة، صاروا نجوماً يُهتدى بها، ومنارات يُستضاء بذكرها وفتاويها.
وهذا مكسب باهر للدعوة الإسلامية، خليق بنا أن نحافظ عليه، وأن نعزز جذوره وقوائمه، لأن التربية بالقدوة أفق تأثير باذخ، وسبيل نصر قادم، ورب كلمة، أو وقفة، أو سلوك لعالم رباني، تبلغ ما بلغ الليل والنهار، ولا يزال الناس يتحدثون عن قدوات ربانية كأبي حنيفة وأحمد والشافعي والأوزاعي والثوري وابن المبارك، ... وابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم
لم تنقض مباهجهم، ولا جفت مكارمهم، رحمهم الله تعالى ..
لكن من الملحوظ في هذا الزمان الصعب المتغير، وتعاظم الفتن، وقلة الناصحين، وغياب المنهجية الدعوية المتكاملة، يبدو في الآفاق تناقص في الأخيار، وتهاوِ في القدوات، وخلط في المفاهيم واستفراد الأفاضل المؤثرين، مما يعنى تغيراً في المنهج، وتجديداً في السلوك، ومراجعة في الفتاوى، واستسلاماً للضغوطات، التي تتفق والمنهج الإسلامي القويم.
ولذا أحببت أن أنبّه هنا على خطورة تهاوي القدوات ونقص الفضلاء، كي لا نندب حظنا، ولنحافظ على مكاسبنا، ولنحقق مبدأ (التواصى بالحق)، والتواصى بالصبر، ولتبقى المسألة الدعوية الطاهرة، مصونة عن نقد فادح، أو ثلب ذامٍ وجارح. إن تهاوي بعض القدوات السابقة، والأسماء اللامعة، التي انتفعت بها الأمة، أمر مرير، مكدر للدعوة وأهلها، وفرصة للمنافقين أن يتشدقوا وينتقموا ... !
أما بالنسبة لأسباب التهاوي والتغير فهي كالتالي:
1) الاتكال على الشهرة: قال تعالى: {فَاعْبُدْ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر: 2 - 3].(2/13)
وهذا نوع من تغير النية، وتكدر مزاهرها، حيث يبلغ العالم مبلغاً عظيماً، وينزل منزلاً كريماً، فيشعر بنشوة روحية، تجعله يعجب بما يحقق وينجز!!
فينقطع عن خيراته السابقة، ويعيش على أركان الشهرة الجديدة، التي جعلت منه أحد نجوم الفضائيات، فيبدأ يختط طرقاً جديدة، ويصدر فتاوى غريبة، ومواقف غير سديدة، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: (أريد أن أكون في شعب بمكة حتى لا أًعرف، قد بليت بالشهرة إني أتمنى الموت صباحاً ومساءً)
وجاء عن إبراهيم بن أدهم رحمه الله (ما صدقَ اللهَ عبُد أحبَّ الشهرة)
حيث يدرك هؤلاء العلماء مخاطرها، وآثارها اللهيبة على العالم القدوة ومجده الديني، وإخلاصه الخصيب.
2) اعتقاد الراحة التامة: قال تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} [الحجر: 99].
لا يمكن لعقلاء العلماء والفقهاء، أن يستريحوا من عناء الرحلة ومشاق البذل والتوجيه، لأنهم في جهاد دائم، وفي جلاد مستميت، لا سيما والأمة ضعيفة، ولازالت محتاجة إلى علمهم وتوجيهاتهم، فاعتقاد الراحة بعد طول المدة، وبدو الإنجازات، مفض إلى الاستضعاف والسكون، والظهور بوجه جديد، وطرح مغاير، لا سيما والفتن خطافة، والتيارات زاحفة والله المستعان، قال تعالى: {خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة:63].
3) الركون إلى الدنيا: قال تعالى: {فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ} [النمل: 36].
كثيراً ما تكون مفاتن الدنيا مزلة أقدام العلماء والصلحاء إلا من عصمة الله تعالى.
ولهذا صح قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يُفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها))
يفتح على بعضهم الوان المال، وبروق التجارة، وكثرة المباحات والمرفهات، فيميل إليها ميلاً، تضر سمعته، وتعكر درسه ومنهاجه، وقد صح قوله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر منافقي أمتي قراؤها))
4) ولوج الشبهات: قال تعالى: {كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون: 51].
الشبهات أمور دائرة بين الحل والحرمة، تخفى على كثير من الناس، لكن يمهرها حذاق أهل العلم، ومن مهرها، قد يتساهل في التباعد عنها، فيقارفها بحجة الشيوع والغلبة، أو ما يسمى عموم البلوى، أو أنه سيمحوها بغلبة حسناته!! ويجره ذلك إلى استطابة المكروهات، ومن ثم التورط في بليات عظمى، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث النعمان بن بشير رضى الله عنهما:
(وبينهما أمور متشبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع
ويروى عن عمر رضى الله عنه: (من أقام نفسه مقام التهم فلا يلومن من من أساء به الظن)
5) التأكل بالماضي: قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلْ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [الحجرات: 17].
ينتج عن الارتياح التام، العيش على مباهج حياة الشباب، من صدق، وصدع، وجد وعطاء سابق، إلى عدم مضاعفة الجهد، والشعور بكثرة الأعباء، وأنه يحتاج إلى مزيد الراحة ومزيد التأمل والابتكار لأحوال تأثيرية جديدة! وهذا قد يكون مزلقاً شيطانياً، وحيلة نفسية تؤدي بصاحبها، وتورثه الكسل وتلبسه التراخي والإهمال.
6) الاغترار بالظالمين: قال تعالى: {وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ} [هود:113].(2/14)
وهذا شكل من الركون إلى الدنيا، والإعجاب ببعض الظلمة والفساق، ممن لا يعرفون معروفاً، ولا ينكرون منكراً، لكن يرجو منهم شفاعة، أو نيل وجاهة، أو بلوغ مكانة! فيدنو منهم ويصانعهم، وقد يزين له الشيطان صلاحهم، وإمكانية هدايتهم فيقع في مفاتنهم وشهواتهم، فيضرب في الدين خبط عشواء، وتتساقط كلمته وهيبته في الناس قال تعالى: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} [القلم:9]
قال الحسن رحمة الله في معناها: (لو تصانعهم في دينك فيصانعون في دينهم)
وجاء في الحديث الصحيح قوله صلى الله عليه وسلم: ((من بدا جفا، ومن اتبع الصيد غفل، ومن أتى السلطان افتتن))
7) استسهال الفتن: قال تعالى: {وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً} [الأنبياء:35].
الفتن كلمة جامعة لكل مناكد الحياة ومخاطرها وشهواتها، ومفسداتها، وهي تبدأ مع الداعية الصالح، بمشتبهاتها وصغارها، من النظرة واللمسة والمخالطة والإعجاب إلى أن تقع منه موقعاً شديداً، يصعب معه التخلص منها، ما لم ينفر منها، ويجدد الإيمان، ويديم الاستغفار، وقد جاء في الحديث الصحيح:
((تعرض الفتن عرض الحصير عوداً عوداً فأيَّ قلبٍ أُشربها نُكِت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكته بيضاء .. ))
8) إهمال التجديد الإيماني: قال تعالى: {لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح:4].
صح قوله صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ الإيمانَ ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب، فاسألوا الله أن يجِّدد الإيمانَ في قلوبكم))
فتجديد الإيمان ضرورة حياتية ودعوية لابد لنا منها لاستكمال الحياة، وعيشها بهناء، وللسلامة من الفتن والأرزاء، قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (والله إني إلى الآن لأجدّد إسلامي كل وقت، وما أسلمت بعدُ إسلاماً جيداً)
9) نسيان المجاهدة: قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].
ليس ثمة معيار أعظم من المجاهدة والمحاسبه في زمن الفتن والتخبط والأهواء لأنه درء للباطل وترسيخ للثبات على الحق، وتعميق للإيمان، وإغاظة للمنافقين. فالمؤمن وهو يلتهب بمسيل الفتن والإغراء، لابد له من جهاد نفسي، ومراغمة لما يرى ويسمع، ليسلم له الدين، ويصان الجوهر، ولا تكدر المحاسن، قال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ} قيل معناها إتيان الأوامر، وترك الزواجر، صوناً للنفس، وطاعة لله تعالى.
10) قلة التواصى: قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر:3].
هذا منهج رباني، أهملناه كثيراً في الإطار الدعوي والعلمي، ولعل من أسباب الإهمال تمنع بعض الدعاة الكبراء من الإصغاء، واعتقاد مطلق الوصاية والتوجيه! وهذا خطأ منهجي لأن العلماء مهما سموا وعظموا، لايزالون في محيط البشرية، التي يعتريها السوء والغفلة والانخداع، فلابد من مناصحتهم وتحقيق مبدأ التواصي معهم، لئلا يجتاحهم العجب والخيلاء، ويستغلوا أو يستزلوا من قبل أعداء الدعوة، وزمر المنتفعين، وقد صح قوله صلى الله عليه وسلم في مسلم: (الدين النصيحة) وفي سنن أبي داود كرر ذلك ثلاثا.
11) تقصير الخاصة: قال تعالى: {وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ} [الفتح:9].(2/15)
ونقصد بهم أحباء الشيخ وتلاميذه وخريجيه، ومن لهم به حظوة، ومعرفة، ويدركون مداخله ومخارجه، وله عليهم الحب والمتابعة، والنصح والتذكر، والإعانة والتسديد، فهولاء هجرهم لشيخهم في زمان الفتن، وعدم نُصْحه وتسديده، قد يؤدي إلى حضور غيرهم، وشعوره بالعزلة، فينبرى إليه غيرهم ممن لا يريد بالشيخ خيراً، وبالدعوة فضلاً وسمعة، فيوقعه في مزالق غير محمودة، ويمرر به أفكاراً مشبوهة، وفتاوى مستغربة.
12) تغيير المساق: قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} [الأحقاف: 13].
من كان يُعرف بالحزم بات للين أقرب! وحامل الجد حامل هزليات الآن، وصاحب الإنكار باتَ رهنَ العقار، والخطيب المفوة، صار فضائياً مموهاً! فقلَّ العمل، وضعف التأثير، وسادت الدنيا، وفترت الجماهير، وقلَّت القدوات، وشحَّت المراجع، وأصبحنا نخوض مع الخائضين، والله المستعان.
قال تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} [هود: 112].
جاء عن عمر رضى الله عنه أنه قال: (استقاموا والله لله، ولم يروغوا روغانَ الثعالب)
13) مكر المتربصين: قال تعالى: {وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} [النمل: 50].
ومكر المتربصين من أعداء الدعوة، لا ينتهى عند يوم وليلة، أو حادثة أو حادثتين بل تخطيط مستمر، وتربص دائم، وتدبير طويل {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} [إبراهيم: 46] يبدأ أول ما يبدأ بالرصد والمتابعة ثم الإهداء والاغراء!، قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ قَالَ أَتُمِدُّونَنِي بِمَالٍ فَمَا آتَانِي اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ} [النحل: 36].
وقد عرضت قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم ألوان الملك والشرف والمال والسيادة، لتعيقه عن هدفه، أو تخفف شدته وقناعته، فأبى واختار الحزم معهم، لعلمه بخطورة ذلك على الدعوة والنفس والأتباع.
وقد كان هذا من منة الله تعالى عليه، أن ثبته وصانه عن مكرهم وإغراءاتهم قال تعالى: {وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً} [الاسراء: 73 - 74].
وهذا في نظرنا من أعظم أسباب تغير القدوات، وعدم إدراكهم بمكر المتربصين، الذي لا ينصب على مجرد الحرب والقمع والاضطهاد، بل يتلون ويأخذ شكلاً دنيوياً وإغرائياً ليتم لهم مسخ الإسلام وإشاعة الفساد والفحشاء من خلال وعاء كبير يسمى (سياسة الاحتواء) ثم إذا أسقطهم، ألقى بهم لنكبات الدهر، وإلى سلة الإهمال. كما قبل:
... وقضى حاجتهَ منهم وغشاهم فُضولُ ... عنهم استغنى كما استغنى عن النعل البخيلُ. ... وهذا مقصد وسياسة لكثير من المتربصين من المنافقين والشهواينين الذين يرون في الإسلام ودعاته، عقبة كأداء أمام مشاريعهم التخريبية والتغريبية، لأنهم، بتعليم الغرب- يدركون أن تحول المجتمعات المسلمة لا يكون إلا عبر عقول داخلية، وجلود عربية، وليست من الخارج، كما صنع في مصر حيث استفيد من الشيخ محمد عبده، ورفاعة طهطاوي، والكواكبي وغيرهم لتمرير بعض المشاريع الفاسدة، وإلى تلبس لباس العلم والفهم والتنوير .. والعلماء القدوات، ورقة رابحة إذا بُدلِّت، وتلوعب بأفكارها ومشاريعها، ولا حول وقوة إلا بالله.
(اللهم ثبتنا على دينك، واحفظ علماءنا وخيارنا من كل غائلة وسوء) آمين.
14) الاجتهاد غير المضبوط:(2/16)
وهو الآتي في سياق غريب يقفو العجائب، ويحمل الشواذ ويتتبع الرخص، ويستظل بمظلة الذوبان والانهزام، ويخرج عن إرادة الأمة المسلمة، فضلاً عن جمهرة العلماء الراسخين، وقد قال الامام أحمد رحمه الله للميموني:
(إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام)
وقال الناظم: ونزه النفس فلا تشذَّا كذا الترخص ورعاً ونبذاً.
ويقصد هنا الاجتهادات التي تكون في دائرة الشذوذ والأخطاء، ولا يدعمها النظر الشرعي، ويحفها شئ من الاندفاع أو الاغترار أحياناً!! وقد يجعلها صاحبها في إطار التجديد الفقهي، والتفاعل المجتمعي الذي تفرضه المرحلة .. ومن الأمثله هنا: تجويز هجرة الفلسطينيين من أراضيهم لشدة العنت عليهم، وبشبه ذلك منع مقاومة الاحتلال الأمريكى في العراق وأفغانستان بحجة حقن الدماء، ووجود حاكم من الاحتلال، أو ظهور فضلاء الدعاة في قنوات خليعة ذات بعد فكري واستراتيجي هادم، أو الظهور في قنوات صهيونية، وهو الشائع مؤخراً، وتناسي أنه صورة للتطبيع الذي هو من آخر الأوراق البا! قية في أيدي الأمة، وخرقه يعني انكسار الحاجز النفسي لدى الشعوب العربية تجاه الصهيونية الغاصبة. (فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ) (التوبة:95).
(15) امتهان القيمة العلمية
يعمد بعض الفضلاء إلى امتهان ونسيان المجد العلمي، والقيمة الفقهية والدعوية الشريفة، التي بوّأه الله تعالى فيقارف أخطاء، ويلم بشبهات، وينزلق في مباحات، ترفع عنها عوام المسلمين!! وهو لايرى فيها غضاضة، فيراه بعض الناس، وتنشر ذلك وسائل الاعلام!! فيفقد شيئا من شعبيته ولموعه، أو ربما طلَع علينا بتعليق حماسي، أو اجهاد جديد، يسوِّغ مثل ذلك! وينسى أن العلماء والقدوات، والدعاه الربانيين لهم (وضع خاص)، ومنزلة رفيعة، ما ينبغى لهم نسيانها أو استسهالها، حتى مما يتعلق بالمروءه، التي منها أشياء لا تلامس المحرمات! ولكنها مروءة، يهتم بها المشاهدون والمتاب! عون ولذلك قال أبو عمروالأوزاعي رحمه الله.
(كنا نضحك ونمزح، فلما صرنا يُقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا إلا التبسم)
فالعالم المقتدى به محل نظر الناس ورصدهم، وكل أقواله وحركاته محفوظة متبوعة، فيجب عليه صون ذلك، لأنه يحظى بوسام علمي وذاتي!! مهما أظهر تواضعه، وعزفه على بشريته! فإنه ركن الدين ومنارته، ويسوغ لغيره ما لا يسوغ له! فكل تساهل وهفوة تشوه الوسام العلمي، وقيمته، كالنكته السوداء تتعاظم مع مرور الأيام، والله المستعان ..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه(2/17)
نظرة في الاتجاه العقلاني المعاصر ومظاهره
د. عبد العزيز بن محمد آل عبد اللطيف
23شعبان1431هـ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وصحبه.
وبعد:
فإن رصد وكشف المذاهب المنحرفة عن الصراط المستقيم من الأمور المهمة التي ينبغي الاهتمام الجاد بدراستها، وبإعطائها حقها من المتابعة والبحث، تحقيقاً لقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام: 55].
وكما قال عمر الفاروق - رضي الله عنه -: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية، وقد كان حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - يقول: "كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني".
وإن المذهب - أو الاتجاه العقلاني المعاصر (1) إزاء النصوص الشرعية، من أخطر المذاهب وأشدها تضليلاً، وأكثرها تحريفاً لشرائع الإسلام الصحيح، حيث أن هذا المسلك قد انتحله عدد غير قليل من المفكرين والمثقفين، كما أنه يتضمن التلبيس والاشتباه على الكثير من المسلمين، ومن ثم فلا يستغرب أن يقوم أعداءٌ للإسلام بالكيد لهذا الدين وأهله من خلال هذا المسلك العقلي (المتحرر) والذي يرفع شعار الإسلام.
إن هؤلاء العقلانيين قد جعلوا عقولهم حاكمةً على النصوص الشرعية، لقد جعلوا تلك العقول مع قصرها، ومحدودية إدراكها، وتفاوت أنواعها، وكثرة خطئها حاكمةً وقاضيةً على النصوص الشرعية الصحيحة المتلقاة من وحي معصوم من عند الله - عز وجل - {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً} [النساء: 82].
وكما أنهم حكموا عقولهم على "السمع" فإنهم أيضاً جعلوا مقتضيات العصر الحديث ومستجداته ومتغيراته حاكماً - آخر - على الوحي، فهم يسعون إلى إنزال الشرع على وفق مقتضيات العصر الحاضر، ومن ثم فنجد الكثير من المحرمات شرعاً تكون سائغة عندهم ويتهاون في شأنها بدعوى تغير الزمان، وأن "الدين" ينبغي أن يكون مواكباً لتلك المتغيرات - أو الأخرى: الانحرافات - "ومباركًا" لها أحياناً كما سأذكره إن شاء الله.
وفي الجملة فإن هذا المسلك العقلاني امتداد لفرقة المعتزلة المعروفة، والتي ظهرت في القرون الأولى، حيث أن هناك قواسم مشتركة بين المعتزلة الأوائل وبين أفراخهم من العقلانيين المعاصرين من حيث مصدر تلقى العقيدة، ومنهج الاستدلال، وبعض الأفكار والصفات المشتركة بين أسلاف المعتزلة وبين خلفهم من المعاصرين، ومن هذه القواسم المشتركة التي تجمع بين المعتزلة الأوائل وبين المتأخرين جعل العقل نداً للوحي، بل قد يقدمون العقل على النص الصحيح، كما نجد اتفاقاً بينهما في التبعية للمذاهب والفلسفات الأجنبية، واستباحة الخوض في الأمور الغيبية، والاستهانة بأحكام الله وشرعه، والجرأة على إثارة الشبهات والآراء الشاذة باسم التسامح الديني وحرية الفكر، كما يتفقون على مقت أهل السنة والتهوين من شأنهم، فالمعتزلة الأولى كانوا يرمون السلف الصالح بأنهم حشوية ومجسمة ونحو ذلك، وهؤلاء المعاصرون يلقبون أهل السنة بالأصوليين أو المتشددين المتزمتين وربما اتهموهم بالتشنج والحرفية وضيق الأفق (2).
وتتمثل آراء هذا المسلك العقلاني في مظاهر فكرية متعددة نذكر منها ما يلي:
_________
(1) هذا الاتجاه قد يسمى مدرسة إصلاحية وأحياناً يعرف ب (عصرنة الإسلام) وربما سماه أصحابه تطويراً وتجديداً.
(2) انظر مجلة كلية أصول الدين العدد الثالث بجامعة الإمام محمد بن سعود / الرياض، مقال "المدرسة العقلية الحديثة وصلتها بالقديمة" للشيخ ناصر العقل ص 247 - 265.(2/18)
1 - مدح المعتزلة الأوائل وتبجيلهم والثناء الحسن والكثير عليهم، وممن يفعل ذلك على سبيل المثال، أحمد أمين، وزهدي جار الله، وزكي نجيب محمود.
2 - تمييع عقيدة الولاء والبراء بل (مسخ) هذه العقيدة وإسقاط هذا الأصل الأصيل من العقيدة الصحيحة، وذلك عن طريق ما يسمى بوحدة الأديان وزمالتها، أو الدعوة إلى القومية، أو الإنسانية (العالمية)، أو الدعوة إلى التقارب مع الرافضة، فمثلاً جمال الدين الفارسي (الأفغاني) دعا لوحدة الأديان (1).
وكذا تلميذه محمد عبده (2). كما نادى محمد عمار ة بالقومية ووحدة الأديان (3) وكذا معروف الدواليبي دعا للقومية (4) والعالمية (5).
3 - تعطيل الجهاد في سبيل الله، وتضييق دائرته، وقصره على ما يسمى بـ (الدفاع) فقط بدعوى الرد على فرية المستشرقين الزاعمين أن الإسلام لم ينتشر إلا بالسيف (6) كما أنهم حرفوا ما يتبع الجهاد من أحكام شرعية، فمثلاً من هؤلاء من ينكر الجزية أو يتأولها على غير معناها الصحيح، ومنهم من يبطل تقسيم الدور إلى دار إسلام ودار كفر, وهناك من يمنع الرق (يتلمس) المعاذير لدين الله - عز وجل -! وكأن دين الله - تعالى - في محل اتهام ويحتاج إلى تبرئة من تلك الدعاوى (7).
4 - إنكار حد الردة بدعوى حرية الفكر والرأي و (الانفتاح الفكري)! (8)
5 - استباحة الاختلاط بين الرجال والنساء، وتهوين الحجاب الشرعي والتساهل في شأنه، وإباحة بعض أنواع الربا، وصوره كربا الفضل، والغير المضاعف (9).
6 - عدم الأخذ بأحاديث الآحاد في العقائد بدعوى أنه لا يفيد العلم.
7 - إنكار بعض المعجزات النبوية وكرمات الصالحين وبعض الغيبيات، أو تأويلها تأويلاً يأباه النص كموقفهم من نزول المسيح عيسى - عليه السلام - والملائكة والجن، والطير الأبابيل، وظهور الدجال في آخر الزمان (10). كما أن في هؤلاء من يدعو إلى فتح باب الحوار - وعلى مصرعيه - مع الأطراف الأخرى من أصحاب الاتجاهات المنحرفة كالعلمانية أو اليساريين أو الرافضة أو النصارى ونحوهم، وكل ذلك بدعوى إثراء الفكر، وأن اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، وقد ظهر في بعض تلك الملتقيات محاولات متكلفة للتقريب بين أفكار متباينة، والسعي إلى الالتقاء في منتصف الطريق عن طريق بعض التنازلات والمداهنات.
في الختام أوصي نفسي وإخواني من أهل الإسلام الأصيل أن يتمسكوا - وبعلم وبصيرة - بعقيدة السلف الصالح، وأن يتفقهوا في دين الله - عز وجل - وأن نسعى ونتواصى لترسيخ الولاء والانتماء لمنهج أهل السنة والجماعة مهما كانوا وأياً كانوا، كما أنه يتعين علينا فقه واقعنا الحاضر، وأن ندرك بوعي وحذر وبعد نظر حقيقة هذا الاتجاه العقلاني، فنرصد كتبهم ومؤتمراتهم ومجلاتهم، ثم نكشفها أمام المسلمين، ونحذر من ضلالهم وزيفهم، وعلينا واجب النصيحة تجاه من انخدع بهذا المسلك (المتحرر) من ضوابط الشريعة، وأن نناقشهم طلباً للحق، وندعو لهم بالهداية والاستقامة، فأهل السنة - كما هو معلوم يعرفون الحق ويرحمون الخلق، وأسال الله - عز وجل - أن يوفق الجميع لما يحبه ويرضاه وبالله التوفيق وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم (11).
_________
(1) انظر كتاب دعوة جمال الدين الأفغاني في ميزان الإسلام لمصطفى غزال.
(2) انظر كتاب الإسلام والحضارة الغربية لمحمد محمد حسين رحمه الله.
(3) انظر كتابه الإسلام والوحدة القومية.
(4) انظر كتاب فكرة القومية العربية لصالح العبود.
(5) انظر كتابه نظرات إسلامية في الاشتراكية الثورية.
(6) انظر المقدمة الرائعة التي كتبها سيد قطب في أول كتابه "خصائص التصور الإسلامي".
(7) لقد تحدث د/ علي العلياني في كتابه "أهمية الجهاد" عن تلك الدعاوى ونقدها بشيء من التفصيل والبيان.
(8) انظر كتاب دراسات في السيرة لمحمد سرور زين العابدين وكتاب تنبيه الأنام لمخالفة شلتوت الإسلام للشيخ عبد الله بن يابس - رحمه الله - حيث نقدا هذه الفكرة الخاطئة.
(9) انظر كتاب العصريون معتزلة اليوم ليوسف كمال.
(10) انظر كتاب منهج العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي، وكتاب دراسات في السيرة النبوية لمحمد سرور زين العابدين.
(11) من باب الفائدة لك - أخي القارئ - فإليك بعض الكتب الجيدة التي تحدثت عن هذا المنهج العقلاني على سبيل العرض والنقد - المعتزلة بين القديم والحديث لمحمد العبده وطارق عبد الحليم / ومفهوم تجديد الدين لبسطامي محمد سعيد / ومنهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير لفهد الرومي / ودراسات في السيرة النبوية لمحمد زين العابدين / والولاء والبراء لمحمد القحطاني / وأهمية الجهاد لعلي العلياني / والعصريون لمحمد حسين رحمه الله / ومذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب / والفكر الإسلامي المعاصر لغازي التوبة / والمستشرقون ومن تابعهم وموقفهم من ثبات الشريعة لعابد السفياني / وغزو من الداخل لجمال سلطان.(2/19)
الإرجاء الفكري
بدر بن سعيد الغامدي
23شعبان1431هـ
لَمَّا ظهر الإرجاء (1) في عهد السلف، وقف له أهل العلم الراسخون، العالمون بالدليلِ وحقيقةِ القول، وما عداهم لم يكن له موقف مشهود. تشهد بذلك التراجم والمصنفات التي وصلت إلينا؛ فإنه متى ما تخلل النقص في أحد هذين الأصلين: (العلم بالدليل ومقاصد الشريعة) و (حقيقة القول المخالِف) ترى تخبُّطاً وخلطاً عجيباً: إما جنايةً على الإسلام وتصويراً له على غير ما أراده الله، أو رِفعَةً من قَدْرِ المقالة المخالفة بالتسامح واللين معها مع شناعتها، ومن يمتاز بهذين الأصلين قليل اليوم؛ فإنك ترى من لديه علم بالشرع يصل إلى حدِّ الإحاطة، ولكنه ضعيف في سبر أغوار أقوال المخالفين؛ فلا يستطيع معرفة حقائقها وكشفَ عوار مكنوناتها، وإما أن تجدَ من أُشرِب هذه المقالات على قلَّة بضاعته في العلم الشرعي، فيظهر لك التخليط في كلامه.
وهذا الأخير من جنس بعض رجال أهل الكلام الذين حَسُنَت نيَّتُهم، وساء عملهم، بسبب قلة علمهم بالأدلة الشرعية مع علمهم العميق بأصول علم الكلام، فأرادوا الدفاع عن الدين ولكنَّ قلَّة البضاعة الشرعية لم تُسعِفهم، وفريق منهم تسرَّبت إليه بعض شُبَه القوم، فلم يستطع أن يدفعها، فصار ينضح بها فؤادُه وينمِّقها لسانه، و (كلُّ إناء بما فيه ينضح).
يقول الإمام النخعي: لَفِتنَتُهم عندي أخوَف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة (2)، وصدق - رحمه الله - لأن القعود عن التكليف ترغبه النفس، بعكس تَنَطُّع الخوارج الأزارقة، ونحن نعاني اليوم من تفلُّتٍ من الأوامر، وتقحُّمٍ في المناهي، مع مصيبة أعمُّ وأطمُّ، وهي: تبرير هذا وتسويغه ممن اختل عندهم أحد الأصلين السابقين، وهم منتسبون مع هذا إلى الإسلاميين.
وبرز لنا إرجاء فكري، يحاول مد حبل الوصال مع الطائفتين، على غرار ما فعل الفلاسفة المنتسبون إلى الإسلام بين الفلسفة والإسلام؛ فأراد هؤلاء المحدَثُون: تخفيفَ شناعة بعض المقالات وتهوينها من جهة، ونبذَ التشدد والغلو (بزعمهم) من جهة؛ لينتج لنا حينها - بناءً على رأيهم -: الإسلام الوسطي.
ونحن اليوم في مواجهة سيل من الأفكار الهدامة، يقف النص الشرعي سدّاً أمامها، ومتى ما عُدِمَ النص اجتاح السيل الفكر البشري فأصبحت البشرية حينها أثراً بعد عين، وعدنا كما كنا في ظلمات بعضها فوق بعض.
وهذا لا يكون مع وجود الوحي المنزَّل؛ ولكن الوحي لا يسير على الأرض، بل يحمله {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} [الأحزاب: 32].
والإرجاء الفكري هو نوع من الخنوع والضعف أمام هذه المقالات، وصاحبُه عبدٌ لغير مُنْزِل الوحي، أسير لظنونٍ وتخرصاتٍ تكون تارة باسم (المصلحة)، وتارة باسم (المجادلة بالحسنى)، وتارة أخرى باسم (عدم التشدد والغلو) ... إلى آخِر هذه القيود والأغلال، التي هي حق أُرِيد بها باطل.
والإرجاء الفكري اليوم لا يصرِّح بمقالات الإرجاء القديم، ولكنَّ أفكارَ ذاك القديم تعشِّش في فكر هذا الحديث، والمحصلة واحدة كما سبق، وهي: (التفلت من الأومر، والتقحم في النواهي) (3)، وكما كان أهل الإرجاء القدماء على درجات في مقالتهم، فإن أهل الإرجاء الفكري هم كذلك في فكرهم.
_________
(1) المرجئة طوائف يجتمعون في إخراج العمل عن مسمى الإيمان، وظهروا في أواخر عهد الصحابة، انظر الملل والنحل للشهرستاني: 1/ 139 ومجموع الفتاوى: 7/ 297 فما بعدها.
(2) مجموع الفتاوى: 7/ 394.
(3) سبق ذكر أن المرجئة درجات، ومنهم وإن كان يُخرِج العمل عن مسمى الإيمان؛ إلا أنه يحرص على العمل ويحث عليه ويحتفي بأهله كمرجئة الفقهاء.(2/20)
من ملامح هذا الإرجاء الفكري:
أولاً: عدم التصريح بالأحكام الشرعية: فيتهرب مَنْ أصيب بهذا المرض من قول: (حرام) أو (كفر) أو (شرك) لِمَا هو كذلك بالنص الشرعي، ويستبدل هذه الألفاظ الشرعية بأخرى مبتدَعة هي أخفُّ (حدَّة ووطأة) - بزعمه - على مخالفيه أو الناس عموماً؛ فيقول: (الأَوْلَى تَرْكه) مع علمه بحرمته، أو (فيه خلاف) مع أن الخلاف مطروح وغير معتَبَر؛ فيوحي إلى سامعه أن الأمر (سهل ميسور).
ثانياً: عدم استخدام المصطلحات الشرعية: فلا تجد في قاموسه (كفَّار)، أو (فسَّاق)، أو (منافقون)؛ فهؤلاء لا يعيشون على الأرض، وكأنهم - لدى من أصيب بهذا المرض العضال - تاريخ مندثر ولَّى، ولا يظن ظانٌّ بأن المطلوب هو إقحام مثل هذا في الكلام إقحاماً. لا، ليس هذا المراد، بل المقصود: هو التولي عن استخدام هذا المصطلح الذي هو شرعي دلَّت عليه النصوص، إلى غيره، فيستخدم (غير المسلمين) أو (الآخر)، أو يستخدم (أهل التقصير) لمن هم رؤوس الضلالة والفجور في الأمة.
ولا يخفى أن المصلطح الشرعي هو الذي لا يُطلَب به بدلٌ، ولا عنه حِوَلٌ؛ لدقة معناه، وعمق مرماه. وقد تكلم أهل العلم كابن تيمية وغيره في أهمية التمسك بالمصطلح الشرعي وأنه يزيل كثيراً من الإشكال.
ثالثاً: الذلة على الكافرين، والكبر على المؤمنين: وهم بهذا يعارضون مراد الله - تعالى - حين حكى حالَ أهل الإيمان، فقال: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ} [المائدة: 45]، وحين أمر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} [التوبة: 37]؛ ولكن أهل الإرجاء الفكري تجد لديهم تمام التودد للكفار والزنادقة، ولين الخطاب والتسامح معهم، مع غلظة وشدة وجفوة واستعلاء مع إخوانهم من أهل الإيمان.
رابعاً: كَتْمُ بعض النصوص الشرعية: تلك التي فيها الوعيد والتهديد، أو التي يتوهَّمون شِدَّتها وعنفها كالحدود، فيحاولون تجنُّب ذِكرِها تماماً، والتنصُّل منها؛ وكأنها غير موجودة أصلاً، مع إبرازهم في المقابل للنصوص الشرعية في الوعد والتسامح والعفو، وقد خاطب الله - تعالى - أهل الكتاب، فقال: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [البقرة: 58].
خامساً: محاولة الوقوع على نقطة التقاء مع أصحاب المذاهب: فيكون أحدهم صامتاً ساكتاً ردحاً طويلاً، والأمة حوله تئن من أعدائها المختلفين في مشاربهم ومذاهبهم، وكلٌّ منهم ينهشها نهشاً، وهو لا يحرك ساكناً؛ فإذا رأى قولاً لصاحب فكر منحرف أو مذهب هدَّام بادر لإعلان الموافقة، وتعاضُدِ الفكرة، وهو في هذا كله يغض الطَّرْف عن الانحرافات الكفرية أو البدعية أو الهدامة؛ فلا ينبه الناس عليها، فيكون عند ذلك الغش الذي يتسرب لعموم المسلمين: أن الشيخ فلان وافق فلاناً فهو على الخير، فنال تزكية لدى عوام الناس؛ فلا يمسُّه بعد هذا نكير، إلا وصاح الناس في المنكِر عليه باطلَه أخذاً بتزكية من أصيب بالإرجاء الفكري من قَبْلُ.(2/21)
سادساً: الإكثار دوماً من ذكر الخلاف والرخص: إن ذكر الرخصة للناس وتخفيفَ المشقَّة عليهم واجب شرعي؛ فإن الدين دين يُسْر، لكن أن يكون هذا بكثرة، ويكون المراد من ذكر الخلاف دوماً هو نقض الشريعة، وتخيير العامة، وإثارة شكوكِ من لا خَلاقَ له من دينٍ أو علمٍ بأن الشريعة متناقضة؛ فهذا جناية على الدين، ومهما كان مراد صاحب الإرجاء الفكري في هذا التيسير على الناس، فقد أخطأت استُه الحفرة بهذا، حين جنح للإرجاء دون التيسير، ودعا الناس للزندقة بتخييرهم بين أمور الدين، التي يصير بها المرء أخيراً ليس على دين الإسلام؛ فإن من له حظ من علم يعلم أنه لا يحق لمسلم التخيُّر بين أقوال أهل العلم لهوى في نفسه، بل عليه التقليد إن كان جاهلاً، واتباعُ الدليل إن كان عالماً.
سابعاً: غياب الفطنة، ومحاولةُ تأصيل الأفكار الهدامة شرعاً: إن من لازِم الخنوعِ والمسكنةِ الفكرية، وعدمِ الاعتزاز بالشرع الإسلامي في جميع مناحي الحياة، أن يصبح هذا المصاب بالإرجاء الفكري، مسوِّغاً لمشاريع التيارات المنحرفة، مسبغاً عليها مظلة شرعية، خادعاً بها الراعي والرعية؛ فيسألونه (أو ربما تبرع هو محتسباً) لبيان حكم عمل المرأة - مثلاً - وأنه كشرب العسل، مع أن أهل الأهواء لا يريدون عمل المرأة لذاته، بل لما وراءه من إخراج المرأة المسلمة، وإفسادها؛ وهل جادل أحد من أهل العلم في عملها مع الضوابط حتى يحتسبَ هذا المصابُ بالإرجاء الفكري لبيان الحكم؟ ولنا في ابن عباس - رضي الله عنهما - قدوة حسنة حين سأله من في عينيه شرر عن توبة القاتل، فقال له: لا تُقبَل، وسأله من في سيفه دم عنها، فقال: تُقبَل. فسأله من حوله عن هذا، فقال: علمت أن ذاك إن قلت له: يقبلها الله، ذهب فسفك دماً حراماً، وأن الآخر أتاني نادماً فلم أقنِّطه.
ويقول الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله - في هذا الباب: «لا يزال كثير من الناس يذكرون ذلك الجدال الغريب الذي ثار في الصحف بشأن الخلاف في جواز ولاية المرأة القضاء. والذي أثار هذا الجدال هو وزارة العدل؛ إذ تقدَّم إليها بعض (البنات) اللاَّئي أُعطِينَ شهادة الحقوق، ورأين أنهن بذلك صرن أهلاً لأن يكنََّ في مناصب النيابة، تمهيداً لوصولهن إلى ولاية القضاء. فرأت الوزارة أن لا تستبد بالفصل في هذه الطلبات وحدَها، دون أن تستفتي العلماء الرسميين.
وذهب العلماء الرسميون يتبارَوْن في الإفتاء، ويحكون في ذلك أقوال الفقهاء؛ فمِنْ ذاكرٍ مذهب أبي حنيفة في إجازة ولايتها في الأموال فقط، ومِن ذاكرٍ المذهب المنسوب لابن جرير الطبري في إجازة ولايتها القضاء بإطلاق، ومِن ذاكرٍ المذهب الحق الذي لا يُجوِّز ولايتها القضاء قط، وأن قضاءها باطلٌ مطلقاً، في الأموال وغير الأموال.
سألت وزارةُ العدل العلماءَ فأجابوا. ولستُ أدري لِمَ أجابوا؟ وكيف رضوا أن يجيبوا في مسألة فرعية، مبنيَّة على أصلين خطيرين من أصول الإسلام، هدمهما أهل هذا العصر، أو كادوا؟ ولو كنتُ ممن يُسأل في مثل هذا، لأوضحت الأصول، ثم بنيتُ عليها الجواب عن الفرع أو الفروع؛ فإن ولاية المرأة القضاء في بلدنا هذا، في عصرنا هذا، يجب أن يسبقها بيان حكم الله في أمرين بُنيتْ عليهما بداهةً:(2/22)
أولاً: أيجوز في شرع الله أن يُحكم المسلمون في بلادهم بتشريع مقتَبَس عن تشريعات أوروبة الوثنية الملحدة، بل بتشريع لا يبالي واضعه: أوافق شِرعَة الإسلام أم خالفها؟ ويصرحون - ولا يستحيون - أنهم يعملون على فصل الدولة عن الدين، وأنتم ترون ذلك وتعلمون ... أفيجوز مع هذا لمسلم أن يعتنق هذا (الدين) الجديد؛ أعني: (التشريع) الجديد؟ أو يجوز لأب أن يرسل أبناءه لتعلُّم هذا واعتناقِه واعتقادِه والعملِ به، ذَكَراً كان الابن أو أنثى، عالماً كان الأب أو جاهلاً؟
وثانياً: أيجوز في شرع الله أن تذهب الفتيات في فورة الشباب إلى المدارس والجامعات، لتدرس القانون أو غيره - سواء مما يجوز تعلُّمه ومما لا يجوز - وأن يختلط الفتيان والفتيات هذا الاختلاط المعيب، الذي نراه ونسمع أخباره ونعرف أحواله.
أيجوز في شرع الله هذا السفور الفاجر الداعر، الذي تأباه الفطرة السليمة والخُلُق القويم، والذي ترفضه الأديان كافة على الرغم مما يظن الأغرار وعبََّاد الشهوات؟ يجب أن نجيب عن هذا أولاً، ثم نبحث بَعْدُ فيما وراءه؛ ألا فَلْيُجبِ العلماء وليقولوا عما يعرفون، وليبلِّغوا ما أُمروا بتبليغه، غير متوانين ولا مقصرين.
سيقول عني عبيد (النسوان) الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا: إني جامد، وإني رجعي، وما إلى ذلك من الأقاويل، ألا فَلْيقولوا ما شاؤوا، فما عبَأْت يوماً مَّا بما يقال عنِّي، ولكني قلت ما يجب أن أقول» (1).
وإنما أطلت في هذا؛ لفشوِّه اليوم بين طلبة العلم، وموافقته لشهوة الرياسة وحبِّ الظهور، وما علم المسكين (صاحب الإرجاء الفكري) أن من كذا حاله رُمِي بعد إتمام الغرض منه، وكَثُر ذامُّوه وقلَّ حامدوه أو عُدِمُوا، وأعظم من هذا: أن الله هو الذي مَدْحُه زين وذمه شين، وإذا أحب الله عبداً أمر جبريل أن يحبه فيحبه، ثم ينادي في الملائكة: أن الله يحب فلان فأحبوه، فيحبونه (2)، و «من ابتغى رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عليه الناس، ومن ابتغى سخط الله برضا الناس سخط الله عليه وأسخط عليه الناس» (3).
ومن تمسك بالنص الشرعي، وأذعن له فكرُه، وخضع له عقلُه، نجا من هذا الإرجاء، مع تعلُّقٍ بفهم السلف الصالح لا سواه، والبعد عن المحدَثَات الفكرية، أو محاولة تطويع الدين بما لم يأذن به الله، والعلم النظري بأننا في زمن الفتن كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «فتن كقِطَع الليل المظلم، يصبح فيها الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي كافراً ويصبح مؤمناً، يبيع دينه بعَرَض من الدنيا قليل» (4)، ثم تطبيق هذا العلم النظري، مع دعاء الله الثبات؛ كما كان يفعل - صلى الله عليه وسلم - حينما يُكثِر من قول: «اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك» (5)، ويسأل الله حُسْن الخاتمة.
أسأل الله لي ولك حُسْن الخاتمة.
المصدر: مجلة البيان
_________
(1) انظر جمهرة مقالات أحمد شاكر: 2/ 591 فما بعدها.
(2) انظر: صحيح البخاري، وصحيح مسلم، (2637).
(3) انظر: سنن الترمذي، (2414). قال الشيخ الألباني: صحيح، وصحيح ابن حبان، (276). قال عنه الأرنؤوط: إسناده حسن.
(4) أخرجه مسلم، (118).
(5) سنن ابن ماجة، (3834)، والترمذي، (2140)،وصححه الألباني في تعليقه عليه.(2/23)
الضوابط الشرعية ... رؤية ليبرالية
محمد بن أحمد الزهراني
17 شعبان 1431
كنت شخصيا ممن يرى أن أهل الفضل والعلم - ممن شرفهم الله بالعكوف على البحث والتقصي في معرفة مراد كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم - قد يكونون وقعوا في شيء من المبالغة في قاعدة سد الذرائع حتى رأوا سيئا ما ليس بالضرورة يؤول إلى محذور شرعي.
وكنت أقول في نفسي: رحم الله علماءنا وعفا عنهم, إن حدبهم على هداية الأمة وصلتها بخالقها العظيم وهدي نبيها الكريم أدى بهم إلى التوجس من مآلات وهمية هي أبعد ما تكون عن مجتمعنا النقي الذي قد تضلع بكافة أطيافه بالعقيدة السليمة والرغبة فيتمثل هدي الرسول صلى الله عليه وسلم مظهرا ومخبرا وإن تفاوت الناس بعد ذلك في هذا التمثل قلة واسكثارا, وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
والآن وبعد مرور عقد تقريبا على هذه الطفرة الجينية في الخريطة الوراثية لإعلامنا بكافة أجنحته, إلى أين وصلنا؟
تتبع معي أخي الكريم مسيرة طرحنا الإعلامي المحلي عبر العقد الماضي واضرب كفاً بكف حينما يتملكك العجب.
كانت أكثر المقالات الزئبقية تساق متدثرة بلافتات "حسب الضوابط الشرعية"!
كانت البداية الوجلة تبرز قرنها عل هيئة دعوة إلى قبول الآراء الفقهية الأخرى ما دامت حسب الضوابط الشرعية. نعم, فما المانع أن تترك للمرأة الحرية في كشف وجهها ما دام رأيا فقهيا معتبرا يقرها على ذلك؟
وما المانع أن يساهم الشعب في الشركات المساهمة المشتبهة ما دمنا لا نعدم من يفتينا بذلك؟
وما المانع أن نحاور الأديان الأخرى بغية تبيين الحق وإقامة الحجة؟
وما المانع أن يتعلم أفراد الشعب اللعبة الديموقراطية وصناديق الاقتراع ويختارون من يمثلهم في مؤسسات المجتمع المدني؟
اليوم لم نعد نسمع عبارة "حسب الضوابط الشرعية" فقد وسدت التراب إلى جانب العبارة الشهيرة " نشجب ونستنكر الانتهاكات الصارخة للعدو الصهيوني" ,فأحسن الله عزاء الجميع في العبارتين.
نعود إلى طرحنا الإعلامي لنرى عن ماذا تمخضت هذه الدعوات المتنسكة بالضوابط الشرعية؟
حرب شعواء ضد الجهة الوحيدة المخولة لوضع هذه الضوابط الشرعية, إسقاط لرموز أرباب المعرفة بالعلم الشرعي والدعاة إلى الاحتكام لشرع الله المطهر.
من منا ينسى تلك الليلة الليلاء التي تقاسم فيها القوم على أن يبيتوا أحد أعلام المعرفة بالضوابط الشرعية التي يتشدقون بها ثم بعد أن جاءوا على قميصه بدم كذب وتم لهم ما أرادوا, خرجوا بكل صفاقة ليقولوا "ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون"!!
لا يحتاج الأمر إلى كبير عناء ليعرف مدى كذب دعوى الضوابط الشرعية, بل ليس الأمر أبعد من شخص قدم لك لحم خنزير وقال لك "تفضل, مذبوح بالضوابط الشرعية".
وإن أردت الدليل على ما أقول فعليك برصد الجناح المرئي لإعلامنا وكيف انه قد استحال في كثير من برامجه إلى عروض للأزياء ومتاجرة بهذه المشاهد , فقط لنرفع أسهمنا عند "الآخر" ويشهد لنا بالوسطية والاعتدال كما يراها هو.
رجل وامرأة قد لبسا وتزينا و"تمكيجا" ثم "انتصا" ليتحادثان ويتمازحان طوال ساعات الصباح وكأنهما في "صباحية مباركة" ... !! تدشين أول فيلم سينمائي احتشد فيه كل شيء .. إلا الضوابط الشرعية طبعا!!
دعوات لصرف قضايا اعتراض على بعض الكتابات والسلوكيات عن مسارها الشرعي إلى مسار خرج من عباءة ثقافة"الفيتو" الغارقة في الظلامية والجاهلية.
مهرجانات غنائية أدركتها حمى الطفرة الجينية لتطعم المهرجان الغنائي السنوي بأصوات ناعمة غابت صورها هذا العام , ولو حلفت ما حنثت أنها ستظهر في العام القادم .. وليس الذي يليه.(2/24)
احتفالات صيفية على شرف "نجوم ونجمات" الفن الكوميدي في ليلة جنوبية رقصت طوال ساعات الليل على جثمان الضوابط الشرعية.
دعوات لحوار الأديان لم تكن إلا دعوة لإخاء الأديان , تبشر بها أجنحة إعلامنا المختطفة بعبارات لا تحتمل تأويلا " نريد الناس أن يتمسكوا بالأديان الإبراهيمية الثلاثة ففيها الخير للإنسانية جمعاء ... قرآن .. توراة .. إنجيل .. "
وإن شئت لقلت: إنها دعوة لا تهدف إلا إلى إحراز تقدم سياسي اتخذت من هذه الدعوة وسيلة لا غاية.
بل حتى التجربة الخداج لإشراك الشعب في اتخاذ القرار فيمن يمثله وئدت في مهدها والأسباب قيدت ضد مجهول لكن هناك أخبار تؤكد أن الشعب لايزال على قدر من الجهل والسطحية, فلم يكن قادرا على استيعاب التجربة الانتخابية ويؤيد ذلك نتائج الانتخابات!!
ولكنه قطعا سيكون أكثر نضجا بعد أن يروض إعلاميا وثقافيا و"ابتعاثيا!! " , وحينئذ ستطرح التجربة مرة أخرى لأن النتيجة ستكون مرضية كما يريدها المخرج!!
أيها الضوابطيون ومن مكّن لهم , قولوا لنا بربكم من قال من أهل العلم بهذه الصور التي تزعمون أنها لا تخرج من عباءة الشريعة؟
ثم هنا سؤال آخر يلح بشدة , لو استوردنا لكم أراء فقهية من الخارج , هل ستستوعب هذه الآراء تطلعاتكم ورؤاكم المستقبلة؟ أجزم أنكم ستقولون بأفواهكم ما ليس في قلوبكم.
وهل أجدت أراء علماء الشام ومصر فيما يتعلق بحجاب المراة وعملها وما يتعلق بالفن والتمثيل والحرية الدينية والعقدية, هل أجدت شيئا أمام المد الشرس الذي مارسه أسلاف هؤلاء "الضوابطيين"؟
ما عليك إلا أن تنظر بأم عينك إلى واقع تلك المجتمعات التي باتت تردد:
يقضى على المرء في أيام محنته حتى يرى حسنا ما ليس بالحسن
والله لا على ضوابطكم وثوابتكم أبقيتم , ولا بالديموقراطية رضيتم!! {فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}.
اللهم إني أبرأ إليك من هذه الانتهاكات التي ترتكب باسم الضوابط الشرعية.
اللهم إني أعتذر من عجز الثقات وأبرأ إليك من جلد الفاجر.(2/25)
منع غطاء الوجه والتذرع بالذريعة!
إبراهيم الأزرق
17 شعبان 1431
من حجج الحكومات المستبدة بأكثريتها باسم الديمقراطية في منع النقاب أو غطاء الوجه ضرورة التعرف على الشخصية زعموا، وذلك لدواع أمنية.
ومن العجيب أن يبدي قناعته بهذه الدعوى أو يقرها صامتاً عنها بعض المغفلين الذين دأبوا يشنعون على أهل العلم الذين يعتبرون الذرائع الحقيقية، فينبذونهم بالنعوت والألقاب، ويتهمونهم بالتضييق والتعنيت، أما تصرفات الحكومات الغربية من نحو الفرنسية والبلجيكية فتلك هي الحكمة وذلك هو الفقه الذرائعي المعتبر!
مع أن أهل العلم المحققين لا يحرمون من الذرائع إلاّ ما كان قطعي الإفضاء إلى المحرم أو أغلبيه أو كان محتملاً لكن الطبع متقاض لإفضائه، وأما ما يفضي أحياناً فحكمه بحسب المصلحة من ذلك الفعل. أما هؤلاء المتبلجكون والمتفرنسون فيسدون من ذرائع العفة الغالبة أظهرها، ويمنعون من ذرائع المفسدة المتوهمة واحدة من أسمجها!
ولو تساءلنا كم من جريمة في فرنسا أو بلجيكا قد ارتكبت؟ وكم تلك التي كان النقاب سبباً فيها لعلمنا تفاهة الذريعة المدعاة!
إن من الطبعي أن يدعي خبيث أن النقاب أو غطاء الوجه يساعد على ارتكاب الجريمة، ويمنع من التعرف على الجاني، لكن من الغباوة أن نعتقد بأن المجرم إذا جاء يخطط لتنفيذ جريمته فسوف يُعِدُّ الغطوةَ ليعصب وجهه، والجلباب ليَشُلَّ حركته! ربما غاب هذا عن غربي لم يمارس هذا اللباس، وغاية ما يتخيله عنه ما يراه في أفلام النينجا! لكننا معاشر الشرقيين ندرك أن هذا اللباس يقيد حركة المرأة نوعاً ما بحيث لا يدع لها من المجال ما يحتاجه اللص أو المجرم في حركاته ووثباته وركضاته وانثناءاته! والاحتجاج لمنع غطاء الوجه بدعوى الدوافع الأمنية في نظري يشبه الاحتجاج بنفس الدعوى من أجل منع لبس الكعب العالي المُعيقِ عن الحركة! فمن يدري ربما أخرجته وضربت خصيمتها به في يافوخها فكان أمضى من سكين، وربما قذفت به في وجه آخر فكان أنفذ من رصاصة! نعم إنها ذريعة واردة بمنطق فقهاء فرنسا ومشرعي بلجيكا! وإني لا آمن أن تكون نهاية الخطوات المقبلة منع المرأة من الخروج بسوى البكيني في تلك الدول منعاً لذريعة ارتداء الحزام الناسف أدنى الثياب، وليتبين أمر الحوامل من الانتحاريات! إنه فقه مشرعي الكفر فلا عجب! وأعجب منه كلام بعض المستغربات وقالوا: لا تثيروا ضجة ومعركة في قضية لا تسوى -وقاتل الله التأويل الذي أداهم إلى أن بعض أوامر الله لا تسوى- فهؤلاء ربما أفاقوا إذا قررت تلك المجتمعات الخطوة التالية وهي منع الخمار أو غطاء الرأس مطلقاً!
وإذا بدت لك سخافة الذريعة التي يدافع عنها بعض مناهضي قاعدة سد الذرائع في الإسلام مع موافقتها المنقول والمعقول، فاعلم أن للقوم حجة أخرى وهي المنع من غطاء الوجه من أجل التعرف على المجرمين والفارين من وجه العدالة .. ومع أني أعتقد أن هذه مجرد مراوغة لا حقيقة لها، لأن هذا الزي في تلك البلاد مدعاة لاسترعاء الانتباه وتتبع صاحبه من أين يخرج وإلى أين يذهب، وماذا يفعل، لا صرف الأنظار عنه وغض البصر عند مروره! ولأن صويحباته قلة معروفة في مجتمعاتها، ولو أن مجرماً فرنسياً لبس العباية والنقاب ثم خرج لقفش عند عتبة بابه، ولأن التحقق عند الريبة من الشخصية المنقبة ممكن، ولأن الأجدر في التنكر استخدام أساليب أخرى يغير فيها المجرمون خلق الله، بل الأمر لا يستدعي ذلك فعندهم من المساحيق والأشعر المستعارة والأصباغ والأقنعة والنظارات الشمسية ما يباع مشاعاً وهو كفيل بأن يؤدي للمجرم تلك الوظيفة بكل يسر، مع كل ذلك فلو فرضناها دعوى هم صادقون فيها من جهة قصدهم، لحق لنا أن نُبَشِّع بمقصدهم ونيَّتهم المنطوية على اتهام الأبرياء، فعجباً لدولٍ ديمقراطيةٍ البريئةُ فيها متهمةٌ مطالبة بفعل ما يثبت براءتها! كأنهم يقولون لتلك المنقبة المحتجبة أنت متهمة بأنك (جاك مسيرين) فأثبتي خلاف ذلك! والأدهى أنها إذا أثبتت أنها فلانة بنت فلان فعليها حينئذ أن تدفع غرامة! فهل عهدتم دولةً مستبدةً في شرقنا البريئات المنقبات فيها متهمات حتى يدفعن بالبراءة ويبذلن بعد ذلك غرامة؟ لا جرم فقومنا أبرياء من ديكتاتورية الأكثرية في النظم الديمقراطية! كما أن شعوبنا برءاء من التسلط على الأقليات بالأهواء، أما في فرنسا فتوشك ألا تأمن منقبة بعد قليل إذا هي سارت في حدائق بولوني أن يقوم ثلة من العراة الذين يحق لهم نظاماً التسكع هنالك بالاحتساب النظامي عليها عبر الجوال، ليجيء مقلعاً (جيب) هيئة الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف الفرنسية - أو سمِّه ما شئت - متلافيا أجساد العراة، ليعتقل المنقبة!(2/26)
الفتوى ومسألة الحرية
محمد السعيدي
1 شعبان1431هـ
الحرية بدلالتها المصطلحية ماسونية الأصل غربية الولادة والمنشأ، وقد وردت إلينا مثقلة بدلالاتها العقدية والاجتماعية والسياسية بحيث أصبح نقلها إلى دلالات أخر لم يجمعها بها أصل ولا منشأ شبه متعذر إلا إذا قبلنا تشويه المدلولات المعهودة لنا بحشرها تحت مظلة هذا المصطلح الغريب في دلالته على ثقافتنا، وإن لم يكن غريبا من حيث تكوينه اللغوي.
جاء إلينا هذا المصطلح كالزيت الساخن الذي يشوه كل ما يغمس فيه، ورغم ذلك فقد سارعنا إلى غمس أجمل ما لدينا داخله دون أن نلتفت إلى حجم ما يلحقه ذلك فيها من أضرار.
أصبحنا نكرر دون أن ندرك تماما ما نقول: حرية العقيدة، حرية الفكر, حرية التعبير, حرية الرأي، حرية المرأة، حرية الاقتصاد.
حاول بعض المفكرين منذ مطلع القرن الحديث استغلال هذا البريق المنطلق من هذا المصطلح للدعوة إلى الإسلام فنادوا لأجل ذلك بأن الإسلام دين الحرية أو أن الإسلام جاء بالحرية، لكن هذا النداء لم يكتب له الرواج كأسلوب للدعوة إلى الإسلام، لأن المستهدف بهذه الدعوة يفهم هذا المصطلح على وجه لا يمكن أن ينطبق على الإسلام أبدا.
لن ينطبق على الإسلام حتى لو أضفنا اشتراط الضوابط لتكون الحرية إسلامية، لأن تلك الضوابط سوف تكثر وتكثر حتى لا يمكننا أن نصدق إلا مجاملة لأنفسنا أن الحرية تتفق مع الإسلام.
وصل تشويه مصطلح الحرية إلى الفتوى التي هي في الأصل اجتهاد في الإخبار عن مراد الله تعالى من أحكام تكليفية على أفعال العباد، ومع ذلك أصابتها في أيامنا الأخيرة آفة الحرية، فأصبحنا نسمع عن حرية الفتوى، أي حرية القول على الله تعالى، وحرية التقدم بين يدي الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وكنت أسمع مثل هذه الدعوى من بعض الكتاب في صحافتنا والصحافة العربية ولم أكن أقابلها بأكثر من زم الشفتين والدعاء لهم بالهداية، لكنني اليوم أصبحت أقرؤها في بعض الكتابات التي تنحوا منحى العلمية والتأصيل، وفي كثير من تفاعلات القراء على ما يكتبه العديد ممن ينادون بضبط الفتوى في أيامنا هذه.
من هنا بدا لي أن مصطلح الحرية بحمولته الماسونية وصل في فكرنا المعاصر إلى حد ينبغي أن ينتبه إليه، فقد وصل إلى حيث لا ينبغي أن يصل.
إن الحرية لم ترد في مصادر الإسلام إلا في مقابل الرق ولم ترد أبدا في معناها الذي نروجه اليوم لها، بل إن هذا المعنى الذي ندعمه جميعا اليوم للحرية لا يمكن أن ينسجم مع ما جاء به الدين من تفاصيل تقيد حياة العبد من حين يستيقظ إلى أن ينام مرة أخرى، بل حتى في أثناء نومه ربما نقول إن أحكام الشريعة لا تفك مرتبطة به.
فالإنسان مستعبد لله تعالى اضطرارا والمسلم مستعبد له اختيارا، هذا هو المعنى الذي ينبغي أن نقرره وننطلق في فهمنا للحياة من خلاله، فالمسلم عبد لله في عقيدته وفكره ورأيه، رجلا كان أم امرأة، لا فكاك للرجل عن عبودية المولى عز وجل كما لا فكاك للمرأة.
والفتوى أخص من ذلك فهي في ذاتها عبادة لله عز وجل كالصلاة والزكاة والصوم والحج، وهي فرض عين على من تعينت عليه وفرض كفاية على من تأهل لها وحرام على من ليس كذلك.
إن شأن العبادات أن تستكمل شرائطها وهي لوازم صحتها التي تسبقها، وأركانها وهي لوازم صحتها التي تصاحبها، وواجباتها وهي أجزاؤها التي تتكون منها، ومن تعمد أداء العبادة دون تحصيل الشرائط وإقامة الأركان والواجبات فقد ارتكب إثما ووطئ حراما، كما أن للعبادة أيضا أوقاتها التي لا تصح في غيرها.
ولا تختلف الفتوى عن أخواتها من العبادات في شئ من ذلك أبدا، فلها شرائط وأركان وواجبات وسنن وآداب يعرفها كل من درس الفتوى واتقى الله في أدائها.(2/27)
فمن أداها ولم يستكمل شرائطها فهو كالمصلي على غير طهارة أو الصائمة في وقت العذر لا يحصلان مما فعلا إلا معصية لا يلغيها عنهما إقامتهما لتلك العبادة صحيحة الظاهر في أعين الناظرين.
وكل تلك القيود تنافي مقالة اللاهجين بحرية الفتوى، المستطيلين عليها دون قيود أو حدود.
بل ثمة قيد مهم قد يخفى على بعض المحصلين لشيء من مقومات الفتوى، ألا وهو الحكمة في بيان العلم وحساب مآلات الخطاب ولوازمه، فإذا كان الناس على خير واجتماع على فتوى صحيحة فليس من الحكمة بل ليس من الدين أن تفرق جمعهم وتشيع الفوضى بينهم من أجل رأي رأيته يخالف ما انطوت عليه صدورهم وتقبله سائرهم إلا عند من اختصك بالسؤال وطلب منك المشورة فلك أن تحيله إلى رأي الكافة ولك أن تخبره بما توصل إليه اجتهادك إن كنت من أهل الاجتهاد، دون أن تتكلف إشاعة الفوضى ومصادمة الناس، هذا فيمن استكمل شرائط الفتوى وأركانها، وللسلف في ذلك أخبار عجيبة لعلي أفرد لسردها مقالا خاصا، وقد بلغ من عنايتهم بهذا الملحظ أن يقول علماؤهم: قد يكون من السنة ترك السنة، وقد شرح ذلك ابن تيمية رحمه الله في القواعد النوارنية بأن ترك بعض السنن أولى من فعلها إن رأى المفتي أن في إظهارها شئ من مفاسد الفرقة والضوضاء، قال رحمه الله عند حديثه عن خلاف العلماء في البسملة في الصلاة: (ويستحب للرجل أن يقصد إلى تأليف القلوب بترك هذه المستحبات، لأن مصلحة التأليف في الدين أعظم من مصلحة فعل مثل هذا، كما ترك النبي تغيير بناء البيت لمارأى في إبقائه من تأليف القلوب، وكما أنكر ابن مسعود على عثمان إتمام الصلاة في السفر، ثم صلى خلفه متما وقال: الخلاف شر).
وكما أن الخلاف شر في نص ابن مسعود رضي الله عنه، فإن استبدال الحديث عن تمحيض الاستعباد لله تعالى بالحديث عن الحرية والتغني بها شر أيضا والله المستعان.(2/28)
الثورة الإصلاحية وكَشْفُ المُغَطَّى
ناصر العلي
جامعة أم القرى
1 شعبان 1431هـ
الإصلاحُ كلمةٌ لها بريقُها ورونقُها، {قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ}. والفساد ممقوتٌ ممجوجٌ، {وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ}. وكفى بالإصلاح شرفًا ومطلبًا أن يدَّعيَه كلُّ أحد، ولو كان منافقًا: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لا يَشْعُرُونَ}
ولأن مركبَ الإصلاح مُوَطَّأُ الأكناف، استوى على ظهره، وامتطى صهوةَ جوادِه كلُّ زاعم للإصلاح، سواء ممن في قلبه مرض، أو ممن حسنت سريرته، لكنه حاد عن جادَّة الطريق: "فكم من مُريدٍ للخير لا يصيبه! ".
فأما الذين في قلوبهم مرض، وفي منهجهم دَغَل، وفي تفكيرهم خلل، فبينهم وبين المؤمنين بُعْدُ المشرقين: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً}.
لماذا؟؛ لأن مرجعية التحاكم متضادة، هم يحاكمون الناس إلى العقل والليبرالية والغربية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً}، بينما علماء الشريعة يقولون لهم: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً}.
ولهذا فلا غَرْوَ أن ابتدع التغريبيون تصنيف المجتمع إلى: إصلاحيين (يعنون أنفسهم، ومن دار في فَلَكِهِم من الشرعيين المنفتحين المتساهلين المتلاينين)، ومحافظين (يعنون العلماء والدعاة الجامدين التقليديين المعوقين مسيرة الإصلاح في نظرهم).
وأَيْمُ الله! {تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزَى}؛ لأن وصفَ المؤمنين - من الأنبياء والعلماء والصالحين - بالفساد، ونَزْعَ صفةِ الصلاح عنهم غَدْرةٌ يهوديةٌ: {قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْساً بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ الْمُصْلِحِينَ}، وهي أيضا شِنْشِنَةٌ فرعونيةٌ: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ}.
لكنَّ اللهَ جلَّ جلالُه - الذي يعلمُ المصلحَ من المفسد - حدَّدَ معيارًا كاشفًا لحقيقة الإصلاح في قوله: {وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}. وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ}. ولهذا كان الأنبياء - والعلماء ورثة الأنبياء - هم الإصلاحيين الحقيقيين، قال شعيب عليه السلام: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}. وقال تعالى: {وَقَالَ مُوسَى لأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ}.(2/29)
وفي غضون السنين الأخيرة تفاقمتْ حِدَّةُ الناقمين على العلماء عامَّةً والمفتين خاصَّةً المعروفين لدى كافَّة الناس أجمعين. فنبتت نابتةُ ثوارٍ إصلاحيين من: منافقين مفسدين (ممن في قلوبهم مرض). وشرعيين متعالمين ليس لهم في العمق العلمي وِرْدٌ ولا صَدْرٌ. وشرعيين عالِمِين مُسْتغفَلين، يُستكتبون ويُستفتون، فتقع منهم موبقات حين يقصدون مجرد الإفتاء، بينما مُسْتغفِلُهم يقصد التوظيف الفكري لخدمة مُبَيَّتَاتِه فحسب.
إن العجب ليأخذ منك كل مأخذ حينما ينبري من كان أَحَبَّهم الناسُ لحبهم سنة النبي صلى الله عليه وسلم واشتغالهم بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومن كان يترنَّم بآياتِ الذكر الحكيم، ومن كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ومن كان يدعو الناس إلى الخير، ومن كان يخطب خطبة تسير بها الركبان، ومن كان يلقي درسًا أو محاضرة يحتشد لها الألوف ثم يعلن عن منهجِ حِقْبةٍ جديدةٍ، ومسلكِ إصلاحٍ قادمٍ وخطابٍ تجديديٍّ متناغمٍ مع ما يُراد عالميًّا ومحليًّا.
مَنْ مِنَ الناس لا يهوى الإصلاح والتجديد في زمن فُشُوِّ الفساد والركود!!. لكن بكل خيبة أمل، لم تكن أطروحاتهم الإصلاحية الثائرة سوى الهجوم على الفتاوى السائدة، والمنهجِ الذي ارتضع الناسُ لَبَانَه، واقتنعوا بصحته بالدليل والبرهان، عنوانه: "ما أنا عليه وأصحابي".
إنك لا تكاد تبصر في مقالاتهم نور الوحيين، ولا تقرأ فيها آيةً أو سنةً، بل يكررون ذات المضامين الليبرالية، لكنْ المتحدثُ الرسميُّ بها "شخصيةٌ ذاتُ صبغةٍ شرعيةٍ"؛ لعلها تحقق الغرض الذي عجز عنه أساطينُ الحرية والعلمنة.
إنني لست ألج باب النوايا، فلعلها حسنة، ولكني آسى على الاستغفال الكُبَّار لهؤلاء الشرعيين حينما يكونون أدواتٍ بأيدي المفسدين (الإصلاحيين زعموا)!.
إن المجتمع المحافظ على دينه، المستمسك بكتاب ربه، لما رفض الأفكارَ الفَجَّةَ التي تُسمّى "إصلاحية"، عمد المفسدون إلى أسلوب إلباسِها اللُّبوسَ الشرعي، بتسخير مَنْ يتَتَبع المتشابهاتِ ابتغاءَ الفتنة (منهج الذين في قلوبهم زيغ)، والإعراضِ عن المحكمات (منهج الراسخين في العلم).
إن المفسدين في الأرض باتوا ورقةً مُهْتَرِئَةً، صَكَّت الناسُ آذانَها عن سماع ضجيجهم وفحيحهم، فلجؤوا إلى التترس ببعض الشرعيين؛ لعل فتوىً شاذةً من هنا، أو هجومًا كاسحًا على العلماء من هناك، يجدي فتيلا في تزهيد الناس في تلقي ثوابته الدينية التي تقف صخرة شماء تنكسر عندها قرون الناطحين لها.
يا ناطحًا جبلاً يومًا لِيُوهِنَهُ أَشْفِقْ على الرأس لا تُشفق على الجبل
إن مما يبتهج به فريقُ حملة المشروع الإصلاحي المفسِد أو المستغفَل أن ثورة المعلومات أحدثت هِزَّةً بل زلْزلةً في القيم والعادات، أكانت هزةً حميدةً أم خبيثةً؟ ليس مُهمًّا عندهم، المهم الثورة على السائد. هؤلاء الثوّار أَرْغَوا وأزْبَدوا على الفتاوى السائدة، يا وَيْحَها!! لِمَ لا تحكي الخلافَ الفقهي؟! لماذا تُلْغِي الرأيَ الآخرَ بغير سبب يُوجب الإلغاء؟. وما أدراهم بأنه لا سبب يوجب الإلغاء؟!
عَجَبٌ ما ينقضي منه العجب!! يريدون عَرْضَ الفتاوى لعامة الناس على طريقة "الفقه المقارن"، تلك المادة التي يستصعبها كثيرٌ من طلاب الجامعات. وكأن المطلوبَ تعليمُ العوام وتدريبُ المستفتين وفق منهج "بداية المجتهد ونهاية المقتصد".(2/30)
وراح الإصلاحيون الثائرون يراهنون على جمهور الناس بأنهم فقدوا الثقة في علماء الإفتاء الرسميين!. ولستُ أدري سرّ هذه المراهنة، ونحن نشاهد برامج الإفتاء في الإذاعة والتلفاز والمواقع الإلكترونية يتقاطر عليها الناسُ زُرافاتٍ ووِحْداناً من شتى بقاع الدنيا بالاستفتاءات، وليس ثمّة من المفتين - في الأعم الأغلب - سوى المحافظين على دينهم الراسخين الثابتين في خِضمّ الانقلاب الحاصل.
وربما تحجج الثائرون الناعون على العلماء باستقطاب الفتاوى الشاذةِ المسْتَغرَبةِ الجماهيرَ المسكينةَ المنْخَدِعةَ عبر السنين بالفتاوى السائدة!!
فوَاثُكْلَ أُمِّيَاهْ! ما جرى هذا الاستقطابُ - إن سُلِّمَ زَعْمُه - إلا لتلميعِ الإعلامِ الرؤوسَ الجُهَّالَ ذوي الأقوال الجاهلة الموافقة للأهواء، مصداقًا لحديث المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «إنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» متفق عليه.
إن ثوار الإصلاح يتخيلون أوهامًا، ويبنون عليها كلامًا. ويَنْسِجون تُهمًا ضدَّ علماءِ الفتوى المعروفين، فيصدّقونها، ويَقْسِرون الناس على تصديقها قسْرًا، وما هي إلا هُراءٌ جِزَافٌ.
تخيلوا إصلاحيًّا شرعيًّا يُلصق تهمةً - لا أساس لها من الصحة - بالمفتين من العلماء أنهم يتبعون سياسة كتمان الأقوال الفقهية المعتبرة، تمَّ الكشف عنها بوسيلة لوحة مفاتيح الكمبيوتر، وبالنشر الصحفي للآراء الغريبة، والفتاوى الضالة، والأقوال المنحرفة.
والأغرب من ذلك - وهذا من غرائب المحاكمات الإصلاحية في زمن الديمقراطيات - الإلحاح بمطالبة العلماء بتصحيح مسيرتهم الإفتائية بالتوبة النصوح وفق شروطها الأربعة: الإقلاع عما هم فيه من التشنيع على الأقوال المعتبرة، والندم على ما بدر منهم من فتاوى لم يحكوا فيها خلافا، والعزم على ترك العودة إلى طَيِّ الخلاف وكتمانه مستقبلا، والاعتذار الجميل لكلِّ مفتٍ إصلاحيٍّ أُسِيء إليه يَتَّبِع سياسةَ بسط الخلاف الفقهي للمستفتين العوام.
أرأيتم حجم الشَّطَح، وعمق الهُوَّة، وفداحة الأوهام التي تُعَشْعِشُ في أفهام الثوار المصلحين الجدد.
وبميسورك الكشفُ عن فِرْيَةِ هذا الزعم الإصلاحي في ترميم الفتاوى بطرح هذا التساؤل: ما الذي طرأ على مشهد الفتاوى في غضون السنوات الأخيرة؟!
إننا لم نسمع أو نقرأ أقوالا وجيهة أو خلافا معتبرا أو آراءً لها حظُّها من النظر، وما دامت كذلك، فلا ضير من إغفالها، من بعد ما تبيَّن أنها أطروحاتٌ شاطَّة، وآراءٌ شاطحة، وفتاوى شاذة.
إن أدعياء الإصلاح مطالبون بحشدِ طائفةٍ من الأمثلة - ولا يكفي المثالُ ولا الاثنان ولا الثلاثة - التي باستقرائها وتتبعها يظهر المخبأ الذي كان يستبطنه العلماء حينًا من الدهر، فانكشف بضغطة زر.
وإلا فَلْيَصدقْ فيهم قولُ الشاعر:
والدعاوى ما لم يقيموا عليها ... بيناتٍ أبناؤها أدعياء
وحينئذٍ فليكشفوا هم مُغَطَّاهم، وأسرارَ ثوراتهم، وارتدائِهم سرابيل الإصلاح التي لن تقيهم من أوهامهم الفكرية، وهي أحوج ما تكون إلى الإصلاح.
وأخيرًا: لا يمكن القول بعصمة العلماء، ولا بقداسة اجتهاداتهم، ولَيْسَتْ مؤسساتُ الفتوى خاليةً تماما من الملاحظات. ولكن في نفس الأمر ليس من المسلك الرشيد انتهاجُ أسلوب الثوار الإصلاحيين، الذي ينعى على علماء الفتوى المشهودِ لهم من الخاصّ والعامّ، مع التشْكيك في مصداقيتهم، والطعن فيهم.
وإذا أشفق المصلحون المزعومون من سقوط الرموز العلمية لدى الناس، فليخشوا أيضًا على أنفسهم، فهم أول من سيحيق بهم السقوط، ولن يسلموا من نقاش الإصلاحيين الشرعيين الحقيقيين لهم، فضلاً عن هجمات الناس عليهم، لماذا؟
لأن الله تعالى يقول: ?إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ?.
وأعوذ بالله من الحَوْر بعد الكَوْر، واسأل الله الهداية والثبات للجميع إلى سواء السبيل.(2/31)
القول الشاذ في الفقه الإسلامي ودعوى اكتشاف الإسلام من جديد
د. هيثم بن جواد الحداد
28 رجب 1431هـ
لم تكشف "زوبعة الفتاوى الفقهية الأخيرة" وما تلاها من انتصار البعض لها عن أزمة في التعاطي مع المسائل الفقهية بقدر ما كشفت عن خلل في رؤية البعض للعلاقة بين الشريعة والحياة، وأن عددًا من الإسلاميين لديهم "القابلية لللبرلة"، تشبه إلى حد ما قابلية رجال الدين النصارى للعلمنة في ما يعرف بعصر التنوير.
صحيح أنّ المسائل مدار البحث لا يعدوا أكثرها إلا أن يكون مسائل فقهية فرعية، لا تتحمل مثل هذا الضجيج، لكن الانحراف في منهج الاستدلال الذي يتسلل أصحابها من خلاله يعتبر أشد خطورة من ذات المسائل نفسها، وأشد خطرا منه الرؤية التي تحكم البعض، والتي تجعل من "قابلية بعض الإسلاميين لللبرلة" أو "قابليتهم للعلمنة المهذبة"، في ظل غياب مرجعية شرعية، واختطاف قوى ذات وجه عصراني إلى حد ما للمشهد السياسي الإسلامي، أمرًا يبعث على القلق.
تعالج هذه المقالة واحدة من تلك المخاوف؛ الانحراف في منهج الاستدلال، فلا يعنينا كثيرًا الموقف من القضية الفقيهة عين البحث، بقدر ما يعنينا المنهج الأصولي المتبع للخروج بالرأي الراجح المتبنى من قبل عدد من المنتسبين إلى العلم، فانحراف هذا المنهج سيولد أراءً منحرفة لا يخترمها ضابط ولا ينتظمها كتاب، وعليه فإن علاج الخلل في المنهج ذاته يتخذ أهمية أكبر من علاج المسألة الفقهية نفسها.
وقد ذكرت في مقال سابق أن هذا المنهج أصبح يتكئ على قضيتين رئيسيتين:
ـ العبث بمقاصد الشريعة، ومن ثم التستر بها.
ـ العبث بالتراث الفقهي، والتستر بالعمل بالدليل وترك التقليد، بحجة أن ثمة من قال بهذا القول أو عمل به.
هاتان القضيتان أفرزتا "زبدًا" كثيرًا وأخرجتا لنا قضية تتخذ لونًا جديدًا كلما بهت لونها السابق؛ إعادة قراءة النص، لكننا نحن اليوم بصدد ترهة أخرى؛ إنها عملية إعادة اكتشاف الإسلام.
وقد نتج عن ذلك تصدع في الصف الإسلامي في وقت المسلمون في أشد ما يكونون لتوحيد صفوفهم والتمسك بسبل النجاة.
وكثير من هذا الزبد، خبيث مردود، ومنه ظاهرة تبني الأقوال الشاذة، وعمل بعض المنتسبين إلى العلم وأصحاب الدعوى إلى الوسطية والانفتاح والإصلاح إلى حيز الخلاف المعتبر الذي لا يشنع على من قال به، بل على احترامه، فتخندق بذلك مع الأسف الشديد مع جمع من أعداء الإسلام،
ولا أظن أن هذه الظاهرة يمكن أن تعالج إلا بعمل متواز يجتمع فيه التركيز على منزلة الآخرة من الدنيا في نفوس العامة، بل وفي نفوس بعض المنتسبين إلى العلم، من ناحية، ثم بتأصيل شرعي لحقيقة القول الشاذ من ناحية أخرى ـ وهو موضوع مقالتنا هذه ـ، فإن متبني مثل هذه الأقوال يرى أن قوله قوي يؤيده الدليل، ومن ثم فإنّ مجرد اتهام صاحبه بأنه ليس من أهل الفتيا، أو ليس من أهل العلم، إن لم يسهم في التأصيل العكسي للقول الشاذ، وربما تعاطف البعض معه، فإنه لن يسهم في حل القضية من جذورها، لأن صاحب القول الشاذ ينظر إلى نفسه أنه من أهل الفتيا، وينظر إليه كذلك كثيرون، ثم ماذا لو كان فعلا من أهل الفتيا، أو ممن أشتهر اسمه كأحد أهل العلم، أو رموز الدعوة، فلن يكون وصمه بذلك مقبولا عند تلك الجماهير التي أقبلت عليه واعتادت على الأخذ منه.
وأما القول بأنه خالف كبار أهل العلم في بلده، فإنه في المقابل وافق بعضًا من كبار أهل العلم في بلد آخر، فهل يقال أن لكل بلد قولاً شاذًا، أم يقال بأن الشذوذ في القول أمر نسبي خاضع للحدود الاجتماعية والسياسية؟ وعليه فيبدوا لي أنه لا مناص من أمرين:(2/32)
الأول: التقعيد الأصولي للقول الشاذ، والثاني أن يكون ذلك التقعيد مما يمكن أن يتفق عليه جمهور الأمة، أو في أقل الأحوال أن يسلم من النقض الموجه إليه من الطرف المقابل.
* حقيقة الإجماع وروحه:
استقر في الشريعة أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة، وعلى هذا تواردت آيات وأحاديث عديدة، فمنها {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103] و {وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، ((لا تجتمع أمتي على ضلالة))، و ((عليكم بالجماعة، وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية))، و ((الجماعة رحمة والفرقة عذاب)).
وهذه الآيات والأحاديث هي الروح التي ولدت لدى المسلمين منذ العهد الأول قناعة بأن ما اجتمع عليه المسلمون هو الحق، فلا يجوز لأحد أن يخالفهم، ومن خالفهم فقد شذ، اتضح هذا جليًا في أمر الخلافة عامة وخلافة الصديق خاصة، لأنها هي الحدث الذي يمكن أن تتناقل الأمة في ذلك الوقت بما أوتيت من وسائل اتصال الاتفاق عليه، أما المسائل العلمية الأخرى فلم يكن لدى المسلمين الأوائل لا شبكة انترنت، ولا هواتف جوالة، ولا أجهزة تلفزة يطلعوا من خلالها على جميع آراء العلماء في آن واحد، فلم يتبلور الإجماع الأصولي بصورته التي تحدث عنها كثير من الأصوليين في كتبهم، إذ لا يتصور هذا قط، ولهذا قال الإمام أحمد (وما يدريك لعلهم اختلفوا).
ومع هذا كله، فثمة نصوص في عهد مبكر تشير إلى أن اجتماع الأمة على قول، بصرف النظر عن تقصي قول كل عالم أو من يقبل قوله في مثل هذه المسائل، فعن ضمرة عن أبي إسماعيل الكوفي قال سألت عطاء بن أبي رباح عن شيء فأجابني، فقلت له عمن ذا فقال ما اجتمعت عليه الأمة أقوى عندنا من الإسناد. إذ يبعد أن عطاء ابن أبي رباح الذي توفي 114 هـ، قد استقصى قول كل من انتسب من أهل العلم، والغالب أنه قد اكتفى أنه بما اشتهر عن العلماء ممن سمع بهم.
ثم لما صنف الشافعي (ت 204هـ) الرسالة، وهي أم الكتب في أصول الفقه، فطن لإبراز أدلة أخرى تدل على وجوب الانقياد للإجماع بصورة أصولية، فمن أشهر ما استدل به قول الله جل وعلا {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 115]، ثم أخذت نظرية الإجماع الأصولي في التشكل والتبلور وبدأت تعريفات "نظرية تظهر له"، ولما كان معرفة اتفاق جميع العلماء في آن واحد غير متصور من الناحية العملية، أخذت تعريفاتهم تتباين تباينا صغيرًا أو كبيرًا حول ماهيته.
لكن الاتساع في حركة التصنيف وانتشار الكتابة في بداية القرن الثالث الهجري ساهم مساهمة فعالة في تدوين أقوال العلماء، لا سيما أقوال الصحابة والأجيال الأولى من الفقهاء والعلماء، وعزز من قابلية معرفة ما اجتمع علماء الأمة عليه، وما اختلفوا فيه ـ وإن كان لا يتصور أن يحدث ذلك كما نتصوره نحن وقد عشنا في عصر الاتصال وانتقال المعلومة في جزء من الثانية ـ بل وعزز من دور الإجماع كمصدر للتشريع بجانب الكتاب والسنة، بل ومصدر لفهم نصوص الوحي، ومن ثم قدمه بعض العلماء عند ترتيب أدلة بعض المسائل على الكتاب والسنة، كما فعل ابن قدامة في المغني وغيره.
هذا العرض المختصر يهوّن علينا قبول وجود بعض الآراء التي تبناها بعض أهل العلم في زمن من الأزمنة، لكن أحدًا من تلامذتهم المقربين لم يتابعهم عليها، ولم تصبح مذهبًا متبوعا في أي من بلاد المسلمين، وهذا من حفظ الله لهذا الدين.(2/33)
هذه الآراء التي انفرد بها بعض أهل العلم، جعلت مدوني أصول الفقه يختلفون "نظريًا" إزاء العلاقة بينها وبين الإجماع، فبعض العلماء نظر إليها أنها مجرد آراء لا تؤثر في انعقاد الإجماع، كما فعل ابن جرير الطبري، وابن المنذر، والنووي وغيرهم، وبعضهم نظر إليها على أنها قادحة في انعقاد الإجماع، لكن معالم الخلاف بين الفريقين تكاد تتضح حقيقتها بتصور وضع "الاتصال بين البشر" في ذلك الوقت.
فمن قال بأن مخالفة الواحد أو الاثنين تضر بانعقاد الإجماع، تحدث عن انعقاد إجماع في وقت معين، كأن تبحث مسألة وجوب قراءة الفاتحة على المصلي أيًا كان إمامًا أو مأمومًا في عام 300 هـ، فيرى الجميع أنها واجبة، إلا أن ابن جرير الطبري يخالف في ذلك فيرى أن المصلي لو قرأ من القرآن أحرفًا تساوي أحرف سورة الفاتحة صح ذلك له، فلا يتصور أحد عندئذ أن يُشنَّع على ابن جرير الطبري صاحب العلم الذي تحدثت الركبان بجلالته، ولا يجرؤ أحد أن يقول في ذلك الوقت "أجمعت الأمة على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة"، فأين هم من ابن جرير؟ لكن السنون تمضي، وهاهم تلامذة ابن جرير تهجر قول شيخها، ثم تتابع الأمة قرنا بعد قرنا على هجرانه، فعندئذ سيتضح لدى الرائي أن ابن جرير قد انفرد بهذا القول، وأن الأمة قد أجمعت على خلافه، ولن يتعذر على بعض العلماء أن يتصور أن الإجماع ينعقد حتى مع مخالفة واحد أو اثنين.
هذا ما نقوله تنظيرًا، لكنني حاولت ـ وما زلت أحاول ـ استقراء المسائل التي انفرد فيها بعض العلماء، وموقف الفقه الإسلامي منها، ووجدت أن ثمة مئات من الأقوال تروى عن عدد من التابعين، وأتباعهم، وجيل الأئمة الأربعة، لم تتبن الأمة شيئا منها، وإنما حفظت ودونت في الكتب الفقه ليس إلا، وبقيت في هذا الحيز، دون أن تتجاوزه لتصبح مذهبا يعتنقه عدد من علماء المسلمين في أي مصر من الأمصار، بل إن تدوينها يزيد من قناعتنا بصلابة مورثنا الفقهي الإسلامي، فإنه لم يخف علينا شيئا، كما أن تتابع إعراض الأمة عن قول انفرد به واحد أو اثنين يؤكد شذوذه، فقد علمت به الأمة، ومع ذلك فما عمل به منها أحد سوى هذا، أو هذين.
ثم إننا إذا تأملنا تحذير العلماء قاطبة من الأخذ برخص العلماء، كقول سليمان التيمي: إن أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله، قال ابن عبد البر: هذا إجماع لا أعلم فيه خلافاً. اهـ.
وأنهم أطلقوا الرخص على ما اجتمع فيه أمران:
أولها: انفراد واحد أو اثنين من العلماء به.
ثانيهما: أن هذا الأمر توسع في الإباحة، أو ترخيص في أمر حرّمه الجماهير.
إذا تأملنا هذا التحذير من هذا الذي أسموه رخصًا لوجدناه يؤيد هذا الاتجاه؛ أي أن مخالفة الواحد والاثنين من العلماء لا تضر الإجماع، ولا يجوز العمل بذلك الانفراد، خاصة وإن كان متعلقا بجانب التيسير ـ في مقابل جانب التشديد ـ.
وقد تتابع العلماء على عبارة مفادها (أجمع أهل العلم إلا من شذ)، وقد أكثر من استخدامها ابن المنذر، ورُمي بالتساهل في نقل الإجماع وبعدم اعتبار مخالفة الواحد والاثنين مناقضة للإجماع، إلا أن كثيرًا من العلماء تناقلوا بعض عباراته مستشهدين بها، وبعضهم قرر عبارات مثلها دون الرجوع إليه، ولولا أن إيراد الأمثلة يصرف ذهن القارئ لها لأوردت عددًا منها، ويمكن الاستعانة بالاسطوانات المدمجة لاستقراء جملة منها، وإلا فكثير منها معلوم لدى طلبة العلم.
ومثل هذا ما انفرد به بعض الصحابة ولم يتابعوا عليه، بل تتابع العمل على خلاف ما انفردوا به، مثل عمل ابن عمر وأبي هريرة في إسباغ الوضوء، ورأي ابن مسعود في ترتيب المصحف وبعض سور القرآن، وقد تأدب العلماء فلم يصموا هذه الآراء بالشذوذ، ولكن أحدًا من العلماء لم يجز متابعتهم عليها.(2/34)
وهنا يبرز السؤال: كيف يقال أجمع العلماء إلا من شذ، أليست مخالفة الواحد أو الاثنين تقوض ـ على مذهب الجمهور ـ انعقاد الإجماع؟ ولا يقف جوابٌ على هذا الإشكال إلا أن نقول إن الأصوليين الذين ذهبوا إلى أن الإجماع لا ينعقد بمخالفة واحد أو اثنين؛ قد ذهبوا لذلك تنظيرًا، أما تطبيقًا فإن الجميع اتفق على أن ثمة شيئًا اسمه قول شاذ، وأنه لا يجوز العمل به، وأن ضابطه أنه ما انفرد به واحد أو اثنين (بل ربما ثلاثة)، وأنه يتعين قبول القول الآخر (أو الأقوال الأخرى)؛ يتعين ذلك سواء سمينا ذلك إجماعًا أم لم نسمه إجماعًا. فحقيقته أنه أخذ حكم الإجماع وإن لم يسمه بعض العلماء إجماعًا!
وخلاصة الأمر، أن القول الشاذ الذي لا يجوز الأخذ به ـ كما هو واضح من اسمه ـ أنه القول الذي ينفرد به واحد أو اثنان (بل ربما ثلاثة من العلماء)، وهذا القول يكون قولا لم تتبناه أحد المذاهب الفقهية الأربعة، أو لم يحك قولاً فيها.
وهنا لا بد لنا من التأكيد على أنه ثمة من تبنى بعض هذه الآراء من غير أهل الأهواء ألئك، إذ قد تبين لهم ما ظنوه دليلاً، إلا أننا لا بد أن نملك قدرًا من الشجاعة لنقول بأنهم قد أخطأوا مع ظننا بأنهم مخلصون، ولا بد لنا من شجاعة مماثلة كذلك لنقرّ بأن بعض من أغلظ في الرد عليهم من أهل المذاهب والتقليد ما حملهم على ذلك إلا غيرتهم على الإسلام وخشيتهم من ظهور مدرسة اكتشاف الإسلام هذه بحجة العمل بالدليل ونبذ التقليد.
لم لا نعمل بالقول الشاذ:
الجواب له أكثر من شق؛ أما أولها، فإن القول الشاذ مخالف إما للإجماع، أو لحكم الإجماع، وقد تقدم ذلك.
أما الشق الثاني، فإن العمل بالقول الشاذ يقتضي ترجيحه على قول أطبقت عليه الأمة جيلاً بعد جيل، خلا أفراد قلائل منهم، وهذا يتضمن أو يستلزم القول بخطأ الأمة، أو القول بتتابع علمائها جيلاً بعد جيل على الضلال، وترجيح الخطأ دون الصواب، وهذا محال عقلا وشرعًا، بل ويلزم منه أن الحق قد خلت الأرض منه مددًا من الزمن، وأن شيئا من دين الله لم يعمل به قرونًا من الزمن في أرض الله بعد بعثة رسول الله، وهذا مخالف لبدهيات دين الله الذي تكفل بحفظه!
ولا يقولن قائل إن الحقّ مع الدليل ولو قل من أخذ به، فإننا لا نتحدث عن قلة فيما يقابل الكثرة، ولكننا نتحدث عن شواذ مقابل جماهير عددها غالب ليس في طبقة واحدة ولا جيل واحد، ولكننا نتحدث عن جماهير العلماء جيلاً بعد جيل، ويبعد أن تتابع هذه الجماهير بأعدادها الغالبة على عدم الأخذ بالدليل الذي استند إليه الشاذ من الأقوال، بل إن الأقرب أن يقال بأن الجماهير الغفيرة من العلماء جيلاً بعد جيل تركت الأخذ بهذا الدليل إما لضعف فيه لم يتبين للمخالف، أو لعدم دلالة معناه على المقصود، أو لوجود معارض له قد خفي على المخالف أيضا.
وعلى هذا، فإن الثورة المعلوماتية، وإن أسهمت في إظهار المخبأ فلن تسهم في تغيير ديننا، ولن نصبح كأهل البدع والأهواء، كلما ظهر لهم من هو ألحن مِن سابقه تبعوه، فلم يبق لهم دين، ولن تساهم الاسطوانات المدمجة في اكتشاف معالم ديننا، أو في صناعة دين جديد لنا، والله حافظ دينه كله من قبل هذه التقنية، وسيحفظه بعدها، ودخول الجنة والنجاة من نار جهنم ليستا معلقة بأقوال في ديننا لم تكشفها إلا التقنية الحديثة.
وأما الشق الثالث: فهو ما تقدمت الإشارة إليه أن العمل بالقول الشاذ، مقارن للعمل برخص العلماء مجتمعة، وهو سبب للمروق من الدين، وطريق سهل إلى الجحيم، والله سيحاسبنا كما أراد، لا كما أردنا، وحسابه عسير، ونار جهنم يدخلها مع الكفار طوائف لا تحصى من المسلمين، لا يخلدون فيها، لكن يوما عند ربك كألف سنة مما يعدون، وصغائر الذنوب ليست حلالا ولا مباحة، وربما اجتمعت على المرء فأهلكته، ولذا حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، هذه أسس "فكرية، عقدية، إيمانية، وعظية" أهملها بعضنا بحجة إصلاح حال الأمة، فأخشى أن لا تصلح الأمة في الدنيا، وأهم من ذلك وأكثر خطرًا أن يدخل كثير من أهلها نار جنهم، نسأل الله السلامة في الدنيا والآخرة.
بقي لدينا أمور لا يتسع لها هذا المقال، بحثت في الكتاب الأصل، أسأل الله أن ييسر إخراجه عما قريب:
الأول: لمَ لا نقول بأن القول الشاذ هو ما خالف الدليل؟
الثاني: الفرق بين القول الشاذ والضعيف.
الثالث: هل تبنى شيخ الإسلام ابن تيمية أياً من الأقوال الشاذة؟(2/35)
جامعة الانحرافات الفكرية المعاصرة
فهد بن صالح العجلان
28 رجب 1431هـ
(هلع) و (ارتباك) و (تحفُّز) يصيب كثيراً من المؤلفين المعاصرين في موضوعات النظام السياسي حين يمرُّون على بحث (حدِّ الرِّدة) في الإسلام؛ فهو يشكل لهم إحراجاً لا يطاق أمام ضغط الثقافة الغربية المعاصرة التي تضع (الحرية الدينية) في قمة هرم الحقوق والحريات المدنية التي تحتضنها، وتقاتل في سبيل التزام جميع الأمم والحضارات بها على وَفْقِ التفسير والمعيار الغربيين.
فتوالت البحوث والدراسات التي تبحث في الدلائل الشرعية عمَّا يخفف من شدة نكير الأصوات المستغرِبة؛ ليَصِلُوا بهذا الحكم الشرعي إلى (النفي) أو (التأويل) أو (التكييف) الذي يجعله متلائماً مع الحالة المعاصرة؛ فهي وإن بحثته بطريقة النظر في دلائل الكتاب والسنَّة؛ إلا أنها تضمر في داخلها حقيقةَ أنها تسعى بأي طريقة للتخلص من هذا الحكم لضرورة الخروج بالمظهر اللائق أمام الآخر.
وهذا ما يفسر لك أن البحث في إشكالية الرِّدة وإثارة الخلاف حول حكم المرتد لم يكن له أيُّ حضور في المذاهب الفقهية السالفة؛ فمع أن الفقهاء يختلفون في كثيرٍ من المسائل، ويتنازعون حتى في المسائل التي وردت نصوص صريحة فيها؛ إلا أن حدَّ الرِّدة لم يكن مجالَ اختلاف بينهم؛ فقد أجمع عليه الفقهاء كافة، وحكى الإجماعَ عليه عشرات من الفقهاء من مختلف الأزمان (1)، بينما تجد هذا الحكم حاضراً ومُشْكِلاً في الدراسات المعاصرة؛ وهو ما يدلل على أن العامل المؤثر فيها ليس هو النظر في الاجتهاد الفقهي بِقَدْر ما هو تأثُّرٌ بروح الثقافة الغربية.
إن الملفت للانتباه أن (التخلص) من هذا الحكم الشرعي لم يَسِر على طريقة واحدة؛ فلئن اتفقت كلمة كثير من المعاصرين على (ضرورة) الانفكاك من تبعات هذا الحكم، إلا أن وسيلة تنفيذ ذلك قد تعددت فيما بينهم، فاجتمعت علينا طرائق عديدة نستخلص من كل واحدة منها مَنْزِعاً من منازع الانحراف الفكري، المتباينة في ما بينها تبايناً كبيراً؛ إلا أنها تجتمع في حالة (إشكالية الرَّدة):
فبعضهم: ينكر هذا الحكم لعدم ذِكْره في القرآن الكريم، وينظر في الآيات القرآنية التي تخاطب الكفار وتحكي مقولاتهم، فلا يجد فيها أي عقوبة لهم في الدنيا؛ وهو ما يعني أن الشريعة لا تُرتِّب أي عقابٍ دنيوي على من يمارس حريته الدينية في الدنيا، وهذا التفسير يستبطن الانحراف القائم على (إنكار) سُنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ورَفْضِ الإيمان بها؛ لأن حدَّ الرِّدة لم يثبت إلا في سُنة النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فالمطالبة بأن يُذكر الحكم في القرآن يعني أن السُّنة غيرُ كافية في هذا الباب.
ولا يصل الأمر بآخرين إلى هذا الحد؛ فهم يثبتون السُّنة النبوية، لكنهم يحكمون على حديث: «مَنْ بدَّل دينه فاقتلوه» بأنه من قَبِيل أحاديث (الآحاد)، ولا يستقيم العمل بها؛ لأنها ظنية؛ وهذا انحراف في إنكار شيء من سُنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - يشكِّل عامة أحاديثه - صلى الله عليه وسلم -.
وثمة آخرون: لا ينكرون العمل بخبر الآحاد لكنهم لا يرون العمل به في المجالات المهمة كمجال التشريع، وهذا انحراف في وضع شرائطَ معاصرة حاكمة على السُّنة النبوية؛ وكأن موضوعات التشريع هي المهمة دون موضوعات العبادة أو الاعتقاد أو الأخلاق.
_________
(1) منهم - على سبيل المثال -: ابن المنذر في الإجماع (ص76)، والبغوي في شرح السُّنة: 5/ 431، والنووي في شرح صحيح مسلم: 12/ 208، وابن قدامة في المغني: 12/ 264، وابن القطان في الإقناع في مسائل الإجماع: 1/ 355، والسُّبكي في السيف المسلول: (ص119)، وغيرهم.(2/36)
في تقسيم السُّنة إلى (سُنة تشريعية) و (سُنة غير تشريعية)، وعلى سوء فهمهم لهذا التقسيم، إلا أن الإشكال الأبرز هنا أن المعيار لمعرفة (التشريعي) في السُّنة من (غير التشريعي) معيار مضطرب وغير محدَّد، وإنما يُستَخدَم عند كثيرين؛ لإزاحة بعض الأحكام.
ويأتي بعضهم بذريعة (الخلاف الفقهي)؛ ليزيح حضور هذا الحكم عن طريقه، مع أن المسألة ليس فيها خلاف أصلاً (1)، ولو كان ثَمَّ خلاف بين الفقهاء في أي حكم شرعي؛ فالخلاف لا يلغي العمل، وليس من شرط العمل بالأحكام الشرعية أن يتم الاتفاق عليها.
وسادس هذه الانحرافات: من يفسِّر حدَّ الرِّدة بأنه (الخروج) على الدولة ونظامها؛ وهو ما يطلَق عليه في النُّظم المعاصرة: (الخيانة العظمى) وهي تبيح التعامل معه بالقتل: وهذا التفسير جميل، متلائم مع الفكر الغربي المعاصر، لكنه بعيد عن دلائل الشريعة وكلام الفقهاء؛ وهو من قبيل تطويع الشريعة لتستقيم مع الوضعية المعاصرة، ويبدو مقنعاً لكثيرٍ من الغربيين والمستغربين لكن أصحاب هذا التفسير سيقعون في (ورطة) مع عقلاء الغربيين وأتباعهم الذين يدركون حقيقة هذا الحكم الشرعي، وسيكون مثل هذا التفسير سبيلاً للاستطالة على الشريعة؛ من جهة أن هذا التفسير يتضمن (اعترافاً) من أصحابه بأن الحكم الشرعي على أساس التفسير الفقهي المعروف مرفوض عقلاً.
وسابع الانحرافات: الاستمساك بالمصلحة في كافة صورها لتعطيل العمل بالنص: وموضع الانحراف هنا ليس في ترك العمل بالحكم الشرعي في حال وجود مصلحة معيَّنة معتبرة، أو ضرورة أو حاجة ماسَّة، بل هذا اجتهاد شرعي وإن حصل اختلاف في تطبيقاته؛ وإنما الإشكال أن يعطَّل الحكم بكليَّته بدعوى المصلحة، وأن تكون المصلحة حاضرة عند النظر في ثبوت الحكم الشرعي ابتداءً؛ فبدلاً من تقرير ثبوت هذا (الحكم) مع عدم إمكانية تطبيقه أو وجود ضرر أو غياب مصلحة عند العمل به، يأتي (صاحب المصلحة) لينفي هذا الحكم من أساسه بدعوى المصلحة، وهذا خلل؛ لأن المصلحة (بشروطها) قد تُوقِف العمل بالحكم الشرعي، غير أنها لا تزيل وصف الشرعية عن الحكم تماماً.
_________
(1) ينسب كثيرون إلى الفقيهين الكبيرين (إبراهيم النخعي) و (سفيان الثوري) - رحمهما الله - أنهما ينكران حدَّ الرِّدة، والحقيقة أن خلاف هذين الإمامين إنما هو في (استتابة) المرتد وليس في حكم قتله؛ فقد كانا يقولان: يستتاب أبداً، كما رواه عبد الرزاق في مصنفه، (10/ 166) وقولها هذا إنما هو في مَعرِض حكم الاستتابة وليس في محلِّ الحكم الأصلي، وقد روى عبد الرزاق في مصنفه، (6/ 105) عن الثوري: أن المرتد إذا قُتِل فماله لورثته، وذكر عنه أيضاً في (9/ 418): أن من قُتِل مرتداً قبل أن يرفع إلى السلطان فليس على قاتله شيء، وهو ما يدل على أن حكم الثوري لا يخالف في هذه المسألة؛ وهذا ما فهمه الفقهاء في كتب المذاهب؛ حيث يذكرون كلام هذين الإمامين في خلاف الفقهاء في حكم (الاستتابة) وليس في عقوبة المرتد. انظر على - سبيل المثال -: المغني لابن قدامة: (10/ 72) ومغني المحتاج للشربيني: (4/ 140). وعلى التسليم بأن النخعي والثوري ينكران حدَّ الرِّدة؛ فإنهما يطالِبان بالاستتابة الدائمة، وليس بالحرية الدينية للمرتد؛ وبناءً على ذلك فالإشكال الذي يلاحق حدَّ الرِّدة سيأتي هنا، فإذا كان القتل مرفوضاً في الحرية الدينية المعاصرة، فالملاحقة والاستتابة والسجن مرفوضة كذلك(2/37)
من يتحدث عن ضرورة تقديم صورة حسنة للغربيين، وأن الحديث عن حدٍّ للمرتد في زمان شيوع ثقافة الحريات الدينية وقيام النظم السياسية الغربية على حمايتها، يقدم صورة مشوَّهة عن الإسلام ... إلخ. هذا هو الكلام الذي يقال في كثيرٍ من أحكامنا الشرعية، ومع ذلك ما تزال دعوة الإسلام تنتشر في الأوساط الغربية بشكل مذهل؛ وهو ما يعني أن وَهْمَ التشويه الذي يتحدث عنه هؤلاء الناس محض خيالٍ علمي، وهو قائم على تصوُّر غارقٍ في الوهم؛ بأن تحسين صورة الإسلام؛ ولو بإخفاء وتغيير الحقيقة سيوقف خصوم الإسلام عن مواصلة التشويه.
والتاسع: يشيع (الرعب) و (الذعر) من أن تقرير مثل هذا (الحكم) سيكون سبباً لاستغلال بعض النظم السياسية له في سبيل القضاء على مخالفيهم وخصوماتهم: فحين يأتي بعض الناس فيسيء تطبيق حكمٍ شرعيٍّ مَّا، فالحل في هذا النظر العقلي أن يُلغَى الحكم الشرعي كله.
ويأتي بعضهم: فينفي هذا الحكم لمعارضته لأصلٍ قطعي مُحكَم هو (الحريات)، وهذا الانحراف مركَّب من وجهين:
الأوَّل: أنه يضرب بالأصول الكلية على هامَة الأحكام الفرعية، مع أن الأصول إنما تثبت من خلال اجتماع الفروع؛ وإلا فعلى هذه العقلية من التفكير يمكن أن ننفي حكم الربا؛ لأنه معارض لأصل قطعي هو (حِلُّ البيع)، وننفي حكم شرب الخمر والميتة ولحم الخنزير؛ لأنه معارض لأصل قطعي هو (حِلُّ الطعام).
والثاني: أنه جاء بمفهوم غربي معاصر هو (الحريات) ليجعلَه أصلاً شرعياً، قطعياً أيضاً.
تلك عَشْرَة كاملة، هي أبرز وسائل البحوث المعاصرة (للتخلُّص) من هذا الحكم الشرعي، قد اجتمعت فيها منابت الانحراف المعاصرة من جذورِ بقاعٍ شتى، حضر فيها (منكِر) السُّنة، و (مضيِّق) العمل بها، و (مقطِّع أوصالها)، ومن يعطل الأحكام الشرعية بدعوى (الخلاف) أو (المصلحة)، ومن يعارض الأحكام الشرعية بأصول فكرية محدَثَة، ومن (يخاف) من الحكم الشرعي أو (يخاف عليه)؛ فأصبح النظر إلى هذا الحكم (جامعاً) للانحرافات الفكرية المعاصرة، وحين يأتي المسلم فيقرر هذا الحكم كما جاء في النصوص الشرعية وبما نقله كافة الفقهاء، فإنه يسجل شهادة خير لنفسه، ليحمد الله عليها لسلامته وبُعْدِه عن مثل هذه الانحرافات التي عم بها البلاء.
المصدر: مجلة البيان(2/38)
أين أخطأ المقاصديّون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة (1/ 2)
المقال الأول: الظاهرة
د. هيثم بن جواد الحداد
Haitham1234@hotmail.com
25 رجب 1431
الحمد لله والصلاة على رسول الله، أمَّا بعد
فلم يحظ موضوع أصولي في العشرين سنة الماضية ما حظيه موضوع مقاصد الشريعة، وقد ساهمت أحداث سبتمبر وما أعقبها مما يسمى بالحرب على الإرهاب في مزيد من الاهتمام بهذه الموضوع بشكل لم يسبق له مثيل.
السياسيون اهتموا به لتمرير "أجندتهم" السياسية، والإعلاميون تمسكوا بها، لتبرير مخالفت الإعلام للشريعة، وكثير من الدعاة تمسك بها من أجل المزيد من المكتسبات سواء لدى عامة الناس، أو لدى شرائح "الملء"، وتولت مقاصد الشريعة مع "ظاهرة الخروج عن مألوف الشريعة المعهود لدى المسلمين بحجة نبذ التقليد والعمل بالدليل" مهمة تمرير "لبرلة" الإسلام وعصرنته، وكان أخطر ما في الأمر تبني شرائح إسلامية عديدة لهذا الفكر الأصولي الفقهي فكانوا أخطر الجميع.
لقد اهتم الجميع بهذين الموضوعين؛ مقاصد الشريعة، عزل النص (الإلهي) القرآن والسنة، عن العمل البشري (اجتهاد الفقهاء)، حتى لم يعودا موضوعين أصوليين، بقدر ما أصبحا أداة خطاب، كل يستعملها كيف شاء، ولأي غرض شاء.
وقد أقبل جمع من بعض الدعاة وطلبة العلم وبدون تمحيص إلى مقاصد الشريعة من خلال منظور محدد، وتبنوها، وكتبوا فيها رسائل علمية، مما زاد الفهم الخاطئ لها تثبيتا وتقريرا، وعسر على بعض منهم الاعتراف بأن ثمة خطأ في هذه المنظومة الفكرية الأصولية التي نسجت بتوال على خطأ واحد، ووقف كثير من الدعاة وبعض طلبة العلم وأهله عاجزين عن مواجهة هذا الفكر باللغة نفسها، فعمد بعضهم إلى لغة عاطفية قد لا تكون مناسبة في مقام تأصيل وتقعيد، مما بدا لكثير أنه عجز في الحجة نفسها، لا في طريقة أدائها، الأمر الذي أكسب هذا الفهم القاصر والمغلوط زخمًا ومزيدًا من الرسوخ.
فمقاصد الشريعة بذلك الفهم ألغت المطالبة بوحدة المسلمين تحت خليفة واحد، إذ إنّ مقصود الشريعة الأعظم هو حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال والعرض وهذا يتحقق بهذه النظم الورقية المعاصرة، أما ما نعم به المسلمون في بعض أزمانهم من وحدة جعلتهم دولة مرهوبة الجانب، فتحت مشارق الأرض ومغاربها، إنما هو مجرد واقع تاريخي ومرحلة زمنية لا يجوز أن تفرض نفسها على نظرة المسلمين السياسية المعاصرة.
ومقاصد الشريعة ألغت جهاد الطلب، وقصرت الجهاد على الدفاع، فمواثيق الأمم المتحدة، وبنود التعايش السلمي تمنع الاعتداء، الذي هو قلب مقاصد الشريعة، وليت الأمر اقتصر على "وقف العمل بجهاد الطلب حتى تكتمل شروطه" بل تجاوزه إلى إلغاء جهاد الطلب وشطبه من القاموس الإسلامي بالكلية.
وقل مثل ذلك فيما أجمع عليه فقهاء المسلمين حتى قبل المائة سنة الماضية من تقسيم العالم إلى دار إسلام ودار حرب، وما تبع ذلك من جعل الولاء السياسي في الإسلامي مبنيا على الولاء العقدي لا العكس.
وتسابقت الدول الإسلامية في فتح أراضيها للقوات الأجنبية الكافرة لضرب حركات أو دول إسلامية مجاورة وتذرع هؤلاء بدون حياء بمقاصد الشريعة التي توجب عليهم المحافظة على مكتسبات الدولة (وبعضهم أسماها الأمة)، ومصالحها العليا.
وأخمد أيٌ من الأصوات المعارضة لصوت بعض الأنظمة الحاكمة، ولو كانت معارضتها هادئة وديعة، وتكفلت مقاصد الشريعة المغلوطة بهذه المهمة متذرعة بسعي الشريعة لتحقيق وحدة الأمة وتجنب الصراعات المدنية التي تضيع حفظ الأنفس والأموال والأعراض، وتكفل كبر ذلك أشياخ أو علماء، فعباءتهم أوسع العباءات، وهي الأكثر تأثيرًا في الحس الإسلامي، فلا أنسب منها رداءا وقت الحاجة!.(2/39)
أما على الصعيد الإجتماعي، فقد فرضت علينا مقاصد الشريعة هذه تغيير وضع المرأة المسلمة ونظرة المجتمع لها، إذ لم تعد مهمتها الكبرى تربية الأولاد والعناية بالبيت، بل تجاوزته إلى مساهمتها في الحياة السياسية وربما العسكرية، وعليه فلا بد من تغيير المعهود من أحكام إختلاط النساء بالرجال، وصفة الحجاب وشروطه ..
وعند الأقليات، أباحت مقاصد الشريعة للزوجة التي أسلمت تحت زوج كافر، أن تبقى معه على كفره، مناقضة بذلك ما أجمع عليه العلماء أو اتفقت كلمة جلهم على انتهاء عقد الزوجية بدخولها في الإسلام.
ولن يتخيل بعض القراء بعض الأمثلة التي سأوردها، فكثير منها يتداول في الغرب، لكن الأخطر من ذلك أننا أصبحنا نرى ونسمع عن تداول الأمثلة نفسها في بلاد المسلمين، فمثلاً يكثر بعض الدعاة في الغرب الحديث عن ضرورة إعادة قراءة بعض أحكام الإسلام، وضرورة القيام بحركة تصحيحية تجاه نظرة الإسلام للملل الأخرى وأهلها، أو أحكام الأقليات في الإسلام، والحدود الشرعية، وقوامة الرجل على المرأة، وميراثها، ونظرة الإسلام لما يسمى بالمثلية الجنسية (الشذوذ الجنسي)،إذ أن هذه الأحكام بحسب زعمهم جاءت منسجمة مع واقع معين، فإذا ما تغير هذا الواقع واضطرب هذا الانسجام، وجب تغيير الأحكام محافظة على هذا الإنسجام الذي هو أحد مقاصد الشريعة!.
وفي الغرب كذلك يكثر الحديث بين الأوساط الإسلامية عن العلمانية، وأنها أصلح الأنظمة لحكم المجتمعات متعددة الثقافات، بل لحكم مجتمع ذي ثقافة واحدة لكنه مرتبط بمجتمعات متعددة الثقافات من خلال أدوات العولمة، ونرى الآن كثيرًا من بعض الإسلاميين في بلاد الإسلام يؤمنون بهذه الأفكار وربما روجوا لها بحماس يثير الدهشة.
البداية:
تكاد كلمة الباحثين تتفق على أن أول من أفرد مقاصد الشريعة بالذكر هو الغزالي (505هـ)، فقد ذكر أن الشريعة جاءت لرعاية خمس مقاصد؛ حفظ الدين، والنفس، والمال، والعرض، والعقل، وتابعه على هذه الطريقة جل من تحدث عنها خلا شيخ الإسلام ابن تيمية (708هـ)، وكما تقدم ذكره، فلم يأخذ هذا الموضوع حيزا من الاهتمام إلا في العقد السابقين، لكن أكبر خلل وقع فيه من تحدث عن مقاصد الشريعة هو قصرها على المصالح الدنيوية، ولا أظن أنه دار بخلد الغزالي ولا غيره من السابقين أن مقاصد الشريعة ستصبح دنيوية محضة، تغيب فيها المقاصد الأصلية الكبرى، إلى أن ينتهى الحال بمقارنة الشريعة بالنظم الوضعية، ونسي الجميع بما فيهم عدد من الأفاضل، أن أهم وأعلى مقاصد الشريعة التي جاءت من أجلها إنقاذ الناس من عذاب النار، وإدخالهم جنات عدن، من خلال التعبد للرب وحده لا شريك له، ذلك المقصد الذي تذوب فيه كل المقاصد الأخرى، ومن ثم فإنه يؤثر في رؤى الناس للكون والحياة؛ للسياسة، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، لتنفيذ الحدود وتطبيقها، للعلاقة بين الدنيوي والأخروي، لهيمنة الشريعة وثباتها، للمقصود من الحضارات، لربط الفرد بعلاقة متزنة مع جميع من حوله بما فيهم الجماد.
إنّ المتتبع للقرآن الكريم والسنة المطهرة، يرى أن النصوص تحدثت عن "إرادة إلهية"، ولا شك أن هذه الإرادة هي العليا، وعليه فلا يمكن أن تكون مقاصد الشريعة، إلا تبعا لهذه الإرادة، ومن خلال التتبع لهذه النصوص لا يصعب علينا أن نميز بين إرادات (مقاصد) أربع، يدل عليها كذلك الاستقراء العقلي:
ما أراده الله لنفسه من خلقه الخلق، وهو ما يُعبر عنه أحيانا بالإرادة الكونية.
ما أراده الله لعباده من خلقه لهم.
ما أراده الله لنفسه من شرعه الشرائع، وهو ما يعبر عنه أحيانا بالإرادة الشرعية.
وما أراد الله لعباده من شرعه الشرائع.
وهذه الأنواع كما ترون يمكن أن تدمج لتصبح اثنين:
ما أراد الله لعباده.
ما أراد الله لنفسه.
وإن أكبر خطأ وقع فيه المقاصديون الجدد هو إهمالهم لما أراد الرب لنفسه، ولما أراده لخلقه بعد مماتهم، مع أنهما الأهم في ما رمت إليه الشريعة.
أما ما قصدته الشريعة من حفظ الضروريات الخمس المذكورة، فإنه ثانوي ومكمل لهذين المقصدين، ومن أهم ما يترتب على ذلك ترتيب أولويات الشريعة، وأهلها، لا سيما عند التعارض بين الأدلة، أو الأحكام، أو عند محاولة تنزيل بعض الأدلة على بعض الوقائع المعاصرة، وما يعرف بالسياسة الشرعية.(2/40)
أين أخطأ المقاصديّون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة (2/ 2)
المقال الثاني: مقاصد هم، ومقاصد القرآن الكريم
د. هيثم بن جواد الحداد
Haitham1234@hotmail.com
25 رجب 1431
فيما يلي عرض للمقصدين الأولين بحسب الاستقراء الكلي لنصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة:
أما المقصد الأول: وهو ما أراده الله لذاته العلية، بأن يعبد وحده لا شريك له، فيعظم، ويرهب من جانب، ويحب ويطلب من جانب آخر، وأدلته في القرآن الكريم أكثر من تحصى، لكني سأقتصر منها على يفيد العلية والسبب، أو الغاية والحكمة.
فمن أهم آيات القرآن الكريم (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) وقوله (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)، و (ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)، وهذه الآيات وما في معناها تفيد الحصر، مما يقطع القول بأن هذا المقصد هو أعظم المقاصد وأهمها.
ومن أساليب القرآن الدالة على هذا المقصد، ما ورد في عدد من النصوص التي تفيد أنّ الله أراد من خلقه للخلق وشرعه للشرائع، وإرساله للرسل، وأفضلهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أن تظهر وحدانيته بالإلهية، والربوبية، ويظهر أمره فوق كل أمر، وسلطانه فوق سلطان، قال الله تعالى:
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ {33}) سورة التوبة.
وفي معناها آيتان أخريان، ومن أمثلة أدله هذا النوع من الأساليب أمر الله بالقتال من أجل أن يظهر دينه على الدين كله، قال الله تعالى:
(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ {39}) سورة الأنفال.
فالله جل وعلا أمر بالقتال في سبيل الله، وهو من أجلّ ما أمرت به الشريعة بعد التوحيد، وكذلك هو أشقّ ما أمرت به الشريعة، لتحقيق هذه المقصد العظيم
(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا {8} لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا {9}) سورة الفتح.
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا {12} سورة الطلاق.
(جَعَلَ اللهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ {97}) سورة المائدة.
ومن الأساليب الدالة على هذا المقصد كذلك تلك الآيات والأحاديث التي تدل على أنّ الله جل وعلا أراد أن يبتلي عباده بالتكاليف التي أهمها إظهارهم خوفهم له وأنه فوق كل خوف، وحبهم له وأنه فوق كل حب، وكذا الخضوع والذل والانكسار بين يديه، ثم الرغبة إليه، والتوجه والالتجاء إليه دون غيره، وبمعنى آخر عبادته وحده لا شريك له.(2/41)
ويدخل في هذا النوع أيضا إرادته جل وعلا أن يبتلي عباده بالخير والشر وأنواع المصائب، حتى يظهروا الصبر على ما أصابهم منه، والرضى به، والفرار إليه، والربّ جل وعلا يحبّ أن يعظم، وكل ما ازداد تعظيمه جل وعلا، وتقديمه على كل شيء حبًا فيه، وخوفًا منه، وكلما ازداد إظهار الخضوع له، ازداد تقرب العبد من ربه، ورفعة عنده، وكل ما كانت العبادة أكثر في إظهار التعظيم للرب جل وعلا، كانت أكثر حبًا له، وأكثر قربًا منه، وانظر إلى الصلاة التي هي عمود الإسلام، والفاصل بين الكفر والإيمان، كلها تعظيم له جل وعلا، ومن أهم أركانها التي تقرأ فيها الفاتحة التي يقول الله جل وعلا فيها قسمت الصلاة بيني وبين عبدين قسمين فإذا قال عبدي الحمد لله رب العالمين قال الله جل وعلا حمدني عبدي، فإذا قال الرحمن الرحيم قال أثنى علي عبدي.
ومن أمثلة أدلة هذا النوع ما يلي:
(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ {31}) سورة محمد.
قال ابن كثير أي لنختبرنكم بالأوامر والنواهي، وقال ابن عباس رضي الله عنهما في مثل هذا: إلا لنعلم أي لنرى.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ {7}) سورة هود.
(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ {1} الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ {2} سورة الملك.
(وَلَوْ شَاء اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُم فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ {48}) سورة المائدة.
ومن أمثلته كذلك:
(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ (143)) سورة البقرة.
ويدخل في هذا النوع كذلك تلك الآيات الكثيرة التي تدل على أن الله وعد من استجاب لأمره بالنعيم المقيم، وأوعد من تمرد على سلطانه بالعذاب المقيم، وكذلك الآيات التي تشير إلى أن الله أراد من خلقه للخلق أن يعذب العاصي وأن يثيب المطيع، ومنها:
(إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا {72} لِيُعَذِّبَ اللَّهُ المنافقين وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا {73}) سورة الأحزاب.
وإذا تأملنا هذه الآية وما قيل في تفسيرها، لوجدنا أن الله خلق الخلائق كلها من أجل أن يعذب ذك ويثيب هذا، واللام هنا للتعليل كما نص عليه جماعة من المفسرين.
وإذا كان هذا أهم مقاصد الشريعة الدنيوية، وهو مرافق للمقاصد الشريعة الأخروية، فإن مواقف المسلمين وحراكهم السياسي يجب أن يراعي منزلة هذا المقصد بين المقاصد الأخرى، وأي مناورة سياسية تغفل هذا فإن الله لن يكتب لها نجاحًا، لأنها أهملت إرادة الله جل وعلا، ومحبوبه، فأنى يكتب الله لها التوفيق.(2/42)
وقد تتابع العلماء منذ العهد الأول حتى قبيل عصر الانحطاط الأخير هذا على فهم حقيقة واحدة قررها القرآن والسنة، أنّ الإسلام يعلو ولا يعلى، وأن دين الله يجب أن يسود الأرض ويحكمها، فالأرض لله، فكيف يسود فيها غير حكمه، ومن هذا فمن البديهي العقدي أنّ أي حكم غير حكم الإسلام إنما هو منازعة للملك في ملكه، لا يمكن أن يرضاه أو يقر به، ولذا كان من أكبر الكفر.
ففهم مقاصد الشريعة بهذه الطريقة، يعين على وضع التصور السياسي الصحيح الذي أراده الله من المسلمين، وقد تكون هذه القضية من أشد القضايا حساسية لكثير من الإسلاميين، وقد يكون فيها نوع حرج للبعض، لكن البحث هنا في تقرير الحقيقة، أما مجال التطبيق فقد يسعنا نوع من الاختلاف فيه، لكن يجب أن يحدونا كلنا البحث عن الحق، لا مجرد تقرير ما يجد قبولا عند شرائح واسعة من المجتمع.
وآثار مراعاة هذا المقصد على النظرة الفقهية لكثير من المسائل المعاصرة واضح جدًا.
فالمرأة الكافرة التي تسلم، فتفارق زوجها الكافر، حبًا لله وتعظيما لمراده على مرادها، موافق لأعظم مقاصد الشريعة، إذ فيه تقديم محبة الله على محبة من سواه، ولو كان أقرب الناس إليها، فكيف يقال إنّ مقاصد الشريعة تؤيد أن تبقى المرأة مع زوجها بعد إسلامها وبقائه على كفره.
وقطع يد السارق فيه تحقيق للأمن، لكن فيه ما هو أعظم من ذلك، وهو الاستجابة لأمر الرب في هذا الأمر الشاق على النفس، الأمر الذي يحقق تعظيم الرب، وبه يفرح الرب جل وعلا، وأي مقصد أعظم من هذا.
فإذا ما توهم أحد بأن قطع اليد السارق فيه مفسدة تعارض مصلحة تحقيق الأمن، فطالب بإلغاء تطبيق الحد، فأنى له أن يعرف رضى الرب من سخطه يوم يرى أن أمره في أرضه لا ينفذ!!
وإيقاف التعامل بالربا فيه مصالح دنيوية وأخرى أخروية، فإن زعم أن المصالح الدنيوية قد ألغيت فأنى له أن يزعم أن المصالح الأخروية قد ألغيت أيضا!.
والمفاصلة العقدية، وما يتلوها من تبعات سياسية لمن يسب الربّ، أو يسب أنبياءه، وأخصهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أو صحابته، هي في أصلها موقف صحيح لأنه يأتي موافق لأهم مصالح الشريعة، وهو تعظيم جناب الربّ، فوق ما يمكن أن نحصل عليه من مصلحة سياسية، ولا يمكن تغليب المصلحة السياسية على هذه المصلحة العقدية، إلا إن كان المقصود تحصيل مصلحة عقدية أخرى أكبر.
المقصد الثاني: ما أراده الله لعباده، وهو نوعان:
النوع الأول: النصوص التي تقرر أن الشريعة أرادت من ضمن ما أرادت تحقيقه حفظ ضروريات الحياة، أي أنّ مقصد الشريعة هنا دنيوي، ويشمل الضروريات الخمس التي نص عليها الغزالي الأول في إفرادها بالذكر، ثم تبعه على ذلك جل من جاء بعده، والنصوص التي وردت بهذا النوع كثيرة ومتنوعة، تجدها في كل كتاب، ومقالة، ومحاضرة تحدثت عن مقاصد الشريعة.
وهذه النصوص تقرر أنّ الله أراد حفظ هذه الضروريات لعباده، لكنّ الخطأ الذي وقع فيه عدد من الباحثين ناهيك عن المقاصديّن الجدد الحديث عن هذه المقاصد بمعزل عن المقصد ين الآخرين الأهم في المقاصد كلها؛ ما أراده الله لنفسه، وما أراده الله لعباده في الدنيا من غير الدنيوي المحسوس وما أراداه لهم في الآخرة، مع أنك لا تكاد تجد آية أو حديثًا تحدث عن أي من هذه الضروريات إلا وقد تحدث صراحة أو ضمنًا على أن تحقيق هذا المقصد مجرد أمر مؤقت، الأمر الذي يقطع بأنه مقصد ثانوي بجانب المقصدين الآخرين، ولا تكاد ترى مقصدًا من هذه المقاصد الثانوية إلا وهو وسيلة لتحقيق المقصدين الكليين الآخرين.(2/43)
وقد اجتهد عدد من العلماء والباحثين فزادوا مقاصد دنيوية أخرى، منها أن الشريعة ترمي للتيسير على العباد، قال الله وجل وعلا (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).
ومنها كذلك أن الشريعة جاءت لنشر الرحمة بين الخلق، إذ أن الله يقول (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).
أما نشر العدل بين الناس فيمكن أن يقال إنه من مقاصد الشريعة الدنيوية لكن لم يذكره العلماء ضمن المقاصد الخمسة الثانوية، وقد يكون السبب عدم ظهور الحاجة الماسة لإفراده بالذكر.
وبكل حال فهذه المقاصد الخمسة أو الستة مع ما زيد عليها لم يكن أمرًا قد أجمع عليه العلماء منذ عهد الأئمة الأربعة وحتى هذه العصور المتأخرة حتى يتعذر أو يشق علينا أن نخالفها، ولهذا فلا مانع من الزيادة عليها كما فعل جماعة من المعاصرين، لكنّ الأمر الذي لا يسعنا السكوت عليه هو قصر مقاصد الشريعة على هذه الدنيوية، أو في أحسن الأحوال عزلها، أو عزل العمل بها عن المقاصد الكلية الأخرى للشريعة، ومن تأمل القرآن الكريم يعجب من هذا الخطأ الذي وقع فيه عدد كبير ممن انتسب إلى العلم والباحثين، والأكاديميين، وغيرهم.
فالنبي أرسل رحمة للعالمين، والصواب في معنى ذلك أنه جاء لينقذهم من نار جنهم، ويدخلهم الجنة، فرحمة الآخرة أولى، وأعظم، وأهم، من رحمة الدنيا، وقصر المقاصديّن الجدد، وأصحاب الخطاب الدنيوي هذه الرحمة على الدنيا، انتقاص للشريعة، وإهدار لحق الله جل وعلا، وقد جاء النبي بالتوحيد، والأمر به، حتى ينقذ الناس من عذاب الله أولا قبل كل شيء، وآخرًا وأهم من كل شيء، والله جل وعلا قال في ثاني سورة أنزلها على محمد (يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ {1} قُمْ فَأَنذِرْ {2}) وسيأتي مزيد تقرير لهذا.
والشريعة أرادت اليسر بالعباد، ومع هذا اليسر فإن الشريعة كلفت العباد، والتكليف كما تقرر عند الجميع، إلزام ما فيه مشقة، فكيف أرادت الشريعة اليسر، وقد ألزمت العباد بما فيه مشقة؟!
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ {216}) سورة البقرة.
الجواب هو أن الشريعة ألزمت الناس بشيء من المشقة، ابتلاء وامتحانًا كما قرره الأصوليون، والله جل وعلا جعل جزاء الصبر على هذا البلاء النجاة من مشقة نار جنهم، فكانت بذلك مريدة لليسر بهم، وهو أمر يحتاج إلى تأمل.
ومثل هذا أو قريب منه يقال في العدل والقسط وأضرابها كمقاصد رمت إليها الشريعة وأرادتها.
ولهذا، فيحسن بنا أن نسمي هذه المقاصد، بمقاصد ثانوية بجانب المقصد الكلي؛ ما أراده الله لنفسه العلية في الدنيا والآخرة.
أما النوع الثاني: فإنه تلك الآيات والأحاديث التي تقرر أن الشريعة أرادت مصلحة العباد في الآخرة، أي بعد مماتهم، فالمقصد هنا راجع للعبد، ولكن في الآخرة:
وقد يكون هذا المقصد ما أراده بعض من تحدث في المقاصد من الأوائل ومن مشى على طريقتهم يوم أن جعلوا حفظ الدين أول الضروريات، لكن كلام بعضهم أوهم أنه مقصود للعبد فقط، وليس مقصودًا لله، فإن كان هذا الذي فهمناه من كلام السابقين صواب، فقد أخطأ منهم من قال بذلك، وإن كان غير ذلك، فالصواب ما تضافرت عليه الأدلة مؤيدًا بإجماع علماء القرون الثلاثة وأئمة المذاهب - وهو ما ورد في النوع الأول - أن الغاية من الخلق أن يفرد الرب جل وعلا بأي نوع من أنواع العبادة التي هي في أصلها إظهار غاية الرهبة والرغبة للرب جل وعلا وحده لا شريك له، ومن ثم يثيب من يحقق هذا بجنة عرضها السموات والأرض، ويعذب من تمرد على هذا بنار تلظى، لا يموت من دخلها ولا يحيي، فالمقاصد إما راجعة للرب، وإما للعبد لكن في الآخرة وليس في الدنيا، وما يرجع منها إلى الدنيا ثانوي فرعي.
ولا أظن أحدًا يقرأ هذا البحث بحاجة إلي إيراد الأدلة على منزلة هذا المقصد؛ أعني المقصد الراجع لمصلحة العبد في الآخرة، لا سيما إذا ما قورن بالمقاصد والمصالح الدنيوية.
ولعل الله ييسر إخراج كامل البحث عما قريب.(2/44)
عنيف القول ولطيفه تجاه السلف
د. عبد العزيز العبد اللطيف
17 رجب 1431هـ
لا يُنْتَظر من الغرب إلا مزيداً من العداء الجلي، أو المكر الخفي لدين الإسلام وأهله، لا سيما مذهب أهل السُّنة والجماعة؛ فقد جاهر ساركوزي فرنسا بأن الحجاب ناشئ عن السلفية، وأما أهل البدع المغلَّظة: كالرافضة وغلاة الصوفية؛ فلا يزالون في كيدٍ دائمٍ، وعداء متلاحق لمذهب السلف الصالح.
لكن البلية أن ينساق بعض متسنِّنة هذا العصر إلى نقد السلفية، وتقويم أهل السُّنة عبر قنوات مأبونة، ومحافل مشبوهة، وربما تدثَّروا بالموضوعية وروح النقد والصدع بالحق. وأما أهل الأهواء والزندقة فهم في عافية من نقد أولئك «الشجعان»، بل صار الطعن في السلفية حِمَىً مستباحاً، واهتماماً راتباً، وقضية مكرورة مألوفة.
ومع ذلك فإن التطاول على مذهب أهل السُّنة هو علامة الإرث الصحيح، والاتباع التام لسيِّد الأنام صلى الله عليه وسلم؛ فإن قريشاً كانت تسمي نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم تارة مجنوناً، وتارةً شاعراً، وتارةً كاهناً، والروافض يلقِّبون أهل السُّنة بالنواصب، وأهلُ الكلام يسمونهم حشوية ونوابت، وأهل التعطيل ينبزونهم بالمشبهة والمجسمة ... إلخ (1). وهذا الطعن والهجوم على مذهب السلف قد يكون في غاية النزق والبغي؛ فيكون حافلاً بالكذب الرخيص، والإفك المبين.
ولئن كان هذا البغي والفجور في الخصومة مُوجِعَاً لأوَّل وهلة؛ إلا أنه سرعان ما يعتريه الزوال والانحسار؛ فهو أشبه بقعقعة الصبيان، وهذيان نزلاء المارستان. إضافة إلى أن العداء الصارخ، والحرب المكشوفة قد تبعث يقظة وتحفُّزاً، وتهيُّؤاً للمنازلة والمجالدة؛ فسبحان من قدَّر المقادير وأحكمها؛ فجعل في المحن مِنَحَاً وألطافاً! فتبارك الله أحسن الخالقين.
وقد يسلك الخصوم مسلكاً هادئاً في مكايدة مذهب السلف، فيحرصون على التلطف والمراوغة من أجل تطويع مذهب السلف للتبديل والتحريف، والعصرنة والتنوير؛ فهو مسلك خفيٌّ يكمن مَكْرُه الخفي بإثارة الأغلوطات، وتكلُّف التأويلات، واتباع المتشابهات ابتغاء الفتنة، وقد يتظاهرون بمدح السلفية والاحتفاء بها، فَتَعْظُم الرزية بهؤلاء أشد ممن قبلهم.
وقد يستغرب القارئ الكريم إذا علم أن هذا الكيد الخفي هو سبيل قديم لأهل البدع الذين مردوا على النفاق؛ كما كشفه الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ) - رحمه الله - قائلاً: «بلغنا أن بعض أصحاب بشر المريسي قال: كيف تصنعون بهذه الأسانيد التي يحتجون بها علينا في ردِّ مذهبنا مما لا يمكن التكذيب بها؟ قال: لا تردُّوه فتفضحوا، ولكن غالطوهم بالتأويل، فتكونوا قد رددتم بلطف؛ إذ لم يمكنكم ردٌّ بعنف» (2).
وأظهر مثال على ذاك الهجوم بشقَّيه (العنيف واللطيف) هو الهجوم على شيخ الإسلام ابن تيمية وتراثه النفيس؛ فقد شَرِق الخصوم قديماً وحديثاً بهذا الإمام الرباني ومؤلفاته، وتكالبوا عليه، وأجلبوا بخيلهم ورَجِلِهِم، فما زاده ذلك إلا رِفعة وقَبولاً، وأضحت مؤلفاته ملء السمع والبصر، وفي شتى الأصقاع والبلدان.
فأقرأ تصانيفَ الإمامِ حقيقةً ... شيخِ الوجودِ العالمِ الربانِي
أعني أبا العباس أحمدَ ذلك الـ ... ـبحرُ المحيطُ بسائرِ الخُلْجَانِ
هي في الورى مبثوثةٌ معلومةٌ ... تُبْتَاعُ بالغالي من الأثمانِ (3)
فمن الكذبات الصلعاء أن ابن تيمية رجع إلى عقيدة الأشاعرة، وآخر يزعم أن ابن تيمية ليس سلفياً. ومن ركام ذاك الإفك الرخيص ما سوَّده أحد المعتوهين المنتكسين من أن ابن تيمية «المتشدد» يعاني أزمة روحية!!.
_________
(1) انظر: الحموية لابن تيمية، ص532، وبيان تلبيس الجهمية لابن تيمية: 1/ 386، 3/ 643.
(2) الرد على بشر، ص 556.
(3) قالها ابن القيم في «النونية»، ص 163.(2/45)
ثم يغالط ذاك المأفون هذيانه السابق فيزعم أن ابن تيمية يقرر أن جميع البشر إلى الجنة (1).
وكذا ما ادَّعاه أحد المتعثرين المتقهقرين من أن ابن تيمية ليس له أي دراسة لكتب المنطق والفلسفة (2).
والحال المذكور آنفاً وإن كان يحكي سفهاً وحمقاً، وجهلاً كثيفاً، إلا أنه يكشف نوعاً من عوارض «الإسقاط»، أو كما في المثل السائر: «رمتني بدائها وانسلَّتِ».
ومن المغالطات الخفية ما تفوَّه به أحد المشايخ «العصريين» قائلاً:
«شيخ الإسلام متسامح جداً؛ يقول بتهنئة أهل الكتاب وتعزيتهم، وعيادتهم إذا كانوا مرضىً، وهذا اختيار شيخ الإسلام، كما قال البعلي» (3).
وادَّعى أيضاً أن الجهاد عند ابن تيمية لأجل العدوان وليس لأجل الكفر (4).
إن العبارة الأُولَى لا تنفك عن إيهام ومغالطة، وبالرجوع إلى الاختيارات الفقهية للبعلي، نجد أن المقام بشأن أهل الذمة خصوصاً، الذين تجري عليهم الشروط العُمَرِية وما تحويه من الذل والصغار و «الغيار» على أهل الذمة، وليس جميع أهل الكتاب مطلقاً؛ فالكافر قد يكون ذمياً، أو معاهَداً، أو مستَأمَناً، أو محاربِاً، كما أن عيادتهم وتعزيتهم جائزة إن كان يُرجى إسلامهم، ثم إن البعلي حكى اختلاف كلام ابن تيمية في ردِّ تحية الذمي، وهاك العبارة بتمامها «واختلف كلام أبي العباس (ابن تيمية) في ردِّ تحية الذمي، هل تُردُّ بمثلها أو: وعليكم فقط؟ ويجوز أن يقول: أهلاً وسهلاً. ويجوز عيادة أهل الذمة، وتهنئتهم وتعزيتهم، ودخولهم المسجد للمصلحة الراجحة؛ كرجاء الإسلام. قال العلماء: يعادُ الذمي، ويُعرَض عليه الإسلام» (5).
والشيخ المذكور يقول: (مشكلة الناس أنهم يقرؤون «اقتضاء الصراط المستقيم» ولا يقرؤون «الاختيارات الفقهية»).
ولا موجب لهذا الامتعاض، وافتعال هذه الإشكال؛ فالجميع كلام ابن تيمية، والمتعيَّن أن يُنظَر في جميع تقريراته، بل إن تقريراته في «الاقتضاء» أوثق وآكد من تقريرات واختيارات يكتنفها فَهْمُ من جَمَعَها وصنَّفها، كالبعلي.
وبالجملة فإن بتر النصوص، وإهمال بعضها ليس «ترشيداً» - كما يقصد الشيخ المذكور - بل هو «تشريد»، وبعثرة للنصوص، وتفريق لها.
_________
(1) ينظَر: منصور النقيدان، موقع إيلاف: 22/ 7/2007م.
(2) ينظَر الدراسة الرائعة التي سطرها عبد الله الهدلق بعنوان: «الهادي والهاذي» في الرد على شغب «السرحان».
(3) انظر: مقابلة مع الشيخ عبد الله بن بية في مجلة الإسلام اليوم، عدد 67.
(4) انظر: مقابلة مع الشيخ عبد الله بن بية في مجلة الإسلام اليوم، عدد 67.
(5) الاختيارات الفقهية، ص 319.(2/46)
ومجاراةً للشيخ ومريديه في الاحتفاء بالبعلي؛ فإن البعلي اختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية، واختصر اقتضاء الصراط المستقيم، وأسوق بعض ما جاء في مختصر الفتاوى المصرية: «وليس لأهل الذمة إظهار شيء من شعار دينهم في ديار المسلمين، وليس للمسلمين أن يُعِينُوهم على أعيادهم، لا ببيع ما يستعينون به على عيدهم، ولا بإجارة دوابهم ليركبوها في عيدهم؛ لأن أعيادهم مما حرَّمه الرسول صلى الله عليه وسلم. وأما إذا فعل المسلمون معهم أعيادهم مثل صبغ البيض، وبخور، وتوسيع النفقات، فهذا أظهر من أن يحتاج إلى سؤال، بل قد نصَّ طائفة من العلماء من أصحاب أبي حنيفة ومالك على كفر من يفعل ذلك، ولو تشبَّه المسلم باليهود أو النصارى في شيء من الأمور المختصة بهم، لَنُهِي عن ذلك باتفاق العلماء، بل ليس لأحد من المسلمين أن يخصَّ مواسمهم بشيء مما يخصونها به؛ ومن فعل ذلك على وجه العبادة والتقرُّب به، فإنه يُعرَّف دين الإسلام، وأن هذا ليس منه، بل هو ضده، ويستتاب منه، فإن تاب وإلا قُتِل. وليس لأحد أن يجيب دعوة مسلم يعمل في أعيادهم مثل هذه الأطعمة، ولا يحل له أن يأكل من ذلك» (1).
وأمر آخر فيما يخص التهنئة - التي هي محل خلاف - فيما ليس متعلقاً بأعيادهم وشعائرهم المختصة بهم؛ فتهنئة الكفار بأعيادهم حرام بالاتفاق، بل قد لا يسلم صاحبها من الكفر كما قرره ابن القيم تلميذ ابن تيمية (2)، بل قال العلاَّمة ابن عثيمين: «التهنئة بالأعياد؛ فهذا حرام بلا شك، وربما لا يَسْلَم الإنسان من الكفر؛ لأن تهنئتهم بأعياد الكفر رضاً بها، والرضا بالكفر كفرٌ، ومن ذلك تهنئتهم بما يسمى عيد «الكريسمس» أو عيد «الفصح» أو ما أشبه ذلك» (3).
وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية: «لا يجوز للمسلم تهنئة النصارى بأعيادهم؛ لأن في ذلك تعاوناً على الإثم، وقد نهينا عنه، قال - تعالى -: {وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ والْعُدْوَانِ} [المائدة: 2]، كما أن فيه تودداً إليهم، وطلباً لمحبتهم .. وهذا لا يجوز، بل الواجب إظهار عداوتهم» (4).
ودعوى أن الجهاد عند ابن تيمية لأجل المحاربة والعداون، وليس لمجرد الكفر، فهذه دعوى مردودة مكذوبة، والرسالة المنحولة لابن تيمية في ذلك لا تصح ولا تثبت، كما حرره جملة من العلماء والمحققين كابن قاسم (5)، وابن مانع في رسالة خطية بعثها إلى الشيخ ابن سحمان سنة 1340هـ (6)، بل صنَّف الشيخ سليمان بن حمدان سنة 1382هـ كتاباً مستقلاً يزيد على مائة صفحة في الردِّ على هذه الرسالة المزعومة، وسمى كتابه بـ: «دلالة النصوص والإجماع على فرض القتال للكفر والدفاع»، كما أن الذين سردوا مؤلفات ابن تيمية: كابن رشيق وابن عبد الهادي ونحوهما، لم يذكروا تلك الرسالة، بل إن هذه الدعوى منقوضة بتقريرات ابن تيمية في كتبه المعتمدة، ورسائله الشهيرة، كما في «الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح» (7)، و «الصارم المسلول» (8)، والصفدية (9)، ومجوع الفتاوى ونحوها (10).
_________
(1) مختصر الفتاوى المصرية، ص517، 518 = باختصار، وانظر اقتضاء الصراط المستقيم: 2/ 515، وجامع المسائل: 3/ 374، والمستدرك على الفتاوى: 3/ 255، ومجموع الفتاوى: 25/ 325 - 331.
(2) انظر: أحكام أهل الذمة لابن القيم: 1/ 205، 206.
(3) الشرح الممتع: 8/ 75، وانظر: فتاوى العقيدة لابن عثيمين، ص 246، وكتاب الأعياد المحدثة وموقف الإسلام منها لعبد الله المهنا.
(4) 3/ 435.
(5) انظر: مجموع الفتاوى: 8/ 5.
(6) هذه الرسالة الخطية محفوظة في دارة الملك عبد العزيز بالرياض، رقم (263).
(7) 1/ 75، (ط المدني).
(8) 2/ 514.
(9) 2/ 321.
(10) انظر: 4/ 205، 28/ 349، 358.(2/47)
قال ابن تيمية - رحمه الله -: «كل من بلغته دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دين الله الذي بعثه فلم يستجب له، فإنه يجب قتاله حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ... » (1).
وأخيراً: فإن على القارئ أن يستصحب أن تراث ابن تيمية يحوي مجاميع متنوعة، ومجلدات كثيرة، بل هو أشبه بالموسوعات المتعددة؛ فلا غرو أن يقع اشتباه وإشكال في مواطن من هذه المؤلفات، أو تَرِدَ عبارات محتملة أو موهمة؛ ومسلك العلم والعدل يقتضي أن يؤخذ بكلام المؤلِّف كله، ويردَّ ما كان مشتبهاً ومجملاً إلى ما كان واضحاً مفصَّلاً؛ فلا يُحتَجُّ بالأغرب منها علي الأغلب، ولا يُشغَب بالمغمور على كلامه المشهور (2).
كما يتعيَّن على أهل السُّنة أن يحققوا الرسوخ في العلم الشرعي، وإحكام منهج السلف، وتحرير مسائل الاعتقاد، والتهيؤ التام لمدافعة الشغب على مذهب السلف، وإبراز القواعد الكلية والأجوبة المتينة تجاه شبهات وأغاليط المخالفين؛ فإن هذا الحِجاج والجدال من أعظم القربات وآكد الحاجات. «قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ} [الأنعام:83]. قال زيد بن أسلم وغيره: بالعلم؛ فالعلم بحُسْنِ المحاجَّة مما يرفع الله - تعالى - به الدرجات» (3).
«فقصة إبراهيم في العلم بالحجة، والمناظرة لدفع ضرر الخصم عن الدين، والمقصِّرون عن علم الحُجَجِ والدلالات مقهورون مع هذا الصنف، تارة بالاحتياج إليهم إذا هجم عدو يفسد الدين بالجدل، وتارة بالاحتياج إليهم لتخليص بعضهم من شرِّ بعضٍ في الدين، وتارة يعيشون في ظلِّهم في مكان ليس فيه مبتدع يستطيل عليهم، وما ذاك إلا لوجود علماء الحجج الدافعة لأهل البدع» (4).
_________
(1) مجموع الفتاوى: 28/ 349.
(2) انظر المدخل إلى آثار ابن تيمية، ص 76 - 78.
(3) بيان تلبيس الجهمية: 1/ 493.
(4) مجموع الفتاوى: 14/ 493، 494 باختصار(2/48)
التسامح العقابي مع المبتدع وضرورة الإتقان المعرفي
سلطان العميري
13 رجب 1431هـ
تعد مسألة التعامل مع المخالف من القضايا الشائكة على مر التاريخ، فالخلاف فيها ضارب في أعماق تاريخ الفكر الإسلامي، ومن يتتبع مراحل ذلك التاريخ يجد تباينات واسعة بين أتباع المذاهب في تحديد القول الصحيح فيها، وتحرير الضوابط الموافقة لمقتضيات الدلالات الشرعية المتقنة.
وها هو اليوم .. واقعنا المعاصر يشهد التباينات نفسها، ويعود فيه التاريخ من جديد، ليجعل هذه المسألة محل بحث ومثار جدل طويل.
وبلا شك يلحظ المراقب في خطابنا السائد ميلا إلى الجانب التشددي في الموقف من المخالف في مجالات عديدة، ومن مظاهر ذلك التشدد: الانطلاق من سوء الظن بالمخالف، وشيوع القدح في ديانته, والاتهام بسوء الطوية، وإغفال ماله من حقوق وتغليب الجانب النافي لها.
وهذه المظاهر تحتاج إلى إصلاح ومراجعة ومحاكمة إلى دلالات النصوص الشرعية وما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.
وقد أراد عدد من المهتمين بهذه القضية التخلص من الصورة الخاطئة في التعامل مع المخالفين، وكان من أظهر القضايا التي أرادوا مزاولة التصحيح فيها: قضية العقاب الدنيوي للمبتدع، وحسنا قصدوا، ولكنهم حين أرادوا ممارسة هذه العملية التصحيحية لم تكن ممارستهم خالية مما يقدح في انضباطها أو ما يعرقل مسيرتها، وإنما وقعت في ممارسات استدلالية ووصفية وتحليلية خاطئة أدت بها إلى نتائج مخالفة أو غير متسقة مع المستندات الشرعية الصحيحة، فغدت طريقة التصحيح محتاجة إلى تصحيح، وعملية النقد تتطلب النقد.
وتبرز أعمق تلك الممارسات الخاطئة في الأمور التالية:
الأمر الأول: شيوع التوصيف المخالف للواقع، فقد عمد كثير من المتبنين للتسامح العقابي إلى بناء توصيفات شرعية وتاريخية خاطئة مخالفة للواقع، وأخذ يستند إليها في تقرير ما يريد أن ينتهي إليه، وهي غير صحيحة في نفسها، وبالتالي وقع في بناءات خاطئة.
والأمر الثاني: اختفاء المناطات الشرعية المؤثرة في الحكم، ومزاحمة المناطات الأخرى التي ليس لها تأثير في بناء أي حكم شرعي، فمن البدهيات الاستدلالية في المسائل الشرعية أن الواجب على الناظر في دلالات النصوص الشرعية التحرر من كل غرض نفسي أو واقعي أو مصلحي، ويتجرد لتحرير المناط الذي اعتبرته الشريعة في بناء الحكم الشرعي، ولكن الملاحظ في قضية التسامح العقابي عدم تحرير تلك المناطات المؤثرة، واختلاطها بمناطات أخرى لا تأثير لها، مما أوقع البحث فيها في صور عديدة تنافي الانضباط المعرفي والاستدلالي
وهذا البحث يريد أن يسلط الأضواء على هذين الخطأين المنهجيين ويبين آثارهما على طريقة البحث والتداول في قضية التسامح العقابي مع المخالف، ويدرس مدى ربط التسامح مع المبتدعة مثلا بعدم إجراء العقاب الدنيوي معهم.
... ... ...
أما الأمر الأول، وهو: التوصيف الخاطئ، فتتخلى أمثلته في القضايا التالية:
القضية الأولى: القول بأن المنافقين كانوا يعلنون كفرهم بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة من غير إنزال عقوبة دنيوية بهم، ليتم التوصل بعد ذلك إلى أن ثمة تسامحا عقابيا كان مع المنافقين.
وقد استند هذا القول على نوعين من الأدلة:
النوع الأول: أن الله تعالى كثيرا ما يذكر عن المنافقين أقوالهم ومناقضتهم لما كان عليه المؤمنون وأنهم يتحدثون في مجالسهم بذلك، ووجه إلى المؤمنين التوجيه مباشرة ولم يذكر أي إجراء عقابي، وإنما كان يأمر بالإعراض وعدم الإلتفات إليهم ونحو ذلك، وهذا يدل على أن المنافقين كانوا يعلنون أقوالهم وإلا كيف توجه الخطاب إلى المؤمنين مباشرة.(2/49)
والنوع الثاني: انسحاب المنافقين بثلث الجيش يوم أحد، وهذا من أظهر الأدلة على إعلان المنافقين لكفرهم في زمن النبي صلى الله عليه وسلم.
ونحن حين نرجع إلى واقع المنافقين في عصر النبي صلى الله عليه وسلم لنتأكد من هذا التوصيف (إعلان الكفر) لا نجد ما يدل عليه، بل هو مخالف للواقع الذي كانوا يعيشونه، والشواهد على هذا عديدة، ومنها: وصف النفاق نفسه، فإن النفاق في الأصل يعني الخفاء والاستتار، فلوا كان المنافقون يعلنون كفرهم بين المسلمين فكيف يصح وصفهم بالنفاق إذن؟! ولهذا لما بين القرآن ما كانوا عليه من الكفر وسوء الطوية في سورة التوبة سمي هذا التبيان فضيحة، وسميت سورة التوبة بالفاضحة، والفضيحة تعني كشف المساوئ وإظهارها، فلو كان المنافقون يظهرون كفرهم فأي فضيحة حصلت إذن؟!
ومن يطالع القرآن يجده يحكي عن المنافقين الخوف والاستتار وعدم إظهار ما يكتمونه في صدروهم، ومن ذلك: قوله تعالى: {وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيم} [التوبة:101] , فهذه الآية دالة على أن المنافقين يخفون كفرهم بحيث لا يعلمهم الرسول ومن معه، ومن ذلك: قوله تعالى: {أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ أَن لَّن يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُم * وَلَوْ نَشَاء لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُم} [محمد:29 - 30]، فهذه الآية تدل على أن كفرهم غير ظاهر وإنما يمكن أن يعرف بالقرائن.
ومن ذلك قوله تعالى: {يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ اسْتَهْزِؤُواْ إِنَّ اللهَ مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُون} [التوبة:64] , فهذه الآية غخبار من الله تعالى عن خذر المنافقين من إظهار القرآن لحقيقة ما هم عليه، فلو كانوا يظهرون الكفر علنا فبما مبرر هذا الحذر؟!
ومما يدل على ذلك: أنه نقل عن عمر بن الخطاب أنه لا يصلي على ميت حتى يصلي عليه حذيفة خشية أن يكون الميت منافقا، فلو كان المنافقون يعلنون كفرهم جهارا لما خفي على عمر، وهو الرجل القريب من النبي صلى الله عليه وسلم، ولو كانوا يظهروا كفرهم لما كان العلم بأسماء بعضهم سرا خاصا بحذيفة رضي الله عنه.
وإذا طالعنا حال المنافقين وجدنا أنهم يتحملون مشاقا كبيرة، فقد كانوا يخرجون إلى الغزوات ويحضرون الصلوات وهي ثقيلة عليهم جدا كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كانوا يظهرون كفرهم فلماذا ها التحمل كله؟!
والذي تدل عليه الأدلة الشرعية والتاريخية أن المنافقين حصل منهم إظهار لفكرهم، ولو لم يظهروا قولهم الكفري لما كانوا منافقين، ولكن هذا الإظهار لا يصل إلى درجة الإعلان به في وسط المجتمع، وإنما كان إظهارا خاصا في مجالسهم الخاصة وفي حوادث متفرقة، وكان يشهد هذه المجالس بعض المسلمين ممن لم يعلم بحالهم، ثم يخبر بعضهم النبي صلى الله عليه وسلم بما يقولوا، وهذا لا يسوغ لنا أن نقول إن ثمة إعلانا للكفر في زمن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة.(2/50)
وأما ما حكاه القرآن من أقوال المنافقين، فإنه لا يصح الاعتماد عليه في القول بأنهم يمارسون إعلانا للكفر بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن غاية ما فيه إثبات حدوث تلك الكفريات من المنافقين، وليس فيها ما يدل على شيوع هذا القول وإعلانه، ومن عادة القرآن الغالبة استعمال الأسلوب العام في التوجيهات حتى ولو كانت متعلقة بأسباب جزئية، فترى القرآن يخاطب عموم المؤمنين في الأمر والنهي النازل بسبب خاص، وهذا لا يدل على أن ما نزل بسببه الأمر أمرا شائعا في المجتمع المدني، فكلك الحال في حكاية قول المنافقين، فاستعمال الأسلوب العام لا يعني أن هذا الفعل شائع في ذلك المجتمع.
وأما انسحابهم من غزوة أحد، فإن الذي يحاول أن يتعرف حقيقة ما وقع من المنافقين يدرك بأن ما وقع منهم لم يكن كفرا ونفاقا، فإنهم أثاروا شبهة ضعيفة، وهي أنهم لا يتوقعون وقوع القتال بين المسلمين والكفار، ولهذا رجعوا إلى المدينة، وافتتن عدد من المسلمين بشبهتهم فرجعوا معهم، وهذا في حد ذاته ليس إعلانا للكفر، حتى يصح الاعتماد عليه.
القضية الثانية: موقف ابن عمر من القدرية، فإنه أنكر قولهم ولم يطالب بمنعهم أو ملاحقتهم، فموقفه هذا دال على أنه يرى أن المخالف لا يعاقب على مخالفته، وهذا يدل على التسامح العقابي كما يقول بعضهم.
وإذا رجعنا لنتحقق من موقف ابن عمر وغيره من الصحابة من طائفة القدرية في زمنهم، فإنا نجد الأمر مختلفا عن هذا التوصيف، ولا بد لنا ابتداءً أن نبين المراد بالقدرية في زمن الصحابة، فإن المقصود بهم من ينكر علم الله السابق للأشياء، فالله حين أمر ونهى لم يكن يعلم من يطيعه ومن يعصيه حتى وقعت الأفعال من المكلفين.
وحين ظهر هؤلاء، وكان عددهم قليلا، أخذ الناس يسألون من بقي من الصحابة كابن عمر وابن عباس وعمران بن حصين وواثلة وغيرهم، وسألوا أيضا كبار علماء التابعين الذي تتلمذوا على الصحابة.
وظاهر فتوى ابن عمر أنه يرى كفر القدرية الأولى؛ لأنه بين أن الله لا يقبل منهم علمهم حتى يؤمنوا بالقدر، واستدل بحديث جبريل الطويل، ليثبت أن القدرية أنكروا أصلا من أصول الإيمان الستة، وكان ابن عباس يرى قتل القدرية الأولى، فعن أبي الزبير أنه:" كان مع طاوس يطوف بالبيت، فمر معبد الجهني، فقال قائل لطاوس: هذا معبد الجهني، فعدل إليه، فقال: أنت المفتري على الله؟ القائل: ما لا يعلم؟ قال: إنه يكذب علي، قال أبو الزبير: فعدل مع طاوس حتى دخلنا على ابن عباس، فقال طاوس: يا أبا عباس الذين يقولون في القدر؟ قال: «أروني بعضهم، قلنا: صانع ماذا؟ قال: إذا أضع يدي في رأسه فأدق عنقه» (الشريعة، الاجري رقم 458).
وهذا هو القول المنقول عن كبار علماء التابعين، كمحمد بن سيرين وإياس بن معاوية وزيد ابن أسلم ومحمد القرظي وإبراهيم النخعي ووكيع بن الجراح والقاسم بن محمد ابن أبي بكر وسالم ابن عبدالله ابن عمر، (انظر في أقوالهم: الشريعة، الاجري 2/ 917 و 918 و 922و923).
فكل هؤلاء تواردوا على الإفتاء بقتل القدرية الأولى، وهم أعلم بفقه الصحابة وأقرب إلى منهجيتهم في الاستدلال، أولى بفهم أقوالهم.
وكون ابن عمر لم يفت بقتل القدرية الأولى لا يعني أنه لا يرى إلحاق العقوبة بهم، خاصة إذا علمنا أنه يرى كفرهم.
القضية الثالثة: موقف علي من الخوارج، فإنه لما ناظرهم هو وابن عباس قال لهم: "لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا، لن نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، ولا نمنعكم فيئا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا "، هذا يدل على أن عليا يرى أن المبتدعة لا يتخذ فيهم إجراءً عقابيا كما يقول بعض الباحثين.(2/51)
وقبل أن نبين حقيقة موقف علي رضي الله عنه لا بد أن ننبه على أن النصوص الشرعية دلت على مشروعية قتال الخوارج وقتلهم، وقد جاء ذلك في نصوص كثيرة، منها: قوله صلى الله عليه وسلم:" يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة» (أخرجه البخاري رقم 3611).
ومنها: قوله صلى الله عليه وسلم:" «إن من ضئضئ هذا قوما يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد» (البخاري رقم 7432).
فهذه النصوص كلها تدل على مشروعية اتخاذ الإجراءات العقابية ضد الخوارج، ولهذا استند عدد من علماء المذاهب إليها في تقرير مشروعية قتل الخوارج ولو لم يبدؤوا بالقتال، وهي دلالة قوية على خطأ إطلاق القول بالتسامح العقابي بدون قيد.
وأما عدم تطبيق علي رضي الله عنه لهذه العقوبة في بداية الأمر فليس فيها دليل على أنه يرى عدم مشروعية العقوبة الدنيوية للمخالف، فإنه حرق من غلا فيه من الشيعة ولم يتسامح معهم، فموقفه من الخوارج في ابتداء الأمر يحمل على أن عليا لم يكن يقصد إلى تشتيت جهوده في محاربة الخارجين عن حكمه والمنازعين له في إمامته، وعلى ان الخوارج كان عددهم كبير جدا فلا مصلحة من قتلهم في تلك المرحلة، فلما اعتدى الخوارج وانتشر شرهم بادرهم بالقتال والقتل.
القضية الرابعة: القول بأن واصل بن عطاء كان له مجلس في مسجد الكوفة يدرس فيه مذهبه المخالف لما كان عليه الصحابة والتابعون، وهذا يدل على مدى التسامح العقابي الذي كان يزاوله الصحابة والتابعون كما يقول بعض الباحثين.
ونحن حين نرجع إلى المراجع التاريخية لنتحقق من هذا الأمر نجدها مختلفة في حكاية ما كان عليه واصل مع الحسن البصري، ولكن كل الحكايات ليس فيها ما يدل على أن واصلا كان له مجلس مستقر في المسجد يشرح فيه قوله، وإنما غاية ما فيها أنه لما انعزل عن مجلس الحسن البصري جلس إلى سارية من سواري المسجد واجتمع إليه عدد من أصحابه وأخذ يتحدث إليهم بفكرته، ولم يرد أنه أنشأ مجلسا ظاهرا في المسجد أو في غيره يشرح فيه قوله, بل الظاهر في التاريخ أن قوله كان غير مشهور ولا معلن به.
القضية الخامسة: موقف عمر بن عبدالعزيز من غيلان، فإنه - كما قرر بعض الباحثين - ناظر غيلان الدمشقي ولم يتخذ ضده إجراءً عقابيا، فلما مات عمر قتله هشام بن عبدالملك، وبلا شك أن عمر أفضل من هشام، وهذا دليل على أن الإجراءات العقابية كان منشاؤها السياسية لا الدين.
ولكن هذا التوصيف غير دقيق، فإن الناظر في الكتب المسندة يجد أن عمر لم يتسامح مع غيلان، فإنه حين بلغه عن غيلان القول بالبدعة دعاه وحبسه أياما ثم ناظره وبين له خطأه واستتابه، فأظهر غيلان التوبة والرجوع عن مقالته فخلى سبيله، وهذا يدل على أنه لو لم يعلن توبته لاتخذ منه موقفا آخر.
ثم لما مات عمر رجع غيلان إلى مقالته وقتله هشام ابن عبدالملك بعدما ناظره الأوزاعي وأفتى بقتله، فقتل، وأيد عدد كبير من كبار العلماء هذا الفعل.
وقد حاول عدد من الباحثين التشكيك في نزاهة هذا القتل وربطه بالأغراض السياسية، وقد بينت في التفسير السياسي الخلل المنهجي في هذا الربط الخاطئ.
... ... ...
وأما الأمر الثاني، وهو: اختفاء المناطات المؤثرة في بحث التسامح العقابي، فتتجلى هذه الإشكالية في القضايا التالية:
القضية الأولى: الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه:(2/52)
من العلوم أن النظر في نصوص الكتاب والسنة يتطلب أن يفرق الناظر فيها بين أمرين هامين:
أما الأمر الأول: فهو حقيقة الحكم الشرعي في نفسه وكيفية بنائه،
وأما الأمر الثاني: فهو تنزيل الحكم الشرعي على المعين وتطبيقه في الواقع.
وهذان أمران مفترقان في الحقيقة وفي المناطات المؤثرة وفي الشروط، فالواجب على الباحثين في الشريعة أولا بناء الحكم الشرعي في نفسه وتحرير الدلالات الصحيحة فيه وتبيان المناطات المعتبرة، وأما تنزيل الحكم على المعينين وتطبيقاته المختلفة فهذا شأن آخر له شروط واعتبارات أخرى، ويجب أن يراعى فيه ظروف زمانية ومكانية وحالية لا تراعى في بناء الحكم الشرعي نفسه.
وهذا التفريق تدل عليه تطبيقات كثيرة في عهد الصحابة وغيرهم، فمما لا شك فيه أن الشريعة ثبت فيها حد السرقة ثبوتا قطعيا، ومع هذا لم يطبق عمر هذا الحكم على بعض المعينين لظروف خاصة راعاها عمر، فعدم تطبيق عمر لا لأن الحكم ليس ثبتا عنده، إنما لأنه يفرق بين الحكم الشرعي ومناطاته وبين تطبيقاته العملية، وكذلك لم يقم عثمان حد الزانى على المرأة الجاهلة في زمنه, لا لأن عثمان لا يرى حد الزانى وإنما لأنه راعى أحوالا خاصة قامت في المعين.
وعلى هذا فانتفاء العقاب عن المعين ليس دليلا على انتفاء وجود العقوبة الشرعية نفسها، ولما لم يدرك بعض المتبنين للتسامح العقابي هذه الحقيقة أخذ يستدل على انتفاء مشروعية العقوبة بانتفاء تطبيقها، فجعل يقول: إن المنافقين لا يشرع في حقهم إجراء عقابي في الدينا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتخذ في حقهم ذلك الإجراء العقابي.
وهذا التصور مبني على مقدمة خاطئة في الاستدلال كما سبق تبيانه، وفضلا عن ذلك فإن ثمة دلالات شرعية عديدة دالة على ثبوت العقوبة الدينوية شرعا في حق المنافقين.
ومن ذلك: قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير} [التوبة:73]، فالأمر بالجهاد والإغلاظ أمر بعقوبة دنيوية بلا شك، وقد اختلف المفسرون من الصحابة وغيرهم في معنى الأمر بالجهاد هنا، فمنهم من ذهب إلى أن المراد به الجهاد باليد واللسان، وهو تفسير ابن مسعود وغيره من السلف، واختاره ابن جرير وغيره، ومنهم من قال: إن المراد بالجهاد هنا الجهاد باللسان فقط، كما قال ابن عباس، وعموم اللفظ يقوي القول الأول، وأما الأمر بالإغلاظ فهو أمر بعدم الرفق بهم والشدة عليهم، وهذا أمر يشمل أحكاما عملية عقابية عديدة.
ومما يدل على ذلك: قوله تعالى: {لَئِن لَّمْ يَنتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً * مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً} [الأحزاب:61]، وهذه الآية واضح فيها التهديد العقابي بالقتل والتشريد، وقد أخذ عدد من العلماء مشروعية قتل المنافقين إذا أظهر نفاقه من هذه الآية.
ومما يدل على ذلك: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر ابن الخطاب تعليق القتل بالمنافق حين قال عن حاطب:" دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:" وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال عملوا ما شئتم فقد غفرت لكم "، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عمر استحلال ضرب عنق المنافق، فهو لم يقل: وما يدريك إن المنافق يقتل، وإنما بين أن حاطبا ليس منافقا.(2/53)
ومما يدل على ذلك: هدم النبي صلى الله عليه وسلم لمسجد الضرار، وهذا الهرم من الأصول الكبرى التي يبنى عليها التعزير بالمال، وقد استدل به كثير من العلماء على هذه القضية، وليس خافيا أن التعزير بالمال إجراء عقابي دنيوي.
هذه كلها دلالات شرعية على مشروعية العقاب الدينيوي في حق المنافق.
ومن صور الخلط بين الحكم الشرعي وبين تطبيقه: القدح في الحكم الشرعي بناءً على التطبيقات السيئة له، وبناءً على استغلال أصحاب النفوس الضعيفة له، فإن بعض الباحثين في التسامح العقابي لما رأى أن الإجراء العقابي للمخالف طبق تطبيقات سيئة في التاريخ الإسلامي واستغله بعض الحكام أخذ يقدح في الحكم الشرعي نفسه، وهذا كله غير صحيح ولا مبرر فيه للقدح في الحكم الشرعي، لأنه لا علاقة للحكم الشرعي بالتطبيقات الخاطئة، ولو طردنا هذه الطريقة لأبطلنا عددا كبيرا من الشرائع الإسلامية، نتيجة التطبيقات الخاطئة من بعض المسلمين لها.
ثم إن عبث المستغلين للأحكام الشرعية يمكن أن يقع حتى في العقوبات الأخرى التي هي دون القتل كالعقوبات المالية والجسدية الأخرى، فهل ننكر حتى هذه الأحكام لأنه تم استغلالها من بعض ضعفاء النفوس؟!
القضية الثانية: اختفاء المناط المؤثر في قتل المبتدع:
من القضايا الهامة التي تساعد على ضبط وإتقان البحث في مسألة التسامح العقابي تحرير المناط المؤثر في إجراء العقوبة الدنيوية في حق المبتدع، فقد شاع في التاريخ الإسلامي أن عددا من غلاة المبتدعة قتلوا، كمعبد الجهني وغيلان الدمشقي والجهم ابن صفوان والجعد بن درهم وغيرهم، وقتل هؤلاء تتعلق به بحوث عديدة، ومن تلك البحوث: السبب الحقيقي الذي كان وراء قتلهم، فقد ذهب عدد من المعاصرين إلى ذلك السبب كانا سياسيا بالدرجة الأولى، وأن العلماء الذي أفتوا بقتلهم انخرطوا مع هذا الغرض المادي البحت، وهذا خطأ تاريخي ظاهر، وقد بينت الدلائل على خطائه في كتاب " التفسير السياسي للقضايا العقدية في الفكر العربي المعاصر " وتوصلت إلى أن السبب وراء ذلك كان سببا دينيا بالدرجة الأولى.
وقد استشكل بعض الباحثين هذه النتيجة وأخذ يقول: إذا السبب وراء قتل أولئك المبتدعة كان دينيا فإنه يلزم منه الحكم بجواز قتل الأشاعرة، لأنهم قالوا بأغلظ مما قال مبعد الجهني وغيلان الدمشقي، بل هم أكثر ابتداعا منهما.
وإذا أردنا أن نحلل هذا الاستشكال ونفكك مقدماته نجد أنه مبني على مقدمتين خاطئتين:
أما المقدمة الأولى: فهي أن بدع الأشاعرة أغلظ من بدع القدرية، وهذا غير صحيح؛ فإن قول معبد الجهني أعظم جرما ومخالفة للنصوص الشرعية والأدلة العقلية من جميع أقوال الأشاعرة، فإن قوله راجع إلى إنكار العلم الإلهي السابق، وهذا قول شنيع لم يقل به الأشاعرة ولا حتى المعتزلة.
ومنشأ الغلط في ذلك الاستشكال راجع إلى عدم التفريق بين اطلاقات لفظ القدرية في التاريخ الإسلامي، فإن هذا اللفظ يطلق على ثلاث طوائف كما بينته في التفسير السياسي:
الإطلاق الأول: يطلق على نفاة العلم الإلهي، ويسمى هؤلاء بالقدرية الأولى، وهم من يقول إن الله لا يعلم بأفعال العباد حتى تقع منهم وأما قبل وقوعها فهو سبحانه لا يعلم من يطيعه ولا من يعصيه، وقد أنكر عليهم من بقي من الصحابة وأفتوا بقتلهم وكذلك فعل كبار علماء التابعين، وهذه الطائفة انقرضت في زمن مبكر من التاريخ الإسلامي، والإطلاق الثاني: يطلق على الذين يقولون إن الله لا يخلق الشر فقط، وهذا القول شاع في المحدثين حتى قال الإمام أحمد:" ثلث رواة البصرة من القدرية " ويريد بهم هذا النصف، والإطلاق الثالث: يطلق على المعتزلة، الذين أثبتوا العلم الإلهي، ولكنهم نفوا خلق الله تعالى لكل أفعال العباد.(2/54)
وهذا الإطلاق هو الذي يقابل بينه وبين قول الأشاعرة غالبا, فإن قال العلماء عن قول الأشاعرة أغلظ من قول القدرية وأقبح، فالمراد بالقدرية هنا المعتزلة لا القدرية الأولى، ولا شك في صحة هذا الحكم، لأن قول المعتزلة يؤدي إلى تعظيم الأمر والنهي والتكليف أكثر من قول الأشاعرة.
وإذا ظهرت لنا هذه التفصيلات الهامة فسندرك أن ذلك الاستشكال لا مبرر له، وإنما هو ناتج عن عدم إدراك لهذه الأمور الهامة.
وأما المقدمة الثانية: وهي: أن المناط في قتل القدرية كان الابتداع في الدين، وهذه المقدمة وقعت فيها تجاذبات عديدة، وتباينات مختلفة في توصيف المناط الحقيقي فيها، فمن الباحثين من يقول أن المناط هو الابتداع في الدين، ومنهم من يقول أنه الوقوع في البدعة المكفرة، ومنهم من يقول أنه الدعوة إلى البدعة.
وكل هذه الأقوال غير دقيقة في تحديد المناط الحقيقي لقتل المبتدع، وقبل أن نذكر المناط الصحيح المؤثر لا بد أن ننبه على أن هذه القضية تعد من المسائل الاجتهادية التي هي محل للاختلاف السائغ الذي يقتضي الإغلاظ أو التثريب، وليست من معاقد الإجماع التي يضلل فيها المخالف، وهذا لا يعني عدم الحرص على تحرير الدلالة الشرعية فيها وعدم بيان الخطأ الواقع فيها من الأقوال المخالفة.
وثمة أمر هام لا بد من التنبيه عليه أيضا، وهو أن الإجراء العقابي بالقتل وغيره مبني على إباحة التعزير بالقتل، وهذا الأصل مختلف فيه بين أتباع المذاهب الفقهية، والذي ذهب إليه أكثر الفقهاء جواز التعزير بالقتل كما سيأتي ذكر بعض أدلته.
وبناءً على هذا الأصل ذهب عدد من فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز الإجراء العقابي على المبتدع الداعية إلى بدعته بالقتل، وهو الذي كان عليه أكثر علماء السلف المتقدمين من أهل الحديث وغيرهم كما حكاه ابن تيمية.
وإذا أردنا أن نحلل القول بجواز الإجراء العقابي على المبتدع بالقتل ونحوه ونفتت منظومته الاستدلالية ونجزئ مكوناته المعرفية نجد أن المناط المؤثر في بنائه مناط مركب من أمرين:
الأول: حصول الضرر الديني بسبب البدعة.
والثاني: انحصار دفع الضرر في القتل فقط، ولا بد من توفر هذين الأمرين حتى يصح قيام المناط المؤثر، فإذا لم يحصل الضرر الديني بالبدعة فلا يجوز المصير إلى القتل، والمراد بالضرر هنا قدر زائد على مجرد المخالفة للشرع، وإلا جاز قتل كل من وقع في المعصية وكل من وقع في بدعة ولو لم تكن غالية، وكذلك إذا أمكن إزالة الضرر بغير القتل فإنه لا يجوز المصير إليه، وكذلك إذا لم يزل الضرر بالقتل فإنه لا يجوز المصير إليه.
وتحديد تحقق هذا المناط المركب في الواقع مما يحصل فيه الاجتهاد، ويقع الاختلاف في تحديد الظروف التي يتحقق فيها، ومن الظروف التي لا يتحقق فيها - في تصوري- أن تكون البدعة شائعة ومنتشرة ويتبناها عدد كثير، ففي هذه الحالة لا يحقق القتل اندفاع المفسدة، وكذلك إذا كان انتشار السنة التي كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ضعيفا، فالقتل لا تندفع به المفسدة والحالة هذه.
ويمكن لنا أن ندرك هذه المناط المركب من تقريرات كثير من الفقهاء، وفي هذا يقول ابن عابدين من الحنفية:" والمبتدع لو له دلالة ودعوة للناس إلى بدعته ويتوهم منه أن ينشر البدعة وإن لم يحكم بكفره جاز للسلطان قتله سياسة وزجرا لأن فساده أعلى وأعم حيث يؤثر في الدين" (ابن عابدين 4/ 243).
ويقول ابن فرحون من المالكية:" وأما الداعية إلى البدعة المفرق لجماعة المسلمين فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل" (تبصرة الحكام 2/ 297)(2/55)
وهذا المناط المركب ظاهر في تقريرات ابن تيمية، وهو يعد من أوضح العلماء الذين حرروا وجه التركيب فيه، وفي هذا يقول ": ومن لم يندفع فساده في الأرض إلا بالقتل قتل، مثل المفرق لجماعة المسلمين والداعي إلى البدع في الدين" (الفتاوى 28/ 108).
يقول أيضا:" وأما قتل الداعية إلى البدع فقد يقتل لكف ضرره عن الناس، كما يقتل المحارب، وإن لم يكن في نفس الأمر كافرا، فليس كل من أمر بقتله يكون قتله لردته، وعلى هذا قتل غيلان القدري وغيره قد يكون على هذا الوجه" (الفتاوى 23/ 351).
ومن أجمع تقريرات ابن تيمية في هذه القضية قوله:" فأما قتل الواحد المقدور عليه من الخوارج؛ كالحرورية والرافضة ونحوهم: فهذا فيه قولان للفقهاء، هما روايتان عن الإمام أحمد. والصحيح أنه يجوز قتل الواحد منهم؛ كالداعية إلى مذهبه ونحو ذلك ممن فيه فساد فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {أينما لقيتموهم فاقتلوهم} وقال: {لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد} وقال عمر لصبيغ بن عسل: لو وجدتك محلوقا لضربت الذي فيه عيناك. ولأن علي بن أبي طالب طلب أن يقتل عبد الله بن سبأ أول الرافضة حتى هرب منه. ولأن هؤلاء من أعظم المفسدين في الأرض. فإذا لم يندفع فسادهم إلا بالقتل قتلوا ولا يجب قتل كل واحد منهم إذا لم يظهر هذا القول أو كان في قتله مفسدة راجحة. ولهذا ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل ذلك الخارجي ابتداء لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " ولم يكن إذ ذاك فيه فساد عام؛ ولهذا ترك علي قتلهم أول ما ظهروا لأنهم كانوا خلقا كثيرا وكانوا داخلين في الطاعة والجماعة ظاهرا لم يحاربوا أهل الجماعة ولم يكن يتبين له أنهم هم " (الفتاوى 28/ 499).
وهذه التقريرات من ابن تيمية تدل على أنه لا يعتمد على قصة عمر مع صبيغ فقط، ولا على موقف علي من السبئية فقط، وإنما ينطلق من أصل كلي في الشريعة وهو أن الشرع جاء فيه إباحة دم المسلم لأجل أمور تتعلق بالشؤون الدنيوية، فما يتعلق بالدين يكون من باب أولى، كما سيأتي بيانه.
والملاحظ أن عددا من المعاصرين لم يهتم بتحرير وتعيين الأدلة الشرعية التي استُنبِط منها ذلك المناط المركب، ولأجل هذا أخذ بعضهم يقول: إن دليل هذا القول ضعيف؛ لأنه مبني على الاستدلال بفعل الحجاج أو هشام ابن عبدالملك أو مبني على كون أكثر السلف قال به.
وإذا مارسنا مزيدا من التحليل لتقريرات المحققين من العلماء الذين تبنون هذا الموقف نستطيع الكشف عن الأدلة الشرعية التي كانت وراء بناء هذا القول، وتتحصل هذه الدلالة في قياس الأولى.
وصورة هذا القياس: أن الشريعة أباحت دم المسلم المعصوم بأمور عديدة ترجع إلى الفساد في الأموال والمصالح الدنيوية، والمبتدع الذي يتبنى بدعة غالية ويدعوا إليها يؤدي إلى إحداث ضرر كبير في دين الناس، والدين أعظم من المصالح الدنيوية، فإباحة القتل فيه من باب أولى.
والأصل المقيس عليه في هذا القياس أصل كلي قطعي، كما جاء قي قتل الزاني المحصن وقتل المفارق للجماعة الشاق لعصى الطاعة وقتل الصائل وقتل المحارب وقتل الخوارج وقتل الساحر وقتل من أتى ذات المحارم وقتل تارك الصلاة وغيرهم
والعلة في أباحة الدم في هذه الأمور تحقق الفساد في دين الناس ودنياهم، وهذه العلة متحققة بصورة أكبر في صاحب البدعة الغالية الذي يسعى إلى الدعوة لبدعته، فإباحة دمه بناءً على ما سبق تكون من باب الأولى.
وهذا الأصل القطعي كان معتمد عدد من العلماء في الافتاء بالقتل في أمور لم ترد في النص الشرعي، ومن تلك الأمور: الإفتاء بفتل فاعل اللواط، ومن الأمور: الإفتاء بقتل الجاسوس، من تلك الأمور: الإفتاء بقتل شارب الخمر في المرة الخامسة، فهذه القضايا أفتى فيها عدد من العلماء بالقتل، قياسا على ذلك الأصل الكلي.(2/56)
خبراء في الفكر والفلسفة ولكن!
خباب بن مروان الحمد
13 رجب 1431هـ
Khabab1403@hotmail.com
نجتمع أحياناً في بعض النوادي الثقافية واللقاءات الفكرية، أو من خلال اللقاءات على الشبكة العنكبوتيَّة، نتطارح مع بعض الشباب أحاديث فكرية، وطروحات معرفيَّة، وهموماً نهضوية وتنمويَّة، فأجد لدى الكثير من الشباب إقبالاً كبيراً على المطالعة والمباحثة ومحبَّة الحوار، حتَّى ويكأنَّ المرء يشعر أنَّ مثل هذه النقاشات صار كثير منها متكلفاً، فالمهم أن نتحدث ونتناقش ونتبادل الآراء، ثمَّ بعد ذلك نمضي في أعمالنا وهمومنا الحياتيَّة مع قلَّة تطبيق وحسن عمل، وهذه مشكلة، يمكن أن نطلق عليها بإشكالية الترف الفكري، والغثاء الثقافي الذي يعيشه بعض الشباب المثقف والطامح لأن يكون يوماً ما مفكراً أو مثقفاً.
وعلى أيَّة حال فإنَّني ألحظ ساعة مناقشاتي مع بعض الشباب العربي والمسلم، والمتحمس للقراءة في المجالات الثقافية والفكرية والفلسفيَّة أنَّهم يعدُّون كمَّاً هائلاً من كتب ومدونات الكثير من مفكري الشرق والغرب، ولا يُعجزهم أن يتحدَّثوا حول جماليات منطق أرسطو، وتعريفات سقراط، ونظريات أفلاطون، وعبارات فيثاغورس، وقوانين دور كايم، وحكم فولتير، ويحشد لك عدداً من الأسماء كسبينوزا، جون لوك، ايراسموس، جان جاك روسو، مونتسيكو، ديكارت، توماس هوبز، جون ستيوارت ميل، ديدرو، لبطليموس، ابكتيتوس، مارتن لوثر، غاندي، والقائمة تطول بأسمائهم، فلها في قلوبهم بهجة كبيرة، حتَّى بتُّ أشعر حالة نطقهم لأسماء أولئك القوم بأنَّهم يعيشون حالة من الزهو والخيلاء، التي تُشعرهم بأنَّهم قوم مثقفون قد نالوا قسطاً كبيراً من الثقافة والقراءة في أفكار الغير.
هاتفني أحدهم قائلاً: أحب المطالعة في هذه الكتب الفكرية والفلسفيَّة، وكتب النظريات الغربية.
فقلت له: وما سر هذا التركيز وأنت شاب يافع؟
فأجاب: إنَّه لابدَّ لنا أن نتعلم نظريات الغرب لكي ننقدهم وننتبه من خطورتها، ويستدل بالحديث: (الحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها كان أحق الناس بها) (1) وأنَّ الشاعر العربي أبو فراس الحمداني قال:
عرفت الشر* لا للشر لكن لتوقيه
ومن لا يعرف الخير* من الشر يقع فيه!
وأنَّه رُويَ عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال "تُنقض عرى الإسلام عروة عروة من نشأ في الإسلام ولم يعرف الجاهلية" (2).
إلى غير ذلك من الاستدلالات والرؤى التجميعيَّة بحشد النصوص بكليتها لمناصرة القناعة المدموغة في عقليَّته التنويريَّة!
فنصحته وقلت له: يمكنك أن تهتم الآن بمطالعة كتاب الله وأحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسيأتي اليوم الذي يمكنك أن تطالع فيه هذه الكتب بعد برهة من الزمن، للاستفادة ممَّا بها من جوانب تراها خيِّرة، ولنقدها فكرياً ومنهجياً، شرط أن تكون لديك حصانة ذاتية ومناعة فكرية.
_________
(1) أخرجه الترمذي برقم (2687) وقال: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه [فيه] إبراهيم بن الفضل المدني يضعف في الحديث من قبل حفظه، وقال العقيلي: منكر، كما في تهذيب التهذيب: (1/ 151)، وضعَّفه الألباني في ضعيف الترمذي بقوله: حديث ضعيف جدا.
(2) انظر منهاج السنة النبوية (2/ 398) و (4/ 590) وكذلك مجموع الفتاوى (10/ 301 (15/ 54) وقد وردت في مصنف ابن أبي شيبة وطبقات ابن سعد بغير هذا اللفظ.(2/57)
كان ذلك الأخ مقتنعاً بأنَّ لديه اطلاع جيد بالعلوم الشرعية بحجَّة ما قام بدراسته سابقا، وأنا شخصياً لم أجده بالفعل كما يقول، وحاولت محاورته وإقناعه بمرادي، وقلت له إنَّ كل نفس يعتورها ما يعتورك من ضرورة مطالعة الكتابات والأطروحات الفلسفية والفكرية المنشورة قديماً وحديثاً وما بين الفينة والأخرى، وقد تسَوِّغ النفس لأجل ذلك أسباباً متعددة .... لكن أحسب أنَّ لكل زمن رجال، ولكلِّ مرحلة أهلها، واستباق الأحداث والوقت غير المناسب لفعل شيء ما يضير أكثر ممَّا ينفع.
• قناعات بديلة:
أعتقد أنَّ من الأهمية بمكان، الصيرورة إلى توجيه العقول إلى ما يمكن أن تنتفع به ويكون ركناً ركيناً، وأصلاً أصيلاً في عمليَّة التلقي، وهو التركيز على قضية أحسب أنَّها ذات أولوية في صياغة وتشكيل العقل العربي والمسلم وفي هذا الزمان خصوصاً
تلك القناعة التربوية التي لازلت متشبِّثاً بها وصادحاً بها في مجامع الشباب المثقف، قائلاً:
وأين نصيب القرآن والسنَّة وكلام الصحابة والتابعين من مطالعاتكم؟
وهل حاولتم أن تجمعوا مثلا أقوال الصحابة في طرق النهضة بأمتنا؟ وتستخرجوها من مظانها من كتب الآثار والمسانيد وإسقاط ذلك على الواقع المعاصر؟
أو قمتم بجمع آثار التابعين في ضرورة التنمية الاجتماعية والحراك العملي الخدوم في المجتمع؟
وهل فتَّشتم في كتب سلفنا وآثارنا وتراثنا عن مظاهر التفكير الإبداعي وخدمة الأمَّة المسلمة فيه وخصوصاً من فئة الشباب؟
وهل طالعتم كتب التأريخ والسير والمغازي وجمعتم الأسباب الحقيقيَّة لالتهاء الشعوب بأمر دنياها وقيام قلَّة قليلة منها بمقاومة النتوءات الفكريَّة، والخروقات الثقافات، وماذا كان دور عموم الناس في مناصرة علمائهم ومفكريهم حينما يصدعون بالحق، وما أسباب وقوفهم من عدمه؟
إلى غير ذلك ممَّا يخدم أمَّتنا وواقعها الفكري المعيش، وخصوصاً حينما ندرك أنَّ (العمل الجوهري للمفكر هو صناعة المفاهيم) (1)، وهي الطريقة الفعليَّة للاستنباط من تلك النصوص القرآنية والأحاديث النبوية الكثير من المفاهيم التي تهمنا في مجتمعنا بشتَّى اهتماماته.
وبالطبع كنت أجد الجواب مختلفاً بين ألسنة الشباب، ولكنّي وجدت إجماعاً واضحاً على التقصير بقراءة كتاب الله ومطالعة التفاسير لفهمه، وما في سنَّة رسوله صلى الله عليه وسلم وما يمكن الاستعانة به من شروحات كتب الحديث لفهم معانيها.
ووجدت بعضهم وكأنَّ الأمر لا يعنيه، فهو يفهم القرآن وقد قرأه سابقاً لمرة أو مرتين، وقرأ الأربعين النووية وشيئاً من رياض الصالحين، ولكنَّ الأهميَّة الكبرى لديه الآن في مطالعة الكتب الفلسفية وغيرها من المفاهيم التي تتحدث عن الديناميكية والحيوية والارستقراطية والأتوقراطية والثيوقراطية والبيوقراطية والمادية الجدلية ونشأة الحضارة، وقراءة تاريخ الصناعة والعمران المدني إلى غير ذلك من اهتمام هو أكبر وأوثق من اهتمامهم بقراءة القرآن والسنَّة.
_________
(1) كيف نفهم الأشياء من حولنا؟ كتاب الدكتور عبد الكريم بكَّار ص7.(2/58)
وهذا بالفعل شيء حاصل فالكثير من هؤلاء باتوا يهربون من مطالعة النصوص الشرعية من كتاب الله وسنَّة رسوله ويستشهدون بها، ويحاولون أن يأتوا بآراء فلسفيَّة وحجج كلامية، وأحسنهم حالاً من لا يأبه بذكر النصوص الشرعيَّة بل يهتم بالمقاصد وفقه المقاصد، ويحاول أن يقفز على هذه النصوص بما يراه هو أنَّه من مقاصد الشريعة، وعندئذٍ تذكرت قول الفاروق عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه: "إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم أن يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم فعارضوا السنن برأيهم فإياكم وإياهم" (1).
إنَّ ما ذكرته من حالة مأساوية وقع فيها الكثير ممَّن يعدون أنفسهم فلاسفة وأهل رأي حصيف وفكر مكين، لكنَّ إدبارهم وإعراضهم عن الاهتمام بنصوص الوحيين تأملا وتدبراً وتفكراً وإسقاط هذه النصوص على الواقع، ومعالجة الواقع بالأدلة الشرعية بات شيئاً ضعيفاً، وصار الكثير منهم يستروح للحديث الإنشائي أو لذكر حِكَمِ وتجارب الفلاسفة، ومن لطائف ما حصل أثناء كتابتي لهذا المقال أن أرسلته لأحد أصدقائي المصريين المثقفين والمتميزين في المجالات الفكرية والفلسفيَّة، وحينما قرأ المقال وانتهى منه أرسل لي رسالة يقول فيها: (لكني أوافقك تمام الموافقة فيما ذهبت إليه، ووالله إني لأعاني من ذلك في الجمعية الفلسفية التي أحضر ندوتها كل شهر والتي يرأسها الدكتور حسن حنفي؛ حيث لا كلام إلا عن الغرب وأعلامهم، ومذاهبهم من الكلاسيكية حتى الحداثة وما بعد الحداثة ... كلها أمور تقسي القلب إلى جانب أنها لا تقيم نهضة للأمة!)
• فليكن الفكر منطلقاً من أساس متين:
قد يقول قائل: وهل يُراد من عموم الشباب العربي المسلم المثقف أن يكونوا علماء في الشريعة، فإنَّ هذا لا يتأتَّى ولا يمكن، ونحن بالفعل بحاجة لشباب مثقف ومفكر؟
وبالطبع، فإنَّ الأمَّة الإسلاميَّة ليست بحاجة للعلماء الفقهاء فحسب، بل هي كذلك بحاجة للشباب المثقف الواعي والمفكر بقضايا أمَّته والذي يندمج في واقعها الحيوي ويناقش مشاكلها بعمق وموضوعية وشفافية، لكن مع وجوب المواظبة على ورد يومي من قراءة كتاب الله وشيء من تفسيره مع التدبر بما فيها، ومطالعة شيء من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وقراءة سيرته العطرة، فالمنتسبون لأمَّة الإسلام يجب عليهم أن يكون لديهم التصاق تام بهذا الإرث (كتاباً وسنة) فهو عصمة لهم من الفتن، ووقاية لهم من مضلات الأهواء، خصوصاً حينما يحسن القارئ لهما التعامل معهما.
إنَّ الإشكالية الكبرى لدى هؤلاء أنَّهم يظنُّون أنَّ القرآن الكريم ما هو إلا حديث عن الغيبيات أو كما قال أحدهم عن الميتافيزيقيا فحسب، وأمَّا غير ذلك من الأجوبة التي تعنى بأمور تنظيم العبادة بين العبد وربه، وإعمار الكون بالإيمان والبنيان، والسير في الأرض، والأمر بالعدل وإنكار الظلم، وتزكية الأنفس، وتكوين الأسرة الصالحة، وإثبات كرامة الإنسان، والدعوة إلى التعاون على البر، ليست في وارد ذهنهم إطلاقا، فلا يظنَّون القرآن إلا مجرد بكائيات فحسب!
_________
(1) إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية: (1/ 55).(2/59)
لأجل ذلك يقول بعضهم: انظروا في الكتب الأخرى والأفكار الأخرى، فهي التي تُفَتِّقُ الذهن، وتوسع مدارك العقل، وكأنَّ القرآن أغفل الحديث عن الكثير من الجوانب التي تصلح الكون والإنسان والحياة، وقد أحسن الإمام ابن القيم حين تحدث عن أمثال هؤلاء فقال عن القرآن ومن لا يعتنون به: " أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونه في نوع وفي قوم قد خلوا من قبل ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلو فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم وتناول القرآن كتناوله لأولئك " (1).
• فكان للمهتم بالفكر أن يهتم بالذكر:
أعجب ويحقُّ لي العجبُ من شدَّة هوس بعض الشباب العربي المسلم بقراءة كتب المفكرين الغربيين وأقوال الفلاسفة اليونانيين، وهم في الحقيقة خلو من مشاهدة وتأمل ما في الكتاب الكريم من آيات وعظات وحكم ومعاني عميقة، وما في السنَّة النبوية المطهَّرة من جوامع الكلم، وسامق الحكم، ورائق العبارات، وبديع المقالات.
هذه مشكلة كبيرة نعيشها مع شباب اليوم المقبل على النوادي الفكرية والصالونات الثقافية ظانين أنَّ مصدر السعادة ومعين الرضا والسرور هو في مناقشة فكر أحد الكتاب أو الفلاسفة الغربيين، وتجد أنَّهم قد يتكلفون ببعض العبارات وحشد الجمل واللفظات وتكديس المصطلحات حينما يتحدثون لكي يقول عنهم القائل: إنَّهم فعلا فلاسفة وحكماء عباقرة!
حتَّى إنني أتذكر واحداً من هؤلاء قال لي يوماً: إنَّ لديه دفترا قريباً منه كان يكتب فيه بعض المصطلحات والعبارات الرنانة التي تستهوي عقله؛ لكي يستخدمها في بعض مقالاته فتجد في المقال حشداً مصطلحياً لربما لو سئل كاتبه ما معنى ما قصدته بالضبط لحار جواباً وأطرق رأساً!
وعلى كُلٍّ؛ فإنَّ من يظنُّ أنَّه في بداية مطالعاته سيهتم بعلوم فلسفيَّةٍ وقراءات في المنطق والفكر الغربي، ويغفل القرآن ويظنُّ نفسه أنَّه بالفعل يريد الجمع والدمج بين الإسلام عقيدة وشريعة وبين ما هو مسطور في كتب الفلاسفة ومزبور في تراثهم، فإنَّه سيكتشف بالفعل أنَّه لن يبلغ النتيجة التي قصدها وخصوصاً إن كان ذلك في بداية مطالعاته، بل يخشى عليه بالفعل من عقائد أولئك الفلاسفة والتي في أغلبها تجاهل لحكمة الرب، وتشكيك في كثير من الغيبيات، وإنكار علم الله الكامل، ونفي معاد الإنسان، فأي فكر فلسفي لرجل يريد أن يُنوِّر المسلمين بفلسفة أولئك الفلاسفة والمناطقة، وكأنَّ في القرآن والسنَّة نقصاً ليس موجوداً إلاَّ في كلامهم، وبعد هذا وذاك يريد ذلك الشخص أن يطلق عليه الناس أنَّه مفكر إسلامي، وهو لربما يكون إلى العلمنة والليبرالية أقرب منه إلى الإسلام، ولهؤلاء أقول وأذكرهم بما قاله المفكر الفرنسي المسلم فنساي مونتاي: (إنَّ مثل المفكر العربي الإسلامي المبعد عن تأثير القرآن كمثل رجل أفرغ من دمه!) (2).
_________
(1) مدارج السالكين لابن قيم الجوزية: (1/ 343)
(2) رجال ونساء أسلموا (5/ 45)(2/60)
إنَّ المسلم يجب أن يكون على قناعة تامَّة بعظمة القرآن الكريم، وعظيم عِبَره وحكَمِهِ، وبالرجوع لكتاب المفكر والمؤرخ الإسلامي عماد الدين خليل بعنوان: (قالوا عن القرآن)، لكي يقرأ في هذا الكتاب أولئك الذين تعلَّقت قلوبهم بكلام الفلاسفة ويرى أنَّ كثيراً منهم يشهد بعظمة كتاب الله عزَّ وجل، ومنهم من ساقه ذلك للإسلام، ومنهم من بقي على دينه الباطل، ولكنَّه شهد بما في هذا الكتاب الكريم من آيات ودلائل وإصلاح للواقع (والحق ما شهدت به الأعداء!)، وهو وإن كنَّا لسنا بحاجة لشهادة غير المسلمين على ما في كتاب رب العالمين، لكن لعلَّه يكون باعثاً لهم على عطف قلوبهم وأفئدتهم وأجسادهم للاعتناء بقراءة كتاب الله تعالى.
نقول هذا لأنَّ هنالك الكثير ممَّن يستهويهم الفكر الفسلفي والقراءة في الكتب الفكرية الغربية، والاطلاع على فكر المدرسة الفرنكوفونية، والوله بالمصطلحات الفلسفيَّة، فهؤلاء في الغالب يبعدون النجعة كثيراً عن مطالعة كتاب الله سبحانه وتعالى، وسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقد يقول بعض الناس إنَّ هذا اتَّهام في غير محلَّه وكيف نبتعد عن الآيات القرآنية؟ ونحن نقرأها ونتعبَّد الله بها؟
إلاَّ أنَّ الشاهد يوضح أنَّ كثيراً ممن انتسبوا للفكر والفلسفة، نجد لديهم لوثة غربيَّة وقراءات فلسفيَّة في كتب الغربيين، مع أنَّهم قد لا يعقلون كثيراً مما جاء فيها، وقد يلوكون بعض العبارات ظناً أنَّهم فقهوها، وهم في المقابل لا يحسنون فهم آيات القرآن الكريم، بل يدخل بعضهم في قوله تعالى: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون) أي لا يعلمون الكتاب إلا كلمات يحفظونها ويدرسونها.
فضلاً عن أن يكون قد دخل كثير منهم في قوله تعالى: (وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) فهجروا قراءته وتدبره وسماعه وتلاوته والعمل به والتحاكم إليه والاستدلال به، وهم بالفعل لو كان لديهم نهم وشغف بمعرفة أقوى الكلمات ذات الدلالات العميقة فإنَّهم لن يجدوها إلاَّ في كتاب الله، ولكنَّ كتاب الله عزَّ وجل لن يعطي للإنسان أسراره ومعانيه إلاَّ إذا أعطى المرء من نفسه لكتاب الله الشيء الكبير، والوقت الكثير من التأمُّل والتدبر، فتنهمر عليه الكنوز القرآنيَّة، والبدائع العرفانيَّة، وينطق لسانه بالحكمة.
لقد ذكر المؤرخون لسيرة المفكر الشاعر الباكستاني المسلم محمد إقبال، أنَّه دخل على ولده ذات مرَّة وهو يقرأ القرآن فقال له إقبال ناصحاً: أي بني! اقرأ القرآن وكأنَّه عليك أُنزِل.
وقد صدق رحمه الله، فإنَّ القرآن تنهمر أسراره وتنفلق وتظهر معانيه وتنطق، لمن قرأه وهو يستشعر بالفعل أنَّ هذه الآيات تخاطبه وتتحدَّث إليه، لكي يقوم بالفعل بأدائها حق أداء، والتفكر في معانيها الباهرة، التي تستعلي على أقول وقيم الشرق والغرب، وصدق الله: (وإنَّ كثيراً من الناس عن آياتنا لغافلون).
إنَّها دعوة للمراجعة الجادة القلبيَّة لجميع المنتسبين للفكر والفلسفة، بأن يبحثوا في سويداء قلوبهم، وهل لديهم شدَّة تعلُّق بآيات القرآن وما صحَّ من أحاديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أم لا؟
إنَّني على قناعة بأنَّ من تابع كتب ومقالات ومحاضرات فلان أو علان وهو يتحدث بفلسفة ويلوك الكلام لوكاً، فإنَّه ستظهر معه نقولاته لآراء الفلاسفة والغربيين ويدع جانباً الاستناد والاستشهاد بالآيات والأحاديث لمقولاته، فالاهتمام لأي شيء يظهر من خلال تعامل الشخص معه.(2/61)
قال ابن تيمية رحمه الله: (تجد مَن أَكْثَرَ من سماع القصائد لطلب صلاح قلبه؛ تنقص رغبته في سماع القرآن، حتى ربما كرهه، ومن أكثر من السفر إلى زيارات المشاهد ونحوها؛ لا يبقى لحج البيت الحرام في قلبه من المحبة والتعظيم ما يكون في قلب من وسعته السنة، ومن أدمن على أخذ الحكمة والآداب من كلام حكماء فارس والروم، لا يبقى لحكمة الإسلام وآدابه في قلبه ذاك الموقع، ومن أدمن قصص الملوك وسيرهم؛ لا يبقى لقصص الأنبياء وسيرهم في قلبه ذاك الاهتمام، ونظير هذا كثير) (1).
وهذه مشكلة أخرى نجدها عن بعض المنتسبين للفكر الإسلامي من دهاقنة الفكر ورموزه في هذا الزمان، فقد يتطرق بعض المهتمين بالفكر بذكر بعض الجوانب الأخلاقية والسياسية والإنسانية والاجتماعية وغيرها في مقالاته وكتاباته وكتبه، وقد يذكر عشرات الأقوال من المفكرين الغربيين واليونانيين وغيرهم، ونجد من الضآلة بمكان أن يتذكر آية أو حديثاً يذكره في ثنايا بحثه وكتبه ومقاله، ولولا أنني لا أريد التسمية لسميت عدداً من هؤلاء يتقنون فنون ذكر أقوال الكفرة والملحدين من المحسوبين على الفلسفة والمنطق الكلامي، وقلَّما يذكرون آيات من كتاب الله أو سنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بدعوى أنّ الآية حمَّالة أوجه، وأنَّ الحديث قد يكون ضعيفاً!
فيا سبحان الله! إن كانت الآيات حمَّالة أوجه والأحاديث قد تكون ضعيفة أو خبر آحاد (كما يزعم بعضهم) فلم الاستشهاد الكبير والغوص والتنقيب عن أقوال عدد من الكتاب والمفكرين اليونان، ورموز المدارس الكلامية والليبرالية الغربية، واستخراجها ومحاولة بعثها من جديد؟! أم أنَّ كلامهم ليس حمَّالاً لأوجه؟! وأقوالهم ليست إلاَّ من قبيل آحادهم وأفرادهم والتي قد يصيبون فيها ويخطئون!
ومن العجائب والغرائب كذلك أن نجدهم يقولون إنَّ ذكرنا لكلام هؤلاء الغربيين والفلاسفة اليونانيين وغيرهم، لكي يعرف الغربيون أنَّنا نعرف واقعهم، ونتحدث بلغة مفكِّريهم، وما علموا وللأسف الشديد أنَّ كثيراً منهم ـ ولا أقول الكل ـ قد يستخدم أقوال هؤلاء بما قد يستدل به على مفهوم فهمه يكون خاطئاً أو معارضاً لكتاب الله وسنَّة رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولأجل ذلك وجدنا الكثير من العبارات التي يقولها بعض الناس وما دروا خطورة قولها مع علمي أنَّ بعض من قالها من بعض الفضلاء ولكنَّهم يقولون كلاماً يحتاج لإعادة نظر حينما يتحدثون عن (ديموقراطية الإسلام، ليبراليَّة الإسلامية، اشتراكية الإسلام، الرومانسية الإسلامية) والإشكال الكبير أنَّ كثيراً من منطلقات هؤلاء بالفعل يرونها منطلقات إسلاميَّة ولكنَّهم ما علموا أنَّ هذه العبارات ما هي إلاَّ بعض مما تسلَّق على ذاكرتهم أثناء قراءتهم في أفكار الآخرين!
بل وجدنا واحداً ممن يعتبرون أنفسهم من تيار التنوير الإسلامي، يقول في مقال له بعنوان: (وثنيون هم عبدة النصوص) ويزري على الناس وبعض المهتمين بالمجالات الكتابية والذين يقولون ليتنا نرى في بعض مقالات بعض المفكِّرين نصوصاً قرآنية أو أحاديث نبويَّة مذكورة في مقالاتهم، وبدلاً من أن يشكرهم على نصيحتهم له، يعدُّهم كالوثنيين الذين يعبدون القبور ويشركون بالله، فيتهمهم ويصمهم بأنَّهم وثنيون لأنَّهم على حد زعمه: (عبدة نصوص)!!
_________
(1) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 542)(2/62)
وهذا أحدهم يتحدث بأسلوب ملتوٍ، يريد منه النيل ممَّن يستند لقراءة النصوص القرآنية، حيث يقول: (فالأمرُ هنا هو السير في الأرض , وليس السير في الكتاب , أي قراءة الواقع , وليس قراءة النصوص , والظن بأنَّ الاستغناء بالكتاب عن الواقع هو الذي قاد العالم الإسلامي إلى كارثة ثقافية مروعة) (1).
قلت: هذا وليس من مقصدي في هذا المقال إيعاب القول وحشد جميع ما قرأته في هذا الصدد فلو أردت جمع ما قيل لوجدته أكثر من (حِملُ بعير وأنا به زعيم)، ولكنَّ هذا دليل ومثال على أنَّ من تربَّى في جو مفعم بالفكر والفلسفة والصحافة والإعلام و (احترام الرأي والرأي الآخر) فإنَّ هذا سينشأ معه ولو كان في يوم ما مفكراً كبيراً أو فطحلاً بطلاً من أبطال الفكر في هذا الزمان ..
إنَّ المتعاملين مع القرآن أصناف ونحن نقصد بالتعامل الصحيح هو ما كان عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان في التقيد والانضباط بالأصول الكلية التي يرجع إليها لفهم آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وإلاَّ فهنالك قوم يدَّعون أنَّهم (قرآنيون) مع أنهم في حقيقة أمرهم يخالفون القرآن الكريم فيما أمر به ونهى عنه، فما هم إلا (جهال متنطعون) لم يفهموا القرآن والسنة مع مجاهرتهم بضرورة الرجوع للقرآن، فهذا أمر لا يروج على العقلاء ولا يقصده الناصحون لأمتهم والأمناء على عقيدتها.
ولقد قال معاذ بن جبل: (يقرأ القرآن رجلان: فرجل له فيه هوى ونية يفليه فلي الرأس، يلتمس أن يجد فيه أمرًا يخرج به على الناس، أولئك شرار أمتهم، أولئك يعمي الله عليهم سبل الهدى. ورجل يقرؤه ليس فيه هوى ولا نية يفليه فلي الرأس فما تبين له منه عمل به، وما اشتبه عليه وكله إلى الله، ليتفقهن فيه فقهًا ما فقهه قوم قط، حتى لو أن أحدهم مكث عشرين سنة، فليبعثن الله له من يبين له الآية التي أشكلت عليه، أو يفهمه إياها من قبل نفسه) (2).
الشاهد أنَّ معرفة المرء بطريقة التعامل مع نصوص الوحي كتاباً وسنَّة تقيه بإذن الله عزَّ وجل من الانحراف الفكري، والتخبط العقلي، ولتكون نصوص الوحي منطلقاً وركيزة متينة لمناقشة الوقائع والحوادث المعاصرة، واستنباط ما يفيد لمعالجتها من كتاب الله وسنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم وفق القواعد الشرعية والأصول الكبرى لفهم نصوص الوحيين.
وبعدها فللمرء أن يتطلع ما يشاء ويريد ويفقه الواقع المعاصر، ويتأمل في حقائق هذا العالَم وما فيه من أفكار وقيم وتصورات.
إنَّ اهتمام المتفكر بالذكر سبيل بإذن الله تعالى لأن ينال الفكر الصحيح والحكمة الحقيقية والحصافة في النظر، وفي هذا يقول الإمام الحسن البصري رحمه الله: (إنَّ أهل العلم لم يزالوا يعودون بالذكر على الفكر والفكر على الذكر، ويناطقون القلوب حتى نطقت بالحكمة) (3) ولكن أن يحسن التعامل مع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وفق قواعد ذكرها أهل العلم في طريقة التعامل مع كتاب الله وسنَّة رسول الله، وسيجد حتماً ما يغذي فكره ويحرك عضلات عقله من معين الحكمة الربانية وصفاء الكلمة النبوية.
_________
(1) جريدة الرياض عدد 10188 في 28/ 12/1416هـ.
(2) مجموع الفتاوى لابن تيمية (17/ 394)
(3) مفتاح دار السعادة لاين القيم (1/ 183).(2/63)
لقد أورد الإمام الشوكاني في تفسيره لمطلع سورة المائدة (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت ....... الآية)) قصة الفيلسوف العربي الشهير إسحاق بن يوسف الكندي وأصحابه نقلاً عن أبي بكر النقاش رحمه الله أحد المفسرين في القرن الخامس الهجري، حيث قال: إن أصحاب الفيلسوف الكندي قالوا له: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياماً كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر، ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة، فنظرت فإذا هو قد نطق بالوفاء ونهى عن النكث، وحلل تحليلاً عاماً، ثم استثنى بعد استثناء، ثم أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا إلاَّ في أجلاد)!
والمقصود مِمَّا ذكرته أنَّ عبارات القرآن الكريم، وكذلك ألفاظ الحديث النبوي فيها من دلائل الإعجاز وعلائم الإيضاح والحكم، ما يمكن أن نجابه به كلام فلاسفة الشرق الغرب، فالقرآن الكريم يقول تعالى عنه: (إنَّ هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) وهو كذلك نور: (قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين * يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم) والقرآن على حد وصف الشاطبي رحمه الله: (كلية الشريعة، وعمدة الملَّة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، فلا طريق إلى الله سواه ولا نجاة بغيره) (1).
بل هو المعجز في آياته: (وكتاب الله تعالى لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب أن يوجد أحسن منها لم يوجد) (2) كما قاله الإمام ابن عطية.
فحق لأنصار القرآن والسنَّة أن يصيحوا بين عموم ومعشر المثقفين والقراء وخصوصاً من الشباب المتقدم للقراءة، بأن يبدؤوا القراءة بكتاب الله، فهي وصية الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم التي علَّمه إياها جبريل قائلا له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علَّم بالقلم * علَّم الإنسان ما لم يعلم).
فمن أراد أن يقرأ فليقرأ القرآن أولاً، وليقرأ باسم ربِّه ثانيا، وليقرأ سنَّة وسيرة رسوله ثالثاً، وليتمكَّن من فهم الوحيين كتاباً وسنَّة على الأقل إلى حد معقول، مع دوام الملازمة لهما إلى الممات: (فأين تذهبون * إن هو إلا ذكر للعالمين* لمن شاء منكم أن يستقيم)، فمن شاء الاستقامة الدينية والعقائدية فلا غنى له عن القرآن، ومن شاء الاستقامة السلوكية فعليه بالقرآن، ومن شاء أن يستقيم فكرياً فعليه بالقرآن، ومن لم يقنعه القرآن فلا استقام ولا أقام وما تفكر بل طبع على قلبه الران.
والقرآن لأهل الفكر مرجع لا غنى عنه ففي القرآن الكريم أكثر من (1300) آية كونية، وفي كتاب الله أكثر من (700) آية تدعو للتفكر والتعقل والتدبر، فليس من جميع العلوم الإنسانية مثيل بعلوم القرآن وهو كلام الرحمن الذي: (يعطيك معانٍ غير محدودة في كلمات محدودة) (3)، كما يقول الأديب الرافعي رحمه الله، لكنَّ الإشكال الكبير أنَّنا بتنا نقرأ القرآن (للتبرك لا للتحرك) كما كان يقول الشيخ الراحل محمد الغزالي رحمه الله، وهو بهذا يشرح الحالة النفسية التي يتعامل بها كثير من المسلمين اليوم مع كتاب الله تعالى، فيهتمون به في حالة القراءة على الأموات! فصار الكتاب الذي جاء ليحيي الأحياء يقرأه الأحياء على الأموات ويكتفون بذلك! وهذه حالة عامة في كثير من بيوت العرب والمسلمين ويدخل فيهم الكثير من المنتسبين للفكر والثقافة والفلسفة!
• بل تشمئز قلوب بعضهم من حفظة القرآن والسنَّة:
_________
(1) الموافقات للشاطبي: (3/ 224).
(2) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، لابن عطية (1/ 57 - 58).
(3) وحي القلم للرافعي.(2/64)
حينما يعلم بعض المحسوبين على الفلسفة والمنطق أنَّك قارئ للقرآن فإنَّه يراك شيخاً درويشاً وأمَّا إن قرأ قصَّة الحضارة لول ديورانت، أو قرأ كتابات فلان أو علان من المفكرين الكبار أو عمالقة الفلسفة الغربيَّة، سينظرون إلى ذلك الرجل أنَّه بالفعل شخص موسوعي، ولديه عمق معرفي وطول نظر، وخذ من هذه الأوصاف فهو الرجل المثقف والحصيف والذي ضرب من العلوم ضرباً واسعاً وقطع بها شوطاً كبيراً، فشابه بعضهم قول الله تعالى: (وإذا تتلى عليه آياتنا ولَّى مستكبراً كأن لم يسمعها كأنَّ في أذنيه وقراً).
وقوله تعالى: (وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون).
وقوله تعالى: (ويل لكل أفاك أثيم* يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبراً كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم).
نقول هذا في زمن أدبر الناس فيه بل كثير منهم عن مطالعة آيات القرآن وأحاديث الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وملازمة حلق الذكر، وتذكر الله تعلى من خلال مطالعة القرآن الكريم، والتفكر في هذا الكون الصامت والناطق بأنَّ له إلهاً حقاً هو الله تعالى تبارك وتعالى وتقدس من كلام الكفرة والفجرة.
ولهذا نجد ضلال كثير من ضل بسبب الإدبار والإعراض عن قراءة كتاب الله تعالى، وقد نبَّه الإمام ابن تيمية رحمه الله على ذلك فقال: (وإذا تدبر العاقل وجد الطوائف كلها كلما كانت الطائفة إلى الله ورسوله أقرب، كانت بالقرآن والحديث أعرف وأعظم عناية، وإذا كانت عن الله ورسوله أبعد، كانت عنهما أنأى، حتى تجد في أئمة علماء هؤلاء من لا يميز بين القرآن وغيره، بل ربما ذكرت عنده آية فقال: لا نسلِّم صحَّة الحديث! وربما قال لقوله عليه السلام: كذا ... وتكون آية من كتاب الله، وقد بلغنا من ذلك عجائب، وما لم يبلغنا أكثر) (1).
ومع هذا كلِّه فإنَّا نجد لدى الكثير من المغرمين إلى حد الثمالة بقراءة كتب الفلاسفة والفلسفة، وليتهم يقرؤونها لتقييمها، وإنَّما يقرؤونها ثمَّ يكون مآلهم الأخذ ممَّا بها من أفكار، مع أنَّ هؤلاء الفلاسفة غربيين أو شرقيين ليس في كلامهم ما يفيد إيماناً بالله إلاَّ شيئاً نادراً، وفي هذا يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: (فإن القوم-أي الفلاسفة- لا يعرفون الله, بل هم أبعد عن معرفته من كفار اليهود والنصارى بكثير, لكن لهم معرفة جيدة بالأمور الطبيعية, وهذا بحر علمهم وله تفرغوا, وفيه ضيعوا زمانهم, وأما معرفة الله تعالى فحظهم منها مبخوس جداً, وأما ملائكته وأنبياؤه وكتبه ورسله والمعاد فلا يعرفون ذلك ألبتة) (2).
• وأخيرا:
إنَّه لم يخطر ببالي كما أرجو ألاَّ يخطر ببال أحد أنَّ ما قلته دعوة مطلقة لعدم الاهتمام بتراث الآخرين، وأفكارهم وقيمهم، ولكنَّ هذه الكتب والآراء لها رجالاتها المتخصِّصون، والذين يسبرون أغوار الكلام، ويعقلون مقاصد الآخرين، أو على الأقل لمن نال قسطاً كبيراً من مطالعة كتاب الله وسنَّة رسوله صلى الله عليه وسلَّم وبشهادة أهل العلم الثقات له بذلك، أما أن يأتي لقراءة هذه الكتب كل من هبَّ ودبَّ ومشى ودرج، فإنَّ هذا أمر لا يستقيم بحال.
نعم! على من أراد أن يكون يوماً ما صاحب فكر وتنظير، أن يدرك حتميَّة التلازم بين ضرورة الشرعي والاهتمام بطريقة فهم النصوص ومقاصدها من خلال القواعد المقرَّرة في ذلك، وبين فهم العالَم المحيط وسبر أغواره، والسير في آفاقه، والتأمل في كينونته، والتفكر في مخلوقات الرب تبارك وتعالى.
_________
(1) مجموع الفتاوى (4/ 96)
(2) مجموع الفتاوى (17/ 330)(2/65)
ونحن بالفعل بحاجة ماسَّة لمن يستخدم عقله في الفكر الصحيح، وأن يكون على مستوى المسؤولية في مناقشة أفكار الآخرين من المستغربين والمتفرنجين، فضلاً عن دعاوى المفكرين الغربيين أو اليونانيين المتأثرين بالفلسفة اليونانيَّة ومنطق الإغريق!
ولكن ليس بالإقبال الكبير على الفلسفة والفكر الغربي والتغريبي وضعف مطالعة كتاب الله والسنن والآثار، والتي تؤدي بالشخص في نهاية أمره إلى الشك والضعف في مناقشة أقوال الفلاسفة بل الوقوع في مخالفة السنَّة، لأجل ذلك يقول الإمام محمد بن إدريس الشافعي: (ما جهل الناس واختلفوا إلاَّ لتركهم لسان العرب وميلهم إلى لسان أرسطاطليس) (1) ونحن بحاجة للفكرة التي تغرس لدينا المفاهيم، وتصنع لنا القيم، وتستنبط لنا من النصوص روافد فكريَّة منضبطة، فإنَّ (الفكرة قوّة مطرقة للعلم إلى المعلوم، والتفكّر جولان تلك القوّة بحسب نظر العقل، وذلك للإنسان دون الحيوان، ولا يقال إلاّ فيما يمكن أن يحصل له صورة في القلب) (2) هكذا يقول الراغب الأصبهاني.
ولَكَم شاهدنا في الحقيقة تأثير الكتابات الفكريَّة المعمَّقة والتي تأثَّر بها كثير من شباب الإسلام، وكان لها تأثير كبير على المفكرين المسلمين وغير المسلمين، لكنَّنا بحاجة ماسة إلى الشخصيات التي جمعت شيئاً كبيراً من العلم الشرعي وأوعبت منه مع حسن الفهم والهضم للمعلومات، وتنمية وتربية الملكات، ومن ثمَّ القيام بدراسات تأصيليَّة في مجال الفكر والفلسفة، مع ضرورة وضع خطَّة منهجيَّة علميَّة في التأصيل الفكري كما هو حاصل في التأصيل الشرعي، لكي يتوجَّه بعض الشباب المريد لمثل هذه التخصُّصات من خلال نصيحة خبراء أصحاب منهج وتربية وتوجيه، مع عناية ورعاية، لكي يختصروا عليهم الطريق، ولا يتخبطوا خبط عشواء وحتَّى لا يميلوا مع أخطاء بعض الفلاسفة والمفكرين، بل تكون بنيتهم الفكريَّة ذات أصل وعمق.
وختاماً: فليس لدي مقصد من هذا المقال إلاَّ التنبيه على ضرورة العودة إلى كتاب الله وما صحَّ من سنَّة رسول الله صلَّى الله عليه وسلم ووجوبها، للنهل منهما والارتواء من معينهما، ففيهما الشفاء لكل داء، وفيهما الصلاح لكل فساد، وبهما الحق لدحر كل باطل، وفيهما خطاب العقل، ومنظومة المفاهيم والقيم، فمن تربَّى عليهما وعلى مائدتهما ونال منهما قسطاً ونصيباً، فإنَّه ستنهمر على عقله منهما أفكار رائعة، ومعاني خلاَّقة. وبالله المستعان.
_________
(1) فضل علم السلف على علم الخلف، لابن رجب، ص99
(2) مفردات ألفاظ القرآن، للراغب الأصفهاني ص 83، 643.(2/66)
فاضح القرّاء
د. أحمد بن صالح الزهراني
12 رجب 1431هـ
من نعمة الله على هذه الأمّة أنّه لا يُخلي الأرض من الشخصية الأنموذج، لا أقصد الرجل الأمّة، الذي تجتمع فيه خصال الخير، فليس ذلك ضرورياً في كل زمن، وإنّما لا تكاد تجد جانباً من جوانب شخصيّة النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إلاّ وجدت من يقوم بها، ويثبت أركانها في الأرض.
للأسف الشديد إنّ بعض هذه الجوانب يكاد يختفي في بيئات طلبة العلم، فضلاً عن غيرهم، وكثيراً ما يكون خفاؤها ناتجاً عن الإغراق في ضدّها تحت ذرائع شرعيّة أحياناً!
ومن ذلك جانب الزّهد والمباعدة عن الدنيا ولذّاتها .. وهو من أميز جوانب شخصيّة النّبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه .. ومع هذا يكاد يتلاشى من واقعنا ..
إذ أصبح ذلك شيئاً من الماضي، لم نعد نقابل ونرى زاهداً حقيقيّاً إلاّ ما ندر ..
وقد رأينا وسمعنا عن بعض الأخيار من أهل الزهد الحقيقي، أعني ذلك الّذي يمارسه صاحبه بينما الدنيا قريبة منه، بل طيّعة في يديه ..
بعض هؤلاء من أكابر أهل العلم .. رفضوا الملايين والقصور المنيفة والسيارات الفارهة، وفضلوا البقاء في طبقة الكادحين والمساكين .. وبين بعضهم وبين المال والجاه رمية حجر!
إنّ هذه النماذج الّتي أقامها الله في الأرض شواهد على ما اندرس أو كاد من فضائل الشريعة يصحّ فيهم وصف ابن السمّاك لداود الطائي الزاهد المعروف ..
عن حفص بن عمر الجعفي قال: اشتكى داود الطائي أياماً، وكان سبب علته أنه مَرّ بآية فيها ذكر النار، فكرّرها مراراً في ليلته فأصبح مريضاً فوجدوه قد مات، ورأسه على لَبِنَة، ففتحوا باب الدار، ودخل ناس من إخوانه وجيرانه ومعهم ابن السماك، فلما نظر إلى رأسه قال: يا داود فضحت القرّاء» .. يعني أنّه أبان عن حقيقة ما يعيشه العلماء في وقته من رغد العيش؛ إذ مات ابن السماك، ولم يجد وسادة يضع عليها رأسه ..
وأيّ رغد يتحدث عنه ابن السمّاك، لو رأى ما نحن فيه من ترف، وليته كان من خالص الحلال، إذاً لرددْنا ما ردّده الليث في ردّه على مالك: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ} .. فإذا نظرت إلى غالب مكاسبنا فإذا هي حرام خالص، أو شبهة غالبة، أو إسراف ومبالغة في الدنيا ..
دعنا نعرض الآن عن حل الكسب، ونتكلم عن فضيلة كادت تُنسى في خضمّ جوّ مسموم غلب فيه الكلامُ العملَ والتزيّنُ الظاهرُ التزينَ الباطن ..
إنّها فضيلة الزهد؛ فعلى الرغم من أنّ المنهج العلمي السلفي قد حارب الفكرة الصوفية التي تقوم على التعبد بترك الدنيا والتباعد عنها، ونجح في إقصائها، إلاّ أنّ واقع كثير منّا للأسف الشديد ينبي عن إفراط في جانب الحرص على الدنيا، والإغراق في الاستمتاع بها خارجاً عن حدّ المعقول، وأنا أتكلم عن القدوات من أهل العلم وطلبته والأخيار .. الذين يجب أن يراعوا من يراقبهم ..
لا يجوز أن يصدّر الإنسان نفسه حتّى إذا كان رأساً في الناس تصرّف تصرفات الأخفياء؛ فإنّ للرئاسة ضريبة!
عن زيد بن وهب الجهني قال: خرج علينا علي بن أبي طالب، ذات يوم عليه بردان متزر بأحدهما، مرتدٍ بالآخر، قد أرخى جانب إزاره، ورفع جانباً، قد رقع إزاره بخرقة، فمر به أعرابي، فقال: يا أيها الإنسان، البسْ من هذه الثياب فإنك ميت - أو مقتول - فقال: «أيها الأعرابي، إنما ألبس هذين الثوبين ليكون أبعد لي من الزهو، وخيراً لي في صلاتي، وسنّة للمؤمن» وفي رواية: «وأجدر أن يقتدي به المسلم» .. وفي رواية ثالثة: «يتعزّى به الفقير» .. رضي الله عنك يا أبا الحسن!
وقد سمعت شريطاً لأحد الفضلاء لا تملك دمعتك من شدّة تأثيره في السامع عن الله والدار الآخرة، ثمّ قُدّر أنّ أطلع على بيته فإذا هو قصر منيف لا يختلف عن قصور الأباطرة ..(2/67)
أرجو أن تتذكر الآن أنّي لا أتكلم عن حلّ ولا حرام ..
أتحدث عن فضيلة منسيّة ..
لقد أصبحنا نشتاق لرؤية العالم أو الداعية الّذي يغنيك حاله عن قوله، قال مالك بن دينار: «إنما العالم أوالقاصّ الذي إذا أتيته فلم تجده في بيته قصّ عليك بيتُه، فترى حصيراً للصلاة، ترى مصحفاً، ترى إجانة للوضوء، ترى أثر الآخرة».
وعن الأعمش أن رجلاً أعطاه مالاً يشترى به زعفراناً قال: فذكرت ذلك لإبراهيم فقال: «ما كانوا يطلبون الدنيا هذا الطلب».
وعن عبيد بن عمير قال: «إن الله يبغض القاري - أي العالم - إذا كان لبّاساً ركّاباً ولاّجاً خرّاجاً».
وعن عبيد الله بن شميط قال سمعت أبي يقول: «يعمد أحدهم فيقرأ القرآن، ويطلب العلم حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة وأعرابي جاهل وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها». وكان أبي يقول فمثله كمثل الذي قال الله عز وجل: {وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ}».
وصدق رحمه الله؛ فالآن ترى حولك من يبالغ في زينة الدنيا من الناس حتى يقترض للسفر إلى السياحة، ويغيّر السيارة والأثاث مرات بلا حاجة، ويشتري من الثياب ما ينفق على أسرة فقيرة عاماً كاملاً، وإذا نصحته احتجّ لك بأسماء معروفة ..
يا لبؤسنا حيت تصبح النصوص الشرعية حجة في التملّص من الشريعة .. !!
ويا لبؤسنا مرة أخرى حين تصبح القدوات حججاً في ترك وهجر الفضائل .. !!
وكثير من الشكوى من الفقر ليس الفقر الحقيقي، وإنّما أصبحنا نعدّ بعض الأمور من الضرورات وهي ليست كذلك، والسبب هو غياب القدوة الّتي تقول للناس بحالها قبل مقالها: إنّ ما يعدّه البعض فقراً هو بالنسبة لبلاد أخرى بذخ ..
ولهذا كان السلّف آيات في هذا المجال، عن يحيى بن يمان قال: سمعت سفيان الثوري يقول: «العالم طبيب الدين، والدراهم داء الدين فإذا جذب الطبيب الداء إلى نفسه فمتى يداوي غيره».
عن سعيد بن محمد قال كان من دعاء طاووس: «اللهم احرمني كثرة المال والولد، وارزقني الإيمان والعمل».
وفي الأثر عن كعب قال: إنّ الرب تعالى قال لموسى عليه السلام: «يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلاً فقلْ ذنب عُجّلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً فقلْ مرحباً بشعار الصالحين».
وكان قصدهم بذلك تركيز الهمّ في جهة الآخرة، فأودية الدنيا كثيرة، عن أبي إدريس قال: «من جعل همومه همّاً واحداً كفاه الله همومه، ومن كان له في كل واد همٌّ لم يبال الله في أيها هلك».
ومن آثار ذلك أنّ الكثير منّا للأسف أصبح يحب مجالس الأغنياء والمترفين، ويحرص على مجالستهم، فضلاً عن أهل المناصب من أمراء وملوك ورؤساء، وهذا خلاف منهج السلف، عن أبي داود أنه سمع محمد بن علي يقول: «إذا رأيتم القارئ (العالم) يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا، وإذا رأيتموه يلزم السلطان من غير ضرورة فهو لص».
وقال سفيان الثوري: «لا خير في القارئ يعظم أهل الدنيا».
وعن هشام قال: «سمعت الحسن يحلف بالله ما أعز أحد الدرهم إلاّ أذله الله».
قال الزهري لسليمان بن هشام: «ألا تسأل أبا حازم ما قال في العلماء» قال: «وما عسيت أن أقول في العلماء إلاّ خيراً. إني أدركت العلماء وقد استغنوا بعلمهم عن أهل الدنيا، ولم يستغن أهل الدنيا بدنياهم عن علمهم، فلما رأوا ذلك قدموا بعلمهم إلى أهل الدنيا، ولم ينلهم أهل الدنيا من دنياهم شيئاً .. إن هذا وأصحابه ليسوا علماء إنما هم رواة».
ولهذا كان أئمة السلف والخلف يحرصون على الجلوس مع الفقراء والمساكين يتطلبون رقة القلوب وثبات الإيمان والأجر.(2/68)
عن أبي هريرة قال: كان خير الناس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته. إن كان ليخرج إلينا العُكّة فنشقها فنلعق ما فيها.
وعن أبي هريرة قال: كان جعفر يحب المساكين، ويجلس إليهم ويحدثهم ويحدثونه، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسميه "أبا المساكين".
وعن ميمون بن مهران أن امرأة ابن عمر عوتبت فيه، فقيل لها: أما تلطفين بهذا الشيخ فقالت: فما أصنع به! لا نصنع له طعاماً إلاّ دعا عليه من يأكله، فأرسلت إلى قوم من المساكين كانوا يجلسون بطريقه إذا خرج من المسجد فأطعمتهم، وقالت لهم: لا تجلسوا بطريقه، ثم جاء إلى بيته فقال: أرسلوا إلى فلان وإلى فلان، وكانت امرأته أرسلت إليهم بطعام وقالت: إن دعاكم فلا تأتوه، فقال ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أردتم أن لا أتعشى الليلة، فلم يتعشّ تلك الليلة.
وعن أبي ذر قال: أوصاني خليلي -صلى الله عليه وسلم- أن لا تأخذني في الله لومة لائم، وأن أنظر إلى من هو أسفل مني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأوصاني بحب المساكين والدنوّ منهم.
ومن المعاصرين شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز -رحمه الله- الذي تواتر عنه أنّه لم يأكل عشرات السنين إلاّ مع الفقراء والمساكين.
فلا عجب إذن من ذلك الثبات وذلك الرسوخ؛ إذ أقفلوا في وجه الشيطان كلّ باب، وسدّوا عليه إلى قلوبهم كلّ سبيل؛ فرحم الله ميتهم وحفظ الله حيّهم.
ومن مظاهر الترف كثرة الأكل والشرب، وتطلّبهما في كل مناسبة، حتّى مجالس العلم. عن بكر بن خنيس عن أبي عبد الله الشامي عن مكحول قال: «أفضل العبادة بعد الفرائض الجوع والظمأ». قال بكر: «وكان يُقال الجائع الظمآن أفهم للموعظة وقلبه إلى الرقة أسرع». وكان يُقال: «كثرة الطعام تدفع كثيراً من الخير».
وعن عبيد الله بن شميط قال: سمعت أبي إذا وصف أهل الدنيا قال: «دائم البطنة، قليل الفطنة، إنما همّه بطنه وفرجه وجلده، يقول متى أصبح فآكل وأشرب وألهو وألعب، ومتى أمسي فأنام جيفة بالليل بطالاً بالنهار».
وعن أبي بكر بن المنذر الهجيمي قال سمعت سهل بن عبد الله يقول: «البطنة أصل الغفلة».
وقال سفيان الثوري: «إياكم والبطنة فإنها تقسّي القلب».
عن عبد الواحد بن زيد قال: «من قوِيَ على بطنه قوِيَ على دينه، ومن قوِيَ على بطنه قوِيَ على الأخلاق الصالحة، ومن لم يعرف مضرّته في دينه من قبل بطنه فذاك رجل في العابدين أعمى».
وعن عبيد الله بن محمد التيمي قال: قال رياح القيسي: «لا أجعل لبطني على عقلي سبيلاً أيام الدنيا». فكان لا يشبع، إنما كان يأكل بُلغة بقدر ما يمسك الرمق.
وعن جعفر قال: كنا نأتي فرقداً السبخي ونحن شببة فيعلمنا فيقول: «إنّ من ورائكم زماناً شديداً شدّوا الإزار على أنصاف البطون، وصغّروا اللُّقَم وشدّوا المضغ، ومصّوا الماء، فإذا أكل أحدكم فلا يحلّنّ من إزاره فتتسع أمعاؤه، وإذا جلس ليأكل فليقعد على إلييه، وليلزق فخذيه ببطنه، وإذا فرغ فلا يقعد وليجيء وليذهب».
وعن عثمان بن زائدة قال: كتب إليّ سفيان الثوري: «إن أردت أن يصحّ جسمك، ويقلّ نومك فاقللْ من الأكل».
آخر الكلام: الآثار كثيرة، وواحد منها يكفي، ولو نظر الواحد إلى حال النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم- وأصحابه عرف حقيقة الأمر، حتّى أغنياؤهم ممن يحتج البعض بحالهم كانت الأموال في أيديهم لا في قلوبهم، ينبيك عن ذلك إنفاقهم في سبيل الله، وطبيعة استمتاعهم بتلك الأموال. عن أحمد بن أبي الحواري قال: قلت لأبي سليمان الداراني: كان عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف موسرين! قال: «اسكُت! إنّما كان عثمان وعبد الرحمن خازنين من خزّان الله في أرضه ينفقان في وجوه الخير». فانظر لحال من يحتجّ بحال عثمان وعبد الرحمن هل منهم من يفعل فعلهما؟ أم أنّ الاحتجاج بهما فقط في كسب المال وكنزه دون إنفاقه؟
اللهمّ آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.(2/69)
زجر أهل العلم والتقوى للمتساهلين بالفتوى
سعد بن ضيدان السبيعي
27جمادى الآخرة 1431
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد
فقد روى يعقوب بن شيبة في [المعرفة والتاريخ] (1/ 670)، والإمام ابن عبد البر في [جامع بيان العلم وفضله] (2/ 201) أن رجلاً دخل على ربيعة بن أبي عبد الرحمن التيمي المعروف بربيعة الرأي وهو يبكي فقال: ما يبكيك - وارتاع لبكائه - أدخلت عليك مصيبة؟ فقال: لا, ولكن "استفتي من لا علم له, وظهر في الإسلام أمر عظيم".
أقول رحم الله شيخ إمام دار الهجرة فكيف لو أدرك زماننا ورأى الجرأة على الفتيا وكثرة الموقعين عن الله عز وجل؟!
فكم سمعنا من فتاوى نشاز من هنا وهناك، طارت بها الركبان، ونشرت على صفحات الانترنت، وظهر أصحابها يتفوهون بها على شاشات الإعلام وتسارع إليها الجهال ومن في قلبه مرض ومن يتتبع الرخص!
وهي أعني هذه الفتاوى ليس لها ذنوباً وحظاً من فقه وعلم وإنما صدرت باسم فقه التيسير، ومراعاة لضغط الجمهور، أو لأغراض فاسدة، كالتعلق بأذيال الشهرة، وحب الظهور من باب: (أنا أبو اعرفوني)!
فهذا يفتي بجواز الغناء وآخر بإباحة الاختلاط وثالث بإباحة الفوائد البنكية!
وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة الأعمى الذي يرشد الناس إلى القبلة وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هو أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين؟ فيما قاله أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله، ينظر [إعلام الموقعين] (4/ 237).
وقد نص أهل العلم على أنه لا يجوز للمفتي أن يتساهل في الفتوى ومن عرف بذلك لم يجز أن يستفتى وذلك قد يكون بأن لا يثبت ويسرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر وربما يحمله على ذلك توهمه أن الإسراع براعة والإبطاء عجز ومنقصة وذلك جهل ولأن يبطئ ولا يخطئ أجمل به من أن يعجل فيضل ويضل. ينظر [فتاوى ابن الصلاح] (1/ 21)، ونقله النووي في [أدب المفتي والمستفتي] (72)
وما أجمل قول الخطيب البغدادي في كتابه [الفقيه والمتفقه] (2/ 350): "وقل من حرص على الفتوى, وسابق إليها, وثابر عليها إلا قل توفيقه, واضطرب في أمره, وإذا كان كارهاً لذلك غير مختار له, ما وجد مندوحة عنه, وقدر أن يحيل بالأمر فيه على غيره، كانت المعونة له من الله أكثر، والصلاح في فتواه وجوابه أغلب".
فانظر الآن يا رعاك الله إلى بعض من يتصدرون للفتيا تجدهم سارعوا إليها واشرأبوا حتى لا ينكسر الجاه وأضاعوا "لا أدري" وقديما قيل: إذا أغفل العالم لا أدري، أصيبت مقاتله. وهذا مروي عن محمد بن عجلان بسند صحيح رواه الآجري في [أخلاق العلماء] (102)
قال ابن جماعة الكناني في [تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم] (23) "واعلم أن قول المسئول لا أدري لا يضع من قدره كما يظنه بعض الجهلة، بل يرفعه لأنه دليل عظيم على عظم محله وقوة دينه وتقوى ربه وطهارة قلبه وكمال معرفته وحسن تثبته. وقد روينا معنى ذلك عن جماعة من السلف وإنما يأنف من قول لا أدري من ضعفت ديانته وقلت معرفته؛ لأنه يخاف من سقوطه من أعين الحاضرين، وهذه جهالة ورقة دين وربما يشهر خطؤه بين الناس فيقع فيما فر منه ويتصف عندهم بما احترز عنه، وقد أدب الله تعالى العلماء بقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، حين لم يرد موسى عليه الصلاة والسلام العلم إلى الله تعالى لما سئل هل أحد في الأرض أعلم منك".
وقد كان أكثر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلون من الفتيا والكثير منهم لا يروى عنه في هذا الباب إلا المسألة والمسألتان!(2/70)
قال الإمام ابن حزم [الأحكام] (5/ 666): "المكثرون من الصحابة رضي الله عنهم فيما روي عنهم من الفتيا عائشة أم المؤمنين، عمر بن الخطاب، ابنه عبد الله، علي بن أبي طالب، عبد الله ابن العباس، عبد الله بن مسعود، زيد بن ثابت، فهم سبعة يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم سفر ضخم، وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن العباس في عشرين كتابا، وأبو بكر المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث.
والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا رضي الله عنهم أم سلمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو هريرة، عثمان بن عفان، عبد الله بن عمرو بن العاص، عبد الله بن الزبير، أبو موسى الأشعري، سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبل، وأبو بكر الصديق. فهم ثلاثة عشر فقط. يمكن أن يجمع من فتيا كل امرئ منهم جزء صغير جداً ويضاف أيضاً إليهم طلحة، الزبير، عبد الرحمن بن عوف، عمران بن الحصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان.
والباقون منهم مقلون في الفتيا لا يروي الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك فقط يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث وهم رضي الله عنهم .. ". وذكر أسمائهم.
أقول وكانوا أيضا يتدافعون الفتيا ورعاً وخوفاً من الله.
عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "لقد رأيت ثلاثمائة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبه الفتوى " رواه الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (2/ 349) بسند صحيح.
وروى الإمام ابن المبارك (19) في [الزهد] بسند صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أراه قال في هذا المسجد فما كان منهم محدث إلا ود أن أخاه كفاه الحديث ولا مفت إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا".
وروى أيضاً في [الزهد] (18) بسند صحيح أن ابن عمر رضي الله عنه، سئل عن شيء ", فقال: "لا أدري", ثم أتبعها، فقال: "أتريدون أن تجعلوا ظهورنا لكم جسورا في جهنم، أن تقولوا أفتانا ابن عمر بهذا"
هذا شأن الصحابة وكذلك من أتى من بعدهم من أهل العلم والفضل المشهود لهم بالإمامة في العلم والدين.
فهذا الإمام مالك بن أنس إمام دار الهجرة يقول: "ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أني أهل لذلك "رواه الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (2/ 324) بسند صحيح.
وهذا إمام أهل السنة والجماعة أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، قيل له: "يا أبا عبد الله: كم يكفي الرجل من الحديث حتى يمكنه أن يفتي؟ يكفيه مائة ألف؟، قال: لا، قيل: مائتا ألف؟ قال: لا، قيل: ثلاثمائة ألف؟ قال: لا، قيل: أربعمائة ألف؟ قال: لا، قيل: خمسمائة ألف؟ قال: أرجو "الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه]
(2/ 349)
وهذا ابنه عبد الله يقول عنه: "كنت أسمع أبي كثيراً يسأل عن المسائل فيقول لا أدري وذلك إذا كانت مسألة فيها اختلاف وكثير مما كان يقول سل غيري فإن قيل له من نسأل يقول سلوا العلماء ولا يكاد يسمي رجلاً بعينه" [مسائل أحمد بن حنبل رواية ابنه عبد الله] (438)
وكثيراً ما كنت أسمع شيخنا العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله إلى قبيل وفاته إذا سئل عن مسألة يقول:"محل نظر، محل بحث"!
أقول وفي هذا رسالة لكل من تزبب قبل أن يحصرم، وطار قبل أن يريش فإلى الله المشتكى.(2/71)
قال ابن حمدان في [صفة الفتوى] (14): "عظم أمر الفتوى وخطرها وقل أهلها ومن يخاف إثمها وخطرها وأقدم عليها الحمقى والجهال ورضوا فيها بالقيل والقال واغتروا بالإمهال والإهمال واكتفوا بزعمهم أنهم من العدد بلا عدد وليس معهم بأهليتهم خط أحد واحتجوا باستمرار حالهم في المدد بلا مدد وغرهم في الدنيا كثرة الأمن والسلامة وقلة الإنكار والملامة"
وما أحوج هؤلاء لمن يأخذ على أيديهم ويحتسب في منعهم وزجرهم حتى لا يقولوا على الله بغير علم.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "ولبعض من يفتي ههنا أحق بالسجن من السراق".رواه الإمام ابن عبد البر في [جامع بيان العلم وفضله] (2/ 201)
وقد كان الإمام ابن تيمية رحمه الله شديد الإنكار على من يفتي وهو ليس بأهل. قال الإمام ابن القيم في [إعلام الموقعين] (4/ 237) سمعته يقول قال لي بعض هؤلاء: أجعلت محتسبا على الفتوى؟ َ! فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب.
قال الخطيب البغدادي في [الفقيه والمتفقه] (2/ 324): "ينبغي لإمام المسلمين أن يتصفح أحوال المفتين، فمن كان يصلح للفتوى أقره عليها، ومن لم يكن من أهلها منعه منها، وتقدم إليه بأن لا يتعرض لها وأوعده بالعقوبة، إن لم ينته عنها، وقد كان الخلفاء من بني أمية ينصبون للفتوى بمكة في أيام الموسم قوما يعينونهم، ويأمرون بأن لا يستفتى غيرهم"
وهناك من يفتي بفتاوى لها حظ من النظر والصواب وقال بها بعض أهل التحقيق من أهل العلم ولكن قد تفهم على غير فهمها وتحمل مالا تحتمل فيكون السكوت عنها به أجمل وأليق .. فليس كل ما يعلم يقال.
وقد بوب الإمام البخاري في صحيحة باب "مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لاَ يَفْهَمُوا".
وروى عن عَلِيٌّ رضى الله عنه (127) أنه قال:"حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ".
وروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن عَبْد اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ:"مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً".
قال الحافظ ابن حجر في [فتح الباري] لابن حجر (1/ 203): "وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُتَشَابِه لَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَر عِنْد الْعَامَّة. وَمِثْله قَوْل اِبْن مَسْعُود: "مَا أَنْتَ مُحَدِّثًا قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغهُ عُقُولهمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة "رَوَاهُ مُسْلِم. وَمِمَّنْ كَرِهَ التَّحْدِيث بِبَعْضٍ دُون بَعْض أَحْمَد فِي الْأَحَادِيث الَّتِي ظَاهِرهَا الْخُرُوج عَلَى السُّلْطَان، وَمَالِك فِي أَحَادِيث الصِّفَات، وَأَبُو يُوسُف فِي الْغَرَائِب، وَمِنْ قَبْلهمْ أَبُو هُرَيْرَة كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْجِرَابَيْنِ وَأَنَّ الْمُرَاد مَا يَقَع مِنْ الْفِتَن، وَنَحْوه عَنْ حُذَيْفَة وَعَنْ الْحَسَن أَنَّهُ أَنْكَرَ تَحْدِيث أَنَس لِلْحَجَّاجِ بِقِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ لِأَنَّهُ اِتَّخَذَهَا وَسِيلَة إِلَى مَا كَانَ يَعْتَمِدهُ مِنْ الْمُبَالَغَة فِي سَفْك الدِّمَاء بِتَأْوِيلِهِ الْوَاهِي، وَضَابِط ذَلِكَ أَنْ يَكُون ظَاهِر الْحَدِيث يُقَوِّي الْبِدْعَة وَظَاهِره فِي الْأَصْل غَيْر مُرَاد، فَالْإِمْسَاك عَنْهُ عِنْد مَنْ يُخْشَى عَلَيْهِ الْأَخْذ بِظَاهِرِهِ مَطْلُوب".
وقد كان السلف الصالح يمسكون عن الحديث والفتوى عند خشية اللبس أو عدم الفهم!
قال ابن شبرمة: "إن من المسائل مسائل لا يجمل بالسائل أن يسأل عنها ولا بالمسئول أن يجيب ".رواه الخطيب في [الفقيه والمتفقه] (2/ 91)
وانظر في هذا التعليق النفيس للحافظ الذهبي عَلى حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ:"حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وِعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ قُطِعَ هَذَا الْبُلْعُومُ". في [سير أعلام النبلاء] (2/ 597) (10/ 603).
وانظر لزاماً ترجمة الإمام وكيع بن الجراح في [سير أعلام النبلاء] (17/ 166) والمحنة التي حصلت له وكادت تذهب فيها نفسه!
وختاماً أقول لقد تكلم في العلم، وأفتى الناس من لو أمسك عن الفتيا وعن بعض ما تكلم فيه لكان الإمساك أولى به، وأقرب لسلامة له، فا للهم إنا نشكوا إليك هذا الغثاء.
وأمثال هؤلاء المتخبطون ينبغي منعهم بل يجب، فالحجر لاستصلاح الأديان, أولى من الحجر لاستصلاح الأموال والأبدان، والله المستعان.(2/72)
شبهة حرية المنافقين
إبراهيم بن عمر السكران
24 جمادى الآخرة 1431هـ
مدخل:
الحمد لله وبعد،، تتمتع شبهة ترك الرسول للمنافقين بتاريخ متقدم نسبياً، حيث كانت تستعمل هذه الشبهة كواحدة من أهم الأدوات لتعطيل العقوبات الشرعية، والتشويش على جهود المصلحين والمحتسبين.
ومن أئمة الدين الذين تمت مواجهتهم بهذه الشبهة الإمام محمد بن عبد الوهاب، حيث كان هناك طالب علم يقال له (أحمد بن عبد الكريم) وهو من أهل الأحساء، وفي بداية أمره نصر التوحيد وعارض سدنة القبور، ثم إن عدداً من دعاة الشركيات أغروه بشئ من الدنيا فانتكس، ثم راسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب يخبره بتراجعه عن مواقفه الأولى واحتج بجملة أمور منها أن النبي ترك المنافقين، فرد عليه الشيخ محمد بن عبد الوهاب برسالة موجودة في الرسائل الشخصية للشيخ وهي الرسالة الثالثة والثلاثون، يقول الشيخ محمد رحمه الله:
(ولكن العجب من دلائلك التي ذكرت كأنها أتت ممن لا يسمع ولا يبصر، أما استدلالك بترك النبي -صلى الله عليه وسلم- ومن بعده تكفير المنافقين وقتلهم؛ فقد عرف الخاص والعام ببديهة العقل أنهم لو يظهرون كلمةً واحدة أو فعلاً واحداً من عبادة الأوثان أو مسبة التوحيد أنهم يقتلون أشر قتله، فإن كنت تزعم أن الذين عندكم أظهروا اتباع الدين ولم يبق إلا أشياء خفية تظهر على صفحات الوجه أو فلتة لسان في السر، وقد تابوا من دينهم الأول، وقتلوا الطواغيت، وهدموا البيوت المعبودة؛ فقل لي) [الرسائل الشخصية، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ص215]
وفي عصرنا هذا أخذت شبهة ترك المنافقين بعداً آخر، فإن غالب من كتب عن حرية الرأي، أوشرعنة الديمقراطية وحقوق الإنسان، أوإنكار حد الردة، تحت ضغوط الآيديولوجيا الغربية فإنك تجده يحتج بشبهة ترك النبي للمنافقين، ولايمكن عرض كل من استعمل هذه الشبهة، لكن يمكن لنا أن نشير لبعض النماذج:
من الواضح أن هذه الشبهة طرحت وراجت مبكراً منذ أيام مايسمى برموز النهضة الأوائل كالأفغاني وعبده، والعامل الذي يوحي بذلك أننا نجد الأستاذ رشيد رضا (ت1935م) يرد على هذه الشبهة في مواضع من تفسيره، ومن نماذج ذلك قول الأستاذ رشيد رضا:
(فإن قيل إن مقتضى حرية الدين التي امتاز بها الإسلام في معاملة أهل الكتاب أن يسمح للمنافقين بأن يظهروا كفرهم؟ قلنا: إن الجمع بين إظهار كفرهم وحسبانهم من المسلمين، لهم ما لهم من الحقوق وليس عليهم ما عليهم من الواجبات؛ تناقض لا يقول به عاقل .. ، فإن قيل: إن القرآن قد فضح بعض المنافقين في هذه السورة وحكم بكفرهم، ولم ينفذ النبي -صلى الله عليه وسلم- عليهم أحكام المرتدين عن الإسلام، بل بقي يعاملهم هو وأصحابه معاملة المسلمين؟ قلنا: إن ما بينه الله تعالى من حال المنافقين إنما كان وصفا لأناس غير معينين بأشخاصهم .. ، وكان الذين عرف النبي وبعض أصحابه أشخاصهم قليلين جداً). [تفسير المنار، التوبة، 129]
ومن أوائل من استعمل هذه الشبهة -أيضاً- الشخصية الأزهرية الجدلية عبد المتعال الصعيدي (ت1966م) في كتابه (الحرية الدينية في الإسلام)، وقد لاحظت أن عدداً من مؤرخي الفكر السياسي العربي اعتنوا بأطروحات الصعيدي، لكن اللافت أن الصعيدي نفسه في كتابه الآخر (السياسة الإسلامية في عهد الخلفاء الراشدين) المنشور 1961م دافع فيه دفاعاً مستميتاً عن حرب أبي بكر للمرتدين (ص60)(2/73)
وممن استعمل هذه الشبهة -أيضاً- الدكتور المصري المعروف أحمد صبحي منصور وهو من غلاة العلمانيين، وكان مدرساً بجامعة الأزهر، ثم طرح عدة كتب تضمنت إنكار السنة النبوية، فجرت بينه وبين علماء الأزهر سجالات انتهت بفصله من الوظيفة عام 1987م، وكان لهذه الحادثة دوي وضجيج في الساحة الفكرية المصرية، فاستمر حانقاً على علماء الأزهر، وفي عام 1994م نشر دراسة بعنوان (حرية الرأي بين الإسلام والمسلمين) وحاول أن يؤسس فيها مفهوم الحرية بناء على آيات المنافقين، ويقول الدكتور في إشارة لمن انتقده: (رددت عليه باننى استشهد بآيات القرآن الكريم وهى التى تضمنت تقريراً كاملاً عن حرية المنافقين القوليه والفعليه، وأمر النبى والمؤمنيين بالإعراض عنهم).
وقد استمر الدكتور أحمد صبحي منصور في عرض هذه الشبهة في كتبه الأخرى ومنها كتابه عن (الحسبة) الذي نشره عام 1995م حيث يقول فيه:
(كان تآمر المنافقين يبلغ درجة الخيانة العظمى حيث كانو يتحالفون مع أعداء الدولة، أو يتآمرون معهم ضد المسلمين وقت الحرب، أي أنه كانت للمنافقين كأفراد وجماعات حرية المعارضة للدين والدولة كيفما شاؤوا، وكان القرآن ينزل يحكم بكفرهم، ويفضح تآمرهم، ولكن يأمر النبي والمؤمنين بالإعراض عنهم، اكتفاء بما ينتظرهم من مصير بائس يوم القيامة) [الحسبة: دراسة أصولية تاريخية، د. أحمد صبحي منصور، ص61].
وفي عام (2003م) نشر الدكتورحاكم المطيري كتابه ذائع الصيت (الحرية أو الطوفان)، لكنه في سبيل شرعنته لمفهوم الحرية الغربي فإنه لم يشر إلا إشارة عابرة لكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يتعرض للمنافقين (الحرية أو الطوفان، ص61) بينما كثف تأصيله على ماذكره الفقهاء من الحالات التي لايقاتل فيها البغاة والخوارج، وبعج هذه الحالات ومططها وأخرجها عن سياقها ليركُز فوقها مفهوم الحرية الغربي، والحقيقة أن الدكتور حاكم بعد كتابه الأخير (الفرقان بين حقائق الإيمان وأباطيل الشرك والطغيان) المنشور في 2010م اتضح فيه بشكل حاد مناقضته الجوهرية لتيار التنويريين والاصلاحيين في مسائل (التكفير والخروج) واقترابه من لغة عبد السلام فرج صاحب الفريضة الغائبة.
وفي عام 2006م نشر الدكتور طه جابر العلواني بحثاً بعنوان (لا إكراه في الدين) احتج فيه على الحرية وتعطيل حد الردة بجملة أمور منها ترك النبي -صلى الله عليه وسلم- قتل المنافقين.
ثم إن الكاتب الانترنتي المعروف زائر الوسطية (=سعيد الكثيري) قام بتصميم كتاب نشره قبل عدة سنوات على شبكة الانترنت اسمه (تجديد فهم الوحي) ( www.tajdeedat.com) وقد رأيته أول مرة على الشبكة عام 2007م ولا أدري هل وجد قبل ذلك أم لا، وذكر فيه آيات النفاق محتجاً بها على الحرية، وكان يستل منه أجزاءً ويعيد حقنها في المنتديات الحوارية بشكل دوري، ويستغل غالباً أي جدل يثار هنا أوهناك في المنتديات الحوارية ليدخل في الجدل ويقحم أجزاءً من مادة كتابه (انظر مثلاً ذات آيات النفاق نشرها بمنتدى محاور بتاريخ 21/ 4/2007م).
ثم في فترة لاحقة قامت الشبكة العربية للأبحاث والنشر بطباعة هذا الكتاب بنفس العنوان (تجديد فهم الوحي) لكن وضعوا للمؤلف اسماً مستعاراً آخر وهو (ابراهيم الخليفة).
وسأعرض جزءاً مختصراً مما قاله الأستاذ ابراهيم الخليفة (=زائر الوسطية) في كتابه هذا حول دلالة آيات النفاق على الحرية، يقول المؤلف:
(لقد قال المنافقون في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفعلوا أسوأ مما قاله وفعله الكثير من المخالفين للدين في عصرنا. ماذا كان يقول المنافقون في عهد الرسول عن أنفسهم وعن الصحابة؟!.
كانوا يقولون إنهم مصلحون، ويصفون الصحابة بأنهم سفهاء:(2/74)
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا كَمَا آَمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آَمَنَ السُّفَهَاءُ)
المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله:
(قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ)
المنافقون كانوا يدعمون أعداء مجتمعهم ولو بالأقوال والآراء والوعود:
(أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ).
كان المنافقون يكذبون على الرسول: (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ)
كانوا كافرين بالفعل (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آَمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا).
كانوا يرفضون استغفار الرسول لهم (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ)
كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا).
في قلب الأزمات كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).
كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا. وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآَتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا).
بعض المنافقين لم يكونوا يشككون في نزاهة الصحابة أو العلماء والقضاة، بل كانوا يشككون في نزاهة الرسول:
(وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).
بعض المنافقين كانوا يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس:
(وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ)؟
هل يتحمل الموقف من قيمة الحرية أي اختلاف أو توقف أو تحفظ؟. وهل تكفي الآيات التي تم عرضها لإثبات مشروعية وضرورة إعادة ترتيب سلم القيم؟!.) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، ص447، مع حذف بعض الفقرات].
قصة المادة المستعارة:
وممن تابع هذا الاتجاه الأستاذ نواف القديمي، حيث أعاد عرض ذات المادة التي صاغها زائر الوسطية -مع شئ من الاختصار- في ثلاثة مواضع: في كتابه أشواق الحرية (ص56) حيث استعارها القديمي للرد على موقف السلفية من الديمقراطية، ثم استعار ذات المادة مرةً أخرى في مقالته (على هامش فتوى البراك) وكانت رداً على فضيلة الشيخ الإمام عبد الرحمن البراك، ثم استعارها مرةً ثالثة في مقالته (هامش الحرية والورطة أمام النص الشرعي) للرد على المشايخ الفضلاء (فهد العجلان، محمد القصاص، بدر باسعد، عبد اللطيف التويجري). وفي كل المواضع الثلاث لم يشِر الأستاذ القديمي للمصدر الذي استعار منه هذه المادة.
وقد وقعت لي قصة طريفة مع هذه المادة، ذلك أنني حين قرأت كتاب الأستاذ القديمي (أشواق الحرية) فور صدوره مر بي قول الأستاذ:
(وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: "وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ") [أشواق الحرية، القديمي، 57](2/75)
وهي نفس العبارة التي أعادها في مقالته في الرد على البراك، فتوقفت محتاراً أمام هذا التفسير، حيث فسر الأستاذ القديمي قوله تعالى "هو أذن" بأنه اتهام للنبي بالتجسس، بينما كنت أتذكر أنه قد أشكل علي معنى الآية قبل سنوات فراجعت على عجل تفسير ابن كثير فوجدت المعنى أن العرب تقول للشخص "أُذُن" أي يقبل ويصدِّق كل مايقال له، لكني تهيبت أن أخطّئه وقلت في نفسي لعله اطلع على هذا المعنى في أحد كتب التفسير الموسعة.
ثم بعد فترة راجعت التفاسير العشرين المشهورة: الطبري، وابن أبي حاتم، والبغوي، وابن كثير، وابن عطية، وابن الجوزي، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والخازن، والبيضاوي، والنسفي، وابن جزي، وأبو السعود، والشوكاني، والقاسمي، والألوسي، والسعدي، وابن عاشور.
وفي كل هذه التفاسير العشرين لم أجد أحداً من أهل العلم قال أن معنى "هو أذن" أي جاسوس، وإنما كلهم يؤكدون أن معناها أنه يصدق ويقبل ما يقال له، أي أرادو تنقصه -صلى الله عليه وسلم- بالانخداع والاغترار والغفلة، وهذا معنى لا صلة له بالجاسوسية!
ومع ذلك بقيت متحيراً من أين أتى الأستاذ القديمي بهذا التفسير لعبارة (هو أذن) بأنها التجسس؟
ولما أعدت قبل أمس مطالعة كتاب زائر الوسطية وجدت المفتاح، حيث وجدت زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة) يقول في كتابه ذات العبارة:
(كان بعض المنافقين يؤذون النبي ويصفونه بأنه جاسوس "ومنهم الذين يؤذون النبي ويقولون هو أذن") [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، 452].
وكانت هذه الواقعة بالنسبة لي نموذجاً جديداً لمخاطر القص واللصق، سيما بلا عزو ولا نسبة.
وظني أن سبب خطأ (زائر الوسطية) في هذا التفسير هو أنه رأى بعض أهل اللغة يقولون أن وصف من يسمع ويصدّق مايقال له بأنه (أذن)، يشبه وصف الجاسوس بأنه (عين)، فكلاهما سمي بالجارحة المناسبة، فاختلطت الأمور عند زائر الوسطية فسمى من يصدق ما يقال له جاسوساً، أي أنه سمى الأذن عيناً! والواقع أن هذا تشبيه للعلاقة بالعلاقة لا تشبيه للجارحة بالجارحة!
ولما قرأت قول الأستاذ القديمي في كتابه ومقالته عن المنافقين:
(وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: "قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ")
توقفت أيضاً، لأن هذه الآية يذكرها أهل العلم في باب الولاء والبراء عن أهل الكتاب، وأول الآية "بطانة من دونكم" وأتبعها بقوله "وتؤمنون بالكتاب كله" بما يؤكد هذا المعنى أنها في أهل الكتاب، لكن قلت في نفسي لعل الأستاذ القديمي يجعل هذا الصنف من أهل الكتاب من المنافقين، سيما أن هناك من أهل العلم من ذهب لذلك.
لكن لما طالعت كتاب زائر الوسطية ووجدت ذات العبارة فيه، استبان لي أن الأمر لايعدو كونه قص ولصق، يقول زائر الوسطية في كتابه:
(المنافقون كانوا يبغضون مجتمع المؤمنين ويحملون العداء لأهله: (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ) [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، 447]
ولما قرأت في كتاب الأستاذ القديمي ومقالته قوله:
(وكانوا يتآمرون على رسول الله: "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا").
لم تتضح لي العلاقة! فالمنافقون يرفضون الإنفاق على "من عند رسول الله" وليس على "رسول الله"، فلا أدري لماذا جعلها مؤامرة على الرسول، ولم يجعلها مؤامرة على الصحابة الذين عند رسول الله؟
ولما قرأت كتاب زائر الوسطية تبين لي أن عملية الاختصار هذه المرة كانت عاجلة بالشكل الذي سبب هذا القفز في المعنى، حيث يقول زائر الوسطية:(2/76)
(كانوا يتآمرون على فقراء الصحابة ليتفرقوا عن الرسول "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا") [تجديد فهم الوحي، ابراهيم الخليفة، 448].
ثم استمر الأستاذ القديمي في استعارة المادة، بذات آياتها، وبذات وجوه الاستدلال من كل آية، مع شئ من الاختصار والتصرف أحياناً، ومن ذلك مثلاً:
يقول زائر الوسطية:
(كانوا يخذلون الرسول والصحابة في أحلك الظروف ويسعون إلى استثارة النزعات وتفريق صفوف المسلمين "وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا")
ويتابعه الأستاذ القديمي:
(وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً).
ويقول زائر الوسطية:
(كانوا يستخفون ويستهزئون بوعود الرسول لهم "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا")
ويتابعه الأستاذ القديمي:
(بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا")
بل ومن الطريف أن الأستاذ القديمي حافظ على ترتيب أكثر الآيات كما رتب عرضها زائر الوسطية في كتابه المشار إليه.
والحقيقة أنني لم أكن أستبعد أن يستفيد الأستاذ القديمي من كتاب زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة) المسمى تجديد فهم الوحي، لأن الأستاذ القديمي هو الذي قام على طبع الكتاب عبر مؤسسته الشبكة العربية للأبحاث والنشر، ومن الطبيعي أن يكون طالع الكتاب قبل نشره بمدة كافية، لكنني كنت آمل أن لاينسب هذه المادة لنفسه ويستعملها في ثلاثة معارك دون أن يشير ولو إشارة بسيطة إلى أنه نقل المادة من كتاب زائر الوسطية (=ابراهيم الخليفة).
ومن جانب آخر فإنني أعتب على الأستاذ القديمي كيف يخوض في تفسير القرآن بناء على قص ولصق من كتاب زائر الوسطية، والجميع يعرف أن زائر الوسطية صاحب تفكير غرائبي لا عقلاني، فهو مهجوس بتأويل النبوءات، مثل حماسه لإثبات أن المسيح الدجال هو الحضارة الغربية، وخوضه سجالات إلكترونية كثيرة لإثبات ذلك، ومن ذلك قوله (فإننا لا نتردد في الزعم بأن المسيح الدجال هو الغرب الحديث أو الحضارة الغربية) (انظر: موقع تجديد فهم الوحي). ومن أفكاره الخرافية أن فتنة قرن الشيطان هي دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب كما يقول في كتابه (في أفكار الشيخ وفي جهوده جوانب غلو حقيقية ومؤكدة تدور حول مسائل التكفير والعنف، وهذه في تقديرنا هي المقصودة بنبوءة قرن الشيطان) (تجديد فهم الوحي، ص91).(2/77)
ومن أفكاره التي طرحها -أيضاً- القول بجواز إلغاء حد رجم الزاني المحصن وجلد شارب الخمر (تجديد فهم الوحي، ص149، 150)، بل والأكثر إضحاكاً من ذلك أنه يعتقد أن الصلوات المفروضة الواجبة إنما هي الصلوات الجهرية (المغرب، الفجر، العشاء) أما صلوات النهار (الظهر، العصر) فيرى أنها مستحبة فقط فيقول (إن الصلوات الجهرية تدخل في إطار الواجبات الثابتة والمستمرة، أما بقية الصلوات فتدخل ضمن قسم التزكية) (ص160) ثم شرح استنباطاته العجائبية التي أوصلته لهذه النتيجة، وله من أمثال هذه التقليعات اللاعقلانية الكثير فكتاباته تحمل على محمل الطرافة والتسلية والفكاهة وليست بحوثاً علمية!
بل كنت أتساءل كيف تطبع (الشبكة العربية للأبحاث والنشر) مثل هذا الكتاب الذي يجحد فرضين من الصلوات الخمس التي هي عمود الإسلام، ويجحد جملة من الحدود الجنائية الشرعية، ويجعل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب قرن الشيطان؟! ثم يقولوا نحن من أهل السنة الحريصون عليها؟! هل رأيتم في حياتكم رجلاً ملتزماً بأصول أهل السنة يروج لكتاب ينكر صلاتين من الفرائض الخمسة ويجحد حدود الله ورسوله ويتهم أئمة الإسلام بأنهم قرون الشيطان؟!
على أية حال .. كان من الخطأ الفادح أن يُعتمَد على صياغة مثل هذا الرجل الغريب الأطوار -أعني زائر الوسطية- وتفسيره لآيات النفاق ووجه دلالتها على هامش الحرية، ثم تستعمل هذه المادة المستعارة في ثلاث معارك ضد السلفية، والإمام عبد الرحمن البراك، وجملة من طلبة العلم! فهذا ما كان تحاشيه خير من تقحّمه، لكن قدر الله وماشاء فعل.
سُنيّة نتائج الشبهة:
قبل أن نناقش هذه الشبهة كما صاغها زائر الوسطية واستعارها الأستاذ القديمي، دعونا نسلط الضوء على هذه القضية من زاوية أخرى.
كنت أسمع التنويريين والإصلاحيين يرددون بأنهم ملتزمون بأصول أهل السنة، ويبدون انزعاجهم وتبرمهم من أي رجل يضعهم في مواجهة أصول أهل السنة وجهاً لوجه.
حسناً .. دعونا نختبر صحة دعوى تمسك التنويريين والإصلاحيين بأصول أهل السنة، لن نختبر هذه الدعوى بتمحيص جميع مقالاتهم وأفكارهم، بل سنختبرها على ضوء فكرة واحدة فقط من أفكارهم، وهي (شبهة حرية المنافقين)، ولاحظ معي أنها مجرد فكرة واحدة فقط من أفكارهم.
اتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة ساب النبي صلى الله عليه وسلم، والجمهور يبلغون بالعقوبة القتل، قال ابن المنذر (أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي -صلى الله عليه وسلم- يقتل). بينما أصحاب شبهة (حرية المنافقين) يقولون لايعاقب ساب النبي صلى الله عليه وسلم شرعاً.
واتفق أهل السنة بجميع طوائفهم على عقوبة المرتد (وان اختلفو في بعض التفاصيل) [بداية المجتهد 2/ 459]، ولكن أصحاب شبهة حرية المنافقين يقولون لايعاقب المرتد شرعاً.
وهكذا تأمل في العقوبات الشرعية التي ذكرها أهل السنة، مثل: عقوبة الداعية الى البدعة، وعقوبة الجاسوس، عقوبة من يقذف الصحابة، وعقوبة المفطر في نهار رمضان جهاراً، عقوبة أي طائفة تمتنع عن شريعة من شرائع الإسلام كالأذان، الخ وقارنها بمدرسة حرية المنافقين تجد أن أصحاب هذا المذهب يؤول كلامهم إلى جحد كل العقوبات من حيث أصل وضعها الشرعي، لأنهم أتاحو الحرية لأغلظ أنواع الكفر، وصارو يقولون أن مادون ذلك فهو أولى بالحرية، فآل هذا القول إلى إلغاء كافة العقوبات الشرعية من حيث أصل وضعها الشرعي، فهذا يعني أن أبواب الحدود في الفقه الإسلامي كانت تضييعاً للوقت!(2/78)
هذا اللازم الذي تورطت به هذه المدرسة يقودنا إلى اكتشاف خطأ فرضيات هذه المدرسة في تفسيرها لآيات أفعال المنافقين، إذ لوكانت فرضيتهم التفسيرية لآيات أفعال المنافقين صحيحة لما أدت لهذه النتيجة الكارثية التي تلغي عشرات النصوص والتشريعات الأخرى.
وهذه طريقة أهل السنة في تحليل تفسيرات النصوص، فإنهم يدرسون لوازم وآثار التفسيرات المطروحة، فإذا انسجمت مع بقية النصوص علموا صحتها، وإذا أدت للوازم فاسدة علموا بطلان هذا التفسير، ولذلك يقول الإمام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه: (فساد اللازم يستلزم فساد الملزوم) وهي آلية عقلية استعملها القرآن كثيراً، وأخبر الناس بها أهل السنة.
وهذا اللازم (إلغاء العقوبات الشرعية) ليس لهم إلا أن يتراجعوا عنه، ويقروا بالعقوبات الشرعية التي قررها أهل السنة وينقضوا تفسيرهم الشاذ لآيات أفعال المنافقين، وإما أن يواصلوا تمسكهم بهذا اللازم، فعليهم هاهنا أن يكونوا صرحاء مع أنفسهم ويعترفوا أنهم مفارقين لجملة من أصول أهل السنة، وعلى رأسها -في هذه المسألة- أصول أهل السنة في العقوبات والانكار والحسبة، وهي أصول كلية إجماعية وليست مسائل اجتهادية يغمض مأخذها ولايثرب فيها على المخالف.
الجواب الإجمالي عن الشبهة:
إذا كان تفسير آيات أفعال المنافقين بهذه الصورة يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، فما هو التفسير الصحيح لهذه الآيات التي سردها هؤلاء إذن؟
هذا السؤال يقودنا الآن إلى الجزء الرئيس أو العمود الفقري لهذه المقالة، والحقيقة أن تفسير آيات أفعال المنافقين يحتاج إلى مستويين من الجواب: الجواب الإجمالي، والجواب التفصيلي عن أفراد تلك الآيات التي استدلو بها آيةً آية.
فأما الجواب الإجمالي عن هذه الشبهة فهو أن أقوال وأفعال المنافقين، أو المخالفة للشرع بشكل عام، ليست على حال واحدة، فهي إما أن تكون سراً يتداولونها بينهم -وهذا هو الأصل والغالب- وإما أن تكون ظهرت ونقلت للرسول لكنهم أنكروها أو تابوا وتراجعوا عنها، وإما أن تكون نقلت للرسول ولم ينكروها ولم يتوبوا عنها لكن الرسول صلى الله عليه وسلم ترك إيقاع العقوبة لمانع شرعي راجح، وإما أن تكون نقلت للرسول صلى الله عليه وسلم ولم ينكروها ولم يقم مانع وتم إيقاع العقوبة.
فأما المرتبة الأولى وهي كون أقوالهم وأفعالهم يسرون ويجتهدون في التستر بها فهي الغالب على المنافقين، ولذلك قال تعالى عنهم (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ) [التوبة101] فبين أن النبي صلى الله عليه وسلم لايعلمهم كلهم بأعيانهم وأن الأصل فيهم التستر بأفعالهم.
وقال تعالى (وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ) [محمد30]. فبين أن الله لم يره إياهم، وإنما يمكن التعرف إليهم بالقرائن لا صراحة.
وقال تعالى (يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ) [التوبة64]
فأشارت هذه الآية إلى اجتهادهم في ستر نفاقهم في قلوبهم حتى خافوا أن تفضحه الآيات.
ولو قيل لأي مسلم من أعلم أمة محمد بالمنافقين؟ لقال على الفور: حذيفة رضي الله عنه. فاسمع مايقول حذيفة في صحيح البخاري (إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- كانوا يومئذ يسرون، واليوم يجهرون) [البخاري 7113].
وبسبب كون الأصل فيهم الإسرار فلذلك استحقوا هذا اللقب (المنافقين) والذي تميزوا به عن عامة الكفار.(2/79)
وأما الحالة الثانية وهي حالة إنكار المنافقين ماينسب إليهم، وحلفهم الأيمان بجحده، فهي كثيرة ومن ذلك قوله تعالى (سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ)
وقوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ)
وقوله تعالى (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ)
وقوله تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ)
بل أخبر الله عن هذه الوسيلة عندهم كقاعدة عامة في قوله تعالى (اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً) أي ترساً ووقاية يستجنون بها، فيتفوهون بالعبارات المصادمة للشريعة فإذا بلغت الرسول حلفوا ماقالوا وأنكروا وجحدوا!
والباحث الموضوعي الصادق في البحث عن الحقائق الشرعية يسأل نفسه: لماذا كان المنافقون يحلفون في إنكار ماينسب إليهم؟ لو كان الأمر متروكاً لهم على سبيل الحرية فهل كانو بحاجة إلى الحلف والإنكار؟ وكونهم يحلفون منكرين جاحدين هذا يعني أن هناك "حالة استدعاء ومساءلة وتحقيق" مسبقة اضطرتهم إلى الحلف والإنكار.
وأما حالة الاقرار بالفعل والاعتذار عنه فهي كثيرة أيضاً، ومن ذلك قوله تعالى: (يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ)
وقوله تعالى (لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)
والباحث الموضوعي يسأل نفسه هاهنا -أيضاً- لماذا بعتذرون عن ما تثبت نسبته إليهم؟ هل لوكان الأمر على سبيل الحرية الشخصية الواسعة احتاجوا للاعتذار؟
وفي بعض الأحوال قد تتحقق شروط العقوبة لكن يمنع من إقامتها مانع شرعي راجح، وهو قيام فتنة أعظم، وهذا مما كان يراعيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مع ابن أبي خصوصاً، فإنه بقي في بعض القلوب حمية له لأجل مركزه السيادي السابق بين الأوس والخزرج.
وأما إذا تحققت شروط العقوبة وانتفت موانعها الراجحة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمر بإنفاذ العقوبة، ولذلك عاقب الثلاثة الذين خلفوا، ولما فتح النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة أمّن الناس جميعاً إلا تسعة نفر فإنه أراق دماءهم وكان منهم: عبد الله بن سعد بن ابي السرح، ومقيس بن صبابة، وهذين كانا مسلمين ثم ارتدا. فلم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لهم حرية الرأي!
وكذلك أصحاب النبي حين قاتل أبوبكر المرتدين، وقتل أبوبكر أم قرفة لما ارتدت بمحضر الصحابة، وقتل ابوموسى ومعاذ بن جبل اليهودي الذي أسلم ثم ارتد كما في الصحيحين.
بل إن عمر جلد صبيغ لما سأل عن متشابه القرآن، ولم يقل هامش حرية الرأي!
وفي صحيح البخاري عن (عكرمة قال أتي علي بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقتلتهم لقول رسول الله: من بدل دينه فاقتلوه).
فهل هذه الأقضية النبوية والراشدية كلها لم تفهم آيات أفعال المنافقين بينما فهمها مجموعة من المنتسبين للفكر المعاصر الذين ليس لهم عبودية الصحابة ولا عمق علمهم بالشريعة؟! أفهذا من العقل والعقلانية في شئ؟!
وبعض هؤلاء يحتج ويقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم بعض أسماء المنافقين حيث أطلعه الله على ذلك؟ والحقيقة أن هذا المعترض لم يستوعب أن أحكام الإسلام يجريها النبي صلى الله عليه وسلم على الظاهر، ولذلك يقول الإمام الشافعي في كتابه الأم (قد علم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن المنافقين كاذبون وحقن دماءهم بالظاهر) [الأم، الشافعي، 4/ 264].
الجواب التفصيلي عن الشبهة:(2/80)
ما مضى هو الجواب الإجمالي عن الشبهة وهي تراوح حالاتهم بين الإسرار -وهو الأصل والغالب- وبين الإنكار أو الاعتذار أو ترك العقوبة لمانع راجح، أو الأمر بإنفاذها إذا استوفت شروطها وانتفت موانعها.
دعونا الآن ننتقل للجواب التفصيلي عن الآيات التي استدلو بها آية آية، والحقيقة أن المادة المستعارة في الرد على الشيخ البراك تضمنت (11) آية، وهي كالتالي:
1 - الآية الأولى: يقول الكاتب: كانوا يصفون الصحابة بالسفهاء (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ).
الجواب: هذه الآية في سياقها ذاته نقيض ما احتجوا به، لنقرأ الآية في سياقها وننظر الآية التي تعقبها مباشرة: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ ** وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ).
فبين الله أنهم إذا لقوا الذين آمنو لم يظهرو مقالتهم هذه، بل يظهرون ضد ذلك، ولم يظهروا ضد ذلك إلا لأن الأمر ليس على سبيل الحرية.
2 - الآية الثانية: يقول الكاتب: وكانوا يحرِّضون الكفار على مُجتمعهم، ويدعونهم لحرب المُسلمين: (أَلَمْ تَر إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) ..
الجواب: قبل أن نقرأ سياق الآية كنت أقول في نفسي: ألم يتأمل هذا المحتج ماذا يعني احتجاجه هذا؟! هذا يعني أنه لو وجدنا رجلاً يحرض أمريكا على غزو ديارنا واحتلال حقول النفط، أو يحرض إيران على العبث بأمن الحجيج في بلادنا، أورجلاً يتعاون مع الحوثيين ضد جنودنا في الجنوب، أو وجد إخواننا في حماس رجلاً يحرض الصهاينة على أهل غزة ويدعوهم لحربهم، الخ فإنه في كل ذلك لايجوز شرعاً معاقبة هذا المحرض والمؤلب على حرب المسلمين، بل يجب أن تحفظ له حريته، وهذا حق له لايجوز الاعتداء عليه! أي شرع هذا؟! وماهذا الاستنباط الذي يكفي تصوره لإبطاله!
يالله العجب كيف يذهل كثير من الكتبة عن نتائج خطيرة في سياق مشاحنتهم لأهل العلم والسنة، هذا الموضع فقط كافٍ لكشف التخبط العميق في تفسيرهم لآيات أفعال المنافقين.
المهم .. دعونا نعود للآية، وقصة هذه الآية أن نفراً من المنافقين انطلقوا إلى بني النضير ووعدوهم بنصرتهم ضد المسلمين، ففضح الله المؤامرة دون تعيين القائل ولاتسميته بل بقيت في القرآن مكتومة مطوية، فغاية مافي الآية مؤامرة كشفت أوصافها وليست حرية رأي!
3 - الآية الثالثة: يقول الكاتب: وكانوا يكذبون على الله ورسوله: (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
الجواب: ماقاله الكاتب هاهنا هو عين مانريد إثباته، فقد كفانا إياه جزاه الله خيرا!، فنحن نقول أن المنافقين يظهرون بخلاف حقيقتهم، ويعتذرون لرسول الله أعذاراً يكذبون فيها، بل ويحلفون في هذه الأعذار كما ذكرت هذه الآية، فأذن لهم الرسول لما حلفوا له معاملةً لهم بظاهرهم، فبالله عليكم أي دلالة في اعتذار المنافقين على حرية الرأي المزعومة؟! بل هذا يفيد نقيض كلامهم وهو أن المنافقين لم يكونوا مجابهين بمصادمة الشرع بل يتدسسون ويعتذرون!(2/81)
4 - الآية الرابعة: يقول الكاتب: وكانوا يلمِزون الرسول عليه الصلاة والسلام: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ).
الجواب: أصل اللمز هو مايكون من التنقص في خفاء كما يقول ابن عطية في تفسيره (يلمزك: معناه يعيبك ويأخذ منك في الغيبة)، وحكي في الآية أسباب نزول غاية مافيها أن بعضهم قال للنبي (اعدل)، وقيل في الآية أن (يلمزك) أي يسألك ويطلب منك إذا أتتك الصدقات. والمراد أن كون المنافقين غاية ما استطاعوا هو اللمز الذي فضح الله وصفه دون أعيان قائله هذا دليل على ضد مقصود أصحاب حرية الرأي.
5 - الآية الخامسة: يقول الكاتب: وكانوا يؤذون النبي ويصفونه بالتجسس: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ).
الجواب: سبقت الإشارة إلى أن معنى "أذن" ليس هو التجسس، وإنما الاغترار بما يقال، وأن هذا التفسير الخاطئ انتقل مع المادة المستعارة كما هو. لكن لماذا قال المنافقون عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أذن؟ يقول الإمام البغوي رحمه الله (نزلت في جماعة من المنافقين كانوا يؤذون النبي ويقولون ما لا ينبغي، فقال بعضهم "لا تفعلوا، فإنا نخاف أن يبلغه ما تقولون فيقع بنا" فقال الجلاس بن سويد منهم: "بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلف فيصدقنا بما نقول، فإنما محمد أُذُن").
وهذا يعني أن المنافقين يعتذرون عن أقوالهم إذا بلغت النبي صلى الله عليه وسلم، وليسوا يمنحون عنها حرية الرأي! ولذلك عقب القرآن بعد هذه الآية مباشرة بقوله عنهم (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ).
6 - الآية السادسة: يقول الكاتب: وكانوا يُظهرون البغضاء للمؤمنين: "قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ").
الجواب: سبقت الإشارة إلى أن هذه الآية الأشبه أن تكون في أهل الكتاب، وهو ما مال إليه جماهير المفسرين، وأن صياغة الشبهة بهذا الشكل الأرجح عندي أنه مما تسرب مع عملية الترحيل الغامضة من كتاب زائر الوسطية.
7 - الآية السابعة: يقول الكاتب: وكانوا يصدون عن رسول الله ويستكبرون عليه: "وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ")
الجواب: يقول ابن كثير رحمه الله عن سياق هذه الآيات (وقد ذكر غير واحد من السلف أن هذا السياق كله نزل في عبد الله بن أبي بن سلول). وقد أنكر ابن أبي مانقل عنه لرسول الله كما يقول قتادة (فدعاه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإذا هو يحلف بالله ويتبرأ من ذلك). وابن أبي عموماً كما جاء في الخبر (كان إذا جلس النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس هذا رسول الله بين أظهركم، فانصروه وعزروه، واسمعوا له وأطيعوا). ثم إن سياق الآيات التي سبقت هذه الآية ذلك تشير لذلك حيث جاء فيها (قالوا نشهد إنك لرسول الله) (اتخذوا أيمانهم جنة) (وإن يقولوا تسمع لقولهم). ثم إن ابن أبي لما خشي النبي وقوع الفتنة بقتله بسبب كونه سيداً في قومه قبل الإسلام صار هذا مانعاً شرعياً راجحاً في ذلك الظرف الزمني المؤقت. والخلاصة أن هذه الواقعة التي حكاها القرآن لا صلة لها بحرية الرأي المزعومة بل واقعة لها ملابساتها الخاصة المختلفة.
8 - الآية الثامنة: يقول الكاتب (وكانوا يتآمرون على رسول الله: "هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا").(2/82)
الجواب: واضح قطعاً أن الكاتب لم يراجع أي كتاب تفسير حين احتج بهذه الآية! ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نقلت له مقالة المنافقين هذه قام بعملية تحقيق، واستدعى الأطراف المبلغ عنهم، لكن المنافقين أنكروا وجحدوا، روى البخاري في صحيحه قال:
(عن زيد بن أرقم قال: كنت في غزاة فسمعت عبد الله بن أبي يقول "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله ولو رجعنا من عنده ليخرجن الأعز منها الأذل" فذكرت ذلك لعمي، أو لعمر، فذكره للنبي -صلى الله عليه وسلم- فدعاني فحدثته، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي وأصحابه فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله وصدقه، فأصابني هم لم يصبني مثله قط، فجلست في البيت، فقال لي عمي "ما أردت إلى أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك؟ "، فأنزل الله تعالى "إذا جاءك المنافقون" فبعث إلي النبي -صلى الله عليه وسلم- فقرأ فقال: إن الله قد صدقك يا زيد)
وكون النبي يستدعي الأطراف ويحقق معهم، فهذا يعني أن هذه الآية دليل على المساءلة والتحقيق في الأقوال المخالفة للشريعة، وليست دليلاً على حرية الكفر، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لما أنكروا عاملهم بظاهرهم.
9 - الآية التاسعة: يقول الكاتب: بل ويكفُرُون بموعود الله وحديث رسوله: "وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورا")
الجواب: هذه الواقعة لا صلة لها بحرية الرأي المزعومة بل هي مجرد حالة خور في لحظة حرب مفزعة كما ينبئ عن ذلك سياق الآيات قال تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ** هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ** وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا).
ومن الطبيعي أن لايتخذ النبي صلى الله عليه وسلم أي إجراء عقابي في لحظة الحرب، وهذا نظير ترك الحدود في الغزو الذي رواه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ثلاثة من الصحابة عمر وأبي الدرداء وحذيفة، فضلاً عن أنه لم يقم أي دليل على أن هذه العبارة بلغت النبي صلى الله عليه وسلم عن قائل معين، والقرآن نقلها عن غير معين كما هي عادة القرآن في أفعال المنافقين.
10 - الآية العاشرة: يقول الكاتب (وكانوا يخذِلون المُجتمع المسلم في أحلك ظروفه وأزماتِه: (وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَاراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لأتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلاّ يَسِيرا).
الجواب: هذه الآية حكى الله فيها مقالتين، المقالة الأولى "يا أهل يثرب لامقام لكم فارجعو" وفيها وجهان أن أوس بن قيظي قالها لقومه، والثانية أن اليهود قالوها لعبد الله بن أبي، وعلى كلا الوجهين لم تستوف شروط العقوبة الشرعية، ومع ذلك فالقرآن حكى هذه المقالة عن غير معين. وأما المقالة الثانية فهي "ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة" وهذا استئذان للنبي لاصلة له بموضوع الحرية.(2/83)
11 - الآية الحادية عشرة: يقول الكاتب (وكانوا أشحة على الخير، ويقذفون الصحابة بألسنة حِداد: (أشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ).
الجواب: أكثر أهل التفسير على أن قوله تعالى "سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير" أي معناها الإلحاح بالكلام المستكره طلباً للغنيمة، وقيل في معناها أقوال أخرى، لكنها على كل الأحوال إذا وصلت إلى القذف، فالقذف له عقوبته الشرعية، فأما إن كان الكاتب يظن أن السلق هنا يصل للقذف وعطل الشارع حد القذف فهذا ضرب للنصوص ببعضها.
هذا مايتعلق بالجواب عن أعيان الآيات التي احتجوا بها آيةً آية.
والحقيقة أنني مكثت مرةً أتأمل: لماذا يفصل أصحاب هذا الطرح بين الحرية السلوكية والحرية العقدية؟ فتجد أكثر حديثهم عن الحرية العقدية، فيرون الحرية للكفر والزندقة والنفاق، لكن لو قلت لهم: هل هذه الحرية مكفولة لمن يزني ويشرب الخمر؟ قالوا لا!. فكنت أتساءل وأقول: كيف يصبح المرتد مكفول الحرية، والزاني وشارب الخمر يعاقب؟ إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم أتاح الحرية للردة كما يقررون، فما دون الردة من الجرائم أولى بالحرية!
فانظر كيف أن هذه الطوائف الفكرية المتعلقة بشبهة حرية المنافقين خالفت أهل السنة في أصول العقوبات الشرعية، كل ذلك في شبهة واحدة فقط من شبهاتهم، فكيف لو تتبع الباحث بقية شبهاتهم في أصول التلقي والاستدلال والموقف من المخالف ومنزلة الدنيا وأحكام المرأة ومنهج الفتيا وفقه السياسة الشرعية ونحو ذلك، ثم يأتونك مستغربين ويقولون: لماذا تجعلوننا مخالفين لأهل السنة؟ يالله العجب كيف لاتبصر العيون كل هذه الانشقاقات عن مذهب أهل السنة والجماعة؟!
وكون هؤلاء وافقوا أهل السنة في بقية أصول السنة هذا لا يمنع كونهم من أصحاب المحدثات، فإن كثيراً من القدرية (المنكرين لكون الله يقدّر المعاصي كوناً) وافقوا أهل السنة في بقية أصول الإيمان كالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وفي تقدير الطاعات والصحابة ونحو ذلك، ولكنهم خالفوا أهل السنة في جزء من القدر وهو تقدير المعاصي، ومع ذلك عدهم السلف من أهل الأهواء وأهل البدع وأهل المحدثات في دين الله، وهكذا فإن هذه الطوائف الفكرية برغم كونها وافقت أهل السنة في بعض أصول الدين، لكنها خالفت أهل السنة في عدة أصول من أصول التلقي والاستدلال وبعض الأصول التشريعية، وهذه العقوبات الشرعية التي أنكروها مجرد نموذج لذلك، فهم أهل إحداث وابتداع في دين الله، وأهل أهواء.
وبعض هؤلاء الذين يحتجون بهذه الشبهة يقولون إذا اختار المجتمع هذه العقوبات الشرعية فيجب تطبيقها، يظنون بذلك أنهم يتخلصون من شناعة قولهم، وماعلموا أن هذا أفظع شناعة، فإن هذه العقوبات الشرعية حين أتت بكتاب الله وسنة نبيه ردوها واستثقلوها ورأوا أن فيها تقييداً للحرية وضيق أفق، وحين أقرها المجتمع التزموا بها، فصار تشريع الشعب فوق تشريع الله ورسوله، وهذا هو مؤدى مفهوم الديمقراطية الذي حذر منه الربانيون من أهل العلم، وقد كان الديمقراطيون ينكرونه نظرياً لكنهم الآن يعلنونه عملياً، أعني كون مصدر التشريع هو الشعب وليس رب الشعوب سبحانه وتعالى.(2/84)
ثم إنه من الغرائب أن يقال إن المجتمع إذا اختار حماية عقيدته فيجب الالتزام بخيار المجتمع، فكيف يضيّق المجتمع على الحريات التي كفلها الشرع في نظركم؟ أنتم ترون النبي كفل الحرية للكفر والقذف والزندقة والردة والتأليب على المسلمين، فكيف يسوغ للمجتمع أن يضيق هذه الحريات التي كفلها رسول الله؟! هل نحن أغير على العقيدة من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
وأما قول القائل "أنتم في ورطة مع النصوص الشرعية" فهذا قَلَب المشكلة، بل الذي في ورطة مع النصوص الشرعية هو من فسرها بما يؤول إلى إلغاء العقوبات الشرعية وشعيرة الحسبة والإنكار، وأما من فسرها بشكل يتسق مع بقية النصوص الأخرى، ويتسق مع فقه أصحاب النبي وأئمة أهل السنة؛ فهذا في راحة وانسجام، وليس في ورطة.
ويشهد الله وحده أنه لما نشرت مجلة العصر المقالة التي تشوش على فتيا الشيخ الإمام عبد الرحمن البراك في خالص جلبي فإنه قد نازعتني نفسي في الرد، لكني توقفت لاعتبارات نفسية معينة كنت أداريها، ولكن لما صدرت الآن المقالة الثانية قبل أمس في مجلة العصر، فصار كتاب أشواق الحرية والمقالتان اللتان أعقبتاه كلها تكرر نفس الشبهة (حرية المنافقين) والمستعارة من دردشات زائر الوسطية بذات أخطائها؛ شعرت حينذاك بأن الشبهة بحاجة لتفكيك علمي وأنه لا مكان للمجاملات في دين الله، لكني لا أناقش إلا شيئاً منشوراً ولا أستغل -بإذن الله- ما أفضى به إلي صديق بشكل خاص في الرد عليه، فالعلاقات الشخصية شئ، والأقوال المنشورة شئ آخر، وهذا مبدأ من مبادئ المروءة أتمنى أن أبقى عليه ما حييت.
والحقيقة أنه من أكثر ما آلمني أنني ألاحظ اليوم تقصير النظام السياسي الحالي في الأخذ على يد السفهاء لردعهم عن العبث بالأحكام الشرعية في قنواتنا وصحافتنا، فلا أعرف حكماً شرعياً يتعارض مع الثقافة الغربية إلا وقد كتبت صحافتنا المحلية في تنقصه وتسفيهه وتحريفه، ومع ذلك لايزال النظام السياسي المحلي لم يتخذ بحق هؤلاء الروادع الشرعية المطلوبة، ثم يأتينا الآن من يسمون أنفسهم التنويريين والاصلاحيين ويقدمون للسياسي شرعنة للمزيد من حرية الزندقة! وكأننا سننهض إذا أتحنا المزيد للكفر وسب الرسول وشتم الصحابة!
هذه الكتابات التي تسميها نفسها تنويراً وإصلاحاً لم تصلح الخلل السياسي، ولم تدع الشريعة في حالها.
والله أعلم(2/85)
القصة من أوّلها
د. أحمد بن صالح الزهراني
25 جمادى الآخرة1431
من أشدّ أساليب الإدانة وقلب الحقائق حذف أوّل القصة والبدء بسردها من جزء معيّن، وهو ذلك الجزء الذّي يحكي مظلومية الجلاّد ومأساة المجرم، لينقلب الحق باطلاً والمحق مبطلاً والضحية جلاداً والبريء مُداناً.
إنّه أشبه ما يكون بقصّ صورة من القصّة أو العبث بأجزائها تقديماً وتأخيراً ..
مثل رجل قتل رجلاً فلحقه آخر، وأمسك به يضربه فيأتي من يصوّر مشهد القاتل وهو يُضرب، أو يحكي قصّة ضرب القاتل دون ذكر سبب ضربه.
يحدث هذا أحياناً بدون قصد، وإنّما تأثراً بالنفسية الّتي تتحكم في رؤية الواقع ..
وكثيراً ما يكون ذلك مقصوداً كأسلوب في الدعاية للباطل وترويجه والتنفير عن الحق ومحاصرته.
ويساعد الإعلام كثيراً في بثّ الصورة الخاطئة والقصّة المبتورة ..
في الجانب السياسي والعسكري كمثال عادة ما ترى المحتلّ يبرز قصص المقاومة ودمويّتها، وفي ضمن ذلك الأخطاء الّتي تقع فيها سواء في التأصيل أو التطبيق ..
فيدخل الناس بتأثير هذا الأسلوب في دوّامة الجدل حول المقاومة بين من يصوّب خطأها وبين من يخطّئ صوابها ..
وينسى الجميع أنّ المقاومة بكلّ أخطائها وصوابها هي الجزء التالي للقصّة ..
القصّة بدأت قبل ذلك بالاحتلال .. وهو الذي يجب محاكمته قبل البدء بمحاكمة المقاومة ..
مشركو قريش فعلوا شيئاً من ذلك فتولّى الله الرد: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ). قال ابن كثير: أي: «إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردّوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل»
في الجانب الثقافي والفكري والدعوي -وهو الّذي يهمّني -انتهجت الأقلام المسمومة نفس المنهج ..
إذا بدأنا بأوسع الدوائر وجدنا دائماً محاكمة للإسلام على أنّه دعوة قتال وأصر على الدين وأطر على العقيدة الواحدة ..
وكثيراً ما رأينا هِمَم الرجال تتناقص أمام هذه المقولة الظالمة ..
نعم، ظالمة؛ لأنّ دعوة الإسلام والتوحيد هي جزء تالٍ في القصّة، والقصّة من بدايتها ذكرها الله تعالى في كتابه: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).(2/86)
فالمؤمن الواثق بالله وبدعوة الله يعلم أنّ دينه وسلاحه ليس أصلاً في القصة بل هو نتيجة تسبّب بها من خرجوا عن الأمّة والواحدة أمّة التوحيد، فهو سائر على طريق أنبياء الله وخاتمهم محمّد صلّى الله عليه وسلّم، يقول للناس ما قال البطل ربعي بن عامر لرستم: «الله جاء بنا، وهو بعثنا لنخرج من يشاء من عباده من ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه، لندعوهم إليه، فمن قبله قبلنا منه ورجعنا عنه وتركناه وأرضه دوننا، ومن أبى قاتلناه حتى نفضي إلى الجنة أو الظفر»، هذا كلام من عقل عن الله ورسوله حقيقة القصة الكاملة.
وإذا ضيقنا الدائرة قليلاً لننظر إلى الداخل الإسلامي وجدنا ألسنة التغريب والشقاق والنفاق يرمون أهل الشريعة بالتشديد والتعسير، ويعدّون سدّ الذرائع عيباً، ويتخذون من ذلك حجة لهم في القدح في أهل العلم بالشريعة، وأنّهم حرّموا كثيراً مما أحلّه الله بسبب هواجسهم وشكوكهم ..
ولو تأمّلنا لوجدنا أنّ الذّرائع إنّما كان السبب في سدّها فشوّ المنكر وغلبة أهل الفجور في استعمال المباحات وسيلة لإشاعة المنكر، فلو تتبّع المنصف حال المجتمعات، وما آل إليه الزمان من فساد أبنائه، وتغلّب الفجرة على مقاليد الأمور في كثير من البلاد وعلى أرفع المستويات، واستغلالهم كلّ ثغرة ومناسبة لفتح باب شرّ جديد على الأمّة لعرف أنّ خوف أهل العلم وحرصهم على سدّ الذرائع هو نتيجة طبيعية وليس أصلاً، فمن رأى كيف أصبحت استقلالية المرأة في العالم أغلبِه وسيلة لفجورها واستغلالها وتحطيم الأخلاق وقيم الأسرة، لا يتوقف لحظة في تصحيح وتصويب مواقف أهل الشريعة من العلماء وطلبة العلم السلفيين الذين يمانعون من مسائل قيادة المرأة للسيارة، وتولي المناصب، وإشاعة المسرح والسينما وغيرها من مسائل يدندن حولها التغريبيون.
وإذا جئنا إلى مساحة أخرى في الداخل الإسلامي وجدنا بعض الناس يشتكون من ضيق عطن الشرعيين والعنف اللفظي في الردّ على المخالفين من التغريبيين والليبراليين، ويتبرم بعض الكبار من شدّة الشّرعيين في الردّ وعدم قبول الرأي الآخر كما قرأته مؤخراً لأحد المسؤولين في وزارة الإعلام، فتذكرت حينها المثل القائل: «قال الحائط للوتد: لِمَ تشقّني؟! فقال: سَلْ من يدقّني»!
ففي ظنّي أنّ هذه الشكوى الّتي شكا منها هذا المسؤول هي نفس الأسلوب الّذي يتعامى عن سبب المشكلة، يتعامى عن المجرم ويلوم الضحيّة؛ إذ المنطق يقول إنّه حتّى لو أساء الضحيّة التصرّف فإنّ على الحكماء أن يتبصّروا - إن أرادوا إحقاق الحق - في سبب هذا التصرف، لا التوجّه لمعاقبة الضحيّة والسكوت عمّن تسبب في خروجه عن المنطق والقانون ..
فالإقصاء الّذي تمارسه الصحف والعنف اللفظي والتهييج والتحريض الّذي يكتبه كتابها تجاه أهل الشريعة، كلّ هذا لم يره المسؤول بينما جحظت عيناه لبضعة مقالات أو فتاوى كانت مجرد ردّ فعل على ذلك الإجرام الذي مورس ضدّ المتديّنين ومؤسّساتهم.
وآخر مثال ما يرمي به كثير من الناس أهل السنة بالتشغيب وإثارة النعرات والنزاعات بين الطوائف وتفريق الصف الإسلامي حين يتكلمون بما أمرهم الله به من إنكار المنكر الفكري وتسمية أهل البدع والتحذير من باطلهم؛ فتجد كثيراً من الناس يغترّ بالدعاية الّتي يروّجها المبتدعة ضدّهم من أنّهم يفرقون الأمّة، ويميل إليهم بعض فقهاء الاستنارة الجدد مؤيّدين أو ساكتين سكوت إقرار ..
وهذا أيضاً جزء القصة الأخير، والقصة بدأت قبل ذلك حين أصرّ المبتدع أن يجاهر أو يدعو إليها بلسان حاله أو مقاله، سواء كان فرداً من فرقة مشهورة كالأشاعرة والمعتزلة أو الخوارج والمرجئة أو الشيعة أو غيرهم، أو كان رجلاً من أهل السنة لكنه اقترف مخالفة منهجية أو عقدية، فهو الذي فرق الأمّة حقيقة وليس من أنكر عليه، السلفيون الذين يتكلمون فيه ويحذّرون من بدعته يقومون بواجب شرعي، ألا وهو إنكار المنكر ..
ورحم الله أبا إسحاق الشاطبي الّذي نبّه لهذا الملحظ من قديم حين قال في الاعتصام (95ص): «إن فرقة النجاة وهم أهل السنة مأمورون بعداوة أهل البدع والتشريد بهم والتنكيل بمن انحاش إلى جهتهم ... وقد حذّر العلماء من مصاحبتهم ومجالستهم حسبما تقدم وذلك مظنة إلقاء العداوة والبغضاء، لكن الدرك فيها على من تسبب في الخوراج عن الجماعة بما أحدثه من اتباع غير سبيل المؤمنين لا على التعادي مطلقاً، كيف ونحن مأمورون بمعاداتهم وهم مأمورون بموالاتنا والرجوع إلى الجماعة؟» أ. هـ
وهذا من دقيق فقهه -رحمه الله- فالمبتدع هو الّذي أحدث الافتراق وليس من أنكر عليه، وعكس القضية هو تلاعب في سرد القصّة بالبتر أو الاجتزاء الذي يغيّر الحقائق ويصوّرها في صورة الباطل .. وهو ما نبّهنا إليه في لبّ المقال.(2/87)
اليهود وجريمة البحر
محمد صالح المنجد
18 جمادى الآخرة 1431هـ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين:
فمما يُدمي القلب، وتَدمع له العين، ما أصاب إخواننا شهداء النصرة ممن قامت بقلوبهم غيرة الإيمان والنخوة والمروءة، فهبوا لنصرة إخوانهم المظلومين ... ففاجأهم إخوانُ القردة والخنازير بهجوم مباغت في مشهد بشعٍ اختلطت فيها الدماء بالمياه.
1 - اليهود هم اليهود: أخبث الأمم طوية، وأرداهم سجية، وأبعدهم من الرحمة، وأقربهم من النقمة، امتلأت قلوبهم بالحسد والحقد، يرتكبون المجازر تلو المجازر، (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا).
وهذا الحدث من طبيعة النفس اليهودية الساعية للإفساد والقائمة بالإجرام، وقد فعلوا ما هو أكبر من ذلك، فهم قتلةُ الأنبياء، وسفكة الدماء، كذبوا على الله، وحرفوا كتبه، وأكلوا السحت، ونقضوا المواثيق والعهود.
2 - ليست بأولى جرائمهم: وقد أخبرنا سبحانه وتعالى بجملة من كبائرهم فقال: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ)، (وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا * وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ)، (وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا * وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ).
هذه بعض جرائم اليهود في القرآن، واليوم تلطخت أيديهم بدماء القتلى من مسلمين وغيرهم ممن جاء لنجدة المظلومين المحصورين.
3 - اليهود لا يراعون في أحد ذمةً ولا عهداً: ولا يخافون الله في خلقه، كما أخبرنا تعالى بقوله: (لَا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً)، وقال: (كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً).
وقد رأينا ذلك واضحاً في الوحشية اليهودية تجاه أناس عزَّل من بلدان مختلفة لا يملكون من أمرهم شيئاً، وهكذا اليهود (وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً).
4 - اليهود جبناء: ويتجلى خوفهم في تسترهم عن أي معلومات تتعلق بالقتلى أو الجرحى الذين تم نقلهم للمستشفيات.
5 - اليهود قوم بهت: زعموا كذباً وزورا وجود أسلحة في السفن المحملة بالمساعدات الغذائية، وتحججوا بأن ركاب السفينة قاوموا بالسلاح، لتبرير جريمتهم.
6 - (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ): وهذا واضح في استخدام الطائرات والسفن الحربية لمقاتلة أشخاص عزَّل.
7 - الاستهداف الإسرائيلي رسالة موجهة إلى المسلمين جميعاً: وفحوى الرسالة: حذار ثم حذار من محاولة التفكير في نصرة أهل غزة!!
8 - الأتراك المسلمون يعيدون إلى الأذهان الارتباط بين العثمانيين والأمة الإسلامية، ويوقظ في النفوس الحنين إلى الخلافة الإسلامية التي تحمي حمى المسلمين في كل أنحاء العالم.
9 - كان واضحا في هذه العملية القصد اليهودي في الانتقام من اليقظة الإسلامية التركية، فقد ساءهم ما يقوم به الأتراك من دور فعال في الدفاع عن حقوق المستضعفين من المسلمين.
10 - المسلمون كالجسد الواحد: فالخليط الإسلامي في السفن البحرية (متطوعون من تركيا، الكويت، الجزائر، لبنان، الأردن ... ) يعكس تضامن المسلمين مع إخوانهم المستضعفين مع تباعد الديار.(2/88)
11 - بدا واضحاً للعيان الفرق بين الجهود الفعلية التي يقوم بها أهل السنة من قارات العالم، وبين أصحاب الادعاءات الفارغة من أهل البدع الذين يقومون بالتمثيل والعويل وإلقاء الخطب الرنانة في التباكي على القدس، والمتاجرة بقضية فلسطين.
12 - (وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ): فالذين قتلوا في نصرة إخوانهم المسلمين شهداء خاطروا بأنفسهم لامداد إخوانهم.
13 - (دَعُوهَا فَإِنَّهَا مُنْتِنَةٌ): لا بد من الحذر من الأصابع الخفية من الذين يكتبون في الشبكة العالمية للتحريش بين الشعوب العربية والإسلامية في هذه الأزمة (ولَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ)، ويجب الكف عن الملاسنات وتبادل الاتهامات انطلاقا من العصبية البغيضة.
14 - الشجب والغضب مفيد، لكنه لا يكفي: فلا بد أن تكون ردة الفعل على قدر الحدث، فهناك دماء سفكت في البحر، ولا بد أن يأخذ الجاني جزاءه.
15 - (لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ): فمع فداحة الحدث إلا أننا ندعو للتفاؤل، وتلمس جوانب الخير في هذه المصيبة، ومن مظاهر الخير: تعاطف المسلمين من جاكرتا إلى طنجة مع إخوانهم في فلسطين، بالإضافة إلى تزايد الكره العالمي لليهود .. فدول تسحب سفراءها، وأخرى تلغي زيارات رسمية مقررة، وثالثة تستدعي سفراء اليهود احتجاجاً، ومؤتمرات هنا واجتماعات هناك، واحتجاجات واستنكارات.
16 - عدم اليأس من الدعاء: وقول البعض نحن ندعو من عشرات السنين، فماذا استفدنا .. يدل على انعدام الإيمان في القلب، وعدم معرفة قيمة الدعاء، فلقد أصيبت دولة اليهود بنكبات كثيرة، ومصائب بعض قادتهم فيها عبرة وعظة وما خبر شارون المجرم عنا ببعيد، (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ).
17 - (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ): تقول إحدى النساء: لقد صرخت تلك المرأة وا معتصماه، ونحن المسلمات اليوم لا نعرف لمن نصرخ.
ونقول: إننا نستنجد بالله عز وجل وحده، ونناشده الفرج.
18 - تذكير بحصار شعب أبي طالب: نتذكر في هذه الحادثة أن من نقض حصار شعب أبي طالب كانوا كفاراً، شعروا بالظلم الواقع على المسلمين، فتنادوا فيما بينهم لتمزيق وثيقة الحصار، فيوجد من عقلاء الكفار من يقيضهم الله للوقوف مع المسلمين والاحتجاج على اليهود، وتحدث لتحركاتهم فوائد ومنافع.
19 - قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت: فالناشط الإنجليزي "بيتر فينر" البالغ من العمر ثلاثة وستين عاماً يعلن إسلامه من على ظهر سفينة مرمرة إحدى سفن أسطول الحرية، ثبته الله وجعله ممن أسلم على ما سلف من خير.
20 - الوقف الإسلامي عبادة جليلة: ومن مظاهره وصوره الجديدة أن السفينة " بدر" المشاركة في الحملة تم شراؤها بصدقات المسلمين لتكون وقفاً على مهمات الإغاثة في الكوارث والنكبات.
نسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يكشف الغمة عن هذه الأمة، وأن يعز دينه ويعلي كلمته، وأن ينصر أولياءه، ويخذل أعداءه، ويجعل كيدهم في نحورهم، ويكفى المسلمين شرهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.(2/89)
الاختلاط بين الجنسين وظاهرتي السعار والشذوذ
إبراهيم بن عبد الله الأزرق
11 جمادى الآخرة 1431هـ
إذا قال بعضهم إن وضع إناء البنزين مفتح الجنبات مشقق الغطاء بقرب النار ليس سبباً طبيعياً للاشتعال، لاتهم الناس عقله أو رموه بالجهل الفاضح والمكابرة والإنكار لبعض مقتضيات الطبيعة، ومع ذلك يصر بعض منتسبي الثقافة والعقل! على أن خلط النساء بالرجال لا يقتضي إشاعة الفاحشة ولا استعار الشهوات! مع أن الميل بين الجنسين طبيعة أودعها الله سائر الثقلين وأنواع الحيوانات، وجعلها من القوة بمكان يناط به بقاء الأجناس الحيوانية والبشرية على ظهر البسيطة.
إن إنكار أثر الخلطة على تأجيج الشهوات جهل ومكابرة وجحد لطبائع النفوس! تدعو المنصفين لازدراء قول ذلك الجاحد المكابر للمعلوم بالحس!
لكن أقبح من هؤلاء الجهلة جهلة آخرون يزعمون أن الفصل بين الجنسين سبب لتأجيج الشهوات، والانحراف نحو الشذوذ، وربما تجرأ بعضهم فرما من استجاب لنداء الفطرة والعقل وطالب بالفصل بين الجنسين بسوء النية والقصد، وفساد الخواطر والقلب، وكل ذلك ضرب من الإرهاب الفكري المقيت، يُحصر فيه الناس بين خيارين؛ إما الاختلاط ولقائل أن يقول: الزنا، وإما الشذوذ، سبحان الله! ألا يرى هؤلاء إلاّ الجنسَ المحرم، مَثَلُهم كمثل من يقول: إما أن يأكل الناس مما لم يذكر اسم الله عليه، أو يأكلون لحم الخنزير. عجباً! وأين ذهب الحلال الطيب؟
ولك أن تعجب أيضاً من ذلك الشرف، وتلك العفة، التي يزعم امتلاكها من يبيح الاختلاط، ويتهم من ينادي بالفصل بسوء القصد! وأتساءل هل حقاً بلغت السذاجة بأناس مبلغاً يدفعهم لتصديق هذا الدّعي؟!
ثم هل يعلم القائلون بهذه الدعوى السمجة أن بالولايات المتحدة وحدها نحواً من خمسين مليون شاذ (1)!
وهل يعلم هؤلاء الأدعياء مَن الذين يحمون شذاذ الآفاق، مِنْ الذين انتكست فطرهم في الدول العربية والمسلمة؟ هل رأيتم شعباً مسلماً خرج في مظاهرة لحماية حقوق منتكسي الفطر والميول من أهل الشذوذ؟ اللهم لا؛ ولكنّا رأينا احتجاجات بمباني الأمم المتحدة في جنيف، وخارج المكتب الثقافي التابع للسفارة المصرية بواشنطن. وسمعنا بانتقدات جماعات حقوق الإنسان الدولية، لحادث قبض على بعض الشذاذ في أرض الكنانة أسفر عن إدانتهم ومحاكمتهم (2)!
_________
(1) مأخوذ عن مقال لمروي مشالي، في الأهرام العربي وقد يُظن أن هذه النسبة مبالغ فيها، ولكن الدراسات تفيد أن نسبة 10% من مجموع السكان شذاذ [عن مركز أبحاث الحرم الجامعي للشذوذ بجامعة يوتا بولاية سالت لاك الأمريكية]، بالإضافة إلى 8% عندهم شذوذ "مزدوجي الجنس"، وهذه النسبة تعادل (18%) من مجموع السكان، ووفقاً لتعداد عام 2003م، فإن عدد هؤلاء يصل إلى ما يربو على الثنتين وخمسين مليونا. ومع ذلك فهؤلاء قلة إذا ما قورنوا بإحصاءات أخرى أشارت إلى عدد الذين مروا بتجارب مقيتة حيناً من الدهر. ولعل من الحكمة الإعراض عن الإحالة على بعض منظمات الشذاذ والتي ربما اعتنت بتكثير إحصائياتهم، وأكتفي بالإحالة على موقع مركز جامعة يوتا، وقد كان رابطه حتى تاريخ كتابة هذه الأسطر:
http://www.sa.utah.edu/lgbt.
وكذلك راجع موقعة جامعة دايتن الكاثوليكية على الرابط:
http://ministry.udayton.edu/diverse/bglad_group.htm.
والتقرير التمهيدي لبرامج التجمع الوطني لمكافحة العنف National Coalition of Anti-Violence Programs.
(2) وقد نشرت قناة الجزيرة الإخبارية الخبر بتاريخ 29/ 8/2001، محاكمة 52 بتهمة الشذوذ، وخصصت الأهرام العربي "حياة الناس" لهذا الحدث، في عددها 231،السبت 25/ 8/2001.(2/90)
حتى قال محرر الأهرام العربي: "بعد أن رفع الشواذ الأمريكيون شعار الحرية الشخصية الذي تبناه خمسة وثلاثون من أعضاء الكونجرس في رسالة مسمومة إلى الرئيس مبارك يلوحون فيها بورقة المعونة الأمريكية للضغط على مصر بهدف إلغاء محاكمة المتهمين الـ 52 في قضية الشذوذ ومنح الحرية الكاملة لأي شاذ يمارس الجنس مع أشخاص بالغين من الجنس نفسه.
ولأن الحملة الأمريكية يقودها شاذ أمريكي يدعي "باري فرانك" عضو الكونجرس عن ولاية "ماستشوستس" ومعه "توم لانتس" المعروف بالمشاركة الدائمة والمنتظمة في أي حملة ضد مصر فقد جاء الرد سريعاً وفي نفس الاتجاه من أوروبا .. وبالتحديد من أمام السفارة المصرية في جنيفحيث وقف عشرات الشواذ يتظاهرون منددين بانتهاك الحكومة المصرية لحقوق الشواذ وحرمانهم من ممارستهم لحريتهم!! والمفارقة أن المظاهرة جاءت ضمن فعاليات المؤتمر العالمي للشواذ والسحاقيات الذي أقيم الأسبوع الماضي في العاصمة السويسرية.
ولم تسلم جمعيات حقوق الإنسان في مصر من الحرب الشرسة، إذ نالت مئات الهجمات العنيفة على مواقعها عبر الإنترنت بالإضافة إلي تهديدها بوقف التمويل مالم تنتفض لنجدة ونصرة الشواذ في مصر وتهيئ لهم أجواء الفجور والفسوق!! " (1).
" لقد أضاف الدستور البريطاني مادة جديدة تتيح للموظف المسئول، حرية الإعلان عن ميوله الجنسية، فكانت النتيجة أن أعلن أربعة وزراء عن ميولهم الشاذة، وسكت آخرون، فصادف أن وقف (توني بلير) -رئيس الوزراء البريطاني السابق- في أحد المؤتمرات الصحفية بعد إعلان أحد الوزراء عن ميوله الجنسية الشاذة، فلم يجد سوى أن يقول: تلك ميول شخصية لا تؤثر على كفاءته في العمل كوزير!
وعندما حاولت ملكة هولندا في السنوات الأخيرة الالتزام ببروتوكول القصر الملكي، فحرمت حوالي أربعة عشر سفيراً ودبلوماسياً هولندياً شاذاً -أعلنوا عن ميولهم في الملأ- من حضور حفلات ملكية، وجدت المتحدث الرسمي الأول لمجلس الدولة -الشاذ- يعرب عن اعتراضه على هذا الحرمان، وامتنع عن حضور المؤتمرات، التي تعقد في القصر لأنه لا يستطيع أن يصطحب صديقه!
ولست أدري أين وصلت فرنسا في قانون (باكس) للتضامن الاجتماعي، وأهم البنود المطروحة في مشروع القانون مسألة السماح لأي زيجة بين الشواذ تمنحهم الحقوق المدنية المكفولة للأزواج الطبيعيين مثل حقوق الميراث، والاحتفاظ بالممتلكات بعد وفاة أحد الطرفين. وهناك مشروع مماثل جار بحثه في بلجيكا بعد ضغوط من بعض المنظمات الدولية الكبرى التي ترعى هؤلاء الشواذ (2).
وقبل أمد ليس بالبعيد وقف أمام الملأ نائب الرئيس الأمريكي السابق "ديك تشيني" ليدافع في مقابلة تلفزيونة أجرتها معه " إم إس إن بي سي" عن حقوق ابنته الشاذة في حماية حياتها الخاصة، معرباً عن حبه الشديد لها، وقد كان ناشطون شذاذ دعوا ابنته "ماري" للتنديد بمقترح الرئيس جورج بوش من أجل تعديل الدستور لحظر الزواج من نفس الجنس (3)!
وفي تقرير للسي إن إن جاء ما نصه: " ... في الدنمارك على سبيل المثال، فإن قوانين الزيجات المدنية لكلا الجنسين موجودةمنذ عام 1989، فيما تبعت دول أخرى من الدول الاسكندينافية هذه التشريعات فيالتسعينات.
_________
(1) الأهرام العربي "حياة الناس"، في عددها 231،السبت 25/ 8/2001.
(2) الحوادثوالأرقام السابقة مستقاة من مقال بعنوان: ثقافة الشذوذ أحدث منتج أمريكي، لمروي مشالي، نشر في حياة الناس من الأهرام العربي يوم السبت 6 جمادى الآخرة، 1422 الموافق 25 أغسطس 2001العدد رقم 231.
(3) نقلاً عن جريدة المحايد في عددها رقم 81 بتاريخ 18/ 1/1425، الموافق 9/ 3/2004م.(2/91)
وكان الهولنديون أول الشعوب التي ألغت الحواجز بين الزيجات التي تربط بين رجلوامرأة والمثليين، وتبعتها لاحقاً بلجيكا.
وفي أمريكا الشمالية كانت كندا سباقة في مضمار العفن والرذيلة هذا عندما أعلنت في يونيو/حزيران عن خطط تتعلق بتشريع زواج المثليين، حيث شهدت لاحقاً مدينة أوتاوا قدومالعديد من المثليين إليها لعقد زواجهم.
كذلك فإن اللواط أو اشتهاء المماثل في دول إفريقية عدة يعتبر أمراً مخالفا للقوانين، فيما زواج المثليين يعتبر مسألة بعيدة كل البعد عن التفكير بها، لكن فيجنوب إفريقيا بدأت جماعات المثليين بالمطالبة بهذه الحقوق مؤخراً.
أما في اليابان فإنه لم يعد ينظر إلى اللواط أو السحاق كمرض نفسي، إلا أن العديدمن المثليين لا يزالون يعيشون تحت ضغوط اجتماعية، مع أن اليابان تعتبر أقل اكتراثاً بخطر هذه المسالك من معظم الدول الآسيوية.
أما الدول الكاثوليكية مثل إسبانيا وإيطاليا فإنها ترفض الاعتراف بحقوق المثليين، وذلك بعد الموقف الرافض من الفاتيكان لهذا الرباط، غير أن هناك استثناءاتمهمة.
ففي البرتغال وإقليم الباسك في إسبانيا، فإن الأزواج المثليين الذين يقيمون مع بعضهما البعض منذ أمد ليس بالقصير يحصلون من المعونات الاجتماعية مثل ما يحصل عليها الأزواج العاديون، وفي العاصمة الأرجنتينية بوينس أيريس فإن الأزواج المثليينيمكنهم التسجيل لعقد رباط مدني.
أما فرنسا وألمانيا فلديهما قوانين تشرع الرباط المدني، فيما بريطانيا بدأت الاستعدادات لتبني مثل هذه التشريعات" (1).
وهكذا يستشري الشذوذ في تلك المجتمعات التي لاترعى للاختلاط حرمة، ويتقدم ليقتحم الكنائس والبيع، وقد أثارت الصحف الأمريكية قبل حوالي ستة أشهر، نبأ انتخاب "جين روبنسون" أول أسقف شاذ للكنيسة الأسقفية البروتستانتية، التي تضم حوالي 3.2 مليون نصراني، ينتمون إلى الكنيسة الانجليكانية، يباركهم جميعاً هذا القس الشاذ (2)!
" ولن تعجب كثيراً إذا علمت أن اليهود كان لهم السبق في دعم مثل هذه التوجهات الشاذة في خطوة غير مسبوقة عندما صوت الحاخامات المنتمون لأكبر تجمع يهودي في الولايات المتحدة لصالح الاعتراف بزواج الشواذ وذلك في المؤتمر المركزي للحاخامات الأمريكيين التابع لحركة الإصلاح اليهودية حيث صرح رئيس المؤتمر [تشارلز كرولوف]:'إن من حق الشواذ الاعتراف بزواجهم واحترامهم'،ومنذ عام 1995، والحركة توافق على تعيين حاخامات مثليين" (3).
_________
(1) عن موقعها على الرابط التالي:
http://arabic.cnn.com/ 2004 /entertainment/ 3/5 /gay.unions/index.html
وفي موقع "السي إن إن" عدة قصص ذات علاقة ينظر مثلاً:
http://arabic.cnn.com/ 2004 /entertainment/ 3/4 /same_sex.marriage/index.html
http://arabic.cnn.com/ 2004 /entertainment/ 2/24 /california.marriage/index.html
http://arabic.cnn.com/2005/entertainment/2/21/ukgay.navy/index.html
http://arabic.cnn.com/2004/entertainment/2/18/marriage.san_francisco/index.html
http://arabic.cnn.com/2005/entertainment/5/30/gay.brazil/index.html
وفي الكلام تصرف يسير.
(2) انظر تقريراً عن هذا الحدث في "السي إن إن" يوم الأربعاء الموافق 6/أغسطس/2003، وقد كان يوم كتابة هذه الأسطر في موقعها على الرابط التالي:
http://www.cnn.com/2003/US/08/06/bishop.
(3) عن تقرير لمفكرة الإسلام بعنوان: حرية التردي وتقنين الفاحشة في الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان على الرابط التالي:
http://www.islammemo.cc/taqrer/one_news13.asp?IDnews=134.(2/92)
وعلى صعيد آخر ضرب آخر من الشذوذ تراه يستشري في تلك المجتمعات ألا وهو اقتراف الفاحشة مع المحارم وقد قال بعض باحثي تلك الأمم منذ قرابة الثلاثة عقود: "إن هذا الأمر لم يعد نادر الحدوث، وإنما هو لدرجة يصعب تصديقها، فهناك عائلة من كل عشر عائلات يمارس فيها هذا الشذوذ" (1).
"فهذههي الجاهلية الحديثة في أوروبا وفي أمريكا ينتشر فيها هذا الانحراف الجنسيالشاذانتشاراً ذريعاً. بغير ما مسوغ إلا الانحراف عن الاعتقاد الصحيح، وعن منهجالحياةالذي يقوم عليه.
وقد كانت هناك دعوى عريضة من الأجهزة التي يوجهها اليهود في الأرض لتدمير الحياةالإنسانيةلغير اليهود، بإشاعة الانحلال العقيدي والأخلاقي .. كانت هناك دعوى عريضة من هذه الأجهزة الموجهة بأن احتجابالمرأة هو الذي ينشر هذهالفاحشةالشاذة في المجتمعات! ولكن شهادة الواقع تخرق العيون. ففي أوروبا وأمريكا لم يبق ضابط واحد للاختلاط الجنسي الكامل بين كل ذكر وكل أنثى -كما في عالمالبهائم! وهذه الفاحشة الشاذة يرتفع معدلها بارتفاع الاختلاط ولا ينقص! ولايقتصرعلى الشذوذ بين الرجال؛ بل يتعداه إلى الشذوذ بين النساء. . ومن لا تخرقعينيههذه الشهادة فليقرأ: (السلوك الجنسي عند الرجال) و (السلوك الجنسي عند النساء) فيتقرير (كنزي) الأمريكي. . ولكن هذه الأجهزة الموجهة ما تزال تردد هذه الأكذوبة، وتسندها إلى حجاب المرأة. لتؤدي ما تريده بروتوكولات صهيون، ووصايا مؤتمراتالمبشرين! " (2).
إن من أعظم أسباب الشذوذ اضطراب الأسرة، وانشغالها عن رعاية بنيها، ولهذا كان من البدهي استشراء الشذوذ في الغرب الذي بات مصير الأسرة فيه مهدداً بالانقراض إثر الانحلال المتفشي. فعندما تهمل الأسرة أبناءها، تكون النتيجة المرتقبة انحرافهم بأشكال مختلفة، قد يمثل الشذوذ أحدها، خاصة عندما ينشأ الأولاد في أسر استرجلت فيها النساء، أو في مجتمع سُلب ذكوره الرجولة.
يقول صاحب الظلال: "إحدى وسائل الإسلام إلى إنشاء مجتمع نظيف هي الحيلولة دون هذه الاستثارة، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً وبقوته الطبيعية، دون استثارة مصطنعة، وتصريفه في موضعه المأمون النظيف. لقد شاع في وقت من الأوقات أن النظرة المباحة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والاطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة .. شاع أن كل هذا تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة، ووقاية من الكبت، ومن العقد النفسية، وتخفيف من حدة الضغط الجنسي، وما وراءه من اندفاع غير مأمون ... الخ.
شاع هذا على إثر انتشار بعض النظريات المادية القائمة على تجريد الإنسان من خصائصه التي تفرقه من الحيوان، والرجوع به إلى القاعدة الحيوانية الغارقة في الطين! -وبخاصة نظرية فرويد- ولكن هذا لم يكن سوى فروض نظرية، رأيت بعيني في أشد البلاد إباحية وتفلتاً من جميع القيود الاجتماعية والأخلاقية والدينية والإنسانية، ما يكذبها وينقضها من الأساس.
_________
(1) ينظر إلى كل أب غيور، للشيخ عبد الله علوان، ص39.
(2) في ظلال القرآن، تفسير سورة الأعراف، الدرس الرابع الآيات 80 - 84 لقطات من قصة لوط.(2/93)
نعم .. شاهدت في البلاد التي ليس فيها قيد واحد على الكشف الجسدي، والاختلاط الجنسي، بكل صوره وأشكاله، أن هذا كله لم ينته بتهذيب الدوافع الجنسية وترويضها. إنما انتهى إلى سعار مجنون لا يرتوي ولا يهدأ إلا ريثما يعود إلى الظمأ والاندفاع! وشاهدت الأمراض النفسية والعقد التي كان مفهوما أنها لا تنشأ إلا من الحرمان، وإلا من التلهف على الجنس الآخر المحجوب، شاهدتها بوفرة ومعها الشذوذ الجنسي بكل أنواعه. ثمرة مباشرة للاختلاط الكامل الذي لا يقيده قيد ولا يقف عند حد؛ وللصداقات بين الجنسين تلك التي يباح معها كل شيء! وللأجسام العارية في الطريق، وللحركات المثيرة والنظرات الجاهرة، واللفتات الموقظة. وليس هنا مجال التفصيل وعرض الحوادث والشواهد. مما يدل بوضوح على ضرورة إعادة النظر في تلك النظريات التي كذبها الواقع المشهود.
إنالميل الفطري بين الرجل والمرأة ميل عميق في التكوين الحيوي؛ لأن الله قدناطبه امتداد الحياة على هذه الأرض؛ وتحقيق الخلافة لهذا الإنسان فيها، فهو ميلدائميسكن فترة ثم يعود، وإثارته في كل حين تزيد من عرامته؛ وتدفع به إلى الإفضاءالماديللحصول على الراحة، فإذا لم يتم هذا تعبت الأعصاب المستثارة " (1).
وبعد ذلك كله فإننا لاننكر أن يكون الشذوذ ظاهرة ربما عرضت لنفر منبوذ -لا يراعي للاختلاط حرمة- في مجتمع عربي! أما دعاة الفصل والنأي عن أسباب الفتنة فهم أبعد الناس عنه وأسلمهم منه، لكن ما نستهجنه محاولات تسويغ الدعوة إلى الاختلاط بدعاوى سمجة، بالإضافة إلى تحليل أسباب ظاهرة الشذوذ في المجتمعات العربية تحليلاً سطحياً ساذجاً، يضحك به على البسطاء، ثم اقتراح عقار آخر يضاعف الداء، بهدمهم لتدابير الإسلام الإيجابية كحضه على الزواج، وترخيصه -كالأديان قبله- في الإماء، وأمره بالصيام، وهتكهم لتدابير الإسلام الوقائية، كالسُتُر الحائلة دون اختلاط الرجال بالنساء.
وأخيراً إذا كان إنكار نحو دوران الأرض حول الشمس مثلاً يعد عند بعض المثقفين جهلاً يستدعي منهم نوع ازدراء لقائله باسم العلم والعقل مع أن كثيراً منهم لايملك التدليل عليه لجهله! فإن إنكار بعض المثقفين لأثر الاختلاط بين الجنسين على تأجيج الشهوات والإصابة بداء السعار الجنسي أمر يدعو للاشمئزاز من تلك العقول، المنكرة للفطرة والشعور الإنساني والواقع المشاهد!
_________
(1) السابق، سورة النور:} قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم .. {الآيات.(2/94)
الضوابط الشرعية بين الثوري والمهدي
د. أحمد بن صالح الزهراني
10جمادى الآخرة1431هـ
لا يكاد يمرّ يوم دون أن يخرج صوت جديد يردّ على من يحرم الاختلاط، ويجلب علينا بخيله ورجله، ويحشد الأدلة والبراهين التي يرى أنّها ترد على من قال بتحريم الاختلاط في التعليم وأماكن العمل ونحوها بإطلاق، ويبدأ في سرد الضوابط والقيود الشرعية الّتي يمكن معها تشريع الاختلاط، ومثل ذلك القول بجواز قيادة المرأة للسيارة، ومثله السماح بوجود السينما، وغير ذلك حزمة المسائل المُستحدَثة.
أكثر ما يثير العجب في حال هؤلاء المتفقّهة هو الغرور المتناهي، فهل يظنّ هؤلاء أنّ كبار أهل العلم والديانة والعلم بالشريعة وفقه مصالحها ومفاسدها على غفلة وجهل بهذه الضوابط والقيود التي يستطيلون بها على غيرهم؟
دعوني أنقل لكم هذا الموقف:
لما استُخلف الخليفة المهدي بعث إلى أبي عبد الله سفيان الثوري الإمام المشهور، فلما دخل خلع المهدي خاتمه فرمى به إليه، فقال: يا أبا عبد الله، هذا خاتمي فاعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة، فأخذ الخاتم بيده، وقال: تأذن في الكلام يا أمير المؤمنين، قال: نعم، قال: أتكلّم على أنّي آمن؟ قال: نعم، قال: لا تبعث إليّ حتى آتيك، ولا تعطني شيئاً حتى أسألك، قال: فغضب من ذلك وهمّ به، فقال له كاتبه: أليس قد أمّنتَه يا أمير المؤمنين؟! قال: بلى، فلما خرج حفّ به أصحابه، فقالوا: ما منعك يا أبا عبد الله وقد أمرك أن تعمل في هذه الأمة بالكتاب والسنة؟ قال: فاستصغر عقولهم، ثم خرج هارباً إلى البصرة). أ. هـ
بطبيعة الحال أيّ واحد منّا قد يعجب لهذا الموقف من سفيان، الخليفة يفتح له المجال ليعمل بالكتاب والسنّة وهو يأبى ويمتنع؟ أيّ سلبيّة هذه؟ وهذا كان موضوع احتجاج من أصحاب سفيان عليه ..
لكن سفيان استصغر عقولهم؛ لأنّه يعلم أنّ الخليفة إنّما أراد أن يتخذ من وجود سفيان في بطانته حجّة على غيره من أهل العلم حين ينكرون عليه، وكان يعرف أنّ مخالطتهم تغيّر القلوب، فكان يقول: إن الرجل ليستعير من السلاطين الدابة والسرج أو اللجام فيتغيّر قلبه لهم.
قال ابن المبارك: قيل لسفيان الثوري: لو دخلتَ عليهم، قال: إني أخشى أن يسألني الله عن مقامي ما قلت فيه، قيل له: تقول وتتحفظ، قال: (تأمروني أن أسبح في البحر ولا تبتل ثيابي، ليس أخاف ضربهم، ولكني أخاف أن يميلوا علَيّ بدنياهم، ثم لا أرى سيئتهم سيئة).
نعم هذه هي الطّامة وهي ما نعاني منه اليوم: أنّ بعض فقهائنا ودعاتنا للأسف لم يعد يرى السيّئة سيّئة، وأصبح يتأوّل للسيئات بأقبح ما يكون من تأويل.
نعود لسفيان: لماذا لم يقتنع بدعوة الخليفة، سأله رجل عن ذلك فقال: لأي شيء تهرب من الرجل - أي الخليفة - والرجل يقول: لو جاء لخرجت معه إلى السوق فأمرنا ونهينا، فقال له سفيان: "يا ناعس! حتى يعمل بما يعلم فإذا عمل بما يعلم لم يسعنا إلاّ أن ننصَب فنعلّمه ما لا يعلم".أ. هـ
أي أنّه مفرط في كثير مما يعلم أنّه مخالف فيه للشريعة ويصرّ على مخالفته، فلو صدق في نيته استكمال تطبيق الكتاب والسنة لبدأ بما يعلمه، فعند ذلك يجب علينا أن ننصب ونتكلّف تعليمه ما يجب من الأحكام التي يجب تطبيقها على الناس.
عرف سفيان بنور البصيرة الّتي وهبه الله إيّاها أنّه من الخير للعالم الذي يحترم علمه، ويحترم مبادئه ألاّ يشارك في تزكية الباطل، ولو كان بالتضحية في المشاركة في شيء من الإصلاح.(2/95)
وهنا تتجلّى لنا ميزة يتميّز بها فقهاء السلف هو الفطنة والبصيرة في الدين، فإنّ الواحد منهم لشدّة تعلّقه بالله وتديّنه بدين الله وشدّة اقتفائه الأثر نوّر الله بصائرهم، وأمر آخر لا يقل عمّا مضى وهو تطلبهم الآخرة وشدّة احتقارهم للدنيا، سواء كانت منصباً أم مالاً، أم زوجة، أم غير ذلك من متاعها.
العبرة من قصة سفيان:
كثيراً ما نسمع اليوم مطالبات من هنا وهناك بأمور تدخل تحت ما حُرّم لأنّه ذريعة للحرام، وأصبحنا نرى تسارع بعض المتفقّهة في تلقّي ما يُلقى إليهم من مطالبات تستظهر الحق وتستبطن الباطل، ويخرج علينا كثير منهم وقد تمّ تلميعهم وتزويقهم ليحتجّوا بظواهر النصوص وعموماتها منزوعة من سياقاتها وسباقاتها على بعض ما يسمّونه حقوقاً، وأكثرها سوءاً وخبثاً ما تم طيّه تحت عنوان حقوق المرأة ..
لا ينكر عاقل أنّ المرأة مثلها مثل كل ضعيف تُنتهك حقوقها، وأهل الشريعة هم أوّل من يقف في صفها وصف كل ضعيف مادام المطلب شرعياً لصيقاً بضرورات الحياة وحاجاتها دون أن يكون معبراً للتغريب، وجسراً للعلمنة، وأداة لأهل المنكر.
(الضوابط الشرعية) .. هذه العبارة اعتدنا سماعها عند الحديث عن قيادة المرأة للسيارة ووجود المسرح والسينما والاختلاط -وهو حديث الساعة - يردّدها المتفقهة والسياسيون والمثقفون، بل إنّ من ابتذالها أن يحتجّ بها الليبراليون، وهم أكثر الناس كفراً بها، وتمرّداً عليها ..
وكلّ فقيه حقيقي نوّر الله بصيرته وألقى عن عينه غشاوة الدنيا، أو غفلة الصالحين وإفراطهم في إحسان الظنّ يعرف أنّ الضوابط الشرعية على الرغم من كثرة من يدافع عنها، ويطالب بتطبيقها من أكثر الضوابط انتهاكاً بلا رادع ..
نحن نعيش في حياتنا حالات كثيرة لا يُراعى فيها ضوابط القانون، ولا النظام، ولا الشرع، وفي أمور في غاية اليسر وفيها أصول مسطورة وقواعد مقدورة، ومع هذا فلا راعي لها.
خُذ على سبيل المثال الضوابط الشرعية في نظام المواد الإعلامية، فإنّك إذا تتبعتها وجدت غالبها في حكم المهجور أو الملغى ..
فعندما يغترّ بعض المتحدثين عن حقيقة ما يُراد تمريره تحت عباءة الضوابط الشرعية فهو بعيد جداً عن حكمة وحنكة فقهاء السلف الذين لم يكونوا يغترون بالكلام والشعارات ..
لا ينبغي للعالم والفقيه والداعية أن يجعل من جاهه وصِيته عند الناس وسيلة لتزكية مشاريع التغريب وتسليسها وتليينها لتمر بلا نكير حتى تصبح واقعاً يصعب الانفكاك منه.
الموقف الصحيح عند معايشة واقع مثل واقعنا أن نترك التغريب والتغيير عارياً مفضوح النزعة والدوافع والأهداف؛ لأنّ ذلك أجدر وأحرى أن يُغيّر ..
أمّا إذا حاول الفقيه المشاركة فيما هو أكبر منه فإنّه لن يمكنه أكثر من يكون بطاقة مرور للمشروع وشهادة تزكية مزوّرة.
عندما قال ميمون بن مهران - وغيره من السلف-: ثلاث لا تبلون نفسك بهن وذكر منها: (لا تدخل على السلطان وإن قلتَ آمرُه بطاعة الله) لم يكن غافلاً عن فقه المقاصد وفقه المفاسد والمصالح، كما يظن بعضنا أنّه يتقن هذا الفن أكثر منهم، ولهذا لم يختلفوا في القرب من عمر بن عبد العزيز؛ لأنّهم يعرفون منه الصدق في تطبيق الكتاب والسنة، لا الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعض، كما يفعل بعض أهل السياسة في عصورنا هذه، ومن الحماقة أنّ يظنّ شخص أنّهم أكثر قرباً إلى الله ورسوله، وأكثر رغبة في تطبيق الشريعة من خلفاء بني أمية.
وعوداً على بدء فإنّ توظيف الضوابط الشرعية في الاستدلال لجواز هذه المطالبات هو كلام لا معنى له؛ إذ نظرة واحدة فيما حولنا ندرك أنّ كثيراً من الأمور تسير في حياتنا دون اهتمام ولا مراعاة للضوابط الشرعية، فكيف يمكن لعاقل أن يصدق واقعية أو حقيقة التعهّد بمراعاة الضوابط الشرعية في قيادة المرأة أو السينما أو الاختلاط البريء أو غير ذلك من شعارات أهل الباطل لمرحلة جديدة وخطيرة تمر بها بلادنا؟
مرحلة إن لم نتنبّه لها ونعي خطورة المشروع التغريبي الذي يُبنى فيها، ويُؤسّس له على أرضنا، وندرك أبعاده فستكون نقلة كبيرة واسعة تزيد من عرض البرزخ الذي يفصلنا عن الكتاب والسنة.
والله المستعان.(2/96)
عصر دبلجة الواقع
إبراهيم بن عمر السكران
9 جمادى الآخرة 1431هـ
الحمدلله وبعد،،
تستحق هذه المرحلة التي نعيش فيها أن تسمى حقبة (دبلجة الواقع) .. فكتابات الطوائف الفكرية المعاصرة اليوم هي أشبه باستديو فكري يحترف التصوير المضلّل أكثر من كونه خطاب نزيه يختلف معك في التقييم لكنه أمين في نقل الواقع كما هو .. ولذلك فالصور التي ترسمها الطوائف الفكرية عن الواقع الإسلامي كلها -تقريباً- صورٌ قد تمت معالجتها بالفوتوشوب الفكري .. وتدهشني للغاية قدرات الخداع التصويري الذي تمتهنه هذه الطوائف الفكرية في مقالاتها الصحفية وحواراتها الفضائية.
دعونا نقف سوياً على نماذج طريفة من هذه الفبركات التي أنتجتها استديوهات الفكر العربي والمحلي المعاصر:
- تحدثنا الطوائف الفكرية كثيراً عن أن الفتوى المحلية عندنا لديها مغالاة في (سد الذرائع) وأن مشايخنا يسدون كل ذريعة، وأنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع، وبعضهم يقول: كل ذريعة تتصل بالمرأة فإن الفتوى المحلية تبادر لسدها وتحريمها، فهل هذا التصوير صحيح؟
عدت لواقع الفتوى المحلية فوجدت الذرائع التي فتحها مشايخنا أضعاف أضعاف الذرائع التي سدوها، فكل ذريعة لم تتحقق فيها شروط سد الذريعة فتحوها، خذ فقط بعض الأمثلة:
السفر لبلاد الكفار لعلم أو تجارة فيه ذريعة إلى التأثر بالكفار والنظر المحرم وغير ذلك، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا لأنه عارضته مصلحة راجحة. إدخال الانترنت إلى المنزل فيه ذريعة إلى دخول المواقع الفاسدة، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة. ركوب الطالبات في حافلة يقودها رجل فيه ذريعة لفتنته بهن، ومع ذلك لم يحرمه مشايخنا للمصلحة الراجحة، وهكذا أيضاً: اتصال النساء بالبرامج الفضائية والإذاعية للسؤال والاستشارة بأصواتهن علناً فيه ذريعة إلى الفتنة، اتصال العوائل بمطاعم التوصيل السريع وتوصيف البيت لهم وإيصال الطلبات فيه ذريعة للفتنة، ويوجد في كثير من المشاغل النسائية غرف لتبديل الملابس وفيها ذرائع كبيرة لأن يستغلها بعض ضعاف النفوس ولكن مشايخنا لم يجزموا بالتحريم لأنه لم يتبين لهم إلى الآن كثرة إفضائها إلى المفسدة.
ومن الأمثلة العامة أيضاً: السهر في الولائم فيه ذريعة قوية للنوم عن فريضة صلاة الفجر، تأجير الناس الاستراحات وفيها ذريعة لأن يستخدمها بعض المستأجرين في اجتماعات غير مقبولة شرعاً، شراء السيارة للمراهق وفيها ذريعة لأن يستعملها في أغراض مضرة، الخ الخ.
وكل هذه الذرائع السابقة لم يحرمها أهل العلم عندنا، وهكذا لو تتبعت احتمالات الذرائع في تصرفات الناس فإنك لن تنتهي، ومع ذلك فإن فقهاءنا الشرعيين لم يحرموا إلا نزراً يسيراً من الذرائع التي تحققت فيها شروط سد الذريعة، وأما هذه الذرائع التي لاتخلو منها تصرفات الناس وأحوالهم الاجتماعية فإنهم لم يسدوها إما لندرة إفضائها إلى المفسدة، أو لأنه عارضتها مصلحة شرعية راجحة، أو ترتب عليها مشقة على الناس تفوق مايتخوف فيها من الفساد، كما قال ابوالعباس ابن تيمية وهو من أشهر الفقهاء الذين احتفو بقاعدة سد الذرائع (الذريعة إلى الفساد يجب سدها؛ إذا لم يعارضها مصلحة راجحة) [الفتاوى 15/ 419](2/97)
وأنت إذا تأملت فتاوى أهل العلم عندنا وجدتهم في غاية التوازن في قاعدة سد الذرائع، وصدق الحرص على تحقيق مصالح الناس الدينية والدنيوية، فإذا ترجح وقوع المفسدة ولم يعارضها مصلحة راجحة منعوا، وإذا كان الإفضاء إلى المفسدة نادراً، أو كان كثيراً لكن عارضته مصلحة راجحة لم يسدو الذريعة بل فتحوها، فكيف يقال: أنهم يسدون كل ذريعة، أو أن لديهم مغالاة في سد الذريعة، أو أنهم لايعرفون قاعدة فتح الذرائع؟ أظن من يقول ذلك لديه تساهل في سد الذريعة ولذلك يتبرم بمنهج المتوازنين.
حسناً .. لنواصل أمثلة أخرى من فبركات الطوائف الفكرية:
- تحدثنا الطوائف الفكرية بكثرة عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف أشغلوا الناس بمسائل جزئية وصارت حياة الناس كلها نقاش في فتاوى فقهية وتدقيقات عقدية، وهذا بالتالي أبعدنا عن النهضة والحضارة، لما سمعت الطوائف الفكرية تكرر هذا الكلام قلت في نفسي: الله يهدي الدعاة محتمل أنهم أشغلوا الناس فعلاً؟ وصرت مهتماً برصد نمط الحديث في مجالس الناس، فما رأيت هذا الذي يقولونه، ولا رأيت مسائل عقدية ولا فقهية أشغلت مجالس الناس.
بل رأيت مجالس الناس مشغولة بأخبار القرارات الحكومية، وأسعار العقار، والتشكي من سوء الخدمات البلدية والصحية، وإشاعات الصندوق العقاري، والتحليلات الرياضية، ومزاين الابل، وشاعر المليون، والمسلسلات التركية، والأحداث المحلية مثل أمطار جدة والرياض، والأحداث السياسية كالحوثيين وقراصنة الصومال والانتخابات الأمريكية، وألعاب البلايستيشن وأخواتها، بالإضافة إلى غرائب وعجائب من القصص تبدأ بقولهم (يقولون .. ) الخ الخ
فلا أدري أين هذه المسائل العقدية والفقهية التي أشغلت الناس؟!
ولما رأيت حمية الطوائف الفكرية لوقت الأمة وحرقتهم على الزمن قلت في نفسي ربما أن هؤلاء المنتسبين للفكر والثقافة مشغولون بمعالي الأمور فعلاً، فلما ذهبت لمواقعهم التي يكتبون فيها على الشبكة رأيت أحاديثهم: توصيات متبادلة بأفلام سينمائية، ومشاهداتهم السياحية، ومقاطع يوتيوب طريفة، وتتبع تفصيلي لأحداث سياسية خارجية لا ناقة لهم فيها ولاجمل ..
افترض أن العلماء والدعاة أشغلوا الناس بالمسائل الشرعية فوالله إن ذلك خير من إشتغالكم بأخبار الأفلام السينمائية وتحليلاتكم السياسية التي لا ثمرة لها! لست أدري أين تلك الغيرة الاستثنائية على الوقت التي تصيبكم حين الحديث عن العلماء والدعاة؟!
- وتحدثنا الطوائف الفكرية أيضاً أن الخطاب الشرعي لأهل السنة هو المسؤول عن تخلف العلوم المدنية، فلما ذهبت للخطاب الشرعي وجدت العلماء يقولون إن العلوم المدنية التي تحتاجها الأمة (فرض كفاية) إن قام بها من يكفي وإلا أثم الجميع، ووجدت في تراجم الفقهاء من جمع إلى تخصصه الفقهي دراسة الطب، أو دراسة الهيئة والفلك، ونحو ذلك، بل لما نظرت في دعاتنا المعاصرين وجدت الكثير منهم جمع لتخصصه الدعوي تخصصاً مدنياً فالشيخ الداعية محمد المنجد متخرج من جامعة البترول، والشيخ د. خالد الجبير طبيب (استشاري أمراض القلب)، والشيخ الداعية عبدالمحسن الأحمد طبيب (وحدة التنفس الحرجة) وغيرهم، بل إن أكثر المناشط الطلابية الإسلامية فعالية وحراكاً توجد في كليات العلوم الطبيعية في جامعة الملك سعود وجامعة البترول، الخ(2/98)
بل إن المفكر الفرانكفوني المتطرف محمد أركون اضطر للاعتراف بإقبال الإسلاميين على كليات العلوم الطبيعية حيث يقول عن الإسلاميين: (نلاحظ مثلاً أن دارسي العلوم الفيزيائية والرياضية والطبية وغيرها ينخرطون في صفوف هذه التيارات -أي الإسلامية- أكثر بكثير من المختصين بعلوم الإنسان والمجتمع، وقد عرفنا أثناء المعارك والاشتباكات التي جرت في جامعات تونس والجزائر والقاهرة الخ أن المتعصبين والمتزمتين ينتمون بشكل خاص إلى كليات العلوم، إنها ظاهرة تستحق التأمل والتفكير) [تاريخية الفكر العربي، أركون، 26].
كم أشعر بالأسى إلى أولئك الذين جعلوا مشروعهم هدم الخطاب الشرعي لأهل السنة بزعم أنه يتعارض مع العلوم المدنية، برغم أن الإسلاميين أسبق من غيرهم في هذا المضمار، ولكنهم يضعون المدنية الدنيوية في منزلتها التي أنزلها إياها القرآن، مجرد وسيلة لتحقيق المطالب الشرعية، ولايجعلونها هي معيار التقدم والحضارة، وإنما معيار التقدم والحضارة موافقة أولويات القرآن.
قبل أن نستطرد لحديث آخر .. دعونا نكمل نماذج أخرى من مغالطات الطوائف الفكرية:
- تحدثنا الطوائف الفكرية كذلك عن أن أهل السنة والمتبعين لمنهج السلف لايقبلون بالخلاف في مسائل الاجتهاد، ولا يرعون حق المخالف في المسائل الاجتهادية، وأن من لم يوافقهم على كل صغيرة وكبيرة فإنه سيتعرض لسلسلة مضايقات وتسلط، وأن فقه أهل السنة المعاصر يقوم على التنميط الكامل في كل المسائل ولا يرحب بالتفكير والاجتهاد، ويستعملون في توصيف هذا الواقع مصطلحات مثل أدلجة وقولبة وتنميط الخ، وبعد أن يصورون هذا الواقع الإسلامي بهذا الشكل يبدؤون في نقل نصوص بعض أئمة السلف في تفهم الخلاف في المسائل الاجتهادية .. الحقيقة أن القارئ لهذه الطوائف الفكرية لا يكاد يفكر بفحص هذه الدعوى، بسبب كثرة طرقهم لها بشكل مكثف ومستمر وبصيغ متنوعة ..
وقفت مرة مع نفسي وقلت لماذا لا أختبر صحة هذه الدعوى؟ لماذا نستسلم لهذا الطوائف الفكرية؟ لماذا تخلب ألبابنا جاذبية الأضواء السينمائية الفكرية التي يستعملونها في خطابهم فتغيب عقولنا عن تحليل صحة الدعاوى التي يطلقونها؟
وضعت هذه الصورة التي تنقلها الطوائف الفكرية جانباً، وعدت للخطاب الشرعي لأهل السنة أتأمل موقفه من الخلاف في المسائل الاجتهادية، فلما قلبت بحوث الفقهاء وطلبة العلم الشرعي وجدتهم لا تكاد توجد مسألة من مسائل الاجتهاد في الفقه الإسلامي المقارن إلا وقد اختلفوا فيها، وتناقشوا وتباحثوا ورجح كل واحد منهم ما رآه بنفوس ملؤها الحب والأخوة،
خذ مثلاً بعض أمثلة هذه المسائل:
التسمية عند الوضوء، بداية احتساب مدة المسح على الخفين، نجاسة الدم، الطهارة للطواف، الطهارة لمس المصحف، ومن طهرت قبل خروج أحد فرضي الجمع هل تصليهما جميعاً أم الأخير منهما؟، نهاية وقت العشاء بمنتصف الليل أم بدخول الفجر، المفاضلة بين الأذان والإمامة، وسجود السهو قبل السلام أو بعده، مسألة قصر المسافر إذا أقام إقامة مؤقتة، زكاة الحلي .. الخ هذه نماذج لمسائل تراثية، أما مسائل النوازل المعاصرة التي اختلف فيها فقهاء أهل السنة والمتبعون لمنهج السلف بكل رحابة صدر فهي - أيضاً- كثيرة ومنها:(2/99)
بدل الخلو، هل الشيك قبض؟، بيع الاسم التجاري، الموت الدماغي، تعذر الحصول على تصريح للحج هل يستقر الوجوب في ذمته فيحج عنه من تركته؟، استعمال المنظفات المعطرة للمحرم، لبس الكمامات للمحرم، تعذر المبيت بمنى ليالي التشريق، حكم استثمار أموال الزكاة من قبل المؤسسات الخيرية، زكاة مكافأة نهاية الخدمة، زكاة الحقوق المعنوية، ومن مفطرات الصيام التي اختلف فيها الفقهاء المعصرون: التبرع بالدم، بخاخ الربو، أقراص الأدوية أسفل اللسان، منظار المعدة، قطرة الأنف وقطرة العين، تخدير المريض باستنشاق الغاز، الحقن المغذية والعلاجية، السفر بالطائرة بعد غروب الشمس بحيث تظهر له مرة أخرى فهل يمسك الصائم أم لا؟ الخ
وما مضى هي مجرد نماذج لآلاف المسائل الشرعية التي يختلف فيها طلبة العلم الشرعي عندنا أخذاً ورداً ونقاشاً واستدلالاً واعتراضاً، ومع ذلك لا ينكر فيها على المخالف، بل بقيت بينهم أخلاق الأخوة والعلم، فكيف يفتري هؤلاء على أهل السنة ومتبعي منهج السلف أنهم لايقبلون الخلاف في المسائل الاجتهادية؟!
بل لقد حضرت في الرياض -عمرها الله بطاعته- عدة ندوات فقهية أقامها الناشطون الفقهيون حول البطاقات الإئتمانية ومسائل زكاة الصناديق الاستثمارية ونحوها من مسائل المعاملات المالية، وفي كل هذه الندوات -بلا استثناء- كان الفقهاء الشباب يختلفون ويتناقشون مع كل احترام وتفهم وتآخي، ولايخرجون من ندوة إلا لموعد ندوة أخرى.
بل وفي شهر محرم من هذا العام عقدت في الرياض ندوة حول مسائل الأسهم وألقى فيها فضيلة الشيخ الفقيه ابوسعد عبدالعزيز الدغيثر ورقة بعنوان (التعويض في سوق الأسهم) وفي مراسلة بيني وبينه قال لي بالحرف الواحد: (والعجيب أن الحضور وصلوا إلى آراء وقناعات تساوي عددهم، فلم يكد يتفق اثنان في مسألة).
وأرجوك أن تلاحظ أن هذه السعة في الاختلاف في الاجتهاديات بين طلبة العلم كلها إلى الآن في مسائل الفقه، أما لو انتقلنا لتصحيح الأحاديث وتضعيفها فسنشهد مظهراً آخر للتسامح في الاجتهاديات، فقد اختلف المشتغلون بالحديث من المعاصرين في تصحيح وتضعيف مئين من الأحاديث، ومع ذلك بقي هذا الاختلاف في دائرة التسامح والحب دام أنه لم يصل لتصحيح شديد الضعف، أو العدوان على أحاديث الصحيحين.
أغلقت بحوث طلبة العلم، وأوقفت ذاكرتي عن استحضار واقع الندوات الفقهية، وأدرت برامج الفتاوى التي يتصدر لها بعض طلبة العلم المعروفين بحسن الفتيا، فشهدت مظهراً آخر للاختلاف في المسائل الاجتهادية، بل لاتكاد تجد مسألة اجتهادية يفتي فيها شيخ معين إلا ووجدت شيخاً آخر يفتي بخلافه.
بل من الطريف أنني رأيت الناس كثيري التبرم باختلاف شيوخنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ويسرُّ إليك كثير من الناس بأنه يقع في الحيرة بسبب اختلاف المشايخ في الفتيا في المسائل الاجتهادية، ومع كثرة اختلاف شيوخنا وطلبة العلم عندنا في الفتيا في المسائل الاجتهادية لم نرهم أقامو حرباً على بعضهم، ولا شنعوا على بعضهم في مثل هذه المسائل .. ومع ذلك تأتي هذه الطوائف الفكرية وتقول أنتم مؤدلجون تريدون الناس يوافقونكم في كل صغيرة وكبيرة، ولاتسمحون بالخلاف في المسائل الاجتهادية! يالله العجب ما أكذب هذه الطوائف الفكرية!
أنا شخصياً لا أجد أي تفسير لما تقوله هذه الطوائف الفكرية عن الخطاب الشرعي لأهل السنة إلا أنه "كذب" محض وشهوة افتراء تعيث بنفوسهم ونقمة على الإسلاميين وطلبة العلم والمتبعين لمنهج السلف تدفعهم لتشويههم بهذا الشكل.(2/100)
هل هذا يعني أنه ليس هناك أخطاء ولاهفوات في موضوع التسامح في المسائل الاجتهادية؟ لا، طبعاً، فهناك مواقف غير دقيقة ومن أشهرها حادثة كتاب الشيخ دبيان في القبضة، وهي التي يدندن حولها هؤلاء دوماً ويحولونها من حالة شاذة إلى قاعدة مطردة! وأي قارئ موضوعي سيعرف حتماً أن حادثة الشيخ دبيان هي الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فكيف يدع هؤلاء آلاف المسائل التي اتسعت صدور شيوخنا الكبار وشيوخنا الشباب لها، ويتعنتون دوماً في التعلق بحادثة الشيخ دبيان؟! مثل هؤلاء كمثل رجل رأى مهندساً بنى ألف منزل ووقعت منه هفوة في منزل واحد، فقال إن هذا المهندس يهدم المنازل! هل هذا إلا من الجور والظلم الفادح؟! بل والله هذا عين الكذب الفج ..
في ذهني الآن نماذج كثيرة لكذبات الطوائف الفكرية في تصوير الواقع الإسلامي بعامة، وواقع الخطاب الشرعي لأهل السنة بخاصة، لكنه لا يمكنني مواصلة المزيد فقد أطلت، وإنما يهمني هاهنا هدف واحد فقط، وأعتقد أنني لو حققت هذا الهدف فلا يسرني أن لي به حمر النعم، هذا الهدف بكل اختصار هو تنشيط جهاز الفحص لدى القارئ الذي وقع ضحية الطوائف الفكرية المناوئة لأهل السنة، وأن لايستسلم للمعطيات التي يقدمونها، فإذا سمعهم يتحدثون عن الواقع الإسلامي تحت لافتات (نقد الصحوة، نقد السلفية، الخ) فليتوقف عن الاسترسال، وليضع دعاواهم تحت الفحص، وصدقني أنه سيكتشف نماذج طريفة جداً من هوليوديات الطوائف الفكرية ..
والله أعلم(2/101)
المُفْتُون المَفْتُونُون
فهد العيبان
6 جمادى الآخرة 1431هـ
لقد ميّز الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم بالعلم والعلماء، فالعلماء هم ورثة الأنبياء، وهم الأمناء على دينه وشرعه، وحينما يُفتقد العلماء في الأمة أو يتطاول على مقامهم ومهنتهم أو تخرُس ألسنتهم عن أن يصدعوا بالحق، فإن الأمة حينها تهلك في مهاوي الضلال؛ لأنه سيقوم في الناس من يفتي في شرع الله بغير علم فيَضل ويُضل، كما قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسُئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا" أخرجه البخاري.
وإن أعظم مقام يقومه العلماء في الناس هو التوقيع عن رب العالمين بالحلال والحرام، وقد ارتضى الله سبحانه وتعالى هذا المقام الرفيع لنفسه، فقال: "وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ" (النساء: من الآية127)، وقال: "يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ" (النساء: من الآية176).
ثم تولاه رسل الله وأنبياؤه يبلغون عن رب العالمين شرعه وأحكامه ومراده، فقاموا بذلك أحسن قيام ثم ورّثوا هذا العلم لمن بعدهم من العلماء الربانيين، فقاموا في الناس مقام الأنبياء بالتبليغ عن رب العالمين، فكان لزاماً على من تولى هذا المقام أن يكون في المكان الرفيع من العلم والصدق والديانة.
يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: "لما كان التبليغ عن الله يعتمد العلمَ بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضيّ السيرة عدلاً في أقواله وأفعاله متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا يُنكر فضله ولا يُجهل قدره، وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات" اهـ.
إن هذا المقام الرفيع هابه أكابر العلماء من سلف هذه الأمة فكان أحدهم لا تمنعه شهرته وعلو شأنه بين الناس أن يقول: لا أدري حين يُسأل عما لا يعلم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم حين يُسأل المسألة فلا يجيب حتى يسأل جبريل.
إن سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم علموا علم اليقين أن الفتيا بغير علم كذبٌ على الله وافتراءٌ عليه، فهابوا ذلك وخافوا منه امتثالاً؛ لقول الله تعالى: "وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ" (النحل:116)، وقوله: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ" (الأعراف:33).
ولأجل ذلك تورع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أشد الورع عن أن يقولوا على الله بغير علم وهم خير من يبلغ عن الله بعد أنبيائه، فها هم الخلفاء الراشدون مع ما آتاهم الله من سعة العلم وطول الصحبة يجمعون خيار الصحابة وعلماءهم إذا وردت عليهم المسائل والمشكلات، بل إن بعضهم يدفع الفتوى عن نفسه إلى صاحبه لعله يكفيه إياها.
قال البراء رضي الله عنه: "لقد رأيت ثلاثمئة من أهل بدر ما منهم من أحد إلا وهو يحب أن يكفيه صاحبُه الفتوى".(2/102)
وقال ابن أبي ليلى: "أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يُسأل أحدهم المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول وما منهم من أحد يحدث بحديث أو يُسأل عن شيء إلا ودّ أنّ أخاه كفاه".
وقال عطاء بن السائب: "أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليسأل عن الشيء فيتكلم وإنه ليرعد".
وهكذا كان التابعون لهم بإحسان يعظمون شأن الفتيا والجرأة فيها ولهم في ذلك مواقف عظيمة:
- يقول نفيس بن الأشعث: "كان محمد بن سيرين إذا سئل عن شيء من فقه الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان".
- وقال داود: سألت الشعبي كيف كنتم تصنعون إذا سئلتم؟ قال: على الخبير وقعت كان إذا سئل الرجل قال لصاحبه أفتهم فلا يزال حتى يرجع إلى الأول.
- وقال الشعبي والحسن البصري: "إن أحدهم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر"
- وقال يحيى بن سعيد: كان سعيد بن المسيب لا يكاد يفتي فتيا ولا يقول شيئاً إلا قال: "اللهم سلمني وسلم مني".
- وسئل الشعبي عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل له: ألا تستحي من قول لا أدري وأنت فقيه العراق، فقال: لكن الملائكة لم تستح حين قالوا: "سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا" (البقرة: من الآية32).
- وسئل مالك عن مسألة، فقال: لا أدري. فقيل: هي مسألة خفيفة سهلة فغضب، وقال: "ليس في العلم شيء خفيف، أما سمعت قول الله تعالى: "إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً" (المزمل:5).
- وقال ابن المنكدر: "العالم بين الله وبين خلقه فلينظر كيف يدخل بينهم".
- وقال ابن عيينة: "أجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً".
- وقال مالك: "من أجاب في مسألة فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار كيف خلاصه ثم يجيب".
- وقال أبو حنيفة: "من تكلم في شيء من العلم وتقلده وهو يظن أن الله لا يسأل عنه كيف أفتيت في دين الله فقد سهلت عليه نفسه ودينه".
- وكان أبو الحسن القابسي ليس شيء أشد عليه من الفتوى، وإنه قال عشيةً من العشايا: "ما ابتلي أحد بما ابتليت به أفتيت في عشر مسائل".
- وسئل مالك عن اثنتين وعشرين مسألة فما أجاب إلا في اثنتين بعد أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
- وذكر الحافظ ابن عبد البر عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، وكان من الفقهاء أنه جاءه رجل فسأله عن شيء، فقال القاسم: لا أحسنه، فجعل الرجل يقول: إني دفعت إليك لا أعرف غيرك. فقال القاسم: لا تنظر إلى طول لحيتي وكثرة الناس حولي، والله ما أحسنه (أي: الجواب)، ثم قال القاسم رحمه الله: والله لأن يقطع لساني أحب إلي من أن أتكلم بما لا علم لي به.
هذا هو شأن الأئمة الربانيين الكبار الذين خافوا مقام ربهم واستعظموا الافتراء عليه والكذب على رسوله صلى الله عليه وسلم فأكثروا من قول: لا أدري، مع أنهم أحق الناس بالفتيا وبيان الحق، ولكنه الورع والديانة وتعظيم الله وتعظيم حرماته.
أما زماننا اليوم، فكما قال أحد العلماء: "عظم أمر الفتوى وخطرها وقلّ أهلها ومن يخاف إثمها، وأقدم عليها الحمقى والجهال، ورضوا فيها القيل والقال، واغتروا بالإمهال والإهمال".(2/103)
كم تعاني بلاد المسلمين عامة من جرأة ليس لها مثيل على دين الله، فمقام الفتوى الذي هو مقام الأنبياء ومقام ورثتهم من العلماء تجرأ عليه الكثير من الحمقى والسفهاء، والصغار والكبار ومن لا عقل له ومن اغتر بعقله ومن لا دين له ومن اغتر بعبادته، حتى بعض المفكرين والصحفيين والإعلاميين والأدباء والشعراء والأطباء حتى أصبح مقام الفتوى مهنة من لا مهنة له، بل للأسف حتى الفساق والسخفاء من المغنين والمغنيات والمهرجين والمهرجات تناقلت وسائل الإعلام فتاواهم وكذبهم على الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
فهل بعد هذا العبث من عبث بمقام الفتوى؟!
لقد عانت وتعاني أمة الإسلام من الحكم بغير ما أنزل الله وتضييع الحدود والتعدي على المحارم والأخلاق وإهدار الدماء وإزهاق الأرواح بغير حق كل ذلك وغيره كثير كان من أعظم أسبابه أن الذين استباحوا محارم الله وتعدوا حدوده كانوا قد استباحوا مقام العلماء الربانيين ومقام الفتوى، بل إنهم سفهوا العلماء وقدحوا فيهم وردوا عليهم فتاواهم ولم يأبهوا بها فانفرط بذلك عِقد الفتوى، وانفلت على إثره زمام الأمن والأخلاق والاقتصاد وضاقت على الناس معايشهم واختلط الحق بالباطل والحابل بالنابل حتى لم يعد للفتوى مقام يحترم، فأصبح كثير من العامة والخاصة لا يقيمون لفتوى العالم ولا للجهة العلمية وزناً، وأصبح لكل قناة إعلامية ولكل صحيفة سيارة مفتوها.
وكثر المبطلون المطبلون بغير علم ولا ورع حتى أصبحتَ تسمع وترى كثيراً من الناس وهو متحيرٌ لا يدري من يسأل ولا لمن يسمع في أمر دينه وفي الحلال والحرام.
وأصبحت سقطات العلماء وزلاتهم ديناً متبعاً، وأصبح تتبع الرخص ومتابعة المميعين لأوامر الشريعة الواضحة البينة موضةً وسبقاً إعلامياً تتسابق إليه وسائل الإعلام لتضرب أقوال العلماء بعضها ببعض حتى اختلطت الأمور على الناس، وتساهل البعض في محارم الله وحرماته، واستسهلوا الوقوع في المحرمات والتلبس بها بحجة أن فلاناً يقول كذا وفلاناً يبيح كذا.
إن هذا العبث الذي نشاهده اليوم في شأن الفتوى سوغ لكثير من الناس التساهل في أن يطلق لسانه بالفتوى وهو لا يشعر، فكم نسمع في مجالسنا من عوام الناس من يقول هذا حلال وهذا حرام، وما هذه الجرأة على الله وعلى دينه إلا لأن مقام الفتوى انتهك ولم يعد له حرمته كما كان في سلف الأمة.
إن هذا المقام الرفيع قد انتهكه أصناف من الناس يفترون على الله الكذب علموا أم لم يعلموا، ومن هذه الأصناف وأولها وأعظمها خطراً:
علماء السوء الذين لهم حظ من العلم لكن لا حظ لهم من الورع والدين والخوف من الله، فهم مفتون مفتونون غرتهم الدنيا، فنبذوا العلم وراء ظهورهم واشتروا به ثمناً قليلاً فشابهوا اليهود الذين بدلوا دين الله وكذبوا على الله وهم يعلمون، فزينوا للظالم ظلمه ولم يقوموا بما أوجب الله عليهم من قول الحق أو الكف عن قول الباطل فاغتر بهم العامة والخاصة، واختلت بسببهم معالم الشريعة وانحرفت بسببهم أفهام الناس، فهؤلاء وإن اغتر بهم بعض العامة وتزينوا بزيّ العلماء ولبسوا عمائمهم إلا أنهم ممقوتون عند الله متوعدون بالعذاب الأليم إن لم يتداركهم الله برحمته.
وصنف آخر من هؤلاء المفتين المفتونين هم بعض صغار طلاب العلم ممن أوتوا شبراً أو شبرين من العلم ولم يؤتوا إيماناً فتاهوا وأعجبتهم أنفسهم بسبب تقدير العامة لهم، فأعطوا لأنفسهم الحق في الفتيا، وتجرؤوا عليها شيئاً فشيئاً حتى أصبحت شهوة للنفس لا يستطيعون الفكاك عنها، والسبب في زيغانهم أنهم تعلموا العلم قبل الإيمان.(2/104)
يقول جندب بن عبد الله: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ونحن فتيان حزاورة فتعلمنا الإيمان قبل أن نتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيماناً" أخرجه ابن ماجه.
وصنف آخر من هؤلاء المتجرئين على الفتيا بعض الوعاظ والقصاص الذين يعظون الناس ويذكرونهم بالجنة والنار ويخوفونهم بالله فتجد بعضَ هؤلاء تغرّه نفسه ويقوده جهله إلى القول على الله بغير علم، ومن أسباب فتنته سؤال الجهلة له ظناً منهم أن كل من قام ليعظ الناس أو من تظهر عليه علامات التقوى والورع أنه أهل للفتيا فمع كثرة السائلين يستسهل الجواب ثم يستعذبه حتى يصبح ديدنه فيضل الناس بغير علم.
ومن هذه الأصناف التي جرأت على الفتيا بغير علم قومٌ غرتهم درجاتهم العلمية أو مكانتهم الأدبية والفكرية أو ثقافتهم العامة أو وظيفتهم الإعلامية والصحفية حتى خاضوا غمار الفتيا بقراءتهم لكتاب أو كتابين أو مسألة أو مسألتين، وأخذوا يدندنون ببعض الكلام كحرية الفكر ولا كهنوت في الإسلام وما أشبه ذلك فسولت لهم أنفسهم أحقيتهم في أن يفتوا في دين الله، وأن يبينوا للعامة قضايا الحلال والحرام عبر وسائل الإعلام متجاوزين بذلك حدود الله ومتجاوزين كذلك قضية التخصص التي لطالما قدسوها وليتهم عملوا بها.
إنك لتعجب من بعض الصحفيين والمفكرين في بعض وسائل الإعلام، ما من قضية من قضايا العلم إلا وخاض غمارها، فمرة تجده فقيهاً، ومرة مفسراً، ومرة طبيباً، ومرة محللاً سياسياً أو اقتصادياً، ومرة عالم ذرة، ثم ما إن يسمع بعالم من علماء المسلمين أو فقيهاً من فقهائهم تكلم في السياسة أو في بعض القضايا الاقتصادية إلا ويصب جام غضبه عليه ويسفهه ويدعوه إلى ألا يتجاوز تخصصه، وكأنه يقول بلسان حاله: كل العلوم يجب أن يحترم جنابها فلا يخوض فيها إلا أهلها إلا علم الكتاب والسنة فحماه مستباح لكل أحد، ثم إنك لتعجب مرة أخرى من هؤلاء حين يعيبون على الشباب الأغرار الذين تجرؤوا على الفتيا بالتكفير والتفجير، وتركوا الرجوع لأهل العلم ثم هم يمارسون نفس الدور بالجرأة على الفتيا وعدم الرجوع للعلماء، بل ويصمون علماءنا بالجمود والانغلاق والرجعية.
وصنف آخر من هؤلاء الذين تجرؤوا على مقام الفتوى هم المنافقون العلمانيون الذين لا يرون للإسلام ولا لشريعة رب العالمين حقاً في أن تحكم الناس في جميع شؤون حياتهم، ثم هم مع ذلك حين يكون الحق موافقاً للهوى، يأتيك الواحد منهم مذعناً متبجحاً فيفتي الناس بفتوى توافق ما في نفسه ثم يشنع، بل ويرد على العلماء المخالفين، وحين لا يجد ما يوافق هواه ينقلب على عقبيه ويسخر بشرائع الدين وأخلاقياته، فهم كما قال ربنا سبحانه عنهم وهو أعلم بهم: "وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" (النور:48 - 50).
وهذا الصنف من المنافقين لم يكتف بنقل فتاوى بعض أهل العلم التي توافق هواه بل تجرأ هو بنفسه على الخوض في كلام الله وكلام رسوله فيرد هذا الحديث ويحرف تلك الآية حتى خرج لنا بعضهم بفقه عجيب يستبيح به موالاة اليهود والنصارى ومحبتهم والخنوع لهم كما يستبيح للمرأة المسلمة خلع حجابها وأن تتبرج بزينتها وتخالط من تشاء، بل وتخلو بمن تشاء.(2/105)
وصنف آخر من هؤلاء المفتين المفتونين شباب دفعهم الحماس والحمية لدين الله على أن تجاوزوا مقام العلماء الربانيين، بل وتنقصوهم ورموهم بالتهم وأطلقوا ألسنتهم بالتكفير والتفسيق، بل واستباحة الدماء دونما تنبه لخطورة ما يقومون به، ثم إن أحدهم حينما تُعرض عليه بعض مسائل الطهارة والصلاة يتوقف عن الفتيا فيها تورعاً، فأي ورع هذا الذي يكفه عن القول في مسائل الطهارة بينما لا يكفه عن الخوض في مسائل الكفر والدماء.
إن الحماس والحمية للدين والغيرة على المحارم والجهاد في سبيل الله ليس مسوغاً لكل أحد أن يتجاوز مقام الفتيا، فيقول على الله بغير علم.
فكم في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من العباد والمجاهدين والغيارى على دين الله، ولكن لم نسمع لأحد منهم فتيا أو قولاً في مسألة من مسائل الدين، وما ذاك إلا لأنهم يعلمون مقام العلم والفتوى وخطورة القول على الله وعلى رسوله بغير علم.
كما أن هناك آداباً وواجبات لا بد للمستفتي أن يتحلى بها، ذكرها أهل العلم من أهم هذه الواجبات أن يحرص إذا نزلت به نازلة على سؤال أهل العلم المعروفين بالدين والورع العالمين بالكتاب والسنة، فإن الفتيا دين كما قال ابن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم.
وقال يزيد بن هارون: "إن العالم حجتك بينك وبين الله تعالى فانظر من تجعل حجتك بين يدي الله عز وجل ".
وعلى المستفتي أيضاً أن يحذر من الهوى في تتبع زلات العلماء أو رخصهم حسب شهوته وهواه أو أن يضرب أقوالهم بعضها ببعض.
كما على المستفتي أن يوقر العالم ويتأدب معه ويحسن السؤال والاستماع حال سؤاله وجوابه وأن يحفظ لسانه عن الوقيعة في العلماء إذا بدر منهم خطأ عن اجتهاد، وأن يدعوا لهم بالسداد
وختاما لنتأمل هذا الحديث العظيم، عَنْ عَلْقَمَةَ الليثي عَنْ بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ الْمُزَنِيِّ رضي الله عنه، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا عَلَيْهِ سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
قَالَ: فَكَانَ عَلْقَمَةُ يَقُولُ: كَمْ مِنْ كَلاَمٍ قَدْ مَنَعَنِيهِ حَدِيثُ بِلاَلِ بْنِ الْحَارِثِ. أخرجه مالك في الموطأ، وأحمد في المسند بسند صحيح.(2/106)
التوازن الفكري
د. محمد بن إبراهيم السعيدي
3 جمادى الأولى 1431هـ
1 من 6
مفهوم التوازن الفكري
حين شَرعْتُ في كتابة هذه المجموعة من المقالات كان تعريف التوازن عقبة تحول دون البدء في الكتابة, فالمصطلح جديد فيما يبدو لي في تراثنا الثقافي, والذين استخدموه مضافًا إلى الفكر لم يقصدوا به معنًى واحدًا, فمنهم مَن يستخدمه كوصف إيجابي لعملية التفكير التي تؤدي إلى نتائج صحيحة, فهو عنده مرادف تقريبًا لاستعمال المنطق في التفكير، وذلك عن طريق البحث عن مقدمات صحيحة للوصول إلى نتائج صحيحة, ومنهم مَن يريد بهذا المصطلح المعطيات العلمية التي تُبنَى عليها الأفكار الصحيحة, ومنهم من يريد به الفكر المتوسط بين طرفي النقيض أو بين الإفراط والتفريط، فهو عند هؤلاء مرادف للوسطية, ومنهم من يعني بالتوازن الفكري: الفكر الذي هو عليه فأفكاره متوازنة وأفكار غيره مختلة, وهؤلاء طائفة غير قليلة ليس في فكرنا العربي المعاصر وحسب، بل في الفكر والرأي العام العالميَّيْن.
أما ما أعنيه هنا أي في هذه المقالات بالتوازن, وأرجو أن أوفق في الكتابة عنه فهو الابتناء على المعطيات الصحيحة في نظري لتكوين الأفكار, والاتزان لا يعني صواب الفكرة, بل صواب طريقة التفكير؛ فإن من مفارقات الفكر: أن سلوك طريق واحدة فيه لا يؤدي بالضرورة إلى نتيجة واحدة, وقبل الاستغراق في هذا المعنى يحسن أن أبدأ في ذكر مفهومي للفكر، فإننا حين نستعرض كشافات الاصطلاحات العلمية القديمة نجد الناس بين عالِم ومتعلِّم وجاهل, وربما وجد في بعض الأوساط مصطلح المتكلم والفيلسوف, وفي العصر الحديث وُجِد مصطلحان ليس لهما وجود -حسب علمي- في تراثنا القديم، وهما الثقافة والفكر، ويأتي منهما: المثقف والمفكر, ويحار الناس كثيرًا في تحديد معناهما، ومن ثَم يحارون في مواضع إطلاقهما.
وحديثنا عن الفكر خاصة, فالذي يظهر لي أن أكثر مَن يتعاطى هذا المصطلح في ثقافتنا العربية المعاصرة يريدون به "التصور الإجمالي والتفصيلي لواقع ما من حيث كنهه وعوامل تكوينه ومآلاته وطرق تحسينه وعلاج آفاته".
وتقييد التصور بالإجمالي والتفصيلي ليشمل الإدراك بنوعَيْه عند المناطقة الذين يقسمون الإدراك إلى تصور وهو الإدراك المتجرد عن الحكم, وتصديق وهو الإدراك المتضمن للحكم.
والواقع يشمل الواقع الديني والسياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي لمجتمع ما, فكلُّ تصوُّر لهذا الواقع في أي جزئية من جزئياته يعدُّ فكرًا, ولهذا يمكن القول: إن الفكر بهذا المفهوم مشاع بين الناس فكل إنسان لديه تصور لما يحيط به مما ذكرنا, لكن الناس يختلفون في مكانة تصوراتهم باختلاف درجاتهم من حيث حصولهم على المعلومة ونوعية تعلمهم وبصيرتهم, إلى غير ذلك من الفروق الفردية بينهم.
وهذا الفهم لمعنى الفكر يتوافق إلى حدٍّ كبير ومفهوم علماء النفس الاجتماعي للرأي العام, وعليه يمكن القول إن الفكر يساوي في كثير من مظاهِرِه ما يسميه علماء النفس الاجتماعي وخبراء الإعلام بالرأي العام, وإن كان ثمة فرق بين الأمرين فهو أن الرأي العام قد يتضمن قضية تفرض على المجتمع إعلاميًّا أو سياسيًّا، وليست في الحقيقة من صميم اهتماماته، وربما لا تكون ضمن الأمور المؤثرة في حياته العادية, لكن وسائل الإعلام قد يكون لها مصلحة في فرضها على المجتمع, وهذا ما يحاول قادة الفكر دائمًا النأي بالمجتمع عنه، وذلك كي لا تكون انفعالات الأمة خادمة لأصحاب المصالح الخاصة.(2/107)
وثمة فرق آخر بين الرأي العام والفكر, وهو: أن الأخير يُراد به تصورات نخبة معينة من المثقفين، أما الرأي العام فالكل يشارك في تكوينه، وهذا الفرق قد لا يكون دقيقًا, بل قد يكون غير مسلم به لأنه يحتاج إلى ضبط المراد بهؤلاء النخبة التي تستحق أن تستأثر بتسمية إنتاجها الذهني فكرًا, مع أن البشر بشكلٍ عام لديهم نزعة فطرية نحو الحق, بمعنى أن الجميع يريد الحق فيما يعرض له من قضايا, ولا فرق في ذلك بين النخبة وغيرهم, بل قد تكون النخبة أقل ميْلًا إلى الحق من عامة الناس, باعتبار أنهم أكثر تعرُّضًا للهوى الفكري والانتماء المدرسي من غيرهم, أما من سواهم فإن لديهم تسليمًا لا شعوريًَّا بأنهم لا يمتلكون أدوات معرفة الحق في القضايا المتعلقة بالتصورات التفصيلية للواقع، ومن ثَم الحكم من خلالها, وذلك لأن مصدر المعرفة المتفق عليه هو الحس أو ما يقوم مقامه, فلما كان الحسّ متعذِّرًا في الغالبية الساحقة من قضايا الحياة العامة إلا على أناس محدودين جدًّا, فإن الغالبية الساحقة يعطون ثقتهم لمن يتصورون أنه قد وصل إلى المعلومة بطريق الحس أو بأقرب الطرق إلى الحس, وأن هذا الموثوق صادق معه إما لملازمته لصفة الصدق أو لأنه صاحب مصلحة في الصدق, ولعل قول الله تعالى: (ولكن أكثر الناس لا يعلمون) يصدق هذه الفكرة، فالناس بشكل عام ليس لديهم أدوات العلم بمعنى القطع والتحقق مما يسعون إلى التحقق منه.
ولهذا نجد أن إقبال الناس على القيادات الفكرية إقبال طبعي، لا يحتاجون إلى مَن يدلهم عليه بل ربما صح القول بأنه فطرة, فالناس إذا لم يجدوا أمامهم مؤهلًا لقيادتهم فكريًّا صنعوا لهم قائدًا على مواصفاتهم الخاصة, ولعل هذا هو معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينزع العلم انتزاعًا من صدور الرجال، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبقَ عالم اتخذ الناس رؤساء جهالًا، فسُئِلوا فأفتَوْا بغير علم؛ فضلوا وأضلوا.
ولك أن تتأمل في قوله صلى الله عليه وسلم: "اتخذ الناس" فالناس إذا لم يكن المؤهل لقيادتهم فكريًّا أمامهم اتخذوا من تلقاء أنفسهم قائدًا فكريًّا ولو لم يكن مؤهلًا، والناس يعرفون الموهوب والذكي ومَن يملك القدرات الثقافية والخطابية التي تمكِّنه من التأثير وجذب الأتباع, لكن ليس كل مَن يستطيع تكوين قاعدة جماهيرية بهذه الصفات هو الأمثل حتمًا لقيادة الأمة فكريًّا.
ولعلها تتاح مناسبة للحديث عن الأمثل للقيادة الفكرية, وإن كنت قد تطرقت لشيء منه في برنامج ساعة حوار على قناة المجد الفضائية.
2 من 6
آليات التوازن الفكري
وأعود هنا للحديث عن قولي السابق: ومن مفارقات الفكر: أن سلوك طريق واحدة فيه -ولو كانت صحيحة- لا يؤدي بالضرورة إلى نتيجة واحدة, وهي مشكلة فلسفية قديمة أدت بكثير من الفلاسفة إلى القول بتعدد الحق؛ نظرًا لعجزهم عن تفسير اختلاف الآراء في القضية الواحدة مع اتحاد منهج البحث فيها.
وهم يعنون بالحق المتعدد تلك النتائج المختلفة التي يصل إليها المفكرون عند استخدامهم الآلة الصحيحة لبلوغ الحق, وهي التي يسميها علماء أصول الفقه: (أدوات الاجتهاد) والتي بَنَوْا عليها قضيتهم الشهيرة: هل كل مجتهد مصيب أم المصيب واحد وغيره معذور, حيث لا يعنون بالمصيب والمعذور من يتسوَّرُون على المسائل ويعطون فيها أحكامًا دون أن يكون طريقهم لذلك الآلة الصحيحة للاجتهاد.
ورأي الأصوليين وإن كان سياقهم له في قضايا الفروع الفقهية التي يسوّغ فيها الاجتهاد إلا أن القاعدة صحيحة يمكن أن تنقل إلى جميع فروع الفكر الذي قدّمت تعريفه بأنه التصور الإجمالي والتفصيلي لواقع ما، من حيث كنهُه وعوامل تكوينه ومآلاته وطرق تحسينه وعلاج آفاته.(2/108)
وعندما قسّم العلماء الإدراك إلى تصور وتصديق فإنهم أردوا بذلك أن مَن لا يملك التصورات الصحيحة لا يمكن أن يصل إلى التصديقات الصائبة، وامتلاك التصورات الصحيحة هي في الحقيقة أدوات الاجتهاد في مسألة من مسائل الفكر.
أخلُص من هذا إلى أن أول مقوِّم من مقومات التوازن الفكري هو امتلاك التصورات الصحيحة عن كل قضية يُراد الحكم عليها سلبًا أو إيجابًا, والتصور إما أن يكون تصورًا أوليًّا ساذجًا كتصور الصور من جبال وأنهار وصحارى, أو تصورًا معقدًا، وهو تصور المعاني كالحق والصدق والصواب والخطأ وتصور المغيَّبات كالجن والملائكة, وكل صنفٍ من هذه التصورات يحتاج إلى جهد لامتلاكِه يختلف عن الجهد المراد للصنف الآخر, فحين أتصور الناقة لا أحتاج إلى مجهود ذهني كبير لأنه بمجرد طروء الاسم على الخاطر تنتج صورة مطابقة, لوجود مثيلاتها في الذاكرة, أما حين أتصور حيوان الباندا فأحتاج إلى مجهود ذهني أكبر لعدم وجود رصيد مطابق في الذاكرة، وربما لا أصل إلى الصورة الصحيحة، وأحتاج في الوصول إليها إلى البحث عن صور مطابقة, ومع ذلك فإن المجهود الذي يبذله الذهن في تصور الباندا أقل بكثير من المجهود الذي يبذله لتصور الروح والملائكة والحق والخطأ والصواب.
تأتي مشكلة التوازن الفكري حين يتعامل الذهن مع التصورات المعقدة بالطريقة نفسها التي يتعامل بها مع التصورات الساذجة, فيبذل في كليهما مجهودًا ذهنيًّا متساويًا, عند ذلك ستكون تصوراته في الأمور المركبة تصورات ساذجة.
إذًا فالحصول على تصورات صحيحة هي أولى معطيات التوازن الفكري؛ لأن التصورات هي مفردات التفكير كما أن الحروف هي مفردات اللغة, وبما أن التعبير لا يمكن أن يكون صحيحًا بغير حروفه الموضوعة له فالفكر لا يمكن أن يكون مستقيمًا دون تصورات صحيحة, والحصول على التصور الصحيح هو مسئولية المفكر نفسه, وأيضًا مسئولية المستهلك نفسه, والقيام بها - المسئولية المنوطة - يحتاج إلى جهد يتوانى الكثير ممن يمارسون الكتابة في القضايا الفكرية عن تحصيله, وكذلك المستهلكون للفكر, فلم يعدْ لديهم الجلد حتى على تحليل الأفكار إلى تصوراتها الأولية لفحصها, فجمع التصورات عند كثير من الكتاب أو فحصها عند نسبة أكبر من المستهلكين يتم بطريقة متقاربة في كل القضايا التي يتطرقون إليها.
بعد جمع التصورات تأتي مرحلة إحداث النسبة بينها لتكوين ما يسميه المناطقة بالتصديق وهو كما قدمت: الإدراك المتضمن للحكم, فالتصديق هو نسبة التصورات إلى بعضها, فبعد أن أتصور القطب الشمالي وأتصور معنى التجمد وأتصور معنى تمركز الشمس وانحرافها, أحكم على القطب الشمالي بأنه متجمد, فقولنا القطب متجمد, تصديق مبني على عدد من التصورات أدت النسبة الصحيحة لبعض إلى البعض الآخر إلى هذه النتيجة.
والأفكار الكلية أو الجزئية هي مجموعة من التصديقات, يجري العقل النسبة بينها لتكون الفكرة.
وبذلك يمكن مناقشة كل فكرة من خلال نقد التصورات الأولية التي بنيت عليها أو نقد أي من التصديقات المؤسسة لها أو نقد النسبة بين التصديقات المكوّنة لها.
وكلما كانت التصورات ناشئة من مصادر صحيحة للتصور كانت أكثر مناعة عند النقد, وكذلك النسبة بينها أو النسبة بين التصديقات تعتمد مناعتها عند النقد على مدى صحة نسبة بعضها إلى بعض أو ترتب بعضها على بعض.
ولهذا يناسب هنا أن أعرج بإيجاز على مصادر التصورات:(2/109)
1 - الحس مصدر مقر من مصادر التصور, والتصورات الناشئة عن الحس هي أقوى التصورات على الإطلاق ولذلك كان استخدام القرآن الكريم للتصورات الحسية كثيرا كمقدمات صغرى وكبرى للوصول إلى نتائج عقلية كما في قوله تعالى من سورة الغاشية: {أَفَلَا يَنظُرُونَ إلى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) وَإلى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ (18) وَإلى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (19) وَإلى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (20)}.
فالإبل وخلقها والسماء ورفعها والجبال ونصبها والأرض وتسطيحها, كلها تصورات مصدرها الحسّ, ولم يمنع ذلك أن تكون النسبة العقلية بينها طريقًا للوصول إلى نتيجة غيبيَّة.
إلا أن الحس يبقى عاجزًا عن رصد كثير من التصورات التي يحتاج الإنسان إلى الحكم عليها لحياته العامة الاجتماعية أو لتسيير حركته العلمية أو البرهنة على قناعاته الدينية, وهذا العجز حاول القدماء التخلص منه بطرق منها اعتبار التواتر المعنوي قائمًا مقام الحسّ، كتصور المدن النائية أو الشخوص التاريخية القديمة, وهو حل لم ينكره القرآن بل أقره، وذلك في مثل قوله تعالى: {وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَد تَّبَيَّنَ لَكُم مِّن مَّسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ} (العنكبوت: 38) فالأمم السابقة كعاد وثمود كانت معروفة عند العرب بطريق التواتر المعنوي، وأقر الله هذه المعرفة وبنى سبحانه وتعالى خطابه عليها: {أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ} (السجدة: 26).
2 - الفطرة وهي وإن كانت التصورات المنبعثة عنها أقل بكثير مما ينتج عن المصادر الأخرى إلا أنها تدل على أعظم مدلول وهو الله، كما تدل على نسبة الخلق إليه سبحانه وتعالى، ونفي الشريك عنه فهي تدل على الله تعالى تصورًا وتصديقًا، وهذا مدلول قوله عز وجل: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَة إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} (الأعراف: 172) أما ما سوى ذلك من مدلولات فمن الفلاسفة المثبتين للفطرة من يثبتها ومنهم من ينكرها.
3 - الوحي وهو مصدر يكاد يكون وحيدًا لتصورات مفردات عالم الغيب كالملائكة والجن والشياطين والجنة والنار والحوض والصراط ونعيم القبر وعذابه، وبذلك يكون مصدرًا وحيدًا أيضًا لما يتعلق بها من تصديقات.
وهو أيضًا مصدر وحيد لتصور مفردات الدين كالصلاة والصوم والزكاة والحج، وهو أيضًا مصدر وحيد للتصديقات الناشئة عن نسبتها إلى بعضها.
4 - خبر الموثوق: وهو مصدر صحيح للتصورات شريطة أن يكون الموثوق منطلقًا في نقله عن أحد مصادر التصور الصحية المتقدمة.
ومن الطبيعي أن نسأل عن العقل: أليس هو أيضًا مصدرًا من مصادر التصورات؟
والجواب: قد يتبادر إلى الذهن أن التصور هو عملية عقلية صرفة، وهذا حق، لكن التصورات موجودة في الخارج والتعرف عليها يتم بالطرق الأربع المتقدمة, وليس للعقل قدرة على استحداث تصورات من تلقاء نفسه، وإنما هو ذاكرة لتلك التصورات التي يتعرف عليها العقل بطريق الحس أو الوحي أو الخبر المتواتر أو خبر الموثوق.
نعم أن بمقدوره تكوين الصورة بطريق التذكر أو بطريق التركيب أو بطريق الانتزاع والتخيل, بل إن العقل هو الوسيلة الأولى للربط بين المتصورات لإحداث النسبة التي ينتج عنها التصديق، كما أنه الفاعل الأقوى أيضًا في الربط بين التصديقان للحصول على الفكرة أو مجموعة الأفكار.(2/110)
كل ذلك صحيح لكنه لا يعني أنه مصدر من مصادر التصور بل هو الآلة الوحيدة لحفظها والتحكم فيها.
ومن أسباب الاضطراب الفكري اعتبار العقل مصدرًا للتصورات، فإننا نجد أن هناك فئة تقيم تصديقاتها على تصورات مصدرها العقل، والحقيقة أن كل تصور مصدره العقل: ليس له وجود خارجي حقيقي فهو إما متخيل وإما موهوم, وبما أن التصديقات - ومن ثم الأفكار - تعد التصورات هي لبناتها, فإن كل تصديق مبني على تصور موهوم أو متخيل لا يمكن أن ينتج عنها أفكار متزنة.
مثال ذلك: العنقاء, طائر خيالي, وحل الأكل أو حرمته حكمان شرعيان, فحين أجمع بين هذين التصورين العنقاء وحكم الحل أو العنقاء وحكم الحرمة فإنني أخرج بتصديق فاسد وهو حل لحم العنقاء أو حرمته.
3 من 6
" العقل" الطريق الأول لإحداث النسبة بين التصورات
بعد استعراضنا لـ"مفهوم التوازن الفكري"، و"آلياته", نستعرض في هذا المقال "الطرق الصحيحة لإحداث النسبة بين التصورات"؛ وهي العقل, والوحي المُنزل على النبي صلى الله عليه وسلم بنوعيه.
واختياري للعقل باعتباره الطريق الأول, ليس تقديمي للعقل هنا على اعتبار أنّه أوثق الطرق للحصول على التصديقات, بل لأنّه يمثل المجهود الذهني البشري الصرف, وإلا فإنّ العقل يُعرضنا كثيرًا للخطأ في إحداث التصديقات، وذلك حين يقوم بنسبة الأحكام إلى تصورات مُتخيلة كما قدمنا في مثال العنقاء, أو موهومة كالخوف من الغول, أو حينما يُخطئ العقل في إجراء النسبة بين التصورات كالحكم بأنّ الملتحي متطرف, أو الحليق غير متدين، بناء على تصور قاصر للملتحي والحليق، وتصور قاصر للتطرف والتدين.
فالتصورات القاصرة هي عبارة عن مقدمات خطأ, والمقدمة الخطأ لا يمكن أن تكون نتيجتها صحيحة أبدًا حتى لو توافقت مع الصواب, لأنّ كل نتيجة متعلقة بمقدماتها حتمًا, فإذا توافقت النتيجة ذات المقدمات الخاطئة مع الصواب فإنّها لا يمكن أن تكون صوابًا لأنها ستكون مرتبطة بمقدماتها ارتباط الفرع بالأصل, كما أنّ النتيجة الصواب الناشئة عن مقدمات صحيحة مرتبطة بمقدمتها على النحو ذاته فقولنا على وجه المثال: محمد رجل عربي والعرب صادقون فمحمد صادق, فصدق محمد صلى الله عليه وسلم عند هذا القائل إنما هو باعتباره عربيًا, وهي نتيجة كاذبة ولو كانت تشبه الحقيقة من حيث الظاهر.
أما قولنا: محمد رسول الله، ورسل الله صادقون فمحمد صادق, فهو قول يحكم بالصدق لمحمد صلى الله عليه وسلم باعتباره رسولاً، وهي النتيجة المطابقة للصواب لابتنائها على مقدمات صحيحة.
والأخطاء في نسبة التصورات إلى بعضها قد تكون لقصور في التصور كما في الأمثلة المتقدمة, أو لاستنتاجات كلية أو أغلبية من مقدمات جزئية, وكذلك استنتاجات جزئية بناء على مقدمات كلية أو أغلبية، فالأول كالحكم بأنّ ركوب الطائرة مغامرة بناء على حالة أو حالات من الخطر, والآخر كالحكم بأنّ السم غير قاتل لنجاة حالة أو حالات من خطره.
مع أنّ الحكم الكلي والأغلبي له طرق لابد من التوصل إليه عبرها, ومنها:(2/111)
- الوحي: فما حَكم المولى عز وجل عليه بالكلية، فهو كذلك قطعًا كما في قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ} (آل عمران: 185). ولا يمكن أنْ يتطرق إليه الاستثناء إلا من الله عز وجل, كما في قوله تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ} (آل عمران: 93).
ومن أمثلة الحكم الأغلبي في القرآن الكريم قوله تعالى: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} (يوسف: 103). وكذلك لا مكان لمعارضة الأحكام الأغلبية الصادرة من الوحي بأي استثناء مهما كان مبرره؛ إلا أن يكون الاستثناء منصوصًا عليه, فالاستثناء المنصوص كما في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ * مَن كَفَرَ بِاللهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (النحل: 105 - 106).
- ومن طرق الحكم الكلي الاستقراء التام: وهو تتبع جميع الجزئيات في أمر ما للحكم بكلية تعلق وصف فيه, وذلك كقولنا كل طلاب القسم من أبناء المملكة, نتيجة تتبع جنسيات كل الطلاب, والاستقراء التام قطعي في دلالته؛ حين تكون أدواته صحيحة والقائم به موثوقًا, والغالب أنّه غير ممكن إلا في الكليات محصورة الجزئيات.
- أما الاستقراء الناقص: فهو تتبع ما يكفي من الجزئيات للحصول على ظن بكلية هذا الحكم على جميع الجزئيات.
والاستقراء الناقص أداة صحيحة لتكوين الأفكار بشرط أنْ تكون العينة المستقرأة ممثلة لنوعها بحيث يصح قياس جميع الجزئيات المهملة عليها؛ كالقول بأنّ أقل سن تبلغ فه النساء تسع سنوات؛ نتيجة لاستقراء طائفة من النساء من أجناسٍ مخلتفة وأجواء متغايرة, فهذا الحكم ظني بمعنى أنّه لا يمنع وجود استثناءات.
وكذلك الأحكام الأغلبية يمكن التوصل إليها عن طريق استقراءات ناقصة, وهي طريقة معتمدة منذ القدم لبناء الأفكار وفق شروط أصبحت اليوم أكثر دقة ومنهجية يعتمدها الإعلاميون والتربيون والمخططون والمفكرون.
وجميع الاستنتاجات الكلية والأغلبية الّتي لا تَصْدُر عن هذين الطريقين أعني النص والاستقراء تُعد انطباعات خاصة قد توافق الصواب، وقد لا توافقه لكن ينبغي أن لا تفرض على الرأي العام عبر وسائل الإعلام كما لا ينبغي ترويجها لدى صانعي القرار؛ بغية التوصل منهم إلى اعتماد قرارات تنظيمية أو جزائية أو تنموية بناء عليها.
أما محاولة فرضها على الرأي العام فهو كذّب ضار على المجتمع ولا يختلف ضررها حين تكون انطباعات سلبية عن ضررها حين تكون إيجابية, لأنّ تصوير المجتمع لنفسه أو تصوير أمر شديد التعلق به على خلاف ما هو عليه في الواقع يُحدث أضرارًا متقاربة في الخطورة سواء أكانت الصورة سلبية أم إيجابية.
كل ذلك لأنّ الأحكام الكلية والأغلبية سواء أكانت في مجال الشريعة، أم في أي مجال آخر تُعد من أخطر الأحكام، التي لا تُبنى عليها الأفكار المجردة وحسب؛ بل تُعد أصلاً في معرفة ما يُصلح الأمة وما يُفسدها، وما هيّ بحاجة إليه من علوم ومنشآت وخدمات، وما هي في غنى عنه، كما هي ركيزة في التخطيط لمستقبل الأمة والكشف عن حقيقة واقعها.
4 من 6(2/112)
" الوحي" الطريق الثاني لإحداث النسبة بين التصورات
ذكرنا في المقال السابق أنه من الطرق الصحيحة لإحداث النسبة بين التصورات, العقل, باعتباره المجهود الذهني البشري الصرف, ويأتي ثانيًا بعده: "الوحي المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم بنوعيه", فهما كما يحتويان على أوامر ونواهٍ إلهية يشتملان أيضًا مجموعة كبيرة جدًّا من التصديقات حسب اصطلاح المناطقة, وهي تقدّم للإنسان ما ينبغي أن يعتنقه من رؤًى يقينية للكون بعالَمَيه: الغيب والشهادة, وذلك بإعطاء أجوبة ربانية لجميع الأسئلة التي لا تزال عند مَن لا يملكون إيمانًا حقيقيًّا بالوحي تعبّر عن مشكلات بل معضلات فلسفية يسميها بعضهم الميتافيزيقا, تتحدث عن كل ما ليس مدركًا ماديًّا, ومنها الأسئلة الخمسة الشهيرة: مَن, وكيف, ومتى, ومن أين, ولماذا, وهي إشكالات عن الخلق وسر الوجود في هذه الحياة, موروثة عن فلاسفة اليونان شكّلت عصب الفلسفة القديمة والوسطى والحديثة, وإن كانت طبيعة النقاش الفلسفي المعتمد على طرح الأسئلة المستنبطة من أسئلة سابقة دون ارتباط السائل بحصوله على جواب مقنع عن السؤال الأول, أقول: إن طبيعة النقاش هذه, قد ساهمت وليست وحدها في أن تكون الفلسفة منطلقًا لكثير من العلوم النظرية والتجريبية كالرياضيات والطب وعلم النفس والجغرافيا والفيزياء والأحياء والميكانيكا, إلا أننا لا يمكن أن نعزو الفضل في ولادة هذه العلوم النافعة إلى الحيرة في أصل الكون والحياة كما يحب البعض أن يصوِّر لنا, بل الحقيقة أن تلك العلوم نشأت عن بيئة علمية مهيَّأة للتفكير, ولو أن تلك البيئة توقفت عند الإجابات الفطرية لإشكالات الكون والحياة لاستطاعت التقدّم بشكل أسرع بكثير في سبيل إنضاج تلك العلوم التي ظلَّت أكثر من ألف سنة متوقفةً عند شكلها النظري الذي تركها عليه كل من أبقراط وأرسطو وأرشميدس حتى انتقلت عند المسلمين نقلةً نوعية من العلم النظري إلى العلم التجريبي، ومن ثَم حقّقت في ظل الحضارة الغربية ما نراه اليوم من تقدّم نتيجة اشتراك العديد من العوامل المؤثرة والتي شكّلت المحرّك الرئيس لتسارعها.
وفي تقديري أن تباطؤ حركة الإبداع العلمي عند المسلمين رغم ابتكارهم للمنهج التجريبي كان من تأثير تعلق فلاسفتهم بالحيرة اليونانية وانشغالهم بمعالجة قضاياها في غفلة غير مبرّرة عن الهدي القرآني في حل تلك الإشكالات, بينما كان لتأثر آباء النهضة الحديثة - ديكارت وكانت - بالإجابات الإسلامية عما وراء الطبيعة دور كبير في تسارع التقدم الأوروبي، بالإضافة إلى عوامل كثيرة أخرى لعلها قد درست من قِبل متخصصين في تاريخ النهضة, وهنا أحب أن أنبه إلى أنني لا أملك معطيات علمية لتأثر ديكارت وكانت بالفكر الإسلامي سوى ما أجده بينهما وبينه من تقارب في بعض مسائل الألوهية ومصادر المعرفة, مع أنني أضع في الاعتبار كثيرًا أن يكون التقارب هو بتأثير من دواعي الفطرة التي أظن أن ديكارت وكانت كانا أول من أدخلاها - أي الفطرة - في الفكر الأوروبي.(2/113)
أتكلم هكذا لأنني أجزم بأن من التهالك الفكري الرجوع بالعقل إلى الوراء في محاولة مناقشة قضايا محسومة قرآنيًّا بشكل قطعي, وذلك في دعوات نسمعها تتصاعد هنا وهناك مطالِبة بدراسة الفلسفة وتدريسها، بل إن هناك مشاريع قائمة الآن لإحياء الفلسفة في بلادنا, هذه الفلسفة التي قامت بدورها المشكور قبل ألفي عام ولم تعد الآن قادرة على أن تقدم للإنسانية أي شيء مفيد بعد أن استقلت عنها جميع العلوم التجريبية، إضافة إلى علم النفس والاجتماع والجغرافيا والتاريخ، ولم يبق في فنائها سوى القضايا المتعلقة باللاهوت وعالم الغيب، وهي قضايا يجب علينا التسليم بأنها قد انفصلت عنها منذ ألف وأربعمائة عام حين قدم القرآن أجوبة قاطعة لجميع مشكلاتها.
الوحي أيضًا يقدم منهجا متكاملًا للحياة يؤسسه على حقيقة أن الإنسان عبد لله اضطرارًا ويجب أن يكون عبدًا لله اختيارًا, والاستعباد هنا ليس تحكمًا إلهيًّا في الأفعال فقط, بل في الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة التي منها الفكر, فالفكر ينبغي أن يكون محدودًا بمساحة ما سكت الشرع عنه, وهذا أيضًا ينبغي ألا يتجاوز الفكر فيه قيود الشرع, فمثلًا حين نتحدث عن الانتماء القبلي, يجب علينا أن نستحضر أن الانتماء إلى القبيلة مباح شرعًا, وهذا قيدٌ ينبغي أن لا نتجاوزه للمطالبة بالقضاء على هذا الانتماء, كما نستحضر أن الانتماء القبلي على أساس من التفاضل في النسب محرم ونستحضر أن الطعن في الأحساب محرَّم وهو قيد آخر فلا يصح استهداف أي قبيلة من القبائل بذكر مثالبها, كما نستحضر أن كل تكتل على أساس يؤدي بالضّرر على النسيج الإسلامي للمجتمع محرم, فلا نطالب بأي تكتلات على أسس قبلية محضة ما لم يكن ذلك لدعم مثل إسلامية, حين نستحضر هذه الضوابط لا يبقى أمامنا إلا المحافظة على القبيلة باعتبارها وسيلة للتواصل الاجتماعي بين أبناء الأمة والقيام مع الفرد من أبنائها في المعونة على نوائب الحق وحسب, وهو نطاق ضيق جدًّا يجرد القبيلة من كل ما من شأنه أن يجعل منها قنبلة موقوتة تفجّر نفسها وتتحطم عليها كل المكاسب, وعليه فلا يقبل أي فكر قبلي لا يسير في نطاق هذا النطاق المحدود لدعم القبلية.
وقد اخترت هذا المثال لاعتقادي أن قليلا جدًّا من القراء سيختلف معي فيه، وإلا فالأمثلة كثيرة في مجالات التعليم والإعلام والتنمية والاقتصاد والخدمات والعمل والسياسة والسياحة والعلاقات الدولية والاجتماع والدعوة والفنون، وكل ما يتفرع عن هذه العناوين بل والبيئة والتصنيع أيضًا, كلها نطاقات شملها الوحي بالضبط والتحديد إما إجمالًا ككل ما يتعلق بالأنظمة, أو تفصيلًا ككل ما يتعلق بالفرد وعلاقته بالخالق والمخلوقين.
وهذا ما أعنيه بالشمول في خطاب الوحي, وهو شمول عرفناه باستقراء نصوص الوحي من الكتاب والسنة, يجعلنا الإيمان به نتحرى أن لا نجتهد في صياغة أي فكرة قبل أن نبحث عن الضوابط الشرعية لها أو للنوع الذي تندرج فيه.(2/114)
وحين نصل إلى هذه الضوابط فلا مناص من التسليم التام لما ثبت بالشرع؛ لأن الله تعالى يقول: {بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَه لِلّه وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَه أَجْرُه عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عليهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} (البقرة: 112) ويقول سبحانه: {قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (آل عمران: 31) ويقول عز وجل: {فَلا وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا} (النساء: 65)، {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} (النساء: 125)، وقوله سبحانه: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا} (الأحزاب: 36)، ويقول تعالى: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَة سُبْحَانَ اللَّه وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (القصص: 68).
كما أن حياة الإنسان اليومية مضبوطةٌ بخطاب الشرع طيلة يومه وليلته، حيث لا يخرج عمل من أعماله عن أن يكون له حكم في الشريعة الإسلامية, وهذا ما يجعلنا نعيد النظر فيما يقال: إن الإسلام دين حرية, وأعتقد أن هذه العبارة ليست أصيلة في تراثنا الإسلامي، وإنما جاءت في معرِض الردّ على الحملة العلمانية الماسونية التي جعلت شعارها العدل والحرية والمساواة, فجاء جوابنا: إن الإسلام يكفُل للمسلم حرية منضبطة بضوابط الشرع, لكننا حين نتأمل ضوابط الشرع نجدها والحمد لله كثيرة وكثيرة جدًّا، بحيث لا يمكن إقناع أحد أننا معها يمكن أن نكون أحرارًا.
كنت أتمنى لو كان جوابنا على دعاوى الحرية: أن الحرية في النهاية هي عبادة النفس وتأليه الهوى كما في قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفأنْتَ تَكُونُ عليه وَكِيلًا} (الفرقان: 43) والإسلام أمرنا بالخروج من ذلك إلى الدخول في عبوديته سبحانه، تلك العبودية التي لا يمكن للإنسان معها أن يكون حرًّا مطلقًا ولا حرًّا بضوابط ولو كانت ضوابط الشريعة, لأن الحرية أيها الإخوة مصطلح له أبعاده الفلسفية، وهو بهذه الأبعاد لا يمكن أن يتوافق مع ضوابط الشريعة إلا من حيث دلالته في لغتنا العربية, ولا يخفى أن المصطلحات غير مرتهنة بدلالتها الأصيلة في لغاتها, وحين نقول: إن الإسلام أعطانا الحرية المنضبطة بضوابط الشرع فإننا نتنازل عن المصطلح الأشرف والأسمى والأكثر تأثيرًا في النفوس، وهو الاستعباد الخالص لله إلى مصطلح ملفق من نتاج الماسونية ومشاعرنا الدينية ونحن نريد مصطلحًا صريحا إسلامي الأصل والمنشأ والولادة.
5 من 6
الوحي والحرية
أطلْت في المقال السابق في شرح مصطلح الحرية؛ لأن حرب المصطلحات اليوم هي من أبشع الحروب الفكرية في عالمنا المعاصر, ولا يمكن أن نخوض هذه الحرب بمصطلحات هي كالخنثى المشكل أو صناعة غربية وتجميع إسلامي, وهذا من مفسدات التوازن الفكري أعني عدم استقلالية المصطلح وخضوعنا فيه إلى ردّات الفعل على المنتجات الغربية.
وحين نرسّخ مفهوم الاستعباد التام لله تعالى فإننا نرسخ أيضًا واجب التسليم لله عز وجل ولأمره ونهيه والرضا بما أمر كتسليمنا بما قسم وقدر.(2/115)
فالتسليم لله تعالى هو وحده الكفيل بالقضاء على كل مطالبة تخالف النص وتستند إلى ما يعرف بحقوق الإنسان, ويجد المتحمسون لها أصلاً في مقاصد الشريعة العامة, لأن عدم التسليم الحق هو الذي يؤدي إلى محاولة لَيِّ أعناق النصوص أو تعطيلها من أجل موافقة الهوى دون أن يكون هناك داعٍ للتأويل أو التعطيل.
ومن تتمة الحديث عن عظيم الابتلاء بمصطلح الحرية: تطرف البعض في استخدامه؛ ومن ذلك أن منهم من جعله مقصدًا من مقاصد الشريعة ينْضاف إلى حفظ الدين والنفس والمال والعقل والعرض, مع أننا لا نجد هذا المصطلح في نصوص الشريعة ولا في اللغة العربية بأسرها يطلق إلا على ما يقابل الرق, والشريعة تحيط الإنسان بأحكامها الخمسة من الوجوب والتحريم والكراهة والندب, وليس ثم خيار مطلق إلا في الإباحة, وحتى هذه نجد أن الخيار فيها غير مطلق؛ فإن المباح الواحد لا يكون مباحًا إلا باعتبارات ربما تكون متعددة؛ فالنساء مباحات للرجل ما عدا المحارم منهن، ولا تتم الإباحة إلا بعقد ومهر، وحين يضم الرجل أربع نسوة تحرم عليه جميع نساء العالمين، وتحرم مع المرأة الواحدة أمها وأخواتها وخالاتها وعماتها.
والأكل كله مباح إلا إذا كان مسكرًا أو مخدرًا أو مفترًا أو غير مذبوح وغير مذكور الاسم عليه وليس سبُعًا أو ذَا نابٍ أو خبيثًا أو خنزيرًا أو دخل في تركيبه شيء من ذلك.
والبيع كله حلال إلا إذا كان بيع مال بمال أو حيلة على بيع المال بالمال أو بيع مجهول أو غائب أو غير مقدور على تسليمه أو غير موصوف بوصف منضبط ولا بيع منابذة ولا ملامسة ولا جلبًا متلقًّى من الركب أو بيع حاضر لبادٍ ولا بيع غرر ولا غبن ولا تدليس ولا بيع نسيئة في الأصناف الستة وما شابهها ولا بيع تلجئة ولا غير تام الملك, إلى آخر ما يُذكر هناك.
نعم، نحن نشعر بكفاية الإسلام وبالراحة في تعاطينا لأمور الحياة وفق تعاليمه، لكن ذلك ليس للحرية بل لما في شرف الاستعباد لله تعالى من الفرج واليسر وصلاح أمر الدنيا بصلاح الدين.
وقل مثلَ ذلك في الفكر؛ فإن المرء مطالب بالنظر إلى الكون والوجود بجملته وتفاصيله وفق الرؤية الإسلامية وبالمنظار الشرعي لا غير.
وممن تطرَّف في الحرية من جاء بهذا الاصطلاح الغربي نفسه فطالب بالليبرالية الإسلامية، والغالب على هؤلاء أنهم غير متحمسين للتسليم للإسلام، وإنما يحاولون ترويج معاناتهم الهوائية، نسبة للهوى لا للهواء، بإضافة الإسلام كتذكَرة عبور إلى مجتمعاتنا لا أكثر من ذلك.
الوحي بنوعية- الكتاب والسنة - نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم مخاطبًا كل الناس وكل المؤمنين به، وكما أنهم يؤمنون به إجمالاً وتفصيلاً فإن خطابه تعالى لهم إجمالاً وتفصيلاً، وكما أن كل الأمة مجتمعةً مخاطبةٌ بالوحي فإن كل فرد من أفراد الناس مخاطب على حدة بهذا الوحي, والكل مطالب بتدبره وتأمل أوامره ونواهيه، ليس ذلك لأحد دون أحد، العلماء والعامة على حد سواء «يقول تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (ص:29)، {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً} (النساء:82)، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24).
وتدبر القرآن لا يكون صحيحًا إلا بقراءته كاملاً وردِّ بعضه إلى بعض وتفسير بعضه ببعض، وكذلك السنة لا يكون تدبرها إلا بردِّ بعضها إلى بعض وإلى القرآن.(2/116)
وعكس ذلك اجتزاءُ بعض آيات القرآن وعزلها عن بقيته أو أخذ بعض الأحاديث وترك تفسيرها بالقرآن أو تفسيرها ببعضها, فإن ذلك من اتِّباع الهوى واتِّباع المتشابه الذي حذر الله تعالى منه: {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ} (آل عمران: 7).
وهذه الآية كما أنها دليل هذه المسألة فإنها أوضح الأمثلة عليها, فهناك من يستدل بها على تفويض علم القرآن لله عز وجل لقوله تعالى "وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ", على اعتبار أن الوقف هنا, ولو قرؤوا القرآن قراءة كاملة وردوا بعضه إلى بعض لعلموا: أن المراد بالتأويل وقوع ما أخبر به الله تعالى، وهو أحد معاني التأويل الواردة في الشرع, وذلك أخذًا من قوله سبحانه وتعالى: {هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ} (الأعراف: 53).
وكما أن كل المؤمنين مطالبون بالتدبر فقد فرّق القرآن بينهم على أساس قدراتهم على استنباط الأحكام منه, فقال تعالى: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ} (الزمر: 9)، والعلم الذي يتفاوت الناس فيه في استنباط الأحكام هو العلم بطرائق هذا الاستنباط, وهي مجموعة من العلوم مسئولة عن التمييز بين المحكم والمتشابه والمجمل والمبيَّن والعام والخاص والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ, وفائدة كل قسم من هذه الأقسام من حيث دلالته على أحكام الشرع, كما أنها مسئولة عن دلالات الألفاظ ومعاني الحروف, ومدى تعلق الأحكام بأسباب النزول, وأسباب ورود الحديث.
فمن الأمور التي يتفاضل فيها الناس في استنباط الأحكام من مصادره: مدى إحاطتهم بهذه العلوم؛ فكلما كانت آلة الإنسان من هذه العلوم أكبر كان أقدر على استنباط الأحكام, ومن لم يحمل هذه الآلة فهو من الذين لا يعلمون، وهم والله أعلم من عَنَاهم سبحانه بقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (سورة النحل: 43 - 44).
والحقيقة المرة أننا في عصر قلَّ فيه حمَلة هذه الآلات مجتمعة، مما أضعف من قدراتنا على مواجهة الواقع بما يناسبه من أحكام على أساس استنباط الأحكام من الكتاب والسنة, فحتى الكثير من المتخصصين في هذه العلوم -كما نشاهد- لا يَصدرون في إبداء الأحكام عن استفراغ للوُسع في دراستها كما هو المفترض فيهم؛ بل يقعون في أحكامهم تحت تأثير أحد أمرين:(2/117)
إما ضغط الواقع أو الخوف من الواقع, وهما مؤثران خطيران جدًّا على مكانة ما يصدر عنهم من فتاوى وآراء, حيث يحولان دون النظر إلى النص بروح التجرد إليه والانصياع التام له, مع أن الفريقين مؤمن بحاكميه النص ومرجعيته, لكنهم -أي أفراد الفريقين- يضطرون إما إلى الحكم مباشرة من منطلق ما يحملونه من مشاعر تجاه واقعهم دون البحث عن النصوص, أو إلى اختزال دلالة النص إلى مساحة لا ظلال عليها من ضغط الواقع أو الخوف منه.
والحق في هذا السياق أن يكون التأني في فهم الواقع وتقدير حاجاته تقديرًا صحيحًا بعيدًا عن ضغطه أو الخوف منه هو المرحلة الأولى في إعطاء الحكم فيما يُستجدُّ فيه من مسائل, وهذا الأمر-أي الفهم- وإن كان الكل يدّعيه لكن الشواهد تشير إلى أن الكثير بعيدون عنه, وهذا يُرجعنا إلى ما ذكرناه في صدر هذا اللقاء من اشتراط صحة التصورات ومن ثم صحة التصديقات ويليها صحة الجمع بين هذه التصديقات للوصول إلى المعرفة الصحيحة, وتحدثنا عن بعض وسائل الحصول على كل ذلك, وما نلاحظه في هذه المسألة أن ما أشرنا إليه من وسائل المعرفة الصحيحة لا يُستخدم كثيرًا لدى أكثر القراء والكتاب، مما يؤكد أنهم لم يعُوا حقيقة الواقع، وإن زعموا أنهم في كل ما يقولونه صادرون عن استيعابه.
6 من 6
العناصر اللازمة لفهم الواقع
استعرضنا في هذه السلسلة من المقالات مفهوم "التوازن الفكري", و"آليات التوازن الفكري", و"العقل" و"الوحي" كطرق لإحداث نسبة بين التصورات, وهنا وفي المقال الأخير من هذه المجموعة, نستعرض العناصر اللازمة لفهم الواقع.
ويمكن القول: إن فهم الواقع يحتاج أولاً: إلى الوعي بتاريخ المجتمع الفكري، وهو تاريخ تشترك في تكوينه لدى كل الأمم جذورها العرقية وبنيتها الاجتماعية ومصادرها الدينية ومراحلها الاقتصادية والسياسية في كل ما مر عليها من أعصار, وعدم استكمال ذلك في معرفة تاريخ الأمة الفكري سيؤدي حتمًا إلى معرفة مشوهة بهذا التاريخ, وإلى استنتاج مغلوط للواقع الفكري.
كما يحتاج فهم الواقع ثانيًا إلى تصور صحيح لما يحيط بالأمة من مخاطر, لأن المبالغة في تقدير الأخطار إما أن توقع في اليأس والتشنج والاضطراب وإما أن توقع في المبالغة في التعبئة لهذه الأخطار، وكلا الأمرين ينحّيان الفكر بعيدًا عن استيعاب الحقيقة والحكم بها.
وثالثًا: مما نحتاج إليه في فهم الواقع: معرفة حقيقة احتياجات الناس لتسيير شؤون حياتهم ومطالبهم الآنية وآمالهم وطموحاتهم المستقبلية، وعدم معرفة ذلك على وجه الحقيقة يمنع من تلبية المستقيم من هذه المطالب, كما يحول دون تصحيح المعوج منها ومعالجة أسباب الاعوجاج.
والذي أتصوره: أن هذه الأمور الثلاثة وما يتعلق بها, يُحكم عليها عند الأكثرين اعتمادًا على الانطباعات التي طريقها النظرة الفردية المعتمدة على التجارب الشخصية والرؤية الخاصة, مع أن المسلك الصحيح هو استخدام الأسلوب العلمي عن طرق البحث العلمي والتتبع الاستقرائي بكل ما يمكن من طرق صحيحة وعصرية للاستقراء.
وليس في المطالبة بفهم الواقع تضييع للنصوص أو تضييق عليها؛ بل إن في فهم الواقع تنزيلاً للنصوص في منازلها الصحيحة, وهذا هو حقيقة ما يغيض أعداءُ نصوص الوحي أن يستخدم النص في موضعه المناسب له.
فالفقهاء قد اتخذوا العرف دليلاً والعادة محكمة, وقالوا بتغير الفتوى بتغير الأمكنة والأزمان.(2/118)
والعرف لا يُستدل به إلا إذا كان عرفًا محكومًا عليه بالإباحة بمقتضى البراءة الأصلية أو بنص خاص من الكتاب أو السنة, وحين يحكم بإباحته فلا يستخرج منه على الوقائع حكم من الأحكام الخمسة المعروفة, بل يستخرج من العرف تقدير ما حكمت النصوص بإباحته أو استحبابه أو وجوبه أو كراهته أو تحريمه, كما حكم الشرع بلزوم النفقة على الوالد, وجعل تقدير المطلوب إنفاقه موكولاً للعرف، كما قال تعالى: {لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً} (الطلاق:7) وأباح لمتولّي مال اليتيم أن يأكل منه، وترك تقدير ما يحل له للعرف، كما قال سبحانه: {وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وبدارئ أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيباً} (النساء:6).
وعلى ذلك أمثلة كثيرة في سائر أبواب الفقه, أما أن يكون العرف دليلاً ابتداءً فهذا ما لم يقل به أحد.
وكذلك العادة: لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالاً, بل هي موضع لتنزُّل سائر الأحكام عليها, فإذا حكمنا بموجب النص بإباحتها, جعلناها حكمًا في فهم تصرفات المتعاقدين ونياتهم, كما لو ادعى أحدهم على زيد ألف ريال, وأقر زيد الألف وادعى أنها هبة بقرينة أن الرجل أعطاها إياه ليلة عرسه، ومن عادة الناس أن يعطوا مثل هذا المبلغ إعانة على العرس, فإننا نقبل دعوى زيد الهبة بقرينة العادة, وهذا بخلاف ما لو كان المبلغ المدعى به عشرين ألفًا فإن زعم زيد أنها هبة لا يُقبل؛ لأنه لا يجري في عوائد الناس هبة مثل هذا المبلغ ليلة العرس.
أما تغير الفتوى بتغير الأزمان والأمكنة, فذلك متعلق بالفتاوى التي مستندها العرف والعادة على النحو الذي قدمت في المثالين السابقين, فإذا حكمنا على الزوج بنفقة زوجته ألف ريال في الشهر في هذه البلاد فإننا نحكم بربع هذا المبلغ في بلد آخر, وإذا حكمنا بدفع العوض نقدًا في بلد, فقد نحكم بدفع العوض عينًا في بلد آخر، تبعًا للعرف وعوائد الناس.
فيبقى الحظ الأوفر والنصيب الأكمل في استنباط الأحكام إلى النصوص المحكمة، كتابًا وسنة وما ينبثق عنها من أدلة كالإجماع والقياس.
وفي هذا الصد أذكر مقاصد الشريعة، فقد كثر الحديث حولها في أيامنا هذه، وألفت فيها البحوث المطولات, لكن الذي ينتهي إليه الباحث المنصف أن مقاصد الشارع لا يجوز اتخاذها دليلاً ابتداءً, بمعنى أنه لا يجوز للمفتي أن يحكم بإباحة أمر أو تحريمه وليس له سند إلا ظنه أن إباحة هذا الأمر أو تحريمه تلبي مقاصد الشارع من التشريع.
لأننا مع قولنا بأن أحكام الله تعالى معللة بالحكمة فإننا لا نقطع بالحكمة إلا إذا كانت منصوصة, أما الحِكم المستنبطة فهي مضمونة أو موهومة مستندها التدبر المحض, أي أن مصدر القول بها هو العقل، ولا يجوز أن يكون العقل مصدرًا للأحكام مطلقًا.
نعم نستفيد من علم المقاصد في تدبر أحكام الشريعة واستنباط الحكم منها, كما نستفيد منها في الترجيح عند تعارض الأدلة في نفس المجتهد, لكن المقاصد وحدها ليست دليلاً حاكمًا، إذ هي ثابتة بالدليل, وما كان محتاجًا إلى دليل لا يكون دليلاً منفصلاً.(2/119)
ويلتحق بذلك القواعد الفقهية الكبرى كقاعدة: إذا ضاق الأمر اتسع, والمشقة تجلب التيسير, فهي كلمات جامعة لمعاني عدد غير قليل من النصوص الشرعية, فهي بذلك أدلة باعتبار كونها جامعة لمعاني النصوص الشرعية, ومع ذلك لا يمكن أن يُستدل بها في مقابلة نص ذي دلالة خاصة, بل النصوص الخاصة مقدمة عليها, ويمكن استخدامها مع النصوص الخاصة كمعضدات لها لاسيما إذا كانت دلالة النص الخاص غير قطعية, أو في مجال الترجيح عند الاختلاف وتعادل الأدلة.
ولا يبعد عن المقاصد والقواعد: المصالح المرسلة, فكل أمر محرم يريد أهل الهوى إباحته يلجئون إلى الحديث عن المصالح المرسلة يردّون بها النص, مع أن الأخذ بظني الدلالة من النصوص أقوى من الأخذ بالمصالح المرسلة, وقد بلغ من ترويجهم هذا المصطلح لإباحة ما حرم الله تعالى أن صار مصطلحًا رائجًا حتى على ألسنة العامة لكثرة ما يستخدم لموافقة الأهواء في جميع وسائل الإعلام وفي كتابات بعض المتأثرين بهذا التوجه من المشتهرين بالعمل الإسلامي.
ومردّ الاغترار والاجتراء على المصالح المرسلة هو عدم القراءة في كتب أصول الفقه التي اعتنت بتحرير مسألة الاستدلال بالمصالح المرسلة, لأن من تأمل في هذه الكتب يعلم أن علماء الأمة قالوا بالمصلحة المرسلة لا لتكون وسيلة لضرب النصوص أو إباحة المحرمات وتحريم المباحات, بل هو قول مراد به حفظ النصوص, ويتجلى ذلك من تعريف العلماء للمصلحة المرسلة بأنها ما لم يرد من الشارع إلغاؤه أو اعتباره, هذا من حيث الإجمال، أما عند التحرير فإنهم يقولون: إن المصلحة إما أن تكون متحققة أو مظنونة أو موهومة, وكذلك فإن الشارع لا يمكن أن يكون ترك أمرًا من الأمور دون اعتبار أو إلغاء, لأن اعتبار الشارع وإلغاءه إما أن يرد على جنس هذا الأمر أو نوعه أو عينه, ولا يمكن أن يخرج فعل بشري عن أن يتعلق به حكم الشارع بأحد هذه الوجوه, فإذا ثبت إلغاء الشارع لجنس أمر أو نوعه , فلا يمكن أن يكون معتبرًا إلا إذا نص الشارع على عينه.
وكذلك إذا ثبت اعتبار الشارع لجنس أمر أو نوعه فلا يمكن أن نلغيه إلا بنص على عينه.
وبذلك نعلم أن الاستدلال بالمصالح المرسلة عند من يقول به ليس استدلالاً منفصلاً عن النص, بل هو استدلال مقرب للنص ومبين له.
أما على قول من يردّ الاستدلال بالمصالح المرسلة وهم جمهور العلماء فيرون أن لا حاجة إلى استحداث دليل جديد، لاسيما والاستدلال به مبنيٌّ على فرضية وجود ما لم يرد من الشرع اعتباره أو إلغاؤه.
وبذلك يثبت أن المصلحة المرسلة سواء أقلنا بها أم رددناها, إنما هي شاهد على رعاية العلماء رحمهم الله للنصوص في جميع الأزمان، ولا يمكن استخدامه ذريعة لرد النصوص والعبث بالمحكمات تحت أي ذريعة.
وحين نقول: إن كل ما يرِد على العباد من نوازل لا بد أن نجد في الشرع ما يثبته أو يلغيه, فإننا نسير وفق ما تقدم الحديث عنه من ثبوت شمول الشريعة بما يقطع الطريق أيضًا أمام من يحاول اتخاذ البراءة الأصلية دليلاً منفصلاً عن النصوص ليتيح لهم فرصة الحكم بإباحة ما تزينه لهم الأهواء، سعيًا وراء عصرنة الدين.
وذلك أن "البراءة الأصلية" أو "الأصل في الأشياء الإباحة": إنما هي مقيدة بالمنافع, ولذلك عبر كثير من محققي أصول الفقه عن هذه القاعدة بقولهم: الأصل في المنافع الإباحة وفي المضار التحريم, فإذا تبينا ذلك عرفنا: أن الحكم بإباحة أمر بناء على عدم دليل يحرمه لا بد أن يُسبق بنظر آخر, وهو تأمل هذا المحكوم عليه: هل هو من المنافع أم من المضار؟ , فإذا تحقق كونه منفعة محضة حكمنا بإباحته, وإن ثبت كونه مضرة محضة قلنا بتحريمه, فإن تردَّد بين النفع والضرر حكمنا للغالب منهما.(2/120)
إذًا فالقول بأن الأصل في الأشياء الإباحة قول مقيد بالمنافع, ولا يصح استخدامه هكذا مطلقًا, إذ من الأشياء ما يكون الأصل فيها التحريم لا الإباحة وهي التي تعود بالضرر على النفس والمجتمع.
وحين نريد التعرف على المنافع والمضار لا بد أن تكون نصوص الشرع هاديًا لنا في معرفة كُنْهِ الأشياء, إذ إن المنفعة والمضرة ليس قياسهما دنيويًّا محضًا فتتجرد العقول لتهتدي إليه, بل هو ديني أولاً دنيوي ثانيًا, فلا بد للحكم بمنفعة أمر من التحقق من كونه لا يعود على دين العبد بالضرر مطلقًا, فإن عاد على الدين بالضرر فلا عبرة بما ينتج عنه من منافع دنيوية ولو كثرت.
كما أننا نقطع بأن ما يعود بالنفع على دين العبد ويعود بالضرر على دنياه لا وجود له مطلقًا, وإن توهمه العبد فليس حقيقة في نفس الأمر.
وما دمنا نتحدث عن الاستدلال الصحيح والفاسد فلا يفوتنا الحديث عن الخلاف الفقهي: فهو في معزل عن كل شيء يعدّ قضية وحده: إذ نرى كثيرين من دعاة هذه الفكرة يجعلون الخلاف في مسألة ما وحده مبررًا للتخير بين الأقوال في حكمها, ويرون أن مناط الاختيار هو مناسبة الحكم المختار لظروف العصر وحاجة الناس إليه, ولا عبرة عندهم بمدى قرب القول المختار لديهم من النص أو بُعده عنه, فكون أحد العلماء قال بهذا القول يعد عندهم شافعًا لاعتماده إذا كان متناسبًا في زعمهم مع حاجات العصر ومتطلباته.
ومن المعلوم عند علماء الأصول أن العامي لا يجوز له الترجيح بين أقوال المجتهدين، وإنما يجب عليه الرجوع إلى من يفتيه في مسألته, كما أنه لا يجوز له التنقل بين الأقوال تشهيًا، بل لا بد للمقلد من التحري فيمن يستفتيه، فإذا أفتاه فقد لزمته الفتوى.
وكذلك إذا اختلف المجتهدون فليس للعامي أن يرجّح بين أقوالهم، وإنما يتحرى أقربهم للسنة وآخذهم بالورع وألهجهم بالأدلة من الكتاب والسنة فيسأله, وإنما الترجيح مهمة المجتهد المنتصب للفتوى, فإن واجبه أن ينظر في الأدلة ويرجّح من الأقوال ما كانت أدلته أقوى سندًا أو دلالة, ولا بأس على المجتهد إن ترجّح لديه خلاف قولِ الجمهور ما دام مستخدمًا لأدوات الترجيح الصحيحة التي نص عليها الأصوليون في مصنفاتهم وأولها موافقة المنصوص عن الله ورسوله.
وكون قول من الأقوال أنسب للعصر وأيسر على الناس, لا يعد دليلاً قائمًا بذاته تقاوم به النصوص, أو يرجح به بين أقوال أهل العلم, لكنه علامة يعرف بها المجتهد صحة مذهبه، إذ إن التيسير على الخلق والرفق بالعباد من خصائص دين الإسلام, لكن لو صح الدليل في حكم لم نتعرف نحن على وجه كونه يسرًا ورفقًا على الناس فليس هذا مانعًا من الامتثال للحكم، كما أن عدم معرفتنا بأوجه التيسير في هذا الحكم لا تعني عدم وجودها.
وأختم هذه المجموعة من المقالات بالقول: إن مما لا يحسن إغفاله من أسباب الاضطراب الفكري: أمراض النفوس, من الهوى واتباع الشبهات والشهوات والحسد والحقد والمنافسة على الدنيا والرياء والتحبب إلى الأتباع أو الرؤساء, فكل هذه الأمور وغيرها من أدواء النفوس تحول دون تحري الحق .. نسأل الله تعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(2/121)
متى يحسن الرد على المخالف؟
عبد العزيز بن مرزوق الطريفي
1 جمادى الآخرة 1431هـ
كثيرٌ ممَّن يُطيل الجَدَلَ والمناظرة لا يُفرِّق بيْن بيان إثبات الحُجَّة، وبين الإقرار بها، فيجعل لازمَ إثبات الحُجَّة أن يُقرَّ المحجوج بها، وهذا ليس من العلم والنظر، ولا مِن مقاصد التشريع في شيءٍ؛ وذلك أنَّ محل الإقرار في القلْب، واللِّسانُ ناقلٌ لِمَا في القلب، والصِّدق في هذا شاقٌّ جدًّا، حتى ربما ظهر الحقُّ لجميع السامعين، ويبقى المحاجَج في سَكْرة نفي ثبوت الحُجَج، والتهوين منها، والتعلُّقُ بالإقرار تعلقٌ بباطن لا يمكن الوصولُ إلى حقيقته، فإلْقاء الحُجَّة مع بيانٍ ووضوحٍ يفهمها المجادَل والسامِع لو أرادَا الفَهْم - كافٍ في قيام التكليف عليه؛ لذا لَمَّا كان أعظمُ تكليف - وهو الإسلام - يكفي في ثبوته الإسماعُ على وجهٍ ولُغةٍ يفهمها المخاطَب؛ قال - تعالى -: ? وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ? [التوبة: 6]، فكفَى السماعُ الواضح الصحيح، ولم يُنتظر الإقرارُ؛ ? وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ? [النمل: 14]، فمن باب أوْلى الاكتفاءُ بما دونه مِن التكليف.
قال الإمام أبو يوسف: إثباتُ الحُجَّة على الجاهل سهْل، ولكن إقراره بها صعْب.
ولْيكتفِ صاحبُ الحق بالقَدْر الكافي من البيان وتَكْراره، من غير استرسال مع لَجاجةِ صاحب الباطل، فكلُّ قول باطل يندثِر ويتلاشى بانخفاض صوْت صاحبه، وأما الحقُّ فيعيش في النفوس، ويَبني بها صروحًا لا تندثِر بموْت أصحابها، فضلاً عن أصواتهم؛ ? فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ ? [الرعد: 17].
ويَنبغي لصاحب الحق أن يَفْصِل بين ذاته والحقِّ الذي يحمله، فلا ينتقم لحظِّ نفْسه بالحق الذي معه عندَ الخطأ عليه، فبيْن حظِّ النفْس وحظِّ الحق قَدْرٌ مشترَك دقيق، لا يَعرف قدرَه إلا النُّدرةُ مِن الناس، وكم فوَّت الكتَّابُ من حظِّ الحق؛ بسبب استكمالهم حظَّ أنفسهم من حيثُ لا يشعرون، فيقابلون السوءَ بسوءٍ مثلِه وزيادة، فيصدُّون عن الحق، وكلَّما زاد حظُّ النفْس أكَلَ مِن حظ الحق، وربما كانت الغَلَبة لشُبهة الباطل؛ لأنَّ الذي يقابلها شهوةٌ في صورة حق، والشُّبْهة أقوى من الشَّهْوة.
والمناظِر في الحق قاضٍ يقضي في حقِّ الله، فلا يقضي وقلْبُه منصرفٌ إلى غير الحق، وفي الحديث: ((لا يقضي القاضي وهو غَضْبان))، وهذا في تفويت حقِّ البشر، فكيف في تفويت حقِّ الله؟!
ويُقابل هذا أن يُحجِم عن بيان الحق؛ خوفًا على حظِّ نفسه من أن يتنقَّصه جاهل، أو يلومه في نفسه لائِم، فهذا لم يهتمَّ أن ينتقصَ الحقَّ، واهتمَّ لتنقُّص نفسه، وأكثر أهل الحقِّ عندَ الفِتن من هذين النوْعين، والمنصِفون عند ذلك قليلٌ جدًّا.
ومِن خاف ملامةَ الناس إذا كتب وبيَّن، كتَب إذا أوْجس مدحًا أو حمدًا، وهؤلاء مِن أسباب اضطراب العامَّة في الدِّين، وكثرة المنافقين.
والمجاِل وإنْ كان قويَّ الحُجَّة حاضرَ البينة، فإنَّه يخاصم إلى غير قاضٍ، وإنما قاضيه عقلُ مقابله بالإقرار أو عدمه، ومَردُّ ذلك إلى كمال العقلِ والإنصاف، وتمام الدِّيانة، وهذه خِصالٌ نادرةُ التوافق في فرْد.
وأصعبُ الأقوال ردًّا أشدُّها سقوطًا؛ لأنَّ مَردَّها إلى التسليم بها، فلم يخطرْ في بال عاقل وجودُها، فضلاً عن استحضار جوابٍ في الذِّهْن سابقٍ لها.
ومِن الأعباء الشاقَّة التصدِّي لردِّ جَهالة لجوجٍ جاهِلٍ مستحكمِ الجهل، من جهتين:
• مِن جهة استحكام جَهَالته.
• ومِن جهته هو.(2/122)
فإنَّ مَنْ لم يرفعْ نفسَه عن قدْر الجاهل، رَفَع الجاهلُ قدرَه عليه.
فإنَّ من المجادلين مجادلاً مع جهْل وكِبْر، تتناسخ في ذِهنه الجهالات، فكلَّما رددتَ واحدةً أورد مِثْلَيها، فتُريد أن تردَّ شبهة تخشى وقوعَها في أذهان الناس، فيأتي بشُبهات أُخرى ربَّما تقع في أذهان الناس موقعًا أكثر من سابقتها، لا تجد وقتًا لتتبُّعِها؛ لسقوطها عندَك، وهي عند بعضِ الناس حقٌّ مُحْكَم، فتعيَّن في ثبات الباطل بابتداء الردِّ عليه، فمن كمال الأدب مع العِلم: الاعتدادُ بمآلات الأحوال، ومعرفة الأعيان، ومِن المعارِف التي لا يُدركها بسطاءُ الناس عدم الردِّ على مَن كانتْ هذه حاله؛ لأنَّ انشغالَ الناس بجَهالةٍ واحدة يُبديها، ثم تتبدَّد في جوِّ الحق السائد - خيرٌ من انشغالهم بجهالاتٍ كثيرة يولِّدها، وتَرقيع بعض الجهالات يُوسِّعها، ونسْج ثوب حقٍّ تامٍّ أفضلُ من ذلك.
ولذا يقول الأحنفُ بن قيس: قطيعة الجاهل تعْدِل صِلة العاقل.
والكلام ساقطُ المعنى يختلف في قدْر سقوطه، منها ما يَسهُل ردُّه، وإعادته إلى الجادَّة، ومنها ما يَجِد الناقدُ مشقَّةً في ردِّه؛ لقوَّة سقوطه.
وكثيرٌ مِن الأقوال الخاطئة التي يَرْميها الكتَّاب والمتحدِّثون كالمتاع يسقط من يدِ صاحبه، بعضُه سهلٌ تناولُه، وبعضه لا يُؤبَه به، ويسقط في بئرٍ سحيقة، تناولُه مُتعذِّر، والمصلحة في ترْكه، وقد يُوصَف تاركُه حينها بالعجز، وينبغي ألا يضرَّه ذلك في نفسه، ولا يضرَّه عندَ العقلاء، ولا يمكن أن يستكملَ العالِمُ اسمَ العلم، حتى يسمعَ الكلمة العَوراء فيجعلَها خَلْفَ أُذنه.
وقد يجد الإنسانُ صعوبةً في ردِّ حُجَّة الجاهل مستحكمِ الجهل؛ لأنَّه يحتاج نوعًا نازلاً من العِلم يليق بنزول جَهَالته.
وكثرة المجادَلة في المسألة ليستْ محمودةً في حدِّ ذاتها، ما لم يُنظرْ إلى دلائل الاقتران بها حالاً، وما تؤول إليه، ولا يَنبغي للعالِم أن ينساقَ وراءَ ما يُريد الجاهل مِن المراجعة والمقاولة، وما عليه أكثرُ مما بيَّنه؛ لأنَّ الجاهل لا يعرِف نفسَه قدرَ معرفة العالِم له ولقوله؛ لأنَّ العالِم كان جاهلاً من قبل، وأمَّا الجاهل فلا يعرف العالِم؛ لأنَّه لم يكن مَرَّةً عالِمًا.
وقد يكون الحق بيِّنًا، وصاحب الباطل معاندٌ معروفُ العناد، فتَجِب محاجَجتُه، وبيانُ الحق لا له، بل لِمَن وراءَه ومَن يتابعه، فهذا أبو لهب حَكَم الله بعدم إيمانه، وقطَع بدخوله النار؛ ? تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ * مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ * سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ? [المسد: 1 - 3]، ومع ذلك بقِيَ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يُحاجِجه وقومَه دهرًا؛ لأنَّ المقصود قومُه في صورته؛ لكونه سيدًا متبوعًا.
والعالِم يُدرك مِن أنواع وأجناس وأعداد المخاطَبين ما لا يُدرِكه غيره، فربَّما خاطب فردًا وسمَّاه وهو يُريد غيرَه، وربما خاطب فردًا وهو يُريد جماعة، وربَّما أحجم عن تسميةِ فرْدٍ يستحقُّ الردع؛ استصلاحًا لغيره ممَّن يشركه في مُنكره مِن أهل العِناد، أو ممَّن يمدُّ له بسببٍ ونسبٍ؛ إغلاقًا لمدخل الشيطان عليهم مِن الذبِّ عنه، والْتماس التأويل الباطل له؛ لاختلاط الهوى بالحق، فتكون حينئذٍ فِتْنة جماعةٍ بعدَ أن كانت فِتنةَ فردٍ؛ كما كان النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم - يفعل مع بعض المنافقين مِن الأَوْس والخَزْرج، وهذا من البصيرة المذكورة في قوله تعالى: ? قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ? [يوسف: 108].(2/123)
الخطاب الإصلاحي والإشكاليات المتجذرة
(قراءة موضوعية)
سلطان بن عبد الرحمن العميري
29 جمادى الآخرة 1431هـ
إن الناظر في واقعنا المعرفي اليوم يدرك بأدنى نظر أنه يعاني من الضعف في جوانب كثيرة من مشروعه الإسلامي الكبير الذي يتمنى أن يسود العالم كله.
وذلك راجع إلى أن عصرنا الحاضر فرض إشكاليات معرفية وفكرية وعملية بلغت الغاية في الكثرة، والنهاية في الصعوبة والغموض والتعقيد.
وإذا ما بحثنا عن أفضل السبل في الخروج من ذلك الضعف والارتقاء بالمشروع الإسلامي البنّاء فسنجد أن من أفضلها: التوجه إلى تفتيت الإشكاليات وتفكيك مركباتها؛ حتى يسهل علينا نحن الإسلاميين إدراك عمقها والوصول إلى الرؤية الناضجة فيها.
ومن مقتضيات ذلك: إبراز التخصصات الفكرية والإصلاحية، والحرص على إفراد كل دائرة من دوائر الضعف بطائفة من المفكرين للتخصص فيها، ووسمها بعلم يخصها وفكر يضم مسائلها، ويتعمق في إشكالياتها، ويؤصل مبادئها ويحدد آلياتها، وهذا ما فعله علماء الإسلام منذ تشكلات الفكر الإسلامي؛ فإنه لما تعدّدت فيه المسائل وتنوّعت فيه القضايا، أفردوا لكل نوع منها علماً يخصه، فظهر لنا علم التفسير، وعلم الفقه، وعلم أصول الفقه وعلم العقيدة، ونحو ذلك.
وهذا كله يؤكد لنا مشروعية التخصصات العلمية والفكرية والعملية والدعوية، شريطة ألاّ نفتقد وضوح المرجعية الإسلامية، وألاّ نقع في التعصب والاحتقار المقيت، الذي يؤدي إلى المشاحّة بين التخصصات المشتركة والمصارعة بينها في تكوين المشروع الإسلامي الكبير.
ومن الظواهر الصحية التي غدت بارزة في الفكر الإسلامي: ظهور خطابات متخصصة في مجالات لم تكن مفردة باسم يخصها من قبل؛ فقد ظهرت في ساحتنا الخطابات المختصة بالنوازل الفقهية بجميع تنوعاتها، والخطابات المختصة بقضايا المقاصد، والخطابات المختصة بالقضايا الفكرية الحديثة.
ومن الدوائر التي ظهر التخصص فيها: الدائرة المتعلقة بشؤون النهضة والتنمية والحضارة، ومتعلقاتها السياسية والاجتماعية، ولا شك أن هذه الدائرة من أهم الدوائر التي تحتاج الأمة فيها إلى بناء وإصلاح وتأصيل شرعي وفكري، وتستوجب أن تنفر طائفة من المؤمنين للتخصص فيها والغوص في بحرها والتعمق في إشكالياتها.
وإن المسلم الحريص على التكامل في مشروعه الإسلامي الكبير سيسعد كثيراً حين يجد طائفة من المؤمنين - من المفكرين وطلبة العلم - اتجهوا في تغطية هذه الدائرة، وقصدوا إلى التخصص في إثارة موضوعاتها وتحمّل مشاقها وتبعاتها؛ لأنهم بذلك يرفعون الملامة عن عموم الأمة، ويسعون إلى تحقيق القدر الكفائي الواجب على كل الأمة، ويسعون في بناء جانب هام من جوانب المشروع الإسلامي الكبير.
والمتحتم علينا نحن طلبة العلم والمفكرين الذي تخصصوا في جوانب أخرى من المشروع الإسلامي أن نتعامل مع ذلك التخصص، ومع من تخصص فيه - وصفاً وتقييماً ونقاشاً ونقداً - على أنه تجربة تخصصية مشروعة، مثلها مثل أي تخصص آخر مشروع.
لا يصح لنا أن نتعامل معه على أنه تخصص غير مشروع، ولا أنه فكر دخيل على المشروع الإسلامي، ولا أنه يمثل ظاهرة من ظواهر التأثر بالفكر الغربي. كل ذلك لا يصحّ لنا أن نتعامل به؛ لأنا إن فعلنا ذلك سنتنكّر للتكامل في المشروع الإسلامي.
كما أن المتحتم على المتخصصين في دائرة النهضة والتنمية والحضارة أن يتعاملوا بنفس الطريقة، وأن يبادلوا الأطراف الأخرى العاملة في بناء المشروع الإسلامي الاحترام والتأييد، حتى نرتقي معاً ونحقق الأمل سوياً.(2/124)
هذه تَقْدمة منهجية هامة في كيفية التعاطي مع ما يُسمّى بمشروع الإصلاح، بتمظهراته العديدة، إذا تمثلناها وجعلنا معانيها حالة ملموسة في واقعنا الفكري سترتقي خطاباتها، وتتجه نحو النضج والالتزام بالقيم المنهجية الصحيحة.
وبما أن خطاب الإصلاح يُعدّ تجرية تخصصية مشروعة، فمن الواجب علينا النصح له والسعي في تقييمه وإصلاح ما فيه من خلل؛ لأننا بذلك نتعاون في بناء مشروعنا الإسلامي الكبير.
ولأجل تحقيق هذا الغرض كانت هذه القراءة النقدية التي تقصد إلى إبراز أهم الإشكاليات المنهجية الواقعة في الخطاب المهتم بالنهضة والحضارة، وهذه الإشكاليات أدّت في -تصوّري- إلى ظهور بقع رمادية في صورته، وضبابية في بعض مستنداته، وتعثّر في بعض مسيرته، مع أن هذا الخطاب تتبناه عقول كبيرة، لا يشك أحد في مشربها الإسلامي، ولا في قصدها، ولا في حرصها ولا في ديانتها، وبالتالي فالكلام ليس متوجهاً إلى أشخاصهم، وإنما إلى نتاجهم.
وليس من أساليب المنهجية الصحيحة الناضجة أن نبتدئ في تقييم الأفكار بتقييم قائليها، بل الواجب ابتداء الانطلاق إلى الأفكار نفسها؛ إذ هي محل القبول والرد والصحة والفساد والمدح الذم.
وقبل الخوض في تلك الإشكاليات لا بد لنا من التنبيه على أن المقصود بوجود تلك الإشكاليات وجودها بشكل ظاهر في جملة الخطاب الإصلاحي لا في كل نتاج من نتاجاته.
الإشكالية الأولى: خفوت النَّفَس الشرعي؛ فالمتابع لنتاج الخطاب المختص في النهضة والحضارة ومتعلقاتها يتبدّى أمام ناظريه ضعف النفس الشرعي فيه، وخفوت المنطلقات الشرعية التي تمثل البنية التحتية للمشروع، ومن المعلوم أن المشاريع الإسلامية العميقة التي يُراد منها إنقاذ المجتمعات من كل مخالفة شرعية، والتي تقصد إلى بناء رؤية شرعية ناضجة، وتروم إلى أن تتجذر في مجتمع إسلامي تسود فيه الحالة التي كان يعيشها الرعيل الأول، لابد أن تتشبع بالروح الإسلامية غاية التشبع، ويظهر ذلك جلياً في تقريراتها وتأصيلاتها.
ولا أقصد هنا بالنفس الشرعي أن تكون المقالات والبحوث محشوة بالآيات والأحاديث فحسب، فهذا الأمر مع أهميته ليس هو المقصود هنا، وإنما المقصود أن تتشرب بحوثنا وأفكارنا بالروح الشرعية التي تجعلها خاضعة لمنطقاتها ودلالاتها ومقتضياتها في كل تفاصيلها، وأن نسعى إلى استقراء نصوص الشريعة، ونحرر الدلالات والأصول والمبادئ التي اشتملت عليها، مما هو دال على مشروعية "الفكرة الحضارية في الإسلام"، ويحدد مكوناتها.
وقد تسبب هذا الخفوت في حدوث إفرازات معرفية وتعاملية وفكرية كانت محل انتقاد ومثار تساؤلات حول مدى تأثير المستندات الشرعية في بناء بعض أفكار هذا الخطاب، وتسبب أيضاً في وقوع مصادرات لبعض القضايا التاريخية، كقول بعضهم: إن الفكر الإسلامي تمّت صياغته في العصر العباسي، ثم لم يزل يقلد ما صيغ في ذلك العصر، ومن يطالع كتب ابن حزم أو ابن تيمية أو الشاطبي ونحوهم من المحققين يجد أن هذا التوصيف غير متطابق مع الواقع، فإنهم تجاوزوا نتاج القرن الثاني والثالث، ولم يتوقفوا على مجرد تقليده فقط، بل توجّهوا إلى نصوص الشرع مباشرة، وتعاملوا معها تعاملاً مباشراً.
وهذا الخفوت هو أحد أهم الأسباب - لا كلها- التي جعلت عدداً من المهتمين بالخطاب الشرعي يقول: إن الخطاب الإصلاحي ينطلق - أو هو متأثر - بمستندات غربية لا إسلامية، أو يقول: إن الخطاب الإصلاحي لديه تعالٍ على النصوص الشرعية وعدم تعظيم لها.
ونحن هنا لسنا في سياق إثبات هذه الانتقادات لدى الخطاب الإصلاحي أو نفيها، وإنما في سياق إبراز تجلّيات الخفوت الشرعي في الخطاب الإصلاحي.(2/125)
الإشكالية الثانية: المبالغة والتهويل في الأفكار؛ فحين يطالع القارئ بعض نتاج الخطاب الإصلاحي يدرك بشكل ظاهر المبالغة في تصوير أفكاره وتعظيمها إلى درجة عالية، فيخيل بعضهم للقارئ بأنه لا نجاة له إلاّ بأفكاره، وأنه لا طريق للغد المنشود إلاّ بمنهجيته، ومن أجل سيطرة الروح الغالية عليه أخذ يتخذ مواقف ليست معتدلة من كل من ينازعه، وهذا ما دعا بعض النقاد إلى وصف الخطاب الإصلاحي بأنه يسعى إلى صناعة الأعداء، فمثلهم -عنده - كمثل قوم صنعوا سفينة، وطلبوا من الآخرين الركوب معهم، ووصفوا من رفض الركوب بكل ذميمة، ولم يقدّروا أعذارهم؛ فلم يقدروا من اعتذر لأن لديه سفينة أخرى، أو من اعتذر بأنه لا يثق بسفينتهم حتى الآن، أو أن لديه تحفظات عليها.
وهذا ما يفسر لنا موقف بعض المتبنّين للخطاب الإصلاحي من الخطاب السلفي؛ فإنك تلمس فيه التشنج والقصد إلى الذم، حتى إنه يصل إلى درجة الاستفزاز، فلا يكاد يكتب مقالاً أو بحثاً إلاّ وفيه التعرض للخطاب السلفي من قريب أو من بعيد.
وفي تصوري أن عدداً من المتبنين للخطاب الإصلاحي ساعد بقدر كبير على صناعة الجو المشحون في واقعنا الفكري، حتى إنه ليُخيّل للقارئ أنه يعتقد أن الخطوة الأولى لمشروعه هي مواجهة الخطاب السلفي، مع جزمي بأن كثيراً منهم لا يعتقد ذلك، ولكن خطابهم هو الذي تسبب في حدوث ذلك الاعتقاد.
وتُعدّ المبالغة بصورتها السابقة أحد الأسباب - لا كلها - التي جعلت بعض نقاد الخطاب الإصلاحي يقول: إنه يبعض الوحي، وأنه يغالي في بعض جوانبه إلى درجة جحد الأبواب الأخرى، وأنه يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض، أو يقول: إنه يعاني من اختلال مقاييس الأولويات، ويخالف فيها النصوص الشرعية، التي دلت على أن العقيدة من أهم ما يجب أن يحافظ عليه المسلم، أو يقول: إنه يحقر من التخصصات الأخرى، ولا يلقي لها بالاً ويعدها من الفضول، أو يقول: إنه يعاني من الأحادية الإصلاحية، فلا يرى إصلاحاً إلاّ عن طريق السياسة فقط، أو يقول: إنه يقلب الموازين فيحوّل الوسائل إلى غايات والغايات إلى وسائل، كما حوّل الحرية إلى غاية بدل تحكيم شرع الله تعالى.
ولا أريد هنا أن أؤكد وجود هذه الانتقادات لدى الخطاب الإصلاحي أو أنفيها، وغاية ما أريده تلمّس بعض الأسباب التي أدّت إلى أن يتصور النقاد تلك الأقوال.
وتُعدّ تلك المبالغة أيضاً أحد الأسباب في ظهور لغة الهمز واللمز والاتهام المتبادل بين الطرفين - الخطاب الإصلاحي وبعض نقاده -، وهي كلها أعراض مرضية لا تبشر بمستقبل مشرق.
الإشكالية الثالثة: الانطلاق من النقد؛ فالقارئ لنتاج الخطاب الإصلاحي يُخيّل إليه أن بعض أفراد الخطاب غلب عليه الجانب النقدي والاشتغال بركام الآخرين، والبدء باستثارة المخالفين ومواجهتهم، والتنقيب عن أخطاء الآخرين وتسليط الأضواء عليها، وهذا لا شك أنه مخالف لمنهجية البناء الصحيحة؛ فالمشاريع الإسلامية البنّاءة تحتاج أول ما تحتاج إلى بناء الأسس الشرعية والفكرية، وتثبيتها، وفي تصوّري أن هذا لم يحصل في الخطاب الإصلاحي، بل إنه تجاوز إلى النقد اللاذع للخطاب المتهم بالعقيدة أو بالفقه أو بغيرهما من مكونات المشروع الإسلامي الكبير في أحيان كثيرة، وهذا الحال أوقعهم في تناقض منهجي؛ وذلك أن الخطاب الإصلاحي - كما أعلن عن نفسه- يتبنى قضايا التعايش والنهضة، ولكننا نُفاجأ بأن التعايش يخبو أو يختفي في التعاطي مع مقالات ومواقف المختصين بالعلوم الشرعية.(2/126)
الإشكالية الرابعة: المراوحة في خانة الاحتجاج، وهذه الإشكالية هي نتيجة ضرورية للإشكالية السابقة، فالمتابع لأطروحات الخطاب الإصلاحي يجد أنها طرقت أبواباً كبيرة، وطالبت بتغطية صحارى واسعة، ولكننا نُفاجأ بأنه لم يقدم لنا مشروعات متكاملة في تصوراتها وآلياتها وتطبيقاتها وتفصيلاتها، تتناسب مع حجم الأصوات المرتفعة التي أحدثها، ولا مع قدر الذم الذي وجّهه إلى المخالفين له.
فلم نشهد دراسات نهضوية وحضارية وسياسية تؤصل للمشروع الإسلامي الذي يدعون إليه، ولم نشهد ممارسات عملية في الواقع تتناسب مع حجم ما أحدثوه من ضجيج.
وهو يعيب كثيراً على الخطاب المختص بالأمور الفقهية والعقدية بأنه لم يقدم دراسات تغطي احتياجاتنا، وإذا نظرنا في واقع الخطاب الإصلاحي نجده يعاني مما نقد به الآخرين، فلو ألقينا نظرة على أهم القضايا المتعلقة بالحضارة والنهضة التي أعلن التخصص فيها، والتي نحتاج فيها إلى دراسات واسعة تسعى مع الدراسات السابقة في العالم الإسلامي إلى تغطية الحاجة الملحة في بناء مشروعنا الإسلامي، ومن تلك القضايا: مفهوم الحضارة في الإسلام ومبادئها، والأسس والأصول التي تقوم عليها الفكرة الحضارية في الإسلام، ومكونات الفكرة الحضارية في الإسلام وحدودها، وطبيعة الفكرة الحضارية ومدى ارتباطها بخصوصيات الأديان، والدراسات التاريخية للحضارة وتطوراتها في الإسلام وتشكلاتها عبر التاريخ، والمفاهيم الحضارية الأخرى ومدى تطابقها مع مبادئ الإسلام، وغيرها من قضايا الحضارة والنهضة التي لا يمكن أن نكوّن رؤية ناضجة لمشروعنا الحضاري والنهضوي إلاّ بتناولناها بالدارسة والتأصيل، إذا نظرنا في ذلك كله فلا نجد الخطاب الإصلاحي قدم فيها ما يكفي، ولا ما يقارب قدر الكفاية.
وكذلك لو ألقينا نظرة على الإشكاليات المعرفية والشرعية والواقعية المتعلقة بالجانب السياسي فلا يختلف عن الحال في الجانب الحضاري.
ونحن هنا لا نريد أن نقول بأنهم لم يقدموا شيئاً أبداً؛ لأنا إذا قلنا ذلك وقعنا في الظلم الذي حرمه الله على عباده، ولكن المقصود أن ما قُدّم لا يقارب فضلاً عن أن يساوي الضجيج الاحتجاجي الذي صنعوه في ساحتنا الفكرية، ولا يرفع عنهم اللوم الذي يوجّهونه إلى غيرهم.
وإذا كان الحال كذلك فإنه يجب علينا أن نتفهم جوانب الخلل التي اشتركت كل الأطياف الإسلامية فيها، وألاّ يشغب بعضنا على بعض بأنه هو السالم من النقص دون غيره، ولا داعي للضجيج الاحتجاجي الذي نلمسه من بعض الخطاب الإصلاحي على الخطاب السلفي، وكأن الخطاب السلفي هو الذي تسبب في وقوع النقص، أو أنه هو الذي يعادي كل تطور وتقدم!! وهذا لا يعني أنا نبرّئ كل المتبنين للخطاب السلفي من الخطأ، ولكن وجود الخطأ من بعضهم لا يسوّغ التجني على كل الخطاب.
وهذا كله يحتم علينا أن يسعى كلٌّ من جهته في تغطية ما تخصص فيه على أكمل وجه وأبين طريق، حتى نحقق الروح الإسلامية التي يسعى الكل للوصول إليها.
الإشكالية الخامسة: التعالي على النقد؛ فالقارئ يلحظ بوضوح التعالي لدى بعض الخطاب الإصلاحي على ما وُجّه إليه من نقد وتساؤلات، فكم كُتب من مقال في نقد منظومته، وكم كُتب في بيان الأخطاء العملية في نظرياته، وكم كُتب في بيان الموقف من طريقة سيره، ومع هذا لم نشهد كتابات علمية رصينة تبين للناس حقيقة منطلقاتهم وتدفع ما وُجّه من نقود إليهم، إلاّ ما نجده من ردود متفرقة ومبعثرة، وفي تصوّري أن هذا الحال لا يخدم فكرهم، بل لا يزيده إلاّ التباساً.
ونحن نعلم أن المختصين بالخطاب الإصلاحي ليسوا سواءً؛ فهو يتسم بتنوعات كبيرة وتباينات واسعة، وهذا التنوّع يحتم على الصنف الناضج أن يحاول جمع كل من وجه إلى خطابهم من انتقادات وملاحظات، ويبين فيها موقفه بوضوح، سواء في الموقف من التاريخ الإسلامي، أو في الموقف من المخالفين، أو في بعض الآراء والأفكار نفسها.
هذه هي أبرز الإشكاليات المنهجية - في تصوري- التي يعاني منها خطاب الإصلاح، وهي حاضرة فيه بوضوح، وبقاؤها فيه لا يخدم المشروع الإصلاحي الذي نروم الوصول إليه، ولا يخدم المشروع الإسلامي بجملته؛ لأنها ستؤدي إلى إفرازات مضرة بفكرنا.(2/127)
اقتلني ومالكًا
د. أحمد بن صالح الزهراني
25جمادى الأولى1431هـ
قبل أيّام دعاني صديق إلى مجلس فيه أحد المشايخ الفضلاء زار مدينتنا الصغيرة مؤخراً، سعدت بهذه الدّعوة، وذهبت مع الصديق العزيز، وقد كانت فرصة للشيخ الكريم أن يمسك بطرف الحديث متحدثاً عن قيمة العدل والإنصاف في المنهج السّلفي.
العدل والإنصاف مع من يخالفنا سواء من كان خارج سياج أهل السنة أم داخلها.
قيمة العدل والإنصاف هي الميزان الّذي يضبط أصلاً سلفياً كبيراً، ألا وهو أصل الرد على المخالف، فـ (الرد على المخالف والموقف منه) شريعة إسلامية، وأصل إسلامي كبير تأتي أهميته تابعة لأهمية الدين والمنهج؛ فالردّ على المخالف هو الحصن الذي حمت به الشريعة الدين من تأثير أصحابه عليه، أعني من أخطاء حامليه في تصوّره أو تصويره أو تطبيقه.
إذ إنّ تقديس الأشخاص والإعجاب بهم والثقة في أحلامهم قد يجنح بالكثيرين إلى تقليدهم فيما زلّت به أقدامهم، وقد يعظم على البعض الردّ عليهم أو نقدهم وبيان أخطائهم، ولهذا كان السلف يردّون على بعضهم ويخطئون بعضهم، فضلاً عن غيرهم ممّن فارق منهج السلف.
لكنّ هذه الشعيرة كسائر الشعائر لها أصولها وضوابطها الّتي يأتي العدل والإنصاف في مقدمتها.
ومن أصولها كذلك خاصية التوازن في التطبيق، أعني القدرة على إعطاء كل مخالفة وكلّ مخالف وكلّ حالة وزنها الحقيقي دون مغالاة ولا إجحاف، وإلاّ ظللنا نتصادم بين الغلوّ والإجحاف حتى تضيع الشعيرة في خضم عراك المتعاركين.
وقد أثار ذلك المجلس وما دار فيه عندي الرغبة في التذكير بأمرين:
الأوّل: «تبرئة الأشخاص لا تساوي تشويه المنهج! وأنه من الخير للأمة المسلمة أن تبقى مبادئ منهجها سليمة ناصعة قاطعة، وأن يوصف المخطئون والمنحرفون عنها بالوصف الذي يستحقونه - أياً كانوا - وألا تُبَرّر أخطاؤهم وانحرافاتهم أبداً بتحريف المنهج وتبديل قيمه وموازينه. فهذا التحريف والتبديل أخطر على الإسلام من وصف كبار الشخصيات المسلمة بالخطأ أو الانحراف؛ فالمنهج أكبر وأبقى من الأشخاص» أ. هـ.
قال هذا الكلام سيّد قطب رحمه الله: يا للجَمال!!
نعم: «المنهج أكبر وأبقى من الأشخاص»، هذا الكلام الجميل يتغنّى به الكثيرون حين يكون (الأشخاص) هم الآخرون، لكنهم يتنكّرون له، ويضربون به عرض الحائط إذا جاء التطبيق إليهم.
فكل المناهج غاليها ومتساهلها سلفيّها وخلفيّها تأخذ مداها، وتتأرجح بين التطبيق المتشدد، إلى التساهل حين يكون موضوعها ومحمولها هو الآخر، أمّا حين تقترب الشفرة إلى الذات فحينئذ تنتفض الذات، وتهتزّ النفس الحرون لتقرر بطلان أيّ منهج تخسر بتطبيقه بعض بريقها وزخمها الّذي تكتسب به جماهيريّتها ..
إنّها الذات .. حين تصبح محور اجتهادات الفقيه، ودعوة الداعي، وجهاد المقاتل، وسياسة السياسي ..
ولذا نلاحظ هذه الأيّام موجة من النكوص والعودة إلى التفتيش في قضايا المنهج لا من أجل تثبيتها والإشادة بها بل لنقضها وبيان خللها ..
متى حدث هذا ومتى يحدث؟
يحدث كلّما تبيّن أنّ المنهج يقترب من حدود الذات ويلامس حماها ..
قديما كان البعض يتترّس بمنهج توقير العلماء وحماية جنابهم ..
وحين وجد أنّ العلماء عارضوه، وتكلّموا فيه إذا نفسه تصيح بين جنباتها أنّ تقديس العلماء ليس من أصول الإسلام ..
كثيرون يتكلمون عن حاكمية الشريعة، ويكادون يسطون بمن يخالفهم في جزئيات من المسألة ..
لكن حين يُراد تطبيق الشريعة عليهم سيكون في المسألة نظر!
وبعضهم يترفع أصلاً عن أن يُحاكم إليها!
كثيرون ينادون بإشاعة روح النقد والرد على المخالف في جوّ من الألفة والمودّة، لكن حين يكون النقد موجهاً لهم سيصبح كلّ من نقدهم عدواً لهم.(2/128)
أصبح الناس يبيعون المنهج، ويتنكرون له مقابل سلامتهم وبقاء زخمهم ..
أين من يقول كما قال ابن الزبير:
اقتلوني ومالكاً .. واقتلوا مالكاً معي
حين أقدّس المنهج، وأدافع عنه لن أضحي به مقابل سلامتي .. حتى وإن استُخدم المنهج ضدّي، حتّى وإن كان المنهج سيفاً يتسلّط به البغاة على أهل الحق، فإنّ الحق يظل حقاً وإن وظّفه الباطل.
نعم .. إذا تيقنت أنّي سأكون ضحيّة تطبيق المنهج الحق والإشادة به والدعوة إليه فليكُن، ولتذهب حظوظ النفس إلى الجحيم ..
لا يجوز أن يكون المنهج رهناً لرياح التغيير التي تهب علينا من هنا وهناك ..
ورحم الله سفيان الثوري إذ قال: «إذا رأيتموني قد تغيرت عن الحال الذي أنا عليه اليوم، فاعلموا أني قد بَدّلتُ».
الأمر الثاني:
قيل: إنّ ذبابة سقطت على نخلة، فلما هَمّت الذبابة بالانصراف قالت للنخلة: أيتها النخلة تماسكي فإني راحلة عنك، فقالت النخلة: انصرفي أيتها الذبابة، فهل شعرت بك حينما سقطت عَلَيّ لأستعدّ لك وأنت راحلة عني؟!
تذكرت هذا المثل حين أصرّ بعض من كان في المجلس على تضييق حدقة الحوار وتصويبها على من ابتُلي ببغضه، ودون تقليل من قدر الزميل المحتقن فإنّي أقول هذا متذكّراً حجم الخلل الواقع في فهمنا أو تطبيقنا لأصول شرعية عظيمة ومنها أصل هجر المخالف والكلام فيه؛ إذ كثيراً ما نمارس هذه الأصول بلا ضوابط، ممّا يفقدها أثرها، هذا إن لم تعُد بنتائج عكسية أصلاً.
فهذا الأصل الشرعي العظيم دخله الخلل من جانبين: أحدهما أنّه كثيراً ما يوُظّف لتفريغ الشحن النفسي لدى الهاجر والمتكلّم؛ إذ يشعر بغيظ وحقد لشخص يخالفه فيفرّغ هذه العواطف السلبية تجاهه عبر هجره والقدح فيه، دون مراعاة لضوابط الهجر الشرعية، وهو في هذا غير مأجور إن لم يكن موزوراً، حتى لو فرض صحة موقفه، كما قال ابن تيمية رحمه الله: «الهجرة الشرعية لابد أن تكون خالصة لله، موافقة لأمره؛ فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجراً غير مأمور به كان خارجاً من هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه، ظانّة أنها تفعله طاعة لله».
والجانب الآخر أنّ الهجر والكلام في المخالف لا يكون ذا فاعليّة إلاّ إذا كان الهاجر ذا مكانة عند المهجور والبيئة التي يعيش فيها، مكانة علميّة أو اجتماعية أو ولاية شرعية أو غير ذلك، ممّا يؤدي إلى تأثّر المهجور بالهجر فيراجع نفسه، أو تتأثر به البيئة فيتابعونه في الهجر، فمن المضحك حقاً أن يمارس الهجر فئات ليس لها في الساحة صدى، وهي تدّعي أنّها تقوم بحماية جناب الشريعة، والذي حصل في مثل هذه الحال أنّ أثر الهجر عاد على الهاجرين أنفسهم، فأصبحوا وحدهم فئة معزولة لا تأثير لهم في الآخرين؛ ففقدوا رافداً من روافد نفع الآخرين، وتركوا الساحة لمن يرونهم مبتدعة، وهذا خلاف مقتضى الفقه الصحيح؛ إذ كثيراً ما تكون المشاركة بالّتي هي أحسن أولى من الهجر والمنابذة دون تفريط في بيان كلمة الحق والإنكار على المخطئ.
أخيراً فإنّه كثيراً ما يكون الهجر وممارسته نابعاً من إعجاب الشخص بنفسه وظنّه أنّ له من الوزن ما يحقق به هدفاً تربوياً رادعاً وزاجراً، وتراه يفعل ذلك متقمصاً قميصاً أكبر منه، مع أنّه في الحقيقة لو تدبّر في حقيقة نفسه ووزنه لعرف أنّه يرقص في الظلمة -كما يُقال- إذ ربّما يهجر ويعود عن هجره، ثم يهجر ثمّ يعود، ومع ذلك فإنّ أحداً لم يشعر به حين أقبلَ، كما لم يشعر به لمّا أدبَر.(2/129)
كسوف العقل
د. عبدالعزيز العبداللطيف
25جمادى الأولى 1431هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
لو أن أهل الحساب والمشتغلين بالفلك والهيئة اقتصروا في تفسير كسوف الشمس أو خسوف القمر وَفْق ما يعرفونه من أسبابٍ ظاهرةٍ طبعيةٍ لهان الأمر؛ فقيمة المرء ما يحسنه، لكن أن يدَّعوا أن كسوف الشمس ليس سببه ذنوب العباد، ولا أثَر ولا صلة له بمعاصي بني آدم، فذاك ظن بلا علم، وتخرُّص بلا فهم، بل هو جهالة بالعلميات، وقساوة قلب بالعمليات والإرادات، كما هو مبيَّن في السطور التالية
- مقولة الفلكيين السالفة قد تجد آذاناً صاغية في عصور غابرة، زمن الصراع بين الكنيسة والدين في أوروبا؛ فتأليه العلم التجريبي لا يتحقق إلا بمحاربة إله الكنيسة وخرافة الدين النصراني المحرَّف؛ فإن أردتَ العلم فانسلخ من تلك العبادة، وكذا العكس ... وهكذا ظل الصراع قائماً بين الدين المحرَّف والعلم في بلاد الغرب.
وأما دين الإسلام - وعند مذهب أهل السُّنة والجماعة على سبيل الخصوص - فتصريح المعقولات موافق لصحيح المنقولات؛ فلا عداء مفتعلاً بين العلم والدين؛ فما أثبته العلم التجريبي من حقائقَ يستحيل أن تعارض هذا الشرع التامَّ والدين الخاتم؛ فالشرع أنزله الله - تعالى - والعقل خلقه الله، عز وجل. والأدلة الشرعية والبراهين العقلية يصدق بعضها بعضاً.
- قررتِ الأدلة النقلية أن للكسوف أسباباً شرعية في وقوعه وارتفاعه؛ فذنوب العباد من أسباب وقوعه وانعقاده، كما أن الصلاة والصدقة والدعاء والتوبة ... سبب في زواله وارتفاعه؛ فعن أبي بكرة - رضي الله عنه - قال: كنا عند رسول الله "صلى الله عليه وسلم" فانكسفت الشمس فقام النبي "صلى الله عليه وسلم" يجرُّ رداءه حتى دخل المسجد، فدخلنا، فصلى بنا ركعتين حتى انجلت الشمس، فقال "صلى الله عليه وسلم": «إن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد فإذا رأيتموها فصلُّوا وادعوا حتى يُكشف ما بكم».
قال الحافظ ابن حجر: «قوله (آيتان) أي علامتان، (من آيات الله)؛ أي: الدالة على وحدانية الله وعظيم قدرته، أو على تخويف العباد من بأس الله وسطوته، ويؤيده قوله - تعالى -: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 95]».
وبيَّن الحافظ ابن حجر - رحمه الله - بطلان مزاعم أهل الهيئة (الفلك)، فقال: «قوله "صلى الله عليه وسلم": (يخوِّف بهما عباده) فيه ردٌّ على من يزعم من أهل الهيئة أن الكسوف أمر عادي لا يتقدم ولا يتأخر؛ إذ لو كان كما يقولون لم يكن في ذلك تخويف، ويصير بمنزلة الجَزْر والمدِّ في البحر، وقد ردَّ ذلك عليهم ابن العربي وغير واحد من أهل العلم بما في حديث أبي موسى الأشعري؛ حيث قال: «فقام فزعاً يخشى أن تكون الساعة».قالوا: إن ظاهر الأحاديث أن ذلك يفيد التخويف، وأن كل ما ذُكِر من أنواع الطاعة يُرجَى أن يُدفَع به ما يُخشَى من أثر ذلك الكسوف».
وقال العلامة العيني: «لا خلاف في مشروعية صلاة الكسوف والخسوف، وأصل مشروعيتها الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة: أما الكتاب فقوله - تعالى -: {وَمَا نُرْسِلُ بِالآيَاتِ إلاَّ تَخْوِيفًا} [الإسراء: 95]، والكسوف آية من آيات الله المخوِّفة، والله - تعالى - يخوِّف عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعة الله التي فيها فوزهم».(2/130)
وأخرج الشيخان من حديث أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - أن النبي "صلى الله عليه وسلم" قال: «إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبِّروا وصَلُّوا وتصدَّقوا. ثم قال: يا أمَّة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني عبده، أو تزني أَمَته، يا أُمَّة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً».
قال الحافظ ابن حجر: «قال الطيبي وغيره: لَمَّا أُمِروا باستدفاع البلاء بالذكر والدعاء والصلاة والصدقة، ناسب ردعَهم عن المعاصي التي هي من أسباب جلب البلاء، وخصَّ منها الزنا؛ لأنه أعظمها في ذلك. وفي الحديث ترجيح التخويف في الخطبة على التوسع في الترخيص؛ لِمَا في ذكر الرخص من ملاءمة النفوس لما جُبلَت عليه من الشهوة. والطبيب الحاذق يقابل العلة بما يضادها لا بما يزيدها».
- من أعظم الآفات أن يكذِّب أقوام بما لم يحيطوا بعلمه؛ فكون الكسوف والخسوف له أسباب ظاهرة طبعية قد تُعرَف بالحساب؛ فهذا لا ينفي ما سبق تقريره أن ذنوب العباد وتفريطهم من أسباب انعقاد الكسوف وحصوله؛ فلا مانع من ذلك كله، وأمَّا حصر هذه السببية فيما ادَّعاه أهل الهيئة فهذا قصور في العلم، وضيق في الأفق.
فالعلماء المحققون من أهل الإسلام والسُّنة اتسعت عقولهم وأفهامهم؛ فأثبتوا السبب الطبعي والشرعي؛ فابن دقيق العيد يقول: «ربما يعتقد بعضهم أن الذي يذكره أهل الحساب ينافي قوله "صلى الله عليه وسلم": «يخوِّف الله بهما عباده» وليس بشيء؛ لأن لله أفعالاً على حسب العادة، وأفعالاً خارجة عن ذلك، وقدرته حاكمة على كل سبب؛ فله أن يقتطع ما يشاء من الأسباب والمسببات بعضها عن بعض، وإذا ثبت ذلك فالعلماء بالله لقوة اعتقادهم في عموم قدرته على خرق العادة، وأنه يفعل ما يشاء إذا وقع شيء غريب حدث عندهم الخوف لقوة ذلك الاعتقاد؛ وذلك لا يمنع أن يكون هناك أسباب تجري عليها العادة إلى أن يشاء الله خرقَها، وحاصله أن الذي يذكره أهل الحساب إن كان حقاً في نفس الأمر لا ينافي كون ذلك مخوفاً لعباد الله، تعالى».
وتحدث ابن القيم عن سببية الكسوف والخسوف قبل مئات السنين فأثبت السبب الطبعي المعتاد، فقال: «فأما سبب كسوف الشمس فهو توسط القمر بين جرم الشمس وبين أبصارنا، وأما سبب خسوف القمر فهو توسط الأرض بينه وبين الشمس حتى يصير القمر ممنوعاً من اكتساب النور من الشمس ... ».
كما قرر السبب الشرعي قائلاً: «إن الله - سبحانه - يُحدِث عند الكسوفين من أقضيته وأقداره ما يكون بلاءً لقوم ومصيبة لهم، ويجعل الكسوف سبباً لذلك؛ ولهذا أمر النبي "صلى الله عليه وسلم" عند الكسوف بالفزع إلى ذكر الله والصلاة والعتاقة والصيام؛ لأن هذه الأشياء تدفع موجب الكسوف الذي جعله الله سبباً لما جعله؛ فَلَولا انعقاد سبب التخويف، لما أمر بدفع موجبه بهذه العبادات.
ولله - تعالى - في أيام دهره أوقات يُحْدِث فيها ما يشاء من البلاء والنعماء، ويقضي من الأسباب بما يدفع موجب تلك الأسباب لمن قام به، أو يقلله أو يخففه؛ فمن فزع إلى تلك الأسباب أو بعضها، اندفع عنه الشر الذي جعل الله الكسوف سبباً له أو بعضه؛ ولهذا قلَّ ما يسلم أطراف الأرض؛ حيث يخفى الإيمان، وما جاءت به الرسل فيها من شر عظيم يحصل بسبب الكسوف، وتسلم منه الأماكن التي يظهر فيها نور النبوة، والقيام بما جاءت به الرسل، أو يقلُّ فيها جداً».
كما قرر أيضاً أنه لا تناقض بين حساب الكسوف، وبين الفزع إلى الصلاة والدعاء والصدقة، والذي هو أنفع للأمة وأجدى عليهم في دنياهم وأخراهم من اشتغالهم بعلم الهيئة وحساب الكسوف.<