بل إنَّ جميع ما ورد في الأحاديث الصحيحة الصريحة في استخدام الدف، إنما كان من الجويريات الصغيرات، إلا حديث بريدة رضي الله عنه وسيأتي الكلام عنه.
ففي حديث عائشة رضي الله عنها في النكاح (فهل بعثتم معها جارية تضرب بالدف) رواه الطبراني في الأوسط.
وفي حديث الربيع بنت معوذ رضي الله عنها (فجعلت جويريات يضربن بالدف) رواه البخاري.
وفي حديث أنس رضي الله عنه (فإذا هو بجوار يضربن بدفهن) رواه ابن ماجه.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها في العيد (وعندها جاريتان تضربان بدفين) رواه أحمد والنسائي.
لكن هناك فرق بين حكم ضرب الرجال للدف، وبين سماع الرجال لضرب الدف؛ لأن سماع الرجال لضرب الدف إذا كان من الصغار وفي العرس أو الأعياد فهو جائز وقد وردت فيه أحاديث تقدم بعضها.
أما ضرب الدف عند قدوم الغائب فقد ورد فيه حديثان:
الأول: حديث أنس بن مالك رضي الله عنه وفيه: (أنه صلى الله عليه وسلم مرَّ ببعض المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن ويتغنين) رواه ابن ماجة وليس عنده أنه قدم المدينة فلا يُستشهد به على قدوم الغائب ثم إنهن صغيرات يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم كما في آخر الحديث: (يعلم الله أني لأحبكن).
والثاني: حديث بريدة رضي الله عنه قال: (خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جارية سوداء فقالت يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحاً -وفي رواية: سالماً- أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل علي وهي تضرب ثم دخل عثمان وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان ليخاف منك يا عمر) رواه الترمذي
والذي يظهر أن هذه الحادثة واقعة عين لم تتكرر فلا عموم فيها ولا تُعارض بها النصوص.
وواقعة العين هي الحادثة الظنية التي تعارض أصلاً أو قاعدة كلية في الشريعة وتكون محتملة لأكثر من تأويل، وقضايا الأحوال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط بها الاستدلال، ومن الأمثلة المشهورة في واقعات العين قصة رضاع سالم مولى أبي حذيفة من سهلة بنت سهيل رضي الله عنهم والمعروفة عند الفقهاء برضاع الكبير.
وعليه فهذه الحادثة واقعة عين لا عموم لها, وحوادث الأعيان لا يستدل بها على عموم الأحكام, فالجارية نذرت أن تضرب فوق رأس النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً بعودته سالماً, وهذا لا مماثل له ليُقاس عليه، والذين أباحوا الضرب بالدف في كل مناسبة فرح وسرور وعند قدوم أي غائب غفلوا عن النهي الصريح من النبي صلى الله عليه وسلم عن الضرب بالدف ما لم تكن قد نذرت, والنهي قد جاء في الحديث نفسه بلفظ: (وإلا فلا) وفي لفظ آخر: (وإلا فلا تفعلي) فهذا نهي صريح عن الضرب بالدف فرحاً بعودته صلى الله عليه وسلم, والأصل في النهي أنه يقتضي التحريم واستُثني من ذلك أن تكون قد نذرت أن تضرب فوق رأسه هو صلى الله عليه وسلم فالحالة المستثناة من النهي الصريح هي حالة النذر بالضرب فوق رأسه هو, فرحاً بعودته هو صلى الله عليه وسلم فالخصوصية هنا واضحة ولله الحمد.
ولو سلمنا بأنها ليست خصوصية وأنها ليست واقعة عين فليس فيها دليل على جواز الضرب بالدف لكل قادم فما أكثر سفر الصحابة وقدومهم ومع هذا لم ترد رواية واحدة أن أحداً من النساء أو الجويريات ضرب بالدف على رأسه فضلاً عن الرجال.
أقوال أهل العلم:
1 - قال الإمام أحمد: أذهب إلى حديث إبراهيم: كان أصحاب عبد الله يستقبلون الجواري في الطريق معهن الدفوف فيخرقونها (الأمر بالمعروف للخلال 1/ 172)(3/4)
2 - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (رخص للنساء أن يَضْرِبْنَ بالدف في الأعراس والأفراح، وأما الرجال على عهده فلم يَكُنْ أحدٌ منهم يضرب بدف ولا يصفق بكَفٍّ) (مجموع الفتاوى 11/ 565)
3 - وقال الحافظ ابن كثير: (نقل غير واحد من الأئمة إجماع العلماء على تحريم اجتماع الدفوف والشبابات، ومن الناس من حكى في ذلك خلافاً شاذاً، وأما انفراد كل واحد من الدف واليراع (القصبة) ففيه نزاع في مذهب الإمام الشافعي والذي عليه أئمة الطريقة العراقية التحريم وهم أقعد بمعرفة المذهب من الخراسانيين، ويتأيد ما قالوه بالحديث المتقدم -يعني حديث ليكونن من أمتي- ولا يستثنى من ذلك إلا ضرب الدف للجواري -الصغيرات- في مثل الأعياد وعند قدوم الغائب المعظم وفي العرس كما دلت على ذلك الأحاديث كما هو مقرر في مواضع، ولا يلزم من إباحة ذلك في بعض الأحوال إباحته في كل حال) (ملحق كتاب الكلام على مسألة السماع لابن القيم ص 473)
4 - وقال الحافظ ابن القيم: (فكل متكلم بغير طاعة الله ومصوت بيراع أو مزمار أو دف حرام) (إغاثة اللهفان 1/ 256)
5 - وقال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (6/ 82): (ولهذا كان جمهور العلماء على أن الضرب بالدف للغناء لا يباح فعله للرجال؛ فإنه من التشبه بالنساء، وهو ممنوع منه، هذا قول الأوزاعي وأحمد، وكذا ذكر الحليمي وغيره من الشافعية ... فأما الغناء بغير ضرب دف، فإن كان على وجه الحداء والنصب فهو جائز. وقد رويت الرخصة فيه عن كثير من الصحابة)
6 - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: (واستدل بقوله: "واضربوا" على أن ذلك لا يختص بالنساء، لكنه ضعيف والأحاديث القوية فيها الإذن في ذلك للنساء فلا يلتحق بهن الرجال لعموم النهي عن التشبه بهن) فتح الباري (9/ 185)
7 - وقال الفقيه الشافعي ابن حجر الهيتمي: (حكى الإمام البيهقي عن شيخه الإمام الحليمي -ولم يخالفه- أنَّا إذ أبحنا الدف فإنما نبيحه للنساء خاصة. أ. هـ. وعبارة منهاجه: وضرب الدف لا يحل إلا للنساء لأنه في الأصل من أعمالهن وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء) (كف الرعاع للهيتمي) (2/ 292)
وقال: ( ... إن جماعة كثيرين من أصحابنا قالوا بحرمته -يعني الدف- في غير العرس والختان بل اعترض تصحيح الشيخين إباحته في غيرهما بأن الذي نص عليه الشافعي رضي الله عنه وعليه جمهور أصحابه أنه حرام في غيرهما ... وأما الإباحة مطلقاً فلا دليل عليها والاستدلال له بلعب الجواري به ضعيف، لأنهم سومحن بما لم يسامح به المكلفون) (كف الرعاع 2/ 291)
أما الختان فلا أعلم فيه حديثاً يصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أثراً عن صحابي.
والخلاصة:
1 - أن الطبل محرم في أي حال وعلى كل أحد لأنه من المعازف التي لم تُستثن من الأصل.
2 - أن الدف من المعازف المحرم على الرجال الضرب بها على أي حال وفي أي مناسبة.
3 - أنه رُخِّص فيه للنساء وللصغيرات خاصة وفي الأعراس والأعياد فقط.
4 - أنَّ سماعه للرجال من الصغيرات مباح في الأعراس والأعياد فقط.
5 - أنه لا يجوز الضرب به في المناسبات الأخرى كقدوم غائبٍ، أو في ختانٍ، أو عند شفاء مريض, أو تخرج من جامعة, أو حصول على درجة علمية, أو منصب رفيع أو ما شابه ذلك.
6 - أنه لا يجوز سماعه من أشرطة الكاسيت إلا في المناسبتين التي رُخص لنا فيها ومن النساء أو الصغيرات.
والله أعلم(3/5)
الشاب المسلم بين السلبية والإيجابية
د. أحمد بن عبد الرحمن القاضي
الحمد لله الأول، والآخر، الظاهر، والباطن؛ الأول فليس قبله شيء، والآخر فليس بعده شيء، والظاهر فليس فوقه شيء، والباطن فليس دونه شيء. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء، وسيد المرسلين سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم، الحمد لله القائل في محكم التنزيل: (اقرأ باسم ربك الذي خلق؛ خلق الإنسان من علق).
أما بعد:
فإن (الإيجابية) و (السلبية) كلمتان شاع استعمالهما في الأزمنة الأخيرة استعمالاً كثيراً على كافة المستويات؛ يستعملهما الصحفيون، والمؤلفون، وعامة الناس، فتجدهم يقولون هذه (ظاهرة إيجابية) وتلك (ظاهرة سلبية) و (فلان إيجابي) و (فلان سلبي). ولا نعلم لهاتين الكلمتين مدلولاً شرعي، لكن كما قيل: لا مشاحة في الاصطلاح. فالألفاظ أوعية للمعاني.
الإيجابية: تحمل معاني التجاوب، والتفاعل، والعطاء، والمساهمة، والاقتراح البنَّاء. والشخص الإيجابي: هو الفرد، الحي، المتحرك، المتفاعل مع الوسط الذي يعيش فيه.
والسلبية: تحمل معاني التقوقع، والانزواء، والبلادة، والانغلاق.
والشخص السلبي: هو الفرد البليد، الذي يدور حول نفسه، لا تتجاوز اهتماماته أرنبة أنفه، ولا يمد يده إلى الآخرين، ولا يخطو إلى الأمام.
وهذا التصنيف، أمر مشهور في القديم والحديث، فإن الله قسم الأخلاق، كما قسم الأرزاق. لكن الذي يهمنا، في هذا المقام، واقع الشباب المسلم الذين انتظموا في سلك الدعوة إلى الله، وحُسبوا من شباب الصحوة الإسلامية، فقد يصاب الشاب بداء السلبية، ويفقد مزية الإيجابية دون أن يشعر. تضمه حلقة ذكر، فيظن نفسه إيجابياً ويرى أقرانه في الشوارع، لا يشهدون ما يشهد، فيقول: هؤلاء سلبيون، وأنا الإيجابي.
فلا يسوغ أن نخدع أنفسنا، ونغش ذواتنا، بل علينا أن نتأكد بصورة حقيقيةٍ، من واقعنا وحالنا.
إننا حين نرصد هاتين الظاهرتين (الإيجابية)، و (السلبية)، في حياة المؤمنين، فإننا نجد أمثلة نادرة لقوم منَّ الله تعالى عليهم بالإيمان الفاعل، المتحرك، الذي نسميه في مصطلحنا المعاصر (الإيجابية). ومن تلكم الأمثلة:
أولاً: قصة مؤمن القرية
قال: الله عز وجل: "وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" لنتأمل حال هذا الرجل الداعية، من خلال عدة وقفات:
الوقفة الأولى: (وَجَاء مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ) جاء من مكان بعيد؛ لم يمنعه بُعد المكان أن يأتي ليبلغ دعوته، وينشر معتقده، فقد جاء من أقصا المدينة! فلم يقل: الشُّقة بعيدة، والمسافة طويلة، والأمر صعب، بل اطرح جميع هذه المعوقات. هذه واحدة.
والوقفة الثانية: إنه جاء (يَسْعَى) ولم يأتي ماشياً! فإن ما قام في قلبه من الحماس، والحمية، والحركة، والرغبة، في نقل ما عنده إلى الآخرين، حمله على أن يسعى.
الوقفة الثالثة: (من أقصا المدينة) وعادةً، لا سيما في الأزمنة السابقة، لا يسكن أقصا المدينة إلا بسطاء الناس، وضعفاؤهم، وفقراؤهم، فلم يمنعه ما هو عليه من شظف العيش ودنو المنزلة الاجتماعية، من أن يجهر بدعوته.
الوقفة الرابعة: "قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ" كلمة ً صريحةً، واضحةً، صرخ بها بين ظهراني قومه. ولربما كان هذا الإنسان قبل أن يمن الله تعالى عليه بالإيمان، لا يقوى أن يرفع طرفه إلى الملأ من قومه، مما يجد في نفسه من الشعور بالذلة والمهانة، فهو ليس(3/6)
من علية القوم، يعيش في قصر في قلب البلد، لا وإنما يعيش في ضواحيه، وأطرافه وكما قال بعض المفسرين: أنه كان يعمل (إسكافاً) وهي مهنة بسيطة دنيئة. لكن الإيمان الذي وقر في قلبه، حمله على أن يشعر بعزة الإيمان، واستعلائه، فيصيح بين ظهراني قومه، قائلاً: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"، دون سابق ممارسة، واعتياد. وإنما يتكلم الإنسان، ويمتلك الشجاعة الأدبية، لما يقوم في قلبه من الإيمان العميق بالحق الذي يعتقده. فلماذا نتلجلج أحياناًً؟ ولماذا نتلكأ؟ ولماذا نحجم؟ إن هذا ناتج عن ضعف الإيمان، وبرودة المعاني التي نعتقدها، أما إذا حَيَت في قلوبنا هذه المعاني، فإنها ستظهر على فلتات اللسان، وحركة الأبدان، للتعبير عنها.
الوقفة الخامسة: "اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ": هاهو يناظرهم، ويجادلهم، ويشير إلى بعض نقاط الخلاف بين قومه وبين أولئك الرسل الكرام الذين أرسلوا إليهم، ثم يسوق الحجج العقلية، والفطرية، فيقول: "وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ إِنِّي إِذًا لَّفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ"
هذا مثال لمؤمن حمله إيمانه الحق الصادق، على أن يجهر بدعوته، لا يجمجم، ولا يهمهم، وإنما يأتي بها صريحة، واضحة، بينة، في منتديات الناس. إيمان فاعل، إيمان ناشط، إيمان واعٍ؛ يدرك تبعاتها، وآثارها، وما سوف تجر عليه من مسؤوليات، لكن ذلك لم يمنعه ولهذا قال ذلك الكلام بين ظهراني قومه، ونادى بملأ فيه: "إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ " فقتله قومه شر قتله، حتى ذكر بعض التابعين الذين يروون عن أهل الكتاب أن قومه وطئوه بأقدامهم حتى قضوا عليه، وقيل أنه قطعوه إرباً.
ولكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد! يظل الإيمان الفاعل يحمل صاحبه على النصح للآخرين، قائماً، فبعد أن بُشِّر:"قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ"! سبحان الله! حتى بعد الموت، والفوز بالجنة، لا يزال في قلبه الشعور بالرغبة في العطاء، الرغبة في البذل، والنصح للآخرين. ولم يشأ أن يتشفى بهم، أو يجعل ذلك ذريعةً للنيل منهم، وإنما تمنى من سويداء قلبه أن يعلم قومه بعاقبته، لعل ذلك يحملهم على أن يقبلوا نصحه. قال قتادة: لا تلقى المؤمن إلا ناصحا، لا تلقاه غاشا؛ لَمَّا عاين من كرامة الله. وقال ابن عباس: نصح قومه في حياته بقوله: "يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ"، وبعد مماته في قوله: " يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ. بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ"رواه ابن أبي حاتم. قال ابن كثير، رحمه الله: (ومقصوده: أنهم لو اطلعوا على ما حصل من هذا الثواب، والجزاء، والنعيم المقيم، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل، فرحمه الله ورضي عنه، فلقد كان حريصا على هداية قومه)
ثانياً: قصة الطفيل بن عمرو الدوسي رضي الله عنه:(3/7)
كان يتحاشى، ويحاذر أن يسمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم، بسبب تحذير قريش. فلما سمعه، وأدرك صدقه، بعقله، وثاقب نظره، وفطرته السليمة، آمن. ولكن الرجل لم يكتم إيمانه في قبيلته (دوس)، ولم ينكفئ على نفسه، دون أن يكون له أثر. وإنما طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل له آية. فلما أقبل على قومه، جعل الله له نورا ً بين عينيه. فسأل الله تعالى أن تكون في غير هذا الموضع، حتى لا يظنها قومه مُثله. فكانت في رأس سوطه. فلما جاءه أبوه قال: إليك عني، ما أنا منك، ولا أنت مني! وصنع ذلك مع زوجه، وقبيلته. فقالوا: ماذا أصابك؟ قال: إني ءامنت بالله، فإما أن تؤمنوا بما آمنت به، أو أفارقكم. فلم يزل بهم حتى وافقوه. وقدم على النبي صلى الله عليه وسلم عام خيبر، ومعه سبعون من قبيلته دوس! رجل واحد يأتي بسبعين رجلاً، منهم أبو هريرة!
فلو لم يكن من فضائله، رضي الله عنه، إلا أن أسلم على يديه أبو هريرة، رضي الله عنه، لكفى. كفى أن أبا هريرة، أكثر الصحابة رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، حسنة من حسنات هذا المؤمن الفاعل النشيط، الذي وقر الإيمان في قلبه، فظهر على أعماله وسلوكه.
وصف الظاهرة
اسمحوا لي الآن بعد عرض هذين المثلين الإيجابيين، أن أعرض لوصف مظاهر السلبية، التي صارت تتفشى في مجتمعات كثير من الشباب الصالحين هذه الأوقات. فقد كان الشباب في مطلع هذه الصحوة المباركة، فيهم من القوة، والبذل، والتضحية، بالأوقات، والحماس للدعوة إلى الله عز وجل، ما هو مضرب المثل. وكانوا قلة يواجهون باللوم، والتقريع، وإطلاق ألقاب السوء عليهم. فلم يزالوا صابرين، ناصحين، باذلين، حتى فتح الله على أيديهم، وكثر المهتدون بسببهم. ثم بتنا نرى جموعاً من الشباب، يحبون الخير، ويشهدون مجالسه، ولكنهم أقل عطاءً، وأضعف إنتاجاً، وأثرهم في المجتمع ضعيف. أصيبوا بداء (السلبية).
وهذه الظاهرة تنشأ عبر خطوات؛ فتجد الشاب يعيش في مرحلة ما قبل الاستقامة حياةً ممتلئة، فعالة، مؤثرة، تضج بالعطاء، والحيوية، والذهاب، والإياب، والانشغال، لكن في مجال الباطل، والغفلة، واللهو؛ رحلات متتابعة، سفريات، وزيارات، ومشاريع كثيرة جداً. ثم يلتزم الشاب، ويجد طعم الراحة الإيمانية، وتتساقط عنه همومه، وإشكالاته، ويحس بالخفة النفسية. وهذه مرحلة طبيعية، وفرح إيماني صحيح. لكن بعضهم يسيطر عليه شعور بالانسحاب من الحياة العامة، والعيش في جو مغلق محدود، لا يتناسب من حيث العطاء مع وضعه السابق، إذا به يعود منغلقاً على نفسه، مطأطأ الرأس، خافت الصوت، لا ينتج، ولا يبذل. ويصدق عليه المثل القائل: (جبَّار في الجاهلية خوار في الإسلام)
ثم تجد أن هذا الشاب الذي أصيب بهذا الداء داء (السلبية) يطمئن نفسه ببعض المسكنات، فيقول: هاأنذا أساهم مع الشباب في حضور بعض الأنشطة، وهاأنذا أحضر مناسبات الخير، وإذا دعيت أجبت. ويعتقد أنه بهذه المساهمات المحدودة، البسيطة قد أدى ما عليه. يشعر بالاكتفاء، والامتلاء. وهذا في الحقيقة داء.
ليس المقصود أن تكون رقما فقط،، كلا! إنك حينما اهتديت إلى الله عز وجل، بات المطلوب منك أن تحمل غيرك، كما حملك غيرك، وأن تكون فاعلاً، مؤثراً، كما كنت قبل ذلك، لا أن تملأ المجالس، ويكون دورك فقط الدور الحضوري.(3/8)
ثم لا يلبث صاحبنا أن تنشأ عنده اهتمامات جانبية، تافهة، تكون هي شغله الشاغل. وقد يتعدى الأمر إلى خطر أكبر، فيقع في الفتور، إذا طال عليه الأمد كما قال الله عز وجل: "أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ"الحديد"، فيقسو قلبه، وتموت أحاسيسه، وانفعالاته الإيمانية، ولا يستجيب لما كان يستجيب له من قبل. وربما أفضى به ذلك إلى الردة، والانتكاسة، كما نسمع بين الوقت والآخر: إن فلاناً أصابه شيء، وانتكس والعياذ بالله.
وربما ابتلي هذا الإنسان السلبي، بمرض آخر خطير، وهو (حب النقد) و (توزيع التهم) و (الانشغال بتجريح الآخرين). فإنك، غالباً، لا تجد من يشتغل بالنقد، والتجريح، والوقيعة في الناس، ولاسيما الدعاة، والعلماء، إلا الفارغين. فالفارغون الذين ليس عندهم عمل، ولا دعوة، ولا طلب علم، ولا حسبة، شغلهم الشاغل أن يتكئ أحدهم على أريكته، ويشير بأصبعه السبابة، قائلاً: هذا صح، وهذا خطأ! وفلان أصاب، وفلان أخطأ! وربما لم يبلغ بعد أن يحسن تلاوة الفاتحة، أو يحفظ باباً من العلم.
السلبية في البيت
ففي البيت، ليس له تميز، ولا أثر؛ لا يأمر بالمعروف، ولا ينهي عن المنكر. وربما قصر في الحقوق الواجبة عليه من البر والصلة. لا يميز أهله بينه، وبين أخيه غير المستقيم، بل قد يفوقه بعض إخوانه في نفع أهله. وربما لا يقوم بتعليمهم ما يتعلم، ولا يجلب لهم الأشرطة، ولا الكتيبات، ولا يجلس معهم، ولا يحدثهم بأحاديث إيمانية، ولا يناصحهم ولا يسألهم عن ماجريات أمورهم. فهذا لاشك أنه نوع من السلبية.
وليستذكر كل واحد الآن، ماذا يصنع في بيته؟ هل أنت شعلة مضيئة؟ هل أنت زهرة فواحة، تنشر أريجها، وعبقها في كل ركن من أركان البيت؟ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (خيركم، خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) رواه الترمذي. فلماذا نحرص على الخير خارج بيوتنا، ونهمل بيوتنا، وهي ألصق بنا، وأولى ببرنا، وعطائنا؟! لا شك أن هذا يكشف خللاً في التربية، والتدين.
السلبية مع الزملاء
في المدرسة، أو الكلية، تجد علاقة هذا الإنسان المصاب بداء السلبية، مع زملائه علاقةً عادية في أحسن أحوالها، لا قدوة، ولا أخلاق، ولا تميز. فالمفترض في من يحمل بين جنبيه إيماناً دافقاً، أن يكون بين زملائه، الذين هم أصلاً مهيئون لطلب العلم، داعية، ومذكراً، وأن يباشرهم، ويتعرف على أحوالهم، ويدعوهم إلى الله، ويربيهم، ويتبادل معهم الخبرات، والمعلومات. يعطي هذا شريطاً، ويهدي لهذا كتيباً، ويتفقد حال هذا، ويزور ذاك في بيته. إلى غير ذلك من صور التفاعل الإيجابي، لا أن يقعد ويحتل كرسياً في الفصل، دون أن يكون له أثر. وربما اجتاح الميدان غيره من دعاة السوء، واللهو، والعبث، فصاروا هم المقدمين، الذين لهم الكلمة النافذة، الذين يوجهون مناشط الفصل، ومناشط المدرسة، وبرامج الكلية، وهو يتفرج، لا يحرك ساكناً، لا يقدم ولا يؤخر. كما قيل:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنون وهم شهود
سائل نفسك: حين تكون عضواً في جمعية النشاط المدرسي، أو برامج النشاط التي تقام في الكليات، والجامعات، هل أنت تقدم الأفكار، والاقتراحات، والملاحظات، والمبادرات؟ فإن هذا لون من ألوان التفاعل والإيجابية، أم تكتفي بالحضور الصامت؟
السلبية في المسجد والحي(3/9)
تجد هذا الشاب الموصوف بالسلبية، لا ثقل له بين جماعة مسجده، ولا اعتبار. نكرة من النكرات، لا يعرفه أحد! لأنه لا يبذل نفسه، ولا يسعى في حاجة المسجد، ولا يساعد جماعته، ولا يعظ، ولا ينصح، بل يأتي ليصلي، ثم ينصرف سريعاً، كأنه عابر سبيل. بل إنك تجد أحيانا ً بعض العامة يبذل في هذا المجال بذلاً عظيما؛ إذا جاء شهر رمضان، رأيت طائفة من الناس يشتغل في تهيئة المسجد، لصلاة التراويح، والعناية بالصوت، والإضاءة، وغير ذلك، وصاحبنا لا ناقة له، ولا جمل.
سائل نفسك: حين تكون منتمياًً لحلقة تحفيظ القرآن في المسجد، هل أنت على صلة بزملائك، تناصحهم، وترشدهم، وتثبتهم، وتحضهم على المواصلة في الحفظ؟ وسائل نفسك: ما هو دورك حيال قضايا المجتمع؟ أنت عضو في هذا المجتمع، عضو في هذا البلد، هل تشعر بالاهتمامات على المستوى العام؟ وهل تحاول أن تصلح إذا سمعت بمنكر، فتسعى في إزالته بالطرق المناسبة؟ وإذا سمعت بمعروف شاركت فيه وأيدت؟ أم أنك تكتفي فقط بتلقي الأخبار، وتحليلها وينتهي دورك؟
أسباب السلبية
لماذا يقع بعض الشباب في السلبية؟ ما هو السبب الذي جرهم إلى ذلك، مع أن المنطلق كان صحيحا؟ هذا يرجع في الحقيقة إلى عدة أسباب منها:
أولاً: عدم الفهم الصحيح للعقيدة الإسلامية:
كأن يتصور أن الدخول في عقد الإيمان، يعني أن يكون حاله حال دراويش الصوفية، الذين يقبعون في الزوايا، والتكايا. ولا ريب أن هذا فهم خاطئ أساساً. فالعقيدة الإسلامية عقيدة تقوم على الإيمان الصحيح بالله عز وجل، وما يقتضي ذلك من الدعوة إليه، والصبر على الأذى فيه. قال تعالى: "إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ " وتواصوا: صيغة مفاعلة، أي أوصى بعضهم بعضاً. فعلى كل واحد أن يصحح معتقده، ويفهم دينه على الوجه الصحيح.
ثانياً: اعتقاد الإنسان أن من شروط الإيجابية حصول الكمال:
وهذا عذر مشهور يعلق عليه كثير من الناس تقصيرهم، وتقاعسهم. يقول أحدهم: ومن أنا حتى أفعل كذا، ويتواضع، ويتمسكن، ويقول ما عندي من العلم، وما عندي من الإيمان، وما عندي من التقوى، حتى أفعل كذا، وكذا! هذا ليس تواضعاً شرعياً، وإنما هو تواضع بارد مذموم. نعم لا تتكلم بما لا تعلم، بل تكلم بما تعلم. ولو تأملت لوجدت أن ما تعرف خيراً كثيراً، تملك أن تدعو إليه. وفي نفس الوقت، اسعَ لتكميل علمك، وعملك، وكلما زاد علمك وعملك زادت مسئوليتك، وفضلك.
ثالثاً: دعوى أن المبادرة، مدعاة للرياء:
هذه حيلة شيطانية، تحول بين الإنسان وبين العمل الصالح. إذا صلحت نيتك الأولى لم يضرك ما قد يقع من ثناء الناس، أو حصول مغنم، بادر في هذا المشروع الطيب، وكن رأساً فيه، فإذا رأيت من هو أولى منك، فكن عوناً له. ولكن لا يجوز أن ينظر بعضنا إلى بعض، ونقول: (من يعلق الجرس)؟ كل منا مطالبٌ أن يعمل قدر وسعه، فلا يتعلل الإنسان بهذه العلل المقعدة.
رابعاً: التربية الرخوة:
قد يتربى بعض الشباب على منهج تطغى فيه الوسائل على الغايات، فلا يتربى على منهج جاد، بل يُنشَّأ على برامج خفيفة، بسيطة، ليس فيها حزم، ولا صبر، ولا جلد، ولا ثني ركب. لابد من الصبر، والمصابرة في تحصيل العلم، والتربية، والدعوة.
كثير من الشباب يدخل في سلك الصالحين بواسطة ما يسمى (الأناشيد الإسلامية) والبرامج المشوقة، والجذابة، وأنا لا أعترض على التدرج، بشرط أن يكون هذا الأسلوب أسلوباً ملتزماً بالضوابط الشرعية، ولمرحلة مؤقتة. ولا يجوز بحال، أن يُستمَر عليه، وأن يكبر الشاب وهو لا يعيش إلا على صدح الأناشيد، والمسرحيات، والرياضة، والسباحة، والرحلات، ونحو ذلك، ويستثقل حضور مجالس العلم، وحفظ كتاب الله. إن هذا المنهج الرخو يخرِّج أفراداً لا يقوون بعد ذلك على المواصلة، ويكونون سلبيين، ولا يملكون رؤيةً واضحة. فيجب أن نفرق بين الوسائل والغايات. هذا في الحقيقة منافٍ للمنهج النبوي في التربية. المنهج النبوي منهج جاد، متين، قوي، وفي نفس الوقت ميسر، رفيق.
الختام
لابد أن نفتش في أنفسنا، لعل بعض الشباب، لازال يعيش على ذكريات الطفولة! قد كبرت يا عبد الله!
قد رشحوك لأمر لو فطنت له فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهمل
هذه كلمات، أرجوا أن تنبه أذهانكم إلى هذه القضية الخطيرة وأن يراجع كل امرئ نفسه ويرى حظه من القيام بأمر الإيمان. فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك، ففي العمر متسع، فارجع، وصحح المسار من جديد.
هذا، واسأل الله سبحانه وتعالى للجميع التوفيق، والهدى، والسداد.
وصلى الله، وسلم، وبارك، على عبده، ونبيه محمد، وعلى آله، وصحبه، أجمعين.(3/10)
ضوابط في زينة المرأة
د. محمد بن عبد الله القناص
الإسلام دين الفطرة واليسر، والإنسان مفطور على حب الزينة والجمال، وقد شرع الله لعباده التزين والعناية بالمظهر بل طلب منهم ذلك عند كل مسجد، قال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ)، وعُني الإسلام بزينة المرأة مراعاةً لأنوثتها، وتلبيةً لنداء الفطرة فيها، فرخص لها ما لم يرخص للرجل، فأبيح لها الحرير والتحلي بالذهب دون الرجال. والزينة من حيث استعمالها تنقسم إلى:
زينة مباحة: كل زينة أباحها الشرع، وأذن فيها للمرأة، مما فيه جمال للمرأة وعدم ضرر بالشروط المعتبرة، ويدخل في ذلك: لباس الزينة، والحرير، والحلي والطيب، ووسائل التجميل الحديثة.
زينة مستحبة: وهي كل زينة رغب فيها الشارع، وحث عليها ويدخل في هذا القسم سنن الفطرة: كالسواك، ونتف الإبط، وتقليم الأظافر، والاستحداد، ونحو ذلك.
زينة محرمة: وهي كل ما حرم الشرع وحذر منه مثل: النمص ووصل الشعر، أو كان فيه تشبه بالرجال، أو بالكفار.
ومن الضوابط الخاصة بزينة المرأة:
ستر الزينة والبعد عن التبرج وتجنب إظهارها للرجال الأجانب، ومراعاة القصد والاعتدال والبعد عن الإسراف، ومراعاة حدود الزينة أمام النساء.
- ضوابط زينة وتجميل الشعر:
1 - قص الشعر:
طول شعر المرأة ووفوره زينة وجمال وبهاء، وهذا أمر معروف منذ القدم، وإذا احتاجت المرأة إلى قصه مثل أن تعجز عن مؤنته، ويشق عليها كلفته فلها أن تقصه إذا كان هذا ليس فيه تشبه بالفاسقات والكافرات أو الرجال، ولا يكون في ذلك تلاعب واتباع للموضات، وقد ورد أن أمهات المؤمنين رضي الله عنهن قد قصصن شعورهن بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فقد روى أبو سلمة بن عبد الرحمن قال: "دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ أَنَا وَأَخُوهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ غُسْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْجَنَابَةِ فَدَعَتْ بِإِنَاءٍ قَدْرِ الصَّاعِ فَاغْتَسَلَتْ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَهَا سِتْرٌ وَأَفْرَغَتْ عَلَى رَأْسِهَا ثَلَاثًا، قَالَ: وَكَانَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَأْخُذْنَ مِنْ رُءُوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ". [أخرجه البخاري ح (251)، ومسلم ح (320)، واللفظ له]
2 - حلق شعر الرأس:
الحلق أخذ الشعر كله وإزلته بالموسى، وحلق المرأة رأسها لا يجوز إلا عند الضرورة وتقدر الضرورة بقدرها، لأن حلقه من غير ضرورة يعتبر مثلة في حق المرأة، وفيه أيضاً تشبه بالرجال، إذ أن الحلق من خصائصهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ" [أخرجه أبو داود ح (1693)]، وعن عائشة رضي الله عنها أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا. [أخرجه الترمذي ح (915)، وقال: والعمل على هذا عند أهل العلم]
3 - نمص الشعر من الوجه والحاجبين:
النمص: النمص لغةً: رقة الشعر ودقته حتى تراه كالزغب، والنمص: نتف الشعر، والنامصة: هي التي تُزيِّن النساء بالنمص، والمتنمصة: المُزيَّنة بالنمص.(3/11)
ونتف شعر الوجه والحاجبين لا يجوز، فعن عَلْقَمَةَ قَالَ: "لَعَنَ عَبْدُ اللَّهِ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُتَنَمِّصَاتِ وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ فَقَالَتْ أُمُّ يَعْقُوبَ: مَا هَذَا؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ وَفِي كِتَابِ اللَّهِ، قَالَتْ: وَاللَّهِ لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُهُ قَالَ وَاللَّهِ لَئِنْ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ": (وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [أخرجه البخاري ح (5939)، ومسلم ح (2125)]، والنمص والنتف سواء، ولا يختص النمص بالحاجبين بل يشمل أخذ الشعر من الوجه، قال ابن الأثير: "النامصة التي تنتف الشعر من وجهها"، لكن إذا نبت للمرأة شعر في شاربها أو لحيتها أو خدها فلا بأس بإزالته لأنه خلاف المعتاد وهو مشوه للمرأة. وكذلك إذا طال شعر الحاجب ونزل على العين فيزال ما يؤذي منه، ومن الأمور المحدثة في النمص أن تزيل المرأة كامل الحاجب وتضع خطاً مكانه، وكل هذا الأمور سواء الإزالة الكاملة أو التخفيف منهي عنها.
3 - وصل الشعر:
وصل المرأة شعرها لا يجوز ففي الحديث: "لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ " [أخرجه البخاري ح (5933)، ومسلم ح (2127)]، ويدخل في ذلك لبس ما يسمى بالباروكة، إلا لمن بها عيب كأن تكون المرأة قرعاء ليس على رأسها شعر فلا حرج من استخدام الباروكة لستر العيب.
4 - صبغ الشعر:
صبغ الشعر لتغيير الشيب مشروع بل مسنون، إذ ثبتت مشروعيته بالأحاديث الصحيحة الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم دون فرق في هذا بين الرجل والمرأة، فعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: "أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم غَيِّرُوا هَذَا بِشَيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ". [أخرجه مسلم ح (2103)]، وعن أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبُغُونَ فَخَالِفُوهُمْ " [أخرجه البخاري ح (3462)، ومسلم ح (2103)].
تعلية الشعر فوق الرأس: وهو من الأمور المستحدثة التي وردت علينا من نساء الغرب، وقد أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم - وهو من معجزات النبوة - عن صنفين لم يرهما من أهل النار، فقال فيما يرويه عنه أبو هريرة: "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا" [أخرجه مسلم ح (2128)]
ضوابط في تجميل الوجه:
1 - العدسات الملونة:
عرفت العدسات في مجال علاج قصر النظر، واستخدمت على نطاق واسع في مجال التجميل والزينة، وخاصة الملون منها، ويجوز لبس العدسات عند الحاجة بقصد العلاج، وأما استخدامها بهدف الزينة فقط، فمن أهل العلم من منع ذلك لما فيه من تغير خلق الله، والتلبيس مع عدم وجود الحاجة إلى ذلك، ومن أهل العلم من أباح استخدامها لأن الأصل في الأشياء الإباحة والحل ولكن هذا مقيد بقيود وشروط الزينة عموماً بحيث لا يكون في لبسها مضرة ولا تشبه، ومن غير تبذير ولا إسراف.
2 - الرموش الصناعية:(3/12)
الرموش الصناعية هي نوع من الزينة المستحدثة تضعها المرأة فوق جفن العين فوق رموشها الطبيعية، لتبدو رموشها غزيرة طويلة، وتستخدم مادة مخصوصة لتثبيتها. ولا يجوز استخدام هذه الرموش لدخولها في الوصل المنهي عنه، ولأنه قد ثبت من الناحية الطبية أن المادة التي تستخدم في صناعة الرموش الصناعية، وكذا المادة المثبتة لها تسبب حساسية مزمنة بالجلد والعين وتؤثر على الرموش الطبيعية ونموها الطبيعي.
3 - في الأسنان وتجميلها:
وشر الأسنان وهو ترقيقها وتحديدها وتفليجها لا يجوز، وفي الحديث: لعن المتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله. [أخرجه البخاري ح (5939)، ومسلم ح (2125)]، وعن أبي ريحانة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الوشر والوشم. [أخرجه النسائي (8/ 149)]
4 - استخدام المساحيق والأصباغ:
يجوز استخدام المساحيق وأدوات التجميل إذا لم يكن فيها مضرة وحصل هذا بقصد واعتدال، والأطباء ينصحون بعدم استخدام أدوات التجميل عموماً والمكياجات إلا في حالات قليلة وعدم المواظبة على استخدامها لأن فيها مواد كيميائية تؤثر على نضارة البشرة وحيويتها في المستقبل، وغالباً ما تؤدي إلى ظهور التجاعيد مبكراً في البشرة.
5 - الوشم:
الوشم: هو غرز إبرة أو نحوها في الوجه أو الذراع، ثم يحشى الموضع بمادة كالكحل أو غيره ليخضر الموضع أو يزرق. وهو محرم، وفي الحديث لعن الواشمات والمستوشمات، ومما استحدث من أساليب الوشم: أن يحدد شكل العينين والشفتين ثم ينقش عليها بالإبر ويحشى الموضع باللون المطلوب، فتصبح العينان كحيلتين على الدوام، وتصبح الشفتان دائمتي الحمرة، وهذا الفعل ينطبق عليه حكم الوشم.
طلاء الأظافر:
طلاء الأظافر يسمى لدى العامة (موناكير)، وهو مادة سائلة ملونة لزجة تصبغ بها المرأة أظفارها، فتجف بعد فترة مكونة طبقة عازلة تمنع وصول الماء في الوضوء، وهذا الطلاء إن لم يكن فيه مضرة فيراعى إزالته عند كل وضوء وغسل ليصل الماء إلى البشرة. وتركه أولى، وقد أشار بعض الأطباء إلى أن الطلاء المستمر يضر بالأظافر، وقد يؤدي إلى تشققات بها.
التزين عن طريق عمليات التجميل:
التجميل المستعمل في الطب ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الجراحة التي يحتاج إليها الإنسان لوجود عيوب خَلْقية ولد بها الإنسان كالتصاق أصابع اليدين أو الرجلين، أو عيوب ناشئة عن الآفات المرضية التي تصيب الجسم أو العيوب الطارئة على الجسم كالتشوهات الناشئة عن الحروق والحوادث، فهذه العيوب يجوز إجراء العمليات الجراحية لإزالتها.
القسم الثاني: الجراحة التجميلية التي يقصد بها تحسين المظهر وتحقيق صورة أجمل وأحسن، ومن ذلك ما يسمى بعمليات تجديد الشباب، وعمليات تجميل الأنف بتصغيره أو تغيير شكله عموماً، وتجميل الثديين بتصغيرهما إن كانا كبيرين أو تكبيرهما إن كانا صغيرين، وتصغير الشفة الغليظة وتكبير الشفة الرقيقة، ونحو ذلك، وشد تجاعيد الوجه ليظهر صاحبه وكأنه أصغر بكثير من سنه الحقيقي، وهذا النوع من الجراحة مشتمل على تغيير خلق الله، والعبث به حسب الهوى والرغبة، وهو داخل في عموم قوله - سبحانه وتعالى- حكاية عن إبليس: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ)، وفي حديث ابن مسعود السابق: " والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله. " [أخرجه البخاري ح (5939) ومسلم ح (2125)]
التزين والتجمل بالمطعوم:
المواد المطعومة مثل: الحبة السوداء، وزيت الزيتون وعسل النحل، وغيرها هي غذاء للبدن وتستخدم للعلاج وقد تستخدم بغرض التجميل والتحسين المحض مثل وضع القناعات للوجه بغرض تغذية الوجه وتخفيف تجاعيده وخشونته، وإعادة رونقه ونضارته ونعومته، فإذا كانت هذه المواد داخلة في مواد أخرى مصنعة مثل المراهم والمحاليل فلا إشكال في ذلك، وأما إذا كانت خالصة فإن احتيج إليها مما لا يعد امتهاناً فلا بأس بذلك، والله أعلم.(3/13)
مسألة الأخذ من اللحية وتقصيرها
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
17 ربيع الأول 1430
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد:
فقد وردت أحاديث كثيرة بتوفير اللحى وإعفائها وحاصل مجموع رواياتها خمس: أوفوا، وأرخوا، وأرجوا، ووفروا، وأعفوا، ومعانيها كلها متقاربة، ولم يرد حديث بلفظ (اتركوا) ولا بلفظ (أكرموا)، والروايات هي:
1 - حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعاً: ((أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى)) رواه مسلم.
2 - حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((جزوا الشوارب وأرخوا اللحى)) رواه مسلم، وجاء بلفظ (أرجوا) بالجيم.
3 - حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: ((وفروا اللحى وأحفوا الشوارب)) رواه البخاري
4 - حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما مرفوعا: ((أنهكوا الشوارب وأعفوا اللحى)) رواه البخاري، ومسلم بلفظ (أحفوا الشوارب)
وهذه الألفاظ كلها تدل على الترك والتوفير والتكثير، وإليك تفصيل ذلك:
(أوفوا) من الإيفاء وهو الإتمام وعدم النقصان، قال في تاج العروس: (أوفى الشيء أي تمَّ وكثُر)، وفي مقاييس اللغة: ((وفي) كلمةٌ تدلُّ على إكمالٍ وإتمام)
(أرخوا) من الإرخاء وهو بمعنى الإطالة والسدل أرخى العمامة أطالها، وأرخى الستر أسدله (انظر تاج العروس)
(أرجو) أصلها أرجئوا من الإرجاء وهو التأخير فلما قال: (أحفوا الشوارب) قال بعدها: (وأرجوا اللحى) أي أخروها ولا تحفوها.
(وفِّروا) من التوفير وهو الكثرة، قال ابن فارس في مقاييس اللغة: ((وفر) كلمةٌ تدلُّ على كثرةٍ وتَمام)، وفي القاموس المحيط: (وفره توفيراً: كثَّره)، وفي لسان العرب: (وفَّره: كثَّره)
(أعفوا) الإعفاء أصل معناه في اللغة الترك كما في تاج العروس وغيره، تقول: عفا الله عنك، أي ترك عقابك، وعفوتُ عن فلان أي تركته وحاله ولم أعاقبه، ويأتي بمعنى التوفير والكثرة، ففي لسان العرب: (عفا القوم كثروا، وفي التنزيل: {حتى عفوا} أي كثروا، وعفا النبت والشعر وغيره يعفو فهو عاف: كثُر وطال، وفي الحديث: أنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بإعفاء اللحى، هو أن يوفَّر شعرها ويُكَثَّر، ولا يقص كالشوارب، من عفا الشيء إذا كثر وزاد) ا. هـ، وقال القرطبي في (المفهم) (1/ 512) قال أبو عبيد: (يقال عفا الشيء إذا كثر وزاد)
فأنت ترى أن كل الألفاظ التي جاءت في الأحاديث تدل على الوفرة والكثرة، وبصيغة الأمر الدال على الوجوب، وقد تأكد ذلك بفعله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يصح عنه أنه أخذ شيئا من لحيته بل جاء في أحاديث كثيرة في صفته صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان: (كث اللحية) رواه البخاري ومسلم، و (كثير شعر اللحية) رواه مسلم، كما ورد في صفة عدد من الصحابة رضي الله عنهم أنهم كانوا كثيري شعر اللحية، ولا يُعرف عن أحد من السلف أنه حلق لحيته ألبتة، ولذلك اتفق الفقهاء على حرمة حلقها ونقل غير واحد الإجماع على ذلك منهم ابن حزم بقوله: ((واتفقوا أن حلق جميع اللحية مُثلة لا تجوز)). ولم يعلق عليه ابن تيمية، انظر: (مراتب الإجماع) (ص120)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في مجموع الفتاوى (3/ 373): ((حكم اللحية في الجملة فيه خلاف بين أهل العلم هل يجب توفيرها أو يجوز قصها, أما الحلق فلا أعلم أحداً من أهل العلم قال بجوازه)).
أما الأخذ منها وتقصيرها وتهذيبها فإن كان بحيث لا تكون وافرة وكثيرة وكثة فلا يجوز، لظاهر النصوص السابقة والتي تدل كلها على وجوب الإعفاء والتوفير والإرخاء وهذا ما عليه جمهور العلماء، ولكن اختلفوا فيما لو أخذ منها شيئاً مع بقائها وافرة كثيرة على قولين:(3/14)
الأول: عدم جواز أخذ شيء منها ودليلهم الأمر بالإعفاء وأخذوا من معنى الإعفاء الترك وهو أحد معنيي الإعفاء، أما بقية ألفاظ الحديث فلا تدل على عدم جواز أخذ شيء منها.
الثاني: جواز الأخذ منها مع توفيرها وإرخائها، ودليلهم أن الإعفاء يأتي في اللغة بمعنى الكثرة كما تقدم، قالوا: فمن ترك لحيته وأعفاها حتى طالت وكثرت فقد حقق الإعفاء الواجب، كما استدلوا بفعل عدد من الصحابة منهم ابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم بأخذ ما زاد على القبضة، ثم اختلفوا هل كان هذا في نسك أم لا؟ وهذا الاختلاف لا يغير في أصل الاستدلال لأنه كما قال ابن عبد البر في (الاستذكار) (4/ 317): ((لو كان غير جائز ما جاز في الحج)).
وسبب اختلافهم هو أن ابن عمر رضي الله عنه راوي حديث: (أعفوا اللحى) هو نفسه كان يأخذ من لحيته ما زاد على القبضة فمن قال بعدم الجواز استدل بقاعدة: (العبرة برواية الراوي لا برأيه) ومن قال بالجواز استدل بقاعدة: (الراوي أدرى بما روى) وقال لم يخالف ابن عمر رضي الله عنهما روايته بل هذا معنى الإعفاء.
وقد قال بجواز أخذ ما زاد على القبضة جمهور من أهل العلم منهم الإمام مالك والإمام أحمد وعطاء وابن عبد البر وابن تيمية وغيرهم وعندهم أن ما زاد على القبضة تحقق فيه الإعفاء والتوفير والإرخاء:
قال أبو الوليد الباجي في (المنتقى شرح الموطأ) (4/ 367): ((روى ابن القاسم عن مالك: لا بأس أن يؤخذ ما تطاير من اللحية وشذ، قيل لمالك: فإذا طالت جداً قال: أرى أن يؤخذ منها وتقص، وروي عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهم أنهما كانا يأخذان من اللحية ما فضل عن القبضة))
وقال ابن هانئ في مسائله (2/ 151): ((سألت أبا عبد الله عن الرجل يأخذ من عارضيه؟ قال: يأخذ من اللحية ما فضل عن القبضة، قلت: فحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (أحفوا الشوارب وأعفوا اللحى) قال: يأخذ من طولها ومن تحت حلقه، ورأيت أبا عبد الله يأخذ من عارضيه ومن تحت حلقه)) أ. هـ
وقال الخلال في كتاب (الوقوف والترجل) (ص129): ((أخبرني حرب قال: سئل أحمد عن الأخذ من اللحية؟ قال: إن ابن عمر يأخذ منها ما زاد على القبضة، وكأنه ذهب إليه، قلت ما الإعفاء: قال: يروى عن النبي صبى الله عليه وسلم، قال: كأن هذا عنده الإعفاء)) أ. هـ
وقال المرداوي في (الإنصاف) (1/ 121): ((ويعفي لحيته ... ولا يكره أخذ ما زاد على القبضة، ونصه -يعني أحمد- لا بأس بأخذ ذلك وأخذ ما تحت الحلق ... )) أ. هـ
وقال ابن بطال في شرح البخاري (9/ 147): ((قال عطاء: لا بأس أن يأخذ من لحيته الشيء القليل من طولها وعرضها إذا كثرت)).
وقال الحافظ ابن عبد البر في (الاستذكار) (4/ 317): ((وفي أخذ ابن عمر من آخر لحيته في الحج دليل على جواز الأخذ من اللحية في غير الحج لأنه لو كان غير جائز ما جاز في الحج ... وابن عمر روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: (وأعفوا اللحى) وهو أعلم بمعنى ما روى، فكان المعنى عنده وعند جمهور العلماء الأخذ من اللحية ما تطاير والله أعلم)).
وقال شيخ الإسلام في (شرح العمدة) (1/ 236): ((وأما إعفاء اللحية فإنه يترك، ولو أخذ ما زاد على القبضة لم يكره، نص عليه كما تقدم عن ابن عمر، وكذلك أخذ ما تطاير منها)) أ. هـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (10/ 36): ((قلت: الذي يظهر أن ابن عمر كان لا يخص هذا التخصيص بالنسك بل كان يحمل الأمر بالإعفاء على غير الحالة التي تتشوه فيها الصورة بإفراط طول شعر اللحية أو عرضه)) ا. هـ
وفي حاشية ابن عابدين (2/ 459): ((لا بأس بأخذ أطراف اللحية إذا طالت)) أ. هـ(3/15)
وقال الغزالي في (الإحياء) (1/ 143): ((وقد اختلفوا فيما طال منها فقيل إن قبض الرجل على لحيته وأخذ ما فضل عن القبضة فلا بأس فقد فعله ابن عمر وجماعة من التابعين واستحسنه الشعبي وابن سيرين وكرهه الحسن وقتادة وقالا: تركها عافية أحب لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أعفوا اللحى)) والأمر في هذا قريب إن لم ينته إلى تقصيص اللحية وتدويرها من الجوانب)) أ. هـ
وقال العراقي في (طرح التثريب) (2/ 49): (إعفاء اللحية، وهو توفير شعرها وتكثيره وأنه لا يأخذ منه كالشارب، من عفا الشيء إذا كثر وزاد ... واستدل به الجمهور على أن الأولى ترك اللحية على حالها وأن لا يقطع منها شيء))
وقال ابن الهمام في (فتح القدير) (2/ 270): ((يحمل الإعفاء على إعفائها من أن يأخذ غالبها أو كلها كما هو فعل مجوس الأعاجم ... فيقع بذلك الجمع بين الروايات)) أ. هـ
وأقوال أهل العلم في جواز الأخذ مما زاد على القبضة كثيرة جداً، ولم يأت عن أحد من الصحابة ولا من التابعين فيما أعلم تحريم ذلك.
واستحسن بعض العلماء قص ما زاد على القبضة وقالوا بالاستحباب والسنية وهذا بعيد، فقد جاء في (البحر الرائق) (3/ 12): ((قال أصحابنا: الإعفاء تركها حتى تكث وتكثر , والقص سنة فيها، وهو أن يقبض الرجل لحيته, فما زاد منها على قبضة قطعها، كذلك ذكر محمد في كتاب (الآثار) عن أبي حنيفة قال: وبه نأخذ)) أ. هـ
وقال القرطبي في (المفهم) (1/ 512): ((ولا يجوز حلق اللحية ولا نتفها ولا قص الكثير منها , فأما أخذ ما تطاير منها وما يشوه ويدعو إلى الشهرة طولا وعرضا فحسن عند مالك وغيره من السلف)) أ. هـ
وقال القاضي عياض في (إكمال المعلم) (2/ 36): ((وأما الأخذ من طولها وعرضها فحسن)) ا. هـ
ومن العلماء من ذهب إلى المنع من الأخذ مطلقا:
قال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (10/ 350): ((قال الطبري: ذهب قوم إلى ظاهر الحديث فكرهوا تناول شيء من اللحية من طولها ومن عرضها))
وقال النووي في (المجموع) (1/ 290): ((والصحيح كراهة الأخذ منها مطلقاً، بل يتركها على حالها كيف كانت، للحديث الصحيح (وأعفوا اللحى)) أ. هـ
وقال في شرحه لصحيح مسلم (3/ 151): ((والمختار ترك اللحية على حالها , وألا يتعرض لها بتقصير شيء أصلاً))
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز في (مجموع الفتاوى) (4/ 443): ((الواجب إعفاء اللحية وتوفيرها وإرخاؤها وعدم التعرض لها بشيء))
وقال الشيخ ابن عثيمين في (فتاوى على الدرب) (10/ 173) ((الواجب إبقاء اللحية كما هي ولا يتعرض لها بقص ولا بحلق))
وقال في (مجموع الفتاوى) (11/ 85): ((أما ما سمعتم من بعض الناس أنه يجوز تقصير اللحية خصوصاً ما زاد على القبضة، فقد ذهب إليه بعض أهل العلم فيما زاد على القبضة، وقالوا: إنه يجوز أخذ ما زاد على القبضة استناداً إلى ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه كان إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما زاد أخذه. ولكن الأولى الأخذ بما دل عليه العموم في الأحاديث السابقة فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستثن حالاً من حال)) أ. هـ
وقال بعض العلماء بوجوب أخذ ما زاد على القبضة وليس معهم دليل.
وخلاصة ما سبق:
1. أن حلق اللحية حرام بالإجماع.
2. أن الأخذ منها وقصها بما يخل بتوفيرها وكثرتها حرامٌ أيضاً لمخالفته الأمر بالإعفاء والإرخاء والتوفير الوارد في الأحاديث وضابط ذلك ما زاد على القبضة وهو في الغالب إلى منتصف الصدر.
3. أن المعاصي تتفاوت، فالحلق أعظم من أخذ شيء منها.
4. أن الأخذ من اللحية بما لا يخرجها عن كونها كثة وكثيفة وهو ما زاد على القبضة مما اختلف فيه العلماء قديماً وحديثاً.
5. أن حاصل كلام القائلين بجواز الأخذ منها هو الأخذ مما زاد على القبضة ولا أعلم أحداً يقول بجواز الأخذ دون ذلك.
6. أن سبب اختلافهم كما سبق بيانه هو معنى الإعفاء واختلافهم في تقديم إحدى القاعدتين على الأخرى، قاعدة: (العبرة برواية الراوي لا برأيه) وقاعدة: (الراوي أدرى بما روى).
7. أن الأولى والأحوط خروجاً من الخلاف تركها دون أخذِ شيء منها اقتداء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أمَّا مسألة الإنكار، فمن حلقها أو أخذ منها وقصَّرها وخففها فيُنكر عليه لأنه فعل منكراً، لكنه منكرٌ دون منكر، والمعاصي تتفاوت كما تقدم، أما من وفَّرها وكثَّرها وأرخاها ولو أخذ مما زاد على القبضة فلا يُنكر عليه، ولم ينكر الصحابة رضي الله عنهم على من فعل ذلك كابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما.
والله أعلم(3/16)
القراءة الحَدَاثِيَّة للسنة النبوية "عرضٌ ونقد"
د. محمد بن عبد الفتاح الخطيب
الْحَمْدُ لِلَّهِ، يَمْنَحُ الْحَوْلَ كُلَّ يَدٍ تَمْتَدُ ضَارِعَةً فِي صِدْقٍ، تَرْجُو حَوْلَهُ. وَالصَّلَاةُ والسَّلاَمُ عَلى سيدِنَا مُحَّمدٍ خَاتِم النَّبَييَن مَنْ لَا نَبِي بَعْدَه، وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ الذَّيِنَ حَفِظوا للإِسْلاَمِ عِزَّهُ وَمَجْدَه، وعَلَى حَمَلةِ العِلْمِ الذَّينَ يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْريفَ الغَالِينَ، وانْتحِالَ الُمْبطِلينَ، وَتَأْويلَ الجَاهِلِينَ، فَبَلغَ فِيه كُلٌ جَهْدَه. وَبَعْدُ،،،
فقد شغلت وظيفة"القراءة" و"الفهم والإفهام" الطاقات الفكرية للأمة الإسلامية، التي ظلت مشدودة بأحاسيسها، وخطراتها الفكرية إلى هذا "النص" قرآنًا وسنة، إلى حد لا نظير له، حيث تأسست أجواء الفهم والتحليل والتذوق؛ لقراءة هذا النص ومقاربته، بـ"استنطاقه" و"تحليل" إشاراته، و"حراسة" مدلولات ألفاظه، فهمًا وتأويلًا، و"ضبط" علاقة اللفظ بالمعنى، و"تقنين" دلالة المنطوق على المضمون؛ حتى تتفادى كل "تفسير مجانيٍّ" أو "تأويل إسقاطي" لهذا النص، ووقوفًا ضد "كل من يدعي"قراءة" النص المؤسس للشرعية في الإسلام، بعيدًا عن "قوانين التأويل" المتمثلة في طرق الاستنباط، بقواعدها اللغوية والشرعية، وبذلك أصبحت قراءة "النص" في الفكر الإسلامي، قراءة تخضع لمنهج مشدود بثوابت: "مرتبطة" باللسان ومقتضياته في فهم الخطاب من جهة، و"محتكمة" إلى الشرع وحدوده من جهة ثانية، مما يؤدي إلى ما سماه الإمام الشافعي، رحمه الله، بـ"عَقْل المعاني".
ثم كانت الخطورة حينما بدأ نفر من أبناء جلدتنا، من أبناء هذه الأمة، يتناولون القرآن الكريم، والسنة النبوية المشرفة، بقراءة عرفت بـ "الحداثية" أو "القراءة الجديدة" للنص الديني، وهي قراءة "تأويلية" تستمد آلياتها من خارج نطاق "التداول الإسلامي" بل تأتي وفقًا للتجربة الغربية في فهم النصوص، واللاهوتية منها خصوصًا، فلا تريد أن تحصل اعتقادًا من النص، بقدر ما تريد أن تمارس نقدها عليه، واستخدامًا لنظريات لغوية حديثة (مثل: البنيوية، والتفكيكية، والسيمائية) وهي قراءات في حقيقتها اقتبست كل مكوناتها من الواقع الحداثي الغربي في صراعه مع الدين، هذا الصراع الذي آل، في الغرب، إلى الاشتغال بالإنسان بعيدًا عن الله (الأنسنة) والاهتمام بالعقل خارجًا عن الوحي (العقلنة) ومراعاة للدنيا، من غير نظر إلى الآخرة (الأرخنة)، ومن ثم ترتكز دعوتهم على ضرورة معالجة "النص الإسلامي" قرآنًا وسنة، داخل "التقليد الكتابي" الذي ينتمي إليه، أي: التقليد اليهودي- المسيحي، مما يعني، فعليًا، إخضاع هذا النص لمناهج النقد والتأويل التي خضعت لها "الدراسات التوراتية والإنجلية المستحدثة في إطار الفكر الغربي، الذي يصير له عند الحداثيين"مرجعية" غير قابلة للنقاش. وجوهر ما يؤسس هذه "المرجعية" بناؤها على: "التحرر" من سلطة النص الذي تكونت في ظله ثوابت العقل الإسلامي ومحدداته، و"نزع القداسة" عنه، وعلى "القطيعة المعرفية" بينها وبين القراءات التراثية، و"الفوضى التأويلية" التي هي "تفكيك" للهوية، و"ضياع" للمعنى. وهي ملامح ومنطلقات لاتخفى مستلزماتها التطبيقية، ولا عواقبها العلمية التي تنسجم مع فلسفة الحداثة وما بعدها!! ومن ثم أفضت تلك القراءة الحداثية للسنة النبوية إلى:(3/17)
- التشكيك في السنة، فهي في الخطاب الحداثي، وقراءته التفكيكية لأصوله "مجموعات نصية مغلقة" ذات بنية "تيولوجية- أسطورية" حسب تعبير أركون قد خضعت"لعملية الانتقاء والاختيار والحذف التعسفية التي فرضت في ظل الأمويين، وأوائل العباسيين، أثناء تشكيل المجموعات النصية" كما أن هذه"المجموعات النصية" قد تعرضت لعملية النقل "الشفاهي" بكل مشاكلها، ولم تدون إلا متأخرًا، وهذا الوجه"الشفاهي" قام به جيل من الصحابة، لا يرتفعون عن مستوى الشبهات، بل تاريخهم تختلط فيه"الحكايات الصحيحة" بـ"الحكايات المزورة".
- التسوية في الاستشهاد بين السنة، وسائر الخطابات الأخرى، وإخضاعها لـ"سنن القراءة" و"مناهج" الألسنيات الحديثة، وتحليل الخطاب التاريخي ونقده؛ باعتبارها "نصًا تراثيًا" شأنها في ذلك شأن بقية النصوص، وهكذا يصبح النَّصّ النبوي نفسه موضع "المساءلة" ما إذا كان حجة أم لا، فضلاً عن تضمنه رسالة للبشرية، أو كونه هدى وبشرى للعالمين.
- (عقلنة) السنة، واعتبار العقل حاكمًا وقاضيًا عليها، وكذلك اعتبار "الواقع" حاكمًا على النص، ومتبوعًا، لا تابعًا، فسلطة العقل، في القراءة الحداثيَّة، هي السلطة الوحيدة التي يُتعامل على أساسها مع السنة النبوية، بل مع النصوص الدينية كافة.
ولعل أخطر ما في القراءة الحداثية، هو تلك: "الفوضى التأويلية وأشكلة العلاقة بين النص ولغته" إذ تعتبر القرآن والسنة خطابًا لغويًا، يخضع لآليات التفكيك والقراءة التي طبقت على مختلف النصوص بما يعرف في العلوم الإنسانية والألسنية بـ"الهرمنيوطيقا" أو"التأويلية الحديثة" أو"نظرية تفسير النصوص" ومن أهم مبادئ هذه "الألسنية الجديدة":التأويلات "اللامتناهية"، و"أشكلة" العلاقة بين النص المعطى ولغته، فليس لـ"قصد" المؤلف، أو النص، مكان في "النظرية التأويلية" الجديدة، باعتبار أن النصوص لا تحمل أي معنى إلا ذلك الذي يصنعه القارئ ويشكله، مما يؤدي إلى "فوضى التفسير" و"لا نهائية المعنى" و"نسف محتوى النص" و" "إبطال مقصوده"؛ في ظل الغيبات الثلاثة التي تقوم عليها"التأويلية الحديثة": (غيبة المؤلف، وغيبة المرجعية، وغيبة القصدية) وبذلك، وحده، سيأثر الحداثيون بتأويل النص الديني، قرآنًا وسنة، ويتلاعبون بفهمه وتفسيره ومدلوله، في "باطنية" مسرفة لا ترى في "ظواهر" النصوص أكثر من رموز ومؤشرات ومدلولات كوامن بواطن، هي مركز الثقل في النص، وبدل أن يكون الهوى تبعًا لمعطيات النص، يكون هو تبعًا لهوانا!!
تلك هي"الرؤية" التي تحكمت في الأصول الفكرية، والمنطلقات المنهجية في "القراءة الحداثيَّة" وإذا نحن دققنا النظر في تلك "القراءة الحداثيَّة" التفكيكية للنص الديني، وما طرحته من"إشكالات" حوله، وخاصة السنة النبوية، كما تقدم، نلاحظ: أن هذه القراءة - على الرغم من ادعاء أصحابها كونَها قراءة ليست "تقليدية امتثالية، كما هو سائد في كليات الشريعة، وفي كل الأوساط الإسلامية دون استثناء"- في الحقيقة، قراءةٌ لا تنفصل كثيرًا عن"الطروحات الاستشراقية المعهودة، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية، فإن تلك"القراءة الحداثيَّة" قد وقعت في جملة أخطاء (آفات) منهجية، تفقدها قيمتها، كما تفقد النتائج المتوصَّل إليها مصداقيتها؛ وذلك فيما أسميه بـ"الغيبات الأربع" والتي يمكن تمثلها على النحو التالي:(3/18)
1. غياب البُعد المصدري للنصوص (أزمة القراءة الحداثيَّة مع النص الديني) ولا شك أن غياب "البعد المصدري" للنص الديني، أو "تغييبه" في القراءة الحداثيَّة يعد خطأ منهجيًا، بل يمثل"أزمة" و"خَطبًا" أيَّ خطب؛ إذ النصوص الدينية لا تقبل الانفصال عن قائلها، وعن مراده، فالقرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى، والحديث هو من الوحي الذي تكلم به الرسول صلى الله عليه وسلم، وأي نظرة إلى كلام الله، عز وجل، أو كلام رسوله، صلى الله عليه وسلم، تستبعد "المتكلم" تقع في محاذير كثيرة، ليس أقلها عدم إدراك عظمة مصدر النص، الذي يُتعامل معه وُيبَّن مراده، فهمًا وتنزيلًا، واستنباطًا واستدلالًا، ومن ثم إعطاء المشروعية لكل عمليات النقد والتخطئة والمراجعة والتصحيح، والتنقيح، وما يستوجب الحكم بالنقص أو وجود الخلل والخطأ، وهدم مصداقيته.
2. غياب القراءة الجامعة (القراءة الحداثيَّة المتهافتة للنص الديني) وهذا واضح في تناولهم لبعض الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية المشرفة، التي تتحدث عن: حجاب المرأة، وميراثها، ومنزلتها في الإسلام، وإقامة بعض الحدود .... وغير ذلك من أوهام وشبهات، مقتطعة من سياقها؛ فكانت قراءتهم لها قراءة "متهافتة" تعتمد آليات خاصة لا يستعان بها على فهم المعنى المراد للنص، ولا تؤيد الأفكار المبثوثة فيه، بقدر ما تجعله وثيقة تخدم مصالح فئة معينة، في ظروف تاريخية معينة، وهذا يخالف شرط القراءة الصحيحة، التي تعامل القرآن الكريم، والسنة الشريفة"كاللفظة الواحدة" وأن كل جزء من هذه اللفظة ينبغي النظر إليه في ضوء علاقته مع الأجزاء الأخرى.
3. غياب الإبداع الموصول (القراءة الحداثيَّة وأزمة المنهج) وهذه هي مشكلة الحداثة الأولى في مقاربتها النص الديني، وهي الدعوة إلى "ضرورة" قراءة النص الديني، خارج"تداوله" أي: خارج نطاق أي قراءة أسبقية تراثية له، في فصل تام بين النص الديني الإسلامي، وكل القراءات الضابطة لفهمه وتفسيره في التراث العربي الإسلامي، وذلك لصالح المنهجية الغربية المسيحية في تحليل الخطاب، وقراءة النصوص؛ فراحوا يسقطون على"النص الديني" الإسلامي كل ما ظفروا به من "آليات القراءة" و"أدواتها" في نتاج الآخرين، وأطلقوا العنان لقراءة النص الديني وفهمه وتحليله، من خلالها.
4. غياب المرجعية اللغوية (القراءة الحداثيَّة والانحراف عن معهود العرب في الخطاب) ولعل غياب"المرجعية اللغوية" هو الخطأ، بل"الخطيئة" الكبرى، ومن "الإصابات" الفكرية البالغة التي وقع فيها الحداثيون، في أثناء مقاربتهم النص الديني؛ فمن ضوابط القراءة الصحيحة: أن مقاربة أي نص لغوي تستدعي الوقوف على حدود لغته التي تحمل بلاغه، ومعرفة مقاصد أصحابها في كلامهم، وأن يؤول الكلام بما يوافق "معهود الخطاب المتبادَل بين المتكلمين" و"عرف المخاطِب" و"عاداته المطردة".(3/19)
حين يؤول أمر "النص الديني" قرآنًا وسنة، هذا المآل، في قراءات الحداثيين، فإن الاحتكام إلى "منهجية" توجه القراءة، وتضبط مسارها، فهمًا وتفسيرًا وتأويلًا، وتحمي "النص" من أن يكون مجالًا للتزيد والإقحام، أو العبث واللهو، وتمكِّن من "الفهم" الصحيح لمقاصده، يكون أمرًا ضروريًا، فمن لم يكن "مقياسه" مضبوطًا كل الضبط، فإن المعاني تختلط عليه وتمتزج، ووقع في"التيه" الذي أدخلتنا فيه الحداثة، وما بعدها!! وهذه "المنهجية" محكومة بأصل عام، يمثل"مرجعية" لها، وهو: أن تكون "قراءة" النص الديني الإسلامي، على"طريقة العرب في خطابها" و"مسالكها في تقرير معانيها" و"منازعها في أنواع مخاطباتها" و"عادات اللسان العربي في الاستعمال، وخصوصياته في توزيع المعاني على الألفاظ" وأن يُفهم وَفق مدلوله العربي، الذي يتبادر إلى الذهن، من دون ليٍّ ولا إغراب، ولا تعطيل لمغزي، أو إقحام لمعنى.
و"معهود العرب في كلامها" و"مَهْيَعُها" في "مقاربته" و"تلقيه" أراه يقوم على"الضوابط" الآتية:
أولًا: سلطة النص (ضبط العلاقة بين القارئ وفقه النص): والمراد بـ"سلطة النص" هي: قدرته على تحقيق "معنى" ما، يتمتع بقدر من الإلزام، ويقبل التثبيت؛ حتى ينضبط الفهم، ويصح الاستنباط، من خلال المعطيات التي يقدمها "النص" نفسه، ومن ثم، فحدود "سلطة" القارئ مع النص، وخاصة النص الديني، تكمن في:"الإصغاء إلى النص" و "اكتشاف دلالاته" و"التفهم لمعناه" ثم"التعبد بمقتضاه"، وقد قننت كتب الأصول، والتفسير، وشروح الحديث "آليات" القراءة التفسيرية والتأويلية، و"معاييرها" من خلال الضوابط الكفيلة بالارتباط بـ"النص" والفهم عنه، واستثمار معناه، و"الغوص" في أعماق الدلالة"دلالة النص، ودلالة معقول النص" حتى صار "النص" في الفكر الإسلامي، أحدَ"الأحباس" أي الأوقاف، التي لا يجوز التصرف فيها بحال.
ثانيًا: معنى النص (ضبط العلاقة بين نهج الاستباط ومسألة القصد): لا أبعد إذا قلت: إن "فقه البلاغ اللغوي" قائمٌ، في الفكر الإسلامي، على البحث عن المعنى الذي يحمله النص؛ فالمفسر "يطلب" المعنى، والنحوي "يوفر الأداة" من أجل الإبانة عنه، والفقيه أو عالم الأصول "يقنن" طريقة الاستنباط منه، ومنهج الفقه فيه، والجميع يبحث عن "الفهم الأوفى" انطلاقًا من الظاهرة اللسانية، أو البلاغ اللغوي!! يقول الشاطبي:" فاللازم الاعتناء بفهم معنى الخطاب؛ لأنه المقصود والمراد، وعليه ينبنى الخطاب ابتداء، وكثيرًا ما يغفل هذا النظر بالنسبة للكتاب والسنة؛ فتلتمس غرائبه ومعانيه على غير الوجه الذي ينبغي"الموافقات، (2/ 88 - 89). فينبغي العناية بمسألة"القصد" الذي "يُؤَمُّ"، و"مراد" المتكلم و"غايته" من الكلام.
ومن أهم الأمور التي توقف على "مقصد" الكلام: "القراءة الجامعة" التي تضع الجزئيات في إطار الكليات، وتردف الفروع بأصولها، و"القرائن" و"مقتضيات الأحوال" المحيطة بالنص، واستبصار ما سيق الكلام له، وما تعلق به من معان، وما هدت "القرائن" إليه، أو ما منعت منه وصدت عنه، والوقوف على:"عرف المتكلم" و"عادته في خطابه".(3/20)
ثالثًا: مسالك استثمار النص (جدلية العلاقة بين المنطوق والمفهوم): فالمقصود الشرعي يؤخذ من"منطوق" النص كما يؤخذ من "مفهومه" إذ قد يكون المعنى مستنبطًا بطريق الفحوى، ولزوميات الكلام، وتداعي المعاني، وهذا معناه، كما يقول الأصوليون: أنه يجب "استثمار" كافة طاقات النص، انطلاقًا من اللفظ، وطرق دلالته على المعنى، عبارة، وإشارة، ودلالة، واقتضاء، ومفهومًا موافقة ومخالفة؛ ومعنى ذلك: أن المعاني المستفادة من النص، نوعان: "معانٍ هُنَّ بنات ألفاظ" تؤخذ من الوضع الأصلي للألفاظ، و"معانٍ هُنَّ بنات معانٍ"!! تؤخذ من "فحوى الكلام" و"بساط التخاطب" ويجب عند قراءة النص مراعاة ذلك ..
رابعًا: التأويل (توجيه النص وإشكالية تعدد المعاني بين "حركة" اللفظ و"منطق" المعنى): قد يحتمل النص "تأويلات مختلفة" فتتعدد فيه "دروب" الفهم، وتتنوع فيه "المعاني" ولما كان "التأويل" المغرض "انحرافًا" بالمقروء، ووقوعًا في "التيه" و"الضلال" فقد تنبه المفسرون القدامى، وعلماء الأصول، وشراح الحديث إلى "التأويل" حين يجور على"المقاصد" فكان لهم "ضوابط"موصولة في جانب منها بـ"قواعد اللسان" وفي جانب آخر بـ"منطق المعنى"تقوم على: - أن"التأويل" ينبغي أن يكون"مُنقادًا" يعضده مرجحٌ قوي من "دليل" صحيح؛ فإذا لم يكن ثمة دليل فلا يجوز صرف الكلام عن ظاهره، كما بفعل الباطنية، قديمًا وحديثًا.
- عدم الخروج عن"سَنن" النص في لغته، وعُرف استعمله، وتحميله ما لا يحتمله، منطوقًا أو مفهومًا، فكل "تأويل" للنص مقبولٌ"ما لم يخرج من اللسان، فإن خرج، فلا فهم، ولا علم".
- أن يأتي"التأويل" ضمن العناية بـ"مراد" المتكلم، و"مقاصد" خطابه، والاحتكام فيه إلى"منطق المعنى" فالتأويل، في الفكر الإسلامي، ليس "فلسفة" للفهم المفتوح، و"التعري عن مأخذ الكلام"كما في القراءة الحداثيَّة للنصوص، بل هو جهد ذهني مقيد بـ"منطق" النص الشرعي ذاته، و"إرادته" من النص، ويكون جهد "المتأول" التردد بين المعاني المتعددة؛ لمعرفة الحكم استنباطًا، وهو ما نبه عليه الإمام ابن تيميًّة، رضي الله عنه، في رده على الباطنية في تأويلاتهم بعض أحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم،، فقال: "والتأويل المقبول هو مادل على مراد المتكلم. والتأويلات التي يذكرونها (أي: الباطنية) لا يعلم أن الرسول أرادها، بل يعلم بالاضطرار- في عامة النصوص- أن المراد منها نقيض ما قاله الرسول، كما يعلم مثل ذلك في تأويلات: القرامطة والباطنية، من غير أن يحتاج ذلك إلى دليل خاص، وحينئذ فالمتأول إن لم يكن مقصوده معرفة مراد المتكلم كان تأويله للفظ بما يحتمله، من حيث الجملة في كلام من تكلم بمثله من العرب، هو من باب التحريف والإلحاد، لا من باب التفسير وبيان المراد" (درء تعارض العقل والنقل، 1/ 201).
وبعد، ففي ضوء خصائص النص الديني، قرآنًا وسنة، جاءت قراءة علمائنا، رحمهم الله، له، من حيث هو دينُ الله، وشرعُه، وحلالُه وحرامُه، فكانت قراءة "مضبوطة" و "واعية" لا قراءة"مفجِّرة" للنص، "مهدرة" لسياقه ومقاصده، وقد نقل العلامة الونشريسي في ذلك، وصية جامعة لمن رام قراءة النص الديني وتأويله، تضبط النظر الفقهي الشرعي، فهمًا وتعقلًا، واستخراجًا واجتهادًا، وترجيحًا وتنقيحًا، وتنزيلًا وتفعيلًا، فقال:"ولا تفت بالنص، إلا أن تكون: عارفًا بوجوه التعليل، بصيرًا بمعرفة الأشباه والنظائر، حاذقًا في بعض أصول الفقه وفروعه. واحفظ: الحديث تقو حجتك، والآثار يصلح رأيك، والخلاف يتسع صدرك، واعرف العربية والأصول، وشفع المنقول بالمعقول، والمعقول بالمنقول" (المعيار المعرب، 6/ 377.).
وهذا من الفقه الثمين جدًا، الذي ينبغي أن تُربى عليه نفس المسلم، فيتهيب تأويل "النص الديني" دون أن يملك الأدوات التي تؤهله لذلك، وبدونه يصبح "النص الديني" سوقًا مفتوحًا يدخله من شاء، ليستنبط منه ما يشاء؛ كما في القراءة الحداثية، ومن ثم كانت "إعادة تقويم" الخطاب الحداثي، في تعامله مع النص الديني- وهو ما يقوم على بيانه هذا البحث- عملًا مشروعًا، من الناحية "الدينية"، ومن الناحية "المعرفية" أيضُا؛ لأنه قد طال زمن الغربة والضلال والتيه، وقديمًا قالت العرب في كلامها:"مَن رام التفلُّت، طال منه التلفُّت، ويوشك أن تُرهقه المتاهات، وتتلفه العوائق"!! ولله الأمر من قبل ومن بعد.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/21)
وهم المثاقفة!!
عبد الله بن محمد المالكي
المثاقفة من المفردات التي تعبر عن أوجه التبادل الثقافي (الأخذ والعطاء) بين الحضارات البشرية المتعددة. وهو اتجاه يسعى أن يكون وسطا بين الانفتاح المطلق الذي يؤول إلى الانصهار في ثقافة الآخر وبين الانغلاق المطلق الذي يؤول إلى الانعزال تماماً عن الآخر والعالم بأسره. وبهذا المعنى تعد المثاقفة رافداً مهما تسعى كل أمةٍ من خلاله إلى معرفة الآخر واستثمار ما لديه من قيم ومعطيات إنسانية وحضارية، وإلى تنمية كيانها الثقافي بشكل خلاق وغير مضر بمقومات الهوية وثوابتها. كما أن مفهوم المثاقفة يصلح أن يكون بديلاً عن مفهوم الغزو الثقافي الذي يتضمن في طياته الرغبة في محو الهوية وإلحاقه بالآخر وفرض التبعية عليه، ومعاملته بنظرة فوقية احتقارية متغطرسة. هكذا تقدم المثاقفة في الفكر العربي المعاصر؛ حالةٌ من الاعتدال بين الذوبان والتصلب في التعاطي مع ثقافة الآخر.
لكن إذا عدنا إلى مفهوم المثافقة في الفكر الغربي ( Acculturation) فإننا سنجده مختلفاً تماماً عما يطرح في محيطنا الثقافي، حيث تطرح المثاقفة على أنها "علاقة بين متفوقة وثقافة متخلفة" (1)، بمعنى آخر كما يقول حسن حنفي " أن المثاقفة التي يوهم الغرب بأنها تعني الحوار الثقافي والتبادل الثقافي؛ هي في الحقيقة تعني القضاء على الثقافات المحلية من أجل انتشار الثقافة الغربية خارج حدودها، وهيمنتها على غيرها، واعتبار الغرب النمط الأوحد لكل تقدم حضاري، ولا نمط سواه، وعلى كل الشعوب تقليده، والسير على منواله، واحتكار الغرب وحده حق إبداع التجارب بالجديدة والأنماط الأخرى للتقدم" (2). هذا من جهة المفهوم وأما من جهة الواقع والممارسة، فأغلب النتاج الثقافي في محيطنا العربي بكل أشكاله وأنواعه؛ لا يخرج عن سياق المفهوم الغربي للمثاقفة. فكثير من مثقفينا (والمستغربين منهم على وجه الخصوص) قد وصل بهم المطاف من خلال هذه المثاقفة إلى حالةٍ لم يعد الواحد منهم قادراً على الإبداع قولاً أو فعلاً إلا إذا تمت إحالة إبداعه إلى مصادره الخارجية في الحضارة الغربية: ماركسية أو وجودية أو وضعية أو بنيوية أو تفكيكية أو أي شيء آخر، المهم أن يكون النموذج الغربي هو المنطلق. وبعبارة أخرى: أصبح الغرب من خلال هذه المثاقفة هو الإطار المرجعي الأول والأخير لكل إبداع ذاتي عربي. وكما يعترف حسن حنفي (وأنا استشهد به هنا لكونه يعد من أكبر من مارس المثاقفة مع الفكر الغربي) يقول: "منذ أكثر من قرنين من الزمان نترجم، ونعرض، ونشرح، ونفسر التراث الغربي دون أن نأخذ منه موقفاً صريحاً واضحاً. مازال موقفنا موقف الناقل، عصر الترجمة لدينا لم يتوقف بعد
_________
(1) انظر: المورد الانجليزي العربي.
(2) حسن حنفي، مقدمه في علم الاستغراب: ص 29.(3/22)
وما زال أكبر مشروع لدينا إلى وقت قريب هو النقل، والذي سميناه ترجمة الأعمال الكاملة لكبار المفكرين في الغرب، ويظل أكبر مشروع لنا في ثورتنا الحديثة هو ترجمة (الألف كتاب) نقلاً عن المؤلفات الغربية ... وكأننا محكوم علينا بالنقل، عاجزون عن الإبداع، دورنا في التاريخ هو دور التلميذ والمتعلم والصبي أمام الأستاذ والمعلم الكبير ... لقد أصبحنا وكلاء حضاريين للغرب، وأصبح حامل العلم والفكر لدينا هو الذي يبدأ حياته الفكرية بذكر أكبر عدد ممكن من الأسماء والأعلام والمذاهب الفكرية من الغرب منتسباً إلى أحدها، داخلاً في معاركها، داخلاً فيما لا شأن له به، حاشراً نفسه في معارك لم ينشئها ولم يكن طرفاً فيها ... وتنتشر المصطلحات بين الباحثين الشباب فيشعرون بضالتهم أمامها: الهرمنيوطيقا، الاستطيقا، الأسلوبية، البنيوية، التفكيكية، الفينومينولوجيا، الأنثروبولوجيا، الترانسندتالية، وتكثر عبارات التمفصلات، التمظهرات، الابتسميه، الدياكرونية، السنكرونية .. إلخ» وأصبح المثقف هو الذي يلوك بلسانه معظم هذه المصطلحات» (1).
هذا اعتراف أحد كبار الممارسين للمثاقفة مع الفكر الغربي، ومثل هذا نجده من قبل عند زكي نجيب محمود، ومحمد عابد الجابري، ومحمد جابر الأنصاري، وغيرهم مما لا يتسع المقام للوقوف على نصوصهم.
أريد هنا أن أشير إلي أن الفكرة الأساسية التي تقف وراء هذه الإشكالية المسماة بـ (المثقافة)، هي كالتالي: الاعتقاد المطلق بأن الثقافة الغربية، نتاج إنساني عالمي، يتجاوز الزمان والمكان، ويعبر حدود الجغرافيا والتاريخ. وبالتالي لا يختص بحضارة دون حضارة. وفي جملة واحدة (نزع الخصوصية عن الثقافة الغربية). هذا الاعتقاد هو أكبر وهم ما زال يعشش في أذهان كثير من مثقفينا العرب. فالفكر الغربي في حقيقته لا يعدو أن يكون بيئياً محضاً - كأي فكري بشري - نشأ في ظروف معينة هي تاريخ الغرب نفسه، وبالتالي فهو صدى لتلك الظروف. والمفكِّرون الغربيون - كما يقول حسن حنفي في اعترافه السابق-: «يعبّرون عن ذلك بأنفسهم بقولهم: فلسفتنا، حضارتنا، فكرنا، أدبنا، فننا، تاريخنا، موسيقانا، علومنا، بل حتى ديننا! وإلهنا! فعند الكتَّاب الأوربيين إحساس واضح بأنهم ينتمون إلى حضارة بعينها، وبأنهم ينتمون إلى حضارتهم الخاصة المتميزة عن الحضارات الأخرى. لذلك كان خطؤنا، نحن الكتَّاب العرب غير الأوربيين، الذين ترجموا مؤلفاتهم وشرحوها، وعرضوها، بل وانتسبوا إليها، واعتنقوها = اعتبار الحضارة الأوربية حضارة عامة للناس جميعاً، ولم نرَ نوعيتها، أو رأيناها وتغافلنا عنها رغبةً في الحصول على الجديد بأي ثمن، وفي فترة لم نكن فيها على وعي كاف بتراثنا القديم، أو كان هذا الوعي محصوراً في فئة معينة من المصلحين والإحيائيين».
باختصار شديد؛ حالة المثقافة لدى المثقفين العرب لا تعدو أن تكون صورة جديدة (ومهذبة!) من صور الاسترقاق والتبعية الثقافية للنموذج الغربي وهي امتداد لما ابتلينا به منذ فجر النهضة العربية على أيدي الليبراليين والحداثيين العرب، والتي تحولت معهم النهضة من حلٍّ للأزمة إلى أزمة في ذاتها. وإلى اليوم ونحن نعيش هذه الأزمة (أزمة التراث والمعاصرة).
المصدر: شبكة القلم الفكرية
_________
(1) نفس المصدر: ص 54.(3/23)
مشروع التجديد الثقافي .. لماذا؟
د. عبد الرحيم بن صمايل السلمي
إن الناظر في أحوال الأمة الإسلامية اليوم لا يخالطه شك في أنها تحتاج إلى عملية واسعة من الإصلاح في كافة المجالات، فالتخلف والتراجع السياسي والاقتصادي والتقني والفكري والثقافي يُعد معلمًا بارزاً ومظهراً شاخصًا على استحقاق الإصلاح وتنمية عوامل البناء وإعادة الدور الريادي الذي فقدته في العصور المتأخرة.
والبوابة الكبرى لعملية الإصلاح تكون عن طريق التجديد وإعادة الروح الواثقة والمفاهيم الناصعة قبل تسرب الشوائب والأخلاط إليها، والتجديد الثقافي والفكري هو أول ما يجب أن يبدأ به المصلحون في عملية التجديد، فقد بدأ التخلف والانهيار منه، ولن يعود البناء إلا بإصلاحه وإعادة ترميمه.
إن "التجديد" هو أحد العوامل التي يحفظ الله تعالى بها هذا الدين، فقد حفظ الله تعالى الدين بحفظ مصدره الأصلي فقال عز وجل: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) {سورة الحجر9} والمراد بالحفظ حفظ لفظه من التبديل , ومعناه من التحريف.
وكذلك حفظ الله تعالى دينه بوجود طائفة منصورة على الحق فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله) (1)
وحفظه - أيضًا - بالتجديد فقال عليه الصلاة والسلام: (إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها) (2)
والتجديد المشروع هو إحياء معالم الدين، وإزالة الركام الفكري والثقافي عن مفاهيمه وقيمه وأخلاقه، وتنزيل أحكام الإسلام لأهل السنة على النوازل والأمور المستجدة وفق أصول الاستدلال , والربط بين الحكم الشرعي ومناطه الواقعي، فالتجديد جعل الشيء جديداً بإزالة الأوساخ أو بإعادة البناء، والبهاء لما درس وتقادم وبلي في واقع المسلمين وحياتهم.
فهو لا يعني إضافة أمور جديدة إلى الدين , فهذه الإضافة ليست تجديداً بل هي البدع والمحدثات المنهي عنها، وهي التي تستدعي عملية التجديد، فدين الله عز وجل كامل ليس بحاجة إلى زيادة (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا) {سورة المائدة3}
وعملية التجديد ليست وليدة جديدة في هذا الزمان، فهي تعود إلى القرون الأولى، وقد ظهر مجددون في تاريخ الأمة مثل عمر بن عبد العزيز الذي أعاد الخلافة الراشدة بعد الملك الوراثي، والإمام الشافعي الذي ضبط الاستدلال بالنص الشرعي في كتابه "الرسالة" والإمام أحمد في الموقف من المناهج والتيارات الفكرية الوافدة، وكذلك التجديد الجهادي مع نور الدين محمود , وصلاح الدين الأيوبي , مروراً بالشيخ محمد بن عبد الوهاب في تحقيق التوحيد ونبذ الشرك، إلى غير ذلك من الحركات التجديدية في تاريخ المسلمين.
وإن من أهم دواعي التجديد في واقعنا المعاصر:
• غياب المنهج الفكري والثقافي الإسلامي عن المشهد العالمي، وصعود خطابات ثقافية جاهلية مادية مما ترتب عليها شقاء الإنسان واضطرابه وتناقضه وحيرته، ودخوله في نفق من الظلام لا يعرف له نهاية، ولا يرى أملاً في النور، وبالمقابل خسر الهداية والفلاح والنور الرباني.
• الركام الهائل من الأفكار والمفاهيم البعيدة عن المنهج الرباني مما كان له أبرز الأثر في الجمود والتقليد والتخلف والانحطاط على كافة الأصعدة.
• التحولات الفكرية السريعة والخطيرة في المجتمعات الإسلامية، وتأثر فئات من الشباب والفتيات بقيم العولمة وأخلاقياتها وأفكارها.
_________
(1) رواه البخاري (7311، 7312)، ومسلم (156)، وأحمد في مسنده (5/ 34)،239، وغيرهم.
(2) رواه أبو داوود (291) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (2/ 150) برقم 599، ونقل تصحيحه عن عدد من الأئمة.(3/24)
• عدم وجود الدعم السياسي والاقتصادي والإعلامي للخطاب الإسلامي، بل محاربته وإقصائه ومطاردته في كل مكان.
• محاولة اختطاف هذا المفهوم الإسلامي «التجديد» بظهور اتجاهات فكرية إلحادية أو بدعيّة تدعي شرف التجديد، وتمار س التبديل والتحريف للمفاهيم الشرعية الأصيلة وتبرز نفسها كبديل إسلامي يتوافق مع العصر الحديث والحضارة الغربية الغازية، وتتلقى الدعم المباشر وغير المباشر من القوى الاستعمارية العالمية.
كلّ ذلك وغيره يؤكد الحاجة إلى «التجديد الثقافي» في الأمة، فأزمة الأمة أزمة عقدية وفكرية وثقافية استتبعها أزمات سياسية واقتصادية وحضارية.
إن هذه الأمة العظيمة تمتلك كنوزاً وثروة لا تمتلكها أيّ أمة من الأمم، ومتى ما عادتْ إلى دينها وأزالت عنه الركام، وأحسنت تطبيقه فإنها سترقى إلى معالي السؤدد، وستقدم للأمم نموذجاً فريداً من التصورات اليقينية، والقيم الفاضلة، والأخلاق الرفيعة.
ولم تبتللَ الأمة إلاّ بسبب العقائد الزائفة، والقيم والأخلاق المادية، وسوء التطبيق للإسلام، وهذا هو سرّ تخلفها الحضاري المشاهد.
وبهذا يظهر لنا أن التجديد يستدعي إزالة الركام الثقافي المنحرف، وإعادة صياغة العقائد والقيم على منهج النبوة، ليس على المستوى النظري فحسب ولكن بطريقة عملية تطبيقيّة، وهذا ما يلزم منه إعادة النظر في العوائد، والتقاليد، والقيم، والأفكار، والمناهج السائدة، ووزنها بميزان معصوم وهو الوحي الرباني، والعمل على الإجابة عن الأسئلة الحضارية الجديدة، وكيفيّة العيش في حياة مليئة بالتحديات والعقبات والأخلاط وفق منهج الله تعالى ومرضاته.
إن المشروع التجديدي لا ينبغي له أن يكون ردة فعلٍ لواقع مأزوم، فيقوم بتبريره ومسايرته، لكنه يتطلب صحة في الاعتقاد التصوري، وقوة في الإرادة، ومشاركة الأمة بكافة قواها فيه، والعمل الجماعي الصادق المخلص الدؤوب.
لقد تم عرض الثقافة في العقود الماضية بصورة هزيلة مترهلة حيث أصبحت الثقافة مجموعة فلكلورية شكلية مثل الرسوم التشكيلية، والأمتعة القديمة، والمنازل العتيقة، والمسرح والموسيقى، والشعر والغناء والتصوير وغير ذلك، وأغفلت المفاهيم الحضارية الكبرى كالإيمان بالله تعالى، والقيم الأخلاقية، والعلم، والتصور الإسلامي الحق للكون والإنسان والحياة والغيب والإله الحق وغير ذلك، وهذا المفهوم الخاطئ للثقافة هو جزء من الركام المنحرف الذي أصاب الأمة في ثقافتها ومفاهيمها.
لقد حاول المفكر الجزائري مالك بن نبي أن يشخص الداء العضال الذي أصاب الأمة فرده إلى مشكلة حضارية هي (القابلية للاستعمار)، وقد صدق في ذلك لكنها في الحقيقة عرض لمرض، فما هو سرّ هذه القابلية؟ ولماذا لم تكن قابلة للاستعمار ثم أصبحت قابلة له؟ إن ردّ السبب إلى الذات - كما فعل مالك بن نبي - هو بداية صحيحة لاكتشاف الخلل، وهو منهج قرآني فريد، فالله تعالى يقول: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا، قل هو من عند أنفسكم {آل عمران 165}.
لكن أزمة الأمة الحقيقية تعود في جذورها الأولى إلى «أزمة عقدية فكرية ثقافية» تلاها بعد ذلك الأزمة الحضارية الراهنة.
والشعور بوجود أزمة حضارية في الأمة أصبح محلّ إجماعٍ بين كافة التيارات والمناهج، لكن الاختلاف وقع في وصف الداء وتوصيف الدواء.
وقد ظهرت حركات تجديدية طالبت بأن تسير الأمة مسيرة الحضارة الغربية حلوها ومرّها، حسنها وقبيحها كما قرر ذلك طه حسين في كتابه مستقبل الثقافة في مصر، وسار على طريقته في التبعيّة اتجاه لا يزال -مع كل الإخفاقات والشواهد الدالة على فشل هذا المشروع - ينادي بما نادى به ويراه المخلص للأمة والمنقذ لها.(3/25)
وظهر من ظنّ أن الإصلاح والتجديد هو في المقاربة والتوفيق بين الإسلام والمناهج الفكرية المادية، واتخذ التجديد سلماً للتبديل الديني فقرن الإسلام بالديمقراطية والليبرالية ونحوها.
كما ظهرت مشاريع ثقافية (1) تعتمد على الاتجاه الأول تزعم أن المخرج في إعادة قراءة النص الشرعي وتفريغه من محتواه القديم، وإضافة فهم جديد يوافق الحداثة الغربية، وتتذرع لذلك بمنظومة من المناهج النقدية الجديدة. إن هذا الخليط الغريب من الأفكار المتناقضة تدل على أهمية العناية بمشروع التجديد، وعدم السماح باختطافه، وإخراجه عن مساره، وتبين أهمية إعادة توجيهه الوجهة الصحيحة.
ومن هنا فالتجديد الثقافي مشروع حضاري رائد يحتاج في صياغته إلى علم شرعي رصين، ووعي واقعي بالسنن الربانية، ومعرفة بحاجة المجتمعات، وعوامل التأثير فيها، ويحتاج كذلك إلى حسن تدبير، وروح قوية واثقة بدينها وقيمته الحقيقية وبراهينه الاقناعيّة، وآفته الكبرى قيادة جاهلة أو مهزومة أمام الآخر أو منحرفة في مفاهيمها وتصوراتها وقيمها.
إن من أهم قضايا التجديد الثقافي: معرفة المحكمات والثوابت وإحيائها في الأمة، وضبط آليات الاستدلال بالنصوص الشرعية، وإحياء القيم الأخلاقية الإسلامية، والعمل على الإصلاح الشامل: السياسي والاقتصادي والتعليمي والاجتماعي، ومواجهة التيارات الفكرية المنحرفة، وبلورة مشروع إسلامي حضاري متكامل ليكون قادراً على الحفاظ على هوية الأمة الإسلامية، ويستفيد من تفنيات العولمة لهداية الناس جميعاً للحق، وغير ذلك من القضايا الهامة التي لا يمكن حصرها هنا.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
_________
(1) يمثل هذه المشاريع الفكرية: مشروع محمد أركون في نقد الفكر الإسلامي، ومشروع حسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، ونصر حامد أبو زيد، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم كثير. مع الانتباه لفروق منهجية بينهم، ولكن يجمعهم إطار عام وهو إخراج النص الشرعي عن مراده وتحطيم الفهم التقليدي له كما يعبرون.(3/26)
الصناعة المالية الإسلامية والربح الأخلاقي
خالد المزيني
هناك تحديات كبيرة تقف أمام الفقه الإسلامي المعاصر، والمؤسسات المنتسبة إلى هذه المرجعية، كالمؤسسات المالية الإسلامية، وغيرها من المؤسسات الربحية المستندة إلى مرجعية إسلامية، ويتمثل هذا التحدي في مدى قدرة هذه المؤسسات على الصمود في السوق، مع الاحتفاظ بالقواعد الأخلاقية التي ترفع شعارها، وذلك بعد أن تحوّلت الصناعة المالية الإسلامية إلى صناعة صاعدة مدفوعة بالانكماش الكبير الذي لا يزال يخنق الاقتصاد الليبرالي.
وهذا يتطلب من مؤسسات المال الإسلامية: تقديم خدمات نوعية قابلة للحياة، تجمع بين: الاحترافية المهنية، والمعيارية الشرعية، وتتسم بقدر من المخاطرة العاقلة، فلا هي مضمونة الفائدة: كأدوات الربا، ولا هي عالية المخاطرة: كأدوات المقامرة.
وهذا ممكن لو توفّر لهذه المؤسسات الإدارة الجادة في تبني الحلول الإسلامية، والهيئة الشرعية الواعية بفقه الشريعة، والرقابة الشرعية الحثيثة، التي تتابع تنفيذ ما تقره تلك الهيئات.
ولا يقلل من شأن هذه التحديات أن العالم اليوم يرمق تلك المؤسسات، وهو مثخن بجراح الانكماش الائتماني، ويتوقع أن تقوم صناعة المال الإسلامية بدور ما لإصلاح الأعطاب التي أحدثتها المؤسسات الليبرالية، على صعيد الاقتصاد.
ومن المدهش أن تنبعث أصوات شتى تستنجد بالاقتصاد الإسلامي، وقد قرأنا الكثير منها، وكان من أعجبها المقال الذي نُشر في السابع من مارس 2009م، في صحيفة الفاتيكان الرسمية، داعياً البنوك في مختلف أنحاء العالم إلى أن تتبنى مبادئ المصرفية الإسلامية، لاستعادة الثقة بالاقتصاد العالمي.
ومما نشرته (لوريتا نابوليوني)، وهي اقتصادية إيطالية، و (كلوديا سيجري)، وهي محللة إستراتيجية لاستثمارات الدخل الثابت في البنك الاستثماري الإيطالي (أباكس بانك)، أن "المبادئ الأخلاقية التي تقوم عليها المصرفية الإسلامية ربما تعمق العلاقة بين البنوك وعملائها، وتجعلها أقرب إلى الروح الحقيقية التي ينبغي أن تكون شعار كل خدمة مالية". اهـ[نقلاً عن جريدة الاقتصادية (العدد 5699 (].
ومما يزيد المتابع عجباً أن هذه الفتاوي الكاثوليكية جاءت في الوقت المناسب لترد بطريق غير مباشر على مطالبات بعض المحافظين واليمينيين في الولايات المتحدة الأمريكية بالحد من انتشار الصناعة المالية الإسلامية.
إن الفقه الإسلامي أكثر رحابة ومتسعاً مما يظنه بعض أبنائه المعجبين بتجارب أعدائه، لكن إحدى المشكلات تكمن في توجه مؤسسات الصناعة المالية الإسلامية إلى الأدوات المشبوهة، ويبدو أن من أسباب المشكلة العقلية النفعية التي يفكر بها بعض القائمين على تلك المؤسسات، فليس كل من يرفع شعار الإسلام يكون مقتنعاً به، مؤمناً بمبادئه دائماً، هناك رواد مؤمنون بالنموذج الإسلامي، ويتبنون النهج الإسلامي بوصفه ديناً، قبل أن يكون طريقة لجمع المال.
وثمة شريحة أخرى تؤمن إيماناً براجماتياً، فالفكرة التي تدرّ ربحاً أكثر هي الفكرة الأصح الأجدر بالتعاطي دائماً، بغض النظر عن مدى أخلاقيتها وانسجامها مع قواعد الشريعة. فإذا كان الاستثمار في الأدوات الإسلامية مجدياً فهم على هذا ملتزمون بالمعايير الإسلامية، وإذا تغير المؤشر تغيروا، وسرعان ما يتحولون من مجال استثماري إلى آخر لمجرد كونه أجدى نفعاً، وأوفر ربحاً.(3/27)
وهذا لا يعني أن المعايير الشرعية والأخلاقية أقل جدوى؛ فالعالم اليوم اكتشف أن هذه المعايير أكثر واقعية في نظرتها إلى الاقتصاد الكلي والجزئي، وأعلى ضماناً من أدوات الاقتصاد الليبرالي ذاته؛ فالأدوات الاستثمارية الإسلامية تتعامل مع الموجودات الحقيقية، لا الأصول الوهمية كالديون وخدمات الديون والنقود المتولدة عنها، كما أن الأزمة قد كشفت لهم أن النموذج الإسلامي يكافح الأورام الربوية المسببة للعديد من المشكلات، ومنها التضخم، وأن النداءات المتكررة من قبل فقهاء الشريعة بأن يكون سعر الفائدة: صفراً، كما نادى به عدد من علماء الاقتصاد من الليبراليين أيضاً، هو أحد مفاتيح الحل لهذه الاضطرابات التي تضرب في كل مكان.
إن مما يحزن المسلم أن تظل مجالس الإدارة في (بعض) المؤسسات المالية الإسلامية تسلك مسلك التلفيق غير المقبول، وتطرح منتجات مشوّهة، فلا هي تقليدية (ربوية) محضة، ولا هي شرعية محضة.
ولما كانت تلك المنتجات التقليدية لا تتوافق مع النموذج الشرعي، صاروا يطالبون بفتاوي البدائل القريبة من النموذج التقليدي، وبما أن المستشار الشرعي يفتقر أحياناً إلى المؤهلات المطلوبة: كالملكة الفقهية في فن المعاملات، وإلى الحصانة التامة إزاء ضغوط الإدارة، أو أنه مشغول بأعمال أخرى عديدة، فقد ظهرت نماذج شائهة من الأوراق المالية الموصوفة بأنها إسلامية، ممهورة بتوقيعه، ولو أنه لم يحسن الظن كثيراً بمجلس الإدارة، وأصر على الالتزام بالمعايير الشرعية المعتمدة من الجهات الموثوقة، لكانت المؤسسات المالية أكثر موثوقية لدى الأقرباء والبعداء.
لقد ظلت المنتجات الإسلامية زماناً طويلاً، تسلك الطريق الأسهل، وهو محاكاة المنتجات التقليدية، وقد تواطأت معها بعض الفتاوي، تأليفاً للقلوب ومراعاة للظروف الصعبة التي نشأت فيها الصناعة، وهذا الطريق مع سهولته إلاّ أنه لا يمنح الصناعة المالية الإسلامية تميزاً حقيقياً، ولا يقنع الآخرين بتفرد التجربة الإسلامية، بل إنه يؤدي في مآلاته ومستقبلاته إلى ذات النتيجة التي تفضي إليها الصناعة المالية التقليدية ما بين تضخم وانكماش.
فالمنتجات التقليدية تضمن للتاجر رأس المال مضافاً إليه الفائدة، وتلغي المخاطرة كما في السندات والتوريق التقليدي، وهذا مخالف للنموذج الشرعي الذي يشترط تحمل التاجر جزءاً من المخاطرة، فالربح غير مضمون شرعاً، بيد أن بعض الفتاوي اتجهت إلى ما يشبه إلغاء المخاطرة، لكن بأسماء أخرى، كالتعويض عن نقص الربح الفعلي، باسم الهبة أو التبرع أو القرض أو غيره، وهو ما لا يجوز فقهاً، سواء نص عليه صراحة في العقد، أو كان معروفاً عرفاً، وقد أكد على ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الأخيرة (جمادى الأولى 1430هـ).
وقد أحسن المجمع المذكور إذ دعا السلطات التشريعية في الدول الإسلامية إلى إيجاد الإطار القانوني المناسب، والبيئة القانونية الملائمة والحاكمة لعملية التصكيك، من خلال إصدار تشريعات قانونية ترعى عمليات التصكيك بمختلف جوانبها، وتحقق الكفاءة الاقتصادية والمصداقية الشرعية بشكل عملي، ذلك أن الدعم السياسي والتأطير القانوني لعملية التصكيك من أهم المقومات التي تؤدي دوراً حيوياً في نجاح هذه الصناعة.
إن الفقه الإسلامي ليس "جعجعة في الهواء"، بل هو معايير أخلاقية وجدوى مادية، تدر ربحاً، لكنه ربح عادل نزيه، يفي بمتطلبات أصحاب رؤوس الأموال، ولا يجحف بأموال العملاء، وإن اعتراف الفاتيكان ليؤكد ما يوقن به كل مؤمن من أن هذا الدين قد جاء رحمة للعالمين، ولكن هل يعترف بذلك النفعيون من أثريائنا؟! هذا ما ننتظره.
المصدر: شبكة القلم الفكرية.(3/28)
ظاهرة الأغنية الدينية
أحمد عبد العزيز القايدي
أعلن أمس -الثلاثاء 24/ 5/1430هـ - عن وفاة محمد علاء محمد حسني مبارك حفيد الرئيس المصري وخلال دقائق فقط من هذا الإعلان تحولت أكثر القنوات فسقاً ومجوناً وتعريا في عالمنا العربي -القنوات الغنائية ومنها المملوك لنصارى -إلى قنوات إسلامية وراحت تنوع بثها بين القرآن وكليبات الغناء الديني، وهذا النوع من الغناء أصبح أكثر من ظاهرة بل غدا سبيلاَ ناجعا لمن يريد تسوق الفسق والعهر أو أسبابه ووسائله على أقل تقدير تحت شعار الإسلام وهو شعار يمكن من خلاله تمرير كثير من الأفكار والقيم في مجتمعات متدينة، انتشرت هذه الظاهرة في السنوات الأخيرة وفي الأيام السابقة أطلق داعية سعودية قناة تعنى بهذا الشأن عرف هذا النوع من الغناء باسم (الغناء الديني) ولعلنا في هذه المقالة نبرز شيئاً من سماته وآثاره.
ما الأغنية الدينية؟
يمكن وصفها بأنها كلمات ذات طابع ديني أخلاقي اجتماعي لا يوجد فيها ابتذال أو فحش يقوم بأدائها مغنٍّ أو مغنية (امرأة) يستخدم فيها آلات العزف، فالمؤدي إذاً هو مغنٍّ من عامة المغنين له أغاني عشق وغرام وغزل، ولكنه غنَّى كلمات تحث على التوبة أو بر الوالدين، فأصبح غناؤه (دينياً)، ومن المعاني التي تدور حولها الكلمات: بر الوالدين، التوبة، المولد النبوي، مدح النبي -صلى الله عليه وسلم -والذب عنه، سرد الأسماء الحسنى، الحج، القضية الفلسطينية، رفقة الصالحين، التسامح مع الكفار، التكافل الاجتماعي، رمضان، أدعية، وغير ذلك.
تاريخ الأغنية الدينية:
كانت أم كلثوم من أوائل من ابتدع الغناء الديني، فكانت أغنية «نوّرت يا رمضان»، ثم تبعها على هذا النسق كثير من المغنيين في عصرها، واشتهرت هذه الظاهرة في ذلك الوقت، ومع مرور الزمن خبا بريق هذه الظاهرة. ويُعدّ سامي يوسف (1) من أوائل المعاصرين الذين أعادوا بريق مثل هذا النمط من الغناء بأغنيته الشهيرة (المعلم) التي بيع منها أكثر من مليون نسخة، ثم تبعه بعد ذلك مجموعة من المغنيين الرومانسيين الذين يخالفهم سامي يوسف في طريقته. وكثرت الألبومات المطروحة في الأسواق وبعضها لمغنيات مشهورات بالجرأة على التعري، ويوجد أيضاً فرقة (راب) (2) أمريكية راقصة متخصصة في الغناء الديني وتقيم الحفلات الغنائية في كثير من بلدان العالم، وتطلق على نفسها (جنود الله) ويبدو أن الاسم لم يثرْ اهتمام الأجهزة الأمنية الأمريكية؛ فلم تمنع الفرقة من العمل داخل الولايات المتحدة.
المخالفات الشرعية:
يحوي ذاك الغناء مخالفات شنيعة، منها:
- الشرك بنوعيه الأكبر والأصغر:
فهذه كلمات إحدى هذه الأغاني تقول: مدَد مدَد مدَد مدَد مدَد مدَد مدَد يا رسول الله والحلف بغير الله موجود أيضاً؛ كالحلف بالنبي -صلى الله عليه وسلم -والحلف بسور القرآن: أقسمت بالإسراء وبراءة العذراء الدم كل سواء حرام بأمر الله
- الدعوة إلى البدع:
كالاحتفال بالمولد، وفي إحدى هذه الأغاني دعا المغني الجمهور إلى الذهاب إلى المولد، ويبدو أنه نسي نفسه فأتى بواقع المراقص معه وحث على الرقص، وربما لم يجد فرقاً بين الواقعين! وفي كليب آخر تُعرض رقصات الطريقة المولوية الصوفية الشهيرة.
- تمييع عقيدة البراء من الكفار:
_________
(1) مولود في طهران من أصل أذربيجاني، وانتقل مع عائلته وهو في سن الرابعة إلى بريطانيا.
(2) نوع من أنواع الغناء الأمريكي الصاخب المصحوب بالرقص الجامح.(3/29)
فهذه الأغاني يكثر فيها الحديث عن التعايش مع الكفار والأخوة الإنسانية والسلام والمحبة. وفي هذا السياق يقول أحدهم: (لا ينبغي أن تُحصر الأغنية الدينية في دين معين، أو أن تنحاز، أو يكون القصد منها محاربة دين آخر. على العكس؛ من خلالها نسبِّح الله الواحد الذي يوحدنا جميعاً باختلاف طوائفنا ومذاهبنا. هذه غايتي منها، وأعتقد أننا متفقون جميعاً على حبّ الله) (1) وفي إحدى الكلمات: أنشودة المسيح رسالة حرة على الأرض السلام، وبالناس المسرّة وترى في بعض الكليبات شيخاً محتضناً قسيساً يهنئه بمناسبة العيد والصليب يتدلى على صدره، والزنار مشدود على وسطه، ضارباً بعقيدة الولاء والبراء عرضَ الحائط، لذا تجد جزءاً من هذه الأغاني يكتب كلماتها أو ينتجها نصارى.
- الاختلاط:
فلا يكاد يخلو كليب من هذه الأغاني من اختلاط بين الرجال والنساء، إما في الأفراح، أو في حفلات التخرج الجامعي، أو في المناسبات العائلية أو الدينية. وفي أحد الكليبّات تظهر عروس وهي في كامل زينتها مع عريسها ليلة الزفاف سائرين بين الحضور، وفي آخر تمادى المنتج فأخرج لقطة لشاب وهو يغازل فتاة في السوق.
- التبرج والسفور:
ومع أن هذه الأغاني تحمل صفة دينية إلا أن مخرجيها لا يبالون أن يخرجوا النساء بلا حجاب مطلقاً، أو واضعات قطعة قماش على الرأس وهن في كامل زينتهن.
- الموسيقى:
يستخدم المغنون في هذه الأغاني جميع الأدوات الموسيقية بكل أشكالها وأنواعها؛ من الطبلة إلى القيثارة مروراً بالبيانو.
الآثار المترتبة:
- التلوَّن وذوبان الحقائق:
هو ناتج طبيعي لمثل هذه الأغاني، فإذا كان المغني على قناة يتحدث عن التوبة، وبمجرد ضغطة زر واحدة تجده على قناة أخرى في أحضان امرأة شبه عارية، فأيُّ معنى يبقى للتوبة التي يغني عنها؟ ومِنْ ماذا يتوب إذا كان وهو في كليبّ التوبة يعزف على (الناي)؟! فتُفرَّغ القيم الإسلامية بمثل هذه الممارسات من حقيقتها ويجتمع الإيمان والفسق. فهذا المغني الذي فُتِنت به نساء المسلمين، ولديه جلسات احتضان خاصة بالنساء، وأفلامه محل انتقاد عند السينمائيين أنفسهم؛ يأتي لِيوجّهنا إلى جعل «الجنة في بيوتنا»! وبهذا الشكل لا يبقى للمفاهيم الإسلامية خصوصية تبقيها متميزة عمّا سواها، زيادة على امتهانها والعبث بها بهذه الازدواجية.
- إضفاء الشرعية على مثل هذه الأغاني:
حتى تصبح واقعاً لا يصح إنكاره، بل ربما يُنكَر على من أنكره فيصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً. وهذا ينعكس على المغني نفسه؛ فلا يرى خطأ في شيء من ممارساته، بل يصده ذاك الاعتقاد عن التوبة إلى الله. وهذا ما حصل مع مغنٍّ شهير مات منتج كليباته بجواره، فعزم على التوبة، ولكنه اختار الغناء الديني، ثم بعد مدة عاد كما كان.
- تلبيس الحق بالباطل:
فالباطل هو الغناء والتشبه بالكفار في الزي والحركات، هذا كله يُلبَّس بالمعاني الإسلامية -المحرَّفة أصلاً -؛ فيروَّج للغناء بحجة أنه يحمل معاني إسلامية، وفيه خدمة للإسلام ووسيلة لنشر الدعوة؛ فيبقى هذا الباطل ويرسخ في النفوس على أنه مشروع، وتنتشر الأغاني في المجتمعات الإسلامية ويصبح سماعها سائغاً وتألفه النفوس.
- نشرٌ لعقيدة الإرجاء:
فهذا المغني الفاسق المتغزل بالنساء الشارب للخمر، إذا دخل المسجد ومدح النبي - صلى الله عليه وسلم -، وحثَّ على بر الوالدين؛ أصبح نموذج المسلم الصادق. وتلك المغنية المشهورة بالتعري إذا لبست الحجاب وسألت الله؛ أصبحت الطاهرة العفيفة، فالفسق عند ذلك لا يضر إيمانهم؛ فالرقص يجتمع مع الصلاة، والغناء مع القرآن، والتعري مع الحجاب، ولا ينقض أحدهما الآخر في هذه الأغاني، فيبقى الإسلام مجرد ممارسات وطقوس ولا علاقة له بضبط رغبات الناس وشهواتهم ولا سلطة له عليها.
- نشر البدع بين الناس:
هو جزء مما تمكِّنه هذه الأغاني؛ فدعاء غير الله، والذهاب إلى الموالد، والحلف بغير الله؛ يُظهر على أنه في حقيقة الإسلام وصورته التي يتسم بها المسلم إن ظاهرة الأغاني الدينية هي سمة بارزة للتدين الجديد المتفلِّت الذي يسعى كثير من الليبراليين وغيرهم إلى الترويج لهؤلاء باسم (الإسلام المعتدل.) قال -صلى الله عليه وسلم -: «ليكونن أقوام من أمتي يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف» (2). ولهذا وغيره؛ فإنه من الواجب الاحتساب على هذا الشطح بجميع الوسائل المتاحة , وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
المصدر: شبكة القلم الفكرية
_________
(1) صحيفة الجريدة.
(2) أخرجه البخاري.(3/30)
أوهام القاعدين عن دعوة المسلمين
أ. د. ناصر العمر
من الأمور التي تستحق التأمل في واقع الأمة، ما نراه من إحجام كثير من الناس عن القيام بأنواع بعينها من أعمال الخير؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو الانخراط في مشاريع دعوية، أو القيام بأنشطة تربوية وما أشبه ذلك، ولا يرجع هذا الإحجام لانعدام الخير أو قلته، فالقلوب والحمد لله مليئة بالخير عامرة بالإيمان، لا أدل على ذلك من إقدام الناس على حفظ القرآن والإنفاق على الفقراء أو كفالة الأيتام أو عمارة المساجد وما أشبه ذلك، لكن السر يكمن في أوهام منتشرة بين الناس تحول بينهم وبين هذه الأبواب من الخير.
بعض الناس يحجم عن القيام بهذه الأعمال خشية وقوع أشياء يكرهونها؛ من سجن، أو فصل من وظيفة، أو إخراج من الأوطان، وهي خشية لا تكون في كثير من الأحيان في محلها، حيث نجد العاملين يعملون وتمر الأيام والسنوات دون أن يتعرضوا لشيء من ذلك، بل يحصل العكس، فيكرمهم الله بعلو القدر والمكانة، ورفعة المنزلة والكرامة.
وهذا لا يعني أن أحداً ممن يقوم بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، وغير ذلك من المشاريع النافعة لا يتعرض للأذى، بل قد يقع شيء من المحذور لبعض الناس، لكن هذا لا ينبغي أن يكون مانعاً لغيرهم من سلوك طريقهم، فضلاً عن أن يكون قاطعاً لهم عن مواصلة طريقهم.
إن ما يحول بين بعض الأخيار، ومنهم طلاب علم بل علماء، وبين بعض الأعمال النافعة هو ظنهم أن السجن أو الفصل من الوظيفة أو الإخراج من الأوطان يمثل نهاية الدنيا، بحيث لا يمكن للمرء أن يعيش بعده أبداً، وهذا وهم كبير، فكم رأينا وسمعنا عن أناس ابتلوا وامتحنوا لكنهم صبروا واحتسبوا ومر الزمان واستدار فرفع الله عنهم البلاء ورفع قدرهم ومنزلتهم وعوضهم في الدنيا خيراً.
وفي قصة أهل الكهف ما يبدد هذا الوهم الذي عشش في بعض القلوب، فإنهم لما خرجوا من ديارهم، وفارقوا أهلهم وأحبتهم ومساكنهم التي ألفوها إلى كهف منعزل لا يوجد فيه شيء من أسباب الرفاهية، بل لا يوجد فيه ما يكفل لهم البقاء على قيد الحياة، فلا طعام فيه ولا شراب، لم يقولوا: فأووا إلى الكهف واستعدوا للضيق والتحمل والصبر في ذات الله، بل قالوا: {فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا} [الكهف: 16]، وما ذاك إلا ليقينهم أن من سار في طريق الله يبتغي مرضاة الله آخذاً بالأسباب متوكلاً على رب الأسباب سيجعل له الله من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، وهذا نظر دقيق وفهم عميق رزقه الله هؤلاء الفتية صغار السن وحرمه كثيراً من طلاب العلم. وقد كان من أمر الفتية ما قالوه وزيادة؛ فنشر لهم ربهم من رحمته، وهيأ لهم من أمرهم مرفقاً، ثم جعلهم للناس آية ورفع ذكرهم في العالمين.
إن مما ينبغي أن يكون معلوماً للجميع أن هذه الدار دار ابتلاء وتعب ونصب، وأن الابتلاء سنة الله الماضية في خلقه. وقد ابتلي الأنبياء، وابتلي الصالحون، وابتلي الدعاة إلى الله منذ القدم، فما صدهم ما لاقوه من أذى عن دعوتهم، ولو أن كل من خشي على نفسه الأذى قعد عن الدعوة إلى الله، بل لو أن كل من أوذي في ذات الله قعد عن الدعوة إليه لما وصلنا من دين الله شيء البتة.(3/31)
فمن كان يظن أن طريق الجنة مفروش بالورود فهو واهم، ومن كان يظن أن الابتلاء بالسجن أو الطرد من الوظيفة أو الإخراج من الديار بل حتى القتل شر محض أو مفسدة راجحة فهو واهم، وها هو شيخ الإسلام رحمه الله ينافح عن الحق فيؤذى ويحارب ويبتلى ويسجن مرات بل يموت في السجن، وبرغم ذلك فقد أعلى الله ذكره وأخمل ذكر أعدائه، وقد كان رحمه الله يقول: (ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، إن رحت فهي معي لا تفارقني؛ إن حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة) (1)! لكن هذا ليس لكل أحد، بل هو خالص لمن أخلص النية لله عز وجل، ثم أخذ بالأسباب، ورجع إلى أهل العلم فيما يأتي ويذر واستشار واستخار، ولم يتمن البلاء ولا حرص عليه لكن أتاه:
وإذا لم يكن إلاّ الأسنة مركباً ... فما حيلة المضطر إلاّ ركوبها!
والمهم أن يصدر المرء في دعوته عن علم، وأن يصدر عن أقوال العلماء ولاسيما في المسائل ذات الخطر، وأن يخلص لله في عمله ويتحرى الصواب، فمن فعل ذلك وعرف طريقه وحدد منهجه فلا يلتفت بعد ذلك لشيء، بل ليمض في طريقه وإن أصابه ما أصابه، كما قال تعالى: {وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ} [الحجر: 65]
إن هذه الكلمات ليست دعوة كي يلقي الإنسان نفسه أمام المحنة، ويعرضها للابتلاء، فإن العافية لا يعدلها شيء، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية" (2)، والفرار من مواطن الفتن مطلب شرعي، وكم رأينا من رجل كان يقول إنه لو ابتلي فسيصبر ويفعل ويفعل، فلما وقع البلاء لم يصبر، بل انتكس ورجع عما كان عليه من حمل هم هذا الدين والعياذ بالله.
إن المقصود هو أن يقوم المرء بما يجب عليه قياماً منضبطاً بالمنهج الشرعي، بلا إفراط ولا تفريط، فلا تهور يفضي إلى ما لا تحمد عقباه، ولا قعود وانكفاء عن القيام بما يجب القيام به لأوهام لا حقيقة لها، أو حقيقتها لا تعدل مفسدة ما قعد عنه، وكم ممن يمنعه توهم ضرر محتمل أداء ما وجب عليه بيقين.
وإذا أخذ المرء بالأسباب ثم وقع الابتلاء فعليه بالصبر على قدر الله، فإنه إن صبر على أذى ساعة يوشك أن يبدل الله عسره يسراً، ويوشك أن يجد عاقبة ذلك خيراً في الدنيا والآخرة.
إن كثيراً من معاناة الأمة اليوم ترجع إلى أفعال بعض أبنائها ممن غاب عنهم المنهج الشرعي، فاندفعوا بوازع من الحماسة غير المنضبطة إلى أعمال خاطئة جرت عليهم وعلى مجتمعاتهم الويلات، وعلى الطرف الآخر تعاني الأمة من إحجام كثير من أهل الخير عن ما ينبغي لهم فعله، وكلاً من الفريقين فقد النظرة المعتدلة للأمور، وأجاب داعي الحماسة أو الخوف دون الرجوع إلى أهل العلم الربانيين المعتبرين ليصدر عن رأيهم.
أما الحق فهو وسط بين هؤلاء وهؤلاء، وصراط الله عز وجل صراط مستقيم لا اعوجاج فيه، {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [الأنعام: 153]، وطريق الدعوة إلى الله طريق واضحة: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]، فمن صدق الله عز وجل وسلك هذه السبيل فليبشر بخيري الدنيا والآخرة، والله الموفق.
الم صدر: موقع المسلم
_________
(1) الوابل الصيب - (ج 1 / ص 67).
(2) صحيح البخاري 3/ 1082 (2804)، صحيح مسلم 3/ 1362 (1742)(3/32)
مناقشات حول عمل المرأة والتوسّع فيه
محمد بن عواد الأحمدي
قضية عمل المرأة وتوسيع فرصه ومجالاته باتت مؤخراً مسألة تثير الكثير من النقاش والجدل في الساحة الفكرية في المجتمع السعودي، وذلك يعود بالدرجة الأولى لرمزية القضية، وما تحملها بين جنباتها من دلالات فكرية في حالة غلبة رأي على غيره في المشهد الفكري، وما يترتب على ذلك من آثار مستقبلية في واقع الأمر على مستوى صراع الأفكار.
ويتجاذب طرفي النقاش في قضية التوسّع في عمل المرأة صوتان: أحدهما صوتٌ محافظٌ واسع الانتشار، يقدم الحرص على ثوابت المجتمع الشرعية والاجتماعية، ويطالب باحترام نظامه العام، ويتخوف من بعض الخطوات التي تخاطر بقيم المجتمع ومبادئه، ويطالب بالتنمية والتطوير في المجتمع، مع ضرورة الاحتفاظ بالأصالة والهوية.
وصوت آخر متحرر، ينحو في أطروحاته المتعلقة بعمل المرأة اتجاه الطرح الليبرالي الوافد على المجتمع، ويُغلّب النظر إلى المصالح المادية ولو جاءت على حساب هوية البلد، متغافلاً عن مراعاة الاشتراطات الشرعية والنظامية وضرورة تطبيقها في الواقع، وتتقاطع بعض مطالبات هذا الصوت مع ما تنادي به وتتطلع إلى تحقيقه في المنطقة المنظمات والهيئات الغربية، ويسعى أولئك من خلال مطالباته إلى تحقيق مكاسب دعائية تساهم في تغيير صورة المجتمع السعودي لدى الآخر الغربي، وهذا الصوت لا يتمتع في الحقيقة بالقبول الاجتماعي الشعبي الذي يتمتع به الصوت المحافظ (1).
وما ألحظه من خلال متابعتي الإعلامية لتصريحات المسؤولين بوزارة العمل أن الوزارة تُولي ما تسميه بـ "بطالة الإناث" أهمية خاصة، تُشعر المتابع أن المجتمع السعودي لا يعاني من بطالة واسعة في صفوف الذكور، وأنهم قد نالوا حقهم في العمل الكريم وتوفرت لهم فرص كسب الرزق، وبقي أن تهتم الوزارة بتوظيف الإناث وتوفير فرص ومجالات عمل جديدة لهن، ولسان حال الوزارة أن توظيف المرأة السعودية، واستحداث فرص متنوعة لعملها في المجالات المختلفة أكثر أهمية وأشد إلحاحاً في المجتمع من توظيف شقيقها الرجل، أو على الأقل أنهما يتساويان في احتياجهما للعمل، وكل ذلك يتعارض مع الاحتياجات الفعلية للمجتمع التي تتشكل وفق ثقافته وقيمه الاجتماعية.
_________
(1) ومن الشواهد الواقعية على شعبية الخطاب المحافظ في المملكة وضعف شعبية الخطاب الليبرالي على سبيل المثال لا الحصر نتائج الانتخابات البلدية وتفاعل كثير من شرائح المجتمع مع الشخصيات ذات التوجه الإسلامي أو مع الأشخاص الذين أشاد بهم العلماء والدعاة، وانظر في ذلك إلى دراسة استقرائية قيمة أعدها مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام في جزأين تحت عنوان "تديّن السعوديين"، كما أن من الدراسات الدالة على ذلك دراسة ميدانية قام بها مؤخراً جهاز الإرشاد والتوجيه في الحرس الوطني على عينة عشوائية من النساء السعوديات وعبر عدد من المتخصصين، شملت مختلف الأعمار والفئات، وتوصلت الدراسة إلى أن كثيراً من الأفكار والمطالبات التي تشيع في الصحف، ويطالب بها الخطاب الليبرالي لا تحظى بالقبول والانتشار في الأوساط النسائية، بل إن غالب النساء يعارضن ذلك، فقد أوضحت الدراسة أن 88% من النساء يرفضن قيادة المرأة للسيارة، و 92% يرفضن سفر المرأة إلى الخارج للدراسة من دون محرم، و90% منهن يرفضن العمل المختلط بالرجال الأجانب في المجمعات السكنية والفنادق ونحو ذلك، وحول ظلم المرأة كشفت الدراسة أن قطاعات كثيرة من النساء لا ترى ثمة فرقاً بينها وبين الرجال في نسبة احتمالات التعرض للظلم [صحيفة الجزيرة العدد رقم 12337].(3/33)
ولو استمعنا إلى صوت العقل والمنطق السليم فسنجد أن التوسع في عمل المرأة في ظل وجود بطالة حقيقية واسعة الانتشار وخطيرة الآثار في أوساط الشباب- أمرٌ مستهجنٌ وغير مقبولٍ، بل إن المنطق السليم يرفض حتى أن نساوي في الاهتمام بين الشباب والفتيات في توفير فرص التوظيف.
وليس معنى ذلك رفض مبدأ توظيف النساء طالما أنه يحقق احتياجاً فعلياً في المجتمع لا يُسدّ إلاّ من خلال النساء، أو كان نتيجة لاحتياجات شخصية مادية أو معنوية، أو كان على سبيل التكميل والتحسين الذي لا يُوجد ما يمنع منه ما دام أنه منضبطٌ بالضوابط الشرعية والنظامية، فلا يعرِّض المرأة للاختلاط بالرجال أو التكشف المحرم، ويتوافق مع طبيعتها، ولا يوقعها في الضرر.
إنما الذي لا أرى له ما يسوّغه موضوعياً، بل أرى أنه يختلف مع الفطرة البشرية والمنطق السليم هو المساواة في الفرص الوظيفية بين الشباب والفتيات في ظل شيوع البطالة بشكل واسع في صفوف الشباب، وأولى من ذلك بالرفض الاهتمام بتوظيف النساء على حساب الشباب.
والتوسّع غير المنضبط في فرص ومجالات عمل النساء على حساب المستحقين من الشباب، كما أنه يتعارض مع القواعد الشرعية والنظامية، فإنه كذلك لا ينسجم مع المنظومة القيمية السائدة في المجتمع السعودي، وله تبعات سلبية على التركيبة الاجتماعية، ومن أبسط تلك التبعات أن التوسع في توظيف الفتيات على حساب الشباب مع وجود معاناة واسعة في صفوف الشباب بسبب عدم توفر فرص وظيفية لهم، يزيد من المشكلات والأزمات الأخلاقية، ويفاقم من ظاهرة العنوسة التي بدأت تدق ناقوس الخطر في مجتمعنا، وأخذت تنتشر وتتوسع، مع إلحاح متزايد لضغوط المغريات والمثيرات، وتوظيف الفتاة - كما يشهد بذلك الواقع - يشغلها في كثيرٍ من الحالات عن الزواج وتكوين الأسرة، بل قد يكون سبباً في فوات قطار الزواج عليها، كما أن توظيف المرأة لا يمكِّنها من أن تفتح بيتاً زوجياً طالما أن زوجها عاطل عن العمل، ولكن على العكس من ذلك فتوظيف الشاب العاطل يسهل عليه الزواج، حتى وإن لم تُتح فرصة وظيفية لزوجته.
ومن ناحية اقتصادية فإن القول بأن عمل المرأة يساهم على الإطلاق في إنعاش الاقتصاد وزيادة الناتج القومي قول غير دقيق، إلاّ في حالة وجود عجز في الأيدي العاملة الوطنية من الرجال، واقتضت المصلحة العامة سد الاحتياج التنموي بأعداد من النساء وفق الضوابط الشرعية والنظامية في البلد، أما في واقعنا المحلي المعاصر فإطلاق هذا القول مجانبةٌ للصواب؛ لأنه لا تزال نسبة البطالة من الرجال نسبة كبيرة، ولا يسوغ عندئذٍ أن يكون اهتمامنا بتوظيف الفتيات أكثر أو يساوي اهتمامنا بالشباب، وهنا نقول إن خروج المرأة للعمل من دون اضطرارٍ ولا حاجةٍ وفي ظل وجود بطالة شبابية واسعة يحمل المجتمع أعباءً مالية واجتماعية وتربوية كبيرة لا تساوي قدر المكاسب الحاصلة من عمل المرأة.
وعلى مستوى العائد المالي الشخصي للمرأة الموظفة فإن الواقع يشهد بأن كثيراً منه يصرف في أغراض استهلاكية تُوجبها ظروف الوظيفة لا ظروف الاحتياج الشخصي للمرأة؛ فراتب الموظفة يذهب جزءٌ كبيرٌ منه في رواتب الخادمة والمربية والسائق، وفي تكاليف اللباس، وأدوات التجميل، والتي تحتاجها المرأة نظراً لخروجها اليومي، وهذه الاحتياجات لم تجب على المرأة إلاّ بسبب ظروف عملها، وما يعود على المرأة الموظفة حقيقةً قد لا يتجاوز في كثيرٍ من الحالات نصف الراتب أو أقل من ذلك، وقد لا يساوى ذلك المقابل الجهد المبذول والتضحيات التي قدمتها المرأة مقابل الوظيفة إلاّ إن كان دفعها لذلك الاضطرار الشخصي أو المجتمعي.(3/34)
إن المنطق الشرعي والعقلي يوجب أن يكون الاهتمام في التوظيف موجهاً بالدرجة الأولى إلى الشباب ثم إلى النساء بعد ذلك، كما أن منطق الحقوق يوجب أن تكون الحقوق الممنوحة متناسبة مع حجم المسؤوليات والالتزامات الواجبة على الفرد، ولا يسوّغ أن نطالب بالمساواة في الحقوق بين أفراد تختلف المسؤوليات الواجبة عليهم في بعض جوانبها اختلافاً جوهرياً، كما هو الحال في الواجبات الاجتماعية الواجبة على الرجل والمرأة؛ فالرجل في الشريعة الإسلامية، وفي العرف السائد في المجتمع السعودي هو المكلف في الأصل بالنفقة على من تحت يده من النساء وغيرهم، والمرأة لا يجب عليها شيء من ذلك حتى ولو كانت غنية، فكيف يسوغ والحالة هذه أن ينصرف اهتمام بعض مؤسسات المجتمع إلى توظيف المرأة على حساب الرجل أو يساوي بينهما؟!
فعمل المرأة كأجيرة في الأوضاع الطبيعية لا يُعدّ في الغالب من الاحتياجات الرئيسة للمرأة أو للمجتمع باستثناء حالات محدودة، كالحاجة إلى المرأة في القطاع الصحي والتعليمي، وفي القطاعات والمجالات الأخرى التي تحتاج المرأة أن تتعامل معها بنفسها، وفي حالات الاحتياج الشخصي، وإنما يأتي عملها في الغالب كاحتياج ثانوي، وهذا الأمر يجب أن يكون له أثره على أولويات الاهتمام والتوظيف من مؤسسات المجتمع الحكومية والأهلية.
وبناءً على ما سبق فلا يسوغ أن ننظر إلى بطالة الذكور والإناث، ونحدد حجمها من خلال نفس المعايير، دون مراعاة الاختلاف الجوهري في الواجبات والمسؤوليات المناطة بكلٍ منهما، محتجين بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص، بل الواجب هنا هو مبدأ العدل لا المساواة، والذي يقتضي أن تتناسب الحقوق مع الواجبات، وما ألحظه أن وزارة العمل تنظر لبطالة الذكور والإناث، وتتعامل معها من خلال معايير موحدة، وهذه منهجية تفتقد للدقة والواقعية.
وإذا انتقلنا إلى زاوية أخرى للقضية، ونظرنا إلى نوعية الوظائف والأعمال التي تُطرح ضمن تطبيقات توسيع فرص ومجالات عمل المرأة لاسيما في القطاع الخاص، وتحظى بتسويق إعلامي واسع على الصعيد المحلي لرأينا أن هناك سعياً غريباً لتطبيع نوعيات معينة من الأعمال والوظائف التي تتعارض مع ثقافة المجتمع ومنظومته القيمية، أو على أقل الأحوال لا تحظى بقبول اجتماعي، كالعمل في البيئات المختلطة من دون ضرورة فعلية لذلك.(3/35)
والسؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يحاول البعض أن يفرض على المجتمع بعض الأعمال التي لا يُرحب بها غالبية الشعب (1)، وتختلف مع نظام المجتمع العام، أَوَليس احترام النظام العام في المجتمع -بصفته مجموعة القيم والمبادئ والعادات التي يؤمن بها ذلك المجتمع، ويستهجن الخروج عليها- أمراً توجبه النظم والأعراف القانونية على الجميع!! لماذا يركز الخطاب الإعلامي على عمل المرأة المختلط بالرجال، وكأنه ليس هناك غيره من الأعمال التي يمكن للمرأة العمل فيها؟ وهل يعود ذلك إلى أن هناك من يهدف إلى كسر الحاجز النفسي وتخفيف الرفض الاجتماعي تجاه العمل المختلط؟! أين تفعيل وزارة العمل للأعمال المتوافقة مع الأحكام الشرعية والنظام العام للمجتمع، والتي تحظى بقبول اجتماعي؛ كصور العمل المختلفة في الأوساط النسائية؟ لماذا لم تُفعل وزارة العمل بشكل جدي إلى الآن التوصية الواردة في القرار الملكي القاضي بتوسيع عمل المرأة وفق الأحكام الشرعية والتي تنص على تفعيل تطبيقات العمل عن بعد عبر الوسائط الإلكترونية، والذي يضمن للمرأة أن تقوم بواجباتها الأسرية بشكل أفضل في جو من الراحة والخصوصية والأمان؟!
إن الملاحظ أن هناك ممارسات حثيثة تدفع بالمرأة دفعاً لكي تخرج من المنزل، وتبحث عن الوظيفة، وتثبت قدراتها على منافسة الرجل في كثيرٍ من المجالات، وتحقيق ذاتها، وكأن هناك صراعاً وخصومة بين الرجل والمرأة، وعلى المرأة أن تسعى لكسب الصراع لصالحها، وتحقيق الانتصار على الطرف الآخر، وفي خضم ذلك يلمّع الخطاب الإعلامي المرأة الموظفة، ويبرزها للرأي العام في المجتمع على أنها هي المرأة المنتجة التي تخدم الوطن، وتشارك بفعالية في عملية تنميته، ولو كان عملها على حساب واجباتها الأسرية، بينما المرأة غير الموظفة فإنها تصور على أنها امرأة ناقصة وعاطلة عن العمل، حتى ولو كانت تقوم بدورها الرائد في تربية أبنائها والاهتمام بشؤون أسرتها، في سعيٍ إلى التهوين والتقليل من الواجب الشرعي والوطني المناط بها تجاه أبنائها، وكأنه دورٌ هامشيٌ قليل الجدوى، ولا يقوم به إلاّ الأمهات محدودات الثقافة، وذلك خلطٌ وتلاعبٌ عجيبٌ بالمفاهيم والمصطلحات يجب التنبه إليه.
_________
(1) انظر على سبيل المثال إلى نتائج الدراسة السابقة التي قام بها جهاز الإرشاد والتوجيه في الحرس الوطني، وإلى الدراسة الميدانية التي أجرها مركز مسبار للدراسات والبحوث والإعلام، والتي أظهرت أن 72% من المواطنين لا يؤيدون عضوية المرأة في المجلس البلدي، وعلل 69.5% منهم ذلك لوجود مخالفات شرعية تترتب على مشاركة المرأة في المجالس البلدية، في إشارة إلى العمل المختلط مع الرجال الجانب، والذي يحصل من جراء ذلك (صحيفة المدينة في العدد رقم 16633)، إلى غير ذلك من الدراسات والبحوث التي تؤكد أن العمل المختلط لا يحظى بالقبول والترحيب الاجتماعي، وإن مارسه البعض للحاجة أو بسبب التقصير، ولكنه يبقى أنه يفضل غيره لو أتيح له.(3/36)
الأزمة الإقتصادية العالمية ... أسباب وحلول
عاهد ناصر الدين
يشهد العالم أزمة اقتصادية لم يسبق لها مثيل، تحاول الدول الرأسمالية حلها وإيجاد السبل للخروج من هذه الأزمة التي سببت كارثة اقتصادية تهدد العالم بأسره.
وقد انعقدت قمة العشرين بلندن يوم الخميس الثاني من نيسان عام 2009م في محاولة للخروج من هذه الأزمة الخانقة.
وقد ازدادت الأزمة الاقتصادية العالمية سوءا منذ قمة واشنطن في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني، والتي عقدها زعماء الدول العشرين والتي تستحوذ على 90% من الناتج الاقتصادي العالمي و 80% من التجارة العالمية وهي تضم ثلثي سكان الأرض.
إن هذه الأزمة التي تعصف الآن بالعالم ليست الأولى من نوعها, فلقد كانت هناك أزمة كبرى في عام 1929 وسميت بأزمة الكساد الكبير, ومن أشهر أزمات النظام الرأسمالي ما حصل في الأسبوع الأخير من شهر تشرين الأول عام 1997 حيث حصل هبوط حاد في أسعار الأسهم في الأسواق المالية الكبرى، بدأ في هونغ كونغ، وانتقل إلى اليابان، ثم لأوروبا، وتتالى الهبوط من بلد لآخر مع تتالي طلوع الشمس في كل منها، وقد سبق هذه الأزمة التي حصلت في أوروبا وأمريكا ما كان يجري في جنوبي شرق آسيا من تدهور في أسعار صرف عملات دولها وهبوط أسعار أسهم شركاتها فأشرفت عدد من المصارف والشركات على الهلاك من تايلاند إلى الفلبين وماليزيا وإندونيسيا ثم امتدت الأزمة كالعدوى إلى كوريا الجنوبية وتايوان في شمال آسيا 0
وفي هذه الأيام تفاعلت أزمة الرهن العقاري، وتوسعت في القروض، وعجز المقترضون عن السداد، فأفلست كبرى البنوك والمؤسسات المالية في أمريكا أو كادت، وبسبب كثافة الدعاية لسوق الرهن العقاري في أمريكا، وللأرباح الوفيرة المتوقعة وفق أرباب صناعة الإعلان… فقد تسارعت البنوك الدولية والأسواق المالية للاستثمار في هذا السوق، وهكذا انعكس إفلاس البنوك والمؤسسات المالية الأمريكية على العالم، وأصابت "عطسة" أمريكا العالم بالزكام.
لقد قدَّرت بعض المصادر المالية خسائر الرهن العقاري بنحو "300" مليار دولار في أمريكا وحدها، و"550" مليار دولار في دول العالم الأخرى! فبدأت الدول، وبخاصة الغنية، تضخ الأموال بالمليارات إلى الأسواق المالية لإسناد السوق وتوفير السيولة لتحريك عملية الاقتصاد، بل إن بعضها تدخلت مباشرة لدرجة وصلت التأميم لبعض المصارف كما حدث في بريطانيا!
وإن ما حصل مؤخرا في أزمة الرهن العقاري الحادة والمستمرة دليل على فساد النظام الاقتصادي الرأسمالي, فقد وجدت آلاف الأسر نفسها في الشارع بعد أن خسرت بيوتها التي ذهبت إلى المؤسسات الربوية.
إن هذا الاقتصاد الرأسمالي الذي سبب كل هذه الكوارث المعيشية والاجتماعية يقوم على ركائز ثلاثة هي أس الداء ومكمن البلاء وهي التالية:
1 - الشركات المساهمة:
أي تلك الشركات التي يتم تداول أسهمها في البورصة فتصبح قيمة هذه الشركة أضعاف قيمتها الحقيقة نتيجة للمضاربة على أسهمها, فالشركة التي أصولها على الحقيقة تساوي مليون دولار مثلا, قد تصبح قيمتها في البورصات نتيجة المضاربة مليار دولار, وهذا معناه بيع أوهام لا أكثر فربما دفع مضارب مليون دولار في شركة لعله يحصل على 10% منها, ولكنه يكتشف أن الشركة لا تساوي كلها بجميع ما فيها نصف المليون.
2 - الربا. وهذا غني عن الشرح.
3 - النقد الإلزامي:(3/37)
أي أن الدول لا تغطي عملتها المطبوعة بالذهب أو الفضة, وإنما العملات مثل الشيكات تصدرها الدولة وتلتزم بتصريفها دون أن يكون لها رصيد حقيقي, ولعل في عملة العراق مثال يوضح المسألة فقد تهاوى سعر صرف الدينار العراقي إلى قيمة تقارب الصفر بعد الحصار, ولو كان هذا الدينار مغطى بالذهب أو نائب عن الذهب والفضة لما خسر الناس أموالهم لمجرد أزمة سياسية ألمت بالبلد.
وقد تآزرت هذه الأنظمة الثلاثة لتفصم الإقتصاد الرأسمالي إلى نوعين من الاقتصاد أو الأسواق:
الأول: هو الاقتصاد الفعلي: وفيه يكون إنتاج وتسويق السلع والخدمات الفعلية.
والثاني: هو الاقتصاد المالي: وهو ما يسميه بعضهم بالاقتصاد الطفيلي القائم على الشركات المساهمة والبورصات والأسواق المالية التي يتم فيها بيع وشراء الأسهم والسندات، والبضائع دونما شرط التقابض للسلع بل تشترى وتباع مرات عدة، دون انتقالها من بائعها الأصلي، وهو نظام باطل يُعقِّد المشكلة ولا يحلها، حيث يزيد التداول وينخفض دون تقابض بل دون وجود سلع ... ، كل ذلك يشجع المضاربات والهزات في الأسواق، وهكذا تحدث الخسائر والأرباح بطرق شتى من النصب والاحتيال وقد تستمر وتستمر قبل أن تنكشف وتصبح كارثة اقتصادية.
إن هذه الأسواق المالية مصدر كبير للفقر المدقع لكثير من الفقراء, وهي أسواق تقتات على حساب المستثمرين الصغار, والجائعين والمحرومين. ومع أن حجم الأموال المتداولة فيها تقدر بـ 98% مقارنة بالمال المستخدم في الاقتصادي الحقيقي والفعلي المتعلق بالإنتاج, إلا أن هذه الأموال لا ينتفع بها إلا فئة قليلة من الناس، ولا شك أن المضاربات من أهم الأسباب في الأزمات الاقتصادية الأخيرة, حتى أن سياسيي العالم انتقدوها مؤخراً وطالبوا بفرض قيود صارمة على المضاربين ومراقبة البورصات.
من ذلك ما قاله الرئيس الفرنسي ساركوزي: لقد حان الوقت لجعل الرأسمالية أخلاقية بتوجيهها إلى وظيفتها الصحيحة، وهي خدمة قوى التنمية الاقتصادية وقوى الإنتاج، والابتعاد تماما عن القوى المضاربة.
لقد جمعت المضاربات في الأسواق المالية كل مساوئ النظام الاقتصادي الرأسمالي: الفوائد الربوية, العملات الإلزامية الغير مغطاة, البيع والشراء بغير تقابض, اعتماد أساليب الغش والكذب والاحتيال والتمويه والتآمر في رفع الأسعار وتخفيضها, والمجازفة بالاعتماد على العامل الغيبي في البيع والشراء. وأما بالنسبة لنظام الربا المصرفي فإن القروض الربوية تشكل مشكلة اقتصادية كبرى، حتى إن مقدار الدين الأصلي سيتضاءل مع الزمن بالنسبة للربا المحسوب عليه، فيصبح عجز الأفراد والدول أمراً وارداً في كثير من الحالات، ما يسبب أزمة تسديد الدين، وتباطؤ عجلة الاقتصاد لعدم قدرة كثير من الطبقات الوسطى بل والكبرى عن تسديد الدين ومواكبة الإنتاج.
وأما بالنسبة لنظام النقد الإلزامي فإن النقود تُعرّف بأنها الشيء الذي اصطلح الناس على جعله ثمنا للسلع وأجرة الجهود والخدمات 0
وقد كان النظام المعدني هو النظام السائد من قديم الزمان قبل الإسلام ولما جاء الإسلام أقر الرسول - صلى الله عليه وسلم - التعامل بالدنانير والدراهم، أي بالنظام المعدني، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي تُقاس به أثمان السلع وأجرة الجهود والخدمات 0(3/38)
وقد تم إقصاء الذهب عن كونه الغطاء النقدي، وإدخال الدولار شريكا له في اتفاقية بريتون وودز مع نهاية الحرب الثانية، ثم بديلا له في أوائل السبعينات، قد جعل الدولار متحكما في الاقتصاد العالمي، بحيث تكون أية هزة اقتصادية في أمريكا مشكِّلةً ضربة قاسية لاقتصاد الدول الأخرى، وذلك لأن مخزونها النقدي، معظمه إن لم يكن كله، مغطى بالدولار الورقي الذي لا يساوي في ذاته أكثر من الورقة والكتابة عليها، وحتى بعد أن دخل اليورو "حلبة الملاكمة"، وأصبحت الدول تحتفظ في مخزونها النقدي نقودا غير الدولار، إلا أن الدولار بقي يشكل النسبة الأكبر في مخزون الدول بشكل عام.
نضيف إلى ذلك كله أمرا مهما، وهو عدم الوعي على واقع الملكيات، فهي قد كانت عند مفكري الشرق والغرب إما مِلكية عامة تتولاها الدولة وفق النظرية الاشتراكية الشيوعية، وإما مِلكية خاصة يتولاها القطاع الخاص ولا تتدخل الدولة بها وفق النظرية الرأسمالية الليبرالية المعتمدة على حرية السوق، والخصخصة، ثم أضيف لها العولمة.
إن عدم الوعي هذا على واقع المِلكيات أوجد ويوجد الهزات الاقتصادية والمشاكل الاقتصادية، وذلك لأن المِلكيات ليست إما أن تتولاها الدولة، أو يتولاها القطاع الخاص، بل هي ثلاثة أنواع:
مِلكية عامة تشمل المناجم الصلبة والسائلة والغازية، كالبترول، والحديد والنحاس والذهب والغاز وكل ما في باطن الأرض، والطاقة بكل صورها، والمصانع الكبرى التي تكون فيها الطاقة عنصرا أساسا… فيجب أن تتولى الدولة استخراجها وتوزيعها على الناس عينا وخدمات.
ومِلكية دولة وهي ما تأخذه الدولة من ضرائب بأنواعها، وما تنشئه من تجارة وصناعة وزراعة في غير الملكية العامة، وهذه تنفقها الدولة على مرافق الدولة.
ثم المِلكية الخاصة وهي الأمور الأخرى، وهذه يتصرف بها الأفراد وفق الأحكام الشرعية 0
ولقد أيقن الساسة والاقتصاديون والمفكرون في العالم أن سبب ما يمرون به من كارثة اقتصادية طامّة؛ إنما هو المبدأ الرأسمالي، الذي يحرص على مصالح الرأسماليين فيه، فيملأ جيوبهم على حساب باقي الناس، وقسم العالم إلى فئتين: فئة لا تصل إلى 5% من الناس تملك أكثر من 80% من مقدرات العالم وثرواته، والأخرى 95% من الناس، ولا تكاد تملك 20% من الثروة، بل إنه يحرم الملايين من لقمة العيش ليحقق الرفاهية للرأسماليين.
كما أيقن الساسة والاقتصاديون عجزهم عن إيجاد حل لهذه الأزمة الكارثة، وأعلنوا عجز المبدأ الرأسمالي عن تجاوز الأزمة وحلها، وقد صدر هذا اليقين وهذا الإعلان على لسان كبار ساستهم من أمثال ساركوزي وبراون وغيرهم، ومع أنهم قاموا ببعض الأعمال لمعالجة الأزمة إلا أنهم اعترفوا بفشل تلك الأعمال، كفكرة ضخ السيولة في الأسواق والبنوك والشركات المتعثرة، مع أنهم كانوا يدفعونها من أموال دافعي الضرائب عندهم، أي يأخذون من الفقير ليقيلوا عثرة الغني ... فما زالوا على ضلالهم القديم، في حرصهم على إنهاض الغني الرأسمالي المتعثر، ولو على حساب الفقير
لقد فشلت معالجات الدول الرأسمالية للأزمة الاقتصادية الكارثة، لأنها من جنس المبدأ الذي أنتج هذه الأزمة، فالمبدأ الفاسد في أساسه سينتج عنه الفساد حتماً، وسيولد الشقاء لمن يطبق هذا المبدأ، وكذلك فإن المعالجات المنبثقة عنه ستكون معالجات فاسدة، وهذا هو الذي أثبته واقع المبدأ الرأسمالي عبر العقود الطويلة التي طبق فيها .. وعليه فليس أمام الساسة والمفكرين والاقتصاديين إلا أن ينبذوا هذا المبدأ نبذ النواة، ولن يحتاجوا للبحث عن البديل.(3/39)
فالحل الجذري موجود ومطروح منذ عقود وهو النظام الاقتصادي الإسلامي وهو وحده العلاج الناجع والواقي والحامي من حدوث الأزمات الاقتصادية، فهو قد منع كل مسببات الأزمات الاقتصادية:
منع التعامل بسندات الدين بيعا وشراءاً فهي باطلة شرعا ويتم فيها استثمار المال بالربا الذي نهى عنه الشرع نهيا جازما قاطعا باتا مهما كانت نسبته قليلة أو كثيرة، وسواء أكان ربا نسيئة أو فضل، وجعل الإقراض لمساعدة المحتاجين دون زيادة على رأس المال، وفي بيت مال المسلمين باب لإقراض المحتاجين والمزارعين مساعدة لهم دون ربا.
ومال الربا مال حرام قطعا، ولا حق لأحد في ملكيته، ويرد لأهله إن كانوا معروفين ولفظاعته وصف الله آكليه بالذين يتخبطهم الشيطان من المس في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} البقرة275
ولشدة حرمة الربا أعلن الله الحرب على آكليه في قوله جل وعلا: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ} البقرة 278 - 279
نص على أن يكون الذهب والفضة هو النقد لا غير، وأن إصدار الأوراق النائبة يجب أن تكون مغطاة بالذهب والفضة بكامل القيمة وتستبدل حال الطلب. وبذلك فلا يتحكم نقد ورقي لأية دولة بالدول الأخرى، بل يكون للنقد قيمة ذاتية ثابتة لا تتغير.
ومنع بيع السلع قبل أن يحوزها المشتري، فحرم بيع ما لا يملك الإنسان، وحرم تداول الأوراق المالية والسندات والأسهم الناتجة عن العقود الباطلة، وحرم وسائل النصب والاحتيال التي تبيحها الرأسمالية بدعوى حرية الملكية.
ومنع الأفراد والمؤسسات والشركات من امتلاك ما هو داخل في الملكية العامة، كالبترول والمعادن والطاقة والكهرباء المستعملة في الوقود… وجعل الدولة تتولاها وفق الأحكام الشرعية.
وهكذا فقد عالج النظام الاقتصادي الإسلامي كل اضطراب وأزمة في الاقتصاد تسبب شقاء الإنسان، فهو نظام فرضه رب العالمين الذي يعلم ما يصلح مخلوقاته {ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/40)
استخدام التاريخ الميلادي
عبد اللطيف القرني [قاضي في ديوان المظالم]
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين وقدوة الناس أجمعين وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن لكل أمة تأريخ معين تُنسب إليها أحداثها وتعلق عليه أحكامها وإليه يلجأ أفرادها في أمور دينهم ودنياهم. وحيث إن الرعيل الأول اتفقت كلمتهم على اعتبار شأن الهجرة وأنها بداية مناسبة لتأريخ أمة الإسلام بحيث تنسب إليه الحوادث ويكون مرتبطاً بالحول القمري الذي أمرنا بالاعتداد به، حيث جعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام إذا عرف هذا.
ولما كان التأريخ الميلادي من أشهر التواريخ المستعملة هذه الأيام وللأسف الشديد حتى في معظم البلاد الإسلامية أشير علي بحث هذه المسألة مع الأخذ بالاعتبار مدى جواز الاستفادة من الحسابات الفلكية المرتبطة بالتواريخ الأخرى كالحساب الشمسي المتمثل بالتاريخ الميلادي وما واجب الأفراد تجاه أنظمة الدول التي تأخذ بالتأريخ الميلادي.
ومن خلال البحث في هذه المسألة لم أجد من تكلم في هذه المسألة بتوسع وأغلب ما عثرت عليه بعض الفتاوى العامة في هذا الباب دون تفصيل في الأحوال، والله نسأل أن يسدد رشدنا وأن يلهمنا الصواب.
المبحث الأول: وفيه مسائل:
المسألة الأولى: معنى التأريخ:
قال ابن منظور: أرّخَ: التأريخ: تعريف الوقت. والتوريخ مثله. أرخ الكتاب ليوم كذا: وَقَّتَه ... وتأريخ المسلمين: أرخ من زمن هجرة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. كتب في خلافة عمر رضي الله عنه فصار تأريخاً إلى اليوم (1).
وتعريف كلمة التأريخ في الاصطلاح: ما ورد في المعجم الوسيط التاريخ جملة الأحوال والأحداث التي يمر بها كائن ما، ويصدق على الفرد والمجتمع، كما يصدق على الظواهر الطبيعية والإنسانية ... والتأريخ تسجيل هذه الأحوال (2).
ويظهر من التعريف التفريق بين التأريخ (مهموزاً) والتاريخ (بدون همز)، فالتاريخ بدون همزة علم يشمل أبرز الأحداث، والتأريخ هو يوم معين تنسب إليه سائر الأحداث وهو المراد هنا.
فنخلص من ذلك أن التأريخ: تسجيل الأحوال والأحداث للأفراد والأمم مستنداً في كل حدث أو حالة إلى الحدث المؤرخ به والمؤرخ به عند الأمة الإسلامية كما سيأتي ذكره هي الهجرة النبوية.
المسألة الثانية: الفرق بين التاريخ والتقويم:
يطلق لفظ التأريخ ويراد به التقويم، وكذا العكس وعند التأمل نجد الاختلاف الدقيق بينهما فالتقويم لغة بمعنى تصحيح الخطأ أو الاعوجاج واصطلاحاً: تنظيم لقياس الزمن يعتمد على ظواهر طبيعية متكررة مثل دورتي الشمس أو الأرض والقمر (3).
فهو مختص بحدث مرتبط بظاهرة متكررة كمواسم الزراعة السنوية أو الفصول الأربعة وهو في الشهور الشمسية ثابت لا يتغير مثل ربط بدء الدراسة سنوياً بأول يوم من برج الميزان أو أول يوم من الربيع فهذا يسمى تقويماً وهو خاص بتلك السنة ومثله تقويم أم القرى أو التقويم القطري ونحوه، فهو تقويم سنوي ينظم تفاصيل سنة من السنين وفي تفاصيله تجد التأريخ الهجري القمري والتأريخ الميلادي الشمسي والفصول السنوية المعروفة والأبراج (4).
أما التأريخ فهو وعاء لأحداث الأمة يساير أيامها ويربط أجيالها بعضهم ببعض ويوثق حاضرها وماضيها وإن كان التقويم مضافاً للهجرة أو الميلاد يستخدم عند البعض بمعنى التأريخ الهجري أو التأريخ الميلادي، ولذا تجد من يعبر عن التاريخ بالتقويم فيقول التقويم الهجري والمقصود هو التاريخ الهجري (5).
_________
(1) (لسان العرب 3/ 4) مادة (أرخ).
(2) (المعجم الوسيط 1/ 13).
(3) (الموسوعة العربية الميسرة 1/ 539).
(4) (التاريخ الهجري ص 19).
(5) (انظر التاريخ الهجري ص 19 - 20).(3/41)
المسألة الثالثة: أنواع التقويم:
التقويم مقياس الزمن كالساعة فكما أن الساعة مقياس تعرف به ساعات الليل والنهار كذلك التقويم مقياس تعرف به الأيام والأسابيع والشهور، فإنه يذكرنا باليوم الذي نحن فيه وموقعه وينبئنا عن أيام العبادات والأعياد والمناسبات والمواسم.
والأقسام الزمانية على نوعين طبيعية ووضعية: فالأقسام الطبيعية هي التي تسير وفق ما قدر لها في حركات الأفلاك كاليوم والشهر القمري والسنة الشمسية فاليوم ينشأ من دورة الأرض حول محورها والشهر القمري ينتج من دورة القمر حول الأرض والسنة الشمسية تنشأ من دورة الأرض حول الشمس وهذه الدورات الثلاث هي تدبير الهي لا دخل للبشر فيها أما الوضعية فالأسبوع والشهر الشمسي والسنة القمرية (1).
وبالإضافة إلى ذلك فقد اهتدت بعض الشعوب كالعرب والمصريين إلى مراقبة النجوم ولاحظوا أن البرج يطلع دائماً في المكان نفسه في الزمان نفسه مما فتح لهم مجالاً للتأريخ بتعاقب النجوم أيضاً بدلاً من التأريخ بدورة الشمس وحلول الفصول المرتبطة بموسم الحصاد وعموماً فمن مراقبة الإنسان لتلك الدورات الفلكية نشأت أنواع متعددة من التقاويم.
نذكر أبرزها إجمالاً:
1 - التقويم النجمي:
يرتبط التقويم النجمي بطلوع نجم معين في وقت معين من العام، ويبدأ من طلوع نجم الشعرى والفيضانات التي تتكرر كل عام ومدة هذه السنة 366.25 يوماً أي أطول من السنة الشمسية بيوم واحد مما سبب خللاً واضحاً في هذا التقويم (2).
2 - التقويم الشمسي:
يرتبط هذا التقويم بحالة الشمس وهو مأخوذ من دورة الأرض حول الشمس وهي السنة الشمسية وتنقسم السنة الشمسية إلى الفصول الأربعة المعروفة باعتبار بعد الشمس وقربها وهي الدورة السنوية ومدة هذه السنة 365 يوماً تقريباً، وقد عرف هذا التقويم الرومانيون في القديم وعليه قام التقويم اليولياني والتقويم السرياني والتقويم الفارسي والتقويم الصيني والتقويم الفرنسي وممن استخدم التقويم الشمسي منفرداً الروم والقبط وغيرهم (3).
3 - التقويم القمري:
يرتبط هذا التقويم بدورة القمر حول الأرض ووفق حركة القمر تحصل الشهور وكل دورة للقمر حول الأرض تمثل شهراً قمرياً تبلغ مدته 29.25 يوماً تقريباً، وعلى هذا الأساس فإن السنة القمرية تكون 354.36 يوماً، أي أنه أقل من عدد أيام السنة الشمسية بـ (10.88) أيام، ويلاحظ أنه لا يوجد أي ارتباط بين التقويم القمري والتقويم الشمسي لأن كل منهما مرتبط بحركة ودورة تختلف عن الآخر.
والتقويم القمري هو الأصل لأن الشهر في اللغة معناه القمر كما ذكر ذلك ابن سيده في المخصص (4). والعرب كانوا يفتتحون الشهر إذا رأوا الهلال ثم لا ينقضي الشهر حتى يروا الهلال مرة أخرى، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "أن يكون الشهر طبيعياً والسنة عددية فهو سنة المسلمين ومن وافقهم" (5)
وهناك تقاويم أخرى لكن أشهرها ما ذكرناه وأكثرها استعمالاً هو التقويم الشمسي والتقويم القمري وعند التأمل نجد أن التقويم الشمسي وثيق الصلة بأمور المعاش كالزراعة ومواسمها وأحوال الطقس وذلك لأن التقويم الشمسي يحتضن الفصول الأربعة (الشتاء، والصيف، والخريف، والربيع) وتأتي هذه الفصول فيه في مواعيد ثابتة سنوياً فهذا التقويم أساسه الفصول وليس الشهور فهو في الأصل سنة طبيعية مقسمة إلى فصول أربعة.
_________
(1) (انظر فتاوى ابن تيمية 25/ 135 - 138).
(2) (التوقيت والتقويم، علي حسن موسى).
(3) (التوقيت والتقويم، ص 33).
(4) (المخصص 2/ 376)
(5) (مجموع الفتاوى 25/ 138) انظر التاريخ الهجري ص 23 - 24.(3/42)
وأما التقويم القمري فهو يقوم على الأشهر لا على الفصول الأربعة والشهر فيه عبارة عن دورة القمر الفلكية الثابتة وتكرر هذه الدورة اثنتي عشرة مرة وبذلك تتكون السنة القمرية عند ذلك يتضح أن السنة الشمسية سنة طبيعية وجاء من قسمتها أشهراً قياساً على الأشهر القمرية، فالأشهر في السنة الشمسية وضعية وعلى العكس التقويم القمري فالأشهر فيه طبيعية وفق دورة القمر لكن السنة فيه وضعية وليست طبيعية.
وخلاصة القول إن المقاييس الثلاثة المتدرجة وهي اليوم والشهر القمري والسنة الشمسية منشؤها الظواهر الكونية وعلاقة الأرض بالشمس من جهة، وعلاقة الأرض بالقمر من جهة أخرى، ومع امتداد الزمن ظهرت العديد من التواريخ التي يؤرخ بها الناس إلا أن أبرزها وأكثرها استعمالاً هو التاريخ الهجري والتاريخ الميلادي فالتاريخ الهجري يقوم على دورة القمر أي يستخدم الأشهر القمرية الطبيعية والسنة الوضعية والتي تتكون من اثنتي عشر شهراً قمرياً. والتأريخ الميلادي يقوم حركة الشمس السنوية الطبيعية وهي التي تتكون من دورة واحدة للشمس حول الأرض من شتاء إلى شتاء أومن ربيع إلى ربيع ونحوه، ويستخدم هذا التاريخ الأشهر الوضعية وهي تختلف على حسب زيادة أو نقص في الشهر فبعضها ثلاثون يوماً وبعضها أقل وبعضها أكثر بلا مستند في ذلك. (1)
المسألة الرابعة: نشأة التأريخ الميلادي:
كان التأريخ معروفاً عند الرومان منذ (750) قبل ميلاد المسيح عليه السلام (2)، وكان هذا التقويم قمرياً تتألف السنة فيه من عشرة شهور فقط حتى جاء ملك روما (توما الثاني 716 - 673ق. م) الذي أضاف شهري يناير وفبراير وأصبحت السنة تتألف من 355 يوماً. ومع مرور الأيام تغيرت الفصول المناخية عن مكانها تغيراً كبيراً، وفي سنة (46) قبل الميلاد استدعى الإمبراطور الروماني يوليوس قيصر الفلكي المنجم المصري سوريجين من الإسكندرية طالباً منه وضع تأريخ حسابي، يعتمد عليه، ويؤرخ به، فاستجاب الفلكي المصري ووضع تأريخاً مستنداً إلى السنة الشمسية.
وبالتالي تحول الرومانيون من العمل بالتقويم القمري إلى التقويم الشمسي وسمي هذا التأريخ بالتأريخ اليولياني نسبة إلى الإمبراطور يوليوس قيصر، وبقي هذا التأريخ معمولاً به في أوروبا وبعض الأمم الأخرى قبل وبعد ميلاد المسيح عيسى - عليه السلام-.
واستمر النصارى على العمل بالتقويم الشمسي دون ربطه بالتأريخ الميلادي حتى القرن السادس أو القرن الثامن من ميلاد المسيح - عليه السلام - حيث تم الحساب ورجع بالتقويم الشمسي لتكون بدايته التأريخ النصراني من أول السنة الميلادية، نسبة إلى ميلاد المسيح عيسى - عليه السلام - وأن تكون بداية هذا التأريخ 1 - يناير-1 ميلادي وهو يوم ختان المسيح - عليه السلام - كما يقولون؛ حيث إن ميلاده - عليه السلام - كما يقال كان في 25 ديسمبر (كانون الأول) وعندها عرف هذا التأريخ بالتأريخ الميلادي.
ونخلص من هذا بأن الميلاد الحقيقي للمسيح - عليه السلام - سابق لبدء التأريخ الميلادي بقرون عديدة؛ لذا ينبغي التمييز بين التأريخ الميلادي، وميلاد المسيح - عليه السلام - لأن اصطلاح قبل الميلاد أو بعده تأريخياً لا يشير بدقة إلى ميلاد المسيح - عليه السلام - فعلياً (3).
_________
(1) (انظر: نظام التقويم في الإسلام ص 5)، (التقويم الهجري للملكة العربية السعودية ص 8) لأبي طارق الحجازي.
(2) (التأريخ الهجري ص 29).
(3) (التوقيت والتقويم ص109).(3/43)
وقد استمر العمل بهذا التأريخ إلى عهد بابا النصارى (جوريجوري الثالث عشر) الذي قام بإجراء تعديلات على التأريخ اليولياني لتلافي الخطأ الواقع فيه وهو عدم مطابقة السنة الحسابية على السنة الفعلية للشمس مما أدى إلى وجود فرق سنوي قدره إحدى عشرة دقيقة بين الحساب والواقع الفعلي فقام البابا بإصلاح هذا الفرق وسمي هذا التعديل بالتأريخ الجوريجوري وانتشر العمل به في غالب الدول النصرانية (1).
ومن الملاحظ أن الكنيسة كانت تتحكم بالتأريخ الميلادي في أرجاء الإمبراطورية الرومانية مما يعني انطباعاً بالاهتمام الديني النصراني بموضوع التأريخ. والتأريخ الميلادي حالياً هو التأريخ الجوريجوري غير أن بعض الفلكيين يرون أنه سيحتاج قطعاً يوماً من الأيام إلى تعديل، إذا كان الهدف هو المحافظة على انطباق السنة الشمسية على الفصول الأربعة (2).
وبناءً على ما تقدم فإن التاريخ الميلادي في الأصل كان رومانياً، عدله بعض الملوك والرهبان النصارى ونسبوه لميلاد المسيح عليه السلام نسبة جزافية بعد ميلاده عليه السلام بستة أو ثمانية قرون تقريباً، وقد أقر بعض الباحثين النصارى بخطأ هذه النسبة (3).
وبالنسبة للأشهر الميلادية التي تتكون منها هذه السنة فإنها في الأصل تعود لتمجيد التأريخ الشمسي الميلادي لاثني عشر إلهاً مزعوماً من آلهة الرومان الأسطورية، كما تعود أيضاً إلى تمجيد قائدين من قواد الرومان وهما يوليوس قيصر الذي أطلق اسمه على الشهر السابع باسم "يوليو" وأغسطس الذي أطلق اسمه على الشهر الثامن (أغسطس)، ولقد قام مجلس الشيوخ في عهده بتعديل أيام الشهر إلى واحد وثلاثين يوماً بدلاً من ثلاثين يوماً؛ لأنه أحرز في هذا الشهر أعظم انتصاراته وكذا يوليو.
بعد هذا يتضح لنا أن التأريخ الميلادي نتاج عمل بشري خالص مولود في بيئة رومانية، وحضانة نصرانية، ونشأ برعاية القياصرة وتعديلات البابوات والرهبان ولم يعرف إلا بعد ميلاد المسيح - عليه السلام - بقرون متعددة ولم يُبْن على مولده بيقين.
المبحث الثاني
نشأة التأريخ الهجري:
كان العرب قبل الإسلام يستخدمون التقويم القمري ويتعاملون مع الأشهر القمرية ويؤرخون بأبرز الأحداث. ولما هاجر المسلمون إلى المدينة وأصبح لهم كيانهم المستقل أصبحوا يطلقون على كل سنة من السنوات اسماً خاصاً بها فكانت السنة الأولى تسمى بسنة الإذن والسنة الثانية كانت تسمى سنة الأمر والسنة الثالثة سنة التمحيص، والسنة الرابعة تسمى سنة الترفئة والسنة الخامسة تسمى سنة الزلزال والسنة السادسة تسمى سنة الاستئناس والسنة السابعة تسمى سنة الاستغلاب، والسنة الثامنة تسمى سنة الاستواء والسنة التاسعة تسمى سنة البراءة والسنة العاشرة تسمى سنة الوداع (4).
وأخرج ابن عساكر بسنده عن أبي سلمة عن الزهري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخ التاريخ حين قدم المدينة في شهر ربيع الأول قال ابن عساكر: كذا في هذه الرواية وهي مرسلة وأخرج أيضاً: (عن أبي سلمة عن ابن شهاب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالتاريخ يوم قدم المدينة في شهر ربيع (5).
قال ابن حجر: وهذا معضل والمشهور خلافه وأن ذلك في خلافة عمر رضي الله عنه (6)
_________
(1) (التاريخ الهجري ص 32).
(2) (تاريخ التقويمين الميلادي والهجري ومبادئهما ص 13).
(3) (التقويم الهجري للملكة العربية السعودية ص 143 - 144).
(4) (انظر: هذه السنوات ومعانيها في الموسوعة العربية العالمية 7/ 83 وقد يُنازع فيها من حيث ثبوتها).
(5) (تاريخ دمشق 1/ 37) (عن طريق نسخة في برنامج الحاسب الآلي).
(6) (فتح الباري 7/ 268).(3/44)
ولا أعلم إسناداً صحيحاً في هذا الباب واستنبط بعض العلماء من قول الله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ) (التوبة: من الآية108)، وأنه ليس أول الأيام كلها ولا إضافة إلى شيء في اللفظ الظاهر فتعين أنه أضيف إلى شيء مضمر. وفيه من فقه صحة ما اتفق عليه الصحابة مع عمر حين شاورهم في التأريخ فاتفق رأيهم أن يكون التأريخ من عام الهجرة .. فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل وفهمنا الآن بفعلهم أن قوله سبحانه: (مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ) أن ذلك اليوم هو أول أيام التأريخ الذي يؤرخ به الآن.
أما كيف توصلوا إلى هذا التاريخ فقد وردت روايات عديدة تدل على أن التأريخ الهجري بدئ العمل به في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بمشورة، ثم اتفاق من الصحابة - رضي الله عنهم -.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى: "اتفق الصحابة رضي الله عنهم في سنة ست عشرة وقيل سبع عشرة أو ثماني عشرة في الدول العمرية على جعل ابتداء التأريخ الإسلامي من سنة الهجرة وذلك أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه رفع إليه صك، أي حجة، لرجل آخر، وفيه أنه يحل عليه في شعبان. فقال عمر: أي شعبان؟ أشعبان هذه السنة التي نحن فيها، أو السنة الماضية أو الآتية؟ ثم جمع الصحابة، فاستشارهم في وضع تأريخ يتعرفون به حلول الديون وغير ذلك، فقال قائل: أرِّخُوا كتأريخ الفرس فكره ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بملوكهم واحداً بعد واحد. وقال قائل: أرخوا بتأريخ الروم، وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فيلبس المقدوني، فكره ذلك. وقال آخرون: أرخوا بمولد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال آخرون: بل بمبعثه. وقال آخرون: بل بهجرته. وقال آخرون: بل بوفاته - عليه الصلاة والسلام - فمال عمر رضي الله تعالى عنه إلى التأريخ بالهجرة، لظهوره واشتهاره واتفقوا معه على ذلك ... إلى أن قال: وقال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزناد عن أبيه قال: استشار عمر في التأريخ فأجمعوا على الهجرة. وقال أبو داود الطيالسي عن قرة بن خالد السدوسي عن محمد بن سيرين قال: قام رجل إلى عمر - رضي الله عنه - فقال: أرخوا. فقال: وما أرخوا؟ فقال: شيء تفعله الأعاجم يكتبون في شهر كذا من سنة كذا. فقال عمر: حسن فأرخوا، فقالوا: من أي السنين نبدأ؟ فقالوا: من مبعثه. وقالوا: من وفاته. ثم أجمعوا على الهجرة. ثم قالوا: وأي الشهور نبدأ؟ فقالوا: رمضان. ثم قالوا: المحرم؛ فهو منصرف الناس من حجهم وهو شهر حرام فاجتمعوا على المحرم ... ثم قال بعد ذلك ابن كثير - رحمه الله تعالى -: والمقصود أنهم جعلوا ابتداء التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة وجعلوا أولها من المحرم فيما اشتهر عنهم وهذا هو قول جمهور العلماء (1).
ونخلص من ذلك أن اختيار التاريخ الهجري تم بإجماع منهم رضوان الله تعالى عنهم، والإجماع حجة قاطعة وأيضاً هذا يدل على أنهم كانوا يستخدمون التقويم القمري بدليل أنهم يتحدثون عن شهر شعبان وأيضاً هذا التاريخ لم يكن لعباداتهم فقط بل لجميع أمور دنياهم ويجعلونه رمزاً إسلامياً ولا يمكن الفصل بين التقويم القمري والتاريخ الهجري المرتبط به، والفصل بينهما مخالف لما أجمع عليه الصحابة كما أنه يوقع في المحاذير المخلة بالعبادات والمعاملات وبناء على ما تقدم نعرف نشأة التأريخ الهجري وكيف تم الاتفاق عليه وكونه شعاراً للأمة الإسلامية في مقابل شعارات الأمم المخالفة وأن الإعراض عنه إعراض عما أجمع عليه الصحابة.
المبحث الثالث:
حكم استخدام التأريخ الهجري والميلادي:
_________
(1) (انظر البداية والنهاية 4/ 510 - 511).(3/45)
أولا: الحديث عن التأريخ الهجري يقتضي تأصيل الحكم الشرعي للتقويم القمري فنقول: دلت النصوص الشرعية على وجوب الأخذ بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري ومن ذلك قوله تعالى:
1 - "يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ" (البقرة: من الآية189).
وجه الدلالة:
أن الله جعل الهلال علامة على بداية الشهر ونهايته، فبطلوع الهلال يبدأ شهر وينتهي آخر فتكون الأهلة بمعنى المواقيت وهذا يدل على أن الشهر قمري لارتباطه بالأهلة وهي منازل القمر.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
"فأخبر أنها مواقيت للناس وهذا عام في جميع أمورهم، فجعل الله الأهلة مواقيت للناس في الأحكام الثابتة بالشرع، ابتداء أو سبباً من العبادة وللأحكام التي ثبتت بشروط العبد، فما ثبت من الموقتات بشرع أو شرط فالهلال ميقات له، وهذا يدخل فيه، الصيام، والحج، ومدة الإيلاء والعدة
2 - قوله تعالى: "إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ" (التوبة: من الآية36).
وجه الدلالة:
أن الله وصف التوقيت بالهلال وأن الشهور القمرية إذا بلغت هذا الرقم سميت سنة وهذا معنى عدة الشهور.
وقال الفخر الرازي:
قال أهل العلم: الواجب على المسلمين بحكم هذه الآية أن يعتبروا في بيوعهم ومدد ديونهم وأحوال زكاتهم وسائر أحكامهم بالأهلة، لا يجوز لهم اعتبار السنة العجمية والرومية (1).
وذكر رحمه الله أن الشهور المعتبرة في الشريعة مبناها على رؤية الهلال، والسنة المعتبرة في الشريعة هي السنة القمرية (2).
3 - قال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الهلال فصوموا وإذا رأيتموه فأفطروا فإن غم عليكم فاقدروا له" (3).
وجه الدلالة: أن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل انتهاء شهر شعبان ودخول رمضان برؤية الهلال ويقاس عليها بقية الأشهر.
ومؤدى هذه النصوص الشرعية صريح أن المعول عليه والمعتبر هو التقويم القمري مما يؤكد وجوب التمسك به دون غيره من التقاويم وهو يتفق مع أحوال الناس لكونه صالحاً للجميع ليسره وسهولة مخاطبته لجميع الأطراف، ولقد اتفق عليه السلف الأول من الصحابة والتابعين كما مر معنا وأصبح العمل عليه.
قال الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله:
التأريخ اليومي يبدأ بغروب الشمس، والشهر يبدأ من الهلال، والسنوي يبدأ من الهجرة، هذا ما جرى عليه المسلمون وعلموا به واعتبره الفقهاء في كتبهم (4).
وتأسيساً على ما تقدم فإن استخدام التأريخ الهجري والميلادي يكون على حالات:
الحالة الأولى: استخدام التأريخ الهجري دون الميلادي، وحكم هذه الحالة أن التوجيه الشرعي جاء للعمل بالتقويم القمري المتمثل بالتاريخ الهجري وأن احتساب المواقيت والأحوال يكون عليه دون غيره وهو شعار ورمز الأمة الإسلامية التي يؤرخ لها وله دلالاته وأبعاده.
الحالة الثانية: حكم استخدام التأريخ الهجري والميلادي جميعاً:
ذكرنا في الحالة الأولى أن الأصل هو العمل بالتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري وهذا الحكم يشمل جميع الأفراد والدول الإسلامية ولكن لا مانع من الاستفادة بالتقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي بصفته تقويماً مساعداً للتقويم القمري تابعاً له متى وجد مقتضى لذلك تتحقق فيه مصلحة راجحة ولا عيب أن نأخذ - لا أن نستبدل - من مواقيت الأمم ما يفيدنا في بعض الحالات فيما لا يتعارض مع أمر من أمور الدنيا (5).
_________
(1) (التفسير الكبير 16/ 53).
(2) (التفسير الكبير 17/ 35 - 36).
(3) رواه البخاري (2/ 674) ومسلم (2/ 762).
(4) (الضياء اللامع من الخطب الجوامع ص 307).
(5) (التأريخ الهجري 61 - 63 وما بعدها).(3/46)
وأما ما يتعلق بالفصول الأربعة واستخدامها لتنظيم الاكتساب والمهنة والدراسة والعمل دون ربط ذلك بالسنين فليس من التأريخ مثل أن يقال يبدأ العام الدراسي كل عام ببرج الميزان أو يبدأ موعد الحصاد في برج الحمل كل عام فهذا من الاستفادة العامة للمواسم ولا صلة له ببحث التأريخ الهجري أو الميلادي (1).
الحالة الثالثة: حكم استخدام التأريخ الميلادي فقط:
بناء على ما تقدم يتضح لنا أن التأريخ الميلادي مرتبط بالدين النصراني وحضاراته وهذا واضح في أسماء الأشهر في التأريخ الميلادي فغالبها إما وثنية مرتبطة ببعض آلهة النصارى المزعومة أو بأسماء القياصرة وكبار الرهبان (2).
ولذا فإن وضع التقويم الشمسي المتمثل بالتأريخ الميلادي شعار للبلد والاعتداد به في احتساب المواقيت والأحوال هو تشبه صريح بالنصارى وجاءت النصوص الشرعية التي تحرم ذلك، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "من تشبه بقوم فهو منهم" (3).
ويتضمن الحديث التشبه بسمات الكفار وعاداتهم وتقاليدهم وأزيائهم وكل ما هو من خصائصهم ولا شك أن اعتبار الأصل هو استخدام التأريخ الميلادي يدخل في سمات الكفار (4).
وقد سئل الشيخ صالح الفوزان عن:
هل التأريخ بالتاريخ الميلادي يُعتبَرُ من موالاة النصارى؟
فأجاب لا يُعتبَرُ موالاة، لكن يعتبر تشبُّهًا بهم.
والصَّحابة رضي الله عنهم كان التاريخ الميلادي موجودًا، ولم يستعملوه، بل عدلوا عنه إلى التاريخ الهجريِّ، وضعوا التاريخ الهجريَّ، ولم يستعملوا التاريخ الميلادي، مع أنه كان موجودًا في عهدهم، هذا دليل على أنَّ المسلمين يجب أن يستقلُّوا عن عادات الكفَّار وتقاليد الكفَّار، لا سيَّما وأنَّ التَّاريخ الميلاديَّ رمز على دينهم؛ لأنه يرمز إلى تعظيم ميلاد المسيح والاحتفال به على رأس السَّنة، وهذه بدعة ابتدعها النصارى؛ فنحن لا نشاركهم ولا نشجِّعهم على هذا الشيء، وإذا أرَّخنا بتاريخهم؛ فمعناه أنَّنا نتشبَّه بهم، وعندنا ولله الحمد التاريخ الهجريُّ، الذي وضعه لنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الخليفة الرَّاشد بحضرة المهاجرين والأنصار، هذا يغنينا (5).
_________
(1) (التأريخ الهجري ص 67).
(2) (التأريخ الهجري ص 34).
(3) رواه أحمد 2/ 50، 2/ 92 وباسناد فيه مقال، ورواه أبو داود، كتاب اللباس باب في لبس الشهرة برقم 4031 وصححه الألباني.
(4) كلام الشيخ صالح الفوزان موجود في كتاب المنتقى من فتاوى الفوزان برقم (153).
(5) اعتبار المآلات ومراعاة نتائج التصرفات ص 228).(3/47)
ويقول فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين: لقد اقتصر المسلمون على تأريخهم الذي اتفقوا عليه من عهد عمر بن الخطاب الذي وضع لهم هذا التاريخ الهجري، حيث اختار مبدأه من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وعمل عليه المسلمون في كتبهم وسيرهم مع معرفتهم بتأريخ من قبلهم، ولم يزالوا كذلك حتى استولى النصارى على كثير من بلاد الإسلام، واستعمروهم واضطروهم إلى تعلم التاريخ الميلادي، وأنسوهم التاريخ الهجري إلا ما شاء الله، فنقول: إن في العمل بالتأريخ الهجري تذكراً لوقائع الإسلام وأحوال المسلمين في سابق الدهر، ثم هو أوضح وأبين حيث يعتمد على الأهلة التي ترى عياناً ويحصل بمشاهدتها معرفة دخول السنة وخروجها، دون إعواز إلى حساب وكتابة، فتنصح المسلمين أن يقتصروا على تأريخهم الذي كان عليه سلفهم، وأن يعرضوا عن تأريخ النصارى الذي لا يتحقق صحته، إنما هو مبني على نقل أهل الكتاب وهم غير متيقنين، حيث لم يثبتوا ذلك بالنقل الصحيح. ومتى احتيج إلى معرفة السنة الشمسية، فإن هناك التاريخ الشمسي الهجري وهو يعتمد الحساب، ويسير على سير البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى مجملاً كما في قوله تعالى: "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجاً" (الحجر: من الآية16)، وعرفها الحُسّاب وعلماء الفلك بالمشاهدة، ففي معرفتها ما يكفي عن الاحتياج إلى تاريخ النصارى، والله أعلم (1).
وأما بالنسبة لمن كان يعيش في دولة نظامها يأخذ بالتأريخ الميلادي فإن كان النظام يسمح بوضع التأريخ الهجري مع التأريخ الميلادي فيجب على الأفراد الإشارة إلى التأريخ الهجري في المكاتبات والإجراءات متى ما استطاعوا لذلك لأن هذا يحافظ على بقاء التأريخ الهجري شعاراً للأمة الإسلامية ويخفف من المفسدة الواقعة بالأخذ بالتأريخ الميلادي والقاعدة الشرعية تنص على أنه إذا لم يمكن قطع المفسدة جملة بأسبابها ودواعيها فإن التقليل من آثارها والحد من استشرائها وانتشارها مطلوب وهو من مقاصد الشرع المطهر (2).
وأما إذا كان النظام الرسمي للدولة يمنع الإشارة للتقويم القمري المتمثل بالتأريخ الهجري أبداً ويحارب ذلك فيجب على الأفراد في هذه الحالة بذل ما يستطيعون من الإنكار والنصح ومراعاة الأمور والموازنة بين المفاسد المتوقعة وقطع أسبابها والمفاسد الواقعة والسعي إلى تقليل آثارها إذا لم يمكن تلافيها ويبقى الجزاء مرتبطاً بالاستطاعة والقدرة على التغيير ويدخل في هذا التعامل مع الدولة أو الشركات العالمية التي تعتمد التأريخ الميلادي فيجوز مع الحاجة استخدام التأريخ الميلادي مع بعض الاعتبارات المرتبطة في ذلك مثل حساب الزكاة بالتأريخ الميلادي مع معادلته بالتقويم القمري، لإخراج القدر الزائد من المال الزكوي المقابل للزمن الزائد من التقويم الشمسي علما بأن المعتبر في إخراج الزكاة هو التأريخ الهجري لا الميلادي.
وفي نهاية البحث أوصي أمتي وأصحاب الشأن في بلاد المسلمين أينما كانوا بأن يتمسكوا بتأريخهم الإسلامي القمري الهجري امتثالاً لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم وتمسكاً بالسنة الراشدة والإجماع الصحابي واعتزازاً بما شرع الله.
وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
_________
(1) مجلة الدعوة العدد الشهري 2076
(2) أحكام وفتاوى الزكاة لعام 1423هـ الصادر من بيت الزكاة في الكويت.(3/48)
الأسماء المركبة: أنواعها وإعرابها .. دراسة نحوية
د. عبد الرحمن بن عبد الله الحميدي
الحمد لله ربِّ العالمين، والصَّلاة والسَّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبيِّنا محمَّد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعدُ:
فهذا بحث يتناول الأسماءَ المركَّبة في النَّحو العربي: أنواعَها وإعرابَها، وقد دعاني إلى الكتابة في هذا الموضوع تفرُّقُ مباحثه بين أبواب النَّحو؛ فهي لا يضُمُّها بابٌ واحد، وإنَّما توزعت بين عدَّة أبواب، فبعضها في باب المُعرَب والمبني، وقسم منها في باب العَلَم، وقسم في باب الممنوع من الصَّرف، وآخر في باب العدد ... لذا رأيتُ جمعَ ما تفرَّق منها، ولَمَّ شتاته في هذا البحث.
وأُشير هنا إلى ما يُكرِّره النُّحاة ويُؤكِّدونه بشأن التَّركيب، وهو أنَّه خلاف الأصل؛ إذِ الأصلُ في الكلمات الإفراد؛ لذا لا يُحكم على كلمة بالتَّركيب ما لم يُوجدْ دليل قاطع على ذلك (1).
والتركيب يكون في الأسماء والحروف، دون الأفعال؛ قال ابن عصفور: "لم يوجدْ في الأفعال ما هو مركَّب" (2).
وقال ابن أبي الرَّبيع: "لا يكون التَّركيب فيما أُخذت منه الأفعال؛ وهي المصادر، ولا في الصِّفات الجارية على الأفعال، وإنَّما يكون التَّركيب في الأسماء، نحو: بعلبك، ومعد يكرب، وما أشبه ذلك، وفي الحروف، نحو: هلاَّ، ولولا" (3).
وهذا البحث يتناول التركيبَ في الأسماء فقط؛ فإن أصبتُ فيما كتبتُه فمِنَ الله، وأحْمَدُه عليه، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومِنَ الشيطان، وأستغفر الله منه.
تعريف المركَّب:
التركيب في اللُّغة: وضْع شيء على شيءٍ، جاء في "اللسان" و"القاموس": "ركَّب الشيءَ: وَضَع بعضَه على بعض، فتركَّب وتراكب" (4)، ويقال: "تراكب السَّحاب وتراكم: صار بعضُه فوق بعض" (5)، والمركَّبُ - كمعظَّم -: الأَصْلُ والمَنْبِتُ (6).
والمركب عندَ الفلاسفة وأهل المنطق: "ما يدلُّ جزء لفظه على جزء معناه" (7).
وعند النَّحْويين: "ما تركَّب من كلمتين فأكثر" (8)، وذكر الشيخ العطَّار في "حاشيته على شرح الأزهريَّة": أنَّ أكثرَ النُّحاة على أنَّ المفرد ما تُلُفِّظ به مرَّةً واحدة، والمركَّب ما تُلُفِّظ به مرَّتين (9)، والواقع أنَّ المركب لا يُتلفَّظ به مرَّتين، وإنَّما مرَّةً واحدة كالمفرد، ولكن لأنَّه يُتَلفَّظ بكلِّ جزء من أجزائه - وأقلُّ ما يتألَّف المركب من جزأين - جُعل التلفُّظُ بجزئه تلفُّظًا بكُلِّه، فعندما يُتَلفَّظ بِجُزْأَيْهِ فكأنَّما تُلفِّظَ به مرَّتين، وهذا التَّعريف مبنيٌّ على تعريف أهل المنطق السابق: "ما يدلُّّ جزء لفظه على جزء معناه"، فإذا كان جزء المركب يدُلُّ على جزء معناه، فكأنَّ التَّلفُّظ بالجزأين تَلفُّظٌ به مرَّتين.
_________
(1) "الإنصاف في مسائل الخلاف"، (ص: 300)، "شرح المفصل"، لابن يعيش، (1/ 28).
"رصف المباني"، (ص: 209، 286)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 209)، "الجَنَى الداني"، (ص: 84)، "الأشباه والنظائر"، (1/ 228).
(2) "شرح الجمل"، (1/ 610).
(3) "الكافي في الإفصاح"، (ص: 662 - 664)، وانظر أيضًا:، (ص: 1145).
(4) "لسان العرب"، (1/ 416)، "القاموس المحيط"، (1/ 76): (ركب).
وانظر: "الصِّحاح"، (ص: 139): (ركب).
(5) "تهذيب اللغة"، (10/ 291).
(6) "الصحاح"، (ص: 139)، "تهذيب اللغة"، (10/ 219)، "لسان العرب"، (1/ 416 - 417)، "القاموس المحيط"، (1/ 75): (ركب).
(7) "التعريفات"، للجرجاني، (ص: 233)، وانظر: "التوقيف على مهمَّات التعاريف"، (ص: 649).
(8) "شرح الكفراوي على متن الآجُرُّومِيَّة"، (ص: 8)، "النحو الوافي"، (1/ 300).
(9) "حاشية الشيخ حسن العطَّار على شرح الأزهريَّة"، (ص: 26).(3/49)
ولكلِّ جزء قبل التركيب معنى، فإذا رُكِّب الجزآن أفادَ مجموعهما معنًى جديدًا، لم يكن لأيِّ واحد منهما قَبلَ التركيب (1).
أنواع المركَّبات:
قبل بسطِ القول في أنواع الأسماء المركبة لا بدَّ من تقسيمها قسمين: أسماء أعلام، وأسماء غير أعلام.
أوَّلاً: الأعلام المركَّبة، وهي ثلاثة أنواع:
1 - مركَّب إضافيٌّ: وهو ما رُكِّب من مُضافٍ ومضاف إليه، مثل: عبد الله، عبد القادر، عبد السميع، "أبو بكر"، "امرؤ القيس".
2 - مركَّب مزجيٌّ: وهو ما رُكِّب من كلمتين امتزجَتَا - لا على جهة الإضافة - حتَّى صارَتَا كالكلمة الواحدة، فنُزِّلت ثانيتُهما منزلةَ تاء التأنيث ممَّا قبلها، من جِهة أنَّ الإعراب والبناء يكون على آخِرها، أمَّا آخِرُ الأولى فيلزم حالةً واحدة، كما سيأتي بيانُه في "إعراب العَلَم المركَّب".
قال ابن يعيش عن هذا المركَّب: "مُزِج الاسمان وصارَا اسمًا واحدًا بإزاء حقيقة، ولم ينفردِ الاسم الثاني بشيءٍ من معناه، فكان كالمفرد غير المركَّب" (2)، ومن أمثلته: بَعْلَبَكُّ، وحَضْرَمَوْتُ، ومَعْدِ يكَرِبُ، وسيبوَيْهِ
3 - مركَّب إسناديٌّ: وهو ما رُكِّب من مُسنَد ومُسنَد إليه، سواء كان المسنَد اسمًا أمْ فعلاً، فهو عَلَم منقول من جملةٍ اسميَّة أو فعلية؛ ولذلك سمَّاه بعضُهم: "المركَّبَ الجُمْلِيَّ" (3)، والمنقول عن العرب التَّسمية بالجمل الفعليَّة كـ"شابَ قَرْناها" (4)، و"تأبَّط شرًّا" (5)، و"بَرقَ نَحْرُه"، ويُقاس عليه التَّسمية بالجمل الاسميَّة (6) كـ"محمَّد قائمٌ"، و" أحمد كريم"، و"عليٌّ سعيدٌ".
ثانيًا: الأسماء المركبة التي ليست بأعلام، وتشمل:
1 - المركَّب العددي: وهو كلُّ عددين رُكِّبا من العشرة والنَّيِّف، وبينهما حرفُ عطفٍ مقدَّر، ويشمل الأعدادَ من "أحد عشر" إلى "تسعة عشر"، وما صيغ منها على وزن فاعل من "الحادي عشر" إلى "التاسع عشر".
2 - الظُّروف المركَّبة: وهي ظروف استعملتْها العرب مركَّبةً، كـ "بينَ بينَ"، و"صباحَ مساءَ"، و"يومَ يومَ"، و"حينَ حينَ"، تقولُ: سقط بينَ بينَ؛ أي: بينَ الحي والميت، أو بين هذا وذاك.
قال عبيد بن الأبرص:
نَحْمِي حَقِيقَتَنَا وَبَعْ ضُ الْقَوْمِ يَسْقُطُ بَيْنَ بَيْنَا (7) وآتيك صباحَ مساءَ، ويومَ يومَ، وحينَ حينَ؛ أي: كلَّ صباح ومساء، وكلَّ يوم، وَكلَّ حين (8).
3 - الأحوال المركَّبة، وهي ضربان (9):
_________
(1) "النكت في تفسير كلام سيبويه"، (ص: 727)، "شرح المفصل"، لابن يعيش، (4/ 135).
(2) "شرح المفصل"، (4/ 112).
(3) "الأشباه والنظائر"، (1/ 229).
(4) اسم امرأة، أنشد سيبويه، (1/ 259)، (2/ 65):
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللهِ لاَ تَنْكِحُونَهَا بَنِي شَابَ قَرْنَاهَا تَصُرُّ وَتَحْلُبُ
(5) أحد لصوص العرب وعدَّائيها؛ "ألقاب الشعراء"، (ص: 307)، "الشِّعر والشُّعراء"، (ص: 312 - 313)، "الأغاني"، (21/ 127 - 172).
(6) "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 449)، "أوضح المسالك"، (1/ 124)، "شرح الألفيَّة"، للأشموني، (1/ 133).
(7) "الشِّعر والشُّعراء"، (ص: 267)، "ما ينصرف وما لا ينصرف"، (ص: 106).
(8) "الكتاب"، (2/ 53)، "الأصول في النَّحو"، (2/ 140)، "المفصل"، للزمخشري، (ص: 176، 178)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 91، 92)، "ارتشاف الضَّرَب"، (2/ 229).
(9) "ارتشاف الضَّرَب"، (2/ 370 - 371)، "شرح شذور الذَّهب"، (ص: 72 - 74).(3/50)
أ - ما أصله العطف، كـ"شَذَرَ مَذَرَ"، و"شغرَ بغرَ"، و"خِذَعَ مِذَعَ"، و"حَيْثَ بَيْثَ"، و"بَيْتَ بَيْتَ"، و"كَفَّةَ كَفَّةَ"، و"صَحْرَةَ بَحْرَةَ"، تقول: تفرَّقوا شغرَ بغرَ، وشذرَ مذرَ، وخِذَعَ مِذَعَ؛ أي: منتشرين متفرِّقين، وتركتُهم حيثَ بيثَ؛ أي: متفرِّقين ضائعين، وفيها لغات (1)، وتقول: هو جاري بيتَ بيتَ؛ أي: ملاصقًا، ولقيته كَفَّةَ كَفَّةَ؛ أي: مواجهةً، وأخبرتُه صَحْرَةَ بَحْرَةَ؛ أي: كاشفًا للخبر (2).
ب - ما أصله الإضافة، كـ"بادي بدا"، وفيها لغاتٌ (3)، و"أيدي سبأ"، و"أيادي سبأ"، تقول: فعلته بادي بدا، وبادِي بَدِي؛ أي: مبدوءًا به، قال أبو نُخَيْلَةَ السَّعْدِيُّ:
وَقَدْ عَلَتْنِي ذُرْأَةٌ بَادِي بَدِي وَرَثْيَةٌ تَنْهَضُ فِي تَشَدُّدِي (4) وذهبوا أيدي سبأ، وأيادي سبأ؛ أي: متفرِّقين (5)، قال ذو الرُّمة:
أَمِنْ أَجْلِ دَارٍ طَيَّرَ الْبَيْنُ أَهْلَهَا أَيَادِي سَبَا بَعْدِي وَطَالَ احْتِيَالُهَا (6) قال ابن هشام: "ومجيء هذا التَّركيب في الأحوال قليلٌ بالنسبة إلى مجيئه في الظروف" (7).
4 - أسماء الأفعال المركَّبة: قال أبو حيَّان: وهي قسمان: مركَّب من جار ومجرور، ومركَّب من غيرهما (8).
القسم الأول: مركَّب إمَّا من حرف جر ومجروره، وإمَّا من ظرف مضاف ومضاف إليه.
_________
(1) منها: حَوْثَ بَوْثَ، وحاثَ باثَ بفتح الثاءين، وحاثِ باثِ بكسرهما، وحَوْثًا بَوْثًا بالتنوين، "الإتْباع"، (ص: 19)، "الصحاح"، (ص: 280)، (حوث)، "شرح المفصل"، (4/ 119)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 92)، "ارتشاف الضَّرَب"، (2/ 370).
(2) "مجمع الأمثال"، للميداني، (2/ 9)، "المفصل"، (ص: 176 - 178)، "شرحه"، لابن يعيش، (4/ 117 - 119)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 91 - 92)، "ارتشاف الضَّرَب"، (2/ 370 - 371)، "شرح شذور الذَّهب"، (ص: 75 - 76).
(3) منها بادِي بَدِي، وبادِي بَدْءٍ، وبادِي بديءٍ على زنة "فعيل"؛ وبادئ بدءٍ ... "المفصل"، (ص: 179)، "شرحه"، لابن يعيش، (4/ 122 - 123)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 89 - 90)، "ارتشاف الضَّرَب"، (2/ 371)، "القاموس المحيط"، (1/ 8): (بدأ)، و (4/ 302): (بدا).
(4) "سيبويه"، (2/ 54)، "ما ينصرف وما لا ينصرف"، (ص: 104).
(5) "مجمع الأمثال"، للميداني، (2/ 4 - 5)، "المستقصى"، للزمخشري، (2/ 88 - 90)، "المفصل"، (ص179)، "شرحه"، لابن يعيش، (4/ 123)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 90).
(6) "ديوان ذي الرمة"، (ص: 501)، "سيبويه"، (2/ 54).
(7) "شرح شذور الذَّهب"، (ص: 78).
(8) "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 209).(3/51)
من النَّوع الأوَّل المركَّب من حرف جر ومجروره: "عليك" بمعنى الْزم، قال - تعالى -: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105]، و"عليَّ" بمعنى: أوْلِني، تقول: عليَّ زيدًا؛ أي: أولني زيدًا، و"عليه" بمعنى: ليلزمْ، ومنه الحديث: ((يا معشرَ الشَّباب، مَنِ استطاعَ منكم الباءَةَ، فليتزوجْ؛ فإنَّه أغضُّ للبصر، وأحصنُ للفرج، ومَن لم يَستطع، فعليه بالصَّوم؛ فإنَّه له وِجاءٌ)) (1)؛ قالوا: واستعماله مع ضمير الغائب كما في الحديث، وفي رواية سيبويه عن بعض العرب: "عَلَيْهِ رجلاً لَيْسَنِي" قليلٌ وشاذٌّ (2)، ومن هذا النَّوع أيضًا: "كذاك" بمعنى: دَعْ؛ قال جرير:
يَقُلْنَ وَقَدْ تَلاَحَقَتِ الْمَطَايَا كَذَاكَ الْقَوْلَ إِنَّ عَلَيْكَ عَيْنَا (3) ومن المركَّب من مضافٍ هو ظرف، ومضافٍ إليه: "مكانَك" بمعنى: اثبتْ، و"عندك" و"لديك" و"دونك" ومعناها: خُذْ، و"وراءك" بمعنى: تأخَّر، و"أمامك" بمعنى: تقدَّم.
القسم الثَّاني: وهو المركَّب من غير جار ومجرور "هلُمَّ" بلغة أهل الحجاز، فهي عندهم تلزم طريقةً واحدة، ولا تلحقها الضَّمائر، وبلغتهم جاء التنزيل؛ قال - تعالى -: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم} [الأنعام: 150]، ولغة تميم إلحاق الضَّمائر بها فهي عندهم فِعل (4).
وهي اسمُ فعل أمر بمعنى: احْضر، فتتعدَّى بنفسها كما في الآية: {قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُم}، وبمعنى: أَقْبِلْ، فتتعدَّى بالحرف "إلى" كما في قوله - تعالى -: {قَدْ يَعْلَمُ اللهُ المُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا} [الأحزاب: 18].
واختُلِف في تركيبها؛ فقال البصريُّون: هي مركَّبة مِن "ها" التنبيه و"لُمَّ"، التي هي فعل أمر مِن "لَمَّ" بمعنى: جَمَعَ، وحذفت ألف "ها"؛ لكثرة الاستعمال (5).
وقال الفرَّاء والكوفيون: هي مركَّبة من "هل" التي هي للزجر والحث، و"أُمَّ" بمعنى: اقصدْ، حذفت همزتها (6)، وقيل: هي مفردة وليست مركَّبة، قاله أبو حيَّان؛ "وهو قول لا بأس به؛ إذْ الأصل البساطة، حتى يقوم دليل واضح على التركيب" (7).
واسم الفعل الآخر المركَّب من غير جار ومجرور "حيَّهلْ"؛ قال لبيد:
_________
(1) رواه البخاري في كتاب الصوم، (1/ 326)، وفي كتاب النِّكاح، (3/ 238)، ومسلم في كتاب النكاح، (ص: 1018 - 1020).
(2) "الكتاب"، (1/ 126)، "الأصول"، لابن السراج، (1/ 142)، "شرح الإيضاح"، للعكبري، (ص: 773 - 774)، "اللباب في علل البناء والإعراب"، (1/ 456)، "التسهيل"، لابن مالك، (ص: 212 - 213)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 213).
(3) "ديوان جرير"، (ص: 439)، "الخصائص"، (3/ 37)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 213).
(4) "الكتاب"، (2/ 158)، "الأصول"، (1/ 146)، "الصحاح"، (ص: 2060): (هلم)، "المفصل"، (ص: 152)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 209 - 210)، "شرح قطر النَّدى"، (ص: 31)، ويرى ابن جنِّي في "الخصائص"، (3/ 36 - 37): أنَّها اسم فعل، وإن لحقتها الضمائر؛ لأدلة ذكرها هناك.
(5) "الكتاب"، (2/ 67، 158)، "الأصول"، (1/ 146)، "الصحاح"، (ص: 2060)، وانظر مصادر الحاشية التالية.
(6) "معاني القرآن"، للفراء، (1/ 203)، "الخصائص"، (3/ 35 - 36)، "النكت في تفسير كتاب سيبويه"، (ص: 968 - 969)، "المفصل"، (ص: 152)، "شرحه"، لابن يعيش، (4/ 41 - 42)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 72 - 73)، "لسان العرب"، (16/ 102): (هلم).
(7) "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 209).(3/52)
يَتَمَارَى فِي الَّذِي قُلْتُ لَهُ وَلَقَدْ يَسْمَعُ قَوْلِي حَيَّهَلْ (1) وفيها لغات (2)، وتتعدَّى هذه الكلمة بنفسها، فيقال: حيَّهل الثريدَ؛ بمعنى: ائته، ومن ذلك رواية سيبويه عن شيخه أبي الخطَّاب الأخفش أنَّه سمع بعض العرب يقول: حيَّهل الصلاةَ؛ أي: ائتِ الصلاة (3)، وتتعدَّى بحرف الجر "على"، فيقال: حيَّهل على الخير؛ بمعنى: أقبلْ عليه، وبـ (الباء) فيقال: حيَّهل بالكتاب؛ أي: أسرع به، ومنه قول عبد الله بن مسعود في عمر بن الخطَّاب - رضي الله عنهما -: "إذا ذُكِر الصَّالحون، فحيَّهلاَّ بعمرَ" (4)؛ أي: أسرعوا بذكره، كما تتعدَّى بـ"إلى"، فيقال: حيَّهل إلى الثريد، بمعنى: أسرع إليه، وهي مركبة من "حيَّ" بمعنى: أقبل، و"هل" أو "هلاَّ"، وهي حثٌّ واستعجال (5).
5 - ومن الأسماء المركَّبة: مركَّبات لا تشملها الأنواع السابقة، وهي ضربان:
أ - ضرب منها مركَّب تركيبَ الأحوال والظروف، وهو مركَّبان هما: "حَيْصَ بَيْصَ"؛ يقال: وقعوا في حَيْصَ بَيْصَ؛ أي: في فتنة واختلاط من أمرهم، أو في أمر لا مخلص لهم منه.
قال أمية بن أبي عائذ الهذلي:
قَدْ كُنْتُ خَرَّاجًا وَلُوجًا صَيْرَفًا لَمْ تَلْتَحِصْنِي حَيْصَ بَيْصَ لَحَاصِ (6) وقال الرَّاجز:
صَارَتْ عَلَيْهِ الأَرْضُ حِيصٍ بِيصِ (7) وفيها لغات (8).
والمركَّب الآخر "خازِ بازِ"، وفيه سبع لغات (9)، وله خمسة معانٍ (10)، فهو ضرب من العشب، وذباب أزرق يكون فيه؛ قال عمرو بن أحمر:
_________
(1) "شرح ديوان لبيد"، (ص: 183).
(2) منها: حيَّهْل - بسكون الهاء - وحيَّهَله - بفتحها - وحيَّهَلاً، وحيَّهْلاً - بالتنوين - مع تحريك الهاء وتسكينها، وحيَّهلاَ بالألف؛ "سيبويه"، (2/ 52)، "المقتضب"، (3/ 205)، "الأصول"، (1/ 145)، "شرح الإيضاح للعكبري"، (ص: 764 - 767)، "التسهيل"، (ص: 211)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 72)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 212).
(3) "الكتاب"، (1/ 123)، (2/ 52).
(4) "مستدرك الحاكم على الصحيحين"، (3/ 100)، "مسند الإمام أحمد بن حنبل"، (6/ 148)، "فضائل الصَّحابة"، (1/ 263، 268، 270، 271، 331).
(5) "الصحاح"، (ص: 1853): (هلل)، "المفصل"، (ص: 153)، "شرحه"، لابن يعيش، (4/ 45 - 47)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 72)، "لسان العرب"، (18/ 242 - 243): (حيا)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 212).
(6) "ديوان الهذليين"، (2/ 192)، "سيبويه"، (2/ 51).
(7) "الصحاح"، (ص: 1035)، "لسان العرب"، (8/ 286): (حيص).
(8) منها: "حِيصَ بِيصَ" بكسر فائهما مع بنائهما على الفتح، و"حيصِ بيصِ" ببنائهما على الكسر، و"حوصَ بوصَ"، وقد تنوَّنان، فيقال: حَِيصًا بَِيصًا، وحيصٍ بيصٍ؛ "جمهرة اللغة"، (ص: 545، 1050)، "مجمع الأمثال"، (1/ 224)، "شرح المفصل"، (4/ 115)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 92)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 316 - 317).
(9) هي: "خازِ بازِ" ببناء الجزأين على الكسر، و"خازَ بازَ" ببنائهما على الفتح، و"خازِ بازُ" و"خازَ بازُ" بضم الثاني وكسر الأول وفتحه، و"خازَ بازٍ" بإضافة الأول إلى الثاني، و"خِزْ بازُ" كقرطاس، و"خازَ باء" كقاصعاء.
"سيبويه"، (2/ 51 - 52)، "المفصل"، (ص: 178)، "الإنصاف" (ص: 315)، "شرح المفصل"، لابن يعيش، (4/ 120)، "شرح الكافية"، للرضي (2/ 92)، "لسان العرب"، (7/ 214): (خوز)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 318).
(10) "المفصل"، (ص: 178 - 179)، "الإنصاف"، (ص: 314 - 315)، "شرح المفصل"، (4/ 121 - 122)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 92 - 93)، "لسان العرب"، (7/ 214 - 215): (خوز)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 317).(3/53)
تَفَقَّأُ فَوْقَهُ الْقَلَعُ السَّوَارِي وَجُنَّ الْخَازِ بَازِ بِهِ جُنُونَا (1) وصوتُ الذُّباب، وداءٌ يكون في اللَّهزمتين، وهما عظمان ناتئان تحت الأذن، والسِّنَّوْر؛ قال ابن يعيش: "وهو أغربها" (2).
ب - والضَّرْب الآخَر كنايات مركَّبة، وهي: "كم"، و"كَأيِّنْ"، و"كذا".
أمَّا "كم" فتأتي استفهامية يُسأل بها عن عددٍ مجهولِ المقدار، كما في قوله - تعالى -: {سَلْ بَنِي إِسْرَائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِن آيةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة: 211]، وقوله - تعالى -: {قَالَ كَمْ لَبِثْتَ} [البقرة: 259].
وتأتي خبريةً يُكنى بها عن عددٍ كثير، كما في قوله - تعالى -: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة: 249]، وقوله - تعالى -: {أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ} [الأنعام: 6]، وقوله - تعالى -: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ} [الدخان: 25 - 27].
وهي مركَّبة عند الكوفيين من "كاف" التشبيه و"ما" الاستفهاميَّة المحذوفة ألفها؛ لدخول حرف الجر عليها، وسُكِّنت الميمُ؛ لكثرة الاستعمال (3)؛ قال ابن عُصفور: "وهو باطل؛ لأنَّها يدخل عليها حرفُ الجرِّ، وحرف الجر لا يَدخل على مثله (4)، وهي عند البصريين بسيطة؛ لأنَّ الأصل الإفراد (5).
وأما "كأيِّنْ" (6) فكنايةٌ عن عدد كثير، فهي مثل: "كم" الخبرية في ذلك؛ قال - تعالى -: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} [آل عمران: 146]، وقال - تعالى -: {وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا} [يوسف: 105]، وقال - تعالى -: {فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ} [الحج: 45]، وهي مركَّبة من "كاف" التشبيه و"أيٍّ" المنوَّنة (7)، وقيل: يحتمل أن تكون بسيطة (8)، وفيها لغات (9).
_________
(1) "إصلاح المنطق"، (ص: 44)، "الخزانة"، (6/ 442 - 446).
(2) "شرح المفصل"، (4/ 122)، ولم يذكر له سيبويه (2/ 51) سوى معنيين: الذباب والداء.
(3) "معاني القرآن"، للفراء، (1/ 466)، "الإنصاف"، (ص: 211، 298 - 299).
(4) "شرح الجمل"، (2/ 64).
(5) "الإنصاف"، (ص: 298 - 303)، (المسألة: 40)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 377)، "الجنى الداني"، (ص: 275)، "مغني اللبيب"، (ص: 203).
(6) يجوز إثبات نونها وحذفها في الكتابة، والحذف هو الأصل؛ لأنَّ نونها نون تنوين، وهو المشهور فيها، ونون التنوين لا تثبت في الكتابة، ووضح ابن هشام في "المغني"، (ص: 203) وَجْهَ إثبات نونها، وذهب أبو حيَّان في "البحر المحيط"، (3/ 73) إلى أن النون من بنية الكلمة، وليست تنوينًا، وعلى هذا لا بُدَّ من إثبات نونها في الكتابة؛ لذا كتبتها بالنون؛ لاحتمالها هذا القول.
(7) "الكامل"، للمبرد، (3/ 321)، "المسائل المشكلة"، (ص: 393)، "سر صناعة الإعراب"، (ص: 307)، "النكت في تفسير كتاب سيبويه"، (ص: 532)، "شرح الإيضاح"، للعكبري، (ص: 1097)، "مغني اللبيب"، (ص: 203).
(8) "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 385).
(9) هي "كأيِّن" "وكائن" على وزن "كاعٍ"، و"كَئِن" على وزن "كَعٍ"، و"كَأْيٍ" بوزن (كَعْيٍ)، و (كَيْءٍ) بوزن (كَيْعٍ)، "سر صناعة الإعراب"، (ص: 308)، "النكت"، (ص: 532)، "المفصل"، (ص: 183)، "شرح الإيضاح"، للعكبري، (ص: 1098 - 1103)، "شرح الإيضاح"، (2/ 52)، "البحر المحيط"، (3/ 422 - 423).(3/54)
وأمَّا "كذا" فيُكنى بها عن عددٍ مُبهم، تقول: له عندي كذا دينارًا، وله عندي كذا وكذا درهمًا، ويُكنى بها عن غيرِ عدد، تقول: مررتُ بدار كذا، وقال عبد الله: كذا وكذا، ومنه قول أبي هريرة - رضي الله عنه -: "يقول النَّاس: أكْثَرَ أبو هريرة، فلقيت رجلاً، فقلت: بأيِّ سورة قرأ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - البارحة في العَتَمَة؟ فقال: لا أدري، فقلت: ألا تشهدها؟ قال: بلى، قلت: ولكنِّي أدري، قرأ سورة كذا وكذا" (1).
وهي بنوعيها مركَّبة من "الكاف" واسم الإشارة، "ذا" (2).
إعراب المركَّبات:
أولاً: الأعلام المركَّبة:
1 - المركَّب الإضافي يُعامل الجزء الأول منه "المضاف" بحسب ما يقتضيه العامل، فيُرفع أو يُنصب أو يُجر، ويلزم الجزء الثاني من "المضاف إليه" الجرَّ بالإضافة، مصروفًا - إن خَلاَ من الأسباب المانعة من الصَّرف - فتقول جاء عبدُاللهِ، ورأيت عبدَاللهِ، ومررت بعبدِالله، ويمنع من الصَّرف إن وُجد فيه سببه كعبدِ يغوثَ.
2 - المركَّب المزجي، وهو إمَّا أن يكون مختومًا بكلمة "ويه" (3)، كـ"سيبوَيْهِ" و"نفطوَيْهِ" و"خالوَيْهِ"، وإمَّا بغيرها كـ"بَعْلَبَكَّ" و"حَضْرَمَوْتَ" و"مَعْدِ يكَرِبَ".
فإن كان مختومًا بكلمة "وَيْه"، فيُبنى على الكسر، وينوَّن إذا نُكِّر (4)، ونُقل عن الجرمي (ت: 225هـ) أنَّه يُجيز إعرابَه إعرابَ ما لا ينصرف للعلميَّة والتركيب (5)، وذكر ابن مالك: أنها لغة بعض العرب (6).
وإن كان مختومًا بغيرها كبَعْلَبَكَّ ومَعْدِ يكَرِبَ، فالمشهور فيه إعرابُه إعرابَ الممنوع من الصرف على آخره للعلمية والتركيب، ويلزم أوله البناء على الفتح ما لم يكن منتهيًا بياء، فيسكَّن تقول: هذه بَعْلََبَكُّ، ودخلتُ على بَعْلَبَكَّ، وخرجتُ من بَعْلَبَكَّ، وهذا مَعْدِ يكَرِبُ، ورأيتُ مَعْدِ يكَرِبَ، ومررتُ بِمَعْدِ يكَرِبَ.
وفيه لغتان أخريان للعرب:
إحداهما: معاملته معاملة المركَّب الإضافي، فتظهر علاماتُ الإعراب على آخِرِ الصَّدر، ما لم يكن ياء فتسكَّن، وتُقدَّر جميع الحركات عليها، ويلزم آخِره الجر بالإضافة مع الصَّرف - إن لم يكن فيه ما يمنع ذلك - كأيِّ مضاف إليه، وعلى هذه اللُّغة لا توصل الكلمة الأولى بالكلمة الثانية حين الكتابة كأيِّ مركب إضافي، فنقول: هذه بَعْلُ بَكٍّ، ودخلت بَعْلَ بَكٍّ، وخرجت من بَعْلِ بَكٍّ، وهذا مَعْدِي كَرِبٍ، ومررت بِمَعْدِي كَرِبٍَ، بصرف (كَرِب) ومنعه (7).
_________
(1) "صحيح البخاري"، باب العمل في الصلاة، (3/ 1395).
(2) "شرح الإيضاح"، للعكبري، (ص: 1093)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 388 - 389)، "فوح الشذا"، (ص: 16 - 17)، "الأشباه والنظائر"، (4/ 153 - 154).
(3) كلمة فارسية، قيل: معناها رائحة، وقيل: هي اسم صوت أعجمي.
"النكت في تفسير كتاب سيبويه"، (ص: 866)، "شرح المفصل"، لابن يعيش، (1/ 29)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 434)، "الأشباه والنظائر"، (1/ 238)، "حاشية الصبان"، (1/ 134).
(4) "سيبويه"، (2/ 52 - 53).
(5) "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 497)، "شرح شذور الذَّهب"، (ص: 89)، "المساعد"، (1/ 128)، "تعليق الفرائد"، (2/ 146).
(6) "شرح التسهيل"، (1/ 173).
(7) "سيبويه"، (2/ 50)، من نظر إليه على أنه اسم القبيلة منعه من الصرف؛ للعلميَّة والتأنيث؛ "البديع في علوم العربية"، (ص: 470)، وفي "حاشية الصبان"، (3/ 250)، و"الخضري"، (2/ 102): "قال الخبيصي: من قدَّر كَرِبًا اسمًا للكربة منع صرفه، ومن قدره اسمًا للحزن صرفه".(3/55)
اللُّغة الثانية: معاملته معاملة المركَّب العددي، فيُبنى الجزأان على الفتح في كل حال، ما لم يكن صدره مختومًا بياء كـ "مَعْدِ يكَرِبَ"، و"قَالِي قَلاَ" (1)، فلتزم السُّكون (2).
3 - المركَّب الإسنادي يلزم الحكاية؛ أي: حكاية حاله السَّابقة قَبلَ التَّسمية به، فلا يدخله أيُّ تغيير، وتُقدَّر على آخره جميعُ حركات الإعراب، مثل: جاء جادَ الحقُّ، ورأيت جادَ الحقُّ، ومررت بجادَ الحقُّ، وقيل: هو مبني لا معرب (3).
وذكر ابن مالك: أنَّ من العرب مَن يضيف صدرَ المركَّب الإسنادي إلى عَجُزه، إذا كان ظاهرًا، فيقول: جاء برقُ نحرِه (4)، وتعقبه أبو حيَّان، فقال: ولا يقاس على هذا إنْ صحَّ النقل؛ لأنَّ النُّحاة نصُّوا "على أنَّ كلَّ ما سُمِّي به ممَّا يتضمن إسنادًا، فليس فيه إلاَّ الحكاية" (5)، ولا عبرة بما نقله الدماميني عن بعضهم أنَّه أجاز إعرابَ المركَّبِ الإسناديِّ إذا كان عَجُزه مضمرًا، مثل: "قمت" مسمًّى به، فيقول: هذا قمتٌ، ورأيتُ قُمتًا، ومررت بقُمتٍ، بالتنوين والحركات الثلاث على التاء (6).
ثانيًا: إعراب ما رُكِّب من غير الأعلام:
1 - المركَّب العددي يُبنى جزأاه - العقد والنَّيِّف - على الفتح ما عدا "اثني عشر"، فصَدْرُه معربٌ إعرابَ المثنى، ويلزم عَجُزه البناء على الفتح، كحالِه مع الأعداد المركَّبة الأخرى؛ قال - تعالى -: {إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا} [يوسف: 4]، {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا} [التوبة: 36]، {فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا} [البقرة: 36]، {وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا} [المائدة: 60]، {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ} [المدثر: 30]، ونُقِل عن ابن كيسان (230 - 299هـ)، وابن درستويه (258 - 347هـ): أنَّ صدرَ "اثني عشر"، و"اثنتي عشرة" مبنيٌّ كسائر الأعداد المركَّبة، غاية ما في الأمر أنَّه وضع للرَّفع "اثنا عشر" و"اثنتا عشرة"، وللنَّصب والجر "اثني عشر" و"اثنتي عشرة" (7).
وفي ياء "ثماني عشرة" أربعة أوجه: فتح الياء (ثمانيَ عشرة)، وهو الوَجهُ، كما يُفتح صدر غيره من الأعداد المركَّبة، يليه تسكينها (ثمانيْ عشرة)، ثم حذفها مع كسرة النون (ثمانِ عشرة)، ومع فتحها (ثمانَ عشرة) (8).
وحكى سيبويه عن بعض العرب إعرابَ عَجُز العدد المركَّب إذا أُضيف، مع بناء الصَّدر على الفتح، فقال: "ومِن العرب مَن يقول: خمسةَ عشرُك، وهي لغةٌ رديئة" (9).
_________
(1) مدينة بأرمينية، ينسب إليها العالم اللُّغوي أبو علي القالي صاحب الأمالي، "معجم البلدان"، (4/ 299 - 300).
(2) "سيبويه"، (2/ 49 - 50)، "إصلاح الخلل"، (ص: 278 - 279)، "المفصل"، (ص: 179)، "اللباب"، (1/ 518 - 519)، "شرح المفصل"، (4/ 421)، "شرح الجمل"، (2/ 227)، "التسهيل"، (ص: 221 - 22 2)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 432 - 433، 497 - 498)، "المساعد"، (1/ 127)، "تعليق الفرائد"، (2/ 145)، ولم يذكر "سيبويه"، وابن السيِّد، والزمخشري اللُّغةَ الأخيرة "البناء على فتح الجزأين".
(3) "حاشية الصبان"، (1/ 133)، "حاشية الشيخ حسن العطَّار على شرح الأزهرية"، (ص: 31).
(4) "شرح التسهيل"، (1/ 173).
(5) "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 498).
(6) "تعليق الفرائد"، (2/ 147).
(7) "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 88)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 366)، "المساعد"، (2/ 80).
(8) "شرح الجمل"، لابن عصفور، (2/ 34)، "التسهيل"، (ص: 188)، و"شرحه"، لابن مالك، (2/ 403)، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 370)، "المساعد"، (2/ 82).
(9) "الكتاب"، (2/ 51).(3/56)
وأجاز الكوفيون إضافةَ صدر العدد المركَّب مُعربًا إلى عَجُزه، واستحسنوا ذلك إذا أُضيف، فقالوا: هذه خمسةُ عشرٍ، وخمسةُ عشرِك (1)، وعزا ابن مالك هذا إلى الفرَّاء، فقال: "وأجاز الفرَّاء إضافةَ صدر العدد المركَّب إلى عَجُزه مزالاً بناؤهما، وأنشد:
كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وَشِقْوَتِهْ بِنْتَ ثَمَانِي عَشْرَةٍ مِنْ حِجَّتِهْ (2) ولم يَرَ ذلك مخصوصًا بالشَّعر، بل أجازه في النَّثر والنَّظم (3).
والذي وقفتُ عليه في "معاني القرآن" للفراء أنَّه أجاز إضافةَ النَّيِّف إلى العقد إذا أُضيف العقد، أمَّا إذا لم يُضف فإضافة النَّيِّف إليه إنَّما تكون في الشِّعر، وهذه عبارته: "وإذا أضفتَ الخمسة العشر إلى نفسك رفعتَ الخمسة، فتقول: ما فعلتْ خمسةُ عَشْري؟ ورأيتُ خمسةَ عَشْري، ومررتُ بخمسةِ عشري ... ولو نويتَ بخمسة عشر أن تُضيف الخمسة إلى عشر في شعر لجاز، فقلت ما رأيت خمسة عشرٍ قطُّ خيرًا منها"، وأنشد الرجز:
كُلِّفَ مِنْ عَنَائِهِ وَشِقْوَتِهْ ...... (4).
2 - الظُّروف والأحوال المركَّبة فيها وجهان (5):
أ - البناء على فتح الجزأين كالعدد المركَّب؛ لتضمُّنها معنى الحرف، ما لم يكن آخرها ألفًا كـ"بادي بدا" و"أيدي سبا"، فالبناء على السُّكون، وكذلك ياءُ صَدْرِها ساكنةٌ.
وفي "بادي بدا" لغات سبق ذكرها (6)؛ وهي مبنية في لُغتَيْن، منها: هما "بادي بدا" و"بادي بَدِي"، ومعربةٌ إعرابَ المتضايفين في الباقي (7).
ب - الإضافة، فيُجَرُّ آخرها بالإضافة، ويخضع الصَّدر لعوامل الإعراب، ما لم يكن آخِرُه ياءً فيسكن (8)، تقول - على لغة البناء -: أتيته صباحَ مساءَ، وهو جاري بيتَ بيتَ، وتفرَّقوا أيادِي سبا، وعلى اللُّغة الثانية: أتيتُه صباحَ مساءٍ، وهو جاري بيتَ بيتٍ.
وذكر سيبويه - رحمه الله - أنَّه لم يُسمعْ من العرب في "بادي بدا" سوى البناء، ولكنَّه أجاز فيه الإضافةَ قياسًا على غيره من مثيلاته (9).
وأوجب الرضي (10) البناء في "شَغَرَ بَغَرَ"، و"شَذَرَ مَذَرَ"، و"خِذَعَ مِذَعَ"، و"أَخْوَلَ أَخْوَلَ"؛ قال: "وكلُّها بمعنى: منتشرين"، و"حَيْثَ بَيْثَ"، و"بَيْنَ بَيْنَ"؛ لأنَّ الإضافة فيها لم تُسمع كما سُمعت في غيرها.
ويقدح فيه أنَّ سيبويه لم يذكر مِمَّا لم يُسمع فيه الإضافة من هذه المركَّبات سوى "بادي بدا" - كما مرَّ آنفًا - ومع هذا أجاز فيه الإضافة قياسًا.
وإذا عُوملت هذه المركَّباتُ معاملةَ المتضايفين، فأضيف الصَّدر إلى العَجُز، فإنَّها لا تُلازم الظَّرفيَّة والحاليَّة، بل قد تقع ظرفًا أو حالاً، وقد تقع غير ذلك كما في قول الفرزدق:
_________
(1) "الإنصاف في مسائل الخلاف"، (ص: 309 - 312)، (المسألة: 42)، "شرح الجمل"، (2/ 33)، "شرح الكافية"، للرضي (2/ 87)، وعزاه إلى بعض الكوفيين، "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 365).
(2) الرجز في "معاني القرآن"، للفراء، (2/ 34)، و"الحيوان"، (6/ 463)، و"الخزانة"، (6/ 430 - 433).
(3) "شرح التسهيل"، (2/ 402 - 403).
(4) "معاني القرآن"، (2/ 33 - 34).
(5) "سيبويه"، (2/ 53)، "الأصول"، (2/ 140)، "شرح المفصل"، (4/ 118)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 91)، "شرح شذور الذَّهب"، (ص: 72 - 73، 75 - 76).
(6) انظر، (ص: 5، حاشية: 3).
(7) "سيبويه"، (2/ 55)، "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 89 - 90).
(8) "سيبويه"، (2/ 55).
(9) "الكتاب"، (2/ 54).
(10) "شرح الكافية"، (2/ 91 - 92).(3/57)
وَلَوْلاَ يَوْمُ يَوْمٍ مَا أَرَدْنَا جَزَاءَكَ وَالْقُرُوضُ لَهَا جَزَاءُ (1) لَمَّا لم يُرِدْ بالمركَّب الظرفيةَ، أعربَه ورفعه بالابتداء، بخلاف ما إذا كانت مركَّبةً مبنية، فإنَّها لا تخرج عن الظرفية أو الحالية.
2 - أسماء الأفعال المركَّبة مبنيةٌ جميعُها، سواء أكانت مركَّبةً مِن جار ومجرور، أمْ من غيرهما، وهذا - أعني: البناء - حُكمُ جميع أسماء الأفعال؛ بسيطِها ومركَّبِها.
واختلف في "الكاف" اللاَّحقة لأسماء الأفعال المركَّبة من جار ومجرور، مثل: "عليك"، و"إليك"، و"مكانك"، و"دونك"، وهي تتصرَّف بحسب المخاطب إفرادًا وتثنيةً وجمعًا، وتذكيرًا وتأنيثًا، فقيل: هي اسم، في موضع جرٍّ عندَ البصريِّين، ونصبٍ عندَ الكِسائي (ت: 189هـ)، ورفعٍ عند الفرَّاء (ت: 207هـ)، وذهب ابن باشاذ (ت: 469هـ) إلى أنَّها حرف خطاب وليست ضميرًا، فلا موضعَ لها من الإعراب (2)، وهذا - في رأيي - أقرب الأقوال فيها إلى القَبول والأخذ به؛ لأنَّها صارت بالتَّركيب كالجزء من الكلمة، وجزء الكلمة لا موضعَ له من الإعراب، فهي كالكاف اللاَّحقة لأسماء الإشارة، ومثلُ الكاف في "عليك" و"إليك" ... والياءُ في "عليَّ" بمعنى: أَوْلِنِي، و"إليَّ" بمعنى: أتنحَّى، والهاءُ في "عليه" بمعنى: ليلزم.
4 - "حَيْصَ بَيْصَ" مبنيٌّ على فتح الجزأين عند مَن قال: "حَيْصَ بَيْصَ" و"حَوْصَ بَوْصَ"، وعلى كسرهما عندَ مَن قال: "حَيْصِ بَيْصِ"، ومعربان عند مَن نوَّنهما (3)، كقول أعرابيٍّ لآخَرَ: "إنَّك لتحسب عليَّ الأرض حَيْصًا بَيْصًا" (4).
5 - "خازِ بازِ" تلاعبتِ العرب في هذه الكلمة - سبق أنَّ فيها سبعَ لُغات (5) -: فمن قال: "خازَ بازَ" بفتح الجزأين، فقد ركَّب الاسمين وجعلهما اسمًا واحدًا، وبناهما على فتح الجزأين تشبيهًا بالمركَّب العدديِّ كخمسةَ عشرَ، ومَن قال: "خازِ بازِ"، فقد بناهما على الكسر، قال ابن يعيش: "جعلهما اسمين غير مركَّبين، وأجراهما مجرى الأصوات، نحو: غاقِ غاقِ" (6)، ويُشعر كلامُ الرضي بأنَّهما مركَّبان والحال هذه (7).
ومَن قال: "خازِ بازُ" بكسر الزَّاي الأولى، فقد عامله معاملةَ المركَّب المزجي، فأعربه إعرابَ الممنوع من الصَّرف على آخره؛ قال الرضي: "للعلميَّة الجنسية والتركيب" (8)، وكُسِر أوَّله؛ للتَّخلص من الْتقاء الساكنين، وهما الألف والزاي التي كانت ساكنةً على أصل البناء (9)، أمَّا "خازَ بازُ" بفتح الزاي الأولى، فمعربٌ إعرابَ الممنوع من الصَّرف كسابقه، وفُتِحَ أوَّله كما فتح أول "بَعْلَبَكَّ" و"حَضْرَمَوْتَ"، وغيرهما من المركَّبات المزجيَّة، التي أولها ليس مختومًا بياء؛ لأنَّ الثاني نُزِّل منزلةَ تاء التأنيث مما قبلها، فلزم آخِر الأوَّل الفتح، كما لزمه ما قبل تاء التأنيث.
_________
(1) "سيبويه"، (2/ 53)، "شرح شذور الذَّهب"، (ص: 76)، "الخزانة"، (6/ 440 - 441).
(2) "سيبويه"، (1/ 126 - 127)، "المقتضب"، (3/ 221، 279 - 280)، "شرح المفصل"، لابن يعيش، (4/ 75)، "شرح الكافية الشافية"، (ص: 1393)، "شرح الكافية"، للرضي (2/ 68 - 69)، "ارتشاف الضَّرَب"، (3/ 214)، "المساعد"، (2/ 656 - 657).
(3) "الْمَشُوف الْمُعْلَم"، (ص: 225)، "شرح الكافية"، للرضي (2/ 92).
(4) "الإتْباع"، (ص: 14)، "مجمع الأمثال"، (1/ 88)، "الْمَشُوف الْمُعْلَم"، (ص: 225).
(5) انظر: (ص: 9) من هذا البحث.
(6) "شرح المفصل"، (4/ 120).
(7) "شرح الكافية"، (2/ 92).
(8) "شرح الكافية"، (2/ 92)، وانظر: ما سبق بشأن إعراب المركب المزجي.
(9) "شرح المفصل"، (4/ 120).(3/58)
ومن قال: "خازُ بازٍ" فقد أعربَ الجزأين، وأضاف الأوَّلَ إلى الثاني، عامله معاملةَ المركَّب المزجي، على لُغة مَن يُضيف صدره إلى عَجُزه (1).
والكلمة مفردة معربةٌ عند مَن قال "خِزْ بَازٌ" و"خازِ بَاءُ"، وزنها في الأولى "فِعْلاَلٌ"، كَقِرْطَاس، وفي الثانية "فَاعِلاَءُ" كقَاصِعَاء، وهي ممنوعةٌ من الصَّرف في الأخيرة؛ لأن همزتها بدل من ألف التأنيث.
6 - الكنايات المركَّبة: "كمْ"، و"كأيِّنْ"، و"كذا" - مبنيَّة على السُّكون، وهو ظاهر في "كم" و"كذا"، أمَّا "كأين" فمبنيةٌ على سكون "النون" في آخرها (2)، التي هي في الأصل "نون" تنوين؛ لأنها مركَّبة - كما سبق - من "كاف" التشبيه و"أيٍّ" المعربة المنوَّنة، وبعد التركيب زال المعنى الإفرادي للجزأين - كما قال الرضي - "وصار المجموع كاسم مفرد بمعنى "كم" الخبريَّة، فصار كأنَّه اسم مبني على السُّكون، آخره نون ساكنة كما في "مَنْ" لا تنوين تمكُّن؛ فلذا يكتب بعد الياء نون مع أنَّ التنوين لا صورةَ له خطًّا" (3).
وذهب ابن مالكٍ إلى أنها "مستحِقَّة للحكاية؛ لأنَّها مركَّبة من "كاف" التشبيه و"أيٍّ"، فكانت بمنزلة "بزيدٍ" مسمًّى به، فإنه يَلْزم أن يُجرى مَجْرى الجملة المسمَّى بها في لزوم الحكاية، والمحافظة على كلِّ جزء من أجزائها" (4)، وعلى هذا "كأيِّن" معربة تقديرًا، بناءً على المشهور من أنَّ المحكيَّ معربٌ لا مبني (5).
الخاتمة:
وبعد هذا العرض للأسماء المركَّبة، لعلَّ من المفيد تلخيصَ ما ورد فيه، فبعد تعريف المركَّب، وهو عند النَّحْويِّين: "ما تركَّب من كلمتين فأكثر" - تناولَ البحث أنواع الأسماء المركَّبة، فقسمتها أوَّلاً قسمين: أسماء أعلام، وأسماء غير أعلام، والأعلام المركَّبة ثلاثة أنواع: مركَّب إضافي، ومركَّب مزجي، ومركَّب إسنادي.
أمَّا غير الأعلام من الأسماء المركَّبة فهي المركَّب العددي، والظروف والأحوال المركَّبة، وما أُلْحِق بها، وأسماء الأفعال المركَّبة، والكنايات المركَّبة.
كما تناول البحث إعراب المركَّبات بأقسامها المختلفة، فمنها المعرب، وهو المركب الإضافي، والمركَّب المزجي ما لم يكن مختومًا بكلمة (ويه)، والظروف والأحوال المركَّبة في أحد استعمالَيْها، ومنها المبني وهو أكثرها، ويشمل المركب العددي، وأسماء الأفعال، وأسماء الكنايات المركَّبة، والمركب المزجي المنتهي بكلمة (ويه)، والظروف والأحوال المركَّبة في الاستعمال الآخَر.
ومن المركَّبات ما هو معربٌ إعرابًا تقديريًّا، وهو المركَّب الإسنادي، فهو يلزم الحكاية، وتُقدَّر عليه جميعُ حركات الإعراب.
هذا مجمل ما تضمَّنته هذه الدِّراسة النَّحْوية للمركَّبات، أمَّا دراستها صرفيًّا فسأتناولُها في بحثٍ آخَرَ - إن شاء الله - والحمد لله أوَّلاً وآخرًا.
المصادر والمراجع:
1 - كتاب الإتْباع، تأليف: الإمام العلاَّمة حُجَّة العرب أبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي، الحلبي، المتوفى سنة 351 هـ، حقَّقه وشرحه وقدَّم له: عز الدين التنوخي، دمشق، مجمع اللغة العربية، 1380هـ - 1961م.
2 - ارتشاف الضَّرَب من لسان العرب، لأبي حيان محمَّد بن يوسف الأندلسي (654 - 745هـ)، تحقيق: د/ محمَّد بن أحمد النماس، ط1، مطبعة المدني.
_________
(1) "شرح الكافية"، للرضي، (2/ 92).
(2) "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 385).
(3) "شرح الكافية"، (2/ 94 - 95).
(4) "التسهيل"، (2/ 422 - 423)، وانظر: "ارتشاف الضَّرَب"، (1/ 385).
(5) "حاشية الصبان"، (1/ 133)، "حاشية الشيخ حسن العطار على شرح الأزهرية"، مع "تقريرات الشيخ محمد الأنباري"، (ص: 32).(3/59)
3 - الأشباه والنظائر في النحو، لجلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السَّيوطي (849 - 911هـ)، تحقيق د/ عبد العال سالم مكرم، ط1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1406هـ/1985م.
4 - إصلاح الخلل الواقع في الجمل للزجَّاجي، تأليف: عبد الله بن السيد البطليوسي (444 - 531هـ)، تحقيق: د/ حمزة عبد الله النشرتي، ط1، الرياض، دار المريخ، 1399هـ/1979م.
5 - إصلاح المنطق، لأبي يوسف يعقوب بن إسحاق السِّكِّيت (186 - 244هـ)، تحقيق: أحمد محمَّد شاكر، وعبد السلام هارون، ط3، مصر، دار المعارف، 1970م.
6 - الأصول في النحو، لأبي بكر محمَّد بن السري بن السراج (316هـ)، تحقيق: د/ عبد الحسين الفتلي - مؤسسة الرسالة، 1405هـ/1985م.
7 - الأغاني، لأبي الفرج علي بن الحسين الأصفهاني (284 - 356هـ)، ط2، بيروت، دار الثقافة، 1376هـ/1957م.
8 - كتاب ألقاب الشعراء ومَن يُعرف منهم بأُمِّه، لأبي جعفر محمَّد بن حبيب البغدادي (245هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، ط2، 1393هـ/1973م، ضمن "نوادر المخطوطات".
9 - الإنصاف في مسائل الخلاف بين النَّحويين البصريين والكوفيين، تأليف: أبي البركات عبد الرحمن بن محمَّد بن أبي سعيد الأنباري (513 - 577هـ)، تعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، ط4، 1380هـ/1961م.
10 - أوضح المسالك إلى ألْفية ابن مالك، تأليف: الإمام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن عبد الله بن هشام الأنصاري (708 - 761هـ)، تعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد - بيروت، المكتبة العصرية.
11 - البحر المحيط، لأبي حيَّان محمَّد بن يوسف بن علي الأندلسي (654 - 745هـ)، طبعته مطابع النصر بالرياض عن طبعة القاهرة، سنة 1329هـ، مطبعة السعادة.
12 - البديع في علم العربية، لمبارك بن محمَّد بن محمَّد بن الأثير (544 - 606هـ) الجزء الثاني، دراسة وتحقيق: صالح بن حسين العايد، رسالة دكتوراه مقدمة إلى كلية اللغة العربية، بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية.
13 - تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد، لابن مالك محمَّد بن محمَّد بن عبد الله الطائي (600 - 672هـ)، حقَّقه محمَّد كامل بركات، القاهرة، دار الكتاب العربي، 1388هـ/1968م.
14 - التعريفات، لأبي الحسن علي بن محمَّد بن علي الجرجاني (740 - 816هـ)، بيروت، مكتبة لبنان، 1978م، مصورة عن طبعة "فلوغل"، في (ليبسك)، عام 1845م.
15 - تعليق الفرائد على تسهيل الفوائد، تأليف: الشيخ محمَّد بدر الدين بن أبي بكر بن عمر الدماميني (763 - 827هـ)، تحقيق: د/ محمَّد بن عبد الرحمن المفدى، ط1، 1403هـ/1983م.
16 - تهذيب اللغة، لأبي منصور محمَّد بن أحمد الأزهري (282 - 370هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون وآخرين، الدار المصرية للتأليف والترجمة والنشر.
17 - التوقيف على مهمَّات التعاريف، تأليف: محمَّد عبد الرؤوف المنياوي (952 - 1031هـ)، تحقيق: د/ محمَّد رضوان الداية، بيروت، دار الفكر المعاصر، ط1، دمشق، دار الفكر، 1410هـ/1990م.
18 - جمهرة اللُّغة، لأبي بكر محمَّد بن الحسن بن دريد (223 - 321هـ)، حقَّقه: د/ رمزي منير بَعْلَبَكِّي، ط1، بيروت، لبنان، دار العلم للملايين، 1987م.
19 - الجنى الداني في حروف المعاني، تأليف: ابن أم قاسم حسن بن قاسم المرادي (ت: 749هـ)، تحقيق: طه محسن، بغداد، 1396هـ/1976م.
20 - حاشية الشيخ حسن بن محمَّد العطار (1190 - 1250هـ) على شرح الأزهرية في علم النحو، للشيخ خالد الأزهري، مع بعض تقريرات للشيخ محمَّد الأنبابي، مطبعة دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.
21 - حاشية الصبان (1206هـ) على شرح الأشموني على ألفية ابن مالك، دار إحياء الكتب العربية، عيسى الحلبي.(3/60)
22 - حاشية محمَّد بن مصطفى الخضري (1213 - 1278هـ) على شرح ابن عقيل (698 - 769هـ) على ألفية ابن مالك (600 - 672هـ)، بيروت، دار الفكر، 1398هـ/1978م.
23 - الحيوان، لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (150 - 255هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، ط2، عيسى البابي الحلبي.
24 - خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب، تأليف عبد القادر بن عمر البغدادي (1030 - 1093هـ)، تحقيق: عبد السلام هارون، القاهرة، دار الكتاب العربي.
25 - الخصائص، لأبي الفتح عثمان بن جني (392هـ)، تحقيق: محمَّد علي النجار، بيروت، لبنان، دار الهدى، مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية.
26 - ديوان جرير، شرحه مهدي محمَّد ناصر الدين، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1406هـ/1986م.
27 - ديوان ذي الرمة، شرح الإمام أبي نصر الباهلي، رواية الإمام أبي العباس ثعلب، حقَّقه: د/ عبد القدوس أبو صالح، ط2، بيروت، مؤسسة الإيمان، 1402هـ/1982م.
28 - ديوان الهذليين، القاهرة، الدار القومية للطباعة والنشر، 1384هـ/1964م.
29 - رصف المباني في شرح حروف المعاني، للإمام أحمد بن عبد النور المالقي (630 - 702هـ)، تحقيق: أحمد محمَّد الخراط، دمشق، مطبعة زيد بن ثابت، من مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق، 1395هـ/1975م.
30 - سِرُّ صناعة الإعراب، لأبي الفتح عثمان بن جني (392هـ)، دراسة وتحقيق: د/ حسن هنداوي، ط1، دمشق، دار القلم، 1405هـ/1985م.
* سيبويه = الكتاب.
31 - شرح إيضاح أبي علي الفارسي (288 - 377هـ)، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (538 - 616هـ)، دراسة وتحقيق: عبد الرحمن الحميدي، رسالة دكتوراه مقدَّمة إلى كلية اللغة العربية بجامعة الإمام محمَّد بن سعود الإسلامية عام 1409هـ.
32 - شرح ألفية ابن مالك (600 - 672هـ)، لأبي الحسن علي بن محمَّد الأشموني (838 - نحو 900هـ)، دار إحياء الكتب العربية، عيسى البابي الحلبي.
33 - شرح التسهيل، لابن مالك، جمال الدين محمَّد بن عبد الله الطائي (600 - 672هـ)، تحقيق: د/ عبد الرحمن السيد، ود/ محمَّد بدوي المختون، ط1، 1410هـ/1990م.
34 - شرح جمل الزَّجاجي، لابن عُصفور علي بن مؤمن الإشبيلي (597 - 699هـ)، تحقيق د/ صاحب أبو جناح، من مطبوعات وزارة الأوقاف العراقية 1400هـ/1980م.
35 - شرح حسن الكفراوي الشافعي الأزهري (ت: 1202هـ) على متن الآجُرُّومِيَّة، مكتبة ومطبعة مصطفى الحلبي بمصر.
36 - شرح ديوان لبيد بن ربيعة العامري، حقَّقه: د/ إحسان عباس، الكويت، 1984م، (طبعة ثانية مصورة).
37 - شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب، تأليف: الإمام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن أحمد بن هشام الأنصاري (708 - 761هـ)، تعليق: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، ط9، مصر، مطبعة السعادة، 1382هـ/1963م.
38 - شرح قطر النَّدى وبَلّ الصَّدى، تصنيف: أبي محمَّد عبد الله بن يوسف بن هشام الأنصاري (708 - 761هـ)، علَّق عليه: محمَّد محيي الدين عبد الحميد، ط12، مصر، مطبعة السعادة، 1386هـ/1966م.
39 - شرح كافية ابن الحاجب (570 - 646هـ)، تأليف: رضي الدين محمَّد بن الحسن الأَسْتَرَابَاذِيِّ (686هـ)، بيروت، دار الكتب العلمية، طبعة مصورة عن طبعة الشركة الصحافية العثمانية، سنة1310هـ.
40 - شرح الكافية الشافية، لابن مالك، محمَّد بن عبد الله الطائي (600 - 672هـ)، حققه: د/ عبد المنعم هريدي، ط1، مكة المكرمة، دار المأمون للتراث، مطبوعات مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى، 1402هـ/1982م.
41 - شرح المفصل، لابن يعيش، يعيش بن علي بن يعيش (566 - 643هـ)، الناشر: عالم الكتب ببيروت، ومكتبة المثنَّى بالقاهرة، طبعة مصورة عن طبعة محمَّد منير، سنة 1928م.(3/61)
42 - الشعر والشعراء، لأبي محمَّد عبد الله بن مسلم بن قتيبة (213 - 276هـ)، تحقيق: أحمد محمَّد شاكر، ط2، مصر، مطابع دار المعارف، 1387هـ/1967م.
43 - الصحاح تاج اللُّغة وصحاح العربية، تأليف: إسماعيل بن حمَّاد الجوهري، (بعد 396هـ)، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، ط2، بيروت، دار العلم للملايين، 1399هـ/1979م.
44 - صحيح البخاري، محمَّد بن إسماعيل (194 - 256هـ)، تعليق: د/ مصطفى ديب البغا، بيروت، 1407هـ/1987م.
45 - صحيح مسلم بن الحجاج القشيري (206 - 261هـ)، تحقيق: محمَّد فؤاد عبد الباقي، ط1، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1375هـ/1955م.
46 - فضائل الصحابة، للإمام أبي عبد الله أحمد بن محمَّد بن حنبل (164 - 241هـ)، حقَّقه: وصي الله بن محمَّد عباس، ط1، مؤسسة الرسالة، من مطبوعات مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى بمكة المكرمة، 1403هـ/1983م.
47 - فوح الشَّذا بمسألة كذا، لابن هشام أبي محمَّد عبد الله بن يوسف الأنصاري (708 - 761هـ)، تحقيق: أحمد مطلوب، بغداد، 1382هـ/1963م.
48 - القاموس المحيط، تأليف: مجد الدين محمَّد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاهرة، مؤسسة الحلبي، (729 - 817هـ).
49 - الكافي في الإفصاح عن مسائل كتاب الإيضاح، لابن أبي الربيع السبتي الأندلسي (599 - 688هـ)، تحقيق ودارسة: د/ فيصل الحفيان، ط1، الرياض، مكتبة الرشد، 1422هـ/2001م.
50 - الكامل، لأبي العباس محمَّد بن يزيد المبرد (210 - 285هـ)، حقَّقه: محمَّد أحمد الدَّالي، ط1، بيروت، مؤسسة الرسالة، 1406هـ /1986م.
51 - الكتاب، لسيبويه، أبي بشر عمرو بن عثمان بن قنبر (180هـ)، ط1، بولاق، المطبعة الكبرى الأميرية، 1316 - 1317هـ.
52 - اللُّباب في علل البناء والإعراب، لأبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (538 - 616هـ)، حقَّق الجزءَ الأول: غازي مختار طليمات، والجزء الثاني: د/ عبدُالإله نبهان، ط1، دبي، مطبوعات مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث، 1416هـ/1995م.
53 - لسان العرب، لابن منظور جمال الدين محمَّد بن مكرم الأنصاري (630 - 711هـ)، طبعة مصورة عن طبعة بولاق.
54 - ما ينصرف وما لا ينصرف، لأبي إسحاق إبراهيم بن السري الزجاج (230 - 311هـ)، تحقيق: هدى محمود قراعة، القاهرة، 1391هـ/1971م.
55 - مجمع الأمثال، لأبي الفضل أحمد بن محمَّد بن أحمد الميداني (518هـ)، تحقيق: محمَّد أبو الفضل إبراهيم، القاهرة، عيسى البابي الحلبي.
56 - المركَّب الاسمي الإسنادي وأنماطه من خلال القرآن الكريم، د/ أبو السعود حسنين الشاذلي، ط1، 1410هـ/1990م.
57 - المسائل المشكلة المعروفة بالبغداديات، لأبي علي الحسن بن أحمد الفارسي (288 - 377هـ)، تحقيق: صلاح الدين السنكاوي، بغداد، مطبعة العاني، من مطبوعات وزارة الأوقاف العراقية.
58 - المساعد على تسهيل الفوائد، للإمام بهاء الدين بن عقيل (698 - 769هـ)، تحقيق: د/ محمَّد كامل بركات، من مطبوعات مركز البحث العلمي، بجامعة أم القرى في مكة المكرمة.
59 - المستدرك على الصحيحين "مستدرك الحاكم"، لأبي عبد الله محمَّد بن عبد الله الحاكم النيسابوري (321 - 405هـ)، راجعه: مصطفى عبد القادر عطا، بيروت، دار الكتب العلمية، 1411هـ/1990م.
60 - المستقصى في أمثال العرب، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (467 - 538هـ)، ط2، بيروت، لبنان، دار الكتب العلمية، 1397هـ/1977م، طبعة مصورة عن طبعة حيدر آباد، سنة 1962م.
61 - مسند الإمام أحمد بن حنبل الشَّيباني (164 - 241هـ)، مصر، مطبعة الميمنية، 1313هـ.(3/62)
62 - الْمَشُوف الْمُعْلَم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم، تصنيف: أبي البقاء عبد الله بن الحسين العكبري (538 - 616هـ)، تحقيق: ياسين محمَّد السواس، مكَّة المكرَّمة، مطبوعات مركز البحث العلمي بجامعة أُمّ القرى، 1403هـ/1983م.
63 - معاني القرآن، للفراء، لأبي بكر يحيى زياد (144 - 207هـ)، الجزء الأول طبع بمطبعة دار الكتب المصرية، سنة 1374هـ/1955م، وطبع الجزء الثاني بمطابع سجل العرب بتحقيق: محمَّد علي النجار، وطبع الجزء الثالث بتحقيق: د/ عبد الفتاح شلبي سنة 1972م.
64 - معجم البُلدان، لياقوت الحموي (574 - 626هـ)، لبنان، دار صادر، بيروت.
65 - مغني اللبيب عن كتب الأعاريب، لجمال الدين بن هشام الأنصاري (708 - 761هـ)، حقَّقه: د/مازن المارك، ومحمَّد علي حمد الله، ط1، دمشق، دار الفكر، 1384هـ/1964م.
66 - المفصل في علم العربية، لأبي القاسم جار الله محمود بن عمر الزمخشري (467 - 538هـ)، ط2، بيروت، لبنان، دار الجيل، طبعة مصورة عن طبعة سنة 1323هـ.
67 - المقتضب، صنعة أبي العباس محمَّد بن يزيد المبرد (210 - 285هـ)، تحقيق: محمَّد عبد الخالق عضيمة، القاهرة، من منشورات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، 1386هـ/1966م.
68 - النحو الوافي، تأليف: عباس حسن، ط5، مصر، دار المعارف.
69 - النُّكت في تفسير كتاب سيبويه، لأبي الحجاج يوسف بن سليمان بن عيسى المعروف بالأعلم الشنتمري (415 - 476هـ)، تحقيق: زهير عبد المحسن سلطان، ط1، من منشورات معهد المخطوطات العربية، 1407هـ/1987م.
المصدر: موقع الألوكة(3/63)
هل تعود السينما من جديد؟!
إبراهيم بن محمد الحقيل
23/ 4/1430هـ
تشهد المملكة في السنوات الأخيرة نشاطا ليبراليا محموما .. يرى أصحابه أن هذه المرحلة هي مرحلتهم؛ وذلك لتوافر الظروف الدولية والإقليمية والمحلية الملائمة لفرض فكرهم، ويبدو أن أصحاب هذا التوجه المنحرف لن يفوتوا هذه الفرصة الذهبية التي يرون أنها ربما لا تسنح لهم مرة أخرى كما هي عليه الآن .. تمثل ذلك في سياسة فرض الأمر الواقع بتمرير عدد من القرارات التغريبية للمجتمع، مع حملة شعواء تستخدم فيها كافة الأساليب غير الأخلاقية بالطريقة المكيافيلية على كل من يقاوم مشروعاتهم الإجرامية في إفساد الناس أو ينتقدها، وقد تآزر معهم في حملتهم الهوجاء أصحاب الطوائف البدعية الأخرى -لتقاطع مصالحهم معهم- من رافضة اثني عشرية وزيدية وإسماعيلية وصوفية، وأعانهم أصحاب الاتجاهات العصرانية لضرب هذه البلاد المباركة في عمقها الاستراتيجي، وتقويض الدعائم التي قامت عليها؛ بقصد إضعافها وتركيعها داخلياً، وفرض الإملاءات الخارجية عليها، تلك التي تصب في مصلحة هذه الأقليات الناقمة على منهج هذه البلاد، الحاقدة على من يمثلون هذا المنهج أو يدافعون عنه، وقد بان أنهم في سبيل تحقيق خططهم يعملون في خطين متوازيين:
الأول: فرض الفساد العقدي والفكري والأخلاقي بكافة الوسائل تحت شعارات الحرية والإنسانية وقبول الآخر وتحرير المرأة والانفتاح والتعايش والتيسير وغير ذلك، بدعم أجنبي مما يسمى بالمنظمات الحقوقية، ومن الدول المتسلطة.
الثاني: الطعن في المؤسسات الشرعية ومن يمثلها ومن يحميها كالقضاء والهيئات والمساجد والدعوة والإغاثة وتحفيظ القرآن، وكافة المشاريع الدعوية، وتشويه سمعتها، وتأليب الدولة والعامة عليها.
وكان الإعلام الداخلي والخارجي بفضائياته وصحفه أمضى سلاح استخدموه ومرروا به كثيرا من مشروعاتهم .. خدعوا به العامة بما يدعونه إصلاحاً، وألبوهم على أهل العلم والدعوة، الناصحين لأمتهم، الصادقين في انتمائهم، منتهكين في إعلامهم الأنظمة الصادرة في السياسة الإعلامية للمملكة التي تُعَد دستورها في هذا المجال.
وإحياء السينما من جديد هو مشروع واحد من عشرات المشروعات التي يريدون تنفيذها والوصول إليها لإغراق هذه البلاد المباركة في مستنقعات الرذيلة والانحلال، وهذا المشروع لو تحقق لهم فإنه سيلد مشروعات كثيرة خطيرة تفقد هذه البلاد خصوصيتها، وتسلبها ما امتازت به عن غيرها من البلاد الإسلامية التي انتشرت فيها مظاهر الانحلال الأخلاقي، ومجاهرة الفساق فيها بفسقهم.
شيء من تاريخ السينما:
من يراجع الكتب التي أرخت لصناعة السينما سواء الأجنبية منها أو العربية يجد اضطرابا كبيرا في أوليتها، ورصد تدرجها، وسبب ذلك أن تحريك الصور الثابتة مرَّ بأطوار وتجارب كثيرة سجل بعضها وأهمل بعضها الآخر، وهذا سرد تاريخي بأهم التطورات في عالم السينما:
أولاً: السينما العالمية: (1) - أشهر المحاولات المُبَكِّرة في هذا الصدد محاولة المصور الإنجليزي الأصل إدوارد ماي بردج في عامي 1877م و1878م، بتقديم مجموعة من الصور لحصان يجري.
- قدَّم المخترع الأمريكي المشهور أديسون جهازا عرضت فيه الصور المتحركة عام 1893م.
_________
(1) ينظر في ذلك: الموسوعة العربية العالمية، حرف (ص) مادة: صناعة السينما، وتاريخ السينما في العالم، جورج سادول، ترجمة إبراهيم الكيلاني، وفايز كم نقش، ط: عويدات، بيروت1388، وصناعة السينما، دراسة اقتصادية مقارنة د. محمد العشري، وهو من أجود الكتب التي أرخت لمراحل السينما العالمية وتطورها ص9 - 23، وكذلك لنشأة السينما العربية ومراحلها ص24 - 34.(3/64)
- في عام 1903 م قدَّم إدوين بورتر فيلما روائيا (سرقة القطار الكبرى) مدتُهُ (11 دقيقة) أخرجه دي دبليو جريفيث، ويعد أول عمل روائي في تاريخ السينما (1).
- قبل نشوب الحرب العالمية الأولى عام 1914م، كانت بعض الشركات المنتجة قد أقامت لنفسها عددًا من أماكن التصوير (الاستديوهات) حول منطقة هوليوود في لوس أنجلوس التي صارت بعد ذلك أكبر مصنع للسينما في العالم.
- في عام 1927م عرض أول فيلم ناطق وهو (مغني الجاز) الذي تم فيه تحقيق التزامن بين الشريط السينمائي وأسطوانة الصوت المسجلة.
- في عام 1929م، أصبحت عملية تسجيل الصوت على شريط الصورة عملية شائعة، وبه انتهت السينما الصامتة. (2) - في الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي تراجعت صناعة السينما بسبب انتشار أجهزة التلفزة في أمريكا فانخفض إنتاج هوليوود من) 550 (فيلمًا في العام قبل الحرب العالمية إلى) 250 (فيلمًا في الخمسينيات من القرن العشرين، لكن بقيت السينما ولم تنته بالتلفزيون.
- في أوائل السبعينيات ابتدأت دور العرض السينمائية الغربية بعرض الأفلام الإباحية ابتداء من السويد ففرنسا فإيطاليا فأمريكا (3) ثانياً: السينما المصرية: (4) - أول بلد مسلم عرف السينما هي مصر، وكان عرض السينما فيها بعد أشهر فقط من عرضها في فرنسا، وأول عرض للصور المتحركة للجمهور في القاهرة كان يوم السبت 28 نوفمبر سنة 1896 م، والأجانب من الفرنسيين والإنجليز والإيطاليين وغيرهم هم من جلب السينما لمصر، وهم أول من عرض أفلامها.
- من عام 1908 إلى عام 1917 م زادت عدد دور العرض السينمائية في مصر من عشر إلى ثمانين.
- في عام 1918 م أسس مجموعة من الإيطاليين (الشركة السينمائية المصرية) فأنتجت فيلم (الزهور القاتلة) وكان يتضمن آيات قرآنية علقت على الحائط بشكل مقلوب. (5) - في عام 1919 م اكتشف الأجانب عزوف المصريين عن أفلامهم المستوردة أو المنتجة محليا بخبرات أجنبية فلجئوا إلى إشراك المصريين في أفلامهم لترغيب الناس فيها فنجحوا.
- في عام 1923م صدرت مجلة الصور المتحركة في مصر وهي أول مجلة متخصصة في السينما المصرية والأجنبية، وفي عام 1927م أسست غرفة لصناعة السينما في مصر.
_________
(1) والنقاد السينمائيون يصنفونه ضمن أفلام العنف؛ مما يدل على أن الإثارة بالعنف في السينما بدأت مع بدايتها.
(2) للممثل الهزلي العالمي تشارلي سبنسر تشابلن مذكرات عن حياته وعن مراحل السينما الصامتة أرخت لها كونه أشهر ممثل في هوليوود إبان نشأتها، وأصله إنجليزي، وانتقل إلى أمريكا، وله أكثر من ثمانين فيلما صامتا، ومذكراته بعنوان: قصة حياتي، ترجمها وقدمها: كميل داغر، ط1414.
(3) الفن السينمائي وصراع الأفكار، الكسندر كاراغانوف، ترجمة د. ممدوح أبو الوي، دار دمشق للطباعة والنشر، ط الأولى 1985 ص 20 - 21.
(4) ينظر مع المصادر السابقة في ذكر السينما العالمية: الهوية القومية في السينما العربية، بحث: كمال رمزي بعنوان: ارتباط نشوء السينما العربية بحركة التحرير العربي ص15، مركز دراسات الوحدة العربية، ط الأولى 1986م، ودراسة مختصرة عن السينما المصرية، الهامي حسن ص 170، وقصة السينما في مصر، سعد الدين توفيق، ط: دار الهلال القاهرة، 1969م والنقد السينمائي في الصحافة المصرية للناقد السينمائي د. علي شلش، ص 38 وفيه عقد فصلا لتاريخ السينما في مصر، هو أجود ما وقفت عليه من جهة جمع الكتب التي أرخت لبدايات السينما المصرية وتحليلها والمقارنة بينها.
(5) وقيل: إن هذا الفيلم عرض عام 1917، وحصلت ضجة بسبب تعمد قلب الآيات القرآنية مما أدى إلى إيقاف عرضه.(3/65)
- في عام 1925 أنشأ بنك مصر شركة مصر للتمثيل والسينما، وازدهرت صناعة السينما بعدها، وفي عام 1933 م أرسلت شركة مصر للتمثيل والسينما أولى بعثاتها للخارج للدراسة في باريس وبرلين، وأنشأت هذه الشركة ستوديو مصر الذي افتتح عام 1935 م، وعدوا ذلك أكبر منجز للسينما في مصر. (1) - عقب الحرب العالمية الثانية كان في مصر مئة شركة إنتاج سينمائي، ثم ازدهرت صناعة السينما في العقود اللاحقة وأنتجت مصر مئات الأفلام، وفي السنوات الأخيرة يزداد الإنتاج المصري للأفلام ففي عام 2006م أنتجت مصر أربعين فيلما، وأربعين أيضاً في عام 2007م، وزاد العدد في 2008م إلى ثلاثة وخمسين فيلما.
- يقول الناقد السينمائي الفرنسي كلود ميشيل: «إن علاقة مصر بالسينما تذكر كثيرا بعلاقتها بالتأثير الذي مارسته عليها التكنولوجيا المعاصرة، والإيديولوجيا والثقافة الأوربية» (2) ثالثاً: السينما في السعودية:
ألف خالد ربيع السيد كتابا عن السينما في السعودية بعنوان «الفانوس السحري: قراءات في السينما» (3) ذكر فيه أن السفارات الأجنبية في المملكة كانت أول من فتح أبوابها للسعوديين لمشاهدة السينما في السبعينيات الميلادية، وأنه كان من مرتادي السفارة النيجيرية والسفارة الإيطالية لمشاهدة الأفلام السينمائية التي تعرض فيها. وأنشئت دور عرض سينمائية في جدة باسم «باب شريف» وسينما «أبو صفية» في حي الهنداوية، وفي الطائف سينما نادي «عكاظ» الرياضي وسينما «الششة»، ويذكر في كتابه أن السينما السعودية خطت أولى خطواتها في عام 1977 ميلادية؛ إذ تم إنتاج أول فيلم سعودي بعنوان «اغتيال مدينة» وعُرض في مهرجان القاهرة السينمائي وحاز على جائزة «نيفرتيتي الذهبية» لأحسن فيلم قصير.
ثم ذكر أنه في فترة الثمانينات اغتيلت أحلام السينما السعودية بفعل التغيرات الدينية والاجتماعية للسعودية التي شهدت موجة عارمة من التدين، وتم إقفال دور العرض السينمائية في كل مدن المملكة وأقفلت السفارات التي كانت تعرض السينما أبوابها.
قلت: وذكر لي بعضهم أنه في هذه الحقبة كانت بعض الأندية الرياضية تعرض في مقراتها أفلاماً سينمائية عند الفوز، تستميل بها الجمهور الرياضي ليشجع أنديتهم.
- في هذا العام 1430عادت الدعوة للسينما جذعة، واستمات الليبراليون في فرضها واقعاً على الناس، وأنتجت شبكة روتانا فيلماً سعودياً بعنوان (مناحي) عرض في جدة، ومن المحتمل أن يعرض في الرياض خلال الأيام القادمة.
والقارئ لتاريخ السينما العالمية والعربية في مصادرها المختلفة لا بد أن يلحظ ثلاث ملاحظات مهمة:
الملاحظة الأولى: أن السينما نشأت أجنبية الفكر والمشرب والتنفيذ، وأنها لم تكن في يوم من الأيام محايدة، أو أداة للتسلية، أو للربح فقط، وإنما هي تبث رسائل فكرية محددة تستلب عقول مشاهديها بالإثارة والتشويق.
_________
(1) الهوية القومية في السينما العربية ص18 - 19، وفي بعض المصادر أن أول استوديو أسس كان بالاسكندرية عام 1912م، وهي أهم مرحلة تطورت فيها السينما، وفيها أرسلت بعثات طلابية لدراسة السينما في الخارج، ينظر: الصحافة الفنية في مصر أحمد المغازي ص346، وشلش ص51
(2) مجلة تواصل، الدار البيضاء عدد23 1985 ص34 عن السينما الإفريقية ظاهرة جمالية د. وجدي صالح ترجمة: عادل محمد عثمان، ص10 - 11.
(3) نشرته دار الانتشار العربي في بيروت بالتعاون مع نادي حائل الأدبي.(3/66)
وسيطرة اليهود في هوليوود -أكبر منتج للسينما في العالم- ليست تخفى على أحد، وصالات العرض السينمائية في شتى أنحاء الأرض تستورد أفلامها من هوليوود. وقد صدرت عشرات الدراسات عن هوليوود ونجومها ومخرجي أفلامها، وتمويل اليهود لها، وسيطرتهم عليها، يقول بن جوريون وهو يفتخر: «إنني أدعم العمل السينمائي» (1) وكان بيجن يستقبل بعض صناع السينما وبعض النجوم العالميين (2). وهذا يدل على عناية قادة اليهود بهؤلاء النجوم؛ لأنهم يخدمون توجهاتهم سواء شعروا بذلك أم لم يشعروا.
يقول الروسي كاراغانوف: «إن الهوليوود يقدم للجمهور ما يريد تقديمه، ويرفض وصاية الجمهور عليه، ليس الهوليوود بحاجة إلى جمهور لأنه يصنع جمهوره بنفسه» (3).
ويقول السينمائي السوري صلاح دهني: «إن الأفلام التي نراها تمثل دون أدنى شك هيمنة غربية على الصالات السينمائية. .. » وذكر أنه كان يعرض في سوريا عام 1966 م 300 فيلم 95% منها أمريكية (4).
الملاحظة الثانية: أن السينما المصرية -التي هي أول سينما عربية- نشأت أجنبية، وأكثر من أسسوها ونفذوها هم من اليهود والنصارى، وكانوا يغيرون أسماءهم عند الحاجة إلى ذلك، وكان رأس المال اليهودي حاضرا فيها بشكل كبير، وتوجد دراسات تتبعت نفاذ اليهود للسينما المصرية من أول نشأتها (5)، وكان من أشهر المؤثرين في السينما المصرية إبان نشأتها وتطورها عدد كبير من اليهود منهم: توجو مزراحي وإلياس مؤدب وبدر لاما وبهيجة المهدي وراقية إبراهيم وزكي الفيومي وسامية رشدي وسلامة إلياس وكاميليا وشالوم وعباس رحمي وصالحة قاضين وفيفي يوسف ونجمة إبراهيم ونجوي سالم ويوسف ساسون ووداد عرفي، وغيرهم. وقد سيطرت عائلات يهودية على صناعة السينما وأدواتها مثل عائلات: منشة وموصيري ويوسف قطاوي وسوارس ومزراحي وأسمالون وشيكوريل وعدس وساسون.
حتى إن مجلة صباح المصرية تذمرت من السيطرة الأجنبية على السينما المصرية، وغرسها لأفكار وأخلاق معينة فكتبت في افتتاحيتها تحت عنوان «الأجانب والسينما في مصر»: «لقد كنا إلى آخر لحظة نحسن الظن أو نحاول أن نحسن الظن بجماعة الأجانب الذين يحترفون السينما في مصر .... وطالما أغمضنا أعيننا عن كثير من الجرائم التي يرتكبونها ويعتدون فيها على كرامة المصري .... أهملوا اللغة العربية وهي لغة السواد الأعظم من أبناء البلاد .. .» (6) وفي عام 1940 شن الرسام الناقد كامل التلمساني حملة قوية على وضع السينما ومضامينها، وكتب المقالات المنتقدة لها في مجلة (التطور) وهاجم نظرية (الفن للفن) وهو أول من استخدم تعبير (سينما المخدرات) لما فيها من مضامين الفساد. (7).
_________
(1) انظر: الدوافع السياسية في السينما الصهيونية جودت السعد، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الأولى 1983م فقد عقد فيه مبحثا لعلاقة السينما الصهيونية بالسينما العالمية ص29.
(2) انظر: صحيفة دافارا 29/ 11/1978 عن المصدر السابق ص 33 و36.
(3) الفن السينمائي وصراع الأفكار ص35
(4) المصدر السابق ص35
(5) مثل دراسة الناقد السينمائي المصري: أحمد رأفت بهجت بعنوان: اليهود والسينما في مصر، نشرها المؤلف في القاهرة عام 2005م
(6) مذكرات محمد كريم ص 156 عن الهوية القومية في السينما العربية ص 21.
(7) الهوية القومية في السينما العربية ص30(3/67)
وتذكر الفنانة الجزائرية التي تابت خديجة المداح، وعُرفت عند أهل الهوى والضلال بـ (هدى الجزائرية) أنها عملت مع امرأة يهودية، تقول: «فما كان منها إلا أن أوفدتني للعمل في باريس مُهرِّجة مع يهودي وآخر فرنسي، كان دوري يتلخص في ارتداء الزي الجزائري والسخرية منه ليضحك الجمهور الفرنسي .. وفي باريس تعرفتُ على ليلى الجزائرية التي كانت تعمل مع فريد الأطرش، فرشحتني للعمل راقصة، وكنت في كل يوم أقترب كثيراً من حياة الضلال» (1) وخصص الناقد السينمائي الفرنسي غي هاينبيل فصلا من كتابه (خمسة عشر عاما من السينما العالمية) درس فيه السينما العربية وحلل واقعها بين عامي 1960 - 1975 ذكر فيه الدور الإمبريالي في السينما العربية وسيطرة شركات الإنتاج والتوزيع الهوليوودية الأمريكية في العالم بما فيها السينما العربية. (2) وتحدث أحمد هيكل عن فترة الأربعينيات فقال: «وقد شهدت تلك الفترة تحولا خطيرا في الحياة الفكرية، وقد تمثل هذا التحول في تغلب التيار الفكري المتجه إلى الغرب والمستدبر للشرق .... واتخاذ الغرب مثلا أعلى .... وكان من أهم تفوق هذا الاتجاه ازدياد الاتصال بالغرب في المجال الفكري بسبب عودة طائفة من الدارسين في أوربا إلى مصر .... » ثم يذكر أنه في تلك الفترة قويت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة وتبناها العديد من المفكرين والمثقفين ..
ويقول الناقد السينمائي الأردني حسان أبو غنيمة: «كانت الأفلام الواردة من خارج الوطن العربي والعالم الإسلامي والأفلام المصنوعة داخل الوطن العربي والعالم الإسلامي تتقاسم قتل المشاهد فكريا وأخلاقيا بصورة تبعث على الدهشة، وكأنما كان هناك نوع من التلذذ بعملية هذا القتل البطيء والمستمر دونما هوادة ... ». ثم يذكر أن أي دراسة سيسيولوجية لتأثير ما أنتجته السينما تظهر بجلاء أنها لعبت دورا كبيرا في تخريب الكثير من القيم الإنسانية، وفي تشويه العقل العربي الخام، ودفعه في اتجاه البحث عن قيم غربية بعيدة عن تقاليده وقيمه (3).
_________
(1) صحيفة المسلمون، عدد437، والحقيقة أن عبث الأجانب بأبناء المسلمين وبناتهم في الوسط الفني يحتاج إلى دراسة مستفيضة؛ لأن الملاحظ أن اليهود والنصارى كانوا ينطلقون في هذا الإفساد السينمائي من دوافع دينية وعنصرية؛ لأن الذين كرهوهم وفضحوهم من السينمائيين العرب لم يكن الدين عندهم ذا بال وإلا لما دخلوا عالم السينما من بدايته مع ما فيه من فساد، ولكنهم اكتشفوا أن أولئك الأجانب عنصريون لا يبغضون دينهم فقط وإنما يحتقرون جنسهم، وهذا ما أثار حفيظتهم، وكل ما نقلته في هذا المقال هو عن أناس لا علاقة لهم بالدين سوى ما نقلته عن التائبين والتائبات.
(2) الجانب الآخر للثقافة السينمائية ريما العيسى وحسان أبو غنيمة المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت الأولى 1983م
(3) الموقف من سينما إسلامية محمد وليد جداع، دار الوفاء للطباعة والنشر، المنصورة، ط الثانية 1409 ص 32. وحسان أبو غنيمة متخصص في السينما، وألف فيها كتبا عدة منها: في الفن السابع، والبحث عن السينما الأردنية، وحوارات مع السينما العالمية، والسينما ظواهر ودلالات، وفلسطين والعين السينمائية.(3/68)
الملاحظة الثالثة: اقتحام العناصر النسائية أو إقحامها في السينما أول نشأتها في مصر إنتاجاً وتمثيلا؛ فأسست عزيزة أمير أول شركة مصرية لها باسم إيزيس فيلم، وخرج فيلمها الأول باسم ليلى في موسم (1927 - 1928م) وفيلمها هذا يعده المؤرخون للسينما أول فيلم مصري حقيقي. في أعقاب هذا الفيلم خرج فيلم زينب الذي اشتركت فيه بهيجة حافظ التي أسست فيما بعد شركة سينمائية باسم فنار فيلم. ثم قامت آسيا داغر وأنشأت شركة سينمائية باسم لوتس فيلم وقدمت فيلم غادة الصحراء. ثم جاء دور فاطمة رشدي فأسست شركة سينمائية (1).
يقول محمد السيد شوشة: «لقد اقترن الإنتاج السينمائي في البداية بأسماء ست سيدات مصريات كن الرائدات ... عزيزة أمير صاحبة فيلم (ليلى) وفردوس حسن فيلم (سعاد الغجرية) وآسيا فيلم (غادة الصحراء) وبهيجة حافظ بفيلم (الضحايا) وفاطمة رشدي بفيلم (الزواج) وأمينة محمد بفيلم (تيتاوونج) (2) وإقحام المرأة في عالم السينما منذ بدايتها إخراجاً وتمثيلا، وخلطها بالرجال؛ أثمر ثقافة العري والتخلع والغرام المحرم والإسفاف المخجل في الأفلام المصرية التي غزت العالم العربي فنشرت هذه الثقافة الفاسدة فيه.
زرع القيم والأفكار بالسينما:
كانت السينما من أقوى الأسلحة الفكرية التي نفذت إلى عقل مشاهديها بسهولة لتؤثر فيهم، وتصوغ أفكارهم؛ ولذا اعتنى بها اليهود، وكان الشيوعيون يعلمون خطرها وتأثيرها على الأفكار حتى قال الزعيم الشيوعي لينين عام 1907: «تعتبر السينما من بين جميع الفنون أهمها بالنسبة لنا» (3).
وقد خاف لينين من تأثير السينما الأمريكية والأوربية على الشعوب الشيوعية، وخشي من إقناعها لهم بالأفكار الليبرالية الرأسمالية فتتحول عن الاشتراكية، وفي هذا يقول لينين: «تسيطر على الفن السينمائي حتى هذه الساعة أيدٍ تجارية قذرة، وتقدم للمشاهدين أفلاما سيئة أكثر مما هي مفيدة، ففي الكثير من الأحيان يفسد الفن السينمائي المشاهدين بأفلام سيئة المضمون». (4) وهذا ما دعا الكاتب الروسي كاراغانوف أن يؤلف كتابه: الفن السينمائي وصراع الأفكار.
وتأثير السينما على المعتقدات والأفكار، وصياغتها للعقول لا ينفيه صانعوها والمروجون لها والمالكون لأكبر إنتاجها، بل يثبتون ذلك، وكذب من زعم من بني قومنا أنها لمجرد الترفيه والتسلية، وأن من يحاربونها يتهمون غيرهم على غير هدى، فهذا المخترع المشهور توماس إديسون وهو ممن طور آليات السينما يقول: «من يسيطر على السينما يسيطر على أقوى وسيلة للتأثير في الشعب .. » (5) ويقول مؤرخ الفنون الأمريكي أورين بانوفسكي: «إن السينما سواء أحببنا أم لم نحب هي القوة التي تصوغ أكثر من أي قوة أخرى الآراء والأذواق واللغة والزي والسلوك بل حتى المظهر البدني لجمهور يضم أكثر من ستين بالمئة من سكان الأرض». (6) حتى قيل: السينما أفيون الشعوب (7).
_________
(1) النقد السينمائي في الصحافة المصرية ص49
(2) المصدر السابق ص61، ومحمد السيد شوشة ناقد سينمائي قديم، كتب قصة فيلم (آمنت بالله) الذي عرض عام 1952م.
(3) قصة السينما في العالم آرثر نايت، ترجمة سعد الدين توفيق دار الكتاب العربي1967 ص71 والسينما والأدب، فؤاد دوارة، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب 1991م ص20 والفن السينمائي وصراع الأفكار ص3.
(4) الفن السينمائي وصراع الأفكار ص3.
(5) الفيلم والجمهور ص18عن السينما والأدب ص18.
(6) السينما آلة وفن، ألبرت فلتون، ترجمة صلاح عز الدين وفؤاد كامل، تقديم عبد الحليم البشلاوي ص7 والسينما والأدب ص19.
(7) السينما فن، صلاح أبو سيف دار المعارف، مصر ص4(3/69)
ويقول وليسون: «ليست وظيفة السينما أن تزودنا بمعرفة للعالم فحسب وإنما تخلق أيضا القيم التي نعيش بها» (1).
ويقول محمد كريم في مذكراته عن فتنة الناس بالسينما في مصر: «وإذا كان الصباح ملك المدرسة ودروسها فإن بعد الظهر كان ملك الأصحاب ..... كانت تسليتهم الكبرى الذهاب إلى السينما توغراف .. » (2).
الإفساد والاستلاب:
لقد كان كبار السينمائيين في البلاد العربية -وخاصة في مصر محضن السينما العربية- من غير المسلمين، وينفذون إلى عقول المسلمين عبر السينما، ومنهم من غيروا أسماءهم وديانتهم لما اقتضى الأمر ذلك، وكانوا وكلاء للأجانب في العبث بعقول الناس، وصرفهم عن دينهم، وإفساد أخلاقهم، والكلام عنهم يطول .. لكن سأذكر مثالاً واحداً أسلط الضوء عليه، وهو من خلع عليه الإعلام المضلل جملة من الألقاب، وحظي بجوائز عربية وعالمية كثيرة على إفساده، وهو أشهر مخرج سينمائي عُمِّر في مصر طويلا؛ إذ مات عن ثنتين وثمانين سنة، قضى منها ستين سنة في السينما وإفساد الناس بها، وهو النصراني يوسف شاهين الذي يعدونه خاتمة المخرجين الكبار، وفي الاحتفال بمئوية السينما العالمية عام 1996 م اختار سينمائيون مصريون يوسف شاهين أفضل مخرج مصري في القرن كله.
كانت الأفلام التي يخرجها تمنع في البلاد العربية في أول الأمر لما كانت ذائقة العرب صحيحة، وأخلاقهم مستقيمة، فتعرضها فرنسا في قنواتها وهي التي كانت تمولها (3) فما مصلحة فرنسا من تمويل أفلام عربية ثم عرضها في شاشاتها؟!
أخرج يوسف شاهين فيلم (القاهرة منورة بأهلها) بأموال فرنسية، وعرضه في مهرجان (كان) وأعَجَبَ الفرنسيين لطعنه في المصريين وتصويرهم فيه بأنهم شعب شهواني رخيص متوحش يأكل بعضه بعضاً، وأظهر فيه الشباب المصري شواذَّ يبيعون أنفسهم للأجانب، ونقل فيه الصورة من صلاة الجمعة، وأكوام الأحذية عند باب الجامع إلى جسم راقصة في مرقص، وأظهر في فيلمه الأقباط متحضرين وغير راضين عن هذه الأوضاع في مصر، حتى قال أحد النقاد السينمائيين: «لقد جمع يوسف شاهين كل البيض الفاسد في سلة واحدة» وذكر أنه صور المصريين كما أرادهم الفرنسيون (4).
_________
(1) تعريف النقد السنيمائي 42 عن السينما والأدب ص 19
(2) محمد كريم من المخرجين القدماء، امتهن الإخراج السنيمائي سنة 1927م ويعدونه من المخرجين الرواد، ويسمونه في السينما المصرية: المعلم الأول، وهو من أوائل من وطنوا السينما في مصر حين كان الأجانب وخاصة الإيطاليين هم الذين يخرجون الأفلام السينمائية، تأثر بالسينما وعشقها وعمره عشر سنوات إثر مشاهدته لفيلمي (أسرار نيويورك، وفانتوماس) التي عرضت في سينما (أمبير) في القاهرة، وحاول امتهان التمثيل، وكان يستخفي من أهله هو ورفاقه لأن التمثيل آنذاك كان عارا، ومع تغير الأفكار والقيم صار شرفا. وقد طبعت مذكراته في تاريخ السينما المصرية أكاديمية الفنون عام 2006م بتحقيق محمود علي.
(3) انظر: يوسف شاهين أمام المحاكم، محمد الصاوي، مكتبة المعارف الحديثة الاسكندريةص28 - 29.
(4) المصدر السابق ص31 - 32(3/70)
وعلى هذا الفيلم القبيح كافأه وزير الثقافة الفرنسي اليهودي (جاك لانج) فكلفه بإخراج مسرحية (كاليجولا) لأعرق مسرح في فرنسا -على رغم أنوف كل المسرحيين الفرنسيين- وهو لم يقف من قبل على خشبة المسرح لا مخرجاً ولا ممثلاً، ثم أعطاه اعتماداً مفتوحاً لإنتاج فيلم (شامبليون) (1) وصنع فيلم (المهاجر) عن قصة يوسف عليه السلام فشوهها أعظم تشويه، حتى قال عنه بعض النقاد السينمائيين: «فيلم المهاجر سابقة غير أخلاقية في التجرؤ على سير الأنبياء والرسل» وعدوها دعوة صهيونية في فيلم سينمائي، ونعتته الناقدة المسرحية سناء فتح الله فقالت: «الخواجا يوسف شاهين». (2) وهو من دعاة الفرعونية، ويرى أن مصر ليست إسلامية، وهو وإن كان نصرانياً علمانياً أو متديناً كما يقول البعض؛ فإنه خدم اليهود في هوليوود وشارك المخرجين اليهود في تلميع صورتهم والدفاع عنهم، وساعد في إخراج أفلام تتبنى فكرة المحرقة اليهودية (الهولوكست) ومنها مشاركته المخرج العالمي اليهودي رومان بولانسكي ومساعدته في إخراج فيلم « The Pianist» عن قصة عازف بيانو يهودي يهرب من المحرقة، وأخرج فيلم (اسكندرية ليه) الذي هو حلقة من سيرته الذاتية، ولا يعدو أن يكون الفيلم دعوة للتطبيع مع اليهود، حتى اتهمه بعض النقاد بأنه يهودي أو مستأجر من اليهود، وقد صرح بكراهيته للحجاب والأذان، وكان يقاوم الأذان بتشغيل الموسيقى الصاخبة.
هذا شيء من فساد وإفساد النصراني جوزيف شاهين الذي هلك في رجب من العام الماضي، وناح عليه الإعلام العربي الفاسد بصحفه وفضائياته، وجعله من كبار المصلحين، وصدق الله العظيم حين قال في المنافقين [وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ المُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ] {البقرة:11 - 12}.
ولا يختلف كثير من السينمائيين عنه فهم ينفذون ما يريده أعداء الأمة منهم شعروا بذلك أم لم يشعروا، فالمخرج اللبناني مارون بغدادي مولته فرنسا في فيلمه (خارج الحياة) الذي صور فيه اللبنانيين وحوشاً كاسرة همجية، بينما الآدمي الوحيد هو الرهينة الفرنسي الذي اختطف وعذب بوحشية. (3) وفي تونس كان المخرجان: نوري بو زيد، وفريد بو غدير يخرجان الأفلام التي تقدح في مجتمعاتهم وتطعن في قيمهم بتمويل فرنسي يهودي (4).
ولما سُئل المخرج التونسي أحمد الجميعي -وهو مقيم في فرنسا- عن رأيه في تلك الأفلام الممولة فرنسياً، المشوهة لبلاد المسلمين، المملوءة بإيحاءات الجنس والشذوذ قال: «إن الفرنسيين يفرضون نوعيات معينة من الموضوعات ويمولونها ويهللون لمخرجيها» (5) تهوين غير مقبول:
حول محاولة إعادة السينما من جديد للمملكة وقد عوفيت منها، ومقاومتها من جلّ المشايخ والدعاة وطلبة العلم، والاحتساب على أهلها والداعين إليها، قال فضيلة الشيخ الداعية سلمان العودة سدده الله تعالى: «إن شاشة السينما أصبحت قائمة الآن في كل بيت، وإن شئت قل في كل غرفة توجد شاشة عرض سينمائية، لا تعرض فيلمًا واحدًا أو مادة جديدة فقط، وإنما تعرض العديد من الأفلام أو البرامج ... وأشار إلى أن مجتمعاتنا العربية والإسلامية بحاجة إلى الانتقال من سياسة المنع إلى ثقافة المناعة ... ثم تساءل: ما الفرق إذن بين السينما، وبين الشاشة، أو بين التلفاز ذاته؟!! ... موضحاً أن المسألة من وجهة نظره تتعلق بأمرين: وذكر المحتوى المعروض وهو يتمنى أن يكون تربوياً ونظيفاً، ثم أشار إلى ضرورة الضوابط.
_________
(1) المصدر السابق ص 29
(2) صحيفة الأخبار المصرية 13/ 10/1994 عن. السابق ص122
(3) يوسف شاهين أمام المحاكم ص 36
(4) المصدر السابق 36
(5) مجلة الكواكب 18/ 10/1994 عن السابق ص 108(3/71)
ثم قال: ولذا فإن علينا أن ندرك أننا عندما نأخذ بمبدأ المنع والرفض المطلق، فإن هذا الجدار المانع الرافض قد ينهدم بلحظة أو بأخرى، وفي الوقت ذاته يبقى الناس -لأنهم منطلقون من دائرة الرفض والمنع والتخوف- بعيدين عنه، وبالتالي لا تكون هناك مشاركة إيجابية» اهـ كلامه سدده الله تعالى ووفقه.
وهذا الكلام من فضيلة الشيخ فيه من التهوين والتسويغ للسينما ما لا يخفى، كما أنه يفت في عضد المنكرين لها، المحتسبين على أهلها، ويقوي أهل الباطل عليهم، وأظن أن هذا التبسيط المخل للموضوع نابع من عدم إدراكٍ حقيقي للفرق بين عرض الأفلام في صالة السينما وبين عرضه في شبكات التلفزة؛ إذ سوّى الشيخ بينهما، على أن انتشار التلفزة والفضائيات في أكثر البيوت لا يدل على رضا الممانعين بها، وإذا كانت الفضائيات قد تجاوزت في اختراقها للبيوت ممانعتهم سابقاً فعلى الأقل هم سجلوا مواقفهم الرافضة لهذا المنكر؛ براءة للذمة، وإعذارا للأمة، وفتوى الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى المشهورة شاهدة على ذلك.
وفي ظني أن الشيخ سلمان حفظه الله تعالى قد أخطأ حين حجر الدعاة أمام المنكرات ليضعهم بين طريقين لا ثالث لهما: إما المشاركة في المنكر وعدم رفضه ومحاولة تعديله، وإما القدرة على منعه كما هو مؤدى كلامه .. ولا سيما أنه يعلم أن السينما منذ صنعت إلى يومنا هذا وهي مرتع الرذائل، ومستنقع الفواحش، وأن من حاولوا تحويلها عن مرادها لتحمل أفكاراً تنفع الناس من الوطنيين والقوميين والإسلاميين قد فشلوا فشلا ذريعاً؛ لأن القائمين عليها والممولين لها في العالم لا يريدون ذلك؛ ولأنها لا تنجح إلا بالإثارة والإغراء، والذي لا تقيده قيود الشريعة سيكون أكثر إثارة وسيطرة على الجمهور من المقيد بقيود الشريعة، وسأذكر لاحقاً بعض النقول عن جملة من أهل الوسط الفني تدل على ذلك.
إن محاولات التهوين من مشروعات المفسدين، ومنها الدعوة لإحياء السينما في بلاد عوفيت منها، وادعاء أن السينما ولجت كل منزل وغرفة عبر الشاشة يدل على عدم إدراك تأثير السينما وما تختلف فيه عن شبكات التلفزة ولو كانت الثانية تعرض الأفلام بعد عرضها في الأولى، وبيان ذلك من ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: أن في إنشاء صالات للسينما وعرض الأفلام المحرمة فيها، واجتماع الناس عليها، مع ما يصاحبها من الدعاية في الشوارع مجاهرة بالمنكر، ودعوة إليه، وتهوين وقعه على القلوب، بخلاف من استتر في بيته فلا يعلم الناس ما يشاهد. بل إن فيها تجرئة العامة على المنكرات واستساغتها؛ لأن الناس يعلمون أن رواد السينما يشاهدون الأفلام المعروضة فيها، ومحتواها معلوم من الدعاية لها، وكان أكثر الناس -ولا يزالون- يزعمون أن الفضائيات التي في بيوتهم هي لأجل الأخبار أو الرياضة، ويتبرؤون من مشاهدة ما فيها من رقص خليع وأفلام ماجنة ولو كانوا يشاهدونها، ومعلوم أن المجاهرة بالمنكر شر من الاستتار به. وبقاء الناس مقارفين لبعض آثام النظر وهم يستخفون بها، ويخجلون من غيرهم أن يعلموا عنهم خير من كسر هذا الحاجز، وتجرئتهم على المنكرات، ومن شاهد أحوال البلاد التي انتشرت فيها السينما يعلم معنى هذا الكلام.
الوجه الثاني: أن الفرق هائل بين مشاهدة الفيلم في صالة العرض السينمائي، وبين مشاهدته في التلفزة، ودليل ذلك: أنه مع انتشار قنوات الأفلام العربية والأجنبية ووصولها إلى البيوت مجاناً فإن جمهور الصالات السينمائية لم يعزفوا عنها، وهي وجمهورها في ازدياد مطرد سواء في مصر والشام أو في بلاد الخليج المجاورة.(3/72)
والذي يحضر السينما يستسلم بالكامل لأحداث الفيلم، ولا يشغله عنه شيء؛ لأنه إنما جاء لأجله بخلاف الذي يشاهده خلف الشاشة، ويشغله عنها ما يشغله (1).
وسأضرب مثلين برجلين من عقلاء الناس، وهما من مشاهير العرب قد فتنوا بالسينما فتنة شديدة، فكيف بمن دونهم من السوقة والرعاع:
المثال الأول: الشاعر المشهور أحمد شوقي فقد كان ممن عاصر بدايات السينما وفتن بها فتنة عظيمة، حتى كتب عن ولعه بها بعض السينمائيين، فكتب أحمد بدرخان مقالاً على إثر وفاة شوقي عام 1932م قال فيه: «كان شغوفاً بالسينما يقضي في صالاتها أغلب أيام الأسبوع ... وكان أمير الشعراء يجلس في الصف الأول بقرب الشاشة لقصر بصره ... وكان يحضر الفيلم الواحد أكثر من مرة إن كان متقناً ... ثم ذكر أنه كان ينظم شعره في صالة السينما. ولما كان ابن شوقي الأكبر علي يدرس القانون بكلية الحقوق بجرينوبل كان والده يكتب له يسأله عن صالات السينما عندهم ليضمن أن يشاهد فيلما جديدا كل ليلة» (2).
وقد يقال: إن شوقي ما أدرك عرض الأفلام في التلفزيون، ولو أدركها لما ولع بها كل هذا الولع، وهذا منقوض بما بعده.
المثال الثاني: المؤرخ والسياسي الفلسطيني أنيس صايغ قال في سيرته الذاتية: «ذهبنا مرة طلاب المدرسة الداخليين إلى دار للسينما وكنت أول مرة أشاهد فيها فيلما سينمائيا وكان الفيلم من إخراج نجيب شماس وبطلته زوجته صباح، وكان من أوائل أفلامها واسمه (أول نظرة) ومع أنه كان فيلماً عادياً جداً، وربما دون العادي فقد فتح شهيتي على مشاهدة الأفلام إلى حدّ أني أدمنت على ذلك خلال إقامتي في بيروت وكمبردج حوالي ثلاثين سنة حضرت خلالها ما يزيد على عشرة آلاف فيلم كلها في دور العرض وليس عبر شاشات التلفزيون» (3) فهو معاصر ومع ذلك كانت فتنته بالسينما عظيمة مع وجود الأفلام على مختلف القنوات الفضائية العربية والأجنبية وأشرطة الفيديو قبل الفضائيات، ومع ذلك يذهب للسينما ويشاهد عشرة آلاف فيلم وهو الجاد في عمله، وإنتاجه غزير سواء في العمل الصحفي أو في تدوين التاريخ الفلسطيني، وهذا يدل على أنه لا مساواة بين أفلام التلفزة وأفلام السينما.
الوجه الثالث: أن دعاة إنشاء صالات للسينما في المملكة لن يتوقفوا عند مجرد عرض الأفلام فيها، بل هي خطوة أولى لمشروعات من الإفساد متعددة لا يعلم مداها إلا الله تعالى، ومن هذه المشاريع:
1 - أن جلب الأفلام السينمائية العالمية أو العربية يسبقه ويصاحبه حملة من الدعايات تمتلئ بها الشوارع ولوحات الإعلانات الكبيرة تحوي صور الممثلين والممثلات، ومن رأى الدعايات في مصر ولبنان وبعض دول الخليج لبعض الأفلام عرف ذلك، حتى إن الدعاية أحيانا تكون بحجم بناية كاملة، وفيها من صور العري والتهتك ما يُخجل الأسوياء، وهذا من أعظم المجاهرة بالمنكرات.
_________
(1) ينظر: الفن السينمائي وصراع الأفكار ص 9 - 10.
(2) النقد السينمائي في الصحافة المصرية ص63 - 64، وأحمد بدرخان أصله كردي، وهو من المخرجين المصريين القدماء، وعاصر نشأة السينما التمثيلية في مصر، ويعده السينمائيون مؤسس السينما الغنائية، وهو أول من نادى بإنشاء معهد للسينما، ودراسته كانت بين فرنسا والجامعة الأمريكية بمصر.
(3) أنيس صايغ عن أنيس صايغ، دار رياض الريس ط الأولى 2006 ص127، وهو من ألمع الباحثين والمؤرخين الفلسطينيين، ولد في فلسطين عام 1931م لأب سوري قسيس وأم لبنانية، وتزوج أردنية، كان قوميا ثم تحول إلى ناصري، وأسس مركز الأبحاث الفلسطيني الذي يعد أهم منجز ثقافي فلسطيني وتعرض لعدة محاولات اغتيال من اليهود بسبب المركز الذي يرأسه، إلى أن استقال منه على إثر خلاف بينه وبين عرفات.(3/73)
2 - أن السينما بوابة عريضة للاختلاط كما هو واقع في الدول الأخرى، وإن بُدئت بمنع الاختلاط فإنها ستنتهي بتكريسه؛ إذ الدوافع للاختلاط فيها أكثر من غيرها، سواء في دراستها أو صناعتها أو حضور عرضها.
3 - أن إيجاد صالات لعرض السينما في المملكة يقود إلى الدعوة لصناعتها السينما محليا، وهو ما يسمى بتوطين السينما -ولا سيما في زمن رفع الشعارات الوطنية- وهو ما حصل في مصر التي سبقتنا في السينما وصناعتها، فإنها ابتدأت أجنبية إلى أن جروا الناس إليها جراً وأفسدوهم بها، وجعلوها وطنية بمضامين الأجانب وأفكارهم وأخلاقهم.
4 - أن صناعة السينما تتطلب معاهد وجامعات وأكاديميات متخصصة في ذلك، وبعثات طلابية من البنين والبنات لدراسة ما تحتاجه السينما من تمثيل وتصوير وإخراج وغيره، كما حصل في مصر.
5 - في وقت البطالة وشح الوظائف سيقتنص شياطين السينما كثيراً من الشباب والفتيات لتشغيلهم في صناعة السينما، ويغرونهم بالمال والشهرة؛ ليكونوا طليعة جيش من المفسدين يُقدمون قدوات لأبناء المسلمين وبناتهم كما كان الحال في مصر والشام.
6 - ستكون الحاجة ملحة حين نخرج جيشاً من صُناع السينما -ممثلين ومصورين ومخرجين- لأنْ تتبنى الدولة إنشاء مدن متكاملة لصناعة السينما على غرار المدن الرياضية لما انتشرت الرياضة، ومصر التي يكدح أهلها نهارهم للكفاف بُني فيها مدن سينمائية واستديوهات ضخمة بدل المشاريع التنموية التي تنفع الناس.
إلى غير ذلك من المفاسد الكبيرة التي يجرها إقرار السينما؛ ولذا فإنه يتوجب على عقلاء الناس رد السفهاء عن هذا الباب من الفساد والدمار الفكري والأخلاقي الذي يطل برأسه عليهم.
الممانعة أصل شرعي ثابت:
إن انتقاد الممانعين للمنكر ومراغمة أهله بحجة أن هذا المنكر أمر واقع لا محالة، منهج يعارض منهج الرسل عليهم السلام؛ إذ إن النبي يأتي يوم القيامة ومعه الرهيط والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي ليس معه أحد، ولم يوافق هؤلاء الأنبياء عليهم السلام أقوامهم في منكراتهم من الشرك فما دونه بحجة عدم استجابة أقوامهم لهم، فمتى كانت عدم المشاركة في إثم الآثمين، وضلال الضالين سلبية يُنهى عنها بحجة أن المناعة أولى من الممانعة.
لقد كانت البنوك الربوية واقعا مفروضا، والبنوك الإسلامية خيالا مرفوضا، وقام العلماء ببيان الواجب تجاه الربا وبنوكه؛ براءة للذمة، وتحذيرا للأمة، رغم أنه في فترات الممانعة يبدو لمن رأى واقع الربا وانتشاره أن هؤلاء المشايخ ينفخون في الهواء، لكن هذه الممانعة وبيان الحكم الشرعي في الربا على مدى سنوات طويلة آتى ثماره، واضطرت كثير من البنوك لما عزف الناس عنها خوفا من الربا إلى إسباغ الصبغة الشرعية على معاملاتها، وتشكيل اللجان الفقهية في معاملات التورق والمرابحة والاستثمار والأسهم وغيرها، وما ذاك إلا لتأثير ثقافة الممانعة التي ينتقدها الشيخ وفقه الله تعالى.
ثم إنه لا أحد من القائلين بالممانعة يمنع إيجاد ثقافة المناعة إن قدر القائلون بها على إيجادها، والرفض والممانعة لا تعارض إيجاد المناعة، بل كل يعمل في مجاله، وعند النظر والتحقيق فإن مدافعة المنكر ومقاومة أهله هي من المناعة مع إبراء الذمة، وإنذار الخلق، والإعذار لله تعالى [وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ] {الأعراف:164}.(3/74)
عجبت كثيرا من دندنة فضيلة الشيخ وفقه الله تعالى حول المناعة مع أن الشريعة منعت ما يحرك الغرائز، ويؤدي للفواحش، ولم تبح هذه الوسائل اتكاء على المناعة التي ينبغي أن يتحلى بها أفراد المجتمع، فمنعت من النظر إلى النساء، والاختلاط بهن، والخلوة، وسفر المرأة بلا محرم؛ لأن هذه الأفعال مظنة الوقوع في الفواحش، مع أنه قد يحصل اختلاط ونظر وخلوة وسفر بلا محرم ولا تقع فواحش، بسبب وجود مناعة أو مانع عند الرجل أو المرأة؛ لكن حكم الشريعة أغلبي، فالأصل أن الشريعة فيها منع مع غرس المناعة في نفوس الناس، وهذا المنع يتناول كل ما يثير الغرائز لدى الجنسين، ومعلوم أن عماد السينما منذ نشأت وصارت صناعة وتجارة إلى يومنا هذا إنما هو على إثارة الغرائز، ونشر الفواحش ومقدماتها، فهل من المناعة أن نسمح بالسينما ونسوغها ونحن نعلم ما سيعرض فيها مسبقاً وما تجر إليه من منكرات عدة؟ وهل في باب المناعة المقترح أن نقول للناس لا تحضروا إلا ما كان عرياً عن المحرم؟ أو احضروا وأغمضوا أعينكم إن كان ثَمَّ مشاهد محرمة أم ماذا؟ فالكلام عن المناعة هو كلام مهلهل لا زمام له ولا خطام، وهو إلى التنظير أقرب منه إلى التطبيق.
وأما يتخيله البعض في أذهانهم وما يحلمون به من تحسين وجود سينما نظيفة، فهو في الأذهان والأحلام لا في الواقع المشاهد، فلماذا يحاكمون الواقع بما يحلمون به، ويرسمونه في أذهانهم من خيالات لا وجود لها في الواقع؛ ذلك أن مبنى السينما على الإثارة التي يحبها الجمهور، والإثارة غالباً ما تكون فيما يتعارض مع الدين والأخلاق كالعنف والجنس، فالمعادلة: أنه لا سينما مؤثرة بلا إثارة، ولا إثارة إلا في المحرمات، يقول المخرج الألماني الغربي فولكر شليندروف: «يحرك الجمهور دافعان: الجنس والعنف، أصبحنا جميعا بهذا المعنى كمتعاطي المخدرات نتحرك عندما يحركوننا، عندما يجذبوننا أو يبعدوننا، ولا يوجد لدينا انسجام مع ذواتنا» (1) أما العنف: فالسينمائيون يرون أن برامج العنف أكثر رخصاً وسهولة في إشعال اهتمام المشاهد، فتزيد عدد المشاهدين، وترفع تقييم البرامج، وقبل ذلك تزيد في إيرادات الإعلانات الدعائية، ويبرر أحد كبار رجال صناعة التلفزيون في أمريكا في شهادة أدلى بها أمام لجنة تحقيق خاصة بمجلس الشيوخ الأمريكي قبل سنوات قليلة، أن زيادة برامج العنف والجريمة هي من الضرورات الفنية (التكنولوجية) التي تتطلبها طبيعة المنافسة المشروعة. . ويقول الناقد السينمائي المصري محمود قاسم: «إن السينما صورة من الواقع وربما تسبقه أحياناً، فلو نظرنا إلى الجرائم البشعة التي تحدث اليوم، وقرأنا صفحات الحوادث سنجدها مليئة بالعنف والدموية، والسينما من جانبها تجسّد تلك الحوادث أو الجرائم بتفاصيلها وأبعادها كافة، والخطورة تكمن في تجسيد السينما للعنف بصورة نافرة أكثر من الواقع ... انعكست السينما الأميركية في أعمالنا، وأثّرت في مخرجين مصريين كثيرين، فانتشرت لغة العنف منذ بداية الثمانينات من القرن الماضي، تحديداً مع أفلام الحركة والمطاردات» (2) ويلفت الناقد السينمائي المصري كمال رمزي إلى أن ظاهرة العنف في السينما لها أوجه وأبعاد مختلفة، موضحاً أن بعض علماء النفس والاجتماع قال: «إن تجسيد لذة العنف والقتل على الشاشة يعزز الرغبة في تنفيذ مشاهد العنف لدى بعض المهيئين لذلك السلوك» (3).
_________
(1) انظر: الفن السينمائي وصراع الأفكار، ص 22
(2) جريدة الجريدة الكويتية، عدد 508، 12/ 1/2009م.
(3) المصدر السابق.(3/75)
وأما الجنس: فلا يكاد يخلو فيلم أجنبي أو عربي من الإثارة به، حتى جعلوا من الضرورات السينمائية لنجاح الفيلم إلزام الممثلات ببعض حركات الإغراء الجسدي لجذب المشاهدين، وكلام الفنانات في ذلك كثير، تقول الفنانة التائبة هالة الصافي: «أقر وأعترف بأن الحياة التي يسمونها حياة الفن خالية من الفن، وأعترف أنني عشت هذه الحياة .. » (1) وتقول الفنانة التائبة هناء ثروت: «وجدت أن الأدوار التي تصل بي إلى النجومية بعيدة كل البعد عن الأخلاقيات التي تربيت ونشأت عليها وأومن بها، فكان علي إما أن أقدم أدوار الإغراء أو أرفض هذه البذاءات تماماً حتى لو كان فيها الأمجاد التي يصورها البعض ... إنني لم أجد الفن الذي كنت أحلم به ولكنني وجدت أشياء أخرى نستطيع أن نطلق عليها أي شيء ما عدا أن نسميه فناً ... والأفلام التي تعرض الآن والتي تحقق النجومية تقدم أعمالاً مبتذلة فأنا أصاب بالغثيان والقرف والاشمئزاز عندما أشاهد مشهداً من هذه الأفلام .. » (2) وتاب زوجها محمد العربي أيضا من الفن وقال: «لن نعود إلى عالم الفن مرة أخرى إلا إذا أصبح هناك فن بالمعنى الحقيقي، وأعتقد أن هذا لن يكون» (3) وقالت إحدى الممثلات التائبات: «كل فنانة تدعي أن الفن رسالة سامية فأنا أقول أين السمو؟ هل يكون بين الإثارة والعراء؟» (4) وتقول الفنانة التائبة شهيرة: «اعتزلت التمثيل لرغبتي في البعد عن الأضواء والشهرة، وأن التقي بالله سبحانه وتعالى بدون دنيا زائفة .. كما أن الرائج الآن في سوق الفن هو اللعب على غرائز المتفرج .. العنف .. الأعمال البلهاء الكوميديا الرخيصة .. وللأسف هذا هو الذي يحظى بالرواج». (5) وتقول الفنانة الإماراتية التائبة نورية سليمان: «وأما ما يخص الوسط الفني فهو لما رأيته من ضياع القيم الأخلاقية مما كان له أثر سلبي عنيف على مفاهيمي وقناعاتي، هذا ما دفعني لرفض الاستمرار في هذا الوسط» (6) بل إن إحدى عجائز الوسط الفني وهي ممن ينتقد اعتزال الممثلات سئلت عن مشاهد الإغراء فقالت: «ما أقصده بالفن ليس هو ما يحدث الآن داخل الاستديوهات، ويطلقون عليه فناً، إنك تستطيع أن تصفه بأي شيء عدا أن تسميه فناً أو تسمي من يقوم به فناناً» (7) فهاهم أولاء أصحاب السينما وصانعوها وأساطينها يعترفون بما في الوسط السينمائي من القذارة، ويثبتون أن الإثارة هي العماد الذي تقوم عليه السينما، وينفون وجود فن نظيف، وبعضهم يجزم بأنه لا يمكن أن يتحقق؛ ولذلك تركوا الفن ..
_________
(1) انظر: فنانات تائبات ونجمات الإثارة، عماد ناصف، وأمل خضير، ط: الثامنة، الناشر: المؤلفان. ص33
(2) المصدر السابق، ص66 - 68
(3) المصدر السابق، ص72
(4) المصدر السابق، ص135.
(5) مجلة الإصلاح عدد 206.
(6) مجلة الإصلاح عدد 245.
(7) فنانات تائبات ونجمات الإثارة، ص183.(3/76)
إن هؤلاء لم يعارضوا الفن لأجل التصوير ولا التمثيل ولا شيء آخر سوى المضمون القذر الذي لا بد منه حتى تنجح الأفلام والسينما، بل إن العجوز التي انتقدت توبة الفنانات اعترفت بأن ما هو موجود داخل الاستديوهات لا يسمى فناً لقذارته. حتى إن كاتباً في مجلة روز اليوسف عرض في دراسة له كثيراً من المشاهد الجنسية في السينما المصرية وهو مؤيد لها ثم ختم دراسته بقوله: «الجنس فى الدراما السينمائية هو ترمومتر لقياس التطرف في المجتمع المصري، ومدى تسامحه وليبراليته، وليس ذلك دعوة لتقديم الجنس لمجرد الجنس، ولكن تعبيد كل المطبات الاجتماعية والمحاذير الرقابية المكبلة للإبداع» (1) وأما الضوابط والشروط التي تسوغ بها المحرمات فهي أضحوكة هذا الزمن، وأعجوبة يلهي بها المفسدون أهل الغفلة من الناس، وقد رأينا كيف أن الدساتير التي قامت عليها الدول تخرق، فضلا عن مجرد ضوابط وشروط تشترط فيما هو مستنقع للرذائل، ومجمع للمحرمات، فمن يشترطها؟ ومن يراقب تنفيذها؟ وما يعرض في الصحافة عندنا وفي التلفزة الرسمية ينتهك الدستور الإعلامي الذي أقرته الدولة إبان ظهور وسائل الإعلام، بل صارت أجهزت الإعلام تطعن في المنهج الذي قامت عليه الدولة، واجتمعت بسببه!! فكيف بمجرد ضوابط لن تكون حرمتها ومهابتها حرمة الدستور ومهابته.
وفي عام 1947 م صدر قانون للسينما في مصر ينص على: «مراعاة احترام الأديان وعدم التعرض للعقائد .. .ولا يسمح بمناظر الحركات المخلة بالآداب بما فيها الرقص الخليع المغري (2).
ثم ماذا كان في السينما المصرية بعد صدور هذا القانون خلال ستين سنة غير ما نص على منعه من الإزراء بالإسلام وأهله، والسخرية بأحكام الدين ولغته وعلمائه ودعاته، وأما الحركات المخلة بالآداب بما فيها الرقص الخليع والإغراء الفاتن فلا يكاد يخلو منها فيلم، فالقوانين لا تطبق، والدساتير يخرقها أهل الفساد والانحلال، فكيف بمجرد ضوابط وشروط هي لذر الرماد في العيون؟!
ونحن نرى ماذا يعرض ملاك القنوات الفضائية من أبناء بلادنا في فضائياتهم من التهتك والعري، واستعراض أجساد النساء، مما يعيرنا به كثير من العرب والمسلمين من خارج بلادنا، بل يتندر به بعض الأجانب الغربيين علينا؛ لإثبات تناقضنا وازدواجيتنا، فكيف إذا سنحت الفرصة لهؤلاء المفسدين، وسمح لهم بصب ما فضائياتهم من الفساد على أرضنا في قاعات السينما، ثم في استديوهات صناعتها، ومعاهد تدريسها؟!
_________
(1) التطور الطبيعى للمشاهد الساخنة، أحمد باشا، روز اليوسف المصرية في 5 يناير 2008.
(2) ينظر: الهوية القومية في السينما العربية ص32.(3/77)
ودعاة السينما في مصر يعترفون بعد مضي قرن على بدايتها أن قضايا مصر الحيوية لم تأخذ حظها من السينما، وأنها كانت سينما عابثة، وأعظم ما أزعجهم توبة عشرات الممثلات من عفن السينما والتمثيل، والتزامهن بالحجاب (1).
وهذه نصيحة تقدمها من سلكت هذا الطريق المظلم سنوات طويلة حتى صارت نجمة سينمائية مشهورة ثم تابت منه، وهي الممثلة المصرية نورا فتقول: «فن هذه الأيام فن مبتذل فيه إسفاف ولن يكون رسالة سامية مطلقاً فهو بعيد كل البعد عن الإسلام ... إني أنصح كل فتاة تتخذ من هؤلاء الفنانيين قدوة لها، أو تفكر في الزج بنفسها في وسط تلك الأجواء العفنة أن تقف طويلا وتمعن النظر في أحوالهم، وأقوال التائبين منهم، وأن لا تغتر بما هم فيه من المظاهر الجوفاء، وبريق الشهرة الخادع، فما هو إلا كظل زائل أو سراب كاذب سرعان ما يزول فتكشف الحقيقة» (2).
فهل نبدأ من حيث بدأ الآخرون، وقد سلكوا طريقا مظلما خلال قرن لم ينبت لهم إلا علقماً وحنظلا، فهجره كثير من بناتهم لما ذقن حلاوة التوبة، وعلمن أنهن كن لعباً في أيدي اليهود والنصارى ووكلائهم، ولماذا يُسمح في بلادنا المباركة لأقلية مفسدة أن تفرض فكرها المنحرف على جمهور الناس؟ فأين عقلاء قومي أين؟!
[رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الغَافِرِينَ] {الأعراف:155}
_________
(1) جاء ذلك في العدد الذي خصصته مجلة روز اليوسف المصرية في 5 يناير 2008 عن السينما المصرية في عيدها المئوي، ومن المضحك أن كثيرا من الكتاب العلمانيين في مصر من ليبراليين وقوميين واشتراكيين شنوا حملة شعواء على توبة الممثلات، وتنادوا بإزالة الخطر الداهم على السينما المصرية، وزعموا أن توبة الفنانات اشتريت منهن بأموال تصل إلى الملايين يدفعها لهن تجار من الخليج ليعتزلن الفن، ويلتزمن بالحجاب، وجوبهت إحداهن بهذا الكلام على إحدى الفضائيات فبكت من عظم الفرية، وقالت باللهجة المصرية: هم بيدفعوا للي بيخلع مش للي بيلبس، وقد أوجزت وأصابت؛ فالناظر لشبكات التلفزة التي يملكها تجار الخليج يعلم حقيقة قول هذه الممثلة التائبة، تقول الممثلة شمس البارودي -وهي من أوائل من تابوا من السينما وأهلها-: «أفلامي التي تبرأت منها وأعتبرها ذنباً سأظل طيلة عمري أبكي ندماً عليه وعلى اقترافه ... بدءوا يعرضون هذه الأفلام بكثرة ملحوظة لدرجة أنه بعد حجابي واعتزالي الفن بشهور كانت جميع دور العرض في مصر، بل وفي البلاد العربية أيضاً تعرض الأفلام التي تبرأت منها تبرؤ الإنسان الطاهر من الرذيلة .... حاول عشرات المنتجين أن يعيدوني إلى التمثيل .. أعطاني بعضهم شيكات على بياض، وعرض علي بعضهم أرقاما خيالية ما كنت أحلم بها، بل إن ناقداً فنياً كبيراً قد اتهمني بأنني دفنت نفسي ودفنت جمالي وأنوثتي ودلالي وشهرتي وضحك علي أصحاب الذقون!! ولكني أقول لهم ولغيرهم أبداً لن أعود إلى الفن .. لن أعود إلى الشيطان الذي سرق مني كل شيء» أهـ فنانات تائبات ونجمات الإثارة، ص57.
والعجيب في الأمر أن أبالسة الإفساد والسينما في مصر أقنعوا بعض مشايخ الضلالة بأن يعظوا التائبات ويقنعوهن بالعودة للسينما باعتبارها باباً من أبواب الدعوة والجهاد وتثقيف المجتمع، كما انتزعوا منهم فتاوى بأن السينما والتمثيل فيها لا يتعارض مع الشرع وجعلوها حاجزاً للممثلات الباقيات في السينما تحجزهن عن التوبة من هذا الإثم المبين، وبهذه الفتاوى المضلة عاد بعض من اعتزلن الفن والسينما إليها مرة أخرى، وأذكر أن إحداهن سئلت عن التوبة من الفن والسينما في إحدى المجلات المصرية، فقالت: أتوب من ماذا؟ الفن عبادة أتعبد بها لله تعالى!! ويحمل إثم هؤلاء النسوة من أضلهن من مشايخ الهوى والضلالة، نسأل الله تعالى العصمة والهداية لنا وللمسلمين [فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ] {البقرة:79}
(2) أسرار في حياة التائبات، عبد المطلب حمد عثمان، دار طويق للنشر والتوزيع، الرياض، ط: الثانية، ص112.(3/78)
مفهوم الشرعية الدولية وموقف الإسلام منه
عبد العزيز الجليل
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإن من أخطر ما يعانيه المسلمون اليوم ما يقوم به أعداؤهم من الكافرين والمنافقين من التلبيس والتضليل حتى أصبح ذلك سمة من السمات البارزة في واقعنا المعاصر.
وقد بلغت خطورة هذا الأمر أن انخدع به بعض المنتسبين للعلم فضلاً عن العامة والدهماء، وذلك بما يقوم به الملبسون الماكرون من تلاعب بالمصطلحات وقلب للحقائق وعرضها في قوالب مزخرفة وطرحها في وسائل الإعلام المختلفة بكثافة وتكرار حتى ألفتها الأسماع وصار يرددها كثير من أبناء المسلمين عن خبث من بعضهم أحياناً وعن جهل وتغفيل من البعض الآخر.
ومما زاد الأمر خطورة غفلة كثير من أهل العلم عن التصدي لهذه التلبيسات التي يمس كثير منها صلب العقيدة وأركان التوحيد وهوية الأمة وأخلاقها وإن لم يقم أهل العلم بواجبهم في رفع هذا التلبيس وبيان سبيل المجرمين تكن فتنة في الأرض وفساد كبير.
ومن المصطلحات الكفرية الخطيرة والتي تعمل أجهزة الإعلام الدولية ويتبعها على ذلك كثير من إعلام البلدان الإسلامية ممن لا خلاق لهم والتي يجب على أهل العلم فضحها وتعريتها وتبيين خطرها على العقيدة مصطلح (الشرعية الدولية) حيث يطرح اليوم بكثافة وينادى بترسيخ هذا المصطلح الوثني في أذهان الناس وذلك بمناداتهم، تارة (باحترام الشرعية الدولية) وتارة (بتحريم الخروج على الشرعية الدولية) ومرة ثالثة (بالالتزام بقرارات الشرعية الدولية).
فماذا يعني هذا المصطلح الطاغوتي؟:
إن (الشرعية الدولية) ترمي إلى الاحتكام والالتزام بشرع وضعي وضعته الدول الكبرى الكافرة يحكم علاقات الدول في هذا العالم وفقاً لتشريعاتهم ومعاييرهم وأعرافهم ومصالحهم، وهذا الشرع الوضعي هو تلك القوانين التي وضعتها الدول الكافرة التي أسست منظمة الأمم المتحدة بعد انتصارها في الحرب العالمية الثانية - أمريكا وبريطانيا وروسيا - وانضم إليهم بعد ذلك فرنسا والصين وصاغت قوانينها لمصالحها ومصالح حلفائها في تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ فوضعت ما سمته بميثاق الأمم المتحدة لتكون له المرجعية الأولى في كل قضية من قضايا العالم حيث تستمد (الشرعية الدولية) منه الأحكام والقرارات وتستند إليه في الخلافات والنزاعات والإجراءات. وأصبح العدو يستخدم هذا المصطلح في تمرير أي شيء يريده على دول العالم ولاسيما دول المنطقة الإسلامية، فتحتل بلدان المسلمين وتغزوها باسم (الشرعية الدولية)،وتؤيد هذا التيار أو ذاك باسم (الشرعية الدولية) وتحارب الدعاة والمجاهدين باسم (الشرعية الدولية) ومن خرج عن ذلك فهو خارج عن الشرعية الدولية!!
ومن أكبر الأمثلة على ذلك تكريس الاحتلال اليهودي في فلسطين باسم الشرعية الدولية، ومحاصرة العراق وغزة حتى مات ما يقارب المليون طفل باسم الشرعية الدولية، ومن آخرها مذكرة المحكمة الدولية باعتقال الرئيس السوداني ومحاكمته بوصفه مجرم حرب، أما الذين أحرقوا غزة والعراق فدعاة سلام وديمقراطية.
الحكم على هذا المصطلح الطاغوتي في ضوء العقيدة الإسلامية:
إن الحكم على الشيء فرع عن تصوره. ولذا قبل أن نبين حكم الله عز وجل في هذا المصطلح يجب أن نتعرف على أهم ما يقوم عليه وهو ما أشير إليه سابقاً في أنه يستند إلى ميثاق هيئة الأمم المتحدة وقوانينها التي أذعنت لها كل دول العالم بما في ذلك دول المنطقة الإسلامية.
فما هي أهم بنود هذا الميثاق الذي يتحاكم إليه دول العالم ويسمى بالشرعية الدولية؟:(3/79)
إن ميثاق الأمم المتحدة طاغوت وقانون ليس كأي قانون وضعي عادي وليس هو مجرد وثيقة تأسيسية لمنظمة الأمم المتحدة، فقد جعله واضعوه أكبر من ذلك بكثير، إن خبراء القانون الدولي وفقهاؤه يعلنون بوضوح وصراحة، أن الميثاق هو أعلى مراتب المعاهدات الدولية، وأعظم قواعد القانون الدولي مكانة! ولذلك نصت المادة (103) من هذا الميثاق نفسه على أنه: (إذا تعارضت الالتزامات التي يرتبط بها أعضاء الأمم المتحدة وفقاً لأحكام هذا الميثاق مع أي التزام دولي يرتبطون به، فالعبرة بالتزاماتهم المترتبة على هذا الميثاق).
ومعنى ذلك، أنه لا يجوز لأي دولة ملتزمة بهذا الميثاق أن تبرم أي اتفاق دولي أو تختار وتلتزم بشرع بينها وبين دولة أخرى تتعارض أحكامه مع القواعد والأحكام الواردة في ميثاق الأمم المتحدة، ولو كان شرع الله العزيز الجبار! ومعلوم أنه لا يمكن لأي دولة الانتساب لعضوية الأمم المتحدة حتى تعلن التزامها واحترامها لهذا الميثاق وتسلم له تسليماً
إذ إن إجراءات الانضمام للأمم المتحدة تتلخص في أن تقدم الدولة التي ترغب في الانضمام للأمم المتحدة طلباً بذلك إلى الأمين العام للمنظمة الدولية ويكون ذلك الطلب مصحوباً بإعلان قبول الالتزام بميثاق الأمم المتحدة. وكذلك الأمر بالنسبة للفصل من الأمم المتحدة، فإن "المادة السادسة" من الميثاق تنص على أنه يجوز للجمعية العامة أن تفصل عضواً من الأعضاء إذا أمعن في انتهاك مبادئ الميثاق. هذا البند قد يطبق على أي أحد إلا الدول الكبرى التي وضعت الأمم المتحدة لرعاية مصالحها أصلاً، ولذلك تتمتع بحق الفيتو الذي يضمن لها ذلك، وعلى رأسها أمريكا التي ترعى مصالح دولة اليهود من خلاله، بل إن الميثاق وأممه المتحدة قد أمست شرطياً يحرس مصالح هاتين الدولتين على كل صعيد، ولا يجادل في هذا حتى العميان.
وعلى كل حال، فهيئة الأمم المتحدة منظمة خاضعة للنفوذ اليهودي الصليبي منذ تأسيسها، ومن يراجع أقسامها وإداراتها وأسماء القائمين عليها يعرف هذا معرفة اليقين (1). وهي التي أشرفت على تقسيم فلسطين عام 1947 وطعن هذه المنظمة وطعن إداراتها ومنظماتها المختلفة في دين الإسلام وشرائع القرآن بيِّن واضح مكشوف، واسمها (الأمم المتحدة) من أعظم الأدلة على اتحاد وتناصر وتعاضد وتعاون الدول المشتركة فيها.
والذين ينادون بالشرعية الدولية والالتزام بها واحترامها وتنفيذ قراراتها يتعامون عن هذه الحقائق الدامغة. ويبين الدكتور العلياني في كتابه (أهمية الجهاد) هذا الأمر بياناً واضحاً حيث يذكر بعض بنود ميثاق هيئة الأمم الذي تستند إليه الشرعية الدولية نختار هنا بعضها .. يقول حفظه الله تعالى: (جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: (أن غاية ما يرنو إليه عامة البشر انبثاق عالم يتمتع فيه الفرد بحرية القول والعقيدة ........... ). إن هذه العبارة اعتراف وإقرار بحرية الإلحاد وعدم مجاهدة المرتدين وعدم إفزاع الكفار ونعوذ بالله من حقوق هذه نتائجها.
• وجاء في المادة الثانية (إن لكل إنسان التمتع بكافة الحقوق والحريات دون تمييز كالتمييز بسبب الدين .... )
قلت: إن الله لم يجعل المؤمن كالكافر في كل شيء بل للمؤمن معاملة وللكافر معاملة ومن راجع أحكام أهل الذمة في الإسلام عرف الفرق بين حقوق المسلم وحقوق الكافر ولكن أين المتدبرون لكلام الله وكلام رسوله.
• وجاء في المادة الثامنة (لكل شخص أن يلجأ إلى المحاكم الوطنية ... إلخ)
_________
(1) انظر للتعرف على هذه الأسماء كتاب (أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية) للدكتور علي العلياني.(3/80)
قلت: لا يجوز للمسلم اللجوء إلى المحاكم التي لا تحكم بالكتاب والسنة، قال الله تعالى: (إِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) [النساء: 59].
• وجاء في المادة الثامنة عشرة (أن لكل فرد أن يغير عقيدته).
• وجاء في المادة الحادية والعشرين (إن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة).
قلت إن اختيار أهل الحل والعقد - من العلماء والأمراء ورؤوس الأجناد المتمسكين بالكتاب والسنة - هو الذي يبنى عليه تعيين الخليفة لا قول دهماء الناس وعجائزهم والحكومة مقيدة بشرع الله ولا يجوز لها الحكم بالهوى أو بالجهل. فلا يتلقى المسلم التشريع إلا من الله.
• جاء في المادة السابعة والعشرين (لا يصح بحال أن تمارس هذه الحقوق ممارسة تتناقض مع أغراض الأمم المتحدة).
قلت: بل يجب مخالفة أكثر أغراض الأمم المتحدة لأن مخالفة أصحاب الجحيم هو اقتضاء الصراط المستقيم وبهذا يظهر أن الخضوع لأنظمة هيئة الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان مثل الخضوع للقانون الروماني أو الخضوع للياسق الذي يتحاكم إليه التتار فهي طاغوت يشرع للبشر من عند نفسه نسأل الله أن يرد المسلمين إلى دينهم الحق ويهدي الأمم المتحدة إلى الإسلام.
• وجاء في مقاصد هيئة الأمم المتحدة ومبادئها مايلي:
1 - حفظ السلم والأمن الدولي وتحقيقاً لهذه الغاية تتخذ الهيئة التدابير المشتركة الفعالة لمنع الأسباب التي تهدد السلم لإزالتها ولقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم وتتذرع بالوسائل السلمية وفقاً لمبادئ العدل والقانون الدولي لحل المنازعات الدولية التي قد تؤدي إلى الإخلال بالسلم أو لتسويتها.
2 - إنماء العلاقات الودية بين الأمم على أساس احترام المبدأ الذي يقضي بالتسوية في الحقوق بين الشعوب وبأن يكون لكل منها تقرير مصيرها وكذلك اتخاذ التدابير الملائمة لتعزيز السلم العام.
3 - تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.
4 - جعل هذه الهيئة مرجعاً لتنسيق أعمال الأمم وتوجيهها نحو إدراك هذه الغايات المشتركة.
أما المؤامرة الرهيبة التي تمارس في هيئة الأمم ضد حكم الجهاد فيدل على ذلك ما شرعته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة إذ جاء في تشريعاتها الطاغوتية ما يلي:
• في المادة الأولى أوجبوا على كل دولة مراعاة أحكام القانون الدولي. وهذا غير جائز فإن الواجب على الدولة المسلمة أن تراعي أحكام القرآن لا أحكام القوانين الموضوعة من البشر.
• وفي المادة الثانية: أوجبوا على الدول تسوية النزاع سلمياً مع مراعاة أحكام القانون وهذا إيجاب ما لم يوجب الله بل الدولة المسلمة تخير الدولة الكافرة بين خصال ثلاث أما الإسلام أو الجزية مع الصغار أو القتال إلا في حال ضعفها فلها أن تهادنها هدنة مؤقتة كما في صلح الحديبية.
• وفي المادة الخامسة أوجبوا على الدول عدم الاعتراف بأي زيادة إقليمية تؤخذ عن طرق الحرب وهذا غير جائز في الإسلام بل ما فتحه المسلمون عن طريق الجهاد فهو ملك من أملاكهم.
• وفي المادة الثامنة أوجبوا على الدول معاملة الأشخاص الخاضعين لحكمهم على مقتضى حقوق الإنسان التي أعلنتها الأمم المتحدة ومنها حرية الإلحاد ومساواة المسلم بالكافر وهذا لا يجوز في الإسلام.(3/81)
• وفي المادة التاسعة أوجبوا على الدول الخضوع لكل المعاهدات الدولية وكل ما كان من القانون الدولي العام ولا يحل للمسلم الخضوع إلا لأحكام القرآن والمعاهدات لها أحكام في الشرع الإسلامي تخالف ما يوجد في القانون الدولي فلا يحل للمسلمين أن يستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير.
• وفي المادة العاشرة أوجبوا على الدول عدم اللجوء للحرب مطلقاً إلا في حال الدفاع إذا اعتدت قوة مسلحة على أراضيها. وهذا إسقاط لأحد أنواع الجهاد وهو جهاد الابتداء والطلب.
وبهذا يظهر أن ما شرعته لجنة القانون الدولي التابعة للأمم المتحدة مناقض لحكم الجهاد في الإسلام. سلك الله بنا سبيل الهدى والرشاد. ورد الأمة الإسلامية إلى مصدر عزها ورفعتها كتاب رب العالمين وسنة الهادي الأمين صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه أجمعين.) (1).
الحكم الشرعي في هذه المواثيق والقوانين الدولية:
وبعد الوقوف على أهم بنود الشرعية الدولية المنبثقة من قوانين هيئة الأمم المتحدة نصل إلى معرفة حكم الله فيها: يقول الله عز وجل: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 256: [ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) [النحل:36] , في هاتين الآيتين يبين الله عز وجل أن التوحيد والعبودية الحقة لله عز وجل لا تصح إلا بالكفر بالطاغوت واجتنابه وعبادة الله عز وجل وحده.
بل قد قدم الكفر بالطاغوت على الأمر بالإيمان بالله عز وجل لأن الإيمان بالله لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. يقول الشيخ الدوسري رحمه الله تعالى عند آية الكرسي: (فالطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، يقال (طغى الماء) إذا ارتفع مده عن قامة الإنسان بحيث يغرقه، فكل من تجاوز حده الذي حده الله له من وجوب عبادته سبحانه والوقوف عند حدوده بالتزام شريعته، فتجاوز ذلك وسعى في أن يكون معبودا لا عابدا بأي نوع من أنواع المكر والاحتيال أو القهر والإرهاب أو التشريع في التحليل والتحريم والتقنين، فهو طاغوت يجب الكفر به ببغضه وعداوته والابتعاد عنه وبغض أحبابه وأعوانه، ولا يصح الإيمان بالله قطعا إلا بالكفر بالطاغوت
وكل من يدعوا إلى مبدأ قومي يلتقي المسلم فيه مع الطوائف الضالة أو إلى مذهب مادي من المذاهب اليهودية فهو من الطواغيت الذين يجب الكفر بهم وبغضهم وعداوتهم والابتعاد عن همزاتهم، فمن حقق الكفر بالطاغوت بجميع أنواعه، وحقق الإيمان بالله بحصر المحبة له ومن أجله وفي سبيله، وبغض كل ما يبغضه الله من أي شخص أو عمل (فقد استمسك بالعروة الوثقى) (2) أ. هـ
_________
(1) أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية ص (445 - 459) باختصار وتصرف يسير.
(2) صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير آية الكرسي.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/82)
وهل اتباع طاغوت الشرعية الدولية وطاعة قوانينه إلا إيماناً به وقد أمرنا أن نكفر به، قال الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيداً) [النساء:60]. يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (هذه الآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواها من الباطل وهو المراد بالطاغوت هاهنا) اهـ. ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه) اهـ. ويقول الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان:) وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت) اهـ من تفسير سورة الشورى.
إن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله عز وجل هما ركنا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهو دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم على الصلاة والسلام الذي أمرنا الله عز وجل باتباعها وذلك في قوله سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4].
وبعد: فإنه والله لزمن غربة هذا الزمان الذي تغيب فيه هذه الأصول على وضوحها. لقد آن الأوان أن يترك العلماء عزلتهم التي يعيشون فيها عن واقع الأمة وما يحاك لها من التلبيس حيث أراد أعداؤها من الكفار والمنافقين أن يغيبوا أهل العلم ويقصوهم عن بيان هذه المحكمات وغيرها من القضايا والنوازل التي تنتظر الأمة قول أهل العلم فيها. فهل يعي أهل العلم دورهم والأمانة الثقيلة الملقاة على كواهلهم؟ (وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 178].
نسأل الله عز وجل أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يبصرنا سبيل المؤمنين ويرزقنا اتباعه وسبيل المجرمين ويلهمنا اجتنباه والحمد لله رب العالمين.(3/83)
القراءة التي تصنع التخلف
يوسف بن سعيد آل عمر
هل تصنعُ القراءة التخلُّف؟ وهل حرفة العلماء تورث الجهل؟ وهل غُنْيَةُ النُّبلاء تجلب الوهم؟ كيف وقد كانت القراءة أوَّل خطابٍ تكليفيٍّ شرعيٍّ في دين الإسلام، مُذ رُتِّلتِ الآيات على رأس جبل في الحجاز يُطلُّ على البشريَّة كلها من تحته؟ أيُمكن تصوُّر البرودة من النَّار، أو التماس الحموضة في الأَقَاحِ؟ .... كلُّ ذلك غير مُمكن في عقل العقلاء وعُرْف العارفين.
غير أنَّه في واقع اليوم مُشاهَدٌ محسوسٌ عند بعض المتثقِّفة من الشباب، وهذا والله، إنَّه لداء ما له دواء، إلاَّ الضَّرب بمُجَلَّدَين من "سير أعلام النُّبلاء" مرتين يوميًّا، وعند اللُّزوم.
في حانةٍ كـ "نساء على خط الاستواء"، وجنونٍ كما في "العصفورية" - تنبعث أَنْتَانُ الكَتَبَة إلى العقل والذَّوق، فيُورث بَرَصًا وجُذَامًا - أجارنا الله وإياك - وقد قال الهادي: ((فِرَّ من المجذوم فِرَارَك من الأسد))؛ صلَّى الله عليه وسلم.
والتخلُّف حين يستشري في عقليَّة المرء، فإنَّه لا يدعه إلاَّ مُثلة يتندَّر بها الظُّرفاء، وأضحوكة تلوكُها الألسنة، خُصُوصًا إذا كان سَنَدُك عن عبدالله ثابتًا، في جامعه الضَّعيف: "الإرهابي عشرين"، أو كان في مجالس إملائك عن "أبي عبدالله تركي الدَّخيل"، وحين أقول ما أقول، فإني ألفِتُ نظرك إلى قحَة وَوَقَاحَة أَزْكَمَ بها هؤلاء أنوفَنا؛ إذ يُحدثنا بعضُ مَن لا يُسمَّى عن قِصَّة أخته لما حاضت، وعمَّن يُحذرنا من خطر "الصَّحوة" المتمثل في إلجائنا إلى تعاطي المُخدرات وتناول الحشيشة.
من الناس مَن إذا قرأ للسَّلف، قرأ "للحلاَّج"، ونظر في آثار أرسطو، وإن كان ذا اطلاع، فلا يَعْدو أن تراه ممسكًا بيده بكتاب: "ألف ليلة وليلة".
فإذا قرأ للخَلَفِ، رأيته متقلبًا بين صفحات "الكراديب"، ومُتَرنِّحًا في "الشميسي"، فاسقًا في "فسوق"، لا يعرفُ من الدُّور إلاَّ "المتردية"، و"النَّطيحة"، و"ما أكل السبُع"، وكم رأيتُ في معرض الكتاب من مُتعجرف جَهُول! فتسمع سائلاً يسألُ عن "العدامة"، وترى جاهلاً يسألُ عن "ريح الجنة"، حتَّى كأنِّي بأحد مَن هو موجود يسمع طَلَبَه عند البائع، فيقول: "ريح الجنة ليس في دار الساقي، ولكنَّها في الميادين يا صاح ... ".
وهكذا، ترى السطحيَّة والتخلُّف بادِيَيْن على أولئك المخدوعين، مِمَّن صرف وقته فيما لا ينتفع به الذَّكي، وينبهر بانبهاره - كالفراشة - الغبي.
ومن نَظَر في هذه النِّتاج الضحل من الورق والأحبار، يعلم أنَّ لهذه التفاهات سوقًا رائجة، وتِجارة رابحة، وهذا ما يُنادي علينا بالجهل من مكان بعيد؛ لأنَّ هذا المعروض في الرُّفوف لا بُدَّ أنَّ له مشتريًا، وهذا ما ينذرنا بطامة كُبرى تعيش في عقول مَن نعرفهم من حولنا.
ودائمًا ما يدعو الدُّعاة والمفكرون إلى القراءة والاطِّلاع على الكُتُب؛ كي يُرفع الجهل وتزكو النَّفس، ونعود لأمجادنا التي ننشدها، فإذا نَحن بطامة هذا النَّوع من الكُتاب، كأنَّ في ذلك قطعًا لطريق عودتنا لما نصبو إليه بتوفير الغَثِّ والمهين، وحجب الرَّائق الثَّمين، تمامًا كما حدث في معرض الكتاب الذي مضى.
والعجبُ كل العجب من إدارة ذلك المعرض، كيف أنَّها تَدَّعي الحرية في عرض كل ما يناهض ثقافتنا، وتَدَّعي الانفتاح والثِّقة في النَّفس، غير أنَّها تحجب وتمنع كتبًا مما لا يروق لها.
وإنَّ القارئ الذي يقرأ مثل هذه النِّتاجات الفاسدة، لا بُدَّ له من حذر على ذوقه، وصونٍ لفكره، فلا يسهب في قراءة مثل هذه الكتب، إن لم يكن بحاجة لها مِمَّن يهتمون بهذا المجال والرَّدِّ عليه وكشفه، أو الاطلاع عما يدور حوله مما لا بُدَّ له من معرفة نُبذة عنه، فإنَّ ذوق الإنسان وفكره أكرمُ عليه من مراهقات أولئك النَّفر، فأحدهم نَسِيَ كتابة مراهقته ونزواته على الجدران، فعَمِدَ إلى بيروت ولندن، فكتبها في كُتُب ذات ورق جذَّاب، وحُلَّة قشيبة، وقال: "هاؤم اقرؤوا كتابيه".
ولكن:
وَمَا مِنْ كَاتِبٍ إِلاَّ سَيَفْنَى وَيَبْقَى الدَّهْرَ مَا كَتَبَتْ يَدَاهُ
المصدر: موقع الألوكة(3/84)
الو حدة الإسلامية ضرورة دينية ودنيوية
د. أحمد بن سعد ين غرم الغامدي
إن طموحات الوحدة الإسلامية طموحات واقعية وهي حقوق مشروعة لها لا يجوز لأحد مصادرتها أو الوقوف في سبيل تحقيقها كائناً من كان، كما قال الله تعالى: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً). (آل عمران / 103)، وهي واجبة عليها لا يجوز لها التخلي أو التقاعس عنها مهما كانت المعوقات كما هو معلوم أن الأمر للوجوب والعبرة بعموم اللفظ هنا لا بخصوص السبب، لا سيما وهذه الوحدة الإسلامية كانت واقعاً تنعم به الشعوب الإسلامية أزمنة مديدة على تعاقب الدول التي حكمتها مع تفاوت في تطبيقاتها إلى أن جاءت معاهدة لوزان واتفاقية سايكس بيكو المشؤمتان اللتان حرمت الأمة من الدولة الواحدة والهوية الواحدة والوطن الواحد منذ ما يقارب المائة سنة.
والسؤال هنا هل الشعوب الإسلامية الآن تطمح إلى الوحدة الإسلامية أم لا؟ الواقع أنه برغم ما بذلته الدول المحتلة من قتل وتشريد ونهب، وبرغم ما بذلته المنظمات المصاحبة لها من تغريب وتفريق، وبرغم ما تبذله الحكومات العميلة للاحتلال بعد خروجه من تغييب لثقافة الوحدة الإسلامية بما تملكه من آلة هدم فكري وإعلامي عبر إحياء النعرات العرقية والطائفية والقطرية وغيرها من الوثنيات، إلا أن الشعوب الإسلامية لا تزال تعبر عن إصرارها على الوحدة الإسلامية في صور كثيرة من أخرها ما تمثل في رفض للغزو الصليبي على العراق، والصهيوني الصليبي على غزة حيث تنادت جموع الشعوب الإسلامية بالنصرة والمطالبة بالوحدة من المحيط إلى المحيط.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا من الذي حال بين الشعوب الإسلامية وتحقيق الوحدة بينها في كل النواحي؟ والجواب الصريح أن أعظم حائل بينها وبين ما تريدهما العدوان اللدودان:
الأول: أنظمة الحكم التي لا تمثلها ولا تمثل طموحاتها.
والثاني: الدول المحتلة والمهيمنة على البلاد الإسلامية. والتي تمثلت محاربتهما للوحدة الإسلامية في الآتي:
1.ما تمليه تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة من تخويف للشعوب الإسلامية من بعضها لبعض باسم الطائفية والهيمنة الأحادية والاستئثار بالمصالح وغيرها.
2.وما تبثه تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة من تشويه وتحقير للشعوب الإسلامية الأخرى.
3.ما تقوم به تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة من ضرب للحركات والأحزاب الإسلامية التي تتبنى مشروع الوحدة الإسلامية كمبدأ وهدف استراتيجي.
4.وما تخدر به تلك الأنظمة الفاسدة والدول المحتلة والمهيمنة مشاعر الشعوب الإسلامية بالعمل على إنشاء مؤسسات خداج لا روح فيها مثل: - منظمة المؤتمر الإسلامي. - ورابطة العالم الإسلامي. - وجامعة الدول العربية. - والمجالس والاتحادات المتهالكة التي أصبحت مثاراً للسخرية والضحك والعار.
إن هذه الأنظمة عامل فرقة وهدم للوحدة الإسلامية قد بان بجلاء ووضوح في هدم كل عمل جاد يوحد الأمة ويلم شملها، تجاوباً مع مصلحها في البقاء جاثمة على صدور تلك الشعوب، وتناغماً مفضوحاً مع رغبات القوى الغربية والشرقية المحتلة والمهيمنة على بلاد المسلمين الناهبة لخيراته ومقدراته، بل قد ذهب بعض تلك الأنظمة الفاسدة إلى التماهي والتمالي مع العدو الصهيوني المجمع على عداوته ضد المستضعفين في غزة، وأما الدول المهيمنة على بلاد المسلمين فلا غرابة في صنيعها جرياً على مبدأ فرق تسد.
لكن السؤال العملي المهم هو كيف المخرج من هذه الأزمة التي تقف حجر عثرة في طريق طموحات الأمة في تحقيق وحدتها؟.(3/85)
والجواب أن ذلك ممكن وليس بالمستحل مع شدة صعوبته، فهذه المهمة الشاقة قد قامت بها مع تفاوت ملموس؛ كثير من شعوب الأرض، فعلى سبيل المثال الولايات المتحدة الأمريكية ألم تكن مستعمرة وولايات متفرقة وهي الآن أكبر قوة في العالم!! ودول الإتحاد الأوربي ألم تكن دولاً متناحرة متحاربة إلى عهد قريب وهاهي الآن بيت واحد!! وهكذا في الهند والصين وغيرها وهكذا الشعوب الإسلامية وحدتها ممكنة إذا أخذت بالأسباب الصحيحة الموصلة لها ومنها الأتي:
1.الرغبة الصادقة في تحقيق الوحدة الإسلامية.
2. العزيمة القوية في تحقيق الوحدة الإسلامية.
3. حشد الطاقات العلمية والفكرية والسياسية والاقتصادية من قادة العلم والرأي في الأمة لمشروع الوحدة الإسلامية تعزز مفهوم الوحدة الإسلامية والتبشر به.
4. القيام بعمل مؤسساتي يتناسب ومهمة إعادة الوحدة الإسلامية من جديد:
-إنشاء مراكز بحث وتأصيل في كل مدينة وبلدة تؤصل مفهوم الوحدة وترد الشبه عنها وتنشر ثقافتها.
- دراسة الواقع الإسلامي والعالمي وإمكانية العمل فيه.
- تفعيل المنظمات الحكومية التي يمكن أن تكون أداة إيجابية كمنظمة المؤتمر الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي وغيرها.
- إيجاد فرص وحدوية واستثمار وقائع.
- حشد الرأي العام وتأهيله كقوة ضاغطة على الأنظمة للعمل باتجاه الوحدة الإسلامية باعتبارها ضرورة قصوى.
ولعل هذا القدر من الأسباب هو ما لا يسع المسلم تركه كمرحلة أولى، والله المستعان.
المصدر: شبكة القلم الفكرية.(3/86)
علماء الأمة الإسلامية والدور المنتظر منهم
د. أحمد بن سعد بن غرم الغامدي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإنه من المسلمات شرعاً وعقلاً أن علماء الأمة الإسلامية هم خيارها عند الله تعالى، لما عرفوا من الحق كما قال تعالى: (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). [المجادلة/11]، ولما لهم من السمع والطاعة على الأمة باعتبارهم على الراجح هم ولاة أمرها كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا) [النساء/59]، قال البغوي ـ رحمه الله ـ في تفسيره اختلفوا في: {أُولِي الأمْرِ} قال ابن عباس وجابر رضي الله عنهم: (هم الفقهاء والعلماء الذين يعلِّمون الناس معالِمَ دينهم)، وهو قول الحسن والضحاك ومجاهد، ودليله قوله تعالى: "ولو رَدُّوُه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَهُ الذين يَسْتَنْبِطٌونَهُ منهم" (النساء -83)، (ج 2 / ص 239)، وما دام الشأن كذلك فإنه يجب على العلماء ما لا يجب على غيرهم لما أخذ الله عليهم من البيان وعدم الكتمان، كما قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ). [آل عمران/187] من أجل ذلك كله كان العلماء قديماً وحديثاً محط أنظار الأمة الإسلامية، الذين يؤمل فيهم ما لا يؤمل في غيرهم من النصح للأمة ورعايتها وحمايتها وتفوقها.
ـ فمن هؤلاء العلماء؟ ـ وما درجاتهم؟ ـ وما صفاتهم؟ ـ وما هو الدور المنتظر منهم؟ ـ وكيف يمكنهم القيام به؟ هذه أسئلة مهمة للغاية الإجابة عليها بصدق وبجلاء تسهم بقوة في النهوض بالأمة الإسلامية من جديد، وإعادة دولتها ووحدتها ودورها في الحياة بعامة، كما كانت من ذي قبل.
أولاً: من العلماء؟
العلماء هم الذين تعلموا العلم وأتقنوه وعقلوه، وعملوا به وعلموه، العدول الذين استقاموا لله تعالى بالدين والمروءة الذين يخشونه ولا يخشون أحداً سواه.(3/87)
والمقصود بالعلم هنا علم الكتاب العزيز والسنة النبوية من حيث معرفة الأوامر والنواهي والحلال والحرام والكراهة والاستحباب. فكل من عقل عن الله تعالى ذلك العلم وامتثل أوامره واجتنب مساخطه، وعلم من سأله، وأفرد الله تعالى بالخوف منه على وجه التعظيم له فهو العالم حقاً. وفي تفسير ابن كثير - رحمه الله ـ (ج 6 / ص 545)، قال الحسن البصري: العالم مَن خشي الرحمن بالغيب، ورغب فيما رغب الله فيه، وزهد فيما سَخط الله فيه، ثم تلا الحسن: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ). [فاطر/28].وعن ابن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال: ليس العلم عن كثرة الحديث، ولكن العلم عن كثرة الخشية. وقال أحمد بن صالح المصري، عن ابن وهب، عن مالك قال: إن العلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم نور يجعله الله في القلب. قال أحمد بن صالح المصري: معناه: أن الخشية لا تدرك بكثرة الرواية، وأما العلم الذي فرض الله، عز وجل، أن يتبع فإنما هو الكتاب والسنة، وما جاء عن الصحابة، رضي الله عنهم، ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا لا يدرك إلا بالرواية ويكون تأويل قوله: "نور" يريد به فهم العلم، ومعرفة معانيه. وقال سفيان الثوري، عن أبي حيان [التميمي]، عن رجل قال: كان يقال: العلماء ثلاثة: عالم بالله عالم بأمر الله، وعالم بالله ليس بعالم بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس بعالم بالله.
فالعالم بالله وبأمر الله: الذي يخشى الله ويعلم الحدود والفرائض. والعالم بالله ليس بعالم بأمر الله: الذي يخشى الله ولا يعلم الحدود ولا الفرائض. والعالم بأمر الله ليس بعالم بالله: الذي يعلم الحدود والفرائض، ولا يخشى الله عز وجل. وفي تفسير القرطبي - (ج 14 / ص 343ـ 344)، قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله تعالى فليس بعالم. وقال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل. وعن ابن مسعود: (كفى بخشية الله تعالى علما وبالاغترار جهلاً. وقيل لسعد ابن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال أتقاهم لربه عز وجل. وعن مجاهد قال: إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل. وعن علي رضي الله عنه قال: إن الفقيه حق الفقيه من لم يقنط الناس من رحمة الله، ولم يرخص لهم في معاصي الله تعالى، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره، إنه لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا علم لا فقه فيه، ولا قراءة لا تدبر فيها).
ومن هذا كله يتلخص لنا أن شروط العالم وهي:
1. العدالة، ونعني بها استقامة الدين بالسلامة من الفسق وخوارم المروءة.
2. الضبط، ونعني به ضبط مسائل العلم وفقهها بعيداً عن الخطأ.
3. العمل بالعلم وامتثاله باطناً وظاهراً.
4. تعليمه لمن سأل عنه.
5. الخوف من الله تعالى المشوب بتعظيمه دون سواه.
وهاهنا يجب على العالم الحذر كل الحذر من ثلاثة أمور وهي:
الأول: الحذر الشديد من حمل العلم دون العمل به حتى لا يكون كالحمار يحمل كتب العلم ولا ينتفع بها كما قال الله تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). [الجمعة/5].(3/88)
والثاني: الحذر الشديد أن يكون الباعث الأصلي من تعلم العلم هو حظوظ الدنيا، ومن ذلك لصرف وجوه الناس إليه أو ليقال هو عالم، أو للمماراة به، أو ليأكل به باطلاً، كما قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ). [الأعراف/175 [وفي سنن ابن ماجه (ج 1 / ص 303) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ وَيُجَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ وَيَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ جَهَنَّمَ). وقال تعالى مؤكداً على تجنب ذلك كله: (وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). [البقرة/41، 42]، وقال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ). [المائدة/44].
والثالث: الحذر الشديد من شرك الطاعة وذلك بطلب العالم له أو لغيرهم من الحكام والكبراء الطاعة فيما حرم الله تعالى، لأن من يدعوا لذلك فقد جعل نفسه أو غيره من الكبراء والحكام طاغوتاً يعبد من دون الله تعالى، وانظر مصداق ذلك في قوله تعالى: (وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ). [الأنعام/121] وفي قوله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). [آل عمران/64] وفي حديث الطبراني في المعجم الكبير - (ج 12 / ص 7) عَنْ عَدِيِّ بن حَاتِمٍ، قَالَ: "أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:"يَا عَدِيُّ اطْرَحْ هَذَا الْوَثَنَ مِنْ عُنُقِكَ"، فَطَرَحْتُهُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ بَرَاءَةٌ، فَقَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة/31] حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا، فَقُلْتُ: إِنَّا لَسْنَا نَعْبُدُهُمْ، فَقَالَ:"أَلَيْسَ يُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ وَيُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، فَتَسْتَحِلُّونَهُ؟ "قُلْتُ: بَلَى، قَالَ:"فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ".(3/89)
ثانياً: ما هي درجات العلماء؟
العلماء درجات بقدر تبحر العالم في العلوم والقيام بها بقدر تقدمه فيها ورفعته بين العلماء بها، لأن العلم مسائل فكل من استزاد منها مسئلة استزاد في العلم درجة.
والعلماء هنا ليسوا على حد سواء فمنهم المقلون من العلم وهم صغار العلماء، ومنهم المستكثرون منه وهم كبار العلماء، ولا يحيط بالعلم أحد مهما بذل له.
ثالثاً: ما هي صفات العلماء؟
جاء في الذكر الحكيم أن للعلماء صفتان، وهما كالآتي:
الصفة الأولى: العلماء الربانيون، كما قال الله تعالى: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ). [آل عمران/79] قال البغوي - رحمه الله ـ في تفسيره (ج 2 / ص 60) واختلفوا في قوله: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ)، قال علي وابن عباس والحسن:" كونوا فقهاء علماء" وقال قتادة: "حكماء وعلماء" وقال سعيد بن جبير: العالم الذي يعمل بعلمه، وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: "فقهاء معلمين". وقيل: الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وقال عطاء: "علماء حكماء نُصحاء لله في خلقه"، قال أبو عبيدة:" سمعت رجلا عالمًا يقول: الرباني العالم بالحلال والحرام والأمر والنهي، العالم بأنباء الأمة ما كان وما يكون، وقيل: "الربانيون فوق الأحبار"، والأحبار: العلماء، والربانيون: الذين جمعوا مع العلم البصارة بسياسة الناس. قال المؤرّج: "كونوا ربانيين تدينون لربكم، من الربوبية" ... وقال المبرد: "هم أرباب العلم سُموا به لأنهم يربون العلم، ويقومون به ويربون المتعلمين بصغار العلوم ". قلت: ولا خلاف فاللفظ محتمل ذلك كله.
والصفة الثانية: العلماء الراسخون في العلم، كما قوله تعالى: (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). [آل عمران/7] قال البغوي - رحمه الله- في تفسيره، (ج 2 / ص 10): (هم الداخلون في العلم الذين أتقنوا علمهم بحيث لا يدخل في معرفتهم شك، وأصله من رسوخ الشيء في الشيء وهو ثبوته).
رابعاً: ما هو الدور المنتظر من العلماء؟
الدور المنتظر من العلماء على سبيل الواجب أمران وهما مقتضى النصيحة الدينية:
الأمر الأول: صيانة الكتاب والسنة من تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين. روى البيهقي في السنن الكبرى - (ج 10 / ص 209)، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يرث هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين). وأحسن ما رأيت في تأويل هذا الحديث أنه يخرج من صيغة الخبر إلى الإنشاء الطلبي أي ليرث هذا العلم من الأقوام المتأخرين العدول الذين ينفون عنه تأويل الجاهلين وانتحال المبطلين وتحريف الغالين في جميع أبواب العلم.(3/90)
والأمر الثاني: سياسة الأمة ورعايتها بالشريعة الإسلامية في جميع مناشط حياتها الدينية والدنيوية، لأن العلماء هم ورثة الأنبياء والأنبياء كانت تسوس الناس بالشرع، كما في صحيح البخاري - (ج 11 / ص 271) عن أبي حَازِمٍ قَالَ: قَاعَدْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ خَمْسَ سِنِينَ فَسَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (كَانَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تَسُوسُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ كُلَّمَا هَلَكَ نَبِيٌّ خَلَفَهُ نَبِيٌّ وَإِنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَسَيَكُونُ خُلَفَاءُ فَيَكْثُرُونَ قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا قَالَ فُوا بِبَيْعَةِ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ أَعْطُوهُمْ حَقَّهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ سَائِلُهُمْ عَمَّا اسْتَرْعَاهُمْ). وهذا ما كان في زمن الخلفاء الراشدين فإنهم أئمة العلم وقد ساسوا الأمة بالشرع، أما من عداهم فليس سياسته بسنة لخروجها عن السنن النبوية والراشدية في الحكم، وهكذا يجب على العلماء العودة بسياسة الأمة إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون من بعده، فإن لم يقوموا بذلك اتخذ الناس أئمة ضلال يسوسونهم بغير الشرع فيضلوا عن الهدى كما جاء في صحيح البخاري - (ج 1 / ص 176) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ الْعِبَادِ وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا)، وهذا الحديث صريح في وجوب رياسة أهل العلم للأمة وسياستهم شؤونها بالشرع السليم من البدع والخرافات التي لم يقم عليها دليل من الكتاب أو السنة الصحيحة.
وها هنا يجب التنبيه على أمور منها:
1. أن الحاجة ماسة للعلوم الشرعية، وكلما ازدادت الحاجة للعلم ازداد الواجب على العلماء، واليوم لا يشك عاقل في شدة حاجة الأمة لعلوم الشريعة بعد أن طمس التغريب والتبشير والبدع والخرافات كثيراً من معالم الدين لا سيما في باب السياسة والحكم.
2. أن الأمة لم تعد جسداً واحداً كما أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، بل تقطعت دويلات ومزقت وحدتها، وتعززت القطرية والعصبية والطائفية والفئوية، وعدت الدعوت لوحدة الأمة عند كثير من المنهزمين ضرباً من الخيال الذي لا يمكن تحقيقه، متناسين أن ذلك من الواجبات على الأمة فضلاً عن علمائها.
3. أن استقلالية العالم وتحرر فتواه من هيمنة السلاطين تراجعت، وغدت مسائل من الدين وجمل من الفتاوى خادمة للقهر والاستبداد ومكرسة للظلم ومصادرة للحقوق والحريات، مما جعل الناس يفتنون في دينهم ويرتمي طائفة منهم في أحضان المذاهب الفكرية والأنظمة السياسية العلمانية وغيرها.(3/91)
4. أن عودة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة من واجبات العلماء قبل غيرهم، وليت شعري لو أن العلماء تدبروا اشتغال علماء الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ بتنصيب الخليفة قبل دفن جثمان النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يعني ذلك؟ أليس من الدلالة بوضوح أن اشتغال العلماء بعودة الخلافة الراشدة مقدم على كثير من الواجبات والتكاليف الشرعية، باعتبار خلو الأمة من منصب الخلافة الراشدة يعطل كثيراً من المصالح الدينية والدنيوية، وهو حق في ذاته دون غيره، إذا كان الأمر كذلك فلما هذا التغييب الصارخ لمفهوم الأمة الواحدة ووجوب تنصيب الخليفة الواحد الذي توافرت فيه شروط الإمامة وبايعته الأمة عن رضاً واختيار، والتعايش المشين مع الأنظمة السياسية القائمة على غير سنن الهدى، ففي كل قطر من أقطار المسلمين لحن بالقول يصرف الأنظار عن هذا الواجب الشرعي على العلماء والأمة بعامة.
5. أن كثيراً من العلماء بالغوا في التواضع حتى وصلوا إلى الاستخذاء، مما جعل الساسة يزيدونهم ذلة وهواناً يقربونهم عند حاجتهم ويعرضون عنهم عند الغنى عنهم، فأصبح أبناء الأمة لما يرون من هوان وضعة لكثير من العلماء يمجدون الرموز الثورية وإن كانت شيوعية، ويعرضون عن علوم الشريعة حتى لا ينالهم نصيبهم من الذلة والهوان الذي أصاب أولئك العلماء، وصدق القاضي الجرجاني حين قال:
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ****ولو عظموه في النفوس لعظم
أي لو عظموا العلم الذي يحملونه ولم يذلوه لعظم شأنهم ورفع مكانتهم.
6. أن كثيراً من العلماء المعاصرين لا يعملون بعلمهم إلا في ضوء ما يسمح به السلاطين، بل والأشد خطراً من ذلك أنهم يبررون له ذلك ويحملون الناس على وجوب طاعته في ترك الطاعات، وهذا الشأن القبيح جعل الأمة تفقد الثقة العلمية والدينية في هؤلاء العلماء، مما جعلهم يلتمسون العلم عند صغار العلماء فيختلط حينها الحابل بالنابل.
7. أن السواد الأعظم من العلماء غدوا شذر مذر لا تجمعهم رابطة وترعاهم مؤسسة بحيث يقوي بعضهم بعضاً، ويفتح بعضهم على بعض مما يجعل جنابهم أكثر صوناً وعلومهم ورياساتهم أكثر قبولاً.(3/92)
8. أن كثيراً من العلماء عندما انهزم نفسياً في التعامل مع هذا الواقع المرير للأمة انعكس ذلك على أدائه في درسه وتأليفه فغدا من حيث يشعر أو لا يشعر يعزز مذهب الإرجاء، ويشجع العزلة ويحبذ ترك العامة، ويقلل من شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والاحتساب على الأنظمة وأرباب السياسات والرياسات، وكأن الأمر والنهي إنما يكون من أهله على الضعفاء والمساكين، وما علم هذا العالم أن هذا من نقص الدين كما جاء في سنن أبي داود - (ج 11 / ص 412) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ـ رضي الله ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ أَوَّلَ مَا دَخَلَ النَّقْصُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى الرَّجُلَ فَيَقُولُ يَا هَذَا اتَّقِ اللَّهَ وَدَعْ مَا تَصْنَعُ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكَ ثُمَّ يَلْقَاهُ مِنْ الْغَدِ فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ ثُمَّ قَالَ: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79 (تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (80) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ] المائدة/78 - 82] ثُمَّ قَالَ (كَلَّا وَاللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنْ الْمُنْكَرِ وَلَتَأْخُذُنَّ عَلَى يَدَيْ الظَّالِمِ وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا).(3/93)
9. أن من العلماء من ظاهر الظالمين، وخاصم عنهم ونسي قول الله تعالى (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (16) قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ). [القصص/15 - 17] وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ (86) وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آَيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (87) وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).، وقوله تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا). [النساء/105]، وقوله تعالى: (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا). [النساء/107 - 109].
10. أن من العلماء من يهون من شأن إخوانه العلماء، وبل ويتعدى الأمر عند قلة إلى الهمز واللمز والتنفير، لمجرد خلاف سائغ، أو اجتهاد يعذر صاحبه، أو الأخذ برخصة، أو ضعف في موقف، وهذا الأمر أبعد الشقة بين الأتباع وكان الأولى التزام أدب الخلاف والتماس العذر، والقيام بواجب النصح والإصلاح، وما علم من هذا شأنه من العلماء أن الحامل على ذلك هو الحسد المذموم أو الظن الفاسد، وأن ذلك ينقص من قدر قائله أكثر ممن المقول فيه، وأين هؤلاء من حديث الترمذي في السنن - (ج 7 / ص 166) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رضي الله عنه ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هَا هُنَا بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنْ الشَّرِّ أَنْ يَحْتَقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ).
خامساً: كيف يمكن العلماء القيام بدورهم المنتظر منهم؟
يمكن العلماء القيام بدورهم المنتظر منهم إذا توافرت عدة أمور منها:
1. أن يتحلى العلماء بالشجاعة العلمية.
2. أن يأخذ العلماء بزمام المبادرة.
3. أن يعيد العلماء جسور التواصل مع عامة الأمة من خلال المواقف الحازمة، والسعي في مصالح الشعوب.
4. أن يتنادى العلماء عبر وسائل التواصل الحديثة لمشروع جامع للأمة.(3/94)
5. أن يؤسس طليعة من العلماء رابطة علماء الأمة الإسلامية الشعبية المستوعبة للجميع دون تمييز، وأن يختار لها البلد المناسب الذي لا يتدخل أو يملي عليها شروط أياً كانت.
وهنا أسهم بمسودة مشروع يمكن أن يكون خطوطاً عريضة لرابطة علماء الأمة الإسلامية، وهو كالآتي:
أولاً: المبادئ: أن تؤمن الرابطة بالأصول التالية:
1ـ الإسلام دين الدولة والأمة مصدر السلطة والشريعة مصدر التشريع.
2ـ الخلافة الراشدة نظام الحكم بالشورى والرضا والاختيار.
3ـ وحدة الأمة واستقلالها وسيادتها حق لها وواجب عليها.
4ـ الحقوق والحريات العامة والخاصة مصونة.
5ـ العدل والمساواة والحياة الكريمة حق للجميع.
ثانياً: الأهداف: أن تسعى الرابطة إلى تحقيق الأهداف المرحلية والنهائية التالية:
1 ـ تحرير الأمة وشعوبها من الاستعمار والاستبداد بكل صوره وأسلمة كافة القوانين والتشريعات.
2ـ تحقيق الوحدة بين دولها وتعزيز التكامل السياسي والاقتصادي والتشريعي والعسكري بينها.
3ـ اختيار الأمة لحكوماتها بالتعددية السياسية والتداول السلمي للسلطة.
4 ـ حماية أموال الأمة وثرواتها وتوزيعها بالعدل.
5ـ تحقيق النهضة والتنمية والتطوير في جميع المجالات.
ثالثاً: الوسائل: أن تعمل الرابطة لتحقيق أهدافها بكل الوسائل السلمية والمشروعة ومن ذلك:
1ـ الدعوة العامة والخاصة للمشروع بكل وسائل النشر.
2ـ المشاركة السياسية للوصول للسلطة التشريعية والتنفيذية.
3ـ التعاون مع الجميع بما يحقق هذه الأهداف أفرادا كانوا أو جماعات.
4ـ تأسيس الأحزاب السياسية والاتحادات الطلابية والنقابات العمالية والجمعيات المهنية والمراكز الثقافية والقنوات الفضائية والصحف.
رابعاً: النظام الداخلي للرابطة:
1ـ تتكون الرابطة من الأعضاء المؤسسين كممثلين عن التنظيمات القطرية وتكون اجتماعاته دورية ويرأسه أكبر الأعضاء سنا وتتخذ قراراته بالأغلبية مع حق التحفظ لكل تنظيم.
2ـ تختار الرابطة المنسق العام الذي يقوم بترتيب اجتماعاته وجدول أعماله ودعوة أعضائه وتسجيل قراراته وتوصياته.
3ـ لكل قطر اختيار ثلاثة أعضاء ممثلين له في الرابطة بصوت واحد ويتم تزكيتهم من الأعضاء المؤسسين أو من يخلفهم ويمكن زيادة أعضاء بعض الأقطار عند الحاجة بصوت واحد.
4ـ تحدد الرابطة مواردها المالية ويضع ميزانيته السنوية وبرامج عمله.
5ـ يتم الإعلان عن الرابطة واختيار مكتبها الأمانة العامة لها بعد موافقة الثلثين.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/95)
الوحدة بين الأسس الدينية والمنطلقات السياسية
بوزيدي يحي
تشهد الساحة العربية سجالات فكرية بين العديد من التيارات الإسلامية حول الوحدة ومقوماتها لعل أبرزها وجهة النظر التي تدعو إلى أن تكون الوحدة وفق منطلقات سياسية مشتركة تجعل من القضية الفلسطينية محورا لها وتوجه كل طاقات العالم العربي نحو تحرير فلسطين وتجنب طرح القضايا الخلافية بين الفرق على طاولة النقاش على اعتبار أنها أي القضايا الخلافية تضرب في جذور التاريخ.
ويصعب بل يستحيل حسم الخلاف فيها، وأكثر من ذلك فإن فتح هذه الملفات سيؤجج الصراع بين الفرق والطوائف الإسلامية ويؤثر على قضاياها المشتركة ويكون المستفيد الأكبر من كل هذا إسرائيل والقوى الاستعمارية منبهين إلى أن وراء من يثير هذه المواضيع أيادي خفية تعمل على تقسيم المقسم وتجزيء المجزئ، من هنا كان تأييد تلك الحركات لثورة الخميني في إيران التي أعطت لهم دفعا معنويا كبيرا ومن هنا تدعم حزب الله في حربه ضد إسرائيل.
إذا ما وقفنا وتأملنا في وجهة النظر هذه فإننا سنجدها لا تعدو أن تكون شكلا من أشكال العلمانية أي فصل الدين عن السياسة هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن المنطلق السياسي لا يصح لأن يكون أساسا لمشروع وحدوي لأنه يخضع لمعطيات ومتغيرات مختلفة قد تدفع بالسياسي إلى أن ينتقل من نقيض القضية إلى نقيضها الآخر من أجل تحقيق مصالحه، أيضا لو أخذنا كمثال حزب الله لوجدنا أنه يستمد قوته من شيعيته لا من لبنانيته وهو يطرح نفسه في الساحة السياسية بهذه الصيغة ولا يمكن أن نغفل تأثير هذا على مواقفه السياسية فالدين عامل حاسم في التركيبة الفكرية لحزب الله وقد صرح الأمين العام للحزب حسن نصر الله بأنه يؤمن بولاية الفقيه وكلنا يعرف ما تعنيه ولاية الفقيه والالتزام الذي تفرضه على حسن نصر الله تجاه المرشد الأعلى في إيران التي نظامها أيديولوجي بامتياز والواقع أثبت ذلك.
ومعظم الجماعات والحركات الدينية في العالم العربي ولاؤها للسلطة الدينية أكبر منه للسلطة السياسية.
وإذا ما سلمنا جدلا بصحة وجهة النظر هذه وتوحدنا سياسيا لتحرير فلسطين وتحررت كل البلدان العربية من الاحتلال الإسرائيلي، هل من ضمانات سياسية لهم على أن كل المكونات ستنطلق من العنصر الديني لتحقيق مصالح سياسية إما أكثريات لها الحق في الحكم أو أقليات تخشى التهميش.
أما وجهة النظر الثانية فهي ترى بأن الوحدة يجب أن تنطلق من أساس ديني متين تبنى عليه وهذا الأساس هو التوحيد ويتجلى ذلك في قولهم التوحيد أساس الوحدة.
من منطلق أن الجامع المشترك للأمة هو الدين وإذا بقي الخلاف حول الدين وبالأخص القضايا العقدية منه فإنه يستحيل أن تتحد الأمة وتتفق على شيء، وأن القضاياالسياسية يكثر فيها الخلاف وتكون المرجعية فيها هي المصلحة الذاتية والمنفعة الخاصة في حين أن الدين يكون من أجل المنفعة العامة، وعليه فهم يرون بأن الدين هو الوعاء الذي يحوي السياسة، فهي كالسائل إذا ما لم توضع في وعاء تتفرق بسرعة شديدة وفي اتجاهات مختلفة.(3/96)
والتوحيد تندرج ضمنه الكثير من القضايا العقدية التي يختلف فيها مثلا السنة والشيعة، وإذا كنا نرى كسنة بأن صلاح هذه الأمة لن يكون إلا بما صلح به أولها، فإن أول هذه الأمة من المنظور الشيعي مرتدين ومغتصبين لحق آل بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وظالمين لهم هذا يدلل على شساعة الهوة واستحالة الاجتماع سياسيا وبشكل طويل ومستمر فنحن نشترك مع الشيعة في تحرير فلسطين وغيرها من الأراضي العربية من الاحتلال الإسرائيلي، ولكننا نجد أن المصالح الإيرانية الوطنية تشكل أولوية لها وهي المتحكم في علاقتها مع الدول العربية التي تختلف من بلد لآخر فإيران تقف مع المقاومة في لبنان وتدعمها بشكل كبير خارج الدولة اللبنانية وكذلك الحال مع المقاومة في فلسطين وفي نفس الوقت تقف مع حكومة الاحتلال في العراق حتى أن أحمدي نجاد قام بزيارة رسمية إلى العراق، وأيضا المفاوضات التي تجري بينها وبين الولايات المتحدة الأمريكية والتي تساوم فيها أمن العراق بمصالحها وهو الكرسي الذي يفترض أن تجلس فيه المقاومة واللافت في هذا هو استنادها في علاقتها على عنصر الشيعة (الدين)،فهذا يؤكد على تأثير الدين في السياسة ما يعطي مصداقية للقول الذي ينسب على الخميني بقوله (الطريق إلى القدس عن طريق كربلاء).
مما يؤكد على أن المنطلقات السياسية لا تصلح لأن تكون مرتكزا للوحدة هو استغلال إيران لتعاطف الحركات الإسلامية معها وعملها على تشييع المجتمعات السنية بداية بأعضاء من تلك الحركات نفسها، ورغم قول العديد بأن الظاهرة محدودة وهي حالات استثنائية تحدث في إطار ضيق وهذا مجرد تهويل إعلامي ليس إلا فإن هذا لا ينفي الظاهرة والدعم الإيراني الرسمي لها بشكل أو آخر.
هذه الأمثلة تثبت عدم جدوى البحث عن وحدة من منطلقات سياسية بل بالعكس فإن أي محاولات من هذا القبيل ستكون لها نتائج عكسية.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/97)
واقع الأمة ... بشائر ومخاطر
أ. د ناصر العمر
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وبعد:
فالحديث عن واقع الأمة حديث ذو شجون؛ فمن جهة لا يخفى على أحد ما بالأمة اليوم من ضعف وتفرق وهوان، جعلها مطمعاً للعدو الذي يتربص بها الدوائر، حتى احتل بعض بلادها احتلالاً عسكرياً مباشراً، واحتل بعضها الآخر اقتصادياً أو فكرياً أو بواسطة العملاء الذين ينفذون سياسات الأعداء؛ ومن جهة أخرى لا يخفى على أحد بوادر الأمل التي تظهر هنا وهناك وتتمثل في التصدي لهذا العدوان بالسنان والقلم واللسان والمقاطعة وغير ذلك.
إن من أخطر الأمور التي تؤثر على الفرد أو المجتمع أو الأمة في التعامل مع الواقع هو الاستغراق في اللحظة الحالية والأحداث الراهنة، سواء كانت لحظة هزيمة أو لحظة انتصار، لأن هذا الاستغراق يعمي عن النظر للأسباب التي أدت لهذه اللحظة بإيجابياتها وسلبياتها، ويعمي كذلك عن النظر في مآلات الأمور وعواقبها وما يمكن أن تقود إليه في المستقبل، لذا فإنه يحسن بالمرء أن يبتعد عن ضغط هذه اللحظة وتأثيراتها، وينظر إلى الصورة من خارجها حتى تتكامل رؤيته وتتضح، وإلا ظلت قاصرة وعاجزة عن قدر الأمور بقدرها المناسب.
إن من البشائر في واقع الأمة ما نراه من وعي متزايد بين أفرادها بحقيقة الصراع مع الأعداء، وبحقيقة الأعداء التي بُذِلت محاولات كثيرة وشاقة لتزييفها وطمسها بحيث يصبح العدو اللدود صديقاً حميماً، ومن البشائر ما نراه في أماكن مختلفة من العالم من تصدي أهل الإسلام لأعدائهم، مما يؤكد ما بشرنا به كثيراً من أن الأمة مقبلة على الجهاد في سبيل الله برغم المكر الكبار الذي يحاول صرف الأمة عن هذه العبادة الجليلة التي هي ذروة سنام الإسلام، ومن البشائر أيضاً هذا الصمود الذي حصل في غزة وهذا الانتصار على واحد من أقوى جيوش العالم كما يقولون، ومنها انسحاب القوات الإثيوبية من الصومال وعودة أهله لتولي زمام الأمور فيه، ومنها هذا الضعف الواضح لقوات الأعداء في أفغانستان وهذا التخبط فيما بينهم، ومنها تلك الضربات الموجعة التي تلقوها في العراق والتي ما كانوا ليفكروا في مغادرته بدونها.
إن هذا الاتساع في رقعة الجهاد هو من أكبر البشائر، فقبل خمسين سنة لم نكن نسمع بالجهاد إلا في فلسطين وحالات أخرى قليلة قد لا يعلم عنها كثير من المسلمين، أما اليوم فالجهاد موجود في فلسطين والعراق وأفغانستان وكشمير والشيشان والصومال وأوغادين، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا الانتشار أكبر من كونه مجرد بشائر، بل هو انتصار في حد ذاته، لأنه يعيد الأمة إلى ثوابتها، ويربيها على معاني الجهاد والبذل والعطاء، ويشحذ الهمم وينير البصائر. وقد شاهدنا من المواقف ما يدل على أن الأحداث قد رفعت مستوى الوعي عند الناس، وهذا نصر عظيم.
إن من يستغرقه ضعف الأمة وهوانها وتكالب الأعداء عليها يعجز بالكلية عن النظر لما سبق من البشائر، أو يتعامل معها تعاملاً سلبياً فلا يرى لها قيمة تذكر أو يهون من شأنها لأن قوة الأعداء وتمكنهم تستغرق تفكيره، فيقع في الإحباط والهزيمة النفسية؛ ومن تستغرقه البشائر السابقة يعجز عن النظر للمخاطر التي تهدد هذه البشائر وتنذر بتبديد مكاسب الانتصارات، فلا يحسب حسابها مما ينذر بالوقوع في شباكها. أما الانعتاق من حال الاستغراق فيجعلنا نتحرر من وثاق الهزيمة النفسية والإحباط ونتحلى بروح الأمل لا سيما وأن الله لا يخلق شراً محضاً، مما يجعلنا نبحث في كل شيء عن إيجابياته، ومن جهة ثانية فإن هذا الانعتاق يجعلنا نزن الأمور بموازينها الصحيحة فلا نقلل من حجم المخاطر ولا نغفلها بالكلية.(3/98)
لقد سبق للأمة أن حققت انتصاراً عظيماً على الروس في أفغانستان، وأوشكت قريباً أن تلحق هزيمة كبيرة بالأمريكان في العراق، لكن الخلافات والنزاعات بين أهل الإسلام -بمباركة أعدائهم وسرورهم إن لم تكن في أحيان كثيرة بجهودهم- تسببت في الحالين في تضييع كثير من المنجزات. إن هذه الخلافات وأمثالها قد أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال: "سألت ربي ثلاثاً فأعطاني ثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلك أمتي بالسنة فأعطانيها، وسألته أن لا يهلك أمتي بالغرق فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسهم بينهم فمنعنيها" (صحيح مسلم 4/ 2216 رقم2890)، ولكن هذا لا يعني أنه لا مخرج ولا عاصم من هذه الخلافات، بل قد أمرنا الله عز وجل بضدها فقال: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [الأنفال: 46].
إن أخشى ما نخشاه اليوم على المجاهدين في فلسطين وأفغانستان والصومال أن يقعوا في التنازع فيفشلوا وتذهب ريحهم، أو أن يخطف عدوهم النصر فيكون هو وعملاؤه أكبر الفائزين، فنريد منهم ومن المجاهدين في كل مكان أن يتيقظوا لمخططات الأعداء ويعتصموا بحبل الله جميعاً ولا يتفرقوا.
إن ما يجري اليوم في الأمة اختبار حقيقي للمجاهدين، فعليهم أن يعلموا أن السنن الربانية لا تحابي أحداً، لقد قال تعالى لأصحاب نبيه عليه السلام: {وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ} [آل عمران: 152]، فلما وقعوا فيما وقعوا فيه يوم أحد أصابهم ما أصابهم، فكيف بمن هم دونهم علماً وإيماناً وفضلاً ومكانة!
إن أعداءنا يحاولون اليوم جاهدين أن يوقعوا الفرقة بين المجاهدين في فلسطين وأفغانستان والصومال بتقديم عروض هنا وهناك، وتفريق المجاهدين إلى معتدلين ومتشددين، وهذه المؤامرات من المكر الكبار، وهو أشد على أهل الإيمان من المدافع والطائرات، فأثر الأخيرة الظاهر في الدماء والتدمير يستنفر الناس ويوحدهم ضد عدوهم، بخلاف المؤامرات التي تحاك في الخفاء، ولهذا كان خطر المنافقين أعظم من خطر المشركين وأهل الكتاب لأنهم يفتون في عضد الأمة، كالسوس الذي ينخر العظام فاستحقوا أن يكونوا في الدرك الأسفل من النار.
إننا إذ نطلب من الجميع التنبه لما يجري في السر والعلن، ندعو الله عز وجل أن يحفظ المجاهدين ويوحد صفهم، ويحفظ أهل الإسلام في كل مكان ويكبت عدوهم، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
المصدر: موقع المسلم(3/99)
نقاش علمي مع الشيخ ابن منيع في مسألة الأهلة
بقلم هيثم بن جواد الحداد
haitham1234@hotmail.com
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين، فقد كنت شرعت في جمع مادة علمية في الرد على الشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله في المسألة المشهورة التي يثيرها حفظه الله في كل عام والمتعلقة بخطأ رؤية أهلة شهر رمضان، وشوال، وذي الحجة، في عدد من المرات خلال السنوات الأخيرة المنصرمة في المملكة العربية السعودية، ومن ثمّ تحديده لبدايات هذه الشهور بناءً على الحسابات الفلكية، وكنت أقدم رجلا وأؤخر أخرى في تحرير تلك المادة العلمية لتنشر ردا على الشيخ حفظه الله، فأؤخرها من جهة بسبب هيبة الرد على مثل شيخ جليل وعالم كالشيخ عبد الله بن منيع حفظه الله ورعاه، ثم من جهة أخرى بسبب كثرة الانشغال، وأقدمها لما أرى أنّ كلام فضيلته أصبح متكأ لكثير من الناس في داخل المملكة وخارجها القائلين باعتماد الحساب الفلكي في إثبات بدايات هذه الأشهر، أما في داخل المملكة فإن هؤلاء الذين يطلق عليهم بالليبراليين كثيرًا ما يتكئون على كلامه في هذه المسألة، بل ويشيدون بانفتاح الشيخ، وتمشيه مع مقتضيات العصر، خلافا لغيره من المشايخ الرافضين لقبول الآخر، والانفتاح عليه،،،
وأما في خارج المملكة وتحديدًا في بلاد الغرب فإن فتوى الشيخ أصبحت مستندًا لمن ينصرون العمل بالحساب، وهم في تلك البلاد كُثُر بسبب تأثير الحياة الغربية عليهم، وأصبح كلام الشيخ تبعًا لذلك وثيقة مهمة للطعن في العمل بالرؤية، إذ أنها صادرة من بلاد تعمل بالرؤية، وفي بعض الأحوال - وإن كانت ضيقة - أصبح مرجعًا يستشهد به من أراد الطعن في الشريعة "التقليدية" ومهاجمتها أو المطالبة بالتحديث فيها.
هذا وليعلم أن الشيخ ابن منيع حفظه الله لم ينفرد بهذا القول، بل وافقه عدد من المعاصرين على رأسهم - من متقدمي العصر- الشيخ العلامة أحمد شاكر رحمه الله، ومن متأخريه المعاصرين الدكتور يوسف القرضاوي، أما من المتقدمين فسيأتي معنا بأن الإجماع قد انعقد على خلافه، ولذا لا تكاد نسبته تصح لأحد غير تقي الدين السبكي، ومع ذلك فإن كلامه رحمه الله موهم، إذ أنه بعد نقله الإجماع على طرح العمل بالحساب مطلقًا استطرد بكلام يفهم منه مخالفة ذلك والقول باعتماد الحساب في النفي دون الإثبات، وسنثبت بعد قليل كلامه كله في هذا المقام، وبكل حال فإن مقصود هذه الورقات مناقشة الشيخ ابن منيع حفظه الله أصالة، ومناقشة غيره ممن يوافقه في القول تبعًا.(3/100)
لقد كتب الشيخ - ابن منيع- حفظه الله بعد ذلك وفي هذا العام بالتحديد (1428 هـ) ردًا تناقلته بعض وسائل الإعلام المكتوبة (1)، لا يخلو من صلابة في الخطاب على فضيلة الشيخ صالح اللحيدان الذي كتب تصريحًا يرد فيه على "دعاوى المرجفين"، مستعملاً فيه - على عادة أكثر مشايخنا في المملكة العربية السعودية- لغة خطاب عامة، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى عدم فهم حجتهم، بل ربما النظر إليها كحجة ضعيفة مهلهلة لا تصمد أمام الحجج القوية والواقعية التي يأتي بها المخالفون، ثم تعقب الشيخ صالح الفوزان حفظ الله الجميع، الشيخ ابن منيع في رده على الشيخ اللحيدان، ومؤيدا للشيخ اللحيدان، ولما جرى عليه العلم في السعودية، بكتابة مختصرة شبيهة بكتابة الشيخ اللحيدان، الأمر الذي كرس لدى البعض القول بضعف حجة القائلين بالرؤية دون الحساب، أو بقوة كلام الشيخ ابن منيع في اعتماد الحساب في النفي دون الإثبات إذ لم يتمكن أحد من الإجابة على شبهه، ولا زال الرادون عليه يكررون نفس الكلام الذي يعرفه الشيخ ابن منيع نفسه .. كانت هذه المداولات دافعًا لتقديم الإقدام على الإحجام وتحرير ما اجتمع لدي في هذه المسألة على وجه الاختصار في صورة مقالة لعل الفائدة تعم بمشيئة الله تبارك وتعالى.
هذا، وقد جمعت هذه المقالة طرفًا من التعقبات على مآخذ الشيخ ومن وافقه في النظر لهذه المسألة، مما لم أجده في كلام المعاصرين الذين تعقبوا القائلين بالرؤية وعدم الالتفات للحساب، وأوردت إيرادات خارجة عما تداوله الطرفان، مما لا أظن أن الشيخ ابن منيع ولا من وافقه قد اطلع عليها، ولا أجابوا عنها، الأمر الذي يؤمّلني في أن ينظر إليها الشيخ ابن منيع ومن يوافقه نظرة منصفة ومتأملة.
ثم بعد ذلك أحب أن أقول بأن هذا التعقيب على الشيخ ابن منيع، لا يرد على مسألة اجتهادية، إذ إن المسائل الاجتهادية تتسع لها الصدور، ولا ينبغي إشغال العامة بها، لكنه يأتي في مسألة لا يرد عليها بحث أصلا لانعقاد سابق إجماع أو شبهه مما له حكمه عليها، وقد قال ذلك من قبل فقيه مفسر أصولي كبير، فقد قال الجصاص الحنفي: (فالقائل باعتبار منازل القمر وحساب المنجمين خارج عن حكم الشريعة، وليس هذا القول مما يسوغ الاجتهاد فيه لدلالة الكتاب ونصِّ السنة وإجماع الفقهاء على خلافه) (2)، ومثله قال ابن تيمية- وكلامه هذا معروف متداول - (فإننا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب أنه يرى أو لا يرى لا يجوز والنصوص المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كثيرة، وقد أجمع المسلمون عليه ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلاً ولا خلاف حديث إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غم الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حق نفسه بالحساب فإن كان الحساب دل على الرؤية صام وإلا فلا، وهذا القول وإن كان مقيدا بالإغمام ومختصا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه فأما اتباع ذلك في الصحو أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مسلم) (3).اهـ
وقد نقل الإجماع على طرح العمل بالحساب بإطلاق - وهذا يشمل النفي والإثبات - جمع من العلماء، منهم
_________
(1) منها جريدة الرياض يوم الأحد 9 شوال 1428هـ- 21 أكتوبر 2007 - العدد 14363،
(2) أحكام القرآن (1/ 280).
(3) مجموع فتاوى ابن تيمية 21/ 132 - 133.(3/101)
الجصاص (1) - وقد تقدم كلامه -، والباجي (2)، وابن رشد القرطبي (3)، والحطاب (4) وشيخ الإسلام ابن تيمية -وقد تقدم كلامه كذلك-، وابن عابدين (5) وغيرهم، بل إن أشهر وأعلم من قال الأخذ بالحساب مطلقا من المعاصرين أثبت ذلك، فقد قال العلامة أحمد شاكر: (واتفقت كلمتهم أو كادت على أن العبرة في ثبوت الشهر بالرؤية وحدها، وأنه لا يُعتبر حساب منازل القمر ولا حساب المنجم .. ) (6).
فخلاف الشيخ ابن منيع ومن قبله ومن معه فيها خلاف طارئ، بل إنه خلاف غير محرر من جهة، وخلاف يفتح أبوابًا من الأسئلة والإيرادات التي تصعب الإجابة عليها وربما تتعذر.
مآخذ الشيخ ابن منيع ومن وافقه وحججهم في هذه المسألة:
إذا تأملنا كلام الشيخ ابن منيع ومن وافقه في هذا المسألة، نجده يدور حول مقدمات يمكن تلخيصها فيما يلي:
أولها: الرجوع إلى علم الفلك في النفي دون الإثبات، وكثيرًا ما يردد الشيخ في فتاويه" أما في حال النفي فيجب العمل بالحساب الفلكي، فإذا قال الحساب الفلكي بأن الهلال لا يولد إلا بعد غروب الشمس، ثم جاء من يقول إنه رأى الهلال قبل غروب الشمس، فهذا في الواقع باطل؛ لأن هذه الشهادة لم تنفك عما يكذبها، فوجب ردُّها مهما كان قائلها، ومهما تعدَّد الشاهدون بها) (7).
وأما الثانية: فهي وقوع أخطاء في الرؤية السعودية أعوامًا عديدة، وذلك لنفي الفلك لإمكانيتها.
الثالثة: إنّ حسابات علم الفلك مقدمات لنتيجة قطعية الثبوت، إذ أنها حقيقة علمية، فيقول مثلا في تعقيبه على الشيخ اللحيدان (ولاشك بوجود الفرق بين من يتقدم بشهادة رؤية الهلال وبين من يذكر بحقيقة علمية معروفة لدى علماء ذلك العلم. فالأول يأتي بخبر يختص هو بمصدره - وهي الرؤية - والثاني يأتي بخبر علمي يشترك في معرفته جميع علماء ذلك العلم، فالأول في حاجة إلى تعديل وإنصاف بالثقة والأمانة والتقوى والصلاح لكون مصدر علمه بذلك الخبر - وهو الشهادة بالرؤية - ذاتياً في نفسه والثاني لا يلزم اشتراط تقواه وصلاحه لكون خبره معلوماً لجميع علماء ذلك الخبر).
الرابعة: أن الشهادة متى ما خالفت الحس وما هو قطعي الثبوت فإنها ترد ولا تعتمد.
وفي ظني أن الشيخ مع جلالة قدره وفهمه، فقد أخطأ في هذه المسألة خطأ لا يحتمله الاجتهاد، وأن هذه المقدمات منها ما هو خطأ أصلاً وما كان منها صواباً فلا تأثير له في مسألتنا هذه وعليه فلا يوجد مسوغ مقبول شرعًا لما يقوله الشيخ، ولذا فإن رأيه لا يعتبر أصلا اجتهادًا مقبولا تتسع له صدور المخالف، ويقبل القول أو العمل به، وهذا وإن كان استباقًا للنتائج في المقدمة، وهو خلاف العرف العلمي، إلا أنه مقتضى عرف الشريعة في الأمور المستقرة المعلومة والمشتهرة، فوجب اتباعه، وإن بدا مخالفا للطريقة الغربية التي لا تعترف بما "لا ريب فيه"، وهذا بيان ذلك:
أولا: إنه من المشهور أن المستقر عند المسلمين أن ثبوت شهر رمضان المبارك يحصل بأمرين لا ثالث لهما،
الأول رؤية الهلال،
الثاني إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما،
_________
(1) أحكام القرآن (1/ 280)، والجصاص فقيه أصولي مفسر حنفي توفي عام 370هـ.
(2) المنتقى شرح الموطأ (2/ 38) للباجي وهو فقيه أصولي مالكي متوفى 471هـ.
(3) بداية المجتهد (1/ 283، 284) لا بن رشد وهو فقيه أصولي، مالكي توفي سنة 595هـ
(4) مواهب الجليل (2/ 387) للحطاب وهو فقيه مالكي توفى سنة 954هـ.
(5) حاشية ابن عابدين (2/ 387)، وابن عابدين فقيه حنفي متأخر متوفى سنة 1252هـ
(6) أوائل الشهور العربية ص 4.
(7) انظر على سبيل المثال فتاويه حول هذا الأمر في موقع الإسلام اليوم وهو من أكثر المواقع التي أبرزت رأي الشيخ هذا.(3/102)
هذا هو المشهور بناء على الأحاديث التي يحفظها كل أحد، لكن المتأمل لكلام الفقهاء يعلم أن ثمة أمر آخر يعتبر حاكمًا على هذين الأمرين وإليه المرجع في ثبوت الشهر، ألا وهو قبول المسلمين لأحد الأمرين - بل وحتى للحساب الفلكي - وهذه بعض الأدلة النقلية والعقلية التي تؤيد هذا؛ أعني أن قبول المسلمين لأحد الأمرين هو المعول عليه في بدء الشهر، وليعلم أن هذا ليس اجتهادًا أو ترجيحًا من كاتب هذه الأسطر، ولكنه - عند التأمل - عين ما قاله جماهير العلماء، بل إنه كذلك مما لا يسع أحدًا القول بخلافه، وأظن أن الشيخ ابن منيع في رده على الشيخ اللحيدان قد أقر به وأحسن، وقال: " ونحن نقول لفضيلته سمعنا وأطعنا لقراركم المؤيد من قبل ولي أمرنا فالفطر يوم يفطر الناس" لكننا نخالفه، ولا نرى أنه أحسن في قوله "ونحن في ذمة مجلس القضاء" فنحن في ذمة الله يوم أن عملنا بمقتضى تلك النصوص، لا نملك غير ذلك، وإنما تقال هذه العبارة لو أننا عملنا بالحساب، دون مشاهدة الشهر ..
وهذه هي الحجج:
أولا: لو رأى أحد من المسلمين الهلال، وشهد عند ولي الأمر فرد شهادته لسبب ما، فإن ابتداء الشهر يكون في اليوم الذي قرره ولي الأمر وقبله المسلمون، وعند غياب قرار ولي الأمر يقوم جمهور المسلمين مقامه كما هو مقرر، وأما هذا الذي رأى الهلال وحده، فله حالتان:
أ) أن يرى هلال رمضان، وهذا قد اختلف العلماء في حكمه، هل يصوم وحده، وهل يصوم سرًا أم لا، هذا في الصيام، هذا ما ذكره الفقهاء فيمن رأى هلال رمضان وحده.
ب) من رأي هلال شوال وحده - ويلحق به من استكمل ثلاثين يوما بناء على رؤيته- وبه يتضح الأمر أكثر، فيمكن أن يخرّج على القول السابق أنه يفطر سرًا، لكن كيف يفعل في صلاة العيد، هل يصلي العيد وحده كما ذكره بعض العلماء تخريجًا فيمن فاتتة صلاة العيد، أنه يصلي وحده في بيته!؟، هل يسافر إلى بلاد تصلي العيد؟، لم أر من ذكر هذا، ولا أظن أن الفقهاء تصوروا هذه الحالة، إذًا ليس له مناص من أن يصلي العيد مع المسلمين الذين يعيش معهم يوم دخول العيد عليهم.
يثور هنا سؤال آخر، وهو هل يقضي اليوم الذي تقرر عنده بناء على رؤيته، أنه من رمضان، أم لا؟ بحث نريد تجاوزه الآن.
تبقى الحالة الثانية، وهي من رأى هلال رمضان، وردت شهادته، لكنه ابتدأ الصيام وحده، وفي نهاية شهر رمضان لم ير الهلال، فأتم المسلمون في تلك البلاد رمضان ثلاثين يوما، فماذا يفعل إذ إنه ابتدأ الصيام قبل الناس؟ هل يصوم مع الناس؟ أو يفطر سرا؟ إن صام مع الناس فقد صام واحدا وثلاثين يومًا، وإن أفطر، فهل يقال أنه أفطر يومًا من رمضان؟ وهل يقال أيضا إنه صام يوم العيد المنهي عنه؟ وهل يقال إنه يصوم نفلا؟ فهذا غير متجه فإن كان من رمضان لم يجز له أن ينويه نفلا، وإن كان من شوال فهو أول أيام العيد، فيحرم عليه صيامه؟ جملة احتمالات ورادة جدًا على ما ذكروه فيمن رأى هلال رمضان وحده، ولهذا فإن هذه المسألة لا تنضبط إلا بحديث أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ. قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ.(3/103)
ثانيا: تكلم العلماء المعاصرون فيمن ابتدأ الصيام في بلد، ثم انتقل إلى بلاد أخرى، أثبتت دخول شهر شوال قبل بلاده، وعليه فإنه يكون قد صام ثمانية وعشرين يومًا، فهل يستمر في الصيام وحده، ولو خالف المسلمين في البلاد التي انتقل إليها، ليصوم اليوم المكمل للتاسع والعشرين، وأقل ما يكون الشهر تسعة وعشرين كما في الحديث، أم يصوم مع هذه البلاد، ثم يقضي يومًا، الفتوى المعاصرة التي لم نطلع على خلافها أنه يفطر مع هذه البلاد، ثم يقضي يومًا، ولا يسوغ القول بغير هذا، لأنه لو استكمل الصيام وحده، فإنه عرضة لأن يكون صام يوم العيد، وهو كذلك قطعًا لن يصلي عيدًا إلا إن انتقل إلى بلاد أخرى تصلي العيد في اليوم التالي، وهذا فيه ما فيه، ولهذا أفتى العلماء بأن يفطر مع البلد الجديد التي انتقل إليها، ثم يقضي يوما بعده ولا يصح عقلاً وشرعًا غير هذا.
وكذلك الحال إذا استكملت تلك البلاد الجديدة رمضان ثلاثين يومًا، فإنه إن أفطر وحده فإنه يرد عليه أن يكون أفطر يومًا من رمضان، ويرد عليه كذلك أن لا يصلي العيد إلا إذا سافر إلى بلاد تصليها في ذلك، ولهذا فإن المتعين في حقه أن يصوم اليوم الواحد والثلاثين معهم، ثم يصلي العيد معهم، لكن يبقى البحث هنا هل يصوم هذا اليوم بنية رمضان، أم بنية النفل؟ هو لا شك إشكال محل بحث، لكن هذا الإشكال يضعف مقارنة مع الاحتمال الآخر وهو أن يفطر وحده، فإن الموارد عليه عندئذ أكثر.
ثانيا: حجة نقلية صريحة مركبة من نص السنة النبوية، ونص الإجماع، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ وَالْأَضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفَسَّرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ إِنَّمَا مَعْنَى هَذَا أَنَّ الصَّوْمَ وَالْفِطْرَ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَعُظْمِ النَّاسِ.
ونظرة عجلى لكتب الفقه نجد أن هذا الأمر مستقر بيّن، يؤيد هذا الذي قاله الترمذي، بأن معنى هذا أن الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس.
الشهر شهران: شرعي، وآخر فلكي، أو لنقل الشهر له بدايتان، إحداهما فلكية، وأخرى شرعية:
ثانيا: إذا تقرر هذا، فقد علم أننا لا نصوم الشهر الفلكي الذي يبدأ مع خروج قرص القمر من شعاع الشمس، والذي يكون ترتيبه التاسع في الأشهر القمرية الفلكية في السنة الشمسية، ولكننا نصوم شهرا آخر هو الشهر الشرعي، وهو يفارق الشهر الفلكي، من عدة وجوه أهمها:
أن بدايته قد تطابق الشهر الفلكي وقد تخالفه، وهذا مما لم أجد له إشارة في كلام المعتمدين على الحساب، ولا في كلام من رد عليهم، وهو أمر واضح لا مراء فيه، وأظهر أمثلته إكمال عدة شعبان ثلاثين يوما، فإذا ما "قطع" الحساب أن الشهر يبدأ يوم السبت مثلا، وهو يوم الثلاثين من شهر شعبان، لكن لم يتقدم أحد شاهدًا على الرؤية، فعندئذ وجب علينا إجماعًا - أو ما يقاربه لخلاف من شذ - أن نكمل عدة شعبان ثلاثين يوما مخالفين ذلك للحساب، ومستند هذا الاتفاق عدد من الأحاديث منها لفظ (فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) ومنها لفظ (لا تصوموا حتى تروه، ولا تفطروا حتى تروه)، إذا تقرر ذلك، فإن أول يوم من شهر رمضان الشرعي، هو اليوم الثاني من شهر رمضان الفلكي!(3/104)
وهنا نسأل الشيخ ابن منيع، هل هذا نفي أم إثبات؟ نعم يمكن أن يقول قائل بأننا إذا أثبتنا دخول الشهر بناء على الحساب، فهذا إثبات، ولا نقول به، لكن مع ذلك يمكن أن يقال أننا أثبتنا الشهر بعد ثلاثين يومًا من شعبان، وأنتم تقولون بنفي ذلك، أي إن الشهر يستحيل دخوله في هذا اليوم، بل إن دخوله قد تيقن أمس، ولهذا لم نر أن هذا قول معتبر عند السالفين، حتى ولو حملنا كلام السبكي الآتي عليه.
ومن لطيف المسائل المترتبة على هذه، تحديد العشر الأواخر التي يكون تحري ليلة القدر فيها، أو في أوتارها، ويشرع الاعتكاف بدخول أول لياليها، فهل أوتار العشر التي ترجى فيها ليلة القدر هي أوتار العشر الأواخر من الشهر الفلكي، أم من الشهر الشرعي؟ وهل ليلة السابع والعشرين مثلا هي باعتبار الشهر الشرعي أم باعتبار الشهر الفلكي؟ لا أظن أحدًا يقول بأن حساب تلك الليالي معتمدًا على الشهر الفلكي، وإلا لقال قائل بدخول المعتكف ليلة العشرين، إذ قد تكون احتياطا ليلة الواحد والعشرين، وهكذا فقس.
إذًا، نحن نصوم، ونقوم، ونعتبر الشهر الشرعي، وليس للشهر الفلكي عندنا -معاشر المسلمين -أي اعتبار.
فالشهر الفلكي، هو التاسع في السنة الهجرية، بدايته ونهايته مردها إلى أمر واحد وهو الحسابات الفلكية، بينما مرد الشهر الشرعي لأمور مختلفة في المضمون، متغايرة في العلة، أهمها قبول إمام المسلمين أو جماعتهم بيوم ابتدائه، ويوم انتهائه بناء على شهادة شهود أو إكمال العدة ثلاثين، بل والحساب، فإذا تقرر هذا علم أن ثمة مغايرة كاملة بين الشهرين، نعم قد يتفقان، وقد يختلفان، وهذا لا يضيرنا في شيء.
نظائر ذلك كثيرة، وقد عهدنا عند الفقهاء قولهم بلا نكير الطهارة - مثلا - لغة النظافة، وشرعًا هي حالة تمكن الإنسان من القيام بعبادات معينة كالصلاة، وقد يكون ثمة متوضئ غير نظيف لغة، ونظيف لغة غير طاهر شرعًا، فهذان أمران متغايران، وأقوى من هذا مثال آخر، لعل الشيخ ابن منيع والقائلين بمثل قوله يتأملوه، لكن قبل ذلك أحب أن أنقل طرفًا من كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية (1)،
_________
(1) أنقله لا ليكون حاكما على كل كلام عداه، ولكن ليستأنس به في تصوير هذا التحرير، إذ إنه لم يأت برأي جديد في هذه القضية، وكثيرًا ما يساء الظن بشيخ الإسلام ويظن أنه أتى بما خالف به جماهير العلماء السابقين له، وحاشاه، ولكن شيخ الإسلام رحمه الله، ينظر إلى الأدلة مجتمعة من خلال نظر كلي، وهو بذلك مستقرئ لمقاصد الشريعة عامل بمقتضاها، ومع ذلك هو ناظر في آحاد الأدلة بكل تفصيلاتها، جامع بين دلالاتها ودلالات المقاصد، مثبت أن ثمة لا تعارض بينهما، ثم هو بعد ذلك يبين أن قوله هو قول جماهير السلف والخلف وإن لم ينص عليه أرباب المذاهب المتأخرون، فإذ فعل ذلك بزّ الجميع بتصويره العجيب للمسألة مجال البحث، وبيانه القوي للعلل، والحكم، والمقاصد، مما يظهر وكأنه خالف ما أجمع عليه، أو ما اتفقت كلمة الجماهير عليه.(3/105)
قال رحمه الله تعالى: (وأصل هذه المسألة أن الله سبحانه وتعالى علق أحكاما شرعية بمسمى الهلال والشهر كالصوم والفطر والنحر فقال تعالى (يَسْئَلُونَكَ عَنِ ?لأهِلَّةِ قُلْ هي مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَ?لْحَجّ) (1)، فبين سبحانه أن الأهلة مواقيت للناس والحج، قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ ?لصّيَامُ) (2) إلى قوله: شَهْرُ رَمَضَانَ ?لَّذِي أُنزِلَ فِيهِ ?لْقُرْآنُ هُدًى لّلنَّاسِ) (3) أنه أوجب صوم شهر رمضان وهذا متفق عليه بين المسلمين، لكن الذي تنازع الناس فيه أن الهلال هل هو اسم لما يظهر في السماء وإن لم يعلم به الناس وبه يدخل الشهر، أو الهلال اسم لما يستهل به الناس والشهر لما اشتهر بينهم؟ على قولين: فمن قال بالأول يقول: من رأى الهلال وحده فقد دخل ميقات الصوم ودخل شهر رمضان في حقه وتلك الليلة هي في نفس الأمر من رمضان وإن لم يعلم غيره، ويقول: من لم يره إذا تبين له أنه كان طالعًا قضى الصوم، وهذا هو القياس في شهر الفطر وفي شهر النحر لكن شهر النحر، ما علمت أن أحدًا قال من رآه يقف وحده دون سائر الحاج وأنه ينحر في اليوم الثاني ويرمي جمرة العقبة ويتحلل دون سائر الحاج، وإنما تنازعوا في الفطر: فالأكثرون ألحقوه بالنحر وقالوا: لا يفطر إلا مع المسلمين; وآخرون قالوا: بل الفطر كالصوم ولم يأمر الله العباد بصوم واحد وثلاثين يوما، وتناقض هذه الأقوال يدل على أن الصحيح هو مثل ذلك في ذي الحجة. وحينئذ فشرط كونه هلالا وشهرًا شهرته بين الناس واستهلال الناس به حتى لو رآه عشرة ولم يشتهر ذلك عند عامة أهل البلد لكون شهادتهم مردودة أو لكونهم لم يشهدوا به كان حكمهم حكم سائر المسلمين فكما لا يقفون ولا ينحرون ولا يصلون العيد إلا مع المسلمين فكذلك لا يصومون إلا مع المسلمين وهذا معنى قوله: " صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون "، ولهذا قال أحمد في روايته: يصوم مع الإمام وجماعة المسلمين في الصحو والغيم، قال أحمد: يد الله على الجماعة. وعلى هذا تفترق أحكام الشهر: هل هو شهر في حق أهل البلد كلهم أو ليس شهرا في حقهم كلهم؟ يبين ذلك قوله تعالى: {فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} فإنما أمر بالصوم من شهد الشهر، والشهود لا يكون إلا لشهر اشتهر بين الناس حتى يتصور شهوده والغيبة عنه، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، وصوموا من الوضح إلى الوضح" ونحو ذلك خطاب للجماعة، لكن من كان في مكان ليس فيه غيره إذا رآه صامه فإنه ليس هناك غيره، وعلى هذا فلو أفطر ثم تبين أنه رئي في مكان آخر أو ثبت نصف النهار لم يجب عليه القضاء، وهذا إحدى الروايتين عن أحمد، فإنه إنما صار شهرا في حقهم من حين ظهر واشتهر. ومن حينئذ وجب الإمساك كأهل عاشوراء الذين أمروا بالصوم في أثناء اليوم ولم يؤمروا بالقضاء على الصحيح وحديث القضاء ضعيف.
_________
(1) سورة البقرة، آية 189
(2) سورة البقرة، آية 183
(3) سورة البقرة، آية 185(3/106)
(1) هذا، ثم وجدت كلامًا آخر لتقي الدين علي بن الكافي السبكي - الذي تقدم ذكره في بداية هذا البحث - في فتاويه، يتأكد به ما تقدم من أن هذا الفهم أمر مستقر عند سالف العلماء، ولا بأس بنقله، وإن كنت حاولت اختصار النقول وتقليلها، قال رحمه الله (وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ الشَّهْرَ هَكَذَا وَهَكَذَا عَقَدَ الْإِبْهَامَ فِي الثَّالِثَةِ وَالشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي تَمَامَ ثَلَاثِينَ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا؛ وَقَدْ تَأَمَّلْت هَذَا الْحَدِيثَ فَوَجَدْت مَعْنَاهُ إلْغَاءَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْهَيْئَةِ وَالْحِسَابِ مِنْ أَنَّ الشَّهْرَ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ مُفَارَقَةِ الْهِلَالِ شُعَاعَ الشَّمْسِ فَهُوَ أَوَّلُ الشَّهْرِ عِنْدَهُمْ وَيَبْقَى الشَّهْرُ إلَى أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَهَا وَيُفَارِقَهَا فَالشَّهْرُ عِنْدَهُمْ مَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَهَذَا بَاطِلٌ فِي الشَّرْعِ قَطْعًا لَا اعْتِبَارَ بِهِ فَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّا أَيْ الْعَرَبُ أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لا نَكْتُبُ وَلَا نَحْسُبُ، أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ الْكِتَابَةُ وَلَا الْحِسَابُ.
_________
(1) مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية - (ج 25/ ص 114 ـ 118)(3/107)
فَالشَّرْعُ فِي الشَّهْرِ مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ وَيُدْرَكُ ذَلِكَ إمَّا بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَإِمَّا بِكَمَالِ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ، وَاعْتِبَارُهُ إكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْتَظِرُونَ بِهِ الْهِلَالَ وَأَنَّ وُجُودَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مُعْتَبَرٌ بِشَرْطِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ، وَلَوْ لَمْ يَقُلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ لَكَانَ إذَا فَارَقَ الشُّعَاعَ مَثَلًا قَبْلَ الْفَجْرِ يَجِبُ صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَبْطَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْ الصَّوْمَ إلَّا فِي الْيَوْمِ الْقَابِلِ، وَهَذَا مَحَلٌّ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ (1) إلا أن السبكي رحمه الله أتبع هذا النقل والتقرير بما يمكن أن يفهم منه أنه يقول باعتماد الحساب في النفي دون الإثبات، وقد أضحى هذا الجزء الأخير من كلامه عمدة يستشهد بها كل من قال بالعمل بالحساب في النفي دون الإثبات، بل بالعمل بالحساب مطلقًا، قال رحمه الله (وَهَهُنَا صُورَةٌ أُخْرَى وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ الْحِسَابُ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ رُؤْيَتِهِ وَيُدْرَكُ ذَلِكَ بِمُقَدَّمَاتٍ قَطْعِيَّةٍ وَيَكُونُ فِي غَايَةِ الْقُرْبِ مِنْ الشَّمْسِ فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُمْكِنُ فَرْضُ رُؤْيَتِنَا لَهُ حِسًّا لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ فَلَوْ أَخْبَرَنَا بِهِ مُخْبِرٌ وَاحِدٌ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَحْتَمِلُ خَبَرُهُ الْكَذِبَ أَوْ الْغَلَطَ فَاَلَّذِي يُتَّجَهُ قَبُولُ هَذَا الْخَبَرِ وَحَمْلُهُ عَلَى الْكَذِبِ أَوْ الْغَلَطِ وَلَوْ شَهِدَ بِهِ شَاهِدَانِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمَا لِأَنَّ الْحِسَابَ قَطْعِيٌّ وَالشَّهَادَةَ وَالْخَبَرَ ظَنِّيَّانِ وَالظَّنُّ لَا يُعَارِضُ الْقَطْعَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَدَّمَ عَلَيْهِ وَالْبَيِّنَةُ شَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ مَا شَهِدْت بِهِ مُمْكِنًا حِسًّا وَعَقْلًا وَشَرْعًا فَإِذَا فُرِضَ دَلَالَةُ الْحِسَابِ قَطْعًا عَلَى عَدَمِ الْإِمْكَانِ اسْتَحَالَ الْقَبُولُ شَرْعًا لِاسْتِحَالَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ وَالشَّرْعُ لَا يَأْتِي بِالْمُسْتَحِيلَاتِ، وَلَمْ يَأْتِ لَنَا نَصٌّ مِنْ الشَّرْعِ أَنَّ كُلَّ شَاهِدَيْنِ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَشْهُودُ بِهِ صَحِيحًا أَوْ بَاطِلًا وَلَا يَتَرَتَّبُ وُجُوبُ الصَّوْمِ وَأَحْكَامُ الشَّهْرِ عَلَى مُجَرَّدِ الْخَبَرِ أَوْ الشَّهَادَةِ حَتَّى إنَّا نَقُولُ: الْعُمْدَةُ قَوْلُ الشَّارِعِ صُومُوا إذَا أَخْبَرَكُمْ مُخْبِرٌ فَإِنَّهُ لَوْ وَرَدَ ذَلِكَ قَبِلْنَاهُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْعَيْنِ لَكِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ قَطُّ فِي الشَّرْعِ بَلْ وَجَبَ عَلَيْنَا التَّبَيُّنُ فِي قَبُولِ الْخَبَرِ حَتَّى نَعْلَمَ حَقِيقَتَهُ أولا، ولا شَكَّ أَنَّ بَعْضَ مَنْ يَشْهَدُ بِالْهِلَالِ قَدْ لا يَرَاهُ وَيُشْتَبَهُ عَلَيْهِ أَوْ يَرَى مَا يَظُنُّهُ هِلَالًا وَلَيْسَ بِهِلَالٍ أَوْ تُرِيهِ عَيْنُهُ مَا لَمْ يَرَ أَوْ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ بَعْدَ أَيَّامٍ وَيَحْصُلُ الْغَلَطُ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي رَأَى فِيهَا أَوْ يَكُونُ جَهْلُهُ عَظِيمًا يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَعْتَقِدَ فِي حَمْلِهِ النَّاسَ عَلَى الصِّيَامِ أَجْرًا أَوْ يَكُونَ مِمَّنْ يَقْصِدُ إثْبَاتَ عَدَالَتِهِ فَيَتَّخِذُ ذَلِكَ وَسِيلَةً إلَى أَنْ يُزَكَّى وَيَصِيرَ مَقْبُولًا عِنْدَ الْحُكَّامِ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ قَدْ
_________
(1) فتاوى السبكي 1/ 411(3/108)
رَأَيْنَاهَا وَسَمِعْنَاهَا فَيَجِبُ عَلَى الْحَاكِمِ إذَا جَرَّبَ مِثْلَ ذَلِكَ وَعَرَفَ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ بِخَبَرِ مَنْ يَثِقُ بِهِ أَنَّ دَلَالَةَ الْحِسَابِ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ الرُّؤْيَةِ أَنْ لَا يَقْبَلَ هَذِهِ الشَّهَادَةَ وَلَا يُثْبِتَ بِهَا وَلَا يَحْكُمَ بِهَا، وَيُسْتَصْحَبُ الْأَصْلُ فِي بَقَاءِ الشَّهْرِ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ مُحَقَّقٌ حَتَّى يَتَحَقَّقَ خِلَافُهُ، وَلَا نَقُولُ الشَّرْعُ أَلْغَى قَوْلَ الْحِسَابِ مُطْلَقًا وَالْفُقَهَاءُ قَالُوا: لَا يُعْتَمَدُ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا قَالُوهُ فِي عَكْسِ هَذَا، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ الَّتِي حَكَيْنَا فِيهَا الْخِلَافَ أَمَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فَلَا وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ نَقْلًا وَلَا وَجْهَ فِيهَا لِلِاحْتِمَالِ غَيْرُ مَا ذَكَرْتُهُ) (1)، ويتطرق الشك في قبول هذا التأويل لكلام السبكي القاضي باعتماد الحساب في النفي دون الإثبات، لأن الجمع بين طرفي كلامه يقدح لدى القارئ أنه لا يمكن أن يقول باعتماد الحساب مطلقًا، لا في النفي، ولا في الإثبات، فالله أعلم.
وبكل حال، فإنه ولو قال ذلك صراحة، فإنه اجتهاد غير مقبول منه لتقدم إجماع سابق، ولجريان العمل على خلاف اجتهاده من قبل جماهير العلماء قرنا بعد قرن.
التفريق بين الشهر الشرعي، والشهر الفلكي، هل له نظائر؟
هذا التفريق بين المعنى الشرعي، والمعنى الحسي، أو الحقيقي ومن ثم الحقيقة الشرعية، والحقيقة اللغوية، له نظائر كثيرة في الشريعة، لا تقصر على ما يذكره العلماء من المعنى الشرعي للماهيات، والمعنى الشرعي لها، يوم يقولون مثلا الإيمان لغة كذا، وشرعا كذا، بل يشمل أمثلة تتجاوز المعاني لتشمل بعض الصور العملية، ولست أدري كيف غاب عن الشيخ ابن منيع ومن معه هذا الأمر مع أنه بدهي واضح، إذ نحن لا نقبل أن يحاكم أهل اللغة أهل الشرع في حقيقة الصلاة، ولا في مسمى الإيمان وهكذا.
فهناك صور عملية كثيرة، نظيرة للتفريق بين الشهر الشرعي، والشهر الفلكي، أذكر منها ذلك المثال الذي أرجو أن يتأمله الشيخ ابن منيع ومن يرى برأيه.
إذا زنى رجل بامرأة وهي فراش لغيره، إما زوجة أو أمة، وحملت من ذلك الزنى، ثم مات الزوج، وماتت هي، وبعد أمد ادعى بقية أولادها أن أخاهم هذا لا يستحق شيئا من الميراث، بل طالبوا بنفي النسب عنه لأنه ليس أخاهم، ولا ابنا لأبيهم، بل أبوه الذي زنا بأمهم، ثم استدلوا على دعواهم بما يعرف الآن بنتائج الحمض النووي الذي لا تكاد تخطئ، وأثبت الحمض النووي فعلا أن هذا الولد إنما هو نتاج سفاح بين أمه، وبين رجل آخر غير زوجها؟ فما الحكم؟
الحكم - إجماعًا - أنّ هذا الولد هو أخوهم، ابن أمهم، وأبيهم، يشاركهم في الميراث، ويحمل نسب الأب، لا يملك أحد حرمانه من ذلك!! سبحان الله وكيف نفعل بالحمض النووي ذي النتيجة القطعية التي قطعت بأنه ناتج من ماء رجل غريب؟
ناقش المجمع الفقهي هذه القضية، وحكم في مثل هذه الصورة - متفقًا في ذلك مع مقتضى إجماع العلماء السابقين في لحوق النسب في هذه الحالة - بمقتضى ظاهر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر)!! وقرر أيضًا أنه لا ينفى عنه النسب، ولا يحرم من الميراث إلا بحصول اللعان الشرعي بين الزوجين - وهما في هذه الحالة قد توفيا، فلا مصير إليه -، فإن لم يحصل اللعان الشرعي فهو ابن لهما جميعا!!.
_________
(1) فتاوى السبكي 1/ 411.(3/109)
وهنا نقول، حاصل ذلك أن الأب الحقيقي الذي خرج الولد من صلبه، والذي ينتسب إليه بحسب علم الأحياء - أو الكيمياء -والبيولوجيا، لم يعترف به الشارع، وكأنما جعل ماءه فاسدًا لا تأثير له، وجعل الأب الحقيقي هو الأب الشرعي؛ الولد للفراش، إذا لدينا - تنزلا - أبوان، الأب الشرعي، والأب الكيميائي البيولوجي، هو في الحقيقة ليس أبا، وليس له اعتبار ولا وزن، ولا حكم، ولا حق.
فإن قال قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم قال في نهاية الحديث واحتجبي منه يا سودة، لما رأى من قوة الشبه بين هذا الوليد وبين سعد بن ابن وقاص الذي ادعاه لأخيه، وعدم الشبه بينه وبين من قضى بأنه له أعني عبد بن زمعة والذي به يكون أخًا لسودة -زوج النبي صلى الله عليه وسلم - وهذا يدل على أنه عمل بالعلم، وهو هنا الأخذ بالشبه، أو في الأقل الأحوال احتاط، فلم لا نحتاط في أمر صيامنا؟
قيل جوابًا على ذلك، إن هذا الجزء من الحديث يؤيد ما ذكرناه فمع أن النبي صلى الله عليه وسلم لا حظ الشبه وربما "غلب على ظنه" بأن هذا الوليد ليس بأخ لسودة، بناء على أمر ظاهر مشاهد - وهو في العموم معتبر في الشريعة - إلا أنه لم يتجاوز حكم النص؛ الولد للفراش وللعاهر الحجر، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر ما يقتضيه الحس وهو الشبه المشاهد، لا ما يقتضيه العلم، فليتنبه لهذا، وسيأتي له مزيد بيان.
وبكل حال، فإن مقصودنا من إيراد القصة هو تقرير أن الشرع ينظر إلى ما لا ينظر إليه العلم وأنه يعتمد على ما هو محسوس، أو معقول اضطرارًا عقلا لا ينفك عن كل عاقل، ولا يحتاج إلى نظر ناظر، ولهذا، فلو أثبت الأطباء والباحثون والعلماء كلهم مجتمعين غير متفرقين على أنه يستحيل أن يكون ذلك الأب أبا لهذا الولد، لقلنا لهم، كلامكم على العين والرأس، لكننا لا نأخذ به، ليس تكذيبًا له، ولا إقلالا من شأن العلم، ولا رغبة في التخلف!، ولكن قضيتنا ليست قضية علمية طبية، قضيتنا قضية شرعية، نحن نتحدث عن حكم الشرع، وأنتم تتحدثون عن حقيقة الأمر، والحكم الشرعي شيء، والحقيقة الواقعية شيء آخر، فكما أننا لم نلزم العلم بأن يكذب نتائج الحمض النووي، ونقول يستحيل هذا لمخالفته الشرع، فلم يطالبنا أصحاب العلم بأن نلغي نتيجة الشرع لصالح العلم، نقول أما شرعًا - وهو الحكم والمرجع - فليس بأب، وأما علمًا أو كيميائًا أو فيزيائًا فالأمر إليكم.
هذا، وقل كذا في أمر الهلال، فثمة شهر شرعي لا دخل له في الشهر الفلكي، لا يجوز لأهل الفلك أن يجبرونا على قبول شهرهم، ولا يجوز لنا أن نجبرهم على قبول شهرنا.(3/110)
وأثناء تحرير هذه الأوراق وقعنا على مثال آخر، صلاة الكسوف، والخسوف، هل تصلى حينما يرى المسلمون الكسوف والخسوف، أم حينما يعلم المسلمون به، ولم يروه؟ ظاهر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في حديث عائشة عند الصحيحين " إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آياتِ اللهِ، لاَ يَنْخَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذلِكَ فَادْعُوا اللهَ وَكَبِّرُوا وَصَلُّوا وَتَصَدَّقُوا"، وباقي الألفاظ كلها متقاربة تدور حول رحى "إذا رأيتم ذلك"، أي أن مشاهدة الخسوف أو الكسوف حادثا فعلا بأم أعيننا المجردة، هو مناط الحكم، فإذا لم ير الخسوف أو الكسوف، لم نصل كما نص على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره (1)، لا تكذيبا لحصول الخسوف أو الكسوف، ولكن الحكم ومناطه شيء، وحصول الحدث في نفسه شيء آخر.
_________
(1) قال في مجموع الفتاوى (16/ 298 - 300) " .. وَالْعِلْمُ بِوَقْتِ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ وَإِنْ كَانَ مُمْكِنًا لَكِنَّ هَذَا الْمُخْبِرَ الْمُعَيَّنَ قَدْ يَكُونُ عَالِمًا بِذَلِكَ وَقَدْ لَا يَكُونُ وَقَدْ يَكُونُ ثِقَةً فِي خَبَرِهِ وَقَدْ لَا يَكُونُ. وَخَبَرُ الْمَجْهُولِ الَّذِي لَا يُوثَقُ بِعِلْمِهِ وَصِدْقِهِ وَلَا يُعْرَفُ كَذِبُهُ مَوْقُوفٌ. وَلَوْ أَخْبَرَ مُخْبِرٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَمْ يُقْبَلْ خَبَرُهُ وَلَكِنْ إذَا تَوَاطَأَ خَبَرُ أَهْلِ الْحِسَابِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَكَادُونَ يُخْطِئُونَ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى خَبَرِهِمْ عِلْمٌ شَرْعِيٌّ فَإِنَّ صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَالْخُسُوفِ لَا تُصَلَّى إلَّا إذَا شَاهَدْنَا ذَلِكَ وَإِذَا جَوَّزَ الْإِنْسَانُ صِدْقَ الْمُخْبِرِ بِذَلِكَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ فَنَوَى أَنْ يُصَلِّيَ الْكُسُوفَ وَالْخُسُوفَ عِنْدَ ذَلِكَ وَاسْتَعَدَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لِرُؤْيَةِ ذَلِكَ كَانَ هَذَا حَثًّا مِنْ بَابِ الْمُسَارَعَةِ إلَى طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعِبَادَتِهِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ عِنْدَ الْكُسُوفِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ تَوَاتَرَتْ بِهَا السُّنَنُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهَا أَهْلُ الصَّحِيحِ وَالسُّنَنِ وَالْمَسَانِيدِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ... ا. هـ. ِ) الفتاوى.، وبه أفتت لجنة الفتوى التابعة لوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت انظر مجلة الوعي العدد رقم: 493، تاريخ 23/ 12/2006، وجاء في الموسوعة الكويتية "
ولو حال سحاب، وشكّ في الانجلاء صلّى؛ لأنّ الأصل بقاء الكسوف. ولو كانا تحت غمام، فظنّ الكسوف لم يصلّ حتّى يستيقن، وقال المالكيّة: إن غاب القمر وهو خاسف لم يصلّ. وإن صلّ ولم تنجل لم تكرّر الصّلاة، لأنّه لم ينقل عن أحد، وإن انجلت وهو في الصّلاة أتمّها؛ لأنّها صلاة أصل، غير بدل عن غيرها؛ فلا يخرج منها بخروج وقتها كسائر الصّلوات) مجلد 27: صلاة الكسوف، وفي روضة الطالبين للنووي 1/ 175 (ولو كانت الشمس تحت غمام فظن الكسوف لم يصل حتى يستيقن. قلت قال الدارمي وغيره ولا يعمل في كسوفها بقول المنجمين والله أعلم.)، وقال في الفروع (وَيُعْمَلُ بِالْأَصْلِ فِي بَقَائِهِ وَوُجُودِهِ وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ الْمُنَجِّمِينَ، وَلَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ) 3/ 140.(3/111)
ولهذا فإن طلب الشيخ ابن منيع الذي كرره مرارًا، وتكاثرت الأصوات المنادية به " بالتوجه إلى ولي الأمر بالموافقة على عقد مؤتمر يجمع بين علماء الشرع وعلماء الفلك للنظر في المسائل الفلكية المتعلقة بحسبان منازل الشمس والقمر وما يتعلق بذلك من نتائج تفيدنا في تحديد أوقات الصلاة والصيام والحج وهذا طريق من طرق التثبت والتحقق "، طلب في غير محله.
فإن قال قائل هذا تفريق غريب، والأصل أننا نصوم حينما نرى الشهر الفلكي، كما أننا نصلي حينما تغيب الشمس، سواء كان مغيبها فلكيا، أو مغيبها مشاهدا محسوسا، قلنا هذا من أسباب الإشكال الوارد على الشيخ ابن منيع ومن معه في مسألة العلم، ومطابقته للواقع، ومطابقة الشرع للعلم، وهو ما سيتضح في ما يلي:
ما الدليل على التفريق بين العمل بالحساب في أوقات الصلاة، والعمل بالحساب لإثبات الهلال:
قال الرسول صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وقال أيضا (لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروا الهلال)، وما برح علماؤنا يقولون بأن الشارع علق الصوم على الرؤية، ولا زال كثير من القائلين بالحساب سواء في الإثبات أو النفي عاجزين عن فهم هذه الجملة القصيرة السهلة، الذي كانت سهولتها ووضاحتها سببًا في إهمالها، وظنًا بقائلها أنه لم يدرك حقيقة الخلاف، ولم ينظر في الفلك، ولم يعرفه، بل ولم يكن عميقًا في بحثه، وأخذته البساطة بعيدا عن التحقيق، وسبحان الله العظيم.
قصد هؤلاء العلماء الأجلاء أن مناط الصوم هو الرؤية، أي أن علة الصوم هي الرؤية، وللشريعة علل بل ومقاصد لا يدرك مراميها كل أحد، ولا زال المسلمون المنصفون يتأملون فيها، لينكشف لهم كل يوم حكمة جديدة، فمناط الصوم أيها السادة هو أحد ما قدمناه؛ الشهود، أو إكمال العدة، وفوق الأمرين قبول إمام المسلمين أو جمهورهم لذلك، وقد تكلم عدد من العلماء في مقصد الشارع من بنائه حكم الصوم هذا على الرؤية البصرية، هل هو شعيرة؟ يعني أن يخرج المسلمون لترائي الهلال؟ أم ربطهم بالمخلوقات الكونية؟ أم تعليمهم منازل القمر؟ أم جعلهم يترقبون إعلان بدء الصوم، وبدء العيد، ويوم عرفة، دون أن يكونوا قد حددوا هذا اليوم من قبل؟ أم ربطهم بالأهلة، وبالتاريخ الهجري؟
لقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته) فهل الرؤية مقصودة لذاتها، أم أنها وسيلة لمعرفة ابتداء الشهر، فإذا ما عرف الشهر بأي وسيلة أخرى، ثبت حكم الصوم؟ وبتعبير الشيخ القرضاوي، هل الرؤية وسيلة لغاية فمتى ما تحققت هذه الغاية تحقق الحكم، أم أنها غاية في ذاتها؟ يظهر لي أن هذا لب الخلاف بين الفريقين.
فقولنا إذًا "مناط الصوم" معناه أن المعنى الذي سمي له شهر رمضان شهر رمضان، هو رؤية هلاله، أو استكمال العدة، أحد تلك الثلاثة، فرؤية هلاله، ليس جزءً زائدا على حقيقة الشهر، بل هي جزء من ماهية الشهر، فلا يسمى شهر رمضان كذلك لمجرد ولادة هلاله، بانفصال القمر من شعاع الشمس - أعني القمر الفلكي -، وهذا كقولنا الخمر متى يسمى خمرًا شرعًا؟، قيل إن مناط تسميته باسم هذا الشراب المحرم لإسكاره، هو الإسكار، وعليه فلو وجد ثمة شراب يحمل نفس الأوصاف، وله نفس المركبات، لكنه غير مسكر، لما سمي خمرًا، ولما علق عليه التحريم، فهو عندنا - أي في الشريعة - ليس بخمر، وإن سماه العلم والعالم كله خمرًا، إذ قد علق التحريم بالإسكار، والإسكار مناط تسمية الشراب خمرًا، وهو جزء لا يتجزأ من حقيقته.(3/112)
ولمزيد من البيان والتقرير لكون الرؤية جزءًا من الغاية ومقصودا فيها، نقول: كان يمكننا موافقة الشيخ ابن منيع ومن معه من القائلين بالحساب، في أن المقصود هو ولادة قمر الشهر الجديد، أعني حصول هذه الظاهرة الكونية، سواء كان ذلك في النفي أو في الإثبات، عند تحقق واحد من أمرين:
الأول: أننا نجد بعد استقراء كلام الشارع، وكلام شراح كلام الشارع - علمائنا السابقين- أنّ ثمة إيماءات وتنبيهات على أن الصوم متعلق بولادة قمر الشهر الجديد، عندئذ نقول جمعًا بين الأدلة أن شهر رمضان الذي يجب صومه هو الشهر الفلكي التاسع، وليس الشهر الذي يبدأ بإحدى هذين الطريقين.
الثاني: أن تأتي النصوص مطلقة غير معلقة الحكم بالرؤية، كما هي الحال في الصلاة لمواقيتها، إذ إن نصوصها جاءت مطلقة غير مقيدة، فعلم بهذا أن تلك المواقيت أعني الظواهر الفلكية التي تجري على الشمس والقمر، معلقة بما يدل عليها وحسب، سواء كان رؤية أو حسابًا أو غيره، قال الله تعالى (أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل) (الإسراء: 78) فعلق الحكم هنا بذات الدلوك ولو قال: أقم الصلاة لشهود دلوك الشمس لتغير الأمر، وسبحان من علق الصوم الذي يأتي في العام مرة، على ذلك، وعلق الصلاة التي تتكرر كل يوم مرات على هذا، فسبحانه ما أجل حكمته ورحمته بعباده.
وقد نص على هذا القرافي في كتابه الماتع الفروق، فقال رحمه الله ( ... والفرق - وهو المطلوب ههنا وهو عمدة السلف والخلف -: أن الله تعالى نصب زوال الشمس سبب وجوب الظهر وكذا بقية الأوقات لقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (1). أي لأجله، وكذلك قوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ} (2). قال المفسرون: هذا خبر معناه الأمر بالصلوات الخمس في هذه الأوقات حين تمسون: المغرب والعشاء، وحين تصبحون: الصبح، وعشياً: العصر، وحين تظهرون: الظهر، والصلاة تسمَّى سُبحة، ومنه سبحة الضحى أي: صلاتها، والآية أمر بإيقاع هذه الصلوات، وغير ذلك من الكتاب والسنة الدال على أن نفس الوقت سبب، فمن علم السبب بأي طريق كان، لزمه حكمه، فلذلك اعتبر الحساب المفيد للقطع في أوقات الصلوات وأما الأهلّة، فلم ينصب صاحب الشرع خروجها من الشعاع سبباً للصوم، بل رؤية الهلال خارجاً من شعاع الشمس هو السبب، فإذا لم تحصل الرؤية لم يحصل السبب الشرعي فلا يثبت الحكم، ويدل على أن صاحب الشرع لم ينصب نفس خروج الهلال عن شعاع الشمس سبباً للصوم قوله صلى الله عليه وسلم: " صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته ". ولم يقل لخروجه من شعاع الشمس، كما قال تعالى: {أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} (3). ثم قال: " فإن غُمَّ عليكم "أي: خفيت عليكم رؤيته " فاقدروا له ". وفي رواية: "فأكملوا العدة ثلاثين ". فنصب رؤية الهلال أو إكمال العدة ثلاثين، ولم يتعرض لخروج الهلال من الشعاع] (4).
_________
(1) سورة الإسراء: الآية رقم (78).
(2) سورة الروم: الآية رقم (17، 18).
(3) سورة الإسراء: الآية رقم (78)
(4) الفروق (2/ 179)(3/113)
وهنا لا بد لنا من التنبيه على منهج خطير آخذ في التسلل إلى بعض حملة العلم، يريد به الليبراليون شيئًا، ويحصل من بعض علمائنا بحسن نية منهم موافقة لما يقول أولئك لكن دون التنبيه على اختلاف الدوافع والمقاصد، فيفرح أولئك بكلام من وافقهم من العلماء ويطيرون به، ولو أن هذا الفريق من العلماء اجتهد فانتهى إلى ما انتهوا إليه، لكنه مع ذلك حذر من تلك الدوافع والمقاصد لكان هذا حسنًا، لكن أن يلتقي معهم في قول يقصدون من ورائه هدم حمى الشريعة، أو إشاعة ما يعرف بالإسلام المعتدل، ومشايخنا الفضلاء هؤلاء ساكتون صامتون، فهذا مما لا يجوز، إذ هو سكوت عن منكر شاهدوه وخالطوه يوم أن حصلت بين الفريقين مشاكلة ومشاركة في القول، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول (من رأى منكم منكرًا فليغيره، بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان).
هذا المنهج يقوم على تجاوز النص بحجة العمل بالمقصد الشرعي، وعليه - بحسب هذا المنهج - فإن كثيرًا من النصوص الشرعية وسائل لمقاصد وغايات، فإن تحققت تلك الغايات بتلك الوسائل أو بغيرها، فثم الشرع، وهذا الكلام وإن كان في العموم كلام أصولي دقيق وصحيح، إلا أنه عام أريد به خصوص، إذ يلزم المحتج به أن يثبت أولا أن هذا النص وسيلة غير مقصودة بذاتها، هذه هي العقبة الكؤود في وجه هؤلاء، لكن يأتي من مشايخنا من يذلل لهم الأمر ويسهل لهم هذه العقبة، وينقب في الكتب ليرى أن ثمة من يقول بهذا القول، فيسقط الإجماع، ثم يعرض المسألة مكيفًا لها تكييفا أصوليًا، لتظهر المسألة وكأنها من مسائل الخلاف والاجتهاد، مما لا يثرب على المخالف القول والعمل بها إذ له سلف في ذلك.
ونحن إن بدأنا في هذا الطريق انتهينا إلى زندقة "فقهية ليبرالية"، فثمت قائل بقول هؤلاء، وقائل بذاك القول، وهكذا، فلا ينكر على مخالف! ولولا أنّ موضوع هذه المقالة ومقصودها مختلف لجرى البحث في هذه الظاهرة والرد عليها، لكن يقال اختصارًا إن العلماء تظاهروا على أن "من تتبع الرخص فقد تزندق"، وأن "من أخذ برخصة كل عالم اجتمع فيه الشر كله"، وأن النظر إلى هذه الشريعة بهذا السلوك، هو عين ما أوقع زنادقة الباطنية في المذهب الباطني، فالصلاة ليست مقصودة لذاتها، ولكن المقصود منها تزكية النفس وتهذيبها والارتقاء في درجات الكمال، والصوم كذلك
وقياسا على هذا النسق الفاسد يمكننا أن نقول إن الوضوء ليس مقصودًا لذاته، إذ المقصود منه طهارة الأعضاء، فهو بتعبير يشابه تعبير الشيخ القرضاوي، وسيلة لغاية الطهارة، فإن تحققت الغاية بأي وسيلة تحقق الحكم!.
نعم، هناك نصوص لا تعدوا أن تكون وسائل لغايات، هذا يقرره استقراء العلماء للشريعة، وهو أمر دقيق، ويحتاج إلى نظر أصولي فقهي مقارن، فإن تتابع علماؤنا السابقون على أمر، حتى مع وجود شواذ من المخالفين فإن الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الشذوذ موجب للأخذ بما تتابعوا عليه وعدم الشذوذ عنه.
وعليه فيقال للفضلاء الذين يضعون هذا السؤال بين أيدينا؛ أعني قولهم لم لا نعمل بالفلك والحساب في الصوم كما عملنا به في الصلاة؟ يقال لهم، الصلاة عبادة لها شروطها وأركانها، والصيام كذلك، فالطهارة ليست شرطًا في صحة الصيام لكنها شرط في صحة الصلاة، وذات رؤية الهلال من قبل واحد أو اثنين من المسلمين، أو إكمال العدة ثلاثين يوماً، شرط في إعلان دخول الشهر، وبدء الصوم الواجب، وذات دخول وقت الصلاة هو مناط وجوب الصلاة، سواء علم دخول الوقت برؤية غياب الشمس أو الشفق، أو بالعلم بغياب الشمس، أو العلم بغياب الشفق،،، فليتأمل هذا الفرق، فإنه مهم جدًا.
شهادة الشهود، من وما يردها؟(3/114)
هذه قضية هامة في موضوعنا، لكنّ الذين يتبنون العمل بالحساب سواء في النفي أو في الإثبات معه لا يولونها اهتمامًا كافيًا في البحث، ومعلوم كما تقدم أن الشريعة الإسلامية قررت وسائل للإثبات، منها ما هي وسائل مجردة، متى ما ثبتت الغاية بها أو بدونها ثبت الحكم، وذلك مثل تطهير النجاسات، وإثبات أوقات الصلاة، واتجاه القبلة، وغياب الشمس للفطر، وظهور الفجر للصوم، ونحو ذلك
وهناك وسائل مقصودة بذاتها، وقد تكون مع ذلك مرادة لغايات أخر، فكونها مرادة لغايات أخر لا ينفي ولا يعارض كونها هي مقصودة لذاتها، مثل الغسل من الجنابة، والأذان للإعلام بوقت الصلاة، والاجتماع لحضور الجمعة في يوم الجمعة، وإثبات نسب الولد لفراش الزوجية أو ملك اليمين، وإثبات الزنا بشهادة شهود أربع على حصول الإيلاج، وأمثلة ذلك لا حصر لها، فمثة وسائل، وغايات، ووسائل هي نفسها غايات، وغايات لا تنفك أن تكون وسائل، والله أعلم.
ثم إن البينات في الشريعة مثل اليمين، والكتابة، وشهادة الشهود المستوفين للشروط الشرعية إذا انفكت عما يكذبها شرعًا، أو حسًا، أو عقلاً، فإنها ملزمة، غير معلمة، ولولا أن الأمر يطول لاستقرأنا أمثلة ذلك من كتب الفقهاء، حتى نبين أن قول من قال إنما هي معلمة غير ملزمة غير مقصود، أو مقصود لكن أراد به قائله ذلك الحكم الذي تقترن البينات فيه بما يعارضها مما ذكر.
ولهذا، -والشيخ ابن منيع من أول من يعلم - اختلاف العلماء في القاضي هل يحكم بعلمه أم لا؟
والصواب الذي عليه المحققون - وهو مذهب الجمهور - أنه لا يقضي بعلمه، إلا إذا أراد أن يدرأ حدًا، أو اكتسب العلم بحس في مجلس القضاء، أو نحو ذلك، وفي الصحيحين عن أم سلمة عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ وَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ.
وفي صحيح البخاري في قصة الملاعنة المشهورة بين هلال بن أمية وامرأته، وفيه فَجَاءَ هِلَالٌ فَشَهِدَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟ ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ فَلَمَّا كَانَتْ عِنْدَ الْخَامِسَةِ وَقَّفُوهَا، وَقَالُوا: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَتَلَكَّأَتْ وَنَكَصَتْ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهَا تَرْجِعُ، ثُمَّ قَالَتْ: لا أَفْضَحُ قَوْمِي سَائِرَ الْيَوْمِ، فَمَضَتْ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَبْصِرُوهَا فَإِنْ جَاءَتْ بِهِ أَكْحَلَ الْعَيْنَيْنِ، سَابِغَ الْأَلْيَتَيْنِ خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بن سَحْمَاءَ فَجَاءَتْ بِهِ كَذَلِكَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلا مَا مَضَى مِنْ كِتَابِ اللَّهِ لَكَانَ لِي وَلَهَا شَأْنٌ.
فهذه المرأة قد وقع منها الزنا، وكأن النبي صلى الله عليه وسلم قد استقر عنده يقينًا أو ظنًا غالبًا أنها قد وقعت في ذلك، تأكد هذا يوم أن قال لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن، ومع ذلك لم يحكم بهذا كله، بل حكم بظاهر البينة التي أوجبها الله، أعني الملاعنة، فجنس البينة هنا مقصود، ولا يملك القاضي أن يخالفه ..(3/115)
فإذا تأسس هذا، جاز لنا أن نسأل فنقول إن شهد شهود عدول برؤية هلال شوال، فهل يملك القاضي لأي سبب آخر أن يرد شهادتهما، أو أن يعمل بموجبها؟ لا أظن أحدًا، ولم أطلع على من قال يردها، وأنى له ذلك؟ وما حجته أمام الله يوم أن يقول له، قال لك نبيي بأنه إن شهد شاهدان فصوموا، فلم لم تصم؟ فلا يملك إلا أن يقول يا رب كان عندي قرينة تكذبهم؟ وعندئذ يكون السؤال ما هي القرينة التي يمكن أن يعذر بها القاضي في تكذيب شهادة الشهود أو ردها!؟، فهل يجيب بأنه علم قاطع، قضى بأن الهلال لا يرى في تلك الليلة!.
إن شهادة الشهود حكم شرعي، لا يرده إلا حكم شرعي، والحكم الشرعي الذي يمكن أن يرد شهادة الشهود، هو شهود غيرهم يعارضون ما قاله الأولون، أو مخالفة هذه الشهادة للشرع، أو الحس، أو العقل، وهذا متفق تماما مع قول الشيخ ابن منيع " وسماحة شيخنا يعرف ويعلم أن الشهادة يحتاج قبولها أمرين: أحدهما أن تكون الشهادة منفكة عما يكذبها حساً وعقلاً. والثاني ثبوت عدالة الشاهد. ونحن لا نشك أن القضاء قد استكمل تعديل الشهود ولكن عدم انفكاك الشهادة عما يكذبها لا يزال ثغرة نقص في صحة الشهادة والله المستعان"
فإشكال الشيخ وكثيرين في هذه الأيام وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي، في الأخذ بشهادة الشهود مع معارضتها للحساب، إذ إنها عندئذ لا تنفك عما يكذبها، وربما استشهد البعض بكلام لابن تيمية، وابن عثيمين وغيرهم في أنه لو شهد شاهد برؤية الهلال قبل غروب الشمس ردت شهادته.
وهذه من المواطن التي التبست على الشيخ وعلى من قال بقوله، فإنهم لم يميزوا بين "ما يقطع به العلم"، وما يعتبره الشرع قطعيًا، فما يقطع به العلم ينظر العلم فيه إلى حقيقة الأمر، وما يقطع به الشرع ينظر فيه الشرع إلى اعتبارات كثيرة منها، قد يكون العلم أحدها وقد لا يكون، فليس مما يفيد القطع شرعًا بمجرده، ليس تقليلا من شأنه ولكن لكل مقام مقال، فلو اتفق أهل الأرض كلهم على قطعية ودقة العلم الفلكي، فنظرة الشارع وتشوفه غير نظرة الفلك وتشوفه، وللشارع "اعتباراته الخاصة".
فالحس هو السمع، والبصر، والشم، واللمس، والذوق وهو ما يقوى على معارضة البينات، فشهادة الشهود التي يمكن أن ترد هي الشهادة التي تخالف الحس هذا، أما العلم المستند إلى غير الحس، بل يحصل بالنظر والآلات، فإن الشارع لم يحل عليه ولم يلتفت إليه مطلقاً، فالحكم بمقتضاه ورد الشهادة المعتبرة في الشرع أمر محدث لم يعهد عند علماء الأمة وتبديل لأحكام الشريعة واستدراك على الشارع.
فالحس هو ما يقوى على معارضة البينات، فشهادة الشهود التي يمكن أن ترد هي الشهادة التي تخالف الحس هذا، أما العلم المستند إلى غيب عن الإنسان، فإن الشارع يرده، وله إرادته وقصده في هذا، ليس لنا إلا أن نسلم ونذعن له.
وهكذا يقال في العقل، فالعقل الذي يعتبره الشارع، هو العلم الضروري، أو المنطق الذي لا يحتاج إلى نظر أو تفكير، كقولنا إن الواحد أصغر من الاثنين، والكل أكبر من الجزء، ونحو ذلك، فليس هذا بالعلم، ولا هذا بالحساب، بل هو العقل وهذا معلوم مستقر، وإني أرغب إلى الإخوة القائلين بهذا القول أن يأتوا لنا بأمثلة من الشريعة تدل على اعتبار ذلك النوع من العلم معارضًا للشهادة أو نحوها، وعندئذ تستقيم لهم دعواهم، أما نحن فقد قدمنا أمثلة من الشريعة تدل على نفي اعتبار الشريعة لمقتضى هذا العلم، وأظهر مثال تقدم معنا هو مقتضى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (الولد للفراش وللعاهر الحجر) في إثبات نسب الولد لمن ولد على فراشه دون اعتبار العلم الذي يمكن أن يكون قطعيًا.(3/116)
وقد أخطأ الشيخ ابن منيع في مقارنة الحساب الفلكي بمثال الجمع الذي ذكره، فقد قال (فالنتائج العلمية لكل علم من العلوم لاسيما إذا كانت هذه النتائج قطعية لتحديد ولادة الهلال هذه النتائج العلمية لا يتقدم بها عالم أو اثنان أو أكثر حتى نشترط لقبولها العدالة والتقوى والصلاح. وإنما هي نتائج علمية قطعية يعترف بها البر والفاجر والصالح والفاسق والمسلم وغير المسلم فليست نتائج شخصية حتى نطلب من مقدمها ما يدل على ثقته وأمانته. فمثلاً النظريات الرياضية من معدلات وغيرها مما هي محل اعتبار واعتراف وتسليم هل نطلب ممن يقدمها بأي وسيلة من وسائل النشر والبيان العدالة والثقة والصلاح؟ وحينما يقول لفضيلته مثلاً أحد الناس: 15+ 10= 25أو 7*9= 63هل يتردد فضيلته في قبول هذه النتائج حتى تثبت عدالة من يتقدم إليه بها. لعل الأمور قد اختلطت على شيخنا - حفظه الله)، فالحساب يا شيخنا الكريم مرده إلى الحس المشاهد، وهو مما تعتبره الشريعة، فأنت إذا جئت بخمسة عشر درهما، وأضفت إليها عشرة، ثم عددتها مرة أخرى أصبح المجموع خمس وعشرين، وإذا كررت مجموعة أفرادها سبعة، تسع مرات، ثم عددتها واحدًا واحدًا، وجدت حسًا أن مجموعها ثلاثة وستين وهكذا، فهذا حساب حسي لأمر قد حدث أو يحدث الآن وهو لا شك قطعي، والحساب الفلكي حساب لأمر مستقبل من ناحية وغيبي غير مشاهد من ناحية أخرى، فليس منتهاه الحس، وأرجو أن يلاحظ فضيلتكم أننا لا نتحدث عن دقة الحساب الفلكي وعدم دقته، ولكننا نتحدث عن ما هو معتبر في الشريعة وما ليس معتبر، فلو قدر للخلق بعد أمد أن يكشف الله لهم بأبصارهم فيشاهدون القمر وهو يأتي من المشرق، فيسير نحو المغرب، ثم يبصرونه يسير بعيدًا، فيأتي آخر وقال انظروا ها قد أتى، والشهود ما زالوا يشهدونه يتوارى في جهته الأخرى، لعملنا بهذا، وهذا رعاكم الله حسًا، وليس حسابًا، فعلم بهذا خطأ من أطلق فقال بأن الحساب قطعي، والرؤية ظنية، مثل تقي الدين السبكي إن صح حمله كلامه على ذلك.
هذا يا كرام معنى حديث النبي صلى الله عليه وسلم (إنا أمة أمية لا نحسب، ولا نكتب، الشهر هكذا، وهكذا): أي إننا أمة نعتمد على العلم الضروري الحاصل بالحس الذي يعتمد عليه الأمي، ونعتمد كذلك على العقل الذي هو صفة فطرية ليس له علاقة بعامي ولا جاهل، فلا نفتخر نحن بالأمية، ولا نفتخر بإلقاء العلم وراء أظهرنا، ولكن هذا وصف لطبيعة أحكام الشارع، ولكل نظام طبيعة في أحكامه، فلا يحكم أحد على أحد.(3/117)
ذلك من جهة، ومن جهة أخرى فقد خلط الشيخ ابن منيع بين الحقيقة العلمية، وبين بعض الحسابات المتعلقة بالحقيقة العلمية والمبنية عليها، فقد قال (ولاشك بوجود الفرق بين من يتقدم بشهادة رؤية الهلال وبين من يذكر بحقيقة علمية معروفة لدى علماء ذلك العلم. فالأول يأتي بخبر يختص هو بمصدره - وهي الرؤية - والثاني يأتي بخبر علمي يشترك في معرفته جميع علماء ذلك العلم، فالأول في حاجة إلى تعديل وإنصاف بالثقة والأمانة والتقوى والصلاح لكون مصدر علمه بذلك الخبر - وهو الشهادة بالرؤية - ذاتياً في نفسه والثاني لا يلزم اشتراط تقواه وصلاحه لكون خبره معلوماً لجميع علماء ذلك الخبر) فالحقيقة العلمية الواقعة - أعني أنها حاصلة في الحاضر، نعم قد لا يحس بها كل أحد، لكنها هناك - هي التي تبني الشريعة عليها الأحكام في الغالب، أما الحسابات التي تتوقع المستقبل، فلم نر في الشريعة اعتبار لها، فثمة فرق عقلي هام بين الحقائق الفلكية وبين الحسابات الفلكية في أمر ولادة الهلال، وإمكانية رؤيته، فالحقيقة العلمية التي يمكن أن تعتبر، لا يختلف فيها الناس لأنها واقع حاضر محسوس، أما الحسابات الفلكية فهي إخبار أو تنبؤ عن مستقبل لما سيكون الأمر عليه بناء على تلك الحقائق الحاضرة، لكنه يعتمد على مؤثرات عديدة، فمنها في ما نحن فيه سرعة القمر، والشمس، والأرض، ومدار كل واحد منهما، وغير ذلك.
وأرجو أن يتأمل الجميع هذه الأحوال:
1 - أن نقول السيارة موجودة، وتتحرك بالوقود، وتصل سرعتها إلى مائة كيلو متر في الساعة.
2 - أن نقول أيضا إذا سارت السيارة بسرعة مائة كيلو متر في الساعة فإنها ستقطع مسافة 200 كيلو متر في ساعتين، فإذا سارت من نقطة أإلى نقطة ب التي تبعد عنها 200 كيلو متر، في الساعة العاشرة، وكانت سرعتها عندئذ 100 كيلو متر في الساعة، فإنها ستصل إلى نقطة ب في الساعة الثانية عشرة
3 - تبعد مدينة الرياض عن مدينة الدمام 400 كيلو متر، وسيسافر صالح من الدمام إلى الرياض يوم السبت القادم الساعة الثامنة صباحًا، وسيسير بسرعة 100 كيلو في الساعة، وسيتوقف لمدة نصف ساعة، وسيكون انطلاقه في البداية متسارعًا حتى يصل إلى سرعة 100 خلال 10 دقائق، وعليه فإنه وبالحسابات العلمية، سيصل إلى مدخل الرياض في تمام الساعة الواحدة إلا ربع مثلا.
الأولى: حقائق علمية لا شك في ذلك، ولا ينكرها إلا مكابر، والثانية: حساب حسي - كما مر معنا في مثال الشيخ ابن منيع السابق - أما الثالثة: فهي إخبار عما يمكن أن يحدث وتوقيته، أعني أنها إخبار عن مستقبل، وكل أحد يوافقني أن ذلك التوقيت والتوقع نظريٌ قد يكون صحيحا، لكنه قد يتخلف لأسباب كثيرة جدًا، فليتنبه إلى هذا الفرق، أعني الإخبار عن ماض، والإخبار- أو التوقع الدقيق - عما يمكن أن يكون في المستقبل بناء على الحقائق العلمية الثابتة في الزمن الماضي.
ثم إن قال لنا الحاسب يوم السبت الساعة الواحدة إلا ربع، الآن قد وصل صالح إلى الرياض فإننا لا نجزم بذلك لتطرق الشك إلى كلامه، لأننا نعلم يقينا أن ثمة عوامل مؤثرة قد تعرقل سيره فيتأخر أو يتقدم، لكن دعونا من هذه العوامل وتأثيرها، بل هبوا جدلا أن هذه العوامل منعدمة، فإننا نقول إن مجرد الإخبار عن وصوله بناء على هذا الحساب تعتريه مشكلتان:
الأولى: أنه لا يقول أحد بأنه قطعي لا يقبل الشك، وحتى وإن قلنا ذلك، تبقى لنا المشكلة الأهم، وهي ما تكرر معنا عدة مرات، وهي:
الثانية: أن الشريعة لا تبن على مثل هذا الحساب حكمًا، وأظن أن كثيرًا من النظم الوضعية تراعي مثل هذا، وهذا الذي يسمى في القانون بمبدأ شرعية الأدلة.(3/118)
ولمزيد من بيان الفرق، هبوا أن المخبر بأن صالحا قد وصل اتصل بصديق له في مدينة الرياض قد شاهد لحظة وصول صالح، فأخبره بها، فعندئذ يكون خبر هذا المخبر شهادة، لا حسابا، فيقبل.
نعم، سينبري هنا أصحاب الفلك قائلين بأن الجهل كل الجهل أن نقارن سيارة تسير في طرق كلاهما من صنع البشر، وشمس وقمر يسيران بحسبان كما قال الله جل وعلا، ونحن نقول نعم هناك فروقات كثيرة، لكننا ما قصدنا أبدًا تشبيه السيارة بالقمر، ولا سيرها بسيره، وإنما قصدنا تقريب الفرق بين الحقيقة الثابتة، وبين الحساب المبني عليه للإخبار عن شيء لم يحصل بعد، أو هو في عداد الغيب، فأرجو التنبه.
فإن قال قائل إننا لو حكمنا حسابًا باستحالة وصول صالح إلى الرياض قبل الساعة الواحدة إلا ربع، أو لنقل قبل الساعة الثانية عشر ظهرا، بناءً على أكبر تقدير لسرعته، وأفضل تقدير لمقدار سيره وتوقفه وعوامل الطريق الأخرى، ثم بعد ذلك شهد عدل بأنه وصل الساعة الثانية عشرة إلا ربع مثلا، لقال قائل يمكن أن يصح هذا لأن الفرق يسير، لكن لو قال قائل أنه وصل الساعة العاشرة مثلا لبلوغ الاستحالة حد اليقين، والجميع يقر بهذا عقلا، فمادام أنكم أقررتم بذلك، فلم لا تقرون به يوم أن نحكم باستحالة رؤية الهلال في ليلة التاسع والعشرين في أحد الأشهر مثلا؟
قلنا جوابًا على ذلك، الفرق بين ليلة التاسع والعشرين فرق يسير إذا ما قورن بعمر القمر كله، ولا يكاد يخالف في ذلك إلا مكابر، ثم إننا أبدًا ما قلنا بقبول من يزعم رؤية الهلال في ليلة السابع والعشرين مثلا، فضلا عن ليلة العشرين، بل إن الشارع قد لاحظ هذا الفرق، فحكم كما في حديث ابن عمر في الصحيحين أن الشهر يكون تسعة وعشرين، وثلاثين، فلا يكون أقل ولا أكثر.
ثم إن الدارس في علم الفلك يعلم يقينا أن العوامل المؤثرة في ولادة القمر، ثم إمكان رؤيته، كثيرة جدًا، والله جل وعلا قادر على أن يحدث تغيرا طفيفا في أحدها، يجعل الرؤية ممكنة في وقت غير ما حسبه الحاسبون.
ولو قال قائل أيضا بأن سير القمر والشمس، والعوامل المؤثرة فيه، قد عرفها الحاسبون منذ القديم، وأخذوا بها، عبر مئات من السنين، وحركة الشمس والقمر مضبوطتان بسنة كونية (بحسبان)، قد عرفت جميع جوانبها، وتطورت آلات الحساب، ومناظير المراقبة لدرجة عالية جدًا، فلو قال أجمع أهل الفلك المختصون بأن الحساب يحيل ظهوره في وقت كذا، لكان يقينا بأنه يستحيل ظهوره، فسلموا لنا - في أقل الأحوال - بأنه يستحيل ظهوره، حتى لو لم ترتبوا عليه أي حكم شرعي.
قلنا جوابا على ذلك، إن هذا غير مقبول أيضا، وذلك لسبب يسير جدًا، وهو أن هذا كله ما زال توقعًا عن أشياء غيبية مستقبلية كثيرة جدًا، لم يأت ما يؤيدها - ولن يأت - من الحس، ولو في حالة واحدة، ولذا فلا اعتبار لها في الشريعة البتة، وبيان أنه لم يأت ولن يأت ما يؤيدها أن النفي لا يقوى على مقاومة الإثبات إلا بالحس، فلو وضع الفلكيون تواريخ ولادة أهلة السنين كلها، ثم بنو على ذلك أنه تستحيل رؤية هذه الأهلة قبل تلك التواريخ، فما هو الحس الذي يمكن أن يؤيد هذه التوقعات؟ إن رؤيته في التاريخ الذي وضعه الفلكيون لا يعني أبدا أنه لا يمكن أن يرى قبله، ولا يمكن للحس أن يشهد بالنفي المطلق والمجرد عن إثبات ما عداه، فليتأمل.
وعلى هذا التقرير العقلي، فإنه لا يمكن للفلكيين بأن يجزموا بصحة حساباتهم عن المستقبل وما لم يشاهد جزمًا يصل إلى مرتبة ما يشاهد، ولذا ولغيره لم تعتبره الشريعة.(3/119)
وخلاصة ذلك أن لدينا ماض، وحاضر، ومستقبل، فالماضي مرده إلى من حضره وشاهده، وإثباته بسماع أو ما في حكمه، والحاضر مرده إلى الحس أعني أنه يشاهد، أو يسمع، أو يذاق، أو يشم، أو يلمس، وإثباته بالشهادة، أما المستقبل فلم يحس، وهو توقع لما يمكن أن يحدث، فهذا لا يقارن أبدا بما قد حدث، ولا اعتبار له في حكم له في الشريعة فيما نحن فيه.
تأملات حول إثبات الرؤية في زمن التشريع:
يتأيد ما تقدم لنا حينما نتأمل الأحاديث الواردة في ترائي الهلال على زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن لدينا ثلاثة أحاديث:
الأول: عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَأَيْتُ الْهِلَالَ فَقَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ قَالَ نَعَمْ فَنَادَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ صُومُوا) رواه أبو داود والترمذي وغيرهم.
الثاني: عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْتُهُ فَصَامَهُ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ) رواه أبو داود وغيره.
الثالث: عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النبي صلى الله عليه وسلم قال: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ فَقَدِمَ أَعْرَابِيَّانِ فَشَهِدَا عِنْدَ النبي صلى الله عليه وسلم بِاللَّهِ لَأَهَلَّا الْهِلَالَ أَمْسِ عَشِيَّةً فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ أَنْ يُفْطِرُوا زَادَ خَلَفٌ فِي حَدِيثِهِ وَأَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّاهُمْ. رواه أبو داود والإمام أحمد.
فتأملوا أيها الكرام حديث الأعرابي، ثم بعده حديث الأعرابيين، هل استفصل منه النبي صلى الله عليه وسلم غير سؤاله عن إسلامه؟ هل سأله أكانت جهة الهلال للمشرق أم للمغرب؟ هل تثبت النبي صلى الله عليه وسلم من رؤيته، بأن قال احسبوا هل يظهر أم لا يظهر؟ هل عمل به إثباتًا ونفيًا، أم إثباتًا فقط؟ هل سأله النبي صلى الله عليه وسلم عن معرفته بمنازل القمر؟ هل شك النبي صلى الله عليه وسلم في أنه رأى الزهرة أو كوكبا آخر؟ أو شعراً من رمشه سقط على عينه؟! هل اختبر النبي صلى الله عليه وسلم حدة بصره؟ لا، ولا، ولا،،،
وبعد، فهل أعلم الله النبي صلى الله عليه وسلم أن فعله ذلك سيكون تشريعًا لأمته أن يفعلوا ما فعل؟ فإذا ما جاءهم أعرابي، وسألوه هل هو مسلم، فأجاب بالإثبات، قبلوا شهادته، ودخل الشهر بناء على ذلك، هل علم النبي أو لم يعلم بأنه سيأتي أناس يدلون بشهادات حول رؤية الهلال، وبعضهم كاذب، وبعضهم مخطئ، وواهم، وبعضهم رأى كوكبا آخر، وهكذا ... ومع ذلك لم نر النبي صلى الله عليه وسلم أرشد إيماء أو تنبيهًا، فضلا عن تصريحًا، إلى وجوب عرض شهادتهم على علم الحساب حتى نتثبت من صدقهم، وعدم خطئهم.
ثم إني تأملت في هذه الأحاديث وأنا أسمع بعض الاتهامات تجاه الشهود الذين رأوا الهلال حيث يقول أصحابها، لم لم ير الهلال إلا هؤلاء الأشخاص، قلة في العدد، مع أن كثيرًا من الناس يترآونه؟
في الحادثة الأولى أعرابي، وفي رواية لأبي داود ثانية أعرابي من الحرة، يعني أن أعراب المدينة وأهلها من غيرهم عجزوا عن رؤيته!، وفي حادثة شهر شوال أعرابيان، ثم إنهما شهدا كذلك بما لم يشهد به الباقون، بل وغاب عن أهل المدينة كلهم حتى إن الأمر التبس عليهم!
خاتمة:(3/120)
لقد كنت شرعت في كتابة هذا الرد قبل مدة من الزمن، ولم أشأ أن يطول هكذا، لكن انتشار الشبهة في هذه الأيام، وازدياد القائلين بموجبها، ألزم القلم بما خالف مراد النفس فجرى مسترسلا، فكانت هذه الورقات تعقيبًا على الشيخ ابن منيع ومن وافقه في تخطئته للرؤية السعودية في سنوات عديدة، وقوله باعتماد الحساب لأنه قطعي في نفي الرؤية لأنها ظنية، وتبين لنا
1 - أن مدار البحثين أعني الرؤية والحساب مداران منفصلان، فلا يصح أن يحكم هذا ذاك، ولا ذاك هذا.
2 - وعلم مما تقدم كذلك أن الشارع لم يرد لنا أن نصوم الشهر التاسع الفلكي، الذي يبدأ بولادة الهلال التاسع في تلك السنة القمرية، وإنما أراد منا أن نصوم شهرًا، تسعة وعشرين أو ثلاثين يومًا يبدأ بشهود المسلمين لتاسع أهلة تلك السنة، حتى لو صاموا ثمانية وعشرين يومًا ما بين الهلال وإكمال العدة، ويقضون اليوم التاسع والعشرين بعد، وبه يزول الإشكال
3 - وأن التفريق بين المعنى الشرعي، وغيره، والحقيقة الشرعية وغيرها له نظائر إن لم يكن هو الغالب في الشريعة
4 - وأن القائلين بالحساب الفلكي أخطؤوا يوم أن قالوا بقطعيته كقطعية نتيجة الجمع أو الضرب، إذ أن الجمع والضرب من جهة أمر حسي، ومن جهة أخرى أنه يتحدث عن أمر قد وقع وشوهد (ماض أو حاضر)، أما الحساب الفلكي فإنه يتحدث عن توقع لنتائج معينة (مستقبل)، لم يشهد لها الحس ولو مرة واحدة بالصحة، ويستحيل أن يشهد لها، لتغاير مدلول النفي والإثبات.
نسأل الله أن يهدينا إلى الصواب، وأن يرينا الحق حقًا، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم
كتبه
هيثم بن جواد الحداد
ضحى الأربعاء 19 شوال 1428هـ
وأعيد النظر فيه ليلة الثلاثاء 24 شوال 1428هـ.
لندن(3/121)
قاعدة في الأعياد
سليمان بن عبد الله الماجد
الحمد لله وحده أما بعد ..
فإن الزمان والمكان ظرفان جامدان لا تعظيم لهما إلا ما عظمته الشريعة، والتفات القلب إلى تعظيم شيء منها واعتباره والاحتفاء به إما أن يكون قربة لله وضرباً من العبودية له؛ لأن شريعته عظمته، أو أن يكون بعداً عنه وضرباً من عوائد الوثنية؛ حيث كانت تعظم الجمادات ثم اخترعت في تعظيمها ما لم يأذن به الله.
والقاعدة في هذا أن كل قول أو فعل يقصد فيه الزمن، ويتكرران بعودة ذلك الزمن فهو عيد محدث في الشريعة؛ وإن غيَّر الناس تسميته، ويزداد الوصف تأكيدا إذا ظهرت فيه أعمال أخرى؛ كالاجتماع لأجله، والتهاني، أو الألعاب، أو المآكل والمشارب.
وبرهان ذلك أن البدعة تدخل في الدين المنزل المحدد بسمات تعبدية محضة؛ كالصلاة والحج والصيام، ويكون دخول البدعة فيها بأحد أمرين:
الأول: التغيير في بنيتها أو زمانها أو مكانها؛ فمن زاد ركعة في الصلاة، أو جعلها في غير وقتها، أو في غير مكانها على الدوام فقد ابتدع.
والأمر الثاني: فعل عبادة أخرى مضاهية لها ولو لم يُغير في الواردة بشيء؛ كمن أحدث صلاة سادسة تؤدى ضحىً، ويجتمع الناس لها في المساجد.
وإذا أردنا أن نتصور مسألة المضاهاة هذه فلنضرب لها مثالاً: فلو أن أحداً أراد أن يُعظِّم أباه فكان عند استيقاظه يقف صامتاً متوجهاً إلى منزل والده، وهو مع ذلك يتمتم ببيت معين من الشعر، ويحرك يديه بطريقة معينة يداوم عليها؛ فإذا سئل عن ذلك قال: هذه مجرد عادة لا مدخل فيها لبدعة، ولي أن أعظم والدي بأي طريقة أراها!
فلا ريب أن كل منصف سيقول: إن هذا الفعل يشبه العبادة المشروعة، وسيقرر أن هذا من أعظم المحدثات والبدع .. وذلك كله رغم أنه لم يركع ولم يسجد ولم يتل آية واحدة، كل هذا يدل على أن مضاهاة العبادة المحضة بدعة محرمة.
والأعياد الشرعية؛ كالفطر والأضحى جاءت بسمات التعبد المحض وذلك في اختيار الشريعة لزمانها على وجه لا يعقل له معنى على التفصيل؛ فوجب أن يُسلك بها سبيل العبادات المحضة؛ فنقول فيها ما قلناه في الشرائع المحددة بأنه لا يجوز أن نغير في زمانها؛ فنجعل عيد الفطر ـ مثلا ـ في ذي القعدة، ولا أن نجعل صلاة العيد بعد المغرب ولا أن نحوله حزنا؛ فهذا إحداث في بنية العيد وزمانه، وهو الأمر الأول الممنوع في العبادات المحضة ويُوصف بالبدعة.
أما في الأمر الثاني وهو المضاهاة فلا يجوز أن نحدث عيدا ثالثا؛ ولو لم نغير في الأعياد الواردة؛ كالذي قلناه في الصلاة السادسة.
وهذه هي النتيجة المطلوبة في هذه المسألة.
ومما يؤيد هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى أيام التشريق ـ كما سيأتي في الحديث ـ سماها بالعيد؛ وذلك لأجل قصد الفعل أو القول أو المكان في الزمن المعين المختار من الشريعة على وجه التعبد.
وقد ذهب إلى اعتبار عدم معقولية المعنى لجريان حكم البدعة الإمام الشاطبي رحمه الله؛ فقال في "الموافقات" (2/ 222): ( .. التعبد راجع إلى عدم معقولية المعنى، وبحيث لا يصح إجراء القياس، وإذا لم يعقل معناه دل على أن قصد الشارع فِي الوقوف عند ما حدّه لا يُتعدى .. ).
وقال رحمه الله: ( .. لأن ما لا يعقل معناه على التفصيل من المأمور به أو المنهي عنه؛ فهو المراد بالتعبدي، وما عقل معناه وعرفت مصلحته أو مفسدته فهو المراد بالعادي).
وقال في "الاعتصام" (1/ 347): (فإن كان مقيداً بالتعبد الذي لا يعقل معناه فلا يصح أن يُعمل به إلا على ذلك الوجه).
وفي "الشرح الكبير" (1/ 672) قال الدردير رحمه الله: ( .. إن الشارع إذا حدد شيئاً كان ما زاد عليه بدعة) أهـ.(3/122)
وإنما دخل الإشكال على البعض في هذا الباب حين ظنوا أن البدعة لا تدخل إلا عملا يراد به القربة؛ كالصلاة والصيام والحج، وقد بينت في بحث نُشر على الشبكة بعنوان: (ضابط البدعة وما تدخله) ما يدل على بطلان ذلك؛ فآمل مراجعته؛ لأن تصور مسألة هذا السؤال لا يتم إلا بتصور هذه المقدمة العظيمة.
وقد دلت الشريعة في باب الأعياد على صحة هذا الاتجاه؛ فعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قدم رسول الله المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال - صلى الله عليه وسلم -: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما فِي الجاهلية؛ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما يوم الأضحى ويوم الفطر". رواه أبو داود في "سننه" (1/ 295).
وقال - صلى الله عليه وسلم -: " يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب" رواه أحمد من حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه -.
فقوله: "أبدلكم" دليل على إبطال كل عيد وإلا لزادهم من أعياد الإسلام دون إبطال الأعياد الحالية. وقوله: "عيدنا أهل الإسلام" دليل على أن ما سواها أعيادُ غير أهل الإسلام.
ثم تأيدت هذه الأدلة بالهدي الظاهر للسلف؛ فلم يظهر في ديار الإسلام بعد إيقاف الرسول صلى الله عليه وسلم الأعياد السابقة، وإبدالها بأعياد الإسلام أي عيد طيلة القرون الثلاثة المفضلة تعبدية كانت أو عادية، حتى أحدث العبيديون عيد المولد؛ وذلك رغم أن للأمم المجاورة أو المخالطة للمسلمين أعياداً تعبدية وعادية؛ يقصد منها الاحتفاء بزمان أو شخص؛ كعيد الشعانين ومولد عيسى عليه السلام للنصارى، والنيروز للفرس وغيرها من الأعياد؛ لاسيما والأمة فِي هذه القرون كانت تأخذ الكثير من المفيد النافع من الأمم الأخرى؛ فتركها لهذه الأعياد رغم وجودها دليل على إعراضها عنها ديانة.
ولو قال قائل: إن هذا إجماع لكان له وجه، وحتى لو لم يصح إجماعا فإنه ظاهر جلي في فهم السلف لهذه النصوص، وأنها تدل على عدم مشروعية الأعياد المحدثة.
هذا وليس من الأصول المعتبرة ولا المشارع الصحيحة عند أهل العلم إجراء القياس فيما سبيله التعبد المحض؛ لوجوه:
الوجه الأول: أن إجراء القياس مسألة عقلية، والعبادات مبناها على التعبد المحض المنافي للمناسبات العقلية التفصيلية؛ فلا قياس.
وبيانه أن القياس يقوم على إعمال العقل لاستنباط العلة من الأصل المقيس عليه، وإعمال العقل مرة أخرى لتحقق وجود هذه العلة فِي الفرع المقيس له.
فحيث لم يُعقل المعنى امتنع القياس فِي جعلها أصلاً أو فرعاً.
قال النووي فِي "المجموع" (3/ 342): ( .. الصلاة مبناها على التعبد والاتباع والنهي عن الاختراع , وطريق القياس منسدة .. ).
وقال الشاطبي فِي "الاعتصام" (2/ 62) عن العبادة: ( .. ولذلك حافظ العلماء على ترك إجراء القياس فيها .. ).
وقال البهوتي فِي "كشاف القناع" (2/ 478) ( .. ولا يصح القياس إلا فيما عُقل معناه، وهذا تعبدي محض).
وانظر "البحر المحيط" (7/ 133) "، و"شرح الكوكب المنير" (537).
الوجه الثاني: أن الصحابة والتابعين والعلماء في القرون المفضلة لم يستعملوا القياس ليصححوا عبادة جديدة أو يزيدوا فيها بذلك.
الوجه الثالث: أن من شرط صحة القياس أن لا يعارض نصاً من الكتاب أو السنة، وكل قياس لإنشاء عبادة أو الزيادة فيها فهو معارِض للنص القطعي العام المانع من الإحداث.
فالعبادة المحضة التي تركها الرسول - صلى الله عليه وسلم - والسلف مع قيام المقتضي لفعلها وانتفاء المانع منه هو كالنص منهم على النهي عن ذات الفعل فيُعتبر القياس معارضاً لهديهم؛ فهو باطل.(3/123)
الوجه الرابع: أن القياس لا يُعمل إلا عند الضرورة؛ ولا ضرورة لإحداث عبادة لم تأت بِها الشريعة؛ بل الضرورة تقتضي ترك الإحداث.
جاء فِي "المدخل" (1/ 119) لابن بدران: ( .. عن أحمد قال: سألت الشافعي عن القياس؟ فقال: إنما يصار إليه عند الضرورة).
وكلام الإمام الشافعي رحمه الله يدل على أن القياس إنما يباح للضرورة حتى فِي المعاملات؛ فما بالك فِي منعه له فِي العبادات.
لذلك ترى أكثر العلماء الراسخين لا يُحسِّنون شيئاً من هذه المحدثات، أو يعلنون محبتها، أو يعملونَها، أو يتولون الحديث عنها تنظيراً وقياساً وتأليفاً ودرساً.
وقد رأى بعض العلماء المعاصرين أن مناط الحكم بالمنع من الاحتفال بهذه المناسبات أو بعضها هو التشبه بالكفار في هذه الأعياد، وفيه نظر كبير؛ فلو كان هذا هو سبب منعها الوحيد لم تكن هذه الأعياد ممنوعة محرمة؛ لأن القاعدة في التشبه: أن ما لم يكن من خصائص مَنْ نُهينا عن التشبه بهم فلا يُعتبر تشبهاً مذموماً، وهذه الأعياد لم تعد من خصائص الكفار؛ بل صار يشترك فيها المسلم والكافر؛ كبعض الملابس التي كانت خاصة بهم ثم صارت مشاعة بين الأمم؛ فلم يعد لبسها تشبهاً.
وإنما سبب المنع ما ذُكر من المقدمتين:
الأولى: أن الأعياد الشرعية من جملة التعبدات المحضة، وهي من الدين المنزل المحدود.
الثانية: أن مضاهاة هذا النوع من الدين بإحداث أعياد زائدة: بدعة في الشريعة.
فإذا تبينا كون هذه الأقوال والأفعال حدثا في الدين فلنحذر من فعل البدعة وقولها، قال الله تعالى: "أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله"، وقال: صلى الله عليه وسلم: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد".
* * * *
وهذا عرض لبعض ما وقع فيه النزاع من الأعياد مع بناء الكلام فيها على هذه القاعدة:
عيد مولد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم:
إن سمة التعبد المحض في عيد المولد ظاهرة في اختيار الزمان دون معنى معقول، وفي هذا مضاهاة للمشروع. يوضح هذا أنه لا معنى عقلياً لاختيار الزمان ليكون وقتاً لتعظيم الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فما المعنى العقلي المفهوم من قصر الاحتفاء بما ذُكر في زمان دون آخر؟ بل إن المناسبة العقلية الصحيحة هي في اختيار غير الزمان الذي وقع فيه الحدث الذي يراد الاحتفاء به؛ لأنه وقت نسيانه، ولأن زمان حدوثه هو: وقت تذكره؛ فالصمود إلى الزمان المعين نوع تحكم وتصميم لم يُعهد إلا من الشريعة في اختيار الأزمنة والأمكنة؛ فههنا كانت المضاهاة التي تحيل العمل العادي إلى عبادة مبتدعة.
ومما استدل به بعضهم لتصحيح عيد المولد ما أخرجه أحمد بسند صحيح إلى ابن سيرين رحمه الله قال: (نبئت أن الأنصار قبل قدوم رسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة قالوا: لو نظرنا يوماً فاجتمعنا فيه فذكرنا هذا الأمر الذي أنعم الله به علينا .. وفيه أنهم اختاروا الجمعة؛ فاجتمعوا فِي بيت أبي أمامه أسعد بن زرارة؛ فذُبحت لهم شاة فكفتهم.
وقالوا بأن هذا في حقيقته احتفال بالنبي صلى الله عليه وسلم في يوم معين.
فالجواب يكون بعدم التسليم أن ذلك احتفال بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، ولو سُلم لكان قبل شرع صلاة الجمعة وخطبتيها؛ حيث جاء فِي رواية عبد الرزاق بسند صححه ابن حجر أن ابن سيرين قال: (وقبل أن تنْزل الجمعة)، وفيها: فأنزل الله فِي ذلك بعدُ: "يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله" الآية.
فتركهم لهذا الاجتماع على يوم محدد ـ بعد نزول الجمعة ـ دليل على عدم مشروعية أي اجتماع آخر له سمة العيد، وفيه دليل أيضاً على أنهم يعرفون مثل تلك الأعمال؛ فتركوها اكتفاء بما شرعه الله يوم الجمعة من الصلاة والتذكير والوعظ في خطبتيها.(3/124)
ثم إن هذا الاجتماع في دار أسعد بن زرارة إنما هو درس، ولم يكن الزمان مقصودا فيه؛ فلا يُسلم أنه عيد.
كما أورد بعضهم على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الاثنين: "ذلك يوم ولدت فيه" بأنه صلى الله عليه وسلم احتفل بيوم مولده بالصيام؛ فالجواب أنه تقرر أن الأعياد الشرعية من الدين المنزل المحدد؛ ولا مجال للقياس في العبادات المحضة؛ فاحتفالنا المشروع بمولده صلى الله عليه وسلم إنما يكون على الصفة الواردة، وهي صيام الاثنين فقط.
ولو صح هذا المنهج للزم أن نزيد ركعات في الصلاة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الصلاة خير موضوع فمن شاء فليستقل ومن شاء فليستكثر".
والذين يقيمون الموالد وإن كان الدافع لهم على ذلك محبة النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه، ويُشكرون على هذه المحبة فإنه ينبغي أن نعلم أن أعظم محبته هو ترسم منهجه والسير على طريقه.
الأعياد القومية:
وذلك كعيد النيروز أو عيد الجلوس أو عيد الثورة أو عيد الاستقلال وغيرها من الأعياد التاريخية والقومية والعرقية.
فسمة العيد شرعا وعرفا ظاهرة في هذه المناسبات فهي ممنوعة، وتعد محدثة مبتدعة.
وتقدم الكلام أن تخلف نية التعبد عن مثل هذه الأعياد لا تغير شيئا في وصفها بالبدعة الشرعية.
إن حب الوطن والعناية به ـ في حدود ما أقرته الشريعة ـ وكذلك تفضيله على غيره دون معارض شرعي لا تثريب فيه، ولكن الإحداث يحصل بتخصيص يوم معين للاحتفاء به دون سائر الأيام.
الوعظ عن مناسبة في يوم حدوثها:
كالحديث عن غزوة بدر في السابع عشر من رمضان، أو عن الإسراء والمعراج في السابع والعشرين من رجب، أو عن الهجرة في أول السنة الهجرية؛ فهذا من جنس المحدثات.
وكان سبب قيام وصف البدعة هنا هو الصمود إلى زمان معين دون مناسبة معتبرة شرعا ولا عقلا، وقد تقدم أن المناسبة العقلية تقتضي ذكر الشيء في يوم نسيانه لا في يوم تذكره.
وإذا كانت بعض الأحكام ظاهرة في وصفها بالشيء نفيا أو إثباتا فإن هذه المسألة لا تعد كالمسائل التي اجتمعت فيها سمات العيد كالمذكورة آنفا، ولكنها في نظري أقرب إلى أن تُلحق بما وُصف بالبدعة؛ لما تقدم تعليله، ولأنه قول ربط بزمن دون مناسبة عقلية معتبرة. وحري بمن أراد أن يستبريء لدينه أن يدع قصد الزمان في هذه المواعظ، ويمكنه أن يؤجلها أو يقدمها عن التاريخ بالقدر الذي يقطع الارتباط الذهني بعلاقة الموعظة أو خطبة الجمعة بذلك التاريخ.
ولنحذر في هذا المقام من استمزاج الشيء والارتياح له بما يؤدي إلى استحسانه ومحبته، وربما تشديد النكير على من أنكره؛ لأن هذا الارتياح هو الذي حمل أهل الموالد والأعياد المحدثة إلى استحسان بدعهم، والمسلم الموفق هو الذي يحمل نفسه على الأصول الشرعية دون اعتبار لذوقه وارتياحه.
تخصيص أيام الأعياد والجُمع لزيارة المقابر:
وذلك بدعوى عموم أدلة مشروعية الزيارة مطلقة أو عامة؛ وهذا مسلك غير صحيح؛ فيجب أن تبقى على عمومها أو إطلاقها ولا تقيد أو تخص بالرأي؛ فعليه حينئذ أن يعود نفسه على زيارة المقابر حسب الاتفاق من الفراغ والنشاط.
أما إذا كان وقت الزيارة هو وقت الفراغ أو النشاط؛ دون أن يكون الزمان مقصوداً للزائر فلا شيء فِي ذلك؛ كمن لا يجد فراغاً إلا يوم الخميس أو الجمعة مثلاً؛ فله أن يجعل الزيارة فِي هذا الوقت؛ لأنها صارت معقولة المعنى فلم ينطبق عليها حد البدعة.
عيد الزواج:
فما يكون في الأسرة أو خارجها في هذا اليوم من الاجتماع، أو تبادل التهاني، أو الهدايا، أو إحداث أي تغيير في الحياة اليومية التفاتا إلى كون اليوم هو تاريخ الزواج هو في الحقيقة عيد زماني محدث ضاهى فيه المحتفل العيد الشرعي فكان ممنوعا.
حفلات تكريم الطلبة:
تقام حفلات تكريم الجامعيين وطلبة حلق تحفيظ القرآن العظيم؛ فهل تُعتبر بدعة لكونها تشبه العيد؟
ذهب إلى ذلك بعض أهل العلم، والأظهر أن ذلك مرجوح؛ لكون هذه الحفلات معقولة المعنى على التفصيل، والزمن غير معين، ولا يُقصد لذاته؛ كما هي الحال في الأعياد الشرعية وغير الشرعية، وإنما المقصود خاتمة الفترة الدراسية؛ فلو تأخرت أو تقدمت تبعتها في ذلك، وهذا معقول المعنى معروف العلة فلم يكن بدعة.
عيد القرقيعان:
وهو من الأعياد المحدثة؛ بل اجتمعت فيه أكثر سمات العيد من اختيار الزمان وهو اليوم الرابع عشر من رمضان، وإلباس الأطفال الملابس الجديدة، وتهادي المكسرات والتسالي، والاجتماع لأجله.
عيد الأم:
وفيه يقع اختيار يوم معين، ويحصل التهادي والتهاني، وربما الاجتماع؛ فلا يكون مشروعاً.
* * * *
وأمثال هذه الأعياد كثير؛ كعيد الحب والشعبنة، ويوم المعلم وغيرها، وإذا عرفنا القاعدة سهل رد الفروع المتجددة إليها. والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد.(3/125)
ما كان لله بقى .. الإخلاص في التأليف
عبد المجيد المنصور
نقل ابن عبد البر في التمهيد قصة تأليف مالك لموطأه فقال: (قال المفضل بن حرب: أول من عمل الموطأ عبد العزيز بن الماجشون: عمله كلاماً بغير حديث، فلما رآه مالك قال: ما أحسن ما عمل ولو كنت أنا لبدأت بالآثار ثم شددت بالكلام، ثم عزم على تصنيف الموطأ فعمل من كان بالمدينة يومئذ من العلماء الموطآت فقيل لمالك: شغلت نفسك بعمل هذا الكتاب وقد شركك فيه الناس وعملوا أمثاله؟ فقال: ايتوني به فنظر فيه ثم نبذه وقال: لتعلمن ما أريد به وجه الله تعالى. قال: فكأنما ألقيت تلك الكتب في الآبار) (1) ا. هـ
وقال ابن عبد البر أيضاً: (وبلغني عن مطرف بن عبد الله النيسابوري الأصم صاحب مالك أنه قال: قال لي مالك: ما يقول الناس في موطئي فقلت له: الناس رجلان محب مطرٍ وحاسدٍ مفتر، فقال لي مالك: إن مد بك العمر فسترى ما يراد الله به) (2) ا. هـ.
وروي أنه لما ألف مالك موطئه قيل له: ما الفائدة في تصنيفك؟ فقال: (ما كان لله بقي)، ذكر ذلك السيوطي في تدريب الراوي.
وحال مالك: كما قال ابن المبارك:
إني وزنت الذي يبقى ليعدله ... ما ليس يبقى فلا والله ما أتزنا
قلت: سبحان الله اندثرت تلك الموطآت ولم يبق إلا موطأ مالك، ومع أنه بقي طول هذه المدة إلا أن العلماء وقَّعوا على الكتاب وشهدوا على جلالته، واعتنوا به اعتناء منقطع النظير، فيقول الإمام عبد الرحمن بن مهدي: (ما نعرف كتاباً في الإسلام بعد كتاب الله عز وجل أصح من موطأ مالك) (3)، والشافعي يقول: (ما كتاب بعد كتاب الله عز وجل أنفع من موطأ مالك رحمه الله) (4).
قال ابن خلدون في مقدمته: (وتلقت الأمة هذا الكتاب بالقبول في مشارق الأرض ومغاربها ومن لدن صنف (5) إلى هلم (6)، وطال ثناء العلماء في كل عصر عليه ولم يختلف في ذلك اثنان ... ) (7).
وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء: (وإن للموطأ لوقعا في النفوس، ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء ... ) (8)، وقال في موضع آخر: (وما زال العلماء قديما وحديثا لهم أتم اعتناء برواية "الموطأ " ومعرفته، وتحصيله) (9).
قلت: وقد صنفت موطئات كثيرة في زمن مالك، ولم تكن في الحجم والكبر دون موطأ مالك، ولكن لم يكتب الله لها الدوام والاستمرار كما كتب لموطأ مالك، ومنها موطأ ابن أبي ذئب، قال الدارقطني: (كان ابن أبي ذئب صنف موطأ فلم يخرج) (10)، ومنها موطأ ابن وهب تلميذ مالك: قال الذهبي: (قلت: موطأ ابن وهب كبير لم أره) (11).
قلت: وإن الله تعالى كتب لعبارة مالك تلك: (ماكان لله بقي) البقاء كما كتب لكتابه الموطأ، فصارت مثلاً، كما كان موطئه جبلا.
_________
(1) التمهيد لا بن عبد البر (1/ 86).
(2) التمهيد لا بن عبد البر (1/ 85).
(3) سير أعلام النبلاء (9/ 205).
(4) التمهيد (1/ 77).
(5) قال في معجم البلدان: صنْفٌ: بالفتح ثم السكون، موضع في بلاد الهند أو الصين ينسب إليه العُودُ الصنفيُ الذي يتبخر به وهو من أردء العود لا فرق بينه وبين الخشب إلا فرقاَ يسيراً.
(6) يبدو أنها بلدة قديمة كانت في المغرب العربي، ولم أجد لها ذكر في معاجم البلدان.
(7) مقدمة ابن خلدون (7/ 684).
(8) سير أعلام النبلاء (18/ 203).
(9) سير أعلام النبلاء (8/ 85).
(10) العلل الواردة في الأحاديث النبوية (12/ 246).
(11) سير أعلام النبلاء (9/ 225).(3/126)
ولقد كانت تلك العبارة تشدني كثيراً، وتلوح لي عند كتابة أي حرف على قرطاس، وكم استوقَفَتْ نفسي لتتصارع معها فيما يخطه المداد، هل سيذهب أدراج الرياح، أم سينفع الله به، وهي هموم تجول في خواطر أولي النهى على ما اعتادته النفوس البشرية وهو أمر طبعي، لكن النفوس المريضة التي تبحث عن الشهرة- لا جعلنا الله منهم- تجول في خواطرها كم عدد القراء؟، وماذا يكون رد فعل الجمهور؟، وتتطلع إلى ثناء الناس ومديحهم، قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: (ومتى نظر العامل إلى التفات القلوب إليه فقد زاحم الشرك نيته؛ لأنه ينبغي أن يقنع بنظر من يعمل له، ومن ضرورة الإخلاص ألا يقصد التفات القلوب إليه، فذاك يحصل لا بقصده بل بكراهته لذلك ... فأما من يقصد رؤية الخلق بعمله فقد مضى العمل ضائعاً؛ لأنه غير مقبول عند الخالق ولا عند الخلق؛ لأن قلوبهم قد ألفتت عنه، فقد ضاع العمل، وذهب العمر) (1).
وأما أولي الخفاء والإخلاص فإنهم يقذفون بالحق بإخلاص غير مبالين بما يقوله الأنام، فينفع الله فيه، ويدمغ به الباطل بقدر إخلاصهم ويقينهم حين تصنيف الكتاب.
ولقد أوضح الإمام مالك رحمه الله لكل مؤلف ومصنف بعده منهجاً كان مرسوماً ممن قبله، يقوم على أن أي كتاب يراد له البقاء على مر العصور فلا بد أن يكون القصد فيه لله دون قصد الثناء أو الاعتلاء على أكتاف الآخرين، والله عليم بذات الصدور، ولما صدق مالك مع الله في كتابه هذا أبقاه الله، وبقدر إيمان العبد وإخلاصه في التأليف يقع به النفع، ويكون البقاء، فإن عظم إخلاصه كثر ذكر كتابه وتردده على الألسن، وكلما ضعف الإخلاص ضعف تأثير الكتاب في الناس، وقل ذكر الألسن له.
والإخلاص كما يقول أهل السلوك درجات بعضه فوق بعض، وليس على مرتبة واحدة، وما كان للشيطان فليس له دوام، ولكنه زبد يذهب جفاء: (فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض ... )، قال الجاحظ واصفاً بعض الكتاب: فتأمَّل الكتَّاب ... إن ألقيت عليهم الإخلاص وجدتهم كالزَّبد يذْهب جُفاءً، وكنبْتة الربيع يُحرقها الهيْف من الرياح؛ لا يستندون من العلم إلى وثيقةٍ، ولا يدينون بحقيقةٍ؛ أخفر الخلق لأماناتهم، وأشراهم بالثمن الخسيس لعهودهم؛ الويل لهم مما كتبت أيديهم وويلٌ لهم مما يكسبون) (2).
كما أوضح لنا الإمام مالك في مقولته تلك أن من أخلص عمله لله وقصد بكتابه وجه الله لم يلتفت إلى كلام المثبطين، ولم يخش لوم اللائمين، ولا نقد الفارغين؛ لأن من خاف ملامة الناس ترك كثيراً مما كان لله فيه رضا، وكان خوفهم فوق خوف ملامة الله، وهذا ما عمله الإمام مالك حيث لم يلتفت إلى كثرة الموطآت في المدينة، ولم يعر للنقد بالاً، ولم يقعده التثبيط عن تصنيف موطئه.
ولا يعني بحال أننا نجزم أن كل كتاب نفع الله به ظاهراً أن صاحبه كان به مخلصاً، ولا أي كتاب اندثر ولم يبق، أن في إخلاص مصنفه شيئاً؛ لأن أعمال القلوب علمها عند علام الغيوب، فقد يكتب الله البقاء الدائم لكتاب أراد مؤلفه منه الشر أو الحياة الدنيا أو ضعف إخلاصه فيه، ويُقيّض الله له من يعتني به ابتلاء وامتحاناً لمؤلفه أو لآخرين، وقد يكتب الله لكتاب آخر الفناء والانقطاع السرمدي ابتلاء وامتحاناً، أو رحمة لمؤلفه، وليس لضعف في إخلاصهم، وهذا الظن في السلف وكتبهم التي لم يكتب لها البقاء مثل موطأ ابن أبي ذئب وابن وهب وغيرهم.
_________
(1) صيد الخاطر ص 122
(2) الرسائل ص 127(3/127)
وقد يكون هناك من الأسباب النظرية التي تجعل الكتاب ينتشر ويشتهر دون غيره إضافة إلى أمر الإخلاص، وهو عناية التلاميذ، وكثرة الأصحاب والأتباع، وفي عصرنا الحاضر الدعاية الإعلامية، وحسن الطباعة والإخراج وغير ذلك من الأمور الظاهرية التي في الحقيقة وحدها ليست بشيء إذا انعدم معها الإخلاص، بل لا أبالغ إذا قلت إن وجود الإخلاص وحده كاف في إشهار الكتاب وبقاءه على مدار التاريخ، ولو بدون دعاية أو حسن طباعة، بل ربما تصير أقوال العالم كتباً على مدار التاريخ لم يسطرها بيده، ولكن سطرها الإخلاص لله، والصدق معه، والجهاد باللسان، فيقيض الله لكلامهم من يدونه فيكون كتاباً ينفع الله به المسلمين أجمع، وقد حفظ لنا التاريخ شيئاً كثيراً من ذلك، وتراثاً ضخماً من أقوالهم.
ولما كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد الناس إخلاصاً في دعوته، وأعظمهم إيماناً، وأخشاهم لله؛ حفظ الله للأمة أقواله بل وأفعاله وتقريراته، وسيرته وغزواته، وكل صغيرة وجليلة من حياته، صلى الله عليه وسلم، مع أنه لم يدون كلامه صلى الله عليه وسلم في كتاب، ولا أمر به، بل نهى عنه حتى لا يختلط بالقرآن، فقيض الله لإمام المخلصين صلى الله عليه وسلم من يحفظ له أقواله وسنته، وقيض له من يحميها من التحريف والكذب من أئمة الجرح والتعديل، ومن يدونها في الكتب في عهد القرون الأولى، حتى بقيت إلى يومنا هذا، بقاء القرآن الكريم.
ولما سار الصحابة على نهج النبي (صلى الله عليه وسلم) في الإخلاص والدعوة والخشية لله أبقى الله لنا كثيراً من أقوالهم وأفعالهم بقدر إخلاصهم، فحفظت لنا كتب الآثار والمصنفات الكثير من أقوال أبي بكر وأفعاله؛ لأنه يأتي بعد النبي (صلى الله عليه وسلم) في الإخلاص واليقين، وهكذا عمر ثم عثمان ثم علي، وهكذا بقية الصحابة تزخر كتب المصنفات والآثار بتاريخهم وسيرهم وأحوالهم، يزيد بعضهم على بعض في الإخلاص وينقص، حتى صارت أقوالهم موضع قدوة واحتجاج واقتداء، وكذلك تلقى التابعون وأصحاب القرون المفضلة الثلاثة من الصحابة الإخلاص لله تعالى، فدون التاريخ مآثر وأقوال ثلة كبيرة من الصالحين والمخلصين منهم، فأضحت أقوالهم منارات تنير الطريق، وحكماً تزيد في الإيمان لم يجعلوها في كتب ولا مصنفات، ولا في دواوين ولا مؤلفات، حفظها عنهم التلاميذ والأصحاب فخلدها التاريخ لصدقهم وإخلاصهم، أمثال الحسن البصري وسعيد بن المسيب والسفيانين وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم، والنماذج من أقوالهم ومآثرهم التي خُلِّدت كثيرة جداً لا تكاد تحصى، ولكن أشير إلى بعض المواقف التي تدلنا على مدى إخلاصهم في أقوالهم وكتاباتهم، فهذا حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس يتكلم في تفسير القرآن وبيان معانيه أمام حشد من المتلقين، ولم يدونه في كتاب له، بل لم يكن التأليف عندهم معهوداً، فيقضي الله تعالى أن تدون أقوال هذا الحبر في كتب التفسير ثم تفرد في كتاب مستقل بعد قرون يحمل اسم (تفسير ابن عباس رضي الله عنه).
وموقف آخر يرويه ابن عساكر عن أبي سعيد رضي الله عنه، فقد روى عن عكرمة قال قال لي ابن عباس ولعلي ابنه انطلقا إلى أبي سعيد الخدري فاسمعا من حديثه، فأتيناه وهو في حائط له، فلما رآنا قام إلينا، فقال مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنشأ يحدثنا، فلما رآنا نكتب قال لا تكتبوا واحفظوه كما كنا نحفظ ... ) (1)، ومع هذا النهي منه رضي الله عنه فقد حفظت لنا السنة أحاديثه التي رواها، وتولى الله إبقاءها.
_________
(1) تاريخ مدينة دمشق (43/ 46).(3/128)
وموقف ثالث من تلميذ نبيه لابن عباس وهو مجاهد كان يقول لأصحابه: ((لا تكتبوا عني كل ما أفتيت به، وإنما يكتب الحديث، ولعل كل شيء أفتيتكم به اليوم أرجع عنه غداً)) (1)، ويريد الله تعالى أن يبقي لهذا العالم أقواله وآراءه، مع نهيه عن الكتابة عنه، ولم يؤثر هذا النهي في نقل علمه.
وموقف رابع من أحد أتباع التابعين وهو الإمام مالك فقد أبقى الله لنا موطئه كما علمنا، كما أبقى لنا فقهه وعلمه وأقواله وأجوبته ظاهرة جلية في (المدونة) التي دونها تلاميذه وأشهرهم سحنون، ولم يكتبها في مصنف، وفي آخر جزء من المدونة لسحنون التعليق التالي: (كتبه ناسخ هذا الجزء: سمعت الكتاب, وكتبته بيدي, وسوف تبلى يدي ويبقى الكتاب) أهـ، وسبحان الله بليت اليد، وبقي الكتاب.
هذا الكتاب الذي يبقى لصاحبه ... ذكر يسار به في البدو والحضر
تَعَلَّمَنْ أنَّ الدواةَ والقلَمْ ... تَبقى ويُفْنِي حادثُ الدَّهر الغَنَمْ
وموقف خامس من الإمام الشافعي تلميذ مالك رواه ابن عساكر في تاريخه عن البويطي قال: قلت للشافعي: إنك تتعبنا في تأليف الكتب وتصنيفها والناس لا يلتفتون إليك ولا إلى تصنيفك! فقال لي: (إن هذا هو الحق والحق لا يضيع) (2).
وقال الشافعي: (ألفت هذه الكتب ولم آل فيها ولا بد أن يوجد فيها الخطأ؛ لأن الله تعالى يقول: "ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا" فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب أو السنة فقد رجعت عنه) (3).
وقال الربيع: دخلت عليه وهو مريض فذكر ما وضع من كتبه، فقال: لوددت أن الخلق تعلموا هذه الكتب ولم ينسب إلي منها شيء أبداً) (4)، وقال مرة: (وددت أن كل علم تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني)، وهذه العبارات التي سطرها التاريخ تدلنا على المرتبة التي وصل إليها أولئك الأخفياء من الإخلاص حيث بلغوا منه المراتب العليا، حين تجردوا من حظوظ النفس ومبتغاها، فاستحقوا بعدها من عند الله ثمرة الذكر الحسن، والبقاء لكتبهم وأقوالهم بل ومذاهبهم وسيرهم، وهذه كتب الإمام الشافعي التي دونها بنفسه، أو دونها عنه تلاميذه باقية على مر العصور، وما كتابا الأم والرسالة عنا ببعيدين.
_________
(1) قواعد التحديث ص52.
(2) تاريخ مدينة دمشق (51/ 365).
(3) تاريخ مدينة دمشق (51/ 365)، وتاريخ بغداد (14/ 254).
(4) تاريخ مدينة دمشق (51/ 365).(3/129)
وموقف سادس من الإمام أحمد رحمه الله تلميذ الشافعي فقد كان يرفض مبدأ التصنيف والتأليف في الفقه تقديراً للكتاب والسنة، وكان يعتبر ذلك بدعة، وواضعها مبتدع (1)، ونهى أصحابه عن كتابة فتاويه، ويقول لهم: "خذوا من حيث أخذت"، ولم يؤثر عنه تأليف خاص من قوله إلا رسالة (الصلاة) ألفها لإمام مسجد رأى منه تقصيراً في الصلاة (2)، قال ابن القيم: (ولأجل هذا لم يؤلف الإمام أحمد كتاباً في الفقه وإنما دون أصحابه مذهبه من أقواله وأفعاله وأجوبته وغير ذلك)، ولم يكن لنهيه رحمه الله تأثير على حفظ مذهبه وأقواله وأجوبته، فشرع أصحابه بتدوين المسائل التي أفتى بها، فهناك مسائل الإمام أحمد لأبي داود، وأخرى لابن أبي هانئ، وأخرى لابنه صالح، وأخرى لابنه عبد الله ... وأخرى، حتى نهيه عن الكتابة عنه حفظوه وبقي، فنفع الله بعلمه -الذي دونه أصحابه- الإسلام والمسلمين، وصارت أقواله مذهباً يذهب إليه طائفة كبيرة من العلماء، أبقاها الله تعالى لنا لإخلاص هذا الرجل وجهاده في ذات الله، وحاله في عجز البيت التالي:
إن تكتبوا نكتب وإن لا تكتبوا ... تأتيكم بمكانكم كتبي
بل لم يكتف التاريخ بتسطير أقواله، ولكن تُوج التاريخ بسيرته العطرة المليئة بالكفاح والجهاد بالحجة والبيان، والمليئة بالابتلاء والامتحان، بل وسطر التاريخ مشهد جنازته العظيمة التي صَدَقَ فيها مقولته الشهيرة، والتي أبقاها الله تعالى لنا على مدار التاريخ كما بقي علمه ومذهبه، وصارت مثلاً للعلماء لا ولن ينسى وهي: (بيننا وبينكم يوم الجنائز) (3)؛ لعلمه أنه على الحق، ولصدقه مع ربه، وثقته به، وإخلاصه له، فحقق الله له مناه، وخلد ذكره، ونصر به السنة، واستحق لقباً لم يسبقه عليه أحد: (إمام أهل السنة)
قال ابن كثير معلقاً على مقولته تلك (وقد صدق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبي دؤاد وهو قاضي قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يتلفت إليه، ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان ... ) (4).
يا قائلاً قصُرَت في العلم نُهْيَتُهُ ... أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسِبُ
إنَّ الأوائل قد بانوا بعلمهم ... خلافَ قولِك قد بانوا وقدْ ذهبوا
ما ماتَ منا امرؤ أبقَى لنا أدباً ... نكون منه إذا ما مات نَكتِسبُ
_________
(1) سرد ابن القيم في الطرق الحكمية روايات الإمام أحمد الواردة في ذلك، ثم وجه رأي الإمام أحمد، وفصل القول في المسألة، فليراجع ص401.
(2) أنكر الذهبي أن تكون هذه الرسالة من تأليف الإمام أحمد، والصواب عكس ذلك، كما هو مسند عنه في الطبقات لابن أبي يعلى، وقد أشار لذلك الشيخ بكر أبو زيد في المدخل المفصل.
(3) تهذيب الكمال (1/ 467)، والبداية والنهاية (10/ 342)، وسير أعلام النبلاء (11/ 340).
(4) البداية والنهاية (10/ 342)، ولشيخ الإسلام تعليق على عبارة أحمد يرجع إليها في مجموع الفتاوى (4/ 11).(3/130)
وهكذا بقية القرون التالية لم تخل من أولئك العلماء الأخفياء يدل على درجة إخلاصهم، شهرة كتبهم، وكثرة طباعتها، وقبول العالمين لها، أينما تتجه إلى بلد أو مكان تجد الكتاب، فهذا البخاري يصنف صحيحه الذي زاحم موطأ مالك ليبقى ذكره ليس بين العلماء فحسب بل بين العوام والصغار، ولا يزال العلماء من بعده يلهجون باسمه أو صحيحه في كتبهم، ودروسهم، ومحاضراتهم، وخطبهم، واجتماعاتهم، لا يكاد يخلو شيء منها من لفظة: (رواه البخاري في صحيحه، أو أخرجه البخاري، أو صححه البخاري، أو ضعفه البخاري ... )، ولذا لما علم رحمه الله أثر الإخلاص وصلاح النية في بقاء الكتاب وقبوله لدى الناس صدر كتابه بحديث (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ... ) فكان هذا الحديث أول حديث في كتابه مع غرابة إسناده كما هو مقرر في علم المصطلح، قال ابن بطال: "قال لي أبو القاسم المهلب بن أبي صفرة: وإنما قدم البخاري، رحمه الله، حديث"الأعمال بالنيات" في أول كتابه، ليعلم أنه قصد في تأليفه وجه الله، عز وجل، ففائدة هذا المعنى، أن يكون تنبيهًا لكل من قرأ كتابه، أن يقصد به وجه الله تعالى كما قصده البخاري في تأليفه" (1).
قلت: ولعل هذا الملحظ انتبه له العالم المحقق أبو زكريا يحيى بن شرف الدين النووي رحمه الله في كتابه (رياض الصالحين) فصدر كتابه بهذا الحديث كصنيع البخاري، فانطبع إخلاصه في التأليف على الكتاب حتى رأينا من شأنه عجباً يندر له النظير، ليبقى هذا الكتاب شامخاً بين العلماء والعوام على حد سواء، بل لو قيل إن أشهر كتاب بين العوام اليوم هو رياض الصالحين لم يكن ذلك بعيداً، ولا يكاد يخلو مسجد من المساجد إلا وفيه "رياض الصالحين" تجده شامخاً في أحد الرفوف بجانب القرآن الكريم، وما من إمام مسجد إلا وقرأ على جماعته هذا الكتاب كله أو بعضه، وقد طبع آلاف الطبعات، حتى قيل: (ما من دار نشر إسلامية إلا وطبعت هذا الكتاب).
وتستمر سلسلة عجائب الإخلاص في التأليف والكتابة بعد أولئك الأخفياء ليرينا التاريخ أعاجيب أخرى فجر فيها الإخلاص كل القيود ووسائل الحصار والتضييق على التأليف، فهذا أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله يسجن ويمنع من نشر علمه الغزير بين العالمين، ويمنع عنه في سجنه المداد والكاغد.
ويشاء الله أن يخرج علم ذلك الجبل من خلف كل تلك السدود، ليحفل الإسلام والمسلمين ببحور من العلم في فتاويه التي كتبها في سجنه، لتجمع بعده في قرون ويطلق عليها: (مجموع فتاوى ابن تيمية) ما من عالم أو طالب علم إلا وفي مكتبته نسخة منه، وصار مجموعه مورداً عذباً للفقهاء والأصوليين والمحدثين وعلماء العقيدة ... وكل الباحثين، والدعاة والمربين، قد ضرب في كل فن وعلم وباب بسهام كثيرة ..
_________
(1) شرح صحيح البخاري لابن بطال (1/ 31) وقد تكلم الشراح في سبب تصدير البخاري صحيحه بهذا الحديث مع أنه يخالف الترجمة ظاهراً "باب كيف كان بدء الوحي" فراجع شروح صحيح البخاري، ومنها فتح الباري لا بن حجر وعمدة القاري للعيني، وغيرهما(3/131)
وأصبحت آراؤه وتقريراته وتحقيقتها هي المعتمدة عند كثير من العلماء من بعده حتى إنه ما من عالم أو طالب أو باحث إلا ويحرص أن يضمن رأيه أو مقاله أو بحثه أو فتواه بشيء مما سطره ابن تيمية في فتاويه المجموعة، ومن حقنا أن نضمن هذا المقال بشيء مما قاله في هذا المجال، حيث كان من مقوله المتكرر في خمسة مواضع من مجموع الفتاوى وبعض كتبه: (ما لا يكون بالله لا يكون، وما لا يكون لله لا ينفع ولا يدوم) (1)، وقال في درء تعارض العقل والنقل نحوه: (وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل لا منفعة فيه، فما لا يكون به لا يكون فإنه لا حول ولا قوة إلا به وما لا يكون له لايصلح ولا ينفع ولا يدوم) (2)، وهي قريبة من عبارة مالك والشافعي رحمهم الله تعالى، وقد شاء الله تعالى لفتاويه وأقواله- وهي من أعماله- أن ينتفع بها العباد في سائر العلوم، وتصلح وتدوم، كما بقيت ودامت كتب وأقوال من سبقه بإذن الحي القيوم.
وعلى هذا النهج سار تلميذه النجيب ابن قيم الجوزية فصار لا يُذكر ابن تيمية إلا ويذكر بعده، فابن القيم معطوف، وشيخه معطوف عليه، وبينهما حرف عطف، نفع الله بعلومهما وكتبهما، واشتركا في كثير من العلوم والمعاني كما اشتركا في العطف والخفض والنصب والرفع والجزم، ومن بعد فلا عجب أن تجدهما يتفقان في بعض المعاني بل والعبارات والألفاظ، ومنها العبارة السابقة الذكر حيث يقول ابن القيم رحمه الله تعالى: (ولا صلاح له - أي العمل- إلا أن تكون غاية حركته ونهاية مطلبه: هو الله وحده، كما لا وجود له إلا أن يكون الله وحده هو ربه وخالقه، فوجوده بالله وحده وكماله أن يكون لله وحده، فما لا يكون به لا يكون، وما لا يكون له لا ينفع ولايدوم). كما قال شيخه رحمه الله، ولا أدري هل نقل العبارة منه، أو هو من توارد الأفكار وهو غير بعيد، ووارد عند كثير من العلماء.
وتسير قافلة الكتب المخلصة تمخر عباب بحر الشبهات والشهوات لتقف في كل قرن وتحمل معها نتاج علم العلماء شاءوا أم أبوا ممن أراد الله بقاء علمهم وكتبهم، وفي القرن الثاني عشر تقف القافلة لتحمل معها كتيباً صغير الحجم، عظيم القدر، كتب الله فيه النفع العظيم، وشاء له البقاء، وشاء لغيره مما خالفه الزوال والفناء، كيف لايبقى وقد اجتمعت فيه عوامل البقاء ظاهرة من إخلاص لله تعالى في الهدف والمنهج والتأليف والدعوة، والحرص على نفع العباد وتصحيح عقيدة التوحيد، وتصفيتها عما يشوبها من الشرك والتنديد، كيف لايبقى ولا ينتفع به والحاجة الماسة لمثله في وقته قائمة على أشدها، كيف لا يبقى وقد بناه على الكتاب والسنة، والحرص على نصح الأمة، ولم يبنه على قواعد المنطق ومصطلحات المتكلمين التي خطؤها أكثر من صوابها، إنه (كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد)، لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله، ألَّفه في بيان توحيد الألوهية الذي هو إفراد الله بالعبادة وترك عبادة ما سواه، والبراءة من ذلك، وبيان ما يناقضه من الشرك الأكبر، أو ينقص كماله الواجب أو المستحب من الشرك الأصغر، وقسم الكتيب إلى أبواب، وأورد في كل باب ما يشهد له من الآيات والأحاديث، فهو مبني على الكتاب والسنة: قال الله، قال رسوله، كما قال الشاعر:
العلم قال الله قال رسوله ... قال الصحابة ليس خلف فيه
ما العلم نصبك للخلاف سفاهة ... بين النصوص وبين رأي فقيه
_________
(1) مجموع الفتاوى (3/ 124)، (8/ 329)، (5/ 515)، (8/ 76)، (8/ 379).
(2) درء تعارض العقل والنقل (4/ 15).(3/132)
ولم يورد الشيخ رحمه الله في هذا الكتاب إلاَّ ما صح من الأحاديث، أو كان حسن الإسناد، أو هو ضعيف الإسناد، وله شواهد تقوّيه أو هو داخل تحت أصل عام يشهد له الكتاب والسنة، مما ترجم له الشيخ في أبواب الكتاب (1).
ثم إن الشيخ رحمه الله ذكر في آخر كل باب ما يستفاد من الآيات والأحاديث التي أوردها فيه من مسائل العقيدة؛ مما يعتبر فقهاً لنصوص الباب، بحيث يخرج القارئ بحصيلة علمية جيدة من كل باب، قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد الذي هو شرح لكتاب التوحيد: (قد جاء- أي كتاب التوحيد- بديعاً في معناه من بيان التوحيد ببراهينه، وجمع جملا من أدلته لإيضاحه وتبيينه، فصار علماً للموحدين، وحجة على الملحدين، فانتفع به الخلق الكثير، والجم الغفير، فإن هذا الإمام -رحمه الله- في مبدأ منشئه قد شرح الله صدره للحق المبين، الذي بعث الله به المرسلين: من إخلاص العبادة بجميع أنواعها لله رب العالمين، وإنكار ما كان عليه الكثير من شرك المشركين، فأعلى الله همته، وقوى عزيمته ... ) (2) الخ، وقال الشيخ ابن قاسم في حاشيته على كتاب التوحيد (وهذا الكتاب في التوحيد وما يجب من حق الله على العبيد، الذي لم يعلم له نظير في الوجود، قال فيه الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله:
قد ألف الشيخ في التوحيد مختصرا ... يكفي أخا اللب إيضاحاً وتبيانا
فيه البيان لتوحيد الإله بما ... قد يفعل العبد للطاعات إيمانا
حباً وخوفاً وتعظيماً له ورجا ... وخشيةً منه للرحمن إذعانا
وغير ذلك مما كان يفعله ... لله من طاعة سراً وإعلانا
وفيه توحيدنا رب العباد بما ... قد يفعل الله إحكاما وإتقانا
وفيه توحيدنا الرحمن أن له ... صفات مجد وأسماء لمولانا
وفيه تبيان إشراك يناقضه ... بل ما ينافيه من كفران من خانا
أو كان يقدح في التوحيد من بدع ... شنعاء أحدثها من كان فتانا
أو المعاصي التي تزري بفاعلها ... مما ينقص توحيداً وإيمانا
فساق أنواع توحيد الإله كما ... قد كان يعرفه من كان يقظانا
وساق فيه الذي قد كان ينقصه ... لتعرف الحق بالأضداد إمعانا
مضمناً كل باب من تراجمه ... من النصوص أحاديثاً وقرآنا
الشيخ ضمنه ما يطمئن له ... قلب الموحد إيضاحاً وتبيانا
فاشدد يديك بهذا الأصل معتصماً ... يورثك فيما سواه الله عرفانا
وانظر بقلبك في مبنى تراجمه ... تلقى هنالك للتحقيق عنوانا
وللمسائل فانظر تلقها حكماً ... يزداد منهن أهل العلم إتقانا
وقل جزى الله شيخ المسلمين كما ... قد شاد للملة السمحاء أركانا
وقال الشيخ أحمد بن مشرف رحمه الله تعالى:
وألف في التوحيد أوجز نبذة ... بها قد هدى الرحمن للحق من هُدِي
نصوصاً من القرآن تشفي من العمى ... وكل حديث للأئمة مسندِ
ومن استقرأه علم ذلك) (3) أ. هـ
وقد تصدى العلماء وطلاب العلم من بعده لشرحه، وصار طلاب العلم يحفظونه، بل وتقام المسابقات للصغار والكبار على حفظه، ورصدت لذلك الجوائز.
_________
(1) ينظر: إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ص14
(2) فتح المجيد ص5
(3) حاشية كتاب التوحيد ص3(3/133)
قال الشيخ صالح الفوزان حفظه الله في كتابه إعانة المستفيد الذي هو أيضاً من شروح كتاب التوحيد: "وأما (كتاب التّوحيد) فهو من أعظم مؤلفات الإمام المجدد الشيخ: محمد بن عبد الوهاب ... ولقد نفع الله بهذا الكتاب، وصار الطلاب يحفظونه، والعلماء يشرحونه ويوضحونه ... نسأل الله أن يكتب الاستمرار لنفع هذا الكتاب في الأجيال اللاحقة، كما انتفعت به الأجيال السابقة" (1)، ولأجل ذلك تسابقت الكثير من دور النشر على طباعته، وتسابق أهل الخير والجود بتحمل نفقات طباعته ونشره، وتسابقت الجمعيات الخيرية على توزيعه على الناس في مواسم الحج، فطبعت منه آلاف بل ملايين النسخ، وماكان لله بقي ونفع الله به.
وسار أبناء الشيخ وأئمة الدعوة بعده على هذا النهج، ونفع الله بهم وبفتاويهم ورسائلهم التي دونت وجمعت بعدهم لم تكن لتبقى لولا إرادة الواحد الأحد.
ويلمع منهم ذلك الحفيد الشيخ محمد بن إبراهيم وسلك نهج أجداده في الدعوة إلى التوحيد، والنصح الأمة رغم تقلده وتحمله لعشرات الوظائف العظيمة الثقيلة في الدولة، من الإفتاء، والقضاء، والتعليم العالي (جامعة الإمام والجامعة الإسلامية)، وتعليم البنات، وغيرها من الوظائف التي قسمت الآن على أكثر من رجل بمرتبة وزير، فقيّض الله له من طلابه البررة من جمع له فتاويه ورسائله في مجموع بلغ 13 مجلدا، وسميت: (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ محمد بن إبراهيم) وسارت به الركبان، وطارت شهرته بخوافي النسور وقوادم العقبان، وهي فتاوى ورسائل مباركة انتفع به العلماء والقضاة وطلاب العلم إلى هذا اليوم، وله شروح وحواشي على عدد من الكتب.
وتستمر القافلة في المسير لنشاهدها في زماننا هذا تُركب معها نتاج ثلة من علمائنا المخلصين أمثال الشيخ العلامة الزاهد عبد العزيز بن عبد الله بن باز الذي أنار درب السائلين، في برنامج: "نور على الدرب" لتجمع تلك الأنوار فتضيء لنا فتاويه وأقواله المجموعة الطريق، ولم يكن ليسطرها بيده مع كف بصره، ولكن بفضل الإخلاص لله تعالى، وبذل العلم والوقت للمسلمين، والحرص على هداية العالمين يقيض الله له من يدونها عنه ويراجعها ويحققها، ويخرج أحاديثها ويدققها.
وغير بعيد عنه صنوه وتلميذه الفقيه الذي أمتع الأمة والفقهاء بفقهه وعلمه، يلقي الدرس، وجل همه تعليم طلابه العلم وتفهيمهم بكل تجرد وإخلاص، فتكون دروسه المسجلة بعد سنين، كتباً ينهل منها كل طلاب العلم الراغبين، وما كتابه "الشرح الممتع على زاد المستقنع" الذي أثنى عليه كبار أهل العلم إلا أثراً من آثار الإخلاص لله تعالى، وأصبح علم هذين العلمين "ابن باز وابن عثيمين" وآرائهما موضع راحة واطمئنان للعامة والخاصة كما غدت أقوال شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم رحمة الله على الجميع.
وإن نَسِيت القافلة أن تقل أحداً على مر التاريخ فلن ولم تنس الإمام المحدث خادم السنة وناصرها، محمد ناصر الدين الألباني رحمة الله عليه الذي قدم مشروعاً للأمة منقطع النظير، حين أقبل على كتب السنة يحققها، ويبين الصحيح من العليل، في "سلسلة"، فيروي بعدها الغليل، في "إرواء الغليل"، ويدون التحقيق والتصحيح والتضعيف في كتبه لتبقى بعده تنطق باسمه، ويلهج طلاب العلم برأيه"صححه الألباني، وحسنه الألباني، وضعفه الألباني ... ) كما نطقوا باسم البخاري وغيره من قبل، ولله في خلقه شؤون.
_________
(1) إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد ص13 - 15(3/134)
تلك بعض نماذج من كتب أهل العلم وأقوالهم العلمية، والتي حملتها القافلة وأبقاها لنا التاريخ، ونفع الله بها الأمة، لم نرم من ورءاها الحصر، ولم نقصد القصر، وإلا فالتاريخ الماضي والحاضر مليء بالنماذج الجديرة بالذكر، ولكن شهرة تلك النماذج وقبولها لدى الناس تستوقف المتأمل، وتثير العجب، ومن رام لعلمه البقاء فليكن لله، وأجدها فرصة أن ألخص أبرز عوامل ذلك البقاء، نستوحيها من أقوال أولئك الأخفياء، ووجود كتبهم إلى يومنا هذا، ومنها:
أولاً: الإخلاص لله في التأليف والفتوى، فإنما الأعمال بالنيات، وفيما سبق من التقرير، كفاية عن التكرار، ومن روائع تعليقات وتوقيعات ابن القيم في إعلام الموقعين ما سطره بعد نقله لكلام الإمام أحمد رحمه الله حين قال: (قال -أي الإمام أحمد- لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس خصال، أولها: أن تكون له نية فإن لم يكن له نية لم يكن عليه نور، ولا على كلامه نور، والثانية: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، الثالثة: أن يكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته، الرابعة: الكفاية، وإلا مضغه الناس، الخامسة: معرفة الناس. وهذا مما يدل على جلالة أحمد ومحله من العلم والمعرفة، فإن هذه الخمسة هي دعائم الفتوى وأي شيء نقص منها ظهر الخلل في المفتي بحسبه) ثم بين بعد ذلك منزلة النية من الفتوى فقال: (فأما النية فهي رأس الأمر وعموده وأساسه وأصله الذي عليه يبنى، فإنها روح العمل وقائده وسائقه، والعمل تابع لها يبنى عليها، يصح بصحتها ويفسد بفسادها، وبها يستجلب التوفيق، وبعدمها يحصل الخذلان، وبحسبها تتفاوت الدرجات في الدنيا والآخرة، فكم بين مريد الفتوى وجه الله ورضاه والقرب منه وما عنده، ومريد بها وجه المخلوق ورجاء منفعته وما يناله منه تخويفاً أو طمعاً، فيفتي الرجلان بالفتوى الواحدة وبينهما في الفضل والثواب أعظم مما بين المشرق والمغرب، هذا يفتي لتكون كلمة الله هي العليا ودينه هو الظاهر ورسوله هو المطاع، وهذا يفتي ليكون قوله هو المسموع وهو المشار إليه، وجاهه هو القائم سواء وافق الكتاب والسنة أو خالفهما فالله المستعان، وقد جرت عادة الله التي لا تُبدل، وسنته التي لا تحول أن يلبس المخلص من المهابة والنور والمحبة في قلوب الخلق وإقبال قلوبهم إليه ما هو بحسب إخلاصه ونيته ومعاملته لربه، ويُلبس المرائي اللابس ثوبي الزور من المقت والمهانة والبِغضة ما هو اللائق به، فالمخلص له المهابة والمحبة، وللآخر المقت والبغضاء ... ) (1) إلخ.
ثانياً: أن يكون التأليف فيما الناس بحاجة ماسة إليه، تُحل فيه بعض الإشكالات، أو تبين من خلاله الأخطاء والضلالات، أو تقرر فيه ما يخشى اندراسه من أولى المهمات، كتقرير التوحيد وتصحيح العقيدة، وهذا من أهم عوامل قبول الناس لـ (كتاب التوحيد)، علاوة على الإخلاص.
ثالثاً: بناء المؤُلَّف على الكتاب والسنة، بمفهوم سلف الأمة، وعلى حسب ما يقرره أهل التحقيق من أهل العلم، وكل كتاب أو فتوى لا تُضَمّن فيهما الكتاب والسنة، ولا يبنى على القواعد الشرعية، والأصول المرعية فهو خل وبقل (2).
قال ابن تيمية رحمه الله: (فدين المسلمين مبني على إتباع كتاب الله وسنة رسوله وما اتفقت عليه الأمة، فهذه الثلاثة هي أصول معصومة، وما تنازعت فيه الأمة ردوه إلى الله والرسول، وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصا يدعو إلى طريقته ويوالي عليها ويعادي غير النبي صلى الله عليه وسلم وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة يوالون على ذلك الكلام أو تلك النسبة ويعادون) (3) أ. هـ، ونقل ابن تيمية عن الجنيد: (علمنا هذا مبني على الكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الشأن).
هذا هو الإخلاص وأثره على بقاء الذكر، وظهور ثمرة علم العالم، وهو مطلوب شرعاً في كل عمل وليس في التأليف والفتوى وطلب العلم فحسب، وإنما خصصت الحديث عن الإخلاص في التأليف والفتوى والدعوة وطلب العلم حثاً لطلاب العلم والعلماء عليه، ولتذكير كل مؤلِّف به إن رام لمؤلفه وعلمه النفع والبقاء، وهو عنوان هذا المقال؛ إذ هم من أحوج الناس إليه، ولم نقصد بالمقال تتبع أثر الإخلاص في كل عمل صالح سوى التأليف، فإن هذا مما يعجز الحال والوقت من استيعابه، والنماذج فيه قد لا تنحصر، وله وقفة خاصة مستقلة.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
_________
(1) إعلام الموقعين (4/ 199 - 200).
(2) أصل هذه العبارة لشعبة قالها في كل حديث يروى بدون سند رواها الخطيب في الكفاية عن أنه كان يقول: «كل حديث ليس فيه حدثنا وأخبرنا فهو خل وبقل».
(3) مجموع الفتاوى (20/ 164).(3/135)
وجهة نظر مختلفة حول موقف (أردوغان)
بندر بن عبدالله الشويقي
أما أنه موقف مشرف، فنعم، وألف نعم. فالصهاينة ومن وراءهم لم يعتادوا أن يقابلهم أحدٌ في محفلٍ رسمي بمثل تلك اللغة المشبعة بمعاني العزة والأنفة. فهم لا يعرفون من جهتنا سوى خطابات الاستجداء الذليلة الخانعة التي فضحتها غضبة (أردوغان) المضَرية. غير أن هذه الغضبة ما لم يقارنها فعلٌ يناسبها فسوف تبقى مجردَ ذكرى جميلةٍ تشبه ذكرى حذاء منتظر الزيدي.
هل هذا الكلام تقليلٌ من موقف الزعيم التركي؟ بالتأكيد لا ..
فموقف (أردوغان) سوف يبقى علامةً فارقةً في لغة الخطاب مع الصهاينة. غير أني مع فرحي بمنظر (بيريز) الذليل أمام هبة (أردوغان)، إلا أني أعجز عن تجاهل الموقف التركي المعلَن من دولة اليهود، فأرجع لأقول: إن نشوتنا بموقف (أردوغان) إن طغت على عقولنا، وتجاوزنا بها حجمها الحقيقي، فسوف تنسينا حقيقةَ أن تركيا لاعبٌ رئيسٌ في مسيرة التطبيع مع اليهود التي انخرطت فيها جميع دول المنطقة بلا استثناء.
الدولة التركية لديها علاقات اقتصادية وسياسية وعسكرية معلنة مع اليهود، وقد سبق للأمريكيين ترشيح حكومة (أردوغان) للاضطلاع بمهمة إقامة شرق أوسط جديد وأنموذج إسلامي معتدل كما صرح بذلك مهبط الأحذية (جورج بوش)، وكما نشرته صحيفة (يني شفق) التركية القريبة من حزب العدالة. والمبادرة العربية الرجيمة تحظى بتأييد ومباركة كاملين من حكومة (أردوغان).
و (عبدالله غل) وزير الخارجية التركي الأسبق -والرئيس الحالي- سبق أن صرحَ لقناة الجزيرة، بأن حكومته تقوم بجهود وساطةٍ من أجل تطبيع العلاقات بين باكستان وإسرائيل، وفي مناسبة أخرى ذكر للقناة نفسها أن حكومته تقوم -أيضاً- بدور الوساطة للتطبيع بين إسرائيل وسوريا.
وهذه المواقف تتسق تماماً مع الموقف والنهج الذي يتعامل به حزب العدالة مع الوضع الداخلي التركي، والمبني على الخضوع الكامل للشرط العلماني الذي يحرسه الجيش، وتجاوز جميع الخطوط الحمراء، مقابل السماح للحزب بالبقاء في سدة السلطة. وهو المسلك الذي يوصف بأنه نهجٌ واقعي ذكي.
لست هنا بصدد تقييم الموقف الداخلي للحزب، فتلك تجربة ربما لم يحن الوقت بعد لتقييمها تقييماً موضوعياً. لكن الحديث هنا إنما هو عن سياسة الحزب الخارجية. فتركيا اليومَ ضيفٌ جديدٌ على القضية الفلسطينية، وهي في تعاملها مع القضية، لا تجر وراءها ذاك التاريخ الطويل للصراع الدامي في المنطقة الذي لم تكن طرفاً مباشراً فيه، وساستها لا يعانون ما تعانيه الحكومات العربية فيما يتعلق بالرفض الشعبي الواسع لمبدأ التطبيع مع اليهود. ذلك الموقف الذي يجبر الساسة العرب على سلوك طرق التمويه والتغطية قبل الإعلان الصريح عن تطبيع العلاقات رسمياً.
كل هذا مما لا وجودَ له في الحسابات التركية. وإذا أضيفَ لذلك كون تركيا عضواً في حلف الشمال الأطلسي، واستماتتها في سبيل الانضمام للاتحاد الأوربي، وحرصها على غض الطرف الأمريكي عن تدخلها المستمر في شمالي العراق، والسماح لها بالدخول لمطاردة الأكراد متى أرادت. فهذه العوامل مجتمعة مما يرشح الحكومة التركية للقيام بدور مأذون عقد النكاح الذي يرادُ إكماله بين اليهود والعرب.
ما أقصده من هذا الكلام أن الذي يؤمن باستمرار خيار المقاومة، ويرفض مبدأ التطبيع مع اليهود عليه ألا يصفق لموقف (أردوغان) أكثر مما يجب، وألا يستغرق في موقفٍ عابرٍ يلهيه عن الصورة الأكبر. وقد صفق العرب طويلاً لحرب (1973م)، فلم ينقطع تصفيقهم إلا على خبر زيارة السادات لدولة اليهود، ثم توقيعه لمعاهدة الذل والخيانة.(3/136)
ونحن اليومَ مهما طربنا وصفقنا لموقعة (دافوس) الكلامية، يجب ألا ننسى أن موقف الحكومة التركية على المدى البعيد من القضية الفلسطينية ومن الصراع مع اليهود، لا يختلف عن موقف الآخرين، وهو موقفٌ لا يسير أبداً في صالح خيار المقاومة. فالسياسة التركية تدفع باتجاه التطبيع، وهي الغاية التي يستميت اليهود في الحصول عليها، كما أنها الورقة الوحيدة المتبقية بأيدي بني يعرب، بعد تسليمهم بالعجز عن الحسم العسكري.
ومن نافلة القول أن الثمرة المباشرة للتطبيع بين اليهود ودول المنطقة ستكون خنق المقاومة في الداخل الفلسطيني. وحين تسعى تركيا للوساطة في عمليات التطبيع، فهي في الواقع تحقق المزيد من التضييق على المقاومة الفلسطينية. وموقف الحكومة المصرية في الأزمة الأخيرة، لم يكن سوى نتيجة متوقعة لتطبيعها العلاقات مع الصهاينة. فالتطبيع ودعم المقاومة نقيضان لا يجتمعان.
وعليه فإن موقف تركيا ومنهج حماس إن التقيا اليومَ، فمن المفترض أنهما في النهاية سوف يصطدمان، ما لم يتزعزع أحدهما عن مبدئه. فحال تركيا مع حماس، سيكون في المآل كحالِ حماسٍ مع سائر دول المنطقة التي اختارت الدخول في الاتفاقيات ومفاوضات السلام الماراثونية التي لا يكسب فيها سوى المتسابق الصهيوني.
والذي يراقب ما يجري الآن، يرى جهوداً حثيثة تبذل لاستثمار دمار غزة في سبيل الدفع بحماس نحو خيار السلام، والتساؤل الذي أتوقع أن يبرز قريباً: ماذا لو خضعت حماس وسائر الفلسطينيين لشروط اللعبة، وتخلوا عن خيار المقاومة الذي يضغط الجميع باتجاهه؟
قد يبرز هذا السؤال قريباً لدى المعتنين بالشأن الفلسطيني. وأياً كان الجواب عنه، فيجب ألا نحمل الفلسطينيين أكثر مما يطيقون. فإن اختاروا الثباتَ على الجهاد والاستمرار في خيار المقاومة فدعمهم والوقوف معهم متعين. ومن عجز عن دعمهم، فلا عذر له في التآمر عليهم أو المشاركة في حربهم. بل ليس له الحق في لومهم لو مدوا أيديهم لقبول المال الإيراني .. لكن إن رأت فصائل المقاومة أن المصلحة الآن في الكف وإلقاء السلاح، فيجب ألا نكلفهم فوق ما يطيقون، فقد أدوا الكثير مما عجز عنه غيرهم. لكن إلقاء السلاح شيء، ومد الأيدي للصهاينة شيء آخر.
المصدر: موقع شبكة نور الإسلام(3/137)
الانتصار لمنهج أهل السنة والجماعة
بقلم منصور بن حمد العيدي
قرأه وراجعه
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
فإن من المعلوم من الدين بالضرورة أن الله عز وجل وعد عباده المؤمنين بالنصر والتمكين إن هم قاموا بشرعه ونصروا دينه قال تعالى: ((إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)).
وإن القيام بشرع الله ليعظم أمره، ويجل فضله في أوقات غربة الدين وتسلط أعدائه عليه.
ولا يخفى على أحد ما يتعرض له دين الله تعالى في هذه السنوات الأخيرة من هجمة شرسة من أطراف متعددة داخلية وخارجية، الأمر الذي يستوجب من حملة المنهج الحق المبادرة الجادة، والعمل الدؤوب لصد هذه الهجمة على أعقابها؛ إعلاء لكلمة الله واقتداء بهدي المرسلين وابراء للذمة.
ومن هذا المنطلق قمت بإعداد هذه الورقة المختصرة أذكر فيها جملة من القضايا والموضوعات التي ينبغي تسليط الضوء عليها على وفق منهج أهل السنة والجماعة عن طريق الدروس والمحاضرات والكتب والمؤلفات، والمساهمة في الصحف والمجلات والمنتديات، وكتابة الرسائل العلمية، وإنشاء مراكز علمية ومواقع على الإنترنت، مرورا بالمناصحة مع العلماء والمسئولين، وفضح العلمانيين والمنافقين، ورصد أقوال المنحرفين والمخالفين إلى غير ذلك من وسائل وأساليب الغرض منها تحقيق هذا المقصد العظيم.
ورغبة في مزيد من الإيضاح تم وضع إضاءات وإشارات مختصرة تحت كل عنوان ينبغي التركيز عليها في المقام الأول.
وقد قسمت هذه الورقة إلى أربعة أقسام:
الأول: العقيدة والمنهج.
الثاني: المصطلحات.
الثالث: المرأة.
الرابع: موضوعات متفرقة.
أولا: العقيدة والمنهج:
جُمِع تحت هذا العنوان الموضوعات التي تتعلق بشكل مباشر بعقيدة ومنهج أهل السنة والجماعة.
1 - مفهوم الغلو:
يكثر في الآونة الأخيرة نسبة الغلو إلى منهج أهل السنة فيتعين على أتباع هذا المنهج أن يبرزوا الطبيعة المعتدلة لهذا الدين بين الأديان ولهذا المنهج بين المناهج المبتدعة، وفي المقابل عليهم أن يظهروا صور الغلو عند اليهود والنصارى وعند أهل البدع والمنحرفين.
2 - التكفير والخوارج:
التكفير باب من أبواب العقيدة يراعى فيه الضوابط الشرعية، ولا يكون دين لا تكفير فيه، مع التحذير من التوسع في إطلاق التكفير والتحذير من بدعة الإرجاء التي تقصر التكفير على الاستحلال، وينبغي تحرير الفرق بين التكفير عند أهل السنة والجماعة والتكفير عند الخوارج.
3 - نواقض الإسلام:
ينبغي أن يبين للناس أن للإسلام نواقض تخرج منه منصوصاً عليها في الكتاب والسنة، مع التذكير بما استجد من الصور المعاصرة لها.
4 - الولاء والبراء والجوانب العملية لهما:
ترسيخ هذا المفهوم العقدي في نفوس الناس مع بيان من يكون له الولاء الكامل أو البراء الكامل ومن يجتمع في حقه ولاء وبراء, وبيان ما يترتب عليهما من أحكام شرعية، وتفنيد الشبه التي تثار حول هذه العقيدة.
5 - العلاقة مع الكفار:
ينبغي توضيح وجوب عداوة الكفار وبغضهم، وأن العداوة غير الاعتداء، وأنه لا يتنافى مع العدل معهم، ولا الإحسان إلى غير الحربي منهم، مع الحرص على دعوتهم للإسلام.
6 - العلاقة مع أهل البدع:
يجتمع في المبتدع ولاء وبراء فتبذل له حقوق الإسلام ويحرص على دعوته، ويحذر منه ومن بدعته، ولا يمكَّن له ولا يعلى من شأنه، وأما من أظهر بدعة كفرية فهذا له شأن آخر.
7 - عداوة الكفار لأهل الإسلام:(3/138)
لا يزال الكفار في قتال وعداوة لأهل الإسلام وأتباع المنهج الحق وما الحملة الصليبية المعلنة إلا شاهد على ذلك، فيؤكد على أن عداوتهم دينية، وأنهم لن يرضوا عن المسلمين حتى يتبعوا ملتهم.
8 - مظاهرة المشركين على المسلمين:
ينبغي توضيح خطورة مظاهرة المشركين على المسلمين وأنها من نواقض الإسلام كما نص على ذلك العلماء.
9 - الثوابت والمتغيرات:
تسمع دعاوى كثيرة تلغي وصف الثبوت عن الشريعة، وأخرى تدعي احترام الثابت وهي في الحقيقة تنفي عن أكثر الثوابت هذا الوصف فيتعين إبراز الثوابت والذب عنها وإيضاح معنى الثابت والمتغير.
1 0 - مظاهر الشرك والبدعة:
للشرك والبدعة مظاهرهما التي لابد أن تبين ويحذر الناس منها ويرد على دعاتها.
1 1 - مصدر التلقي ومنهج الاستدلال:
توضح هنا مصادر التلقي عند أهل السنة والجماعة مع التمييز بين المصادر الأصلية والفرعية ويوضح أيضا منهجهم في الاستدلال، وموقفهم من العقل، كما يبين أن أهل السنة يعطون النص حظه من الدلالة دون غلو ولا تقصير، ويُركز على مكانة فهم السلف لمعاني النصوص، مع كشف مصادر التلقي عند أهل الأهواء والبدع.
ثانيا: المصطلحات.
الحديث هنا عن مصطلحات متداولة ينبغي تحريرها وتبيين موقف الشرع منها، مع التنبه لطبيعتها المجملة غالباً، وعلى دعاة الحق التنبه لشََرَك مثل هذه المصطلحات.
1 - الاعتدال:
لابد من توضيح هذا المصطلح على قاعدة أن الاعتدال ما وافق الشرع، وأن مخالفة الشرع إما غلو وإما جفاء كلٌ بحسبه، ومن المهم التنبيه هنا على مصطلح الوسطية، وأن لها تعريفا شرعيا، مع بيان أحق الناس بوصف الاعتدال والوسطية، مع التحذير من الاستخدام السيء لهذا المصطلح.
2 - الوحدة الإنسانية:
يبين هنا أن الوحدة المطلوبة شرعا هي الوحدة الإسلامية على أساس اتباع الكتاب والسنة بفهم السلف الصالح، وأن أي دعوى توحيد أو تقريب تخالف هذا الطرح غير مقبولة؛ لأنها تتضمن هدما لأصول الإسلام سواء أكان تقريباً بين الأديان أو تقريباً بين الفرق.
3 - السلم المدني:
هذا المصطلح المتضمن لدعاوى التعايش والتسامح يحمل في طياته معان صحيحة وأخرى فاسدة فلا يعطى حكماً واحداً بل لكل معنى حكمه الخاص به، وينبه في هذا السياق على ما يسمى بالسلام العالمي وأنه دعوى مستحيلة الحدوث تحت مظلة الحضارة الغربية التي قامت على الاعتداء ونهب خيرات الشعوب المستضعفة فهم أكثر من يطلقه وأكثر من يخالفه.
4 - الحرية:
الحرية حق مكفول لكل أحد بضوابطه الشرعية، ويؤكد هنا على زيف دعاوى الحرية عند الغرب وأشباههم, وعلى أن الحرية المنفلتة جرَّت على البشرية ألواناً من العذاب والمعاناة.
5 - اليسر والسهولة:
يكثر في الآونة الأخيرة التميع في الفتوى وتجميع الرخص بزعم التيسير ورفع الحرج فيبين هنا الفرق بين الأمرين، ويوضح هذا المصطلح الشرعي على وجه يمنع الاستخدام السيئ له المقتضي للتفلت من الشرع.
6 - الأصولية والتطرف
ينبز دعاة الحق بمثل هذه المصطلحات, فلا بد من إبراز المعيار الذي يعرف به التطرف في الشرع, ولابد من ذكر صور التطرف عند المخالفين, والتنبيه على أن التطرف قد يكون جفاء الأمر الذي يقع فيه عامة من يتهم المتدينين به, ويؤكد هنا على الأصل الغربي لكلمة الأصولية وخطأ إسقاط هذا المصطلح على أهل التدين.
7 - العلمانية والليبرالية
مصطلحان متقاربان يمثلان مفاهيم غربية يراد فرضها على المسلمين، وهي مخالفة للإسلام، مقتضية لردة صاحبها،
وحيث إن أصحابها يطرحون شبهات فلا بد من العناية بالرد عليها.
8 - الديمقراطية:(3/139)
أسلوب غربي في الحكم يراد تعميمه على كل المجتمعات بزعم أنه الأصلح للبشرية، فلابد من بيان كونه جاهلية معاصرة، وعلى أن الجوانب الحسنة فيه موجودة في الشرع، مع التأكيد على أن السيادة هي للشريعة الإسلامية، وأن نقد الديمقراطية لا يعني الثناء على أساليب التعسف والظلم في الحكم.
ثالثا: المرأة:
من أبرز ميادين المعركة بين الحق والباطل المرأة فالكفرة يعتقدون أنها أقوى وأسرع طريق لإفساد المسلمين, وأهل الإسلام يعتقدون أن في صلاح المرأة صلاح المجتمع، وفي الميدان ليبراليون ماجنون يريدون إشاعة الفاحشة في الذين آمنوا، فكان لزاماً إبراز منهج السلف الصالح تجاه قضايا المرأة وعدم الاقتصار على الوقوف موقف المدافع.
1 - عمل المرأة:
يبين أن الأصل قرار المرأة في بيتها، وأن خروجها للعمل لابد أن يراعى فيه الضوابط الشرعية مع بيان ما تعانيه المرأة العاملة لاسيما في بلاد الغرب، مع إظهار مقصد أعداء الدين من خروج المرأة، والحرص على رد الشبهات حول عمل المرأة.
2 - حقوق المرأة وتكريم الإسلام لها:
لابد من إبراز مظاهر تكريم الإسلام للمرأة والحقوق الشرعية لها، وبيان إهانة المجتمعات الغربية لها كما يوضح أن كثيرا مما يدَّعى أنه من حقوق المرأة ليس كذلك مما يفهم معه خطورة ما في هذه العبارة من إجمال.
3 - ظلم المرأة:
جاء الإسلام ليرفع الظلم عن المرأة، فيحسن بأصحاب المنهج الحق أن لايقفوا موقف المدافع عنه لكثرة ما يتهم به من ظلم لها فعليهم بالمقابل ذكر صور ظلم المرأة عند دعاة التحرير وفي بلاد الغرب.
4 - دور المرأة في المجتمع:
على دعاة الحق بيان دور المرأة الواسع في إطاره الشرعي في مجتمعها وأنها بتطبيقه ليست معطلة عن العمل، وعليهم بيان المقاصد السيئة لمن يزعم أن المرأة نصف المجتمع المعطل.
5 - المرأة والولايات العامة:
يُوضح الحكم الشرعي لتولي المرأة الولاية العامة، كما يرد على الشبهات التي تثار حول هذه القضية مع التأكيد على خطورة التقليد الأعمى للغرب.
6 - تحرير المرأة:
لابد من إيضاح المقاصد من هذه الدعوى وأن ما يسمى بتحرير المرأة لم يساهم أبدا في النهضة الحضارية، وأن التحرير دعوى مرفوضة لأنها لم تُستعبد أصلا حتى يُدعى لتحريرها ..
7 - حجاب المرأة:
يؤكد على أهمية الحجاب والحياء للمرأة، والتحذير من دعاة السفور، والتأكيد على خطر الموضة على المرأة المسلمة، وعلى أهمية تميزها ظاهراً وباطناً، مع تفنيد الشبهات التي تثار حول الحجاب، وأنه لا يتنافى مع حريتها الشخصية.
8 - قيادة المرأة للسيارة:
لابد لأصحاب المنهج الحق من بيان الآثار السلبية لمثل هذا الأمر، وإبراز فتاوى العلماء في هذا الباب، والرد على كافة الشبهات، ولفت النظر إلى أنه الحاجز الذي بكسره يتم تغريب المرأة.
رابعًا: موضوعات متفرقة:
1 - دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب:
من مظاهر الطعن في منهج أهل السنة والجماعة الكلام على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب همزاً ولمزاً، وإثارة الشكوك والشبهات حولها، الأمر الذي يستوجب التصدي لمثل هذه الطعون وتفنيد الشبهات، وتقرير أصول هذه الدعوة وبيان وسطيتها ومراعاتها للمصالح والمفاسد، مع تحذير الأخيار أن يكونوا أداة للطعن فيها.
2 - الحسبة:
ينبغي إحياء هذه الشعيرة في نفوس الناس، وإعانة أهل الحسبة مع بيان الآثار الإيجابية لهم في صيانة المجتمع، وأن خطأ المحتسب كخطأ غيره من أفراد المؤسسات الأخرى ولا يعود هذا الخطأ على أصل هذه الشعيرة بالنقض، وذلك على فرض صحة وقوع هذه الأخطاء وإلا فإن أكثرها أباطيل وأكاذيب.
3 - الحوار:(3/140)
مع تزايد المطالبات بالحوار من مختلف التيارات، ينبغي التأكيد على أن يكون المقصود منه الوصول إلى الحق بالحجة والبرهان، مع إجراء قاعدة المصالح والمفاسد في هذا الباب، والتنبيه على أن الحوار وسيلة كغيره فلا يطغى على غيره من الوسائل فيلغيها.
4 - سد الذرائع:
التأكيد على شرعية هذه القاعدة واتفاق الفقهاء عليها وعلى أثرها في تحجيم الفساد، وأنه لا سبيل إلى إلغائها أو التضييق عليها متى ما طبق بضوابطه الشرعية، وأن الطعن فيها ومحاولة تجاوزها مؤذن بفساد عريض، كما يجب الرد على كافة الشبهات المثارة في وجه هذه القاعدة أو على تطبيقاتها الصحيحة في الواقع.
5 - الجهاد والإرهاب:
يؤكد على أن الجهاد من ثوابت الدين، وأنه جهادان دفع وطلب، مع بيان المشروع منه وما أدخل فيه خطأ أو ظلماً، ويحسن في هذا السياق الإشارة إلى ما تمارسه قوى الكفر في العالم ضد الإسلام وأهله وبيان من هو الجدير بوصف الإرهاب المذموم، ولابد من التفريق بين مفهوم الإرهاب في الشرع ومفهومه عند الغرب الذي هو ترجمة خاطئة للكلمة الإنجليزية ( Terrorism) وترجمتها الصحيحة التخويف بغير حق.
6 - مناهج التعليم:
صد الهجمة الشرسة على مناهج التعليم الشرعية بحجة أنها تغذي الغلو والتكفير والإرهاب، ببيان أن ما اشتملت عليه من أصول وثوابت، ورد مختلف الشبهات عنها، وفضح المطالبين بالتغيير من أعداء الداخل، وأسباب هذه المطالبة، مع إبراز معالم العنف والتطرف والغلو في مناهج المخالفين من كفرة حاقدين ومبتدعة ضالين، كما ينبغي التأكيد على أن مناهج التعليم الشرعية متعلقة بصبغتنا الإسلامية وأن التنازل عنها تنازل عن هذه الصبغة (الهوية).
7 - الفتيا والاجتهاد:
تقرير أن الفتيا ليست حقاً مشاعاً لكل أحد بل لها شروطها وأحكامها، وأن أهلها هم العلماء، مع التأكيد على مجالات الاجتهاد وأنه لا يدخل في أصول الدين وثوابته، وذكر الضوابط الشرعية لقاعدة لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وقاعدة تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.
8 - تجديد الخطاب الديني:
ينبغي توضيح حقيقة هذا الشعار وما يراد منه عند بعض حملته الذين يرفعونه تلبيساً وتدليساً لتمرير ما يريدون تمريره من مفاهيم باطلة ويعبثوا بما شاءوا من أصول شرعية ويتلاعبوا بمضمون الخطاب الشرعي، موهمين أن التجديد واقع على وسائل تبليغ هذا الخطاب لا مضمونه، فينبغي التبيين والتفصيل وبيان ما يصح دخوله شرعاً تحت هذا الشعار وما لا يصح.
9 - الجمعيات الخيرية:
الجمعيات الخيرية اليوم تتعرض لتضييق شديد وحرب شعواء من العالم الغربي تحت شعار محاربة الإرهاب، فينبغي نصرة هذه الجمعيات بالقول والفعل، والتأكيد على أهميتها وآثارها وفضائلها، ورد التهم الباطلة عنها، والتأكيد على الازدواجية التي يتعامل بها العالم الغربي مع هذه الجمعيات، فبينا هو يحارب الإسلامية منها إذ هو يدعم التنصيرية.
(اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم).(3/141)
جريمة حصار غزة في الفقه الإسلامي
د. عطية فياض
لم يشهد التاريخ البعيد أو القريب مأساة كالتي يعيشها أهل غزة؛ إذ تداعى عليهم الجميع، القريب قبل البعيد، فما أن توقَّفت المحرقة التي سيقوا إليها بتواطؤ مفضوح وعلني مما يسمى بالمجتمع الدولي، وتحت غطاء ما يسمونه "الشرعية الدولية"، حتى تحرَّكت كثير من العواصم، وعقدت قمم لإحكام الحصار عليهم، تارة لمنع تهريب السلاح الذي لم يُتفق بعد على تعريفه، فقد يكون من جملة السلاح: الأدوية، والطعام، ومواد البناء، ومستلزمات المدارس، وتارة أخرى بمنع حماس من السيطرة على القطاع، وغير ذلك من الذرائع.
وهذه الحالة وإن كان أهلنا في غزة يعيشونها منذ أكثر من عامين، إلا أنَّ الجديد فيها هذه المرة هي مباركة ومشاركة كثير من الدول الأوروبية وغير الأوروبية فيها، وفق اتفاق دولي سعى إليه الكيان الصهيوني قبل وقف المحرقة بيوم واحد مع أمريكا، لتقوم الأخيرة بدور الشرطي في المنطقة؛ لحماية الكيان الصهيوني من الأدوية التي تدخل للمرضى، ومواد البناء التي تستخدم في إيواء المشرَّدين في الشوارع والمدارس، بعدما أقدم المحتل المتحضر والأكثر أخلاقية على دك البيوت فوق رؤوس ساكنيها، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ بدم بارد، وبالمحرَّم من الأسلحة، وقد تطوَّعت بعض الدول الأوروبية للمشاركة في هذه الحملة.
وقد يتخيَّل البعض من المسلمين أنه ما دام القصف قد توقَّف، وهدأت الأمور بعض الشيء، وبدأت مفاوضات تثبيت ما أسموه "وقف إطلاق النار" فإنَّ الأمر يسير، وينبغي أن تهدأ نفوسنا، ونصير إلى همومنا، فيمكن لأهل غزة أن يعيشوا تحت أي ظروف كما كانوا يعيشون من قبل، ويمكنهم التغلب على إجراءات الحصار بطريقتهم الخاصة، بحفر الأنفاق تارة، وبما يتكرم به الصهاينة من فتات الطعام والشراب والوقود والدواء تارة أخرى، متجاهلين أنَّ الحصار في حد ذاته يعد عدوانًا مباشرًا على هذا الشعب، وهذا ما يجب أن يعيه المسلمون أولا حتى لا تُصوَّر الأمور تصويرًا خاطئًا، ويفهم أنه إن توقف القصف واستمر الحصار فلا داعي للمقاومة.
وهنا يلزم بيان الموقف الشرعي الصحيح من استمرار حالة الحصار الشامل على غزة، ومشاركة كثير من الدول في إحكامه، وسكوت البعض الآخر عليه، بل وربما تسويغه بمسوغات سياسية وغيرها، وهو ما نبرزه فيما يلي:(3/142)
أولا: الحصار بالطريقة التي يطبقها الكيان الصهيوني؛ بمعنى حبس أهل غزة فيها، ومنعهم من الخروج منها، أو الدخول إليها، ومنع الحركة التجارية، بل ودخول المساعدات الإنسانية وغيرها، وما يترتَّب على ذلك من إلحاق الضرر الفادح بالناس أصحاء ومرضى بسبب نقص الطعام والشراب والدواء والوقود اللازم، وزيادة البطالة، كل ذلك عده الفقهاء من صور العدوان العمد، والذي يترتَّب عليه -إذا ترتب عليه- موت المحاصَر أن يقتص من المحاصِر. قال الدسوقي الفقيه المالكي: "يقتص ممن منع الطعام والشراب ولو قصد بذلك التعذيب ... وقال نقلاً عن ابن عرفة المالكي: من صور العمد ... أنّ من منع فضل مائه مسافرًا -عالما بأنه لا يحل له منعه، وأنه يموت إن لم يسقه- قُتِل به وإن لم يل قتله بيده اهـ فظاهره أنه يقتل به سواء قصد بمنعه قتله، أو تعذيبه "وفي الفروق" من حبس شخصًا، ومنعه من الطعام والشراب فهو قاتل له". وقال زكريا الأنصاري الشافعي: "لو حبسه ومنعه الطعام أو الشراب والطلب له مدة يموت مثله فيها غالبًا جوعًا أو عطشًا، ومات، لزمه القود؛ لكونه عمدًا، لظهور قصد الإهلاك به، وتختلف المدة باختلاف المحبوس قوَّة وضعفًا، والزمان حرًّا وبردًا، ففقد الماء في الحر ليس كهو في البرد، وكذا يلزمه القود إن سبق لهجوع أو عطش، وكانت المدتان تبلغان المدة القاتلة، وعلمه الحابس لما ذكر". وقال ابن قدامة الحنبلي في صور القتل العمد الموجب للقود (القصاص):"الضرب الرابع: أن يحبسه في مكان، ويمنعه الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها حتى يموت، فعليه القود" فهذه نصوص الفقهاء تشهد بأن من منع الطعام والشراب عن شخص حتى مات، قاصدًا قتله أو تعذيبه، فهو قاتل مجرم، فكيف بمن منع الطعام والشراب والدواء عن مليون ونصف من المدنيين، وفرض حصارًا ظالمًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا حتى أودى بحياة الكثيرين؟! وهذه الجريمة التي ينفذها الصهاينة بحق شعب غزة تعد صورة من صور جرائم الإبادة الجماعية في نظر القانون الدولي المعاصر حسب ما جاء في اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية، والتي اعتمدت، وعُرضت للتوقيع والتصديق، أو للانضمام بقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9 كانون الأول/ديسمبر 1948، وكان بدء نفاذها في 12كانون الأول/يناير 1951حيث جاء في المادة الثانية من هذه الاتفاقية صور الإبادة الجماعية على الوجه التالي: "في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أيًّا من الأفعال التالية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية، أوإثنية، أو عنصرية، أو دينية، بصفتها هذه:
أ) قتل أعضاء من الجماعة.
ب (إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
ج) إخضاع الجماعة -عمدًا- لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كليًّا أو جزئيًّا.
د) فرض تدابيرتستهدف الحيلولة دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
هـ) نقل أطفال من الجماعة -عنوة- إلى جماعة أخرى" فهذا النص بكامل صوره ينطبق على ما تقوم به إسرائيل في حق أهل غزة.
ثانيا: في الحصار بالطريقة التي يطبقها الكيان الصهيوني إذلال ومهانة للشعب الفلسطيني قد تكون أعظم مما يحدث في المواجهة العسكرية، فلنا أن نتصور أمَّة أو شعبًا يُمنع من الدخول إلى وطنه، أو الخروج منه إلى غيره، ويُمنع الطعام والشراب والدواء، بل ويُمنع الحديث معه، ويعيش كما يقول العدو "غزة لا حياة ولا موت"، فيسمح بين وقت وآخر بمرور بعض الضروريات كلما أشرفت غزة على الموت، وهذه هي المهانة والذل.(3/143)
إن الله كرَّم بني آدم جميعًا، وكان من مظاهر تكريمهم أن حملهم في البر والبحر يتحركون بحريَّة، ويتنقلون من أرض لأرض طلبًا للطيب من الرزق، ويوم أن يحرم الإنسان من مظاهر التكريم التي منحها الله إياه، فيجب عليه أن يجاهد تحصيلاً لها.
ثالثا: الحصار المفروض على غزة هو من قِبَل عدو محتل غاصب للأرض، وذريعته في الحصار داحضة وسخيفة، فهو لا يريد رفع الحصار إلا إذا سقطت حكومة حماس، أو اعترفت بحق الكيان الصهيوني في اغتصاب الأرض، والاعتداء على الفلسطينيين في أي وقت، وأخيرًا فتح المعابر مقابل إطلاق سراح الجندي الصهيوني " شاليط " في الوقت الذي تعج فيه معتقلات العدو بآلاف الأسرى من الفلسطينيين الذين لا ذنب لهم إلا أنهم يدافعون عن حقهم في الحياة وطرد المغتصبين، فإن لم تذعن حماس لهذه الطلبات فهي ومن يوافقها من الحركات إرهابية، ولست أدري بأي منطق يرى البعض من الذين يسمون أنفسهم حكماء وعقلاء أن على حماس الإذعان لشروط الرباعية، وترك المغتصبين يتجولون بحرية في الأراضي التي اغتصبها العدو، بينما أصحابها يعيشون في ملاجئ في هذا البلد أو ذاك؟!
واجب الأمة في رفع الحصار:
نظرًا للآثار التي يخلفها الحصار على أي شعب محاصر، فقد اعتبر الفقهاء أن حصار أي بلد مسلم من الحالات التي يتعين فيها الجهاد؛ أي يصبح الجهاد فرض عين لا يحتاج إلى إذن أصحاب الإذن.
ومما ورد في ذلك ما قاله البهوتي الحنبلي في حالات فرضية الجهاد: "وَمَنْ حَضَرَ الصَّفَّ مِنْ أَهْلِ فَرْضِ الْجِهَادِ، أَوْ حَصْرِ عَدُوٍّ، أَو ْحَصَرَ بَلَدَهُ عَدُوٌّ، أَوْ احْتَاجَ إلَيْهِ بَعِيدٌ فِي الْجِهَاد، ِأَوْ تَقَابَلَ الزَّحْفَان الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ، أَوْ اسْتَنْفَرَهُ مَنْ لَهُ اسْتِنْفَارُهُ، وَلاعُذْرَ- تَعَيَّنَ عَلَيْهِ َأيْ: صَارَ الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ عَلَيْهِ" وفي نص آخر يظهر فيه سقوط إذن الوالد والدائن ونحوهما في حالة تعيُّن الجهاد" إلا أَنْ يَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْجِهَادُ لِحُضُورِ الصَّفِّ، أَوْ حَصْرِ الْعَدُوِّ، أَوْ اسْتِنْفَارِ الإِمَامِ لَهُ وَنَحْوِهِ فَيَسْقُطُ إذْنُهُمَا وَإِذْنُ غَرِيمٍ; لأَنَّهُ يَصِيرُ فَرْضَ عَيْنٍ وَتَرْكُهُ مَعْصِيَةٌ" فالواضح من النص المتقدم: أن حالة حصار العدو لبلد لا تختلف في الحكم عن حالة الاحتلال، أو القتل ونحوهما من حالات العدوان التي يجب فيها الدفع.
وهذا النص يؤكد أن جميع ماتقوم به الفصائل الجهادية -من دفع للعدوان بأي وسيلة تراها مناسبة، وحسب ما يتيسَّر لها- هو حق شرعي أصيل، وفي مقابل ذلك يتعيَّن على الأمة كلِّها أن تشارك مشاركة إيجابية في مساندة ودعم الفصائل الجهادية؛ رفعًا للحصار، وإزالة للاحتلال كلِّه، وهذه المشاركة الإيجابية لا تنطلق من بواعث إنسانية فقط، بل قيامًا بالواجب الشرعي، وألخص بعضًا من صور هذه المشاركة الواجبة فيما يلي:(3/144)
أولاً: وجوب تقديم الدعم المادي باختلاف صوره وأشكاله -بمافيها السلاح - للدفاع عن النفس، واسترداد الحقوق المسلوبة. وما يُقدَّم ليس من قبيل التعاطف الإنساني، بل من قبيل القيام بفرائض الدِّين، وهو فرض الجهاد بالمال الذيي أخذ نفس أحكام الجهاد بالنفس، كما قال الجصاص الفقيه الحنفي المعروف في قوله تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله} فأوجب فرض الجهاد بالمال والنفس جميعًا، فمن كان له مال وهو مريض، أو مقعد، أو ضعيف لا يصلح للقتال، فعليه الجهاد بماله؛ بأن يعطيه غيره فيغزو به، كما أنَّ من له قوَّة وجلد، وأمكنه الجهاد بنفسه كان عليه الجهاد بنفسه، وإن لم يكن ذا مال ويسار بعد أن يجد ما يبلغه، ومن قوي على القتال، وله مال فعليه الجهاد بالنفس والمال، ومن كان عاجزًا بنفسه معدمًا فعليه الجهاد بالنصح لله ولرسوله بقوله: {ليس على الضعفاء ولاعلى المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله} وقال الزيلعي في تبيين الحقائق "وأحوال الناس مختلفة، فمنهم من يقدر على الجهاد بالنفس والمال، ومنهم من يقدر بأحدهما، وكل ذلك واجب؛ لقوله تعالى: {وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم}، وقوله: {إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأنَّ لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون} واستنكر ابن القيم تناقض البعض في أحكامهم، فيقول في هذا المعنى: "من أوجب على العاجز ببدنه أن يخرج من ماله ما يحج به الغير عنه، ولم يوجب على المستطيع بماله أن يخرج ما يجاهد به الغير: فقوله ظاهر التناقض"وفي الموسوعة الفقهية" يجب على المسلمين أن لا يعطِّلوا الجهاد في سبيل الله، وأن يجهزوا لذلك الغزاة بما يلزمهم من عدَّة وعتاد وزاد، لقول الله تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} وقوله عز وجل: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون} وتجهيز الغزاة واجب المسلمين جميعًا، حكَّامًا ومحكومين، وهو من أعظم القرب لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا)) وإذا كان تقديم الدعم لأهل غزة المحاصرين ضربًا من ضروب الجهاد بالمال لدفع حالة الحصار، فإن ثمت واجبًا آخر يقع على عاتق الدول والشعوب المجاورة لغزة، وهو واجب القيام بحقوق الجوار، وكما أن للفرد جيرانًا، فللدول جيران، وللمدن جيران، وليس الجار هو الجار الأول، بل أوصله البعض إلى أربعين، وقد نفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عن جيران يتمتعون ويأكلون ويشربون ولهم جيران معدومون وهم يعلمون ذلك، فأخرج الحاكم في المستدرك عن عائشة رضي الله عنها أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعانًا وجاره جائع إلى جنبه))(3/145)
ثانيا: تقديم الدعم المعنوي، والمتمثِّل في تكثيف الاتصالات الشخصية بأهل غزة، والرسائل البريدية، والتلفزيونية، وكتابة المقالات، والدعاء، والمسيرات، وغير ذلك من هذه المظاهر التي ترفع من روحهم المعنوية، ويجب ألا نقلل من أثرها. وفي المقابل يجب الإنكار بالطرق الشرعية على بعض الكتاب والإعلاميين ونحوهم ممن يتفقون مع العدو الصهيوني في رؤيته وقراراته تصفية لحسابات سياسية، أو طلبًا لمغنم، أو خوفًا من أن تصيبهم دائرة، فلا نترك مقالة ولا خبرًا إلا ونعلّق عليها ردًّا لها، ودحضًا لما فيها من افتراءات، وهذا باب سهل ميسور لكل منصف إذا أراد أن يكون له دور فاعل في هذه الأزمة. ولا نقلِّل من قيمة الكلمة، فشطر الكلمة التي تعين على قتل مسلم تحجب صاحبها من رحمة الله، ففي المقابل من أعان على إحياء نفس بشطر كلمة شملته رحمة الله عز وجل.
ثالثا: عدم التردُّد في كسر الحصار بأي طريق يتيسر لتوصيل الاحتياجات اللازمة لأهل غزة ردًّا على إغلاق المعابر الرسمية، وإذا كان للتعليمات الرسمية للدول حرمة على مواطنيها فحرمة المسلم أعظم حرمة من هذه القرارات، فمع عظم حرمة الكعبة لكن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر حرمة المؤمن أعظم، ففيما أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه عن ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ نَظَرَ إلَى الْكَعْبَةِ فَقَالَ: ((مَا أَعْظَمَ حُرْمَتَك، وَمَا أَعْظَمَ حَقَّك، وَالْمُسْلِمُ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْك، حَرَّمَ اللَّهُ مَالَهُ، وَحَرَّمَ دَمَهُ وَحَرَّمَ عِرْضَهُ وَأَذَاهُ، وَأَنْ يُظَنَّ بِهِ ظَنَّ سُوءٍ)) ولذلك فإنَّ الواجب الشرعي على أهل الثغور المتاخمة لغزة أن يبذلوا ما في وسعهم لتوصيل الاحتياجات اللازمة للقطاع، وهم مأجورون إن شاء الله.
رابعًا: فضح الكيان الصهيوني إعلاميًّا بتسليط الضوء على جرائمه وتوثيقها، ونشرها بين الجميع مسلمين وغير مسلمين، وترديدها بين الأولاد والناشئة، وفي الخطب والدروس، وفي المراكز الثقافية المختلفة، وإقامة الندوات والمؤتمرات مع استخدام المصطلحات الصحيحة، كما يجب فضحه قضائيًّا برفع الدعاوى القضائية أمام جهات الاختصاص المحلية والإقليمية والدولية، بغض النظر عن جدواها العملية، فقد تكون من باب تعبئة الرأي العام، وقيامًا بواجب النصرة للمظلوم، وفضحاً للأخلاقيات الصهيونية، فلربما نجحت بعض تلك الدعاوى في حصار مجرمي الصهاينة، فلا يستطيعون مغادرة فلسطين لأي بلد آخر خوفًا من قرارات اعتقال. وهذا الواجب من صور النصرة للمسلم الذي انتقص عرضه، وانتهكت حرمته، وقد أخرج البيهقي والطبراني بإسناد حسن عن جابر وأبي أيوب الأنصاري قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من امرئ يخذل مسلماً في موطن ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه منحرمته إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته. وما من امرئ ينصر مسلماً في موطن ينتقصفيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته)).
خامساً: عدم التعامل مع العدو الصهيوني بأي وجه من وجوه التعامل، ومقاطعة الدول التي تشاركه وتدعمه، فلا يعقل شرعاً ولا عقلاً أن يقوم العدو الصهيوني بذبح أطفالنا ونسائنا وشيوخنا، ويهدم بيوتنا ومدارسنا ومساجدنا فوق رؤوسنا، ومع ذلك يصدر له الطعام والشراب، والوقود، وتمتلئ المحلات التجارية للدول الإسلامية ببضائعه من ملابس، وأجهزة كهربائية، وأغذية وغيرها، وهذا واجب يحتاج إلى تأصيل شرعي، وبراهين سنوضحها في مقالة أخرى إن شاء الله.
أسأل الله أن يكشف البلاء والكرب عن كل مكروب ومبتلى، إنَّه على كل شيء قدير، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
المصدر: موقع الإسلام اليوم(3/146)
التغيرات والتداخلات في الاتجاه السلفي
د. لطف الله بن ملا عبد العظيم خوجه
(1/ 2)
تلك المواقف الذي أسهم حادث ضرب مركز التجارة العالمي 11 سبتمبر 2001، في إعادة صياغتها وفق اجتهادات خاصة، قضت بوجوب التغيير والمراجعة، تركت أثرها البارز في حركة المجتمع: الدينية، والثقافية، والفكرية. سواء في الحدود الشخصية أو العامة.
في فترة مرت منذ عقدين وأكثر، كان هنالك شبه اتفاق على الموقف الشرعي من مسائل عديدة، تتعلق بالتوحيد، والسنة، والاقتصاد، والمرأة، كذلك في المسائل الشخصية، كإطلاق اللحية، وتقصير الثياب، يضاف إلى ذلك التصوير والموسيقى. وأشياء لا يعين المقام على سردها، وهي معروفة للمتابع، كان رأي الاتجاه السلفي فيها متقاربا، والخلاف قليل لا يكاد يظهر، ومن أكبر أسباب هذا الاتفاق؛ أن هذا الاتجاه كان يتبع جملة من المشايخ، اجتمعت عليهم الكلمة واتفقت وتآلفت، كانوا في هذه المسائل متقاربين، وما بينهم من خلاف يسير، لم يكن ليؤثر في المنهج ولا الاتباع.
لم يمر العام 1421هـ حتى رحل جميعهم، فلم يتبق منهم أحد .. لم يقم مقامهم أحد، له تأثير كتأثيرهم الواسع المتجاوز للحدود والأقاليم، وكأن رحيلهم كان إعلانا ببدء تغيرات مرتقبة.
حدثت حادثة القرن، واختلت صورة المنطقة العربية والإسلامية، فاحتلت دولتان هما العراق وأفغانستان، وصعد نجم الدولة الإيرانية، وغدت دول المنطقة مهددة عسكريا ومخترقة ثقافيا، واحتمل وحمّل الفكر والاتجاه السلفي كلاهما الوزر بكامله، ونسب إليه كل ما حاق بالمسلمين من مشكلات.
وتنصل الآخرون من المسؤولية .. بعضهم أسهم في الحملة، بقصد وبدون قصد. وبه بقي التيار السلفي أو الوهابي، كما يسميه خصومه، وحيدا غريبا يتناوله الجميع من كل جانب؛ جانب الفكر، والسلوك، والفقه، والسياسة، والعقيدة. أبيح حماه، وصار كبش فداء، ومُنح مبغضوه الفرصة للنيل والغمص.
لقد وجد نفسه مهددا حتى من بعض أبنائه؛ الذين تربوا في محاضنه، حيث لم يترددوا في الإسهام في الحملة - بقصد الإصلاح لا ريب!!! - مبررين فعلتهم بأنه من قبيل الإنصاف والاعتراف بالحق، وأن المنهج السلفي يقوم على: أن الرجال يعرفون بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال.
فانتقل بذلك عدوى التفرق، الذي كان حصراً بين الجماعات إلى التيار السلفي نفسه، فحصل التفرق فيه فكرياً، وفقهياً، ليس حزبياً؛ لأن من طبيعة الاتجاه السلفي، في أصل تكوينه، لا يقوم على الحزبية، (= الهيكلية التنظيمية)، بل هو اتجاه فكري منهجي، يتبع مذهب الصدر الأول في الدين، ولا يلزم المنتسب إليه، الانضمام إلى مجموعة أو جماعة منظمة، إنما يكون منه إذا لزم مذهب الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهكذا فإن أتباع الاتجاه السلفي لا يشترط بينهم، الاتصال الشخصي والجماعي، ولا الاشتراك في نشاط مشترك، غاية ما هناك: أنهم جميعا يتبعون منهجاً واحداً، كسائر المسلمين؛ الجامع بينهم الدين الواحد، والنبي الواحد، والإله الواحد.
* * *
تفاوتت الاجتهادات، واختلفت الآراء حين خرج من العباءة من صار ينتقد المنهج نفسه، وهو موقف فاسخ للنسبة من أصلها، فالمنهج لا ينتقده إلا من يرفضه.
فما من مسألة إلا وحصل فيها إعادة نظر، تبعها تبني مواقف مضادة بالكلية، وفي بعضها جزئية، فالمسائل التي كان يظن فيها الثبوت الحكمي، عادت مسائل قابلة للنزاع والاختلاف، كان ذلك في جل أبواب الدين:
• في الاعتقاد:
- كاعتبار نصرة الكافرين على المسلمين من الكفر العملي.
- وتميز أهل السنة بكونهم على الحق المنزل وحدهم، أصابوا في جميع المسائل بمجموعهم، وغيرهم أصاب وأخطأ.
- وقد كثر الكلام في المولد النبوي، وطالب بعضهم إعادة النظر في الحكم عليه بالبدعة.(3/147)
• وفي قضايا المرأة:
- في كشف الوجه؛ أنها خلافية، وأن الراجح القول بالكشف، وأنه قول الجمهور.
- وتسويغ مشاركتها في النشاطات المختلطة.
- والدعوة إلى ممارسة الرياضة في المدارس.
- حتى قيادة السيارة، فالاتجاه الذي قام يوماً قومة رجل واحد في رفضه، صار اليوم بين مؤيد محبذ، وساكت، وهناك من لا يزال على الأول.
• وفي المعاملات المالية:
- اختلفت الفتوى في التأمين التجاري، وكان قد سبق الإجماع على تحريمه، بحسب المجامع الفقهية، كمجمع الفقه الإسلامي، وهيئة كبار العلماء.
- ومثله في تجويز المساهمة في الشركات المختلطة، والمجامع العلمية الكبرى على التحريم.
• وفي مسائل الحج:
- ظهر الخلاف في الرمي قبل الزوال، والمكث في عرفة حتى الغروب.
• وعلى الصعيد الخاص:
- ظهر من يجوز حلق اللحية وسماع الموسيقى، ويكتب فيه المؤلفات المتضمنة أنواعا من الاستدلال، الكاشفة عن مهارة وفن نادر في طريقة استخراج الحكم المقصود، فمع الإقرار بصحة الآثار الناهية، فقد حملت على أوجه أخرى لم تكن على بال، فألحقت بباب الأخلاق، وأن الأمر في هذا الباب دائر على الندب لا الوجوب، وقد كنا من قبل نفهم الأمر بصورة أيسر من هذا، كنا نفهم: أن ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم فهو للوجوب، إلا أن يصرفه صارف، لكن لسوء حظنا لم نفطن إلى هذا الصارف البديع (= النصوص في باب الأخلاق للندب لا الوجوب). وقد وافق على هذا بعض الفضلاء، وكلهم فضلاء نبلاء، وإن لم يكتبوا في ذلك شيئا حتى اليوم، ربما يكتبوه في يوم ما.
أمور كثيرة برزت لم تكن معهودة، وفتاوى عديدة أظهرت قرنها، ربما كانت مستترة، وقناعات يبدو أنها كانت تبحث عن فرصة البُدُوّ، وإلا فهل يمكن أن يكون كل ما كان انقلاباً عارضاً، لأناس عرفوا بالفقه والعلم والتمكن، مع خبرة واسعة، وذكاء لا يخفى؟.
ليس بالضرورة أن يكون في هذا العرض، إشارة إلى اتخاذ موقف مضاد تماماً، في كل المسائل والمواقف، غاية ما هنالك أنه محاولة لوصف حال التيار السلفي، منذ بضع سنين، تحت المجهر.
وليس المهم معرفة وجهة نظر فلان على التعيين، إنما المهم هو معرفة: أن تبني فكرة التغيير، وجعلها منهجا متبعا، وهدفا مقصودا لذاته. يضر بالمنهج نفسه، لا بالمسائل وحدها، فالمسائل متفاوتة، وبعضها تقبل الجدل، إنما الذي لا يقبل: أن يكون المنهج هو التغيير؛ لدافع خفي هو: مسايرة، ومواكبة، ومجاراة الواقع. لأنه حينئذ يحمل على التبديل، حتى من غير مبرر صحيح، ولا بدليل.
لا أحد معصوم، فلا مشكلة في إعادة النظر في المسائل، ولا مانع من النظر في كتب المتقدمين من علماء السنة، والذين لهم قدم صدق، ولم يعرفوا بتبني بدعة، يتخذونها منهجا، والاستفادة من أقوالهم، وعرض أقوال المعاصرين من السلفيين عليها، لمعرفة مدى موافقة المتأخرين للمتقدمين ..
لا مانع من ذلك ألبتة .. المانع يكون حين يتخذ النظر والإعادة لأجل تغيير حكم قد جرى، وقول قد عمل به، حينئذ يكون القصد هو التغيير، وليس طلب الحقيقة، وهذا المنهج يحمل على التكلف في استنطاق الأدلة، واستخراج الأقوال والآراء غير المألوفة، وتفسير الكلمات بأدنى صلة من معنى.
فمن جعل هدفه ومنهجه التغيير، فإنه لن يتردد في تحميل الدليل ما لا يحتمل، ولن يتوانى في التشبث بأي قول سابق، ولو كان شاذاً، أو بارداً متكلفاً، أو استدلالاً غريباً، أو قولا عرفت به طائفة مبتدعة.(3/148)
وهكذا يلج صاحب هذا المنهج في باب اتباع المتشابهات وترك المحكمات، وقد علمنا ما جاء في هذا، وهو أمر لوحظ على أصحاب هذا المنهج، فكم من مسألة تكلموا فيها، فأفتوا بما يوجب تغيير الواقع الكائن، لا لأن الدليل هو الذي أوجب. ذهبوا به أوجه بعيدة جداً، لا يزال المرء في حيرة منها، فلم يكن يصلح دليلا لما ذهبوا إليه، لكنهم جروه معه جراً، وحمّلوه ما ينأى به عن حمله وينوء.
أصبح الاتجاه السلفي على فريقين: أحدهما ينتهج التغيير، والآخر لزم مكانه.
وفي طبيعة المنهج السلفي إنتاج أفراد متحررين من قيود الشيخ وسلطة الأستاذ؛ لأنه يربى أتباعه على اتباع الدليل، وترك الشيخ لو خالفه، وبهذا فإن كل من رأى نفسه قد تأهل، لم يجد حرجاً في أن يرد على هذا وهذا .. فإن أصاب فقد سلم، وإن أخطأ فقد تحمل.
لكن ليس هذا حديثنا، إنما في تزايد شقة الخلاف وكثرة الأقوال بين أبناء الاتجاه، يعود من ضمن ما يعود إليه من أسباب، إلى السبب الآنف الذكر. والسبب وإن كان محموداً، لكنه قد يستعمل بإساءة، كمن صلى يرائي.
* * *
إذا كنا لا نبطل عملية النظر في المسائل، وفي الوقت نفسه ننعى على من جعل منهجه التغيير، فقد وجب أن نحدد، متى يكون الأمر إعادة نظر محمودة، وفي أي حال يتطور ليكون منهجاً بدعياً؟.
هي مسألة كبرى، ونحن نشير إشارات، والكلمات لا تحصى، وإنما هي كلمة ..
إن إعادة النظر في المسائل لا يلزم منها نقد المنهج، بينما اتخاذ التغيير منهجاً، يعني إخضاع المنهج نفسه للتغيير، وهذا هو الخلل الكبير، فالمنهج هو الذي ميز الاتجاه السلفي، وجعل مكانه مكان المهيمن بالحق على جميع الاتجاهات، وأي تغيير فيه قضاء عليه.
والاتجاه السلفي يقوم على:
- إبراز أنواع التوحيد الثلاثة، خصوصاً الإلهي منها، وتطبيقها عملياً وعلمياً.
- وإبراز السنة الصحيحة، والعمل بها، واجتناب إبراز الضعيف منها والعمل بها.
- وتمييز الشرك والبدعة، من التوحيد والسنة.
- والاعتناء بمعرفة حدود الولاء والبراء، وتطبيقهما عملياً بعناية بالغة؛ إذ هما من معاقد التوحيد
- وتحديد مصدر التلقي في الكتاب والسنة بفهم الصحابة والصدر الأول من الأمة، وتقديمه.
- ويمنع من تقديم العقل على النقل، بل يرى أن العقل الصريح لا يعارض النقل الصحيح، إنما يعارض لو نزلت مرتبة العقل عن وصف الصريح، أو مرتبة النقل عن وصف الصحيح.
- ويمنع من العمل بالكشف والذوق والمنامات، واتخاذها مصدرا لتلقي الأحكام الشرعية.
وأصول أخرى لا يتسنى المقام استيفاءها، إنما نذكر شيئاً وطرفاً مهماً منها، والقصد القول: أن هذا المنهج لا يمكن المساس به؛ كونه يمثل روح الدين وأساسه، الذي بني عليه، أما المسائل المندرجة تحته:
- فمنها ما يكون أصلا كفعل الصلاة، والحكم بما أنزل الله، ووجوب العمل للإيمان، فهذه الخطأ فيها خروج عن الحق، وإن كان لا يلزم منه الخروج على المنهج.
- ومنها ما يكون فرعاً، وهي أكثرها، كوجوب إعفاء اللحية مطلقاً، أو تحريم الإسبال مطلقاً، أو التوسل بجاه النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك، فهذه لو أعيد النظر فيها للتحقق من سلامة الموقف والفتوى، فلا يظهر مانع من ذلك، ومثل ذلك الموقف من الواقعين في البدعة، وكيفية التعامل معهم، والتفريق بين مجرد الوقوع في البدعة، وتبني المناهج البدعية.(3/149)
إن دراسة هذه المسائل بقصد التحرير والتوصل إلى القول المحرر الصواب، لا شية فيها، خصوصاً إذا كان المعتمد في الفتاوى السابقة بعض الأقوال، التي كان لها حضور عارم، وهيبة يمنع من مراجعتها، إما احتراماً لأصحابها، أو خوفاً من مخالفتها، فربما لم تصب مذهب السلف بالدقة اللازمة، وهذا وارد؛ إذ يلاحظ في مسائل عدة: أن الاستدلال فيها بالمتأخرين المعاصرين، دون المتقدمين.
إن كل ما تقدم هو محاولة لمعرفة الطوارئ التي طرأت على السلفيين، وتقويمها، ومعرفة ما ينبغي أن يتخذ، وما ينبغي أن يجتنب، ولم يكن الغرض الإحاطة، فذلك لا تكفيه إلا رسالة وكتاب. ونحسب أنه قد أثار شيئاً من حقيقة ما وقع ويقع، وقارب في بيان الصورة.
فهذا ما يتعلق بالتغيرات، أما التداخلات فنرجئها إلى مقال لاحق
(2/ 2)
كان للاتجاه السلفي، بعمومه، موقفاً واضحاً من الاتجاهات المخالفة؛ الدينية، والطائفية، والفكرية. ونعني بالأولى: الديانات المخالفة للإسلام، الذين وصفهم القرآن بصريح الكفر، كاليهود والنصارى. وبالثانية: فرق الشيعة والمتصوفة دون غيرهما؛ للقرب والاختلاط والاحتكاك المستمر؛ إذ المجتمع، في العادة، يحوي جميع هذه الاتجاهات المتنافرة، بالحكم الجغرافي.
وبالثالثة الاتجاهات: العلمانية، والليبرالية، والعصرانية. وهي اتجاهات فكرية حوت مجموعات وأفراداً من شتى التوجهات والانتماءات.
هذا الموقف تجلى في المفاصلة التامة، أو بالتعبير الشرعي: البراء التام. من كل هذه الملل والفرق والمذاهب الفلسفية والفكرية.
تفاصيل هذه المفاصلة بدت في اتخاذ المواقف الحادة مع هؤلاء المخالفين، حتى إنه ليبدو أنه لا قدر مشترك، يمكن أن يعول عليه في التقارب، أو التفاهم، أو حتى في الحجاج والإلزام.
فالمخالفون في الملة والدين، وهم اليهود والنصارى خصوصاً- بحكم الارتباط التاريخي والديني - نالتهم المفاصلة التامة، وبالأخص النصارى منهما .. فعلى الرغم من عمق البغض تجاه اليهود، فإن كثرة اختلاط النصارى بالمسلمين، واحتكاكهم بالمصالح الإسلامية، ومواقفهم العدائية؛ من غزو واحتلال واستغلال، ابتداء بالحملات الصليبية، إلى استعمار البلدان الإسلامية، حتى اكتساحها بالغزو الفكري، كل هذه العوامل جعلت منهم محل تطبيق عملي لمبدأ البراء التام، فلم تظهر آثار هذا المبدأ بالصورة الجلية الواضحة، مثلما ظهرت مع هذا العالم النصراني؛ الأوربي والأمريكي بالأخص.
وقد وجد التيار السلفي في النصوص الآمرة بالشدة والغلظة مع الكافرين، وبغضهم وترك موالاتهم بمحبة أو نصرة، وعدم بدئهم بالسلام، واضطرارهم إلى أضيق الطريق حين الالتقاء، وتصغيرهم كما صغر الله بهم، ونحو من هذا: مستندا في التدليل على صحة موقفه منهم.
كما أن تاريخ وسجل اليهود والنصارى مع المسلمين قديماً وحاضراً، تقدم ذكرها إجمالا آنفاً، أضاف تأكيداً لما قررته النصوص - بكثرة - من عداوتهم تجاه المسلمين والدين الحنيف. وذلك بدوره عمق وأكد مبدأ البراء التام.
وبهذا لم يكن من بد، واجباً شرعياً، أمام هذا التيار من إقامة صروح البراء التام تجاه المخالفين في الدين، حسب تقديره ورؤيته، وفي تفاصيل هذه الرؤية، عدم التفريق بين المحارب وغير المحارب، فمجرد الكفر يكفي لتوجه كافة أنواع البراء، على أتم درجة، وأعلى حد.(3/150)
ولعل الذي عمق هذا التوجه: كون كثير من المنتمين لهذا التيار قليلي الاحتكاك والمعاملة لهؤلاء المخالفين في الملة، إما لندرة وجودهم في ديارهم، كلا الفريقين، أو لتعمدهم التباعد عنهم، امتثالا للوصايا النبوية الناهية عن الإقامة بين المشركين، ومجامعتهم في المساكن. وقد لوحظ في الذين تعرضوا لمثل هذا الاحتكاك، بسبب السفر والإقامة في الغرب، أو غير ذلك: أن كثيراً منهم كانوا أقل حدة.
في حال الفرق كالشيعة والصوفية، فإن المفاصلة والبراءة لم تكن بأقل درجة عما سبق تجاه المخالفين في الدين، خصوصا مع تلبس طوائف من هاتين الطائفتين بأعمال، هي من صريح الشرك بالاتفاق. كذلك فإن النصوص المحذرة من البدعة، القاضية بحرمان المبتدع من التوبة، ومن ورود الحوض النبوي، يضاف إلى ذلك: الأقوال والمواقف الحاسمة في الهجر، التي وردت عن الأئمة تجاه المبتدعة الأوائل، كالمرجئة والمتكلمة. كل ذلك أوجد مستنداً شرعياً في معاملة هذه الطوائف بتلك الطريقة؛ بالتباعد عنها وعن رموزها، والإحجام عن التعاون والمشاركة، بله الظهور معاً في محفل واحد، ففي تقديره: أن فعل أي شيء من هذا، يعد تنازلا وتزكية، ويعني بالضرورة التهاون في أمر البدعة.
في الحين ظهرت مذاهب أوربية مستوردة، انتشرت في البلاد الإسلامية، هي: العلمانية، والليبرالية، والعصرانية. اتخذ التيار السلفي منها موقفا لا يقل وضوحا وحسما عما سبق، وعاملها بالطريقة نفسها، وربما زيادة؛ كونه رأى فيها خطراً ماحقاً؛ إذ الذين يحملونها أبناء الجلدة، يروجون للأفكار الإلحادية، المعادية للدين في بلاد المسلمين، بقصد التغريب، ونقل أخلاقيات الغرب إليها، ولهم في ذلك ترتيبات وخطط، هم في واقع الأمر رسل الغرب، والغرب يساندهم ويعينهم.
والعصرانيون منهم خصوصاً، وإن خلصوا من تهمة الانتماء الغربي، غير أنهم ربما كانوا أشد خطراً؛ إذ منهم من هو منتسب للعلم الشرعي، وفي هيئة دينية، وهو يمارس تحريف الكلم عن مواضعه، تحت غطاء حاجة العصر، ويسر الشريعة.
* * *
تلك المواقف كانت معلنة غير خفية؛ إذ من استراتيجيات التيار: الوضوح والتجلية، حتى يتميز الحق من الباطل، فيستبين سبيل المجرمين من سبيل المؤمنين. وذلك الهدف الأكبر لا يتحقق إلا من طريق المصارحة والمطارحة، ولو بالتجريح، وغير هذا ليس بممكن؛ إذ يتسبب في تعمية الحق والصواب عن الجموع العامة من المسلمين، الذين لا يميزون بين الاتجاهات بأنفسها، إلا بإرشاد وتوجيه، وهذه إن لم تصارح، وتوضح لها الحقيقة، فإنها لن تهتدي، وسرعان ما تضل طريقها. والمؤمن الحق هو الذي لا يحابي في دين الله تعالى، ولا يداهن في بيان الحق، والنصوص في هذا المعنى كثيرة جداً، في خطابات الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن يبلغ، ويعرض عن مداهنة الكافرين.
كان التيار متميزاً جداً، في كل شيء؛ في خطابه، ومصطلحاته، وأفكاره، وتوجهاته، وأهدافه، وإعلانه وإسراره، واضحاً على محجة بيضاء، ليلها كنهارها، بأفكار ومبادئ يقاتل دونها قتال الأسد، ويصونها بكل ما يمكن، لا يتردد في التضحية بكل شيء من أجل ذلك الهدف.(3/151)
عاش لحظة استغراق تام، وفناء كلي في مبادئه وأفكاره، لم يكن يسمح لأحد بأن يرتع حولها بشك أو ريبة، وإلا فإن ما سيأتيه سيكون قاسياً له ولغيره من بعده، وقد تسلم زمام النصوص من الكتاب والسنة تفسيراً وشرحاً، وأعاد للصحيح هيبته، فتفرد بنشر هذا المبدأ وعمل به، فلا يحتج في شيء إلا بالصحيح دون الضعيف، وفرض فهم السلف الصالح على النصوص، وحاكم إليه من حيث المنهج والأصل، وبهذا تملك زمام الحقيقة الشرعية، فهابته التيارات الأخرى، وتحاشت سطوته، ومن رام الوقوف والمعارضه لم يحسد على ما ينزل به، فالأحظى بنصوص الشريعة، كان الأحظى بالحقيقة، الأحظى بالهيمنة على ساحة الفتوى والتعليم.
وهكذا انتشرت السلفية في أصقاع الأرض، فكثر أتباعها الذين يؤمنون بمبادئها في الاعتقاد والفقه، حتى وجدت لها أنصاراً في أقصى الأرض، يخلصون لها باعتبار أنها تمثل الإسلام الصحيح المنزل، بل لقد أوجدت أنصاراً لها ومتعاطفين داخل التيارات الإسلامية الأخرى، المناوئة بدرجة أو أكثر. وتوارى الآخرون، وهم يشعرون بالعجز عن مكافحة هذا التيار، وهو يستدل بالنصوص العارمة في بيان صحة مسلكه وفتاواه، وفساد مسالك وفتاوى الآخرين، في المسائل المختلف عليها.
* * *
ذلك الوضوح والحسم والصرامة والنجاحات، بدا وكأنه في حالة أفول منذ أحداث 11 سبتمبر 2001، ربما ظهرت بوادر التغير قبل ذلك من قريب، لكنه لم يظهر جليا إلا منذ ذلك الحين.
لقد تبدلت مواقف جناح في هذا التيار، كان له التأثير الواسع، وتبدلت جذريا في بعض المواضع، بذريعة المراجعة والتصحيح، تحت مطارق الاتهامات الآتية من الاتجاهات والقوى، التي حملت التيار وزر ما حاق بالمسلمين من أذى، جراء ضرب برجي التجارة العالمي بنيويورك.
وأول وأكبر ما لوحظ في هذا، تغير الموقف من الآخر، المخالف في الملة أو الطائفة أو الفكر من المفاصلة التامة والبراء التام إلى غير ذلك، لا نقول إلى الولاء التام، لكن إلى التداخل والتقارب، والتفاهم، والمشاركة، والتعاون، ونحو ذلك مما يعني إلغاء الطريقة القديمة؛ الحدة والقطيعة.
لم يكن هذا التغير معزولا عن المستند الشرعي، كما في الأول، فإن البحث والتنقيب، كذلك: قبول السماع من المخالفين، وتفهم مواقفهم، والجلوس إليهم. كان له دور في هذا التغير. والحامل على كل ذلك هو محاولة التخلص من التهم الموجهة تجاه التيار، ومعالجة الأخطاء، وإعطاء صورة مخالفة عما بدا عليه العقود الماضية.
صعب على التيارات الأخرى تقبل هذا الوضع الجديد لهذا الجناح من التيار السلفي، ففي كثير من الحالات كان يرجح أنه موقف سياسي مصلحي، لا يكشف عن حقيقة النوايا. هذا الظن عمق لديهم النظرة السلبية تجاهه، "ففي الماضي كان يمارس دور الوصاية الدينية، والتبديع والتكفير، واليوم يمارس دور المتقرب المعتدل الوسطي، إنه تحايل سياسي في أحسن الأحوال" .. هكذا يتهامسون، وفي بعض الحالات يعلنون. ومع ذلك فلسان حالهم، وأحيانا مقالهم: دعوهم، فإن ما نجنيه نحن من هذا التوجه الجديد، أكبر مما يحصدونه لفكرهم ومذهبهم.
في الوضع الجديد لهذا الجناح، برز التفصيل في أنواع الكافرين، وما يستحقه كل نوع من البراء، فليس المحارب كغيره، وللذمي حقوقاً، وكذا المعاهد. وقد كان غائبا لا يكاد يعرفه إلا المختصون.
والتعامل مع المبتدع والموقف منه، أمر مصلحي، فحيثما كانت المصلحة فثم الحق، فليس الهجر في كل الأحوال بنافع أو حتى مشروعا، وينبغي التفريق بين صاحب البدعة، والعامي إذا قارف بدعة.(3/152)
وفي أبناء الجلدة، المعجبين بالغرب، يجب ألا يساء الظن بهم كلياً، وألا ينظر إلى ما يروجونه ويدعون إليه، على أنه تغريب وإفساد. فهم مسلمون، وكثير منهم يقصدون التطوير وارتقاء الأمة، فطائفة مما ينادون به، هو من المباحات الجائزات، كقيادة المرأة للسيارة، وعملها خارج البيت، وممارسة الرياضة.
والعصرانيون لم يكونوا مخطئين في كل حال، فكثير من فتاواهم قد ثبت صدقها، فهاهم الذين كانوا يرفضونها، ويجعلونها من التحريف في الدين، هم اليوم يأخذون بها، وينصرونها للتيسير الذي فيها.
وفي ظل هذا الانقلاب في الموقف، ظهرت حالة جديدة، منسجمة تماما مع هذا التوجه، فإذا كان الموقف الفارط، موقف المفاصلة التام، يستدعي التميز في كل شيء، حتى لا يختلط الحق بالباطل، فالآن لا معنى لهذا التميز، وقد اعتدلت النظرة وتحسنت تجاه المخالفين، بسبب ذاتي لا غير، وعليه فلا مانع من التوافق في الأطروحات، فتكون القضية واحدة، والهم مشتركا في مسائل عديدة، كالوحدة الإسلامية، ومواكبة العصر، واعتبار حاجة التطور، وهذا التوافق في المواقف يحمل رغما على التوافق حتى في نوع الخطاب، والمصطلحات، وأسلوب الدعوة، والفتاوى ونحوها.
هكذا بدأ التداخل بين هذا التيار والتيارات الأخرى، وإن شئنا الدقة، منذ هذه اللحظة بدأ في موافقة التيارات الأخرى في مصطلحاتها وأساليبها، وفتاواها، فلم يحصل تقارب بالمعنى الدقيق للتقارب؛ هذا يقترب من هذا، وهذا من هذا، يلتقيان جميعا في المنتصف .. كلا، بل ذلك الجناح من التيار السلفي هو الذي كان المتقرب، المتودد، الذي تخلى عن مصطلحاته، وركب مصطلحات الآخرين.
- فبعد أن كان يتحدث عن عداوة الكافرين للمؤمنين، صار كلامه عن التعايش، والسلام، والمشتركات، واحترام قرارات الأمم المتحدة.
- وبعد أن كان يتحدث عن بغض الكافرين، صار يتحدث عن لزوم محبتهم فطرياً وإنسانياً.
- بعد أن كان يحذر من بدع التشيع والتصوف، صار يقرر أن ثمة أموراً مشتركات بيننا.
- بعد أن كان يتحدث عن خطورة تغريب المرأة، وأدوات ذلك، غدا يكلمنا عن ظلم المرأة.
- بعد أن كان يقرر وجوب خلو المعاملات المالية من أي شائبة للربا والمحرمات، بدا يفصل ويقرر مقدار المحرم ونسبته في المعاملات، وعليه يبني الفتوى.
وأشياء أخرى لا يحصيها المقام، فهذه النظرة الجديدة ولد موقفاً جديداً، لقد دخلت تيارات كثيرة في نطاق الصداقة مع هذا الجناح من التيار السلفي، فنشأت بينهم مودة وإعجاب، كانت من جانب هذا الجناح أظهر وأكثر. وفي المقابل ساءت نظر بقية التيار لهذا الجناح، فأكثرت من العويل عليه، والتحذير من مسلكه، واعتباره منقلباً على المنهج نفسه، ذلك ولد موقفاً مضاداً حمله على الجفاء إلى حد الامتعاض، بل وفي بعض الحالات القطيعة والهجر.
فبعد أن كان الهجر بين التيار والتيارات الأخرى، إذا بهذا الجناح يجافي بني مذهبه، ليصل ويلتقي مع الذين كانوا محل هجره وقطيعته بالأمس.
ما كان يخافه التيار بالأمس قد وقع .. انتهى عهد التميز، خصوصاً مع سكوت بقية التيار الملتزمين السنة الأولى، عن الكلام في كثير من القضايا، إما حذرا وإما كسلا ويأسا. وهكذا صار كثير من الناس لا يفرقون بين سلفي المنبت والمدرسة، والصوفي، والليبرالي، والعصراني، فكلهم يتكلمون في القضية الواحدة، التي كانت محل نزاع وتنافر وهجر، كلمة رجل واحد، بلغة واحدة، وهدف واحد، وأسلوب ومصطلح واحد .. حصل التداخل.
ما فرح أحد بهذا مثلما فرح الآخرون؛ إذ رأوا في هذا المسلك قضاء على سطوة التيار في فهم الإسلام وتفسير النصوص، وخدمة لأهداف لطالما ضحوا من أجلها، في قضية بدت لهم وكأنها خاسرة، هي اليوم تخدم من قبل التيار المهيمن.(3/153)
لقد كان من الحجج: أن الوضع الراهن يحتاج إلى مزيد من اليسر، وإلا فإن الناس ينفرون من الدين، ويبقى بلا أنصار. ونكون بذلك جنينا على الدين.
لكن البقية رفضوا هذا التحليل، ورأوا أنها فرصة فوتت وضيعت، فحيث كافح هذا التيار ليقول كلمة الحق جلية، وجاهد من أجلها وضحى، فلما انجلت الأمور، وصارت الكلمة ميسرة، والحرية واسعة، والناس في عطش، واستعداد لصعود الجبال، لما يجدونه من ألم الروح وعذاب البعد عن الله تعالى، إذا بهؤلاء الميسرين المجددين يمتطون التعمية، والإغماض في المواقف، فصاروا كمن يشكوا ظلام الليل، ومشقة السير فيه، فلما تجلى له النهار عن شمس ليس دونها غيم: سكن، فلم يتحرك، وإذا ما تحرك، فللتخفي عن الأنظار.
كثير من المراقبين يرون أن السلفية بكافة تياراتها، الملتزمة بالطريقة الأولى، والسائرة في طريقها الجديدة، فوتت على نفسها فرصة استغلال حرية الكلمة، والفضاء المتاح، المتصل بأجزاء العالم كله، لِبَثِّ رؤيتها ومذهبها، مع شدة حاجة الناس إليها، في ظل التخبط الذي يعيش فيه العالم.
فأما الملتزمة فسكوتها غير المبرر، ولو كانت تبررها، أضاع عليها الفرصة، وأما المجددة فتركها لمصطلحها ونوعية خطابها إلى نوعية ومصطلحات الآخرين، خدم مصلحة وأهداف الآخرين لا مصلحتها، إلا إن كان منها من تنكر كليا للمذهب الأول، فذلك أمر آخر.
ولا يزال الناس، يعظمون الصراحة والوضوح، ويمقتون التعمية والغبش، ويعتقدون أن كل من كان واضحاً صريحاً، فهو الجدير بالاحترام، والاتباع كذلك.
وفي المذهب السلفي كل شيء يمكن إبرازه، وتوضيحه من غير خجل، ولا الخوف من النقد، فهذا المذهب هو الذي يرجع بالفقه إلى الصحابة والقرون المفضلة، وهؤلاء هم أولى الناس بمعرفة الإسلام وتفسيره كما أراد الله تعالى، وهكذا فإن حقيقة المذهب السلفي: أنه التفسير الصحيح للإسلام، بشرط أن يلتزم المنتسبون إليه فقه الصحابة، وإلا فالألقاب لا تقدم ولا تؤخر.
لم يكن الكلام السابق نقداً، بقدر ما كان عرضاً لواقعة وقعت، فالموقف السلفي الأول عليه، في بعض الأمور، ما على التالي الجديد، فقد أصاب وأخطأ، وإن كان صوابه أكثر، وإذا بلغ الماء القلتين لم يحمل الخبث، وإن كان ذلك لا يمنع من الفحص والبحث، لكن النقد يتجه على الطريقة التي تحكم على نفسها بالغياب، عندما تترك لونها وتلون نفسها بألوان الآخرين، وتستبدل صورتها بصور الآخرين، فتضعها في إطار تصنعها، وما يصنع الناس بالإطار، وإنما العبرة في الصورة.
إن استعمال المفاصلة التامة الحادة في كل مقام، مع جميع المخالفين، باختلاف أنواعهم وأقسامهم خطأ جلي محض، وتعطيلها كلياً كذلك هو خطأ، والحكمة: معرفة متى ينبغي تعطيلها كلياً أو جزئياً، ومتى يمكن إعمالها كلياً أو جزئياً. وصفتها موجودة في القرآن والسنة والسيرة.
وتميز أهل الحق بكل ما يميز ويظهر الحق الذي عندهم أمر واجب، وإلا فإنه يضل ولا يهدي، فإذا ما انماع أحد في أحدهما (= المفاصلة التامة، أو تعطيل المفاصلة كلياً) فإنه يضر ضرراً بالغاً.
إن الكلام في هذا كثير وطويل، وحسبي أني ألقيت حملاً كان ينوء به قلبي وصدري، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
ثمة قضية أود التحدث عنها منذ مدة .. عن هذه النقلة الفكرية، الثقافية، الدينية الظاهرة، الحادثة، الجارية في بنية المجتمع .. التي بدت أثرا عن التغيرات والتداخلات في المواقف الشرعية للاتجاه السلفي، وغلبة رؤى ومفاهيم اتجاهات أخرى مختلفة، أتيح لها استغلال الظرف أحسن الاستغلال.(3/154)
اتباع الهوى
د. إبراهيم بن عبد الله الزهراني
الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة، هو أصل دين الإسلام، فمن أسلم وجهه لله، ووقف عند حدود الله، فقد اهتدى، ونال الدرجات العلى. قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:40،41)، وأما من اتبع نفسه هواها، فإن عاقبته الهلاك، والخذلان.
وذلك أن المعاصي، والبدع، كلها منشأها من تقديم الهوى على الشرع. قال تعالى: {فَأَمَّا مَنْ طَغَى * وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:37ـ 39).
إن فساد الدين يقع بالاعتقاد بالباطل، أو بالعمل بخلاف الحق "فالأول البدع، والثاني اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كُذِّبت الرسل، وعُصى الرب، ودُخلت النار، وحلت العقوبات" ولذلك ما ذكر الله الهوى في كتابه إلا على سبيل الذم، وأمر بمخالفته، وبين أن العبد إن لم يتبع الحق والهدى، اتبع هواه.
قال تعالى: {فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} (القصص:50)، وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (الأعراف:176)، وقال تعالى: {فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} (النساء:135).
مفاسد إتباع الهوى:
• إن اتباع الهوى ـ وهو "ما تميل إليه النفس مما لم يبحه الشرع"،خلاف مقصود الشرع؛ لأن "المقصد الشرعي من وضع الشريعة إخراج المكلَّف عن داعية هواه؛ حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً".
• صاحب الهوى لا حكَمَةَ له ولا زمام، ولا قائد له ولا إمام، إلهه هواه، حيثما تولت مراكبه تولى، وأينما سارت ركائبه سار، فآراؤه العلمية، وفتاواه الفقهية، ومواقفه العملية، تبع لهواه، فدخل تحت قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ} (الجاثية:23) قال عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام: "ما ابتدع رجل بدعة إلا أتى غداً بما ينكره اليوم" وقال عبد الله بن عون البصري:"إذا غلب الهوى على القلب، استحسن الرجل ما كان يستقبحه".
• صاحب الهوى ليس له معايير ضابطة، ولا مقاييس ثابتة، يردُّ الدليل إذا خالف هواه لأدنى احتمال، ويستدل به على ما فيه من إشكال أو إجمال، وإذا لم يستطع ردَّ الدليل لقوته، حمله على غير وجهه، وصرفه عن ظاهره إلى احتمال مرجوح بغير دليل.
قال شيخ الإسلام: "والمفترقة من أهل الضلال تجعل لها دينًا وأصول دين قد ابتدعوه برأيهم، ثم يعرضون على ذلك القرآن والحديث، فإن وافقه احتجوا به اعتضادًا لا اعتمادًا، وإن خالفه فتارة يحرفون الكلم عن مواضعه ويتأولونه على غير تأويله، وهذا فعل أئمتهم، وتارة يعرضون عنه، ويقولون: نفوّض معناه إلى الله، وهذا فعل عامتهم".(3/155)
• صاحب الهوى ـ إذا كان عنده شيء من العلم الشرعي ـ مفزع كل مفترٍ، ومأوى كل مبطلٍ، ومستشار كل طاغٍ، وفتنة كل جاهل، بما يسوغه لهم من الآراء الباطلة، ويسوقه لهم من الأدلة الزائفة، ويلبس عليهم به من الشبه الصارفة.
قال الحسن البصري: "شرار عباد الله الذين يتبعون شرار المسائل؛ ليعموا بها عباد الله".
• صاحب الهوى تسهل استمالته من قبل أعداء الأمة، والمتربصين بها الدوائر، فسرعان ما يرتد خنجراً في خاصرة الأمة، وسوطاً يلهبُ ظهرَها، وعيناً يكشف سرها، ويبدي سوأتها، ويهتك سترها، داعيةً لتثبيط العزائم، إماماً لكل متهتك وخائن.
• صاحب الهوى مفرق لجماعة المسلمين، مبتغٍ لهم العنت والمشقة، الطعن في الصالحين ديدنه، والهمز واللمز دأبه، والحسد طبعه.
تراه معتزلاً كل من يخالف هواه، وإن كان أهدى سبيلا، مقرباً لكل من هو على شاكلته وإن كان للشيطان قبيلا.
قال سعيد بن عنبسة: "ما ابتدع رجل بدعة إلا غلَّ صدرُه على المسلمين، واختلجتْ منه الأمانة" وذلك لأن "جميع المعاصي يجتمع فيها هذان الوصفان، وهما العداوة والبغضاء، والصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن التحابّ والتآلف إنما هو بالإيمان، والعمل الصالح كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً} (مريم:96) أي: يلقي بينهم المحبة، فيحب بعضهم بعضا، فيتراحمون، ويتعاطفون، بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض من المحبة".
المصدر: شبكة القلم الفكرية.(3/156)
المفاهيم العقدية في أحداث غزة
بين الثبات والضياع
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف على موقع الدرر السنية
14/ 1/1430هـ
الحمد لله الواحد القهار، والصلاة والسلام على النبي المختار، وعلى آله وصحبه الأخيار.
أما بعد:
فلقد أظهرت أحداث غزة المؤمنة، غزة الصابرة، كثيراً من المعاني والمفاهيم العقدية التي تكلم عنها العلماء قديماً وحديثاً، فكانت ابتلاءً وامتحاناً للمسلمين وتمحيصاً لهم: ?وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ? [العنكبوت:11]، فأظهر الله حقائق الإيمان وأثرها على أرض الواقع وهذا مما يزيد المؤمن يقيناً ويزيد أهل هذه المعاني ثباتاً على دينهم وجهادهم.
فما حصل في غزة ليس شراً محضاً بل فيه خيرٌ كثير يعرفه من نوَّر الله بصيرته بالإيمان، قال الله تعالى: ?كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُون? [البقرة:216]
ومن تابع الأحداثَ، ومجرياتِ الأمور، وشاهدَ ما حصل لأهل غزة، وما تبع ذلك من تصريحاتٍ، وبياناتٍ، وفتاوى، ومظاهراتٍ، ظهر له جلياً الفرقُ بين دراسة مسائل الإيمان والعقيدة نظرياً في المساجد والفصول الدراسية، وبين تطبيق مقتضياتها في ميادين الجهاد وعلى أرض الواقع، حيث تُمحَّص القَناعات، ويظهر أثرُ اليقين على النفوس، ويثبِّتُ الله من أراد به خيراً من أهل الصدق وحسن التوكل عليه، ويوفقه للعمل بمقتضيات الإيمان والتقوى، وأسُّ هذا الأمر: المعتقد الصحيح الذي من تمسَّك به علماً واستدلالاً كان أقرب للتحقق به عملاً، فجمع الله لأهل الثغر بين الفضيلتين، ومن هذه المعاني التي تجلت بوضوح سواءً لأهالي غزة أو لغيرهم من المؤمنين الصادقين والتي دلت على ثباتهم ورسوخ عقيدتهم: الإيمانُ بالقضاء والقدر، وصدقُ اللجوء إلى الله عز وجل والتوكلُ عليه، ومعاني الأخوة الإيمانية، وحُسْنُ الظن بالله، واليقينُ بموعودِ الله ونصره، وفي المقابل: هناك قوم سقطوا في الفتنة وخدشوا توحيدهم أو نقضوا إيمانهم بمظاهرة الكافرين على المسلمين وإخلالهم بعقيدة الولاء والبراء وسوء ظنهم بالله تعالى.
ومن هنا كان لابد من إيضاح هذه المعاني لأن أحداث غزة باتت امتحاناً عملياً اجتازه من وفقه الله وسقط فيه من لم يرد الله به خيراً ?ألا في الفتنة سقطوا? [التوبة:49](3/157)
أمّا الإيمانُ بقضاءِ الله وقدرِه: فهو ركنٌ من أركان الإيمان، كما في الحديث الصحيح: (وأن تؤمن بالقدر خيره وشره) فلا يستقيم إيمانُ العبد إلا به، وقد تجلَّى هذا واضحاً في أحداث غزة، حيث شاهد كثيرٌ من الناس على الشاشات الإعلامية مرات عديدة من فقدوا جميع أهليهم وذويهم أو أكثرهم والطائرات فوق رؤوسهم وهم يرددون: الحمد لله، الحمد لله على قدر الله. ومنهم من يقول: نحسبهم شهداء عند الله، وغيرها من العبارات الإيمانية، فلله درُّهم!. أمَّا المجاهدون فقد ضربوا أروع المثل بإيمانهم بقضاء الله وقدره، صبرٌ بلا جزع، ورضىً بلا هلع، ونحن بدورنا علينا أن نؤمن بأن ما يصيب أهل غزة اليوم من قتلٍ وتدميرٍ وجرحٍ وألمٍ وجوعٍ هو قضاء الله في عباده المؤمنين، ?قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ? (التوبة:51)، وأن تكالب الأعداء من اليهود والنصارى والمنافقين على إخواننا المسلمين في غزة وحصارهم وقتلهم إنما هو من قدر الله، وقدر الله نافذ وهو موافق لحكمته ولا يكون قدر الله إلا خيراً. ?وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ? [محمد:4](3/158)
وأمَّا صدق اللجوء إلى الله والتوكل عليه: فمن فوائد هذه الأحداث انقطاع حبل التوكّل بين المجاهدين في غزة وبين الخلق أجمعين، فالله لا يرضى أن يصرف عبدُه قلبَه إلى غيره، وقد رأينا هذا وسمعناه مراراً في تصريحاتِ عددٍ من مسؤوليهم وقادتهم، ونحسبهم -والله حسيبهم- من الصادقين والمتوكلين على ربهم وقد أخذوا بكافة الأسباب الممكنة عسكرياً وسياسياً، ثم فوضوا أمرهم إلى الله ولم يركنوا لسواه مع علمهم بأن كبرى دول العالم ضدَّهم، يخوفونهم ويهددونهم، والله تعالى يقول في كتابه ? أَلَيْسَ اللهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ، وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ? (الزمر:36)، وبهذا يكونون قد ضربوا للعالم أروع معاني التوكل على الله، وقد فطن لهذا المعنى كثيرٌ من علماء المسلمين ودعاتهم الذين سعوا لتثبيت إخوانهم في بياناتهم وخطاباتهم عندما أكَّدوا على هذا المعنى ونصحوا إخوانهم في غزة بأن لا يلجأوا إلا إلى الله، ولا يؤمِّلوا خيراً في مجلس الأمن، ولا الأمم المتحدة، ولا منظمات حقوق الإنسان ولا يستجدوا فلاناً أوفلاناً، فكلُّ هؤلاء لا يُغنون عنهم من الله شيئاً، فالتوكُّلُ يكون عليه وحده دون سواه، قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير قوله تعالى في سورة (التوبة): ? لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (25) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ?: (يذكر تعالى للمؤمنين فضله عليهم وإحسانه لديهم في نصره إياهم في مواطن كثيرة من غزواتهم مع رسوله وأن ذلك من عنده تعالى، وبتأييده وتقديره، لا بِعَددهم ولا بِعُددهم، ونبههم على أن النصر من عنده، سواء قل الجمع أو كثر، فإن يوم حنين أعجبتهم كثرتهم ومع هذا ما أجدى ذلك عنهم شيئاً فولّوا مدبرين إلا القليل منهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل الله نصره وتأييده على رسوله وعلى المؤمنين الذين معه ... ليعلمهم أن النصر من عنده تعالى وحده، وبإمداده، وإن قلّ الجمع، فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين) أ. هـ، وفي انقطاع ما بينهم وبين الخلق كما هو حالهم الآن ما يفضي إلى مزيدِ تعلُّقٍ بالله عز وجل، مع يأسهم مما في أيدي الناس وهو مُؤْذِنٌ إن شاء الله بعاجل نصر الله.
وفي المقابل: كان هذا الأمر امتحاناً وفتنة سقط فيها كثيرٌ من الزعماء والعلمانيين والإعلاميين، كما أوجدت خَدْشاً في بعض البيانات والخطابات والتحركات التي كان من ضمنها مناشدة هذه المنظمات بوضع حدٍّ للحرب وكأنه خافٍ عليهم قول الله تعالى: ?وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ? [البقرة:120](3/159)
أمَّا الأخوة الإيمانية والولاء للمؤمنين: فقد ظهرت أسمى معانيها في أحداث غزة ?وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ? [التوبة:71]، فما أن اندلعت الحرب حتى هُرِعَ المسلمون من جميع أقطار المعمورة - عرباً وعجماً- يجأرون إلى الله تعالى بالدعاء في صلاتهم إحياءً لسنة قنوت النازلة، ثم تتابعت البيانات والفتاوى التي تدعو لنصرة إخواننا في غزة، وخرج كثيرٌ من الناس بشتى أجناسهم وأعمارهم وطبقاتهم إلى الشوارع يطالبون بإيقاف الحرب، بل طالب كثيرٌ منهم بفتح باب الجهاد ليجاهدوا في سبيل الله معهم، لكن حيل بينهم وبين ذلك! فلله الأمر من قبلُ ومن بعد، كما أنه ما أن أعلنت بعضُ الجهات المختصة بجمع التبرعات لمنكوبي غزة حتى قام كثيرٌ من الناس رجالاً ونساءً بالإنفاق في سبيل الله، وكلُّ ذلك دليلٌ على الأخوةِ الإيمانية وولائهم للمؤمنين.
وفي المقابل: سقط آخرون وأصبحوا يتحدثون عن أخطاء حماس وأنها سبب كل ما يحدث، بل إن أحدهم كتب في إحدى الصحف العربية: اضربيهم إسرائيل ولا تبقي منهم أحداً!! فأين هذا من الأخوة الإيمانية؟!
ومما يؤسف له أن بعض أهل العلم والفضل لا تجد لهم أثراً رغم كل هذه الأحداث العصيبة، وكأن الأمر لا يعنيهم! وهم من أفقه الناس -نظرياً- بحديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه في (صحيح البخاري) مرفوعاً: (وذِمَّة المسلمين واحدة، يسعى بها أدناهم)
وأمَّا عقيدة البراء من الكافرين وعدم مظاهرتهم على المسلمين: فهذه أصبحت من النظريات، ولا علاقة لها بالواقع مع أن الله عزَّ وجلَّ يقول: ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ? [المائدة:51] وقد عدَّ علماءُ الإسلام مظاهرة المشركين على المسلمين من نواقض الإسلام.
ألا فليحذر كلُّ من أعان اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار على قتال المسلمين من مقت الجبَّار وغضبه وعقابه.
وأما حسن الظن بالله: فينبغي للمسلم أن لا يسيء الظن بالله تعالى فمن ظنَّ أنَّ الله ينصر اليهود أو النصارى أو غيرهم من الكفار على المسلمين نصراً دائماً، أو أن الحق سيظل مغلوباً من قبل الباطل، أو أن ما يجري لا حكمة فيه، أو أنه يحصل عبثاً، فقد أساء الظنَّ بالله، والله تعالى يقول محذراً من سوء الظن به ?يظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ? [آل عمران:154] فهذه الأمور المؤلمة التي نراها إنما تحدث لحكمة يعلمها الله، فَالله تعالى مَا قدَّرها سُدًى، ولا أنشأها عبثاً، ولا خلقها باطلاً، فهذا من حسن الظن بالله تعالى.
أما اليقين بموعود الله ونصره: فهذا من مقتضيات الإيمان بالله والتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم فقد جاء عن أبى هريرة رضي الله عنه أَنَّ رسول اللَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: (لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ الْيَهُودَ فَيَقْتُلُهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى يَخْتَبِئَ الْيَهُودِىُّ مِنْ وَرَاءِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ فَيَقُولُ الْحَجَرُ أَوِ الشَّجَرُ يَا مُسْلِمُ يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا يَهُودِىٌّ خَلْفِى فَتَعَالَ فَاقْتُلْهُ. إِلاَّ الْغَرْقَدَ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْيَهُودِ) فمن مقتضيات الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم تصديق هذا الوعد بأن نهاية اليهود على أيدي المسلمين، فابشروا أيها المسلمون، وأمِّلوا، وأحسنوا الظنَّ بربكم، فالنصر آت، وانصروا الله ينصركم ?وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ? [الحج:40]
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(3/160)
مذبحة غزة وحوار الأديان
د. رياض بن محمد المسيميري
بسم الله الرحمن الرحيم
في الوقت الذي تمارس فيه ورش العمل المنبثقة عن مؤتمرات حوار الأديان أعمالها وتنظم أوراقها في دهاليز العواصم العربية والعالمية!
وفي الوقت الذي قدم فيه البعض فتاواه الرخيصة للدفاع عن تلك الحوارات البائسة وإن صادمت أصول الدين وثوابت العقيدة!
وفي الوقت الذي حاول فيه آخرون ليَّ أعناق النصوص وحمل آيات مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن ونظيراتها إلى تبرير حقيقة ما يجري من تقريب بين الأديان, ونسف لقواعد الإيمان.
كان لليهود لغتهم الخاصة في التحاور, فقد أمطروا بقنابلهم وصواريخهم غزة الباسلة وجنودها المرابطين؛ ليعلنوا للعالم أجمع أنهم مثاليون جداً على مائدة الحوار شريطة أن تكون مقاعد الحوار مدرعات مصفحة, ودبابات محصنة, وطاولة الحوار أرض بحجم غزة تعلوها الأشلاء الممزقة, والدماءالمضرجة, والأطفال المقطعو الأوصال!
لغة يهود في الحوار هدم للمساجد على المصلين وقصف للمستشفيات على رؤوس المرضى والمصابين.
لغة لا تعبر عن مكنونات الصدور, وخبايا النفوس إلا عبر فوهات البنادق, وأزيز الطائرات الأمريكية الصنع؛ لتصك أسماع الذين شرَّقوا وغرَّبوا, وقاموا وقعدوا, وحاضروا وناظروا, وملئوا الدنيا ضجيجاً داعيين للحوار مع وحوش العالم من يهود ونصارى ضاربين بتاريخ الصراع بين المسلمين وأولئك الأوباش عرض الحائط, بل كاذبين على الله حين حاولوا إقناع الجماهير بأن القرآن الكريم والسنة المطهرة والسيرة النبوية العطرة ملئ بآيات الحوار ومواقف حوارية احتضنتها المدينة المنورة إبَّان القرون المفضلة, ناسين أو متناسيين أن آيات الحوار ومواقف النبي الأعظم -صلى الله عليه وسلم- كلها كانت مؤكدة على الدوام أن الحوار لا يمثل سوى وسيلة لإقناع الآخرين بعدالة الإسلام, وأنه الدين الوحيد الذي لا يصلح غيره ولا يرضى الله سواه.
حوار قائم على ثوابت لا تتغير, وأصول لا تبدل, وقواعد لا تضطرب؛ فلا إلحاد ولا وثنية, ولا شرك ولا كفر, ولا بدعة ولا فسوق, ولا صلب ولا تعميد, ولا كنائس ولا ِبيع, ولا تثليث ولا تربيع!!
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَاأُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} المائدة67
{وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللهِ هُوَ الْهُدَىوَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ} البقرة:120
ليت الذين يبررون كل ما يُرتكب من أخطاء ويضفون عليها الشرعية اللازمة؛ يدركون أن هناك من يفوقهم علماً وفقهاً, وأنهم ليسوا بعاجزين عن فضح خلطهم وحماقاتهم, وإبلاغ الأمة العلم الصحيح والفقه المبني على الدليل والبرهان الساطع.
إن علينا أن نتعامل مع الكافر الغاشم بأن لنا ديننا ولهم دينهم, وأننا لن نحيد عن ديننا قيد أنملة؛ لأننا الأعلون وهم الأسفلون, ونحن الأعزة وهم الأذلة الأرذلون!
إن علينا أن نوصل إلى العالم رسالة مفادها أن ديننا شريعة إلهية, ورسالة ربانية واصطفاء سماوي لا خيار لنا ولا لأحد في قبوله أو رده {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} آل عمران:85
فنحن عبيد مربوبون لله, يحكم بنا بما يشاء ويفعل ما يريد, لا معقب لحكمه ولا راد لقضائه ولا متقدم بين يديه سبحانه.
لقد أثبتت قنابل إسرائيل وطائراتها فشل كل الأطروحات والسياسات, والمحاضرات والمناظرات, والكتابات الداعية إلى بيع القضية الإسلامية والخيار الإسلامي واستبدالها بتعايش باهت وسلام من طرف واحد.
وبينت لكل من لا يزال يتمتع بمسكة عقل أن لغة الحوار الوحيدة التي ستبقى مفهومها للجميع حتى يرث الله الأرض ومن عليها هي {قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} التوبة:29
اللهم لطفك بنا وبغزة وأهلها.(3/161)
دماء غزة تغذي شريان الأمة
د. محمد قطب
أعاد التاريخ نفسه يوم السبت 27 - 12 - 2008 عندما ارتكب جيش الإرهاب الصهيوني مجزرة جديدة تضاف لسجل اليهود القديم المليئ بإرهاب الآمنين وقتل الأبرياء ونشر الخراب والدمار. وهذا يذكرنا بمجازر العدو الصهيوني المشابهة ابتداء بدير ياسين وقبية وصبرة وشاتيلا وقانا وجنين والآن غزة المحاصرة التي راح ضحيتها أكثر من ثلاثمائة شهيد وأكثر من ألف جريح والأرقام في ازدياد والعدو يقول أن هذه البداية فقط. ولعل هذه المجازر من استراتيجية اليهود المطردة لفرض سيطرتهم وتوضيح الفرق في موازين القوى وتذكير الأمة العربية والإسلامية أن إسرائيل تفعل ما تشاء وقتما تشاء تحت مرآىً ومسمع العالم دون أي رادع من قانون أو قوة. غير أن توقيت هذا الذبح الجماعي يبدو مرتبطا رباطا وثيقا بالانتخابات الإسرائيلية القادمة في رسالة واضحة أن الفوز في الانتخابات مرهون بعدد الجثث الفلسطينية التي يمشي فوقها المرشح للرئاسة.
وكما جرت العادة, تنهال الإدانات الخجولة التي لا تسمن ولا تغني من جوع على هذا الإجرام. لكن المطلوب الآن فزعة واسعة على مستوى الأمة جمعاء مطالبة بدم هؤلاء الأبرياء وفتح المعابر لإسعاف المصابين والمرضى وتوفير العلاج اللازم لهم. المطلوب هو ضغط شعبي وبرلماني واسع على الحكومات لقطع العلاقات مع هذا الكيان المجرم وإلغاء الاتفاقيات السابقة معه التي يخرقها ليل نهار، وإلإعداد والإستعداد الذي أمرنا الله تعالى به. والذي يتوج هذه التحركات كلها هو رجعة صادقة للإسلام الذي لا عز لنا إلا به ومن خلال عقيدته وتعاليمه.
الهدف المعلن لهذا القتل الهمجي هو استهداف حركة حماس وبنيتها التحتية, فقد طمأننا أولمرت ومن معه أنهم لا يقصدون المدنيين ولا غزة بأكملها وإنما يضربون بدقة متناهية مواقع حماس وأسلحتها فقط! فهل هؤلاء الأطفال الرضع الممزقين أشلاءً كانوا كذلك ممن ساعدوا بإطلاق الصواريخ؟ وهل هذه الأعداد المهولة كلها من أتباع حماس ومناصريهم؟ ثم ردا على استثارة اليهود شفقتنا عليهم وما يعانيه سكان الجنوب من وقوع مئات الصواريخ على قراهم بعد انتهاء التهدئة, السؤال الذي يطرح نفسه هو: "كم يهودي قتل أو أصيب جراء إطلاق هذه الصواريخ قبل حدوث المجزرة؟ " والجواب هو: صفر. لم يقتل أو يصب أحد. لكن التحذير الأمريكي شديد اللهجة والإدانات العالمية توجه كعادتها لحماس وصواريخ القسام وليس لشلالات الدم الناتجة عن ذبح وجرح قرابة ألف وخمسمئة فلسطيني محاصر. وهذا هو الصلف اليهودي الذي يساوي بين مجرد خوف بعض اليهود من سكان المغتصبات الجنوبية وسفك دماء المئات من الأبرياء المشردين.
الموقف الأمريكي من هذا كله ليس مستغربا فقد عودتنا أمريكا أنه كلما خرج بيان استنكار أو قرار إدانة لإسرائيل من قبل مجلس الأمن وقفت هي بالمرصاد بسلاح الفيتو في كل مرة. لكن الملاحظ هذه المرة هو وقاحة وزيرة الخارجية رايس الصريحة التي لم تعبر حتى بكلمة واحدة ولو كذبا عن أسف الإدارة الأمريكية لرؤية ذلك العدد الخيالي من الضحايا وإنما على العكس جاء التحذير منهم مدويا ضد حماس وإطلاق الصواريخ. لم تأبه بثلاثمائة نفس فلسطينية وألف جريح وكأنهم نفس واحدة, مقتفية أثر سابقتها في عهد كلنتون مادلين أولبرايت حنيما سئلت عام 1996 عن الحصار ضد العراق وموت أكثر من نصف مليون طفل ظلما "هل هذا الثمن مناسب؟ " فردت: " أعتقد أن هذا قرار صعب جدا, أما الثمن, نعم نعتقد أن الثمن مناسب." نعم لقد فضحهم لنا الحق سبحانه وتعالى في قوله: {لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة وأولئك هم المعتدون}.(3/162)
ترى إلى متى ونحن نضع كل آمالنا على مجلس الأمن واللجنة الرباعية والمنظمات الدولية هنا وهناك الذين التزموا الصمت حيال هذه الإبادة المنظمة المتواصلة في فلسطين الحبيبة؟ نعم مقارنة بما يجب أن نسمعه ونراه من تحركات في ظل ما يجري, الإنكار والشجب الأجوف هو بمثابة صمت ورضا بذلك الإرهاب الأرعن. أما لو قتلت صواريخ القسام عشرة جنود محاربين يهود في سديروت أو عسقلان, لقامت الدنيا ولم تقعد فكيف وقد قتلت الغارات الصهيونية ما يربو على ثلاثمئة إنسان أعزل محاصر مجوع وأصابت أكثر من ألف وأغلبهم أطفال ونساء وشيوخ وغالبا لا يمتون إلى المقاومة والجهاد بصلة.
الهدف الأبرز لليهود هو ضرب المقاومة المسلحة وروح الجهاد في الأمة. فالمطلوب إما استسلام تام وتطبيع كامل مع العدو مكللا بسلطة فلسطينية تقبل الإملاءات الإسرائيلية وتسهر عليها وتسكت عن جرائمها وإما تهدئة تلو الأخرى تمكن الصهاينة من الاستمرار في بناء المستوطنات والجدار الفاصل والحفريات السرية استعدادا لهدم الأقصى وبناء الهيكل الثالث المزعوم.
في عصرنا هذا الذي رق فيه الدين وذبل, وعزف عنه المسلمون وغيرهم وغاب عن أذهان الكثيرين في قرارات الأمة المصيرية وأصبحت التصريحات والخطاب سياسيا مكررا معدا مسبقا, اضطررنا كثيرا إلى استعمال ذلك الخطاب السياسي البحت لمداراة تلك الأصوات التي تدعي الحكمة وتدعونا للكلام بالمنطق والموضوعية والابتعاد عن الدين والعواطف. لكن المتأمل الفاحص يجد أن ذاك الخطاب محدود جدا وساذج وفي الغالب انهزامي واستسلامي ويغفل الجوانب العقدية المهمة التي تحكم هذا الصراع بيننا وبين اليهود. فقد أصبح من نافلة القول أن كل تحركات الصهاينة السياسية تنبع من اعتقاداتهم الدينية ورغبتهم في تحقيق وعود التوراة المحرفة لهم بالسيطرة على كل فلسطين كمنحة إلهية لهم. ولئن انهال العرب خاصة العلمانيين منهم وراء سراب فصل الدين عن الدولة والعقيدة عن السياسة في محاولة بائسة لمحاكاة النظم الغربية الحديثة فقد أعلن اليهود صراحة أن الدين والدولة شيء واحد عندهم وأنهم في خدمة بعضهم البعض. ففي الندوة التي عقدت في إسرائيل في 1981 قال د. مصطفى خليل رئيس وزراء مصر الأسبق: "أود أن أطمئنكم أننا في مصر نفرق بين الدين والقومية, ولا نقبل أبدا أن تكون قيادتنا السياسية مرتكزة إلى معتقداتنا الدينية" فوقف أحد الأساتذة الإسرائيليين المتخصصين قائلا: " إنكم أيها المصريون أحرار في أن تفصلوا بين الدين والسياسة, ولكني أحب أن أقول لكم: إننا في إسرائيل نرفض أن نقول: إن اليهودية مجرد دين فقط , بل إننا نؤكد أن اليهودية هي دين, وشعب, ووطن" ثم رد أستاذ آخر بمثل ما قال الأول.
وإن كان تجنب هذه الجوانب عمدا أو من غير قصد فالنتيجة واحدة وهي أن اختزال الكلام في الجانب السياسي الآني يعمينا عن أهدافهم الحقيقية وتاريخ قتلهم وظلمهم لنا ومخططاتهم المستقبلية, وهذا بالضبط ما يسعون لتحقيقه.(3/163)
فهم لا يفتؤون يطمئنوننا أن جيش الدفاع الإسرائيلي, كما يسمونه زورا وبهتانا, يتعامل بأعلى درجات أخلاقيات الحرب, وكأننا ولدنا من قريب أو نسينا مجازرهم السابقة التي لا يزال الجرح منها يثغب دما في قلوبنا. وحتى لا ننجر كعادتنا وراء السراب الإعلامي والخطاب الصهيوني المتكرر يجب ألا ننسى أن حقدهم الدفين نابع من تعاليمهم العنصرية المحرضة على كراهية كل ما ليس يهودي. هجومهم الوحشي على غزة هو في واقع الحال هجوم على كل مسلم موحد ودينه وقرآنه وجهاده واستخفاف بالدم العربي المسلم وإلا فكيف يستحلون هذا القتل الجماعي الإرهابي غير آبهين لا بالأرواح المهدرة ولا بالمجتمع الدولي ولا قرارات الشرعية الدولية. كل هذا ليس إلا مصداق ما قاله من لا ينطق عن الهوى, نبينا محمد عليه الصلاة والسلام في طرف من حديثه: ( .. ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن ... ) وهذا عندما خلدنا إلى الدنيا وكرهنا الجهاد وتركنا منهج ربنا العليم الخبير. وربما ازدادوا جرأة في إرهابهم الأخير هذا بعد أن أخذت وزيرة الخارجية ليفني الموافقة الضمنية بعد زيارتها لمصر.
أعداء الدين كثيرا ما يلجؤون إلى إخفاء حقدهم وكراهيتهم لنا بتطييب الكلام كما وصفهم من هو عليم بذات الصدور: { ... يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون}. لكن بعض أعداء الإنسانية تجاوزوا بوقاحتهم حتى ذلك فأعلنوها بملء أفواههم. فهذا رافائيل إيتان قائد الأركان السابق في إسرائيل الذي قال قديما: "بعد أن نستقر في هذه الأرض (فلسطين) , كل ما يستطيع العرب فعله هو العدو مثل الصراصير المخدرة في الزجاجة." طبعا هذا الكلام يترفع عنه من له أدنى ذوق إنساني فضلا عن الذوق الأدبي, لكن الناظر لما يحدث في غزة المحاصرة اليوم والصهاينة وأولياؤهم متفرجون مصفقون يرى كيف طبق هذا الأمر بحذافيره, كمن حبس صراصير في زجاجة ثم رشهم بمبيد الحشرات. وشمعون بيريزالذي صافحه شيخ الأزهر من قريب قال بصريح العبارة: "إنه لا يمكن أن يتحقق السلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهرا سيفه ولن نطمئن على مستقبلنا حتى يغمد الإسلام سيفه إلى الأبد." وهذا طبعا غيض من فيض. إذن استهدافهم لحماس هو لعقر المشروع الإسلامي الذي يوقنون بأنه وحده الذي سيقلب موازين القوى ليرد الحق إلى أصحابه. أما غير ذلك من رايات وشعارات وإن كانت مقاومة غير مستسلمة فلا تخيف اليهود ولا يحسبون لها حسابا.
حان الأوان أن نعود لكتاب ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه لصقل أفكارنا وتصويب آرائنا في طريقة تعاملنا مع اليهود. فمن يقرأ قوله تعالى مخاطبا رسوله (صلى الله عليه وسلم) عن اليهود: { ... يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم ... } لا يطمئن لهم أبدا ولا يعول على كلامهم فإن عبارة "ولا تزال" تفيد الاستمرار, وبهذا يوقن المسلم أنهم أهل خيانة وغدر وكذب أبد الآبدين إلا قليلا منهم, مما يمنعه من الركون إليهم والهرع لعقد الإتفاقيات الجوفاء معهم.
ما أشبه اليوم بالبارحة عندما حوصر العراق وجوع اثني عشر عاما حتى خارت قواه قبل أن تدك قوات الغزو ذاك البلد المنهك بالصواريخ والنار لتدمره بالكامل. كأن حصار القطاع الظالم المستمر لعدة أشهر لم يكن كافيا, جاء هذا الإرهاب اليهودي ليقتل ما تبقى من حياة أو رمق في جسم غزة الهزيل.
عذرا أهل غزة فيبدو أن الله عز وجل كتب لكم أن يكون إحياء ضمير الأمة الإسلامية والعالم أجمع على أشلاء أجسادكم الطاهرة ودمائكم الزكية وخراب حياتكم وأنقاض بيوتكم.
صبرا أهل غزة فأنتم من يحمي شرف الأمة ومقدساتها ودماؤكم لن تذهب هدرا بل ستسير في حبل وريد الأمة لتحيي مواتها بإذن الله, إذا عرفنا استغلال هذا الحدث الجلل في تجديد روح الأخوة في الله والجهاد والمقاومة في الأمة.
ترى هل تكون هذه صيحة النفير التي تستيقظ بها الأمة من رقادها لتعود للإسلام عقيدة وشريعة وحكما وسلوكا؟ هل تكون هذه العبرة للمسلمين أن النصر لا يكون إلا من عند الله وأن الولاء واجب للمؤمنين والعداء للكافرين وأن جهاد الكفار والمنافقين وما أكثرهم والغلظة عليهم هو سبيل النجاة الوحيد؟
أم هل تسطر هذه المجزرة مع سابقاتها في كتب التاريخ وذاكرة الأمة لتقرأ عنها الأجيال القادمة وتتأوه وتحوقل كما جرت العادة, منتظرة الحرب الجديدة والذبح القادم ليضاف إلى جانب مجزرة غزة المحاصرة في آخر عام 2008؟(3/164)
يا أصحاب الحجة والبيان ... لا تخطئوا العنوان!
عبدالعزيز مصطفى كامل
لا أريد بداية بهذه الكلمات أن أصدر بياناً مستقلا، فلست إلى هذا الشأن أو ما يدانيه أصل.
وأؤكد بداية أني لا أقلل من شأن البيانات والتصريحات التي صدرت عن فاجعة غزو غزة، فلست عن أهمية هذا أغفل.
ولا أقصد أن استكثر على أهل غزة أي جهد من القول وإن كان بنصف كلمة، ومن البذل ولو كان بشق ثمرة.
ولكن - ودعوني أقول (ولكن) - أريد لفت الانتباه إلى أننا في أكثر بياناتنا لمعظم ما يصيبنا؛ نصر على حرث البحر، وزرع الهواء، وتلقيح القبور ببذور الزهور، وذلك بتجاهل حقائق ما وراء المواقف، وتجاوزالحكم عليها وبيان الموقف العلمي الشرعي المطلوب فيها، وتعالوا نتأمل في ردود أفعالنا تجاه النوازل المتتابعة التي تعد البيانات الصادرة عن النخب العلمية والفكرية والدعوية أبرز صورها وأقوى صدى لها، لما تمثله من خلاصة رأي الخاصة، التي على العامة أن يأخذوا بها ويتحركوا على وفقها.
وأتجاوز هنا الحديث عن بيانات الهيئات والشخصيات والاتجاهات العلمانية، رسمية كانت أو شعبية، قاصدًا البيانات الصادرة عن فعالياتنا الإسلامية.
ولنأخذ النازلة الأخيرة في غزة نموذجًا، سواء طوال مدة الحصار، أو ما تلاها من فتح بوابات الجحيم والنار على إخواننا الصامدين:
• فأكثر بياناتنا منذ بدأ الحصار، تطالب وتناشد (المنظمات الدولية)، بأن تطبق مقررات العدل، وتراعي قيم الإنسانية، وتتدخل لإنهاء هذه المأساة، مع علمنا أنهم لا يسمعوننا، ولو سمعوا ما استجابوا لنا! وتدل على ذلك عشرات إن لم تكن مئات المرات التي جرى فيها بيننا وبينهم حوار الطرشان دون إسماع أو إفهام!
• ومعظم البيانات والنداءات منذ بدأ الحصار، تناشد (الأنظمة العربية) أن تدخل "بكل ثقلها" لرفع المعاناة عن إخواننا، ونحن نعلم أن أكثر تلك الأنظمة كانت مشارِكة مشارَكة منظمة في صنع هذه الحالة، بوضع غزة تحت وطأة الحصار، توطئة لإدخالها تحت خط النار، والهدف إخراج حماس من المعادلة، لأن أجندتها لم تعد مناسبة لطريق الاعتراف والتطبيع الذي تتوجه إليه معظم تلك الأنظمة.
• ولم تخل بياناتنا طيلة مدة الحصار؛ من "مناشدة" الحكومة المصرية، بأن تتجمل وتتكرم، وتستجيب للنداء والرجاء والاستجداء، بفتح كوة التنفس من بوابة رفح، مع أن كثيرًا من الموقعين على البيانات التي صدرت سابقًا ولاحقًا يعرفون أن مصر الرسمية في حرب مع الاتجاهات الإسلامية ولو كانت سلمية في مصر والعالم منذ عقود طويلة، ولذلك كان بدهيًّا أن نتوقع استمرار الحصار مضروبًا حتى يحقق هدفه، وهو إسقاط حكومة حماس الجهادية بصيغتها الإخوانية التي ما يزال النظام المصري منهمكًا في حرب مفتوحة مع شقيقتها المصرية رغم سلمية طريقتها ومدنية نشاطها!
• وكل بياناتنا بشأن محنة إخواننا، كانت تنادي ولا تزال تطالب (الإخوة الفرقاء) بالالتقاء، ونسيان الخلافات وتوحيد الطروحات، مع يقيننا بأن الخلاف بين زعماء الفريقين خلاف تضاد منهجي، لا تنوع حركي، ومع علمنا بأن طريقي الإيمان والنفاق لا يلتقيان، وأن الأمانة والخيانة نقيضان لا يمتزجان، وأن صيغة الوحدة الوحيدة المقبولة لدى الأنظمة مصريًّا وفلسطينيًّا وعربيًّا ودوليًّا، هي أن تركع حماس ومعها قيم الإيمان، لتخضع لسلطة عباس ولي الأمريكان، وأن تظل الرايات العلمانية هي المرفوعة مرفرفة إلى جوار رايات الدولة الصهيونية اليهودية.(3/165)
لهذا قلت وأقول: تبقى أمور من (البيان) ينبغي أن يراعيها ولا يتجاهل معانيها أي بيان أو تصريح أو فتوى أو تحرك يصدر عن خواص الأمة بشأن نوازل المسلمين حاضرًا أو مستقبلًا، وهي الأمور والقضايا التي تقف خلف المواقف والنوايا المعلنة من الأطراف في كل أزمة، ولا شك أن استكشاف ذلك ثم كشفه مهم، وهو ليس من الأمور المعضلة أو الخفايا الغامضة، بحيث نساهم بسكوتنا عنه أو تجاهلنا له في تحقيق مآرب المخططين، وتغطية سوءات المتآمرين؟ لا يكفي في الأحداث الكبيرة أن يعرف الناس تسلسلها والجديد فيها، بل الأهم من ذلك أن يعرفوا حقيقة ما أدى إليها وما يتوقع من ورائها، وهذه وظيفة الخواص في اقتناص لحظة الحدث لتحقيق (استفاضة البيان) بشأن القضايا التي تتوه في التفاصيل أويطويها النسيان.
إن ما يسمى - مثلا - (بالنظام الدولي) والذي أجهدنا أنفسنا في مناشدته "بالضغط " لرفع الحصار ثم السعي لوقف العدوان، هو بالضبط من أسبغ على ذلك الحصار ثم ذاك العدوان صبغة "الشرعية الدولية " تمامًا كما فعل في حصار العراق ثم العدوان عليه، وحصار أفغانستان ثم العدوان عليها، والحصارات التي فرضت ويمكن أن تفرض على بلاد أخرى إسلامية تمهيدًا للعدوان عليها، مثل السودان أو الصومال أو غيرها من شعوبنا الإسلامية المتربص بها لأهداف استكبارية، كما أن ذلك النظام الدولي هو الذى أعطى شرعيته الدولية منذ ست عقود لوجود الدولة الصهيونية المعتدية على أرضنا الإسلامية، إضافة إلى ذلك فإن (المجتمع) الدولي الرسمي تحت ذاك النظام هو الذي اجتمع مع أمريكا في حربها العالمية ضد المسلمين المقاومين للعدوان، باسم الحرب على (الإرهاب) التي كان ولابد أن تشمل منظمة حماس وفقًا للتصنيف الأمريكي، والتصفيق العربي.
• وإن ما يعرف (بالنظام العربي) في معظم دوله، كان من البدهي أن نفهم بأنه شريك رسمي معلن لأمريكا في حربها ضد ذلك "الإرهاب" المدعَى، فكان من غير المتوقع أن يرفع ذلك النظام حصارًا فرضته الحليفة الكبرى - أمريكا ـ لأن المحاصرين ليسوا فقط "حركة إرهابية" كما تصنفها الحكومة الأمريكية، ولكن "حكومة إرهابية" كما وصفتها الحكومة الصهيونية، وتبعتها منظمة "التحرير" الفلسطينية!
• وكذلك فإن (النظام المصري) الذي لم يسمح لجماعة الإخوان المسلمين "المسالمة" في مصر بالمشروعية عبر أكثر من نصف قرن مع تسميته لها (بالجماعة المنحلة) في عهوده المتتالية؛ لم يكن ليسمح - كما قال مسؤول رفيع في النظام - (بإمارة إسلامية) على حدود مصر، مع أن ذلك النظام وغيره رضوا واعترفوا وطبعوا مع دولة همجية عنصرية توسعية على حدود أربع دول عربية، مع علم الجميع بأنها تستهدف ما تحت كراسيهم، وما فوق عروشهم في خططها المعلنة المستقبلية!
• وهكذا أيضًا - يا موقعون - كيف تتوقعون بل كيف تطالبون في بياناتكم بمزج المنهج العلماني الوضيع، بمنهج الإسلام السامي الرفيع، عن طريق مناشدة الإسلاميين في فلسطين أن يكونوا صفًّا (واحدًا) مع العلمانيين الخائنين للوطن والدين؟ ومتى حدث في التاريخ أن يكون المنافقون والمؤمنون بعضهم أولياء بعض؟!(3/166)
• ثم إننا نتوهم ونوهم الآخرين، ونظل نتوقع ونوقع الآخرين في تحقق خرافة دعم الأنظمة للحركات المقاومة، ففي كل نازلة ترتفع الأصوات في البيانات والمؤتمرات والندوات منادية تلك الحكومات بإعلان الجهاد، ودعم حركات المقاومة في العالمين العربي والإسلامي، ومدها بما تحتاج إليه من مال وعتاد، مع ضرورة تحريك الجيوش التي تتسلح بالمليارات من ميزانيات قوت أطفالنا، وأدوية مرضانا، ومشاريع تشغيل شبابنا العاطل ومرافقنا المهملة. نطالب بذلك كل مرة مع تأكدنا بأن تلك الجيوش لم تعد لها وظيفة إلا حماية العروش، ومع يقيننا بأن الدور المناط بمعظم تلك الحكومات هو مقاومة المقاومة، حتى تبقى تلك الأنظمة وحلفاؤها سالمة.
• وأيضًا فإننا نسرف في التعويل على الصراخ والعويل في مظاهراتنا ومسيراتنا (السلمية)، تحت وقع الضربات (الحربية) التي تفتك بالآلاف من المدنيين قبل العسكريين، مطالبين بتدخل الزعماء دعمًا لتحرك الشعوب؛ مع أننا لم نر في أزمة من أزماتنا أن تظاهرات المحتجين وحدها؛ أعادت حقًّا، أو أرجعت أرضًا أو تبعتها مناصرة الرسميين، مدنيين أو عسكريين، خاصة في بلاد المسلمين، ولكن العسكر لو تحركوا، فلقمع المحتجين وتفريق المتظاهرين، أو على الأقل انتظارهم حتى يقضوا وطرهم وينفسوا احتقانهم ثم ينصرفوا "راشدين"!!
ساعة الحقيقة:
إذن نحن أمام ساعة حقيقة قدرية، تحتاج إلى مزيد من (بيان) الحقيقة الشرعية، حيث يتوجب على قادة الأمة من علمائها وأولي الرأي فيها أن يبينوا للناس ما وراء الأحداث، والحكم الشرعي في كل قضية حتى تُبنى عليها المواقف العملية، فالواقع المر أننا نقر في كثير من بياناتنا ونداءاتنا وترجياتنا، بشيء من شرعية ما تقوم به تلك النظم الدولية والإقليمية والمحلية، عندما نصر على إعطائها اعتبارًا ومصداقية، مهما صدر عنها من جنايات، وظهر من خيانات.
وما دام الأمر يتعلق بمطالبات ومناشدات؛ فدعونا نطالب "أعلام الموقعين" على البيانات، ممن نعلم سمعهم ونرجو جوابهم، أن يفيدوا الجماهير الغاضبة الصاخبة، بالأمور الواجبة شرعًا وعقلًا، عندما يستحكم تحالف المنافقين مع الكافرين، ويظهر ما كان مخفيًّا من التآمر عبر سنين، فيبينوا لهم ما هو الحكم الشرعي الواضح في المُصرين على تطبيع العلاقات مع المعتدين، وتنسيق التحركات مع أشد الناس عداوة للذين آمنوا، والتحالف مع الكفار الظاهرين ضد المسلمين المنافحين عن العرض والدين في فلسطين وغير فلسطين؟
نريد من (المبينين) المكلفين بالبلاغ المبين أن يدلوا عموم الأمة على سبل النصرة المتاحة، بعد أن صارت في غالبيتها غير مباحة بعد تحريم الأنظمة لها، وتجريمهم لمقترفها، بدءًا من غلق الحدود أمام المجاهدين، ومحاصرة طرق التواصل مع المقاومين، وإغلاق منافذ توصيل المساعدات والتبرعات المباشرة، ومرورًا بحرمان أصحاب المنابر حتى من النصرة بالحناجر، مع قمع المسيرات ومنع التظاهرات، ووصولًا إلى ما استمر طيلة فترة الحصار من منع القنوت العام في المساجد وتجريم التجمع فيها لمدارسة شئون المسلمين بدعوى عدم خلط السياسة بالدين!!(3/167)
إن من أعاجيب السلوك الممنهج في أوساط العلماء والمفكرين وطلبة العلم مع قضية فلسطين، التي تتجدد فصول مصائبها كل حين، أنها عبر السنين (الستين) الماضية، لا تزال ملفاتها (الشرعية) شاغرة، إلا من أقل القليل من الدراسات الجادة المعمقة للنوازل المتعلقة بها، والوسائل الشرعية لتحريرها، والفتاوى الموضحة لبيان الفرق بين الباطل والحق في السياسات التي تدار بها، وكذلك الاستراتيجيات السياسية والعسكرية التي تليق بجلال قضيتها. وقد كان مغرقًا في العجب إلى حد الغضب تلك الضجة التي أحدثتها فتوى الدكتور عوض القرني في ضرورة توسيع دائرة الجهاد ضد اليهود إلى خارج فلسطين، لفتح المجال أمام المسلمين خارج الأرض المقدسة للقيام بواجب مساعدة إخوانهم في الدين في مواجهة المعتدين الكافرين المجرمين!!
يا الله!! أبعد ستين عامًا من احتلال فلسطين ومناطق أخرى حول فلسطين، تطرح لأول مرة مثل تلك القضية في الأوساط العلمية فيثار لأجلها ذلك اللغط، لدرجة أن يتهم صاحبها بالغلط والشطط؟! لست هنا بصدد التأييد أو التنديد بالفتوى، فقد أتفق معها أو أخالفها بزيادة أو نقصان، ولكني أتساءل بل أسائل مجامعنا العلمية، ورموزنا الفقهية والفكرية، ألا يعد مجرد (بحث) هذه القضية وأمثالها في العقود الماضية على درجة من الأهمية بحيث تحتاج إلى مدارسة علمية ومعالجة فقهية ضمن مسائلنا في السياسة الشرعية؟ أم أن (فصل الدين عن السياسة) امتد أثره ليشمل أيضًا أمور السياسة الشرعية؟ أم أننا نقتصر على القريب من المسائل، ونبتعد عن العصيب من النوازل ثم نرمي من يتجرأ على تخطي الخطوط الحمر المسكوت عنها، بالجرأة التي قد تصنع الفتن وتغذي التهور والغلو!
هناك كثير من أمثال تلك المسائل والنوازل تنتظر فتاوى مؤصلة ودراسات مفصلة، تزيل الحيرة، وتضبط المواقف بضوابط الشريعة ومحكمات العقيدة، دون تفريط أو إفراط، فكثير من المسائل (المعلقة) تتعلق بها أمور عقدية وواجبات شرعية، لا يسع تأخير بيانها عن وقت الحاجة، خاصة عندما تشتد الحاجة إليها في مثل أحوال أمتنا الراهنة التي تدهما الأحداث، وتدميها التحديات.
نريد مثلاً فتاوى وبيانات علمية ـ وليست إعلامية ـ في أحكام التعامل مع ما يسمى بمقررات الشرعية الدولية، عندما تتعارض مع قواطع العقائد والشرائع الإسلامية، وعندما تقتطع بها قطاعات كبيرة من حقوقنا ومقدراتنا، ونريد دارسات تقويم شرعي وعقدي لكل ما أصبح شريعة واجبة الاحترام والالتزام من الاتفاقيات والمعاهدات العلنية والسرية التي يبرمها قادتنا السياسيون من وراء ظهر قادتنا الدينيين والفكريين، على الرغم من كونها تخص مستقبل أجيالنا والأجيال من بعدنا، والتي لم يطلب فيها رأي خاصة ولا عامة، قبل إخضاع الأمة لأحكامها، وتكبيلها بقيودها، كاتفاقية المعابر هذه التي صنعت محنة غزة، بحيث أصبح احترامها مقدمًا على محكمات القرآن والسنة وإجماع الأمة!
ونريد تفصيلاً من أهل العلم في الأحكام المتعلقة بالآثار العملية لأحكام الولاء للكافرين والعداء للمؤمنين، وما موقع تلك العقيدة في تحديد من معنا ومن ضدنا؟ وهل تعد مسائل تطبيع العلاقات مع المحاربين وتقطيعها مع الموحدين؛ وكف السلاح عن المحاربين في معاهدات سلمية أبدية، بل التخندق معهم ضد المسلمين المقاومين هل كل ذلك من مسائل "الاجتهاد" الواسعة الأمر أمام ولاة الأمر؟ وهل طاعتهم في هذا الاجتهاد واجبة على عموم الرعية في قطاعاتها المدنية والعسكرية؟ وهل .. وهل .. وهل؟ من الكثير والكثير، مما لا تتسع هذة السطور؟!(3/168)
إن البيان في هذا وغيره هو جهاد العلماء الذين هم ورثة الأنبياء، والبيان العلمي - لا الإعلامي ـ هو أول واجباتهم، وأسمى ما يُنتظر منهم، أما كتمانه أو إهماله فهو مكمن هوانهم وانصراف الناس عنهم، {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ} [آل عمران: 187]، نسأل الله أن ينفع الأمة بعلمهم، وينشر الحق على ألسنتهم.
أقول ختامًا في شأن محتوى أكثر البيانات والمناشدات والتصريحات والتحركات الصادرة مؤخرًا بشأن نازلة غزة: (أبشروا) .. فلن تغلق سفارات، ولن تقطع علاقات، ولن تتحرك جيوش، ولن يعلن جهاد، ولن يلغى تطبيع، بل ولن تنعقد مؤتمرات قمم لأولي الهمم، إلا بعد أن يطمئن (ولاة الأمر) إلى أن الأمر في غزة، قد انتهى إلى ما يريده الأمريكان وما يتمناه الصهاينة؛ الذين لن يأمروا بفك الحصار أو وقف إطلاق النار، إلا بعد أن يقع أحد أمرين: إسقاط حكومة حماس وإعادة عصابة عباس، أو إسقاط (مبادئ) حماس بجرها إلى التسوية المخزية، وفق شروط (اللجنة الرباعية) الطاغية.
وعندها - أي عند التخلص من المشروع الاسلامي في فلسطين لا قدر الله ـ سوف يرى الجميع كيف ستفتح البوابات الحدودية، وتتدفق المساعدات الإنسانية، وتتوالى مكرمات المراسم الأميرية والملكية والجمهورية، على سكان الأراضي الفلسطينية، بعد رجوعها - لا سمح الله - لسلطة الحكومة العلمانية العميلة الهزيلة التي لم يصدر ـ بالمناسبة - بشأنها بيان أو فتوى، مع أن النظام العربي كله أعطاها الإذن كله، أن تتصرف كما تشاء، لا في شأن غزة وحدها، ولكن في ربوع الأرض المقدسة جميعها، وفوضها في تحديد مصير القدس والأقصى في مفوضاتها السرية، التي لا يدري بشأنها أحد من قياداتنا العلمية أو الفكرية، كما حدث ويحدث فى الاتفاقات والمعاهدات السابقة، وأخواتها اللاحقة التي تنتظر ما تسفر عنه نازلة غزة!
المصدر: موقع لواء الشريعة.(3/169)
أحكام شهر الله المحرم
د. نهار العتيبي
شهر الله المحرم هو أول شهر من الأشهر الهجرية وأحد الأربعة الأشهر الحرم وقد بين لنا نبينا صلى الله عليه وسلم أحكام هذا الشهر الواردة في كتاب الله تعالى أو في السنة المطهرة ومن أهم هذه الأحكام مايلي:
أولاً: فضل شهر الله المحرم:
شهر المحرم هو من الشهور الحرم التي عظمها الله تعالى وذكرها في كتابه فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ} (التوبة - 36). وشرف الله تعالى هذا الشهر من بين سائر الشهور فسمي بشهر الله المحرم فأضافه إلى نفسه تشريفاً له وإشارة إلى أنه حرمه بنفسه وليس لأحد من الخلق تحليله. كما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم الله تعالى لهذه الأشهر الحرم ومن بينها شهر المحرم لما رواه أَبو بَكْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنه قَالَ: (إنَّ الزَّمَانَ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ) (1) وقد رجح طائفة من العلماء أن محرم أفضل الأشهر الحرم، قال ابن رجب: وقد اختلف العلماء في أي الأشهر الحرم أفضل فقال الحسن وغيره: أفضلها شهر الله المحرم ورجحه طائفة من المتأخرين (2) ويدل على هذا ما أخرجه النسائي وغيره عن أبي ذر رضي الله عنه قال: (سألت النبي صلى الله عليه وسلم: أي الليل خير وأي الأشهر أفضل؟ فقال: خير الليل جوفه وأفضل الأشهر شهر الله الذي تدعونه المحرم) (3) قال ابن رجب رحمه الله: "وإطلاقه في هذا الحديث (أفضل الأشهر) محمول على ما بعد رمضان كما في رواية الحسن المرسلة".
ومن أهم أحكام هذا الشهر ما يلي:
أولاً: تحريم القتال فيه:
فمن أحكام شهر الله المحرم تحريم ابتداء القتال فيه قال ابن كثير رحمه الله: وقد اختلف العلماء في تحريم ابتداء القتال في الشهر الحرام هل هو منسوخ أو محكم على قولين:
أحدهما: وهو الأشهر أنه منسوخ لأنه تعالى قال ههنا {فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} وأمر بقتال المشركين.
والقول الآخر: أن ابتداء القتال في الشهر الحرام حرام وأنه لم ينسخ تحريم الشهر الحرام لقوله تعالى: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} الآية. وقال: {فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ} الآية (4).
وقد كانت العرب تعظمه في الجاهلية وكان يسمى بشهر الله الأصم من شدة تحريمه .. والصوم في شهر محرم من أفضل التطوع، فقد أخرج مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم وأفضل الصلاة بعد الفريضة قيام الليل).
ثانياً: فضل صيامه:
_________
(1) متفق عليه.
(2) لطائف المعارف 70.
(3) رواه عن أبي ذر النسائي في الكبرى وعن أبي هريرة رواه الدارمي وأحمد والطبراني والبيهقي وعن جندب بن سفيان النسائي والبيقي والحديث صحيح.
(4) تفسير القرآن العظيم 2 - 468 - 469 وقد ذكر ابن كثير رحمه الله الأدلة والرد عليها فلتراجع هناك.(3/170)
بين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل صيام شهر الله المحرم بقوله: (أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم) (1). واختلف أهل العلم رحمهم الله في مدلول الحديث؛ هل يدل الحديث على صيام الشهر كاملاً أم أكثره؟ وظاهر الحديث - والله أعلم- يدل على فضل صيام شهر المحرم كاملاً، وحمله بعض العلماء على الترغيب في الإكثار من الصيام في شهر المحرم لا صومه كله، لقول عائشة رضي الله عنها: (ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في شعبان) أخرجه مسلم (2)، ولكن قد يقال إن عائشة رضي الله عنها ذكرت ما رأته هنا ولكن النص يدل على صيام الشهر كاملاً.
ثالثاً: شهر الله المحرم ويوم عاشوراء:
عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر محرم ولهذا اليوم مزية ولصومه فضل قد اختصه الله تعالى به وحث عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
1 - فضل يوم عاشوراء:
عاشوراء هو اليوم الذي أنجى الله تعالى فيه موسى وقومه وأغرق فرعون وقومه فصامه موسى شكراً ثم صامه النبي صلى الله عليه وسلم لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظهر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، فنحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نحن أولى بموسى منكم، فأمر بصيامه) (3)، وفي رواية لمسلم: (فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه ... )، وللنبي صلى الله عليه وسلم في صيام عاشوراء أربع حالات (4):
الحالة الأولى:
أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم ففي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كانت عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصومه فلما قدم المدينة صامه وأمر الناس بصيامه فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه فترك صوم عاشوراء فمن شاء صامه ومن شاء أفطر). (5) وفي رواية للبخاري وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من شاء فليصم ومن شاء أفطر). (6).
الحالة الثانية:
أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له -وكان يحب موافقته فيما لم يؤمر به- صامه وأمر الناس بصيامه وأكد الأمر بصيامه وحث الناس عليه حتى كانوا يصومونه أطفالهم.
الحالة الثالثة:
أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بصيام يوم عاشوراء. لما رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء صامه ومن شاء تركه) وفي رواية لمسلم أيضاً: (فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه ومن كره فليدعه).
الحالة الرابعة:
أن النبي صلى الله عليه وسلم عزم في آخر عمره على ألا يصومه منفرداً بل يضم إليه يوم (التاسع) مخالفة لأهل الكتاب في صيامه لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: حين صام رسول الله صلى الله عليه وسلم عاشوراء وأمر بصيامه قالوا يا رسول الله: إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا التاسع) قال: فلم يأتِ العام المقبل حتى توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم. (7).
2 - فضل صيام عاشوراء:
_________
(1) رواه مسلم.
(2) رواه مسلم.
(3) رواه البخاري ومسلم.
(4) انظر لطائف المعارف 96 - 102
(5) رواه البخاري ومسلم.
(6) رواه البخاري.
(7) رواه مسلم.(3/171)
أما فضل صيام يوم عاشوراء فقد دل عليه حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أبو قتادة رضي الله عنه وقال فيه: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عاشوراء؟ فقال: (أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله). (1)، ولو صام المسلم اليوم العاشر لحصل على هذا الأجر العظيم حتى لو كان مفرداً له من غير كراهة خلافاً لما يراه بعض أهل العلم، ولو ضم إليه اليوم التاسع لكان أعظم في الأجر لما رواه ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لأن بقيت أو لأن عشت إلى قابل لأصومن التاسع)، وأما الأحاديث التي وردت وفيها صيام يوم قبله وبعده أو صيام يوم قبله أو بعده فلم يصح رفعها للنبي صلى الله عليه وسلم والعبادات كما هو معلوم توقيفية لا يجوز فعلها إلا بدليل وقد يستأنس بما ورد في ذلك فقد صح بعض هذه الآثار موقوفاً على ابن عباس رضي الله عنه ولهذا لا يثرب على من صام عاشوراء ويوما قبله ويوماً بعده أو اكتفى بصيامه وصام يوماً بعده فقط.
3 - البدع في عاشوراء:
قال العلامة الشيخ عبد الله الفوزان حفظه الله: وقد ضلَّ في هذا اليوم طائفتان:
طائفة شابهت اليهود فاتخذت عاشوراء موسم عيد وسرور، تظهر فيه شعائر الفرح كالاختضاب والاكتحال، وتوسيع النفقات على العيال، وطبخ الأطعمة الخارجة عن العادة، ونحو ذلك من عمل الجهال، الذين قابلوا الفاسد بالفاسد، والبدعة بالبدعة.
وطائفة أخرى اتخذت عاشوراء يوم مأتم وحزن ونياحة، لأجل قتل الحسين بن علي -رضي الله عنهما- تُظهر فيه شعار الجاهلية من لطم الخدود وشق الجيوب، وإنشاد قصائد الحزن، ورواية الأخبار التي كذبها أكثر من صدقها، والقصد منها فتح باب الفتنة، والتفريق بين الأمة، وهذا عمل من ضلَّ سعيه في الحياة الدنيا، وهو يحسب أنه يحسن صنعاً.
وقد هدى الله تعالى أهل السنة ففعلوا ما أمرهم به نبيهم صلى الله عليه وسلم من الصوم، مع رعاية عدم مشابهة اليهود فيه، واجتنبوا ما أمرهم الشيطان به من البدع، فلله الحمد والمنة. (2).
وقد نص أهل العلم رحمهم الله أنه لم يثبت عبادة من العبادات في يوم عاشوراء إلا الصيام، ولم يثبت في قيام ليلته أو الاكتحال أو التطيب أو التوسعة على العيال أو غير ذلك لم يثبت في ذلك دليل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
_________
(1) رواه مسلم.
(2) رسالة في أحاديث شهر الله المحرم 13.(3/172)
قنوت النوازل
د. يوسف بن عبد الله الأحمد
[كتب هذا الموضع في 8/ 1/1420 هـ ونشر في مجلة الدعوة (عدد 1700 - -- 2/ 4/1420هـ) وأضيف عليه بعض الزيادات اليسيرة بتاريخ 16/ 2/1425هـ.]
الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.
فقد أصيبت الأمة الإسلامية بجراحات غائرة، في مشارق الأرض ومغاربها، فكان الواجب الشرعي هو: نصرة إخواننا المسلمين على عدوهم الكافر، ورفع الظلم عنهم، وإغاثتهم، وتعليمهم ما يجب عليهم في دينهم، والدعاء لهم؛ ومما يشرع من الدعاء (قنوت النوازل) (1).
ونظراً لأهمية هذا الموضوع، وحاجتنا إليه، وخفاء بعض أحكامه على كثير من الناس، أردت بيان أحكامه بإيجاز وفق ما ثبت في سنة النبي صلى الله عليه وسلم مرتباً في الآتي:
أولاً: يشرع القنوت في النوازل في الصلوات الخمس كلها. وقد ثبت في ذلك نصوص كثيرة منها:
1. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا يَلْعَنُ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ عَصَوُا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) متفق عليه واللفظ لمسلم.
2. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (أَنَّ رِعْلاً وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ اسْتَمَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَدُوٍّ فَأَمَدَّهُمْ بِسَبْعِينَ مِنَ الأَنْصَارِ كُنَّا نُسَمِّيهِمُ الْقُرَّاءَ فِي زَمَانِهِمْ كَانُوا يَحْتَطِبُونَ بِالنَّهَارِ وَيُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ حَتَّى كَانُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قَتَلُوهُمْ وَغَدَرُوا بِهِمْ فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَنَتَ شَهْرًا يَدْعُو فِي الصُّبْحِ عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَبَنِي لَحْيَانَ قَالَ أَنَسٌ فَقَرَأْنَا فِيهِمْ قُرْآنًا ثُمَّ إِنَّ ذَلِكَ رُفِعَ "بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمَنَا أَنَّا لَقِينَا رَبَّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَأَرْضَانَا"). أخرجه البخاري.
3. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (كَانَ الْقُنُوتُ فِي الْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ) أخرجه البخاري.
4. عَنِ الْبَرَاءِ رضي الله عنه قَالَ: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ) أخرجه مسلم.
5. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ قَنَتَ اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ) أخرجه البخاري.
6. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: (لأقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ). متفق عليه.
_________
(1) النازلة: " هي الشديدة من شدائد الدهر ". (كشاف القناع 1/ 421).(3/173)
7. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: (قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنَ الرَّكْعَةِ الْآخِرَةِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ) أخرجه أحمد وأبو داود والحاكم كلهم من طريق ثابت بن يزيد عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس به، وهذا إسناد جيد. قال النووي: رواه أبو داود بإسناد حسن أو صحيح (المجموع3/ 482). وقال ابن القيم: " حديث صحيح " (زاد المعاد 1/ 280). وقال ابن حجر: هذا حديث حسن (نتائج الأفكار 2/ 130) وحسنه الألباني (انظر صحيح سنن أبي داود ح1443).
ويتبين من هذه الأحاديث أمور:
1. مشروعية القنوت في النوازل. قال ابن تيمية: " القنوت مسنون عند النوازل، وهذا القول هو الذي عليه فقهاء أهل الحديث، وهو المأثور عن الخلفاء الراشدين ". (مجموع الفتاوى 23/ 108).
2. أن النبي صلى الله عليه وسلم قنت في النوازل في الصلوات الخمس كلها، وثبت في صحيح البخاري منها: الفجر والظهر والمغرب والعشاء. أما العصر فقد ثبت عند أحمد وأبي داود بسند جيد كما سبق.
3. أن أكثر ما رواه الصحابة في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم - فيما يظهر من هذه الأحاديث وغيرها - كان في الفجر، ثم المغرب والعشاء، ثم الظهر، ثم العصر.
قال ابن تيمية رحمه الله: " .. فيشرع أن يقنت عند النوازل يدعو للمؤمنين ويدعو على الكفار في الفجر وغيرها من الصلوات، وهكذا كان عمر يقنت لما حارب النصارى بدعائه الذي فيه (اللهم العن كفرة أهل الكتاب) " (مجموع الفتاوى 22/ 270).
وقال أيضاً: " وأكثر قنوته - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - كان في الفجر ". (مجموع الفتاوى 22/ 269).
وقال ابن القيم: " وكان هديه صلى الله عليه وسلم القنوت في النوازل خاصة، وترْكَه عند عدمها، ولم يكن يخصه بالفجر، بل كان أكثر قنوته فيها ". (زاد المعاد 1/ 273).
4. أن قنوت النوازل إنما يكون في الركعة الأخيرة، وأن محله بعد الرفع من الركوع.
ثانياً: المشروع أن يكون القنوت يسيراً. فيبتعد عن الإطالة لحديث أَنَسٍ رضي الله عنه لما سئل: هَلْ قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ؟ قَالَ: " نَعَمْ بَعْدَ الرُّكُوعِ يَسِيرًا " أخرجه مسلم. وقد ظهر لنا من الأحاديث السابقة أن قنوت النبي صلى الله عليه وسلم كان جُملاً قليلة. والسعيد من وفق لسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: الاقتصار في الدعاء على النازلة. فلا يزيد في قنوته أدعية أخرى، وإنما يقتصر على النازلة كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
والذي يظهر من الأدلة السابقة وغيرها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكرر الدعاء نفسه في قنوته حينما قنت شهراً، وربما كان بينها اختلاف يسير.(3/174)
رابعاً: القنوت مشروع عند وجود سببه (وهو النازلة بالمسلمين) فإذا زال السبب ترك القنوت. أما قنوت النبي صلى الله عليه وسلم شهراً فليس مقصوداً منه التحديد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك القنوت لما زال سببه بقدوم من قنت لهم، كما يدل على ذلك حديث أبي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: (أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرَّكْعَةِ فِي صَلَاةٍ شَهْرًا إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ يَقُولُ فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ اللَّهُمَّ نَجِّ عَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ (1) اللَّهُمَّ نَجِّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ثُمَّ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم تَرَكَ الدُّعَاءَ بَعْدُ فَقُلْتُ أُرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ قَالَ فَقِيلَ وَمَا تُرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا (2)). أخرجه مسلم.
قال ابن القيم: " إنما قنت عند النوازل للدعاء لقوم، وللدعاء على آخرين، ثم تركه لما قدم من دعا لهم، وتخلصوا من الأسر، وأسلم من دعا عليهم وجاؤوا تائبين، فكان قنوته لعارض، فلما زال ترك القنوت ". (زاد المعاد 1/ 272).
خامساً: قنوت النوازل ليس له صيغة معينة، وإنما يدعو في كل نازلة بما يناسب تلك النازلة.
أما الدعاء الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم للحسن: " اللهم اهدنا فيمن هديت .. الخ " فإنما هو في قنوت الوتر، ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قنوت النوازل.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: " فالسنة أن يقنت عند النازلة ويدعو فيها بما يناسب القوم المحاربين ". (مجموع الفتاوى 21/ 155).
وقال أيضاً: " وينبغي للقانت أن يدعو عند كل نازلة بالدعاء المناسب لتلك النازلة. وإذا سمى من يدعو لهم من المؤمنين ومن يدعو عليهم من الكافرين المحاربين كان ذلك حسناً ". (مجموع الفتاوى 22/ 271).
وقال أيضاً: " عمر رضي الله عنه قنت لما نزل بالمسلمين من النازلة، ودعا في قنوته دعاءً يناسب تلك النازلة، كما أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قنت أولاً على قبائل بني سليم الذين قتلوا القراء، دعا عليهم بالذي يناسب مقصوده، ثم لما قنت يدعو للمستضعفين من أصحابه صلى الله عليه وسلم دعا بدعاء يناسب مقصوده. فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين تدل على شيئين:
_________
(1) (عياش والوليد وسلمة رضي الله عنه) حبسهم المشركون في مكة لما أسلموا ومنعوهم من الهجرة، وقد تواعدوا جميعاً للهروب من المشركين فدعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم. والمراد (بالمستضعفين من المؤمنين) هم ضعفاء المؤمنين الذين حبسهم الكفار عن الهجرة، وآذوهم وعذبوهم. وقوله: (اللهم اشدد وطأتك على مضر) أصل الوطأة الدوس بالقدم، ومن وطأ الشيء برجله بشدة فقد استقصى في إهلاكه وإهانته، فيكون المعنى: اجعل بأسك وعذابك الشديد عليهم. وقوله: (اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) هي المشار إليها في قوله تعالى من سورة يوسف: " ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد " فكانت عليهم سبعة أعوام عمهم فيها القحط ونقص الطعام، فيكون المعنى هنا: هو الدعاء عليه بالقحط العظيم. (انظر في هذه المعاني: المنهل العذب المورود 8/ 82).
(2) " أي أتسأل عن ذلك وما تعلم أن الوليد ومن معه قد قدموا إلى المدينة ونجاهم الله تعالى من عدوهم " (المنهل العذب المورود 8/ 82).(3/175)
أحدهما: أن دعاء القنوت مشروع عند السبب الذي يقتضيه، ليس بسنة دائمة في الصلاة.
الثاني: أن الدعاء فيه ليس دعاء راتباً، بل يدعو في كل قنوت بالذي يناسبه، كما دعا النبي صلى الله عليه وسلم أولاً وثانياً، وكما دعا عمر رضي الله عنه لما حارب من حاربه في الفتنة، فقنت ودعا بدعاء يناسب مقصوده " (مجموع الفتاوى 23/ 109).
ومن دعا بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يناسب نازلة المسلمين كأن يقول في مثل مصابنا هذه الأيام: (اللهم أنج إخواننا المسلمين في كوسوفا، اللهم انصرهم، اللهم اشدد وطأتك على الصرب النصارى ومن شايعهم وأعانهم، اللهم العنهم، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف) فقد أحسن؛ لأن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم أفضل وأجمع ما يدعى به
سادساً: يسن جهر الإمام في القنوت للنازلة. لحديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ يَدْعُوَ لأحَدٍ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَرُبَّمَا قَالَ إِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ يَجْهَرُ بِذَلِكَ " أخرجه البخاري.
قال النووي: " وحديث قنوت النبي صلى الله عليه وسلم حين قُتل القراء رضي الله عنهم يقتضي أنه كان يجهر به في جميع الصلوات، هذا كلام الرافعي. والصحيح أو الصواب استحباب الجهر ". (المجموع 3/ 482).
قال ابن حجر: " وظهر لي أن الحكمة في جعل قنوت النازلة في الاعتدال دون السجود مع أن السجود مظنة الإجابة كما ثبت (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وثبوت الأمر بالدعاء فيه أن المطلوب من قنوت النازلة أن يشارك المأموم الإمام في الدعاء ولو بالتأمين، ومن ثمَّ اتفقوا على أنه يجهر به " (فتح الباري 2/ 570).
سابعاً: يسن تأمين المأموم على دعاء الإمام في قنوت النازلة. لحديث ابن عباس رضي الله عنه في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم وفيه: " .. يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ عَلَى رِعْلٍ وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ " أخرجه أحمد، وأبو داود بإسناد جيد كما سبق.
ثامناً: يسن رفع اليدين في دعاء قنوت النازلة. لحديث أنس رضي الله عنه قال " .. فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَدَ عَلَى شَيْءٍ قَطُّ وَجْدَهُ عَلَيْهِمْ - يعني القرَّاء - فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ فَدَعَا عَلَيْهِمْ ". أخرجه أحمد بإسناد صحيح. وقال النووي: " رواه - البيهقي - بإسناد له صحيح أو حسن " (المجموع 3/ 479).
وعن أبي رافع قال: " صليت خلف عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقنت بعد الركوع، ورفع يديه، وجهر بالدعاء ". أخرجه البيهقي وقال " هذا عن عمر صحيح " (سنن البيهقي 2/ 212).
قال النووي: " وعن أبي عثمان قال: كان عمر رضي الله عنه يرفع يديه في القنوت. وعن الأسود أن ابن مسعود رضي الله عنه كان يرفع يديه في القنوت .. رواها البخاري في كتاب رفع اليدين (1) بأسانيد صحيحة، ثم قال في آخرها - يعني البخاري -: هذه الأحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه " (المجموع 3/ 490).
تنبيهات:
أولاً: لا يشرع مسح الوجه بعد دعاء القنوت. لأن ما ورد في المسح ضعيف لا يحتج به.
_________
(1) وهو من مصنفات الإمام البخاري رحمه الله. (انظر هدي الساري ص 516).(3/176)
قال البيهقي - رحمه الله -: " فأما مسح اليدين بالوجه عند الفراغ من الدعاء فلست أحفظه عن أحد من السلف في دعاء القنوت، وإن كان يروى عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث فيه ضعف. وهو مستعمل عند بعضهم خارج الصلاة، وأما في الصلاة فهو عمل لم يثبت بخبر صحيح ولا أثر ثابت، ولا قياس. فالأولى أن لا يفعله ويقتصر على ما فعله السلف رضي الله عنهم من رفع اليدين دون مسحهما بالوجه في الصلاة وبالله التوفيق ". (سنن البيهقي 2/ 212).
وبين النووي - رحمه الله - ضعف ما ورد في مسح الوجه بعد الدعاء في الصلاة. وقال: " وله - يعني البيهقي - رسالة مشهورة كتبها إلى الشيخ أبي محمد الجويني أنكر عليه فيها أشياء من جملتها مسحه وجهه بعد القنوت " (المجموع 3/ 480).
وقال ابن تيمية: " وأما مسح وجهه بيديه فليس عنه فيه إلا حديث أو حديثان لا يقوم بهما حجة " (مجموع الفتاوى 22/ 519).
ثانياً: مما يلحظ على بعض الناس في الدعاء قوله: (اللهم اشدد وطأتك على الصرب النصارى المجرمين برحمتك يا أرحم الراحمين، أو يا عفو يا غفور) لأن التوسل بصفة الرحمة والمغفرة قد لا يناسب الدعاء عليهم باللعن وأخذهم بالشدة.
ثالثاً: من الخطأ التزام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في ختام دعاء قنوت النوازل، لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيء. والأصل في العبادات التوقيف، فلا يلتزم ذكر أو دعاء عند سبب أو زمن معين إلا بدليل. أما ما ورد عن بعض الصحابة فإنما هو في قنوت الوتر.
رابعاً: الذي ثبت هو القنوت في الصلوات الخمس في الجماعة.
أما القنوت في صلاة الجمعة، والنوافل، وللمنفرد فلم أقف للقنوت فيها للنازلة على حديث أو أثر صريح.
وقد بوب عبد الرزاق في مصنفه (3/ 194): " باب القنوت يوم الجمعة "، وابن أبي شيبة في مصنفه (2/ 46) بقوله: " في القنوت يوم الجمعة "، وابن المنذر في الأوسط (4/ 122) بقوله: " ذكر القنوت في الجمعة " وذكروا آثاراً عن بعض الصحابة والتابعين عامتها في ترك القنوت وذمه في الجمعة. ولكن لم يرد في شيء منها أن القنوت المتروك أو المذموم فيها هو قنوت النوازل. فدلالتها على منع قنوت النوازل في صلاة الجمعة ليست صريحة.
قال المرداوي: " وعنه يقنت في جميع الصلوات المكتوبات خلا الجمعة، وهو الصحيح من المذهب، نص عليه. اختاره المجد في شرحه، وابن عبدوس في تذكرته، والشيخ تقي الدين، وجزم به في الوجيز، وقدمه في الفروع، ... وقيل: يقنت في الجمعة أيضاً. اختاره القاضي، لكن المنصوص خلافه " (الإنصاف 2/ 175). واختار ابن تيمية مشروعية القنوت للمنفرد (انظر الإنصاف 2/ 175).
والأصل في العبادات هو المنع حتى يتبين وجه المشروعية. وهذه المسألة (أي القنوت في صلاة الجمعة، والنوافل، وللمنفرد) بحاجة إلى مزيد من البحث والنظر، والله أعلم.
خامساً: قال ابن تيمية: " ينبغي للمأموم أن يتابع إمامه فيما يسوغ فيه الاجتهاد؛ فإذا قنت قنت معه، وإن ترك القنوت لم يقنت، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنما جعل الإمام ليؤتم به) وقال: (لا تختلفوا على أئمتكم) وثبت عنه في الصحيح أنه قال: (يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم ولهم، وإن أخطأوا فلكم وعليهم) " (مجموع الفتاوى 23/ 115 - 116).
سادساً: قال بعض الفقهاء: إن قنوت النوازل إنما يفعله إمام المسلمين، أما عامة المسلمين فلا.
وهذا القول فيه نظر؛ لأمور:
الأول: أن الأصل في أفعال النبي صلى الله عليه وسلم العموم لجميع المسلمين، إلا إذا دل الدليل الصريح على التخصيص. ولم يثبت في ذلك دليل، فنبقى على الأصل وهو مشروعيته لجميع المسلمين.(3/177)
الثاني: حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه مرفوعاً: " صلوا كما رأيتموني أصلي " أخرجه البخاري. فهذا الحديث صريح في أن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة أنها لعموم المسلمين.
الثالث: أن أبا هريرة رضي الله عنه قنت وهو ليس بإمام للمسلمين، كما ثبت في الصحيحين - وقد سبق - أن أَبا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: " لأقَرِّبَنَّ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْنُتُ فِي الرَّكْعَةِ الآخِرَةِ مِنْ صَلاةِ الظُّهْرِ وَصَلاةِ الْعِشَاءِ وَصَلاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَيَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ ".
سابعاً: قال بعض أهل العلم المعاصرين بشرطية إذن الإمام لقنوت النازلة في الصلاة، وقد كثرت أسئلة الناس فيه جداً، وينبغي أن تطرح هذه المسألة طرحاً علمياً مجرداً عن الضغوط. ولم أقف بعد البحث والتتبع من اشترط هذا الشرط من العلماء المتقدمين، ولم أقف فيه كذلك على دليل، والأصل في العبادات التوقيف والحظر؛ فلا نضيف شرطاً ولاسبباً ولا عدداً ولا كيفية ولا أي وصف زائد في العبادة إلا بدليل من الكتاب أو السنة وإلا أصبحت الزيادة بدعة إضافية كما هو مقرر في قواعد البدعة.
وبعض طلاب العلم قد تختلط عليه هذه المسألة بالتي قبلها، وبهذا البيان يتضح الفرق. وبالله التوفيق، والحمد لله رب العلمين.(3/178)
من يحمي حقوق العلماء؟
عبد الرحيم بن صمايل السلمي
العلماء في أي مجتمع يُقدّر المعرفة ويهتم بالعلم هم قادة الرأي وأولو الأمر فيه, وهذا ما قررته الشريعة ورسخه الإسلام, وجعله قيمة فكرية واجتماعية في الأمة المسلمة, فهم المبلغون عن الله تعالى, وحماة الإسلام من صولة المبدلين والمحرفين, وقد رفعهم الله تعالى على بقية الناس لحملهم هذه الرسالة العظيمة, يقول تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} ويقول - أيضا -: {يا أيها الذين آمنو أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولو الأمر منكم} , إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الواضحة البينة.
وأي مجتمع يعتدي على علمائه بأي شكل من أشكال الاعتداء, فهو يدل على المخاطر والمخاوف المحدقة به من تسوّد الجهال، وضعاف الرأي، وضياع العلوم والمعارف واحتقارها، وازدراء الفكر والثقافة والوعي, مما يهدد ذلك المجتمع في وجوده وبقائه واستمراره.
وإذا كان من الضروري المحافظة على "حقوق الإنسان" فإن حفظ حقوق العلماء يقف على أولوياتها لأنهم يجمعون بين وصف "الإنسان" كصفة مشتركة , و"العلم" كصفة مميزة لهم دون غيرهم.
ولا يخفى على المتابع للشأن الإعلامي المحلي, الجرأة المتنامية على أهل العلم والإفتاء والقضاء بصورة تدعو للاشمئزاز , وهذه الحملات الإعلامية المتكررة تدل على تزعم فئة فكرية لا يرضيها ما وصلنا إليه من العلم والمعرفة والثقافة (الإسلامية) , وتعمل جاهدة على أن يكون البديل هو ثقافة من نوع معين (الفن والغناء والرسم التشكيلي والثقافة الغربية).
وهذه الفئة أٌطلقت يدها بالهجوم على العلماء باسم الحرية, لكنها حرية لطرف إيديولوجي صراعي لا يعجبه الاستقرار والسلم الاجتماعي. وهذه الحالة الاجتماعية والفكرية الغريبة في بلادنا, هي التي صنعت الفوضى والإرباك والخوف الاجتماعي, من طرح أي مشروع تنموي في شكله الظاهر إذا وقف هؤلاء وراءه.
فالابتعاث وتوسيع عمل المرأة , والتنمية الاقتصادية, وتطوير القضاء , وحرية الصحافة والإعلام ,وتغيير المناهج، والانفتاح الثقافي ونحو ذلك لو طرحت في مجتمع آمن غير مختطف لاعتبرت مشاريع تنموية رائدة , لكنها إذا طرحت في مجتمع بطريقة موجهة, فإن من حق المجتمع رفضها, والاعتراض عليها وتعديل مسارها , وبعض الطيبين من المثقفين لا يدركون هذه المخاطر ويدعمون هذه المشاريع دون تحفظ ,لأنهم ينظرون لها بمثالية وينسون أنها ستوجه بطريقة فكرية سيئة.
إن المطالبة بالحفاظ على "حقوق العلماء" لا تعني كهنوتاً أو طبقية, بقدر ما هي بيان لحق جزء سيادي في المجتمع, فالمجتمع متفاوت في قدراته وقواه المتحركة , ولا يمكن أن نقول بالمساواة المطلقة بين العالم والجاهل , والذكي والغبي , والقائد وغيره. ويتعاظم الخطب إذا تجرأ "البعض" على العلماء في قضية ضرورية يتفق عليها الكافة باعتبارها أصلاً راسخاً من أصول الدين , مع ضعف علمه وفقهه واغترابه عن ثقافة الأمة وهويتها.
إن ما يدور في الصحافة والإعلام الفضائي من انتهاكات متكررة لـ "حقوق العلماء" يدل على ضرورة قيام مؤسسة مستقلة للحماية من هذه الاعتداءات ومقاضاة من يقوم بها , ورعاية حقوق هؤلاء القادة. وإذا كانت " الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان " مشغولة بدور الحماية النسائية فإن " حقوق العلماء " يجب أن تكون من مهام السلطات العليا لأنها قضية سيادية في هذه البلاد , وأنا أقول هذا ليس استجداء لأحد، أو استعداء على آخر, لكنها الحقيقة التي من الواجب إظهارها وبيانها.
ومع كثرة الشعارات البراقة التي يرددها " البعض " حول احترام العلماء وتقديرهم, وكثرة استعمال الإعلام لعبارة "حقوق الإنسان" إلا أن الأمور لا تبشر بخير, وتدل على أن هذه الخطابات للاستهلاك ليس إلاّ. و "حقوق العلماء"على الأمة كثيرة فالاحترام والتقدير والصدور عن رأيهم والانتفاع بعلومهم, والرجوع إليهم في الملمات وبناء المؤسسات المعنية بمساعدتهم في القيام بدورهم, من أبسط الحقوق التي لهم على الدولة والمجتمع.
وبكل أسف فإن هذه الجرأة على العلماء أصبحت ظاهرة, وبالذات على "علماء أهل السنة والجماعة"،وتصويرهم على أنهم شخصيات عادية أو أقل من عادية , هذا إن لم تكن الجرأة بالاحتقار والنقد البذي كالاتهام بالتكفير, ودعم التطرف والإرهاب والسطحية, والسذاجة في التفكير, وإرجاع الناس إلى القرون الوسطى (المظلمة أوروبياً) ونحو ذلك. ولعل هذه الحالة البائسة تدعونا إلى الاهتمام بـ " حقوق العلماء" في مناهج التعليم، والدروس العلمية، والخطب، والصحافة، والإعلام الفضائي، وتربية أبنائنا عليه , وإحياء فقه السلف الصالح في هذا الجانب من نسيجنا الاجتماعي الإسلامي.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/179)
نقض دعاوى من استدل بيُسر الشريعة على التيسير في الفتاوى
للدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
الطبعة الأولى
1423 للهجرة - 2002 للميلاد
تقديم
الحمد لله وكفى وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد:
ففي أوج انتشار منهج التيسير في الإفتاء، عمَد بعض الميسِّرين إلى تكلّف إيجاد مرجعيّة شرعيّة، وتأصيل منهجيّة فقهيّة فجّةٍ، تعمَد إلى ما في نصوص الوحيين، وكلام السابقين، من أدلّة على أنّ الدين يُسرٌ لا مشقّةَ فيه، وتتذرّع بها لتبرير منهجها في إختيار أيسر المذاهب، والإفراط في التيسير في الفتاوى المعاصرة، إلى حدٍّ يبلغ حافّة الإفراط، ويخشى على من وَقَعَ فيها أن يصير إلى هاوية الانحلال من التكاليف أو بعضها، أو القول على الله بغير علم، بتقديمه ما يستحسنه بين يدي الله ورسوله.
وقد تأمّلت أدلّة القوم النقليّة، فإذا هي آيات مُحكمات، وأخبار صحيحة ثابتة، غير أنّي لم أجد فيها دليلاً على ما ذهبوا إليه، بل بعضها يدلّ على خلاف مذهبهم، ورأيت من المناسب بيان ما بدا لي في هذا الباب على عُجالةٍ، في هذه المقالة الوجيزة، من خلال مقصِدَين وخاتمة.
المقصد الأوّل
نصوص التيسير من الكتاب والسنّة
استدل دعاةُ التيسير بعموم النصوص الدالّة على أنّ التيسير ورَفع المشقّة مقصد من مقاصَد التشريع الإسلامي، كقوله تعالى:
(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185].
وغفلوا عن الآية التي قَبلَها، وفيها رَفعُ رُخصة الفطر في رَمضان مع الكفّارة لمن قدِرَ على الصوم، وهو ما ثبتَ بقوله تعالى في الآية السابقة لها:) وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ([البقرة: 184].
رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ سَلَمَة بْن الأَكْوَع أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِر ويَفْتَدِي حَتَّى نَزَلَتْ الآيَة الَّتِي بَعْدهَا فَنَسَخَتْهَا.
قلتُ: وهذا من قبيل النسخ بالأشد، وهو من التشديد وليس من التيسير، في شيءٍ، فتأمّل!
ومثل ذلك استدلالهم بقوله تعالى: {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ} [الحج: 78]، متغافلين عن صدر الآية ذاتها، وهو قوله تعالى:) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ (مع أنّه لا مشقّة تفوق مشقّة الجهاد والتكليف به، فبقي أن يُحمل رَفع الحرج على ما رُفِعَ بنصّ الشارع الحكيم سبحانه، لا بآراء المُيَسّرين.
ومن هذا القبيل ما رواه الشيخان في صحيحيهما، وأبو داود في سننه , وأحمد في مسنده، عَنْ أم المؤمنين عَائِشَةَ رضى الله عنها، قَالَتْ: (مَا خُيِّرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَأْثَمْ، فَإِذَا كَانَ الإِثْمُ كَانَ أَبْعَدَهُمَا مِنْهُ).
وما رواه البخاري في كتاب العلم من صحيحه، ومسلم في الجهاد والسير عَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه , عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: «يَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا، وبَشِّرُوا ولاَ تُنَفِّرُوا».
وفي روايةٍ للبخاري في كتاب الأدب: «يَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا، وسَكِّنُوا ولاَ تُنَفِّرُوا».
وروى مسلم وأبو داود عَنْ أَبِى مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: «بَشِّرُوا ولاَ تُنَفِّرُوا ويَسِّرُوا ولاَ تُعَسِّرُوا».(3/180)
قلتُ: جميع ما تقدّم من نصوص الوحيَين، وكثيرٌ غيره ممّا يقرّر قيام الشريعة الغرّاء على اليُسر ونفي الضرر، ورفع الحَرَج، فهِمَه الميسّرون على غير وجهه، وحمّلوه ما لا يحتمل، متعنّتين في توجيهه لنُصرة شُبهَتهم القاضيةَ بجَعل التيسير في الفتوى منهاجاً رَشَداً، وفيما يلي نقضُ غَزلهم، وكشف شبههم إن شاء الله:
أوّلاً: ثمّة فرقٌ لغويٌ بين اليُسر والتيسير، فاليُسر صفةٌ لازمةٌ للشريعة الإسلاميّة، ومقصدٌ من مقاصدها التشريعيّة جاء به الكتاب والسنّة، وأنزله النبيّ - صلى الله عليه وسلم - والسلفُ الصالحُ منزلَتَه، أمّا التيسير فهو من فِعل البشر، ويعني جَعلَ ما ليس بميسَّرٍ في الأصل يسيراً، وهذا مَوطِنُ الخَلل.
ثانياً: إن اختيار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - للأيسر في كلّ أمرين خُيِّرَ بينهما، كما في حديث عائشة رضي الله عنها المتقدّم فيه أربع نكات لطيفةٍ:
النكتة الأولى: أنَّ الاختيار واقع منه - صلى الله عليه وسلم - فيما خُيّر فيه، وليس في كلّ ما أوحيَ إليه أو كُلّف به، هو أو أمّته، ومثال ذلك الاختلاف في صيَغ الأذان، وتكبيرات العيد، وما إليه حيث لا يعيبُ من أخَذ بهذا على من أخذَ بذاك من العلماء، لثبوت الروايات بالأمرين كليهما.
والثانيّة: تقييد التخيير بما لم يكُن إثماً، ولا شكّ أنّ العدول عن الراجح إلى المرجوح، أو تعطيل (ومن باب أولى رد) ما ثبت من الأدلّة الشرعيّة إثمٌ يُخشى على صاحبه من الضلال، فلا وَجه لاعتباره من التيسير المشروع في شيء.
والثالثةُ: أنّ التخيير المذكور في الحديث يُحمل على أمور الدنيا لا الدِّين، وهذا ما فهمه أهل العِلم قَبلَنا، وقدّ أمِرنا بالردّ إليهم، ومنهم الحافظ ابن حجر، حيث قال رحمه الله في الفتح: (قولُه بين أمرين: أي من أمور الدنيا. لأن أمور الدين لا إثم فيها ... ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَل المخلوقين واضح، وأمَّا من قبل الله ففيه إشكال؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائِزَين) [فتح الباري: 6/ 713].
والنكتة الرابعة والأخيرة: أنّ هذا الخبر ما لم يُقيّد بما سبق سيكون معارضاً باختيار النبيّ - صلى الله عليه وسلم - الأشقَّ على نفسه، كقيامه الليل حتّى تتشقق قدَماه مع أنّ الله تعالى قد غَفَر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال الحافظ في الفتح: (لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك بأن يخيره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى مع الاشتغال به أن لا يتفرغ للعبادة مثلاً، وبين أن لا يُؤتِيَه من الدنيا إلا الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي، لا يراد منه معنى الخطيئة لثبوت العصمة له) [فتح الباري: 6/ 713].
ثالثاً: لا تكليف بدون مشقّة، وإن كانت المشقّة الحاصلة بكلِّ تكليفٍ بحَسَبه، وهي متفاوتة، فإذا جاز لنا تخيّر أيسر المذاهب دفعاً لكلّ مشقّةٍ، ترتّبَ على ذلك إسقاط كثيرٍ من التكاليف الشرعيّة
قال الشاطبي رحمه الله: (المقصد الشرعي مِن وضْع الشريعة هو إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبداً لله اختياراً كما هو عبد الله اضطراراً) [الموافقات: 2/ 128].
وقال الإمام شمس الدين ابن القيّم رحمه الله: (لو جاز لكل مشغول وكل مشقوق عليه الترخيص ضاع الواجب واضمحل بالكلية) [إعلام الموقعين 2/ 130].(3/181)
وقال أيضاً في مَعرض كلامه عن رُخَص السفَر: (إنَّ المشقة قد عُلِّقَ بها من التخفيف ما يناسبها، فإن كانت مشقة مرض وألم يُضِرُّ به جاز معها الفطر والصلاة قاعداً أو على جنب، وذلك نظير قصر العدد، وإن كانت مشقّةَ تعبٍ فمصالح الدنيا والآخرة منوطةٌ بالتعب، ولا راحة لمن لا تعب له بل على قدر التعب تكون الراحة فتناسبت الشريعة في أحكامها ومصالحها بحمد الله ومَنِّه) [إعلام الموقعين 2/ 131].
قلتُ: فمن آثر الراحة والدعةَ في مقام الجدّ والنصَب، فقد خالف الصواب، وغَفَل عمّا أريد منه، وما أنيط به، ولو كان في البعد عن الجدّ والجَهد في الطاعة بدون مرخّصٍ شرعيٍ مندوحةٌٌٌ لغير ذوي الأعذار، لما قال تعالى لخير خلقه، وأحبّهم إليه: (فإِذا فَرَغْتَ فانْصَبْ) [الانشراح: 7].
رابعاً: ما ورد في التحذير والتنفير من التشديد والتعسير والمشاقّة والتنطّع، والتعمّق - وما إلى ذلك - على النفس والغير، لا يدلُّ على التخيير (أو التخيُّر) في الأحكام الشرعيّة، لدلالة النصوص على التكليف بالأشدّ في مواضع كثيرة، ولأنّ النسخ بالأشد ممّا جاءت به الشريعة بالاتفاق، فضلاً عن حمل جمهور أهل العلم لنصوص النهي عن التنطّع ونحوه على ما كان فيه مجاوزة للمشروع، كالوصال في الصيام، فهو ممّا نُهي عنه، وإن كان مقدوراً عليه بدون مشقّة، بخلاف الصوم المشروع فلا يسقط عمّن وجَبَ عليه حتى وإن ثبتت مشقّته، ما دام مقدوراً عليه، وقد تقدّم ذكر بعض أقوال أهل العلم في أنّ الأصل في التكليف، أنّه قائمٌ على المشقّة المقدور عليها.
قال شيخ الإسلام ابن تيميّة رحمه الله: (التشديد تارة يكون باتخاذ ما ليس بواجب، ولا مستحب، بمنزلة الواجب والمستحب في العبادات، وتارةً باتخاذ ما ليس بمُحرَّم، ولا مكروه، بمنزلة المحرم والمكروه في الطيبات، وعُلِّل ذلك بأن الذين شددوا على أنفسهم من النصارى، شَدَّد الله عليهم لذلك، حتى آل الأمر إلى ما هم عليه من الرهبانية المبتدعة، وفي هذا تنبيه على كراهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لِمِثْل ما عليه النصارى من الرهبانية المبتدعة، وإن كان كثير من عُبَّادِنا قد وقعوا في بعض ذلك، متأولين معذورين، أو غير متأولين ولا معذورين) [اقتضاء الصراط: 1/ 103].
وقال ابن القيّم رحمه الله: (نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن التشديد في الدين، وذلك بالزيادة على المشروع، وأخبر أن تشديد العبد على نفسه هو السبب لتشديد الله عليه؛ إما بالقدر، وإمَّا بالشَرْع؛ فالتشديد بالشرع كما يشدد على نفسه بالنذر الثقيل، فيلزمه الوفاء به، وبالقدر كفعل أهل الوسواس، فإنهم شدَّدوا على أنفسهم، فشُدِّدَ عليهم القدر، حتى استحكم ذلك، وصار صفةً لازمة لهم) [إغاثة اللهفان: 1/ 132].
ولا يقال: إنّ أحكام الشريعة تتدرّجُ من الأشدّ إلى الأيسَر، ولا من الأيسر إلى الأشد، باضطراد، لأنّها اشتملت على الأمرين معاً، وهذه المسألة مبسوطة في مباحث النسخ في كتب الأصول، والأمثلة عليها كثيرة من الكتاب والسنّة، ومن استقرأها وقفَ على حقيقةٍ مفادها أنّ التدرّج من الأيسر إلى الأشدّ هو الغالب في النَسخ، وهو ما يصلحُ دليلاً على نقيض ما ذهَب إليه دعاة التيسير، ومؤصّلوه في هذا الزمان.
لقد جاء الشرع بالتشديد بعد الترخيص في مواضع منها ما تقدّم ذِكره من إيجاب الصيام على كلّ مكلّّف بعد أن كان على التخيير في حق من يطيقه.
ونحو ذلك ما جاء في تحريم الخمر من التدرّج من الأيسر إلى الأشد، حيث كان مباحاً على الأصل، ثمّ نزلت الآية لتفيد كراهته بالإشارة على رُبُوِّ إثمه على نفعه، ثمَّ حرّم أثناء الصلاة خاصّة، ثمّ نزل تحريمه في الكتاب، وحدُّ شاربه في السنّة.(3/182)
وكذلك الحال في تشديد حدّ الزنا من الإيذاء باللسان واليد، إلى حبس الزواني في البيوت حتى يأتيهن الموت أو يجعل الله لهنّ سبيلاً، ثمّ الجلد للبكر (والتغريب في بعض المذاهب)، والرجم للمحصن.
ونحوه ما كان من النهي عن الجهاد في أوّل الأمر، ثمّ الإذن فيه، ثم إيجابه على غير ذوي الأعذار بعد الهجرة.
والأمثلة غير ما ذكرنا على أن الشرع الحنيف جاء بالتدرّج في التشريع من الأيسر إلى الأشدّ كثيرة، ولو أردنا تتبُّعَها، وذِكرَ أدلّتها وما يتفرّع عنها من مسائل وأحكام، لطال بنا المقام، قبل أن نصير إلى التمام (1).
وهذا يدلّ على نقيض ما تذرّع به الميسِّرون، يسَّر الله لنا ولهم سُبُلَ الهدى، ووقانا مضلات الهوى وموارد الردى.
فإذا أضيف إليه ما قرّرناه آنِفاً، من بُطلان استدلالهم بنصوص الوحيين على الجنوح إلى التيسير على وجه التخيير، ظهر لنا الحق الصريح، وهو إغلاق باب الاجتهاد في مورد النص الصحيح، ووجوب الردّ إلى الله تعالى ورسوله على وجه التسليم والقبول، والله أعلَم وأحكَم.
المقصِد الثاني
أقوال السلف في اختيار أيسَر المذاهب
تذرّع دعاة التيسير في العصر الحديث بما روي عن السلف والأئمة المتّبعين بإحسان، من استحباب الأخذ بالرُخص.
ومن ذلك، قول قتادة رحمه الله: (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) [انظره في: تحفة المولود، ص: 8].
وقول سفيان الثوري رحمه الله: (إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد) [آداب الفتوى للنووي، ص: 37].
وقول شيخ الإسلام ابن تيميّة: (إذا فعل المؤمن ما أُبيح له قاصداً العدول عن الحرام لحاجته إليه فإنّه يثاب على ذلك) [مجموع الفتاوى: 7/ 48].
وقول ابن القيّم: (الرخص في العبادات أفضل من الشدائد) [شرح العمدة: 2/ 541].
وقول الكمال بن الهمّام في التحرير: (إنّ المقلّد له أن يقلّد من يشاء، وإن أخذ العاميّ في كلّ مسألة بقول مجتهد أخفّ عليه، لا أدري ما يمنعه من النقل أو العقل.
وكون الإنسان يتتبّع ما هو الأخفّ عليه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد، ما علمت من الشرع ذمّه عليه، وكان صلى الله عليه وسلّم يحبّ ما خفّف عن أمّته).
وقول الشاطبي: (المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم مذهب الشدة، ولا يميل إلى طرف الانحلال، والدليل على صحة هذا أنَّه الصراط المستقيم، الذي جاءت به الشريعة، فإنه قد مر أن مقصد الشارع من المكلف، الحملُ على التوسط من غير إفراطٍ ولا تفريطٍ، فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع، ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموما عند العلماء الراسخين) [الموافقات: 4/ 285].
إلى غير ذلك ممّا وقفوا عليه فاحتجّوا به، أو غاب عنهم فأغفلوه.
ولو تأمّلنا ما أوردناه (ولا أعلَم لهم استدلالاً بغيره من أقوال الأئمّة) لما رأينا فيه دليلاً على التيسير الذي يُدندنُ حَوله المعاصرون، فقتادةُ يدعوا إلى الترخّص حيث شرع الله الرخصة، فيقول: (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم) (ابتغوا الرخصة التي كَتَب الله لكم)، ولا يقول: رخِّصوا باستحسانكم، أو لمجرّد التخفيف عن العباد أو مسايرتهم.
_________
(1) كان التدرّج في التشريع في زمن الوحي، وانقطع بانقطاعه، حيث أكمَلَّ الله دينه، وأتمّ على عباده نعمته، فقال: (اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً) فليس لأحد بعد ذلك أن يجاري الشارع الحكيم سبحانه في التدرّج في تبليغ حكم الله تعالى، وحُكمِ رسولِه لحديثي العهد بالإسلام أو التوبة، إذ إنّ الأحكام قد استقرّت على ما قضى الله ورسوله، وبالله العصمة.(3/183)
وابن تيميّة يذكر الاستغناء بالحلال عن الحرام، وليس الإفتاء بعدَم حُرمةِ الحرَام أصلاً، أو اختيار قول من يعدل عن التحريم إلى التحليل أو مجرّد الكراهة، وإن ضَعُفَت حُجّته، ووَهت شُبهته.
أمّا ابن القيّم فكلامه في الرخص في العبادات، وهذا لا خلاف فيه، خلافاً لدُعاة التيسير الذين وقعوا في تحليل الحرام، ونفي الكراهة عن المكروه، وشتّان ما بين المذهبين.
وما يُروى عن سفيان رَحمه الله لا يؤخذ منه الترخيص بإسقاط الواجب، أو تحليل المحرّم، ولكنّه موجّه إلى ما ينبغي أن يفتيَ به العالم من وَقع في حرَج متيقّن ليعينه على القيام بما وَجَبَ عليه، لا ليُسقِطه عنه، وذلك كثيراً ما يَقَع في باب الكفّارات، وأداء النذور ونحوها.
وما روي عن ابن عيينة، قال به غيره، ولكنّهم تحوّطوا في ضبط صوَره بالتمثيل له.
قال النووي: (وأما من صحَّ قصدُه , فاحتَسَبَ في طلب حيلةٍ لا شُبهةَ فيها , لتخليصٍ من ورطة يمينٍ ونحوها , فذلك حسن جميل، وعليه يُحمل ما جاء عن بعض السلف من نحو هذا , كقول سفيان: إنَّما العلم عندنا الرخصة من ثقة , فأما التشديد فيُحسنه كل أحد) [آداب الفتوى للنووي، ص: 37].
وننبّه هنا إلى أنّ ما رويَ عن السلف الصالح، في الحث على التمسّك بالعزائم، والتحذير من الترخّص المجرّد عن الدليل، أضعاف ما روي عنهم في التيسير والترخيص، والعدل أن يُجمَع بين أقوالهم، لا أن يُسقَط بعضها، أو يُضرَبَ بعضُها ببَعضٍ.
وربّما اتّضحت الصورة أكثر إذا قرّبناها بالتمثيل لما كان عليه سلفنا الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فإذا رَجَعنا إلى سيَرِهِم وقفنا على معالم منهجهم في التشديد والتيسير على النفس والغير، ومن أبرز تلك المعالم:
أوّلاً: تشديد العالم على نفسه أكثر ممّا يشدد على غيره.
ولهذا المَعلَم ما يشهد له من السنّة، حيث أرشَد إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليه معاذ بنَ جبل رضي الله عنه، حين أمرَه بالإيجاز إذا أمَّ الناسَ في الصلاة، ويقتضي هذا الترخيص له في الإطالة إذا صلى فذاً، كما في الصحيحين وغيرهما.
ثانياً: عُرِف عن السلف الصالح، من الصحابةِ الكرام ومن بَعدَهُم التشديد على الناس فيما تساهلوا فيه، وهذا خلاف ما عليه ميسِّرة العصر، من التيسير فيما كثُر وقوع الناس فيه.
ومن ذلك قول عمر الفاروق رضي الله عنه: (فلو أمضيناه عليهم) حينما حكمَ بإيقاع طلاق المجلس ثلاثاً، وأمضاه على الناس، لأنّهم استعجلوا بعد أن كانت لهم فيه أناة.
وكذلك تضمين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه للصنّاع، بعد أن فسدت الذمم وتغيرت النفوس.
ألا ترى أنّ عمرَ وعليَّ رضي الله عنهما قد بالغا في التشديد في هاتين المسألتين، استحساناً، رغم وجود ما يراه الميسِّرون المعاصرون مقتضياً للتيسير، ومستلزماً للتخفيف مراعاةً ظروف المجتمع، ورفعاً للحَرَج عن الناس.
ثالثاً: أنّ من السلف من كان يفتي بالفتوى، أو يقضي بالقضاء، ثمّ يرجع عنه إذا بلغه ما هو أقوى منه دليلاً وأقوَم سبيلاً، إذ إنّ العبرة عنهم بما جاء من عند الله، وثبت عن رسول الله، وليس بالتيسير أو التشديد.(3/184)
أخرج مسلم في كتاب الحج من صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه: (أنه كان يفتي بالمتعة فقال له رجُل: رويدك بعض فتياك، فإنك لا تدري ما أحدث أمير المؤمنين في النسك بعدك، فقال: يا أيها الناس: من كنا قد أفتيناه فتيا فليتئد، فإن أمير المؤمنين قادم عليكم فأتموا، قال: فقدم عمر، فذكرت ذلك له، فقال: أن تأخذ بكتاب الله فإن الله تعالى قال:) وَأَتِمُّوُا الحَجَّ والعُمْرَةَ لله ([البقرة: 196]، وأن تأخذ بسنة رسول الله - عليه الصلاة والسلام -، فإن رسول الله - عليه الصلاة والسلام - لم يحل حتى نحر الهدي).
والأمثلة غير هذا في رجوعهم إلى الحقّ كثيرة، فهل في دعاة اليوم من يلزم غرزَ السابقين، وينحو نحوَهُم، فيقف عند الدليل، ويرجع إليه إن بلغه، ولو بعد حين، ولا يجد غضاضةً في أن يقول: (تلك على ما قضينا، وهذه على ما نقضي)؟
رابعاً: كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم يدورون مع الدليل حيثُ دارَ، فمنهم الميسِّر ومنهم المشدد، ولكن عن علم وبصيرة ودليل.
وكلُّهُم مِنْ رسولِ اللهِ مُقْتَبِسٌ ... غرفاً مِنَ البَحرِ أو رَشْفاً مِنَ الدِيَمِ
وإن كان فيهم من يلتزم في عمله الأحوط في مقابل من يجنح إلى الأيسر، ولكنّ الحامل لكلٍّ منهما على مذهبه لا يخرج عن الاستدلال بما ثبت عنده عن نبيِّ الهُدى - صلى الله عليه وسلم -.
ويحسن التمثيل لاختلاف آراء الصحابة في هذا الأمر بما كان عليه الصاحبان الإمامان: عبد الله بن عبّاس، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فقد كان (أحدهما يميل إلى التشديد والآخر إلى الترخيص وذلك في غير مسألة، وعبد الله بن عمر كان يأخذ من التشديدات بأشياء لا يوافقه عليها الصحابة فكان يغسل داخل عينيه في الوضوء حتى عمي من ذلك، وكان إذا مسح رأسه أفرد أذنيه بماء جديد، وكان يمنع من دخول الحمام، وكان إذا دخله اغتسل منه، وابن عباس كان يدخل الحمام، وكان ابن عمر يتيمم بضربتين ضربةٍ للوجه، وضربةٍ لليدين إلى المرفقين، ولا يقتصر على ضربة واحدة، ولا على الكفين، وكان ابن عباس يخالفه، ويقول: التيمم ضربةٌ للوجه، والكفين، وكان ابن عمر يتوضأ من قُبلةِ امرأتِه، ويُفتي بذلك، وكان إذا قبل أولاده تمضمض ثم صلى، وكان ابن عباس يقول: ما أبالي قبَّلتُها أو شممت ريحاناً، وكان يأمر من ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى أن يُتِمَّها، ثم يصلي الصلاة التي ذكرها، ثم يعيد الصلاة التي كان فيها ... والمقصود أن عبد الله بن عمر كان يسلك طريق التشديد والاحتياط) [زاد المعاد: 2/ 47 و 48].
قلتُ: ومع كلِّ ما كان يذهب إليه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما من التشديد ولزوم الأحوَط، لم يغمز قناته أحدٌ من السلف أو الخلف، ولم يصمه أحدٌ بوصمة التعسير، على وجه التخطئة والتنفير، بل غاية ما ذَهَبَ إليه مخالفوه هو عدَم موافقته في تشديداته، مع اعتبارها أمارةً على وَرَعه وحُسن اتّباعه، وعُذر مَن ذهبَ مذهبَه من الأتباع ما داموا يدورون مع الدليل مدارَه.
ولم يكن يسعهم حتى تمني خلافه فضلاً عن تبريره أو تسويغ القول والعمل به.
قال أبو عبد الله الزركشي [في المنثور: 1/ 20، 21] وهو يُعدِّدُ أنواع التمني ويعرض حكم الشرع في كلٍّ منها: السابع: تمني خلاف الأحكام الشرعية لمجرد التشهي ... قال الإمام الشافعي في (الأم) وقد روى عن عمر: (لا يُسترق عربي) قال الشافعي رحمه الله: لولا أنَّا نأثم بالتمني لتمنينا أن يكون هذا هكذا، وكأنه أراد تغير الأحكام ولم يرد أن التمني كله حرام).(3/185)
قلت: فلله درّهم ما أبرَّهم، وما أنبلهم حيث لا يسوّغون مجرّد كون الحرام حلالاً، فضلاً عن تسويغه، والإفتاء بحلّه، ولو كان بليّ أعناق النصوص، وحشد الشواهد والشواذ من كلّ رطبٍ ويابِسٍ، من زلاّت المتقدّمين، وهفولت المتأخّرين، وسقطات المُتابِعين.
إنّها والله الخشية من العَبدِ للمعبود، فمن أو تِيَها فقد أوتِيَ خيراً كثيراً، وهل العِلمُ إلاّ الخشية، وما مثل من كثر عِلمُه وقلّت خشيته إلا كمثل التاجر المدين، تكثر بين يديه العروض، ليس له منها شيء.
خاتمة
وبعد، فقد آل بنا البحث عند ختامه إلى الحديث عن الخشية، وهي جماع صفاة العالم الرباني، تسوقه إلى الحقّ، وتأطُرُه عليه أطراً.
قال صاحب الآداب الشرعيّة: (ونقل المروزي عن أحمد أنه قيل له: لمن نسأل بعدك؟ فقال: لعبد الوهاب يعني الوراق، فقيل إنه ضيق العلم فقال: رجل صالح مثله يوفق لإصابة الحق .... وقال الأوزاعي كنا نمزح ونضحك، فلما صرنا يقتدى بنا خشيت أن لا يسعنا التبسم ... وروى ابن بطة عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى: إن الفقه ليس بسعة الهذر وكثرة الرواية إنما الفقه خشية الله ... وقال الأوزاعي: بلغني أنه يقال: ويل للمتفقهين لغير العبادة , والمستحلين المحرمات بالشبهات ... وقال الشافعي رضي الله عنه: زينة العلم الورع والحلم، وقال أيضا لا يجْمُل العلم، ولا يحسن إلا بثلاث خلال: تقوى الله , وإصابة السنة , والخشية).
فما أحرى العاملين للإسلام؛ دعاةً وفقهاء ومُفتين إن يقفوا على الحقّ، ويقولوا به، ويردّوا عِلمَ ما اختُلِفَ فيه إلى عالمه.
لتكون السبيل محجّةً بيضاء؛ كتاباً وسنةً، مع سلامةٍ في الصدر والمنهج.
ففي ذلك السلامة، والنجاة من الندامة، وهذا غاية ما أردت بيانه في رسالتي هذه، باذلاً في طلب الحق وتقريبه للخلق وسعي، فإن أصبت فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وإن أخطأتُ فمِن نفسي ومن الشيطان، واللهَ تعالى أسألُ أن يغفر زلّتي، ويقيل عثرتي.
وأفوّض أمري إلى الله، إنّ الله بصير بالعباد
والحمد لله ربّ العالمين
وصلّى الله وسلّم على نبيّنا محمّد، وآله، وصحبه أجمعين
وكتب
أحمد بن عبد الكريم نجيب
(الملقّب بالشريف)
دَبْلِن (إيرلندا) في غرّة جمادى الآخرة عام 1423 للهجرة
الموافق العاشر من يوليو (تمّوز) عام 2002 للميلاد(3/186)
الليبراليون السعوديون: الأقلية الناطقة
إدريس أبو الحسن
لطالما زعم رواد الاتجاه الليبرالي في المملكة بأنهم (الأغلبية الصامتة)، لكن إذا رجعنا مثلا إلى الانتخابات البلدية الأخيرة في المملكة، سنجدها أكدت بما لا يدع مجالا للشك، أن مقولة "الأكثرية الصامتة"، التي يتغنى بها الليبراليون هي (أكذوبة)، لا تمت إلى الواقع بصلة.
فلم يحظ اللبراليون، الذين رشحوا أنفسهم، إلا بأصوات قليلة جدا، اعتبرها المراقبون والصحافة السعودية علامة على نكسة هذا الاتجاه وخيبته.
الشعور بالخزي والعزلة الشديدة على المستوى الشعبي، أصبح يلازم فئة الليبراليين، فعلى قناة الحرة، كثيرا ما تبرم كتاب وكاتبات سعوديات من "نفور" المرأة السعودية مثلا من (حقوقها)، حتى وصفت كاتبة سعودية المرأة في المملكة (في معرض الكلام عن قيادة المرأة للسيارة)، بأنها تعرضت لغسيل دماغ على مدى سنين، ويصعب تغيير ذلك!!! معبرة بذلك عن العجز في إقناعها هي نفسها بهذا الموضوع قبل إقناع الرجل!!! ومثل هذا الوصف، الذي يمثل شكلا من أشكال الاستعلاء واليأس، لا يجد معظمهم حرجا في التصريح به، رغم أنه يعتبر استخفافا بعقل وخيارات شعب ناضج واع مميز.
المأزق الليبرالي مرده إلى الحصانة الفكرية والعقدية، التي نشأ عليها المجتمع السعودي، والتي تنظر إلى الاتجاهات الفكرية (المستوردة) نظرة شك وريبة، وإلى الليبرالية بالتحديد، نظرة استنكار واحتقار، خاصة وأنها تمثل الاتجاه الفكري الأمريكي، الذي يمثل محور الشر واحتلال الشعوب في ثقافة المسلمين جميعا.
فالمجتمع السعودي يدرك أن الليبرالية في إطارها الفكري تقوم على حرية الاعتقاد والسلوك، وبرغم أن تلك الحرية قابلة للتقييد بالأسس القانونية (سواء كانت دينية أو غير دينية) المنظمة للحياة (كما يروج ليبراليو المملكة)، إلا أن تلك القوانين نفسها من المنظور الليبرالي الفكري، لا يمكن أن تكون عادلة ما لم تتح حرية الاعتقاد المطلق للفرد والمجتمع، فـ"الردة عن الإسلام"، مثلا هو حق من حقوق الإنسان بالمفهوم الليبرالي، واعتباره جرما يعاقب عليه فاعله مناقض لحرية الإنسان في اختيار معتقده, وبالتالي هو نقيض الليبرالية، وقس عليه الحجاب ونحو ذلك.
فالليبرالية لا تعترف بالهيمنة المطلقة للقوانين والأديان، إنما تعترف بهيمنة تلك القوانين والأديان، ما دامت تحترم جوهر الفلسفة الليبرالية القائم على الحرية الشخصية، حتى لو اصطدمت تلك الحرية بالثوابت المطلقة للدين. وهو ما يعني أن الليبرالية اتجاه حاكم على النظم قبل أن تكون محكومة بها، وهذا هو الحد الأدنى والقاسم المشترك الذي تلتقي عليه الفلسفة الليبرالية في كل مراحل تطورها وبكل أشكالها، وهذا منشأ الرفض القطعي لهذا الفكر المستورد عند المجتمع السعودي.
وبشكل عام، يولد الإحساس بالعزلة لدى الليبراليين إحباطا نفسيا، لا يفتأ مع توفر مقومات التأثير، يتحول إلى ثورة جامحة مصرة على اختراق المجتمع، وتجاهل مكوناته وخصوصياته وثوابته وطبيعته، مهما كلف الثمن.
وباستقراء الوضع، يمكن إجمال ردة فعل الليبراليين الناجم عن العزلة في نقطتين:
* النقطة الأولى: الاستعلاء على الداخل
الاتجاه الليبرالي في المملكة وحتى قبل 11 سبتمبر، يمثل على ما هو عليه من القلة، مكونا من مكونات المجتمع السعودي، وإذا اعتبرنا الاتجاه الحداثي في بعض أشكاله تجليا للاتجاه الليبرالي، فإن التأريخ لوجود هذا الاتجاه سيكون بعد السبعينيات على أقل تقدير، أي مع بداية تشكل الاتجاه الحداثي في المملكة.(3/187)
وإذا ما استثنينا بروز شكل من أشكال هذا الاتجاه على المستوى الرسمي، فيمكن أن نطلق على الليبراليين في مرحلة ما قبل 11 أحداث سبتمبر، اسم (الأقلية الصامتة)، حيث اتسمت هذه المرحلة بالصمت و (الكمون). أما بعد الأحداث، فقد صاروا (الأقلية الناطقة)، وهي مرحلة النطق والاستعلاء.
وفي هذا المرحلة تحديدا، استفاد الاتجاه الليبرالي من الأجواء المحتقنة التي خلقتها المشاريع الأمريكية لمكافحة ما يسمى (الإرهاب)، فأصبحوا طرفا رئيسا في المعادلة تحت مضلة (مكافحة الإرهاب) و (مشروع الإصلاح)، مستفيدين من الرعاية الأمريكية لهم على المسرح السياسي، ومن انكماش الأصوات الغيورة خوفا من أن تنعت بـ (الإرهاب).
وفي هذا المناخ لم يبال الليبراليون بحجم وضعهم في خريطة المكونات السياسية بالمملكة، فجردوا أقلامهم مستعلين على تلك الخريطة برمتها، وخاضوا (إلى يومنا هذا) معارك شرسة على مستوى الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، جسدت في نظر خصومهم الاستعلاء على الدين والقيم والثوابت والخصوصيات، وهو ما تجلى على صفحات الجرائد تحديدا في جدالات طويلة وردود تتنقل إلى الإعلام المرئي والمسموع، خاضها علماء ولأول مرة مع خريجي جامعات تكساس وكاليفورنيا.
وبرغم استحواذ الليبراليين (الأقلية الناطقة) على نصيب الأسد في الإعلام، فالمتابعون للشأن يقررون أن منهجية الاستعلاء التي تبناها الاتجاه الليبرالي، زادت من عزلته في المجتمع، وانكشفت في خضمها حقائق خطيرة عن هذا الاتجاه، زل بها لسانه، عن الدين والمجتمع والقيم.
وهذا في حد ذاته ولًّد شعورا بالنقمة على (التيار الديني)، كما ينعته الليبراليون. ومن تجليات تلك النقمة، وضع كافة رموز هذا التيار من دعاة وعلماء ومصلحين ومناشط ومدارس دعوية ومناهج تعليمية في سلة واحدة، هي سلة الإرهاب والتحريض عليه.
وإذا أخذنا الدكتور سلمان العودة، كأنموذج وواحد من الدعاة الفاعلين على الساحة، سنجد موقفه واضحا من دعوى التحريض التي يدعيها اللبراليون على التيار الديني والمناهج وما إلى ذلك، فقد قال في مقال له بعنوان (حوار أم تصادم) ما نصه: "وأجد أنه بسبب أحداث العنف التي تشهدها البلاد، برزت أطروحات إعلامية مدعومة من بعض أطراف رسمية بصورة علنية؛ تحضّر ـ ولو بغير قصد ـ لنوع من الصدام داخل المجتمع تحت دعوى مكافحة الإرهاب، مع توسيع مصطلح الإرهاب؛ ليشمل مع العنف الأفكار المتشددة التي لا تخلق عنفًا, والاتجاهات المعتدلة التي لا تتفق مع مشربهم!! وثمة صوت جريء يُعلن الانقلاب على كثير من قيم وموروثات المجتمع، ويسعى لتمرير هذه الأجندة من خلال إدراجها ضمن مشروع ((مكافحة الإرهاب)) ".
وممن تبنى هذا الاتجاه الاستعلائي الإقصائي الأكاديمي المثير للجدل حمزة بن قبلان المزيني، والذي أصبح ينعت بمحامي التيار الليبرالي، لكثرة كتاباته وجدالاته مع العلماء والدعاة، وآرائه الجريئة بخصوص ما ينعته بتيار الصحوة عموما.
إذا أخذنا هذا الرجل كمثال، نجده يمثل حالة من الاستعلاء الليبرالي النادر، فهيئة كبار العلماء أو ما ينعته هو بـ (المؤسسة الدينية التقليدية) في نظره، مجرد حجر في طريق الإصلاح، بمفاهيمها التقليدية عن القضايا الاجتماعية، ومنها قضية المرأة كمثال.(3/188)
وحتى مع قصوره الفاحش عن أهلية الفتوى والتمرس على علوم الشريعة، نجد له ردودا مطولة على العلماء (في قضايا العبادات)، يسفه فيها الآراء، ويمثل فيها التعالم والاستعلاء. وفي قضية المرأة، شن هجوما عنتريا على كتاب حراسة الفضيلة للشيخ بكر أبو زيد، سفه فيه منهجيته، واتهمه بالقصور العلمي في طرح الخلاف بين العلماء، وبرغم تصريحه بأن الكتاب حطم أرقاما مهولة في المبيعات، إلا أنه نصح المسلمين بعدم شرائه، والله وحده يعلم هل لعلم أوتيه وحده وغاب عن المسلمين، أم لحالة استعلاء ولدها الحسد.
وفي قضايا التعليم، عرف بهجومه الشرس، واتهامه بعض المعلمين والمناهج التعليمية بالتحريض على الإرهاب، بل اتهم السياسة التعليمية بكونها احتوت على بنود مستقاة من منهج الإخوان المسلمين، وأن التعليم اختطف من قبل (الصحويين) منذ بداية الثمانينيات، وذلك سبب ما يسميه (تفريخ الإرهاب).
ويعتبر بعض المعلقين أن المزيني تجاوز الحد في اتهام المناهج إلى اتهام السياسات، وأن اعتباره فترة الثمانينيات بداية للتعليم المحرض على الإرهاب (في نظره)، فيه جناية على تاريخ المملكة وسياستها التعليمية واتهاما ضمنيا للدولة، سيما وأن المسؤولين في الدولة، كبارا وصغارا، في تصريحاتهم المنقولة، لا يرون لسياسة المملكة، سواء في التعليم أو في غيره، يدا في نشأة ما يسمى (الإرهاب).
وحتى على مستوى الحوار الوطني، ثار المزيني مستعليا في وجه رئيسه الشيخ صالح الحصين، معربا عن تذمره من استحواذ التيار الديني على مقاليد الأمور، كما دخل في جدل مطول مع الشيخ صالح الفوزان، اعتبر فيه أن لا مجال لتصنيف المجتمعات إلى مسلمة وكافرة في زماننا هذا، متذرعا بوجود أقليات مسلمة في تلك المجتمعات، فكان استعلاؤه هذه المرة في أبواب العقيدة.
ولم تقف به عقدة اتهام الدعاة والمصلحين والعلماء بالتحريض على الإرهاب إلى هذا الحد، فقد اعتبر كل من ساعد المجاهدين في البوسنة مثلا محرضا ومنظرا لهذا الفكر، فاتهم الشيخ الدكتور سعد البريك بالتحريض على الإرهاب، لأن له شريطا عن البوسنة والهرسك، وأنساه شيطانه الليبرالي أن في هذا اتهاما للمملكة برمتها، بقادتها وعلمائها وشعبها، فكلهم انخرطوا في مساعدة البوسنيين على دحر الصرب، والعالم بأسره، كان ولا يزال ضد إرهابه، وهي مسألة لا تحتاج إلى نقاش.
وعقدة اتهام الآخر بالتحريض بلغت حدها عند المزيني، بعد أن اعتبر في مقال له تصريحات وزير الداخلية السعودي (زادا للمحرضين)، وطالب وزارة الداخلية بالتحقيق في المسألة، وكان الوزير أعلن في وقت سابق عن وجود كتاب لهم صلات مشبوهة بالسفارات، وهو ما أثار حفيظة الليبراليين في المملكة.
* النقطة الثانية: الاستقواء بالخارج
فرغم تنكره لوجود صلات له من قريب أو من بعيد بأمريكا، يبقى الاتجاه الليبرالي متهما من قبل العديد من الجهات المحلية، بوجود علاقة ما تربط بعض رموزه بسفارات محددة. وإذا صح أن للاتجاه الليبرالي في المملكة ارتباطا بسفارات توجهه (ولن تكون غير الأمريكية والبريطانية)، فإن مرد ارتماء هذا الاتجاه في أحضان الغرب، ما هو إلا تنفيس عن حالة العزلة الشعبية التي يعيشها في الوطن.
ولا أحد من المتابعين لطبيعة الشراكة بين الليبراليين العرب وأمريكا، ينفي وجود تنسيق سري وعلني بين الليبراليين العرب والمشروع الأمريكي في المنطقة، فحتى العديد من الليبراليين لا يرون بأسا بتلقي الدعم الأمريكي بكل أشكاله، ويرون ذلك ضرورة من ضرورات الإصلاح.(3/189)
وفي حالة العراق ولبنان وبعض الحركات الليبرالية في مصر، مثال واضح على ذلك. لكن هذا لا يعني خلو الاتجاه الليبرالي ـ على علاته ـ من الوطنيين الأحرار، وهم الذين لا تكاد تجد لهم نفوذا يُذكر على المستوى السياسي.
جمال خاشقجي مدير جريدة الوطن، كان له مقال حذر فيه الليبراليين من أن يؤدي بهم الإحساس القاتل بالعزلة الجماهيرية إلى الاستقواء بأمريكا ماديا ومعنويا، فكتب نصيحة مطولة، بعنوان: (إلى السادة أعضاء حزب أمريكا في العالم العربي)، وخطابه وإن كان عاما، ففي ثناياه ما يدل على أنه موجه لبني قومه من الليبراليين السعوديين.
وإذا رجعنا إلى فترة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، سنجد الصحافة السعودية تناولت وجود علاقات مشبوهة لكتًّاب سعوديين بالسفارات الأجنبية، بما فيها تلقي توجيهات محددة تؤطر مواضيع الكتابة لخدمة أهداف تلك السفارات، ولو كانت على حساب الوطن!!
ومنذ ذلك الحين، ظل الاتجاه الليبرالي محط هذا الاتهام. حمزة المزيني نفسه، سئل في حوار له مع صحيفة الحياة: هل تعتقد بوجود كتاب لهم صلات بالسفارات، فأجاب: أنا قطعا لست منهم، برغم أن السؤال لم يكن: هل أنت منهم!!
والمتتبع للحراك الفكري في المملكة، يلمس حضورا شبه يومي لهذا الموضوع في ثنايا المقالات والردود، فحتى بعد تصريح وزير الداخلية القديم بوجود تلك الصلات وتهديده لكتاب معينين بالعقاب جزاء علاقاتهم بجهات مشبوهة، فإن الموضوع بقي محط جدل كبير، لدرجة أن محامي الليبراليين (كما يوصف) حمزة بن قبلان المزيني، تحدى هذا التصريح، ناعتا إياه بـ"أسوء الاتهامات" و"الافتراء"، وطالب بفتح تحقيق في المسألة.
ولم يقف حمزة عند الاستنكار والهجوم على كل من صرح بوجود تلك العلاقات، بل اعتبر تقرير مؤسسة "راند" لهذا العام بهذا الخصوص، مجرد ثرثرة. (في مقال له نشرته جريدة الوطن بعنوان "الثرثرة الراندية"). ففي نظره، أن ما تدعيه مؤسسة راند من دعمها لليبراليين العرب عموما في إطار مشروع حرب الأفكار الأمريكي، هو مجرد هراء وثرثرة، وهو ما يجسد حالة الهذيان الفعلي الذي انحدر إليه رموز التيار الليبرالي في المملكة.
ما كانت الأقلية الليبرالية في العالم العربي لتنطق على هذا النحو، برغم عزلتها شعبيا وحجمها المحدود، لولا حاجة الحكومات العربية المغلوبة على أمرها إلى أدوات مناورة، تواجه بها الضغوط الأمريكية، التي ازدادت في السنين السبع الأخيرة، فمعيار الإصلاح إنما يكون برعايتهم، فالعلاقة بين الليبراليين (حزب أمريكا) وبين حكوماتهم إذن، ليست لوجه الله، وإنما هم شر لا بد منه، وهذا ليس مبررا لتمكينهم، بقدر ما هو توصيف دقيق لطبيعتها.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/190)
من أسباب الانحراف الفكري قلة الفقه في دين الله
إبراهيم بن عبد الله الزهراني
الدين الإسلامي مبناه على الوحي؛ قال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ} (الأنبياء:45)،وقال تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً} (النساء: من الآية113).
وفرض الله على الناس اتباع سنة رسوله صلى الله عليه وسلم؛ فقد دل القرآن على أن من أطاع الرسول صلى الله عليه وسلم، فهو مطيع لله؛ كما قال تعالى: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً} (النساء:80) وقال تعالى: {قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (آل عمران:31). فإقامة الدين على الوجه المطلوب شرعا لا تحصل إلا بالعلم بكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. قال أبو حمزة البزاز: " من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلا متابعة الرسول في أقواله، وأفعاله، وأحواله" ولذلك أمر المولى تبارك وتعالى بطلب العلم؛ فقال: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد:19)، وندب المؤمنين إلى التفقه في الدين؛ فقال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122)، وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ).
وللعلم بالكتاب والسنة طرق، وآلات، من يسرها الله له، وأراد به خيرا فَقُه في دين الله، ومن تنكب تلك الطرق، وحرم آلات العلم، لم يعرف دينه؛ ومن لم يعرف دينه، لا يكون فقيها، ولا طالب فقه.
فمن طرق اكتساب العلم، التعلم؛ كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة:122). وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما العلم بالتعلم، والفقه بالتفقه). فالعلم بكتاب الله وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم سبيله بذل الجهد في طلبه، والأخذ من أفواه العلماء الربانيين؛ المشهورين بالديانة، المعروفين بالستر والصيانة؛ الذين قد ارتقت في العلم درجتهم، وعلت فيه منزلتهم. ولا يكون العالم ربانيا إلا إذا عمل بعلمه؛ قال ابن الأعرابي: " إذا كان الرجل عالما، عاملا، معلما، قيل له رباني، فإن خرم خصلة منها، لم يقل له رباني " وكذلك يؤخذ العلم عن الأكابر؛ فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: " لا يزال الناس بخير ما أخذوا العلم عن أكابرهم، فإذا أخذوه من أصاغرهم وشرارهم هلكوا" ولا يؤخذ عن مبتدع، ولا كذاب، ولا سفيه؛ كما قال الإمام مالك:"لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السفه، وإن كان أروى الناس، وصاحب بدعة يدعو إلى هواه، ومن يكذب في حديث الناس، وإن كنت لا أتهمه في الحديث، وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدث به ".(3/191)
ومن آلات العلم، الذكاء، وسرعة الفهم؛ فإن الإنسان إذا رزقه الله تعالى الذكاء، سهل عليه طلب العلم، وعقل مسائله؛ وإذا لم يكن كذلك لا يستطيع أن يحقق بغيته. قال ابن المعتز: "كما لا ينبت المطرُ الكثيرُ الصخرَ، كذلك لا ينفع البليد كثرة التعليم" وبهذا نعلم أن قلة الفقه في الدين تحصل بسبب نقص الآلة، وعدم التفقه في نصوص الوحي، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم بالطرق المعتبرة. فالإنسان إذا طلب العلم ممن لم ترسخ في العلم قدمه، أو كان صاحب هوى وبدعة، أو استقل بنفسه في الطلب، واكتفى بمطالعة الكتب، كان حريا ألا يصل إلى مرتبة الفقه في دين الله روى الخطيب البغدادي عن سليمان بن موسى قال: "لا تقرؤا القرآن على المُصَحِّفين، ولا تأخذوا العلم من الصَّحفيين" وروى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة، فيها قول رسول صلى الله عليه وسلم، واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف المتروك، وبالإسناد القوي من الضعيف، فيجوز له أن يعمل بما شاء، ويتخير ما أحب منها؛ يفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم ".
إن الإسلام دين يدان به لله عز وجل، وهذا الدين لا يتم إلا بعلم مستقى من مشكاة النبوة؛ ولذلك فإن من الواجب على الإنسان أن يجتهد في اختيار من يأخذ عنه العلم؛ كما قال الإمام مالك: " إن هذا العلم دين، فانظروا عمَّن تأخذون دينكم ".
بعض الآثار المترتبة على قلة الفقه في الدين:
1. ترؤس الجهّال:
إن من أعظم ما تبتلى به الأمة، ويفرق كلمتها، ويشتت صفها أن يتصدى لإرشاد الناس، ودعوتهم، وتعليمهم أمور دينهم من لم يكن من الراسخين في العلم، أو كان صاحب هوى وبدعة؛ لأن مثل هذا يفسد أكثر مما يصلح. أخرج البخاري عن عبدِ اللهِ بنِ عمرو بن العاص قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: (إنَّ اللهَ لا يَقبِضُ العِلمَ انتزِاعاً يَنتزِعُهُ من العِبادِ، ولكنْ يَقبِضُ العِلمَ بقَبض العُلماءِ، حتى إِذا لم يُبقِ عالماً اتخذَ الناسُ رُؤُوساً جُهَّالاً فسُئلوا فأفْتَوا بغير علمِ فضلُّوا وأضَلُّوا).
2. عدم معرفة مقاصد الشرع:
وقد أشار الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هذا عندما قال له الرجل: اتق الله يا محمد!، فقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ مِنْ ضِئْضِئِ هَذَا - أَوْ في عَقِبِ هَذَا - قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، لاَ يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ)، فهم أخذوا أنفسهم بقراءة القرآن، ولم يتفقهوا فيه، ولم يعرفوا مقاصده. إن الله سبحانه وتعالى أنزل كتابه بلسان عربي مبين، وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك، ولذلك فإن طلب فهم القرآن إنما يكون من هذا الطريق، فإنه لا يعلم من إيضاح جُمَلِ عِلمِ الكتاب أحدٌ جهل لسان العرب، وكثرة وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها. ومن علمه انتفت عنه الشبه التي دخلت على من جهل لسانه.
وإذا كان الأمر كذلك، فيجب على من يتكلم في القرآن والسنة أن يكون له بصر بلسان العرب، ومعرفة بأساليبهم، وطرائق كلامهم. قال الشاطبي "فإذا كان الأمر على هذا لزم كل من أراد أن ينظر في الكتاب والسنة أن يتعلم الكلام الذي أديت به، وأن لا يحسن ظنه بنفسه قبل الشهادة له من أهل العربية بأنه يستحق النظر، وأن لا يستقل بنفسه في المسائل المشكلة التي لم يحط بها علمه دون أن يسأل عنها من هو من أهلها. فإن ثبت على هذه الوصاة، كان ـ إن شاء الله ـ موافقا لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام".(3/192)
إنَّ تكلُّم من لا يعرف لسان العرب في أمور الشرع، واستنباطه الأحكام دون أن يتمكن من آلة فهم الكتاب والسنة يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والقول على الله بغير علم.
3. اتباع المتشابه من نصوص الكتاب والسنة وترك المحكم:
قاعدة الشريعة، وطريقة الراسخين في العلم الإيمان بالكتاب كله محكمه ومتشابهه؛ كما قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُولُو الأَلْبَابِ} (آل عمران:7) أخرج الإمام أحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: (لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به حمر النعم، أقبلت أنا وأخي، وإذا مشيخة من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم جلوس عند باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حجرة، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها، حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مغضباً، قد احمرّ وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول: مهلاً يا قوم! بهذا أهلكت الأمم من قبلكم؛ باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه).
فقد دلت هذه النصوص على أن في كتاب الله من لا يفهمه إلا من رزقه الله الفهم والبصيرة؛ فإن التشابه الذي لا تمييز معه، قد يكون من الأمور النسبية الإضافية؛ بحيث يشتبه على بعض الناس دون بعض. ومثل هذا يعرف منه أهل العلم ما يزيل عنهم هذا الاشتباه، فليس لكل أحد أن يقول فيه برأيه بل يكله إلى عالمه. قال الربيع بن خثيم: "يا عبد الله! ما علمك الله في كتابه من علم، فاحمد الله، وما استأثر عليك به من علم، فكله إلى عالمه، ولا تتكلف؛ فإن الله عز وجل يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ *إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} (صّ:86 ـ 88).
إن ضلال كثير من أصحاب الغلو، وانحرافهم كان بسبب ردهم للمحكمات من النصوص، وأخذهم بالمتشابهات. قال عمر بن الخطاب صلى الله عليه وسلم: إنه سيأتي أناس يأخذونكم بشبهات القرآن فخذوهم بالسنن؛ فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله " وبين الشاطبي ذلك بقوله: " ومما يوضح ذلك ما خرجه ابن وهب عن بكير أنه سأل نافعا: كيف رأي ابن عمر صلى الله عليه وسلم في الحرورية؟ قال: يراهم شرار خلق الله إنهم انطلقوا إلى آيات أنزلت في الكفار، فجعلوها في المؤمنين. فسرّ سعيد بن جبير من ذلك، فقال: مما يتبع الحرورية من المتشابه قول الله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (المائدة: من الآية44)، ويقرنون معها {ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} (الأنعام: من الآية1)، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق، قالوا: قد كفر، ومن كفر عدل بربه، (ومن عدل بربه) فقد أشرك، فهذه الأمة مشركون، فيخرجون فيقتلون ما رأيت؛ لأنهم يتأولون هذه الآية ".
4. الأخذ ببعض الأدلة وترك ما سواها:(3/193)
إن طريق الأئمة الراسخين في العلم النظر في جملة أدلة الشريعة، ومن ثم استخراج الحكم؛ لأن أدلة الشرع كلية وجزئية، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، فاستخراج حكم قضية من القضايا يحتاج إلى النظر في الأدلة بحسب ما ثبت من كلياتها وجزئياتها المرتبة عليها، وعامها المرتب على خاصها، ومطلقها المحمول على مقيدها، ومجملها المفسر ببينها، إلى ما سوى ذلك من مناحيها؛ لأن أخذ الحكم من دليلٍ دون نظرٍ إلى ما يعارضه، أو يقيده، أو يخصصه، أو تطبيق الحكم دون النظر في تحقق المناط، يؤدي إلى نتائج خاطئة، وأحكام غير صحيحة، وضرب للأدلة ببعضها.
لقد كانت نتيجة مثل هذا النظر في الأدلة مؤلمة وقاسية على الأمة الإسلامية على امتداد تاريخها، فقد أُخرِج أقوام من دين الله، وسُفكت دماء، واستحلت أموال، وانتهكت أعراض، وخُربت أوطان، وتسلط ظلوم غشوم طاغ على بلاد المسلمين، وأحال أمنهم خوفا، وعزهم ذلا، وغناهم فقرا.
5. عدم النظر إلى مآلات الأفعال:
قاعدة الشريعة التي لا تنخرم، تحقيق المصالح ودرء المفاسد؛ ولذلك كان النظر إلى ما يؤول إليه الفعل، وهل يحقق مصلحة، أو يدرأ مفسدة؟ من الفقه في دين الله.
والأصل في ذلك قوله تبارك وتعالى: {وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (الأنعام:108)، فمنع الله تعالى في كتابه أحدا أن يفعل فعلا جائزا يؤدي إلى محظور.
يقول الشاطبي - رحمه الله -: " النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعا؛ كانت الأفعال موافقة، أو مخالفة. وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة عن المكلفين بالإقدام أو بالإحجام، إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ (فقد يكون) مشروعا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد فيه. وقد يكون غير مشروع؛ لمفسدة تنشأ عنه، أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك. فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية، فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوى المصلحة، أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعا من إطلاق القول بالمشروعية. وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية، ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي، أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية. وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق، محمود الغب، جار على مقاصد الشريعة".
وعملا بهذا الأصل لم يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم عَبْد اللَّهِ بْنُ أُبَىٍّ حينما قال: لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنْهَا الأَذَلَّ، وعلل ذلك بقوله: (لاَ يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ) ولم يهدم البيت ثم يعيده على بناء إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقال لعَائِشَةَ - رضي الله عنها-: (لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ، فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ في الْبَيْتِ، وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ في الأَرْضِ)، وحرُم تغيير المنكر إذا كان يستلزم ما هو أعظم منه شرا. ولو تأمل المنصف في كثير من الأحداث التي عصفت بالأمة الإسلامية؛ في الماضي، والحاضر، لوجد أن سببها يرجع في الغالب إلى إهمال هذا الأصل.
إن إهمال النظر إلى ما يؤول إليه الفعل، يفسر لنا ما نراه من بعض الناس من حماس زائد، واندفاع متهور، وعواطف ملتهبة، عند وقوع بعض الأحداث التي تعصف بالأمة؛ فترى أولئك يفقدون الحكمة، ويسارعون في رد الفعل دون تروٍّ، ويتسابقون في اقتحام الميادين الصعبة، والمسالك الوعرة، دون تثبت، ولا مشاورة كبير أو صغير. وبعد أن تنجلي الأحداث، وتهدأ العاصفة يتبين لأولئك الغيارى! أن عاقبة سعيهم لم تكن محمودة، وان ثمرة جهدهم لم تكن بقدر ما بذلوه من جهد، وأن الأمر لم يكن بمثل ما تصوروه، وأن العاقبة كانت أشد وقعا، وأعمق أثرا، وأكثرا ضررا.
المصدر: شبكة القلم الفكرية(3/194)
كيف تكون قارئاً عظيما للكتب
سلطان الدويفن
هذه عشر خطوات؛ لتطوير مهاراتكَ في القراءة؛ حتى تكونَ منَ المتمَكِّنينَ فيها، ولتصبح منَ القُرَّاء الكبار، اخترتُها لك - عزيزي القارئ - من بين عشرات المقالات باللغة الإنجليزية المنشورة في هذا الموضوع، وقمْتُ بترجمتها بتصَرُّف، وهي للمدرب المتخصص في التنمية وتطوير المهارات السيد: ( Jim M. Allen جيم الين)، وتأتي على النحو التالي:
1 - ليس منَ الضروري أن تكونَ قارئًا سريعًاً لتحصلَ على الفائدة:
فبعض الناس يقرأ بسرعات عالية، وآخرون يقرؤون بسرعات متوسطة، والبعض الآخر يقرأ ببُطْء؛ للحصول على كلِّ المعلومات، والسرعةُ في حقيقة الأمر ليست بالأهمية الكبيرة؛ بلِ المهم الحُصُول على الفائدة التي تريدها وتتوَخَّاها من قراءة الكتاب أوِ المقال أوِ المجلة، ودعوني أخبركم سرًّا، لا يُقال في دورات القراءة عمومًا، ودورات القراءة السريعة خصوصًا، وهو أن طبيعة وموضوع الكتاب تفرض عليك سرعة قراءته؛ حتى تستفيد منه الاستفادة المُثْلى، فالكُتُب التي تعتني بجمع المقالات مثلاً؛ ككتاب "مقالات لكبار كتَّاب العربية في العصر الحديث"؛ للشيخ محمد إبراهيم الحمد، والذي أنصح بقراءته؛ لما يَحْوِيه من فوائدَ جميلةٍ، ومقالات متميزة، والتي توجد نسخته الإلكترونية كاملة على بعض مواقع الإنترنت - يمكن قراءته بالطريقة السريعة، وأما عندما تتناول أحد الكُتُب الفقهيَّة المتخصصة، أو الكُتُب الفكريَّة العميقة لتقرأه، فطبيعة الكتاب تجبرك وتفرض عليك فرضًا أن تقرأه ببطْء، أو بسرعة متوسِّطة؛ حتى تستوعبَ ما فيه؛ لذلك فسرعة القراءة تتفاوت حسب طبيعة الكتاب وموضوعه، وتذَكَّر دائمًا أنَّ المهم هو الحُصُول على الفائدة، وليس إنهاء الكتاب بسرعة أو بسرعة عالية.
2 - اعرف: لماذا تقرأ؟
فيجب عليك أن تعرفَ هدفكَ قبل القراءة، والذي بناء عليه تقوم باختيار الكتب التي ترتقي بإدراككَ ومعارفكَ، فهل أنت تقرأ للتسلية والمتعة؟ أو تقرأ للتعلُّم المستمر، الذي يطوِّر من مفاهيمكَ ومعارفك وقدراتك، ونظرتك للحياة والكون، والحكم على الأشياء، وبناء وتكوين شخصيتك الثقافية والقيادية والفكرية التكوين المناسب؛ حتى تكون مؤثِّرًا في محيطكَ والمجتمع من حولكَ؟
3 - أنت لا تحتاج أن تقرأ عنْ كلِّ شيءٍ:
فليس كل كتاب، أو مجلة، أو بريد إلكتروني تحتاج إلى قراءته أو قراءتها، فمُعظم المجلاَّت والرسائل الإلكترونية في حقيقتها لا تحتوي على ما ينفعكَ؛ لذلك منَ المهم أن تتحكَّم فيما تقرأ، والوقت التي تبذله في القراءة، واخترِ الكتاب الذي يتناسب مع تخصصكَ واهتماماتكَ ومجالك الذي تريد أن تبرزَ فيه.
4 - ليس منَ المهم أن تقرأ الكتاب أو كل شيء يقع في يدك:
فهل تقرأ كل المقالات في المجلة التي تقع تحت يدك؟ وهل تقرأ كل أجزاء وفُصُول الكتاب؟
في حقيقةِ الأمر إذا سرتَ بطريقة قراءة كل شيء، فأنت قد تقرأ فصولاً أو مقالات كثيرة لا تحتاجها فعلاً، فقط اخترِ الأجزاء المهمة منَ الكتاب، والتي يهمك قراءتها، وتتفق مع ما تبحث عنه من فوائد أو معلومات، وكذلك كنِ انتقائيًّا في قراءتك للمقالات، وقد ذَكَر أحد المفكِّرينَ الكبار أنَّ عقلكَ ينتج بحسب ما تضعه فيه، فهو كالطاحونة إن وضعتَ فيه قمْحًا جيدًا، أخرج دقيقًا جيدًا، وإن وضعتَ فيه غير ذلك، أخرج ما وضعته فيه، فاحرِص على ما تضعه في عقلك الذي يعتبر الأداة الرئيسة لك للحكم والتعامُل مع العالَم، والمشكلات، والتصوُّرات، والأفكار، وهو مصدر بناء شخصيتكَ، والأمر راجعٌ إليك، ولا يشارككَ فيه أحدٌ.
5 - اختبر حالتكَ النفسية والمزاجية قبل أن تبدأَ في القراءة:(3/195)
فحالتُكَ النفسية والمزاجية مهمة جدًّا قبل البَدْء في القراءة، وفي الأوقات المخَصصة لها، فعندما تكون صافيًا ذهنيًّا وغير مرهقٍ، فيُمكنكَ قراءة الكتب الدسِمة التي تحتاج إلى تركيزٍ كبيرٍ، وإن كنتَ تحس بالإرهاق أوِ التَّعب، فاخْتر ما يناسبكَ منَ الكُتُب السهلة والخفيفة، والتي لا تحتاج إلى مجهودٍ في قراءتها.
6 - قمْ بترتيب أولوياتكَ في القراءة:
اجْعل قراءتك حسب أولوياتكَ، فإذا كنتَ تنوي تأليف كتاب، أو كتابة بحث أو مقال، فيجب أن تكون قراءاتكَ في الموضوع الذي تنوي الكتابة فيه، وهذه نصيحة مهمة جدًّا لمن أراد أن يستمرَّ في القراءة، وهو أن تجعلَ من ضمن أهدافك منَ القراءة إنتاج أفكار ورؤًى وتصورات جديدة، قد تتَّصف بالإبداع لما قرأت فيه وعنه، وذلك من خلال تأليف الكتب أو كتابة البحوث والمقالات، وهذا - من واقع التجربة والخبرة من قِبَل كثيرينَ - يدفعكَ للاستمرار في القراءة، وهو من أهم الدوافع فيها.
7 - حَسِّن ورَتِّب وهَيئ مكان قراءتكَ:
فأنتَ سوف تقرأ وتستوعب بشكلٍ أفضل، إذا كان المكان الذي تقرأ فيه مرتَّبًا ومُهَيَّأ بشكلٍ يساعدك على القراءة، وتعتبر راحتكَ في وضعيَّة الجلوس عاملاً مهمًّا للاستمرار في القراءة، وكان علي الطنطاوي - الشيخ، والداعية، والأديب، والمربِّي الفاضل، وأحد أكابر القرَّاء العرب في العصر الحديث - قد رَتَّب وسائد بأحجام مختلِفة يضعها خلف ظهره، أو يَتَّكئ عليها حسب الوضعيَّة التي تساعده أن يكونَ في راحة تامَّة أثناء القراءة.
8 - إذا بدأتَ في القراءة لا تتوقَّف:
اقرأ مباشرةً، ولا تتوقَّف إلاَّ لسببٍ ضروري وقاهرٍ يجبركَ على التوقف عن القراءة، وإذا انتهيتَ منَ القراءة وكان لديك أسئلة، عُد مرَّة أخرى لفصول الكتاب؛ للبحث عن أجوبة للأسئلة التي وردت في ذهنكَ، أوِ ابْحث عنِ الإجابة في كُتُب أخرى، وإذا كنتَ لا تملك أسئلة، فأنتَ في حقيقة الأمر قد حصلتَ على ما تحتاج إليه، والأسئلة مفتاح خيرٍ عظيم لِمَن أراد التطوُّر المستمر في شخصيته وتكوينه الفكري والقيادي، وأذكر أنِّي حضرتُ ملتقى التميز والإبداع الإداري، الذي نظمتْه الجمعية السعودية للإدارة، وعقد في مدينة الرياض في الفترة 8 - 10 صفر 1428 هـ، وكان من ضمن المشاركين في البرنامج العلمي البروفسور مايكل ماركورت، من جامعة جورج واشنطن بالولايات المتحدة الأمريكية، والذي ألقى محاضرةً بعُنوان: "القيادة في القرن الحادي والعشرين: الأسئلة أولى منَ الإجابات"، ومع أن مدَّة مشاركة البروفسور كانت ربع ساعة تقريبًا؛ إلاَّ أنها من أجمل وأروع المشارَكات في ذلك الملتقى، وعادتْ عليَّ شخصيًّا بفوائدَ جميلةٍ؛ وذلك لسبب يسيرٍ جدًّا، وهو أنَّ المحاضَرة - وبصورةٍ أساسية - تعطي منهجًا، ولا تعطي معلومات، ومَن يمتلك معلومات فكأنما امتلك قطعة ذهبيَّة، وأما مَنِ امتلكَ منهجًا فكأنما امْتَلَكَ مَنْجَمًا منَ الذَّهَب، وما أريد أن أصل إليه من خلال هذه القصة هو التالي:
مَن أراد التميُّز فعليه أن يدفعَ ثمن تكاليف أسئلة تبدأ بـ: "لماذا؟ وماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ وماذا لو؟ وهل؟ وغيرها منَ الأسئلة، ويبذل جهده، وتعبه، وعرق جبينه، وشيئًا من راحته النفسيَّة؛ للحُصُول على إجابات لتلك الأسئلة مقابل التميُّز والتفرُّد الذي ينشده؛ لأن ضريبته باهظة، خصوصًا مَن كان يريد نجاحًا وتميُّزًا ذا معنى حقيقيٍّ، وليس زائفًا، وفرق كبيرٌ بين المعنيينِ.(3/196)
9 - رَكِّز: تذَكَّر جيدًا أنكَ تقرأ، ولديك هدف وغرض وغاية من قراءتك؛ لذا يجب عليك التركيز في المادة المقروءة، وإذا فقدتَ التركيز والاهتمام بعد فترة منَ القراءة، يمكنكَ أخْذ راحة، أو قراءة كتاب آخر، والمهم هو أن تحافظَ على مسارِكَ في القراءة، وحسب المادة التي تقْرَؤها وترجو منها الفائدة الفكرية والذهنية لعقلك، الذي يتطوَّر بشكلٍ مستمرٍّ مِن خلال القراءة، والتَّعلُّم بالطُّرق المختلفة، ولا تنسَ أنَّ القراءة أهم طرق التعلُّم؛ كما تشير إلى ذلك الكثيرُ منَ الدِّراسات.
10 - تدرب ومارس:
إنَّ القُرَّاء الكبار لم يولدوا مِن بين يوم وليلة ورأوا أنفسهم قراءً عظامًا؛ ولكنهم تعبوا وبذلوا الأسباب، وتعلَّموا من أخطائهم؛ سواء في اختيار الكتب أم طريقة القراءة، وفهموا واستوعبوا الدروس من خلال التجربة والخبرة والممارسة، وهذه الطُّرق التي ذكرتُها تعطيكَ جزءًا مُهمًّا وكبيرًا لتطوير مهاراتك في القراءة؛ ولكن يبقى الدور المحوري والرئيس والمهم عليك أنتَ - عزيزي القارئ.
القراءةُ ليستْ هواية كما يظن الكثيرون، ومِن سخف القول أن يجيبَ أحدُهم عندما يُسأل عن هوايته بأن هوايته القراءة، إنها منهج حياة متكامِل وضروري ومهم وحيوي، لمن أراد أن يكونَ مشعل نور وإضاءة، وقائدًا ذا أَثَرٍ في هذه الحياة.
وقبل الرحيل، هذه دعوةٌ لقراءة كتاب "عاشق"؛ للشيخ الدكتور/ عائض القرني، والذي يتحدث فيه عن قصته مع القراءة، وفوائد القراءة، ويستعرض بعض النماذج المبرزة في القراءة منَ السلف الصالح، وهو كتاب يجمع بين المتعة والفائدة، كَتَبَه الشيخ بأسلوبِه الأدبي الرفيع.
المصدر: موقع الألوكة(3/197)
بحث في حكم إسبال الثياب
علوي بن عبد القادر السقاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
26 رجب 1429هـ
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين
أما بعد:
اتفق العلماء على حرمة إسبال الثوب خيلاءً واختلفوا إذا لم يكن ذلك من باب المخيلة والتكبر على قولين:
الأول: الجواز مع الكراهة وهو قول أغلب أتباع المذاهب الأربعة.
الثاني: التحريم مطلقاً وهو رواية عن الإمام أحمد خلاف المشهور عنه، قال ابن مفلح في (الآداب الشرعية 3/ 492): (قال أحمد رضي الله عنه أيضاً: ما أسفل من الكعبين في النار لا يجر شيئاً من ثيابه. وظاهر هذا التحريم) أ. هـ واختاره القاضي عياض وابن العربي من المالكية، ومن الشافعية الذهبي ومال إليه ابن حجر، وهو أحد قولي شيخ الإسلام ابن تيمية وهو قول الظاهرية وبه قال الصنعاني ومن المعاصرين ابن باز والألباني وابن عثيمين وغيرهم وهو ما تؤيده الأدلة، والواجب فيما ما يتنازع فيه الناس أن يرد إلى الكتاب والسنة، قال الله تعالى: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) النساء/59.
والأدلة على التحريم واضحة وصريحة منها: حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار) رواه البخاري، وحديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: (أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي أو ساقه فقال: هذا موضع الإزار فإن أبيت فأسفل فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين) رواه أحمد والترمذي وهو حديث صحيح، وغيرها من الأحاديث.
وسبب صرف هذه الأدلة الصريحة الواضحة عن التحريم عند من لا يقول به وجود أحاديث علقت التحريم بالخيلاء كحديث: (لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء) رواه البخاري ومسلم، فقالوا تلك أحاديث مطلقة وهذه مقيدة فحملوا المطلق على المقيد، وهذا غير صحيح، لأن حمل المطلق على المقيد إنما يكون إذا اتحدا في السبب والحكم وأما إذا اختلفا فالأصوليون متفقون على امتناع حمل أحدهما على الآخر، وهنا عندنا سببان وعقوبتان:
الإسبال وعقوبته النار
الجرُّ - وهو قدر زائدٌ عن الإسبال- وعقوبته ألا ينظر الله إليه
أما القول بأنهما عقوبة واحدة وأن من دخل النار لم ينظر الله إليه ومن لم ينظر الله إليه فمأواه النار فغير صحيح؛ بل هما عقوبتان ولو كان أحدهما يستلزم الآخر، ونظير هذا في القرآن الكريم كثير، كقوله تعالى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} وغيرها من الآيات، وكذا السنة المطهرة.
ومما يؤيد خطأ حمل المطلق على المقيد حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه قال سألت أبا سعيد الخدرى عن الإزار فقال على الخبير سقطت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إزرة المسلم إلى نصف الساق ولا حرج - أو لا جناح - فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو فى النار، من جرَّ إزاره بطراً لم ينظر الله إليه) أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه ومالك. وهو حديث صحيح، صححه النووي وابن دقيق العيد والألباني وغيرهم.
فهذا الخبير بحكم إسبال الإزار رضي الله عنه يروي حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه السببان والعقوبتان وقد فرق بينهما.
كما أن إسبال الثوب وجره يستلزم الخيلاء كما نص على ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله لجابر بن سليم رضي الله عنه: (إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة وإن الله لا يحب المخيلة) رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن.(3/198)
قال الحافظ ابن حجر في الفتح (10/ 264): (وحاصله: أن الإسبال يستلزم جرَّ الثوب، وجرُّ الثوب يستلزم الخيلاء، ولو لم يقصد اللابس الخيلاء، ويؤيده: ما أخرجه أحمد بن منيع من وجه آخر عن ابن عمر في أثناء حديث رفعه: (وإياك وجر الإزار؛ فإن جر الإزار من المخِيلة).
وقال تعقيباً على حديث أم سلمة رضي الله عنها لما سألت النبي صلى الله عليه وسلم: فكيف يصنعن النساء بذيولهن؟ حيث فهمت أن الزجر عن الإسبال مطلقاً ولو من غير خيلاء: (ويستفاد من هذا الفهم التعقيب على من قال إن الأحاديث المطلقة في الزجر عن الإسبال مقيدة بالأحاديث الأخرى المصرحة بمن فعله خيلاء ... ووجه التعقيب أنه لو كان كذلك لما كان في استفسار أم سلمة عن حكم النساء في جر ذيولهن معنى بل فهمت الزجر عن الإسبال مطلقا سواء كان عن مخيلة أم لا) (فتح الباري 10/ 259)
وقال ابن العربي في (عارضة الأحوذي) (7/ 238): (لا يجوز لرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أتكبر فيه؛ لأن النهي تناوله لفظاً، وتناول علته، ولا يجوز أن يتناول اللفظ حكماً فيقال إني لست ممن يمتثله لأن العلة ليست فيَّ، فإنها مخالفة للشريعة، ودعوى لا تسلم له، بل مِن تكبره يطيل ثوبه وإزاره فكذبه معلوم في ذلك قطعًا)
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (3/ 234): رداً على من يسبل إزاره ويقول لا أفعل ذلك خيلاء: (وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فَرَجِيَّة (الفَرَجِيَّة: ثوب واسع فضفاض كان ملبوس العلماء والقضاة) تحت كعبيه، وقيل له: قد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار)، يقول: إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء، وأنا لا أفعل خيلاء؛ فتراه يكابر، ويبرئ نفسه الحمقاء، ويعمد إلى نص مستقل عام، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء، ويترخص بقول الصديق: إنه يا رسول الله يسترخي إزاري؛ فقال: (لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء)! فقلنا: أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولاً، بل كان يشده فوق الكعب، ثم فيما بعد يسترخي. وقد قال عليه السلام: (إزرة المؤمن إلى أنصاف ساقيه، لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين)، فمثل هذا في النهي من فصَّل سراويل مغطياً لكعابه، ومنه طول الأكمام زائداً، وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس) انتهى
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية تعقيباً على من جعل الإسبال هو السدل: (وإن كان الإسبال والجر منهياً عنه بالاتفاق والأحاديث فيه أكثر، وهو محرم على الصحيح، لكن ليس هو السدل.) (اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 130)
وقال الصنعاني في مقدمة كتابه (استيفاء الأقوال في تحريم الإسبال على الرجال): (وقد دلَّت الأحاديث على أن ما تحت الكعبين في النار، وهو يفيد التحريم، ودل على أن من جَرَّ إزاره خيلاء لا يَنْظر الله إليه، وهو دال على التحريم، وعلى أن عقوبة الخيلاء عقوبة خاصة هي عدم نظر الله إليه، وهو مما يُبْطل القول بأنه لا يحرم إلا إذا كان للخيلاء)
أما استشهاد بعضهم بفعل أبي بكر الصديق رضي الله عنه وقول النبي صلى الله عليه وسلم له: (إنك لست تفعل ذلك خيلاء) فهو استشهاد في غير محله: أولاً: لأن هذا في جرِّ الثوب وحديثنا عن الإسبال والفرق بينهما لا يخفى، وثانياً: هذه تهمةٌ الصديقُ بريءٌ منها فلم لم يكن رضي الله عنه متعمداً الإسبال بدليل قوله: (إنَّ أحد شقي ثوبي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه) فانظر إلى قوله: أحد شقي ثوبي، فهل الإسبال المُتَعَمَّد يكون من شقٍّ واحد؟! وتأمل قوله: إلا أن أتعاهد ذلك منه - أي أرفعه-، وحديثنا عمن يُسبله ابتداءً لا عمن يرفعه كالصديق رضي الله عنه.
والخلاصة:
أن إسبال الثوب ومثله البنطال والسراويل إلى ما دون الكعبين محرَّمٌ بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله خيلاء يزيده حرمة.
والله أعلم(3/199)
التهنئة بالعام الهجري الجديد
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
المشرف العام على مؤسسة الدرر السنية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين أما بعد
فإنَّ التهنئة تكون على أحوال:
إمَّا أن تكون بما يُسَرُّ به المسلم مما يطرأ عليه من الأمور المباحة بكل ما فيه تجدد نعمة أو دفع مصيبة، كالتهنئة بالنكاح، والتهنئة بالمولود الجديد، والتهنئة بالنجاح في عمل أو دراسة، أوما شابه ذلك من المناسبات التي لا ارتباط لها بزمان معين، فهذا من الأمور العادية التي لا حرج فيها، ولعل صاحبها يؤجر عليها لإدخاله السرور على أخيه المسلم فالمباح -كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ((بالنية الحسنة يكون خيراً، وبالنية السيئة يكون شراً)) فهذا بين الإباحة والاستحباب.
وإمَّا أن تكون التهنئة في أزمان معينة كالأعياد والأعوام والأشهر والأيام، وهذا يحتاج إلى بيان وتفصيل، وتفصيله كما يلي:
- أمَّا الأعياد -عيد الأضحى وعيد الفطر- فهذا واضح لا إشكال فيه وهو ثابت عن جمع من الصحابة.
- وأمَّا الأعوام فكالتهنئة بالعام الهجري الجديد أو ما يسمى رأس السنة الهجرية.
- وأمَّا الأشهر فكالتهنئة بشهر رمضان، وهذا له أصل والخلاف فيه مشهور.
- وأمَّا الأيام فكالتهنئة بيوم ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أو بيوم الإسراء والمعراج وما شابه ذلك والحكم فيه معروف وهو من البدع لارتباطه بمناسبات دينية مبتدعة.
وكل هذه التهاني ماعدا الأول منها لم يثبت فيها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة الكرام ولا عن أحدٍ من السلف مع أن موجبها انعقد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة رضي الله عنهم ولم يوجد المانع ومع ذلك لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه فعل ذلك بل قصروا التهنئة على العيدين فقط.
والتهنئة بالعام الجديد لم تكن معروفة عند السلف لكنْ لما شاعت في الأزمنة المتأخرة وسئل العلماء المعاصرون عنها اختلفوا على قولين:
الأول: الإباحة وأنها من العادات، ومن هؤلاء الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله حيث قال: ((أرى أن بداية التهنئة في قدوم العام الجديد لا بأس بها ولكنها ليست مشروعة بمعنى: أننا لا نقول للناس: إنه يسن لكم أن يهنئ بعضكم بعضاً، لكن لو فعلوه فلا بأس، وإنما ينبغي له أيضاً إذا هنأه في العام الجديد أن يسأل الله له أن يكون عام خيرٍ وبركة فالإنسان يرد التهنئة. هذا الذي نراه في هذه المسألة، وهي من الأمور العادية وليست من الأمور التعبدية)) (لقاء الباب المفتوح).
وله رحمه الله كلامٌ آخر ضبط فيه المسألة فقال في ((اللقاء الشهري)): ((إن هنّأكَ أحد فَرُدَّ عليه، ولا تبتدئ أحداً بذلك هذا هو الصواب في هذه المسألة، لو قال لك إنسان مثلاً نهنئك بهذا العام الجديد قل: هنأك الله بخير وجعله عام خير وبركة. لكن لا تبتدئ الناس أنت لأنني لا أعلم أنه جاء عن السلف أنهم كانوا يهنئون بالعام الجديد بل اعلموا أن السلف لم يتخذوا المحرم أول العام الجديد إلا في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه)) وقال في ((الضياء اللامع)) (ص702): ((ليس من السنة أن نُحدث عيداً لدخول السنة الهجرية أو نعتاد التهاني ببلوغه)).انتهى
وقد نقل بعضهم في إباحة هذا الفعل كلاماً غير محرر للقمولي والسيوطي من متأخري الشافعية، ولأبي الحسن المقدسي من الحنابلة، أعرض عن ذكره خشية الإطالة.(3/200)
الثاني: القول بالمنع مطلقاً، وهو الراجح، وممن قال به الشيخ صالح الفوزان حيث سئل عن التهنئة بالعام الهجري الجديد فأجاب: ((لا نعرف لهذا أصلاً، والتأريخ الهجري ليس المقصود منه هذا أن يجعل رأس السنة مناسبة وتُحيا ويصير فيها كلام وعيد وتهاني، وإنما جعل التأريخ الهجري من أجل تمييز العقود فقط، كما فعل عمر رضي الله عنه لما توسعت الخلافة في عهده، صارت تأتيه كتب غير مؤرخة، احتاج إلى أنه يضع تأريخاً تعرف به الرسائل وكتابتها، استشار الصحابة، فأشاروا عليه أن يجعل الهجرة مبدأ التأريخ الهجري، وعدلوا عن التأريخ الميلادي، مع أنه كان موجوداً في وقتهم، وأخذوا الهجرة وجعلوها مبدأ تاريخ المسلمين لأجل معرفة الوثائق والكتابة فقط، ليس من أجل أن تتخذ مناسبة ويتكلم فيها، هذا يتدرج إلى البدع.
سؤال: إذا قال لي شخص: كل عام وأنتم بخير، فهل هذه الكلمة مشروعة في هذه الأيام؟
جواب: لا، ليست بمشروعة ولا يجوز هذا)) أ. هـ انظر: ((الإجابات المهمة في المشاكل الملمة)) (ص229)
والناظر إلى هذه المسألة يجد أن القول بالمنع يتأيد بعدة وجوه فمن ذلك:
1 - أنها تهنئة بيوم معين في السنة يعود كل عام فالتهنئة به تُلحقه بالأعياد، وقد نُهينا أن يكون لنا عيد غير الفطر والأضحى، فتُمنع التهنئة من هذه الجهة.
2 - ومنها أن فيها تشبهاً باليهود والنصارى وقد أُمرنا بمخالفتهم، أما اليهود فيهنئون بعضهم برأس السنة العبرية والتي تبدأ بشهر تشري وهو أول الشهور عند اليهود ويحرم العمل فيه كما يحرم يوم السبت، وأما النصارى فيهنئ بعضهم البعض برأس السنة الميلادية.
3 - أن فيها تشبهاً بالمجوس ومشركي العرب، أما المجوس فيهنئون بعضهم في عيد النيروز وهو أول أيام السنة عندهم ومعنى (نيروز): اليوم الجديد، وأما العرب في الجاهلية فقد كانوا يهنئون ملوكهم في اليوم الأول من محرم كما ذكر ذلك القزويني في كتابه: ((عجائب المخلوقات)). وانظر لذلك كتاب: ((الأعياد وأثرها على المسلمين)) للدكتور سليمان السحيمي.
4 - ومنها أن جواز التهنئة بأول العام الهجري الجديد يفتح الباب على مصراعيه للتهنئة بأول العام الدراسي وبيوم الاستقلال وباليوم الوطني وما شابه ذلك، مما لا يقول به بعض من أجاز التهنئة بأول العام، بل إن جواز التهنئة بهذه أولى حيث لم يكن موجبها منعقداً في زمن الصحابة رضي الله عنهم بخلاف رأس السنة.
5 - ومنها أن القول بجواز التهنئة يفضي إلى التوسع فيها فتكثر رسائل الجوال وبطاقات المعايدة -وإن سموها بطاقات تهنئة- وعلى صفحات الجرائد ووسائل الإعلام، وربما صاحب ذلك زيارات للتهنئة واحتفالات وعطل رسمية كما هو حاصل في بعض الدول، وليس لمن أجاز التهنئة بأول العام الهجري الجديد وعدَّها من العادات حجة في منع هذا إذا اعتاده الناس وأصبح عندهم من العادات، فسدُّ هذا الباب أولى.
6 - ومنها أن التهنئة بالعام الهجري الجديد لا معنى لها أصلاً، إذ الأصل في معنى التهنئة تجدد نعمة أو دفع نقمة، فأي نعمة حصلت بانتهاء عام هجري؟ والأولى هو الاعتبار بذهاب الأعمار ونقص الآجال.
وعليه فالقول بالمنع أولى وأحرى، وإن بدأك أحدٌ بالتهنئة فالأولى نُصحه وتعليمه لأن رد التهنئة فيه نوع إقرار له، وقياسها على التحية قياس مع الفارق!
وصلى الله على نبينا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.(3/201)
الاشتغال بالتوافه
عبدالمجيد بن عبدالرحمن باحص
تمرُّ بنا في حياتِنا اليوميَّة والعامَّة أمورٌ عدَّة، منها ما نصرِفُ النَّظر عنْها؛ لأنَّها لا تستحقُّ، وأخرى نلتفِتُ لَها؛ لِما تَحمِل من مهمَّات قد حوتْها.
وهذه حالة عاديَّةٌ وطبعية، يَمرُّ بِها أيٌّ منَّا ولا يكاد يخلو، بيْدَ أنَّ الذي لا يُسْكَت عنْه، ويُسْتَقبح مَرْآه: أن تَجد أناسًا مِمَّن يعوَّل عليْهِم وتترقَّبهم الآمالُ مشتغلين بالتَّوافِه، مُستأْنِسينَ لها وبها، مهتمِّين لتواجُدِها، داعين لفَرْضِها وعرْضِها.
وكلُّ ما أبعد عن همٍّ، أو أَلْهى عن جِدٍّ، أو اقترن بإثم، أو جاوزَ سدادًا، ولازم إسفافًا، أو التصق بذُلٍّ، فهو جدير أن لا يُوضَع عنده رحلٌ، أو يُبتاع منه متاع، فليس لظامئٍ من سرابٍ إلاَّ التَّزويق والخداع.
إنَّها الرزية أن يُبتلى أحدُنا بالتَّوافه، فينشغل بها لتُلْهِيه عن عمله الأعظم، أو فكره الأفضل أو إصلاحه الأكْبر، فلا يكاد يُقَدِّر للأمور قدْرَها، أو يعرف للمصائب خطَرَها، فليس له ثَمَّة اهتمام، وقد يُشغل أحدُنا بالتَّوافه بِحُجَّة أنَّها من الضروريات أو من الأمور الواجبِ تدارُكها وتعلُّمها، ولو أنَّنا وضعناها في المقياس السَّليم لاتَّضحت التَّوافه من غيْرِها، ولعَلِمْنا ما الجِدّ من الهزْل، وما الصَّحيح من السقيم؟
ولو نظرتَ إلى حال ذلك المستغرق بالتَّوافه، لوجدتَه مُعْرِضًا عن الأمور العظيمة والقضايا الهامَّة؛ بِحُجَّة أنَّ تلك من المستحيلات، أو من الأمور الَّتي لا يُسْتطاع نوالُها، أو من الكماليَّات التي لا حاجةَ لها، أو من ضُروب الخيال التي لا تَكادُ تُوجد إلا في عصورٍ مَضَتْ، وتلك صورةٌ زيَّنها له شيطانُه وأمْلَتْ عليْهِ بِها همَّتُه القاصرة، فأضحى ذليلاً للتَّوافه.
وإنَّك لتعجب، بل تحزن وتُساء، حين ترى جمعًا من النَّاس مِمَّن هم حولَك أو تسمع بهم أو ربَّما تُشاهدهم ـ مِمَّن يُرجى نوالُ عقْلِه أو استِدْرار فِكْره ـ قد غلبتْ عليْهِم تلك البليَّة، فتجِدُهم لاهثين خَلْفَ سخافاتٍ كانت الدُّنيا خيْرَ عارضٍ لها، وكانت فضائيَّات الفساد خيرَ مُلقية لهم، فاستبلدوا واستبلدوا وكان همّ أحدِهم لا يكاد يتجاوزُ شركَ نعلَيْه، من قِصَرِه وضعْفِه وهوانه، فيسرع ليلتقطَ فُتاتَ ما يَجده من توافِهَ؛ ليلقِيَ به على مَن حوله ليحدِّثَهم به، وكأنَّه شأنٌ عظيم قد عَرَض له، وأراد للنَّاس أن يُدْرِكوا حجْمَ ذلك وأن يُشاركوه.
إنَّ الاشتِغال بالتَّوافه يُورثُ صَغار العقْل، وبلادةَ الفهْم، وسطحيَّة التَّفكير، وسذاجة الطَّرح؛ فلا مقياس لديْه كبير، ولا شأن لديْه عظيم، ولا همَّ وهمَّة تدفع طُموحًا، فيصغُر بصِغَر همِّه وعقله، وإقبالِه وشراهتِه على توافهه، فانعدم تَمييزُه، وانعدمت رؤيتُه، وقلَّت بركتُه.
ولعلَّ ظاهرةَ الاشتِغال بالتَّوافه هي أبرزُ سِمةٍ غلبتْ على المجتمع، فأضعفت أصالتَه وأبردَتْ حميَّته، فكان كحملٍ وديعٍ لا يقوى من أَمْره على شيء، أمَّة تأنس ذِئْبَها وتأْمن عدوَّها؛ لتُصْبِح خاويةً خاملةً مخدَّرةً، لا تقدر على أن تَرُدَّ شرًّا أو تَجلب خيرًا، إلا ما شاء الله.
إنَّ التَّاريخ يخبرنا عن رجالٍ مضَوْا، وأناسٍ رحلوا، كيف أنَّ أفعالهم كانت بعيدةً عن التَّوافه، فضلاً عن الاشتغال بها، فكانتْ حياتُهم جدًّا في جِدٍّ، وهمُّهم علوًّا في علو، فكانوا بحق من العُظماء ومن الذين يخلِّد التَّاريخ ذِكْرَهم، وتُمَجِّدُ الأُمَّة أفعالَهم، وشتَّان بينهم وبين مَنْ هُم في ضِدِّهم، وعلى قدْر أهل العزم تأتي العزائمُ.
كم من مفرِّطٍ في أمر، ومتساهلٍ في قضيَّة، ومشتغلٍ بسخافةٍ، لم يشعر بمغبَّة عمله ذلك إلا حينما سبقه الجادُّون في جِدِّهم، وابتعد عنه الناجحون برُقِيِّهم، وارتفع الظَّاهرون بعِلْمهم وعقْلِهم، فكان ضحيَّة فِعْله، نزيلَ جهله، سقيطَ أمره.
وما أصدقَ ما قاله الشَّاعر، حين نبَّه إلى وجوب التنبُّه إلى الأمور العظام، وترك ما دونَها؛ حيث يقول:
إِذَا غَامَرْتَ فِي شَرَفٍ مَرُومِ فَلا تَقْنَعْ بِمَا دُونَ النُّجُومِ
وآخر على طريقِه يسلُك طريقَ التَّنبيه، فيقول:
قَدْ رَشَّحُوكَ لأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَهُ فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الهَمَلِ
فهل وعَى مَن وعى: أنَّ الاشتغال بالتَّوافه موتٌ للقلب، موتٌ للضَّمير، موت للأمَّة؟
وإنَّنا في زمن لا يسمح أن نشتغِل فيه بغير ما يَزيدنا قوَّة ورِفْعة ومنعةً وتقدُّمًا، ولو حاول الأعداءُ استِخْدام وسائِلهم في إيقاف ذلك المدِّ، ولو على حساب راحتِنا؛ لأجل أن نبلغ غايتَنا وما نصبو إليه، مطمئنِّين واثقين، ولن نبلُغَه إلا بالعمل الجادِّ، والتفكير السليم، والإيمان القوي.(3/202)
المثقفون العرب .. المزورون العرب
تأبين محمود درويش نموذجاً
إبراهيم بن محمد الحقيل
التزوير قديم في البشر، وتمجيد من لا يستحق التمجيد داء استبطن كثيرا منهم، وانتقاص من يستحق الثناء علة في أكثرهم، وأكثر من يتحدثون عن الحرية، وينادون بها، ويأسون على غيابها هم أكثر الناس تسلطا واستبدادا لو آل الأمر إليهم، ويخال للمرء وهو يقرأ تباكيهم على الحرية أنهم أول من يسحقها ويصادرها من خصومهم إن تمكنوا منهم، وأنهم لا يهتفون لها إلا ليصلوا بها إلى مصادرتها واحتكارها لهم وحدهم دون سواهم، وأنهم يرمون بصفاتهم القبيحة خصومهم.
وأشهر طاغية مستبد في التاريخ البشري عبَّد الناس لشهواته وآرائه، وكبت حريتهم، وعلا في الأرض كان فرعون الطاغية الذي اتهم موسى عليه السلام بالعلو والكبرياء والفساد في الأرض، وخاطب هو وملؤه المستكبرون موسى وهارون عليهما السلام قائلين {أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الكِبْرِيَاءُ فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ} [يونس:78] وكانت أعظم وسيلة لهذا الطاغية المستبد وملئه هي الافتراء والكذب وقلب الحقائق والتدليس على الناس، والظهور بمظهر الناصح المشفق {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الفَسَادَ} [غافر:26] ولذا كان من نصح موسى عليه السلام لهذا الطاغية وملئه ترك الكذب والافتراء، والبعد عن التزوير على الناس {قَالَ لَهُمْ مُوسَى وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى الله كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى} [طه:61].
وفي عصرنا هذا فإن دهاقنة الإعلام، ومنسوبي الصحافة الموصوفين زورا بالمثقفين يمثلون فراعنة هذا العصر في مجال الكذب والافتراء وتزوير الحقائق؛ لفرض مذاهبهم الضيقة، وتمرير أفكارهم المنحرفة، وصنع الرموز المزورة، وتجاهل العظماء الذين يمثلون حقيقة الأمة ونبضها وثقافتها وفكرها.
تأبين الزنديق محمود درويش:
كان الإعلام العربي بصحفه ومجلاته وفضائياته ينوح ويبكي ويتلو المراثي، وقد توشح منسوبوه السواد حزنا على هلاك رمز من رموزهم المزورة أرادوا فرضه على الأمة، وجعله علما من أعلامها بالكذب والافتراء والاستبداد الإعلامي.
قالوا فيه: (لقد كان صوتا إبداعيا وفكريا، وسيبقى شعره وأدبه وكفاحه مدرسة تلهم الملايين من أبناء شعبنا، انطفأ النجم الأكثر إشعاعا وانتصر الموت على شاعرنا الكبير) (النقش الأبدي) (كان رجلا فذا ورائدا مناضلا كبيرا) (شهيد الثورة الفلسطينية وشهيد القلم والبندقية وحامل هموم الوطن) (وفاته تعد جرحا عميقا في صدر الشعب الفلسطيني) (فاجأنا غيابك يا محمود درويش كما يفاجئنا القائد قبل أن تنتهي فصول المعركة) (شهيد القلم) هل قُتل بسبب شعره أو قلمه حين يوصف بذلك؟!
ووصفته مريدة له طالما حاربت الطهر والفضيلة ودعت إلى الرذيلة في صحفنا فقالت (درويش خريطتي المعلنة التي لا أتوه فيها وأنا أبحث عن زاوية في قلبي لم يلمسها أحد، في المساءات القلقة يكون درويش بلورتي، وأفتح الديوان على صفحة ما بطريقة عشوائية لأجد درويش يرسم لي مسائي وفأله).
ووصفه أحد رموز الفساد والإفساد بأنه في الشعر: (أعلى من كلِّ المقامات، أطول من كلِّ العمالقة، أبقى من كلِّ الفحول سيبقى والريح تحته يكتب كلاماً جميلاً على سفوح الزوابع).
وقال عنه رمز من رموز الحداثة: (رجلٌ نُجمع على تبجيله .. وصاحب صيت هو الأكبر في ثقافتنا اليوم).(3/203)
وكتب حدثي آخر يصفه بأنه (غاص في القضية الفلسطينية إلى أن رأى الجزء في الكل والمأساة الوطنية حيث الموت الغادر الذي يهدد الحياة بأسرها والعدم الذي يتربص بالوجود كله ... ) ولفت النظر إلى أن الجميع يجب أن يعزوا أنفسهم قبل أن يعزوا الآخرين.
وقال آخر (إنه أحد أهم رموزنا) (احتل موقعا متقدما في الذاكرة الجماعية على امتداد الوطن العربي) ووصفوه بأنه شاعر العروبة الأول، وشاعر الإنسانية. ووصفته مريدة له بأنه (شمس هي إشعاع حياتنا) (الجميع في هيستيريا لا أحد يريد أن يصدق).
وبعض الأفراخ الصغيرة المتزندقة تطاول في نفسه فوصف شاعرهم بالأخ أو الزميل، ومنهم من وصف نقل الخبر عبر شاشة التلفزة فقال: (كانت شاشة التلفاز صاعقة، والخبر رعد التواريخ).ثم يصف الموت قائلا: (الموت هذا الغامض الكوني، هذا الرابض السادي في ظلي). وصورت رسومهم الكركتيرية فلسطين في صورة امرأة تبكي على قبر هذا الهالك. أعز الله تعالى فلسطين، وأغناها بالصادقين والمجاهدين عن الزنادقة والمرتدين، وأراح العباد والبلاد والدواب والشجر منهم.
والمؤسسة السياسية في فلسطين تعتزم إقامة ضريح له كونه رمزا فلسطينيا، وصرح بعضهم بنصب تمثال على صورته.
وأعلن رئيس فلسطين عباس الحداد ثلاثة أيام واصفا إياه بقوله (نجم فلسطين وزينة شبابها وفارس فرسانها) وصدرت الصحف الفلسطينية يوم الاثنين التالي لهلاكه مكللة بالسواد) ونقلت بعض الصحف أن فتاة من مريديه ومدمني دواوينه الحداثية الإلحادية أغمي عليها حال علمها بوفاته، أيقظ الله تعالى غيبوبة قلبها قبل غيبوبة جسدها.
وإليك أخي القارئ بعض المعلومات عن هذا الشاعر الهالك الذي مجده إعلامنا العربي الكاذب البائس:
1 - تبنى محمود درويش الفكر الماركسي الإلحادي منذ شبابه، وفي ذلك يقول أخزاه الله تعالى: (صرنا نقرأ مبادئ الماركسية التي أشعلتنا حماسا وأملا، وتعمَّق شعورنا بضرورة الانتماء إلى الحزب الشيوعي الذي كان يخوض المعارك دفاعا عن الحقوق القومية، ودفاعا عن حقوق العمال الاجتماعية، وحين شعرت أني أملك القدرة على أن أكون عضوا في الحزب دخلت إليه في عام 1961م فتحددت معالم طريقي، وازدادت رؤيتي وضوحا، وصرت أنظر إلى المستقبل بثقة وإيمان، وتَرَكَ هذا الانتماء آثارا حاسمة على سلوكي وعلى شعري) (1) وانضم إلى الحزب الشيوعي الإسرائيلي (راكاح) وتولى رئاسة تحرير صحيفة (الاتحاد) الناطقة باسم الحزب، وفي عام 1981 أنشأ مجلة (الكرمل) وهي صوت للحداثيين الفلسطينيين والعرب.
يقول صديقه رجاء النقاش: (وقد عمل محمود درويش في جريدة الاتحاد ومجلة الجديد وهما من صحف الحزب الشيوعي في إسرائيل) (2) ومن شدة ولعه بالماركسية كان يتغنى بكوبا الشيوعية فيقول: (حسنا .. حسنا .. حدث عن كوبا، هل تعرف شيئا عن شعب ما عاد مصلوبا). (3) وذكر الماركسي محمد دكروب أنه التقى به أول مرة في احتفالات الحزب الشيوعي في بلغاريا حيث جاء ممثلا للحزب مع وفد من إسرائيل ضم سميح القاسم أيضا، والتقى به مرة أخرى في معهد الماركسية اللينينية في موسكو (4) واستحق بشيوعيته الجلدة أن يحصل من موسكو في أوج الشيوعية على جوائز كان أهمها جائزة باسم الزعيم الشيوعي (لينين) عام 1983م.
_________
(1) مجلة الطريق، تشرين الثاني 1968م ص32
(2) محمود درويش شاعر الأرض المحتلة ص113
(3) ديوانه ص197، ط دار العودة.
(4) صحيفة الشرق الأوسط عدد (10849) ص13(3/204)
2 - عينه عرفات عضوا في اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية عام1986، واستقال درويش من عضويتها عام1993، ومريدوه كانوا يوهمون الناس بأنه كان وطنيا وغير راض عن تنازلات عرفات، ويريد الحق الفلسطيني، كما أن استقالته كانت بناء على الفساد المالي والإداري الذي لم يكن درويش يرضى أن يسكت عنه.
لكن درويش بين في مقابلة معه ما يفضح زعم مريديه، فذكر أن سبب استقالته أنه لم يتلق هو وزملاؤه مرتباتهم منذ عدة أشهر (1) ومما يدحض ذلك أن درويش يعد عند اليهود من المعتدلين، والمعتدلون في العرف الصهيوني هم المستسلمون لمشاريعهم، المنبطحون لسياساتهم الجائرة، والصحف اليهودية تنشر مقالات له في إسرائيل، وتجري حوارات معه، وكان يصرح بأن المفاوضات مع إسرائيل أصبحت خيارا استراتيجيا، ولا يجوز لأحد من الفلسطينيين أن يفكر بالانسحاب منها.
والصحف اليهودية كتبت عنه بإعجاب، وحزنت لوفاته، حتى إن صحيفة الحياة خصصت زاوية لذلك عنوانها: الصحافة الاسرائيلية ترثي «شاعر الأمل» (2) ووزير التعليم اليهودي السابق يوسي سريد أصدر تعليماته عام 2000م بتدريس بعض قصائد درويش في المدارس اليهودية، لكن رئيس الحكومة ايهود باراك ألغى القرار بعد تهديد القوى اليمينية بإسقاط الحكومة.
وذكر أحد الليبراليين المعجبين به أن درويش كان متذبذبا باستمرار بين القطب الإسرائيلي والقطب العربي، فتارة يميل كليا إلى هذه الجهة، وتارة يميل إلى تلك (3).
قلت: هذه حقيقة هذا الثوري الهالك إزاء قضية فلسطين، واليهود يعرفون أصحاب القضية الحقيقين بها، المدافعين عنها؛ فيقتلونهم كما قتلوا الشيح أحمد ياسين والدكتور الرنتيسي والمهندس عياش وغيرهم من المجاهدين عليهم رحمة الله تعالى، ويعرفون مدعي المقاومة المزوَرين، فيكرمونهم ويفتحون الصحف لهم، ويحزنون لوفاتهم، كما حزنت صهيون على الزنديق درويش الذي سماه مريدوه شاعر القضية الفلسطينية، ومن العجب أن يُخدع الناس بالإعلام الكاذب، والصحف الأفاكة، وقد اعتادوا منها الكذب والتزوير.
إلحاده الصارخ، وفساده الظاهر:
انعكس الفكر الفاسد والعقيدة الماركسية الإلحادية لدرويش على شعره ونثره، فسَخِر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وبالقدر والقرآن والعبادة في الإسلام، واستعار الرموز الوثنية والنصرانية الشركية والصوفية المغرقة في القول بوحدة الوجود، وتأثر بمذاهب أهل الشك والقلق والوجودية التي تكرسها العقيدة الإلحادية.
وهذه فقرات من أشعاره وكتاباته ليست إلا مختارات يسيرة من كم كبير خلفه هذا الهالك في دواوينه ومقالاته ومقابلاته تنضح بالكفر والزندقة وتطفح بالإلحاد والتعدي على المقدسات والحرمات:
أولا: الاعتداء على عظمة الله تعالى وقدسيته:
1 - قال أخزاه الله تعالى (إنا خُلقنا غلطة في غفلة من الزمان) (4) 2 - وقال (نامي فعين الله نائمة عنا) (5).
3 - له قصيدة بعنوان: (إلهي لماذا تخلَّيت عني) على لسان امرأة يقول فيها عليه من الله تعالى ما يستحق: (إلهي إلهي لماذا تخلَّيت عني؟ لماذا تزوجتَ مريم؟ لماذا وعدتَ الجنود بكرمي الوحيد لماذا؟ أنا الأرملة ... أطلَّقتني؟ أم ذهبتَ لتشفي سواي؟ عدوِّي من المقصلة أمن حق مَن هي مثلي أن تطلبَ الله زوجاً وأن تسأله؟ إلهي إلهي ... لماذا تخلَّيت عني؟ لماذا تزوجتني ياإلهي لماذا؟ ... لماذا تزوجت مريم؟) (6).
_________
(1) مجلة الأسبوع العربي عدد (1768) ص9
(2) الحياة عدد (16565) ص23
(3) صحيفة الشرق الأوسط عدد (10849) ص16
(4) ديوانه ص42
(5) ديوانه ص24
(6) ديوانه ص81(3/205)
4 - وقال: (يا الله .. جربناك، جربناك .. من أعطاك هذ السر؟ من سمَّاك؟ من أعلانا فوق جراحنا ليراك؟ فاظهر مثل عنقاء الرماد من الدمار ... يا خالقي في هذه الساعات من عدم تجلى .. لعل لي ربا أعبده لعل) وألقى ذات مرة هذه القصيدة في تلفزيون بغداد فقرأ آخرها هكذا (لعل لي حلما لأعبده لعل) (1) وكلا العبارتين قبيحتان، وفيهما شك وشرك نعوذ بالله تعالى من الضلال والزندقة والجرأة على صاحب الجبروت والعظمة سبحانه وتعالى.
ثانيا: عبوديته لغير الله تعالى:
1 - قال عليه من الله تعالى ما يستحق: (عيونكِ شوكةٌ في القلب توجعني وأعبُدُها) (2).
2 - وقال: (أخي أحمد! وأنتَ العبد والمعبود والمعبد متى تشهد) (3) 3 - وقال: (عيناكِ يا معبودتي هجرة بين ليالي المجد والانكسار … وجئتِ يا معبودتي كل حلم يسألني عن عودة الآلهة ... عيناكِ يا معبودتي منفى نفيت أحلامي وأعيادي … معبودتي! ماذا يقول الصدى ماذا تقول الريح للوادي ... عيناكِ يا معبودتي عودة من موتنا الضائع تحت الحصار ... ونحن يا معبودتي أي دور نأخذه في فرحة المهرجان .. ) (4).
مع العلم أن معبودته التي يعشقها هي فتاة يهودية تدعى (ريتا) وهكذا شعراء الثورية الماركسية معشوقاتهم بنات أعداء أوطانهم، ومن اغتصبوا أرضهم، ولعلهم بالعشق يخرجون المحتل!!
4 - وقال: (والذي يعرف ريتا ينحني ويُصلِّي لإله في العيون العسلية) (5) وهو شهواني لا يرضيه الزواج؛ ولذلك تزوج مرتين ولم يمكث مع كل زوجة سوى أشهر قليلة، وعادة هؤلاء المنحرفين الغرباء عن مجتمعاتهم أنهم يخضعون أحيانا لرغبات الوالدين والأسرة في مسألة الزواج، ولكن بعضهم يفشل في تكوين أسرة، ويبقى شريد النفس، طريد الهوى، أسير الشهوة، وهذا الشاعر من هذا النوع، وأحد أقرانه المعجبين به كتب كلاما إلحاديا شهوانيا في تأبينه، وعلل ذلك بقوله أخزاه الله تعالى (سوف يضحك محمود درويش كثيرا عندما يقرأ هذه المقالة، سوف يفرح بهذه الكلمات لأنه كان جميلا يحب الجمال وطالما استسلم لإغراء هذه أو تلك) (6) سخريته بالرسل عليهم السلام:
1 - يقول أخزاه الله تعالى: (صار جلدي حذاء للأساطير والأنبياء) (7).
2 - ويقول (من أي نبي كافر قد جاءك البعد النهائي؟) (8).
3 - ويقول (ولتحاول أيها الأخضر .. أن تأتي من اليأس إلى اليأس .. وحيداً يائساً كالأنبياء) (9) 4 - ويقول (رأيتُ الأنبياء يُؤجِّرون صليبهم، واستأجرتني آية الكرسي دهرا) (10).
_________
(1) الحداثة في الشعر المعاصر ص26
(2) ديوانه ص608
(3) ديوانه ص320
(4) ديوانه ص320
(5) ديوانه ص192
(6) الشرق الأوسط عدد (10849) ص16
(7) ديوانه ص292
(8) ديوانه ص591
(9) ديوانه ص634
(10) ديوانه 480(3/206)
وسخر بالقرآن فاستعار رؤيا يوسف عليه السلام لنفسه، وطعن في نوح عليه السلام فجعله رمزا للجبن والهروب لما ركب السفينة (1) وقد طفح ديوانه باستعارة الرموز والشعارات الوثنية والنصرانية (2)، ويستعمل عقائد النصارى كقوله: (لا تقولوا: أبانا الذي في السموات، قولوا: أخانا الذي أخذ الأرض منا وعاد هو الآن يعدم) (3) وسبح بحمد غير الله تعالى في مواضع من ديوانه (4) وسخر بالقدر وشتمه، وأنكر الخلق (5) ومن أخريات مقالاته القبيحة مقال كتبه في إبريل2008 في المجلة الثقافية، التي تصدر عن الجامعة الأردنية عنوانه (عن المنفى) قسّم فيه المنفى إلى داخلي وخارجي، وقال: (المنفى الداخلي هو غُرْبَة المرء عن مجتمعه وثقافته، وتأمُّلٌ عميق في الذات، بسبب اختلاف منظوره عن العالم وعن معنى وجوده عن منظور الآخرين، لذلك يشعر بأنه مختلف وغريب، وهنا لا تكون للمنفى حدود مكانية. إنّه مقيم في الذات المحرومة من حريتها الشخصية في التفكير والتعبير) وهذا النص اعتراف واضح أن نظرة هذا الزنديق للحياة والوجود والحكمة من خلق الخلق غير نظرة المجتمع الفلسطيني المسلم، فنظرته إلحادية تنكر الغيب والخلق.
ويوضح ذلك قوله أخزاه الله تعالى: (المنفيّ هو اللامُنتَمي بامتياز. لا ينتمي إلى أي مكان خارج ذاكرته الأولى. تصبح الذاكرة بلاداً وهُوية، وتتحوّل محتوياتُ الذاكرة إلى معبودات.
باعتبار الوجود الإنساني كلّه شكلاً من أشكال المنفى، منذ أن عوقبنا نحن أحفاد حواء وآدم بالتاريخ!)
تنبيهات مهمة:
بعد معرفة حقيقة هذا الشاعر الهالك (محمود درويش) فإني أنبه على أمور مهمة:
أولا: إذا كان الزنادقة والمنافقون ومن في قلوبهم مرض في بلاد المسلمين يرون أن من حقهم أن يُعجبوا بمن شاءوا من ملاحدة وزنادقة العرب والعجم؛ أخذا بالحرية الليبرالية الغربية التي اتخذوها دينا لهم؛ فليس من حقهم -حتى في باب الحرية التي ارتضوها- أن يكذبوا على الأمة ويدلسوا على الناس، ويخفوا كفريات هذا الزنديق؛ لأن جمهور الأمة المسلمة لا يرضون بهذا الخبال والضياع والإلحاد، ولا يقرون مدح من اتصف به.
ثانيا: أن النفاق ملة واحدة كما أن الكفر ملة واحدة؛ فأغلب المؤبنين لدرويش في الصحف العربية هم من الليبراليين، ودرويش ماركسي جلد، والليبراليون أعداء للماركسيين.
كما أن مهمة الصحافة الليبرالية تسويق المشاريع الاستعمارية الصهيونية والرأسمالية، ودعوة الشعوب العربية وحكوماتها إلى الانبطاح والاستسلام لهذه المشاريع، ومحاربة من رفضها أو قاومها سلما أو حربا، ولطالما حاربوا الإسلاميين والقوميين لأنهم ينحازون إلى الأمة وقضاياها، ويرمونهم بالجهل والتخلف والأدلجة وغير ذلك من المصطلحات التي يخترعونها.
وهم يصفون شاعرهم بأنه ثوري كرس نفسه للقضية الفلسطينية، فكيف قَبِلوا ذلك منه وهو يتناقض مع دعوتهم الاستسلامية؛ لولا أنهم يتفقون معه في ثوريته على تراث الأمة، وتمرده على أصولها ومسلماتها، وطعنه في ربها تعالى، ورسله عليهم السلام، وسخريته بالدين، وهذا هو القاسم المشترك بين شاعرهم الماركسي وبين ليبراليتهم.
ثالثا: ظهر في الأمة من الخير العظيم ما يبشر -إن شاء الله تعالى- بيقظة فكرية تقاوم الأفكار المنحرفة وأصحابها؛ فالمقالات التي بينت حقيقة هذا الشاعر حال العلم بهلاكه تتزايد على الشبكة العنكبوتية، ويكثر قراؤها وزوارها والمعلقون عليها، مما يبشر بفضح المنافقين، وهتك أستارهم للمسلمين.
_________
(1) انظر: ديوانه 77 - 116
(2) انظر على سبيل المثال في ديوانه: 40 - 64 - 104 - 172 - 174 - 228 - 240 - 322 - 349
(3) ديوانه ص237 - وأيضا403
(4) انظر: ديوانه:73 - 86
(5) ديوانه ص81(3/207)
وكنت قد رصدت قبل أربعة عشر عاما هلاك زنديق من زنادقة الشعر، ناحت عليه الصحف ولطمت، وكان الإنكار آنذاك ضعيفا وتأثيره محدودا، ولذلك أسباب أهما:
1 - انتشار الوعي بين العلماء والدعاة بخطر أصحاب الأفكار المنحرفة، وكشف زيفهم، وبيان حقيقتهم، وتحذير الناس منهم.
2 - كانت الكتب عن المنحرفين قليلة جدا، وبعضها رسائل علمية حُجر عليها في أرفف الجامعات، ومُنعت من النشر في إرهاب فكري أُحادي لا مثيل له، كما أن وسائل الإعلام بأيدي المنحرفين الذين لا يمثلون الأمة ولا دينها ولا ثقافتها، ولا سيما الصحف والمجلات، فلما حصل الانفتاح في وسائل الاتصال، وخاصة في الشبكة العنكبوتية؛ وجد أهل الخير والصلاح متنفسا لنشر مقالاتهم وكتبهم في فضح الزنادقة، ووصل ذلك إلى العامة، وعرف كثير من الناس حقيقة المثقفين المزورين، والصحفيين الأفاكين.
والواجب على العلماء والدعاة أن ينشطوا في تحذير الأمة من كل فكر دخيل يتعارض مع دينهم، وتحذير الناس منه ومن رموزه وأتباعه والمسوقين له؛ فإن ذلك يصيب الزنادقة والمرتدين والملحدين في مقتل.
كما أن بيان حقيقة الزنادقة التي يخفيها الإعلام الفاسد والصحافة الكاذبة سبب لفضح الإعلام والصحافة عند العامة، ويزيد ذلك من ثقة الناس في علمائهم ودعاتهم.
رابعا: مع اشتداد الهجمة العلمانية -وخاصة الليبرالية- على دين الأمة ومقدساتها وعلمائها، ومحاولتهم تبديل دينها، ومع كثرة ما يُكتب في الصحف، ويعرض في الفضائيات من تمجيد زنادقة العصر فإن كثيرا من الناس -ولا سيما المتعلمين منهم وحملة الشهادات العليا- يقفون مواقف المحايدين المتفرجين، وينأون بأنفسهم عن نصرة الدين وأهله، ودحر النفاق وأهله بحجج منها:
1 - أن في الأمة من قام بما يكفي فسقط الفرض عن البقية وارتفع الحرج، وهذه حجة باهتة لأنه لا توازيَ بين ما كُتب عن هذا الزنديق الهالك درويش من مقالات التأبين، وقصائد التوديع، وبين الرد عليهم، وبيان حقيقة زنديقهم التي أخفوها؛ فالمقالات والكتاب عنه بالمئات، والصفحات والملاحق المخصصة للإشادة به كثيرة جدا طيلة أسبوع أو أكثر، بينما المقالات الكاشفة لحقيقته في الشبكة العالمية قد لا تصل إلى عشر مقالات؛ وكثير من الناس تغره الكثرة، ويُخدع بسيل هذه المقالات الجارفة الغالية المتطرفة في مدح الملاحدة.
2 - يحتج البعض بأن فضح الزنادقة يُشهرهم، ويرفع ذكرهم، وتركهم أولى من فضحهم والرد عليهم، وتلك الدعوى يرددها بعض القاعدين عن نصرة الدين، وكأنهم يتحدثون عن زنديق مات في مجاهل إفريقية، أو جزر أستراليا لا يعرفه أحد! وكأنهم لا يرون ما في الصحف ولا يسمعون بما في يعرض في الفضائيات، ويفرض على الناس!! وهذا من الجهل المطبق بحال الإعلام، أو من التجاهل المقصود للتنصل من المسئولية، ولا يسع ذلك أهل العلم والدعوة الذين يجب عليهم الاحتساب على من يريد إضلال الناس، وتحريف دينهم؛ حماية للأمة، وقياما بواجب الدعوة.
وقد راجعت بعد هلاك هذا الزنديق أربع صحف في يوم واحد فقط هو يوم الاثنين10/ 8/1429 فإذا المنشور فيها عنه من مقالات وتحقيقات وتعليقات تزيد على الثمانين، ويصل هذا إلى الناس؛ ليصوغ عقولهم، ويفسد أفكارهم، ويضعف انتماءهم لدينهم، فكيف لو أحصينا كل ما كتب عنه طيلة أسبوع في سائر الصحف العربية؟!(3/208)
3 - يحتج البعض بأن من مات فقد أفضى إلى ربه، وقدم على عمله، وكأنهم بهذه الحجة يتورعون عن الخوض في الأموات، وتالله العلي العظيم إن هذا لهو الورع المقلوب، ويدل على موت القلب، وضعف الغيرة لله تعالى؛ إذ كيف يُترك زنادقة العصر وأذنابهم يجاهرون بشتم الله تعالى ورسله عليهم السلام، ويسخرون بالقرآن والشريعة، وتطفح دواوينهم بالكفر الصارخ، والإلحاد الظاهر، فإذا مات الواحد منهم، وناح عليه أتباعه ومريدوه تورع بعض الناس عن فضحه، وتحذير الناس منه؛ فأي ورع هذا؟
والقرآن مليء بالطعن في الأموات من المكذبين من قوم نوح وعاد وثمود وقوم شعيب وقوم إبراهيم وقوم لوط وفرعون وهامان وقارون وكفار مكة، ونزلت سورة تطعن في عم النبي صلى الله عليه وسلم أبي لهب تُقرأ إلى آخر الزمان، مع أن المكذبين السابقين لم يقولوا ما قاله زنديقهم الهالك في الله تعالى ورسله عليهم السلام وكتبه وشريعته.
وأُثني بِشَرٍّ على جنازة منافق عند النبي صلى الله عليه وسلم فأقرهم على ذلك، وأخبرهم أن النار قد وجبت له، ولا زال الصحابة والتابعون والأئمة المهديون والعلماء الربانيون يفضحون أهل الضلال والانحراف، ويبينون حقيقتهم للناس، ويحذرون من أتباعهم ومقولاتهم ولو كانوا أمواتا، فلا حرمة لزنديق يجاهر بزندقته حيا ولا ميتا.
وبعض أهل الخير والعلم والدعوة يعتزل هذه المعتركات؛ إيثارا للسلامة، وطلبا للراحة، زعما منه أنه يشتغل بمجالات أهم وأولى، مع أن جهاد الكفار والمنافقين من أهم المهمات، وأعلى المقامات، وأمر الله تعالى به في قوله سبحانه {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ المَصِيرُ} [التوبة:73] قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل، والقائمون به أفراد في العالم، والمشاركون فيه والمعاونون عليه وإن كانوا هم الأقلين عددا فهم الأعظمون عند الله قدرا) اهـ (1) قلت: فكيف والفرض لا زال قائما، ولم يقم به من أهل العلم والدعوة من يكفي.
والاستعمار العسكري والسياسي والاقصادي لبلاد المسلمين يرفده استعمار فكري ثقافي يؤدي أكثره المنافقون والمرتدون، والحرب الفكرية فيه توازي -إن لم تكن أشد- الحرب العسكرية السياسية، وهزيمتهم في الحرب الفكرية الثقافية مؤذنٌ بهزيمتهم في الميادين الأخرى؛ فلينفر العلماء والدعاة والكتاب لنصرة دين الله تعالى، وردِّ الشبهات عنه، وكشف الطاعنين فيه، والمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم، كما جاء في الحديث، وحماية الثغور العقدية والفكرية التي يحاصرها الأعداء خير من الترف العلمي، وأهم من تحقيق بعض المسائل الخلافية التي يسوغ الاجتهاد فيها، وأفضل من نوافل العبادات، وهو ضرب من ضروب الجهاد في سبيل الله تعالى.
وأقبح من الساكتين المعتزلين من يجامل الزنادقة والمنحرفين؛ لقوتهم وعلوهم في الأرض؛ أو ليكون له يد عندهم، أو ليسوِّغ عجزه وخوره وعدم قيامه بشئ، ولا يكون تسويغه إلا بالطعن في إخوانه ممن ندبوا أنفسهم لمحاربة الأفكار المنحرفة، والاحتساب على الزنادقة والمنحرفين، وهتك أستارهم، فيرمي إخوانه بالتعجل، أو أنهم أصحاب أحكام مسبقة، أو أن لهم مآرب أخرى في كشف زنادقة العصر، أو غير ذلك.
ونعوذ بالله تعالى من عجز أو هوى يحملان المصلين على الانحياز إلى صف الزنادقة والمرتدين، وترك إخوانهم، ولَأَنْ يكون الإنسان ذيلا في الحق خير من أن يكون رأسا في الباطل.
_________
(1) زاد المعاد 3/ 5(3/209)
خامسا: ما نضح به الإعلام والصحافة من جرأة على تمجيد زنادقة العصر والاحتفاء بهم يدل على حاجة الأمة إلى إحياء الولاء للمؤمنين، والبراءة من الكفر وأهله، كما يدل على أن هذا الركن الركين من الدين في حالة تقهقر وتراجع عند كثير من الناس، ويود المنافقون والمرتدون لو انتزعوه من قلوب الناس، ومقالات عدد منهم تصرح بذلك، وتدعو الناس إلى عدم التفرقة بين المسلمين والكفار، واستبدال المصطلحات الشرعية بمصطلحات حادثة مبتدعة كالآخر والتعايش السلمي، ووحدة الأديان السماوية أو الإبراهيمية، والأخوة الإنسانية أو الوطنية، وقد قال الله تعالى {لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَاليَوْمِ الآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة:22].
وكثيرا ما رأينا من زنادقة العصر جرأة في معاداة العلماء والدعاة والمصلحين مع إعلان الولاء للكفار والمرتدين، وهذا يوجب تكاتف الدعاة والعلماء والمحتسبين ليردوا هجمات هؤلاء المجرمين عن الإسلام وشريعته.
سادسا: العتب كل العتب على التيارات الإسلامية الفلسطينية حين شاركت المزورين في نياحتهم على هذا الزنديق الهالك، وجاملت في سبيل الوطن أو السياسة على حساب دينها وعقيدتها التي كانت ولا زالت هي مصدر قوتها وتأييد الشعب الفلسطيني المسلم لها، فأين الولاء للمؤمنين؟ وأين البراءة من الزنادقة والمارقين؟
وإن مجاملة ملاحدة العرب وزنادقتهم والمرتدين منهم ليست أقل خطرا من الارتماء في أحضان الصهاينة وأذنابهم، والانتصار على العدو الصهيوني لن يأتي بالمداهنة في دين الله تعالى. وأهل الكفر والنفاق يفرحون بهذه المداهنة والملاينة من التيارات الإسلامية؛ لإماتت الغيرة والحمية الدينية في قلوب أتباعها، وإسقاطها في الحفر المظلمة للسياسات الملتوية، والله تعالى يقول في المنافقين {وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً} [النساء:89] وقال سبحانه في الكفار {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} {القلم:9}
سابعا: منذ سنوات كثيرة وأنا أتعجب كثيرا ممن يُسمون بالأدباء الإسلاميين، ومنسوبي رابطة الأدب الإسلامي، والمتخصصين في الأدب والشعر من الهواة والأكاديميين في الجامعات والتعليم العام وغيره وهم يبلغون المئات، أين هم عن رد جهالات هؤلاء الشعراء المارقين، وفضح الزنادقة والمرتدين، وبيان حقيقتهم من دواوينهم وكتبهم ومذكراتهم ومقالاتهم ومقابلاتهم؟! فهم أهل التخصص والتذوق الأدبي، وهم أقدر على فك رموز الحداثيين وطلاسمهم، ويفهمون مراد هؤلاء الشعراء المنحرفين أكثر من غيرهم؟ ما فائدتهم؟ وما ثمرة تخصصهم ورابطتهم إذا لم تكن لنصرة الدين في ذات التخصص، ورد طعون الزنادقة من الشعراء والأدباء؟ مع أن من أهداف دراستهم للأدب الإسلامي حماية ذوق الأمة الشعري الأدبي، وتنقية الأدب والشعر من الانحراف، وإلا لما سُموا بالأدباء الإسلاميين، ثم لا نرى منهم سوى التنظير والتأصيل للأدب الإسلامي، وأما من يقومون بفضح زنادقة القلم والأدب والشعر والاحتساب عليهم فهم أهل التخصصات الشرعية!! وهذا الثغر ثغر أهل الأدب الإسلامي، وثغرُ كل من فيه غيرة على الدين والحرمات من المتخصصين في الأدب والشعر، والقادرين على الكتابة والنقد، فلماذا يتركونه لغيرهم مع مسيس الحاجة إليهم؟!
إننا في أمس الحاجة إلى أمثال محمود شاكر ومحمد محمد حسين ومحمد مصطفى هدارة وأنور الجندي عليهم رحمة الله تعالى، حين قارعوا زنادقة عصرهم بسلاحهم، وانبروا لهم في مجالاتهم الأدبية، وكشفوا زيف دعاواهم، وحذروا الأمة من شرورهم.(3/210)
لماذا لا تصدر رابطة الأدب الإسلامي بيانا للأمة يُنشر في الصحف الإسلامية والشبكة العالمية يوضحون فيه حقيقة كل شاعر وأديب وناقد وكاتب منحرف حال الإشادة به في الإعلام المنحرف؛ لوفاته أو حصوله على جائزة أو غير ذلك؛ حتى يعلم جمهور الأمة حقيقته، وحقيقة الإعلام الذي دلس عليهم وخدعهم.
ثامنا: حين طعن الدنماركيون الصليبيون في النبي صلى الله عليه وسلم ثارت ثائرة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وأنكروا ذلك بشدة، وهذا عمل طيب مشكور، ولكن زنادقة العرب يصولون ويجولون في الصحف والمجلات والإذاعات والفضائيات، ويطبعون الشعر والنثر والمقالات التي تمتلئ بشتم الله تعالى ورسله عليهم السلام وملائكته الكرام، وتسخر بالشريعة والقرآن، وتدعو للتمرد على الشريعة وأحكامها، ولا يحرك ذلك ساكنا في الناس، وكأن الطعن في مقدسات المسلمين حرام على الروم والعجم حلال للعرب، فأين هي الغيرة على الحرمات؟ ولماذا لا تبادر أسر الزنادقة والمرتدين، للإنكار عليهم، وطلب محاكمتهم، ومقاطعتهم، والتبرؤ منهم؟ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته رضي الله عنهم قد تبرأوا من آبائهم وأبنائهم وإخوانهم وعشائرهم، وفارقوهم لأجل كفرهم، ورفعوا السيوف في وجوههم؛ غيرة لله تعالى، وانتصارا لدينه.
وأين طعن هؤلاء المارقين الجدد في الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر من شرك العرب آنذاك، الذي اعتقدوا فيه أن شركهم يقربهم إلى الله تعالى زلفى، ومع ذلك فارقهم المؤمنون.
ولو أن زنادقة العصر أنكر عليهم أقرب الناس إليهم، وهجروهم في الله تعالى لارعوى أكثرهم، ولم يجاهروا بإلحادهم وانحرافهم، ولا محاباة في دين الله تعالى، وقد قال سعد بن معاذ رضي الله عنه حين أراد الحكم على حلفائه وأصدقائه من يهود قريظة: (لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله تعالى لومة لائم) فحكم عليهم بالقتل والسبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لقد حكمت فيهم بحكم الله) فأين إحياء سنة سعد رضي الله عنه فينا بأن لا نحابي في دين الله تعالى أحدا مهما كان قربه منا، وصداقته لنا، فالله تعالى ورسوله ودينه أحب إلينا، وصدق الإيمان وحلاوته تنال بذلك كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كانالله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن أحب عبدا لا يحبه إلا لله، ومن يكره أنيعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يلقى في النار)) رواه الشيخان.
أسأل الله تعالى أن يحيي في هذه الأمة المباركة غيرتها على دينها، واحتسابها على زنادقتها، وأن يكفي المسلمين كل زنديق ومرتد ومنافق، إنه سميع قريب، والحمد لله أولا وآخرا.
المصدر: مجلة البيان / شوال1429هـ(3/211)
الحوار بين الأديان (حقيقته وأنواعه)
عبد الرحيم بن صمايل السلمي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله أما بعد:
فإنَّ اختلاف الناس في أديانهم وعقائدهم سنة قدرها وقضاها رب العالمين, لحكمة عظيمة وغاية جليلة وهي الابتلاء والاختبار يقول تعالى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود: 118، 119] , والمراد بالاختلاف هنا: الاختلاف في الدين (1) وليس في الألوان والأذواق واللغات ونحوها.
وأعمق خلاف بين الأديان هو الخلاف الواقع بين المسلمين وأهل الكتاب (اليهود والنصارى) على وجه الخصوص, فمنذ أن حاربهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وإلى آخر الزمان عندما ينزل عيسى عليه السلام، فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويحكم بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، والخلاف مستمر والصراع محتدم بأساليب متنوعة وطرق متباينة.
وفي هذا الوقت وبالتحديد منذ منتصف القرن الماضي بعد المجمع الفاتيكاني الثاني (1962 - 1965م) ظهر تطور جديد في أسلوب التنصير والتبشير وهو التنصير تحت عباءة الحوار والتقارب وتفاهم الآخر والاعتراف به والتعاون على القضايا المشتركة بين الأديان, وهذا التطور الجديد عند النصارى هدفه بالدرجة الأولى تدارك النصرانية التي نُكِّست أعلامها بعد هزائمها المتتالية أمام العلمانيين، لا سيما وأن المجتمع الغربي يحمل تصوراً سلبياً عن الكنيسة في العصور الوسطى وعصر النهضة والعصر الحديث مما جعل العالم الغربي المفتوح - الآن - للأديان يشكل خطراً على الكنيسة في المستقبل, لا سيما مع الازدياد الملحوظ في الدخول في الإسلام بين النصارى.
وقد جاء ت فكرة الحوار بين الأديان عند الكنيسة الكاثوليكية مع تجديدات أخرى في الدين النصراني ومنها: توسيع مفهوم الخلاص ليشمل النوع الإنساني بأكمله، وتبرئة اليهود من دم المسيح، والتعاون بين فرق النصرانية المختلفة (الأرثوذكس - والبروتستانت).
ويعتبر هذا التطور في الديانة النصرانية أبرز التطورات بعد مجمع نيقية الذي عقد في سنة 325م, الذي قرروا فيه عقيدة التثليث، وأعلن ديناً رسمياً للدولة الرومانية بعد اعتناق قسطنطين للنصرانية.
فهذه الفكرة "الحوار بين الأديان" منشؤها الأصلي من الكنيسة الكاثوليكيّة وأكثر جمعيات الحوار ومؤتمراته منها, وهذا في حدِّ ذاته مؤشرٌ للأهداف الخبيثة فيه, ومع كثرة المؤتمرات واللقاءات المعقودة في هذا الشأن إلا أنها لم تفد شيئاً يذكر في مجال التقارب الحقيقي وبناء أعمال مؤسسية لهذا الغرض, فبعد مفاوضات مرثونية طويلة ومملّة لم يتوصل الإسلاميون المشاركون فيها إلى الاعتراف من النصارى بأن محمد صلى الله عليه وسلم نبيناً من الأنبياء، وله رسالة صحيحة كغيره من الأنبياء، وهذا ما أغضب بعض المشاركين بدرجة كبيرة في المؤتمرات الأخيرة إلى درجة التلويح بمقاطعة هذه الحوارات العقيمة.
_________
(1) انظر: تفسير الجلالين ص/ 482(3/212)
والحقيقة أنَّ نيل الاعتراف لسنا بحاجة له من أتباع دين محرف تلاعب به الأحبار والرهبان - باعترافاتهم - ولكن الهزيمة النفسية التي يعاني منها بعض الإسلاميين تنتج نماذج كهذه النماذج التي لا تشعر بعظمة دينها وقوته الحقيقية, ولو اشتغل المشاركون في هذه المؤتمرات بدعوة النصارى إلى دين الإسلام، وإقامة الحجة والحوار البناء الذي يوضح العقائد الصحيحة لأنتجوا فائدة عظيمة، لا سيما ونحن نرى أن الدخول في الإسلام من قبل عموم النصارى كثير جداً، ولكن الاشتغال فيما لا يعني ومنها هذه الحوارات أفقدتنا فرصة ثمينة للدعوة إلى الله تعالى والحوار البناء القائم على منهج النبوة.
بل وصل الحال والمخالفة لمنهج النبوة إلى درجة الاتفاق في بعض هذه المحاورات على ترك الدعوة إلى الدين بين الطرفين، ولا شك أن الخاسر فيها هو الطرف الإسلامي لأن الأعداد المتكاثرة التي تدخل من النصارى في دين الإسلام لا تقارن بالذين ينسلخون من الإسلام إلى النصرانية، مع أن النصارى لم يلتزموا بهذا الشرط، فلا تزال إرساليات التنصير تجوب بلاد المسلمين طولاً وعرضاً، بل تقوم الحكومات اللادينية بدعمهم وزيادة إمكانياتهم، ويكثر وجودهم في النقاط الملتهبة في بلاد المسلمين مثل أفغانستان والعراق, أو الفقيرة مثل الدول الإسلامية الافريقية وغيرها، ولو التزم النصارى بهذا الشرط الجائر لما جاز للمسلمين الالتزام به، وإيقاف الدعوة وهداية الخلق باسم الحوار.
فالفكرة الموجودة الآن التي تعقد المؤتمرات لها لم تكن في الأصل بمبادرة إسلامية ولم ترسم أهدافها وخطتها في بلاد المسلمين بل جاءت بطلب من الفاتيكان بعد الدراسة العميقة لها - عندهم - وتحديد أهدافها وغاياتها، فتقبلها بعض المسلمون وظنوا أنها تحقق بعض المصالح وترد بعض المفاسد، وأعطوا فكرة التقريب هذه مفهوماً فضفاضاً وعائماً وهو (الحوار) , وبهذا المفهوم العام يختلط على السامع الغاية من الحوار بين الدعوة وإقامة الحجة إلى التقريب والتعاون المشترك, أو التعايش أو الوحدة أو التوحيد بين الأديان.
ولم يكن لدى العلماء المسلمين سابقاً في التعامل مع الأديان إلا الدعوة أو الجهاد بحسب الشروط الموضوعية والأحوال المتغيرة في التعامل مع أهل الأديان المختلفة التي واجهوها، ولم يكن هناك ثمة رأي يرى الحوار مع الأديان لتحقيق مصالح مشتركة مع الإهمال الكامل للدعوة وإقامة الحجة وبيان الحق وإبطال الشرك، لأن مهمة المفاوضات الدنيوية ليس لها علاقة بوصف الأديان, فهي متعلقة بالحكومات السياسية وليس بالأديان والمذاهب والأفكار, ولهذا فإنَّ من العدل والإنصاف عند الحكم على المفهوم العام الاستفصال والتفريق بين الأنواع المختلفة وإعطاء كل ذي حق حقه ووزن كلَّ نوعٍ على حدة ليتميز عن غيره، وقبل الحكم لابد من معرفة المنهج الشرعي في الحوار بين الأديان وتميزه عن المناهج المنحرفة فيه.
وهذا هو موضوع هذا البحث، وقد قسمته إلى فكرتين رئيسيتين: المبحث الأول: في المنهج الشرعي للحوار بين الأديان. المبحث الثاني: في أنواع الحوار بين الأديان وأحكامها. ثم ختمت البحث بخاتمة بينت فيها أهم نتائج البحث والتوصيات المتعلقة به، وإنني اسأل الله تعالى أن يوفقني في عرضه ومناقشته ويوفقني لإتباع منهج أهل السنة والجماعة والالتزام فيه بكتاب الله والسنة إنه جواد كريم.
المبحث الأول: المنهج الشرعي للحوار بين الأديان(3/213)
معنى الحوار في اللغة: مراجعة الكلام وتداوله, والمحاورة: المجادلة، والتحاور: التجاوب, وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام, ومنه قولهم: لم يحر جوابا أي: لم يرد ولم يرجع الجواب فمرجع الحوار للتخاطب والكلام المتبادل بين اثنين فأكثر (1) , والمعنى اللغوي العام للحوار هو مراجعة الكلام والحديث بين طرفين فإذا أضيف إلى الأديان أصبح معناه ما يدور من الكلام والحديث والجدال والمناقشة بين اتباع الأديان، وهذا يدل على أن معناه عام متعدد الأشكال والصور والأنواع بحسب نوعية الكلام والمناقشة.
أما مدلوله الاصطلاحي فهو غامض يستعمل بأكثر من صورة ويحتاج إلى بيان أنواعه والفروق بينها، وهذا ما سنبينه في المبحث الثاني بحول الله ومشيئته, وحينئذ فإن عبارة ((الحوار بين الأديان)) تشمل معنى صحيحاً ومعنى باطلاً يحتاج كل منهما إلى بيان وتوضيح, وقبل البدء ببيان المنهج الصحيح في الحوار بين الأديان, أودُّ الإشارة إلى أن "الحوار بين الأديان" - بالمنهج الصحيح - مطلبٌ ملحٌ لتوضيح الصورة الصحيحة لعقائد الإسلام وآدابه وأحكامه, وهو وسيلة من وسائل دعوة أهل الأديان عموماً, وأهل الكتاب بشكل خاص إلى الإسلام، والدعوة إلى الله تعالى موجهةٌ لكل الناس، وإقناعهم بالحق هدف شرعي مطلوب.
وقد قام بالحوار بين الأديان بمعناه الشرعي المطلوب الأنبياء الكرام في حواراتهم الكثيرة مع أقوامهم بطرق مختلفة وأساليب متعددة, والمسلمون هم أقوى الناس حجة وبياناً, لأن دينهم دين رباني موافق لعقل الإنسان ونفسه, يقول تعالى: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبيرُ} [سورة الملك: 14].
ولكن شعار "الحوار بين الأديان" أصبح مثقلاً بكثير من المعاني والأفكار الباطلة التي تنقدح في ذهن كل من يسمع به, ولا يصح أن ننفي المعنى الصحيح في الحوار بسبب استعمال البعض له في الباطل ولكن المنهج القويم هو ردُّ المعنى الباطل وإبراز المعنى الصحيح, خاصة إذا علمنا أنه يتعلق بأمر ضروري في دين الإسلام وهو (الدعوة إلى الله تعالى)، ولأن في ظهور المعنى الصحيح: تبيينٌ للحق وتصحيحٌ لما حصل في هذا الموضوع من الخلط والتخبط بسبب البعد عن مفهومه الشرعي الصحيح، وهذا يقتضي قيام مؤسسات إسلامية للحوار بمنهجية صحيحة وأسلوب حسن, وعقد المؤتمرات لهذا الغرض, وكتابة الدراسات العلمية والعملية المؤصلة له من الكتاب والسنة.
والحقيقة أن المؤسسات الإسلامية القائمة بالحوار -الآن- قائمة على منهج مخالف للمنهج الرباني (2)، ولا يوجد مؤسسة قائمة بالمنهج الصحيح في الحوار (3) تحت هذا المسمى.
_________
(1) انظر في معنى الحوار في اللغة: مقاييس اللغة -لابن فارس2/ 117، والقاموس المحيط -للفيروز آبادي- مادة (حور)
(2) سيأتي الإشارة إلى فكرة التقريب بين الأديان.
(3) قام عدد من علماء الأزهر بمعارضة فكرة الحوار بين الأديان معارضة شديدة، وقد تزعم هذه المعارضة جبهة علماء الأزهر وخاصة الدكتور يحي إسماعيل الأمين العام للجبهة سابقا. انظر البيان الامارتية. الأربعاء 1 شعبان 1422هـ 17 أكتوبر 2001م.(3/214)
ولعل من أبرز الأسباب: أن الدعوة للحوار جاءت من النصارى وليست من المسلمين (1)، ولأنها لا تناقش بيان الحق بالأدلة والبراهين المقبولة, بل أعرضت عن ذلك قصداً وأصبح الحوار عبارة عن تفاوض على القضايا المشتركة الذي يكون في العادة بين الدول في المصالح الدنيوية المشتركة، وهذا ما لا يوجد معناه في طبيعة الأديان التي جانبها الإيماني، ومقصدها الأخروي هو الأصل مع ضرورة التنبيه إلى شمولية الإسلام دون غيره من الأديان لأمور الدنيا والآخرة, وللأمور الإيمانية والعملية وجميع النشاط البشري.
وقبل الدخول في بيان المنهج الشرعي في الحوار بين الأديان أودُّ أن أنبه إلى أنَّ الحوار مع الكفار له مجالان:
1) الحوار في أمور دنيوية بحتة: وهذا ما يسمى بالمفاوضات وهي خاضعة للسياسة الشرعية, ضمن إطار أحكام الإسلام في الصلح والمعاهدة, وما يتعلق بذلك من التعامل الدنيوي الذي ليس له ارتباط بالأديان والعقائد والمفاهيم، وبناء على ذلك فليس هناك مبرر في إضافة هذا النوع إلى الأديان، وقد يطلق على هذا اسم التعايش, وقد يراد بالتعايش التقارب الفكري المباشر والتفاهم الديني بالتنازل عن شيء من أحكام الدين لما يظن فيه أنه من المصلحة كما سيأتي بيانه.
2) الحوار في الأمور الدينية: وهذا ما يؤديه إضافة الحوار إلى الأديان, فيكون الحوار إذن في الأمور الدينية وحول مفاهيم العقائد والقضايا الدينية محل الاختلاف, مثل التوحيد والإيمان والبعث ونحو ذلك, وإذا كان الحوار في أمور دنيوية بحتة, فإنه لن يكون هناك مايبرر إضافة الموضوع إلى محمولة، فالإضافة والإسناد دليل على الاختصاص والتمييز، ويعتبر الخلط بين هذين المجالين هو السبب المباشر في الانحراف الحاصل في موضوع الحوار، وبيان ذلك هو أنّه تم تنزيل مقام المفاوضات السياسية في منزلة الحوار الديني, وأصبحت مؤتمرات الحوار تناقش قضايا دنيوية سياسية مع الإغفال التام والمقصود للقضايا الدينية، ومع ذلك تضاف هذه الحوارات إلى الأديان على اعتبار نوعية الحضور والشخصيات المشاركة وليس على اعتبار القضايا المطروحة للحوار، وحينئذ أصبحت الصورة هي شخصيات دينية (علماء وغيرهم) يناقشون قضايا سياسية ثم تسمى (حوار بين الأديان).
وقام بهذا العمل جهتان:
أحدهما: قامت به جهات معينة بخبث واستغلال للقضايا الدينية, في تحقيق مآرب سياسية ذات خلفية دينية، ويمثل هذه الجهة القوى الاستعمارية الكبرى، والكنيسة الكاثوليكية المتداعية (2).
والثانية: قامت به جهات أخرى بحسن نية تحسب في ذلك مصلحة للأمة, وتحقيق مقاصد شرعية, ويمثل هذه الجهات بعض مؤسسات الحوار، والشخصيات الإسلامية المشاركة في المؤتمرات الحوارية, التي تسعى لتحقيق قضايا مشتركه لنفع الإنسانية, وتظن أنها تحقق مكاسب للأمة الإسلامية.
1 - الأصل الشرعي في الحوار بين الأديان:
_________
(1) ولهذا تكوّنت لجنة الحوار بين الأديان في الأزهر بعد طلب من الفاتيكان للحوار أكثر من مرة، رُفضت في بداية الأمر من شيخ الأزهر الدكتور عبد الحليم محمود وقَبِل المشاركة بخطاب بعد ضغط من السادات ثم تم تشكيل اللجنة مؤخراً عندما تكرر الطلب من الفاتيكان في الحوار, فتم توقيع اتفاقية بين المؤسستين في مايو عام 1998م. وهذه اللجنة وفكرتها لم تكن موضع ترحيب من علماء الأزهر ولهذا رفضتْ الكليات الدينية وخاصة كلية أصول الدين استقبال مؤتمر حوار الأديان الذي يُراد عقده في نوفمبر 2000م
(2) انظر الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان -سامر أبو ريان- رسالة ماجستير في الجامعة الأردنية.(3/215)
والأصل الشرعي في الحوار مع أهل الأديان, الدعوة إلى الله وبيان الحق ورد الباطل بالأدلة الصحيحة، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [فصلت: 33]، وقال تعالى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِين} [يوسف: 18]، وقال تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 14].
وهذا الأصل الشرعي مأخوذٌ من بيان الله تعالى لدعوة الرسل الكرام لأقوامهم, وقد كان أقوامهم على أديان مختلفة ومتباينة، يقول تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوت} [النحل: 36] , وكل نبيٍ يبعثه الله لقومٍ يقول لهم: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} , ومن خلال تتبع الآيات والأحاديث المبينة لحوار الأنبياء والرسل مع أقوامهم, نجد أنها دعوة وبيان للحق وكشف للباطل وبيان لضرره في الدنيا والآخرة، ولم نجد شيئاً يدل على محاولة القرب من الأديان أو العمل معهم في القضايا المشتركة والبعد عن نقاط الخلاف, لا سيما العقائد كما هو حال أكثر مؤتمرات الحوار اليوم، بل نجد محاولة من المشركين للتقارب معهم ولكنه ترفض من الأنبياء الكرام كما حدث في عرض كفار قريش التقارب من الإسلام حيث قالوا: "يا محمد هلم فلنعبد ما تعبد, وتعبد ما نعبد فنشترك نحن وأنت في الأمر"، فنزلت سورة الكافرون (1).
فليس في المنهج الرباني تحاور مع الأديان بمعنى التقارب فضلاً عن الوحدة, بل هو دعوة ومجادلة وبيان للحق على نحو ما سيأتي, وسوف أكتفي بتتبّع المنهج الشرعي في حوار أهل الكتاب بشكل خاص, لكثرة محاورة القرآن والسنة لهم، ولكونهم أهل الحوار الآن, ولعدم وجود ما يخالف طريقة القرآن في حواره معهم عن الحوار مع غيرهم، وقد قام المنهج الشرعي في حوار الأديان عموماً, وأهل الكتاب خصوصاً على أربع مراتب متنوعة, ومع ذلك فهي تلتقي في الدعوة العامة للإسلام, وهذه المراتب هي:
أولاً: مرتبة الدعوة.
يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64] , هذه الآية الكريمة تعتبر نصاً في موضوع الحوار, ولا يمكن أن يتجاوزها من أراد معرفة حكم الله تعالى في الحوار بين الأديان، وقد بين مدلول الحوار في هذه الآية رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في خطابه المرسل إلى هرقل, وهو يتضمن الدعوة إلى الإسلام لا التقريب بين دينهم ودين الإسلام, يقول صلى الله عليه وسلم: (من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى, أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين)، ثم قرأ الآية السابقة (2).
_________
(1) رواه الطبري في تفسيره 30/ 331.
(2) رواه البخاري في صحيحة برقم (7) عن ابن عباس رضي الله عنه في قصة طويلة عظيمة مشتملة على دلائل نبوته عليه السلام.(3/216)
والآية السابقة هي ما يسمى بلغة العصر "ميثاق الوفاق"، ويتضح في الآية بجلاء تحديد موضوع الحوار، وهو إفراد الله تعالى بالعبادة وترك الشرك, ولهذا فسَّر الصحابة ومن بعدهم (الكلمة السواء) في الآية بـ (لا إله إلا الله).
ولذا فالمنهج الشرعي في حوار الأديان -من جهة الدعوة وبيان الحق- جاء من خلال ثلاث زوايا (1):
1) موضوع الحوار:
ركّز الشارع الحوار مع أهل الأديان عامة, وأهل الكتاب خاصة, من الناحية الموضوعية في القضايا الحساسة التي تعتبر مفاصل مهمة, ومفارق خطيرة بين المسلمين وبينهم, ويمكن اختصارها على النحو التالي: أ) الدعوة إلى التوحيد وإبطال الشرك: يبين ذلك قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وكذلك كتب الرسول إلى أهل الأمصار تتضمن الدعوة إلى التوحيد ونبذ الشرك وهذا هو هدف بعثة الرسل الكرام.
ب) الدعوة إلى الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم والتزام دينه: يقول تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [المائدة:19].
ج) الدعوة إلى ترك الغلو والقول على الله بغير الحق في شأن الألوهية وعيسى عليه السلام وأمه: يقول تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} [النساء:171].
د) الدعوة للإيمان بالقرآن: يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} [النساء: 47]، ويقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ} [آل عمران: 98].
2) أسلوب الحوار:
وأسلوب الحوار مع أهل الأديان -وأهل الكتاب خصوصاً- يختلف بحسب اختلاف أصناف الناس, فاختلاف الأساليب مبنية على اختلاف المخاطب بها وقد تنوعت أساليب القرآن على النحو التالي:
أ) الأسلوب المباشر في الدعوة: يقول تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64].
ب) أسلوب التذكير: يقول تعالى: {يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ} [البقرة: 47].
_________
(1) انظر: دعوة التقريب بين الأديان 4/ 1543وما بعده(3/217)
ج) أسلوب الترغيب والترهيب: يقول تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ والإنجيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} [المائدة:66]، ويقول تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إلا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [المائدة: 73].
د) أسلوب الإنكار: يقول تعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ? يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون} [آل عمران: 71].
3) وسائل الحوار التي استخدمها رسول
تعددت الوسائل في الحوار مع أهل الأديان عموماً وأهل الكتاب خصوصاً ومنها:
أ- الذهاب إليهم في نواديهم ومحافلهم وأسواقهم وبيوتهم. ب- دعوتهم إلى دار الإسلام. ج- الكتابة إلى زعمائهم وحكامهم. د- استقبال وفودهم. هـ- دعوتهم أثناء الغزو والجهاد. ومناقشة علمائهم والاطلاع على كتبهم للاحتجاج عليهم. ز- إسماعهم القرآن وتلاوته عليهم.
ثانياً: مرتبة المجادلة.
المناقشة والمجادلة تتضمن أمرين: 1 - إقامة البرهان والدليل القاطع على صدق الحق وصحته. 2 - والرد الصحيح على الشبهات المانعة من قبول الحق.
ومع ورود آيات كثيرة في النهي عن الجدل وذمه كقوله تعالى: {وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ} [غافر: من الآية5]، إلاَّ أن ثمت آيات أخرى تأمر بالجدل كقوله تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} [النحل: 125]. والجمع بينهما هو أن الجدل المذموم هو الجدل بالباطل ولنصرته, والجدل المحمود هو الجدل لنصرة الحق وإقامة الدليل عليه، وقد أمر الله تعالى بمجادلة أهل الكتاب بالأسلوب الحسن في قوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إَِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [العنكبوت:46]. وهذه الآية تدل على أن أهل الكتاب وأصحاب الأديان نوعان:
أحدهما: من يريد الحق ويسعى إليه: وهذا يُجادل ويُناقش بالتي هي أحسن, وهي: "الأدلة العقلية المقنعة" مثل الاستدلال بالآيات البينات (1).
الثاني: المعاند المحارب المعرض عن الحق: وهذا لا يُجادل بل يُقاتل في سبيل الله (2) ,ولا شكَّ أن مناقشة أهل الأديان لا تكون بالنصوص الشرعية لأنه لا يؤمن بها من حيث المبدأ, بل تكون بالأدلة العقلية الصحيحة، والقرآن الكريم يتضمن الأدلة العقلية على قضايا العقائد بوضوح تام, فقد جاء بالحق في المسائل والدلائل.
ولعل أبرز الأدلة العقلية التي تقرر إثبات النبوة ما يلي (3): 1 - تضمن الوحي لأدلة ثبوته من عدة جهات:
_________
(1) انظر: تفسير الجلالين (ص / 82).
(2) انظر: تفسير الجلالين (ص / 82).
(3) انظر: المعرفة في الإسلام ص / 131وما بعدها.(3/218)
أ - من جهة التحدي بالإتيان بمثل القرآن أو سورة من سوره في بيانه وبلاغته. ب - ومن جهة ما ورد فيه من الأخبار الغيبية التي لا يمكن أن يعلمها النبي صلى الله عليه وسلم بأي وسيلة بشرية مثل: حفظ القرآن, وظهور الإسلام على جميع الأديان ونحوهما من الغيبيات. ج- ومن جهة مطابقته للكشوف العلمية في جميع المجالات مثل الطب والفلك والطبيعة.
2 - دلالة المعجزات على النبوة.
3 - دلالة أحوال النبي وصفاته على نبوته صلى الله عليه وسلم، وأبرز مثالٍ له حديث هرقل الطويل وسؤاله عن أحوال النبي صلى الله عليه وسلم ودلائل نبوته.
وكل قضية عقدية فإنه يمكن الاستدلال العقلي عليها سواء بشكلٍ مباشر, أو غير مباشر، ويكون ذلك بإثبات النبوة عقلاً، وهي بدورها تدل على صدق ما يخبر به النبي من قضايا العقائد والأعمال، وفي قوله تعالى: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُم} [العنكبوت: من الآية 46] فائدتان في موضوع المجادلة لأهل الأديان عموماً وأهل الكتاب خصوصاً:
الأولى: استعمال الأدب الحسن والخلق الرفيع قولاً وفعلاً أثناء المناقشة لأن ذلك أدعى للقبول والتأثير وهذا مأخوذ من قوله: {إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
والثانية: الإعراض عن مجادلة المعاند الذي لا يريد الوصول إلى الحق أو المقاتل المحارب الذي يتحين الفرصة لإلحاق الأذى بالمسلمين.
ثالثاً: مرتبة المباهلة.
قال تعالى: {فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ ونساءنا ونساءكم وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ} [آل عمران: 61]، قوله: {ثُمَّ نَبْتَهِلْ} أي: "نتداعى باللعن، يقال عليه بَهْلة الله وبُهْلَته أي لعنته" (1)، والابتهال هنا أي: التضرع في الدعاء باللعن (2).
وهذه الرتبة في الحوار مع أهل الأديان إنما تكون لمن يجادل بالباطل, أو اتضح له الحق وقامت عليه الحجة وأعرض عنها, يقول ابن القيم رحمه الله في فقه قصة وفد نجران: "ومنها: أن السنة في مجادلة أهل الباطل إذا قامت عليهم حجة الله, ولم يرجعوا بل أصروا على العناد أن يدعوهم إلى المباهلة, وقد أمر الله سبحانه بذلك رسوله, ولم يقل: إن ذلك ليس لأمتك من بعدك" (3).
وهذه درجة متقدمة في حوار أهل الكتاب ولها فائدة عظيمة من جهتين: 1 - إظهار التحدي, والثقة التامة بأن الداعي إلى المباهلة على الحق. 2 - تخويف المعاند بتعريضه للعنة الله تعالى فربما كان ذلك سبب في رجوعه (4).
رابعاً: مرتبة المفاصلة والبراءة.
_________
(1) تفسير غريب القرآن - لابن قتيبة - ص / 106.
(2) انظر: تفسير الجلالين ص / 127.
(3) زاد المعاد 3/ 623.
(4) دعوة التقريب بين الأديان 4/ 1576(3/219)
المفاصلة والبراءة بين المسلمين والكفار بكل أصنافهم ثابتة قبل الحوار، ولكن المراد بها هنا نوعاً خاصاً هو بمنزلة البيان الختامي للحوار الذي يتولى ويعرض فيه المحاور عن الحق, كما قال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} (آل عمران: من الآية 64)، ويقول تعالى: {فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 137]. وبهذا يتبين أنه بعد الدعوة والبيان التام, وكشف الشبهة, وإقامة الحجة فإن المحاور يتحدد موقفه: إما الإسلام, وإما التولي، "وحينئذٍ فلابد من الحجة والإعلان والإشهاد بعد المحاورات والمفاوضات المنتهية بالتولي والإعراض: بأنَّا مسلمون, ومن سوانا ليسوا كذلك" (1). وهذا يدل على أنه لا تترك الأمور بدون توضيح وبيان.
آية الحوار بين الفهم الصحيح والفهم الفاسد:
أصرح آية في الحوار بين الأديان في القرآن هي آية آل عمران المتقدمة, وهي قوله تعالى: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 64]، وهذه الآية فهمها بعض المثقفين والكتَّاب على غير وجهها، واعتمدوا في فهمها على مجرَّد الرأي, بعيداً عن الرجوع لأقوال الصحابة والتابعين والمفسرين السابقين.
والفهم الصحيح لها هو (2): أن في هذه الآية دعوة لأهل الكتاب - وهي شاملة لغيرهم أيضاً -إلى التوحيد الخالص, وعبادة الله تعالى وحده، فالكلمة السواء هي (شهادة أن لا اله إلا الله) ويبين ذلك قوله في الآية: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} وهذا يعني أنهم قبل هذه الدعوة ليسوا كذلك وهذا ما يدل عليه حالهم وواقعهم, وقوله (ألاّ تعبدوا إلا الله) تفسير لكلمة السواء فأصل (ألاّ) هو أن لا, وأن هنا تفسيرية حيث تقدمها ما يدل على معنى القول وهي (كلمة) وحينئذ تكون الجملة بعدها مفسرة لمعنى (الكلمة السواء) , وقد فهم البعض أنَّ الكلمة السواء هنا بمعنى أن حوارنا معكم لا بد له من قاعدة نقف نحن وإياكم عليها لنجاح الحوار, وهو أمر موجود فينا وفيكم قبل الحوار وهو قدر مشترك فيما بيننا وبينكم!! وهذا الفهم مناقض لمفهوم الآية التي دعت أهل الكتاب للوصول إلى نتيجة ليست موجودة عندهم وهي: {أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ} كما أن اعتبار هذه الآية قدراً مشتركاً يجعل من الحوار معهم أمراً لا فائدة منه لأن التوحيد الخالص موجود فيهم حسب الفهم السابق.
_________
(1) دعوة التقريب بين الأديان 4/ 1577
(2) انظر: جامع البيان - للطبري- 3/ 299, تفسير القرآن الكريم - لابن كثير- 2/ 45, (كتاب الشعب) , الدر المنثور - للسيوطي- 2/ 233.(3/220)
ومن جهة أخرى فالواقع الواضح عند أهل الكتاب هو الوقوع في الشرك من جهة التوحيد, والكفر من جهة إنكار الرسالة, يقول الدكتور سلمان العودة في قواعد الحوار مع أهل الكتاب: "اعتبار القدر المشترك في الديانة السماوية المتمثل في صحة النبوة والوحي ولزوم الاتباع للأنبياء، وتحصيل لوازم هذا القدر المشترك، وهذا هو المذكور في قول الله سبحانه وتعالى: {يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شيئاً}، وهذه قاعدة عقلية فاصلة في مقام جمع المختلف أو رد الاثنين إلى الواحد، فيعتبر المختلف بالمؤتلف، والثنائية بالأحادية، وهذا معتبر أيضاً بكتاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى هرقل كما في الصحيحين، ويتبع هذا تصحيح المفاهيم المنحرفة، وردها إلى الصدق الذي جاءت به النبوة الخاتمة" (1).
وهذا القول على أهميته في مجادلة أهل الكتاب والحوار معهم إلا أنه ليس هو معنى آية آل عمران المتقدمة فيما يظهر لي, فهي صريحة في الدعوة والحوار المباشر حول التوحيد وترك الشرك كما تقدم.
وقد أوّل بعض الكتاب (الكلمة السواء) في الآية إلى أنها: "فعل الصالحات النافعات للبشرية, ومواجهة الطغيان, وتحقيق معرفة كل طرف بالآخر, وإزالة الفهم دون المحاولة إلى إلغاء الخصوصيات" (2) , وهذا تأويل بعيد عن معنى الآية ودلالتها، فالمتأمل في الآية يدرك أن كلمة السواء مفسرة, وليست مطلقة بحيث يتصور القارئ ما شاء في تحديدها, وهناك فرق كبير بين فهم الآية على أنها دعوة لأهل الكتاب إلى التوحيد ومناقشتهم للوصول إلى غاية عظيمة وهي التوحيد وترك الشرك، وبين فهمها على أنها قدر مشترك ينطلق منه لتصحيح ما عندهم من الباطل, أو أنها في الحث على التعاون المشترك للوصول لما فيه الخير للإنسانية، ومما يؤكد تفسير هذه الآية السلوك العملي للنبي حيث كان حواره لهم بهدف دعوتهم للتوحيد وهدايتهم إليه.
قواعد مختصرة في الحوار مع أهل الكتاب:
هناك جملة من القواعد التي ينبغي الاهتمام بها أثناء الحوار مع أهل الكتاب، يمكن أن نشير إلى نبذ يسيرة منها وهي بحاجة ماسة للبحث والمراجعة، خاصة ونحن نعيش في زمن الاحتكاك المباشر مع أهل الكتاب في مجال الصراع الفكري, أو الصراع المسلح المادي، لا سيما في هذا العصر على الخصوص الذي أصبح التواصل فيه بين أقاصي الدنيا وأدناها من أسهل الأمور في كل المجالات, وإذا لم نرسم - نحن دعاة أهل السنة - منهجية صحيحة في الحوار المفروض علينا معهم, فإن غيرنا من أصحاب الفكر المنحرف - الذي يحرف النصوص - سيأخذ قصب السبق في هذا المجال, وسيقّعد للأجيال القادمة قواعد فاسدة في التعامل مع أهل الكتاب في مجال الحوار, أو غيره من المجالات، ومن هذه القواعد التي ينبغي أخذها في الاعتبار:
1 - تحديد الهدف من الحوار معهم: وتنقيحه من شوائب الانهزامية, والتخاذل والغموض في محاورة أهل الكتاب، والهدف الرباني في الحوار هو دعوتهم إلى الله تعالى, وتمني هدايتهم للإسلام والحرص على تصوير الإسلام لهم كما أمر الله به, وتوضيح نقائه وصفائه لهم من غير محاولة لتشبيهه بالمناهج الأرضية المنحرفة, فهو أسمى وأعظم وأجل من كل المناهج الأرضية.
_________
(1) مقال: قواعد الحوار مع أهل الكتاب - د/سلمان العودة - موقع الإسلام اليوم.
(2) انظر: الحوار الإسلامي المسيحي- د. يوسف الحسن- ص: 43 - 44.(3/221)
2 - عدم التصدي للحوار بدون علم بدين الإسلام: أوعدم القدرة على توضيح غاياته بصورة صحيحة، فليس الحوار مطلوب من كل أحد, بل هو مطلوب من أهل القدرة علماً وبياناً، أما غيرهم فليس مطلوب منه الحوار, إلا إذا كان بشكل مبدئي في الحث على فضائل هذا الدين, أو كان المخاطب الكتابي عامي يمكن التأثير عليه دون علم دقيق بمناهج الجدل والمناقشة، فهذا يدخل في الدعوة العامة إلى دين الإسلام الذي هو مطلوب من كل مسلم.
3 - الاستفادة مما لدى أهل الكتاب من الإقرار بوجود الله تعالى وصحة وجود النبوة - في الجملة-, واليوم الآخر ونحوها للبناء عليها في بيان الحق لهم أو التدليل على باطلهم، وينبغي مراعاة الفروق الفردية والطائفية في دعوتهم فيوجد فيهم من يقر بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ولكنه يقصرها على العرب فمناقشة هذا ودعوته أسهل من المنكر لها بالجملة.
4 - إقامة الأدلة العقلية على صحة نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-:فإقراره بنبوته يقتضي بالضرورة إقامة الأدلة العقلية على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم , ويقتضي بالضرورة أن خبره صدق وقد أخبر أنه مرسل للعالمين, والطعن في ذلك إما قدح فيما أقر به وهو إثبات نبوته, أو طعن في خبر النبي وهو غير مستقيم لمن أثبت النبوة.
وهنا أحب التنبيه إلى ضرورة الرجوع إلى المناهج العقلية القرآنية وتبنيها والحديث بها وان كان بدون الإشارة إلى كونها قرآنية لأن الخصم لا يقر بحجيتها، ولا بأس بالأدلة العقلية السالمة من اللوازم المبطلة لشيء من الدين، وقد وقع أهل الكلام في هذا لأنهم تصوروا أن القرآن جاء بالأدلة الخبرية المحضة دون الأدلة العقلية، فراحوا يخترعون أدلة يريدون بها نصر الدين فوقعوا في لوازم تقتضي تحريف بعض العقائد، فكانت النتيجة تقرير قواعد في الاستدلال والنظر مخالفة للمناهج المتفق عليها وتوصلوا إلى أغراضهم بالتأويل الفاسد للنصوص.
5 - الدراسة الدقيقة لمنهج الأنبياء في حوار أقوامهم: وبالذات منهج الرسالة الخاتمة للرسالات كلها وأخذ الأصول العلمية في الحوار مع أقوامهم ودعوتهم إلى الله تعالى.
6 - دراسة مناهج علماء السنة في مناقشاتهم وحوارهم مع أهل الكتاب: مع ضرورة التنبه إلى المناهج البدعية في حوار بعض أصحاب البدع مع الكتابيين مما سبب في وجود مناهج منحرفة في الفكر الإسلامي ظهرت فيما بعد على شكل فرق ضالة.
7 - إثبات تناقض كتبهم وضعف دينهم: من واقع هذه الكتب دون ذكر وسيط مما يجعلهم يعيدون النظر في حقيقة دينهم وإمكان بطلانه.
8 - إثبات دين الإسلام بالأدلة الصحيحة والمناهج القرآنية والنبوية المعتبرة بعيداً عن مناهج أهل الأهواء والبدع: ومن ذلك إثبات صحة القرآن والنبوة بالأدلة الحسية التي تضمنتها، مثل: الإخبار بالمغيبات وبموافقة الكشوف العلمية الثابتة دون تعسف وليَ للنص القرآني أو النبوي.
9 - إثبات مناقضة ديانتهم المحرفة للعقل والحس: مما جعل التطبيق لها في الواقع مناف للفطرة الإنسانية ولسنن الله في الاجتماع والحياة، وهنا ينبغي التنبه لمزلة وقعت في الفكر الإسلامي وهي تصور إمكان التعارض بين العقل والنقل وحصل بسببها عراك تاريخي ومازال مستمراً إلى اليوم، ولا يمكن التدليل على عدم التعارض بينهما بشكل صحيح موافق لمقتضى النص ولدلالة العقل إلا على منهج أهل السنة، أما من تخبط في مناهج الفرق فسوف يستأسد عليه أهل الأديان على قاعدة بعضهم: (خرافات النصرانية خير من خرافات الإسلام) يقصد التصوف والتشيع وكذلك سيكون الأمر هنا.(3/222)
1 - لابد من مراعاة حسن التعامل والمناقشة: ليكون للدعوة قبول دون مخالفة شرعية، كالقول بإقرارهم على اعتبار دينهم والثناء عليهم بمثل ذلك باسم احترام الآخر، ولا يصح التسفيه له إذا طمع الداعية في هدا يته، فالحق وسط بين تفريط من يردد عدم الإقصائية ويقول باحترام دين الآخر، وكأن الخلاف هو في وجهات النظر لا في أصل الدين, وبين الإفراط الذي يجعل من إمكان هداية المحاور أمر في غاية الصعوبة.
ومن خلال العرض المتقدم لمنهج النبي صلى الله عليه وسلم للحوار مع أصحاب الأديان, يتبين أنَّ الأساس في الحوار هو الدعوة وإقامة الأدلة على صحة دين الإسلام, ووجوب الانقياد له ونبذ الأديان المحرفة، وبيان ما في دينهم المحرف من الباطل بلغة علمية, ومنهجية سليمة, وهذه حقيقة شرعية واضحة لمن استقرأ نصوص الكتاب والسنة, وطالع أخبار الأنبياء وعرف طبيعة رسالتهم.
المبحث الثاني: أنواع الحوار بين الأديان وأحكامها.
"الحوار بين الأديان" اسم عام يطلق على كل مخاطبة ومحاورة تتم بين طرفين أو أكثر من أهل الأديان والمؤمنين بها، فكلمة "حوار" كلمة عامة تشمل كل ما يقع عليه معنى التجاوب والتراجع والتخاطب, ولا شك أن مطلق الكلام لا يصح الحكم عليه دون معرفة خصائصه المميزة.
والحوار من المصطلحات المجملة التي تحمل معنى حقاً ومعنى باطلاً, فلا يصح الحكم عليه وهو بهذه الحالة من الإجمال والإبهام, بل لابد من الاستفصال عن المعنى المراد بدقة, ثم النظر بعد ذلك في حكمه في ضوء النص الشرعي, ومن خلال التتبع لأحوال الحوارات المتعددة بين الأديان تبيّن أنها على أنواع مختلفة، ولكل نوعٍ خصائصه المحدَّدة له والمميزة له عن غيره، مع أن جميع الأنواع يصح إطلاق اسم "الحوار بين الأديان" عليها, وعليه فلابد من توضيح نوع الحوارات المجملة ,والاستفصال عنها ومعرفة أهدافها وخصائصها قبل الخوض فيها أو الحكم عليها, وبناء على ذلك فسأذكر كل نوعٍ على حدة، وأذكر الخصائص المميزة له باختصار, ثم أُبين الحكم الشرعي على كل نوعٍ على حدة.
أولاً: حوار الدعوة:
والمقصود به في -المفهوم الإسلامي-: الحوار مع أتباع الأديان الأخرى لبيان صحة هذا الدين، وأنه ناسخ لكل الأديان السابقة، وإيضاح صحة نبوة محمد ومحاسن الإسلام العظيمة، وبيان ما هم عليه من الباطل المنحرف, وهذا الحوار مطلوب شرعا, تدل عليه كل الآيات والأحاديث الدالة على فضيلة الدعوة إلى الله وبيان الحق ورد الباطل, وهذا النوع تقدم الكلام فيه في المبحث الأول، وهو موجود تمارسه جمعيات ومراكز, وجهات متعددة وأفراد كثيرون, ولايسمى في الاصطلاح باسم الحوار بين الأديان، فهو داخل في عموم اللفظ العام دون مدلوله الاصطلاحي الخاص وشعاره المعروف.
أما الحوار التبشيري عند النصارى الذي تمارسه الكنيسة الكاثوليكية، ومجلس الكنائس العالمي وغيرها, فهو اتخاذ الحوار وسيلة للتنصير، وذريعة لتشكيك المسلمين في دينهم ونبيهم، وطريقاً مخادعاً لأخذ الشهادة والإقرار والموافقة بصحة دينهم, وأنه دين معتبر حتى بعد دخول التحريف فيه (1).
_________
(1) انظر: الحوار مع أهل الكتاب- خالد القاسم- ص/112 - 117.(3/223)
ثانياً: حوار التعايش وحكمه: تعريفه: المقصود بحوار التعايش هو: الحوار الذي "يهدف إلى تحسين مستوى العلاقة بين شعوب أو طوائف، وربما تكون أقليات دينيّة، ويُعنى بالقضايا المجتمعيّة كالإنماء، والاقتصاد، والسلام، وأوضاع المهجّرين، واللاجئين ونحو ذلك، ومن أمثلة هذا اللون من الحوار: (الحوار العربي الأوروبي)، و (حوار الشمال والجنوب) " (1) , وقد يسمي البعض هذا النوع (التسامح) , وهذا التعريف هو معنى التعايش بالمفهوم العام, الذي يؤخذ من دلالة الكلمة دون ارتباطات بالمفاهيم اللاحقة.
وهذا المفهوم العام لا يزيد على حسن المعاملة، والعيش بصورة ملائمة بين كافة المجتمعات مع الاختلاف الديني والفكري والثقافي, والتعايش بهذا المعنى بين اتباع الأديان المختلفة لا يرفضه الإسلام، ويدل عليه معنى البر والإحسان والقسط الوارد في مثل قوله تعالى: {َلا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الممتحنة8]. ولهذا المفهوم ثلاثة ضوابط:
أولاً: مراعاة الولاء والبراء: فلا تلازم بين الإحسان والعيش الكريم والتسامح في المعاملة وبين الموالاة للكفار, أو ترك البراءة منهم، فالولاء والبراءة أصل شرعي دلت عليه نصوص شرعية كثيرة (2).
ثانياً: إقامة العدل: والإنصاف مع كل الناس، فالعدل أساس عظيم في نماء المجتمعات واستقرارها.
ثالثاً: التزام الحكمة في المعاملة: وهي وضع الأمر في موضعه ومقامه الصحيح الائق به, الموافق للمنهج الرباني, ولطبيعة النفس الإنسانية.
لكن هذه الكلمة (التعايش والتسامح) أخذت بعداً آخر غير المفهوم العام السابق, وذلك عندما رفعه العالم الغربي كشعار مع العرب والمسلمين بعد حرب 6 أكتوبر (1 رمضان عام 1973م) , وما تلاها من المقاطعة العربية في 17أكتوبر, بقرار من وزراء النفط العرب في الكويت, الذي يقضي بفرض الحصار النفطي على أميركا, وتخفيض مستوى الضخ حتى يتحقق الجلاء عن الأراضي العربية, وتؤمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني.
فرفع الغرب هذا الشعار لتهدئة الوضع, ووقف القتال وتخفيف حدة الضغوط العربية إلى حين ترتيب أوراقه, وإعادة تنظيم أهدافه الاستراتيجية وقد تم ذلك وأصبح واضحاً للعيان, أن حوار التعايش والتسامح ما هو إلا شعار لأهداف سياسية بحتة, لا سيما بعد السيطرة الأمريكية على الخليج, ومنافذ البلاد العربية والإسلامية بعد أزمة الخليج الثانية، وأصبح الأمر أشد وضوحاً بعد الاجتياح الإسرائيلي الأخير للضفة الغربية، وعندما طرح خيار الضغط بمنع النفط عن أميركا ولو لوقت محدد, لم توافق عليه الدول العربية النفطية، لا لكونه يلحق الضرر بمصالحها, بل لكونها غيرقادرة عليه لضعف سيادتها أو زوالها عن النفط على أقل تقدير.
وعندما وقعت أحداث 11 سبتمبر وهاجت أمريكا ورفعت شعار (الحرب على الإرهاب) , عاد العرب والمسلمين لرفع شعار التعايش والتسامح بنفس المفهوم الغربي السابق الذي رفع إبان حرب 6 أكتوبر وتداعياتها.
_________
(1) دعوة التقريب بين الأديان 1/ 348.
(2) انظر الولاء والبراء- د/محمد سعيدالقحطاني - كاملاً(3/224)
لقد أصبحت فكرة (التعايش والتسامح) دعوة فكرية تحمل في طياتها مضامين فكرية وثقافية وحضارية واجتماعية, وقد تبنى هذه الفكرة ونظر لها من الطرف الإسلامي "المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة" (ايسسكو) حيث أصدرت كتابا بعنوان "مفهوم التعايش في الإسلام" تأليف د. عباس الجراري. والتعايش والتسامح بهذا المفهوم عرفه (اليونسكو) في بيان له بأنه "احترام الآخرين وحرياتهم والاعتراف بالاختلافات بين الأفراد والقبول بها, وهو تقدير التنوع الثقافي, وهو الانفتاح على الأفكار والفلسفات الأخرى بدافع الإطلاع وعدم رفض ما هو غير معروف". وسيأتي مزيد توضيح لمفهومه إن شاء الله.
خصائصه: سبق في التعريف أن التعايش له مفهومان متغايران، أحدهما مأخوذ من المفهوم العام للكلمة, والآخر مأخوذ من شعار خاص, رفع في فترة من الفترات لأهداف سياسية ثم تطور إلى أن أصبح فكراً منظماً, تقوم على تصديره بعض المؤسسات الكبرى (اليونسكو - والايسسكو) , ثم عاد ليصبح شعاراً سياسياً للتخفيف من هيجان العالم الغربي بسبب أحداث 11 سبتمبر بنفس المضامين الفكرية, وبناءً على هذا فلابد من تمييز خصائص النوع الأول عن النوع الثاني, ثم بيان الحكم في كل واحدة على حدة, فخصائص (حوار التعايش) بالمفهوم الأول المميز له عن غيره هو:
1 - أنه حوار لا علاقة له بالدين.
2 - أنه يقتصر على الحوار فيما يتعلق بالمعيشة البحتة بين أهل الأديان التي تفرضها طبيعة الحياة البشرية وحاجاتها الفطرية.
3 - أنه لا يتضمن محبةً أو ولاءً, أو اعترافاً بصحة دين الآخر أو تزكيةً له أو مدحاً, بل هو قاصر على الأمور الدنيويّة وفي حدود الحاجة.
4 - أن لا يتضمن شيئاً من التنازل عن أمر من أمور الدين, بحجة الترغيب لهم في الدخول في الإسلام, أو اعطاء صورة حسنة عن الإسلام, أو بأي تعليل آخر.
حكمه: هذا النوع من الحوار - إذا لم يصاحبه ما يعكِّر على خصائصه السابقة أو يزيد فيها - فهو جائز لا إشكال فيه، وهو خاضع للسياسة الشرعية العملية التي يقدرها أهل الحل والعقد من أهل الخبرة والعلم والدين, وقد تفاوض رسول الله مع اليهود وعاهدهم، وصالح المشركين في الحديبية، وكذلك الصحابة الكرام تفاوضوا مع أهل الأديان المختلفة فيما يخص دنياهم ومعاشهم، ولا يزال هذا الأمر موضع اتفاق, وقد "زخر الفقه الإسلامي المؤسس على الكتاب والسنة بتراث ضخم في مجال العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين" (1).
خصائص التعايش بالمفهوم المعاصر (2): لقد أعطي مصطلح (التعايش) بعداً آخر غير ما مضى من التوصيف, وأخذ مفهوم التعايش بعداً فكرياً جديداً وهو بهذا المعنى يندرج تحت التقارب الذي سيأتي الكلام عليه.
وحوار التعايش يكون في العادة بين الدول التي تمارس الحياة العملية بحكم الاتصال المادي بينها, ولا مجال له بين الأديان إلا من هذه الزاوية, وإنما ذكرناه في موضوع الحوار بين الأديان, لأنه يدخل في العنوان العام بسبب عمومية لفظة (الحوار) ولأن البعض يخلط بينه وبين حوار التقارب, ثم إن حوار التعايش أخذ مدلولاً آخر غير ما سبق ذكره, في الخصائص العامة ليكون بذلك فكراً جديداً له خصائصه الفكرية المختلفة عن ما سبق ذكره.
ويمكن تلخيص تلك الخصائص في النقاط التالية:
_________
(1) دعوة التقريب بين الأديان 1/ 348
(2) انظر في هذا النوع: التعايش السلمي - هيوكتسكل - , دراسات في التسامح - ناجي البكري وآخرون - , تسامح الغرب مع المسلمين في العصر الحاضر - عبد اللطيف الحسين - , مفهوم التعايش في الإسلام - عباس الجراري- , المسلمون والأوربيون (نحو أسلوب أفضل للتعايش) - الخزندار-.(3/225)
1 - القول بحرية التدين وإنكار حد الردة في الإسلام, باعتباره معارضاً لحرية اختيار الإنسان للدين الذي يقتنع به، وجعل القاسم المشترك بين كل الأديان البيان العالمي لحقوق الإنسان.
2 - منع كل ألوان الاعتداء على الآخر وإنكار الحرب باسم الدين, وتفسير الجهاد في الإسلام بأنه للدفاع عن النفس وإنكار جهاد الطلب.
3 - منع الكراهة الدينية والدعوة للإخاء الإنساني.
4 - المطالبة بالحرية الدينية للأقليات غير المسلمة في البلاد الإسلامية, والتعامل معهم على أساس الوحدة الوطنية, وليس على أساس المعتقد الديني، واقتراح الغرب الحل العلماني كأفضل حل لمشكلة الأقليات, وان كان هذا لا يراه كل من يرى الحوار بهذا المفهوم.
5 - الإقرار بالأديان السماوية جميعاً وتفسير هيمنة الإسلام عليها بأنه (مراقب) عليها فهو يرصد ما تتعرض له الديانات من انحراف عن الحق.
6 - الاجتماع على تقوية الصلة بالله في النفوس، خاصة بعد طغيان المادية وتفشي قيمها المسيطرة على الشباب في العالم.
7 - البعد عن العنف والإرهاب والتطرف الديني والتكفير والتدخل في خصوصيات الآخر الدينية, وأن كل هذا مناف للاحترام الديني الذي يجب أن يكون بديلاً عن كل القيم السابقة (1).
حكمه: من خلال الخصائص السابقة يتبين لنا أن التعايش تحول من تعايش مادي عن طريق المفاوضات بين الدول, إلى تقارب ديني وحضاري بين الدول والشعوب.
والخصائص السابقة تتضمن انكار أمور معلومة في دين الإسلام وواضحة فيه، مثل: قضية إنكار الجهاد، والولاء والبراء، وحكم المرتد، والسماح للكافر بنشر كفره في المجتمعات الإسلامية باسم حقوق الأقليات، وكل هذا يعتبر إنكاره كفرٌ مخرج من الملة, لأنه تكذيب للنصوص الشرعية الدالة عليه, أما من تأوَّل بعض النصوص للوصول إلى قوله هذا, فهو بحسب طريقته في التأول, إن كانت شبهة وإشكالاً لها مسوِّغ في اللغة, فهو ينفي عنه التكفير، ويصبح مثل عامة المبتدعة، الذين تأولوا وصاروا إلى مقالات مناقضة لصريح الكتاب والسنة ولم يكفرهم العلماء بذلك, أما إن كان تأولاً بعيداً لا شبهة له في اللغة, أو قول لبعض العلماء, فهذا لا حجة في تأوله وغير معذور فيه, وبالجملة فهذا النوع من الحوار يعود إلى حوار التقارب الآتي ذكره.
ثالثاً: حوار التقارب وحكمه: تعريفه: "التقارب بين الأديان" لا يحمل مدلولاً اصطلاحياً محدداً، فلفظ "التقارب" أو "التقريب" مأخوذٌ من القرب، وهو أمرٌ نسبي يتفاوت في حقيقته وتطبيقاته, فقد يقتصر على حدٍّ أدنى من المجاملات الشكلية، وقد يبالغ فيه إلى درجة الاندماج الكامل والوحدة التامة، وبين هاذين مراتب متعددة, وكلها داخلة في عموم اسم التقارب (2) , وهذا المفهوم أوسع نوع من أنواع الحوار بين الأديان، ولعله أشهر مفهوم له والذي تعقد له المؤتمرات المتعددة.
خصائصه: ولعل الخصائص المميزة للتقارب الذي لا يصل إلى درجة الوحدة يمكن أن تجمل فيما يلي (3):
1 - اعتقاد "إيمان" الطرف الآخر، وإن لم يبلغ الإيمان التام الذي يعتقده هو، أما القول بكفر الآخر فقد يصرح به البعض، وينفيه الأكثر.
2 - الامتناع عن التلفيق بين عناصر الأديان، وتجنب البحث والمناقشة في المسائل العقدية الشائكة.
3 - التعرف على الآخر كما يريد أن يُعرف.
4 - نسيان الماضي التاريخي والتخلص من آثاره، والاعتذار عن أخطائه.
5 - إبراز أوجه الاتفاق، وترك نقاط الاختلاف.
_________
(1) هذه الخصائص ملخصة من الكتب المشار إليها في الحاشية السابقة.
(2) انظر: دعوة التقريب بين الأديان 1/ 335. والحوار الإسلامي المسيحي ص/44 - 13 - 43.
(3) المصدر السابق 1/ 336(3/226)
6 - التعاون على تحقيق القيم المشتركة وهي تشمل ما يلي (1):
أ - التعاون لصد الإلحاد في العقيدة.
ب - الوقوف ضد دعاة الإباحية.
ج- التعاون حول قضايا العدل والمستضعفين, والشعوب المضطهدة والأوطان المحتلة، والفقر والمرض ... الخ.
7 - الاعتراف بالآخر، واحترام عقائده وشعائره، وتبادل الزيارات والمجاملات في المناسبات الدينيّة المختلفة (2)، والمشاركة في عباداتهم أحياناً (3)، ويدخل في ذلك التأكيد على المحبة والمودة, والإخاء والصداقة, والثقة والاحترام المتبادل معهم.
8 - البعد عن جعل الحوار دعوة مبطنة سواء للإسلام أو النصرانية (4).
ومن خلال ما سبق يتبين أن التقارب أمرٌ نسبي، فيمكن حصول التقارب إلى درجة الوحدة, ويمكن الاكتفاء بالتفاهم العام القريب من حوار التعايش.
وقد ظهر لي أن دعاة التقريب نوعان: النوع الأول: تجتمع فيه الخصائص السابقة إلاّ عدم تكفير اليهود والنصارى, ويمكن التمثيل لهذا النوع بالشيخ يوسف القرضاوي, ولجنة الحوار في الأزهر. النوع الثاني: تجتمع فيه الخصائص السابقة مع قوله بعدم تكفير اليهود والنصارى, كما هو قول جمال الدين الأفغاني والدكتور محمد عمارة مثلاً.
حكمه: حكم حوار التقارب يختلف بحسب نوع القرب، وقد سبق أن بينتُ أن دعاة التقريب على نوعين، والفارق بينهما هو تكفير اليهود والنصارى، فمن كفّرهم مع القول بالتقريب على نحو ما سبق فقوله بدعة مخالف لمنهج النبي في حواره مع أهل الكتاب، ومن لم يكفّرهم فقوله كفرٌ لأنه تكذيب لأمرٍ قطعي في القرآن والسنة، بغض النظر عن الأشخاص المعينين، لأن لهم شأن آخر فيما يتعلق بوجود الشروط وانتفاء الموانع, وليس هذا مجال بحثنا هنا.
أما المودة والمحبة القلبية، فإن كانت لدينه فهي كفر أكبر بغير خلاف، وأما إن كانت المحبة القلبية لغير دينه بل لأمر دنيوي، ولم يقتض ذلك مظاهرته على المسلمين فهي من الكبائر ولا توصل للكفر الأكبر.
وسأدلل على أن "حوار التقريب" مخالف لأصول الدين, ومناقض لمنهج الرسول -صلى الله عليه وسلم- بشكل عام من خلال الوجوه التالية:
الوجه الأول: أنه موالاة للكفار ومخالفة لعقيدة الولاء والبراء، يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ} [الممتحنة: 1]. ويقول تعالى: {لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ... } [المجادلة:22]. ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... } [المائدة: من الآية51]. والمودة والموالاة في "حوار التقريب" هو الشعار البارز الذي يردد في اللقاءات والبيانات المشتركة.
_________
(1) انظر لقاء الشيخ يوسف القرضاوي حول (الحوار بين الأديان) في: قناة الجزيرة - برنامج الشريعة والحياة - الثلاثاء 19/ 8/ 1422هـ , الموافق 6/ 11/ 2001م.
(2) انظر: خطاب الشيخ يوسف القرضاوي في ندوة الحوار بين الأديان - موقع إسلام أون لاين. نافذة الإسلام وقضايا العصر.
ومقابلة مجلة ليلة القدر مع رئيس لجنة الحوار بين الأديان الشيخ فوزي الزفزاف. www. Lailatalqadr.Com زاوية حوارات.
(3) الحوار مع أهل الكتاب ص / 124.
(4) انظر: الحوار الإسلامي المسيحي ص/43 - 44(3/227)
ولعلي أكتفي بالنقل عن أفضل المشاركين في هذه الحوارات والمنظرين لها وهو الشيخ يوسف القرضاوي حيث يقول في بيان أهداف الحوار: "تنقية العلاقات من رواسب الروح العدائية التي خلفتها الصليبية قديماً، والاستعمارية حديثاً، وإشاعة معاني الإخاء والإنسانية والرحمة، وفتح صفحة جديدة لعلاقات أنقى وأصفى" (1).
الوجه الثاني: أنه مخالفة لمنهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في حوار الأديان، واتباع لغير سبيل المؤمنين، ومخالف لإجماع المسلمين, قال تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} [النساء: 115].
ولا شك في أن "حوار التقريب" مناقض لهدي الرسول- صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وعلماء الإسلام, فأصحاب التقارب يتركون نقاط الاختلاف، ولاسيما مسائل العقائد, وهذه مناقضة لمنهج الدعوة النبوية، فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعا أهل الكتاب وغيرهم من أهل الأديان إلى تحقيق التوحيد ونبذ الشرك وجادلهم على ذلك، ولم يرد تركه لمخاطبتهم في العقائد والإعراض عن ذلك إلى قضايا مشتركة أخرى.
فدعوة التقارب فيها تنكّب لطريق الأنبياء ومعاكسة له، وهذا من دلائل بطلانه.
الوجه الثالث: أنه إعراض وترك لبعض الأحكام الشرعية. يقول تعالى: {وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْك ... َ} [المائدة: 49]. وهذه الآية صريحة في ثلاثة أمور أثناء الحوار مع أهل الكتاب وهي:
1 - دعوتهم والحكم بينهم بحكم الله، وهذا أعرض عنه دعاة التقريب, بالبعد عن نقاط الاختلاف, وتنزيل الدين الحق منزلة الدين المحرف بحجة اعتبار الآخر واحترامه.
2 - البعد عن مجاملتهم والتنزل معهم واتباع أهوائهم، وهذا أعرض عنه دعاة التقريب في مشاركتهم لهم في أعيادهم وإثبات إيمانهم وتزكيتهم.
3 - الحذر من فتنتهم عن بعض ما أنزل الله تعالى، وهذا أعرض عنه دعاة التقريب فانزلقوا في مخالفة بعض ما أنزل الله بحجة التقارب والحوار، ومن أمثلة ذلك:
• الإعراض عن الولاء والبراء، والحب في الله والبغض في الله, تحت مسمَّى "المحبة والاحترام المتبادل" و "الأخوة الإنسانية" و "نبذ التعصب".
• إلغاء أحكام أهل الذمة تحت مسمى "العدالة الاجتماعية" و "حقوق الإنسان".
• ابطال حد الردة، وتمكين الكفار من الدعوة إلى دينهم وبناء معابدهم، ونشر كتبهم تحت مسمى "حرية التدين" و "التعددية الدينية" و "التعرف على الآخر".
• الغاء الجهاد في سبيل الله وما يتبعه من أحكام, مثل استرقاق الأسرى والغنائم تحت مسمَّى "السلم العالمي"، وفكرة الجهاد من أصلها لا تناسب الحوار بين الأديان بمعنى التقريب المزعوم, وغير ما تقدم من الأحكام الشرعية أعرضوا عنها بسبب الحوار والتقريب (2).
_________
(1) أولويات الحركة الإسلامية في المرحلة القادمة ص / 176
(2) انظر: دعوة التقريب بين الأديان 4/ 1448(3/228)
الوجه الرابع: أنه يتضمن المساواة بين الكافرين والمسلمين، يقول تعالى: {أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ} [القلم: 35]. ويقول تعالى: {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [صّ: 28]. ودعوة التقريب في أساسها تقرر مبدأ المساواة الدينيّة، وهذا رفع لما وضعه الله، وتنزيل لما رفعه الله تعالى, فالتقارب يفترض المساواة بين الأديان وعدم امتلاك الحقيقة المطلقة لأي منها، وهذا شك في الإيمان والإسلام وتوسط بين الأديان وهذا يقتضي ترك الجزم بصحة الحقائق المطلقة في الإسلام ونظرته إلى أهل الأديان الأخرى.
رابعاً: حوار وحدة الأديان وحكمه:
تعريفه:
وحدة الأديان هو "الاعتقاد بصحة جميع المعتقدات الدينيّة، وصواب جميع العبادات، وأنها طرق إلى غاية واحدة" (1) , ومن أبرز المنظرين لها في الوقت الحاضر "روجيه جارودي" تحت غطاء "الإبراهيميَّة" (2)، ومفتي سوريا الشيخ أحمد كفتارو (3) , وهما يتفقان في الدعوة إلى وحدة الأديان مع اختلافهما في منطلق ذلك، فالأول يدعو للوحدة من منطلق إنساني فهو يسعى لوحدة أديان الإنسانية ولكنه يرى أن المرحلة الأولى تبدأ بوحدة أديان الملل السماوية الثلاث، تحت مسمَّى (الإبراهيمية)، والثاني من منطلق صوفي وعلى فكرة صوفية وهي الوحدة والاتحاد، وهم الذين يرون العالم كله هو الإله وأن أفراده مثل موج البحر متعدد ولكنه من البحر نفسه، وبناءً على ذلك فكل الأديان صحيحة, لأنها صادرة عن الإله تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.
والأثر البالغ والكبير لهما هو من جهة مكانتهما وشهرتهما العالمية، فجارودي كان الرجل الثاني في الحزب الاشتراكي الفرنسي بعد الرئيس الفرنسي (جاك شيراك) , وأحمد كفتارو هو المفتي العام لدولة سوريا وله علاقات غامضة بكثير من المؤسسات المشبوهة, وقد نشطا بشكل كبير في بناء المؤسسات القائمة على هذه الأفكار الوحدويّة.
خصائصه: وأبرز الخصائص الفكرية لهذا النوع من الحوار ما يلي:
1 - ما سبق ذكره من خصائص لحوار التقارب.
2 - اعتقاد صحة عقائد الأديان الأخرى وعباداتها، وأنها طرق موصلة إلى الله.
3 - اعتبار الخصائص المميزة بين الأديان ظواهر وتقاليد تاريخيّة لشعب معين أو حقبة زمنية معينة, أو اعتبارها أنواعاً مختلفة توصل إلى حقيقة واحدة.
4 - العمل على المساواة بين كتاب المسلمين وعباداتهم ومساجدهم, مع ما يقابلها عند أصحاب الأديان الأخرى. ومن ذلك (4):
- الدعوة إلى طباعة المصحف الشريف والتوراة والإنجيل في كتاب واحد بين دفتين.
- بناء مجمع لأماكن العبادة يضم مسجداً وكنيسة وكنيساً.
- تبادل الزيارات بين عمار المساجد ومرتادي المعابد مما يزيل الجفوة ويولد المودة.
- إقامة الصلوات المشتركة في أماكن العبادة لمختلف الأديان, سواء بابتداع صلاة يشترك فيها الجميع, أو بأن يصلي كل واحد صلاة الآخر وغيرها من الشعائر التعبديّة.
حكمه: ومن خلال الخصائص السابقة لهذا النوع من الحوار يتبين أنه كفر خالص وردة عن الدين لأمور كثيرة منها:
_________
(1) دعوة التقريب بين الأديان 1/ 339.
(2) انظر: التحليل المفصل لنظرية جارودي ونقدها في دعوة التقريب بين الأديان 2/ 839 - 937.
(3) انظر دراسة كاملة عنه في المصدر السابق 3/ 136.
(4) انظر: الإبطال لنظريه الخلط بين دين الإسلام وغيره من الأديان ص /13 - 24 - 96, ودعوة التقريب بين الأديان 4/ 1465 - 1492(3/229)
أولاً: أنه تكذيب للقرآن والسنة في تكفير اليهودية والنصرانية وغيرها من الأديان، وحصر الحق والنجاة في الآخرة في (الإسلام) فقط. يقول تعالى: {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [آل عمران:85]. ويقول تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ} [آل عمران: 19]. ومن أصول العقائد الإيمانيّة الضرورية في دين الإسلام:
"اعتقاد كفر من لم يدخل في هذا الإسلام (1)، من اليهود والنصارى وغيرهم, وتسميته كافرا وأنه عدو لنا، وأنه من أهل النار (2) قال تعالى: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ} [البينة: 1]. وقال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: 73]. ومن نواقض الإيمان القطعية تكفير من لم يكفر الكافر الأصلي, كاليهود والنصارى وأهل الأديان؛ لأن عدم تكفيرهم تكذيب لخبر الله وخبر رسوله في كفرهم، ومعاندة لحكمه فيهم, ولا مجال للحديث التفصيلي عن أوجه كفر أهل الكتاب وغيرهم.
ثانياً: أنه طعن في نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- من حيث شمولها وكفايتها وختمها لسائر النبوات (3).
ثالثاً: أنه طعن في أصول الإسلام وجذوره الأساسية, مثل شهادة لا إله إلا الله التي تقتضي الكفر بالطاغوت, الذي هو من أبرز شروطها كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل) (4) , وهذا الحديث يدل على أن قول لا إله إلا الله وحده دون اعتقاد أو عمل-غير عاصم للدم والمال الذي هو علامة على ثبوت الإسلام- ولا معرفة معناها مع لفظها, ولا الإقرار بذلك, بل لابد من الكفر بما يعبد من دون الله وهو الطاغوت، وكذلك طعن في شهادة أن محمداً رسول الله وقد تقدم.
وتأسيساً على ما سبق: "فإن الدعوة إلى (وحدة الأديان) إنْ صدرت من مسلمٍ فهي تعتبر ردة صريحة عن دين الإسلام، لأنها تصطدم مع أصول الاعتقاد، فترضى بالكفر بالله عز وجل، وتبطل صدق القرآن ونسخه لجميع ما قبله من الشرائع والأديان، وبناءً على ذلك فهي فكرة مرفوضة شرعاً, محرمة قطعاً بجميع أدلة التشريع في الإسلام، من قرآن وسنة وإجماع " (5).
خامساً: حوار توحيد الأديان وحكمه:
تعريفه: توحيد الأديان يقصد به "دمج جملة من الأديان والملل في دين واحد مستمد منها جميعاً، بحيث ينخلع أتباع تلك الأديان منها وينخرطون في الدين الملفق الجديد" (6) , والفرق بين هذا النوع والنوع السابق (وحدة الأديان) هو أن:
النوع الأول: عبارة عن دين جديد مخلوط من عناصر الأديان مع الترك والخروج من الدين القديم والدخول في هذا الخليط الجديد.
أما النوع السابق: فلا زال كل واحد على دينه القديم لكن كل دين, فهو صواب يوصل إلى المقصود, مع إبداع إطار عام يبرر توجهات الأديان جميعاً. وأن الخلاف بينهما مثل الاختلاف بين الآراء الاجتهادية الصحيحة في الدين الواحد.
_________
(1) أي الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم في العقائد والشرائع وهو عبادة الله وحده لا شريك له بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم
(2) الإبطال لنظرية الخلط ص/ 93, وفتوى اللجنة الدائمة في (وحدة الأديان) برقم (1942) وتاريخ 25/ 1/ 1418هـ.
(3) انظر تفصيل ذلك في دعوة التقريب بين الأديان 4/ 1436.
(4) رواه مسلم في صحيحة عن أبي مالك عن أبيه، رقم 23
(5) فتوى اللجنة الدائمة في (وحدة الأديان) برقم (1942) , وتاريخ 25/ 1/ 1418هـ.
(6) دعوة التقريب بين الأديان 1/ 343.(3/230)
خصائصه: ويميز علماء الأديان بين نوعين من أنواع الاندماج والتوحّد وهما:
(1) الالتقاطية: وهي عملية دمج عناصر من الأديان دون إيجاد نسق منهجي بينها، ويُمثل لهذا النوع بالديانة "المونية" التي اخترعها المتنبي الكوري الشمالي (صن مون) (1).
(2) التلفيقيّة: وهي عملية دمج بين عناصر من الأديان مع محاولة إيجاد نسق منهجي يربط بينها، ويمكن التمثيل بمحاولة الأب الأسباني (إيميليو غاليندور آغيلار) ومجموعته المسماة "كريسلام" (2).
حكمه: والحكم على هذا النوع من الحوار واضح فهو دين آخر غير دين الإسلام، وهو كفر أكيد وردة لمن اعتقده من المسلمين, وحيثيات ذلك واضحة، حيث أنه مناقض لأصل الدين وأساسه والإقرار لله تعالى بالتوحيد ولرسوله- صلى الله عليه وسلم- بالنبوة ولدين الإسلام بالانقياد والخضوع, وكل ما سبق في الكلام على (وحدة الأديان) يمكن ذكره هنا مع وضوح الكفر في هذا النوع أكثر من النوع السابق.
الخاتمة والتوصيات:
الحمد لله تعالى الذي بنعمته وبفضله تتم الصالحات وبعد:
فما تقدم من العرض السابق هو رؤيتي حول هذا الموضوع، وفي ختامه لابد من الإشارة إلى أهم النتائج والتوصيات وهي على النحو التالي:
أولاً: النتائج:
- أن عبارة (الحوار بين الأديان) عامة تتضمن صورا وأشكالا متعددة تختلف في مدلولها من معنى لآخر، ولهذا فإن أحكامها تختلف تبعا لذلك.
- أن (الحوار بين الأديان) بمعنى التداول للحديث والمناقشة والمجادلة يشمل ما دار بين الأنبياء وأهل الأديان من حوارات تدور حول الدعوة والمجادلة والمباهلة والبراءة.
- أن المعنى الاصطلاحي للحوار الآن مخالف لمناهج الأنبياء في حواراتهم لأقوامهم. - إن الحوار بين الأديان الموجودة متنوع, منه حوار الدعوة والتعايش والتقارب والوحدة والتوحيد ولكل واحد خصائصه وأحكامه.
- أن حوار التعايش منه الحق والصواب, وهو الموافق لمعنى البر والإحسان بضوابطه الشرعية, ومنه الباطل الذي يتضمن موالاتهم وانكار بعض الأحكام الشرعية, مثل الجهاد وحد الردة وبغض الكافرين ونحوه.
- أن حوار التقارب يتضمن أمورا مخالفة ومناقضة لمنهج الأنبياء في الدعوة والحوار, مثل اعتقاد إيمان الطرف الآخر وغيرها مما تقدم.
- أن حوار التوحيد والوحدة يتضمن أمور منافية لأصل الدين وهادمة له.
ثانياً: التوصيات:
- كشف أشكال الحوارات الباطلة, وبيان عدم انسجامها مع العقيدة الصحيحة, في دراسات وأبحاث متنوعة، وهنا أشيد بالدراسة القيمة للدكتور أحمد القاضي بعنوان ((دعوة التقارب بين الأديان)).
- إيضاح الأبعاد والأهداف السياسية للحوار، واستعمال الأديان وسائل لتحقيق مآرب سياسية معينة.
- إنشاء مراكز لحوار الأديان والحضارات, تظهر المفهوم الصحيح وتبطل المفاهيم الباطلة في هذا الصدد.
هذا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
_________
(1) انظر الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة (الندوة العالمية للشباب الإسلامي).
(2) انظر: تفصيلاً كاملاً لهذه المجموعة في دعوة التقريب بين الأديان 3/ 939
المصدر: شبكة القلم(3/231)
الأعياد المحدثة
د. لطف الله بن ملا خوجه
في هذا المبحث، ليس القصد بالذات تصديرَ حكمٍ، إنما بيان كيف بُني الحكم؛ أي هو بالأصالة جواب سؤال ابتدء بـ"لماذا"؟، وبالتبع جواب سؤال ابتدء بـ"ماذا"؟.
الأعياد الطارئة على الأمة في قرون لاحقة، والتي لم تكن على علم ولا عمل بها، متعددة أهمها: المولد النبوي، وأعياد الميلاد، والأعياد الوطنية .. إلخ. وهنا نحن في محاولة معرفة العلل المؤدية لإنتاج حكم تخص هذه الطارئات، ليس مجرد معرفة الإباحة أو التحريم؛ لأن في بيان السبب، والداعي، والباعث، والعلة إقامة لبنيان الحكم مشيدة في النفوس والعقول، فلا تكون عرضة للتشكك والتقلب.
لدينا قواعد قعّدتها الشريعة، تجري الأحكام وفقها، تحليلا وتحريما، فمن ذلك:
1 - العبادات توقيفية، فلا تعبد إلا بما أذن به الشارع.
2 - ما لم يكن في عهد النبوة من متعلقات الدين، مع توفر الداعي، وعدم المانع، فهو محظور.
3 - مضاهاة المشروع نوع من التشريع، والتشريع لله وحده.
4 - (من تشبه بقوم فهو منهم)، وعليه فالتشبه بالكافرين ممنوع، حتى لا يكون منهم.
5 - ما يفضي إلى محرم فهو محرم، فالعمل المباح إذا تضمن فسادا حرم.
فكل عمل، كان دينيا أو دنيويا، وجدت فيه إحدى هذه العلل المانعة، أو أكثر، فهو محظور شرعا. وكل هذه دلت عليها الأدلة الكثيرة المعروفة، والتي يعرفها المشتغلون بالنصوص.
والملاحظ فيها أنها جمعت بين العلل الدينية والدنيوية؛ أي منها ما هو ديني الصبغة، ومنها ما هو دنيوي الصبغة، ومنها ما يجمع بينهما.
فالتعبد بما لم يرد، وفعل ما لم يفعل في عهد النبوة، هذه دينية. والفساد في الأرض هو دنيوي. وأما المضاهاة والتشبه فإنها تكون تارة في الدين، وتارة في الدنيا.
* * *
كل عيد محدث فيه نصيب من هذه العلل، بعضها أو كلها، فهو لا شك محظور ممنوع شرعا. لكن قبل أن نستطرد في هذا البيان للحكم، من المفيد تشخيص حالة الأعياد المشروعة في الإسلام بالوصف والنعت، لنعرف منه ما يشبهها، فيكون مضاهيا لها. فالأعياد اثنان هما: الفطر، والأضحى. وثمة عيد ثالث في معناهما من بعض الوجوه: الجمعة. ووصفنا سيكون للعيدين بالخصوص؛ لأن الكلام يدور عليهما، وعلى ما يضاهيهما، فالعيدان يضم كل واحد منهما ما يلي من الأحكام:
1 - الصلاة. وهي سنة مؤكدة فيهما على الأعيان، فرض كفاية على الأمة.
2 - الصدقة. وهي واجبة في الفطر ( .. زكاة الفطر)، وسنة في الأضحى الصدقة من الأضحية.
3 - الذبح. سنة مؤكدة في الأضحى.
4 - الفطر وعدم الصوم. واجب فيهما.
5 - التجمل، والتطهر، ولبس الجديد فيهما.
6 - اللعب واللهو المباح.
7 - الاجتماع على كل ذلك؛ أي إن كل المظاهر السابقة عامة في الجميع، إلا من كان له عذر.
8 - المعاودة كل: أسبوع، أو شهر، أو عام.
9 - ينتج من كل ما سبق: أن تلك المظاهر تدل على مشروعية تعظيم ذلك اليومين بهذه الأفعال.
والجمعة فيها: الصلاة واجبة، والتنظف والتجمل سنة، وليس فيها ذبح، ولا صدقة مأمور بها، وفيها المنع من الصوم، إلا ما كان لسبب، وليس فيها اللهو واللعب.
فهناك شعائر واجبة ( .. الاجتماع للصلاة، وصدقة الفطر، والفطر، وتعظيم اليوم)، ومسنونة ( .. الصدقة باللحم وغيره، والتنظف والتجمل)، ومباحات ( .. اللعب واللهو).
قال ابن تيمية في اقتضاء الصراط (1/ 442): "العيد يجمع أمورا:
- منها: يوم عائد. كيوم الفطر، ويوم الجمعة.
- ومنها: اجتماع فيه.
- ومنها: أعمال تتبع ذلك: من العبادات، والعادات. وقد يختص العيد بمكان بعينه، وقد يكون مطلقا. وكل من هذه الأمور قد يسمى عيدا".
فإذا عرفنا هذه المظاهر، فإن الذي يترتب على ذلك:(3/232)
أن أي عيد محدث يتضمن هذه الشعائر كلها فهو يضاهي أعياد الإسلام، فيلحقه المنع بوصفه مضاهاة لما شرع الله تعالى، وفعلٌ لما لم يرد به إذن، ولم يفعل في عهد النبوة. لقوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه، فهو رد).
فإن تضمن بعضها، فقد يتضمن الشعائر الواجبة أو المسنونة، فوجود هذه فيه يحظره ويمنع منه كذلك؛ لأنه وافقها في الأصول، وكفى بذلك مضاهاة، فيلحق النوع الآنف حكما. لكن إن تجاوز ذلك كله، فلا مضاهاة تامة، ولا في الأصول، لكن في اللهو واللعب والطعام والاجتماع؛ أي في المباحات، فما هذا؟.
هنا خرج عن المضاهاة في الدين، وبذلك خرج من باب العبادات ليلج إلى العادات، فهل يلحقه حكم بالمنع .. هل ثمة ما يمنع من عيد يحدثه الناس، ليس فيه إلا اللهو واللعب والاجتماع؟.
في العلل الآنفة الذكر، نجد أن مما هو علة للمنع: المضاهاة، والتشبه. وهاتان علتان تتعلقان بالأمور الدينية، كما تتعلق بالدنيوية. وثمة علة ثالثة للمنع: الفساد المصاحب لهذه الأعياد، إن وجد.
توفر هذه العلل، أو بعضها، في أي عيد يكفي في الحظر. فإذا العيد المحدث احتوى على: اللعب واللهو، والاجتماع. فتخصيصه بهذه الأعمال من التعظيم لذلك اليوم، فيدخل بهذه الأمور الدنيوية تحت علة المضاهاة لأعياد الإسلام؛ لأن فيها كل ذلك. وإنشاء عيد ثالث أو رابع .. إلخ فيها هذه المظاهر، هي مزاحمة لأعياد الإسلام، وهذا مضاد لمقصد الشارع، حيث أراد ألا يكون ثمة عيد يزاحم أعياد الإسلام، كما روى أبو داود في سننه، في الصلاة، باب صلاة العيدين، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما. فقال: ما هذان اليومان؟. قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله قد أبدلكم بهما خيرا منهما: يوم الأضحى، ويوم الفطر)).
فقد كانوا فيهما يلعبون؛ أي إن فعلهم يقع في قسم المباحات، ولم يكونوا فيهما يتعبدون، ثم إنه نهاهم عنهما، يدل عليه تركهم لهما بالكلية، فلم يؤثر إعادتهم الاحتفاء بهما، فقد فهموا المنع، ولولا ذلك لبقي عليهما بعضهم؛ أولئك الذين يحبون اللهو واللعب؛ إذ العادات لا تتغير إلا بأمر حاسم.
ثم إن هذا معنى البدل؛ فهو يقتضي ترك المبدل منه؛ إذ لا يُجمع بين البدل والمبدل منه، كما في قوله تعالى: {أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدوا بئس للظالمين بدلا}، {ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب}، {فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم}، وكما في حديث المقبور: (فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به خيرا منه، مقعدا في الجنة) متفق عليه. (انظر: اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 433)
إن مزاحمة أعياد الإسلام ينتج عنها من التهاون بالعيد المشروع، واللامبالاة به، ما يعني تضييع وخفوت شعائر الدين، فالعيدان من الشعائر. وهذه طبيعة في البشر والأمم، الإكثار من الشيء وكثرته يورثهم اللامبالاة به، وضعف الإقبال عليه، وهذا خطير!!، خصوصا وأن العيدين يرتبطان بركنين من أركان الإسلام، هما: الصوم، والحج. وتعظيمهما من تعظيمهما، ومثل هذه الآثار قد لا تحصل على المدى المنظور، لكن مع فهم طبيعة النفس البشرية، وتاريخ الأمم والمجتمعات، والبحث في أسباب التغيرات: ندرك أن النتيجة تلك ( .. اللامبالاة) حاصلة قطعا.(3/233)
هنا دليل آخر، يمنع من الاحتفال بالأعياد المحدثة، لمجرد أنها ليست مشروعة، أو لكونها مضاهية للمشروع، هو حديث بوانة، فقد روى أبو داود في سننه، في الأيمان والنذور، في ما يؤمر به من الوفاء بالنذر، عن ثابت بن الضحاك أن رجلا نذر أن يذبح إبلا ببوانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟، قالوا: لا. قال: فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟، قالوا: لا. قال: أوف بنذرك؛ فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم).
بحسب مفهوم هذا الأثر وحدوده، من دون حصر، فإن:
- العيد قد يكون زمانيا أو مكانيا ..
- وقد يكون قائما، أو سابقا ..
- والاحتفال به إما باتخاذه، أو بموافقة أهله بتخصيص عمل ما في ذلك العيد.
ففي الأثر نهي عن: التخصيص بالذبح ( .. عبادة) .. مكانا كان عيدا .. في السابق؛ لأنه تعظيم لذلك المكان، وموافقة لأهله.
ومنه نستنتج: أنه إذا كان العيد زمانيا، فله الحكم نفسه؛ إذ لا فرق بينهما ( .. المكاني والزماني) في المنع من الإحداث .. وإذا كان عيدا قائما، فأولى بالمنع من السابق الغابر .. وإذا منع من الموافقة، فاتخاذه أولى بالمنع. ثم إن هذا الحديث اختص بالمنع من الموافقة في الأعياد بالعبادات ( .. أن أذبح إبلاً .. )، والحديث السابق منع من العادات ( .. يلعبون فيهما .. ). وهكذا تكاملا.
فهذا الأثر يمنع من التشبه بهم في الأعياد، وهذه العلة الأخرى للمنع من الأعياد، ولو خلت من المظاهر التعبدية ( .. الصلاة، الذبح، الصدقة)، فعلة التشبه - أيضا - مانعة من إحداث عيد جديد؛ لأن هذا العيد، بالوصف السابق المقتصر على اللهو واللعب والاجتماع:
- إما أن يكون إحداثا، خاصا بالمسلمين، لم يبتدعه الكفار؛ فيدخل حينئذ في المضاهاة فيمنع.
- أو يكون ابتدعه الكافرون فيكون الفاعل له متشبها بهم، فيمنع للعلتين: المضاهاة، والتشبه.
وهكذا نجد: أن العلتين تتواردان على الأعياد المحدثة بالمنع، تارة إحداهما، وتارة كلتاهما، فإذا صاحبها الفساد بالإسراف، والتبرج والاختلاط، ونحو ذلك، انضمت إليهما علة ثالثة للمنع.
فالعيد الذي يحدثه الكفار، لا تجوز مشابهتهم فيه للحديث المشهور: (من تشبه بقوم فهو منهم)، والتشبه في الأمور الدينية منهي عنه قطعا، هذا لا جدال فيه، والعيد من جملة الأمور الدينية، ولو لم تتخللها عبادات محضة؛ فذات الاجتماع ومظاهر الفرح يلحقها بالشعائر، ولذلك منع النبي صلى الله عليه وسلم من موافقتهم في أعيادهم باللعب والفرح، وقال: (قد أبدلكما الله بخير منهما). قال ابن تيمية: "الأعياد من جملة الشرع والمناهج والمناسك، التي قال تعال عنها: {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه}، كالقبلة، والصلاة، والصيام، فلا فرق بين مشاركتهم في العيد، وبين مشاركتهم في سائر المناهج، فإن الموافقة في جميع العيد، موافقة في الكفر. والموافقة في بعض فروعه، موافقة بعض شعب الكفر. بل الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع". (اقتضاء الصراط المستقيم 1/ 470)
قال الشيخ محمد بن إبراهيم في فتاواه 3/ 106: "الأعياد كلها من باب العبادة".
وهكذا نصل إلى معرفة أحكام هذه الأعياد المحدثة: المولد، والميلاد، العيد الوطني.
فالمولد محدث في الدين؛ كونه مرتبطا بالنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه مظاهر تعبدية كالذكر، ولم يرد فيه نص، ولم يفعله الصحابة، مع تمكنهم وعدم المانع، كما أن فيه تشبه بالنصارى، فهم الذين يحتلفون بعيد ميلاد المسيح عليه السلام. هكذا تتوارد على هذا العيد أكثر من علة للمنع.
والاحتفال بعيد الميلاد الشخصي فيه التشبه، وإن خلا من المضاهاة بالاجتماع.(3/234)
والعيد الوطني إن كان فيه اللعب واللهو والاجتماع على ذلك، فيكون مظهرا عاما للجميع، تتعطل الأمور كلها لأجل ذلك: فإنه بذلك يضاهي أعياد الإسلام، من حيث هذه المظاهر كلها والتعظيم، فيدخل في باب الحظر.
كما أنه يحظر لعلة أخرى هي: التشبه. فالأعياد الوطنية تقليد لم يعرفه المسلمون.
لكن إن كان مجرد تذكير كلامي بالحال قبل وبعد، وكيف كان قيام الوطن خيرا على الناس، فذلك لا يدخل في باب المضاهاة، ولا تحت أية علة من العلل السابقة، بل هو كالتذكير بالأمجاد الإسلامية. هذا وتنمية حب الوطن وخدمته، له طرق كثيرة بديلة، ليس فيها شيء من المخالفات الشرعية.
بقي التفريق بين هذه الأعياد المحدثة الممنوعة، وبين تخصيص يوم أو أيام في العام لأعمال تعم نفعها، مثل أسبوع الشجرة، أو بدء الدراسة، أو النظافة، أو المرور ونحو ذلك، فهذه لا تدخل تحت العلل المانعة عبادة، ولا تدخل تحت التشبه كذلك؛ لأن التشبه على نوعين: في العبادات، وهذا ممنوع. وفي العادات وهو على قسمين:
- تشبه بهم في خصائصهم الدنيوية، من دون أن يكون من ورائه مصلحة راجحة، فيمنع لأن من مقاصد الشريعة، مخالفة أصحاب الجحيم.
- تشبه بهم في الخصائص الدنيوية، لكن تجتنى من ورائه مصلحة راجحة، فلا مانع، ويدخل في هذا الباب كل وسائل العصر التنقية وغيرها.
فإذا عرضنا تلك الأعمال، فقد لا يكون فيها أي تشبه، وليس فيها أية مظاهر ( .. مضاهاة) للعيد الشرعي، فلا وجه للمنع منها إذن؛ لأن المقصود بها التنظيم، والاستعانة على تحقيق مصالح راجحة، ليس فيها لهو ولا لعب، ولا اجتماع على ذلك، فإن الذي يعتني بها في العادة، قطاعات ومجموعات تختص بتلك الأعمال. فهي بالمختصر لا تشبه الأعياد في شيء، سوى تكرارها كل عام، وقد لا تتكرر في الوقت نفسه. وإن تكررت فلأن المصلحة لا تتحقق إلا بذلك، كبدء الدراسة.
وقد وقفت على فتوى للشيخين: ابن باز، وعفيفي. في هذا المعنى، قالا فيها:
"أولا: العيد اسم لما يعود من الاجتماع على وجه معتاد، إما بعود السنة، أو الشهر، أو الأسبوع، أو نحو ذلك، فالعيد يجمع أمورا منها: يوم عائد، كيوم الفطر ويوم الجمعة. ومنها: الاجتماع في ذلك اليوم، ومنها: الأعمال التي يقام بها في ذلك اليوم من عبادات وعادات.
ثانيا: ما كان من ذلك مقصودا به التنسك والتقرب أو التعظيم كسبا للأجر، أو كان فيه تشبه بأهل الجاهلية، أو نحوهم من طوائف الكفار، فهو بدعة، محدثة، ممنوعة داخلة في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم.
مثال ذلك: الاحتفال بعيد المولد، وعيد الأم، والعيد الوطني؛ لما في الأول من إحداث عبادة لم يأذن بها الله، ولما في ذلك التشبه بالنصارى ونحوهم من الكفرة، ولما في الثاني والثالث من التشبه بالكفار. وما كان المقصود منه تنظيم الأعمال مثلا، لمصلحة الأمة وضبط أمورها كأسبوع المرور، وتنظيم مواعيد الدراسة، والاجتماع بالموظفين للعمل ونحو ذلك، مما لا يفضي به إلى التقرب والعبادة والتعظيم بالأصالة، فهو من البدع العادية، التي لا يشملها قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فو رد)، فلا حرج فيه. فيكون مشروعا". فتاوى اللجنة 3/ 88 (9403)
والله أعلم.
* * *(3/235)
مناهج الإسلاميين في مقاومة التغريب
إبراهيم السكران
أصبح هناك اليوم منهجان واضحان لصيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب, وإذا شئنا أن نتجاوز المفاهيم الثقافية إلى جوهر الإشكالية في عبارة بسيطة، فإن الفتنة التي تعرض للشباب المسلم اليوم هي "استعظام دنيا الكفار", والمراد أن هذه الفتنة المعاصرة خلقت منهجين لمقاومتهما, كلاهما يحاولان الإجابة على إشكالية "مقاومة تهديدات التغريب" وهذان المنهجان:
أولهما: منهج "تعظيم الدنيا" ويستهدف هذا المنهج إعادة عرض الوحي في صورة المعظِّم لشأن عمران الدنيا, وإعادة عرض التراث باعتباره ينشد الحضارة والمدنية الدنيوية, وهدف هذا المنهج من إعادة رسم المشهد بهذه الطريقة "تلافي الاصطدام بين سطوة الحضارة والدين" حتى لا يتخلى الناس عن عقيدتهم وإيمانهم وتراثهم إذا رأوها لا تدفع باتجاه الحضارة الدنيوية, وهذا المنهج أخذ به بعض المنتسبين للُّغة الدعوية الحديثة, ولا يشك الإنسان أن كثيراً منهم أخذ بهذا المنهج بحسن قصد بهدف تقريب الإسلام للناس وخصوصاً للطبقات المثقفة بالثقافة الغربية المعاصرة, حيث يردد كثيراً أصحاب هذا الاتجاه (إن آخر ما يمكن أن نقاوم به التغريب هو التزهيد في الدنيا).
وثانيهما: منهج "تعظيم العبودية" ويستهدف هذا المنهج تربية الناس -والشباب خصوصاً- على ما تواتر عليه القرآن والسنة وفقه القرون المفضلة من "تعليق القلوب بالآخرة", والاستعلاء على حطام الدنيا وزهرتها, واعتبارها مجرد وسيلة نحرص عليها لننصر مبدأنا لا لكونها عظيمة في ذاتها, وترسيخ هذا المعنى في النفوس.
فإذا امتلأ قلب الشاب المسلم بمعاني "تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا" أصبحت القرون المفضلة في وعيه أرقى المجتمعات وأشرفها بما بلغته من تنوير العلوم الإلهية ومنازل العبودية ثم الاجتهاد في تحصيل وسائلها الدنيوية مع عدم الركون إليها, وأصبح المجتمع الغربي في نظره حالة من الانحطاط والظلامية بسبب ما سُلِبه من تنوير العلوم الإلهية والإعراض عن الله, والاستغراق في تدبير المعاش الحاضر وعلم ظاهر الحياة والدنيا، وهم عن الآخرة هم غافلون, وهذا المنهج أخذ به جماهير الإسلاميين اليوم ولله الحمد.
والواقع أنه عند التأمل والتدبر يكتشف الإنسان -بكل بداهة- أن المنهج الثاني هو المنهج الذي أخذ به النبي صلى الله عليه وسلم, وربّى أصحابه عليه.
فإن أصحاب النبي رضوان الله عليهم لم يستطيعوا أن يدكوا حضارة فارس والروم إلا حين زكى النبي صلى الله عليه وسلم نفوسهم وربى فيهم تعظيم الآخرة ووسيلية الدنيا, والشموخ بالعلوم الإلهية, فرباهم على ذلك بكل حدث يمرون به, فكان النبي صلى الله عليه وسلم يستغل الأحداث والوقائع لترسيخ معنى إرادة الله والدار الآخرة في نفوس أصحابه والاستعلاء على مظاهر الدنيا واعتبارها مجرد وسيلة لبناء المستقبل الأخروي.
والشواهد والمستندات التي تؤكد أن هذا المنهج هو "المنهج النبوي" في مقاومة تهديدات الهوية كثيرة جداً, بل أكثرها يعرفها القارئ الكريم, ومنها على سبيل المثال أنه حين مر النبي صلى الله عليه وسلم بالجدي الأسك استغل الحادثة وربى في أصحابه حقارة الدنيا بالنسبة للآخرة, فكما روى مسلم من حديث جابر: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالسوق داخلا من بعض العالية, والناس كنفته, فمر بجدي أسك ميت, فتناوله فأخذ بأذنه ثم قال: أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟ فقالوا ما نحب أنه لنا بشيء, وما نصنع به. قال: أتحبون أنه لكم؟ قالوا والله لو كان حيا كان عيبا فيه لأنه أسك فكيف وهو ميت؟! فقال: فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم).(3/236)
وحين أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية, أعاد ذات الدرس عليهم, فكما روى البخاري عن البراء بن عازب قال: (أهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرقة من حرير, فجعل الناس يتداولونها بينهم ويعجبون من حسنها ولينها, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتعجبون منها؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: والذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة خير منها).
وحين تضايق عمر من بذاذة بيت رسول الله بالنسبة إلى قصور الحضارات الأخرى, رباه النبي صلى الله عليه وسلم بحزم على هذا المعنى, حيث روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عمر بن الخطاب أنه قال: (رفعت رأسي في بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- فوالله ما رأيت فيه شيئا يرد البصر إلا أُهباً ثلاثة, فلما رأيت أثر الحصير في جنبه قلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسع على أمتك فقد وسع على فارس والروم وهم لا يعبدون الله, فاستوى النبي جالسا ثم قال: «أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا»).
هذا الحوار العظيم بين النبي وعمر من أدق المشاهد التي تحكم بين المنهجين السابقين وتفصل فيهما, فحين عبَّر عمر عن تألمه وهو يقارن "المظاهر الدنيوية" في الحضارة الفارسية والرومية بمحدودية المجتمع الإسلامي, لم يعبر له صلى الله عليه وسلم عن "تعظيم الدنيا" ليداري سطوة الحضارة عليه, فلم يقل له النبي إن لدينا نصوصاً كثيرة في فضل عمران الدنيا ونحن نسعى لبنائها أيضاً.
بل بالعكس من ذلك تماماً, فقد حذره من أن يغتر بتلك المظاهر المدنية الدنيوية, وأعاد تذكيره بقطب رحى الإسلام "مركزية الآخرة", وخاطبه بعبارة شديدة فيها استعظام لموقف عمر, فقال له: (أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟! أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا)
وفي رواية أخرى في الصحيحين أن النبي قال له: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟).
هذه هي التربية النبوية, وهذا هو منهج النبوة في مقاومة سطوة الحضارات الأخرى, أما إذا أكدنا للمتسائل عظمة الدنيا فقد أججنا دوافع الانبهار أصلاً, وصببنا الزيت على النار, ذلك أن استعظام دنيا الكفار لا يعالج بـ"تعظيم الدنيا", لأنه وبكل بساطة لا يعالج الأثر السلبي بتكريس دوافعه! فهل عالج القرآن الركون بتأكيد احترام الإسلام للدعة؟ وهل عالج القرآن التثاقل إلى الأرض عن الجهاد بتأكيد احترام الإسلام لجبلَّة كراهية القتال؟ وتأمل في كل الآثار السلبية لا تجد القرآن يعالجها بتأكيد دوافعها, وهذا أمر ظاهر.
وإنما يحسن بيان "أهمية الدنيا" في حالتين فقط:
إما أن يوجد مثقف يظن أن الإسلام يدعو للرهبنة وتحريم الطيبات والرفاه, فهذا يبين له أن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين من أكل الطيبات, وأن الله لم يحرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق, وأنه من أَخذ المال بحقه ووضعه في حقه فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل ولا يشبع, وأن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه, ونحو ذلك.
وأما الحالة الثانية: فهي أن يوجد شاب متحمس يظن أن العمل للإسلام لا يستحق تحصيل الأسباب والسعي فيها وأنه ليس ثمة سنن كونية للنجاح الإصلاحي, فهذا يبين له أمر الله بإعداد القوة واتخاذ الأسباب, وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب, وأن النبي ظاهر بين درعين, وقال (ألا إن القوة الرمي) , وأن قوم شعيب قالوا: {ولولا رهطك لرجمناك} , ونحو ذلك.(3/237)
فمثل هذين الحالين -وإن كانا ليسا شائعين بحمد الله- يحسن فيهما بيان أهمية الدنيا لا يخالف في ذلك أحد من فقهاء الإسلام, أما تحويل الخطاب الديني كله إلى شحن قلوب الناس والشباب المسلم بتعظيم الدنيا والمغالاة في قيمة المدنية المادية وإقرار كونها المعيار في تقييم المجتمعات والشخصيات فهذا انحراف مصادم للمنهج القرآني والتزكية النبوية وهدي القرون المفضلة.
ومما يؤكد ما سبق أنه حين جاءت الجزية من البحرين صلى بعض الصحابة مع النبي صلى الله عليه وسلم متعرضين له، علّه أن يصيبهم من المال، فأعاد النبي درس الدنيا/الآخرة فكما روى البخاري في الصحيح عن عمرو بن عوف الأنصاري: (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو صالح أهل البحرين وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي, فقدم أبو عبيدة بمال من البحرين, فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة فوافت صلاة الصبح مع النبي صلى الله عليه وسلم, فلما صلى بهم الفجر انصرف فتعرضوا له, فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رآهم وقال: أظنكم قد سمعتم أن أبا عبيدة قد جاء بشيء؟ قالوا أجل يا رسول الله. قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم, فوالله لا الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم).
وهذا المعنى وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يخشى الفقر على أمته, بل كان يخشى عليهم المنافسة في شؤون الدنيا, أعاده عليهم بحروفه, وذلك حين صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين, كما روى البخاري في الصحيح عن عقبة بن عامر قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء والأموات, ثم طلع المنبر فقال: إني بين أيديكم فرط, وأنا عليكم شهيد, وإن موعدكم الحوض, وإني لأنظر إليه من مقامي هذا, وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم).
بل كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يقارن بين قيمة الدنيا وقيمة الآخرة, فكما قارن بين مناديل سعد في الجنة والدنيا, فإنه قال كما روى البخاري عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لروحة في سبيل الله أو غدوة خير من الدنيا وما فيها, ولقاب قوس أحدكم من الجنة, أو موضع قيد يعني سوطه, خير من الدنيا وما فيها).
وقد كان صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه على أن الرفاه التام إنما هو في الآخرة, وأن الكفار هم الذين يتتبعون ألوان الرفاه في الدنيا كما نبههم على ذلك حين حرَّم الحرير وآنية الذهب فقال لهم: (لا تلبسوا الحرير ولا الديباج, ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة, ولا تأكلوا في صحافها, فإنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة) خرجاه من حديث حذيفة.
بل تأمل في صورة الدنيا كلها كيف ضرب لها النبي صلى عليه وسلم مثلاً فريداً فقال كما في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الدنيا سجن المؤمن, وجنة الكافر).
وضرب لها مثلاً آخر فقال صلى الله عليه وسلم: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء).(3/238)
ومن وجه آخر لم يكتف الخطاب القرآني ببيان وسيلية الدنيا وخطر تعظيمها فقط, بل كانت آيات القرآن تتنزَّل على مجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوالية في وقائع متتابعة تؤكد مرة بعد أخرى على تعميق الشعور بفرادة المجتمع المسلم وعلوهم على كل قوى المجتمعات الدنيوية الكافرة, انظر كيف تزكيهم آيات القرآن بهذا المعنى: {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران:139]
والخطاب في هذه الآية ليس لرسول الله بل هو لـ"المؤمنين" في مجتمع الصحابة ومن بعدهم, كم هي دلالة عميقة أن تكون هذه الآية نزلت أصلاً في لحظة "انكسار عسكري" أمام قوى الكفر, ومع ذلك يؤكد لهم تعالى أنهم "الأعلون", بل ولا يعتبر هذا المعنى مجرد "تشريف" بل هو "عقيدة" ولذلك ربط التمسك بها بصحة الإيمان فقال: {إن كنتم مؤمنين}.
هذا المعنى لـ"علو الإيمان" لا يعقله التغريبيون المعاصرون, ولذلك إذا رأوا بعض الدول الإسلامية المستضعفة تتساقط تحت قوى الإمبريالية الغربية, يرددون: إن دعاة الإسلام هم باعة الوهم ومروجو التضليل وتغييب الوعي إذ خدرونا بشعار "استعلاء الإيمان" ونحن نتساقط تحت قوى الكفر.
وهذا من أبين الأدلة وأظهرها على أن المعيار الإلهي لقيمة المجتمعات ليس هو "مظاهر القوة المدنية" بل المعيار الإلهي هو "العبودية" بمعناها الشامل, الذي تكون فيه التزكية الإيمانية وفروض الأعيان في هرمه, ويليها الفروض الكفائية ومصالح المسلمين العامة.
وعلى أية حال، أمثال هذه النصوص الشرعية لا تخفى القارئ العزيز قطعاً, بل هو يعرف مثلها وزيادة, وإنما المقصود تذكير النفس والإخوان بها, والإشارة إلى طرف من البراهين الكثيرة على صحة المنهج الإسلامي في صيانة الهوية ومقاومة تهديدات التغريب, وضعف المناهج الحديثة.
وكون الدنيا وسيلة للآخرة, يؤكده ما ذكره بعض محققي الأصوليين من أن وظيفة التشريع إقامة مصالح الدنيا لتقوم مصالح الآخرة, كما قال الإمام أبو حامد في الإحياء: (وأحكام الخلافة, والقضاء, والسياسات, بل أكثر أحكام الفقه, مقصودها: حفظ مصالح الدنيا, ليتم بها مصالح الدين).
مع أن هذه بعض وظائفها, إلا أنه ربطها بالهدف النهائي وهو إقامة الدين, والكلام على تعليل الشريعة سبق في مقالة "مآلات الخطاب المدني".
ومن تأمل في "تراجع الخيرية" في قرون الإسلام الأولى علم أنه كلما ابتعد الناس عن نور النبوة الأولى والتربية النبوية الأخروية فإنه يحصل لبعض المنحرفين في المجتمع الإسلامي من الانبهار بالثقافات المجاورة ما لا يحصل لسابقيهم, وهذا كله بسبب ما نقص في قلوبهم من تعظيم الآخرة عمن سبقهم, وما داخل القلوب من التثاقل إلى الأرض.
بل إن من تأمل لحظة ارتطام الفكر الإسلامي بسطوة الحداثة اليونانية في تاريخ الإسلام المبكر وكيف سببت ارتجاجات وفقدان تماسك لدى كثير من العباقرة والأذكياء, علم أن أئمة الإسلام الذين ثبتوا في تلك المحنة لم يتمكنوا من مقاومة تلك الأعاصير الحداثية إلا حين كانت العلوم الإلهية الموروثة عن خاتم الرسل أعظم في نفوسهم من كل ما سواها, فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين كل خير.
وهذه البراهين السابقة إنما هي مستقاة من دروس القرآن والسنة وهدي القرون المفضلة, أما لو شئنا الانتقال إلى "النتائج الواقعية" وقارنَّا مثلاً بين "مخرجات المدرسة التربوية الإسلامية" وبين مخرجات الخطاب الديني المتبني لـ"تعظيم الدنيا" فسنرى البون الشاسع في الفعالية والنجاعة.(3/239)
فمخرجات المدرسة التربوية الإسلامية عميقة الإيمان بمرجعية الوحي, وشديدة الاعتزاز بسلفها, متشبعة بقيم العمل للإسلام والغيرة على الدين, وراسخة الإيمان بظلامية الثقافة الغربية, وجادَّة في امتلاك الوسائل الحديثة كالتخصصات العلمية والمؤسسات الإعلامية وتوظيف التقنيات البرمجية والاتصالية, وغير ذلك مما هو ظاهر لكل أحد, فانظر كيف أن اتِّباع منهج الوحي وهدي القرون المفضلة في تعظيم الآخرة لم يقدها إلى الرهبانية كما يزعم غلاة المدنية, بل قادها إلى النجاح في تنظيم هرمية اهتماماتها بشكل صحيح, فكانت تلك المخرجات التربوية أنجح من غيرها في دينها ودنياها ولله الحمد.
وبالمقابل قارن ذلك بمخرجات "خطاب التأويل الديني" المتبني لـ"تعظيم الدنيا" تجد من يتصالح معه من العلمانيين لم يتزحزحوا عن علمانيتهم قيد أنملة, ومن استمع له من الشباب الدعاة وتشبع بمفاهيمه تجد الكثير منهم اضطربت معاييره, فنقصت هيبة السلف في نظره, وارتفعت قيمة الكفار, وبدأ يشعر بسذاجة المشروعات الدعوية الإيمانية, ثم خسارة "المكتسبات السلوكية" الراقية التي تربى عليها, وغير ذلك من المظاهر المعروفة.
فأين هذا المنهج من ذاك؟
وأساس الخلل الذي لم يتنبه له خطاب التأويل الديني المتبني لـ "أولوية المدنية المادية" هو أنه يمارس دون وعي "إعادة تشكيل داخلي للمعايير" بما يتناقض مع المعايير الإلهية لقيمة المجتمعات والشخصيات والثقافات والأمم.
صحيح أن من اقترب من بعض النخب المثقفة -التي ابتلي بعضها بالتبرم بدين الله- فسيرى أن محاولة إبراز معاني المدنية في القرآن والسنة والتراث لهم يساهم في تخفيف احتقانهم, لكن هذا المنهج وإن كان يخفف بعض الاحتقان لدى أمثال هؤلاء؛ إلا أنه يدمر الشاب المسلم الذي تربى على معاني الإيمان، ووقر في قلبه إيثار الله والدار الآخرة.
وأصدقك القول أيها القارئ الكريم أنني تأملت كثيراً في ظواهر الانحراف الثقافي في صحافتنا ومنتدياتنا -وخصوصاً في مستوياته الشبابية- فرأيت أنه إذا تشرب قلب الشاب "الغلو المطلق في أولوية المدنية المادية" بحيث أصبحت "معياره" في تقييم المجتمعات والشخصيات قاده ذلك "تدريجياً" إلى زهاء خمسة عشر كارثة:
التحييد العملي للنص, والإزراء بالقرون المفضلة, والاستخفاف بقيمة علوم الشريعة, واللهج بتعظيم الكفار, والسرور بالحديث الفكري المجرد, والتدهور السلوكي, والعزوف الدعوي, والتحول للمشروعات الفكرية "الشخصية", واستسذاج الموعظة والخطاب الإيماني, والحدة في محاسبة الإسلاميين, والرحابة وحسن الظن تجاه الدراسات المنحرفة, وذبول الحَمية لله ورسوله تجاه الكتابات المنتهكة للمحكمات, والتركيز على زلات المحتسبين بما يفوق عدوان المجاهرين, والتلذذ بمناهضة الفتاوى, والولع برخص العلماء وشذوذات الفقهاء.
وباختصار شديد: (إن خطاب التأويل الديني يبدأ بالتجديد وينتهي بالتجديف).
ومن الإنصاف أن أؤكد أن أمثال هذه الكوارث لا يجمعها كل من غلا في المدنية وجعلها فوق الإيمان والفرائض, بل هناك تفاوت هائل لا ينضبط طرفاه, وهذا أمر يعرفه كل من تابع الساحة الثقافية, فبعضهم يقارف بعضها وبعضهم يزيد عليها, بل بعضهم فاضل في ذاته لكنه لم يحسم رؤيته تجاه هذه المظاهر نسأل الله أن يحفظ مثل هذا النمط.
وإنما المراد أن أمثال هذه المظاهر الكارثية بمجموعها باتت مشاهد مؤلمة ومحزنة تستدعي استيقاظ الشعور وصعق إحساس الدعاة لإطفاء الحريق في منزلنا الداخلي, يجب أن نعمل سوياً بكل ما نملك لتحريك الوعي بهذه الأزمة, والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.(3/240)
والمقصود هاهنا أن الأمر المشاهد المعلوم الذي أكدته التجارب الحية أن بعض النخب المثقفة المحتقنة تجاه الدين حتى وإن خف احتقانها عن طريق خطاب التأويل الديني المتبني لـ"أولوية الدنيا" فإنها تستمر في فرض الرقابة على النص الديني, وتطالبه دوماً أن يكون مبرِّراً ومسوِّغاً لمنتجات الحضارة المعاصرة, ولا تقبل منه أن يمارس دوراً سيادياً حقيقياً.
ولا يشك مؤمن أن هذه الحالة التي هي "فرض الرقابة على النص" ليست مكسباً دعوياً ولا منجزاً يتشرف الإنسان بتحقيقه, بل هذه الحالة لا يرضى بها من عقل حقيقة الإسلام الذي هو "امتلاء القلب بالاستسلام لله", فالانقياد والخضوع والانصياع والتسليم والامتثال هو جوهر حقيقة الإسلام, ولذلك اشتهر بين أهل العلم تعريف الإسلام بأنه "الاستسلام", وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى الجوهري في حقيقة الإسلام, كما جاء في قوله تعالى: {ومَن يُسْلِمْ وجْهَهُ إلى اللَّهِ وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى} [لقمان:22].
كما أقسم الحق تبارك وتعالى على هذا المعنى في قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمَا} [النساء:65].
فانظر كيف أقسم تعالى هذه المرة بذاته العظيمة-لا بشيء من مخلوقاته كما هي غالب أقسام القرآن- وما ذاك إلا تعظيماً للمُقسَم به, وهو نفي الإيمان على من لم يرض ويسلم لأوامر الشارع ونواهيه مع تنظيف القلب من كل حرج أو تردد في القبول.
وأكد سبحانه أنه ليس للمؤمن اختيار أمام أوامر الله ونواهيه, كما قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} [الأحزاب:36].
فبالله عليك أخي القارئ تأمل هذا المعنى الذي علق الله عليه الإيمان, ثم قارنه بموقف بعض النخب المثقفة التي لا تبتهج بالوحي إلا إذا وافق الحضارة المعاصرة, فإذا لم يوافقها مارست أشد أساليب التعنت في تطلب الحسم الدلالي, وستجد حتماً أن ذلك نابع من شعبة خفية في القلب تعبر عن شرخ عميق في "أرضية الانقياد" التي يقف عليها إسلام المرء.
ولذلك تجد بعضاً منهم لا يسأل أصلاً عن موقف الوحي من هذه المستجدات والمنتجات والتطبيقات والأفكار والفلسفات, بل يتمنى أن لا يثير أحد هذا الموضوع أصلاً, فإذا جُوبه بالدليل استنجد بصناع التأويلات.
ألا يعكس ذلك ضمور الشغف بمرجعية الوحي؟!.
وبعض آخر -من هذه النخب المثقفة- يشعر شعوراً عميقاً أن الوحي ليس لديه إضافة جوهرية للحضارة المعاصرة, بل يعتبر أن أعظم خدمة يسديها للوحي هو أن يؤكد للناس أنه موافق لإبداعات الحضارة المعاصرة, وأن الوحي ولله الحمد ليس ضدها, ونحو ذلك, وهذا جهل عميق بوظيفة النبوات أصلاً, فإن الله تعالى بين أنه بعث النبوات وأنزل معهم الكتب السماوية بهدف أن "تحكم" بين الناس في كل شؤون حياتهم, لا أن تسوِّغ لهم حياتهم, كما قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} [البقرة:213].(3/241)
وتأمل في هذا الشمول الذي ذكرته هذه الآية عن وظيفة الكتب السماوية {ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه} حيث تؤكد هذه الدلالة الشاملة أن "الحاكمية" ليست مقتصرة على الجانب التشريعي فقط, بل يدخل في ذلك الحاكمية الفلسفية والفكرية والثقافية وكل ما يختلف الناس فيه, مما يبين أن الصراع مع العلمانية اليوم لا يتوقف على "العلمانية التشريعية" التي تدعوا لإقصاء الشريعة عن الأوعية القانونية والمؤسسة القضائية, بل هناك صراع أعمق مع "العلمانية الثقافية" التي تدعوا -نظرياً أو عملياً- لعزل الوحي عن الحاكمية في نقاش القضايا الفكرية والمنهجية والشؤون العامة.
فإذا أعاد المؤمن تدبر قوله تعالى عن "وظيفة النبوات" {فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} شعر بالهوة الكبيرة التي تفصل بين منهج "تبيئة الحضارة" بمعنى تسويغ منتجات الحضارة عبر التأويلات المتكلفة وشذوذات الفقهاء, وبين منهج "هداية الحضارة" الذي امتلأ باليقين بشدة حاجة أمراض هذه الحضارة إلى الدواء الإلهي.
إنه بكل بساطة افتراق جذري متصاعد بين من يريد "تقليص" دور الوحي في حياة الناس, وبين من يريد "تفعيل" دور الوحي وبسط هيمنته على الحياة العامة.
والمقصود هاهنا بيان أن هذه "الحالة الدينية" التي سبقت الإشارة إليها -وهي أن بعض المثقفين المحتقنين انتفعوا بخطاب التأويل الديني المتبني لـ"تعظيم الدنيا"- إنما تعبر في الحقيقة عن تدين "غير جاد" ذلك أنه مربوط بمقدار ما يقدمه الوحي من "معطيات دنيوية", فإذا نقصت هذه المعطيات الدنيوية أصابته فتنة, وهذه الحالة الدينية المهترئة حالة قديمة قد كشفها لنا القرآن بشكل مبكر, كما يقول تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وِإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ} [الحج: 11].
وقد استنبط ترجمان القرآن ابن عباس هذا المعنى أيضاً من قوله تعالى {كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ} حيث يقول رضي الله عنه في معنى هذه الآية: (كلما أصاب المنافقين من عز الإسلام اطمأنوا إليه، وإن أصاب الإسلام نكبة قاموا ليرجعوا إلى الكفر).
فإذا وازن العاقل بين "مكسب" تخفيف احتقان بعض النخب المثقفة تجاه الدين, وبين "خسارة" حرارة التدين عند آلاف الطاقات الشبابية الدعوية, علم يقيناً أنه ليس من العقلانية في شيء أن نستصلح بضعة مثقفين محتقنين يعبدون الله على حرف, ونخسر آلاف الشباب المسلم الذين يعدون مكتسبات أضخم وأهم, إذ هم قاعدة الإسلام وأمله القادم.
كم نحن بحاجة إلى التطعيم المسبق بمصل إيماني يحمي شباب الإسلام أن يجرفهم وهج الحضارة المادية ومعايير المدنية الدنيوية, ليواصلوا مسيرتهم النهضوية دون أن ينهار "سلم الأولويات", فتراهم في كل حقل يسبقون غيرهم مع امتلاء قلوبهم بعظمة الوحي وعبقرية القرون المفضلة ومتاعية الدنيا وانحطاط الكفار.
والله الشاهد أنني ما كتبت المقالات السابقة إلا بهدف أن تكون "حصانة وقائية" للشاب المتدين أن ينجرف في طريق بات معروفاً لكل ذي بصيرة, ومعلوم كيف تدهور فيه عشرات من الشباب الذين كانوا طاقات دعوية ومشاعل هداية, فأصبحوا اليوم من أعظم المتثاقلين عن الفرائض, وأشد الناس ضيقاً بالذكرى والموعظة, وأكثر الناس هجراناً للوحي, فضلاً عن العمل للإسلام وحمل هم المسلمين.(3/242)
سمات المرجئة والخوارج وأهل الغلو
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
المشرف العام على موقع الدرر السنية
26 رمضان 1429هـ
اعلم أن من قال بإحدى هذه العبارات فقد وقع في الإرجاء أو دخلت عليه شبهته:
1 - الإيمان تصديق بالقلب فقط. (جهمية)
2 - الإيمان نطق باللسان فقط. (كرَّامية)
3 - الإيمان تصديق بالقلب ونطق باللسان (مرجئة الفقهاء)
4 - الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالقلب دون الجوارح.
5 - الإيمان لا يزيد ولا ينقص والناس في أصله سواء.
6 - الكفر تكذيب فقط (جهمية)
7 - الكفر لا يكون إلا بالاعتقاد أوالجحود والاستحلال، ويستشهدون بقول الطحاوي رحمه الله في عقيدته: ((ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب، مالم يستحله)).
(والصواب أن يقال: الكفر يكون بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب -دون الشرك أو الكفر-، مالم يستحله).
8 - ترك جميع أعمال الجوارح (جنس الأعمال كما يسميه ابن تيمية) ليس كفراً مخرجاً من الملة.
(ووجه كونه إرجاءً لأنه يلزم منه أن أعمال الجوارح ليست ركناً في الإيمان بل ولا عمل القلب كذلك، وهذا باطل لارتباط الظاهر بالباطن فيمتنع وجود عمل القلب مع انتفاء عمل الجوارح).
9 - أعمال الجوارح شرط كمال في الإيمان وليست ركناً ولا شرط صحة.
(والصواب في هذا أن يقال: جنس أعمال الجوارح ركنٌ في الإيمان، وآحادها - عدا الصلاة- من مكملاته)
10 - الأقوال والأعمال الكفرية ليست كفراً ولكنها تدل على الكفر.
11 - المكفرات القولية والعملية المخرجة من الملة هي ما كان مضاداً للإيمان من كل وجه أو ما كانت دليلاً على الكفر، وجَعْلُ مناط التكفير كونها مضادةً للإيمان من كل وجه أو كونها تدل على ذلك.
(والصواب أن يقال: المكفرات القولية والعملية المخرجة من الملة هي ما دل الدليل على كونها كذلك، وهي مضادة للإيمان من كل وجه وتدل على كفر الباطن، ولا بد) فتأمل الفرق.
12 - جعلهم الشهوة وعدم القصد من موانع التكفير.
(ووجه كونه إرجاءً أن مآله إلى حصر الكفر في الاعتقاد، أما إن عُني بالقصد: العمد المقابل للخطأ فنعم، فالخطأ من موانع التكفير، لكن ليُعلم أنه يكفي أن يقصد (يتعمد) عمل الكفر، ولا يلزم منه أن يقصد الوقوع في الكفر)
13 - ترك الصلاة ليس كفراً لأنه من أعمال الجوارح، وعمل الجوارح شرط في كمال الإيمان.
(ووجه كونه إرجاءً أن قائله لا يكفِّر بالعمل وإنما الكفر عنده اعتقاد فقط، فمسألة الصلاة من أظهر المسائل التي أجمع الصحابة على كفر تاركها، أما لو رجَّح عدم كفر من يصلي تارة ويترك تارة لأدلة شرعية لديه -كما قد وقع من بعض السلف- أو أن الإجماع لم يبلغه، فهذا لا صلة له بالإرجاء).
ومن هنا يُعلم خطأ ما يردده البعض من مقولةٍ لبعض السلف: ((من قال إن الإيمان قول وعمل واعتقاد، وأنه يزيد وينقص، فقد بريء من الإرجاء كله، أوله وآخره)).
وهي مقولة حق ولا شك ولكن على فهم قائليها، وهو أنَّ العمل والقول والاعتقاد أركان في الإيمان لا يجزيء أحدها عن الآخر، وإلا فمن قال ذلك وهو لا يرى أعمال الجوارح ركناً في الإيمان، أو قال ذلك وهو يحصر الكفر في التكذيب والاستحلال فإنه قد نطق بما قاله السلف في تعريف الإيمان لكن لا على الوجه الذي أرادوه، وهذه العبارة شبيهة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة" فما يقول هؤلاء فيمن قالها ولم ينطق بشطر الشهادة الآخر - محمد رسول الله-، أو قالها وارتكب ناقضاً من نواقضها، فهذه كتلك. ولهذا حذَّر أهل العلم من بعض الكتب وأنها تدعو إلى مذهب الإرجاء، مع تبنيها أن الإيمان قولٌ وعملٌ، يزيد وينقص. والله أعلم.
انظر: هامش شرح ((العقيدة الواسطية)) للعلامة محمد خليل هراس الطبعة الرابعة (ص263) تعليقاً على كلام شيخ الإسلام في مسائل الإيمان.
*******************
واعلم أن هناك سماتٍ من اتسم بها أو ببعضها فهو خارجي، أو وقع فيما وقعت فيه الخوارج من الغلو:
1 - تكفير صاحب الكبيرة
2 - تكفير من وقع في معصية وأصر عليها.
3 - القول بأن الإيمان شيء واحد لا ينقص، فإذا ذهب بعضه ذهب كله.
4 - جواز الخروج على الحاكم المسلم لجوره وظلمه، وإن لم يُرَ منه كفرٌ بواحٌ.
((ووجه كونه خارجية، أنه قد استقر رأي أهل السنة والجماعة على عدم جواز ذلك، وخالفت الخوارج))
5 - عدم العذر بالجهل مطلقاً.
((والصواب أنَّ الجهل قد يكون عذراً وقد لا يكون؛ ففيه تفصيل))
6 - تكفير كل من حكم بغير ما أنزل الله ولو في قضية معينة.
((والصواب: التفريق بين التشريع العام وجعله ديناً متبعاً وقانوناً ملزماً وبين جعل الشريعة الإسلامية هي الدين المُلْزِم، ومخالفتها وعدم الحكم بها في قضية أو قضايا معينة))
7 - التسرع في تكفير المعين دون مراعاةٍ لتحقق الشروط وانتفاء الموانع.
مقتبس من هامش شرح ((العقيدة الواسطية)) للعلامة محمد خليل هراس الطبعة الرابعة (ص267) تعليقاً على كلام شيخ الإسلام في مسائل الإيمان.(3/243)
مآخذ على ما يفعله بعض الأئمة في دعاء القنوت
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله محمد بن عبدالله، وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين. أمَّا بعد
فإن مما يُفرح قلوب المؤمنين ويُثلج صدورهم ويغيظ قلوب أعدائهم ما نراه اليوم من كثرة المساجد التي تُقام فيها صلاة التراويح مع أئمة نحسبهم والله حسيبهم من خيرة شباب الأمة حرصاً ونصحاً لها، وتزداد هذه الفرحة حينما يرون أن كثيراً من هؤلاء الأئمة من حملة المنهج السلفي الصحيح علماً وعملاً، لكن مما يؤسف له أن البعض منهم لا يسلم من أخطاء يرتكبها أثناء صلاته، ومن هذه الأخطاء ما هو متعلق بقنوت الوتر في صلاة التراويح، الأمر الذي يوجب التنبيه عليها لكثرة الوقوع فيها، وقلة المنبهين عليها، حتى أصبحت تلك الأخطاء سنة متبعة، مع أنها مما لا أعلم فيه خلافاً بين السلف في النهي عنه وكراهته، أمَّا ما فيه خلاف قديم مثل: كون دعاء القنوت في رمضان كله أم في النصف الأخير منه، وهل يكون قبل الركوع أم بعده؟ ونحو هذا فلن أتعرض إليه هنا.
فمن هذه الأخطاء:
1 - المبالغة في رفع الإمام صوته في الدعاء، حتى يصل -أحياناً- إلى حد الصياح والصراخ.
هذا يحدث مع أن الله عزَّ وجلَّ يقول: {ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} فسمَّى الله سبحانه وتعالى رفع الصوت في الدعاء إعتداء، ويقول سبحانه: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيْلاً} وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم: ((اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصمّاً ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً ... ))، ورفع الصوت بالدعاء بالإضافة إلى مخالفته للسنة، فهو مُذهبٌ للخشوع مجلبٌ للرياء والعياذ بالله.
2 - المبالغة في رفع الصوت بالبكاء.
ينبغي للإمام إذا تأثر بالقرآن أو بالدعاء أن يدافع البكاء، فلم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يبكي في الصلاة بصوت عالٍ ليبكي من خلفه، كما يفعله بعض الأئمة اليوم- هداهم الله- فيستدعون ببكائهم بكاء غيرهم، ناهيك أنهم يبكون بنحيب وعويل وشهيق، بل كان - صلى الله عليه وسلم - يكتم بكاءه في صدره حتى يصبح له أزيز كأزيز المرجل- أي كغلي القدر -، قال ابن القيم رحمه الله عن هديه صلى الله عليه وسلم في البكاء: ((وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت))، ولم يشعر ابن مسعود رضي الله عنه ببكاء النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ عليه طرفًا من سورة النساء، إلا بعد أن نظر إليه فوجد عينيه تذرفان، والقصة في صحيح البخاري، فمدافعة البكاء إتباعٌ للسنة ومدعاة للإخلاص.
3 - الإطالة المفرطة في الدعاء.(3/244)
بعض الأئمة ربما جعل دعاء قنوته أطول من صلاته، وهذا خلاف هديه صلى الله عليه وسلم إذ كان يدعو بجوامع الكلم، بخلاف ما عليه كثير من الأئمة في هذه الأيام، فمنهم من يجعل الدعاء موعظة يذكر فيها الجنة وصفاتها، والنار وما فيها من أهوال، وعذاب القبر وما فيه من وحشة وظلمة، في سجع متكَلفٍ يستثير به عواطف الناس ويستدعي بكاءهم لا تجد معشاره أثناء قراءة القرآن، كل هذا مع أنه لم يرو عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعاء القنوت إلا حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما: ((اللهم أهدنا فيمن هديت ... )) على خلاف في صحة ثبوت ذكر الوتر فيه، وقد ورد الدعاء على الكفرة بعد النصف من رمضان من فعل أبيّ بن كعب في عهد عمر رضي الله عنهما، ولست بمحرِّج على مَن دعا بغير ذلك لكنّ الكلام هنا في الإطالة المفرطة في الدعاء بصورة تشق على كثير من المصلين مع أن الغالب أن فيهم المريض والكبير والمرأة.
4 - الاعتداء في الدعاء وتكلف السجع فيه.
من الآثار السيئة لترك السنة والاكتفاء بالدعاء بالمأثور والعدول عن ذلك باستعمال غرائب الأدعية المسجوعة والمتكلفة، ما يقع فيه بعض الأئمة من عبارات تُعد اعتداء في الدعاء، فمن ذلك قول بعضهم: ((يا من لا تراه العيون ولا يصفه الواصفون)) وإن كان هذا اللفظ قد ورد عند الطبراني في الأوسط، إلا أن إسناده ضعيف وهو مخالف لما أجمعت عليه الأمة من وصف الله جل وعلا بما وصف به نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك أيضًا قول بعضهم: اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه، فهذا معارِض لما في الحديث الحسن: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)) فكيف لا ندعو الله برد القضاء؟!، وفي صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما ((فانظر السجع من الدعاء، فاجتنبه فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لا يفعلون إلا ذلك الاجتناب)).
وقد يدخل التشقيق والتفصيل في الدعاء والذي يفعله كثير من الأئمة في هذه الأيام في هذا الاعتداء ففي سنن أبي داود أن ابناً لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه كان يدعو، فسمعه سعد وهو يقول: اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا، وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها فقال: يا بني إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء فإياك أن تكون منهم، وإنك إن دخلت الجنة نلت ما فيها من الخير، وإن أُعذت من النار نجوت مما فيها من الشر)) حسنه الحافظ ابن حجر والألباني، فسمى التفصيل في الدعاء اعتداءً.
5 - المبالغة في التلحين والتطريب والتغني في الدعاء.
إن مما يبعث على الأسى والحزن لجوءُ كثيرٍ ممن يُظن أنهم من مقتفي الأثر إلى المبالغة في الترنيم والتلحين والتطريب بل والتجويد أحياناً حتى كأن أحدهم يقرأ السورة من القرآن، فتجده يطبق أحكام التجويد كالإدغام والإخفاء والمدّ حتى يظن الظان أنه يتلوا آيات من الكتاب العزيز، وما هو من الكتاب، ويزداد الطين بله إذا ضمن دعاءه آياتٍ من كلام الله بحيث يعسر على العوام التفريق بينهما، ونتيجة لذلك فإن بعض الناس يتأثر بتلحين الإمام أكثر من تأثره بالدعاء نفسه، ولا يفهم من هذا أن لا يحسِّن الداعي صوته، فهذا لا بأس به، لكن الذي نراه اليوم من كثير من الأئمة مبالغة في التلحين والتطريب، بصورة إذا جمعت معها رفع الصوت وخفضه، واعتداء مذموم، ثم أخطاء قد تكون عقدية،، ذكرك ذلك بدعاء بعض أهل البدع في مناسباتهم.
6 - مواظبة بعض الأئمة على دعاء معين في كل قنوت.(3/245)
ومن ذلك تجد أن كثيراً منهم يُلحق دعاء ((اللهم اهدنا فيمن هديت ... )) بدعاء ((اللهم اقسم لنا من خشيتك .. )) لا يكاد يترك ذلك ليلة واحدة، ولا يختم دعاءه إلا بقوله: ((اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك .... )) حتى ظنَّ كثيرٌ من العامة -بل من الأخيار- أن هذا من السنة، وهذا البدء والختم بهذه الطريقة والمواظبة عليها أول من ابتدأه أحد أئمة المسجد الحرام الفضلاء -رحمه الله- فتتابع الناس عليه، فالدعاء الأول سبق الكلام عليه والثاني لم يصح مطلقاً أنه من أدعية القنوت، والثالث ثبت من حديث عائشة عند مسلم أنه كان يقوله في سجوده، فقالت: فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان -عند النسائي وأبي داود والترمذي: وهو ساجد- وهو يقول اللهم أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك)) وورد عند أحمد وغيره من أصحاب السنن أنه كان يقوله في آخر وتره ومعلوم أن القنوت في أول الوتر وليس في آخره، وعند النسائي وغيره: إذا فرغ من صلاته وتبوأ مضجعه، لذلك قال بعض العلماء في آخر وتره أي بعد السلام منه واستبعد ابن تيميه أنه كان يقوله في الوتر فقال في الفتاوى (17/ 91): ((وروى الترمذي أنه كان يقول ذلك في وتره لكن هذا فيه نظر))، فإذا كانت المواظبة على القنوت كل ليلة فيها إيهامٌ للعامة أنها السُّنَّة المستقرة، مع أن تركه أحياناً أفضل، فكيف بالمواظبة على دعاء معين في أوله وآخره؟!
7 - تخصيص بعضهم ليلة السابع أو التاسع والعشرين بدعاء مخصوص ربما سماه البعض دعاء ختم القرآن.
وهذا مما أحدثه الناس، وليس عليه في داخل الصلاة سواء في القنوت أو غيره، دليل صحيح لا من فعله صلى الله عليه وسلم ولا من فعل أصحابه رضي الله عنهم أجمعين، ولعل ذهاب بعض كبار العلماء إلى جوازه دون دليل صحيح فيه اختبار وامتحان لمقتفي الأثر ومتبعي السنة؛ أيتبعون صاحبها أم يقلدون علماءهم؟ أمَّا العوام فحدِّث ولا حرج عن حرصهم على هذا الدعاء فهو يفوق حرصهم على فريضة العشاء نفسها والله المستعان.
وختاماً أدعو الأئمة الذين وفقهم الله فهيأ لهم إمامة صلاة التراويح، أن يقتفوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم حتى نرى المساجد وقد اكتظت بالمصلين والإمام يدعو لهم بدعاء مأثور لا يطيل فيه ولا يعتدي؛ يدعوه بقراءته المعتادة دون تلحين ولا تطريب ولا تجويد كتجويد القرآن، وإن تأثر فبكى وذرفت عيناه كتم بكاءه أو أخفاه فغلبه حتى خرج منه كأزيز المرجل بلا نحيب ولا شهيق لا يكاد يشعر به إلا القريبون منه، كما أدعوهم أن لا يغفلوا عن الدعاء على الكفرة من أهل الكتاب وأن ينصر الله المسلمين عليهم، وخاصة في النصف الأخير من رمضان، كما ثبت عن الصحابة في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أجمعين.
والله أعلم.(3/246)
طلابُ العلمِ والدعاةُ في رمضان
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
المشرف العام على موقع الدرر السنية
شهرُ رمضانَ شهرُ الصيامِ والقيامِ وقراءةِ القرآنِ، هذا ما يعرفهُ ويردِّدُهُ كثيرٌ من المسلمينَ، والجميعُ مشتركونَ فيه إلا مَنْ حَرَمَهُ اللهُ، فتجدَ الداعيةَ وغيرَ الداعيةِ وطالبَ العلمِ والعاميَّ يصومونَ رمضانَ ويصلونَ التراويحَ ويُكثرونَ من قراءةِ القرآن، فما الذي يُميِّزُ طالبَ العلمِ والداعيةِ إلى اللهِ في رمضانَ عن غيرِه؟ هل يكتفي بصيامِ النهارِ وصلاةِ التراويح التي لا تزيدُ مدتُها في أغلبِ المساجدِ عن ساعةٍ واحدةٍ؟! ويقرأُ جزءاً من القرآنِ يختمُ به المصحفَ آخرَ الشهرِ؟! إذا كانَ الأمرُ كذلكَ - وهذا حالُ الكثيرينَ منهمْ للأسفِ - فما الفرقُ بينَه وبينَ عامَّةِ النَّاسِ ونحنُ نراهم يفعلونَ ذلكَ في كلِّ رمضان؟! الأمرُ إذن يحتاجُ إلى وقفةِ تأملٍ ومحاسبةٍ، فإذا أضفنا إلى ذلكَ أن بعضَ الدعاةِ وطلبةَ العلمِ قدْ يشتركونَ معَ العامَّةِ أيضاً في السهرِ ليالي رمضانَ وضياعِ الأوقاتِ - لكنْ أولئكَ في المحرماتِ وهؤلاء في المباحاتِ- من خلالِ كثرةِ تصفحِ الانترنت ومشاهدةِ التلفازِ خاصَّةً بعدَ انتشارِ بعضِ القنواتِ النافعةِ، وهذا في حقِّهم قبيحٌ في غيرِ رمضانَ فكيفَ بهِ في رمضان؟! وأقبحُ منهُ ضياعُ صلاةِ الظهرِ جماعةً في المسجدِ بسببِ السَّهرِ!
وبعضُهم ربما اقتصرَ الاجتهادَ في العبادةِ على أواخرَ شهرِ رمضانَ محتجاً بحديثِ: ((كانَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إذا دخلَ العشرُ الأواخرُ شدَّ المئزرَ وأيقظَ نساءَه)) والحديثُ فيه زيادةٌ الاجتهادِ في العبادةِ في العشرِ الأواخرِ وليسَ فيهِ اقتصارُها على العشر.
ومنهم منْ يقدِّمُ بعضَ الشكلياتِ على الأساسياتِ، فتجدُه يتنقلُ يومياً من مسجدٍ إلى آخرَ بحثاً عن صاحبِ الصوتِ الجميلِ في القراءةِ فلا يقنعُ بهذا ولا ذاكَ زاعماً أنَّ الصلاةَ خلفَ صاحبِ الصوتِ الجميلِ أخشعُ للقلبِ، ونحنُ لا ننكرُ أنَّ القراءةَ الحسنةَ لها تأثيرٌ على النُّفوسِ، لكن ما بالُ صاحبِنا هذا يعزِفُ عنْ أصحابِ القراءاتِ والصلواتِ الخاشعةِ المؤثرةِ طلباً للصوتِ الجميلِ فحسب؟! وآخرَ يتنقلُ من مسجدٍ إلى آخرَ بحثاً عن صاحبِ القنوتِ الطويلِ المسَجَّعِ! أمَّا منْ يبحثُ منهم عنْ قِصَرِ الصلاةِ فهذا لهُ شأنٌ آخر!
ومنَ المظاهرِ الجيدةِ التي انتشرتْ في السنواتِ الأخيرةِ بين الدعاةِ وطلابِ العلمِ إحياءُ سُنَّةِ الاعتكافِ بعدَ أنْ هَجَرَها كثيرٌ من المسلمين، لكنْ منَ الأخطاءِ في ممارسةِ هذهِ الشعيرةِ أنها تتحولُ أحياناً إلى مسامرةٍ يضيِّعونَ فيها أوقاتَهم ويخسرونَ بسببها لذةَ هذهِ العبادةِ.
ومنَ المظاهرِ الجيدةِ أيضاً جِوارُ كثيرٍ منَ الدعاةِ لبيتِ اللهِ الحرامِ والحرصُ على الصلاةِ فيهِ طمعاً في مضاعفةِ الأجرِ، لكنْ لا ينقضي العجبُ من ظاهرةٍ كَثُرتْ في الآونةِ الأخيرةِ عندَ بعضهم، ألا وهيَ حرصُهم على الصلواتِ الجهريةِ في المسجدِ الحرامِ دون السِّرِّيَّةِ، بلْ حرصُهم على صلاةِ التراويحِ والقيامِ أكثرَ منْ حرصِهِم على بعضِ الصلاةِ المفروضةِ علماً أنَّ مضاعفةِ الأجرِ في صلاةِ التطوعِ فيها خلافٌ بين العلماءِ مشهورٌ بخلافِ الصلواتِ المفروضةِ، وأعجبُ منْ ذلكَ صلاةُ بعضهم الظهرَ مع العصرِ قصراً وجمعاً في سكنهم القريبِ منَ المسجدِ الحرامِ بحجةِ أنَّهم مسافرون! ولئنْ أفتى بعضُ العلماءِ بجوازِ ذلكَ فهوَ لا يليقُ لأصحابِ المراتبِ العاليةِ ولمن يُقْتدى بهم.
نسأل الله عز وجل أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته وأن يجعلنا بعد رمضان خيراً مما كنا قبل رمضان.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم(3/247)
بسم الله الرحمن الرحيم
مآلات الخطاب المدني
إبراهيم السكران
iosakran@yahoo.com
مدخل:
عشية وداع التسعينات حَفَل الداخل الإسلامي من خلال مطبوعاته وندواته الخاصة بنقاش غزير ومعالجات متنوعة حول "الحاجة إلى التجديد" و "مشروعية المراجعة" وكان ثمة ترحيب متلهف بأية أطروحات أو استضافات في هذا السياق, وكانت تلك الأطروحات في مجملها أطروحات منتمية تتحاكم للمعايير الشرعية وتطرح "التجديد" مستهدفة تعزيز الحضور الإسلامي وامتداده إلى مناطق جديدة, لا التجديد بهدف إزاحة المحتوى الديني أو تقليص وجوده.
إلا أنه وبعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثير من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.
صحيح أنه لا تزال هناك شخصيات تجديدية تحتفظ برزانتها الشرعية واستقلالها السياسي وينتصب أمامها المرء بإجلال صادق -وهم كثير ولله الحمد- إلا أننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة تكاد عيون المراقب تبيض من الحزن وهو يشاهد جموحها المتنامي.
كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم -ويالشديد الأسف- تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كُتّاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم إلى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية "الدليل" مرجعية "الرخصة" أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ما هو "إسلامي", وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.
وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ما هو "غربي" بطريقة لا يفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وَقُورة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لا يليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية .. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة والتي سنشير لها في المناقشات القادمة.(3/248)
ويستطيع المراقب بكل بساطة أن يقرأ في الخط البياني لهذه المضاعفات المتنامية دور التابلويد الإلكتروني في تصعيد هذا الانحراف, بمعنى أن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني، والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الإمعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولا أظن عاقلاً ينتقم مِنْ ربِّ خصمه لكن هذا ما جرى للأسف!
على أية حال .. أظن أن أبسط مقتضيات الوفاء والحب لهؤلاء الشباب هو المبادرة بالمصارحة بمخاطر هذه التطورات, علَّنا نستعيد وعينا في زحام السجال, ونستيقظ من أن تتجارى بنا مغاضبة الخصوم ومشاحنة الفرقاء إلى خدش علاقتنا بالله ورسوله وخسارة رأسمالنا الحقيقي.
ولا سيما أن هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الإعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لا تقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.
هذه المشهد الأليم يفرض قراءته وتأمله, ومن ثم تحليل الفروض الداخلية لهذا الخطاب التي قادته إلى هذه المآلات الموحشة, بهدف إرضاء الله سبحانه وتعالى, وتواصياً بالحق مع كثير من متابعي هذا الاتجاه, وتعزيزاً للثقة الدعوية في الأوساط التربوية والعلمية للاتجاه الإسلامي أمام سلاطة هذا الخطاب وتجريحه المستمر ودعايته المضادة, ونشاطه في التعبئة الإعلامية وتأليب المؤسسات الأمنية ضد العمل الدعوي والتربوي الإسلامي.
والواقع أن هذا الخطاب المدني الجديد يصفه بعض مراقبيه بتصنيفات لا يرضاها منتجو هذا الخطاب ويعدونها "شتيمة خصوم" أكثر من كونها "تصنيفاً إجرائياً" لذلك آثرنا أن نقفز هذه التصنيفات, ونتعرف إلى هذا الخطاب من خلال معجم مفاهيمه المحورية التي تشكل نسيجه الخاص, كمفهوم الحضارة والانفتاح والآخر والتسامح والنسبية والاستنارة والنهضة والمواطنة والأنسنة ونبذ الأدلجة والإقصاء والوصاية والتسييس والدوغمائية والراديكالية ... الخ
حيث تحولت هذه المفاهيم من أدوات دلالية محضة إلى "لافتات فكرية" تدفع باتجاهٍ مشترَك ذي قسمات خاصة, حيث تم شحنها بدلالات جديدة ضمن سياق سجالنا المحلي بحيث صارت تحمل مضموناً مذهبياً مترابطاً أكثر من كونها مجرد تقنيات تفسيرية حرة.
ولم نتجاوز تلك التصنيفات إلا بهدف تحاشي اللبس وسوء الفهم, إذ غرضنا هاهنا الاجتهاد في تقديم مناقشة علمية مختصرة للشبكة المفاهيمية التي تغذي هذا الخطاب وتمده بمنظوره الخاص, وليس هدف هذه الورقة النقدية -يعلم الله ذلك- التجريح والإيذاء, أو إسقاط شخصيات بعينها, أو الانحياز لجبهة ما, وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا للتجرد ويعيننا على تجنب الهوى والتحامل.
ومما يعنينا الإشارة إليه هنا بشكل خاص أننا تجاوزنا التمثيل أو ذكر شخصيات بعينها من هذا الخطاب؛ تفادياً للتعميم، ذلك أننا سنناقش تصورات عامة يتفاوت كتّاب هذا التيار تفاوتاً كبيراً في تبنيها والاقتراب أو الابتعاد عنها, فمستقلٌ مِنْ هذه الظواهر ومستكثر, فحشر الأسماء وإقحامها في سياق واحد يوهم اشتراكها في التفاصيل, الأمر الذي يتناقض مع فريضة القسط ومقتضيات الإنصاف.
وقد قسمت هذه الورقة إلى جزأين:
أولهما: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بأصول الوحي.
والجزء الثاني: في قياس علاقة هذا الخطاب المدني بالفكر الحديث.(3/249)
فهذا هو الجزء الأول منهما وسيتبعه بإذن الله الجزء الثاني, ونبتدئ الجزء الأول بعرض موجز حول السياق التاريخي لهذه الظاهرة, وهذا هو أوان الشروع في المقصود.
قسمات الانقلاب المعياري:
آل الخطاب المدني -ضمن ديناميكية تطوراته المؤلمة التي أشرنا إليها- إلى حالة انقلاب معياري، حتى بتنا اليوم وكأننا نشهد "إعادة تقييم" جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في "جدول القيم" لا نستطيع أن نغض أبصارنا عنها أو أن نتجاهلها, حتى أصبح "هرم الأولويات" يقف مقلوباً على رأسه!
لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة ... بما يعني أن إبرة البوصلة الفكرية قد فقدت قوتها المغناطيسية السابقة تماماً, وكأن دخان سبتمبر قد مد ذراعه إلينا وقلب ساعة الرمل ليعيد دبيبنا إلى الوراء.
لقد تم إنزال التراث من كابينة القيادة إلى قفص الاتهام! فبعد أن كانت هذه الشريحة الشبابية تنظر إلى "التراث الإسلامي" باعتباره النموذج المشع الذي تستلهم منه المثل والقيم وينتصب أمامه المرء بسكينة الانتماء، أصبح بعض هؤلاء الشباب ينظرون إلى التراث باعتباره ألبوم التصرفات البدائية المخجلة الذي لا يجب أن يُفتح إلا مع ابتسامة اعتذار, مع استخفاف عميق بمواقف رجالاته وأعلامه.
وفي أحسن الأحوال أصبح لا يُقبل من التراث الإسلامي الضخم أيُّ دور إلا أن يزودنا بالأسانيد والحيثيات التي تؤكد نتائج "عصر الأنوار" ليس إلا!
ولذلك يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة "نصوص الوحي" ونصوص "التراث الإسلامي" قراءة مدنية, بمعنى قراءة "موجهة" تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم "المدنية" ثم تؤَوِّل ما يتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة "صادقة" تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!
بمعنى آخر: تحويل الوحي من "حاكم على الحضارة" إلى مجرد "محام عن منتجاتها" يبررها ويدافع عنها ولا يُقبل منه دورٌ غير ذلك! وليس يخفى أن الحكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.
والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ما هي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم إذا كان قصارى ما نقوله للغرب هو إن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الأقوال الفقهية لدينا, أو يحتمل أن تدل عليها بعض الأدلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.
كما قفزت صورة الغرب من شارع الانحطاط إلى منصة الأستاذ القديس الذي لا يراجع فيما يقول, وإذا لم نقتنع بما يقوله فذلك لعيب في فهمنا نحن لا لعيب فيه هو لا سمح الله!
وبعد أن كان بعض هؤلاء الشباب يتشرفون بالانتماء للاتجاه الإسلامي ويبرزونه كهوية شخصية في الحياة العامة، أصبح بعضهم ينظر إليه باعتباره عبأً على المجتمع ليس يبهجهم كثيراً تناميه وتغلغله الاجتماعي!(3/250)
(ملخص) مآلات الخطاب المدني
إبراهيم السكران
iosakran@yahoo.com
مدخل:
بعد أحداث سبتمبر 2001م بدأت نغمة الخطاب التجديدي تتغير حميميتها وإن بقيت تدور ضمن شروط الداخل الإسلامي, ولم يعلن سقوط بغداد مطلع العام 2003م إلا وقد سقطت كثير من رايات الانتماء وانسحبت كثيرٌ من تلك الأصوات التجديدية من الداخل الإسلامي إلى معسكر مختلف تماماً.
إننا يجب أن نعترف وبكل وضوح أنه قد تطور الأمر بكثير من أقلام الخطاب المدني إلى مآلات مؤلمة.
كثير من تلك الطاقات الشبابية المفعمة التي بدأت مشوارها بلغة دعوية دافئة أصبحت اليوم - ويا لشديد الأسف - تتبنى مواقف علمانية صريحة, وتمارس التحييد العملي لدور النص في الحياة العامة, وانهمكت في مناهضة الفتاوى الدينية والتشغيب عليها, وانجرت إلى لعب دور كتاب البلاط فأراقت كرامتها ودبجت المديح, وأصبحت تتبرم باللغة الإيمانية وتستسذجها وتتحاشى البعد الغيبي في تفسير الأحداث, بل وصل بعضهم إلى التصريح باعتراضات تعكس قلقاً عميقاً حول أسئلة وجودية كبرى, واستبدلت هذه الشريحة بمرجعية "الدليل" مرجعية "الرخصة" أينما وجدت بغض النظر هل تحقق المراد الإلهي أم لا؟ وتحولت من كونها مهمومة بتنمية الخطاب الإسلامي إلى الوشاية السياسية ضده, والتعليق خلف كل حدث أمني بلغة تحريضية ضد كل ما هو "إسلامي", وغدت مولعة بالربط الجائر بين أحداث العنف والمؤسسات الدعوية, وبالغت في الاستخفاف بكل منجز تراثي, وتحتفي بالأدبيات الفرانكفونية في إعادة التفسير السياسي للتراث وأنه حصيلة صراعات المصالح وتوازنات القوى وليس مدفوعاً بأية دوافع أخلاقية أو دينية, بل ووصل بعضهم إلى اعتياد اللمز في مرويات السنة النبوية وخصوصاً مصادرها ذات الوزن التاريخي واعتبارها مصدر التشوش الاجتماعي المعاصر.
وفي مقابل كل هذا الإجحاف في طرف النص والتراث والمؤسسات الإسلامية تجد اللغةَ الناعمةَ البشوشة في التعامل مع خصوم الحل الإسلامي، وحقهم في الحرية والتعبير, والتفهمَ الودودَ للدراسات التجديفية والروايات العبثية, والتصفيقَ المستمرَّ لكل ما هو "غربي" بطريقة لا يفعلها الغربي ذاته, وعَرْضَ الأعلام الغربية بلغة تفخيمية وَقُوْرة, وإسقاطَ التجارب العلمانية في التاريخ الأوروبي على مجتمعنا بشكل لا يليق بشاب مسلم -كصراع الكنيسة مع العلم والثورة الفرنسية وعصر الأنوار ونحوها- والتركيز على أخطاء المقاومة أكثر من أخطاء المحتل, والمطالبة المستمرة بمواجهة المشروع العسكري الغربي بورود السلام الغاندية .. إلى آخر سلسلة التطورات الموجعة.
إن أكثر هذه التورمات تضخمت داخل هذا الخطاب في سياق التفاعلات الحادة والاستفزاز المتبادل مع المنتديات الإنترنتية المتخصصة في الإسفاف والتجني والمتقنعة بلبوس الاحتساب الفكري, بحيث صار الخطاب المدني الجديد تدفعه مشاعر النكاية والعناد ضد البغي الإلكتروني إلى الإمعان في مناقضة الرؤية الإسلامية, ولا أظن عاقلاً ينتقم مِنْ ربِّ خصمه لكن هذا ما جرى للأسف!
هذا الخطاب الجديد خطاب نشط ومتنامٍ في أوساط الشباب المولعين بالثقافة وذوي المنزع الفكري, ويحظى بحفاوة المؤسسات الإعلامية من صحف وفضائيات وغيرها, حيث ستظل فرص الشاشة والعمود الصحفي مشهداً خلاباً لا تقاومه غريزة تحقيق الذات المتوقدة بداية العمر فيرضخ المثقف/الشاب لشروطها ليحتفظ بها.
قسمات الانقلاب المعياري:
بتنا اليوم وكأننا نشهد "إعادة تقييم" جذرية وشاملة تمس العناصر الجوهرية لرؤيتنا الفكرية, فأمامنا اليوم حالة انقلاب حاد في "جدول القيم", حتى أصبح "هرم الأولويات" يقف مقلوباً على رأسه!(3/251)
لقد طالت هذه الانقلابات المفاهيمية: الموقف من التراث, والموقف من الغرب, والموقف من المؤسسات الدعوية, والموقف من خصوم الحل الإسلامي, والموقف من واقع مجتمعنا المعاصر, والموقف من الدولة العربية الحديثة
يدعو كثير من منتجي هذا الخطاب إلى قراءة "نصوص الوحي" ونصوص "التراث الإسلامي" قراءة مدنية, بمعنى قراءة "موجهة" تبحث داخل هذه النصوص عن أية مضامين تدعم "المدنية" ثم تؤَوِّل مايتعارض معها, وتصبح فرادة الفقيه داخل هذا الاتجاه تابعة لقدرته في توفير الغطاء الشرعي لمنتجات الحضارة وبحسب إمكانياته في تأويل ما يتعارض معها وتخريجه بشتى المخارج, بدل أن تكون الدعوة إلى قراءة الوحي قراءة "صادقة" تتجرد للبحث الدقيق عن المراد الإلهي!
بمعنى آخر: تحويل الوحي من "حاكم على الحضارة" إلى مجرد "محام عن منتجاتها" يبررها ويدافع عنها ولا يُقْبَلُ منه دورٌ غير ذلك! وليس يخفى أن الحُكم نوع من السيادة، أما المحاماة عن الغير فحالة تبع يقاس نجاحها بإمكانيات التبرير والتسويغ.
والسؤال المؤلم الذي يفرض نفسه هاهنا: ما هي المساهمة الحقيقية التي يمكن أن نقدمها للعالم إذا كان قصارى ما نقوله للغرب هو إن ممارساتكم وسلوكياتكم يمكن تخريجها على بعض الأقوال الفقهية لدينا, أو يحتمل أن تدل عليها بعض الأدلة؟ هم يمارسون هذه الممارسات قبل أن يعرفونا أصلاً.
النماذج التفسيرية للظاهرة:
الواقع أن المراقبين والنقاد طرحوا تفسيرات كثيرة لظاهرة الانقلاب المعياري هذه التي أشرنا إليها, ومحاولات متعددة لاستكشاف النواة الجوهرية التي انبثقت عنها تطبيقات ومواقف وإحداثيات هذا الخطاب المدني المتطرف, فبعض النقاد يرى أن السبب هو "الانبهار بالغرب", والواقع أن الانبهار بالغرب أحد النتائج وليس العامل الحاسم كما سيأتي توضيح ذلك.
وبعض النقاد اعتقد أن الجذر الدفين في هذه الظاهرة هو "العقلانية"، والواقع أن هذه الظاهرة ليس لديها نظرية فعلية في "مصادر المعرفة" بحيث تقدم ما دلّ عليه العقل وترد ما عارضه, بل هي تارة مع العقل، وتارة مع النص، وتارة مع الذوق الشخصي، وتارة مع المألوف، وتارة ضد هذه كلها, فهي تدور مع المنتج الحضاري الجديد بغض النظر عن علاقته بمصادر المعرفة.
وبعض النقاد اعتقد أن هذه الظاهرة هي امتداد تاريخي لمدرسة "المعتزلة"، والواقع أن هذا التفسير قد أبعد النجعة كثيراً, فمدرسة المعتزلة هي مدرسة دينية متزمتة أخرجت الفساق من الإسلام, وشرعت للمنابذة المسلحة لأئمة الجور , فالمعتزلة مدرسة غلو لا مدرسة تساهل, بل إن المعتزلة أشرف بكثير من الخطاب الفرانكفوني المعاصر الذي يحاول الوصول إلى تناقضات داخلية في التراث الإسلامي بهدف تحييد الوحي جملةً عن الحياة العامة.
في تقديري أن النواة الخفية التي انطلقت منها كل هذه التحولات الجذرية والحادة في المواقف والرؤى هي "المغالاة في قيمة المدنية والحضارة", فالغلو في الحضارة والمدنية الدنيوية وتحويلها إلى القضية الأولوية وغاية الغايات، هو الجذر الرئيسي التي ابتدأت منه كل هذه الانقلابات المفاهيمية, بمعنى أن النموذج التفسيري الذي يقدم إجابة دقيقة حول تطبيقات هذه الظاهرة هو ما يمكن تسميته "غائية الحضارة" و "مركزية المدنية".(3/252)
فنحن إذا تتبعنا تطبيقات هذا الخطاب الجديد ومواقفه وآراءه وصيغ علاقاته وإحداثيات مواقعه التي اختارها على الخريطة الفكرية فسنتوصل حتماً -كما سبقت الإشارة لذلك- إلى أن القيمة المركزية التي تسيطر عليه وتجعله يدعم موقفاً ما أو يعارضه, أو يثمن قضية ما أو يحط منها, فسنجدها بكل تأكيد "مركزية المدنية", وبناءً على مركزية المدنية فقد تحددت صيغ العلاقات مع المجتمع والتراث والغرب والدولة العربية الحديثة على أساس القرب والبعد من "التمدن المادي".
ينابيع الغلو المدني:
هذا الخطاب الذي تطور بطريقة مؤلمة ووصل إلى حالة "غلو مدني" تتعارض مع أصول الوحي, اكتنفته أربعة ظروف رئيسية شكلت أضلاع الوعاء الجوهري لتناميه, ألا وهي:
مناخ سبتمبر
والضخ الفرانكفوني
وحفاوة وسائل الإعلام
ورد الفعل تجاه البغي الإلكتروني
فبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تعرض الاتجاه الإسلامي إلى حالة محاكمة عالمية شرسة حدت من انسيابه ودويّه، وتراجعت معها شعبيته الاجتماعية بشكل ملموس.
وفي ظل هذا الفراغ الجزئي الذي خلفه انكماش الحالة الإسلامية، برزت أبحاث المدرسة الفرانكفونية/المغاربية كإجابة جديدة نجحت في استغلال الظرف الأمني الحالي وحققت اكتساحاً استثنائياً في فترة قصيرة.
ويبدوا أن هذا الرواج السريع سيكون مؤقتاً ريثما يستعيد الاتجاه الإسلامي عافيته الأمنية, إذ لو كانت "المدرسة الفرانكفونية" تتكئ على عبقرية طروحاتها الخاصة لكان متحفها عامراً منذ الثمانينات وليس بعد العام 2001م! وإنما رواجها بعد كسادها كان تبعاً لزلزال الظرف السياسي السبتمبري الذي قلب توازنات القوى رأساً على عقب, وسمح لكثير من الأفكار السياسية المتشنجة أن تبتسم فوق الطاولات المستديرة.
هذه الشريحة من الشباب الإسلامي اصطدمت في مقاعد المدرسة الفرانكفونية/المغاربية بـ "سؤال الحضارة" , فحاولت بادئ الأمر أن تقدم إجابة ترضي الطرفين فتتلافى الاصطدام بانتمائها العميق الذي يشدها, وتتودد للذوق الفكري الذي تقرأ له.
هذه الشريحة الشبابية لم تستوعب أبداً -حتى هذه اللحظة- أن المدرسة الفرانكفونية/المغاربية أعادت تشكيل منطقها تماماً, وأعادت صياغة نمط تفكيرها وطريقة تعاطيها للأمور, وأسلوب نظرها للوقائع, وتقييمها للأحداث, من خلال امتصاص أدواتها الخاصة للقراءة والتفسير والملاحظة, وإعادة ترتيب الهرم الداخلي للقيم, وإعادة رسم الجدول الذهني للأولويات.
السؤال الذي يملي نفسه في هذا الموضع: ما الفرق بين العلمانية العربية ما قبل (1984م) والعلمانية العربية ما بعد (1984م)؟ [هو العام الذي احتضن واقعة صدور أول حلقة من سلسلة "نقد العقل العربي" للمفكر المغربي ذائع الصيت محمد عابد الجابري والذي دشن العهد الجديد لتلمود العلمانية العربية التوفيقية]
بمعنى: ما سر الجاذبية في دراسات العلمانية العربية الحديثة التي خلبت أذهان الشباب الإسلامي وجعلته يُقْبِلُ بنهم على هذا اللون من الدراسات والأبحاث؟
الحقيقة أن الفرق الأساسي هو التحول من "الاستهداف المباشر للشريعة" إلى "إعادة تفسير التراث" من خلال الأدوات التي تطرحها العلوم الإنسانية الحديثة, أو بشكل آخر القفز من الإشكالية الأنطولوجية إلى الإشكالية الإبستمولوجية.(3/253)
هذا الفارق هو بالضبط مصدر الجاذبية والإثارة لدى القارئ الإسلامي, وهي اللغة التي يفهمها جيداً, لقد امتص وتشرب هؤلاء الشباب بصورة ضمنية كثيراً من المفاهيم المشبعة ببنية علمانية مضمرة, أو التي تدفع باتجاه تعزيز التصورات العلمانية, مثل مفهوم: عصر التدوين, والتنصيص السياسي, والعقل المستقيل, والأرثوذكسية الإسلامية, والنص كمنتج ثقافي, وميثية القرآن, وغيرها من أدوات التفكير العلماني.
على أية حال تظل المدرسة الفرانكفونية/المغاربية المعاصرة هي الأكثر تعبيراً عن هذا الشكل من الخطاب, واهتمامها بموضوعيها الرئيسين -إعادة تأويل التراث والتحليل الأنثروبولوجي للحركة الإسلامية- كان مصدر الجاذبية والإغراء الذي حقق لها النفاذ إلى أسوار الداخل الإسلامي, لتنتهي بحالة استعمار ثقافي.
والحقيقة أن لحظة انتقال هذه الشريحة الشبابية بين المدرستين لم تكن مجرد لحظة تفاعل طبيعي مع رافد ثقافي معين, بل شهدت ارتجاجات فكرية مذهلة كانت نتيجة لصدمة انقلاب السؤال المركزي بين المدرستين.
فالسؤال المركزي في مدرسة الفكر الإسلامي كان سؤال "انتصار الإسلام" ويدخل في ذلك سائر ما تم تطويره من "مفاهيم دعوية" تشكل نسيج هذا الفكر: كمفهوم الحل الإسلامي, وتحكيم الشريعة, والتزكية الإيمانية, والعمل الجماعي, وفقه الواقع, والتعدد التنظيمي, والعمل التربوي, وإنكار المنكرات, وتوعية الجاليات, وتفعيل المساجد, والأمن الفكري, وحراسة الفضيلة, والإعلام الإسلامي, وتضميد جراحات المسلمين, وإعداد القوة, ونحوها من المفاهيم الإسلامية وصيغ العلاقات العريقة في هذا الخطاب.
أما السؤال المركزي للمدرسة الفرانكفونية فقد كان "سؤال الحضارة" ومن ثم محاسبة التراث, والاتجاه الإسلامي, والمجتمع العربي, والدولة العربية الحديثة: على أساس الاقتراب والابتعاد عن "النموذج الغربي الحديث", حيث كان النموذج الغربي الحديث هو المعيار الضمني غير المعلن, وإن كان النص المغاربي في كثير من الأحيان يتظاهر بخلاف ذلك.
هذه الصدمة بخطاب المدرسة الفرانكفونية, وسطوة جهازها المفاهيمي, واكتظاظ لغتها الباذخة, وترسانة شواهدها التراثية, وما يتناثر على جنبات نصوصها من أعلام أوروبية رنانة, وما تحيل إليه من تجربة غربية منتصرة, وما تنطوي عليه بعض فقراتها من هالة الغموض المبهر, وشحنها المستمر والمضمر ضد كل ما هو "لا غربي": نجحت في اختطاف التفكير المتوازن, وتصديع الانتماء الدعوي, وإخضاع القارئ لمنطلقاتها الضمنية, والاستسلام لزواياها الخاصة في النظر والقراءة وتقييم الأمور, والتفكير في العالم من خلال شبكتها المفاهيمية ذاتها.
مما جعل انتقال هذه الشريحة الشبابية -موضع الدراسة- بين المدرستين ليس انتقالاً خطياً تراكمياً من مدرسة إلى التي تليها, بقدر ما كان استقالة فكرية غير ودية من معسكر سابق وتسجيل لعضوية جديدة في المعسكر المقابل.
ويجب أن نعترف أن نزول الخطاب الإسلامي من "أعواد المنبر" فترة التسعينات إلى "قفص الاتهام" بعد سبتمبر بدد شيئاً من جاذبيته الاجتماعية, وفتح المجال لتسويق خطابات أخرى لا تتكئ على نجاحها الخاص, بقدر ما تتكئ على غياب منافسها العنيد.
وهذا يعني -كما سبق- أن الخطاب الإسلامي المعاصر سيسترد عافيته وموقعه الاجتماعي الريادي بمجرد تجاوز هذه الأزمة والتخلص من الآثار الأمنية الحادة لحادثة سبتمبر.
قانون المتوالية الفكرية:(3/254)
الواقع أن "قانون المتوالية الفكرية" كنموذج تفسيري سيساعدنا كثيرا في فهم تطورات ظاهرة الخطاب المدني وكيف بدأت بإشكاليات تجديدية اجتهادية مشكورة ثم انتهى كثير من كتابها إلى مآلات مؤلمة مذمومة, فجمهور هؤلاء الشباب حين بدأ في قراءة إنتاجات المدرسة الفرانكفونية كان مدفوعاً في البداية بمقصد حسن نبيل، وهو تنمية إمكانياته التحليلية وامتلاك الأدوات الفكرية بهدف تعزيز الخطاب الإسلامي ودعم حجيته, ولم يفرغ كثير منهم من ازدراد هذه الأبحاث إلا وقد انقسموا فريقين:
فأما الأول فتيقظ لبطلان الأساس الضمني الذي انبنت عليه هذه الأبحاث وهو غائية الحضارة أو مركزية المدنية, فانبنى على ذلك بطلان أكثر النتائج التي تضمنتها هذه الأبحاث من تبخيس التراث وتوقير الغرب, ومن ثم التنبه للأداتين الأثيرتين في هذه المدرسة لتهشيم التراث وهما أداتي (التسييس والمديونية).
أما أداة "التسييس" فتعني إعادة التفسير السياسي للنظريات الشرعية وتحركات أعلام التراث ومحاولة ربطها بصراعات سياسية تحت شعار الأنسنة.
أما أداة "المديونية" فتعني محاولة ربط سائر المفاهيم والأصول الشرعية التي صاغها فقهاء التراث بالثقافات السابقة للإسلام وتصويرها كمجرد اقتراض ثقافي من الثقافة الهرمسية أو الغنوصية أو الفارسية أو اليونانية.
أما الفريق الآخر -وهم الأكثر- فقد استسلم لا شعورياً للأساس الضمني في هذه الأبحاث وهو مركزية المدنية لكنه حاول -بحسن نية أيضاً- أن يذب عن دينه وتراثه وأمته بإثبات أن الوحي والتراث يتضمنان أولوية المدنية والحضارة أصلاً, ومن ثم تحول إلى هاجس التفسير المدني للتراث فأخذ يبحث داخل مضامين الوحي والتراث عن أية مشاهد تتوافق مع المدنية الحديثة, وانساق في نقد كل ما لا يتوافق معها داخل التراث.
فبداية كثير من هؤلاء الكتاب -شهادةً لله- كانت بداية حسنة وهي أنهم رأوا أنه لا يمكن نشر رسالتنا الإسلامية وعزة مجتمعنا إلا بالإمكانيات والقدرات الحديثة, ثم تجارى بهم البحث في الحضارة والنهضة والإمكانيات الحديثة حتى جعلوها غاية في حد ذاتها بشكل عملي ضمني, ثم لما رأوا نقد الغرب يحُوْل كثيراً بين الشاب وبين الحضارة الغربية ويهز مرجعيتها، بالغوا في التماس المعاذير لانحرافات الحضارة الغربية, وتلمسوا الأدلة التي توافق ما هم عليه, ثم لما انهمكوا في تكييف الأحكام وفق نتائج الغرب اصطدموا بكثير من المفاهيم الشرعية ذات المنزع الديني/الغيبي كالإيمانيات والشعائر والأحكام الشرعية التفصيلية والتصورات الغيبية ونحوها, فحاول الكثير منهم جعل كل هذه الشرائع مقصودها النهائي أصلاً عمارة الأرض وإقامة الحضارة, وهكذا بدأت هذه المفاهيم الشرعية تتناقص قيمتها في ظل "وسيليتها" المحضة, وتتضخم قيمة المدنية الغربية بحكم تحقيقها للمقصد النهائي وهو الحضارة, ثم تطور الأمر من الانبهار بالحضارة الغربية المعاصرة إلى محاسبة الحركة الإسلامية والقسوة عليها طبقاً للاقتراب والابتعاد عن الحضارة الغربية المعاصرة, ونشأ عن ذلك ظواهر انفصال وانشقاق ترتب عليها الابتعاد عن مقابس الإيمان والتخول بالذكرى، فأخذت جذوة الإيمان تخبو يوماً بعد يوم, وارتخى الانقياد وفقدت العبودية معناها.
ثم تطور الأمر بشكل أكثر سوءً، وأصبح البعض يلتمس العوائق في مضامين الشريعة ذاتها, حتى وصل بعضهم إلى أن المشكلة في "السنة النبوية" وأنها صرفت الناس عن قضية الحضارة إلى الإغراق في التفاصيل الصغيرة, وهكذا يتسلسل الأمر من سيء إلى أسوأ.(3/255)
وكنتيجة مباشرة للمظالم الإنترنتية التي واجهها هؤلاء الكتاب في بدايات كتاباتهم -كنسبة لوازم لم يلتزموها وتضليلهم بها أو ربطهم بجهات خارجية فريةً وبهتاناً- فإن كثيراً منهم قادته مناكفة الخصوم تدريجياً إلى الانقلاب على الرؤية الإسلامية والرغبة الدفينة الملحة في تأكيد المباينة بمناسبة وبلا مناسبة, حتى آل الأمر بكلا الفريقين المتباغيين إلى الاستقواء بأحد جناحي السلطة ضد الفريق الآخر.
والحقيقة أن وقوع بعض المنتسبين للاحتساب في بعض البغي هو مما جرت به سنة التاريخ, وقد أشار إلى ذلك الإمام ابن تيمية في كثير من كتبه, ومنه قوله: (وكما قد يبغي بعض المستنة إما على بعضهم, وإما على نوع من المبتدعة, بزيادة على ما أمر الله به, وهو الإسراف المذكور في قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا) الفتاوى (14/ 483)
ثم إن مما زاد في تأجيج هذا الجموح الشبابي حفاوة كثير من المؤسسات الإعلامية بذلك مدفوعة بتصفية حسابات قديمة مع ما تسميه الإسلام السياسي, ومن يتصور أن المؤسسات الإعلامية مجرد مناخ معرفي بحت فهو يعيش وهماً كبيراً, فالمؤسسات الإعلامية كائنات سياسية لها أجندتها الخاصة وانحيازاتها العميقة, ولكن لها أدواتها الخاصة في الاستقطاب والتوظيف بما يتناغم مع بنيتها مثل: منصب كاتب عمود صحفي, أو مشرف صفحة الرأي, أو مقدم تلفزيوني, أو معد برامج, أو ضيفاً دائماً يوضع تحت اسمه خبير في الجماعات الإسلامية, ونحوها من المناصب الإعلامية التي تخطف لب الشاب في عصر الشاشة.
ويمكن إجمال بعض الغايات والنتائج التي سعت إليها هذه الورقة في الخطوط التالية:
-أن العبودية هي الغاية الكبرى, أما العلوم المدنية فهي وسيلة تابعة لها.
-أن التنوير الحقيقي هو الاستنارة بالعلوم الإلهية التي تضمنها الوحي, وأن الظلامية والانحطاط الرئيسي هو الحرمان من أنوار الوحي مهما بلغت درجة العلوم المدنية.
-أن أشرف مراتب العمارة هي العمارة الإيمانية, وأن جوهر وظيفة الاستخلاف هو تمكين الدين.
-أن الغلو المدني هو ينبوع الانحراف الثقافي وجذر التخبطات الفكرية المعاصرة.
-أن الإسلاميين ليسوا ضد المثاقفة, ولكن لديهم موقف تفصيلي يفرق بين الانتفاع والانبهار, ويفرق بين مستويات الإنتاج في الحضارات الأخرى.
-أن خطاب أنسنة التراث آل إلى تغييب دور النص في تشكيل التراث, ورد العلوم الإسلامية إلى عنصرين: الثقافات السابقة وصراعات المصالح, بما ترتب عليه انفصال الشاب المسلم عن نماذجه الملهمة.
-أن المغالاة في مفهوم الإنسان آلت إلى طمس المعايير القرآنية في التمييز على أساس الهوية الدينية.
- أن التبرم بمرجعية الوحي, والإزراء بالقرون المفضلة, واللهج بتعظيم الكفار, من أكثر شعب النفاق المعاصرة التي تستدعي التحصين الإيماني.
-أن المغالاة في النسبية يقود إلى العدمية, بما يترتب عليه خسارة فضيلة اليقين ومنزلة الإحسان, والإغراق في الارتياب والحيرة واللاحسم.
-أن الغضب لله ورسوله إذا انتهكت محارمهما قيمة محمودة وليس توتراً ولا نزقا ولا دوغمائية ولا وصاية ولا إقصاء.
-أن الاستغراق في ربط الشعائر بعلل سلوكية محضة, أو ربط التشريعات بحكم اجتماعية محضة, من أعظم أسباب توهين الانقياد وذبول الدافعية.
-أن تعظيم الكلي مع تجميد تطبيقاته يؤول إلى تعظيم شكلي نظري لا حقيقة له, لأن الجزئي معتبر في إقامة الكلي.
-أن الاستقامة الدينية ليست لمجرد السلامة من النار, بل لها آثار دنيوية كبرى في جلب الخيرات ودفع الكوارث.
-أن الضعف البشري في تأويل النص باتجاه رضا الناس حقيقة لا يستهان بسطوتها على العامل للإسلام الشغوف باستمالة المدعوين.
-أن استفراغ الوسع والاستطاعة في إعداد القوة واتخاذ الإمكانيات من الواجبات الشرعية المحكمة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.(3/256)
اللبراليون الجدد .. عمالة تحت الطلب
ترجمة: إبراهيم عرفة أحمد
كتب جون بي آلترمان ( Jon B. Alterman) مدير برنامج الشرق الأوسط في معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية الأمريكي ( Center for Strategic and International Studies) مقالاً تحت هذا العنوان تحدث فيه عن تنامي الدعم الغربي لليبراليين العرب محذراً من أن تعاظم هذا الدعم سيضر الليبراليين العرب ولن يفيدهم، ومحذراً الغربيين من الرهان عليهم.
ويعد هذا المقال اختصاراً لمقال آخر كان قد كتبه: ((أصبحت الحاجة ماسة إلى الليبراليين العرب أكثر من أي وقت مضى؛ حيث يرى فيهم بعض الغربيين الأمل والقوى القادرة على مواجهة خطر «القاعدة» لذلك يدعوهم كبار مسؤولي الحكومات في واشنطن ولندن وباريس وغيرها من العواصم الغربية إلى موائد الأكل وشرب الخمر.
لقد ازداد الدعم الغربي لليبراليين العرب، لكن يبدو أن تنامي هذا الدعم قد يحدث تأثيراً معاكساً؛ فبدلاً من أن يؤدي إلى تقويتهم فإنه سيؤدي إلى تهميشهم ووصمهم بالعمالة، بل جعل الكثيرين يتشككون في الإصلاح السياسي الذي يسعى الغرب إلى تحقيقه في المنطقة.
يعتبر اتخاذ السياسة الغربية لليبراليين العرب قاعدة انطلاق لتنفيذ سياساتها في المنطقة أمراً منطقياً؛ بالنظر إلى التجانس الموجود بين الطرفين؛ فالليبراليون العرب على مستوى تعليمي جيد، ويتحدثون الإنجليزية بطلاقة، وفي بعض الأحيان يتحدثون الفرنسية أيضاً. فالساسة الغربيون يجدون الراحة في التعامل معهم وهم كذاك يحبون التعامل مع الغرب.
لكن إذا أردنا أن نكون صادقين مع أنفسنا، فيجب أن نعترف أن الليبراليين العرب القدامى قد كبر سنهم وازدادت عزلتهم وتضاءل عددهم، ولم يعد لهم إلا تأثير محدود في مجتمعاتهم والقليل من الشرعية؛ فهم بالنسبة لمواطني بلدانهم وبخاصة الشباب منهم لا يمثلون أمل المستقبل، بل يمثلون الأفكار الغابرة التي لم تنجح في الماضي، ولم يعد لديهم القدرة على استمالة قلوب وعقول أبناء بلدانهم.
إن اهتمام الغرب المتزايد بالليبراليين العرب يُنذر بتأزم موقفهم، ويجعلهم يوصَمون بالعمالة، ليس العمالة الهادفة إلى تحقيق الحرية والتقدم، ولكن العمالة للغرب ومساعدته في مساعيه لإضعاف وإخضاع العالم العربي. بل الأسوأ من ذلك جعلهم يتحولون إلى الغرب؛ حيث يجدون حفاوة الاستقبال تاركين بذلك مجتمعاتهم؛ لأنهم لا يجدون فيها تلك الحفاوة التي يجدونها في الغرب.
إن الناظر إلى حال الليبراليين العرب يجد أن السواد الأعظم منهم ينتظر أن تأتي الولايات المتحدة لتسلمهم مفاتيح البلاد التي يعيشون فيها؛ في الوقت الذي تقوم فيه الجماعات المحافظة بعمل برامج نشطة إبداعية مبهرة يقدمون من خلالها مجموعة من الخدمات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. مع هذا؛ فإن كثيراً من الليبراليين يعتقدون حتى الآن أن دورهم ينتهي بمجرد كتابة مقالة.
وإن من غير المحتمل أن يؤدي هذا الدعم المتنامي إلى انغماس هؤلاء الأشخاص في مجتمعاتهم، بل على العكس؛ فإن ذلك الدعم سيشكل حافزاً لهم لتعلم كيفية الحصول على المساعدات من الهيئات الغربية التي تقدم المعونة. وقد ذكر لي أحد أصدقائي بالإدارة الأمريكية أن نموذج المتلقين للمعونة التي تقدمها الإدارة الأمريكية هو ابن لأحد السفراء من أم ألمانية وتصادف أنه يدير منظمة أهلية. إن تقديم المساعدات إلى تلك المنظمات لا يجعلها تبدو نبتاً للوطن بل على العكس يقلل من ذلك التصور.
إن السياسة الحكيمة تقتضي تنفيذ النقاط الثلاث الأساسية التالية بدلاً من الرهان على الليبراليين العرب:
أولاً: أن نستثمر الحرية؛ وذلك بأن ندعم الحرية للجميع ليس فقط لمن يدعمون أفكارنا، بل ولمن يعارضونها.(3/257)
وقد يرى بعضنا أن الضغط على الحكومات العربية لإتاحة المجال أمام حرية التعبير وحرية إنشاء الجمعيات الأهلية والانضمام لها يشكل خطراً كبيراً، خاصة في ظل الحرب العالمية على الإرهاب. لكن ذلك أمر غاية في الأهمية؛ لأن تلك الحرية ستوجِدُ سوقاً حرة تُعرض فيها كل الأفكار، وهو الأمر الذي سيمكِّن الليبراليين من كسب الدعم الشعبي بدلاً من أن يُنظَر إليهم على أنهم قد اختيروا من الغرب ليكونوا بديلاً عن القوميين والمحافظين والراديكاليين.
نحن دائماً ندعي أننا نرغب في أن تقوم دولة عظمى بإدارة الشرق الأوسط كي تتيح المجال للمنافسة. إذاً لماذا لا نرحب بتلك المنافسة بين الأفكار المبنية على مبدأ تكافؤ الفرص للجميع؟
ثانياً: يجب أن نقلل من الشروط والصفات المطلوبة في المنظمات التي نقدم لها الدعم، فعدم تقديم الدعم لمنظمات تقوم بأعمال إرهابية يعد أمراً طبيعياً، لكن سياسة منع الدعم عن المنظمات التي لا تقدم الدعم لسياستنا تعتبر هزيمة لأنفسنا، وستؤدي بنا إلى العزلة، كما ستضعف من مصداقية كل من نرغب في العمل معه.
ثالثاً وأخيراً: يجب استحداث أنشطة جديدة لا تحمل ختم الإدارة الأمريكية؛ هذه الأنشطة الجديدة يمكن أن تنفذ بمشاركة من الحلفاء الأوروبيين الذين يشعر الكثير منهم بالقلق من تأزم الوضع السياسي والاجتماعي في العالم العربي.
بعض الأنشطة الأخرى يمكن أن تقوم بها المنظمات الأهلية والجامعات ومؤسسات أخرى، الهدف من ذلك ليس إخفاء الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في هذه الأنشطة، بل الهدف هو جذب قطاع كبير من المجتمعات الشرق أوسطية إلى قطاع كبير من المجتمعات الغربية.
كما يجب أن لا نتخلى عن الليبراليين العرب؛ فكثير منهم يقاتل بشجاعة في سبيل تحقيق أفكار ندعمها، والتخلي عنهم سيبعث برسائل خاطئة. لكن في الوقت نفسه يجب أن لا نعلق أملنا على نجاحهم؛ فالأفضل لنا أن نحقق نجاحات جزئية مع قطاع كبير من العامة بدلاً من أن نحقق نجاحاً كبيراً مع مجموعة من النخبة المنعزلة والتي لا تتمتع بأي تفويض شعبي.
إننا نريد أن نروِّج للفكر التحرري بين جماهير العالم العربي الموجودة في القاهرة وبغداد وبيروت، وليس في واشنطن ولندن وباريس؛ لذلك يجب أن يأتي الدعم المقدم إليهم من حكومات تلك الدول وليس من الحكومات الغربية. وإذا نسينا ذلك فعندئذ لن نكون قد أسأنا لأنفسنا فقط، بل سنكون قد أسأنا في حقهم أيضاً.))(3/258)
موقف العلامة محمد بن عثيمين من التصوير
18/ 7/1428 هـ
فضيلةَ الشيخ: عبد الرحمن بن ناصر البراك وفقه الله سلام عليك ورحمة الله وبركاته ... أما بعد: فقد قرأتُ كلام الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله في التصوير في المجلد الثاني عشر من مجموع الفتاوى له، وقد لحظتُ فيه أشياء أشكلتْ، مثل قوله: "إن التصوير الفوتوغرافي ليس تصويراً، ومع ذلك لا يجوز اقتناء الصور للذكرى"، ومع تردد في بعض المواضع في حكم التصوير، وفي حكم النظر إلى بعض الصور ... آمل تعليقكم على ذلك.
الجواب:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فإنّ مَنْ يُمعن النظر في أجوبة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله في التصوير، والنظر إلى الصور واقتنائها، يلاحظ أن تصوُّره للواقع فيه تشوّش، أي: إنه لم يتصور الواقع تصوراً تاماً، ولهذا وقع في كلامه في هذا الموضوع بعض الأمور التي تُسْتَغربُ مِنْ مثله، عفا الله عنه، ويمكن أن يتخذ منها أهل الأهواء والشهوات طريقاً إلى ترويج ما يهوونه من برامج الإعلام المرئية، ونشر أنواع الصور في الصحف والمجلات.
وأهم ما لدينا من كلام الشيخ رحمه الله في هذا الموضوع أجوبته كما في مجموع الفتاوى له في ج 12 من صفحة 311 إلى 327 ومدار كلامه رحمه الله على ثلاث مسائل:
1 - حكم التصوير.
2 - اقتناء الصور.
3 - النظر إلى الصور.
وحاصل كلامه في حكم التصوير أنه يختلف باختلاف المصوَّر، واختلافِ الوسيلة في التصوير، وعلى هذا فالتصوير باعتبار حكمه عند الشيخ ثلاثة أنواع:
1 - تصوير مباح على الصحيح، وهو تصوير الجمادات والنباتات.
2 - تصوير محرم، وهو تصوير ذوات الأرواح باليد.
3 - تصوير مختلف فيه، وهو تصوير ذوات الأرواح بالكاميرا.
والشيخ رحمه الله في الأغلب من ظاهر كلامه يختار جواز هذا النوع ما لم يُتَوَصَل به إلى ما هو محرم فيحرم، واحتج الشيخ لما ذهب إليه:
أولاً: بأن التصوير بالكاميرا ليس هو من فعل المكلف، فلا يكون تصويرا.
ثانياً: أن التصوير الذي بالكاميرا ليس فيه مضاهاة لخلق الله، بل هو نقل للصورة التي خلقها الله بواسطة الآلة، وليس للإنسان في هذا فعل إلا توجيه الآلة وتحريكها، فنقل الصورة لا يتوقف على خبرة المحرك بالآلة ومعرفته بالرسم، وأيَّد رحمه الله ذلك بمَثَل، وهو أن تصوير الخط كما في الصكوك والوثائق ما هو إلا نقلٌ لخط الكاتب، وليس خطاً لمن نقله بالآلة، فيقال: هذا خط فلان الذي هو كاتب الأصل.
هذا حاصل ما احتج به الشيخ رحمه الله، وهو مسبوق إلى هذا، وما سمَّاه الشيخ نقلاً للصورة هو ما سمَّاه غيره من المجيزين للتصوير بحبس الظل، ويسمون التصوير بالكاميرا التصوير الضوئي.
والجواب عن الأول -وهو أن التصوير بالكاميرا ليس تصويراً لأن ذلك ليس من فعل المكلف- أن يقال: هذا غير مُسَلَّم، فإنه تصوير لغةً وعرفاً، فإنه يقال للآلة: آلة التصوير، ولمُشغِّلها: المُصور، ولفعله: التصوير، وللحاصل بها: صورة، وهذا التصوير من فعل المكلف ولكن بالوسيلة، وهو من فعل المكلَّف، ولكن بالوسيلة الحديثة ((الكاميرا))، ومما يدل على أنه من فعل المكلَّف أن له أحكاماً، فقد يكون مباحاً وقد يكون حراماً كما تقدم.
ويجاب عن الثاني -وهو أن التصوير بالكاميرا ليس فيه مضاهاة لخلق الله تعالى ... إلخ- بأن ذلك ممنوع؛ فالمضاهاة مقصودة للمصور وحاصلة.
وتسمية ذلك ((نقلاً)) تغيير لفظٍ لا يغير من الحقيقة شيئاً، فلا يؤثر في الحكم.(3/259)
والصورة التي خلقها الله لا تنتقل عن محلها، فإنها لو انتقلت لخلا محلُّها، ومعلوم أن الصورة عَرَض لا يقوم بنفسه، فلا يوصف بالانتقال، بل الزوال، فالصورة الحاصلة بالكاميرا تضاهي الصورة القائمة بالمصوَّر وليست إياها، ولهذا يتصرف المصوِّر في الصورة بالتصغير والتكبير والتحسين والتقبيح. ولو كانت الصورة محضَ نقل لما أمكن التصرف فيها. فتبيَّن أن التصوير بالكاميرا تصويرٌ حقيقةً، لا نقلٌ للصورة التي خلقها الله، لأن ذلك متعذر. ولتصرف المصور في الصورة الحاصلة بالآلة.
وأما صورة الخط فلا يقال فيها: إن هذا خط فلان، بل صورة خطه، ولهذا يفرق بين الأصل والصورة، فيقال في الوثيقة: هذا أصل وهذا صورة، ولا يُعوَّل في الإثبات على الصورة في الكثير من الأمور المهمة، بل لابُد من إحضار الأصل. والله أعلم.
وأما المسألة الثانية، وهي حكم اقتناء الصور، فقد ذهب الشيخ رحمه الله إلى تحريم اقتنائها للذكرى، وتحريم تعليقها، وقد أشار في ذلك إلى دلالة السنة على تحريم اتخاذها واقتنائها في غير ما يُمتهن. (ج 12 ص 325)
والسنة التي أشار إليها مثل حديث عائشة رضي الله عنها في قصة القرام التي سترت به سَهْوة لها، أي فُرْجة، وكان فيه تصاوير، فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم هتكه وتَلَوَّن وجهه، وقال: "إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله" قالت عائشة: فجعلناه وسادة أو وسادتين. متفق عليه. وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون، فيقال لهم: أحيوا ما خلقتم" ثم قال: "إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة" متفق عليه.
وقد استوفى الشيخ رحمه الله ذكر الأدلة على حكم اقتناء الصور في الجواب المُطول المفصل الوارد في ج12 في الصفحات من 311 إلى 317.
وسواء عنده أكانت الصورة كاملة أم غير كاملة إذا كان الرأس موجوداً لحديث أن جبريل عليه السلام لما امتنع من دخول بيت النبي صلى الله عليه وسلم لوجود التمثال الذي بالباب، أمر أن يُقطع رأس التمثال حتى يكون كهيئة الشجرة، ونقل الشيخ رحمه الله عن الإمام أحمد قوله: "الصورة الرأس" ومثله عن ابن عباس رضي الله عنه.
وأكد الشيخ أنه لا يزول حكم الصورة حتى يُبان الرأس إبانةً تامةً، وكأنه يشير إلى ما يفعله المحتالون على تحليل الحرام من تصوير الجسم وتصوير الرأس فوقه مع الفصل بينهما بخط، وقد نص رحمه الله على جواز اقتناء الصورة أو ما فيه صورة مما تدعو إليها الحاجة أو الضرورة، كالصورة لإثبات الشخصية، والصور التي في النقود.
وبين رحمه الله أن ما يحرم اقتناؤه من الصور يتفاوت حكمه باعتبار مقصود مقتنيها، وباعتبار المصوَّر، كاقتناء صور العظماء وصور النساء، ولا سيما مع تعليقها أغلظ تحريماً من غيرها لما يتضمنه ذلك من المفاسد. وقد أجاد وأفاد رحمه الله في مسألة اقتناء الصور هذه، وإن كان تصويرها بالكاميرا.
ولكن هذا يُضعف ما ذهب إليه من جواز تصوير ذوات الأرواح بالكاميرا. فإن القول بجواز التصوير بالكاميرا مع تحريم اقتناء الصورة فيه نوع تناقض. مما يدل على أن قوله بجواز التصوير ليس هو فيه على طمأنينة.
ويؤيد ذلك أنه نص في جوابه المفصل المشار إليه على أن التصوير بالكاميرا من المتشابهات، حيث قال بعد ذكر الخلاف: "والاحتياط الامتناع من ذلك، لأنه من المتشابهات، ومن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه". (ج12/ 312)(3/260)
وبناءً على ما تقدم يتبين أنه لا يصح إطلاق نسبة القول بجواز التصوير بالكاميرا إلى الشيخ، فإما أن يقال: (عنه في ذلك روايتان)، أو يقال: (إن قوله بالجواز لم يكن مطمئناً إليه وإن احتج له ببعض الشبهات العقلية، فقد ذكر القولين وحجج الفريقين، ومال في أغلب أجوبته إلى القول بالجواز).
وقد اشتهر عنه القول بالجواز، وأخذ بذلك كثير من طلاب العلم وغيرهم تقليدا، كما تعلق به أصحاب الأهواء الذين لا يأخذون من أهل العلم إلا ما يوافق أهواءهم، فعمت البلوى بهذا التصوير واستباحه أكثر الناس؛ جهلاً وتقليداً وهوى، وهذا كله لا يضر الشيخ، فهو علامة مجتهد متحر ٍللحق، فأمره دائر بين الأجر والأجرين، إن شاء الله. فإن المجتهد إن أصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد.
والمقلدون للشيخ لم يمعنوا النظر في سائر أجوبته، لذلك لم يعرفوا حقيقة مذهبه في هذه المسألة.
وأما أصحاب الأهواء فلا يعنيهم التحقق من مذهب العالم وفتواه، بل يكفيهم أن يظفروا منه بما يوافق مرادهم ويصلح للتشبث به لترويح باطلهم.
وفي كلام العلماء ما يُعد من المتشابه الذي يجب رده إلى الواضح من كلامهم، وسبيل أهل الزيغ اتباع المتشابه من كل كلام، كما قال تعالى: {فَأما الّذين فِي قُلُوبهمْ زيْغ فَيَتّبعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتغاءَ تَأوِيلِه} [آل عمران:7] وهذا منشأ ضلال فرق الضلال من هذه الأمة، فنعوذ بالله من سبيل الغي والضلال.
وخلاصة القول أن المبيحين للتصوير بالكاميرا أو التصوير الضوئي أصناف:
1 - علماء مجتهدون في معرفة الحق بريئون من الهوى، فهم في التصوير متأولون، وهذا الصنف قليل.
2 - علماء مجتهدون متأثرون في اجتهادهم بضغط الواقع وشيء من الهوى.
3 - مقلدون بحسن نية.
4 - مقلدون مع شهوة وهوى، وهؤلاء يكثرون في المنتسبين إلى العلم والدين.
5 - متبعون لأهوائهم لا يعنيهم أن يكون التصوير حراماً أو حلالاً، لكنهم يدفعون بالشبهات وبالخلاف من أنكر عليهم، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون، فالناس في هذا المقام كما قال الله تعالى: {هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللهِ وَالله ُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُون} [آل عمران:163].
وأما المسألة الثالثة، وهي حكم النظر إلى الصحف والمجلات والتلفاز فقد فصّل فيه الشيخ من جهة نوع المصوَّر ومن جهة أثر النظر:
فعنده أن الصورة إذا كانت لحيوانات، أي لغير آدمي جاز النظر إليها، لكن لا يجوز اقتناء الصحف من أجلها وإن كانت لآدمي ففيه تفصيل، وهذا نص كلامه:
"وإن كانت صور آدمي، فإن كان يشاهدها تلذذاً أو استمتاعاً بالنظر فهو حرام، وإن كان غير تلذذ ولا استمتاع، ولا يتحرك قلبه ولا شهوته بذلك، فإن كان ممن يحل النظر، كنظر الرجل إلى الرجل، ونظر المرأة إلى المرأة أو إلى الرجل أيضاً، على القول الراجح فلا بأس به، لكن لا يقتنيه من أجل هذه الصور"
وهذا تفصيل حسن لا إشكال فيه، ولكنه رحمه الله قال بعد ذلك: ((وإن كان ممن لا يحل له النظر إليه، كنظر الرجل إلى المرأة الأجنبية فهذا موضوع شك وتردد)). (ج 12/ 326)
وقد ذكر بعد ذلك منشأ هذا الشك والتردد عنده وهو أمران:
الأول: تردده في دلالة حديث "لا تباشر المرأةُ المرأةَ فتنعتها لزوجها حتى كأنه ينظر إليها" هل النهي عن نعت صورتها الظاهرة كمحاسن وجهها، أو النهي عن نعت ما تحت الثياب من العورة؟
والشيخ يميل إلى الاحتمال الثاني، من أجل لفظ المباشرة ومن أجل زيادة النسائي في الحديث ولفظه: "لا تباشر المرأةُ المرأةَ في الثوب الواحد".(3/261)
فيقال: هب أن المراد من الحديث المعنى الثاني، فتحريم النظر إلى المرأة الأجنبية لا يتوقف على دلالة هذا الحديث، فقد جاء في الكتاب والسنة ما يدل على تحريم النظر إلى المرأة الأجنبية، قال تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم} [المؤمنون:30] وقال صلى الله عليه وسلم: (لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة) رواه الإمام أحمد وغيره عن علي رضي الله عنه، وهو صحيح بمجموع طرقه. وفي صحيح مسلم عن جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن نظر الفجاءة فأمرني أن أصرف بصري.
الأمر الثاني -مما أوجب التردد في تحريم النظر إلى صورة المرأة الأجنبية بغير شهوة-: ما ذكره من الفرق العظيم في التأثير بين الحقيقة والصورة.
فيقال: أولاً: هذا لا يُسلم على الإطلاق، فقد تكون الصورة أعظم تأثيراً لما يجري فيها من التحسين والتلوين، والعناية في تحديد مواضع الفتنة.
وثانياً: دعوى الفرق في التأثير بين الحقيقة والصورة -وإن سُلِّم في الجملة- فإنه يرد على ما قرره رحمه الله في الاحتجاج لجواز التصوير بالكاميرا، حيث ذكر أن التصوير بالكاميرا نقلٌ للصورة التي خلقها الله، وهذا يقتضي أن تكون الصورة كالحقيقة في التأثير.
نعم؛ إذا كانت المرأة الأجنبية حاضرة يُطمع في الوصول إليها، فهي من هذه الجهة أعظم تأثيراً على الناظر من الصورة.
وبهذا يتبين أن النظر إلى صورة المرأة الأجنبية كالنظر إلى المرأة الأجنبية في التأثير والتحريم، وإن وُجد تفاوت بينها، فما كان أعظم تأثيراً كان النظر إليه أشد تحريما.
هذا كله في النظر إلى المرأة الأجنبية أو صورتها بغير شهوة، أما إذا كان بشهوة فقد تقدم نص الشيخ على التحريم مطلقاً.
وذكر رحمه الله في هذا المقام شيئاً من الفرق في النظر إلى صورة المرأة الأجنبية بين المعينة وغير المعينة فإن كان النظر بشهوة وتلذذ فهو حرام، وإن كان بغير شهوة؛ فإن كانت الصورة لامرأة معينة، فالقول بتحريم النظر حينئذ قال فيه الشيخ: ((فيه نظر)) جزء 12 ص 327 وإن كانت الصورة لغير معينة وبغير شهوة، ولا يخشى أن تجر إلى محظور شرعي، فالنظر في هذه الحال جائز. وهذا التفصيل من الشيخ رحمه الله لم يذكر عليه دليلا.
وحاصل ما تقدم أن رأي الشيخ في حكم التصوير بالكاميرا ليس مستقراً ولا محرراً، وإن كان الغالب على كلامه ظاهرُه القول بالجواز، وما ذكره من الأدلة على ذلك ضعيفة ومنقوضة كما تقدم، وكذلك ما ذكره من التفصيل في مسألة النظر إلى صور الآدميين فيه ما لا يتجه، كالفرق في النظر إلى صور المرأة الأجنبية بين المعينة وغير المعينة.
وكذلك تردده في حكم نظر الرجل إلى صورة المرأة الأجنبية بناءً على الفرق في تأثير النظر بين الحقيقة والصورة.
وهذا التفصيل وهذا التردد يمكن أن يكون شبهة لأصحاب الأهواء والشّهوات، من مطالعي الصّحف والشّاشات بإطلاق أبصارهم فيما يُعرض ويُنشر.
وإذا كان معظم ما ينشر ويعرض من صور النساء يقصد منه الإغراء وجذب الأنظار وإشباع الشهوات، والدعاية إلى ترويج الصور والمجلات والمبيعات.
فلا متمسك لأهل الباطل في كلام الشيخ رحمه الله. فإن النظر إلى ما يُعرض وينشر في وسائل الإعلام من صور النساء الفاتنات لإمتاع القراء والمشاهدين كله حرام عند الشيخ.
وأما ما قرره الشيخ في مسألة اقتناء الصور فهو واضح بيّن لا إشكال فيه.
والذي أراه صواباً هو تحريم التصوير بالكاميرا، وأنه داخل في عموم أدلة تحريم التصوير، وتحريم اقتناء الصور، وتحريم النظر إلى صور ما يحرم النظر إليه من الرجال والنساء، وأن الصورة كالحقيقة في ذلك،
ويحسُن هنا ذكر جملة من الأحاديث الوردة في حكم التصوير:(3/262)
فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قال الله تعالى: ومن أظلم ممن ذهب يخلق كخلقي، فليخلقوا ذرة، أو ليخلقوا حبة، أو ليخلقوا شعيرة) متفق عليه،
وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذاباً يوم القيامة الذين يضاهئون بخلق الله).
ولهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مصور في النار، يجعل له بكل صورة صورها نفس يعذب بها في جهنم).
ولهما عنه مرفوعاً: (من صور صورة في الدنيا كُلِّف أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ).
وفي صحيح البخاري عن أبي جحيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَعَن المصورين).
والأحاديث الدالة على تحريم تصوير ذوات الأرواح وأنه من كبائر الذنوب وتحريم اقتناء الصور كثيرة مشهورة محفوظة في دواوين السنة.
وإذا كان من المعلوم بالضرورة أن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم عامة وباقية إلى قيام الساعة، لعموم رسالته وختم النبوة به صلى الله عليه وسلم، فأحكام شريعته وخصوصها لا تختص بزمانه بل هي دائمة إلى أن يأتي أمر الله تبارك وتعالى، ولا تزال طائفة من هذه الأمة على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة، فنصوص تحريم التصوير شاملة لكل تصوير بأي وسيلة، مما كان في عهده صلى الله عليه وسلم أو يكون بعده، والله الذي أنزل هذه الشريعة يعلم ما سيحدث من وسائل التصوير، فيجب تحكيم نصوص الكتاب والسنة وإعمال عُموماتها وإطلاقاتها، ما لم يثبت ما يوجب التخصيص أو التقييد، كما يجب التحاكم إليها عند التنازع كما قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} [النساء:59].
وبعد؛ فعلى الجميع أن يتقوا الله ويلتمسوا رضاه، ويجتنبوا ما حرم عليهم وما يقرب إلى الحرام من المشتبهات.
هذا ونسأل الله أن يلهمنا الصواب، ويهدينا سبيل الرشد في القول والعمل. والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أملاه
عبد الرحمن بن ناصر البراك
الأستاذ (سابقا) بجامعة الإمام محمد بن سعود
غرة رجب 1428
المصدر: موقع الشيح عبد الرحمن بن صالح البراك(3/263)
خرافة السر (قراءة تحليلية لكتاب "السر" و"قانون الجذب")
بقلم: عبد الله بن صالح العجيري
وقفت منذ مدة على كتاب (السر) ( the Secret) (1) لمؤلفته الاسترالية (روندا بايرن) (2) وذلك في نسخته الإنجليزية، وقد حقَّق الكتاب حينها ولا يزال مبيعات هائلة بلغت ملايين النسخ، وتصدَّر قوائم الكتب الأفضل مبيعاً في المجتمعات الغربية، وتُرجم إلى أكثر من ثلاثين لغة من لغات العالم الحية، وحصد في طريقه أناساً فأخذ من أموالهم وعقولهم ما أخذ.
وزاد من حمى انتشار الكتاب ما حضي به من حفاوةٍ إعلاميةٍ كبيرةٍ، حتى تنقَّلت مؤلفته ومشاركوها ليحلوا ضيوفاً في برامج فضائيةٍ واسعة الانتشار كبرنامج (لاري كنج) و (أوبرا) وغيرهما (3)، ليكون ذلك سبيل دعاية لفكرة الكتاب وتسويقاً علنياً (للسر).
ولقد طالعت هذا (السر) وقرأته فوجدت كتابَ دجلٍ وخرافةٍ، يراد تمريرها عبر بهرجةٍ لفظيةٍ، وزخرفةٍ كلاميةٍ، ودعاوى فارغةٍ، فتركت الكتاب ولم أحفل به كونه من الباطل البين، ولم أُعنَ حينها بالكتابة حوله كونه مكتوباً بلغته الأم مما ساهم في تحجيم انتشاره وتضييق عدد قرائه عندنا (4). لكن حين تُرجم الكتاب إلى العربية، وأخذت إعلاناته تطل علينا في الشوارع، ويُسوَّق له على مستوى عالٍ، تغير الحالُ، وتبدَّلَ الرأي. فها هو الكتاب (يخبط خبطته) التجارية عندنا كما فعل في أماكن أخرى، وهاهو يزلزلُ بتلك (الخبطة) عقول أناسٍ وقلوبهم، ليحصد في طريقه المعجبين والمؤمنين. وما عليك إلا أن تبحث في الإنترنت باستعمال (اسم الكتاب= السر) أو (اسم المؤلفة=روندا بايرن) لترى حجم انتشار هذا العمل، وعظيم الاحتفاء به، وذلك في عشرات المواقع والمنتديات العربية، بل تسرب هذا الاحتفاء للصحافة المحلية، فأخذ بعض الصحفيين يمدح الكتاب ويروج له، فمثلاً:
_________
(1) وقد صدر أولاً على شكل فيلم تعليمي/وثائقي ظهر على بعض الفضائيات، ثم بيع على شكل DVD، ثم طُوّر العمل ووسعت المضامين بهذا الكتاب. وهذا الفلم والكتاب وملفاته الصوتية قد حقَّقت جميعاً مبيعات هائلة.
(2) وهي كاتبة ومنتجة أفلام تلفزيونية، ولدت سنة 1955م، وقد عُرفت من خلال عملها الأشهر ( the Secret) ، والذي أوصلها لتكون من ضمن قائمة (المائة شخص الأكثر تأثيراً في العالم) بحسب تقرير مجلة التايمز لعالم 2007، ويتسق هذا الكتاب مع مبادئ (حركة الفكر الجديد) ( New Thought Movement) والتي يؤمن أصحابها -من مؤلفين وفلاسفة ومدربين وروحانيين وغيرهم- بمجموعة من المبادئ (الميتافيزيقية) والمختصة بطرائق العلاج، وتطوير الذات، وتأثير الفكرة في الماديات، وكتاب (السر) يدور حول هذه المفاهيم، ويروج لها وفق منظومة هذه الحركة، والتي انقسمت إلى جملة من المدارس المختلفة -كلها واقعة في انحرافات خطيرة- فيما يتصل بوجود الله وصلته بالإنسان، وبعضها أشد انحرافاً من بعض حيث تدعي أن الله في كل مكان، وأن روحه تسري في كل إنسان -تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً-.
(3) بل ظهرت (أوبرا وينفري) بنفسها في برنامج (لاري كنج) مبشرة بكتاب (السر)، ومروجة لفكرته.
(4) وصرت اليوم مقتنعاً بضرورة دراسة تقلبات (الموضة الفكرية) (والصرعات العلمية) (والتقليعات العقدية) في المجتمعات الغربية، فإنها -للأسف- عن قريب سترد علينا، وستجد من يصدق ويؤمن ويروج لها، كون القوم مصدرين ولا زلنا مستوردين، والله المستعان!(3/264)
• يقول أحد الكتاب في مقال له منشور بصحيفة عكاظ (العدد 2096) مثنياً على الكتاب، ومظهراً ابتهاجه بمضامينه: ("السر" لـ"روندا بيوني" واحد من سلسلة نادرة من الكتب فيه تألق ذهني محض يمدك ببهجة طويلة الأجل ويسهل عليك عملية التنفس ويثير فيك الرغبة في الحلم في معركة حياتية نحتاج فيها جميعاً أن نعيد برمجة أحلامنا بعد مراجعة الظروف).
• ويقول كاتب آخر في مقال له في جريدة الرياض (العدد 14509) بعد أن عرض لخلاصة الكتاب: (هذا هو "السر" الذي حقق النجاح للكثيرين أعرضه لكم لأنني أحبكم وأتمنى أن تحققوا كل ما تصبون إليه، ولا أرجو من ذلك إلا أن تذكروا بالخير من كشفه لكم متمنياً للجميع النجاح).
• وتقول إحدى الكاتبات في مقال لها (العمق والأثر) والمنشور بجريدة اليوم (العدد 12805): (لأول مرة في حياتي انتهي من قراءة كتاب وأقلبه لأقرأه من جديد في اللحظة ذاتها التي انتهيت فيها منه. قرأته في المرة الأولى لأفهم سر رواج ذلك الكتاب في أمريكا وكيفية عمل (السر) وهذا هو اسم الكتاب ( the Secret) وقرأته في المرة الثانية وأنا (زعلانه) وعدم رضاي لم يكن بسبب الكتاب ومحتواه ولكن بسبب فقداننا نحن العرب المسلمين لمن يكتب لنا بتلك الطريقة السهلة بقربها ووضوحها وبعدها عن أسلوب الوعظ ومفرداته المتكررة في كل الكتب والمحاضرات). وتقول في آخر مقالها مكمّلة نقمتها على المكتبة العربية: (نبحث في المكتبة العربية عن كتاب من ذلك النوع فلا نجد، لأنهم جميعا يخافون من مغبة التفكير، ويميلون إلى المنقول، فنكرر أنفسنا، ونكرر معارفنا، بالأسلوب الذي لا نجرؤ على تجاوزه. وهو أسلوب الأمر وأسلوب النهي الذي جاء به كتاب (لاتحزن) كمثال. فالكتاب رغم اختلافه عن غيره إلا أنه لم يتجاوز تلك الأساليب بدءاً من العنوان ومروراً بصيغ الأمر المتكرِّرة كثيراً في الكتاب. ربما كان اختلاف الكتاب في أنه بسط الأسلوب القديم ومزج في الأثر على القراء بين الآيات والأحاديث والتجارب الإنسانية من خلال أبيات من الشعر. ولكننا نبحث عن المزيد من العمق ومزيدٍ من القرب الذي يترك فينا أثراً قويا كما فعل كتاب السر). فهل كتاب (السر) جديرٌ حقيقة بمثل هذا الثناء، أم أنه نتاج التغيير ليس إلا. فإذا ما اعتدنا الأسلوب الجديد، انقلبنا عليه وصار محل نقمتنا. ومن غريب ما قالته في مقالها هذا وهي تحدثنا عن حقيقة (السر) قولها: (فكل ما وجدته في الكتاب الذي شارك فيه مجموعة من المسيحيين وربما اليهود هو التالي:
? إن الدعاء مخ العبادة فألحوا في الدعاء.
? لئن شكرتم لأزيدنكم.
? تفاءلوا بالخير تجدوه.
? الإيمان العميق بالله وبقدرته.
هذه النقاط الأربع هي الأسس التي بنيت عليها فكرة الكتاب).
فهل هذه هي الأسس التي بني عليها الكتاب فعلاً، أم أنه مبني على ضدها ونقيضها؟! كما ستراه إن شاء الله. إن مثل هذه القراءة السطحية تنم عن إشكاليةٍ عميقةٍ عند كثير من قرائنا الذين يقرؤون ولكن لا يفهمون ما يقرؤون، أو يفهمون حسب مزاجهم، دون أن يكلفوا أنفسهم عناء فهم حقيقة الكلام كما هو. بل جلُّ همهم البحث عن الجديد لمجرد كونه جديداً، ولمجرد خروجه عن المألوفِ، حتى لو كان المألوف حقاً لا مريةَ فيه، والجديد باطلاً!!
• ويقال في كاتبة أخرى ما قيل هنا حيث ادعت ذات الدعوى في مقال لها معنون بـ (السر) وذلك في جريدة اليوم (العدد 12361)، قالت بعد ما تكلمت عن بعض أفكار الكتاب: (هي الأفكار الرئيسة في كل الأديان. الدعاء، الإيمان العميق بأن الكون مسخر لنا وبأن الخير غير محدود، وبأن الشعور بالرضا والشكر والحمد يولد خيرات أكثر. وهذا ما نجده في القانون القرآني أيضا: (لئن شكرتم لأزيدنكم)، وأن التفاؤل يجلب فعلا المسرات، أي كما قال محمد (صلى الله عليه وسلم) (تفاءلوا بالخير تجدوه)) وتقول أيضاً مبينة منهجيتها في قراءة هذا الكتاب: (كلما كنت أقرأ فقرة أو قسما من الكتاب، بشكل لا شعوري أجد نفسي أفكر فيما يقابله في القرآن الكريم أو في التراث الإسلامي أو الإنجيل أو البوذية).
ولقد ذهبت إلى إحدى مراكز البيع الرئيسة فهالني تهافت الناس على شرائه، ثم هالني أن الكتاب قد نفدت نسخه تماماً بعد أيام قلائل، ليس في الفرع الذي ذهبت إليه فحسب بل في مختلف الفروع وعلى مستوى مدنٍ مختلفة. فما السرُّ في انتشار (السر)، وما حقيقة السِّر المضمَّن في (السر)؟!(3/265)
رُؤْيَةٌ شَرْعِيَّةٌ في الجِدَالِ والحِوارِ مع أهْلِ الكِتَاب ِ
راجعه وقدم له/ الشيخ علوي بن عبد القادر السقاف
تأليف/ الشريف محمد بن حسين الصمداني
تقديم
الحمد لله الذي أمر وأوجب جدال الكفار ومحاورتهم بقوله: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [سورة النحل 16/ 125] والقائل: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [سورة العنكبوت 29/ 46] والصلاة والسلام على نبي الهدى والرحمة الذي امتثل لأمر الله وجادلهم في مكة والمدينة وفي حال القوة والضعف وفي السلم والحرب وأمر بذلك وسماه جهاداً فقال عليه الصلاة والسلام: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) رواه أحمد وغيره. قال ابن حزم -رحمه الله- "وهذا حديث غاية في الصحة وفيه الأمر بالمناظرة وإيجابها كإيجاب الجهاد والنفقة في سبيل الله"، وهذا الواجب قد فرَّط فيه كثيرٌ من الدعاة والمصلحين، ففي الوقت الذي نجد فيه دعاة التقريب بين الأديان ودعاة العصرانية ينشطون لذلك ويعقدون الندوات والمؤتمرات تارة باسم التعاون وأخرى باسم التسامح والتعايش وثالثة لتحاشي النزاعات وصدام الحضارات -زعموا- وغير ذلك من التُرَّهات؛ في الوقت نفسه نجد تقاعساً كبيراً وعزوفاً من دعاة الحق عن هذا النوع من الجهاد وأحسنهم حالاً من اهتم بدعوة أهل الكتاب -وفي هذا خيرٌ كبير- مع أن دعوة أهل الكتاب والمشركين ليست هي جدالهم ومحاورتهم وما يُدرأ من المفاسد والشرور بالجدال لا يمكن درؤه بمجرد الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة التي أُمرنا بها، قال شيخ الإسلام -رحمه الله- "أما الجدلُ فلا يدعى به، بل هو من باب دفع الصائل؛ فإذا عارض الحق معارض جودل بالتي هي أحسن" والله عز وجل قد يدفع بالحجة واللسان ما لا يدفعه بالسنان قال العلامة ابن حزم -رحمه الله-: "ولا غيظ أغيظ على الكفار والمبطلين من هتك أقوالهم بالحجة الصادعة وقد تهزم العساكر الكبار والحجة الصحيحة لا تغلب أبداً فهي أدعى إلى الحق وأنصر للدين من السلاح الشاكي والأعداد الجمة".
وما أحوج من أراد أن يتصدى لهذا النوع من الجهاد أن تكون له رؤية شرعية يتسلح بها في جهاده لأعداء الله، هذا وقد تكفل أخونا الفاضل الشريف محمد بن حسين الصمداني بإيضاح هذه الرؤية من خلال كتابة هذا البحث الموسوم بـ ((رؤية شرعية في الجدال والحوار مع أهل الكتاب)) وقد قرأته ووجدته بحثاً قيماً يجدر بمن تصدى للحوار مع أهل الكتاب أن يستفيد منه وقد ذكر فيه مؤلفه -جزاه الله خيراً- مباحث مهمة استوقفني منها الشرط الأول من شروط المحاور المسلم ولوازمه وهو الأهلية وإعطاء الإسلام حقه من النصرة والبيان ومن لوازم هذا الشرط -كما ذكر -:
1 - العلم والعدل.
2 - معرفة ما ينكي وينجع في رد صيال الخصم وجداله.
3 - الصدع بالحق والجهر به.
وقد علمت أنه أطلعه على عددٍ من المشايخ الفضلاء وطلاب العلم فاستحسنوه.
أسأل الله عز وجل أن يجزي الباحث خير الجزاء، وأن يرزقنا وإياه الإخلاص في أقوالنا وأعمالنا وأن ينصر جنده ويعلي كلمته إنه ولي ذلك والقادر عليه
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
... أقوال ابن تيمية وابن حزم منقولة من أصل البحث فليرجع إليها.(3/266)
التدين الجديد وأثره في تمرير ثقافة التغريب في مجتمعاتنا
أنور قاسم الخضري
مقدمة:
استطاعت الصحوة الإسلامية خلال العقدين الأخيرين من القرن الماضي فرض نفسها كواقع ملموس في الحياة العامة، والأوساط الاجتماعية المختلفة؛ ذلك أنها خاطبت كافة الشرائح والفئات والنخب - بغض النظر عن مدى مضمون هذا الخطاب وسلامته!!
ونظراً لأن الإنسان متدين بالفطرة، فهناك تيار عام وظاهر اليوم ينحو باتجاه الشخصية المتدينة، بعد أن سادت لفترة من الفترات طبيعة اللامبالاة والإعراض والتخلي عن الدين، وذلك تحت وطأة التوجه العلماني الذي عمل على تغييب الخطاب الديني ومحاربته وصدِّ الناس عنه.
والقارئ أو المستمع أو المشاهد أو الزائر - في العالم العربي والإسلامي- لا يخطئ مظاهر التدين التي تنتشر في أوساط المجتمع وتلوح على مؤسساته وأنشطته وتعاطيه مع الأحداث .. هنا وهناك.
ويبقى من الضروري في ظل هذا الاتساع والانتشار السريع والمتزايد دراسة الظواهر المصاحبة لهذا التوجه (أو التيار) الديني .. أو ما اصطلح عليه "الصحوة الإسلامية". وهذه الضرورة لدراسة من هذا النوع تنبع من عدة جوانب:
أولاً: أن توجه الناس نحو التدين يرافقه غالباً جهل بأحكام الدين ومقاصد الشريعة، الأمر الذي قد يوقع البعض في الغلو أو المحدثات أو إضافة شيء إلى العقائد والعبادات والشرائع، وهو ليس منها أصلاً!
وبالتالي فيجب على العلماء والدعاة مواجهة أي خطأ من هذا النوع مع نشوء بوادره، كما كان هديه - صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه، فحديث "ذات أنواط"، وحديث الثلاثة نفر الذين سألوا عن عبادة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتقالُّوها .. وغيرها، هي من باب حرص الشارع على ألاَّ تخرج طبيعة التدين الناشئ في النفس البشرية عن حدود الشرع ومقاصد الدين.
ثانياً: أن هناك من شياطين الإنس والجن -في كل زمان ومكان ومجتمع- من يحاول أن يحرف توجه الناس إلى التدين إلى مسار مخالف، أو منحرف، مع كونه يبدو في مظهره أنه المسار الصحيح؛ وأغلب انحرافات الأمم عن التدين إنما وقعت في بداياتها الأولى بشيء يسير من المخالفات التي لبست عليهم الشياطين فيها، ليصبغوها بصبغة التدين، ثمَّ ما لبثت أن صارت طرقاً مضاهية للدين، ولكل طريقة أشياع، ولكل شيعة مطاع!!
ثالثاً: أن التدين في غالبه هو استجابة لخطاب ديني موجه، وبحسب سلامة هذا الخطاب وصحة مضامينه تكون سلامة الأتباع وصحة أعمالهم وأقوالهم ومعتقداتهم. ونظراً لكثرة الخلاف وتعدد الاجتهادات على مدار أكثر من أربعة عشر قرناً، فإن من الصعب على العامة والجماهير الغفيرة المقبلة على التدين الوصول إلى الرؤية الصحيحة والمناهج الحقة والتغذية المتكاملة والمتزنة والمتدرجة، والتي يصلون بها إلى مراتب الكمال البشري بصوره المختلفة؛ وهذا قد يؤدي بهم إلى الانتقاء والاختيار من "المعروض" وبحسب الرغبة والحاجة، وبالتالي تصنع الجماهير لأنفسها في ظل غياب الخطاب والتوجيه الموحد "تديناً جديداً"، يحمل ملامح غير متجانسة وعناصر غير مترابطة ... وهو بدوره قد يشكل وعياً جمعياً ضاغطاً، وأخطر ما فيه أنه غير موجه ولا إرادي، ومع مرور الوقت يربوا فيه الصغير ويهرم فيه الكبير، ويصبح ديناً له مفاهيمه وقيمه وسننه وشرائعه!! فإذا أراد العالِم أن ينكر على أهله قالوا: {إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف:23].
التدين بين الجديد والقديم:(3/267)
إن التدين باعتباره جهدا بشريا في جانب التعاطي مع الدين وتطبيقه في الحياة، يتغير ويتبدل ويتجدد، بحسب أحوال الناس وظروفهم المحيطة ووفرة القائمين بواجب الدعوة والتذكير والإرشاد والتعليم. ومن الطبيعي أن يعتريه نقص أو قصور أو خلل، لأن هذا شأن النفس الإنسانية والمجتمع البشري. ومن هنا فإن تسمية ما يحدثه الناس في واقعهم الديني بـ"التدين الجديد" أمر لا غبار عليه، وهو من باب الاصطلاح على الظواهر الجديدة؛ والمهم في الأمر هو التوصيف الموضوعي لهذا الاسم بما يتطابق مع واقعه؛ حتى لا تبنى بقية الأحكام بعيدا من الواقع وحقائق الأمور!
ولست أول من يلتفت إلى هذه الظاهرة ويسميها بهذا الاسم، فهناك من كتب عن "الدعاة الجدد" وآخرون كتبوا عن "المتدينون الجدد"، وهي في مجموعها كتابات تتطرق إلى الظاهرة من رؤى مختلفة! وتحليلات متباعدة! فماذا نقصد بـ"التدين الجديد"؟!
إن هذا المفهوم متصل بمصطلح "المتدينون الجدد" باعتبارهم النموذج المادي لهذا المفهوم! وعليه فما هي خصائص هذه الفئة من المتدينين، والتي تميزهم عن غيرهم ليحملوا هذا اللقب؟
خصائص "المتدينين الجدد":
ظهر في الفترة الأخيرة من العقد الماضي دعاة: "استطاعوا أن ينتقلوا بالأفكار الدعوية والتربوية إلى مدارات جديدة ومختلفة، ومنها إعادة عرض الأفكار الدعوية بشكل جديد، معتمدين على تقنيات حديثة، وأساليب مستحدثة، ومن هذه المشروعات المزدهرة في مصر: مدارس القرآن التي انتشرت بمنهجية متطورة وأسلوب عمل محترف، واعتماد على تقنيات جديدة، وكذلك العدد الضخم من الجمعيات الخيرية والأهلية التي تدار بمجلس إدارة أقل من الثلاثين عمرا، وبأفكار تنموية رائدة". مرجع (3)
وانطلق أتباعهم: "نحو عمل اجتماعي شبابي لا يقول: نحن إسلاميون، بل ينخرط فيه الجميع، محجبات وغير محجبات، متمسكون بالصلاة أو غير ذلك!!، ولم يجعل هدفه التغيير الكامل لهؤلاء الأفراد، ولكن التعاون على أهداف بعينها: زيارة لملجأ أو المشاركة في إنشاء مستشفى أو غير ذلك". مرجع (1)
ومما يلاحظ على هؤلاء الأتباع وجود الهم للإسلام، لكن وكما يقول أحمد زين: "التعاطي ونمط المعيشة والتصورات تتم وفقا لنمط الحياة الغربية بصورة طاغية ولافتة، وأعتقد أن الرجوع للأحكام الفقهية يمكن أن يدين نموذجا هذا توجهه، كما أن هذه الفترة التي نحياها كفيلة من الناحية الحضارية أن تُوجه نحو أنماط أخرى من الحياة مختلفة عن هذا النموذج، كما أتصور أن التعاطي مع الأغاني والسينما -الغربية خاصة- وغير ذلك لا يُرضَى عنه فقهيا بجملته". مرجع (4)
إنه جيل يتلقى ثقافته بنفسه عن طريق الكم الهائل من الفضائيات ومواقع الإنترنت! ويتمتع بقدر من المكانة الاجتماعية، باعتبار الطبقة التي نشأ فيها وظهر منها! كما أنه متمرد اجتماعيا نتيجة الحرية التي يتلقها في أسرته! وله علاقاته المنفتحة مع الجنس الآخر في العائلة والجيرة والدراسة والعمل! ويشكل مواقعه الخاصة على الإنترنت، والتي تجمع بين ما هو إسلامي وما هو مخالف للإسلام .. فصور مشاهير الممثلين والرياضيين والمغنيين .. إلخ، مع روابط الأغاني والموسيقى (المنتخبة)!! ويعد برامجه المتنوعة على القنوات الفضائية، وهي متأثرة إلى حد بعيد بالبرامج المختلطة الأخرى!
إنه جيل منطلق يريد تحقيق الأفكار التي اقتنع بها، ونشر الآراء التي تبناها! مستغلا الوسائل العصرية كالفضائيات والإنترنت والصحافة والمجلات! وتتوفر له كافة وسائل الترفيه والمتعة! وإمكانيات الاستقلال بأعمال خاصة! وليس عند هذا الجيل إشكالية في التعايش مع المفهوم العلماني للدين! نظرا لمفهوم "الإرجاء" الشائع في أوساطه، ولاختلاط المفاهيم والأحكام الشرعية لديه.(3/268)
وهؤلاء في الغالب هم نتاج فقهاء الرُّخص والتيسير والتسامح، ونتاج ما عرف بـ "الدعاة الجدد"، لذلك فلا غرابة أن تجد في سلوكياتهم الكثير من المخالفات الشرعية الظاهرة! وفيما ينظرون إلى أنفسهم بأنهم عاملين ودعاة للإسلام (الذي يحملونه)، تظهر على أشخاصهم وسلوكياتهم مخالفات شرعية، هي في نظرهم أمورا مباحة أو سهلة!!
وبالتالي فإن أعمالهم العشوائية والمستقلة تأخذ طابعا منافسا للطابع التقليدي للجهود والأعمال القائمة! ومن الأمثلة على دعاة هذا التيار الأستاذ عمرو خالد: "فهو من هذا الوسط، الذي يذهب للنادي ويختلط مع فتيات عائلته، فهو لن يقدم وجهة نظر مثالية أو متخيَّلة، بل على العكس، سيقدم وجهة نظر واقعية تحاول أن تتحرك بالواقع بعض الشيء، لا أن تتجاوزه وتتخطاه، فليس ثمة فراغ اجتماعي، بل هو مجرد التعديل على النمط، فلا مشكلة أن تتحدث الفتاة في التليفون مع ابن عمها، ولا مانع أن ترافقه إلى عمل أو زيارة، ولا مشكلة أن يتصلا ببعضهما لترتيب زيارة إلى ملجأ أو رحلة جماعية مع بعض المسنين، أو ينزلا في سيارة أحدهما لشراء احتياجات هذه الرحلة، وهذا ما يمكن أن يفسر ابتعاد عمرو خالد عن هذه المساحة، وعدم محاولة أن يتدخل في مساحة لن يستجيب له أحد فيها؛ فالجانب الاجتماعي والفقهي سيتعرض لحراك كبير داخل الحركة تأثرًا بهذا الجيل الجديد". مرجع (1)
"وعلى سبيل المثال فإن مفهوم عزل الرجل عن المرأة في الزيارات الاجتماعية قد اكتسح سلوكيات الأفراد، على الرغم من أن داعية كبيرًا بحجم مرشد الإخوان عمر التلمساني كان قد أصدر كتاب (المرأة ومكانتها السامية) سخر فيه من هذا المفهوم، وأثبت بأحاديث صحاح أن المرأة يمكن أن تقدم لضيوف زوجها واجب الضيافة، وحمل بشدة على موجبي النقاب على المرأة"!! مرجع (1)، بتصرف
"إنني ألمح خلف هذه السلوكيات ثقة غير محدودة بالنفس، كما أشعر بتجاوز شديد للمرجعيات الفقهية، بالإضافة إلى عملية انتقاء مخلة، سواء بالنسبة لمصادر التلقي (الدعاة غالبا)، أو في الفتاوى التي تُختار، ولا شك أن تنامي معارف هؤلاء المتدينين الحياتية وقدرتهم المبهرة على التوصل للمعلومات (لا العلم)، والثقة الشديدة بالنفس تشعرهم بالقدرة - ولو الزائفة - على الاجتهاد .. فتكون المعادلة: اجتهاد العلماء الميسر + اجتهاد شبابي واثق بلا حدود ودون ثقافة شرعية = حالات تساهل وترخص". مرجع (4)
يقول الدكتور صلاح عبد المتعال الخبير الاجتماعي المصري، المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، وهو من المتابعين والمراقبين لهذه الظاهرة، في حوار له مع موقع "إسلام أون لاين": "في تصوري ظاهرة الدعاة الجدد ظاهرة محمودة، وعلينا تشجيعها ومباركتها، وإن كان لي عليها تحفظ؛ وهو أنها تبتسر الدين وتنتقص من شمولية الإسلام، وإن كان بعضهم لا يريد أن يتناول الإسلام بمفهومه الشامل، ولا يتطرق إلى أمور سياسية حتى لا تمنعه السلطات. غير أنه على أي حال جهد مشكور، وكلٌ يؤجر حسب نيته". مرجع (7)
ويفسر نجاح تيار "الدعاة الجدد" في: " أنه يقدم للشباب وجبة شهية من (الدين اللذيذ)، دون (التكليف المر)؛ فلم يحمِّلهم هم هذا الدين؛ حيث عرض عليهم دينا "لا شوكة فيه". وقد ذكرني ذلك ببعض الفرق المتصوفة التي تتقرب إلى الله وتقوم الليل وتصوم وتتعبد، أما المسئولية السياسية ومعايشة مشكلات الناس .. فلا". مرجع (7)(3/269)
أما الكاتب عاصف بيات، فيرى أن: "هناك تحولا من التركيز على فكرة "الحاكمية للإسلام" إلى التدين الشخصي والأخلاق في المعاملات اليومية، وهو تحول من فلسفة تستهدف الطبقات الاجتماعية المتوسطة والفقيرة إلى استهداف الطبقات العليا في السلم الاجتماعي، وهذا التحول يجعل الإسلام ليس مشروعا سياسيا بقدر ما هو نشاط دعوي يهدف إلى الخلاص الذاتي". مرجع (8)
إنهم "يتحركون في المساحات الممكنة بعيدا عن المشاكل، مفضلين ألا تهدر أوقاتهم في محاولة تغيير ما قد يبدو مستحيلا"؛ بحسب وجهة نظر نهى الإبياري .. وهي تكتب عن حالة أندونيسيا كمثال!
وحول سؤال لصحيفة «الشرق الأوسط» لـ"باتريك هاني" عن مدى احتمال تحول خطاب عمرو خالد و"الدعاة الجدد" إلى وجهة سياسية؟!
يجيب: "الابتعاد عن السياسة كان سر نجاح هذه الظاهرة، وما يميزها عن خطاب جماعات الإسلام السياسي الآخذ في الأفول، كما أن التدين الجديد ذا الطابع (المتعولم) والذي يتصاعد خطابه عالمياً دائماً ما يتكون وينمو خارج السياسة، إضافة إلى أن خطاب عمرو هو بالأساس خطاب للطبقات العليا والصاعدة التي لا مصلحة لها في أي تغيير سياسي ولا تملك تصوراً ولا رغبة فيه". راجع صحيفة "الشرق الأوسط" في 13/ 12/م، مرجع (9).
مظاهر "التدين الجديد" وآثاره:
إن جيل "المتدينين الجدد" ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد كما يبدو للتدين الذي بدأ في منتصف القرن الماضي وعاش دوامة الصراع السياسي بين العلمانية والإسلام، وبدا في حينه أنه لم يحقق شيئا فاتخذ طابع الكسب الجماهيري لمواجهة المد العلماني، ومن ثم ترخص في كثير من الأمور تماشيا مع الظروف والملابسات التي أحاطت به في ذلك الوقت! وهو كأي تغير ناشئ له مظاهره التي لا تخطئها العين أو السمع في المجتمع أو عبر وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقرؤة، وهنا نضع سردا عاما لهذه الظواهر من خلال مشاهدات شخصية أو كتابات تطرقت للموضوع!
ومن أول مظاهر "التدين الجديد" أنه تدين في أوساط اجتماعية ثرية ورفيعة ومثقفة بل ومنفتحة، يقول أحمد زين: "إذا ركزنا على المجتمع المصري كمثال؛ فسنجد تغيرًا يُلحَظ في المجتمع المصري -ربما منذ 1998م- في خريطة التدين به، فثمة انتقال لثقل التدين نحو طبقات أعلى اجتماعيًّا واقتصاديًّا وأقوى وأكثر تأثيرًا". مرجع (1)
ويضيف: "لكن في العقد الذي نعيشه برزت مظاهر التدين وسط طبقات أكثر ثراءً، أو بشكل أدق: الطبقات "الأكثر ثراءً" .. مجتمعات (مارينا) التي غزاها الحجاب، ومساجد النوادي الراقية (الشمس والصيد وسبورتنج) التي امتلأت بجمهور كان قد تعود على ارتياد أماكن اللهو، وقد نشر هذا الجمهور في أنديته صلاة القيام والدروس الدينية، وشهدت الجامعة الأمريكية -وهي مكان نخبة النخبة ماديا في مصر- صعودًا لتيار إسلامي متعدد الوجهات والاتجاهات". مرجع (1)
وهو تدين في أوساط الفتيان والفتيات، أي شريحة الشباب! ففي تونس: "يرى الباحثون أن هناك إقبالا متزايدا من قبل فئات الشباب على المساجد، ومن النساء والفتيات -خصوصا في المدن الكبرى- على ارتداء الحجاب، على الرغم من وجود نص قانوني صريح مانع له". مرجع (2)
لكن طبيعة هذا الإقبال في تونس: "ترتبط بتوجه اجتماعي وأخلاقي محض، يقوم على وعي المتدينين بأهمية النأي بالتزامهم الديني عن أي صراع سياسي أو حزبي"؛ وهذا البعد عن الجانب السياسي ليس إلا نتيجة للحرب التي لاقتها الأجيال السابقة، إلى درجة ينتقدها الغرب على هذه الأنظمة العميلة له أصلا!(3/270)
وقد صاحب تدين هذه الشريحة من الناس مظاهر غريبة عن الوسط المتدين حقا: "فلا مشكلة أن تتحدث الفتاة في التليفون مع ابن عمها، ولا مانع أن ترافقه إلى عمل أو زيارة، ولا مشكلة أن يتصلا ببعضهما لترتيب زيارة إلى ملجأ أو رحلة جماعية مع بعض المسنين، أو ينزلا في سيارة أحدهما لشراء احتياجات هذه الرحلة"! مرجع (1)
وتجاوز الأمر إلى الفضائيات الرسمية وغير الرسمية: "فلم يعد التلفزيون الرسمي يظهر المتدين بالصورة الساذجة التي تلمز الدين وقيمه، بل ظهرت المحجبات في الأعمال الدرامية وانتشرت فيه البرامج الدينية حتى في أوقات ذروة المشاهدة، ووصل الأمر إلى أن تكون البرامج الدينية من السهرات الأساسية (نور على نور، ورب اشرح لي صدري) ".مرجع (1)
وقد بلغت آثار هذا التيار على الصحوة الإسلامية، يقول أحمد زين: لقد بدأ التأثير في الحركة الإسلامية بالفعل خاصة في الجانب الاجتماعي الذي هو وثيق الصلة بالجانب الفقهي؛ فقد أصبح داخل الحركة الإسلامية الآن شبه حراك في هذين الجانبين، خاصة أن الحركة قد دعمت نمطًا معينا خلال الثمانينيات. مما يلفت النظر الآن - مثلا وليس حصرًا- أن كثيرا من السيدات والفتيات المنتسبات للحركة قد استبدلن بـ (الخمار التقليدي) الذي تعود عليه المجتمع المصري والذي كانت توصف كل من تلبسه بـ (الأخت) .. استبدلن به غطاء الرأس والصدر القصير المتعدد الأنماط والألوان.
هذا التغير وإن أخذ شكلا مظهريا إلا أنه ينبئ عن حراك ما، هذا الحراك ربما يكون تم تحت ضغط الأناقة التي يبدو عليها حجاب المتدينات الجدد، وانخراط الكثيرات منهن في مناشط الحركة، وربما تحت ضغط الانفتاح على أشكال الحجاب المختلفة (الإيراني والخليجي والأوربي ... )، التي وسعت الخيارات أمام هذا الجمهور الذي تعود على نمط واحد من الاختيارات. ولكنه في رأيي يبقى تأثرا بالتدين الجديد، وثورة على النمط التقليدي الذي دعمته الحركة -ولو بطريق غير مباشر- في فترة الثمانينيات.
ومن هذا التأثير تغير الأنماط السائدة في المناشط الاجتماعية؛ كالأفراح والزيارات؛ فأصبح من الطبيعي والمعتاد أن تكون هناك أفراح مختلطة أو رحلات مشتركة، أو ما شابه". مرجع (3)
ويضيف قائلا: "ثانية هذه الملاحظات العابرة حول التأثيرات أيضا: التعامل مع الفنون؛ فالقطاعات الشبابية داخل الحركة الإسلامية أصبحت تتعامل مع الفنون بقوة؛ بل أصبحت بعض التزكيات داخل الحركة توصي بمشاهدة بعض الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، وكثيرة هي النقاشات حول الأعمال الفنية حتى الهوليودية منها داخل مواقع الإنترنت، وساحات الحوار المتعلقة بالحركات الإسلامية". مرجع (3)
يقول أحمد زين من واقع تعامله مع هذا الوسط: "أعتقد أنني تعاملت كثيرا مع المتدينين الجدد فتيانا وفتيات، سواء في العمل أو الدراسة أو العمل الخيري وغير ذلك من مناشط، وفي كثير من هذه الاحتكاكات تولدت عندي بعض الملاحظات التي أثارت دهشتي؛ فهذه الشريحة التي ترى نفسها ملتزمة بالإسلام، وبعضهم يمارس بعض الواجبات الدعوية، وكثيرا ما يحدثك عن قصة التزامه، وعن روعة التدين الذي وجد نفسه من خلاله، ومع كل هذه المظاهر؛ فإن ثمة ترخصا تلاحظه على سلوكياتهم، وسأحاول وضع هذه المظاهر بين قوسين دون ترتيب: (فتيات يضعن الماكياج الخفيف- يتساهلن في التعطر والنمص- ملابس ضيقة أحيانا- مزاح وضحكات عالية بين الجنسين- حديث بين فتى وفتاة بعيدا عن المجموع، لا مانع أن يكون استشارة أو شكوى- متابعة أحدث الأفلام في السينما العربية والغربية- سماع الموسيقى الغربية ومتابعة أخبار الفنانين- عدم ظهور الاهتمام بغض البصر ... إلخ).(3/271)
هذه المظاهر يمكن التأكيد عليها من خلال متابعة جمهور الدعاة الجدد من خلال الفضائيات، أو حتى من خلال التجمعات الشبابية في صلاة القيام أو الاعتكاف في رمضان". مرجع (4)
ويضيف متابعا: "يحضرني مثال تعجبت له، وهو أن إحدى رموز المتدينات الجديدات وهي مذيعة شهيرة لبرنامج ديني؛ هو المصدر الأكثر شهرة وأهمية بالنسبة لمصادر التلقي للتدين الجديد -سأغفل دور هذه المذيعة في توجيه الظاهرة، لكنني سأعتبرها إحدى أفراد الظاهرة في التعريف بها- سردت بموقع برامجها على الإنترنت قائمة طويلة من المغنين والممثلين العرب والهوليوديين والأفلام والأغاني الأمريكية، ورغم أنها تقول في نهاية حوارها: (إن الحشمة تعطي للمرأة الجمال الحقيقي وهو جمال الأخلاق)، فإنها في بداية الحوار وصفت بـ (الجمال المبتسم) -لاحظ الدلالة، وأخيرا فإنها تحلم للإسلام، يقول الحوار: (أما أكثر حلم تتشوق لتحقيقه فهو تغيير شكل البرامج التي تقدم الإسلام ... )، وتقول: (أريد أن أعرض الإسلام بصورة تجعل كل فرد في العالم يفهم المعنى الصحيح لهذا الدين القويم) ". مرجع (4)
ومن المظاهر المصاحبة -وربما تكون أيضا من الأسباب- في هذه الظاهرة: "القص واللصق من الفتاوى والاجتهادات والتي تجري على أشدها لإكساب المشروعية لكثير من الأفعال التي درج الشباب عليها؛ فبدلا من أن يتنازل عن عادات ما قبل التدين إذا به يحاول أن يجد لها مبررا شرعيا محترما". مرجع (4)
وحتى لا نتجاوز في القول، ونعمم في الأحكام، فإن مظاهر "التدين الجديد" -الذي نحن بصدده- تختلف من بلد لآخر .. بحسب طبيعة الدعاة فيه، ومدى محافظة المجتمع أو انفتاحه، لكن هناك مظاهر مشتركة إلى حد ما؛ وهي في حد نظري:
- تصنيف الفقهاء والعلماء إلى متشددين ومتسامحين، وأخذ الفتاوى عن الطرف الثاني بمبرر تسامحهم ليس إلا!! أي عدم الاعتماد على العلمية والموضوعية في انتقاء الأقوال، وإهمال النصوص والبحث عن الرخص بشكل واضح!
- وجود مظاهر مخالفة للشريعة في السلوك أو إهمال واجبات بدعاوى تقسيم الدين إلى قشور ولباب!! فالأزياء ذات الزينة والجمال مع حجاب (الشعر فقط) لدى الفتيات أصبح مظهرا للتدين المقبول والمشجع عليه، بل خصصت إحدى القنوات الفضائية المنتسبة للإسلام برنامجا عن الأزياء لتقديم "الموضة" التي يمكن أن تظهر بها المرأة المسلمة في الشارع والعمل .. مع وجود مقدمة وعارضات أزياء "إسلاميات"!! ويا لها من طرفة!!
- البرامج التلفزيونية التي يقوم عليها شباب من الجنسين ليتناولوا مسائل دينية ونفسية وتربوية من منظور "إسلامي"، مع تبادل الحوار والطرفة والجلسة "الأخوية"! من مثل برنامج "يللا شباب" على الـ M.B.C.
- الاختلاط في أوساط الشباب والفتيات السالك في هذا السبيل من "التدين الجديد"، في الجامعات والمعاهد، إلى درجة خروج رحلات مشتركة .. في بعض الدول! وتعد هذه الرحلات برامج دعوية "يجدد فيها الإيمان"!(3/272)
- صبغ المخالفات الواقعة في المجتمع بالصبغة الدينية في بعض الأحوال، أو إعطاءها الشرعية، وقد يصل الأمر إلى الحكم على أحوال شركية وأقوال كفرية بأنها صور من الإبداع الذي لا صلة للدين في الحكم عليه، وبالتالي يثنى على بعض المرتدين ويحكم لهم بالإسلام!! فالإسلام عند أتباع هذا الفريق قومية ينتسب إليها وليس دينا يلتزم به!! ففي اليمن مثلا، نشرت صحيفة منسوبة إلى الإسلام قصيدة كفرية، تحت مبرر الإبداع! فما كان من الحركة التي تقوم على هذه الصحيفة إلا أن شكلت لجنة شرعية للرقابة على الصحيفة، بعدما ترددت الانتقادات حول هذا الأمر، فاعترضت اللجنة بدورها على رئيس التحرير، فما كان منه إلا أن قدم استقالته .. رافضا تدخل العلماء فيما لا يحسنون!
- نشر ثقافة التسامح مع الكفار فضلا عن المبتدعة، وهو تسامح يتجاوز الثوابت الشرعية في تأصيل الرؤية تجاههم وإبداء المواقف إزاء أعمالهم! والتعامل معهم! أحد دعاة هذا المسلك ظهر ليروي تجربته عند تعلمه اللغة في دولة غربية على نظام الالتحاق بالأسر .. فذكر تجربته هذه مشيدا -والحق يقال- (ببعض القيم)! لدى هذه الأسرة على مستوى الأبوين والأبناء .. دون أي تعليق على هذا المسلك في الدراسة والمخالفات التي تحيط به! بل قدمت التجربة كأنموذج للكيفية التي ينبغي أن نستفيد بها من الغرب وخبراته في العيش!! -هكذا!! كما أن بعض اللقاءات المتلفزة بين الشباب (مقدمي هذا النوع من البرامج) وبين شخصيات غربية تكسر الحواجز النفسية مع الكافر من خلال السلوك المقدم والثقافة المصاحبة لهذه اللقاءات!!
- جمع المتناقضات في الشخصية المتدينة، في المظهر، وفي السلوك، وفي التصور .. ! خذ مثلا الزي والسيما الخارجية هي ذاتها عند هذا الفريق قبل وبعد "التدين"! في حين يتكلم هؤلاء عن الفن الإسلامي والموسيقى الإسلامية و .. و .. ، إلا أن الزي لا ينقسم فيما يبدو إلى زي إسلامي (أي بشروطه ومواصفاته) وغير إسلامي!
مثال آخر، يحاول هذا الصنف من "المتدينين الجدد" الجمع بين العادات الخاطئة القديمة والعادات الجديدة، فالخدينات (أي الصاحبات) سلوك قائم قبل وبعد "التدين"!! الفارق هو (القشور) التي يحرص عليها الطرفين في التعامل! مشاهدة "الأفلام والمسلسلات" المحافظة وسماع الأغاني الكلاسيكية أو الموسيقى غير الصاخبة .. فوارق!! لكنها ليست جوهرية بين ما قبل "التدين" وما بعده!!
- الاهتمام بجانب حسن السلوك مع الآخرين والإحسان إليهم بالعطاء والعون .. وببعض أعمال القلوب التي قد لا تخلو منها قلوب العامة على فطرتها، هذا مع شيء من الرقائق، وإغفال جوانب مهمة في مسائل العقيدة والإيمان والتوحيد والولاء والبراء، وحقيقة اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- ودعوته، ومسائل الأحكام التي خالفها كثير من الناس اليوم حتى اندرست!
وهذه المظاهر تتفاوت من شخص لآخر، لكنها بطبيعة الحال موجودة وقائمة ومنتشرة في هذه الأوساط.
أسباب ظاهرة "التدين الجديد":
1) الدعاة الجدد:
ظهر في الآونة الأخيرة طائفة من الدعاة الذين ينتسبون إلى النخب المتعلمة والمثقفة والطبقة الاجتماعية الثرية، يتقنون فنون الإلقاء والخطاب الوعظي والقصصي ويظهرون على الجماهير من خلال الشاشات الفضائية؛ (في وقت تعاني فيه الساحة الإعلامية من جفاف روحي وفراغ إيماني في برامجها الهابطة إلى مستوى الحضيض).(3/273)
هؤلاء الدعاة الذين برزوا في الآونة الأخيرة، وأصبح الحديث والكتابة عنهم بمصطلح "الدعاة الجدد"، ليس لهم توجه واحد، أو منهج يجمعهم؛ فلكل منهم ثقافته واهتماماته وأفكاره، وليس من السهل الحكم عليهم إجمالا! وحديثنا عنهم في هذه السطور، هو من باب الكلام العام! وما قد نطلقه من أحكام ليست بالضرورة تشملهم جميعا! فمنهم من يستغرق في محاضراته ودروسه في الحديث عن الأمور الحياتية اليومية: اهتمامات الناس، واحتياجاتهم الخاصة؛ بلغة ميسرة، إنهم يجيبون الناس على سؤالين مهمين: ماذا أفعل؟ وكيف؟ والبعض منهم يقدم: "محمدا -عليه الصلاة والسلام- كرجل أعمال ناجح جدا" في حديثه عنه أمام الناس!
لكن الدعاة الجدد رغم تنوعهم واختلاف مشاربهم، يلتقون في أربع نقاط: فهم جميعا قادمون من قطاعات التعليم العالي، واكتسبوا ثقافتهم الدينية بأنفسهم، وينتمون غالبا إلى أوساط ثرية وراقية، وفي حين يظهرون مستقلين عن "المؤسسة الدينية الرسمية" من جهة و"الجماعات الإسلامية".
من جهة أخرى .. يسيرون في مسعى توفيقي بين الإسلام والواقع الذي تعيشه الشريحة المخاطبة، "فرسالتهم تعمل أساسا في وسط تسوده الثقافة الاستهلاكية؛ حيث لا محالة من خلق تناغم بين قيم الدين والمكانة في المجتمع.
إن هذا النوع من الدعوة يشبه في ذلك اتجاه الكنيسة المثودية في أمريكا والتي يتبعها الأغنياء في الأساس؛ لأنه يمكنهم في ظلها الجمع ببساطة بين الإيمان والثروة وهذا ما يفعله "الدعاة الجدد": جعل الأغنياء يشعرون بالرضا عن ثرواتهم". مرجع (8)، بتصرف.
إن هدفهم الرئيس هو "تصحيح القيم الأخلاقية لدى الأفراد فيما يتعلق بسلوكياتهم اليومية". مرجع (8)
وليس لدى -هؤلاء- من مشروع سوى رفع المستوى الأخلاقي لدى الشباب المنفتحين على الحداثة، من خلال خطاب ديني يحمل قيم تحقيق الذات، على النمط الليبرالي الجديد: الطموح والثروة والنجاح والمثابرة في العمل والفاعلية والاهتمام بالذات.
وهذه الطائفة من الدعاة تتميز بلغة سهلة ومظهر عصري غير تقليدي (!)، أي قريب لمظهر المتلقي، وتقدم استشارات نفسية وتربوية واجتماعية وإدارية، مازجة بين الثقافة الغربية والموروث الإسلامي .. وإلى هنا يظل الأمر طبيعياً، وليس فيه ما يمنع من سماع الناس لهؤلاء والاستفادة مما لديهم واستشارتهم في مجال تخصصهم؛ إلا أن الأمر تجاوز ذلك، إلى حدِّ الاقتداء بهذه الطائفة من الدعاة في مظهرها العام وسلوكها في الحياة وتعاطيها مع المسائل ورؤيتها للقضايا، ليصبحوا مرجعية للمتلقين عنهم وأسوة للأتباع المتأثرين بنجاحاتهم وشهرتهم الإعلامية.
إن "الدعاة الجدد" يوصلون للشباب رسالة أنه "بإمكانهم أن يصبحوا متدينين، وفي الوقت نفسه أن يمارسوا حياتهم الطبيعية من عمل ودراسة وترفيه، كما يمكنهم أن يظهروا بمظهر عصري يشبه أبناء جيلهم، والأهم من ذلك أنه يمكن للشباب أن يكون متدينا ويحتفظ في الوقت نفسه بسلطته ومكانته الاجتماعية". مرجع (8)، بتصرف.
إن تيار الدعاة الجدد لا يكتفي باختيار الأماكن التي تتناسب مع جمهوره؛ بل هو نفسه في مظهره يشبه هذا الجمهور؛ فبعكس الشيوخ التقليديين يرتدي هؤلاء الدعاة البدلة أو الجينز وربطة العنق، وهو أيضا حليق الذقن؛ في حين يقدمون للشباب إمكانية أن يجمع بين التدين والاستمتاع بالحياة العصرية، مع شيء من الضوابط الأخلاقية! فأصبحت طائفة "الدعاة الجدد" -إن صح التعبير- تزاحم دور علماء الدين وفقهاء الشريعة، أدركت ذلك أم لم تدرك، وشاركت فيه أو لم تشارك، وأصبحت المخالفات الظاهرة التي ترتكبها هذه الطائفة، أو الانحرافات التي تحملها أحياناً، محط اقتداء من الجماهير.(3/274)
وقد وصل الأمر بالبعض إلى إلغاء الحقائق المعلومة من الدين والواقع تجاه مخالفة ظاهرة، كمخالفات فرقة كـ"الصوفية" مثلاً .. تحت تأثير بعض هؤلاء "الدعاة الجدد" من التيار الصوفي!! وأحيانا يعطي "الدعاة الجدد" صورة مشوهة عن العلماء والدعاة والفقهاء، وانطباعا عن توجه ناقد لهم .. باعتبار أنهم متشددون أو أنهم مختلفون أو غير مواكبين للحياة العصرية اليوم!!
2) دور بعض أهل العلم والفتيا في تتبع الرخص والتوسع في التسهيل:
إن البداية تكون بفتاوى تيسر على الناس وترخص لهم في بعض المسائل، وشيئا فشيئا يتولد عند هؤلاء الأتباع فقه مبني على تتبع الأقوال والاجتهادات الموافقة للهوى، وإذا كانت إرادة الفقيه من التيسير تقريب الناس من الدين وتحبيبه إليهم .. فإن النتيجة تكون بابا يخرج منه الناس من الدين .. وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً!
يقول أحمد زين: إن "البراح في المساحات الفقهية للعلماء الذين ينتهجون التيسير والتسهيل على المسلمين؛ أوجد -عند هؤلاء المتدينين- رأيا متساهلا في كل قضية فقهية، وأنه لا جناح عليهم في انتهاجه؛ فهو رأي فقهي معتبر من عالم معتبر". بتصرف؛ ويضيف: "وأنا أرى أن ظاهرة القص واللصق من الفتاوى والاجتهادات تجري على أشدها لإكساب المشروعية لكثير من الأفعال التي درج الشباب عليها؛ فبدلا من أن يتنازل عن عادات ما قبل التدين إذا به يحاول أن يجد لها مبررا شرعيا محترما". مرجع (4)
وهذا القول لأحمد زين جاء من استقراء: فـ "من خلال فتاوى المرأة على موقع "إسلام أون لاين. نت" نستطيع أن نرسم صورة لحركة المرأة في المجتمع؛ فهي تصافح ابن عمها أو ابن عمتها عند الضرورة (فتوى: مصافحة الرجل للمرأة .. الحكم والضوابط، د. القرضاوي)، وهي تقابل مطلقها لأغراض شريفة (هل يجوز للمرأة المطلقة أن تتقابل مع من طلقها بعد الطلاق لأغراض شريفة؟ د. القرضاوي)، وتستطيع أن تتابع رياضيين يرتدون الشورت (فتوى: ضوابط النظر بين الرجل والمرأة، د. القرضاوي)، كما أنه لا بأس أن ترقق المرأة حاجبيها (فتوى: ترقيق المرأة حواجبها، الشيخ عطية صقر)، وتستطيع أن تخطب لنفسها من أرادت (فتوى: ما حكم أن تخطب المرأة الرجل؟ د. علي جمعة)، ويجوز أن تضع العطر الخفيف (فتوى: حكم وضع المرأة للعطر، الشيخ عطية صقر)، وهي تخدم الضيوف (فتوى: خدمة الزوجة للضيوف، عطية صقر)، كما يجوز لها ركوب الدراجة (فتوى بدون اسم مفت)، كما يجوز لها العدو في الشارع (فيصل مولوي)، كما يجوز لها قراءة القرآن أمام الرجال (فتوى: د. نصر فريد واصل) ... إلخ"!!
وهذه الفتاوى تستند في غالبها إلى دليل شرعي أو قاعدة شرعية أو قول سابق، وصادرة عن أشخاص منتسبين للفقه، لكنها في الحقيقة فتاوى تأخذ بالأقوال الشاذة والأدلة الضعيفة أو المرجوحة، وتفترض في بيئة المستفتي أنها محافظة .. سليمة من الفتن!
وتشكل عند الجمهور المتساهل منهجا مبيحا للمحرمات، التي هي دون الكبائر المعدودة على أصابع اليدين!! ويقابل هذه الفتاوى المتساهلة: "إلحاح الدعاة الجدد على الرجاء ورحمة الله وغفران الذنوب مهما كانت، وهي مساحة لا شك فيها ولا إنكار لها، إن الإلحاح عليها كأنها المسار الوحيد .. والخيار الفذ أوجد خللا لدى المتعرضين لهذا الخطاب، ووجههم إلى مزيد من الجرأة على الحرام مع التأكد من مغفرة الله لهم، وكذلك من تركيز بعض الدعاة الجدد على مسألة أعمال القلوب وأهميتها والتقليل من شأن أعمال الجوارح والسلوكيات والأخلاق". مرجع (4) بتصرف
3) القنوات الفضائية:(3/275)
إن وسائل الإعلام -اليوم- تقع تحت ضغط الجماهير التي بدأت تنفر من المستوى الهابط الذي وصلت إليه كثير من البرامج، وتطالب -في ذات الوقت- ببديل إسلامي يتفق مع الهوية الثقافية والحضارية للأمة في ظل احتفاء الآخر بقيمه وثقافته ومحاولة تمريرها بالقوة على مجتمعاتنا المسلمة. وفي محاولة منها لإرضاء التوجهات المختلفة إسلامية وعلمانية، فإن القنوات الفضائية تجد في هذا الصنف من "الدعاة الجدد" فرصة في تقديم البديل الإسلامي المطالب به جماهيرياً؛ بل هي تحاول صنع أمثال هؤلاء الدعاة "على أعينها" لأنهم في الغالب لا يتصادمون مع مضامين الرسالة الإعلامية لها.
وتحاول بعض هذه القنوات ركوب الموجة واستغلال التيار .. فهي إما تقدم نفسها كبديل إسلامي، أو أنها تمزج بين هذا وذاك! خاصة وأن هناك قنوات إسلامية قوية بدأت تظهر في الساحة الإعلامية!
يقول د. خالد شوكات في إيضاح العلاقة بين مظاهر التدين في تونس والقنوات الفضائية: "يؤكد المتابعون والمهتمون بالشأن الاجتماعي والثقافي في تونس وجود صحوة دينية كبيرة لدى شرائح اجتماعية واسعة داخل المجتمع التونسي، تتجلى بصورة خاصة في إقبال التونسيات على ارتداء الحجاب، كما يلحظون أن وجود القنوات الفضائية الإسلامية قد مثل بديلا جيدا للمعرفة الدينية بالنسبة للمتدينين في هذا البلد الذي يتعرض فيه التيار المتدين لقمع شديد، ويكاد يغيب فيه دور الدعاة". مرجع (2)
إذن هذا الجمهور لابد له من بديل، وهذا البديل مع غياب الدعاة كان القنوات الفضائية! "وقالت الباحثة الجامعية التونسية سنية المنصوري في تصريح لـ (إسلام أون لاين. نت) بتاريخ 31/ 7/23م: إن وجود قنوات فضائية إسلامية أمثال اقرأ والمجد وغيرهما من الفضائيات، قد مثل مصدرا بديلا للمعرفة الإسلامية وللفتوى الدينية، خصوصا لدى الفتيات والنساء، في ظل غياب الدعاة والوعاظ الدينيين عن المساجد والبرامج الإذاعية والتلفزيونية المحلية (بسبب التضييق الأمني من جانب السلطات التونسية)، كما أن الدعاة الدينيين من أمثال عمرو خالد وحبيب علي الجفري قد تحولوا إلى شخصيات مؤثرة في أوساط اجتماعية كبيرة بتونس". مرجع (2)
"إن هذا التيار الجديد من الدعوة ظهر ليوفِّي بمتطلبات الشباب الذين ينفتحون أكثر فأكثر على الثقافة الغربية؛ فهذا الشباب الممتلئ بالأفكار المختلفة غير المتناغمة أنتج هذه الثقافة الجديدة من التدين، التي تعبر عن نفسها من خلال تجديد في الأسلوب والذوق واللغة والرسالة". مرجع (8)
"إن الشباب هو الذي خلق لنفسه هذه الثقافة الدينية الجديدة التي تتمحور حول ظاهرة (الدعاة الجدد) كنوع من (الموضة)؛ فهي منفذ للتنفيس عن احتياجات إنسانية متناقضة: احتياجات للتغيير والتأقلم، للتميز عن الآخر والتشابه معه، للتفرد والالتزام بالمعايير الاجتماعية، وبالتالي فإن التمسك بهذا النوع من التدين الإيجابي يسمح للشباب بأن يحافظ لنفسه على هوية تميزه، وفي الوقت نفسه يتعامل مع التغيير الحادث من حوله، وهو إذ يفعل ذلك يتحرك في إطار المعايير الاجتماعية ولا يضطر إلى خرقها". مرجع (8)(3/276)
إن تعدد مصادر التلقي ووسائل الإعلام المتنوعة قدمت للشباب الراغبين للالتحاق بالصحوة قدرًا وافرًا من الاختيارات البديلة؛ وهو ما أدخل عناصر أخرى ساهمت في توجيههم وتشكيلهم، وغيرت مسار توجههم على خلاف الحقيقة أحيانا كثيرة، فقد أصبحت برامج الفضائيات تشكل أكبر رافد لتكوين أفكار "المتدينين الجدد" وثقافتهم الدينية، وبحكم سنهم وانفتاحهم على الإنترنت والفضائيات أصبحوا يتلقون المفاهيم والتصورات والآراء والاستشارات والسلوكيات منها، وحيث أن دعاة "المتدينين الجدد" ينفذون من هذه الوسائل والقنوات إلى جمهورهم فإنهم بلا شك يصنعون قاعدة عريضة من هذا التيار! ويبنون علاقتهم مع المتلقين عنهم بأسلوب التفاعل الحي والتواصل المباشر والحوار الثنائي -وهي أساليب محببة وجذابة لكثير من جيل اليوم- لا على التلقي والتوجيه! كما هو معتاد!
4) السياسات الحكومية:
إن من أهم أسباب ظهور "التدين الجديد" هي تلك الحرب الإعلامية والدعائية التي مورست ضد "التدين الأصيل" في الصحوة، والذي يحتكم إلى الكتاب والسنة وفهم الصحابة والقرون المفضلة الأولى في الإيمان والاتباع، وهو المسمى بالتوجه السلفي!
وهو ما شكل حاجزا نفسيا بين الناس وبين هذا الشكل من أشكال التدين المعروضة على الساحة! إضافة إلى ذلك، السياسات التي تتبنها بعض الدول لتضيق الخناق بها على المتدينين عموما، وتحرمهم من ممارسة حقوقهم الخاصة حتى في ظل الأنظمة الديموقراطية زورا!! تدفع بالبعض إلى البحث عن رخص الفتاوى في مقابلة البطش والتعذيب الذي قد تتعرض له.
تقول الباحثة سنية المنصوري: "إن الصراع الذي شهدته تونس خلال عقد التسعينيات، بين النظام والحركة الإسلامية، قد أضر في حينها بوضع الالتزام الديني لدى التونسيين عامة، على الرغم من أن عددا كبيرا من أبناء المجتمع التونسي كانوا ملتزمين من الناحية الدينية، لكنهم لم يكونوا أعضاء في حركة أو جماعة إسلامية. وكان تقرير الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان السنوي عن عام م قد تحدث عن الحملات الأمنية والإدارية ضد المحجبات التونسيات، وجاء فيه أن العديد من المحجبات تعرضن إلى المضايقات في الشوارع أو أماكن العمل، وتم تجريد العديد منهن من الحجاب عنوة في بعض مراكز الأمن بالعاصمة، وإجبارهن على التوقيع على تعهد بعدم العودة إلى ارتداء الحجاب.
كما أن الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان كانت قد ذكرت في 28/ 5/23م أن عددًا من طالبات التعليم الثانوي مُنعن من اجتياز امتحانات نهاية العام بسبب ارتدائهن للحجاب. يذكر أنه في عام 1981م أصدرت السلطات التونسية قانونا يعتبر الحجاب زيا طائفيا. ومنذ ذلك الحين والحكومة تلتزم بهذا القانون، إلا أنه تم التشديد على منع المحجبات من دخول الجامعات والإدارات الحكومية منذ مطلع العقد الماضي، وهو ما أثار انتقادات واسعة في الداخل والخارج، خصوصا من جانب المنظمات الحقوقية التي ترى في منع الحجاب والتضييق على المحجبات تدخلا في الحرية الشخصية للمواطنين". مرجع (2)(3/277)
وعقب أحداث 11 سبتمبر، اتجهت السياسات الحكومية في الوطن العربي خاصة، في ظل فشل الخطاب الديني الرسمي على كسب ثقة الجماهير، وعدم قدرة هذه الدول على تحقيق نجاح قومي أو وطني، وزيادة الإقبال لدى الناس على التدين، وتصدر عدد من العلماء والدعاة بخطاب علمي مؤصل وفقه للواقع وتقديم رؤية شاملة للإصلاح السياسي والاجتماعي تقوم على أساس من الدين الإسلامي .. الأمر الذي هددَّ مستقبل هذه النظم العلمانية في هذه البلدان، وخروج الطاقات الشبابية عن سيطرتها وسيطرة العلماء .. اتجهت إلى صياغة بديل قادر على حرف مسار هذا التيار القادم والعارم -كما يبدو، وليس بالضرورة لديها أن يكون رسمياً، لكنه مسيطر عليه أو في أقل الأحوال "غير متمرد"!!
وهذا البديل يشمل المناهج التعليمية والخطاب الدعوي والمؤسسات والقيادات الفاعلة في الأوساط الاجتماعية والشبابية. وربما تتم صياغته بالاتفاق مع أكثر من جهة تتصل مصالحها مع قيام "بديل" بهذا النوع والحجم!! "وفي وزارة الأوقاف -المصرية- تشدد مشاريع الإصلاح على الدور الاجتماعي للمسجد وعلى أهمية المجتمع المدني والاكتفاء الذاتي. إن إحدى حلقات الدراسة في الأزهر تطرقت إلى ضرورة إعادة صياغة الدعوة انطلاقا من تعاليم التسويق الأمريكية". مرجع (9)
وفي فترة سابقة من تاريخ الأنظمة الحالية، كان لزاما على أجيال سابقة إذا أرادت أن تعبر عن مشاعرها الدينية، وتظهر ملامح هذا التدين .. أن تنضم إلى جماعة؛ أو هكذا كان يبدو الأمر عند الحركات الإسلامية ذاتها! فكان ذلك يكلفها بمقتضى التضييق الأمني ضريبة لا يستطيعها الكثيرون اليوم، لكن هذا "التدين الجديد" قدم طريقة مغايرة لما عليه فكر الحركة الإسلامية! فهو يمارس العمل الدعوي ويعبر عن تدينه وينشط اجتماعيا بل وربما سياسيا، دون أن يتعرض للملاحقة والاعتداء في الغالب، لا لشيء سوى لأن مطالبه لا ترتقي إلا مطالب الحركة، فهو يعمل في مجموعات صغيرة ذات أهداف محدودة يشارك فيها الجميع علانية، وتعالج -إن عالجت- ظواهر الأمور وشكليات المشاكل! وهو بالتأكيد يستحضر صورة الصراع الدامية التي حدثت لأجيال سابقة ويريد أن يتجنبها!
5) الغرب:
وأقصد بالغرب هنا ذلك المزيج من التحالف الغربي الذي يستهدف العالم الإسلامي حضارة وأمة ومقدرات. فبعض أوجهه سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو عسكرية .. وتارة يتمثل في منظمات دولية وأخرى في مؤسسات ومساندات محلية. ومن مصلحته -في ظل هجمته على العالم الإسلامي- الانحراف بالتوجه والخطاب الديني الذي يكرس الندية بين العالمين الإسلامي والغربي، وتهدئة لغة التعبئة التي يقوم بها العلماء والدعاة ضد كل ما يخالف الدين الإسلامي واستقلالية الأمة.
وقد احتلت مسألة مخاطبة العالم الإسلامي مؤخرا الأولوية في قائمة الاهتمامات الخارجية لدى الغرب، فالإذاعات العربية والقنوات الفضائية "المعربة" تنال الرعاية والتمويل من قبل الحكومات هناك.
وليس أدل على ذلك من مشروعي قناة "الحرة" وإذاعة "سوا" اللتين افتتحتا مؤخراً في المنطقة. والملاحظ أن الغرب قلق من "الخطاب الديني الإسلامي" أياً كان، متطرفاً أو متساهلاً!! فالكل يخضع للرقابة والمتابعة والتحليل!! ومن المضحك أن شخصية كفضيلة الشيخ يوسف القرضاوي -حفظه الله- وهو يُعدُّ عند الكثير من العلماء والدعاة من المتساهلين في أحكامه ومواقفه في المسائل الحادثة والأحكام الفقهية، لا يجد قبولاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بل واجه مؤخراً حملة تصفه "بالتطرف" و "الإرهاب"!! لا لشيء سوى لمواقف الشيخ تجاه الاحتلالين الإسرائيلي لفلسطين والأمريكي للعراق!!(3/278)
وهناك ضغوط تمارس ضد الدول الإسلامية لإيجاد بدائل للخطاب الديني القائم، بما يتفق مع النهج الديمقراطي والتعددية الفكرية والسياسية التي يراد للمنطقة أن تنفتح عليه! كما أن الحالة الأمنية التي أفرزتها هذه الضغوط في جانبها الأمني أفسحت المجال لـ"تدين" من هذا النوع في مقابل انحسار "التدين" التقليدي!
وللعلم، فإن ظاهرة "الدعاة الجدد" حازت على اهتمام الغربيين، في إطار الاهتمام بحركات "التدين الجديد" عموما! فقد أصدرت الدورية الفرنسية "السياسة الأفريقية"، في عددها 87 ملفا خاصا .. بعنوان "موضوعات الرب"؛ لبحث التغيرات الجديدة على مستوى الدين في قارة أفريقيا السمراء. و"السياسة الأفريقية" واحدة من أهم الدوريات المتخصصة في الشئون الأفريقية، وتصدر عن مركز الأبحاث السياسية والقانونية في القارة الأفريقية بجامعة السوربون، ويرأس تحريرها "ريشار بانيا" و"رولان مارشال". وهي تعكس الاهتمام الفرنسي الكبير بالقارة السمراء التي شهدت منذ نهاية الثمانينيات نوعا من العودة للدين على كل المستويات.
وقد ضم الملف دراسات ومقاربات مختلفة حول الدين والحياة في أفريقيا؛ وكانت أهم دراسات الملف تتحدث عن "الدعاة الجدد"، "لأنها ربما كانت الأولى والأهم عن ظاهرة جديدة على الحقل الديني الإسلامي" كما يقول حسام تمام. والدراسة وهي بعنوان: "الإسلام كظاهرة اجتماعية" أعدها "باتريك هاني" وهو باحث اجتماع سويسري يعيش في مصر وهو مختص في الظاهرة الإسلامية". وقد أشار إلى أن: "أهم نقاط الاختلاف التي ترصدها الدراسة -بين الدعاة الجدد ومن قبلهم- كانت الابتعاد عن السياسة والتزام خطاب أخلاقي يختلف مع خطاب هذه الجماعات والتنظيمات السياسية". مرجع (5)
وترى الدراسة "أن نموذج عمرو خالد يمثل تلبية للاحتياجات الدينية للنخب والطبقات العليا في مصر، ومحاولة لتقديم إسلام بمواصفات خاصة لأبناء هذه الشرائح التي تستقر بأعلى الهرم الاجتماعي في مصر، بما يلبي رغبتها الحقيقية في التدين وفي ألا تحمل شعورا بالذنب أو إحساسا بالتقصير يدفعها إلى إعادة النظر في وضعها الاجتماعي وما يكفله لها من امتيازات لا تتاح للطبقات الأقل، وهو تدين ذو مواصفات خاصة لن تجده هذه الشرائح في خطاب الشيوخ التقليديين". مرجع (5)
"وخطابه -عمر خالد- بالأساس رافض لانحلال الطبقة البرجوازية التي ينحدر منها، ولكنه أيضا متصالح مع هذه الطبقة، ويستجيب لرغباتها في تدين بمواصفات خاصة بها، وبالشباب منها بصفة خاصة باعتباره الحلقة الأضعف من هذه الطبقة، وهو تدين جديد .. الدنيا حاضرة فيه بقوة وليست على صِدام مع الدين، كما لا يتعرض فيه البناء الاجتماعي للطبقة والعلاقات الأسرية إلى خلخلة أو تفسخ أو صدام بين أطرافه كما يحدث في التدين السلفي الذي تقدمه جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي". مرجع (5)(3/279)
وتقارن الدراسة "بين خطاب عمرو خالد من خلال تحليل مضمون درسه (الشباب والصيف) وبين خطاب الإصلاح البروتستانتي في أوائل القرن التاسع عشر لتتحدث عن أوجه تشابه كبيرة بينهما خاصة فيما يتعلق بالنظرة إلى الثروة الاقتصادية، فخطاب عمرو خالد يتحدث عنها باعتبارها ليست عيبا أو ذنبا بل هي نعمة من الله، ويؤكد على ذلك في كل دروسه مبررا التراكم الاقتصادي الذي حققته الطبقة البرجوازية في السنوات الأخيرة ويعطيه الشرعية الدينية مشروطة بأداء حقه، وهو خطاب موجه بالأساس إلى الطبقة المهيمنة أو الصاعدة اقتصاديا حتى في رؤيته للأخلاق والقيم الإسلامية، فالصبر مثلا في خطاب عمرو خالد يختلف عن الصبر في الخطاب الإسلامي التقليدي الذي يأخذ طابعا (قدريا) في حين يعني عند عمرو التواصل والاستمرار في العمل وتنظيم الوقت والمثابرة على النجاح". مرجع (5)
و"ما اقترب منه الباحث ولم يقله أن المهم في ظاهرة الشيوخ الجدد هي الحالة التي يصنعونها وليس أشخاصهم ولا مضمون كلامهم. الحالة هنا هي الجو المحيط والوسيط الذي ينتقل عبره الكلام والجمهور الحاضر وهكذا .. فهذه الحالة تؤدي إلى تصالح شعوري بين الواقع المعيش وبين الدين الذي يمثل المرجعية الأساسية للشخص الحاضر المنتمي للبرجوازية الجديدة. ويصير السلوك الشخصي المعيش حياتيا المرفوض دينيا (مثل الاختلاط مع الفتيات غير المحجبات أو المحجبات والتعرف عليهن) سلوكا دينيا مطلوبا (فالشاب صار يدعو الفتاة للدين) ". مرجع (5)
"وتضع الدراسة ظاهرة عمرو خالد في سياق عالمي تأثر بهيمنة خطاب الليبرالية الجديدة عالميا وعلى كافة الأديان، فيرى أنها تقترب كثيرا من جماعات الإيمان الجديدة المسيحية التي انتشرت مؤخرا في الغرب في رفضها للمؤسسات الدينية التقليدية واستقلالها عنها، وفي طابعها الفردي المستقل البعيد عن الجماعية، وفي تركيزها أيضا على المشاعر والعواطف". مرجع (5)
وجمهور "الدعاة الجدد" بحسب وصف الدراسة:"في مجمله من غير المؤطرين تنظيميا أو سياسيا، ويتشكل من مجموعات صغيرة أقرب إلى مفهوم الشلة (الذي تنتظم وفق العلاقات بين أبناء النخبة) منه إلى مفهوم الجماعة والتنظيم؛ فحضور الدروس كان دائما ما يتم عن طريق مجموعة الأصدقاء أو (الشلة)، وهو جزء من تفاعلات العلاقة بين أعضاء هذه المجموعة التي مثلما تذهب لحضور الدروس تذهب أيضا إلى المصيف والنادي والسينما وأداء العمرة في الأراضي المقدسة". مرجع (5)
و"تؤكد الدراسة أن ظاهرة عمرو خالد والشيوخ الجدد مرشحة للتكرار ليس في مصر وحدها بل في العالم العربي والإسلامي بفعل التفاعلات المستمرة والمكثفة بين الخطاب الإسلامي وبين قيم وأفكار وتوجهات الليبرالية الجديدة". مرجع (5)
هذا أنموذج للدراسات الغربية المتابعة للخطاب الديني في مجتمعاتنا، وأساليب هذا الخطاب وأبعاده وخلفياته، كل ذلك سعيا وراء استغلال أو توجيه أو مصادمة .. هذا أو ذاك التيار والتوجه!
6) رغبة الجماهير:
إن الجماهير ميالة بطبعها إلى تدين غير باهظ التكاليف، وما توجيه موسى -عليه الصلاة والسلام- للرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- (في قصة المعراج والإسراء) ليطالب ربه بالتخفيف في شأن الصلاة، نظراً لما قد عالج من بني إسرائيل، إلا دليل على ذلك. وإذا أضفنا إلى هذه الطبيعة الخوف على المصالح والمتع الدنيوية والميول إلى الترف والشهوات .. فإن الأمر يكون آكد؛ وتبقى هذه الجماهير تبحث عمن يسهل عليها التكاليف والتبعات.(3/280)
"إن هذا التيار الجديد من الدعوة ظهر ليوفِّي بمتطلبات الشباب الذين ينفتحون أكثر فأكثر على الثقافة الغربية؛ فهذا الشباب الممتلئ بالأفكار المختلفة غير المتناغمة أنتج هذه الثقافة الجديدة من التدين، التي تعبر عن نفسها من خلال تجديد في الأسلوب والذوق واللغة والرسالة". مرجع (8)
"إن الشباب هو الذي خلق لنفسه هذه الثقافة الدينية الجديدة التي تتمحور حول ظاهرة "الدعاة الجدد" كنوع من "الموضة"؛ فهي منفذ للتنفيس عن احتياجات إنسانية متناقضة: احتياجات للتغيير والتأقلم، للتميز عن الآخر والتشابه معه، للتفرد والالتزام بالمعايير الاجتماعية، وبالتالي فإن التمسك بهذا النوع من التدين الإيجابي يسمح للشباب بأن يحافظ لنفسه على هوية تميزه، وفي الوقت نفسه يتعامل مع التغيير الحادث من حوله، وهو إذ يفعل ذلك يتحرك في إطار المعايير الاجتماعية ولا يضطر إلى خرقها". مرجع (8)
وترى دراسة "باتريك هاني" حول الإسلام كظاهرة اجتماعية: "أن نموذج عمرو خالد يمثل تلبية للاحتياجات الدينية للنخب والطبقات العليا في مصر، ومحاولة لتقديم إسلام بمواصفات خاصة لأبناء هذه الشرائح التي تستقر بأعلى الهرم الاجتماعي في مصر، بما يلبي رغبتها الحقيقية في التدين وفي ألا تحمل شعورا بالذنب أو إحساسا بالتقصير يدفعها إلى إعادة النظر في وضعها الاجتماعي وما يكفله لها من امتيازات لا تتاح للطبقات الأقل، وهو تدين ذو مواصفات خاصة لن تجده هذه الشرائح في خطاب الشيوخ التقليديين". مرجع (5)
وأنا أكتب هذا المقال وأجمع مادته كنت حذرا تماما أن تكون لدي فكرة مسبقة أحاول التدليل عليها؛ لذا فقد حرصت بالغ الحرص على تجميع أكبر قدر من حديث هذه الشريحة عن نفسها من خلال تجاربهم واستشاراتهم التي يعرضونها على مشاكل وحلول للشباب في (إسلام أون لاين. نت)، فهذه فتاة مصرية في العشرين من عمرها تقول: تعرفت على شاب في الجامعة على مستوى عالٍ من (التربية) و (الأدب)، وقامت بيننا علاقة حب لكن في إطار "الاحترام" و"المحافظة" على (تقاليد ديننا).
ولكن بعد (ارتباطنا) بعام ونصف تطورت العلاقة بيننا بدأت بلمسة ثم قُبل. وهذا حصل 3 مرات، والآن أنا وهو ندمنا على ما حصل وقررنا أن نتوب إلى الله، والحمد الله أننا الآن (محترمان)، لكن المشكلة أنني أخاف عقاب الله، وأريد أن أرضي ربي بأية طريقة، وقلت (لحبيبي): إنني أريد الانفصال عنه لكي نرضي ربنا، ملحوظة: أخلاقي أنا وحبيبي محترمة جدا، وكان من المستحيل أن نفكر في أن نفعل هذا الخطأ، ولكن كان غصبا عنا. والله العظيم ده مش من طبعنا أبدا.
فالكلمات التي بين التنصيص - والتنصيص من عندي - يمكن أن تعطي مؤشرا واضحا على الارتباك في إدراك مدلولات هذه الكلمات، فالتربية والأدب والمحافظة وتقاليد الدين لا تتنافى تماما مع القبل واللمسات!! كما أن الاحترام لا يمنعها من إطلاق كلمة حبيبي عليه!! والمسوغ طبعا واضح؛ فهي ترى في علاقتهما المحرمة تلك" ارتباطا "، وهي كذلك تخلي مسئوليتهما عما حدث؛ فالأمر كان غصبا عنهما!.
وشاب (ملتزم) آخر يقول: أنا شاب ولله الحمد ملتزم دينيا، أحببت فتاة منذ 3 سنوات، وهي تصغرني بعامين، ووعدتها بالخِطبة هذا العام، والكل وافق: والداها وأبي .. لكن أمي عارضت، وأنا أحاول إقناعها منذ عامين، ولم ترضَ، وأنا لا أرغب بالخروج عن رضا أمي خوفا من الله عز وجل.(3/281)
ولكن للأسف حدث بيني وبين هذه الفتاة عدد من الخلوات في منزلهم، تخللها عدد من القبلات، بالإضافة إلى رؤيتي لصدرها مرتين، وقد أقلعنا عن هذا خوفا من الله، والحمد لله أنه لم يتطور الأمر أكثر من ذلك، وبعد صراعات مع أمي قررت ترك هذه الفتاة رغم حبي الشديد لها إرضاء لوالدتي، وأنا عازم على خطبة غيرها لأنساها وأبدأ حياتي من جديد بمباركة من والدتي .. وهذا مثال آخر صارخ؛ فالفتى تختلط عنده المفاهيم الدينية والأخلاقية ليخرج لنا خليطا من الالتزام الديني برائحة القبل وطعم اللمسات المحرمة، وهو يستدعي الدين في بر الوالدين وعدم الرغبة في الخروج عن رأي أمه، لكنه لا يتورع أن يركل أحكامه إذا رأى صدر فتاته، وهو دائما يشعر برضا طاغٍ عن نفسه؛ فهو -كما يصف نفسه - والحمد لله ملتزم دينيا، وإذا اقترف المحرمات فهو يحمد الله عن أن الأمر لم يتطور للزنة!!.
ونموذج آخر هو شاب يرى أنه داعية ويعمل مع عدد من " الإخوة "، لكن هذه الدعوة لا يجد فيها أدنى مشكلة أن يمارسها مع بنتي عمته اللتين في مثل عمره تقريبا - المرحلة الجامعية - ويقول: طوال خمس سنوات مضت، وأنا أزور عمتي تلك، وأجلس مع ابنتها وأخواتها وإخوتها الرجال كصلة رحم، وبعد فترة أحسست أن الفتاتين تكبران، ودخلتا الجامعة فخفت عليهما من الفتن، وعزمت أن آخذ بيدهما إلى طريق الله - عز وجل - فبدأت أولى تلك المراحل، وهي كما تعلمنا: الحب في الله، فكنت أجتمع بهما وأحدثهما عن صلة الرحم، وأسأل عن علاقاتهما في الكلية وأنصحهما، ولكن كنت أركز على إحداهما أكثر؛ لما أجده فيها من استجابة وحسن فهم .. فالداعية الصغير يحب ابنة عمته في الله وينصحها .. وهو لا ينكر أنهما تعلقتا به، وهو نفسه يعترف أن هناك بعض التجاوزات!! يقول الشاب: كانتا دائما تنتظران مجيئي لنتحدث، ولكن كان هناك تجاوز أحيانا في مسألة الضحك معهما، وأنهما كانتا تجلسان بلا غطاء رأس، وكنا أحيانا نختلي أنا وهي ولكن في نفس البيت، والكل يمر علينا طلوعا ونزولا! لكن الداعية الهمام يتحمل كل هذه التجاوزات في سبيل الله!! فيقول: لكن كنت أجاهد (!!) حتى لا أنفرهما مني، وكنت أعمل على كسب ودهما وحبهما حتى يصل كل ما أقوله بسهولة.
لقد درس الداعية الشاب مفاهيم الدعوة: الحب في الله والجهاد وعدم تنفير المدعوين وكسب ود المدعوين، لكنه في النهاية خرج من ذلك بنتيجة غاية في الغرابة ". مرجع (4)
ويضيف أيضا: "وللتوضيح قد يكون المشهد الذي رأيته في أحد الشوارع القاهرية معبرا جدا: فتاة ترتدي حجابا سابغا، تقود سيارة حديثة، والمسجل عالي الصوت يبث أغنية عالية تقول فيها المغنية الشابة: محتاجة لك .. محتاجة لك ".مرجع (4)
هذه بعض الآثار التي لمسها الكاتب من خلال قراءاته، والأمثلة في ظني أكثر من ذلك والآثار أعظم وأعمق، وقد سبق وأشرنا إلى بعض المظاهر التي تصاحب هذا التدين المزعوم، ولا حاجة لذكرها هنا!.
وفي نظري أن هذا الأثر الذي يحدثه " المتدينون الجدد " في الأوساط الاجتماعية بتطبيع السلوكيات والمظاهر الغربية في مجتمعاتنا! يتم عبر عدة أمور منها! الكلام عن الحريات الخاصة وحقوق الإنسان (والمرأة)، بلهجة إسلامية ومضامين أجنبية تشربها هؤلاء من أوساطهم الاجتماعية، ومن خلال ثقافاتهم المتلقاة من الفضائيات والإنترنت والدراسة في معاهد اللغات وكليات الإدارة! ومن ذلك، ومما يلاحظ على هؤلاء المتدينين مع وجود الهم للإسلام.(3/282)
كما يقول أحمد زين: " التعاطي ونمط المعيشة والتصورات تتم وفقا لنمط الحياة الغربية بصورة طاغية ولافتة، وأعتقد أن الرجوع للأحكام الفقهية يمكن أن يدين نموذجا هذا توجهه، كما أن هذه الفترة التي نحياها كفيلة من الناحية الحضارية أن تُوجه نحو أنماط أخرى من الحياة مختلفة عن هذا النموذج.
كما أتصور أنا لتعاطي مع الأغاني والسينما - الغربية خاصة - وغير ذلك لا يُرضَى عنه فقهيا بجملته ". مرجع (4)
وفي أقل الأحوال، أصبحنا اليوم نجد من الأناشيد الإسلامية ما لا تفرق بينها وبين الأغاني الغربية! وبعضها تقدم في قوالب " الفيديو كليب " بوجود المخالفات الشرعية المعلومة! ومن ذلك، الاهتمام بالثقافة الإدارية والتربوية والاجتماعية والنفسية تحت تأثير رؤية الغرب ونظرياته فيها! فمهارة مثل (لغة البرمجة العصبية) -أو ما اصطلح عليه بـ الـ ( N.L.P) - تقام لها الدورات باهظة التكاليف، ويحضرها المئات! وتنال من الاهتمام والمتابعة أضعاف ما تناله حلقات التحفيظ وحلق العلم! ومن ذلك، تحول الفنانات "التائبات" أو الفتيات "المتدينات" -من هذه الفئة- إلى تمثيل لأدوار إسلامية أو تقديم برامج دينية -زعموا- لخدمة الدعوة! "بل ظهرت المحجبات في الأعمال الدرامية وانتشرت فيه البرامج الدينية حتى في أوقات ذروة المشاهدة، ووصلا لأمر إلى أن تكون البرامج الدينية من السهرات الأساسية (نور على نور، ورب اشرح لي صدري) "!! مرجع (1).
إن هذه المسائل والمظاهر لم تأت من فراغ، فهي حصيلة الفقه"الرخيص "! عندما يلتقي مع الشريحة المترفة والطبقة المتمتعة! وعندما لا تراعي الفتاوى طبيعة الانفتاح الإعلامي والتحرر الاجتماعي والهزيمة النفسية التي يعيشها المسلمون تحت وطأة الغزو الفكري والثقافي من الغرب والفشل الداخلي في بلداننا!.
أما عن أثر هذا التيار في الحركة الإسلامية، يقول أحمد زين: "إنه كما أثرت الحركة الإسلامية على هذه الموجات الشبابية المتدينة؛ فإنني أزعم أن هؤلاء المتدينين الجدد يؤثرون وسيؤثرون على الحركة وبرامجها وخططها".مرجع (3)
يشرح ذلك بقوله: " فقد بدأ التأثير في الحركة الإسلامية بالفعل خاصة في الجانب الاجتماعي الذي هو وثيق الصلة بالجانب الفقهي؛ فقد أصبح داخل الحركة الإسلامية الآن شبه حراك في هذين الجانبين، خاصة أن الحركة قد دعمت نمطًا معينا خلال الثمانينيات.
مما يلفت النظر الآن - مثلا وليس حصرًا - أن كثيرا من السيدات والفتيات المنتسبات للحركة قد استبدلن بـ"الخمار" التقليدي الذي تعود عليه المجتمع المصري والذي كانت توصف كل من تلبسه بـ"الأخت" .. استبدلن به غطاء الرأس والصدر القصير المتعدد الأنماط والألوان.
هذا التغير وإن أخذ شكلا مظهريا إلا أنه ينبئ عن حراك ما، هذا الحراك ربما يكون تم تحت ضغط الأناقة التي يبدو عليها حجاب المتدينات الجدد، وانخراط الكثيرات منهن في مناشط الحركة، وربما تحت ضغط الانفتاح على أشكال الحجاب المختلفة (الإيراني والخليجي والأوربي ... )، التي وسعت الخيارات أمام هذا الجمهور الذي تعود على نمط واحد من الاختيارات.
ولكنه في رأيي يبقى تأثرا بالتدين الجديد، وثورة على النمط التقليدي الذي دعمته الحركة -ولو بطريق غير مباشر- في فترة الثمانينيات.
ومن هذا التأثير تغير الأنماط السائدة في الناشط الاجتماعية؛ كالأفراح والزيارات؛ فأصبح من الطبيعي والمعتاد أن تكون هناك أفراح مختلطة أو رحلات مشتركة، أو ما شابه". مرجع (3)(3/283)
ويضيف: "ثانية هذه الملاحظات العابرة حول التأثيرات أيضا: التعامل مع الفنون؛ فالقطاعات الشبابية داخل الحركة الإسلامية أصبحت تتعامل مع الفنون بقوة؛ بل أصبحت بعض التزكيات داخل الحركة توصي بمشاهدة بعض الأفلام السينمائية والأعمال المسرحية، وكثيرة هي النقاشات حول الأعمال الفنية حتى الهوليودية منها داخل مواقع الإنترنت، وساحات الحوار المتعلقة بالحركات الإسلامية". مرجع (3)
ويؤكد الكاتب: "إن تدين بعض أفراد هذه الطبقة لا بد أن يغير -في ظني- خريطة الحركة الإسلامية واهتماماتها؛ فهؤلاء الأفراد لهم قدرات وطاقات ومهارات مختلفة كثيرا عن مهارات الأجيال التي يمكن أن نقول: إن الحركة الإسلامية قد تمرست في التعامل معها". مرجع (3)
إن لهذا التيار زخمه الدعائي وحضوره الإعلامي، وهو سيشكل بالطبع تحديا أمام العلماء والدعاة في رد الناس إلى " التدين الصحيح "، وقد يشغل الساحة مرة أخرى في الحديث بقضايا فقهية ومسلمات عقائدية وآداب اجتماعية -تجاوزت الدعوة معالجتها! - لصالح الرؤية التي يقدمها! وسوف يعطي هذا الجو من التدين لضعفاء النفوس، والذين قال الله فيهم في سورة الأحزاب: "فيطمع الذي في قلبه مرض"! فرصة للاستفادة من هذه المظاهر واستغلالها في الحرام! وتطبيع " خطوات الشيطان " في نفوس الشباب والشابات! إن ما يقوم به "المتدينون الجدد" -من الجهود المتناثرة- لن يكون في أحسن أحواله مشروعا نهضويا للأمة! طالما وأنه ينحرف بقيم الدين وأحكامه ليطابقها ويطبعها مع المناهج الأرضية! ولن يكون بديلا عن العلاج العقائدي المرتكز على التوحيد والإيمان والاتباع! والواجب على هؤلاء الرجوع إلى مرجعية الأمة من العلماء والدعاة الذين عرف عنهم تحري الحق واتباع الدليل وسلوك جادة الصواب.
ولهم على العلماء والدعاة النصح والتوجيه والمساندة والتعاون معهم في الخير والإحسان. وبعيدا عن تشاؤم البعض من مصير هذا التيار، فإن الواجب أن لا يبخس الناس حقهم ولا تغمط مواهبهم وقدراتهم، فالاستفادة من هذا المخزون الضخم من هؤلاء الشباب هو في صالح الأمة والدعوة معا! مع مراعاة أنهم بحاجة إلى حكمة في التعامل، وبلاغة في الأسلوب، واعتراف لأهل الفضل بفضلهم! وهنا كلمة جميلة أسجلها للكاتبة "نهى الإبياري" وهي تتحدث عن هذه الظاهرة: "إن علينا أن نتعلم أن نحب الأشخاص ونؤمن بالأفكار؛ لأننا عندما يختلط علينا الأمر فنؤمن بمن نحبهم ننسى أنهم بشر خطاءون، وعندما يسقطون نسقط معهم ويسقط ما آمنا به من أجل سواد عيونهم.
الذي يحدث: أننا ننسى هل آمنا بما يقولون لأننا أحببناهم، أم أحببناهم لأننا آمنا بما قالوا، والفرق جد كبير". وهي تتفق مع الأثر المروي عن الإمام علي رضي الله عنه: "إعرف الحق تعرف أهله"! وختاما، فإنه يجب أن يبقى السؤال، الذي حاولت أن أجيب عنه: هل سيؤدي " التدين الجديد " إلى تمرير ثقافة التغريب في مجتمعاتنا؟، محل لاهتمام ورصد المتابعين للظاهرة!
نماذج من الدعاة الجدد:
- عبد الله جيمنستيار:
داعية إسلامي من إندونيسيا، يبلغ من العمر 42 عاما، بدأ الظهور على شاشة التلفزيون منذ عدة أعوام، لكن شعبيته تصاعدت في وقت قصير جدا؛ ليزيد جمهوره عن 6 مليون شخص يتابعون محاضراته الأسبوعية عبر التلفزيون، إضافة إلى شرائط الكاسيت وأفلام الفيديو والكتب، وقد وصلت شعبيته إلى حد أن يصبح ثمن الساعة الواحدة التي يقدمها من البث التلفزيوني إلى 100 ألف دولار، وذلك بحسب جيمنس تيار نفسه. وهو يمتلك 18 شركات، من بينها قناة فضائية، ومحطة راديو، ودار نشر، واستوديو تسجيلات، ووكالة إعلان، ومكتب سياحة، تحقق واحدة فقط من شركاتها مكسبا يصل إلى أكثر من 300 ألف دولار شهريا.(3/284)
انظر "الأخ جيمنستيار .. داعية أندونيسي .. نيولوك"! ترجمة وإعداد: نهى الإبياري؛ في موقع "إسلام أون لاين".
- حمزة يوسف هانسن:
أمريكي الأصل، ومن عائلة مثقفة؛ والده أستاذ لمادة الإنسانيات في جامعة هارفارد، وأمه خريجة جامعة بيركلي العريقة، أما جده فكان عمدة لإحدى مدن كاليفورنيا.
وهو صاحب فكرة برنامج " يللا شباب " الذي يذاع على mbc، وهو البرنامج الذي نجح في مخاطبة جماهير الشباب من خلال محتوى ديني جذاب .. وهو ما أكده خالد طاش أحد معدي البرنامج لجريدة الوطن السعودية.
انظر: "حمزة يوسف .. الداعية الأمريكاني المزدوج! " بقلم أحمد زين؛ في موقع "إسلام أون لاين".
- عمرو خالد:
من مواليد عام 1967، بمدينة الإسكندرية - مصر. حاصل على بكالوريوس تجارة من القاهرة عام 1988م، وعلى دبلوم في الدراسات الإسلامية، بمعهد الدراسات الإسلامية في القاهرة سنة 21م. وهو يحضر لدراسة الدكتوراه في السيرة النبوية من جامعة ويلز - إنجلترا. يعمل كمراجع حسابات، وشريك بمكتب مراجعة. وهو عضو بجمعية المحاسبين والمراجعين المصرية.
بحلول عام 1999 مصار عمرو خالد يلقي 21 درسا أسبوعيا في منازل شخصيات مرموقة، وارتفع هذا العدد في رمضان ليصل إلى 99 درسا في الأسبوع الواحد، ولقد حققت شرائط الكاسيت المسجلة عليها دروسه رقما قياسيا في مبيعات معرض القاهرة الدولي للكتاب لعام م، ولم يقتصر رواج هذه الشرائط على القاهرة وحدها بل صارت توزع في فلسطين وبيروت ودول الخليج، وقد أسس شركات عدة لتوزيع الكاسيتات.
قدم العديد من البرامج في القنوات الفضائية، ولا يزال، يعمل مستشارا لدى محطة "اقرأ" التلفزيونية السعودية، وطلب منه الانضمام إلى مجالس إدارة في بعض البنوك الإسلامية؛ ولديه موقعه الخاص على الإنترنت.
- ماجدة عامر:
داعية شابة من الطبقة الثرية في القاهرة، مشغوفة بالشاك راس واليوغا والحمية العضوية والممارسة التأملية. وتلقى محاضرتها في الإسلام والطب البديل صدى حماسي لدى نساء المجتمع الراقي اللاتي يقصدن مسجد أبو بكر الصديق القائم في ضاحية هليوب وليس المترفة.
- الحبيب علي الجفري:
من مواليد جدة بالمملكة العربية السعودية، في عام1971م. والده هو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجفري، رئيس حزب رابطة أبناء اليمن (رأي)، عائلته تشتغل بالسياسة، تتلمذ الجفري على يد عدد من دعاة الصوفية في أرض الحجاز، وهو يدرس بدار المصطفى بتريم، أشعري المعتقد، شافعي المذهب، صوفي الطريقة! له العديد من البرامج التي يقدمها على القنوات الفضائية، وموقع خاص على الإنترنت.
وهؤلاء الدعاة يحظون بما يلي:
- كثافة الدروس.
- كثرة المبيعات لهذه الدروس، والتي تنتج على الكاسيت وشريط الفيديو والسيديهات.
- كثرة الحضور من الجنسين لهذه الدروس.
- الحضور القوي في القنوات. كقناة "اقرأ" و"أوربت" و"دريم" و"إل بي سي" و"إم بي سي"! وهي قنوات في غالبها منحلة، وبعيدة عن الصورة الناصعة للإعلام الإسلامي الذي ينبغي أن تقدمه هذه القنوات!
- بروز أعمال وواجهات عمل في أكثر من بلد.
- أسلوب التسويق الذي يعتمدون عليه في مخاطبة الجماهير.
- استخدام الإنترنت للتعامل مع المدعوين بشكل أكبر.
- استخدام الهاتف الجوال، والرسائل.
كثرة الجدل الدائر في الأوساط الاجتماعية والدعوية حول هذه الظاهرة. "التدين الجديد" .. و"الإصلاح الديني":(3/285)
يربط البعض بين "التدين الجديد" في ظروف نشأته وطبيعة دعوته، بحركة "الإصلاح الديني" التي شاهدتها أوربا في القرن السادس عشر وما يليه، والتي بفعلها نشأت الكنيسة "البروتستانتية" كإحدى المذاهب العقائدية المستحدثة في النصرانية. و"البروتستانتية": حركة دينية نشأت عن حركة الإصلاح الديني ومبادئها.
وهي تنطوي "على أفكار تحررية في الأمور الدنيوية والدينية، وكذلك في إعطاء الفرد حرية التقدير والحكم على الأمور، وفي التسامح الديني، وهذا مضاد للتقاليد وللسلطة الدينية. وروح البروتستانتية هي في مسؤولية الفرد تجاه الله وحده، وليس تجاه الكنيسة".
انظر الموسوعة العربية الميسرة؛ ج1؛ ص (499).
وتعرفها "موسوعة السياسة" بأنها: "مجموعة العقائد الدينية والكنسية المنبثقة عن حركة الإصلاح الديني في أوروبا، التي رافقت ظهور وتطور الثورة الصناعية فيها".
انظر ج 1؛ ص (527 - 528).
وقد ظهرت في ظل: "التسلط الديني والدنيوي للكنيسة، والنظام الإقطاعي المستبد في أوروبا، الذي كان يعيق نمو الثورة الصناعية والتجارية".
موسوعة السياسة، ج 1
و"البروتستانت: فرقة من النصرانية احتجوا على الكنيسة الغربية باسم الإنجيل والعقل"، وتسمى -أيضا- بـ (الإنجيلية)، "ويعتقدون أن لكل قادر الحق في فهمه، فالكل متساوون ومسئولون أمامه".
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص.
وهم: "يستمدون إيمانهم مباشرة من خلال تفسيرهم الذاتي لنصوص الكتاب المقدس، ومن هنا تتعدد التأويلات وتباينت".
موسوعة السياسة، ج 1؛ ص (528).
وقد بدأت في الكنيسة الكاثوليكية في القرن السادس عشر، متأثرة بحركات الإصلاح السابقة لها؛ ومن ثمَّ تحولت من حركة إصلاحية داخل الكنيسة إلى حركة عقائدية مستقلة ومناهضة لها -أي الكنيسة.
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص (615).
و"نتيجة للحرية الفردية في فهم تفسير الكتاب المقدس لكل فردمن المؤمنين بالمذهب البروتستانتي انقسمت البروتستانتية إلى كنائس عدة".
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص (618).
وفي إحصائية عام 1982م وجدت 2 طائفة إنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها.
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص (618).
ومن بين الكنائس التي انقسمت على البروتستانتية "الأساسيون"وهي: "حركة دينية محافظة قامت بين الطوائف البروتستانتية في أوائل القرن2م.
والغرض منها هو المحافظة على التفاسير التقليدية للكتاب المقدس، وحفظ عقائد الإيمان الأساسية من الأمور العصرية التي جاءت بها الاكتشافات العلمية".
الموسوعة العربية الميسرة؛ ج1؛ ص (186).
أبرز مؤسسي الحركة الإصلاحية بأوروبا:
- مارثن لوثر:
وهو ألماني كان يعمل أستاذ اللاهوت، كاثوليكي المذهب. وهو مؤسس المذهب البروتستانتي. انتقد الكنيسة وطالب بالإصلاح، لكن الكنيسة تواجهت معه، مما أدى إلى انفصال حركته عن الكنيسة الكاثوليكية، ودعا إلى الخضوع المباشر لسلطة الكتاب المقدس دون وسائط، بمعنى أن الكتاب المقدس من الوضوح للمؤمنين بحيث لا يختص القساوسة والبابوات بتفسيره، وقد قسمت آراءه العالم المسيحي بصورة جذرية.
ولد "مارتن لوثر" في ألمانيا عام 1483م، وتحول من دراسته الجامعية إلى دراسات اللاهوت، ثمَّ عين قسيساً عام 157م. واجه انحرافات الكنيسة وطالب بإصلاحها، وألف في ذلك كتباً وجدت إقبالاً لدى الأوساط المتعلمة في ألمانيا. أصدرت الكنيسة قراراً بحرمانه من منصبه، وإحالته إلى محكمة تفتيش، وكان سيواجه حكماً بالإعدام، لكنه هرب.(3/286)
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص (615).
وقد "ارتبطت اللوثرية في ألمانيا ارتباطاً وثيقاً بالحالة السياسية منذ أن دعا لوثر إلى إشراف الدولة على الكنيسة، ولذلك فإن الحكومة الألمانية تدخلت أكثر من مرة لحل الخلافات بين أعضاء الكنيسة أو للاتفاق مع كنائس المصلحة".
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص (618).
- جون كالفن:
ولد في فرنسا عام 159م، كان مثقفاً قانونياً، ثمَّ تحول إلى دراسات اللاهوت. خالف لورثن في عدد من القضايا منها: إشراف الحكومة على الكنائس، حيث طالب بأن تحكم الكنيسة نفسها بنفسها.
انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ج2؛ ص (617).
أسباب نجاح قيام حركة الإصلاح في أوروبا وانتشارها في العالم:
يشير كتاب "موسوعة تاريخ أوروبا العام" إلى أربعة أسباب وراء الانتشار المكثف والسريع للحركة الإصلاحية في أوروبا، وهي:
1 - احتياجات المؤمنين الروحية: "ما يمكن في البداية تسميته (التدين الحديث)، هو الحاجة الماسة عند المؤمنين -في نهاية العصر الوسيط- إلى دين أكثر خصوصية، أقل إشكالية، وأقل طقوسية. حتى إن الحركة وجدت جذورها في إيطاليا، بين ظهراني بورجوازية المدن الكبرى التجارية، وسرعان ما انتشرت في الأراضي المنخفضة".
موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج2،ص (276).
2 - التبرئة بواسطة الإيمان: حيث أصبح "الإيمان ضرورياً وكافياً للخلاص والنجاة من عذاب الأبدية. ولا جدوى من الأعمال؛ لأنها لن تفيد في شيء. لهذا وقف (لوثر) ضد (استخدام الغفرانات) و (الحال أن مذهباً لاهوتياً مبنياً على التبرئة بالإيمان يتطابق مع حاجات ملايين النفوس القلقة).
لقد راح هذا اللاهوت يناوئ مسيحية قائمة على الطقوس والممارسات، بيد أن (الإيمان الحديث) أثر في نفوس النخبة وأوغل داخل الكنيسة الرومانية".
موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج2، ص (276).
3 - الإنسانيون: الذين شرعوا "بقراءة الكتاب المقدس بطريقة ساذجة سطحية، مستندين في أفضل الحالات بعلوم راهب الكنيسة، القديس جيروم والقديس أوغسطين".
موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج2، ص (279).
4 - الأمراء: لقد كان التركيب الهرمي للسلطة في أوروبا - في ذلك الحين- والقائم على إمبراطوريات وممالك وأسر حاكمة ونبلاء .. مهيئاً لصراع على الثروات والسلطة تقوده طبقة الأمراء والنبلاء. "اضطر لوثر؛ بسبب حرب القرويين إلى التصلب في مواقفه، وإزاء حالات الفوضى المستشرية آثر قيام سلطة تمارسها سلطات مسيحية، وأعطى الأمراء سلطات الوصاية والإشراف. فيقدم بذلك هدية رائعة لأسياد الإمبراطورية المقدسة الذين امتلكوا منذ ذلك الحين حق مراقبة كنائسهم، وأصبحوا من فئات الأساقفة، مرسخي التحالف بين الأمراء الإقليميين والمذهب الجديد".
موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج2، ص (272).
لقد "كانت طبقة النبلاء مصممة على الاستئثار بخيرات الكنيسة.
في حين كان مجتمع الأرياف يرى في انتصار الإصلاح نهاية الاستبداد الإقطاعي وفجر عالم جديد".
موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج2، ص (275).
وتركز المذهب الإصلاحي فيفرنسا: "بصورة خاصة في المدن، بين ظهراني البورجوازيين والفنانين، وجماعات الكنيسة، ورجال العلم والمعرفة".
موسوعة تاريخ أوروبا العام: ج2، ص (288).
لمزيد من الفائدة يمكن الاطلاع على:
1 - الموسوعة العربية الميسرة؛ ط2 - 21م، إصدار دار الجيل بيروت، بترخيص من الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية.
2 - الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة؛ ط 4 - 142هـ، إصدار الندوة العالمية للشباب الإسلامي.(3/287)
3 - موسوعة السياسة، المؤلف الرئيسي د. عبد الوهاب الكيالي؛ ط 4 - 1999م، إصدار المؤسسة العربية للدارسات والنشر.
4 - أوروبا منذ بداية القرن الرابع عشر وحتى نهاية القرن الثامن عشر- ضمن (موسوعة تاريخ أوروبا العام). إشراف: جورج ليفه، ورولان موسنييه ..
المراجع: (وجميعها مقالات على موقع إسلام أون لاين)، هي:
(1) المتدينون الجدد من الـ"تيك أواي" إلى الـ"وان كليك"، لأحمد زين.
(2) تونس .. الفضائيات البديل الأمثل للدعاة، لـ د. خالد شوكات.
(3) أثر المتدينين الجدد على الحركة الإسلامية، لأحمد زين.
(4) المتدينون الجدد وفقه القص واللصق، لأحمد زين.
(5) عمرو خالد .. الطبعة الإسلامية لليبرالية الجديدة!، لحسام تمام.
(6) الأخ جيمنستيار .. داعية أندونيسي "نيو لوك"!، ترجمة وإعداد: نهى الإبياري.
(7) "الدين اللذيذ" .. لغة الدعاة الجدد!، الدكتور صلاح عبد المتعال الخبير الاجتماعي المصري، المستشار بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر، وهو من المتابعين والمراقبين لهذه الظاهرة، في حوار له مع موقع "إسلام أون لاين"، إعداد: صباح هاشم.
(8) الشباب المتدين بين عمرو خالد وعمرو دياب!، لعاصف بيات
(9) تدين نيولوك .. إسلام البورجوازية في مصر!، لحسام تمّام وباتريك هايني.
المصدر: شبكة القلم ( www.alqlm.com)(3/288)
خدعة التحليل السياسي!
11 - 5 - 2007م
بقلم: بندر الشويقي
لم أجد أنسبَ من هذا العنوان لأكتب تحته هذه الخواطر المتعلِّقة بطريقة صديقنا أبي عمرو د. محمد بن حامد الأحمري في معالجة الإشكالات المتعلقة بالمسألة الشيعية.
وفي البدء أودُّ القولَ: إن من أثقل المواقف على النفس أن يُضطر المرء ليكتب محذِّراً من رأيٍ بالغ الخطورة يتبناه فاضلٌ صادق النية، ناصحٌ لأمته، مريدٌ للخير والإصلاح. غير أن مما يهوِّن الموقف أن الدكتور - وفقه الله - اتَّخذ لنفسه نهجاً ثابتاً في تضعيف عقول مخالفيه، ووصْفِهم بالغفلة وعدم الإدراك والاستغراق - جهلاً وسذاجةً - في خدمة مصالح الصهيونية والعدو المحتل. ففي ظني أني مهما قلتُ - بعد هذا - وكتبتُ، فلن أبلغَ مبلغَ الدكتور، ولن أباريه في ازدراء عقل ورأي مخالفه.
أثناء القصف اليهودي الأخير للبنان، كتب دكتورُنا الفاضل مقطوعةَ هجاءٍ شهيرةً عنوانها: "خدعة التحليل العقدي". رمى فيها حِمَماً بركانيةً على حمقى أغبياء مغفَّلين يقال لهم: "العقديون". ثم أتبع مقطوعته تلك بمعلَّقةٍ هجائيةٍ ثانيةٍ تدور حول المعنى نفسه عنوانها "حصاد التحليل العقدي". ولما سُئل في برنامج (إضاءات) عن فكرة هاتين المقالتين ذكر أن الوضع في لبنان كان وضعَ حربٍ مع اليهود، ولم يكن وقتَ إثارة قضايا عقدية.
انتهت الحرب. وسكتت المدافع. وهدأت لبنان. لكن موقف الدكتور لم يتغيَّر، ومدافعه لم تسكُت. وكما كتبَ أثناء الحرب عن "خدعة التحليل العقدي"، وعن "حصاد التحليل العقدي"، إذا به يعود من جديد ليكتب لنا مقالةً مطولةً عنوانها "رؤية في المعضِلة الشيعية"، حذَّر فيها من خطورة "التهييج العقدي"!! فالدكتور - عافاه الله - ينتهي من "خدعة التحليل العقدي" ليكتُب عن "حصاد التحليل العقدي". وما إن يفرغ من ذلك حتى ينبري للحديث عن خطورة "التهييج العقدي". من غير أن يخطر له أن يمرَّ في طريقه بشيءٍ اسمه خطورة الإغضاء عن "الانحراف العقدي"، وعن أثر "التضليل العقدي" في ضياع الأمة.
والحجة - دائماً - لدى الدكتور أن العدو يسعى لاستثمار الخلافات العقدية، فيجب ألا نخدم أهدافه بإثارتها!! فلتذهبْ - إذاً - عقائد المسلمين، وليأخُذ الشيعة وقتهم في نشر باطلهم، وليُمعِنوا في اختراق الوسط السني، وتشييع السذَّج الغافلين. وعلى "العقديين" مقابلَ ذلك أن يتجنبوا "التهييج العقدي" حتى لا يخدموا أمريكا وإسرائيل بوقوفهم في وجه إخوانهم الشيعة! هذا المنطق الذي يتحدث به د. الأحمريُّ هو الذي أوحى إليَّ بالحديث عن "خدعة التحليل السياسي".
فقد رأيتُ الدكتور أغرقَ نفسه في تتبع السياسة وتفاصيلها حتى صار ينطبق عليه ما ذكره هو في مقالة "حصاد التحليل العقدي" حين قرَّرَ أن: "المندمِج بقضيةٍ ما ينغرسُ فيها، ويصعُب عليه الرؤية خارجها، لأنه كرَّر موقفه على نفسه مراراً، حتى لم يعُد يسمح لها بالتفكير خارج الصندوق الذي وضعها فيه".
دكتورنا - أعزَّه الله - وضع نفسه في صندوق السياسة، فلم يعُد يستطيع السماح لعقله بالتفكير خارج ذلك الصندوق، حتى لو كان صندوقاً مشتملاً على أغلى ما تملكه الأمة، وهو عقيدتها وتوحيدها. وصاحبُ "التحليل السياسي" الذي لا يبصر إلا السياسية، كثيراً ما تتشبع نفسه بالتهوين من العامل العقدي ومدى تأثيره في تسيير المواقف من حيث لا يشعر. بل ربما رفع صوته معلناً (بلسانه) عن يقينه بدور العامل العقدي في تحليل بعض المواقف، لكن عند التطبيق فهو لا يبصر شيئاً سوى السياسة.(3/289)
د. الأحمري يملك كمَّاً هائلاً من المعلومات والمعارف السياسية، غير أنه حين يكتب يَغرق في معلوماته تلك، فيعجز عن توظيفها للخروج بفكرةٍ متوازنةٍ، بسبب عدم قابليته للنظر برويةٍ فيما لدى الآخرين، مما له وقعٌ بالغ في القضية التي يتصدى للحديث عنها. وقد رأيته في واحدةٍ من مقاطع هجائه يذكر أن مِن الناس: مَنْ يُريح نفسه من عناء التفكير والفهم بوضع الآخرين في صناديق أو مجموعات، وأحزاب ومواقف، فيجعل هذا ليبرالياً، وذاك عقلانياً، ليسقط عن نفسه مشقة التفصيل والفهم، فليتَ دكتورنا تنبَّهَ - أيضاً - إلى أن من الناس من يريح نفسه من عناء التفكير والفهم بوضع مخالفيه في صندوقٍ كُتبتْ عليه عبارة: "عقديون مغفَّلون".
دكتورنا الفاضل يرى أن "التحليل العقدي، والتفريق بين الناس بناءً عليه، كانَ ولم يزلْ أداةً مهمةً من أدوات المستعمرين".
ويقول: "كم شيخٍ يقول وهو لا يدري أبعاد قوله، ويحلب في قدح المحتل الصهيوني أو غيره، وهو يرى أنه ينصر طائفةً أو عقيدةً أو مذهباً أو يدَّعي أنه ينير الطريق للأمة، بينما هو يرتكس بأتباعه في الظلمات، ويستعيدُ معارك الفرق والتاريخ ويغيب عن الشهود ومصالح الحاضر".
فالدكتور - سلَّمه الله - منزعجٌ من شيوخٍ سُذَّجٍ يرتكسون بأتباعهم في الظلمات، ويحلبون في القدح الصُّهيوني من خلال إثارة معارك تاريخية تغيبهم عن مصالح الحاضر! وقد تعِبَ الناسُ ـ وكاتب هذه الأحرف منهم ـ ليشرحوا للدكتور أن استغلال العدو للخلاف السُّني الشيعي أمرٌ معروفٌ وليس بخافٍ عنهم. لكنهم يرون أن تجاهل أو تهوين الخطر الشيعي ليس حلاً. بل هو مما يزيد الواقع سوءً وتدهوراً. غير أن الدكتور يصرُّ - دائماً - على أن كلَّ من لا يرى رأيه فهو لا يعرف خطط الأعداء الصهاينة الأمريكان. وإنما هو "عقديٌّ مغفَّلٌ" يحرث التاريخ لينبش خلافاتٍ ميتةً، يتلهَّى بها عن مشاكل العصر الحقيقية.
يقول الدكتور هذا مع علمه أن التشيُّع والرَّفض لم يكن في يومٍ من الأيام مشكلةً تاريخيةً تحتاج إلى نبشٍ وتفتيش، بل هي قضيةٌ حاضرةٌ أمام أعين الجميع، إلا إذا كان مِن رأي الدكتور أن الانحرافات العقدية تسقط بالتقادُم! في مقالته "حصاد التحليل العقدي" يقول د. الأحمري مخاطباً مخالفيه: "للنظر السياسي يا إخواننا تقسيماتٌ أُخَر، بعضها من بضاعتكم وبعضها تقع خارج ثقافتكم، وإلا لما صحَّ وجود سياسي وعقدي، ووجود رجل دين ورجل دولة أو سياسة".
في هذا الكلام نرى د. الأحمري يسند موقفه ويعضد رأيَه بالتنبيه إلى قاعدة احترام التخصُّص. فبما أنه صاحب سياسة، فعليكم معاشر "العقديين" التنحِّي عن طريقه كي يشرح للناس رؤيته هو للمعضلة الشيعية.
لكن لو سأْلنا دكتورنا: ماذا لو سلَّم لك "العقديون" نظرك السياسي، فهل ستسلِّم لهم نظرهم العقدي؟!
الجواب بالتأكيد: لا .. فالدكتور يدرك استحالة فصل القضايا بهذه الصورة السَّطحية التي يطرحها ويعلم ضعفها. غير أنه يريد الوصول إلى إخراس من يسميهم "عقديين" وحسبْ، فمن أجل ذلك فزع للحديث عن التخصُّص. كلامُه في الظاهر معناه: (أنتم مجالكم "النظر العقدي" فدعوا عنكم السياسية). لكن حقيقة موقفه: (أنتم لا تفهمون السياسة، فاسكتوا حتى عن العقائد).
وقد رأيتُه في كثيرٍ من كلامه لا يستطيع البعد عن "النظر العقدي"، ولا يقوى على تركه لأهله، مع أنه حين يتعرَّض لمناقشة مسائله يقع في أخطاء فادحة لها أثرها في تقييم الواقع، وبالتالي في معالجته. سمعتُه في برنامج (إضاءات) يقول: "كيف نُشغل الطالب مثلاً لمدة سنتين أو ثلاث في قضية خلق القرآن. ما عندنا أحد الآن يقول بهذه القضية. نحتاج أن نتحدث عن قضية من قضايا الحريات أو قضايا مفاهيم جديدة".(3/290)
هذا ما قاله الأستاذ الدكتور - سامحه الله -. وعن نفسي فإني لا أعرفُ أحداً من لدُنْ آدم وإلى اليوم يشتغل سنتين أو ثلاث بتدريس قضية خلق القرآن! بل هي مسألة ضمن أبواب الاعتقاد يمرُّ عليها الطالب المتخصِّص ويتعلمها في مجالس معدودة. غير أن ضِيقَ صدر الأستاذ بالمباحث العقدية هو الذي يدفعه لمثل هذا التهويل. وأغرب من تهويله قوله بثقةٍ تامةٍ: " ما عندنا أحد يقول بهذه القضية "!!
هذا الكلام من الدكتور يظهر منه أثر الاستغراق في "التحليل السياسي" وما يؤدي إليه من ضعفٍ في "النظر العقدي"، فالقول بخلق القرآن - لو علِمَ الدكتور - هو قولُ الشيعة الإمامية الذين منَعَنا من إزعاجه أثناء معالجته لمعضلتهم! الشيعة الإمامية، ومعهم الشيعة الزيدية، ومثلهم إباضية عمان والمغرب. دعْ عنك جملةً من زنادقة أدباء الحداثة الذين يعتبرون القرآن نصاً أدبياً مخلوقاً قابلاً للنقد. كل هؤلاء يقولون بخلق القرآن إلى اليوم. لكنَّ الأستاذ لا يدري عن ذلك شيئاً بسبب صندوق السياسة المحكم الإقفال الذي حبسَ نفسه فيه، فلم يعُدْ قادراً على معرفة ما في سائر الصناديق.
على أني أقطع أن دكتورنا حتى لو علِمَ بذلك، فلن يختلفَ موقفه. لأن المسألة عنده في الأصل ليست ذاتَ بالٍ. والمشكلة لديه لا علاقة لها بوجود تلك الأقوال أو انقراضها. بل هي نابعةٌ من خصلةٍ واضحةٍ لدى الدكتور تتعلق بضيق صدره بالمباحث العقدية.
عموماً، الدكتور يريد السياسة ولا شيءَ غير السياسة. هو يريد حديثاً عن (الحرية، وعن خطر الاستبداد السياسي، وعن الانتخابات والمشاركة الشعبية). فهذه القضايا هي العقائد القطعية والركائز اليقينية التي يقوم عليها بنيان الإسلام في نظر "المحلل السياسي". أما شهادةُ أن لا إله إلا الله، ونقضُ الشيعة لها بممارساتهم الشركية. وشهادةُ أن محمداً رسول الله، ونقضهم لها بعقيدة الإمامة والعصمة، فكلُّ هذا مما يمكن احتماله والتهوين من أمره، وبالإمكان اعتبار تفاصيله قضيةً تاريخيةً عفا عليها الزمن. لكن الذي لا يجوز السكوت عنه بحالٍ، هو "الانحراف السياسي"، وما يتفرَّع عنه.
وقد رأينا القصور في "النظر العقدي" يبرُز أثناء معالجة الدكتور "للمعضلة الشيعية". فحين تطفَّل على صندوق "العقديين"، وعاب عليهم رميَ الشيعة بالقول بتحريف القرآن، رأيناه يقول: إن هذا الموقف " في غاية الخطأ، لأسبابٍ: منها أن القرآن الذي يقرأه الشيعة اليوم هو القرآن نفسه الذي بأيدي المسلمين في كلِّ مكان. ومن شكَّ فليذهب بنفسه لأقرب تجمُّعٍ أو مسجدٍ أو منزلٍ لهم وسيجده القرآن الذي عنده ". فها هو ضعف "النظر العقدي" يتحدث عن نفسه. فالدكتور دخل للتحكيم في مسألة لا يملك تصوراً لأبعادها الحقيقية لأنها غير موجودة في صندوق السياسة الذي يهوى الدوران فيه.
هو ـ بالتأكيد ـ لن يستوعب مذاهب وآراء الشيعة في القرآن ما دام مستغرقاً في متابعة تصريحات "تشيني" و"مارتن إنديك"، وكتابات "فوكوياما"، ومقالات "فريدمان". الدكتور أتى هنا بحجةٍ يراها قاطعةً في تبرئة الشيعة من ظلم "العقديين". فهو يقترح أن يذهب "العقديون" لمساجد الشيعة وتجمعاتهم، وينظروا في مصاحف الشيعة ليتأكدوا أن الذي يقرأونه هو نفسه القرآن الذي يقرأه السنة. ولو أن دكتورنا أنصت قليلاً لإخوانه "العقديين" لربما أخذه الحياء من ذكر مثل تلك الحجة. فالعقديون يعلمون أن أكثر الشيعة القائلين بالتحريف يؤمنون بهذا القرآن الموجود عندنا. لكن موضع الإشكال أنهم يعتقدون نقصَه، وأن الصحابة الكرام حذفوا منه آيات ولاية علي بن أبي طالبٍ ـ رضي الله عنه ـ، وفضائل آل البيت، ومثالب الصحابة!(3/291)
قد لا تعني هذه المسألة الكثير بالنسبة للدكتور، لكن لو أنه أعطى "العقديين" - الذين يعانون اضطهاده - فرصةً ليسمع منهم، لأراح نفسه من عناء الذهاب إلى مساجد وتجمعات الشيعة ومقارنة مصاحفهم بمصاحف أهل السنة. وقد رأيتُه في غمرة إصراره على تخطئة فرقة "العقديين"، وبيان ظلمهم للشيعة يذكرُ أن كتاب (فصل الخطاب في تحريف كلام رب الأرباب) كتابٌ منبوذٌ عند الشيعة، وغير متداوٍل حتى إنه لم يطبعْ إلا مرةً واحدةً، وفي الهند. ولو أن دكتورنا ـ غفر الله له ـ تواضع قليلاً لإخوانه "العقديين" هنا أيضاً، لعلمَ أن ذاك الكتاب القذر لم يُطبعْ في الهند قطْ. وإنما طُبعَ في إيران مركز التشيع والرَّفض. ولو أنه أرعى سمعه وعقله لشرح له "العقديون" أن المشكلة ليست محصورةً في كتاب (فصل الخطاب)، ولا في مكان طبعه. فسواءٌ طُبعَ الكتاب في الهند أو نجازاكي أو في زُحَل. وسواءٌ طُبعَ طبعةً واحدةً أو اثنتين. أو لم يُطبَع قطْ. بل لو أن ذاك الكتاب لم يُخلَق في هذه الدنيا، ولا خُلِق مؤلفه. كلُّ ذلك لا قيمة له ولا تأثير له في المسألة التي يدرك "العقديون" وحدهم أبعادها وخطورتها. كتاب (فصل الخطاب) - لو عَلِم الدكتور - لا جديدَ فيه، فمؤلفه لم يزدْ على جمع المتفرِّق في كتب أعيان الشيعة القائلين بتحريف القرآن. تلك الكتب التي لا زالتْ تطبع إلى اليوم بالآلاف في طهران وفي قُم من غير أن يشعر الدكتور. وهي كتبٌ متداولةٌ وليست منبوذةً. بل هي محلُّ حفاوة علماء الشيعة. ومؤلفوها محلُّ تقديرٍ وإجلالٍ. بل هم معدودون عندهم من أئمة الإسلام وأعيانه المبرَّزين.
أقول هذا الكلام وأنا في شكٍّ كبيرٍ من فائدته في تغيير موقف الدكتور، فالتحقُّق من موقف الشيعة المعاصرين من القول بتحريف القرآن مبحثٌ "عقدي"، فهو - بالتالي - ليس من محتويات صندوق دكتورنا الفاضل. لكنَّ "العقديين" - باعتبارهم يتحدثون في فنِّهم، ولأنهم ينطلقون من قواعد شرعية محكمة - لا يكفيهم أن يقول المعمَّم الشيعي: (أنا لا أقول بالتحريف)، سواءٌ صدق في قوله أو كذب. بل يريدون موقفاً واضحاً وحازماً من كلِّ من تجرَّأ على الطعن في دستور الأمة. فلا أقلَّ من الاتفاق على كفر القائل بذلك الفجور والتبرِّي منه. قد يرى د. الأحمري في هذا الموقف شيئاً من المبالغة والتشدُّد، لكنَّ "العقديين" يريدون أن يفهم الدكتور أن للقرآن الكريم عندهم منزلةً عاليةً وأهميةً بالغةً. فهو عندهم أهمُّ من المفاعل النووي الإيراني الذي يُشفِق عليه الدكتور من الدَّمار، ويريد أن يكون له دورٌ في إحداث توازن في المنطقة، وردع إسرائيل عن أطماعها التوسعية، وتخفيف مذابحها ضد الفلسطينيين! وكما قلتُ في مسألة "خلق القرآن"، أقول في مسألة "تحريف القرآن"، فسواءٌ قال الشيعة بالتحريف أو لم يقولوا، فموقف الدكتور ـ غالباً ـ لن يتغير. بل لو أطبقَ الشيعة كلهم على القول بالتحريف، فالدكتور - وإن اعتبر هذا القول كفراً - فإنه سيوجب على "العقديين" الكفَّ عن "التهييج العقدي"، والبعد عن إثارة الخلاف المذهبي، لئلا يستفيد العدوُّ الصهيونيُّ الأمريكي من ذلك. فالموقف السياسي هو وحده الحاضر في عقل الأستاذ! من آثار "خدعة التحليل السياسي".
احتفاء د. الأحمري ببروز فكرة "ولاية الفقيه" لدى الشيعة، فهي - في تصوره - "هدمٌ ذكيٌّ لركن الإمامة في المذهب الشيعي"! كما أنها تمثِّلُ "تجديداً واقتراباً من الحلول الإسلامية بل والفطرية الطبيعية". وقد استشهد في كلامه بقول أحد الكتاب: إن "ولاية الفقيه" خطوةٌ نحو التسنُّن!(3/292)
هذا التصور الساذج الذي طرحه الدكتور ما هو إلا نتيجة مباشرة للاستغراق التام في "التحليل السياسي". فالدكتور - سلمه الله - نظر فقط للأثر السياسي لفكرة "ولاية الفقيه" على الواقع الشيعي، فأداه نظره إلى أنها تمثل هدماً ذكياً لركن الإمامة لدى الشيعة، بل وتمثل تجديداً وخطوةً نحو التسنُّن! ولو أن أستاذنا اعتنى بـ "النظر العقدي" لربما كان له رأيٌ ثانٍ. ولأدرك حينها أثر "خداع التحليل السياسي" في اختلال الموازين الشرعية، وفي تغييب أصول المعتقد! "ولاية الفقيه" عند من يعرف بعدها العقدي أبعد ما تكون عن المفاهيم السُّنية، بل هي - في ذروة نضجها - أقرب إلى المفهوم الكنسي منها إلى المفاهيم الإسلامية!
قبل "ولاية الفقيه" كانَ الشيعة يقولون: (من ردَّ على الإمام المعصوم، فقد ردَّ على رسول الله، ومن ردَّ على رسول الله، فقد ردَّ على الله). أما بعد بروز فكرة ولاية الفقيه، فقد أصبح أنصارها يقولون: (الرَّد على الولي الفقيه، كالردِّ على الإمام المعصوم! والرَّد على الإمام كالرَّد على رسول الله، والرَّد على الرسول كالرَّد على الله)!!
والنتيجة النهائية لهذا الزيغ أن من ردَّ قول "الولي الفقيه"، فقد ردَّ على الله!! فهل هذا هدمٌ ذكي لمبدأ الإمامة، أو أنه إحياء خبيثٌ لها؟!
"ولاية الفقيه" في محصَّلها ترسيخٌ لمبدأ الإمامة في العقل الشيعي. والذين اخترعوا الفكرة إنما أرادوا تفعيل عقيدة الإمامة وتوظيفها لهدف إقامة دولة رافضية، يتمُّ فيها إحكام السيطرة على قطعان الشيعة الضالة بنَصب طاغوتٍ لهم يشركون به مع الله. وحسبَ هذه النظرية - عند أمثال الخميني - فإن "الولي الفقيه" له الطاعة المطلَقة، ليس في الشأن السياسي وحسبْ، بل حتى في جانب التشريع، فمن حقه تعليق وإيقاف أحكامٍ شرعيةٍ قطعيةٍ من مثل الصلاة والصيام والزكاة والحج! فأينَ هُدِمَت فكرة الإمامة في مثل هذه الزندقة المكشوفة؟!
هذه الضلالات المتراكمة لدى الشيعة الروافض من العسير جداً تصوير خطرها وحجمها الحقيقي لمن أغلق على نفسه صندوق السياسة. فمن أصعب المهام إقناع "المحلل السياسي" أن قوة الأمة في اجتماعها على معتقدها، وأن الخطر الخارجي - مهما يكن - فإنه لا يسوِّغ التهوين من شأن تلك الضلالات التي تستهدف الأمة في أعز ما تملك.
شيءٌ واحدٌ يمكن أن يؤمن الدكتور بضرورة إثارته، وتفريق الأمة عليه، وتشتيت وحدتها من أجله، حتى لو كان في ذلك خدمةً للعدو الصهيوني الأمريكي! فإذا كان الدكتور يعتبر إثارة الخلاف العقدي مع الشيعة حلباً في قدح العدو المحتل، فلنجرِّب أن نقول له: يجب عليك - إذاً - أن تكفَّ عن انتقاد الاستبداد السياسي للحكومات، وأن تمسك قلمك ولسانك عن المطالبة بالانتخابات والمشاركة الشعبية. لأن هذه المطالب هي عينها مطالب العدو الغربي الصهيوني الذي يضغط ويبتزُّ الحكومات بإثارتها، ليحملها في النهاية على تقديم تنازلات تضر بشعوبها.
بالطبع الدكتور لن يقبل مثل هذا الكلام، فهو لا يرى مانعاً أن يحلب في قدح العدو المحتل، لأجل تفعيل محتويات صندوقه. بل لا مانع لديه أن يهبَ عدوَّه البقرة كلها، متى ما تعلَّق الأمر بالرُّكن الأهم عنده: "السياسة"، و"الانتخاب". أما قضايا التوحيد والشرك، والسنة والبدعة، والهدى والضلال، فالمغفَّل من يخدم العدو بإثارتها، وهي - في نظر دكتورنا - قضايا تاريخية تنتمي لعصر أحمد بن حنبل على حدِّ تعبيره في برنامج (إضاءات)!
من مظاهر الضَّعف الكبرى في نهج "المحلل السياسي"، أنه يطرح أراءً واقتراحاتٍ من كدِّ عقله دون أن يكلِّفَ نفسه التوقف عند حكم الشرع فيها.(3/293)
وقد رأيتُ د. الأحمري يقترح ـ من أجل حلِّ المعضلة الشيعية ـ دمجَ الشيعة في المجتمع السُّني عن طريق رفع ما سماه بـ "الحصار الثقافي" عنهم، وفسح الحرية لهم في ممارسة دينهم المنحرف والدعوة إليه، وعدم إشعارهم بفروق بينهم وبين أهل السنة. بل رأيته يتمنَّى لو وُجد في البلاد السُّنية مراجع شيعية محلية، حتى يخفَّ ولاء الشيعة للمراجع الخارجيين!
ومع تقديري لحسن مقصد الدكتور، فإن الذي يقرأ مثل هذه المقترحات يشعر وكأنه يقرأ لمحللٍ ليبرالي أو علماني لا يرجعُ لأصلٍ ولا دينٍ، ولا تعنيه الانحرافات الدينية لدى الشيعة، إلا بقدر إضرارها بالجانب السياسي للدولة!
هو يتحدث عن الشيعة وكأنه يتكلم عن قبيلةٍ أو عِرْقٍ أو حزبٍ سياسي يريد أن يدمجه في المجتمع وحسب، فلا يخطر ببال الدكتور - وهو يطرح رؤيته - أن الشيعة فرقة منحرفة ضالة يتعين ـ شرعاً ـ تحجيمها ما أمكن، والسَّعي في معالجة ضلالاتها بدلاً من تعميقها وترسيخ وجودها في المجتمع السُّني.
أقول هذا وعجبي يطول من مناداة الدكتور بإقامة مرجع شيعي (طاغوت) من صنعٍ محلي، ليعلِّم الناس الضلال وعقائد الحقد الأسود على خيار الأمة. بدلاً من أن يتعلموها من طاغوت مستورد! فهل توقَّف الدكتور - قبل أن يتكلم بهذا - عند مدى شرعية مثل هذا المقترَح؟! وهل نظر في أدلة الكتاب والسنة ليعرفَ إن كان عقله أصاب ههنا أو أخطأ؟! أو أن النظر في الكتاب والسنة أصبح - أيضاً - نبشاً في التاريخ؟!
على أن الحل الذي يقترحه الدكتور - مع مناقضته للشرع -، فإن الواقع يُثبت عدم جدواه. لأن انتماء الشيعي لمرجعه انتماءٌ دينيٌّ تحكمه عوامل واعتبارات كثيرة، تأتي الحدود السياسية في آخرها. فها هو العراق أمام ناظري الدكتور متشبِّعٌ بالمراجع الشيعية المحلية، فهل منع ذلك من تبعية الشيعة للمراجع الإيرانية؟! وهذا لبنان يوجد به مرجع محليٌّ معروفٌ، ومع ذلك فإن أكثر اللبنانيين ينتمون لمراجع خارجية معارِضة ومعادية للمرجع المحلي!
أمرٌ آخر لا أدري هل تفطن له الدكتور أو لا. فتنصيب مرجع محلي ـ لو حصل ـ فلن يكون للشيعة المحليين رأيٌ في اختياره حسب النظام الداخلي للعصابات الشيعية. فالمراجع خارج الحدود هم من يملك حقَّ تنصيب وإضافة مراجع جدُد. وهم ـ بالتأكيد ـ لن يسمحوا بوجود مرجعٍ خارج عن منظومتهم. وبالتالي فإن الثمرة النهائية لاقتراح الدكتور ستكون فتح قاعدة متقدِّمة للروافض داخل العُمق السُّني!
هذا الكلام أقوله على سبيل التنزل والاستطراد، وإلا فإن الميزان أولاً وآخراً للشرع الحنيف. وما كان الله ليرضى عن أمةٍ لا تمانع من ممارسة بعض أفرادها للكفر أو الفسوق العقدي علناً، بل والدعوة إليه بحمايةٍ من القانون كما هو مطلب الأستاذ.
دكتورنا - سدَّد الله قلمه - كمَّمَ أفواه "العقديين"، ثم فشل في القيام مكانهم. فالخلل في كلامه لم يقتصر على ضعف "النظر العقدي"، بل تجاوز ذلك إلى ضعفٍ في معرفة واقع الشيعة القائم. وقد رأيته في تعريفه بالباحث الشيعي أحمد الكاتب يذكر أنه (نشأ شيعياً حركياً، ثم ذهب ليكمل دراسته العليا في قم، وسجَّل مسألة "الإمامة" موضوعاً لرسالة دكتوراه في الحوزة في قم). لا أدري كيف يتكلَّم بهذا من يتحدَّث دائماً عن جهل "العقديين" بواقع عصرهم. وكم أتمنى لو أن الشيعة لا يطَّلعون على مثل هذا الكلام لئلا يكون دكتورنا محلًَّ تندُّرهم.(3/294)
أحمد الكاتب لم يتقدَّم - يوماً من الأيام - لنيل درجة الدكتوراه ولا الماجستير من حوزة قم، وذلك لسببٍ بسيط، وهو أن الحوزات الشيعية لا يوجد فيها شيء اسمه دكتوراه ولا دراسات عليا. هذه الألقاب - لو علمَ دكتورنا - لا وجود لها في عالم الحوزات الأسود. والذي يتخرَّج في الحوزة الشيعية إنما يتأهل لوضع العمامة على رأسه، والتزين بألقاب من مثل: حجة الإسلام، وآية الله. ونحو ذلك من ألقاب متعضد ومعتَمد. وكلام الدكتور عن دراسات عليا ودكتوراه في حوزات قم، يشبه قول القائل: إن فلاناً سجل أطروحة دكتوراه في جامع الرياض الكبير!
الدكتور ـ غفر الله ـ سَخِر من "العقديين"، واتهمهم بالجهل بالواقع، ثم أقام نفسه مقامهم في علاج المسألة الشيعية، ليكشف بعد هذا عن ضعف معرفته بواقع الشيعة، ومعتقداتهم، ونظام المرجعية عندهم، فضلاً عن منهجية التعليم في حوزاتهم السوداء.
بقي أنْ أنبِّهَ إلى أن د. الأحمري حين يشرح رؤيته للمعضلة الشيعية، فإنه لا يطرح أفكاره بصفتها حلولاً طارئة لوضعٍ استثنائي مؤقت. فهو حين ينادي بتطبيع التشيُّع داخل المجتمع السني، لا يفعل ذلك اضطراراً، وحذراً من الخطر الخارجي المحدِق. وإنما يقول هذا باعتباره الأصل، انطلاقاً من قاعدة كبرى يؤمن بها تمام الإيمان. الدكتور - غفر الله له - يؤمِن بالحرية الفكرية بمفهومها الغربي. فمن رأيه ومذهبه أن الحرية الفكرية وحرية التعبير يجب أن تكون مصانةً ومتاحةً للجميع. فليس الرافضيُّ وحده الذي يجب أن تتاحَ له الفرصة لممارسة ضلاله والدعوة إليه. بل حتى الكافر الصَّريح، والشيوعي الملحد، من حقه ألا يُقمَع ويُقصَى، بل يجب أن يكون حرَّاً في إبداء رأيه والدعوة إليه. بل إن دكتورنا يذهب لما هو أبعد من ذلك، فلا مانعَ لديه من أن تَفسحَ الدولة المسلمة لأحزابٍ سياسيةٍ تقوم على مبادئ الكفر والضلال!! فلا نهضة للأمة - حسب الدكتور - ما لم يتسع صدرها لمثل هذه الحرية المترامية الأطراف! هذا ما يقرِّره الأستاذ ويؤمن به.
وقد سبقَ لي بحثٌ معه حول هذا المنحَى الخطير. ثم سمعته بعد ذلك ببرنامج (إضاءات) يذكر أن الإسلاميين "إذا كان عندهم استعدادٌ لوقف الآخرين وكبت حرياتهم فهذه قضية سيئة جداً"! فليتَ شعري إذا لم يكن من هدف الداعية والمصْلِح إيقاف الباطل وإقصاء أهله، فما فائدة دعوته وإصلاحه إذاً؟! حين أذكرُ هذا الكلام عن الدكتور - أصلح الله باله - فإني أريد بيان الزاوية التي نظر من خلالها وهو يتصدى لعلاج "المعضلة الشيعية". فهو لا يبني فكرته من خلال ملابسات الواقع القائم، بل من خلال قناعةٍ داخلية راسخةٍ لا علاقةَ لها بتآمر الغربيين ضدنا. الدكتور - رعاه الله - ينطلق من مجموعة تصورات ومفاهيم تجمعها كلمة "ديمقراطية". ويخطئ من يظنُّ أنه عالج "المعضلة الشيعية" من خلال معرفته الواسعة بتعقيدات الوضع القائم كما يبدو من ظاهر الأمر، بل وكما يجتهد الدكتور في تصوير ذلك. فحديثه الدائم عن الحرية، وعن العقديين وصناديقهم المقفَلة، وكلامه عن ضرورة استيعاب مشاكل العصر، والبعد عن الاستغراق والتعصُّب لآراء الأسلاف، والتشاغل بالخلافات التاريخية. كل هذا الكلام يتجه إلى مصبٍّ واحد، ينتهي عند دلتا "الديمقراطية".(3/295)
ودكتورنا - سلمه الله - لم يكن الأول في هذا الطريق، ولا أظنه سيكون الأخير. فهو من أناسٍ أرهقهم ضغط الواقع السياسي لأمتهم، فالتبستْ عليهم المسالك، واشتبهتْ عليهم الدروب، فاستبدلوا بالدعوة للتوحيد الدعوةَ للتعددية، واعتاضوا عن تحكيم الشرع بتحكيم صناديق الاقتراع ورأي الأكثرية، فصاروا يركضون طلباً لدولة الحرية بدلاً من السعي لإقامة دولة الملة الحنيفية. وقد كان لستةَ عشر عاماً قضاها في أمريكا (أرضَ العدو المحتل) أبلغَ الأثر في تشبُّع نفسه بمثل هذا التوجُّه.
ومن المفارقات أن تقرير مؤسسة (راند) الأخير جعلَ من أهم مواصفات الحليف والعميل الأمريكي: الإيمان بالديمقراطية والحرية الدينية والفكرية.
والدكتور - بحسن نيةٍ - ممن يؤمن بذلك ويدعو إليه، وفي الوقت نفسه يتهم مخالفيه بخدمة مخططات العدو، والحلب في قدحه، وإلى الله المشتكى!
مما توقفتُ عنده قول الدكتور في برنامج (إضاءات) إنه يتحفظ على السلفية المعاصرة لأنها " أصبحت تقليداً للمرحلة التي عاشها الإمام أحمد وخصومه ". ولأن "السلفيَّ في العصر الحديث لا بدَّ أن يبحثَ عن المعتزلة حتى يخاصمَهم، ولا بدَّ أن يبحث عن الأشعرية حتى يخاصمهم، ولا بد أن يبحث عن الشيعة حتى يخاصمهم".
ومع ما في هذا الكلام من مبالغةٍ وخللٍ، فإني حين قرأته حمدتُ الله - عز وجلَّ - أن جعل النهج السَّلفي الأصيل هو الغالب والسائد بين أهل العلم وطلابه في بلدي، مع ما في تطبيقهم له من خللٍ وقصور ظاهرين.
ولو أن الناس أطاعوا د. الأحمري لأضاعوا الدين ولم يصلحوا الدنيا. ولو آمن دعاة السنة بما يدعو إليه الدكتور لخسروا دولتهم، ولم يفلحوا في التخلُّص من النفوذ الأجنبي الذي يريد منا الدكتور تقديم السنة ثمناً للهرب منه. ومن خلال تتبعِ النشاط الشيعي في المنطقة، فأنا على يقينٍ من أن الطرح الذي يقدِّمه د. الأحمري لا يشكل أيَّ إزعاجٍ أو قلقٍ لا لدعاة الرفض والتشيع، ولا للصهاينة الأمريكان. بل إنه يمهد الأرضية التي يستطيعون غرس باطلهم فيها.
فالشيعة يستطيعون التعامل مع أمثال الدكتور بيُسرٍ وسهولةٍ، ولا يجدون أدنى مشقةٍ في تلهيته بشعارات الاتحاد في وجه العدو المشترك. لأنه لا ينطلق من قواعد شرعية واضحةٍ في نظرته إليهم، وإنما يتعامل معهم وفقَ ألاعيب السياسة التي يتقن شياطين الشيعة فنونها. أما الدعوة السَّلفية - فمع ما فيها من ضعفٍ وانقسامٍ - فإنها تمثِّل الحاجز الأكبر، والسدَّ المنيع في وجه المدِّ الرافضي باعتراف أهله.
فالروافض لا شكوى لهم اليوم إلا من "الوهابية" التي عجزوا عن اختراقها، فلجأوا للالتفاف عليها عن طريق العبث بأصحاب "التحليل السياسي" المبهورين ببطولات "حزب الله"، والمشفقين على مفاعل إيران النووي! ومن الجانب الآخر إذا نظرنا للهيمنة الأمريكية الصهيونية التي تشغل الدكتور، فإن العدوَّ يعترف ويقرُّ - والدكتور يعرف هذا - أن السلفية تمثل التحدي الأكبر له. في حين أنه لا يحسب حساباً لأمثال الدكتور، إلا بقدر اتفاقه مع الطريقة السلفية، وتقرير (راند) لم يكن الشاهد الأول على ذلك.
بقيَ أن أقول في الختام: إني أؤيد الدكتور تماماً فيما ذكره في مقالته عن "المعضلة الشيعية" من التأكيد على ضرورة التوجه لعامة الشيعة بالدعوة والتوجيه. لكن هذا كله لا يلغي ضرورة تحصين المسلمين بتحذيرهم وتنفيرهم من الرَّفض وأئمته، فالمحافظة على رأس المال أولى من البحث عن مكاسب جديدة.
المصدر: شبكة القلم(3/296)
معالم ومنارات في تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الوقائع والحوادث
راجعه عدد من طلبة العلم
بقلم/ عبد الله بن صالح العجيري
abosaleh95@islamway.net
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد ..
قال الله تعالى: {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا}، إن من عظمة هذا الدين الخاتم كماله، وإن من مظاهركماله تهيئته لنفوس أصحابه لما يستقبلونه من حوادث ووقائع، علوية وسفلية، كبار وصغار، ليسيروا من ثم على نور وبصيرة يعرفون من خلال خبر الصادق ما كان وما سيكون مما هو نافع لهم في دنياهم وأخراهم، يبتدأ تاريخهم من آدم بل ومن قبل آدم ويستمر إلى قيام الساعة وما يجري بعد قيام الساعة، وكان من جملة تلك النصوص الشرعية المتحدثة عن أمور المستقبل ما يتعلق بذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة، مما يعطي المسلم تصورا عما يستقبله منها ليحذر ويتقي فينجو، نعم إن أمة الإسلام اليوم تحتاج إلى أن تراجع هذه النصوص الشرعية لتجد السبيل للخروج مما هي فيه من أزمات وفتن يرقق بعضها بعضا، فـ (قد أحاطت هذا الزمان وأهله فتن كثيرة لا تحصى، خصوصا ذهاب دولة الإسلام، وحكومة الإيمان، وغربة الدين، وفشو البدع والمضلين، وقلة العلم، وكثرة الجهل، وإيثار الخلق على الحق، والعاجلة على الآجلة، وترك الغزو، والقنوع بما في أيدي الناس، والانهماك في أمر المعاش، والإعراض عن المعاد، وكثرة التحاسد، والمفاسد التي أسرت أفراح القلوب، وشقت قلوب المؤمنين قبل الجيوب، فأصبحوا في حال يعدون المنايا أمانيا، ويرون لضعف الدين ووهن اليقين الموت طبيبا شافيا، إذا عثرت خيول الفتن والنقم، وولت جنود الدعة والنعم، وصارت الدنيا كلها آفات وبلايا، وكم في الزوايا من رزايا) (1)،
ومن الرزايا ما نراه من كتابات تخرج بين الفينة والأخرى قد اتخذت من نصوص الفتن والأشراط والملاحم مرتعا خصبا لعبث العابثين وظنون المتخرصين، يقولون ما لا يعلمون، ويهرفون بما لايعرفون، في كهانة مقنعة تلبس لبوس النص، والنص ينادي عليها بالبراءة، قد رسموا صورة الحاضر والمستقبل بما جادت به عقولهم المريضة، ثم حاولوا أن يجعلوا من تلك النصوص أصباغا يلونون بها تلك الصور فأساؤوا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، قد ضمنوا صورهم تلك كتبا يلقونها على الناس مع كل فتنة ومع كل أزمة تمر بالأمة تقول لهم بلسان الحال هيت لكم فلا يجدون بدا من أن يقولوا: لبيك، إنه باب جديد من أبواب تحريف النصوص، يفتح بل يكسر لينفذ من خلاله من يريد حرف المسار الصحيح للإصلاح في تثبيط عجيب عن العمل ودعوة للقعود عن النصرة وفي ترقب لخروج مصلح من هنا أو مهدي من هناك، يبتدأ هو لا هُم مسيرة الإصلاح، فوا أسفا، أبالظنون الكاذبة والخيالات الباطلة تعطل الأعمال والشرائع، إنه هروب اليائس المحبط من واقعه إلى عالم من الأحلام والأماني يعيش فيه ويتعلل به مما هو فيه، يحسب أنه بذلك قد صنع شيئا، وحقيقة الأمر أنه قد صنع (لا شيء)!، ولا تستطل الكلام فإنها نفثة مصدور، والأمر من قبل ومن بعد فوق ما أقول، وليس راء كمن سمع ولا من وقف على تصانيف القوم كمن لم يقف عليها.
وهذه كلمات في محاولة لتأصيل هذه المسألة، تنزيل أحاديث الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الواقع في ظل ضوابط مستنبطة من تصرفات أهل العلم في القديم والحديث عسى أن تكون محل نفع وإفادة، وقد قسمت البحث إلى جزئين مقدمات لا بد منها يتلوها المنارات والمعالم التي يجب مراعاتها في عملية تنزيل نصوص الفتن والملاحم وأشراط الساعة على الواقع، وليس المقصود تتبع ما كتب في هذه المسائل من كتابات هي محل للنقد والتخطئة فإن هذا يطول بل (لا مطمع لأحد في حصرها، لأنها خطأ وباطل، والخطأ لا تنحصر سبله، ولا تتحصل طرقه، فاخط ما شئت، وإنما الذي تنحصر مداركه، وتنضبط مآخذه، فهو الحق، لأنه أمر واحد مقصود، يمكن إعمال الفكر والخواطر في استخراجه، وما مثل هذا إلا كالرامي للهدف، فإن طرق الإصابة تنحصر وتتحصل من إحكام الآلات، وأسباب النزع، وتسديد السهم، فأما من أراد أن يخطئ الهدف، فجهات الأخطاء لا تنحصر ولا تنضبط، إلا أن نذكر من ذلك حسب الإمكان) (2) .. والله أعلم .. وإلى المقصود
_________
(1) الإذاعة 218
(2) الحوادث والبدع للطرطوشي 22.(3/297)
مسألة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
5 صفر 1422هـ
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
أما بعد:
فقد كثر الكلام والأخذ والرد حول قصة حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه عندما أرسل برسالة إلى كفار قريش يُعلمهم فيها بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وهل يعد فعله الذي قام به من النفاق الأكبر أم من النفاق الأصغر؟
ووجه إلي أحد الأفاضل سؤالاً عن ذلك فأجبته:
اعلم أخي الكريم -وفقني الله وإياك- أنَّ هذه المسألة -أعني هل فعل حاطب رضي الله عنه يُعدُّ كفراً أم لا؟ - من مسائل الاجتهاد التي يسوغ فيها الخلاف، وأصل منشأ الخلاف هو: هل الموالاة بجميع صورها تُعدُّ كفراً أم أنَّ منها ما هو كفر ومنها ما دون ذلك؟ وهل هناك فرقٌ بين الموالاة والتولي؟ وهل قوله تعالى {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} أي كافر مثلهم، أم هو كقوله صلى الله عليه وسلم ((من تشبه بقوم فهو منهم)) ومعلوم أن ليس كلُّ تشبهٍ بالكفار يعد كفراً، فإذا علمت ذلك تبين لك خطأ من يجعل هذه المسألة من مسائل العقيدة ويبدع من لم يقل بقوله، فإما جعله مرجئاً أو خارجياً، وهذا مما ابتليت به الأمة في الآونة الأخيرة.
أما مسألة الموالاة والمعاداة ومظاهرة الكافرين على المسلمين فهي من مسائل العقيدة بل أصلٌ من أصول التوحيد، وأما تكفير حاطب - رضي الله عنه- فلم يقل به أحدٌ من أهل السنة فهو صحابي بدري قد وجبت له الجنة، وإليك البيان بشيء من الإيجاز والاختصار:
الموالاة: أصلها الحب كما أن المعاداة أصلها البغض، وتكون بالقلب والقول والفعل، ومن الموالاة النصرة والتأييد، فمن جعل الموالاة نوعاً واحداً مرادفاً لمظاهرة الكافرين عدَّ فعل حاطب - رضي الله عنه- كفراً، ومن جعلها صوراً مختلفة وأدخل فيها: مداهنتهم ومداراتهم، واستعمالهم، والبشاشة لهم ومصاحبتهم ومعاشرتهم وغيرها من الصور؛ جعلها نوعين موالاة مطلقة عامة أو (كبرى) وموالاة خاصة دون موالاة. ومن هؤلاء من عدَّ فعل حاطب - رضي الله عنه- من النوع الأول ومنهم من عَدَّه من النوع الثاني، وأكثر العلماء على أن الموالاة نوعان: مُكفِّرة وغير مُكفِّرة، وسواء قلنا هما نوعان أو نوع واحد فالذي يهمنا هنا هو هل فعل حاطب - رضي الله عنه- من النوع المُكفِّر أم لا؟ -وسيأتي-، كما أنَّ منهم من فرَّق بين الموالاة والتولي وجعل التولي موالاة مطلقة ومنهم عددٌ من علماء الدعوة النجدية -رحمهم الله-، وهناك من لم يفرق بينهما كالشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره وهذا أقرب والله أعلم، وعلى كلٍ فهذه مصطلحات لا مشاحة فيها، لأن الذين فرَّقوا بينهما يعنون بالتولي الموالاة المطلقة وأنها كفر ولا يقولون بتولي غير مُكفِّر بل يقولون أن هناك موالاة غير مُكفِّرة فآل الأمر إلى وجود موالاة مُكفِّرة يسميها البعض تولي وأخرى غير مُكفِّرة وهذا كله على قول من يقسم الموالاة إلى قسمين.
وعمدة من يقول أن الموالاة نوع واحد وأنها كفر، قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} وقوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فأؤلئك هم الظالمون} قالوا لم ترد الموالاة في القرآن إلا بوصف الكفر، قال ابن جرير: ((ومن يتولى اليهود والنصارى دون المؤمنين فإنه منهم، يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملتهم، فإنه لا يتولى متولٍ أحداً إلا هو به وبدينه))
وقال ابن حزم في ((المحلى)) (11/ 138): ((وصح أنَّ قول الله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم} إنما هو على ظاهره بأنه كافر من جملة الكفار فقط، وهذا حقٌ لا يختلف فيه اثنان من المسلمين))(3/298)
وقال الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في ((مجموع الفتاوى)) (1/ 274): ((وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم)) ثم استشهد بالآيتين السابقتين.
هذه مقدمة لابد منها قبل الإجابة على سؤالكم: هل فعل حاطبٍ - رضي الله عنه- كان كفراً أم لا؟
واعلم أن قصة حاطب - رضي الله عنه- رواها البخاري في الصحيح (3007،4272،4890،6259) ومسلم في الصحيح (4550) وأبو داود في السنن (3279) والترمذي في الجامع (3305) وأحمد في المسند (3/ 350) وأبو يعلىفي المسند (4/ 182) وابن حبان في صحيحه (11/ 121) والبزار في مسنده (1/ 308) والحاكم في المستدرك (4/ 87) والضياء في الأحاديث المختارة (1/ 286) وغيرهم، وقد جمعت لك ما صحَّ من رواياتهم في سياق واحد -وأصلها من صحيح البخاري- ليسهل تصور القصة واستنباط الأحكام منها، والذي يهمنا منها ألفاظ حاطب وعمر رضي الله عنهما أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم،
[فعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْنَا الْكِتَابُ فَقَالَتْ مَا مَعَنَا كِتَابٌ فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا فَقُلْنَا مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَتُخْرِجِنَّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرِّدَنَّكِ فَلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَقَالَ عُمَرُ: ((يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ)) ((دَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَ هَذَا الْمُنَافِقِ)) ((فَإِنَّهُ قَدْ كَفَرَ))
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْت.
قَالَ حَاطِبٌ: ((وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)) ((وَلَمْ أَفْعَلْهُ ارْتِدَادًا عَنْ دِينِي وَلا رِضًا بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإِسْلام)) ((وَمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ كُفْرًا)) ((وَمَا غَيَّرْتُ وَلا بَدَّلْتُ)) ِ ((مَا كَانَ بِي مِنْ كُفْرٍ وَلا ارْتِدَادٍ)) ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ)) ((فقلت أكتب كتاباً لا يضر الله ولا رسوله)) أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلاَّ لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِه.
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: صَدَقَ وَلا تَقُولُوا لَهُ إِلاَّ خَيْرًا.
فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلأَضْرِبَ عُنُقَهُ.(3/299)
فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَال: لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.]
فأنت ترى أنَّ حاطباً - رضي الله عنه- شعر بخطئه في إفشاء سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وموالاته لكفار قريش، وظهر له أنَّ هذا كفرٌ وردة لكنه يعلم من نفسه أنه لم يفعله ارتداداً عن دين الله فقال: ((ولم أفعله إرتداداً عن ديني ولا رضاً بالكفر بعد الإسلام، وما غيرت ولا بدلت -أي ديني- أما إني لم أفعله غشاً يا رسول الله ولا نفاقاً)) إذن هذا العمل بمجرده يُعَدُّ كفراً وارتداداً وغشاً ونفاقاً، وكأنه - رضي الله عنه- ذُهل عن هذا الأمر أثناء الوقوع في المعصية بعذر قدَّمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قوله: ((أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي)) فإمَّا أن يقال كان جاهلاً وما تبين له هذا إلا بعد أن استجوبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو يقال كان - رضي الله عنه- متأولاً وهذا أصوب بدليل أنه قال كما صحت به رواية أحمد وأبو يعلى وابن حبان: ((أَمَا إِنِّي لَمْ أَفْعَلْهُ غِشًّا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلا نِفَاقًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ مُظْهِرٌ رَسُولَهُ وَمُتِمٌّ لَهُ أَمْرَهُ)) فهو يعلم أن المولاة كُفر لكنه لا يَعِدُّ ما فعله موالاة -تأولاً- لثقته أن الله ناصرٌ رسوله صلى الله عليه وسلم، وكما صحت به رواية البزار والحاكم والضياء من قوله: ((كان أهلي فيهم فخشيت أن يغيروا عليهم فقلت أكتب كتاباً لا يضر الله ولا رسوله)) فهو لثقته الكبيرة بربه ونصره لرسوله صلى الله عليه وسلم وأن كتابه سيفرحُ به كفار قريش ويحموا له أهله لكن لن يضر الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك قال الحافظ في الفتح (8/ 634): ((وَأَطْلَقَ عَلَيْهِ مُنَافِقًا لِكَوْنِهِ أَبْطَنَ خِلاف مَا أَظْهَرَ , وَعُذْر حَاطِب مَا ذَكَرَهُ , فَإِنَّهُ صَنَعَ ذَلِكَ مُتَأَوِّلاً أَنْ لا ضَرَر فِيهِ))، ويؤكد ذلك لفظ الخِطاب -إن صح- فقد قال الحافظ في الفتح (4274): ((وَذَكَرَ بَعْض أَهْل الْمَغَازِي وَهُوَ فِي (تَفْسِير يَحْيَى بْن سَلام) أَنَّ لَفْظ الْكِتَاب: ((أَمَّا بَعْد يَا مَعْشَر قُرَيْش فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَكُمْ بِجَيْشٍ كَاللَّيْلِ , يَسِير كَالسَّيْلِ , فَوَاَللَّهِ لَوْ جَاءَكُمْ وَحْدَهُ لَنَصَرَهُ اللَّه وَأَنْجَزَ لَهُ وَعْده. فَانْظُرُوا لأَنْفُسِكُمْ وَالسَّلام)) كَذَا حَكَاهُ السُّهَيْلِيُّ)) وفيه كما ترى تخذيل وتخويف لقريش، كلُّ ذلك جعل حاطباً - رضي الله عنه- يتأول أن ليس في هذا موالاة لكفار قريش وكيف يواليهم وهوالصحابي البدري؟! والواقع أن قصة حاطب وقصة قدامة ابن مظعون - رضي الله عنهما- الذي استباح شرب الخمر متأولاً أنه لاجناح على الذين آمنوا أن يطعموها من أقوى ما يمكن أن يستشهد به على أنَّ التأويلَ مانعٌ من موانع التكفير.(3/300)
أمَّا عمر - رضي الله عنه- فقد كفَّر حاطباً أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل له رسول الله صلى الله عليه وسلم إنَّ حاطباً لم يفعل الكفر، بل بيَّن له أنَّ حاطباً كان صادقاً ولم يكفر، ومعلوم لديك أنَّ ثَمَّتَ فرقٌ بين الحكم على الفعل بالكفر وتكفير المعين الذي صدر منه الكفر، وهذا مبسوط في كتب العقائد والتوحيد، وقد وصف عمر حاطباً - رضي الله عنهما- بأوصاف ثلاثة يكفي الواحدُ منها للقول بأنه كفَّره، فوصفه بأنه: منافق، كفر، خان الله ورسوله؛ وعمر -رضي الله عنه- وإن كان قد أخطأ في تكفير حاطب -رضي الله عنه- إلا أنَّ خطأه مغفورٌ له لأنه ناتج عن غيرة لله ورسوله وهذا معروف عن عمر -رضي الله عنه- ولأنه حكم بالظاهر وهذا هو الواجب على المسلم، ولم يكلفنا الله بالبواطن. قال ابن حزم في ((الفصل)) (3/ 143): ((وقد قال عمر رضي الله عنه - بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم - عن حاطب: دعني أضرب عنق هذا المنافق. فما كان عمر بتكفيره حاطباً كافراً بل كان مخطئاً متأولاً)) وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (3/ 282): ((إذا كان المسلم متأولاً في القتال أو التكفير لم يكفر بذلك)) ثم استشهد بتكفير عمر لحاطب - رضي الله عنهما-.
أمَّا تصديق النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب فليس فيه دلالة على أنَّه لم يفعل الكفر بل فيه أنَّه لم يكفر ولم يرتد لأن عمر -رضي الله عنه- قال عنه أنه كفر ونافق وخان الله ورسوله وحاطب يقول لم أكفر ولم أرتد وما غيرت وما بدلت -أي ديني- فصدقه النبي صلى الله عليه وسلم في أنه لم يكفر ولم يرتد، أمَّا قتله وعقوبته فقد شفع له فيها شهوده بدراً.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنَّ هناك من العلماء من عَدَّ ما بدر من حاطب -رضي الله عنه- من الموالاة الخاصة غير المكفِّرة، ومن هؤلاء: شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال في مجموع الفتاوى (7/ 523): ((وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم وأنزل الله فيه {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة})) والشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ كما في ((عيون الرسائل والأجوبة على المسائل)) (1/ 179).
لكن ليُعلم أنَّ هذا النوع من الموالاة شيء ومظاهرة المشركين على المسلمين ونصرتهم وتأيدهم والقتال معهم شيء آخر، فكما سبق في أول الحديث أنَّ هذا (الثاني) كفر وردة والعياذ بالله ويكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد، قال الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب في نواقض الإسلام: ((الثامن: مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى: {ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين} المائدة:51)) وقال الشيخ حمد بن عتيق في ((الدفاع عن أهل السنة والاتِّباع)) (ص32): ((وقد تقدم أنَّ مظاهرة المشركين ودلالتهم على عورات المسلمين أو الذب عنهم بلسان ٍ أو رضى بما هم عليه، كل هذه مُكفِّرات ممن صدرت منه من غير الإكراه المذكور فهو مرتد، وإن كان مع ذلك يُبْغض الكفار ويحب المسلمين)، وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله- في ((مجموع الفتاوى)) (1/ 274): ((وقد أجمع علماء الإسلام على أنَّ من ظاهر الكفار على المسلمين وساعدهم بأي نوع من المساعدة فهو كافر مثلهم))
والخلاصة:(3/301)
أنْ نقول إنَّ حاطباً - رضي الله عنه- حصل منه نوع موالاةٍ للكفار، فمن قال أنَّ الموالاة كلها كفر قال إنه وقع في الكفر ولم يكفُر لأنه كان متأولاً، ومن قال أنَّ هناك موالاة مُكفِّرة وموالاة غير مُكفِّرة عدَّ ما بدر منه - رضي الله عنه- من النوع غير المُكفِّر، وليعلم أنه لم يقل أحدٌ من أهل السنة أنَّ حاطباً - رضي الله عنه- كَفَر، أو أنَّ ما صدر منه ليس موالاةً أو ذنباً، أو أنَّ مظاهرة الكافرين على المسلمين ليست كفراً، فكلُّ ذلك متفقون عليه فلا ينبغي أنَّ يحدث نوع خلافٍ وشرٍ فيما كان من مسائل الاجتهاد طالما أنَّ الجميع متفقون على مسائل الاعتقاد، ولذلك لَمَّا سئل الشيخ سليمان بن عبد الله آل الشيخ عن مسألة سبَبت خلافاً بين أهل السنة في زمانه عن الموالاة والمعاداة هل هي من معنى لا إله إلا الله، أو من لوازمها؟ أجاب: ((الجواب أنَّ يقال: الله أعلم، لكن بحسب المسلم أنْ يعلم أنَّ الله افترض عليه عداوة المشركين، وعدم موالاتهم، وأوجب عليه محبة المؤمنين وموالاتهم، 000وأمَّا كون ذلك من معنى لا إله إلا الله أو لوازمها، فلم يكلفنا الله بالبحث عن ذلك، وإنما كلفنا بمعرفة أنَّ الله فرض ذلك وأوجبه، وأوجب العمل به، فهذا هو الفرض والحتم الذي لا شك فيه، فمن عرف أنَّ ذلك من معناها، أو من لازمها، فهو خير، ومن لم يعرفه، فلم يُكلف بمعرفته، لاسيما إذا كان الجدل والمنازعة فيه مما يفضي إلى شرٍ واختلافٍ، ووقوع فرقة بين المؤمنين الذين قاموا بواجبات الإيمان، وجاهدوا في الله وعادوا المشركين ووالوا المسلمين، فالسكوت عن ذلك متعين)) انتهى كلامه. انظر: ((مجموعة التوحيد)) (ص69)
والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده محمد وعلى آله وصحبه أجمعين(3/302)
الداعية القدوة والسفر للسياحة
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد:
فقد ظهرت على بعض الدعاة في السنوات القليلة الماضية عددٌ من الظواهر السلبية، كان من أبرزها وربما أخطرها تراجع عدد منهم في أخذ الدين بقوة، ومجاهدة النفس على السير على خطى أسلافهم من أهل العلم والدعوة في القيام بأمر الشريعة، وتعظيم شعائر الله، الأمر الذي لا ينكره إلا مكابر، ولعل من أهم أسباب ذلك التراجع: تكالب أعداء الإسلام من خارج بلاد المسلمين ومن داخلها على شأن هذا الدين، وكثرة النقد اللاذع للمنهج الإسلامي الصحيح، ثم ما صاحب ذلك من نقدٍ آخر ذاتي، كان أكثر ميلاً إلى الهدم منه إلى البناء، لاسيما من بعض الدعاة الذين عتورهم شيء من الهزيمة النفسية، ناهيك عن شيوع فتاوى برامج الفضائيات والمعتمدة على ما يسمى بالتيسير بصرف النظر عن الدليل، الأمر الذي أنتج تراجعاً عند بعض الدعاة عن ذلك النهج الذي كانوا عليه إلى آخرَ هجين بين التميع والتميز؛ كل ذلك وغيره أدى إلى هذا الضعف العام الذي تشهده ساحة الدعوة، وخاصة فيما يتعلق بتميز أولئك الدعاة في عبادتهم وخلقهم ومظهرهم وربما طريقة تعاملهم مع قضايا الشريعة وأمور الدعوة، مما أدى إلى إفراز كثيرٍ من الظواهر المتعددة والمؤلمة والتي لم تكن تُعهد من قبل، وما ظاهرة السفر إلى خارج البلاد المحافظة التي يعيشون فيها، إلى أخرى مغايرة تماماً لتلك الطبيعة المحافظة، لا لشيء غير مجرد ما يعرف بالسياحة، أو الترويح عن النفس؛ إلا من هذه الظواهر.
وهنا نقول، بأن مِن الدعاة إلى الله مَن لا يكترث لهذا التميز أصلاً، فليس هو مقصودنا بهذا الحديث، وإنما مقصودنا أولئك الإخوة الذين اعتادوا أخذ هذا الدين بقوة {فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا} [الأعراف:145]، وأقاموا الشريعة بمأخذ الجد، فحملوا همَّ هذه الدعوة شهوراً متتابعة، طيلة العام باذلين أوقاتهم وجهدهم، منشغلين بدعوتهم عن ترفيه أنفسهم وأهل بيتهم وأبنائهم؛ فلا شك أن مثل هؤلاء قد يجدوا في أنفسهم، وفي من يعولون من أهلٍ وذرية، حاجة إلى شيء من الترفيه عن النفس بسفرٍ أو نزهةٍ أو ما شابه ذلك، وما من شك كذلك أن هذا أمر مباح لا بأس به، وقد يكون مطلوباً أحياناً، والأصل في السفر الإباحة، وقد يكون أحياناً مندوباً أو واجباً، ومرادنا في هذه المقالة ذلك السفر والانتقال إلى بلاد يكثر فيها الفساد والمنكر، من تبرجٍ وسفورٍ وتناول للخمور، وغيرها مما لا يخفى على أحد، كل ذلك وهذا الداعية والقدوة المسافر إلى تلك البلاد، يشهد ذلك كله أو بعضه، لكنه عاجز عن إنكار شيء منه، بل قد يلجأ إلى المكوث في موقع حدوث المنكر - كالمطارات، وأماكن التسوق، وبعض المطاعم، والطرقات - ساعات طوال، مشاهداً، أو مستمعاً، وترى كثيراً من هؤلاء الإخوة يتذرع بشبه واهية، لعل من أبرزها أنهم في رحلة إلى بلاد إسلامية، مع أن واقع كثيرٍ من هذه البلاد - للأسف - لا يختلف كثيراً عن أكثر بلاد الكفار من حيث مظاهر التبرج والسفور، والعري، وتناول الخمور، وفشو المنكرات.(3/303)
ثم إن المرء ليعجب من قيام البعض منهم بحَثِّ الآخرين على الذهاب إلى تلك البلاد متذرعين بحجة المساهمة في تحسين الوضع الاقتصادي للمسلمين هناك!، ولم يفرق أولئك الإخوة بين ما يمكن أن يقال للمفرِّطين من المسلمين الذين يريدون الذهاب إلى بلاد الكفر، وبين ما لا ينبغي على الدعاة فعله لا سيما من هم في موطن القدوة، وكم هو نفيس كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حضور الأماكن التي تكثر فيها المنكرات، مع العجز عن إنكارها، -وهذا يشمل السفر والحضر-، يقول رحمه الله في مجموع الفتاوى (28/ 239): ((ليس للإنسان أن يحضر الأماكن التي يشهد فيها المنكرات ولا يمكنه الإنكار، إلا لموجب شرعي، مثل أن يكون هناك أمر يحتاج إليه لمصلحة دينه أو دنياه لا بد فيه من حضوره، أو يكون مكرهاً، فأما حضوره لمجرد الفرجة وإحضار امرأته تشاهد ذلك؛ فهذا مما يقدح في عدالته ومُروءته إذا أصرَّ عليه، والله أعلم)) انتهى. وهذا مبنيٌ على ما هو مستقر ومعلوم من الشريعة بأن الأصل وجوب الإنكار باليد، أو اللسان، - والغالب أن ذلك متعذرٌ في أكثر تلك البلاد- فإن لم يمكن، فإنكار القلب هو أضعف الإيمان، والإنكار بالقلب كما قال العلماء يكون ببغض المنكر وهجرانه والبعد عنه لا بالذهاب إليه اختياراً دون مصلحة دينية أو دنيوية راجحة، كما هو ظاهر من كلام شيخ الإسلام وغيره، فمن تلك المصالح الدينية طلب العلم والدعوة إلى الله، ومن الدنيوية العلاج المتعذر في بلاد تخلو من تلك المنكرات، والتجارة التي لا بد منها، ونحو ذلك، أمَّا مجرد الذهاب لغرض الفرجة، أو النزهة، أو السياحة، فليست من ذلك في شيء، فكيف بمن يذهب بزوجته وأبنائه وبناته الذين بلغ بعضهم سن المراهقة؟!
ولو أن الداعية القدوة تأمل تلك المحاذير الشرعية والمفاسد الأخلاقية المترتبة على هذا النوع من السفر لأعاد النظر فيه، أو تردد قبل الإقدام عليه، لا سيما مع وجود نوع آخر من المنكرات، كاضطرار الداعية المسافر لوضع صور زوجته، وبناته، في جواز السفر ومن ثم رؤية الرجال لهن عند نقاط التفتيش، ومعابر الحدود وغيرها، ومن ذلك أيضاً اعتياد أبناء الدعاة وبناتهم واستمراؤهم مشاهدة تلك المنكرات، وهم مع ذلك يرون أباهم الداعية القدوة لا يحرك ساكناً، بل ربما اضطر أحياناً إلى محادثة نساء متبرجات والتعامل معهن!، ومن جهة أخرى فإن تكرار مثل هذا السفر، يولد لدى أسرة الداعية رغبة في مزيد منه حباً في التعرف على بلد جديد أو ثقافة مختلفة، ولذلك قلما ترى مسافراً لهذه الأماكن عاماً إلا وتراه يسافر العام أو الأعوام التي بعده، ومما يؤسف له أن ترى كثيراً من أبناء أولئك الدعاة وبناتهم وأسرهم يتفاخرون بأسفارهم تلك، وربما حثوا غيرهم على القيام بها، ولنا أن نتخيل حال ذلك الجيل الذي يمثِّلُ فيه أبناءُ الدعاة وبناتهم محط النظر، ومقصد الاقتداء.
وهنا نخاطب إخواننا الدعاة قائلين:
إذا كان لا يسوغ لنا التوسع في فعل المباح في بعض الأوقات، فكيف يسوغ لنا الإقدام على فعلٍ، أقل ما يقال فيه، أنه من المشتبهات المفضية إلى الحرام؟!
قال الأوزاعي رحمه الله: (كنا نمزح ونضحك فلما صرنا يقتدى بنا , خشيت ألا يسعنا التبسم) (سير أعلام النبلاء: 7/ 132)
وقال ابن القيم في (مدارج السالكين: 2/ 26):
(قال لي يوماً شيخ الإسلام -قدس الله روحه- في شيء من المباح: هذا ينافي المراتب العالية وإن لم يكن تركه شرطاً في النجاة).(3/304)
فنصيحتي لهؤلاء الدعاة -وكذا الداعيات- أن يعيدوا النظر في أسفارهم تلك، وليتذكروا أن ثمَّت من يقتدي بهم، وربما قلدهم في أفعالهم وتصرفاتهم، وأنهم بتصرفهم هذا يسيئون لأنفسهم، ولأبنائهم وبناتهم، ولدعوتهم ولطلابهم ومن يقتدي بهم، وليبحثوا عن بدائل تتناسب مع مقامهم الذي وضعهم الله فيه، وهي كثيرة ومتوفرة ولله الحمد.
وأخيراً قد يقول بعض هؤلاء إنَّ حجم التغيرات التي تشهدها الساحة تتجاوز الحديث في مثل هذه الموضوعات، فبلاد المسلمين تُحتَل وتُدَمَّر، وأنت تتحدث عن ظواهر سلبية عند بعض الدعاة وعن سفرهم للسياحة، فأقول:
إن كان الأمرُ كذلك -وهو كذلك - فكيف يسوغ لكم السفر للسياحة والنزهة وصرف الأموال فيها؟!، أما كان الأولى صرفها لرفع الحصار، وإخماد الحرائق، وبناء ما دُمِّر؟، ثم ثانياً: ألأن غزة محاصرة، والعراق يحترق، وأفغانستان تدمَّر، نترك دعاتنا وأبناءنا تحاصرهم الشهوات، وتحرقهم الشبهات، وتدمرهم التنازلات، أم نسعى لإنقاذ هؤلاء وهؤلاء؟!
وقد يقول آخرون: إن الزمان قد تغير والمنكرات موجودة في كل مكان، فأقول:
هذا صحيح، وعين المرء لا تخطيء ذلك، لكن، هل السفر للسياحة ومخالطة المنكرات وضياع الأموال والأعمار تُصلح فساد المجتمعات؟ ألسنا الآن أحوج من ذي قبل إلى تميزنا وتمسكنا بديننا؟!
اللهم رب جبرائيل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.(3/305)
جريمة بناء الكنائس في الجزيرة العربية
علوي بن عبد القادر السَّقَّاف
المشرف العام على موقع الدرر السنية
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد
فهذه وريقات عن حرمة بناء الكنائس في جزيرة العرب دفعني لكتابتها ما يتردد بين الفينة والأخرى في المحافل والمؤتمرات (1) وما يسمى بمنظمات الحقوق العالمية وتقارير وزارة الخارجية الأمريكية (2) وغيرها من الدعوة لبناء الكنائس في الجزيرة العربية، يغيظهم كونها حرم الإسلام ومعقله وقاعدته الأولى، ويردد ذلك معهم في بعض وسائل الإعلام من أعاروا عقولهم لغيرهم وأثاروا الشبهات والشكوك حول هذه المسألة القطعية من دين الإسلام، نقلتُ فيه طرفاً من النصوص الدالة على تحريم ذلك، وأقوال العلماء في المسألة مع الرد على شبهات المعاصرين.
و (جزيرة العرب أو شبه الجزيرة العربية يحدها غربا: بحر القُلْزُم، وهو المعروف الآن باسم: البحر الأحمر، وجنوباً: بحر العرب، ويقال له: بحر اليمن، وشرقاً: الخليج العربي، والتحديد من هذه الجهات الثلاث بالأبحر المذكورة محل اتفاق بين المحدثين، والفقهاء، والمؤرخين، والجغرافيين، وغيرهم. وممن أفصح عن هذا التحديد بالنص: ابن حَوْقَل، والاصطخري، والهمداني، والبكري، وياقوت، وهو منصوص الرواية عن الإمام مالكٍ، وتفيده الرواية عن الإمام أحمد؛ رحم الله الجميع، ويحدها شمالا ساحلُ البحرِ الأحمر الشرقيُّ الشماليُّ وما على مسامتته شرقاً؛ من مشارف الشام والأردن والعراق، وعليه؛ فالأردُنُّ، وسوريَّا، والعراقُ؛ ليست في محدود جزيرة العرب وهو ما حرره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فقال (3): (جزيرة العرب: هي من بحر القُلزم إلى بحر البصرة، ومن أقصى حِجْرِ اليمامة إلى أوائل الشام، بحيث كانت تدخل اليمن في دارهم، ولا تدخل فيها الشام، وفي هذه الأرض كانت العرب حين البعث وقبله (4).
وهذا يعني أن دول مجلس التعاون كلها واليمن داخلة تحت مسمى الجزيرة العربية على الراجح من أقوال العلماء.
وهناك أقوال أخرى فنَّدها الشيخ بكر أبو زيد -رحمه الله- في كتابه الماتع (خصائص الجزيرة العربية) فليراجعها من شاء.
أما الأدلة: فقد وردت أحاديث صحيحة تحرِّم الإذنَ بوجود دين آخر مع الإسلام في جزيرة العرب وهي تقتضي تحريم بناء معابد لغير المسلمين من كنائس وغيرها من باب أولى، ومن ذلك حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (لا تكون قبلتان في بلد واحد) وفي لفظ: (لا تصلح قبلتان في أرض واحدة) رواه أبو داود، وحديث عائشة رضي الله عنها: (لا يترك بجزيرة العرب دينان) رواه أحمد، وحديث أبي عبيدة ابن الجراح رضي الله عنه: (لا يبقين دينان بأرض العرب) رواه البيهقي.
_________
(1) هذه المؤتمرات تأخذ في كل وقت طابعاً أو لوناً مختلفاً، فتارة يسمونها مؤتمرات التقارب أو التقريب بين الأديان، وتارة الحوار بين الأديان، وهكذا
(2) كان آخرها التقرير الصادر في شهر سبتمبر 2007م
(3) (اقتضاء الصراط المستقيم) (ص 166).
(4) خصائص الجزيرة العربية للشيخ بكر أبو زيد (بتصرف يسير)(3/306)
وعلى هذا جرى عمل الأمة قروناً طويلة ابتداءً من عصر خير القرون، وحتى وقت متأخر من التاريخ الإسلامي، فأجلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه يهود خيبر ونجران وفدك، ووضع الشروط المشهورة بالعمرية (1) وفيها: (أنَّا شرطنا على أنفسنا أن لا نحدث في مدينتنا كنيسةً ولا فيما حولها ديراً ولا قلايةً ولا صومعةً (2))، وفي كتاب (الأموال) (3) لأبي عبيد القاسم بن سلام، و (مصنف ابن أبي شيبة) (4) بإسناد ضعيف عن عكرمة قال: سئل ابن عباس عن أمصار العرب أو دار العرب هل للعجم أن يحدثوا فيها شيئاً؟ فقال: (أيُّما مِصر مَصَّرتْهُ العربُ فليسَ للعَجمِ أن يبنوا فيهِ بناءً ولا بيعة ولا يضربُوا فيه ناقوساً ... ).
قال القاضي تقي الدين السبكي: (وقد أخذ العلماء بقول ابن عباس هذا وجعلوه مع قول عمر، وسكوت بقية الصحابة إجماعاً) (5)
وفَهِمَ هذه الدلالة من أهل القرون المفضلة من غير الصحابة علماءُ التابعين وحكامُهم، فقد روى عبد الرزاق في مصنفه عن عمه وهب بن نافع قال: (كتب عمر بن عبد العزيز إلى عروة بن محمد أن يهدم الكنائس التي في أمصار المسلمين، قال: فشهدت عروة بن محمد ركب حتى وقف عليها ثم دعاني فشهدتُ كتابَ عمر وهدْمَ عروة إياها، فهدمها) (6)، وروى عن معمر عن إسماعيل بن أمية أخبره: (أنه مرَّ مع هشام بحدة وقد أُحدثت فيها كنيسة فاستشار في هدمها فهدمها هشام) (7). وروى عن الحسن البصري قال: (من السنة أن تُهدم الكنائس التي بالأمصار القديمة والحديثة) (8). والآثار في هذا كثيرة جداً، (لهذا أجمع العلماء على تحريم بناء المعابد الكفرية مثل: الكنائس في بلاد المسلمين، وأنه لا يجوز اجتماع قبلتين في بلد واحد من بلاد الإسلام، وألا يكون فيها شيء من شعائر الكفار لا كنائس ولا غيرها، وأجمعوا على وجوب هدم الكنائس وغيرها من المعابد الكفرية إذا أُحدثت في الإسلام) (9) بل وأجمعوا (على أن بناء المعابد الكفرية ومنها الكنائس في جزيرة العرب أشد إثماً وأعظم جرماً) (10) وأقوالهم في هذا كثيرة جداً، منها:
1 - قال الإمام محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: (ليس ينبغي أن تترك في أرض العرب كنيسة ولا بيعة ولا بيت نار) (11)
2 - وفي المدونة الكبرى (قلت: أرأيت هل كان مالك يقول: ليس للنصارى أن يحدثوا الكنائس في بلاد الإسلام؟ قال: نعم كان مالك يكره ذلك) (12)
3 - وقال الإمام الشافعي: (ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة ولا مجتمعاً لصلواتهم ... ) (13)
_________
(1) قال عنها شيخ الإسلام ابن تيمية في (اقتضاء الصراط المستقيم) (1/ 199) (اتفقت عليها الصحابة) وفي (مجموع الفتاوى) (28/ 651) (عليها العمل عند أئمة المسلمين)، وقال عنها الإمام ابن القيم في (أحكام أهل الذمة) (1/ 218): (وشهرة هذه الشروط تغني عن إسنادها فإن الأئمة تلقوها بالقبول وذكروها في كتبهم واحتجوا بها ولم يزل ذكر الشروط العمرية على ألسنتهم وفي كتبهم، وقد أنفذها بعده الخلفاء وعملوا بموجبها)
(2) القلاية والصومعة من بيوت عبادة النصارى. انظر: (لسان العرب) (باب: قلا)
(3) (ص269)
(4) (7/ 634)
(5) فتاوى السبكي (2/ 391)
(6) (مصنف عبد الرزاق) (6/ 59)
(7) (مصنف عبد الرزاق) (6/ 60)
(8) (مصنف عبد الرزاق) (6/ 60)
(9) فتاوى اللجنة الدائمة رقم (21413) وتاريخ 1/ 4 /1421 هـ
(10) المرجع السابق
(11) (تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للزيلعي الحنفي) (9/ 452)
(12) (المدونة الكبرى) (3/ 435)، والكراهة عند مالك كثيراً ما تكون على التحريم، انظر: (أعلام الموقعين) (1/ 50) , و (المدخل لابن بدران) (1/ 128)
(13) (الأم) (4/ 206)(3/307)
4 - وقال الإمام أحمد: (ليس لليهود ولا للنصارى أن يحدثوا في مِصر مَصَّرَهُ المسلمون بيعة ولا كنيسة ولا يضربوا فيه بناقوس) (1)
5 - وقال أبو الحسن الأشعري: (إرادة الكفر كفر وبناء كنيسة يكفر فيها بالله كفر، لأنه إرادة الكفر) (2)
6 - وقال ابن قدامة: (ويُمنعون من إحداث البيع والكنائس والصوامع في بلاد المسلمين لما روي في شروطهم لعبد الرحمن بن غنم) (3)
7 - وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الرسالة القبرصية): (اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة (4) أن يحدثوا فيها كنيسة ... والمدينة التي يسكنها المسلمون والقرية التي يسكنها المسلمون وفيها مساجد المسلمين لا يجوز أن يظهر فيها شيء من شعائر الكفر لا كنائس ولا غيرها) (5) وقال: (من اعتقد أن الكنائس بيوت الله، وأن الله يُعبد فيها، أو أن ما يفعله اليهود والنصارى عبَادة لله وطاعة لرسوله، أو أنه يحب ذلك أو يرضاه، أو أعانهم على فتحها وإقامة دينهم، وأن ذلك قربة أو طاعة فهو كافر) (6)
8 - وقال القاضي تقي الدين السبكي: (فإن بناء الكنيسة حرام بالإجماع، وكذا ترميمها) (7)
9 - وقال الحافظ ابن القيم: (ولا يمكنون من إحداث البيع والكنائس كما شرط عليهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الشروط المشهورة عنه ... وهذا مذهب الأئمة الأربعة في الأمصار، ومذهب جمهورهم في القرى، وما زال من يوفقه الله من ولاة أمور المسلمين ينفذ ذلك ويعمل به مثل عمر بن عبد العزيز الذي اتفق المسلمون على أنه إمام هدى) (8)
10 - وقال الشيخ عبد العزيز بن باز: (لا يجوز أن يبنى في الجزيرة معابد للكفرة لا النصارى ولا غيرهم، وما بني فيها يجب أن يهدم مع القدرة. وعلى ولي الأمر أن يهدمها ويزيلها ولا يبقي في الجزيرة مبادئ أو معاقل للشرك لا كنائس ولا معابد، بل يجب أن تزال من الجزيرة، حتى لا يبقى فيها إلا المساجد والمسلمون) (9) وقال: (أجمع العلماء رحمهم الله على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية وعلى وجوب هدمها إذا أحدثت وعلى أن بناءها في الجزيرة العربية كنجد والحجاز وبلدان الخليج واليمن أشد إثما وأعظم جرماً لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب ونهى أن يجتمع فيها دينان وتبعه أصحابه في ذلك ولما استُخْلِفَ عمر رضي الله عنه أجلى اليهود من خيبر عملا بهذه السنة ولأن الجزيرة العربية هي مهد الإسلام ومنطلق الدعاة إليه ومحل قبلة المسلمين فلا يجوز أن ينشأ فيها بيت لعبادة غير الله سبحانه كما لا يجوز أن يقر فيها من يعبد غيره) (10)
_________
(1) (أحكام أهل الذمة) (3/ 1182)
(2) (أنوار البروق) للقرافي (1/ 225)، وانظر التعليق على قوله: لأنه إرادة الكفر، في كتاب: (التوسط والاقتصاد) (ص28)
(3) (الكافي) (4/ 361)
(4) والعمالة النصرانية من المعاهدين والمستأمنين من باب أولى.
(5) (مجوع الفتاوى) (28/ 635)
(6) انظر: (كشاف القناع) (5/ 3073) باب حكم المرتد
(7) فتاوى السبكي (2/ 391)
(8) (أحكام أهل الذمة) (3/ 1193)
(9) (فتاوى ومقالات الشيخ ابن باز) (3/ 282)
(10) انظر: تقديم الشيخ لكتاب (حكم بناء الكنائس والمعابد الشركية في بلاد المسلمين) للشيخ إسماعيل الأنصاري(3/308)
11 - وجاء في فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية قولهم: (كل مكان يعدُّ للعبادة على غير دين الإسلام فهو بيت كفر وضلال، إذ لا تجوز عبادة الله إلا بما شرع الله سبحانه في الإسلام، وشريعة الإسلام خاتمة الشرائع، عامة للثقلين الجن والإنس وناسخة لما قبلها، وهذا مُجمع عليه بحمد الله تعالى .... ولهذا صار من ضروريات الدين: تحريم الكفر الذي يقتضي تحريم التعبد لله على خلاف ما جاء في شريعة الإسلام، ومنه تحريم بناء معابد وفق شرائع منسوخة يهودية أو نصرانية أو غيرهما؛ لأن تلك المعابد سواء كانت كنيسة أو غيرها تعتبر معابد كفرية؛ ... فجزيرة العرب: حرمُ الإسلام وقاعدته التي لا يجوز السماح أو الإذن لكافر باختراقها، ولا التجنس بجنسيتها، ولا التملك فيها، فضلاً عن إقامة كنيسة فيها لعبَّاد الصليب، فلا يجتمع فيها دينان، إلا ديناً واحداً هو دين الإسلام الذي بَعَثَ الله به نبيه ورسوله محمداً، ولا يكون فيها قبلتان إلا قبلة واحدة هي قبلة المسلمين إلى البيت العتيق، ... وبهذا يُعلم أن السماح والرضا بإنشاء المعابد الكفرية مثل الكنائس، أو تخصيص مكان لها في أي بلد من بلاد الإسلام من أعظم الإعانة على الكفر وإظهار شعائره ... عائذين بالله من الحور بعد الكَوْر، ومن الضلالة بعد الهداية، وليحذر المسلم أن يكون له نصيب من قول الله -تعالى-: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (25) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (26) فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (27) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ} محمد: 25 - 28" وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.) (1)
12 - وجاء في فتوى وزارة الأوقاف الكويتية: (إنَّ إنشاء أي دار للعبادة لغير المسلمين في دار الإسلام لا يجوز، وكذلك لا يجوز تأجير الدور لتكون كنائس، ولا تحويل الدور السكنية لتكون كنائس أو معابد لغير المسلمين، وذلك لإجماع علماء المسلمين على أنه لا تبقى في دار الإسلام مكان عبادة لغير المسلمين) (2)
13 - وقال الشيخ عبد الرحمن البراك -حفظه الله- (ومما يؤسف له أن بعض المسلمين استجابوا للكفار في بناء الكنائس، فها هي بعض البلاد الإسلامية في أطراف الجزيرة العربية؛ جزيرة الإسلام، ها هم أذِنوا للنصارى في بناء معابدهم، وقد جاء في الحديث لا تكون في أرض قبلتان، فلا تجتمع قبلة اليهود والنصارى مع قبلة المسلمين) (3)
_________
(1) فتوى رقم (21413) وتاريخ 1/ 4/1421هـ (بتصرف يسير)
(2) (فتاوى قطاع الإفتاء الكويتي) (6/ 15)
(3) موقع الشيخ -حفظه الله- على شبكة الإنترنت.(3/309)
وهكذا، فأنت ترى أن علماء المسلمين وفقهاءهم قديماً وحديثاً أجمعوا على حرمة بناء الكنائس في البلدان الإسلامية وأنها في جزيرة العرب أشد إثماً لما تمتاز به هذه الجزيرة من خصائص فهي (وقف في الإسلام على أهل الإسلام، وهي وديعة النبي صلى الله عليه وسلم إلى أمته، التي استحفظهم عليها في آخر ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم، فهي دارٌ طيبة، لا يقطنها إلا طيب، ولما كان المشرك خبيثاً بشركه؛ حُرِّمت عليه جزيرة العرب ... وإنه إذا ما عَدَّت يوماً نفسَها مثل أي قطرٍ من الأقطار، ترضى بمداخلة ما هو أجنبي عن الإسلام؛ فإنها تعمل على إسقاط نفسها من سجل التاريخ، وتقضي على ميزتها البارزة في خريطة العالم، فيخفت احترام العالم الإسلامي لها، وتفقد رهبة شراذم الكفر منها، وتفتح مجالاً فسيحاً للقوى الشريرة العاتية. وإنه إذا تقدمت الفتن، والبدع، والأهواء، والنِّحل، وضروب الغزو الفكري؛ تضرب فارهة على صخرة هذه الجزيرة؛ فقد تجللت حينئذ من كل ويلٍ تياراً، وأذنت بمشاكل ذات أحجام مختلفة في التمرد، وإذا تشربت النفوس بهذه الأنماط المتناثرة على جنبتي الصراط المستقيم؛ تشكلت الحياة إلى مزيجٍ من الأهواء والضلال البعيد، وهذا إيذانٌ بدك آخرِ حِصْنٍ للإسلام، وتقليصٍ لظلِّه عن معاقله في هذه الجزيرة المسكينة.
فالله طَليبُ الفَعَلةِ لذلك، وهو حسيبهم ... وإن المتعيِّن على أهل هذه الجزيرةِ، وعلى من بسط اللهُ يده عليهم وعليها: المحافظةُ على هذه المَيِّزات والخصائصِ الشرعية؛ ليَظهر تميُّزُها، وتبقى الجزيرةُ وأهلُها مصدرَ الإشعاعِ لنور الإسلام على العالم.
وليُعلَم أنه كلما قَوِيَ هذا النورُ؛ امتدَّ هذا الإشعاعُ، وكلما ضَعُفَ وتضاءَلَ في هذه الجزيرةِ وأهلِها؛ تقاصرَ. ولا حول ولا قوة إلا بالله) (1)
ومما يثيره اليوم الجهلة تارة، والمغرضون تارة أخرى، في وسائل الإعلام وغيرها، قولهم: كيف لا نسمح لهم ببناء الكنائس في بلادنا وقد سمحوا لنا ببناء المساجد في بلادهم؟!، ولو منعناهم من ذلك فسيمنعون المسلمين من بناء المساجد والصلاة فيها، وأنه ينبغي أن نعطي رعاياهم حريتهم الدينية كما أعطوا رعايا المسلمين حريتهم الدينية، وأن من العلماء المعاصرين من أفتى بجواز ذلك اعتماداً على رأي أبي حنيفة في الجواز، ... إلخ
وردُّ هذه الشُّبَه من وجوه:
الأول: أنَّ المساجدَ دورٌ يُعبد فيها الله عز وجل وحده، أما الكنائس فهي معابدُ كفرية، يُكفر فيها بالله عز وجل ويعبد معه غيره -المسيح وأمه-، فهل يستويان؟! {أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ} [ص:28]
الثاني: أن دعوى منحهم المسلمين الحرية في ممارسة تعاليمهم الدينية عارية عن الصحة، فهاهم يمنعون المسلمين من أقل حقوقهم الشخصية: كتعدد الزوجات، ولبس الحجاب، وإنشاء بنوك إسلامية، وتطبيق أحكام الإسلام عليهم، وغير ذلك، بحجة أنَّ أنظمة البلد العلمانية تحظر ذلك، أفلا يحق للمسلمين أن يمنعوهم من بناء الكنائس لأن تعاليم دينهم الإسلامي تمنع ذلك؟!
الثالث: أن مواطني الدول الغربية قد اعتنق كثيرٌ منهم الإسلام، فالمساجد تعتبر عندهم من حقوق المواطنة وليس للوافدين من المسلمين، أما دول الجزيرة العربية فالأصل أنهم كلهم مسلمون ومن تنصَّرَ منهم فهو مرتَّدٌ عن دين الله وحكمه في الشرع معروف، فلمن تبنى الكنائس؟ أللعمالة الوافدة غير المستقرة؟! مالكم كيف تحكمون؟!
_________
(1) خصائص الجزيرة العربية للشيخ بكر أبو زيد (بتصرف يسير)(3/310)
الرابع: أنَّ الإذنَ لهم ببناء كنائس في ديار الإسلام بحجة سماحهم للمسلمين ببناء المساجد في بلادهم يقودنا إلى قضية أخرى وهي الإذن لهم بالدعوة للنصرانية بين المسلمين بحجة أنهم يسمحون للمسلمين بأن يدعوا إلى الإسلام في بلادهم، فهل يقول بذلك مسلم؟! (بل من يجوِّز ذلك بحجة ما يسمى بحرية الاعتقاد فهو كافر مرتد وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم) (1).
كما أنه يقودنا إلى قضية ثالثة: وهي الإذن لأصحاب الديانات الأخرى كالبوذية والهندوسية وغيرها ببناء معابد لهم، بل قد يكون أتباع هذه الملل في بعض دول الخليج -من العمالة الوافدة- أكثر من النصارى، فتصبح الجزيرة العربية مسرحاً لديانات الكفر والشرك، وهي التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يكون فيها دينان!
الخامس: أنه لو ترتَّب على منعِ بناء الكنائس في بلاد المسلمين منعُ بناء المساجد في بلاد الكفار، فإنَّ درء مفسدة تلويث بلاد المسلمين وجزيرة العرب -خاصة- بدين النصارى المنسوخ، أولى من المحافظة على مصلحة مكاسب بعض المسلمين في بلاد الكفر، وعلى المسلمين القادرين على الهجرة أن يهاجروا، وعلى العاجزين أن يُصَلُّوا في بيوتهم، كما أفتى بذلك الشيخ عبد الرحمن البراك حفظه الله.
السادس: أنَّ مما يدل على اعتبار الخصوصية ومراعاتها وأنها قاعدة معتمدة عند العقلاء من كل ملة، أنَّ دولة الفاتيكان تمنع من بناء معابد غير الكنيسة فيه، وذلك لما يرونه من كون الفاتيكان معقلاً للنصرانية وملاذاً لأهلها، فالجزيرة العربية وفيها البلد الحرام والكعبة المشرفة أولى بذلك، كيف لا؟! وهي ملاذ المسلمين، ومنتهى مقاصدهم، وعلى هذا الأصل الذي يقِرُّ به عقلاءُ كل ملة، جاءتِ النصوصُ النبوية في بيان كون هذه الجزيرة جزيرة الإسلام لا يجتمع فيها دينان، ولكن لو سمح الفاتيكان ببناء المساجد فيه، هل يكون هذا مسوِّغاً لنا في الإذن ببناء الكنائس في جزيرة العرب؟ الجواب: لا، فلسنا تبعاً للفاتيكان، إنْ مَنَعَ مَنَعْنَا وإن بنى بنينا!، فالإسلام يعلو ولا يُعلى عليه، وقد تقدَّم أنَّ التسوية بين دور التوحيد ومعابد الكفر، سفهٌ وضلال نعيذ منه كل مسلم.
_________
(1) فتوى الشيخ عبد الرحمن البراك منشورة في موقعه على شبكة الإنترنت(3/311)
السابع: أن حرمة بناء الكنائس في بلاد المسلمين مما انعقد عليها الإجماع، نقل ذلك كثير من أهل العلم منهم: شيخ الإسلام ابن تيمية (1) وتقي الدين السبكي (2) والشيخ ابن باز (3) وغيرهم كثير، فلا وجه لما ذكره بعض المعاصرين عن تجويز الإمام أبي حنيفة ذلك مع أن القاضي تقي الدين السبكي قد أوضح المراد بكلام أبي حنيفة فقال: (ولعل أبا حنيفة إنما قال بإحداثها في القرى التي يتفردون بالسكنى فيها على عادتهم في ذلك المكان، وغيره من العلماء بمنعها لأنها في بلاد المسلمين وقبضتهم وإن انفردوا فيها فهم تحت يدهم فلا يُمكنون من إحداث الكنائس لأنها دار الإسلام ولا يريد أبو حنيفة أنَّ قريةً فيها مسلمون فيمكن أهل الذمة من بناء كنيسة فيها. فإن هذه في معنى الأمصار فتكون محل إجماع) (4)
_________
(1) نقله عنه المرداوي في (الإنصاف) (باب أحكام أهل الذمة) وابن مفلح في (الفروع) وقال في (مجموع الفتاوى) (28/ 651) عن الشروط العمرية والتي فيها منع النصارى من بناء الكنائس (فصلٌ: فى شروط عمر بن الخطاب رضي الله عنه التي شرطها على أهل الذمة لما قدم الشام وشارطهم بمحضر من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وعليها العمل عند أئمة المسلمين لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة) وقوله: (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) لأن هذا صار إجماعاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذين لا يجتمعون على ضلالة على ما نقلوه وفهموه من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم)
(2) تقدم النقل عنه
(3) تقدم النقل عنه
(4) (فتاوى السبكي) (2/ 388)
- ومما يؤيد أن مراد أبي حنيفة خلاف ما زعمه هذا المعاصر أنه قول غير معتمد في المذهب، وجماهير علماء الأحناف بما فيهم صاحباه أبو يوسف ومحمد بن الحسن على عدم اعتبار هذا الفهم لكلام الإمام، ويرون حرمة بناء الكنائس في الأمصار -أي المدن- التي يقطنها مسلمون. وعلى هذا تضافرت كتبهم، ففي (الهداية شرح البداية للمرغيناني) (2/ 162): (ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام ... وقيل: في ديارنا يمنعون من ذلك في القرى أيضاً لأن فيها بعض الشعائر، والمروي عن صاحب المذهب [يعني أبا حنيفة] في قرى الكوفة لأن أكثر أهلها أهل الذمة، وفي أرض العرب يمنعون من ذلك في أمصارها وقراها لقوله عليه الصلاة والسلام لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) وفي (المبسوط للسرخسي) (15/ 134) و (بدائع الصنائع للكاساني) (4/ 176) قولهم: (فإنهم يمنعون من إحداث الكنائس في أمصار المسلمين)، ونقل الزيلعي الحنفي الإجماع في (تبيين الحقائق) (باب: العشر والخراج والجزية) فقال: (قال في الفتاوى الصغرى: إذا أرادوا إحداث البيع والكنائس في الأمصار يمنعون بالإجماع)، وفي (حاشية ابن عابدين) (4/ 202) [لا يجوز إحداث كنيسة في القرى، ومن أفتى بالجواز فهو مخطئ، ويحجر عليه ... وفي الوهبانية: إنه الصحيح من المذهب الذي عليه المحققون، إلى أن قال: فقد علم أنه لا يحل الإفتاء بالإحداث في القرى لأحد من أهل زماننا بعدما ذكرنا من التصحيح، والاختيار للفتوى وأخذ عامة المشايخ، ولا يلتفت إلى فتوى من أفتى بما يخالف هذا، ولا يحل العمل به ولا الأخذ بفتواه، ويحجر عليه في الفتوى، ويمنع، لأن ذلك منه مجرد إتباع هوى النفس، وهو حرام، لأنه ليس له قوة الترجيح، لو كان الكلام مطلقا، فكيف مع وجود النقل بالترجيح والفتوى؟!، فتنبه لذلك، والله الموفق. مطلب: تهدم الكنائس من جزيرة العرب ولا يمكنون من سكناها قال في (النهر): (والخلاف في غير جزيرة العرب، أما هي فيمنعون من قراها أيضا لخبر لا يجتمع دينان في جزيرة العرب) اهـ. قلت: الكلام في الإحداث مع أن أرض العرب لا تقر فيها كنيسة ولو قديمة فضلا عن إحداثها] انتهى كلام ابن عابدين.(3/312)
الثامن: أن المجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة في جلسته المنعقدة بالقاهرة في 10/ 10/2000م أصدر بياناً قال فيه (التأكيد الحاسم بأن الجزيرة العربية وقلبها المملكة العربية السعودية هي الحصانة الجغرافية لعقيدة الإسلام، لا يجوز شرعاً أن يقوم فيها دينان، ولا يجوز بحال أن يشهر على أرضها غير دين الإسلام، كما تستنكر هيئة رئاسة المجلس العودة إلى المطالبة ببناء كنائس على أرض السعودية بعد أن حُسِمَ هذا الأمر سابقاً في حوار مطوَّلٍ مع الفاتيكان عبر اللجنة الإسلامية العالمية للحوار، واتفق على إغلاق هذا الملف وعدم إثارته ثانياً).
وأخيراً، و (بناءً على جميع ما تقدم فإنه ليس لكافر إحداث كنيسة في [جزيرة العرب]، ولا بيعة، ولا صومعة، ولا بيت نار، ولا نَصْبِ صنمٍ؛ تطهيرا لها عن الدين الباطل، ولعموم الأحاديث، وعليه؛ فليس للإمام الإذن بشيء منها، ولا الإبقاء عليه؛ محدثاً كان أو قديماً) (1)
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه
_________
(1) خصائص الجزيرة العربية للشيخ بكر أبو زيد (بتصرف يسير)(3/313)
من مقالات المشرف(3/314)
لا لاعتذار البابا
لم تكن مصادفة أن يعلن رئيس دولة الصليب أن الحرب في العراق حرب صليبية، ثم يُهان المصحف في سجونه في العراق وجوانتنامو، ثم يُساء إلى الإسلام ونبي الإسلام في رسوم كاريكاتيرية في أكثر من صحيفة غربية، ثم يُتهم الإسلام بالفاشية، وأخيراً يُساء إلى نبي الإسلام -عليه أفضل الصلاة والسلام- على لسان أكبر زعيم للنصارى -بابا الفاتيكان-، لم يكن ذلك كله مصادفة ولا مستغرباً عنهم {وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ}، ولم يكن مُستغرباً أن يغضب المسلمون لنبيهم صلى الله عليه وسلم بل هذا هو الواجب عليهم، لكن المستغرب هو هذه الضجة الإعلامية التي انخدع بها الكثيرون وصاروا يُطالبونه بالاعتذار، مما كان سبباً في إعلاء شأنه، ولو أنهم تركوه لحقارته لما عبأ به أحد، فما كان منه إلا أن اتهمهم مرة بالغباء وأنهم لم يفقهوا قوله! ومرة بأسفه على الألم الذي سببته تعليقاته، وها نحن المسلمين صباح مساء نذمهم ونذم دينهم المحرَّف ونصمهم بالضلال يومياً في صلاتنا وخارجها ولم يُلقوا لنا بالاً ولم يطلبوا منا أن نعتذر، ولو أن أكبر علماء المسلمين قال إنَّ النصارى كفار وإنَّ دينهم محرَّف وليس هو الدين الذي أتى به عيسى عليه الصلاة والسلام، أتراهم سيأبهون به ويطالبونه بالاعتذار؟! أجزم أن عقلاءهم أعقل من عقلانينا الذين طاروا في العجة-كما تقول العامة- ولن يطالبوه بالاعتذار لأن ذلك يُعلي من شأنه، ثم ماذا لو قال لنا البابا أنا على استعداد أن أعتذر عن إساءتي لكم لكن بشرط أن تعتذروا أنتم أيضاًً عن إساءتكم لنا بوصمنا بالكفر والضلال في كتابكم وعلى ألسنة علمائكم؛ أكنَّا سنفعل؟!
ومرة أخرى أقول إن غضب المسلمين أمرٌ واجب عليهم وغير مستغرب لكن المستغرب أن يطالِب بذلك من يستنكرون اليوم عليه وغداً يجلسون معه على طاولة الحوار لتقريب الأديان هؤلاء هم الذين جرءوه
- جرَّأه الذين لا يكفرونهم ويزعمون أنهم أهل كتاب مؤمنون والله كفرهم من فوق سبع سماوات {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ}.
- جرَّأه من عدَّ النصارى إخواناً لنا في الإنسانية في حين يتهم باباهم نبينا -عليه أفضل الصلاة والسلام- باللاإنسانية.
- جرَّأه من أبلى بلاءً سيئاً في رفع المقاطعة عن دولة الدانمرك التي سبقته في الإساءة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وليس ببعيد أن يأتي من يقبل اعتذاره الأخير كما قبل البعض اعتذار الصحيفة الآثمة صاحبة الكاريكاتير.
- جرَّأه الذين ما زالوا يدعون إلى التسامح والتعايش والحوار مع الآخر والآخر هذا يشتمهم ويشتم نبيهم -صلى الله عليه وسلم-.
هذا وغيره هو الذي جرَّأ هذا الكافر وأمثاله على الإساءة للإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم.
وإن من المزالق الخطيرة التي وقع فيها بعض الذين طالبوا البابا بالاعتذار ونُشرت في وسائل الإعلام قبول بعضهم اعتذاره الممجوج ونسي هؤلاء -وربما جهلوا- أنه لو اعتذر بأصرح عبارة ممكن أن يعتذر منها مخطيء لما قُبل اعتذاره لأن هذا حق للنبي صلى الله عليه وسلم ليس لأحدٍ غيره، أرأيت لو أنَّ رجلاً شتم جارك ثم جاء ليعتذر إليك هل من حقك أن تقبل عذره أم تقول له هذا جاري دونك فاعتذر منه؟ فحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم أجلُّ وأعظم.
ومن هذه المزالق دعوى بعضهم أن الجهاد في الإسلام للدفاع عن النفس ليدفع تهمة انتشار الإسلام بالسيف ونسي أن التاريخ الإسلامي مليءٌ بالفتوحات الإسلامية.
فهؤلاء وأؤلئك هم الذين جرَّؤه وسيجرِّؤن غيره على الإساءة للإسلام ونبي الإسلام.
ولهؤلاء أقول: إنْ كان الدفاع عن النبي -صلى الله عليه وسلم- يتطلب منكم كل ذلك فلا حاجة إليه، والله حافظٌ دينه وكافٍ نبيه صلى الله عليه وسلم {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}.
[بقلم المشرف](3/315)
الفتن إذا أقبلت لا يعرفها إلا القليل وإذا أدبرت عرفها الجميع
كثيرٌ من الناس إذا أقبلتِ الفتن غفلوا عنها وذهلوا وأخذتهم العواطف وغرَّهم الجهل ونسوا التاريخ القريب فضلاً عن البعيد، وانخدعوا بالإعلام والفضائيات وبنوا بعد ذلك مواقفَ من هذه الفتن وتعصبوا لها ونافحوا عنها، فمن قائل: علينا أن ننس الخلافَ الآن، وآخر: نتوحدُ ضد العدو الأساس وهو لا يفرق بين عدوين، وثالثٍ: جعل التحليل العقدي للأحداث خدعةً وهو مخدوعٌ بالتحليل الإعلامي والفضائي، ورابعٍ: نادى بتوحيد الكلمة على حساب كلمة التوحيد، وخامسٍ حشد أدلة وشواهداً لو تمعن فيها المرء لوجد أنها عليه لا له، وهكذا نجدُ أنَّ أكثرَ الناس يجهل الفتن والموقف منها إذا أقبلت وأطلَّت برأسها، ولا يثبتُ إلا من ثبَّته الله وكان يرى بنور الله، لا تخدعه العواطفُ الزائفة، ولا الأهواءُ الزائغة، ولا ينجرُّ وراء الإعلام المشبوه والمسيَّس، ولا تجده يفصلُ بين الأحداث الراهنة والمبادئ الثابتة، ولا بين زمانٍ وزمان ولا مكانٍ ومكان - القريب منهما والبعيد- إذا كان العدو هُوَ هُوَ نفسه بالأمس واليوم وهنا وهناك؛ فإذا أدبرتِ الفتنة أو كادت عرف كثيرٌ من الناس الحقيقةَ، فيتراجع من يتراجع، ويصرُّ آخرون على مواقفهم استكباراً وعناداً، والناظرُ إلى فتن هذا الزمان يجدها من هذا القبيل، والحمد لله الذي جعل في الأمة أناساً يعرفون الفتن عند إقبالها قبل إدبارها ويحذِّرون منها وإلا لهلكَ الناس.
بقلم المشرف(3/316)
سنة الله فيمن لا يقدر المسلمون على الانتقام منه كمن سب الرسول أو آذاه
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:
((ومن سنة الله أن من لم يمكن المؤمنون أن يعذبوه من الذين يؤذون الله ورسوله؛ فإن الله سبحانه ينتقم منه لرسوله ويكفيه إياه ... والقصة في إهلاك الله واحداً واحداً من هؤلاء المستهزئين معروفة، قد ذكرها أهل السير والتفسير، وهم على ما قيل نفر من رؤوس قريش: منهم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسودان بن المطلب وابن عبد يغوث، والحارث بن قيس.
وقد كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وكلاهما لم يُسْلم، لكن قيصر أكرم كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكرم رسوله، فَثَبَتَ ملكه، فيقال: إن الملك باقٍ في ذريته إلى اليوم (1)، وكسرى مَزَّقَ كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستهزأ برسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله الله بعد قليل، ومزق ملكه كل ممزق، ولم يبق للأكاسرة ملك، وهذا ـ والله أعلم ـ
ومن الكلام السائر: "لحوم العلماء مسمومة" فكيف بلحوم الأنبياء عليهم السلام.
وفي "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: مَنْ عَادَى لِي وَلِيّاً فقد بَارَزَنِي بِالمُحَارَبَةِ".
فكيف بمن عادى الأنبياء؟ ومن حارب الله حُرِبَ، وإذا استقريت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل، وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة، وباؤوا بغضب من الله، ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق مضموماً إلى كفرهم، كما ذكر الله ذلك في كتابه، ولعلك لا تجد أحداً آذى نبياً من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولابد أن يصيبه الله بقارعةٍ، وقد ذكرنا ما جرَّبه المسلمون من تعجيل الانتقام من الكفار إذا تعرضوا لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبلغنا مثل ذلك في وقائع متعددة، وهذا باب واسع لا يحاط به، ولم نقصد قصده هنا، وإنما قصدنا بيان الحكم الشرعي.
ونظير هذا ما حدثناه أعداد من المسلمين العدول أهل الفقه والخبرة عما جربوه مرات متعددة في حصر الحصون والمدائن التي بالسواحل الشامية، لما حصر المسلمون فيها بني الأصفر في زماننا، قالوا: كنا نحن نحصر الحصن أو المدينة الشهر أو أكثر من الشهر وهو ممتنع علينا حتى نكاد نيأس منه حتى إذا تعرض أهله لسب رسول الله صلى الله عليه وسلم والوقيعة في عِرْضِه، تعجلنا فتحه وتيسر ولم يكد يتأخر إلا يوماً أو يومين أو نحو ذلك، ثم يُفتح المكان عَنْوَة، ويكون فيهم ملحمة عظيمة، قالوا: حتى إن كنا لنتباشر بتعجيل الفتح إذا سمعناهم يقعون فيه مع امتلاء القلوب غيظاً عليهم بما قالوه فيه.
وهكذا حدثني بعض أصحابنا الثقات أن المسلمين من أهل المغرب حالهم مع النصارى كذلك، ومن سنة الله أن يعذب أعداءه تارة بعذاب من عنده، وتارة بأيدي عباده المؤمنين
وكان سبحانه يَحْميه ويَصْرف عنه أذى الناس وشتمهم بكل طريق، حتى في اللفظ؛ ففي "الصحيحين" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَلاَ تَرَونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ وَلَعْنَهُمْ، يَشْتُمُونَ مُذَمَّماً وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّماً، وَأَنَا مُحَمَّدٌ"، فنزه الله اسمه ونعته عن الأذى، وصرف ذلك إلى من هو مذمم، وإن كان المؤذي إنما قصد عينه.
ومما يدل على أن السب جناية زائدة على كونه كفراً وحراباً ـ وإن كان متضمناً لذلك ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قد كان يعفو عمن يؤذيه من المنافقين كما تقدم بيانه، وقد كان له أن يقتلهم كما تقدم ذكره في حديث أبي بكر وغيره، ولو كان السب مجرد رِدَّةً لوجب قتله كالمرتد يجب قتله، فعلم أنه قد يغلَّب في السب حق النبي صلى الله عليه وسلم بحيث يجوز له العفو عنه.
ومما يدل على أن السب جناية مفردة أن الذمي لو سب واحداً من المسلمين أو المعاهدين ونقض العهد لكان سب ذلك الرجل جناية عليه يستحق بها من العقوبة مالا يستحقه بمجرد نقض العهد؛ فيكون سب رسول الله صلى الله عليه وسلم دون سب واحد من البشر؟!
وقال رحمه الله:
إن تطهير الأرض من إظهار سب رسول الله صلى الله عليه وسلم واجب حسب الإمكان؛ لأنه من تمام ظهور دين الله وعلو كلمة الله وكون الدين كله لله، فحيث ما ظهر سبه ولم ينتقم ممن فعل ذلك لم يكن الدين ظاهراً ولا كلمة الله عالية، وهذا كما يجب تطهيرها من الزناة والسُّرَّاق وقُطَّاع الطريق بحسب الإمكان، بخلاف تطهيرها من أصل الكفر فإنه ليس بواجب، لجواز إقرار أهل الكتابين على دينهم بالذمة لأن إقرارهم بالذمة ملتزمين جَرَيان حكم الله ورسوله عليهم لا ينافي إظهار الدين وعلو الكلمة، وإنما تجوز مهادنة الكافر وأمانه عند العجز أو المصلحة المرجوة في ذلك، وكل جناية وجب تطهير الأرض منها بحسب القدرة يتعين عقوبة فاعلها العقوبة المحدودة في الشرع إذا لم يكن لها مستحق معين، فوجب أن يتعين قتل هذا؛ لأنه ليس لهذه الجناية مستحق معين، لأنه تعلق بها حق الله ورسوله وجميع المؤمنين، وبهذا يظهر الفرق بين الساب وبين الكافر، لجواز إقرار ذلك على كفره مستخفياً به ملتزماً حكم الله ورسوله، بخلاف المظهر للسب.))
__________
(1) هذا في زمنه رحمه الله وإن استهزاء أحفاد قيصر برسول الله صلى الله عليه وسلم في أيامنا هذه بشارة بزوال ملكهم وحكمهم بإذن الله.
المصدر: (الصارم المسلول) (1/ 84) (1/ 113) (1/ 114) (1/ 201) بتصرف يسير.(3/317)
فتاوى واستشارات(3/318)
حكم الدعاء بقولهم: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه)
قسم البحث العلمي
ومراجعة المشرف العام
السؤال:
ما صحة أن يدعو الإنسان بهذا الدعاء: (اللهم إني لا أسألك رد القضاء ولكن أسألك اللطف فيه)؟
الجواب:
الحمد لله
أولاً: ينبغي على المسلم أن يدعو الله سبحانه وتعالى بالأدعية المأثورة الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يسأل الله بعزم ورغبة، وأن يسأل الله حاجته كلها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يقولن أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت اللهم أرحمني إن شئت ليعزم في الدعاء فإن الله صانع ما شاء لا مكره له)) رواه البخاري ومسلم واللفظ له.
وفي لفظ عند مسلم ((ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه)).
والدعاء المذكور غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يرد عن السلف، وليس فيه عزيمة ورغبة، ويدل على استغناء الداعي وبعدم الافتقار بحاجته إلى الله.
ثانياً: هذا الدعاء يخالف الأدعية المأثورة والثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم: كحديث سلمان رضي الله عنه أنه مرفوعاً: ((لا يرد القضاء إلا الدعاء .... )) رواه الترمذي.
وهذا الحديث فيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى يدفع بالدعاء ما قد قضاه على العبد، وأن دعاء الله تعالى يرد ما يكرهه المرء من سوء القضاء.
وقد بين العلماء أن الدعاء يرد القضاء، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (8/ 193): (الدعاء سبب يدفع البلاء، فإذا كان أقوى منه دفعه، وإن كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه ويُضْعِفه، ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والعتق. والله أعلم).
وقال ابن القيم في (الجواب الكافي) (فصلٌ: الدعاء من أنفع الأدوية): (والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو البلاء، يدفعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن ........ ، وله مع البلاء ثلاث مقامات: أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه. الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفا. الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه) ا. هـ
وقال السيوطي في (الحاوي للفتاوى) (1/ 387): (وأما كونه سببا لدفع البلاء - أي الدعاء- فهو أمر لا مرية فيه فقد وردت أحاديث لا تحصى في أذكار مخصوصة من قالها عصم من البلاء، ومن الشيطان، ومن الضر، ومن السم، ومن لذعة العقرب، ومن أن يصيبه شيء يكرهه) ا. هـ ..
وقال المناوي في (فيض القدير) (6/ 449) عند شرحه لحديث ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)): (أراد بالقضاء هنا الأمر المقدر لولا دعاؤه، أو أراد برده وتسهيله فيه حتى يصير كأنه رد، وقال بعضهم: شرع الله الدعاء لعباده لينالوا الحظوظ التي جعلت لهم في الغيب، حتى إذا وصلت إليهم فظهرت عليهم توهم الخلق أنهم نالوها بالدعاء فصار للدعاء من السلطان ما يرد القضاء).
وقال المباركفوري في (تحفة الأحوذي) (5/ 575) في شرحه لحديث ((لا يرد القضاء إلا الدعاء)): (القضاء هو الأمر المقدَّر وتأويل الحديث أنه إن أراد بالقضاء ما يخافه العبد من نزول المكروه به ويتوقاه فإذا وفق للدعاء دفعه الله عنه فتسميته قضاء مجاز على حسب ما يعتقده المتوقى عنه، يوضحه قوله صلى الله عليه وسلم في الرقى: ((هو من قدر الله))، وقد أمر بالتداوي والدعاء مع أن المقدور كائن لخفائه على الناس وجوداً وعدماً ...... أو أراد برد القضاء إن كان المراد حقيقته تهوينه وتيسير الأمر حتى كأنه لم ينزل، يؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر ((أن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل)). وقيل: الدعاء كالترس والبلاء كالسهم والقضاء أمر مبهم مقدر في الأزل) ا. هـ ..
وممن أفتى بعدم جواز الدعاء المذكور الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في فتاوى نور على الدرب.
والله أعلم.(3/319)
ما الحكم لو صادف العيد يوم الجمعة؟
الإمام عبدالعزيز بن عبدالله ابن باز
السؤال:
ما الحكم لو صادف العيد يوم الجمعة, بالنسبة لصلاة الجمعة فقد سمعت أن صلاة الجمعة لا تجب على المأمومين بعكس الإمام , فكيف تجب على الإمام لوحده; وكيف يقيمها بمفرده؟.
الجواب:
إذا وافق العيد يوم الجمعة جاز لمن حضر العيد أن يصلي جمعة وأن يصلي ظهراً; لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في هذا, فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه رخص في الجمعة لمن حضر العيد وقال: «اجتمع في يومكم هذا عيدان فمن شهد العيد فلا جمعة عليه»، ولكن لا يدع صلاة الظهر, والأفضل أن يصلي مع الناس جمعة, فإن لم يصل الجمعة صلى ظهراً، أما الإمام فيصلي بمن حضر الجمعة إذا كانوا ثلاثة فأكثر منهم الإمام, فإن لم يحضر معه إلا واحد صليا ظهراً.
المصدر: مجموع فتاوى ابن باز (13/ 13)(3/320)
حكم أداء فريضة الحج مع الخشية من الإصابة بأنفلونزا الخنازير
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
لم أحج حج الفرض وأخشى من الإصابة بأنفلونزا الخنازير فهل يسقط عني الحج هذا العام؟ علماً أنني مقيم بالسعودية؟ وأخي مقيم خارج السعودية ولم يحج من قبل ويخشى من لقاح الأنفلونزا لأضرارها الجانبية فهل يعذر لو تخلف عن حج هذا العام، علماً أننا قادرين على الحج والحمد لله.
الجواب:
الحمد لله
بالنسبة لك فإن كنت صحيحاً نشيطاً ولا تشكو من مرض فلا عذر لك لأن هذا المرض لم يصل إلى حد أن يكون وباءً يخشى منه، وإن كنت شيخاً كبيراً أو مريضاً فاستشر الطبيب المسلم الحاذق المؤتمن وخذ بقوله.
وأمَّا أخوك فقد كثُر الكلام عن أضرار هذا اللقاح وأنصحه باستشارة طبيب مسلم مؤتمن أو أكثر فإن حذروه ومنعوه منه فليمتنع، ولو اشترطوا عليه في بلده أخذ اللقاح فيسقط عنه الحج كالمريض الذي يمنعه الأطباء من أداء هذا المنسك.
والله أعلم(3/321)
حكم رقص النساء في الأفراح وغيرها من المناسبات
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
ما حكم رقص النساء في الأفراح وغيرها من المناسبات؟
الجواب:
الحمد لله
إنَّ مما ابتليت به هذه الأمة وفُتنت به نساؤها نزع الحياء من كثير منهن، ومن مظاهر هذا الافتتان أنواع الألبسة والعري والتفسخ وتقليد الفاسقات والماجنات من الفنانات والممثلات وغيرهن في الأزياء والموضات ومن ذلك تقليدهن في الرقص والغناء، ومما يؤسف له أن هذا الافتتان ومنه الرقص لم يسلم منه حتى المحافظات بل وبعض الصالحات فنسأل الله السلامة وحسن الخاتمة.
وهذا الرقص الذي يمارس اليوم في كثيرٍ من الأفراح والمناسبات من تكسرٍ وتمايلٍ وتثني في البدن وتحريكٍ للأكتاف والخصورِ والأردافِ والمؤخرةِ والذي غالباً ما يصحبه لباسٌ غير ساتر للبدن بحجة أنها بين النساء، لا يشك عاقلٌ أنه تقليدٌ للكافرات والفاسقات وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من تشبه بقوم فهو منهم))، كما أنه تحصل به فتنة بين النساء فقد تكون الراقصة رشيقة وجميلة وفاتنة فتفتن بنات جنسها ومن المعروف أن هذا يقع بين النساء، وما كان سبباً للفتنة فإنه يحرم شرعاً.
فإذا صاحب ذلك الرقص آلات موسيقية محرمة كان ذلك أعظم حرمة، وبعض النساء يستبدلن مؤثرات صوتية بهذه الآلات بينما هي شبيهة بها حتى لا تكاد تفرق بينهما، والأمور بمآلاتها، وبعض النساء قد لا يستخدمن هذه الآلات لحرمتها لكن يتساهلن في الكلمات والألحان، فتجد في الكلمات فحشاً وغزلاً وإثارةً للغرائز كأغاني الماجنات تجعل سامعتها في حالة غرام وهيام، وأسوأ من ذلك عندما تكون هذه الأغاني بصوت رجلٍ عبر أشرطة الكاسيت، فلكِ أن تتخيلي فتيات مراهقات يرقصن رقصاً شرقياً أو غربياً على صوت رجل لكلمات غرامية كيف سيكون شعورهن وهن يرقصن ولو لم يكن ذلك بآلات موسيقية محرمة.
أما إذا كان هذا الرقص كرقص النساء قديماً بثياب فضفاضة ساترة تذهب إلى الأمام وتعود إلى الخلف فَرِحةً بمناسبتها دون ما يخدش الحياء، وخالٍ من آلات المعازف المحرمة؛ فلا بأس به إن شاء الله.(3/322)
حكم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
ما الدليل على تحريم السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم؟ مع أنَّ حديث (لا تشد الرحال .. ) عام يشمل السفر لطلب العلم والتجارة وغير ذلك، وهل قال أحدٌ من العلماء بتحريمه قبل ابن تيمية؟ وهل قلَّده أحدٌ من المتأخرين غير علماء نجد؟
الجواب:
الحمد لله
أولاً لابد من التفريق بين زيارة القبور والسفر إليها، وكذا زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم والسفر إليه وهو ما يُعبر عنه بشد الرحال، فزيارة القبور قربة إلى الله عزَّ وجل ومأمور بها لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (زوروا القبور فإنها تذكركم الآخرة) أخرجه مسلم في صحيحه، وقبره صلى الله عليه وسلم وإن لم يثبت في فضل زيارته على وجه الخصوص حديثٌ صحيح ولا حسن بل كل ما ورد فيه ضعيفٌ جداً، أو موضوعٌ لا أصل له، إلا أنه يدخل دخولاً أولياً في الأحاديث العامة التي وردت في فضل زيارة القبور.
إذا علمت ذلك فاعلم أن كثيراً من العلماء المتأخرين أجاز واستحب السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بل بعضهم أوجبه، لكن المتقدمين منهم وعلى رأسهم الصحابة والتابعون لم يُنقل عن أحدٍ منهم أنه فعله أو أباحه، وأصل الخلاف بين العلماء المتأخرين هو فهمهم لحديث: ((لا تُشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم ((لا تشدوا))، فالمجيزون قالوا: معنى الحديث لا تُشد الرحال إلى مسجد إلا هذه الثلاثة، وعليه يجوز الذهاب إلى أي بقعة كقبر ولي أو نبي قربة إلى الله تعالى وشبَّهوا ذلك بالسفر من أجل طلب العلم أو أي أمرٍ من أمور الدنيا أوالآخرة، والمانعون قالوا: معنى الحديث لا تُشد الرحال إلى أي بقعة تقرباً إلى الله عز وجل إلا هذه المساجد الثلاثة، وحجتهم أنه إذا كانت المساجد وهي أفضل بقاع الأرض وهي بيوت الله وأحبها إلى الله لا يجوز السفر إليها فغيرها من الأماكن من باب أولى، أما بقية أنواع السفر سواء لطلب علم أو غير ذلك فهو ليس سفراً لذات المكان بل لتحصيل غرضٍ ما. ولا شك أن من تأمل القولين بعدلٍ وإنصاف ظهر له قوة حجة المانعين وصواب فهمهم للحديث، وإلا فعلى فهم المجيزين يكون السفر إلى مسجد قباء لا يجوز لأنه ليس من المساجد الثلاثة ولكن لو قدَّرنا أن هناك قبراً لأحد الصالحين بجوار مسجد قباء فإنه يجوز السفر إليه وهذا فهم لا يستقيم، ومما يؤيد ذلك فهم ابن عمر رضي الله عنهما فعن قزعة قال: سألت ابن عمر رضي الله عنه آتي الطور؟ فقال: (دع الطور ولا تأتها وقال: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد) رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وبعضهم قصر الجواز على قبره الشريف صلى الله عليه وآله وسلم وليس معهم دليل.
أما سؤالك هل حرَّم ذلك أحد من العلماء قبل ابن تيمية؟
فالجواب: نعم، فشيخ الإسلام ابن تيمية توفي سنة 728هـ، وقد حرَّم السفر لزيارة القبور:
من المالكية: الإمام مالك (ت:179هـ) والقاضي عياض (ت:544هـ)
ومن الشافعية: أبو محمد الجويني (438هـ)، وابن الأثير صاحب جامع الأصول (ت:606هـ)
ومن الحنابلة: ابن بطة العكبري (ت:387هـ) وابن عقيل (ت:513هـ) وغيرهم.
قال ابن تيمية في (مجموع الفتاوى) (1/ 304): (وسئل مالك عن رجل نذر أن يأتي قبر النبي، فقال مالك: إن كان أراد القبر فلا يأته وان أراد المسجد فليأته ثم ذكر الحديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ذكره القاضي إسماعيل في مبسوطه) اهـ
وقال المناوي في شرحه للجامع الصغير (6/ 140): ( ... ما نقل عن مالك من منع شد الرحل لمجرد زيارة القبر من غير إرادة إتيان المسجد للصلاة فيه)
وقال ابن بطة في (الإبانة الصغرى) (ص 92): (ومن البدع البناء على القبور وتجصيصها وشد الرحل إلى زيارتها) اهـ
وقال النووي في شرحه لصحيح مسلم (9/ 106): (واختلف العلماء في شد الرحال وإعمال المطي إلى غير المساجد الثلاثة كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة ونحو ذلك فقال الشيخ أبو محمد الجويني من أصحابنا هو حرام وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره) اهـ
وقال الحافظ ابن حجر في (الفتح) (3/ 65) عند شرحه لحديث: ((لا تشد الرحال)): (قال الشيخ أبو محمد الجويني يحرم شد الرحال إلى غيرها عملاً بظاهر هذا الحديث وأشار القاضي حسين إلى اختياره وبه قال عياض وطائفة) اهـ
وقال ابن قدامة في (المغني) (2/ 100): (فإن سافر لزيارة القبور والمشاهد، فقال ابن عقيل: لا يباح له الترخص لأنه منهي عن السفر إليها قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) متفق عليه) اهـ
وقال ابن الأثير في (جامع الأصول) (9/ 283) في شرح حديث ((لا تشد الرحال)): (هذا مثل قوله (لا تعمل المطي) وكنى به عن السير والنفر، والمراد: لا يقصد موضع من المواضع بنية العبادة والتقرب إلى الله تعالى إلا إلى هذه الأماكن الثلاثة تعظيماً لشأنها وتشريفاً) أ. هـ
وقال علامة حضرموت ومفتيها السيد عبدالرحمن بن عبيدالله السقاف (ت:1300هـ) كما في كتابه (إدام القوت) (ص584): (نص إمام الحرمين - ومثله القاضي حسين - على تحريم السفر لزيارة القبور، واختاره القاضي عياض بن موسى بن عياش في (إكماله) وهو من أفضل متأخري المالكية. وقام وقعد في ذلك الشيخ الإمام ابن تيمية، وخَطَّأهُ قومٌ وصَوَّبَهُ آخرون، ومهما يكن من الأمر فَلْيَسَعَهُ ما وسع الجويني والقاضيين حسين وعياضاً، ولكنهم أفردوه باللوم! والقولُ واحدٌ. وقال مالك بن أنس: من نَذر المشي إلى مسجد من المساجد ليصلي فيه كرهتُ ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد). وقال ابن سريج - من كبار أصحاب الشافعي - إن الزيارة قربة تلزم بالنذر. والخطب يسير لم يُوَسِّعْهُ إلا الحسد والتعصب، وإلا فالتثريب في موضع الاختلاف ممنوع))
أما النووي وابن حجر وابن قدامة وغيرهم فقد قالوا بالجواز وقد تقدم أن كثيراً من المتأخرين قالوا بذلك لكن المقصود هنا هو الإجابة على سؤالك: هل قال بالتحريم أحدٌ قبل ابن تيمية؟ وقد علمتَ الجواب.
أمَّا سؤالك: هل قلَّده أحدٌ من غير علماء نجد؟
فأظن بعد ما علمتَ أنه ليس أول من قال بتحريم السفر لزيارة القبور ظهر لك أن المسألة ليس فيها تقليدٌ لابن تيمية بل فيها اتباعٌ لدليلٍ بفهم عدد من العلماء قبل ابن تيمية، ولكن لشهرته ومكانته وكذلك لتشنيع خصومه عليه وادعائهم أنه أول من قال بذلك اشتُهرت هذه المسألة عنه.
ومع ذلك فالجواب: نعم
هناك من قال بقوله من غير علماء نجد وهم كُثُر، منهم:
علامة اليمن محمد بن إسماعيل الصنعاني (ت:1182هـ) قال في (سبل السلام) (3/ 394): (والحديث دليلٌ على فضيلة المساجد هذه ودلَّ بمفهوم الحصر أنه يحرم شد الرحال لقصد غير الثلاثة كزيارة الصالحين أحياءً وأمواتاً لقصد التقرب ولقصد المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها والصلاة فيها) اهـ
وعلامة الهند السيد صديق حسن خان الحسيني (ت:1307هـ) قال في شرحه لصحيح مسلم (5/ 113): (وأما السفر لغير زيارة القبور كما تقدم نظائره، فقد ثبت بأدلة صحيحة ووقع في عصره صلى الله عليه وآله وسلم وقرره النبي عليه السلام فلا سبيل إلى المنع منه والنهي عنه، بخلاف السفر إلى زيارة القبور فإنه لم يقع في زمنه، ولم يقر أحداً من أصحابه، ولم يشر في حديث واحد إلى فعله واختياره، ولم يشرِّعه لأحدٍ من أمته لا قولاً ولا فعلاً، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزور أهل البقيع وغيرهم من غير سفر ورحلة إلى قبورهم، فسنته التي لا غبار عليها ولا شنار فيها: هي زيارة القبور من دون اختيار سفر لها، لتذكر الآخرة) أ. هـ
وعلامة العراق السيد نعمان بن محمود الآلوسي مفتي الحنفية ببغداد (ت:1317هـ) قال في (جلاء العينين) (ص518) بعد أن انتصر لرأي ابن تيمية: (ونهاية الكلام في هذا المقام: أن شيخ الإسلام لم ينفرد بهذا القول الذى شُنِّع به عليه، بل ذهب إليه غيره من الأئمة الأعلام)
فهؤلاء ليس فيهم نجديٌّ واحد.
إذا علمت ذلك، فاعلم أنني أعرضت عن أدلة يستشهد بها الطرفان لكن لا تُسلَّم لهما، وأُسُّ الخلاف هو ما ذكرته لك.
فمن أدلة المجيزين أحاديث فضل زيارة قبر نبينا صلى الله عليه وآله وسلم وكلها ضعيفة لا يصح منها شيء ولو صحت فهي خارج محل النزاع، ومنها ما يروونه من (أن بلالاً رضي الله عنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو في الشام في منامه وهو يقول له: ما هذه الجفوة يا بلال؟! أما آن لك أن تزورني يا بلال؟!، فانتبه حزيناً خائفا فركب راحلته وقصد المدينة) قال الحافظ ابن حجر: (هذه قصة بينة الوضع)، وغيرها.
ومن أدلة المانعين التي أعرضت عنها أثر أبي بصرة الغفاري وإنكاره على أبي هريرة رضي الله عنهما ذهابه إلى الطور وقد تتبعت روايات هذا الأثر فوجدته ليس في محل النزاع، فذهاب أبي هريرة رضي الله عنه إنما كان لمسجد هناك ثم إنه وافق أبا بصرة بعد ذلك.
والله أعلم.(3/323)
حكم الاستشهاد بهذين البيتين
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
ما رأيكم في هذين البيتين؟ وهل يجوز الاستشهاد بهما وتردادهما في المناسبات وغيرها؟
أدمِ الصلاة على النبي محمد ... فقبولها حتما بغير تردد
أعمالنا بين القبول وردها ... إلا الصلاة على النبي محمد
الجواب:
الحمد لله
أما صدر البيت الأول: (أدم الصلاة على النبي محمد)، فهو حق إن شاء الله ففيه الحث على مداومة الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة.
وكذا صدر البيت الثاني: (أعمالنا بين القبول وردها) حقٌ كذلك، فكل عمل يعمله المرء فهو بين القبول وعدمه فما كان خالصاً لله وموافقاً للسنة فهو مقبول عند الله وما كان غير ذلك فهو مردود.
وأما عجز البيت الأول والثاني فهو من أباطيل الصوفية المغالين في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد جعلوها أعظم من التهليل والتسبيح بل أعظم من الصلاة نفسها بسجودها وركوعها، لأنهم يقولون كل هذه الأعمال بين القبول والرد إلا الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا خطأ بل كل العبادات بين القبول والرد، والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبادة وقربة يتقرب بها العبد إلى الله عزَّ وجلَّ تفتقر إلى النية والمتابعة كغيرها من العبادات، أما هذا الغلو في النبي والصلاة عليه وجعلها مقبولة حتى لو كانت رياءً أو مُبْتَدعةً فهو مرفوض في ميزان الشريعة، والصوفية يزعمون ذلك حتى يبرروا ما يفعلونه في احتفالات المولد وغيره فبعضهم إذا أنكر عليهم مُنكر ردَّ عليه قائلاً: هب أن ما نفعله بدعة لكن بما أننا نصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فهو مقبول عند الله، ويستشهد بهذين البيتين:
أدم الصلاة على النبي محمد ... فقبولها حتما بغير تردد
فأعمالنا بين القبول وردها ... إلا الصلاة على النبي محمد
وكأنهما آية أو حديث يُحتج به، ويقول بعض علمائهم: (إن الصلاة على النبي لا يدخلها الرياء ولا بأس أن يسِرّ المرء بها أو أن يعلنها. فهي تأدية حق له واجب علينا وليس تكرما منا عليه) وهذا خطأ أيضاً والصواب ما علمت.
والله أعلم(3/324)
حكم شراء وإهداء ما يسمى البطاقة العائلية للنبي صلى الله عليه وسلم
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
انتشر في بعض البلدان والأسواق كتيب على أنه البطاقة العائلية للنبي صلى الله عليه وسلم وفيه معلومات مفيدة عن حياته، فهل اطلعتم عليه؟ وما حكم شرائه وإهدائه؟
الجواب:
الحمد لله:
لا شك أن مقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في نفوس المؤمنين مقامٌ عظيمٌ جليل، وكلُّ مؤمن يفديه بنفسه وماله ويجب أن يكون العالم كله محباً ومجلاً ومعظماً له صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وتختلف أساليب الناس في التعبير عن هذا الحب، فمنهم من يؤلف كتاباً مطولاً في سيرته ومنهم من يختصر، ولكن الذي فاجأ العالم الإسلامي هو تدني أسلوب البعض في التعريف به صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلى درجة السخف والسماجة حيث انتشر بين الناس هذا الكتيب الصغير والذي يشبه جواز السفر وكأنه بطاقة عائلية خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، وجُعل لون الجواز وشكله يشبه جوازات السفر المستخدمة حالياً، وجُعل لهذا الجواز رقماً عالمياً، وعليه ختم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم المعروف "محمد رسول الله"، والكتيب مكون من 32 صفحة تتضمن معلومات شخصية عنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وعن أفراد أسرته، بل وفيه أيضاً فصيلة الدم وهي: (ن ور) من الله، ودُوِّن فيه تاريخ التسجيل "قيود ونفوس" الرسول صلى الله عليه وسلم وتاريخ ولادته في الثاني عشر من ربيعٍ الأول، وفي هذه الوثيقة أيضا التوثيق التالي:
إصدار: أمين سجل يثرب
مسؤول الإحصاء: حذيفة بن اليمان
هذا ملخص ما في الكتيب والذي سموه بجواز سفر الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم وزعموا أنه طريقة عصرية للتعريف به.
والناظر إلى هذا الكتيب يجد فيه كثيراً من المغالطات والتي منها:
1 - تسمية المدينة بيثرب والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سماها المدينة كما في صحيح مسلم مرفوعاً: (يقولون يثرب، وهي المدينة).
2 - زعمهم أن حذيفة رضي الله عنه كان مسؤول الإحصاء في عهد النبي وهذا غير صحيح بل كان صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
3 - زعمهم أن زمرة (أي: فصيلة) دم النبي صلى الله عليه وآله وسلم هي: (ن ور) من الله، وهذا من عقائد غلاة الصوفية الذين يعتقدون أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم خلق من نور الله وهذا باطل.
4 - إثباتهم لتاريخ ولادة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأنها في الثاني عشر من ربيع الأول، مع العلم أن فيها خلافاً مشهوراً والصواب عدم معرفتها بالتحديد.
هذا وقد أعجبني قول الشيخ يوسف القرضاوي عن هذا الكتيب: (إنه من عجائب ما ولدته الليالي، مما لا يفهم له غرض، ولا يفقه له معنى، ولا يعرف له فائدة، إلا أنه من (تقاليع) الفارغين، الذين فرغت عقولهم من العلم، وقلوبهم من الآلام والآمال، فشُغلوا بهذه التوافه، التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا قام عليها من العقل أو النقل برهان. وأقلَّ ما يُقال في هذا: إنه من البدع المرفوضة في الدين، أو من التقاليع المذمومة في الدنيا. ومن المقرَّر أن "كلَّ بدعة ضلالة"، وكلَّ ضلالة في النار. ثم إنه لم يحسن أن يعرِّف به أدنى تعريف، وقد وضع مبتدع الجواز المزعوم للنبي صلى الله عليه وسلم مقابل صفحة الجواز: صفحة أخرى، يبدو أن المقصود منها: الدعوة إلى رسالة محمد، وتعاليم محمد صلى الله عليه وسلم، وكنا نتخيَّل أن تشتمل هذه الصفحة على أساسيات الرسالة، والمبادئ العامة لعقيدة الإسلام وشريعته وأخلاقه وقِيَمه، والمقاصد الكلية لهذا الدين. ولكن خاب أملنا، حيث لم نجد فيها دعوة إلى التوحيد، ولا إلى الإيمان بالآخرة، ولا الإيمان بكتب الله ورسله، ولا إلى العبادات والشعائرية الكبرى: من الصلاة والزكاة والصيام والحج، ولا إلى مكارم الأخلاق التي بُعث محمد صلى الله عليه وسلم ليتمِّمها) أ. هـ
ولا شك أن مثل هذا الفعل ليس فيه توقيرٌ للنبي صلى الله عليه وسلم والله سبحانه وتعالى يقول: {لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 9] قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في (الصارم المسلول على شاتم الرسول): التعزير اسم جامع لنصره وتأييده ومنعه منكل ما يؤذيه، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار. اهـ
وقد أمر الله تعالى المسلمين أن لا يخاطبوا نبيهم كما يخاطبون بعضهم بعضاً فقال: {لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور:63] قال ابن كثير: فهذا كله من باب الأدب في مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم والكلام معه. أ. هـ وهؤلاء جعلوه كغيره من البشر.
فليس من الأدب ولا التوقير صناعة مثل هذه الأشياء ونسبتها إلى نبي الأمة وعظيمها صلى الله عليه وعلى آله وسلم، والمسلم عليه أن يتعالى عن مثل هذه السفاهات، فأيُّ فائدة في صناعة مثل هذا، مع وجود البدائل الكثيرة والكثيرة جداً مما يتفق العلماء والعقلاء على جوازه وحسنه: كطباعة ونشر الكتب، والكتيبات، والمطويات، وإلقاء الدروس، والمحاضرات، وتوزيع الأشرطة، وغير ذلك مما فيه الحديث عن سيرته وشمائله صلى الله عليه وسلم، ثم إن جواز السفر المعروف اليوم لا يحصل عليه الفرد إلا بعد انتسابه وتجنسه بجنسية بلد معين فليت شعري إلى أي بلد ينتسب خليل الله وبأي جنسية يريد هؤلاء العابثون أن يجنسوه بها حاشاه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.
وعليه فلا يجوز شراء مثل هذا الكتيب ولا بيعه ولا نشره ولا توزيعه، والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
المشرف(3/325)
هل ينتهي القنوت بانتهاء النازلة؟
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
أشكل على بعض الأئمة الاستمرار في القنوت بعد توقف القصف على إخواننا في غزة هل يستمرون فيه أم يتوقفون لتوقف النازلة؟ فما هو القول الراجح في هذه المسألة؟
الجواب:
الأصل في القنوت والذي عليه جمهور العلماء أن القنوات ينتهي بانتهاء النازلة.
لكن الأمر فيه سعة فقد ثبت في صحيح البخاري من حديث أنس رضي الله عنه: ((قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً، حين قتل القراء، فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم حزن حزنا قط أشد منه))
وظاهر الحديث بيِّن حيث استمر صلى الله عليه وسلم يقنت على من قتل القراء شهراً مع أن النازلة انتهت بقتلهم وكان ذلك في ليلة واحدة، لذلك قال ابن القيم رحمه الله في (زاد المعاد): (وقنت رسول الله شهراً يدعو على الذين قتلوا القراء أصحاب بئر معونة بعد الركوع ثم تركه لما جاءوا تائبين مسلمين)
وعلى أية حال فالقنوت سنة مستحبة فمن فعله فله أجر ومن تركه فلا شئ عليه.
والله أعلم
المشرف(3/326)
حكم الجهاد في فلسطين
الشيخ عبدالعزيز بن عبدالله بن باز
السؤال:
ما تقول الشريعة الإسلامية في جهاد الفلسطينيين الحالي، هل هو جهاد في سبيل الله، أم جهاد في سبيل الأرض والحرية؟ وهل يعتبر الجهاد من أجل تخليص الأرض جهادا في سبيل الله؟
الجواب:
لقد ثبت لدينا بشهادة العدول الثقات أن الانتفاضة الفلسطينية والقائمين بها من خواص المسلمين هناك وأن جهادهم إسلامي؛ لأنهم مظلومون من اليهود؛ ولأن الواجب عليهم الدفاع عن دينهم وأنفسهم وأهليهم وأولادهم وإخراج عدوهم من أرضهم بكل ما استطاعوا من قوة.
وقد أخبرنا الثقات الذين خالطوهم في جهادهم وشاركوهم في ذلك عن حماسهم الإسلامي وحرصهم على تطبيق الشريعة الإسلامية فيما بينهم، فالواجب على الدول الإسلامية وعلى بقية المسلمين تأييدهم ودعمهم ليتخلصوا من عدوهم وليرجعوا إلى بلادهم عملا بقول الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [1].
وقوله سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [2] الآيات وقوله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [3]، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) ولأنهم مظلومون، فالواجب على إخوانهم المسلمين نصرهم على من ظلمهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه) متفق على صحته، وقوله صلى الله عليه وسلم: (انصر أخاك ظالما أو مظلوما) قالوا: يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما قال: (تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه).
والأحاديث في وجوب الجهاد في سبيل الله ونصر المظلوم وردع الظالم كثيرة جدا.
فنسأل الله أن ينصر إخواننا المجاهدين في سبيل الله في فلسطين وفي غيرها على عدوهم، وأن يجمع كلمتهم على الحق، وأن يوفق المسلمين جميعا لمساعدتهم والوقوف في صفهم ضد عدوهم، وأن يخذل أعداء الإسلام أينما كانوا وينزل بهم بأسه الذي لا يرد عن القوم المجرمين إنه سميع قريب.
المصدر: فتاوى الشيخ عبدالعزيز ابن باز
[1] سورة التوبة الآية123.
[2] سورة التوبة الآية 41.
[3] سورة الصف الآيات 10 - 13.(3/327)
حكم تقصير المرأة شعرها
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
هل يجوز لي أن أقصر شعري؟ وما حدود التقصير؟
الجواب:
نعم يجوز لك أن تقصري شعرك كما تشائين وليس في ذلك حدود معينة، بشرط أن يكون ذلك بموافقة الزوج وألا يكون فيه شهرة أو تشبهٌ بالكافرات أو الفاسقات أو الرجال، كما ينبغي على المرأة ألا تتشبه في قصات شعرها بالحيوانات.
ومن صور التشبه بالكافرات أن تعمد إلى أن تقص قصة (ديانا) مثلاً
ومن صور التشبه بالفاسقات أن تعمد إلى أن تقص شعرها كقصة المطربة أو الممثلة فلانة.
ومن صور التشبه بالرجال أن تقصر شعرها جداً كشعر الرجال.
ومن صور التشبه بالحيوانات أن تقص شعرها كقصة الأسد وقصة ذيل الحصان وما شابه ذلك.
والله أعلم
المشرف(3/328)
حكم لبس شماغ البنات
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
قرأت في أحد مواقع الإنترنت حواراً بعنوان: (ظاهرة اختلف حولها الفقهاء بين الإجازة والمنع) وكان الكلام عن شماغ البنات وحكم لبسه وذكروا أن الفقهاء اختلفوا في حكمه، ولا أدري هل يجوز لي لبسه أم لا لأني لم أخرج بنتيجة واضحة؟
الجواب:
الحمد لله
أولاً قبل الحديث عن حكم هذا النوع من اللباس أحب أن أعلق على عبارة (اختلف حولها الفقهاء) الواردة في السؤال نقلاً عن أحد مواقع الإنترنت؛ وهو أنه ليس كل من أُطلق عليه فقيه أو عالم يكون كذلك خاصة في زمننا هذا فما أكثر من خرج علينا في السنوات الأخيرة في الفضائيات ومواقع الإنترنت ويصدر بالفقيه والعالم والعلامة وهو ليس كذلك، أما هذا الشماغ فأنا لم أطلع عليه لكن إن كان على هيئة أشمغة الرجال المعروفة الآن أياً كان لونها فلا يجوز للمرأة أن تلبسه لأنه تشبه بالرجال فيما يخصهم من اللباس ولا يشك عاقل أن الشماغ مما اختص بلبسه الرجال في مجتمعنا هنا، والرسول صلى الله عليه وسلم لعن المتشبهات من النساء بالرجال، وسواء لبسته المرأة بطريقة لبس الرجل أم لا فهذا لا يضر إذ مجرد لبس ما يخص الرجال يعد تشبها بهم أما استخدامه في غير اللبس فهذا يخرجه من التشبه، كما أن لبس النساء للشماغ يمكن أن يعتبر لباس شهرة فتُمنع المرأة منه.
نعم قد يكون في بلدان أخرى تستخدمه بعض نساء البادية أو الفلاحات لربط أوساطهن عند الفلاحة أو غيرها فإذا اعتدن النساء هنالك على ذلك سواء بشماغ أو غيره ولا يقصدن الشماغ بذاته وانتشر هذا بينهن بحكم وفرة وجوده وربما لبسنه كبيرات السن قبل المراهقات فهذا واضح أنه لا تشبه فيه إن شاء الله، أما حالنا هنا فتهافت بنات المدارس والكليات على شرائه والتباهي به لا شك أنه من باب التشبه كما سبق ذكره.
والله أعلم
المشرف(3/329)
حكم تشقير الحواجب
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
ما حكم صبغ المرأة أعلى الحاجب وأسفله وهو ما يسمى بالتشقير علماً أن لونه يكون مطابقاً للون البشرة بحيث يظهر كأنه نمص؟
الجواب:
الأصل في صبغ الشعر الإباحة ما لم يأت النهي بذلك كصبغ الشيب بالسواد، لكن بشرط ألا يكون في هذا الصبغ شهرة أو تشبه بالكافرات أو الفاسقات، والتشقير كما في السؤال هو صبغ وليس نمصاً لكن لما كان النمص محرماً ومن عمل الفاسقات والتشقير فيه نوع تشبه بهن فالذي أراه هو أن تبتعد الفتاة المسلمة عنه، خاصة إن كانت ممن يُقتدى بها لأن الناظر إليه قد يظنه نمصاً.
لكني لا أجزم بتحريمه.
والله أعلم
المشرف(3/330)
هل الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة؟
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
السؤال:
هل الأشاعرة والماتريدية يعدون من أهل السنة والجماعة؟ فقد قرأت في أحد المواقع المشهورة أنهم من أهل السنة الجماعة. وسمعت أحد المشايخ يعترض على هذه التسمية ويضعف حديث كلها في النار إلا واحدة فما هو الحق فيها؟
الجواب:
الحمد لله
مصطلح أهل السنة والجماعة مصطلح حادث ويعنون به ما وافق السنة وجماعة السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة ومن تبعهم من التابعين، وإن الأشاعرة والماتريدية كغيرهم من فرق أهل السنة التي خالفت منهج السلف في عدد من مسائل الاعتقاد كمسائل الإيمان والأسماء والصفات وغيرها وعليه فلا يعدون من أهل السنة والجماعة وإن كانوا أقرب الفرق إلى أهل السنة والجماعة.
أما مصطلح أهل السنة والجماعة فهو مصطلح صحيح وما اعترض به أحد الفضلاء من أنه مرتبط بزمن معين وأنه غير وارد اليوم ولم يعد له وجود فهذا غير صحيح وتكلف لم يقل به أحد قبله فيما أعلم، والصحيح ما ذكرنا من أن مصطلح أهل السنة والجماعة يقصد به من كان على منهج السلف الصالح وأياً كان الأمر فلا مشاحة في الاصطلاح، فالأشاعرة والماتريدية ليسو على منهج السلف الصالح في كثير من مسائل الاعتقاد سواء سميناهم من أهل السنة والجماعة أم لا.
أما حديث الافتراق فهو حديث صحيح، وزيادة: (كلها في النار إلا واحدة) صححها غير واحد من أهل العلم منهم ابن تيمية في مجموع الفتاوى (3/ 347) وغيره. وتكلم عليها آخرون.
والله أعلم
المشرف(3/331)
حكمُ السَّعْيِ في المسْعى الجديد
علوي بن عبدالقادر السَّقَّاف
12/ 9/1429هـ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على رسوله الأمين أما بعد
فقد كنتُ كتبتُ قبلَ خمسةِ أشهرٍ بتاريخ 16/ 4/1429هـ مقالاً بعنوان (وقفاتٌ مع موضوعِ المسعى الجديد) تساءلتُ فيه عن موقفِ المسلم من هذه التغييرات الجديدة التي طرأت على المسعى، وعن تأثيرها على بعض أحكامِ الحجِّ والعمرةِ، ولم يكن من المناسبِ آنذاك الحديثُ عن إجابة محدَّدةٍ عن هذه التساؤلات، فلذا اكتفيتُ بإيرادِ أقوى الاحتمالاتِ التي يمكنُ أن يؤولَ الأمرُ إليها، فذكرتُ منها آنذاك: (الأول: أن يكون المسعى الجديد في اتجاهٍ واحدٍ من الصفا إلى المروة، والقديم في اتجاهٍ واحدٍ أيضاً من المروة إلى الصفا، وهذا هو ما صُمِّمَ له حسب اطلاعي على المخططات ... الثاني: أن يكون كلٌّ من المسعيين القديمِ والجديدِ باتجاهين، فيكون السَّعيُ في مبنى المسعى الجديد من بابِ الاختيار لا الإجبار).
ولما لم يُحسم الأمرُ في ذلك الحين، وأملاً في تغيرِ الأحوال، أمسكتُ عن ذكرِ رأيٍ أو بيانِ حكمٍ فيما يتعلق بالسَّعي، أمَّا الآن وقد أسفرتِ الأمورُ عما كان الكثيرُ منا يخشاه- ولا حول ولا قوة إلا بالله - فلا بُدَّ من الحديث عن هذه القضية؛ أعني كيفية أداءِ العمرةِ في ظلِّ هذا التغيير، وهو الذي تمَّ بِمُوجبه دمجُ المسعيين الجديد والقديم (بعد إعادة بنائه)، حتى أصبح المسعى الجديدُ كلُّه باتجاه (الصفا - المروة)، والقديمُ كلُّه (بعد إعادة بنائه) بالاتجاه الآخر (المروة - الصفا). خاصَّةً وقد ظهرتْ خِلالَ هذه المدةِ فتاوى وبياناتٌ من عددٍ من كبارِ العلماءِ: كالشيخ صالح اللحيدان والشيخ عبدالرحمن البراك والشيخ صالح الفوزان والشيخ عبدالمحسن العباد وغيرهم- وبحوثٌ علميةٌ مؤصَّلةٌ، منها:
1 - (حسنُ المسعى في الردِّ على القولِ المحدثِ في عرضِ المسعى) للشريف محمد الصَّمداني
2 - (كلمةُ حقٍّ في توسعة المسْعى) للدكتور صالح سندي
3 - (السَّعْيُ في المسْعى الجديد) للصادق بن عبدالرحمن الغرياني
وهذه الفتاوى والبيانات والبحوث أجْلَتِ الأمرَ، وأظهرت بالأدلةِ الشرعيَّةِ والتاريخيَّةِ واللغويَّةِ أنَّ موضع المسعى الجديد خارج حدودِ الصفا والمروة عرضاً، وردَّت على جميع الشُّبهات التي استند إليها المجوِّزون، وعليه فلا عذرَ لأحدٍ أن يسعى في المسعى الجديد (المُحْدَث) إلا أن يكون عاميٍّا قلَّد غيره فهو على ذمةِ من قلَّده.
وأُحِبُّ قبل ذلك أن أذكِّر إخواني المسلمين لاسيما من فريق المانعين، أنَّ ما يجري الآن لا يعدو أن يكون نازلةً، والنوازلُ لا تدوم، فكمْ من نازلةٍ نزلت بالمسلمين ثم رفعها الله عنهم، فظفرَ الصابرون، وكُتب أجرُهم عند الله، وخلَّد ذكرَهم التاريخُ، فنسألُ اللهَ عزَّ وجلَّ أنْ يعجِّلَ بالفرجِ ويكشفَ الكَرْبَ، وفي الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه (1252) بسنده عن حنظلة الأسلمي قال سمعت أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُهِلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أَوْ لَيَثْنِيَنَّهُمَا) (أي: يقرن بينهما)؛ما يَدِلُّ على أنَّ نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام سينزلُ من السماءِ ويطوفُ ويسعى، ونحنُ على يقينٍ أنه سيسعى في مسعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولن يسعى في مسعًى مُحْدَثٍ خارجَ حدودِ الصفا.
ثم ليُعلم أنَّ كثرةَ القائلينَ بالجواز، وتراجع بعض من كان يقول بالمنع، لا ينبغي أن يؤثِّرَ على الحكمِ الشرعي؛ إذ إنَّ مناطَ صحةِ الأحكامِ موافقتُها للأدلةِ من الكتابِ والسُّنةِ وإجماعِ الأمَّةِ، وحيث إنَّه قد ثبتَ تتابع عملِ المسلمين، تبعاً لمنصوصِ علمائهم، قرناً بعد قرن، على أنَّ ما عُرفَ بالمسعى القديم (النبوي)، هو المساحةُ المستغرقةُ لشعيرةِ الصفا والمروة، فلا يسوغ إحداثُ تغييرٍ يأتي على ما استقرَّ في هذه الشعيرةِ بالنقض، إلا بيقينٍ، لاسيما أنه تأيَّد بعددٍ من القواعدِ الشرعيَّةِ؛ فالأصلُ استصحابُ الحالِ، والخروجُ من الخلاف، وطرحُ الشكِّ، ولاسيما في هذه الشعيرةِ التي يتعلَّقُ بها ركنٌ من أركانِ الإسلام، يؤدِّيهِ ملايينُ البشر، وربما جرى عليه عملُ الأجيالِ القادمة.
ولهذا فإنَّ القولَ الصَّوابَ المؤيَّدَ بالدليل وأقوالِ العلماء لمن عزمَ على أداء العمرة أن يشترطَ على ربه عند عقدِ الإحرامِ قائلاً: إن حَبَسَنِي حابسٌ فَمَحِلِّي حيث حَبَسْتَنِي، ثم يتجِهُ إلى مكَّةَ ويَشْرَعُ في أداءِ العمرةِ؛ فإن استطاعَ أنْ يُتِمَّ كاملَ سعيهِ في المسعى القديم دونَ أن يُحْدِثَ ضرراً لنفسهِ، أو لغيره، ولم يمنعه أحدٌ من ذلك -وقد تيسَّر هذا لعددٍ من العمَّار- فليتِمَّ عمرتَه والحمد لله، فإنْ لم يستطعِ السعيَ، ولم يستطعِ البقاءَ لوقتٍ يتمكنُ فيه من إتمامِ نُسُكِهِ فهو مُحْصَرٌ حِيلَ بينه وبين إتمامِ النُّسُك، فيتحلَّل من عمرتهِ مجَّاناً لاشتراطهِ، ولا شيء عليه، كما دلَّ عليه حديثُ ضُبَاعَةَبنتِ الزُّبير رضي الله عنها، فإن لم يشترط فعليه دمٌ للإحصار يذبحه قبل أن يتحلَّل، ويوزعه على فقراء الحرم، ثم يحلق أو يقصِّر، هذا كلُّه على القولِ المعروفِ المشهورِ -وهو قولُ الجمهورِ-، وهو أنَّ السَّعيَ ركنٌ، ومن العلماءِ من يرى أنَّ السَّعيَ واجبٌ يسقطُ بالعجزِ، أو يُجبَرُ تركُهُ بدمٍ، لقولِ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما المشهورِ، ومن سعى في المسعى الجديد (المُحْدَث) من العامَّةِ، إنْ كان قد أُفْتِيَ بذلك فهو على ذمَّةِ من أفتاه، وإلا فوجود المسعى وسعي جمهورِ الناسِ فيه أبلغُ من الفتوى بالقول، فيعذرُ على كلِّ حال.
هذا واللهَ أسألُ أنْ يوفِّق القائمينَ على شؤونِ المسجدِ الحرامِ للحقِّ والصوابِ، وأنْ يشرحَ صدورَهم لما قرَّرتْهُ هيئةُ كبارِ العلماءِ في هذه البلاد، وأن يرفعوا الحرجَ عن كثيرٍ من المسلمين الذين ترجَّحَ لديهم عدمُ جوازِ السَّعيِ في المسعى الجديد.
وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم
قرأه كاملاً قبل نشره الشيخ عبدالمحسن بن عبدالعزيز العسكر
على فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن ناصر البراك وقد استحسنه الشيخ
وأضاف إضافاتٍ قيمة أفدتُ منها، فجزاه الله خيراً.(3/332)
من هم أهل الحديث؟
السؤال:
من هم أهل الحديث؟ وهل هناك فرق بينهم وبين الطائفة المنصورة والفرقة الناجية؟
الجواب:
أهل الشيء أخص الناس به، ولقد جاء في اللغة: أهل الرجل أخص الناس به.
- فأهل الحديث: هم أخص الناس به وأكثرهم تمسكاً به، واتباعاً له قولاً وعملاً في الأخلاق والسلوك والعبادة والمعاملة، وفي الاعتقاد ظاهراً وباطناً، ويدخل فيهم دخولاً أولياً من كان مشتغلاً به سماعاً وجمعاً وكتابةً وتعليماً، رواية ودراية، تصحيحاً وتضعيفاً.
- وأهل الحديث هم أهل السنة والجماعة فالحديث هو السنة والجماعة هي الحق ولو كنت وحدك، ومن كان متبعاً للحديث فهو على الحق.
- وأهل الحديث هم الفرقة الناجية فمن لم ينج باتباع الحديث فبما ينجو؟! (أحقّ الناس بأن تكون هي الفرقة الناجية أهل الحديث والسنة الذين ليس لهم متبوع يتعصبون له إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم) (مجموع الفتاوى 3/ 347).
- وأهل الحديث هم الطائفة المنصورة بالحق فمن لم ينتصر بالحديث فبم ينتصر؟! قال الإمام أحمد: عن الطائفة المنصورة: (إن لم يكن هم أصحاب الحديث فما أدري من هم!) (فتح الباري 1/ 85).
- وهم الظاهرون على الحق إلى قيام الساعة، فبالحديث ظهروا وبه انتصروا وبسببه نجوا، وهذه كلها ألفاظ ومصطلحات بينها عموم وخصوص أو إطلاق وتقييد، فإذا أطلق أحدها دخل فيه الآخر وأصبح اللفظ دالاً بمفرده على جميع طوائف الفرقة الناجية، وإذا اجتمع لفظ أهل الحديث مع لفظ آخر دلَّ على أن المقصود المشتغلين بالحديث، وهذا ما يفسر إطلاق كثير من السلف لفظ أهل الحديث على المشتغلين به خاصة.
قال شيخ الإسلام (رحمه الله): (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه، أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم: كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهراً وباطناً، واتباعه باطناً وظاهراً) (مجموع الفتاوى4/ 95).
ومن هنا يُعلم سرُّ الخلاف بين من فرَّق بين هذه المصطلحات من المنتسبين لأهل الحديث في زماننا هذا وبين من لم يفرق.
- و (أهل الحديث هم السلف من القرون الثلاثة ومن سلك سبيلهم من الخلف) (مجموع الفتاوى6/ 355).
- وأهل الحديث هم أهل النبي وإن ... لم يصحبوا نفسَه، أنفاسه صحبوا
- وأهل الحديث هم الذين (التمسوا الحق من وجهته، وتتبعوه من مظانه، وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وطلبهم لآثاره براً وبحراً وشرقاً وغرباً) (تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة ص80).
المشرف(3/333)
كتاب الشهر [تعريف وتقييم](3/334)
كتاب أسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة
للدكتور محمود الرضواني
1 ربيع الثاني 1433هـ
(إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية)
كتاب هذا الشهر هو كتاب يتناول مسألة من أعظم المسائل وموضوعا من أهم الموضوعات، كتب فيها العلماء قديما وحديثا، وهو أسماء الله الحسنى، فالعلم بالله تعالى وأسمائه وصفاته أشرف العلوم، والكتاب الذي بين أيدينا في مجمله جيد، لكن مع ذلك لم يسلم من بعض المآخذ التي أخذت عليه، وها نحن نعرض الكتاب وأهم الموضوعات التي اشتمل عليها، ثم نثنِّي بذكر أهم هذه المآخذ التي خولف فيها المؤلف.
أولاً عرض الكتاب:
اشتمل هذا الكتاب على مقدمة وأربعة أبواب، فأما المقدمة فقد اشتملت على أهمية الموضوع، وخطة البحث، وأما أبواب الكتاب الأربعة فهذا تفصيلها:
الباب الأول: تمييز الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة.
وقد اشتمل على الموضوعات التالية:
- أسماء الله الكلية وإحصاء الأسماء الحسنى.
- الجمع بين رواية ابن مسعود ورواية أبي هريرة.
- ظهور الأسماء الحسنى مرتبط بمقتضى الحكمة الإلهية.
- رأي ابن القيم في مقتضى الأسماء الحسنى.
ثم تكلم المؤلف عن شروط الإحصاء وجهود المعاصرين في جمع الأسماء، وذكر خمسة شروط، وهي:
الشرط الأول: ثبوت النص في القرآن أو صحيح السنة.
الشرط الثاني: عَلَمِية الاسم واستيفاء العلامات اللغوية.
الشرط الثالث: إطلاق الاسم دون إضافة أو تقييد.
الشرط الرابع: دلالة الاسم على الوصف.
الشرط الخامس: دلالة الوصف على الكمال المطلق.
ثم ختم هذا الباب بمبحث سماه: اللؤلؤة الفضلى في نظم أسماء الله الحسنى. وآخر بعنوان: الأسماء المدرجة في الروايات وتمييزها بشروط الإحصاء.
وأما الباب الثاني فعنوانه: الإيمان بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة.
وقد اشتمل على:
- منهج السلف في العقيدة وأثره في الإيمان بأسماء الله الحسنى.
- موقف السلف ممن عطل دلالة الأسماء على الصفات.
- أزلية الأسماء والصفات الإلهية.
- القول في مسألة الاسم والمسمى.
- دلالة الأسماء على العلمية والوصفية.
- جلال أسماء الله الحسنى.
- اسم الله الأعظم ودلالته على الصفات.
- قصص واهية حول الاسم الأعظم.
- الروايات الثابتة في الاسم الأعظم.
- دلالة اقتران الأسماء الحسنى على الصفات.
- هل الأسماء مشتقة من الصفات أم العكس؟
- أنواع الدلالات وتعلقها بالأسماء والصفات.
- موقف المسلم من الأسماء المشهورة التي لم تثبت.
وأما الباب الثالث فهو: الدعاء بأسماء الله الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة.
وقد اشتمل على:
- دعاء المسألة والعبادة لغة واصطلاحا.
- المقصود بدعاء المسألة ودعاء العبادة.
- دعاء المسألة أعلى أنواع التوسل إلى الله.
- أنواع دعاء المسألة وتعلقها بالأسماء الحسنى.
- آداب دعاء الله بأسمائه دعاء مسألة.
- الشرك في الدعاء والإلحاد في الأسماء.
- دعاء العبادة ومقتضى الأسماء الحسنى.
- التفاضل والتكامل بين دعاء المسألة ودعاء العبادة.
- حكم تسمية العباد بأسماء الله الحسنى.
وقد تناول في الباب الرابع: مراتب الإحصاء لكل اسم من الأسماء.
والذي اشتمل على دراسة لكل اسم من الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة، وقد تضمنت خمسة أمور:
- الدليل على ثبوت الاسم وإحصائه.
- شرح الاسم وتفسير معناه.
- دلالة الاسم على أوصاف الله.
- الدعاء بالاسم دعاء مسألة.
- الدعاء بالاسم دعاء عبادة.
وفي خاتمة البحث ذكر المؤلف النتائج التي توصل إليها وهي:
- النتائج المتعلقة بتمييز الأسماء وكيفية التعرف عليها.
- النتائج المتعلقة بشرح الأسماء وتفسير معانيها.
- النتائج المتعلقة بدلالة الأسماء على الصفات.
- النتائج المتعلقة بدعاء المسألة.
- النتائج المتعلقة بدعاء العبادة.
- تعقيبات وتعليقات على إحصاء الأسماء الحسنى.
أما الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة حسب الضوابط التي وضعها المؤلف، والتي شملتها هذه الدراسة فهي:
الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العَزِيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ الخَالِقُ البَارِئُ المُصَوِّرُ الأَوَّلُ الآخِرُ الظَّاهِرُ البَاطِنُ السَّمِيعُ البَصِيرُ المَوْلَى النَّصِيرُ العَفُوُّ القَدِيرُ اللَّطِيفُ الخَبِيرُ الوِتْرُ الجَمِيلُ الحَيِيُّ السِّتيرُ الكَبِيرُ المُتَعَالُ الوَاحِدُ القَهَّارُ الحَقُّ المُبِينُ القَوِيُّ المَتِينُ الحَيُّ القَيُّومُ العَلِيُّ العَظِيمُ الشَّكُورُ الحَلِيمُ الوَاسِعُ العَلِيمُ التَّوابُ الحَكِيمُ الغَنِيُّ الكَرِيمُ الأَحَدُ الصَّمَدُ القَرِيبُ المُجيبُ الغَفُورُ الوَدودُ الوَلِيُّ الحَميدُ الحَفيظُ المَجيدُ الفَتَّاحُ الشَّهيدُ المُقَدِّمُ المُؤخِّرُ المَلِيكُ المُقْتَدِرْ المُسَعِّرُ القَابِضُ البَاسِطُ الرَّازِقُ القَاهِرُ الديَّانُ الشَّاكِرُ المَنانَّ القَادِرُ الخَلاَّقُ المَالِكُ الرَّزَّاقُ الوَكيلُ الرَّقيبُ المُحْسِنُ الحَسيبُ الشَّافِي الرِّفيقُ المُعْطي المُقيتُ السَّيِّدُ الطَّيِّبُ الحَكَمُ الأَكْرَمُ البَرُّ الغَفَّارُ الرَّءوفُ الوَهَّابُ الجَوَادُ السُّبوحُ الوَارِثُ الرَّبُّ الأعْلى الإِلَهُ.
وقد رتَّبها المؤلف ترتيباً اجتهاديًّا، حسب اقتران ورودها في النصوص القرآنية والنبوية، وراعى تقارب ألفاظها وسهولة حفظها.
ثانياً نقد الكتاب:
إن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس موضع النقد في الكتاب هو استخراج هذه الأسماء، والبحث عن الثابت منها، ولكن موضع النقد في الشروط والضوابط التي وضعها المؤلف، والتي خولف في بعضها، وادعائه أن هذه الشروط التي ذكرها في إحصاء الأسماء لا تنطبق إلا على تسعة وتسعين اسمًا فحسب، مع تكلفه في إدخال بعض الأسماء إلى جملة التسعة والتسعين، وفوات إدخال أسماء أخر تنطبق عليها الشروط. وسنقتصر على أهم المؤاخذات التي أخذت على هذا الكتاب:
1 - وقوعه في أخطاء تتعلق بعلم الحديث ومنها:
- عدم قبوله للحديث الحسن في باب إثبات الأسماء الحسنى.
قال المؤلف:) ولا يعتمد اعتماداً كاملاً على ما ثبت وخف ضبطه كالحسن؛ لأن الحسن على ما ترجَّح عند المحدثين من رواية الصدوق، أو هو ما اتصل سنده بنقل العدل الذي خف ضبطه قليلاً، عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علة، ولربما يثير ذلك إنكار البعض، لكنهم لا يختلفون معنا في تطرق الاحتمال إلى ضبط النص، والتيقن منه في لفظ الاسم دون الوصف، ومن ثمَّ لم أعتمد على الحديث الحسن في إحصاء نص الأسماء الحسنى، وإن اعتمدته حجة في إثبات الأوصاف، وشرح معاني الأسماء، وبيان دلالة الاسم على المعنى مطابقة وتضمناً والتزاماً). انتهى.
وهذه قاعدة غريبة لم يذكر المؤلف من سبقه بها. لذا يقول شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)): (وكل قول ينفرد به المتأخر عن المتقدمين، ولم يسبقه إليه أحد منهم، فإنه يكون خطأ، كما قال الإمام أحمد بن حنبل: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام).
- رده للحديث الموقوف الذي له حكم الرفع في إحصاء الأسماء.
يقول المؤلف عن اسم الله الأعز: ((أما الأعز؛ فلم يرد مرفوعاً، وإنما ورد موقوفاً على ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنه: (رب اغفر وارحم أنت الأعز الأكرم). واعتباره الموقوف في حكم المرفوع عند بعض المحدثين لا يكفي لإثباته، وشأنه في ذلك شأن القراءة الشاذة)) اهـ.
فقد ذهب المؤلف إلى أن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع ليس حجة في إثبات الأسماء الحسنى. وهذا قول لا دليل عليه، ولم يسبق إليه، ولا ذكر له سلفاً فيه.
وأما قوله: ((وشأنه في ذلك شأن القراءة الشاذة ... )). فإن الحديث الموقوف الذي له حكم الرفع يختلف تماماً عن القراءة الشاذة؛ فالحديث الموقوف الذي له حكم الرفع، حجة ويجب العمل به، أما القراءة الشاذة فقد ذهب جمع من أهل العلم إلى عدم حجيتها.
ومع تصريح المؤلف أنه مقلد في تصحيح وتضعيف الأحاديث وخاصة للشيخ لألباني، إذا به يجتهد في قواعد علم الحديث الشريف؛ فلا يحتج بالحديث الحسن، ولا بالحديث الموقوف الذي له حكم الرفع في إثبات الأسماء الحسنى، مع أن الألباني لم يقل بذلك ولم يذكر المؤلف سلفه في ذلك من المحدثين.
2 - اشتراطه في إحصاء أسماء الله الإحاطة بجميع السنة النبوية.
يقول المؤلف: (لأن الشرط الأول والأساسي في إحصاء الأسماء الحسنى هو فحص جميع النصوص القرآنية، وجميع ما ورد في السنة النبوية، مما وصل إلينا في المكتبة الإسلامية، وهذا الأمر يتطلب استقصاءً شاملاً لكل اسم ورد في القرآن، وكذلك كل نص ثبت في السنة، ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية، وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد. اهـ. ثم يقول: (وهذا جهد خارج عن قدرة البشر المحدودة وأيامهم المعدودة).
وهذا الكلام لا دليل عليه، ولم يشترط أحد من العلماء هذا الشرط. وقد أدى اشتراط المؤلف لهذا الشرط إلى القول بأن مسألة الإحصاء أكبر من طاقة البشر، وخارجة عن قدرتهم المحدودة وأيامهم المعدودة!!
ويجاب عن ذلك بأن إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين في وسع كل مؤمن ومقدوره، حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم قد رغَّب المؤمنين من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى قيام الساعة على إحصائها، مما يدل على أن هذا الإحصاء في طاقتهم وداخل قدرتهم، وهل يرغّب النبي صلى الله عليه وسلم في أمر خارج عن قدرة البشر؟!!
ولو كان هذا الإحصاء أكبر من طاقة الإنسان، ولا يستطاع إلا بفرز عشرات الآلاف من الأحاديث، واستخدام الحاسب الآلي، لم يكن لهذا الحديث فائدة بدون الحاسب الآلي، ولقصرت فائدة هذا الحديث على هذا العصر، أو على المؤلف خاصة، وهذا مردود.
ثم إن أحكام الشريعة لا تتوقف على شيء من العلوم الكونية والاكتشافات العلمية، كالحاسب الآلي وغيره. فأحكام الشريعة يستوي في إمكانية معرفتها، والقيام بها جمهور الناس، وهذا مقتضى شمولية دعوة الإسلام لجميع البشر.
وهل يُظن أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان من أهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة لم يستطيعوا إحصاء الأسماء التسعة والتسعين؛ لعدم توفر الحاسب الآلي لديهم؟!
وهل نفهم من ذلك أن الله عز وجل قد حَرَمَ السلف الصالح وعلى رأسهم الصحابة رضي الله عنهم من هذه الفضيلة وقد شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية في قوله صلى الله عليه وسلم: ((خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)). فهم خير الناس علمًا وعملًا.
وأما قوله: ((ويلزم من هذا بالضرورة فرز عشرات الآلاف من الأحاديث النبوية وقراءتها كلمة كلمة للوصول إلى اسم واحد ... )).
فهذا حجة عليه؛ لأنه إذا كان الأمر كذلك، فكثير من السلف الصالح والعلماء المتقدمين كانوا يحفظون أضعاف أضعاف هذا العدد من الأحاديث، فإحصاء الأسماء الحسنى أيسر عليهم بكثير. فهذا الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله يقول عنه أبو زرعة الرازي: (كان أحمد بن حنبل يحفظ ألف ألف حديث. فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذاكرته فأخذت عليه الأبواب) وحفظهم السنة بأسانيدها شيء عجيب، يطول المقام بذكره.
فإذا تبين أن الأئمة المتقدمين كانوا يحفظون مئات الآلاف من الأحاديث النبوية والآثار السلفية، تقرر أنهم كانوا أوسع إحاطة للسنة من هذه الموسوعات الإلكترونية؛ لأن هذه الموسوعات التي اعتمد عليها المؤلف في إحصاء الأسماء التسعة والتسعين لا يبلغ ما تحتويه عشر ما حفظه هؤلاء الأئمة وذلك بشهادته هو نفسه، وهذا يدل دلالة واضحة أنهم كانوا أقدر على إحصاء الأسماء الحسنى التسعة والتسعين منا.
وأما قوله: ((إن من دوافع البحث الرئيسية أن باب الأسماء الحسنى يفتقر إلى دراسة علمية استقصائية حصرية تشمل كل ما ورد في الأصول القرآنية والنبوية ..... ولما يسر الله عز وجل الأسباب في هذا العصر وأصبح ذلك أمراً ممكنًا بعد أن ظهرت تقنية البحث الحاسوبية، وقدرة الحاسوب على قراءة ملايين الصفحات في لحظات معدودات، أقدمت على البحث وأنا لا أتوقع ما توصلت إليه من نتائج))
فهنا يذكر المؤلف أنه باستخدام البحث عن طريق الحاسوب، أصبح قادراً على عمل دراسة علمية استقصائية حصرية، تشمل كل ما ورد في الكتاب والسنة. وهذا كلام غير صحيح؛ إذ إنه لا يستطيع أحد مهما أوتي من علم أن يحيط بكل ما ورد في السنة النبوية.
قال الإمام الشافعي رحمه الله: (من قال: إن السنة كلها اجتمعت عند رجل واحد. فسق، ومن قال: إن شيئا منها فات الأمة. فسق) اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((مجموع الفتاوى)): (إن الإحاطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن لأحد في الأمة ..... وأما إحاطة واحد بجميع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا لا يمكن ادعاؤه قط ... ). اهـ.
كذلك فإنه يوجد عدد كبير من الكتب المخطوطة لم يطبع بعد، ولا توجد بالتأكيد على الموسوعات الإلكترونية، أضف إلى ذلك ما يقع من مشكلات في البحث، مع وجود نسبة من الأخطاء الإملائية في الموسوعات إلى غير ذلك.
3 - زعمه أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً فقط.
قال المؤلف: (( ... ولكن النتيجة التي أسفر عنها البحث يتصاغر بجانبها كل جهد، فقد ظهرت مفاجأة لم تكن في الحسبان، تلك المفاجأة تتمثل في أن ما تعرف الله به إلى عباده من أسمائه الحسنى التي وردت في كتابه وفي سنة رسوله تسعة وتسعون اسما وردت بنصها، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إجمالاً إلى العدد المذكور في الحديث المتفق عليه، وذلك عند تمييزها عن الأوصاف، وإخراج ما قيد منها بالإضافة أو بموضع الكمال عند انقسام المعنى المجرد وتطرق الاحتمال ... )) اهـ.
ويقال للمؤلف ما الدليل على أن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة تسعة وتسعون اسماً فقط؟!
والحديث المشهور الذي يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة)). قد شرحه العلماء بما يدل على أن من أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، وليس فيه حصر للأسماء الحسنى في هذا العدد.
قال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) في معرض رده على من زعم أنه لا يجوز الدعاء إلا بالتسعة والتسعين اسماً: ( ... وهذا القائل الذي حصر أسماء الله في تسعة وتسعين لم يمكنه استخراجها من القرآن، وإذا لم يقم على تعيينها دليل يجب القول به لم يمكن أن يقال: هي التي يجوز الدعاء بها دون غيرها؛ لأنه لا سبيل إلى تمييز المأمور من المحظور، فكل اسم يجهل حاله يمكن أن يكون من المأمور، ويمكن أن يكون من المحظور، وإن قيل: لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين)) اهـ.
وقال شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)): ((الذين جمعوا الأسماء الحسنى اعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئاً معيناً، بل من أحصى تسعة وتسعين اسماً من أسماء الله دخل الجنة. أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، كالأحد والواحد، والمعطي والمغني)) اهـ بتصرف.
فكلام شيخ الإسلام رحمه الله صريح في أن الأسماء المذكورة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسماً.
وقال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد في ((معجم المناهي اللفظية)): (باب الأسماء لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم وللقرآن العظيم توقيفية، لا تكون إلا بنص، وقد جاء في القرآن نحو مائة اسم لله تعالى)) اهـ.
هذا بالإضافة إلى ما ورد في السنة من أسماء أخرى، فيكون العدد أكثر من تسعة وتسعين، كما هو ظاهر. ومن ذلك يتضح أن أكثر أهل العلم يقولون بأن الأسماء الحسنى الثابتة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين اسماً.
لذلك نجد أن من العلماء من زاد على تسعة وتسعين اسما، ومن هؤلاء:
- ابن منده في كتابه ((التوحيد)) أثبت 148 اسماً.
- البيهقي في كتابه ((الأسماء والصفات)) أثبت 154 اسماً.
- ابن العربي في كتابه ((أحكام القرآن)) أثبت 141 اسماً.
5 - إخراجه لفظ الجلالة "الله" من التسعة والتسعين اسماً.
على حين أن أغلب من كتب فى أسماء الله الحسنى عدَّ من بينها لفظ الجلالة (الله)، إذ يقول الله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [الإسراء: 110]. فسواءً دعا العبد ربه باسم الله أو باسم الرحمن فكلاهما من الأسماء الحسنى.
6 - جزمه بأن الأسماء التي قام بإحصائها هي المعنية بحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً)
إن الجزم بأن هذه الأسماء التي عينها المؤلف هي المرادة في الحديث لا يمكن أن يقطع به أحد، لأن هذا يحتاج إلى دليل ونص صريح. ولو أراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يُعينها لفعل.
ثم إنه ألزم الناس بتلك الأسماء التي جمعها وفق الشروط التي اشترطها، وذهب إلى أن تلك الأسماء التسعة والتسعين هي المذكورة في قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة)).
7 - تفسيره لحديث: (إن لله تسعة وتسعين اسماً .... ) تفسيراً لم يقله أحد قبله.
ذهب المؤلف إلى أن لله تعالى تسعة وتسعين اسمًا مطلقًا، وتسعة وتسعين اسماً مقيداً، وجعل ذلك تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا)). فجعل (التسعة والتسعين) هي المطلقة، وجعل (المائة إلا واحدًا) هي المقيدة خلافًا لما قرره العلماء من أن تسعة وتسعين اسمًا فحسب هي التي علق على إحصائها دخول الجنة. وليس للمؤلف دليل على قوله، ولا سلف له فيه.
ثم إن هذا التفسير مخالف لتفسير العلماء الذين ذهبوا إلى أن قوله: ((مائة إلا واحدا)) للتأكيد، وللتنصيص على أنها تسعة وتسعون اسماً، لا تزيد ولا تنقص عن هذا العدد، وحتى لا يقع تصحيف في قوله: ((تسعة وتسعين)) إلى سبعة وسبعين، أو سبعة وتسعين، وما إلى ذلك.
قال الإمام ابن حجر رحمه الله في ((الفتح)): (قال جماعة من العلماء: الحكمة في قوله: ((مائة إلا واحد)). بعد قوله: ((تسعة وتسعون)). أن يتقرر في نفس السامع، جمعا بين جهتي الإجمال والتفصيل، أو دفعا للتصحيف الخطي والسمعي)) اهـ.
8 - ذهب المؤلف إلى أن الأسماء المقيدة أو المضافة ليست من الأسماء الحسنى التسعة والتسعين؛ لأن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والكمال
يقول المؤلف: ((من الشروط الأساسية اللازمة لإحصاء الأسماء الحسنى أن يرد الاسم في سياق النص مفرداً مطلقاً دون إضافة مقيدة، أو قرينة ظاهرة تحد من الإطلاق، وذلك بأن يفيد المدح والثناء على الله بنفسه؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال على قدر ما أضيف إليه الاسم أو قيد به، والله عز وجل ذكر أسماءه باللانهائية في الحسن، وهذا يعني الإطلاق التام الذي يتناول جلال الذات والصفات والأفعال)) اهـ.
فكلامه يدل على أن التقييد والإضافة يحدان من إطلاق الحسن والجمال، وأسماء الله سبحانه لا نهائية في الحسن والكمال، فلا تكون الأسماء المقيدة أو المضافة من الأسماء الحسنى.
ثم قال في موضع آخر: ((فهذه أسماء مضافة أو مقيدة يصح تسمية الله بها على الوضع الذي ورد في النص كسائر الأسماء المضافة الأخرى، لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة المطلقة التي تفيد المدح والثناء على الله بنفسها)) اهـ.
فهنا قد أثبت أن الأسماء المضافة أو المقيدة يصح تسمية الله بها على الوضع الذي ورد في النص، وهناك قد قرر أن هذه الأسماء ليست نهائية في الحسن والكمال، فكلام المؤلف ينقض بعضه بعضا؛ فكيف يدعي أن الأسماء المقيدة أو المضافة ليست من الأسماء الحسنى؛ لأن الإضافة والتقييد يحدان من إطلاق الحسن والكمال. ثم إذا به يثبت لله تسعة وتسعين اسما مضافا.
فمع التناقض الواضح في كلامه؛ فإنه يدل على أنه يجوز أن يسمى الله سبحانه وتعالى بأسماء ليست بالغة في الحسن والجمال.
ثم إن قوله: ((لكن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة المطلقة .. )). قول لا دليل عليه، فما أدراه أن الأسماء المعنية في حديث التسعة والتسعين هي الأسماء المفردة دون المقيدة؟! وإذا ثبت بكلامه أن الأسماء المقيدة أو المضافة هي أسماء لله عز وجل، فما المانع أن تكون من الأسماء الحسنى المعنية في حديث التسعة والتسعين؟!
يقول الشيخ عمر الأشقر في معرض رده على من أخرج الأسماء المضافة من دائرة الأسماء الحسنى في ((أسماء الله وصفاته)): (لا يجوز استثناء الأسماء المضافة من دائرة أسماء الله الحسنى إذا وردت في الكتاب والسنة، فلا يقر من أخرج من أسمائه تبارك وتعالى: عالم الغيب والشهادة، ومالك الملك، وبديع السماوات والأرض، ونور السماوات والأرض، وغافر الذنب، وعلام الغيوب، وفاطر السماوات والأرض؛ إذ لا حجة لهؤلاء إلا أن هذه الأسماء مضافة. وهذه ليست بحجة، فما الإشكال في أن تكون أسماء الله مضافة؟! ... )) اهـ.
وقد قرر شيخ الإسلام في ((مجموع الفتاوى)) أن في الكتاب والسنة أسماء أخرى غير الأسماء التسعة والتسعين المشهورة التي جاءت مدرجة في حديث الوليد بن مسلم، وعد من تلك الأسماء بعض الأسماء المضافة، فقال:
((ومن أسمائه التي ليست في هذه التسعة والتسعين اسمه: السبوح ... وكذلك أسماؤه المضافة مثل: أرحم الراحمين، وخير الغافرين، ورب العالمين، ومالك يوم الدين، وأحسن الخالقين، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه، ومقلب القلوب، وغير ذلك مما ثبت في الكتاب والسنة وثبت في الدعاء بها بإجماع المسلمين، وليس من هذه التسعة والتسعين)) اهـ.
وقد أدخل كثير من أهل العلم الأسماء المضافة في جملة الأسماء الحسنى منهم: الإمام الإقليشي، والإمام ابن القيم، والإمام ابن العربي، والحافظ ابن حجر، وغيرهم.
وأخيرا فهذه الشروط التى وضعها المؤلف اجتهادية، وليست من المسلَّمات المتفق عليها أو من المجمع عليه بين العلماء. ويبقى أن المسألة اجتهادية، لن يرفع الخلاف فيها بحث أو اجتهاد، لتبقى الحكمة التي من أجلها أخفي تعيين هذه الأسماء، وهي كالحكمة في عدم تعيين ليلة القدر ليجتهد الناس في عشر ليالٍ بدلاً من واحدة، وكذلك الأمر هنا: علم العلماء أن هذا الباب باب اجتهاد للعلماء يعملون فيه جهدهم.
يقول الحافظ في ((الفتح)) نقلاً عن الفخر الرازى في أنه يجوز (أن يكون المراد من عدم تفسيرها أن يستمروا على المواظبة بالدعاء بجميع ما ورد من الأسماء، رجاء أن يقعوا على تلك الأسماء المخصوصة، كما أُبهمت ساعة الجمعة، وليلة القدر، والصلاة الوسطى) ا. هـ. وقال الإمام ابن العربي المالكي في ((أحكام القرآن)): ((وكذلك أخفيت هذه الأسماء المتعددة في جملة الأسماء الكلية لندعو بجميعها، فنصيب العدد الموعود به فيها)) اهـ.
فلا سبيل إلى الجزم بتعيين الأسماء التسعة والتسعين، ولكن على المسلم أن يجتهد في إحصاء الأسماء الحسنى في الكتاب والسنة، رجاء أن يكون ممن شملهم الوعد بالجنة الوارد في الحديث الصحيح.
فهذا ما تيسر جمعه مما وُجِّه إلى هذا الكتاب من نقد، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.(3/335)
إحياء علوم الدين
كتاب (إحياء علوم الدين)
لأبي حامد الغزالي
كتاب (إحياء علوم الدين) من الكتب التي لقيت عناية كبيرة لدى أهل العلم، فهو كتاب جامع في الأخلاق والسلوك والمواعظ، ومؤلفه أبو حامد محمد الطوسي الغزالي المتوفي سنة (505هـ) الإمام صاحب التصانيف الكثيرة في كثير من الفنون: الفقه، والأصول، والفلسفة، والكلام، والتصوف.
وكتابه (إحياء علوم الدين) تباينت تجاهه الآراء، فمدحه قوم حتى غلو في مدحه، وقالوا: (من لم يقرأ الإحياء فليس من الأحياء). وذمه قوم حتى أفتوا بحرقه ومنعه.
وسبب الاختلاف في كتاب (الإحياء) أن فيه نفعاً كثيراً، وفيه من الطامات والبلايا ما يمنع من قراءته، إلا ممن له خبرة ودراية بعقائد الصوفية والحلولية والفلاسفة، ممن تحصن بعقيدة السلف الصالح. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والإحياء فيه فوائد كثيرة، لكن فيه مواد مذمومة، فإنه فيه مواد فاسدة من كلام الفلاسفة، تتعلق بالتوحيد والنبوة والمعاد، فإذا ذكر معارف الصوفية كان بمنزلة من أخذ عدوًّا للمسلمين ألبسه ثياب المسلمين، وقد أنكر أئمة الدين على أبى حامد هذا في كتبه، وقالوا: مَرَّضَهُ (الشفاء) - يعنى شفاء ابن سينا في الفلسفة- وفيه أحاديث وآثار ضعيفة، بل موضوعة كثيرة، وفيه أشياء من أغاليط الصوفية وترَّهاتهم، وفيه مع ذلك من كلام المشايخ الصوفية العارفين المستقيمين في أعمال القلوب، الموافق للكتاب والسنة، ومن غير ذلك من العبادات والأدب، ما هو موافق للكتاب والسنة، ما هو أكثر مما يردُّ منه، فلهذا اختلف فيه اجتهاد الناس وتنازعوا فيه). انتهى. (مجموع الفتاوى) (10/ 551).
وقال الذهبي في (سير أعلام النبلاء) (19/ 339): (أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير لولا ما فيه من آداب، ورسوم، وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية، نسأل الله علما نافعاً).
ومما يؤخذ على الكتاب أيضاً ذكره لبعض شطحات المتصوفة وأغاليطهم, كما أنه يتضمن بعض المخالفات في العقائد والعبادات والأخلاق.
وقد اختصره غير واحد من أهل العلم حرصاً على أن يستفاد مما فيه من خير بحذف ما سواه، ومنهم ابن الجوزي الذي حذف الأحاديث الموضوعة والواهية، وعمد إلى ما لا طائل من ورائه مما احتوى على بعض المخالفات، فحذفه، وسمى كتابه (منهاج القاصدين) وقال في مقدمته: (فاعلم أن في كتاب الإحياء آفات لا يعلمها إلا العلماء وأقلها الأحاديث الموضوعة، والموقوفة قد جعلها مرفوعة، وإنما نقلها كما اقتراها لا أنه افتراها .... ) ثم يقول: (وكيف أوثر أن يطرق سمعك من كلام المتصوفة الذي جمعه، وندب إلى العمل به ما لا حاصل له، من الكلام في الفناء والبقاء، والأمر بشدة الجوع، والخروج إلى السياحة في غير حاجة، والدخول في الفلاة بغير زاد إلى غير ذلك .... ). ثم قال: (وسأكتب لك كتابا يخلو عن مفاسده ولا يخل بفوائده). انتهى. ثم اختصر المقدسي (منهاج القاصدين) هذا في كتابه (مختصر منهاج القاصدين)، وهناك مختصرات أخرى.
ولسنا بصدد الكلام عن الكتاب نفسه، فقد تكلم عنه العلماء قديماً وحديثاً، وسبق ذكر طرف من كلامهم، ويمكن الرجوع لكتاب (وقفات مع كتاب إحياء علوم الدين) للشيخ عبد الرحمن دمشقيه، ففيه تفصيل لمن أراد الاستزادة.
وإنما الذي يعنينا هو الكلام عن إحدى طبعات الكتاب التي ظهرت مؤخراً، بمناسبة مرور تسعمائة سنة على وفاة الغزالي رحمه الله، والتي استغرق العمل فيها سبع سنين متواصلة، وهي طبعة دار المنهاج بجدة، والتي قام بتحقيقها وضبطها وتوثيقها ومراجعتها لجنة علمية بمركز دار المنهاج للدراسات والتحقيق العلمي، وتعتبر هذه الطبعة من أفضل طبعات الكتاب إن لم تكن أفضلها, فهي محقَّقة على نحو عشرين نسخة خطية, مضبوطة بالحركات الإعرابية, معزوة الأقوال والنصوص المنقولة, مخرجة الأحاديث والآثار، مع شرح بعض الكلمات الغريبة الغامضة، ووقعت هذه الطبعة في عشرة مجلدات، طبعت طباعة فاخرة ملونة، وأخرجت إخراجاً فنيًّا جيدًا، أُفْرِدَ مجلد كامل من الكتاب بمقدمات، تبيِّن منهج المحققين في تحقيق الكتاب، وسيرهم في إخراجه, مع إضافة كتابين آخرين في المقدمة هما: ((الإملاء على مشكل الإحياء)) للغزالي، وتم تحقيقه على سبع نسخ خطية، وكتاب ((تعريف الأحياء بفضائل الإحياء)) للعيدروس وتم تحقيقه على ثلاث نسخ خطية.
ويؤخذ على هذه الطبعة عدة أمور منها:
- عدم الإشارة في المقدمة إلى ما وقع في الكتاب من مخالفات، والإطناب في عبارات المدح والثناء على الكتاب، والاكتفاء من كلام العلماء بما يدل على فضله ومكانته، دون ما وُجِّه إليه من نقد، ليس ذلك فقط بل مهاجمة من انتقد كتاب (الإحياء).
ولا شك أن الغزالي له مكانة ومنزلة لا تخفى على أحد، ولا يمنع ذلك من بيان ما وقع فيه من أخطاء ومخالفات، لاسيما إذا كانت تتعلق بالعقيدة والمنهج، فمن ذا الذي ما ساء قط، ومن له الحسنى فقط، واللجنة العلمية التي حققت الكتاب تكلفت في رد ما استدرك على المؤلف، حتى مما اتفق عليه جمع من العلماء، ومما صرح به هو نفسه، من قلة بضاعته في علم الحديث، حيث قال: (بضاعتي في علم الحديث مزجاة). لذا شُحِن كتابه بالضعيف والموضوع، لكن في المقدمة حصل التكلف في حمل كلامه السابق على التواضع، وعلى أن الصحيح أضعاف أضعاف الضعيف، وأنه (تسربت بعض الأحاديث الضعيفة وقليل جدًّا دونها في فضائل الأعمال) ويكفي في رد هذا الكلام أن يطالعوا ما ذكره السبكي من الأحاديث التي لم يجد لها إسنادا فقط دون ذكر الموضوع أو الضعيف، ثم ما ذَكَرَتْه اللجنة في المقدمة في ترجمته أن خاتمة أمره كانت بإقباله على الحديث النبوي كالبخاري ومسلم وغيرهما.
- عدم التعليق على الأحاديث والتي منها الضعيف والموضوع إلا أحيانا، معتمدين على كتاب العراقي واستدراكات ابن السبكي والزبيدي.
ومن الأحاديث التي تركوا بيان ضعفها- على سبيل المثال- الأحاديث التي سردها الغزالي في العقل، ومنها حديث ((ما خلق الله خلقا أكرم عليه من العقل))، وحديث ((إذا تقرب الناس بأبواب البر والأعمال الصالحة فتقرب أنت بعقلك)). وذكر بعدهما أحاديث أخرى في العقل، واكتفى المحققون فيها بالعزو فقط دون إشارة إلى ضعفها بل وضعها، مع أن أحاديث العقل كلها كذب، لا يصح منها شيء، كما قرر ذلك غير واحد من أهل العلم، قال ابن القيم: (أحاديث العقل كلها كذب). ثم إنه قد تمت الإشارة في المقدمة أنه سيتم الاعتماد على كتاب العراقي، فأين أحكام العراقي على هذه الأحاديث بالضعف، ولماذا لم تنقل؟ وهل يكفي فقط تخريج الحديث بعزوه دون بيان حكمه؟ وكأنهم خشوا لو فعلوا ذلك لظهر للقارئ كمُّ الأحاديث الضعيفة في (الإحياء).
- ترك التنبيه على المخالفات العقدية والسلوكية وعدم التعليق عليها، وأحيانا يُعلَّق عليها بما يؤيدها.
ونذكر على سبيل المثال: تأويل الغزالي لبعض الصفات، كما في الاستواء على العرش، قال الغزالي بعد أن نزه الله عن اختصاصه بالجهات، ومنها جهة العلو، يقول (1/ 392): (ولأنه لو كان فوق العالم لكان محاذيا له، وكل محاذ لجسم فإما أن يكون مثله أو أصغر منه أو أكبر، وكل ذلك يحوج إلى مقدر، ويتعالى عنه الخالق الواحد المدبر. فأما رفع الأيدي عند السؤال إلى جهة السماء فهو لأنها قبلة الدعاء، وفيه أيضا إشارة إلى ما هو وصف للمدعو من الجلال والكبرياء، تنبيهاً بقصد جهة العلو على صفة المجد والعلاء، فإنه تعالى فوق كل موجود بالقهر والاستيلاء). فيعلق المحققون بقولهم: (وانظر للمؤلف رحمه الله لطيفة في سر التوجه بالدعاء إلى السماء في (الاقتصاد) (ص 114)، وسبب اختيار المصنف لصفة القهر والاستيلاء بالذات كون هذه الصفة محكية في كتاب الله بحقه سبحانه، قال تعالى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} [الأنعام: 18]. وقال سبحانه: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5].
ثم يقول الغزالي عن صفة الاستواء (1/ 392): (العلم بأنه تعالى مستو على عرشه بالمعنى الذي أراده تعالى بالاستواء، وهو الذي لا ينافي وصف الكبرياء، ولا يتطرق إليه سمات الحدوث، وهو الذي أريد بالاستواء إلى السماء حيث قال في القرآن (ثم استوى إلى السماء وهي دخان) وليس ذلك إلا بطريق القهر والاستيلاء، كما قال الشاعر:
قد استوى بشر على العراق ***** من غير سيف ودم مهراق.
ويعلق المحققون على قوله: (بطريق القهر والاستيلاء) (1/ 392) بما يؤيد هذا القول، فيقولون: (كما قال المؤلف في (الاقتصاد) (ص 126)، ولذلك قال بعض السلف وهو سفيان الثوري: أفهم من قوله {استوى على العرش} ما فُهم من قوله: {ثم استوى إلى السماء وهي دخان}.
ولما ذكر الإمام الغزالي حديث استئذان النبي صلى الله عليه وسلم في زيارة قبر أمه والاستغفار لها، فأذن له بالزيارة، ولم يؤذن له في الاستغفار، علَّق المحققون بقولهم (9/ 442) في حاشية (1): (وقد ألف العلماء الكثير من المصنفات في تحقيق نجاة الأبوين الكريمين، ونجاة آباء المصطفى صلى الله عليه وسلم الذين ماتوا في فترة الجاهلية، ولم تبلغهم الدعوة، وأثبتوا أنهم من أهل الجنة، وأقاموا على ذلك الأدلة الناصعة والبراهين الساطعة، فلتراجع).
إذاً فهل أخطأ الغزالي عندما أورد هذا الحديث، ولطالما نافح عنه المحققون، مع الإيهام أن مسألة النجاة عليها من الأدلة الناصعة والبراهين الساطعة، والعجيب أن المحققين لم يقتصروا على نجاة أبوي النبي صلى الله عليه وسلم فقط بل ذهبوا إلى نجاة آباء النبي صلى الله عليه وسلم الذين ماتوا في الجاهلية، ولا شك أن معتمدهم في ذلك الأحاديث الضعيفة المخالفة لما ورد في الصحيح، من قوله صلى الله عليه وسلم: (إن أبي وأباك في النار). وحديث عدم الإذن للنبي صلى الله عليه وسلم في الاستغفار لأمه. وقد بوب النووي في شرحه لصحيح مسلم (باب: بيان أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تناله شفاعته، ولا تنفعه قرابة المقربين) وذكر تحته حديث (إِنَّ أَبِي وَأَبَاكَ فِي النَّارِ) يقول الحافظ ابن كثير: (وإخباره صلى الله عليه وسلم عن أبويه وجده عبد المطلب بأنهم من أهل النار، لا ينافي الحديث الوارد من طرق متعددة أن أهل الفترة والأطفال والمجانين والصمَّ يمتحنون في العرصات يوم القيامة؛ لأنه سيكون منهم من يجيب، ومنهم من لا يجيب، فيكون هؤلاء- أي الذين أخبر عنهم النبي- من جملة من لا يجيب، فلا منافاة) (البداية والنهاية) (2/ 342).
بل نقل الملا علي القاري الإجماع على عدم نجاتهما في رسالة (أدلة معتقد أبي حنيفة الأعظم في أبوي الرسول عليه الصلاة والسلام) (ص84) فقال: (وأما الإجماع فقد اتفق السلف والخلف من الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة وسائر المجتهدين على ذلك، من غير إظهار خلافٍ لما هُنالك، والخلاف من اللاحق لا يقدح في الإجماع السابق، سواء يكون من جنس المخالف أو صنف الموافق).
فهذه نماذج تبين المنهج الذي سلكه المحققون في تحقيق الكتاب، وأنه منهج خالف مذهب أهل السنة والجماعة، لا بالسكوت عن المخالفات التي وقع فيها الغزالي رحمه الله وعدم التعليق عليها فحسب، بل أيضاً بتقرير ما يذهب إليه وتأييده، فينبغي قراءة هذه الطبعة بحذر، والاستعانة بأحد الكتب التي بينت ما وقع في الكتاب من مآخذ، ولا ينصح بها للمبتدئين الذين لم يتمكنوا من معرفة عقيدة أهل السنة والجماعة، وشبهات المتكلمين، ومخالفات الصوفية، بل ينصحون باقتناء أحد مختصرات (الإحياء) كـ (مختصر منهاج القاصدين)، أما طالب العلم المتمكن فهذه الطبعة أفضل له مما سبقها، والله أعلم.(3/336)
مشاهد من المقاصد
للشيخ عبد الله بن الشيخ محفوظ بن بيه
عرض ونقد
(إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية)
كتاب هذا الشهر يتناول موضوعاً مهمًّا، وهو علم المقاصد، ويعتبر هذا الكتاب مكملًا لكتاب المؤلف ((أمالي الدلالات ومجالي الاختلافات)).
وأصل هذا الكتاب محاضرة ألقاها المؤلف بمكة المكرمة، نظمها مركز مقاصد الشريعة الإسلامية، وقصد به المؤلف التعريف بعلم المقاصد ومسيرة تشكُّله. وسماه المؤلف ((مشاهد من المقاصد))؛ لأنه لم يستوعب كل المقاصد، وسوف نعرض لأهم محتويات هذا الكتاب، وأهم المآخذ عليه.
عرض الكتاب:
يتكون هذا الكتاب من مدخل وستة فصول.
الفصل الأول: تعريف المقاصد
وخصصه المؤلف للكلام عن المقاصد، مبيناً أصلها اللغوي، ومعانيها التي تدور عليها في اللغة، ثم ذكر تصرفات (قَصَدَ) المستعملة في هذا الباب، وهي أربعة ألفاظ، وقد اشتمل هذا المبحث على فوائد لغوية. ثم انتقل إلى تعريف المقاصد في الاصطلاح بين الفقهاء والأصوليين، مع ذكر عبارات العلماء المختلفة والتعليق عليها، وعَقْد المقارنات بينها. لينتهي بعد ذلك إلى تعريف مختار للمقاصد.
الفصل الثاني: مسيرة العمل والتعامل مع المقاصد
وفيه تناول المؤلف فهم السلف لدعوة القرآن إلى كشف مقاصد الشريعة، واستشفاف حكمها، وتجلَّي ذلك في فهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر نماذج للصحابة، مثل أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، ثم التابعين، ومن بعدهم من أئمة المذاهب.
الفصل الثالث: المصلحة بين العقل والنقل
وتناول من خلاله مسألة هل المصلحة التي تبنى عليها الأحكام عقلية أم شرعية، وتحدث عن دوران الشريعة بين معقولية المعنى والتعبد، والتجاذب بين الكلي والجزئي.
الفصل الرابع: أصناف المقاصد
بيَّنَ فيه المقاصد العامة التي ترجع إليها الشريعة والمقاصد الخاصة والمقاصد الجزئية والمقاصد الكبرى، وذكر معيار الانتماء إلى المقصد الضروري، وتذبذب الانتماء لبعض القضايا بين الضروري والحاجي.
الفصل الخامس: استنباط المقاصد واستخراجها
ومعناه الكيفية التي يتوصل بها إلى الحكم بأن مقصد الشارع من أمر أو نهي أو أي خطاب فيه أو فعل المعصوم أو تقريره، وتطرَّق إلى قضية (بدعة الترك) على حد تعبيره، وأطال فيها الكلام.
الفصل السادس: الاستنجاد بالمقاصد واستثمارها
ومما تناوله في هذا الفصل الضوابط الخمسة المراعاة في التعامل مع المقاصد، ومجالات الاستنجاد بالمقاصد، ليختم بالكلام عن فقه الأقليات.
نقد الكتاب:
يؤخذ على هذا الكتاب عددٌ من المؤاخذات، وهي وإن كان بعضها ليس من صلب موضوع المقاصد، لكن لها دلالات على المنهج الذي سلكه المؤلف، والذي وظَّف من أجله موضوع المقاصد، وسنقتصر الحديث هنا عن مسألتين فقط.
الأولى: مسألة الاستغاثة وأنها مسألة خلافية.
يقول المؤلف - عفا الله عنه- ص 113: (فإن الاستسقاء عند القبر النبوي الشريف بتوجيه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بـ (استسق) لنا يعتبر بدعة فاحشة [يعني عند من يرى بدعة الترك] أوصلها بعضهم إلى الكفر، مع ورود أثر عن فعل شخص له إما صحابي أو تابعي، وإبلاغ ذلك لعمر بن الخطاب رضي الله عنه ولم ينكره). ثم ساق ما أخرجه ابن أبي شيبة بسنده عن مالك الدار قال: (وكان خازن عمر على الطعام، قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتي الرجل في المنام فقيل له: ائت عمر فأقرئه السلام، وأخبره أنكم مسقيون، وقل له: عليك الكيس، عليك الكيس. فأتى عمر فأخبره فبكى عمر ثم قال: يا رب لا آلو إلا ما عجزت عنه. وأخرجه البيهقي وصححه الحافظان ابن حجر في ((الفتح)) وابن كثير في ((البداية والنهاية)). وقد نازعوا بعضهم في عنعنة الأعمش بما هو معروف من الخلاف عند المحدثين في عنعنة المدلس إذا لم يكن غالبا عليه والأعمش ضابط لغلبة موافقة حديثه للضابطين ... وقالوا: إنه لو صح فإن ما فهم من أصول العقيدة ينفيه وإن الصحابة ما فعلوه وهنا يكون الإشكال بين المدرستين في ضبط ترك السلف وفي فهم ما هو عبادة لا تصرف إلا لله، وفي استعمال المجاز في الإسناد كقول عمر للنبي عليه الصلاة والسلام: هلا أمتعتنا بعامر كما في ((صحيح مسلم)) وذلك حين ترحم النبي صلى الله عليه وسلم على عامر بن الأكوع ففهم عمر من ذلك الإشارة إلى موت عامر فقال تلك المقالة وهي في ظاهرها طلب منه النبي صلى الله عليه وسلم أن يبقي عامرا حيًّا وهو أمر لا يقدر عليه إلا الله وما رأى عليه الصلاة والسلام ذلك منكرا فالنسب والإضافات والنوايا والطوايا هي التي تحكم في كلام الناس، ولعل الاختلاف هنا يرجع إلى مسألة الدعاء ومفهومه، بين ما يكون عبادة إذا وُجِّه إلى الباري جل وعلا، وبين ما يكون نداء إذا وُجِّه إلى غيره {لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا} [النور: 63] ومفهوم حياته عليه الصلاة والسلام في البرزخ بين حديث (حياتي خير لكم ... ومماتي خير لكم تعرض علي أعمالكم .... ) وهو يدل على استمرار صلته بأمته وبين حديث الحوض الصحيح: (ما تدري ما أحدثوا بعدك) مما يفهم منه أنه عليه الصلاة والسلام لم تعد له علاقة بعالم الدنيا إلى غير ذلك من البناء العقدي الذي نشأ عنه في القرنين السابع والثامن خلاف شديد يراجع في كتب شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام السبكي وغيرهما، وعلى ذلك يحمل كثير من الآثار التي وردت كقصة الأعرابي عند محمد بن عبد الله العتبي .... وحكايات أخرى كثيرة).
ثم يقول ص 119: (فلو منعت سدًّا للذريعة لما كان ذلك بعيدا حتى لا يقع العوام الذين يخفى عليهم، أما التكفير فهذا أمر فيه صعوبة كبيرة؛ لقيام هذه الاحتمالات، فلا يكفر إلا من اعتقد أن للشخص المستغاث به قدرة مستقلة عن قدرة الله تعالى وإرادة مستقلة عن قدره).
والجواب:
أنه لا شك أن مسألة الاستغاثة من المسائل الكبيرة، وذلك لما يترتب عليها من مفاسد خطيرة، وعلى رأسها فتح باب الشرك بالله تعالى، والمؤلف يرى جواز الاستغاثة بغير الله من حيث الأصل ويميل إلى منعها سداً للذريعة، وفي عرضه للمسألة تهوين من أمرها، وكأن المسألة من المسائل الاجتهادية التي يسع فيها الخلاف.
أما الأثر الذي نقله عن استسقاء الرجل بالنبي صلى الله عليه وسلم وإقرار عمر له ونقل تصحيح ابن حجر وابن كثير له والاعتراض عليه بعنعنة الأعمش وأن ذلك لا يضر، فالرد عليه من عدة أوجه:
1 - في السند جهالة مالك الدار المذكور.
2 - تفرد مالك الدار المجهول به، رغم جسامة الحادثة وشدتها.
3 - أن فيه ذكوان أبا صالح، ولا يعلم سماعه من مالك.
4 - مخالفة الأثر لأصول العقيدة وقد أشار هو أيضا إلى ذلك.
5 - أنه منكر لمخالفته ما ثبت في الشرع من استحباب إقامة صلاة الاستسقاء.
6 - أنه يخالف ما اشتهر وتواتر عن الصحابة والتابعين من ترك الاستغاثة بقبر النبي صلى الله عليه وسلم أو قبر غيره من الأموات عند نزول النوازل واشتداد القحط وغير ذلك، بل كانوا يرجعون إلى الله بالعبادة والتوبة ويستغفرونه، قال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا} [الجن: 16] وقال تعالى: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا} [هود: 52]. وقال تعالى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ} [الأعراف: 96]. وهذا عمر يتوسل بدعاء العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ويطلب منه ان أن يدعو الله ويستسقي لهم، ومثله معاوية مع أبي يزيد الجرشي.
7 - أما نقله لتصحيح ابن كثير وابن حجر له، فأما ابن حجر فقد قال: (بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار ... ) اهـ ومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وهذا لا يمنع تعليله بجهالة مالك الدار وتفرده ولا بالانقطاع بينه وبين ذكوان. وأما تصحيح ابن كثير لسنده فلا يلزم منه تصحيح الحديث، وكل يؤخذ من قوله ويترك.
وهناك ردود أخرى تُبطل الاستدلال بهذا الحديث على فرض ثبوته أعرضنا عنها اختصارًا.
وأما قوله: (فلا يكفر إلا من اعتقد أن للشخص المستغاث به قدرة مستقلة عن قدرة الله تعالى وإرادة مستقلة عن قدره).
فنقول: إن القرآن لما كشف حال العرب أعلم أنهم لم يكن شركهم إلا بقصد التسبب لا الاستقلالية، كما قال تعالى: {وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ} [يوسف: 106]، أي: وما يؤمن أكثرهم بأن الله هو خالقهم والمحي المميت، والذي يجير ولا يجار عليه إلا وهم مشركون به في اتخاذ الأصنام وسائط، وسبباً لتحصيل مقصودهم فيما يزعمون. فالكفر لا يقتصر على اعتقاد تأثيرهم استقلالاً، بل أيضا اعتقاد أن الله أعطاهم تصرفات في أمور الكون، أو أنهم أبواب حاجة إلى الله وشفعاؤه ووسائله، قال الله تعالى عن المشركين: {مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} [الزمر: 3] وقال: {وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ} [يونس: 18] مما يدل على أنهم لم يعتقدوا استقلاليتهم.
وأمَّا مسألة استعمال المجاز في الإسناد، فينبغي أن نعلم أن تخريج أقوال عباد القبور المستغيثين بالموتى، الداعين إياهم ليشفعوا لهم عند ربهم - على المجاز العقلي منكر كبير، مخالف لحقيقة حالهم، ويترتب على هذا القول السيئ إلغاء أقوال الفقهاء في باب حكم المرتد؛ إذ كل من صدر منه قول شركي وكفري سيخرج من عهدته بالمجاز العقلي. والكلام في هذا الباب كثير، ودحض الشبهات التي عرضها المؤلف على أنها أدلة لأصحابها يطول، لذا نكتفي بهذا القدر.
الثانية: التوسع في إعمال المقاصد والأخذ بها على حساب النصوص الصريحة، والأخذ بشواذ المسائل، وضعاف الأقوال بدعوى مراعاة المقاصد.
- فالمؤلف يقرر (ص 175) أنه يمكن اختيار الأقوال المناسبة التي تحقق المقاصد الشرعية ولو كانت مهجورة، ما دامت نسبتها صحيحة، وصادرة عن ثقة، ودعت إليها حاجة.
ويطبق هذه المعايير على الرمي قبل الزوال، فيجيز الرمي قبل الزوال؛ لكثرة الحجاج والزحام مع هلاك الأنفس وتضاعف المشقة، والمقصد هو المحافظة على الأنفس والتيسير، ويقول: (النتيجة القول المرجوح جعله المقصد الشرعي راجحاً ومتعيناً، فيجوز الرمي قبل الزوال).
- قدم في فقه الأقليات كما في (ص 185) مسألة جواز بقاء المرأة التي أسلمت مع زوجها حتى وإن بقي على كفره، وهو قرار المجلس الأوربي للبحوث والإفتاء خلافا للمجامع الفقهية الأخرى.
- قال: (والقائمة طويلة، منها: اشتراء بيوت في الغرب بقروض من البنوك اعتماداً على مذهب أبي حنيفة والنخعي، وهناك قضايا جديدة أخرى من أنواع المعاملات وجواز تهنئة غير المسلمين وعيادتهم وتعزيتهم، اعتماداً على الرواية الثالثة في مذهب الإمام أحمد والتي أيدها ابن تيمية للمصلحة كما في الإنصاف للمرداوي.
ولهذا فإني أدعو إلى مراجعة الفتاوى وضبطها بمعيار ثلاثي الأضلاع يقوم على فحص الواقع لوزن المشقة والحاجة التي تطبعه وتقويم العناصر المستحدثة ثم البحث عن حكم من خلال النص الجزئي الذي ينطبق عليه إذا وجد مع فحص درجته ومرتبة حكمه ثم إبراز المقصد الشرعي كليا أو عاما كقصد التيسير مثلا أو خاصا بالباب الذي يرجع إليه الفرع ومن خلال هذا المعيار الدقيق تصدر الفتوى وهي صناعة مركبة وليست بسيطة). انتهى كلامه.
ولا شك أن فتح هذا الباب، وجعل المقاصد حاكمة على النصوص الشرعية بدعوى مقصد التيسير وغيره، يؤدي إلى مفاسد لا حصر لها، واستباحة عملية لكثير من المحرمات والمخالفات، فالعمل بالمقاصد ليس على عمومه وإطلاقه، فهو مقيد بعموم الأدلة والقواعد والضوابط الشرعية، وبسائر الأبعاد العقدية والأخلاقية والعقلية المقررة، فالمقاصد أصل تابع للأدلة، وليس دليلاً مستقلًّا ومنفرداً، ثم إن هناك مقاصد أخرى غفل عنها المؤلف، ومن أهمها مقصد عبادة الله سبحانه وتعالى حتى وإن وقع من جراء الالتزام بها بعض المشقة، فإنه يكون ابتلاء من الله يستخرج به العبوديات من العبد، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]، أما المسارعة إلى تلمس الرخص طلبا للتيسير وغيره من مقاصد مظنونة في مواطن معينة فهذا المسلك فيه ما فيه، ثم إن هناك مقصداً آخر راجع إلى مصلحة العبد في الآخرة، يلزم أن يضعه الفقيه نصب عينيه، حتى يتجنب الزلل في أقواله وفتاويه.
وأخيرا فهذا ما تيسر ذكره، وللاستزادة في التعرف على هذا المنهج، انظر:
كتاب: ((منهج التيسير المعاصر دراسة تحليلية)) لعبد الله الطويل.
كتاب: ((المبالغة في التيسير الفقهي)) لخالد المزيني.
كتاب: ((الاجتهاد المقاصدي)) لنور الدين الخادمي.
مقال: (أين أخطأ المقاصديون الجدد في نظرتهم إلى مقاصد الشريعة) لهيثم الحداد.
والله نسأل أن يهدينا لما يحبه ويرضاه.(3/337)
كتاب "الدين والسياسة تمييز لا فصل"
للدكتور سعد الدين العثماني
عرض ونقد
(إعداد القسم العلمي بمؤسسة الدرر السنية)
كتاب "الدين والسياسة تمييز لا فصل" هو واحد من الكتب المهمة في الساحة الشرعية السياسية، التي حاول من خلالها مؤلفها تقديم وجهة نظر شرعية أصولية لسؤال العلاقة بين الدين والسياسة، ويمتاز الكتاب بلغته السهلة والواضحة والمباشرة، مما يوسع من دائرة انتشاره وسهولة تناول أفكاره. والكتاب عبارة عن خمسة مقالات سبق وأن تم نشرها في الصحافة وعلى شبكة الإنترنت، إضافة إلى مقالة زائدة قدَّمها المؤلف لقرائه في خاتمة الكتاب، والكتاب من تأليف الدكتور "سعد الدين العثماني" والذي يحتل عدداً من المواقع السياسية في المشهد المغربي فهو الأمين السابق لحزب العدالة والتنمية المغربي سابقاً، ورئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية حالياً، ونائب رئيس مجلس النواب للولاية التشريعية كذلك، والدكتور متخصص في الطب النفسي، إضافةً إلى حصوله على عدد من الشهادات في مجال علوم الشريعة، والكتاب بأفكاره يمثل مسألة شديدة الحضور في خطاب الدكتور العثماني، فقد حصل على درجة الماجستير في أصول الفقه ببحث (تصرفات الرسول صلى الله عليه بالإمامة وتطبيقاتها الأصولية)، وله بحث منشور بعنوان (تصرفات الرسول بالإمامة: الدلالات المنهجية والتشريعية) إضافة إلى عدد من المحاضرات والندوات وبعض المشاركات الفضائية التي تصب جميعاً في هذه المسألة.
عرض الكتاب:
الكتاب كما سبق عبارة عن ستة مقالات، وهي على النحو التالي:
- المقالة الأولى: تصرفات الرسول بالإمامة أو طبيعة الممارسة السياسية في الإسلام:
وهي تبحث في تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم السياسية في محاولة لتمييزها عن تصرفاته الدينية، قدَّم لها بجملة من التنويهات الأولية حول واقع الحركات الإسلامية، ليدخل بعدها لبحث التصرفات النبوية وأنواعها، فقسمها إلى:
- تصرفات تشريعية.
- وتصرفات غير تشريعية.
وجعل تحت كل قسمٍ تقاسيم وأنواعاً، ليبني عليها حكم تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى إمامته، والذي جعل له أربع سمات:
1 - تصرفات تشريعية خاصة:
فهي تصرفات مرتبطة بتدبير الواقع وسياسة المجتمع، وهي خاصة بزمانها ومكانها وظروفها، فليس لها صفة الشرع الملزم إلى يوم القيامة.
2 - تصرفات مرتبطة بالمصلحة العامة:
فتصرفاته صلى الله عليه وسلم يراد منها تحقيق المصالح العامة وتنميتها وتكثيرها.
3 - تصرفات اجتهادية:
فهي تصرفات ناشئة عن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم بوصفه إماماً وقائداً، لا باعتباره نبيًّا يصدر عن الوحي.
4 - تصرفات في أمور غير دينية:
وقد بيَّن المؤلف أن الدين له إطلاقان: إطلاق عام يشمل سائر تصرفات المكلف، وإطلاق خاص في مقابل الدنيا، ومقصوده بالدينية في هذه السمة إنما هو معنى الدين الخاص، ليجعل من سمات التصرف النبوي بوصف الإمامة أنها تعمل في مجال الدنيا لتحقيق مصالحها لا في مجالا الدين.
بعد ذلك بحث المؤلف على نحو مختصر عدداً من المسائل أهمها:
- الدولة في الإسلام دولة مدنية.
-وثيقة المدينة: أول دستور للمواطنة في الإسلام.
-خلاصات في قضايا الإصلاح السياسي.
-المرجعية الإسلامية.
-تصور حزب العدالة والتمنية في المغرب.
المقالة الثانية: التصرفات النبوية الإرشادية سمات ونماذج
تكلم فيها عن عطاءات العلماء في تمييز مقامات التصرف النبوي، ثم فصل الكلام على تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم الإرشادية، وهي كما عبر: (التي ترشد إلى الأفضل من منافع الدنيا خاصة)، وضرب لهذا النوع جملة من الأمثلة على نحو مفصل، وبحث المسألة من كلام الأصوليين، وحدَّد لهذه التصرفات أربع سمات وهي:
1 - أنها مطلوبة لمصالح الدنيا لا لمصالح الآخرة.
2 - أنه لا قربة فيها ولا ثواب من جهة الأصل، إلا أن تكون على وجه الاتباع.
3 - أنه لا حرج في عدم الامتثال لها.
4 - أنها لا تسمى سنة بالمعنى الذي استعمله الصحابة والعلماء في القرون الخمسة الأولى.
المقالة الثالثة: الدين والسياسة تمييز لا فصل
وهي المقالة التي اكتسب الكتاب عنوانه من عنوانها، وهي المحاولة التي قدَّمها المؤلف لبحث الصلة بين الديني والسياسي، ففصل الكلام حول معنى الدين وإطلاقاته في الكتاب والسنة، وخلص إلى أن له اطلاقين:
- عام يشمل مختلف أوجه نشاط المسلم.
- خاص وهو التعبدي من الدين مقابل العادات أو الدنيا.
ثم بحث مسألة التمييز بين الدين والدنيا في نصوص العلماء، وعرض لنماذج من التجربة التاريخية الإسلامية، ليخلص بعد ذلك إلى تمايز الدين والسياسة كجواب على سؤال صلة الدين بالسياسة، فلا هو اتصال به بإطلاق، ولا هو منفصل عنه بل هو متمايز عنه، وهذه المقالة تشترك مع المقالتين السابقتين في عدد من النقاط.
- المقالة الرابعة: حزب العدالة والتنمية تفاعل خطابي الهوية والتدبير:
ويحاول أن يبين علاقة الحزب بالمرجعية الإسلامية، فابتدأ الكلام عن جذور تجربة الحزب، وبيَّن طبيعة عمله، وأنه ليس حركة دينية ولا دعوية، بل هو حزب سياسي مدني ذو مرجعية إسلامية، ثم فصل الكلام عن معنى هذه المرجعية وتطبيقاتها في الواقع على:
- مستوى البرنامج السياسي.
- مستوى الخطاب.
- مستوى الشعارات المرفوعة.
- العضوية والشروط.
- برامج التكوين.
- في العلاقة مع المواطنين والناخبين.
المقالة الخامسة: حزب العدالة والتنمية بين الهوية والمرجعية:
وهي مقالة مختصرة لتقديم جملة من الإجابات على بعض الإشكالات التي خلَّفها المقال السابق، وتدور تلك الإشكالات كما بيَّن المؤلف على أمرين:
- أن الطرح تشبث بثنائية مزعومة بين الهوية والتدبير.
- أن الحزب بدون الدفاع عن قضايا الهوية يناقض منطلقاته، وسيفقده الكثير.
ويدور جواب المؤلف على ضرورة التمييز بين الهوية والمرجعية.
المقالة السادسة: تمييز الديني والسياسي عند الأستاذ محمد عبده:
وهي مقالة تنزل فكرة مقالة "الدين والسياسة تمييز لا فصل" على مشروع محمد عبده الفكري السياسي، ابتدأه بالتعريف بمحمد عبده وسياقه الزمني، ثم فصَّل الكلام على مفردات الفكر السياسي لدى محمد عبده، مبرزاً فكرة التمييز بين مقام الدين والسياسة من خلال فكره في جملة من المفردات والتطبيقات أهمها:
- نفي وجود السلطة الدينية في الإسلام.
- الحاكم في الإسلام حاكم مدني.
- الوظائف الدينية ليست سلطات تمارس على الناس.
- التمييز بين الرابطة الدينية والعقدية والرابطة السياسية.
- عدم وجود شكل محدد لممارسة الحكم في الإسلام.
- رفض استبداد الحكام، وطلب تقييد تصرفاتهم بالقانون.
النقد:
الكتاب وأفكاره جديرة بمناقشة مفصلة خصوصاً وأن كثيراً منها يراد أن يكون موضع التفعيل في الساحة السياسية مع التغيرات التي هبت على الوطن العربي بثوراته الأخيرة، وهذه بعض الملاحظات المختصرة على شيء مما اشتمل عليه الكتاب من ملاحظات:
العلمانية بمفاهيم أصولية:
أخطر ما في الكتاب أنه يجسر الهوة بين الإسلام والعلمانية، ويفتح الباب لقارع العلمانية للولوج للحياة السياسية بوجه شرعي، ويقدم الغطاء الشرعي الأصولي اللازم للخطاب العلماني، ففي علاقة الدين بالسياسة مستويان من الشريعة الملزمة:
- القيم العامة مثل العدل، الصدق، الوفاء .. الخ.
- والأحكام الجزئية التفصيلية مثل إقامة الصلاة، تحريم الربا، إقامة الحدود .. الخ.
فعلى مستوى القيم الإسلامية العامة لا توجد مشكلة حقيقية لدى أكثر العلمانيين معها، بل هم يؤكدون دوماً على عظمة الجوهر الأخلاقي في الإسلام، وإنما أزمة العلمانية مع الإسلام غالباً ما تكون على مستوى إلزامية الأحكام الجزئية على المستوى التشريعي والقانوني، فهل هذه التشريعات ملزمة للسياسي؟ أم هي أحكام تاريخية مربوطة بظروفها المكانية والزمانية؟ أم هي مرتهنة بالمصلحة تتحرك وفقها بحسب ما يراه السياسي؟ فالعلمانيون يدعون إلى رفع الإلزامية التشريعية القانونية للأحكام القرآنية والنبوية، وهو حقيقة مفهوم (فصل الدين عن الدولة)، بخلاف الإسلاميين الذين يرون وجوب هيمنة الأحكام الشرعية على النظام السياسي، وأن هذه الأحكام لها صفة الإلزامية التي يجب على الدولة رعايتها، والإلزام بها في الواقع. فما ورد به النص من شأن السياسة فهو في دائرة الملزم شرعاً، وما لم يرد به النص فهو مجال اجتهاد السياسي المرهون بالمصلحة المعتبرة، فالتصرف على الرعية منوط بالمصلحة.
هذا التمهيد ضروري جدًّا لمعرفة موقع الدكتور سعد الدين العثماني من هذه القضايا، فأما على:
- مستوى القيم الدينية العامة فالدكتور يصرح بأن (الدين حاضر في السياسة كمبادئ موجهة، وروح دافقة دافعة، وقوة للأمة جامعة، لكن الممارسة السياسية مستقلة عن أي سلطة باسم الدين أو سلطة دينية) ص32، وكرَّر العبارة نفسها ص113.
- أما على مستوى الأحكام الشرعية التفصيلية المتعلقة بالمجال السياسي فهي عند الدكتور خارج دائرة الإلزام فهو يقول: (ومن جهة أولى لا يمكن بأي حال من الأحوال فرض قانون على المجتمع. وإذا كان الإسلام يقرر أن {لا إكراه في الدين}، والذي يعني أن الإيمان نفسه لا يجوز إكراه أي كان عليه، فمن باب أولى أن ينطبق الأمر على ما دون الإيمان في شعائر الإيمان وشرائعه.
ومن جهة ثانية فإن إيمان المؤمن بوجوب أمر ديني عليه لا يعطيه الحق بفرضه على الآخرين، فهو مكلف به ديناً. وذلك لا يكفي لجعله قانوناً عامًّا في المجتمع، بل عليه أن يحاول إقناع الآخرين به حتى يتبناه المجتمع بالطرق الديمقراطية، فلا يمكن أن تعطى سلطة أو يعطى حاكم حق فرض أحكام على الناس بأي مسمى كان) ص40. ويقول متحدثاً عن مهمة الدولة: (ليس من مهمة الدولة أو أي جهة سياسية التدخل في شؤون اعتقاد الناس، وفرض تصورات أو اجتهادات دينية معينة عليهم، بل مهمتها تدبير الشأن العام في إطار نظام القيم العامة للمجتمع) ص41. فدائرة الفرض والإلزام متعلقة بدائرة القيم العامة دون التفاصيل التشريعية، وإنما تدخل هذه حيز الإلزام بالإرادة الشعبية، وفق آليات الديمقراطية التي يقع عليها توافق اجتماعي.
هذا التصور الذي طرحه الدكتور لعلاقة الديني بالسياسي يتقاطع بشكل كبير مع كثير من الأطروحات العلمانية، الأمر الذي لفت نظر بعض الكتاب حتى وصفه أحدهم بأنه يقدم العلمانية بمفاهيم أصولية، ووصفه آخر بأنه إسلامي ونصف علماني، بل الدكتور نفسه واعٍ تماماً لحالة التقارب هذه مع الحالة العلمانية فيقول في أحد حواراته: (هُناك علمانية أقرب ما تكون إلى التصور الإسلامي) بل قال في أحد مناظراته التلفزيونية ما هو أصرح في بيان حالة التقارب هذه: (أقول: إن العلمانية ليست شيئاً واحداً، هناك علمانية متطرفة ضد الدين تريد إقصاءه فعلاً من الحياة، بحيث يصبح ممارسة معزولة في كنيسة أو في مسجد، هذا نموذج معين من العلمانية، وهناك العلمانية التي تعني تسيير المجالات الدنيوية انطلاقاً من الموضوعية والبراغماتية، وهذا النوع له وجود معين في الإسلام، فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء إلى المدينة، ووجد سكانها يلقحون النخل فقال: (لو تركتموه لأثمر) فتركوه، فلم يثمر، فلما جاؤوه وحكوا له الأمر قال: (ما كان في أمر دينكم فإليَّ، وما كان من أمر دنياكم فشأنكم). فميَّز بين مجالين، وهذا فكر موجود في الإسلام، وبهذا النص وبنصوص أخرى على أساس أن المجال الدنيوي بناء على هذا التعريف يجب أن يكون مبنيًّا على الاجتهاد البشري، وعلى الفكر اختيار أحسن وأفضل الوسائل لتنظيمه واستثماره واستفادة الإنسان منه على أساس معقلن، إذ كانت العلمانية تعني كل هذا في إطار المرجعية الإسلامية العامة التي هي الإطار العام المنظم، فهذا الإطار المرجعية الإسلامية العامة، التي هي الإطار العام المنظم، فهذا الإطار المرجعي الإسلامي العام هو الذي يجعل هذا المجتمع في نظامه مسلماً، هذا هو الإطار العام وداخله المجالات الدنيوية بأقصى درجات الاجتهاد والعقلانية والابتكار والفكر).
- تفريغ السنة النبوية من مصدرية الوحي في المجال السياسي:
ليس الإشكال في فكرة تقسيم التصرفات النبوية، وبيان ما يتعلق بهذه التصرفات من أحكام، وقد جرى الأصوليين فعلاً على التنبيه على صور وأشكال التصرفات النبوية، وبيان ما كان منها واقعاً للتشريع، وما وقع منها بمقتضى العادة أو الجبلة أو الاجتهاد .. إلخ وبيان درجة كلٍّ من الاقتداء والالتزام، لكن المشكلة اللافتة للنظر أن هذه المسألة الأصولية أضحت منطلقاً عند البعض لتفريغ السنة النبوية شيئاً فشيئاً من دائرة الإلزام الشرعي، ليتسع مع الزمن مجال السنة غير التشريعية على حساب التشريعية، وليغدو للناظر بعد مدة، وكأن الأصل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم عدم التشريع، فمن قائل أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم في المجال الطبي جميعاً خارجة عن إطار الوحي، إلى إجراء الحكم نفسه على تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم السياسية، يقول الدكتور العثماني: (تصرفات الرسول بالإمامة ليست ملزمة لأي جهة تشريعية أو ذات سلطة، ولا يجوز الجمود عليها بحجة أنها (سنة)، وإنما يجب على كل من تولى مسؤولية سياسية أن يتبعه صلى الله عليه وسلم في المنهج الذي هو بناء التصرفات السياسية على ما يحقق المصالح المشروعة) ص28، ويقول: (ومن ثم فهي ليست شرعاً عامًّا ملزماً للأمة إلى يوم القيامة. وعلى الأئمة وولاة الأمور بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ألا يجمدوا عليها، وإنما عليهم أن يتبعوه صلى الله عليه وسلم في المنهج الذي بنى عليه تصرفاته، وأن يراعوا المصالح الباعثة عليها، والتي راعاها النبي صلى الله عليه وسلم زماناً ومكاناً وحالاً، وهو الأمر الذي عبَّر عنه القرافي بأن هذا النوع من التصرف النبوي (لا يجوز لأحد الإقدام عليه إلا بإذن من إمام الوقت الحاضر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم إنما فعله بطريق الإمامة ولا استبيح إلا بإذنه) ص19.
والمؤلف يتكئ في هذا التقرير على كلام للإمام القرافي في كتابه الفروق والذخيرة والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ويظهر احتفاءً كبيراً به فيقول: (وهكذا يكون القرافي قد دشن مرحلة جديدة في التعامل مع التصرفات النبوية والتمييز بين أنواعها، وبقي من بعده عالة عليه فيها بدون منازع) ص52.
والحق أن القرافي عليه رحمة الله ما أراد أبداً تقرير ما ذهب إليه العثماني من إخراج (التصرفات السياسية) من دائرة الوحي والتشريع، وذلك لاعتبارين:
1 - أن القرافي إنما يتكلم في تمييز تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار مقاماته إماماً وقاضياً ومفتياً وهكذا، وتصرفات النبي صلى الله عليه وسلم باعتبار إمامته أضيق دائرة من مطلق خطابه في مجال السياسة، فإخراج الخطاب النبوي السياسي من دائرة التشريع مطلقاً اتكاء على تمييز مقام الإمامة وتحميل ذلك الإمام القرافي خطأ بيِّنٌ.
2 - أن القرافي لا يخرج تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى إمامته من دائرة التشريع مطلقاً، وإنما يجعل أحكامها مختصة بالأئمة، فما كان منها واجباً فهو واجب عليهم، وما كان مباحاً فمباحٌ وهكذا.
3 - أن العثماني جعل مستند التصرف السياسي هو المصلحة الراجحة أو الخالصة فقط، وما من شك أن من التصرف السياسي ما يكون كذلك، ولكن منه ما يكون مأخذه النص والخبر.
- حديث: ((أنتم أعلم بأمور دنياكم)):
يستدل الدكتور في تقرير المعاني السابقة بحديث تأبير النخل الشهير، وهو واحد من أكثر الأحاديث حضوراً في الخطاب العلماني، حتى قال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في تعليقه على المسند (2/ 364 - 365): (وهذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر، وصنائع أوربا فيها، من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يحاجون به أهل السنة).
وقصة تأبير النخل أخرجها الإمام مسلم من حديث غير واحد من الصحابة - رضي الله عنهم-:
1 - من حديث طلحة بن عبيد الله - رضي الله عنه- قَالَ: مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْمٍ عَلَى رُؤوسِ النَّخْلِ، فَقَالَ: "مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ؟ " فَقَالُوا: يُلَقِّحُونَهُ يَجْعَلُونَ الذَّكَرَ فِي الْأُنْثَى فَيَلْقَحُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَا أَظُنُّ يُغْنِي ذَلِكَ شَيْئًا " قَالَ: فَأُخْبِرُوا بِذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-بِذَلِكَ فَقَالَ: "إِنْ كَانَ يَنْفَعُهُمْ ذَلِكَ فَلْيَصْنَعُوهُ، فَإِنِّي إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا. فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ؛ وَلَكِنْ إِذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ اللَّهِ شَيْئًا فَخُذُوا بِهِ فَإِنِّي لَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-". (2361)
2 - ومن حديث رافع بن خديج - رضي الله عنه- قال: قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ، وَهُمْ يَأْبُرُونَ النَّخْلَ، يَقُولُونَ يُلَقِّحُونَ النَّخْلَ، فَقَالَ: مَا تَصْنَعُونَ؟ قَالُوا: كُنَّا نَصْنَعُهُ، قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا، فَتَرَكُوهُ فَنَفَضَتْ أَوْ فَنَقَصَتْ، قَالَ: فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ رَأْيٍ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. قَالَ عِكْرِمَةُ أَوْ نَحْوَ هَذَا. (2362)
3 - ومن حديث أنس- رضي الله عنه- أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّ بِقَوْمٍ يُلَقِّحُونَ فَقَالَ: لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا لَصَلُحَ. قَالَ: فَخَرَجَ شِيصًا، فَمَرَّ بِهِمْ، فَقَالَ: مَا لِنَخْلِكُمْ؟ قَالُوا: قُلْتَ كَذَا وَكَذَا، قَالَ: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ. (2363)
ومناقشة هذا الحديث تفصيلاً والرد على من يجعله أصلاً في إخراج الأقوال والأفعال النبوية المتصلة بشأن الدنيا عن دائرة التشريع مما يطول، لكن أذكر ما يلي مختصراً:
1 - أن مثل هذا التوسع في رد السنة مخالف لهدي أهل العلم وفهمهم لهذا الحديث، فقد بوب الإمام النووي عليه بقوله: "باب وجوب امتثال ما قاله شرعاً، دون ما ذكره صلى الله عليه وسلم من معايش الدنيا على سبيل الرأي". وقال في شرحه: (قال العلماء: قوله صلى الله عليه وسلم "من رأي" أي في أمر الدنيا ومعايشها لا على سبيل التشريع، فأما ما قاله باجتهاده ورآه شرعاً يجب العمل به، وليس إبار النخل من هذا النوع، بل من النوع المذكور قبله ... قال العلماء: ولم يكن هذا القول خبراً، وإنما كان ظنًّا، كما بينه في هذه الروايات، قالوا: ورأيه صلى الله عليه وسلم في أمور المعايش وظنه كغيره، فلا يمتنع وقوع مثل هذا، ولا نقص في ذلك، وسببه تعلق هممهم بالآخرة ومعارفها والله أعلم) شرح مسلم للنووي 15/ 116.
2 - أن الأمور التي يقال فيها: (أنتم أعلم بأمور دنياكم) هي تلك الأمور التي لم تتناولها الأدلة الشرعية تناولاً عامًّا أو تناولاً خاصًّا، والعبارة لها مناسبة، وجاءت في شأن خاص- تأبير النخل- فما جرى مجراه من شأن الدنيويات فهو إلى البشر ككيفية شق الأنفاق وبناء المصانع ورصف الطرق ... الخ فالأصل في هذه أنها داخلة في دائرة المباح الشرعي وموكولة إلى أهل الخبرة في شؤونها، ولا يفتش فيها عن الأدلة الشرعية الخاصة لمعرفة التفاصيل الفنية المتعلقة بها.
3 - أن الأصل في كل ما تناولته النصوص الشرعية -ولو كان متعلقاً بأمر الدنيا أو المعاش أو السياسة أو غيره- أن يكون على سبيل التشريع إلا أن يدل الدليل أو القرينة على خلاف ذلك، والأدلة الشرعية الدالة على هذا الأصل أكثر من أن تذكر، فمنها: {قُلْ أَطِيعُوا اللهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ}، {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ}، {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ}، {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}، {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}، {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}، {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ}، وقال صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ) رواه البخاري (7288) ومسلم (1337)، وعن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه، َ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ). رواه البخاري (6604).
ويتأيد هذا الأصل بالتصرفات العملية للصحابة حيال التصرفات النبوية، فقد تركوا رضي الله عنهم تأبير النخل، رغم خبرتهم السابقة بأهمية ذلك التلقيح، وإدراكهم أنه أمر من أمور المعايش الدنيوية، وهذا يؤكد أن الأصل عندهم أن أقوال النبي صلى الله عليه وسلم إنما هي للتشريع ما لم تأت قرينة بخلاف ذلك لا العكس، ويؤكد هذا الأصل خبر نزول النبي صلى الله عليه وسلم ببدر، ورغبة النبي صلى الله عليه وسلم في مصالحة هوازن على ثمار المدينة في الخندق، وما جرى من الصحابة في هذه الوقائع وغيرها.
4 - من تأمل في حديث تأبير النخل ظهرت له بجلاء قرائن في الحديث تفيد خروجه عن دائرة التشريع، فلا يصح أن يجعل أصلاً لعزل الجانب التشريعي عن مجالات الحياة، فالرسول صلى الله عليه وسلم-كما هو بيِّنٌ في الحديث -لم يأمرهم أمراً مطلقاً، أو لم ينههم نهياً مطلقاً -أي بعبارة أخرى لم يكن ما صدر منه على سبيل التشريع- وألفاظ الحديث ورواياته المتعددة تدل على ذلك، وإن كان من سمع هذا الموضوع من الصحابة رضي الله عنهم قد غلبوا جانب التشريع وتوهموا ذلك. فقد جاء في ألفاظ الحديث ورواياته: (ما أظن يغني ذلك شيئاً) وجاء (لعلكم لو لم تفعلوا كان خيراً)، مما يبين أن الرسول صلى الله عليه وسلم يتحدث عن ظن أو خبرة دنيوية لا علاقة لها بالتشريع، ولذلك لما غلَّب بعض الصحابة رضي الله عنهم جانب التشريع في ذلك، بيَّن لهم الرسول صلى الله عليه وسلم أنه لم يرد ذلك، وأن كلامه السابق لا يدل عليه، ولذلك قال لهم معقباً على تصرفهم إزاء مقالته السابقة: (فإني إنما ظننت ظنًّا، فلا تؤاخذوني بالظن) وقال: (إذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر)، وقال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم). فالروايات كلها في مبتداها ومنتهاها متضافرة على أن ما ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابة كان من قبيل الرأي المتعلق بأمور المعاش القائم على الخبرة البشرية التي قد يتاح منها لبعض الناس ما لا يتاح لغيرهم، ولم يكن كلاماً على سبيل التشريع.
ومن كل ما تقدم يتبين أن قوله صلى الله عليه وسلم: (أنتم أعلم بأمر دنياكم). لا يتعارض مع النصوص الشرعية التي جاءت متعلقة بأمور الدنيا، وبالتالي فإنه لا يمكن أن يستفاد من ذلك الحديث أن جميع المسائل المتعلقة بالنظام السياسي هي من الأمور المتروكة للبشر، وذلك لأن النظام السياسي جاءت في شأنه نصوص شرعية من الكتاب والسنة، عامة وخاصة، تبين وتفصل الأحكام المتعلقة به فما جاءت به النصوص فواجبٌ التزامه، وما لم تأت به النصوص فالأصل إباحته والأصل في الشأن السياسي هو السعي لتوسيع دائرة المصالح وتقليل المفاسد بحسب الممكن.
-المصطلحات الملبِّسة:
جاء في الكتاب تقرير جملة من الأحكام بجملة من المصطلحات، وبعض هذه المصطلحات إما أن يكون مجملاً أو وافداً يحمل في طياته حمولة فكرية للبيئة التي ولدت فيها، وبالتالي فجعلها موضع قبول بإطلاق فيه قدر كبير من الإشكال، فمن الأمثلة التي جاءت في الكتاب (الدولة المدنية، القانون المدني، الديمقراطية، المواطنة) فهذه جميعاً جاءت في الكتاب كصيغ مقبولة في النظام السياسي الإسلامي ولا يخفى أن هناك كتابات متعددة في مناقشة هذه المفردات وبيان ما يحتف بها ويندرج فيها من مفاهيم مشكلة في التصور الإسلامي، ولست بصدد المناقشة تفصيلاً لكل مصطلح فإنه طويل، وإنما التنبيه إلى أصل إشكال استيراد هذه المصطلحات وبثها وجعلها معبرة عن التصور الإسلامي للنظام السياسي.(3/338)
أدلة إثبات أن جدة ميقات
للشيخ عدنان العرعور
عرضٌ ونقد
كتاب هذا الشهر يتناول مسألة من مسائل الحج تتعلق بالمواقيت، وهي الخلاف في اعتبار مدينة جدة ميقاتا، وكاتبه هو الشيخ الفاضل عدنان العرعور الذي انتهى إلى اعتبار جدة ميقاتا، وهذا الكتاب وإن كان قد صدر منذ فترة إلا أن الخلاف في المسألة ما زال باقيا، لذا سنعرض محتوى هذا الكتاب، ونذكر أهم ما أُخذ عليه.
أولا: عرض الكتاب:
بعد أن قدم المؤلف بين يدي كتابه بمقدمة، بيَّن فيها أن هذا البحث هو اختصار لبحث مطول، أودع فيه من التفاصيل الدقيقة التي يصعب تناولها من عموم المسلمين، لذا عمد إلى اختصاره في رسالة لا تتجاوز ستين صفحة. وذكر أن المسألة ليست اجتهادية بقدر ما هي تطبيقية، وأنها لا تتعدى معرفة المعنى الصحيح للمحاذاة، وإنزاله على الواقع.
بعد المقدمة ذكر بعض الاصطلاحات المستخدمة في رسالته كالقاصد والميقات الأصلي والإضافي إلى غير ذلك مبينا تعريفها.
وتحت عنوان (بين يدي المواقيت) ذكر المواقيت المحددة شرعا ومدى بعدها عن مكة.
لينتقل بعد ذلك إلى ذكر بعض أحكام المواقيت والمقصود منها، فذكر سبعة أمور منها: أن المواقيت نقاط لإعلام القاصدين ببدء النسك ووجوب الإحرام منها، وأنها موزعة حول الحرم ليتشكل منها محيط المواقيت، وأنه ليس لها قدسية خاصة لذاتها، لذا تكلم عن جواز الإحرام مما يحاذي هذه المواقيت، وقسم المواقيت إلى قسمين أصلية وإضافية، ثم تكلم عن عدد المواقيت الإضافية وأنها بعدد النقاط المحاذية للمواقيت الأصلية.
ثم تكلم عن أهمية تحديد المحاذاة، والدليل على جواز الإحرام من المحاذاة، وبيَّن معنى المحاذاة، وأنها تتحقق بوقوع الموضع بين مكانين وعلى خط واحد، وأيضا بمجاورة المكان أو الملاصقة له، وكذلك بكون مسافة الموضع من مكة تساوي أقرب المواقيت إليه.
ثم تكلم عن كيفية تحديد محيط المواقيت، وقام بتطبيق معنى المحاذاة على الساحل الغربي.
وذكر الشيخ أدلة ستة على أن جدة محاذية وهي:
1 - أنه بوصل خطوط بين المواقيت نجد أن جدة تقع على هذا المحيط.
2 - مساواة مسافة جدة عن مكة مع أقرب ميقات لها.
3 - اتفاق أهل العلم أن من لم يدرك المحاذاة يحرم من مسافة مرحلتين.
4 - أنه لا محاذاة في البحر البتة.
5 - أن كل بقعة على سطح الأرض لا تخلو من ثلاث حالات:
* إما أن تكون داخل المواقيت.
* أو خارج حدود المواقيت.
* أو واقعة على المحيط نفسه.
أما الحالة الأولى: فيعني هذا الزيادة على مسافة المحاذاة وهذا مردود شرعاً وواقعاً.
وأما الحالة الثانية: فلا يقول بها أحد.
وأما الحالة الثالثة: فهي المتعينة فتكون جدة ميقاتاً.
6 - قياس القادمين من الغرب على القادمين من الشرق.
ثم ذكر الشيخ من قال بهذا من أهل العلم، وتكلم عن حكم من مرَّ من ميقات إلى ميقات آخر ثم أحرم منه، ثم ذكر مسألة مِن أيِّ مكان من جدة يحرم القاصد، وقد أصبحت مدينة كبيرة.
هذا هو مضمون هذه الرسالة وأهم ما ورد فيها.
ثانيا: النقد:
فكرة الكتاب تقوم على إثبات أن مدينة جدة تعتبر من المواقيت؛ لأنها تحاذي أقرب المواقيت إليها، وعلى اصطلاح المؤلف من المواقيت الإضافية، وقد أصَّل لذلك بالكلام عن المحاذاة ثم سرد الأدلة على أن جدة محاذية، وسنذكر بعض المؤاخذات على ما ذكره مما نبه عليه أهل العلم:
1 - القاعدة في تحديد المواقيت غير المنصوص عليها بالمحاذاة صحيح، لكن حَد المحاذاة الذي ذكره المؤلف لا يسلم بإطلاق، فتفسيره للمحاذاة بكون الموضع المحاذي واقعاً بين ميقاتين على خط واحد، فهذا غير مسلم لغة وشرعاً وذلك للآتي:
* أن كلمة (حذا) في اللغة لا تدل على تسمية المكان الواقع بين مكانين محاذياً.
* أنه حتى لو صح هذا المعنى لغة، فإنه لا يصح شرعاً؛ لأنه سيؤدي إلي أنَّ أي مكان واقع بين مكة والمدينة يسمى محاذياً للمواقيت، فيجوز الإحرام منه؛ لأنه يصدق على مكة اسم مكان كما يصدق هذا الاسم على المواقيت أيضا.
* أن هذا التفسير للمحاذاة وهو كون المكان واقعاً بين ميقاتين على خط واحد مخالف لتفسير أهل العلم، وفي وضع هذا الخط المحيط بالمواقيت ربط للمحاذاة بميقاتين وليس بميقات واحد، وهذا خطأ واضح في فهم المحاذاة.
2 - تفسير المحاذاة بكون مسافة المحاذي والمحاذى به عن مكة متساوية فصحيح، إلا أن تنزيله على مدينة جدة وكونها محاذية للجحفة أو يلملم غير صحيح، وذلك لأن مسافتها عن الحرم متفاوتة وليست سواء، فمسافة جدة عن الحرم تقارب سبعين كيلاً، بينما مسافة الجحفة عن مكة تقارب مائة وسبعة وثمانين كيلاً، ومسافة يلملم عن مكة أربع وتسعون كيلاً، فكيف نقول بالمحاذاة وهي تساوي بعد المكانين عن الحرم مع هذا التفاوت الظاهر، كما أن جدة تقع في جهة أخرى غير جهة يلملم.
2 - قوله: إنه لا محاذاة في البحر البتَّة.
يجاب عنه: بعدم التسليم بأنه لا محاذاة في البحر فهذا مخالف لما ذهب إليه كثير من أهل العلم من وجوب الإحرام على من كان البحر طريقه إلى مكة إذا حاذى الجحفة أو يلملم, بل المحاذاة حاصلة لمن كان البحر طريقه ولا تتعذر المحاذاة في البحر، كما أننا نقول بأنه لا ميقات في البحر، ولكن يمكن محاذاة ميقات الجحفة ويلملم، وهما قريبان من البحر وليست محاذاتهما متعذرة للقادم من الشمال أو الجنوب.
3 - استدلاله بأنَّ مدينة جدة لا تخلو:
إما أن تكون داخل المواقيت أو خارجها أو تقع على المحيط نفسه.
وأن الحالة الثالثة هي المتعينة فتكون جدة ميقاتاً.
فيجاب عنه: بأن هذا التقسيم قائم على تفسير أصحاب هذا القول للمحاذاة، وإثباتهم أن جدة محاذية لميقاتي الجحفة ويلملم، وهذا قد أجبنا عنه، ومدينة جدة واقعة داخل المواقيت، وليست محاذية لأحدها؛ لكونها أقرب إلى مكة من ميقاتي الجحفة ويلملم، ولذا فالواجب على القادم من الشام ومصر برًّا وبحراً وجوًّا الإحرام من الجحفة أو ما كان حذوها، وكذا القادم من اليمن سواء كان ذلك برًّا أو بحراً أو جواً فإنه يحرم من يلملم.
4 - قوله: (إذا عرف هذا وفهم ما قد سلف من المقصود من المواقيت وأن ليس لها قدسية في ذاتها وأنها للإحاطة والإعلام عرف أنه لو تجاوز متجاوز ثم رجع إلى ميقاته أو إلى ميقات آخر ثم أحرم منه فلا شيء عليه). وقوله: (إذ المقصود ألا يتجاوز القاصد المحيط إلا محرما من أي نقطة شاء). واحتج أن ابن عمر أحرم من الفرع وعائشة أحرمت من الجحفة وهذا لا يكون إلا بعد مجاوزة ذي الحليفة أو مجاوزة محاذاتها. وذكر أنه وقف على فتوى للشيخ ابن باز تؤيد ذلك.
قوله هذا فيه نظر، فقوله صلى الله عليه وسلم: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن)) يفيد وجوب الإحرام من هذه المواقيت لأهل تلك الجهات ومن مر عليها من غير أهلها، فلا يجوز تجاوزها دون إحرام فإن جاوزها وجب الرجوع إليها والإحرام منها، أفتى بذلك: ابن عباس وابن الزبير وعليه الجمهور.
أما احتجاجه بما ورد عن ابن عمر وعائشة وأنه لا يمكن لأهل المدينة أن يحرموا إلا من هذين المكانين فقد أجاب عن أثر ابن عمر وعائشة الإمام أحمد بأنهما خرجا من مكة إلى الجحفة للإحرام منها ولم يكتفيا بالخروج إلى التنعيم ولم يكن خروجهما من المدينة كما ظن الشيخ.
وأما قوله: (لا يمكن لأهل المدينة أن يحرموا إلا من هذين المكانين). فيجاب عنه بأن هناك طرقا متعددة تسلك بين مكة والمدينة، يقول ابن قدامة: (فإن مَن مرَّ مِن غير طريق ذي الحليفة فميقاته الجحفة).
أما ما ذكر عن ابن باز فلا يدل على ما ذهب إليه، وقد صرح الشيخ بغير ذلك في إحدى فتاويه فقال: (يلزمهم أن يعودوا إلى ميقاتهم إذا كانوا قادمين للحج أو العمرة، ولا يجوز لهم تجاوز الميقات بدون إحرام؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام لما وقت المواقيت لأهل المدينة والشام ونجد واليمن وغيرهم قال: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج والعمرة)) فلا بد أن يحرموا من الميقات الذي يمرون عليه إذا كانوا قاصدين الحج أو العمرة فيحرموا منه، فإذا تجاوزوه فإن عليهم الرجوع إليه، فإن تجاوزوه ولم يرجعوا وأحرموا بعده لزمهم دم، وهكذا إن عجزوا عن الرجوع إليه أحرموا من مكانهم وعليهم دم).
وبذلك أفتى أيضا الشيخ ابن عثيمين فقال: (وهذه المسألة التي ذكرها السائل أنه تجاوز الميقات بلا إحرام حتى وصل مكة ثم قيل له: ارجع إلى أقرب ميقات فأحرم منه، نقول له: إن هذه الفتوى ليست بصواب، وأن عليه أن يذهب إلى الميقات الذي مر به؛ لأنه الميقات الذي يجب الإحرام منه، كما يدل على ذلك حديث عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما الذي أشرنا إليه آنفاً. يعني حديث: ((هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن يريد الحج أو العمرة)). انتهى كلامه.
هذا بعض ما تيسر نقله مما أخذ على هذه الرسالة، وقد قام بالرد عليها غير واحد من أهل العلم، منهم الشيخ ابن باز وهيئة كبار العلماء، ومن أراد الاستزادة فيمكنه الرجوع إلى:
(توضيح المبهمات في مسألة كون جدة ميقات)
كتاب (جدة داخل المواقيت ولن تكون ميقاتا لغير أهلها)
كتاب (المسائل المشكلة من مناسك الحج والعمرة)
كتاب (النوازل في الحج)
والله الهادي إلى الصواب، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.(3/339)
كتاب فقه العصر
(مفهوم أهل السنة والجماعة- البدعة وأحكامها - صناعة الفقيه في المحاضر الموريتانية)
لمحمد بن الحسن الددو
عرضٌ ونقد
كتاب هذا الشهر للشيخ محمد بن الحسن الددو الشنقيطي، وأصله عبارة عن تفريغ لخمس حلقات من برنامج (فقه العصر) والذي كان قد أذيع من خلال أحد القنوات الفضائية، وقد حاوره الدكتور عادل بن أحمد باناعمة، واعتنى بالكتاب الدكتور علي بن حمزة العمري، وفيما يلي بيان أهم ما احتوى عليه الكتاب، وأهم المآخذ عليه.
أولا: العرض
المجموعة الأولى من فقه العصر اشتملت على ثلاثة محاور رئيسة:
الأول: مفهوم أهل السنة والجماعة
ودار الكلام فيه حول مفهوم كلمة السنة وإطلاقاتها، وتعريف كلمة الجماعة وبيان أصلها وعلاقتها بالسواد الأعظم. ثم تكلم عن حديث الافتراق والطائفة المنصورة والناجية، وهل تعد الجماعات الإسلامية المعاصرة من الفرق أم لا؟ إلى غير ذلك.
الثاني: البدعة وأحكامها
وتناول فيه عددًا من المسائل منها: الحد الشرعي للبدعة، ومدى إمكانية حد البدعة بحد جامع مانع، ينتهي به الخلاف، ويجتمع عليه الناس، وهل يصلح إطلاق أن كل ما لم يفعله الرسول صلى الله عليه وسلم يعتبر بدعة؟ وهل يصلح إطلاق أن البدعة شر من المعصية؟ ومعنى أن المبتدع لا توبة له، وكذلك تكلم عن بعض المسائل التي اختلف الناس في بدعيتها كختم القرآن والسبحة وغير ذلك.
الثالث: صناعة الفقيه في المحاضر الموريتانية
تكلم في هذا المحور أولًا عن كلمة المحاضر من الناحية اللغوية وتعريفها، وأعطى لمحة تاريخية عن العناية العلمية في شنقيط، وتكلم أيضا عن الأدوات التي يستخدمها الطلاب في التعلم، وذكر بعض الحكايات في المحاضر الموريتانية وبعض من تخرج على هذه المحاضر وعجائب حفظهم وعلمهم، ثم ألقى الضوء على المحضرة ومدة الدراسة فيها، مع ذكر نموذج من إحدى المحاضر، وكيف كانت تتم فيه الدراسة، وبيَّن بعض طرق الحفظ إلى غير ذلك.
ثانياً: النقد
1 - ذكر أن مصطلح الجماعة ظهر عندما أصبح جمهور المسلمين وسوادهم الأعظم مع الخليفة لذا سموا جماعة ثم قال (ص 16): وهذا الإطلاق الآن لمصطلح الجماعة لم يعد وارادًا، وكثير من الناس تعودوا على إطلاق السنة مع الجماعة وظنوا أن السنة والجماعة مصطلح واحد يطلق على الناجين ... وأما لفظ الجماعة بمعناه الاصطلاحي فبعيد جدا عن زماننا وواقعنا. وبيان ذلك أن الجماعة ... تطلق على السواد الأعظم من المسلمين الملتزمين بالسنة المنضوين تحت راية الخليفة وقد عدم الخليفة الجامع اليوم.
والجواب:
أن ما ذكره الشيخ فيه قصور واضح، وذلك لأن لفظ الجماعة إذا ذكر مع السنة فقيل: (أهل السنة والجماعة) كان المراد به سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين الذين اجتمعوا على الحق الصريح من كتاب الله وسنة رسوله.
أما الأحاديث التي أوجبت الالتزام بالجماعة وعدم الخروج عليها، فقد ذكر العلماء فيها عدة أقوال منها:
- أن الجماعة المراد بهم الصحابة دون من بعدهم.
- أنهم أهل العلم والفقه والحديث من الأئمة المجتهدين.
- أنهم جماعة أهل الإسلام إذا أجمعوا على أمر من الأمور الشرعية.
- أنهم السواد الأعظم وهو مروي عن أبي مسعود الأنصاري وابن مسعود.
- أنهم جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وهذا رأي الطبري.
وكل هذه الأقوال ترجع إلى قولين:
الأول: أنها الجماعة إذا اجتمعوا على إمام على مقتضى الشرع عندئذ يجب لزومها ويحرم الخروج عليها.
الثاني: أنها ما عليه أهل السنة من الاتباع وترك الابتداع أو هي المذهب الحق وهذا معنى تفسير الجماعة بالصحابة أو أهل العلم أو أهل الإجماع أو السواد العظم فكلها ترجع إلى أمر واحد وهو من كان على مثل ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه سواء كانوا قليلا أو كثيرا.
2 - قوله (ص 22) إن الإمام أحمد لما ذكر أن الطائفة المنصورة هم أهل الحديث كان يقصد أهل زمانه فقط المشتغلين بصنعة الحديث وكانوا إذ ذاك هم السواد الأعظم. ثم يقول لما سئل ألا يعني هذا إخراج الفقهاء وغيرهم من الطائفة المنصورة قال: لا فالفقهاء كلهم من أهل صنعة الحديث. ثم يقول: وإذا بحثت في ترجمة أي فقيه في زمن الإمام أحمد فستجده محدثا.
والجواب:
أن هذا الكلام فيه خلط عجيب، فالأول ظنه أن كلمة أهل الحديث المراد بها أهل الحديث المشتغلين به فقط، وثانيا أن الإمام أحمد إنما قاله لأهل زمانه فقط، وذلك لأن السواد الأعظم حينئذ كانوا من المحدثين وهذا عجيب، فأين باقي طوائف الأمة من أهل السنة هل كانوا محدثين؟!.
ولا شك أن مصطلح أهل الحديث استخدمه الإمام أحمد وغيره أيضا فلا تصح دعوى أن ذلك خاص بأهل زمانه، ثم إن أهل الحديث المقصود بهم الذي يهتمون بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم رواية ودراية ويلتزمون بالسنة ويجتنبون البدعة لذا يقول عنهم الصابوني في كتابه الذي سماه (عقيدة السلف أصحاب الحديث) يقول (ص 99): ويقتدون بالنبي صلى الله عليه وسلم وبأصحابه الذين هم كالنجوم ويقتدون بالسلف الصالحين من أئمة الدين وعلماء المسلمين ويتمسكون بما كانوا به متمسكين من الدين المتين والحق المبين ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه ولا يحبونهم ولا يصحبونهم.
ويصحح شيخ الإسلام هذا الخطأ الذي وقع فيه صاحب الكتاب فيقول في (مجموع الفتاوى) (4/ 91): (ونحن لا نعني بأهل الحديث المقتصرين على سماعه أو كتابته أو روايته، بل نعني بهم كل من كان أحق بحفظه ومعرفته وفهمه ظاهرًا وباطنًا واتباعه باطنًا وظاهرًا، وكذلك أهل القرآن، وأدنى خصلة في هؤلاء محبة القرآن والحديث والبحث عنهما وعن معانيهما والعمل بما علموه من موجبهما، ففقهاء الحديث أخبر بالرسول من فقهاء غيرهم وصوفيتهم أتبع للرسول من صوفية غيرهم وأمراؤهم أحق بالسياسة النبوية من غيرهم وعامتهم أحق بموالاة الرسول من غيرهم).
3 - حمله للتكفير لبعض من قال بخلق القرآن على الإنكار الشديد والتغليظ فقط وقال (ص 23): كأن شيخ الإسلام يميل إلى هذا.
والجواب:
صرح علماء السلف بتكفير من قال بخلق القرآن، فعن أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم قال: سألت أبي وأبا زرعة عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك. فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازًا وعراقًا وشامًا ويمنًا فكان من مذهبهم ..... ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم كفرا ينقل عن الملة. (شرح أصول اعتقاد أهل السنة) للالكائي (1/ 176). وقال شيخ الإسلام: القول المتواتر عن أئمة السلف أنهم قالوا: القرآن كلام الله غير مخلوق وأنهم أنكروا مقالة الجهمية الذين جعلوا القرآن مخلوقا منفصلا عن الله بل كفروا من قال ذلك. (مجموع الفتاوى) (17/ 74).
4 - قوله (ص 50): أئمة أهل السنة كلهم درسوا علم الكلام ودرسوه وناظروا فيه.
والجواب:
إن ذم أهل السنة لعلم الكلام معلوم ومشهور، بل قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء. ثم قال نقلا عن ابن خويز منداد: قال: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع, أشعريًّا كان أو غير أشعري. (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 194، 195).
5 - قال (ص 102): إذا ذكر الاسم المفرد دون (يا) فهذا محل خلاف بين أهل العلم فبعض أهل العلم رأى أن الذكر بالاسم المنفرد من باب الثناء وأن الخبر محذوف، واستدلوا على ذلك بالحديث الوارد في أشراط الساعة وفيه ((حتى لا يبقى على الأرض من يقول الله الله)) فقالوا: هذا دليل على جواز الذكر بالاسم المفرد.
والجواب:
يقول شيخ الإسلام: والذكر بالاسم المفرد مظهرا ومضمرا بدعة في الشرع، وخطأ في القول واللغة فإن الاسم المجرد ليس هو كلاما لا إيمانا ولا كفرا. وقد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أفضل الكلام بعد القرآن أربع وهن من القرآن: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر)) وفي حديث آخر: ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)) وقال: ((أفضل ما ققلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)). والأحاديث في فضل هذه الكلمات كثيرة صحيحة. وأما ذكر الاسم المفرد فبدعة لم يشرع. (مجموع الفتاوى) (10/ 396). وأما الحديث الذي ذكره فيفسره الرواية الأخرى ((حتى لا يقال في الأرض لا إله إلا الله)).
وهناك مؤاخذات أخرى ننبه على بعضها دون تعليق، فمنها:
- نسبته الأشاعرة والماتريدية لأهل السنة (وعنده أهل السنة = أهل السنة والجماعة) ومثلهم في ذلك مثل المذاهب الفقهية المالكي والحنبلي والشافعي كلها مذاهب من أهل السنة فيها أخطاء وفيها صواب وأخطاؤها لا تخرجها عن أن تكون مذاهب لأهل السنة.
- قوله الافتراق ليس عيبا هنا والإخبار بافتراق اليهود إذا كان هذا قبل نسخ ملتهم ليس عيبا ومثل ذلك النصارى.
- قوله إن اشتغال البغدادي بجمع هذه الفرق لم يكن موفقاً وكذلك ابن الجوزي.
- أن هجر أهل البدع مشروع للتأديب ولا ينبغي أن يزيد عن ثلاثة أيام.
- ادعاؤه أن التفريق بين الكلام النفسي واللفظي موجود عند أهل الحديث المتأخرين وهو مسألة اجتهادية، ولو علمه أحد على هذا الوجه لا شيء في ذلك، وقوله: فمثلا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله الذي توصل إليه أن الكلام قديم النوع محدث الآحاد وهذا الذي قاله شيخ الإسلام هو عين التفريق بين الكلام اللفظي والكلام النفسي.
- قوله عن ابن القيم إنه صوفي وهو شيخ صوفية الحق.
- تهوينه من مسألة البدعة الإضافية وعرضها على أنها مسألة خلافية وعرضه للأدلة المؤيدة لمن قال بعدم دخول البدعة الإضافية في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((كل بدعة ضلالة)). يشعر بميله إلى هذا الرأي.
- تعريفه للترك الذي يعد فاعله مبتدعا بأنه عدم الفعل بعد الفعل.
- أن الشخص إذا وقع في بدعة وهو لا يراها بدعة لا يوصف بالمبتدع.
- قال في الذكر الجماعي: لا يضر إذا اتفقوا على ذلك تعليما أو إرشادا وحضورا حتى لا يغيب قلب أحد منهم إلا حضر غيره. وقال: هذه الأمور ليست بذاتها عبادة حتى يرد إليها النهي ولم يرد نهي بخصوصها.
- حسَّن حديث قراءة يس على الموتى أي المحتضرين
- لما سئل عن الدعاء عقب الصلاة بـ (تقبل الله) أو (حرما) أو (جمعا) قال: الدعاء كله في أدبار الصلاة لا حرج فيه. (ص113).(3/340)
الأهلة نظرة شمولية ودراسات فلكية
لعدنان عبد المنعم القاضي
عرض ونقد
قبل بداية شهر رمضان تثار العديد من القضايا وتطرح للنقاش العديد من المسائل، ومنها مسألة الحساب الفلكي واعتباره في تحديد بداية شهر رمضان ونهايته، وكتاب هذا الشهر أحد الكتب التي تبنت مسألة اعتبار الحساب الفلكي وبالغت في الاعتداد به، ونزَّلت الحسابات الفلكية منزلة اليقين المقطوع به، وسنحاول عرض الكتاب بإيجاز، وطرح بعض آرائه مع بيان أهم المؤاخذات عليه.
أولا: العرض
الكتاب عبارة عن ستة فصول وهي:
الفصل الأول: الظواهر الطبيعية. وناقش فيه المؤلف عدة موضوعات من خلال العناوين الآتية:
العلاقة بين الخلق والتشريع- دور الظواهر الطبيعية - سببية الظواهر الطبيعية ونسبيتها واستخدامها.
الفصل الثاني: مواقع الشمس والهلال وناقش فيه:
مواقيت الصلاة: الرؤية (و/أو) الحساب، والهلال الرؤية (و/أو) الحساب- ومعنى (رؤيته) - الشرع لم يبين محددات الرؤية - آلية الرؤية وتطبيقها.
الفصل الثالث: اختلاف المطالع. وناقش فيه اتفاق/اختلاف المطالع-الهلال الشمولية والحل.
الفصل الرابع: آلية القمر. وناقش فيه الموضوعات الآتية:
الاقتران المركزي والاقتران السطحي وكسوف الشمس - متى يبدأ اليوم والشهر- التوقيت الغروبي المنهجي والتوقيت الزوالي- أين يبدأ اليوم والشهر- مكة المكرمة مركز التوقيت- مطالع الشمس ومطالع القمر- اختلاف المطالع مرة أخرى- أولًا تأثير كروية الأرض- ثانيًا تأثير ميل محور الأرض- ثالثا تأثير فلك القمر - الهلال والبدر والمطالع - ولكنهما يشتركان في جزء من الليل- فلك وأوجه القمر- ولكن الهلال كبير- ولكن الهلال قريب- الاقتران وغروبا الشمس والقمر.
الفصل الخامس: أهلة رمضان وشوال وذي الحجة. ناقش فيه الموضوعات الآتية:
دراسة - تقويم أم القرى - دخول رمضان - هدف الدراسة - منهجية الدراسة - الحسابات الفلكية لتحديد بداية الشهر المفترض - نتائج الدراسة- إلى أين من هنا.
الفصل السادس: علم الفلك والتنجيم ناقش فيه الموضوعات الآتية:
هل هناك علاقة - اثنتا عشرة أم ثلاث عشرة شخصية- تأثير أي تأثير- نظرة تاريخية- الفرق بين العلم والهوى- ألا له الخلق والأمر.
ثانياً: النقد
1 - ادعاؤه أن الرؤية وسيلة يمكن تغيرها بتغير الزمان وتقدم العلم فيمكن الاستعاضة عنها بالحساب الفلكي:
وهذه خلاصة فكرة الكتاب أن الظواهر الطبيعية التي نصت الشريعة عليها لتحديد بدء زمن تكليف شرعي ليست مقصودة بذاتها، بل المقصود هو العبادة التي جاءت الظاهرة لتحديد بدايتها، وأن هذه الظاهرة الطبيعية ما هي إلا وسيلة أو أداة لتلك العبادة، ثم ذكر الأدلة على أن الظواهر الطبيعية وسائل وبلغت ثلاثين دليلًا، ومنها أن الرسل وسيلة لتبليغ دين الله فهل يتعبد بهم مع أنهم أتوا بكل العبادات لا برؤية الهلال فقط إلى غير ذلك.
2 - تأويله لحديث (نحن أمة أمية لا نكتب ولا نحسب).
فقد تعرض لحديث (نحن أمة أمية ... ) ووجهه إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقر حالة ولا يشرع أمراً، ولا يدعو فيه إلى نبذ الحساب، متَّهمًا من يقول بالاعتماد على الرؤية فقط بأنه ينظر إلى الشرع نظرة انتقائية أحادية ظاهرية، وأنه يناقض آيات وأحاديث أخرى تلزم الحساب كحساب المواريث والكتابة كتابة الدين.
3 - قياسه حساب دخول الأشهر وخروجها على حساب مواقيت الصلاة.
فيذكر أن مواقع الشمس استخدمت في تحديد أوقات الصلوات وأيضا لتحديد الإمساك والإفطار، مبيناً تطور الوسائل القديمة المستخدمة في تحديد ذلك بين ما كان في عهد الرسول وما وجد اليوم من جداول وساعات مبرمجة، ويستنكر بعد ذلك الإصرار على التفسير الظاهري لحديث مواقع الهلال والرؤية الطبيعية.
4 - تأويله لحديث (صوموا لرؤيته) ليشمل العلم به عن طريق الحساب الفلكي
فإنه تحت عنوان (معنى رؤيته) يقرر أن من معاني (رؤيته) - أي الواردة في الحديث- النظر بالعين المجردة أي المشاهدة، والرؤية بالعين المجردة لكن غير حقيقية أي نفسية، أو التلاقي والاقتراب، أو الرؤية بالقلب أو بالعقل أو العلم بالشيء أو الإيمان بالخبر أو قال وأشار ونصح أو معرفة الحال وبمعنى الرؤيا في المنام إلى غير ذلك، ليدلِّل على أن هذا الحديث ليس معناه محصورا في رؤية العين المجردة بل أيضا العلم بالشيء أي الحساب بدخول الشهر.
5 - ادعاؤه قطعية الحساب الفلكي.
فهو يذكر عدة آيات كقوله {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ} [الرحمن: 5] وقوله {وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ} [يس: 39] إلى غير ذلك ويقول كيف يأخذ فرد ما بحساب الشمس ولا يأخذ بحساب القمر، ويدَّعي أن فلك القمر منتظم على مدى السنين، ومعرفة البشر لهذا الفلك دقيقة بشكل مدهش، منكرًا على من يدَّعي أن حساب مواقع القمر غير قطعي رغم قبوله بالحساب المتعلق بالشمس في أوقات الصلوات والإمساك والإفطار. ويقرر أن الاختلاف وارد بين علماء الفلك في إمكانية الرؤية لا في ولادة الهلال.
ويقول: (وأما الاحتجاج على ردِّ علم الفلك بقوله: (إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب) متفق عليه فهو احتجاج فيه نظر، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يشير إلى رفع التكليف عنا في الأخذ بالحساب ومستلزماته من قراءة وكتابة، ويذكر تعليل ذلك بأننا أمة أمية، ولكن بعد أن تغيرت الحال وأخذنا بقسطنا من تعلم الحساب والقراءة والكتابة والعلوم المختلفة من فلك وعلوم طبيعية من هندسة وطب تقنيات مختلفة، هل يبقى العذر لنا قائمًا في انتفاء التكليف، والحال أننا بعلمائنا المختصين في علوم الفلك والقراءة والكتابة نستطيع).
6 - تشدده في موضوع توحيد الرؤية على الحساب الفلكي
تحت عنوان (اختلاف المطالع) يذكر المشكلات المترتبة على اختلاف المطالع، كالاختلاف في مدة شهر رمضان للأمة الإسلامية والعشر الأواخر وليلة القدر وعيد الفطر وتعدد عيد الأضحى من جهة وتفرد يوم عرفة من جهة أخرى، ويتصور وجود أربع بدايات لدخول شهر رمضان، وما يترتب على ذلك، ويرتِّب على الخلاف في رمضان أن نختلف أيضا في دخول شهر ذي الحجة وبالتالي يكون هناك اختلاف في وقفة عرفة.
يقول: (لقد أثبت الحديث ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) دخول الشهر بخبر واحد أو اثنين يدعيان رؤية الهلال بالعين المجردة حيث كانت هي الوسيلة الممكنة والملائمة لمستوى الأمة فكيف يتصور أن يرفض وسيلة لا يتطرق إليها الخطأ أو الوهم أو الكذب، كما أن الوسيلة متاحة للجميع وقابلة للفحص وسيلة الحساب العلمية بلغت درجة اليقين والقطع، ويمكن أن تجتمع عليها أمة الإسلام في شرق الأرض وغربها، وتزيل الخلاف الدائم والمتفاوت في الصوم والإفطار والأعياد إلى مدى ثلاثة أيام تكون فرقًا بين بلد وآخر، وهو ما لا يعقل ولا يقبل لا بمنطق العلم ولا بمنطق الدين، ومن المقطوع به أن أحدهما هو الصواب والباقي خطأ بلا جدال).
والجواب عما ذكره المؤلف:
1 - أن الشرع علق الأحكام التعبدية الشهرية على الأهلة بالرؤية أو الإكمال وقد جاءت النصوص بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحكي فيها التواتر. ومنها (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غمِّي عليكم فأكملوا العدة).
2 - أن الشرع أناط الحكم بأول الشهر بوجود الهلال حقيقة لا بوجوده تقديرًا، فإذا انتفى العلم به بحاسة البصر فقد جعل الشرع المصير إلى تعليق الحكم بمناط آخر يستوي فيه عموم البشر، وهو إكمال شعبان مثلًا ثلاثين يومًا.
3 - مسألة اعتماد الحساب الفلكي نقل غير واحد الإجماع على المنع منه، وأنه غير معتبر، وممن نقل الإجماع على ذلك الجصاص الحنفي والباجي الشافعي وابن رشد الجد والحفيد المالكيان وابن تيمية الحنبلي والسبكي الشافعي وابن عابدين الحنفي. يقول شيخ الإسلام: (إنا نعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العمل في رؤية هلال الصوم أو الحج أو العدة أو الإيلاء أو غير ذلك من الأحكام المعلقة بالهلال بخبر الحاسب، أنه يرى أو لا يرى، لا يجوز، والنصوص المستفيضة بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرة. وقد أجمع المسلمون عليه، ولا يعرف فيه خلاف قديم أصلًا، ولا خلاف حديث، إلا أن بعض المتأخرين من المتفقهة الحادثين بعد المائة الثالثة زعم أنه إذا غمَّ الهلال جاز للحاسب أن يعمل في حقِّ نفسه بالحساب، فإن كان الحساب دلَّ على الرؤية صام وإلا فلا. وهذا القول وإن كان مقيدًا بالإغمام ومختصًّا بالحاسب فهو شاذ مسبوق بالإجماع على خلافه، فأما اتباع ذلك في الصحو، أو تعليق عموم الحكم العام به فما قاله مُسلِمٌ).
وبهذا الإجماع يردُّ على ادعاء أن معنى الرؤية هنا لا يقتصر على الرؤية البصرية وأنه قد يكون المراد بها العلم عن طريق الحساب.
4 - أن كثيرًا من المجامع الفقهية منعت من الاعتماد على الحساب الفلكي، ومنها قرار المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة عام 1401هـ: (في مسألة الأهلة ذهب (المجمع) إلى إثباتها بالرؤية البصرية لا على اعتمادها على الحساب الفلكي كما تشهد به الأدلة الشرعية القاطعة، كما ذهب إلى اختلاف المطالع، لما في ذلك من التخفيف على المكلفين مع كونه هو الذي يقتضيه النظر الصحيح، فما يدعيه القائلون من وجوب الاتحاد في يومي الصوم والإفطار مخالف لما جاء شرعاً وعقلاً .. وعلى ضوء ذلك قرر مجلس المجمع الفقهي الإسلامي إنه لا حاجة إلى الدعوة إلى توحيد الأهلة والأعياد في العالم الإسلامي، لأن توحيدها لا يكفل وحدتهم كما يتوهمه كثير من المقترحين لتوحيد الأهلة والأعياد، وأن تترك قضية إثبات الهلال إلى دور الإفتاء والقضاء في الدول الإسلامية لأن ذلك أولى وأجدر بالمصلحة الإسلامية العامة، وأن الذي يكفل توحيد الأمة وجمع كلمتها هو اتفاقهم على العمل بكتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه سلم ـ في جميع شؤونهم، والله ولي التوفيق).
ورفض العمل بالحساب الفلكي أيضا هيئة كبار العلماء بالسعودية.
5 - أما دعوى أن الحساب الفلكي يقيني قطعي، فلا دليل عليها يكسب إفادته اليقين إلا شهادة بعض الفلكيين لأنفسهم بأن حسابهم يقيني، ومع ذلك فقد قامت الأدلة على أن الحساب أمر تقديري اجتهادي يدخله الغلط، وذلك في النتائج الحسابية التي ينشرها الحاسبون في الصحف من تعذر ولادة شهر رمضان أو شهر الفطر مثلًا ليلة كذا، ثم تثبت رؤية الهلال بشهادة شرعية معدلة، أو رؤية فاشية في ذات الليلة التي قرروا استحالته فيها.
- ومنه ما حدث في هلال الفطر شهر شوال من هذا العام (1406هـ) ـ فإن الحاسبين أعلنوا النتيجة في الصحف باستحالة رؤية هلال شوال ليلة السبت (30) من شهر رمضان، فثبت شرعًا بعشرين شاهدًا في المملكة العربية السعودية في مناطق مختلفة، ورؤي في بلدان إسلامية أخرى. وكذلك ما حدث سنة (1413هـ) و (1425هـ) و (1428هـ) ـ.
- ومن الشواهد أيضًا على ذلك أنا رأينا بعض البلدان الإسلامية تعلن الصوم والفطر بموجب الحساب الفلكي، والفارق بينها وبين البلدان التي تثبته بالرؤية يومان أو ثلاثة، فهل يكون في الدنيا فارق في الشهور القمرية الشرعية كهذه المدة.
- ودليل آخر وهو: التضارب الحاصل بالنتائج والتقاويم المنتشرة بحساب المعاصرين، فإنها متفاوتة مختلفة في إثبات أوائل الشهور، وما زال اختلافها قائمًا في الولاية الواحدة ومن ولاية إلى أخرى، فهذا دليل على دفع يقينيته أو ظنيته الغالبة.
- وكذلك فإن الطب مثلًا في العصر الراهن بلغ من الدقة ما هو مشاهد ومعلوم لعموم الناس، ومع هذا فيقع فيه من الخطأ والغلط ما يكون ضحيته نفس معصومة أو عضو محترم إلى غير ذلك، هذا مع أن لوازمه مدركة بالحواس العاملة فيه من سمع وبصر ولمس .. فكيف بحال الحساب الفلكي؟!
- أيضا فالحساب الفلكي المعاصر قائم على الرصد بالمراصد الصناعية الحديثة، والمرصد كغيره من الآلات التي يؤثر على صلاحيته نتائجها: أي خلل فني فيها قد لا يشعر به الراصد، هذا فيه ظنية من حيث الآلة.
5 - أما قوله صلى الله عليه وسلم هنا: (إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب) فقد قرنه بقول ((الشهر هكذا ... )) أي مرة ثلاثين ومرة تسعة وعشرين، فهو محض خبر من النبي صلى الله عليه وسلم لأمته: أنها لا تحتاج في أمر الهلال إلى كتاب ولا حساب، إذ هو إما ثلاثون يومًا أو تسعة وعشرون يومًا، ومرد معرفته بالرؤية للهلال أو بالإكمال، كما في الأحاديث الثابتة المشعرة بالحصر في هذين الطريقين لا بكتاب ولا بحساب، وهو خبر يتضمن نهيًا عن الاعتماد على الكتاب والحساب في مسألة الهلال.
6 - أما مسألة توحيد الرؤية وعدم الاعتداد باختلاف المطالع، فلا شك أنه وقع خلاف بين الفقهاء في ذلك ولكلٍّ أدلته، واختلاف المطالع ليس له آثار كبيرة، نظرا إلى أنه لم تمرَّ فترة على الأمة الإسلامية توحَّدت فيها رؤيتها للهلال، ولا ينبغي التهويل في أن اختلاف أهل الأقطار الإسلامية في يومي الصوم والإفطار مدعاة إلى التفكك والتفرق، فالواجب هو التوحد على العقيدة الصحيحة، والعمل على حمايتها من أسباب الزيع والانحراف، وتحكيم شرع الله بين المسلمين.
هذا بعض ما تيسر من بيان للحق في هذه المسألة.
ومن أراد الاستزادة فيمكنه الاطلاع على المصادر الآتية:
1 - أحكام الأهلة والآثار المترتبة عليها لأحمد بن عبد الله الفريح
2 - حكم إثبات أول الشهر القمري وتوحيد الرؤية للشيخ بكر أبو زيد
3 - رؤية الهلال والحساب الفلكي لشيخ الإسلام ابن تيمية.(3/341)
كتاب المتشددون منهجهم ومناقشة أهم قضاياهم
لعلي جمعة
عرض ونقد
بينما تُشن على الدعوة السلفية حملة شعواء ويُطعن في السلفيين من قبل العلمانيين والليبراليين وبعض التوجهات الأخرى، يؤثِر مفتي مصر علي جمعة أن يكون في صف هؤلاء كما كان غالبًا، فيخرج علينا بكتاب عن السلفيين واصفًا لهم بصفة التشدد.
وإذا كان مفتي مصر يصف السلفيين بالتشدد فمن حق السلفيين أيضا أن يصفوه بالتساهل، وتتبع رخص العلماء وزلاتهم، والتمييع لقضايا الدين، إلا أن وصفه لهم- بالجملة- كذب وبهتان ووصفهم له حقٌّ ببرهان، ومن ذلك:
1 - فتواه بأن الاختلاط بين الشباب والفتيات في قاعة الجامعة ليس حرامًا.
2 - فتواه بأن طلاق المصريين لا يقع؛ لأنهم ينطقون كلمة طالق بالهمز.
3 - منعه من ختان الإناث بينما كان يجيزه قبل تولي منصب الإفتاء.
4 - مهاجمته النقاب وادعاؤه أنه عادة خلافًا لقوله قبل تولي المنصب.
5 - تجويزه فوائد البنوك الربوية.
6 - إباحته بيع المسلم الخمور في غير الدول الإسلامية.
7 - إباحته ترقيع غشاء البكارة.
8 - تجويزه تولي النصراني رئاسة بلد إسلامية.
9 - إنكاره الشديد هدم بعض الأضرحة لا خشية الفتنة بل لتجويزه بقاءها.
فحُقَّ لمن هذا حاله أن يصف المستمسكين بالكتاب والسنة والسائرين على مذهب السلف بالتشدد. وقبل البدء في عرض بعض ما جاء في الكتاب نقول حتى يكون القارئ على بينة وحتى لا يستغرب ما جاء فيه من آراء نقول إن مؤلفه أشعري المعتقد صوفي المسلك.
تحت عنوان (سمات المتشددين في العصر الحديث) يقول: ((نرى آراء أغلب من تسموا بالسلفيين واتجاهاتهم وسلوكهم ومواقفهم وأحكامهم على الأشياء باطلة)). وفي هذا من البهتان مافيه.
ويقول أيضا عن السلفيين: ((أنهم يتبنون فكراً صداميًّا، وهذا الفكر الصدامى يفترض أموراً ثلاثة وهى:
أولا: أن العالم كله يكره المسلمين، وأنهم في حالة حرب دائمة للقضاء عليهم، وأن ذلك يتمثل في أجنحة الشر الثلاثة الصهيونية (يهود) والتبشير (نصارى) والعلمانية (إلحاد)، وأن هناك مؤامرة تحاك ضد المسلمين في الخفاء مرة وفى العلن مرات، وأن هناك استنفاراً للقضاء علينا مللنا من الوقوف أمامه دون فعل مناسب.
ثانيا: وجوب الصدام مع ذلك العالم حتى نرد العدوان والطغيان، وحتى ننتقم مما يحدث في العالم الإسلامي هنا وهناك، ووجود الصدام يأخذ صورتين الأولى: قتل الكفار الملاعين، والثانية: قتل المرتدين الفاسقين، أما الكفار الملاعين فهم كل البشر سوى من شهد الشهادتين. وأما المرتدون الفاسدون فهم من شهد الشهادتين وحكم بغير ما أنزل الله وخالف فكرهم.
ثالثا: أن فكرهم يراد له أن يكون من نمط الفكر الساري، وهذا معناه أنه لا يعمل من خلال منظمة أو مؤسسة يمكن تتبع خيوطها بقدر ما يعمل باعتباره فكراً طليقاً من كل قيد يقتنع به المتلقي له في أي مكان، ثم يقوم بما يستطيعه من غير أوامر أو ارتباط بمركز أو قائد. وعليه فإن الفوضى سوف تشيع بصورة أقوى وتنتشر بصورة أعمق)). انتهى كلامه.
إن قول مفتي مصر في الفقرة الأولى مردود، فهل تعامى عن الحقيقة الشرعية والواقعية، فالله عز وجل يخبرنا عن هذه العداوة قائلا {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120] ويقول {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] ويقول {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا} [البقرة: 217] أما الواقع فهو خير شاهد على هذه العداوة قديمًا وحديثًا، فالحروب الصليبية قديمًا، والاحتلال الأجنبي حديثًا، والمجازر التي ارتكبت في البوسنة والهرسك وسراييفو وغيرها، وما يحدث للمسلمين في العراق وأفغانستان وباكستان والشيشان. وما يحصل في فلسطين وموقف أمريكا والغرب من اليهود ومساندتهم لهم. هذا بالنسبة للعدو الخارجي أما التيار العلماني والليبرالي فموقفه من التيار الإسلامي واضح للعيان لا ينكره إلا أعمى البصر والبصيرة.
ثم في الفقرة الثانية يقول إن السلفيين يرون وجوب الصدام مع ذلك العالم بقتل الكفار وقتل المرتدين. وهذا الكلام إنما صاغه بهذه الصورة ليشنع على السلفيين فهل ينكر المفتي الجهاد، فالجهاد ماض إلى يوم القيامة، ثم إن كان ينكر جهاد الطلب، فهل ينكر جهاد الدفع وحق المسلمين في الدفاع عن بلدانهم المحتلة، ثم إنه من المعلوم أن الكفار أنواع فمنهم محاربون، وأهل عهد، وأهل ذمة ولكل واحد حكمه، فتعميمه الكلام عن السلفيين في هذه المسألة بهذه الصورة غير مقبول وفيه من التلبيس ما فيه.
أما المرتد فحكمه القتل قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((من بدل دينه فاقتلوه)) ويقول الحافظ في الفتح: وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر أحد عليه .... اهـ. ومسألة الردة والحكم بغير ما أنزل الله فيها تفصيل معروف والحكم فيها يتوقف على توفر الشروط وانتفاء الموانع، خلافا لما يدعيه هذا المفتي من أنهم يحكمون بالردة على مخالفيهم.
ومن هرطقاته أيضاص في هذا الكتاب قوله: ((لقد أصبح توجه هؤلاء المتشددين عائقًا حقيقيًّا لتقدم المسلمين ولتجديد خطابهم الدينى وللتنمية الشاملة التى يحتاجها العالم الإسلامي عامة، ومصر على صفة الخصوص، وهذا التوجه المتعصب أصبح تربة صالحة للفكر المتطرف، وأصلًا للمشرب المتشدد الذي يدعو إلى تشرذم المجتمع وإلى انعزال الإنسان عن حركة الحياة، وأن يعيش وحده في خياله الذي غالبًا ما يكون مريضًا غير قادر على التفاعل مع نفسه أو مع من يحيط به من الناس. ويتميز هذا الفكر المتشدد بعدة خصائص تؤدى إلى ما ذكرنا، وترسم ذلك الموقف الذي يجب على الجميع الآن- خاصة- أن يقاوموه وأن يعملوا بكل وسيلة على إخراج أولئك من عزلتهم؛ لأنهم لم يعودوا ضارين لأنفسهم فقط، لكن ضررهم قد تعدى إلى من حولهم وإلى شباب الأمة ومستقبلها، وإلى المجتمع بأسره. هذا الفكر يريد أن يسحب مسائل الماضي في حاضرنا، وذلك تراه قد حول هذه المسائل إلى قضايا وإلى حدود فاصلة بينه وبين من حوله، وهذه القضايا يتعلق أغلبها بالعادات والتقاليد والأزياء والملابس والهيئات من طريقة الأكل والشرب إلى قضاء الحاجة واستعمال العطور.
وتؤثر هذه الخصيصة التي يستجلب مسائل الماضي وتسحبها وتجرها إلى الحاضر من ناحية، وتحول مجرد المسألة التي كانت في نطاق الماضي لا تعدو مسألة إلى قضية ندافع عنها وننافح من أجلها، وتكون في عقليته معياراً للتقويم وللقبول والرد، فمن فعلها فهو معه، ومن لم يفعلها فهو ضده، يشمئز منه وينفر ويعاديه، ويعيش في هذا الوهم، فيشتد انعزاله عمن حوله. ... ويرى أنه لابد عليه أن يزيد من نسله وأن يملأ الأرض صياحاً بأطفاله محاولًا بذلك أن يسد ثغرة اختلال الكم، حيث أنه يشعر بأنه وحيد وبأنه قلة، وبأن الكثرة الخبيثة من حوله سوف تقضى عليه وتكتم على أنفاسه، فيحاول أن يفر من ذلك بزيادة النسل، بل ويشيع بين أتباعه وأصحابه هذا المفهوم الذي يحدث معه الانفجار السكاني والتخلف التنموي)). انتهى كلامه.
والمفتي - علي جمعة- أولى بهذا من السلفيين فهو الذي يعيش في خياله بعيدا عن الحقيقة، فالسلفيون ليسوا في عزلة عن الحياة بل إنهم ينتمون إلى جميع التخصصات العلمية والمهنية ولو ذكر لنا مثالًا على ما يذكر ولكنه التعصب، نسأل الله السلامة والعافية.
وكأن المفتي ما زال متأثرًا بهذه النعرة القديمة والتي كان فيها بوقًا للحكومة المصرية السابقة بمحاربة زيادة النسل بدلًا من الدعوة إلى التنمية. إن الحد من زيادة نسل المسلمين هدف للغرب يسعون إليه بشتى الطرق، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة). بل إن كثرة الأمة نعمة يمتن الله عزو جل بها على عباده قال تعالى {وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86]
ومن أقواله أيضًا: ((ومن خصائص هذا الفكر الانعزالي التشدد، فهو يرى أن الحياة خطيئة، وأنه يجب علينا أن نتطهر منها، وان التطهر منها يكون بالبعد عن مفرداتها، سواء أكانت هذه المفردات هي الفنون أو الآداب أو كانت هذه المفردات هي المشاركة الاجتماعية أو حتى تعلم أساليب اللياقة)). انتهى
ولا أدري عن أي طائفة يتكلم المفتي فالسلفيون في منأى عن هذا الوصف، وهو كلام عار عن الصحة، بعيد عن الواقع، وما مراده بالفنون والآداب؟ هل الغناء والرقص والعري؟ وهل يقصد بالمشاركة الاجتماعية مثل الاحتفال بعيد ميلاده في أحد أندية الليونز الماسونية بين الممثلين والمغنين؟ إن كان يقصد ذلك فحُق للسلفيين أن ينعزلوا عن مثل هذه المشاركات.
ويقول أيضا بعد أن يصفهم بامتلاك عقلية المؤامرة لمن حوله ضده مع اتصافهم بالكبر والعجب: ((من هذه الصفات أنهم يقفون ضد أي إصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، وأن كل بدعة ضلالة، وأن كل ضلالة في النار، ويبتعدون دائماً عن جوهر الموضوع إلى النظر في مجرد الشكليات، ويعملون الهوى في فهم النصوص، ويضيقون على المسلمين حياتهم بتوسيع دائرة الحرام، ويخرجون عن النظام المعهود من إجلال المشايخ، إلى نظام غريب عجيب يجتهدون فيه من عند أنفسهم في الفقهيات، ويقلدون في العقائد، ويعظمون غير العلماء، ويحطون من شأن العلماء، ويتصدرون بما لا يزيد عن مائة مسألة لتفسيق الناس وتكفيرهم والدعوة إلى منابذتهم ومحاربتهم. لقد آن الأوان وحان الوقت لان يكون مقاومة هذا الفكر المتنطع مطلباً قومياً)) اهـ.
ثم بعد أن يفري هذا الكذب يستعدي الناس على مقاومة فكر السلفيين، فليته ذكر أمثلة لهذا الكلام الإنشائي الذي لا حقيقة له، فهل السلفيون يقفون ضد الإصلاح في المجتمعات الإسلامية بدعوى أن كل جديد بدعة، إن منهج السلفيين واضح في مسألة البدعة فهي محصورة في مجال العبادات وليس كما يدعي أن كل جديد عندهم بدعة.
ثم يقول الدكتور علي جمعة تحت عنوان (أهم مسائل المتشددين التي جعلوها أصولا لهم وعنوانا عليهم): ((لقد تمسك المتشددون بمجموعة من المسائل التي لا تمثل هوية الأمة وكلها مسائل فرعية، وجعلوها معيارا لتصنيف المسلمين، وامتحانا لتقسيمهم، ورُوج لدى طوائف كثيرة من الناس أنها قطعية لا خلاف فيها، وأن الحق معهم وحدهم، وأن القائل بغير ما يقولونه مارق فاسق منحرف أو على أقل تقدير غير ملتزم ومتساهل، أو يتهم بأنه ليس متبعا للرسول صلى الله عليه وسلم. فشغلوا المسلمين بهذه المسائل، التي مذهبهم فيها غالبا ما يكون ضعيفا أو شاذا)) وذكر (17) مسألة فقط ومنها:
- أنهم يصفون الله بالمكان
- ينتقصون الأشاعرة
- ينكرون اتباع المذاهب الفقهية وتقليدها
- غير مؤهلين للإفتاء ويحدثون فوضى فى المجتمع
- يعدون أغلب تصرفات المسلمين بدعا وضلالات
- يحرمون التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم ويعدونه شركا بالله
- يحرمون الصلاة في المساجد ذات الأضرحة ويصرحون بوجوب هدمها
- يعدون التبرك بآثار النبي صلى الله عليه وسلم والصالحين شركا بالله
- يحرمون الاحتفال بالمولد النبوي الشريف
- يحرمون السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبور الأنبياء والصالحين
- يتهمون من ترجى بالنبي صلى الله عليه وسلم بالشرك الأصغر
- يحكمون على والدي المصطفى صلى الله عليه وسلم بالنار يوم القيامة
- ينفون أي إدراك للميت وشعوره بمن يزوره
- ينكرون ذكر الله كثيرا ويمنعون الأوراد
- أكثرهم يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة
- يتمسكون بالظاهر ويتعبدون الله بالثياب (ثوب الشهرة - النقاب)
- يسعون قبل أن يتعلموا ويخلطون الوعظ بالعلم.
ولا يتسع المقام للرد على كل مسألة من هذه المسائل ونكتفي بتناول ثلاث مسائل فقط.
- المسألة الأولى أنهم يصفون الله بالمكان فيقول: من الأشياء التي يصر عليها من يسمون أنفسهم بالمتشددين وصف الله بالجهة والمكان، ويزعمون إثبات الفوقية المكانية له سبحانه وتعالى. وهذا الإصرار منهم يتعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه تنزيه الله سبحانه وتعالى. اهـ.
والجواب أن المفتي يستدل في هذه المسألة العقدية المتعلقة بأسماء الله وصفاته بأثر فيه زيادة وهي (وهو الآن على ما عليه كان) قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذه الزيادة وهو قوله (وهو الآن على ما عليه كان) كذب مفترى على رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفق أهل العلم بالحديث على أنه موضوع مختلق وليس هو في شيء من دواوين الحديث لا كبارها ولا صغارها ولا رواه أحد من أهل العلم بإسناد لا صحيح ولا ضعيف ولا بإسناد مجهول وإنما تكلم بهذه الكلمة: بعض متأخري متكلمة الجهمية فتلقاها منهم هؤلاء الذين وصلوا إلى آخر التجهم - وهو التعطيل والإلحاد. اهـ ووافقه علي ذلك الحافظ ابن حجر العسقلاني الشافعي.
إن ادعاءه أن السلفيين أثبتوا لله المكان، قول باطل، لم يقله أحد منهم لأنه لم يثبت في القرآن ولا في السنة، وإنما يثبتون لله ما أثبته لنفسه من صفة العلو وغيرها. يقول الشيخ الألباني: إلا أنه مع ذلك لا ينبغي إطلاق لفظ الجهة والمكان ولا إثباتهما، لعدم ورودهما في الكتاب والسنة، فمن نسبهما إلى الله فهو مخطئ لفظاً، إن أراد بهما الإشارة إلى إثبات صفة العلو له تعالى، وإلا فهو مخطئ معنى أيضاً إن أراد حصره تعالى في مكان وجودي، أو تشبيهه تعالى بخلقه. (مختصر العلو ص72).
وقال الشيخ ابن العثيمين: الله ليس له مكان ما في المواقع ... ، الله منزه عن المكان باتفاق جميع العلماء الإسلام، لماذا؟ لأن الله كان ولا شيء معه، وهذا معروف في الحديث الذي رواه البخاري: ((كان الله ولا شيء معه))، معناه: كان ولا مكان له؛ لأنه هو الغني عن العالمين، هذه حقيقة متفق عليها (منهاج أهل السنة والجماعة في العقيدة والعمل، ص132 - 133).
- المسألة الثانية أنهم أي السلفيين يحكمون على والدي النبي بالنار. ونقول: سبحان الله وهل هذا القول قاله السلفيون بأهوائهم أم قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح مسلم (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي) يقول النووي الشافعي: فيه جواز زيارة المشركين في الحياة، وقبورهم بعد الوفاة ... وفيه: النهي عن الاستغفار للكفار. انتهى. ويقول أيضا في الحديث الآخر (أن رجلا قال: يا رسول الله أين أبي؟ قال: في النار، فلما قفى دعاه قال: إن أبي وأباك في النار): فيه: أن من مات على الكفر فهو في النار، ولا تنفعه قرابة المقربين. انتهى.
فالنووي يقول بكفر والدي النبي فهل كان متشددا من وجهة نظر المفتي، وهل كان قوله شذوذا فهذا الحكم لم ينفرد به السلفيون بل لهم فيه سلف كالبيهقي والخطابي وابن تيمية وابن كثير وابن حجر والسخاوي وغيرهم بالإضافة إلى أن الأدلة الصحيحة تدعمهم.
- المسألة الثالثة قوله: (أكثر المتشددين يمنعون استعمال السبحة في الذكر ويرونها بدعة وضلالة). ويلخص أحد أئمة السلفيين وهو شيخ الإسلام ابن تيمية حكم السبحة قائلًا: والتسبيح بالمسابح، من الناس من كرهه، ومنهم من رخَّص فيه لكن لم يقل أحد: أن التسبيح به أفضل من التسبيح بالأصابع وغيرها. ا. هـ. ويقول ابن عثيمين: التسبيح بالمسبحة تركه أولى وليسس ببدعة؛ لأن له أصلا وهو تسبيح بعض الصحابة بالحصى، ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم أرشد إلى أن التسبيح بالأصابع أفضل وقال للنساء: (اعقدن بالأنامل فإنهن مستنطقات) فالتسبيح بالمسبحة ليس حراما ولا بدعة لكن تركه أولى لأن الذي يسبح بالمسبحة ترك الأولى. انتهى.
فهذان اثنان من كبار علماء السلفية في عصرين مختلفين يذهبان إلى عدم بدعيتها، وهب أن بعض العلماء انتهى إلى بدعيتها فهذا اجتهاده وهو دائر بين الأجر والأجرين طالما بذل وسعه واعتمد على أدلة شرعية فهو مأجور إن شاء الله خلافا لمن يفتي بهواه.
هذا ولا نطيل بذكر باقي المسائل، والعجيب أن المفتي لم ينسب هذه الأقوال إلى أحد بعينه، وإنما نسبها إلى السلفيين، نسأل الله أن يهدي ضال المسلمين وأن يوفقنا إلى ما يحبه ويرضاه.(3/342)
الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة - عرض وتحليل
للدكتور عبد الوهاب إبراهيم أبو سليمان
الخميس 30جمادى الآخرة1432هـ
كتاب هذا الشهر يتناول قضية كثر فيها الخلاف وهي قضية إحياء الآثار والحفاظ عليها وجواز زيارتها وقد حاول المؤلف تتبع هذه الأماكن وحصرها وإثبات تواترها مبينا حكم زيارتها وفيما يلي عرض للكتاب مع بيان أهم المؤاخذات عليه:
أولا: العرض
تناول المؤلف هذه الدراسة من خلال ستة فصول هذا بيانها:
الفصل الأول: التأصيل في التدوين للأماكن المأثورة في مكة المكرمة:
تناول هذا الفصل من خلال نقطتين الأولى رسالة التابعي الجليل الإمام أبي الحسن البصري رضي الله عنه والثانية من خلال نماذج من مواقف السلف الصالح من الأماكن المأثورة
الفصل الثاني: المتواتر من الأماكن المأثورة في المدونات التاريخة:
تناول في هذا الفصل المتواتر من الأماكن المأثورة في مؤلفات السيرة النبوية ومدونات التاريخ المكي الخاص ثم المتواتر من الأماكن المأثورة في مكة المكرمة سواء المنثور منها أو المنظوم
الفصل الثالث: المتواتر من الأماكن المأثورة في المدونات الفقهية:
عرض فيه لهذه الأماكن المأثورة في كتب المناسك ثم قام بالتحليل العلمي للعناوين الفقهية في كتابات الفقهاء للأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة.
الفصل الرابع: شواهد التواتر المحلي للأماكن المأثورة في مكة المكرمة:
تكلم فيه عن مظاهر التواتر المحلي معتبراً أن من طرق الإثبات النقل بالتوارث ثم تكلم عن عناية الملك عبد العزيز آل سعود بالأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة.
الفصل الخامس: آراء العلماء في زيارة الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة:
استعرض أقوال المعارضين لزيارة الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة مع ذكر أدلتهم ثم ذكر رأي المؤيدين لزيارة هذه الأماكن.
الفصل السادس: الواقع المعاصر للأماكن المأثورة في مكة المكرمة:
ذكر فيه المندثر من الأماكن المأثورة المتواترة في مكة المكرمة في الوقت الحاضر مثل منزل السيدة خديجة ودار الأرقم ومولد علي بن أبي طالب إلى غير ذلك وبعدها تكلم عن الباقي من هذه الأماكن المأثورة في الوقت الحاضر مثل مولد النبي صلى الله عليه وسلم ومسجد الراية ومسجد الإجابة ومسجد البيعة إلى غير ذلك.
وختم الكتاب بلاحقين اللاحق الأول في تراجم العلماء المذكورين في بحث الأماكن التاريخية المأثورة كالأزرق والفاكهي وابن الجوزي وغيرهم وأما اللاحق الثاني فهو وثائق الدراسة.
ثانيا: النقد
أجهد المؤلف نفسه في بيان الأماكن المأثورة في مكة المكرمة محاولا تتبعها في الكتب التاريخية والفقهية وغيرها ليثبت تواترها ولكن يبقى الانتفاع بها مترتباً على الإجابة على هذا السؤال وهو هل تشرع زيارة هذه الأماكن وهل يشرع أن تهيأ لتصبح مزارات يقصدها الناس وتكون ضمن برامج زياراتهم هذا هو الذي سيكون محلا للنقد في المقام الأول بغض النظر عن ثبوت هذه المزارات أو عدم ثبوتها.
ومن المآخذ على الكتاب:
أولا: تسمية هذه الأماكن المأثورة بأنها متواترة فكيف تكون متواترة وفيها خلاف ونضرب على ذلك مثالا بأحد هذه الأماكن وهو مكان ولادة النبي صلى الله عليه وسلم الذي يدعي المؤلف أنه لا خلاف عليه. يقول الرحالة أبو سالم العياشي: (والعجب أنهم عينوا محلا من الدار مقدار مضجع وقالوا له موضع ولادته صلى الله عليه وسلم ويبعد عندي كل البعد تعيين ذلك من طريق صحيح أو ضعيف لما تقدم من الخلاف في كونه في مكة أو غيرها وعلى القول بأنه فيها ففي أي شعابها وعلى القول بتعيين هذا الشعب ففي أي الدور وعلى القول بتعيين الدار يبعد كل البعد تعيين الموضع من الدار بعد مرور الزمان والأعصار وانقطاع الآثار). ثم قال مستبعدا صحة تحديد ذلك المكان: (والولادة وقعت في زمن الجاهلية وليس هناك من يعتني بحفظ الأمكنة سيما مع عدم تعلق غرض لهم بذلك وبعد مجيء الإسلام فقد علم من حال الصحابة وتابعيهم ضعف اعتناقهم بالتقييد بالأماكن التي لم يتعلق بها عمل شرعي لصرف اعتنائهم رضي الله عنهم لما هو أهم؛ من حفظ الشريعة والذب عنها بالسنان واللسان). نقلا من كتاب (التبرك أنواعه وأحكامه) (ص 356).
ثانيا: يقول المؤلف (ص 134): (يستخلص من هذا أن كل مكان حل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو مكان مبارك ولا يخالف في هذا مسلم جاهل فضلا عن عالم عاقل ... ثم يقول نقلا عن القرطبي: (وحيث تعليل كونها مباركة نتيجة لهذا يكون الدعاء فيها مستجابا بإذن الله عز وجل).
وهذا كلام عجيب، وبناء عليه فكل مكان حل فيه الرسول فهو مبارك يستحب الدعاء عنده وهو مظنة الإجابة فهل يقول بذلك أحد، ولا أدل على ذلك من أنه لا يعلم أحد من الصحابة تتبع الأماكن التي حل فيها النبي صلى الله عليه وسلم اتفاقا على كثرتها إلا ابن عمر ومع ذلك لم يكن قصده التبرك بها إنما كان حريصا على الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ومع ذلك خالفه غيره من الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون المهديون.
ثالثا: يقول (ص 135) نقلا عن ابن حجر ومؤيداً له، قوله: (وقد تقدم حديث عتبان وسؤاله النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين). والأدلة على المنع من ذلك مبسوطة في مظانها من كتب أهل السنة.
رابعا: يقول المؤلف في (ص 136): (ثبوت زيارة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض كبار أصحابه لغار حراء فقد جاء في صحيح مسلم تحت عنوان باب من فضائل طلحة والزبير رضي الله تعالى عنهما الحديث التالي بروايته عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير فتحركت الصخرة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (اهدأ فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد) وبسند آخر إلى أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان على جبل حراء فتحرك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اسكن حراء ....... ) انتهى. وأعاد المؤلف الإشارة إلى ذلك ص 139 فقال في معرض ذكر حجج المؤيدين لزيارة الأماكن النبوية المأثورة: (ثبت صعود رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعض كبار صحابته زيارة غار حراء وذلك متوافر في دواوين السنة النبوية). انتهى.
وكلام المؤلف يوهم أن صعود النبي صلى الله عليه وسلم لحراء يعني إلى الغار وهذا فيه تلبيس ففرق بين جبل حراء وبين غار حراء الكائن في ذلك الجبل الذي هو أطول جبل بمكة وهو ظاهر من قول الراوي (كان على جبل حراء) وأيضا يقال: إن هذا الحديث حجة عليكم فمع أن النبي صلى الله عليه وسلم صعد جبل حراء لكن لم ينقل أحد من الصحابة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم دخله أو وقف أمامه هو أو أحد ممن معه أو قال: نزل الوحي علي فيه أو كنت أتعبد فيه إلى غير ذلك.
خامسا: يقول (ص 137) ناقلا عن عفيف الدين ميرغني فيما نقل عن الحسن البصري من قوله في إجابة الدعاء عند بعض هذه الأماكن المأثورة، قال: (واعلم أن الحسن البصري رضي الله عنه ذكر الإجابة في هذه الأماكن والظاهر أنه لا يقول ذلك إلا عن توقيف لأنه تابعي جليل بل سيد التابعين ..... )
قلت: وهذا كلام عار عن التحقيق فالحسن البصري سواء قلنا رفعه أم لم يرفعه فمراسيله غير مقبوله عند غير واحد من أهل العلم كابن سيرين والإمام أحمد وابن سعد بل نُقل عن أحمد أن مراسيل الحسن من أضعف المراسيل، والمؤلف نفسه نقل بعد ذلك (ص 144) ما ينقض كلامه فقد نقل بحثاً للفلواروي وفيه: (واعلم أن هذا الأثر [يقصد قطع عمر للشجرة] أولى ألا يقبل عند أهل الحديث فعندهم المراسيل والمنقطعات وآثار الصحابة كل هذا ليس بحجة). انتهى
سادسا: قوله (ص 140) وعدم فعله لا يدل على الكراهة ... إنه ليس من الضروري أن يوجد نص من كتاب أو سنة على الاستحباب ذلك أنه مما هو مقرر فقهاً أن المندوب كما يستفاد من أقواله وأفعاله عليه الصلاة والسلام فكذلك كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته. ثم ذكر كلام ابن القيم وفيه قول عائشة: وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع العمل وهو يحب أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم.
وهذا عجيب من المؤلف وفيه فتح لباب البدع فمن أين يستفاد الاستحباب إذا لم يرد في كتاب أو سنة نعم كان النبي صلى الله عليه وسلم يترك العمل خشية أن يفرض على أمته إذن فهذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وإنما منعه من المداومة عليه الخوف من أن يفرض ثم إذا كان الشيء وجد مقتضاه وانتفى المانع منه ثم لم يفعله النبي ولا أصحابه من بعده وهم أتبع الناس له فهل يقول المؤلف بمشروعيته بعد ذلك فما قرره المؤلف فيه نظر.
سابعا: وتحت عنوان (الحديث المتصل لا يعارض بالحديث المنقطع) (ص 141) ذكر أن حديث قطع عمر لشجرة الرضوان مقطوع لا يقاوم ما ورد متصلاً في البخاري من أنها عميت عليهم ونقل كلاما مطولاً للفلواروي والذي ذكر فيه ما جاء في البخاري عن سعيد بن المسيب عن أبيه: فلما خرجنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها. وعن ابن عمر قال: رجعنا من العام المقبل فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة.
وإن سلمنا بضعف الأثر - وقد صحح إسناده ابن حجر- فكما يقول الشيخ الألباني في (تحذير الساجد) (ص 126، 127): لئن كنا خسرنا هذه الرواية المنقطعة كشاهد فيما نحن فيه من البحث بعد التأكد من ضعفها فقد كسبنا ما هو أقوى منها مما يصلح دليلاً لما نحن فيه وهو حديث المسيب هذا وحديث ابن عمر: فقد قال الحافظ في شرحه إياه: (والحكمة في ذلك أن لا يحصل بها افتتان لما وقع تحتها من الخير، فلو بقيت لما أمن تعظيم بعض الجهال لها حتى ربما أفضى بهم الأمر إلى اعتقاد أن لها قوة نفع أو ضر كما نراه الآن مشاهداً فيما هو دونها وإلى ذلك أشار ابن عمر بقوله: (كانت رحمة من الله) أي كان خفاؤها عليهم بعد ذلك رحمة من الله تعالى).
ثامنا: ثم ينقل عن الفلواروي (ص 145) قوله: (فيا من يعزو إلى حكيم الأمة أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه أنه كان يهدم الآثار وينهى الناس عن الصلاة في المآثر وحرق دار كتب الأسكندرية وغير ذلك من الخرافات والأباطيل ألا تنظرون كيف كان أمير المؤمنين يعظم آثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكان يتمنى أن يتخذ مقام إبراهيم مصلى (أي آثار قدميه) فلبى الله دعوته وقال {وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125] قلت: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى فنزلت .... ) انتهى
وهذا ليس فيه حجة، وذلك للآتي:
أولا: لأن هذا حكم خاص لا يجوز أن يقاس عليه غيره سواء أريد بالمقام مقام إبراهيم عند الكعبة أو المشاعر عرفة ومزدلفة ومنى فقد خصت هذه الأماكن بعبادات لا يشركها فيها غيرها والعبادات مبناها على التوقيف والاتباع، فالحكم شرع بنص القرآن لا بمجرد تمني عمر رضي الله عنه.
ثانيا: أن عمر رضي الله عنه ورد عنه النهي عن تعظيم آثار الأنبياء والغلو فيها فإن لم يثبت قطعه للشجرة فقد ثبت عن المعرور بن سويد أنه قال: (خرجنا مع عمر في حجة حجها فقرأ بنا في الفجر {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ} [الفيل: 1] و {لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ} [قريش: 1] فلما قضى حجه ورجع والناس يتبدرون، فقال: ما هذا؟ فقال: مسجد صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: هكذا هلك أهل الكتاب اتخذوا آثار أنبيائهم بِيَعاً! من عرضت له منكم فيها الصلاة، فليصل، ومن لم يعرض له منكم فيه الصلاة فلا يصل). وسنده على شرط الشيخين.
وأخيرا، فإن المؤلف وإن ذكر أنه يرفض الممارسات المخالفة للتوحيد والمغالاة بالتجاوز عن الحد المشروع إلا أن دعوته إلى وجوب المحافظة على هذه الآثار واعتبار التفريط فيها خيانة للأمانة وضياع للمعالم التاريخية ويحيل تاريخنا الإسلامي إلى أسطورة مع تجويز زيارة هذه الآثار= فإن ذلك كله وسيلة لما ذكر في الكتاب أنه يرفضه، وهذا مما لا يوافق عليه فهو نفسه يقول: إن زيارة هذه الأماكن إذا خلت مما يخدش العقيدة هي في الأصل على الجواز. ومعلوم أن فتح هذا الباب لا بد وأن يؤدي إلى ما يخدش العقيدة فهل يتمسك بمباح يجر إلى إخلال بأصل الدين وهو التوحيد.
وينظر تفصيل هذه المسألة في:
• اقتضاء الصراط المستقيم لشيخ الإسلام ابن تيمية
• كتاب (التبرك أنواعه وأحكامه) للدكتور ناصر الجديع
• مقال للشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: (حكم الإسلام في إحياء الآثار)
• مقال للشيخ علوي السقاف (الرد على من زعم جواز التبرك بالآثار النبوية المكانية)
مقال له أيضا باسم (مسألة السفر لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وزيارة أماكن السيرة النبوية كغار حراء وجبل أحد وغيرهما)(3/343)
تصحيح المفاهيم العقدية في الصفات الإلهية
أو (الفتح المبين في براءة الموحدين من عقائد المشبهين)
لعيسى بن عبد الله مانع الحميري
عرض ونقد
2جمادى الآخرة1432هـ
كتاب (تصحيح المفاهيم العقدية في الصفات الإلهية) يحاول فيه مؤلفه عيسى الحميرى الانتصار لمذهب الأشاعرة والماتريدية في باب أسماء الله وصفاته، ويتكلف في تقريره مع تأويل صفات الله والاقتصار على صفات عشرين فقط هي التي تليق بذات الله وكماله - على حد زعمه - إليها ترجع بقية الصفات، مدعيًا أن ما ذهب إليه هو مذهب أهل السنة والجماعة، ولم ينس الصوفية فقد نقل ما يفيد الثناء عليهم من خلال حديث (فتح القسطنينية) وحاول الدفاع عنهم من خلال إنكار تقسيم التوحيد إلى ثلاثة أقسام.
وفيما يلي نستعرض الكتاب مع بيان أهم المؤاخذات عليه:
أولا: العرض
الكتاب عبارة عن مقدمة وثلاثة أبواب، عقد بعد التقدمة مدخلًا في معاني الصفات وانتهى فيها إلى أن عقيدة أهل السنة سلفًا وخلفًا هي تأويل في تفويض وتفويض في تأويل، وكلاهما مذهب واحد لا تناقض بينهما- على حد زعمه-. ثم من خلال مقدمات كلية في علم المنطق: تناول بيان الحكم وأنواعه وأقسام الحكم العقلي ونوع ماهية الحكم، ثم تكلم عن خصائص الذات والصفات العشرين المحكمة -عنده- مع تعريف الصفة والفرق بين الصفة والنعت والوصف، ثم خصائص الصفات الإلهية. ثم ذكر الصفات العشرين المحكمة من خلال أربعة أقسام:
القسم الأول: الصفات النفسية.
القسم الثاني: الصفات السلبية.
القسم الثالث: صفات المعاني.
القسم الرابع: الصفات المعنوية.
تناول الباب الأول - وهو في النصوص الموهمة للتشبيه- من خلال أربعة فصول:
الفصل الأول: في المحكم والمتشابه، وفيه بيَّن معنى المحكم والمتشابه من القرآن الكريم، وسرد أقوال العلماء في بيان المحكم والمتشابه ومذاهبهم في حكم المتشابه.
الفصل الثاني: في بيان مذهب السلف والخلف في تفويض المتشابه، وذكر فيه معنى التفويض لغة واصطلاحًا، مع بيان مذهب السلف والخلف في التفويض.
الفصل الثالث: في بيان مذهب السلف والخلف في تأويل المتشابه وذكر فيه معنى التأويل لغة واصطلاحًا مع بيان مذهب السلف في التأويل، ومذهب الخلف في تأويل المتشابه، وتكلم عن التأويل وحقيقته عند المتكلمين، وقرر أن مذهب الخلف هو عين مذهب السلف في التأويل.
الفصل الرابع: في بيان تناقض ابن تيمية في المحكم والمتشابه والرد عليه وكذلك ابن القيم ثم قام بالرد على ابن تيمية في قوله: لله يد تليق بجلاله.
وأما الباب الثاني وهو في الأخبار الإضافية وبيان وجوب تأويلها عند السلف والخلف، فقد سرد الأخبار الإضافية وذكر أقوال العلماء فيها، ويعني بالأخبار الإضافية الصفات التي يوهم ظاهرها النقص على حد زعمه.
ثم تناول هذه الأخبار ومنها الخبر الوارد في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فذكر معنى الاستواء وأقوال العلماء فيه، وبيَّن مذهب ابن تيمية في الاستواء مع الرد عليه، وبيَّن عقيدة أهل السنة والجماعة في قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] وأن ذلك لا يقتضي الجهة والفوقية الذاتية المكانية، وأنه يفوض المعنى إلا أنه لا ينكر على من فسر الاستواء بالاستيلاء إن كان يعني الاقتدار والهيمنة.
وكذلك تناول الأخبار الواردة في النفس والوجه، والعين واليد والأصبع، والغيرة والشخص والشيء والصورة، والساق والقدم الرجل، والإتيان والسخرية والاستهزاء، والقرب والمشي والهرولة، والفرح والضحك والعجب والنظر، والملال أو الملل والاستحياء والإعراض والتردد والحب، والمكر والخداع والنسيان والسخرية، والمعية والجنب والغضب والفراغ والكلام، مع التصرف فيها بالتأويل أو التفويض.
وأما الباب الثالث والأخير فكان في بيان موقف أهل السنة من تقسيم ابن تيمية للتوحيد مع الرد عليه